الآية ١٧ من سورة الروم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 30 الروم > الآية ١٧ من سورة الروم

فَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ١٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 97 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٧ من سورة الروم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٧ من سورة الروم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

هذا تسبيح منه تعالى لنفسه المقدسة ، وإرشاد لعباده إلى تسبيحه وتحميده ، في هذه الأوقات المتعاقبة الدالة على كمال قدرته وعظيم سلطانه : عند المساء ، وهو إقبال الليل بظلامه ، وعند الصباح ، وهو إسفار النهار عن ضيائه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (17) يقول تعالى ذكره: فسبحوا الله أيها الناس: أي صلوا له (حِينَ تُمْسُونَ)، وذلك صلاة المغرب، (وَحِينَ تُصْبَحُونَ)، وذلك صلاة الصبح .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحونقوله تعالى : فسبحان الله الآية فيه ثلاثة أقوال : الأول : أنه خطاب للمؤمنين بالأمر بالعبادة والحض على الصلاة في هذه الأوقات .

قال ابن عباس : الصلوات الخمس في القرآن ، قيل له : أين ؟

فقال : قال الله تعالى فسبحان الله حين تمسون صلاة المغرب والعشاء وحين تصبحون صلاة الفجر وعشيا العصر وحين تظهرون الظهر ; وقاله الضحاك وسعيد بن جبير .

وعن ابن عباس أيضا .

وقتادة : أن الآية تنبيه على أربع صلوات : المغرب والصبح والعصر والظهر ; قالوا : والعشاء الآخرة هي في آية أخرى فيوزلفا من الليل وفي ذكر أوقات العورة .

وقال النحاس : أهل التفسير على أن هذه الآية فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون في الصلوات .

وسمعت علي بن سليمان يقول : حقيقته عندي : فسبحوا الله في الصلوات ؛ لأن التسبيح في الصلاة ; وهو القول الثاني .

والقول الثالث : فسبحوا الله حين تمسون وحين تصبحون ; ذكره الماوردي .

وذكر القول الأول ، ولفظه فيه : فصلوا لله حين تمسون وحين تصبحون .

وفي تسمية الصلاة بالتسبيح [ ص: 15 ] وجهان : أحدهما : لما تضمنها من ذكر التسبيح في الركوع والسجود .

الثاني : مأخوذ من السبحة والسبحة الصلاة ; ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : تكون لهم سبحة يوم القيامة أي صلاة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذا إخبار عن تنزهه عن السوء والنقص وتقدسه عن أن يماثله أحد من الخلق وأمر للعباد أن يسبحوه حين يمسون وحين يصبحون ووقت العشي ووقت الظهيرة.فهذه الأوقات الخمسة أوقات الصلوات الخمس أمر اللّه عباده بالتسبيح فيها والحمد، ويدخل في ذلك الواجب منه كالمشتملة عليه الصلوات الخمس، والمستحب كأذكار الصباح والمساء وأدبار الصلوات وما يقترن بها من النوافل، لأن هذه الأوقات التي اختارها اللّه [لأوقات المفروضات هي] أفضل من غيرها [فالتسبيح والتحميد فيها والعبادة فيها أفضل من غيرها] بل العبادة وإن لم تشتمل على قول \"سبحان اللّه\" فإن الإخلاص فيها تنزيه للّه بالفعل أن يكون له شريك في العبادة أو أن يستحق أحد من الخلق ما يستحقه من الإخلاص والإنابة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( فسبحان الله ) أي : سبحوا الله ، ومعناه : ( حين تمسون ) أي : تدخلون في المساء ، وهو صلاة المغرب والعشاء ( وحين تصبحون ) أي : تدخلون في الصباح ، وهو صلاة الصبح .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فسبحان الله» أي: سبحوا الله بمعنى صلوا «حين تمسون» أي: تدخلون في المساء وفيه صلاتان: المغرب والعشاء «وحين تصبحون» تدخلون في الصباح وفيه صلاة الصبح.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فيا أيها المؤمنون سبِّحوا الله ونزِّهوه عن الشريك والصاحبة والولد، وَصِفوه بصفات الكمال بألسنتكم، وحقِّقوا ذلك بجوارحكم كلها حين تمسون، وحين تصبحون، ووقت العشي، ووقت الظهيرة.

وله -سبحانه- الحمد والثناء في السموات والأرض وفي الليل والنهار.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد هذا البيان المؤثر لأهوال يوم القيامة ، ولأحوال الناس فيه .

.

ساق - سبحانه - أنواعا متعددة من الأدلة والبراهين على وحدانيته - عز وجل - وقدرته ، ورحمته بخلقه فقال - تعالى - : ( فَسُبْحَانَ الله .

.

.

.

العزيز الحكيم ) .قالوا الإِمام الرازى : لما بين - سبحانه - عظمته فى الابتداء بقوله ( مَّا خَلَقَ الله السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بالحق وَأَجَلٍ مُّسَمًّى ) وعظمته فى الانتهاء ، بقوله : ( وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة ) وأن الناس يتفرقون فريقين ، ويحكم - عز وجل - على البعض بأن هؤلاء للجنة ولا أبالى ، وهؤلاء للنار يتفرقون فريقين ، ويحكم - عز وجل - على البعض بأن هؤلاء للجنة ولا أبالى ، وهؤلاء للنار ولا أبالى ، بعد كل ذلك أمر بتنزيهه عن كل سوء ، وبحمده على كل حال ، فقال : ( فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ ) .والفاء فى قوله : ( فَسُبْحَانَ ) لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، ولفظ " سبحان " اسم مصدر ، منصوب بفعل محذوف .

والتسبيح : تنزيه الله - تعالى - : عن كل ما لا يليق بجلاله .

والمعنى إذا علمتم ما أخبرتكم به قبل ذلك ، فسبحوا الله - تعالى - ونزهوه كل نقص ( حِينَ تُمْسُونَ ) أى : حين تدخلون فى وقت المساء ، ( وَحِينَ تُصْبِحُونَ ) أى : تدخلون فى وقت الصباح .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

لما بين الله تعالى عظمته في الابتداء بقوله: ﴿ مَّا خَلَقَ الله السموات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بالحق  ﴾ وعظمته في الانتهاء، وهو حين تقوم الساعة ويفترق الناس فريقين، ويحكم على البعض بأن هؤلاء للجنة ولا أبالي، وهؤلاء إلى النار ولا أبالي، أمر بتنزيهه عن كل سوء ويحمده على كل حال فقال: ﴿ فَسُبْحَانَ الله ﴾ أي سبحوا الله تسبيحاً، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في معنى سبحان الله ولفظه، أما لفظه ففعلان اسم للمصدر الذي هو التسبيح، سمي التسبيح بسبحان وجعل علماً له.

وأما المعنى فقال بعض المفسرين: المراد منه الصلاة، أي صلوا، وذكروا أنه أشار إلى الصلوات الخمس، وقال بعضهم أراد به التنزيه، أي نزهوه عن صفات النقص وصفوه بصفات الكمال، وهذا أقوى والمصير إليه أولى، لأنه يتضمن الأول وذلك لأن التنزيه المأمور به يتناول التنزيه بالقلب، وهو الاعتقاد الجازم وباللسان مع ذلك، وهو الذكر الحسن وبالأركان معهما جميعاً وهو العمل الصالح، والأول هو الأصل، والثاني ثمرة الأول والثالث ثمرة الثاني، وذلك لأن الإنسان إذا اعتقد شيئاً ظهر من قلبه على لسانه، وإذا قال ظهر صدقه في مقاله من أحواله وأفعاله، واللسان ترجمان الجنان والأركان برهان اللسان، لكن الصلاة أفضل أعمال الأركان، وهي مشتملة على الذكر باللسان والقصد بالجنان، وهو تنزيه في التحقيق، فإذا قال نزهوني، وهذا نوع من أنواع التنزيه، والأمر المطلق لا يختص بنوع دون نوع فيجب حمله على كل ما هو تنزيه فيكون أيضاً هذا أمراً بالصلاة، ثم إن قولنا يناسب ما تقدم، وذلك لأن الله تعالى لما بين أن المقام الأعلى والجزاء الأوفى لمن آمن وعمل الصالحات حيث قال: ﴿ فَأَمَّا الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ  ﴾ قال: إذا علمتم أن ذلك المقام لمن آمن وعمل الصالحات والإيمان تنزيه بالجنان وتوحيد باللسان والعمل الصالح استعمال الأركان والكل تنزيهات وتحميدات، فسبحان الله أي فأتوا بذلك الذي هو الموصل إلى الحبور في الرياض، والحضور على الحياض.

المسألة الثانية: خص بعض الأوقات بالأمر بالتسبيح وذلك لأن أفضل الأعمال أدومها، لكن أفضل الملائكة ملازمون للتسبيح على الدوام كما قال تعالى: ﴿ يُسَبّحُونَ الليل والنهار لاَ يَفْتُرُونَ  ﴾ والإنسان ما دام في الدنيا لا يمكنه أن يصرف جميع أوقاته إلى التسبيح، لكونه محتاجاً إلى أكل وشرب وتحصيل مأكول ومشروب وملبوس ومركوب فأشار الله تعالى إلى أوقات إذا أتى العبد بتسبيح الله فيها يكون كأنه لم يفتر وهي الأول والآخر والوسط أول النهار وآخره ووسطه فأمر بالتسبيح في أول الليل ووسطه، ولم يأمر بالتسبيح في آخر الليل لأن النوم فيه غالب والله منَّ على عباده بالاستراحة بالنوم، كما قال: ﴿ وَمِنْ ءاياته مَنَامُكُم باليل  ﴾ فإذا صلى في أول النهار تسبيحتين وهما ركعتان حسب له صرف ساعتين إلى التسبيح، ثم إذا صلى أربع ركعات وقت الظهر حسب له صرف أربع ساعات أخر فصارت ست ساعات، وإذا صلى أربعاً في أواخر النهار وهو العصر حسب له أربع أخرى فصارت عشر ساعات، فإذا صلى المغرب والعشاء سبع ركعات أخر حصل له صرف سبع عشرة ساعة إلى التسبيح وبقي من الليل والنهار سبع ساعات وهي ما بين نصف الليل وثلثيه لأن ثلثيه ثمان ساعات ونصفه ست ساعات وما بينهما السبع، وهذا القدر لو نام الإنسان فيه لكان كثيراً وإليه أشار تعالى بقوله: ﴿ قُمِ ٱلَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا  نِّصْفَهُۥٓ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا  أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ ٱلْقُرْءَانَ تَرْتِيلًا  ﴾ وزيادة القليل على النصف هي ساعة فيصير سبع ساعات مصروفة إلى النوم والنائم مرفوع عنه القلم، فيقول الله عبدي صرف جميع أوقات تكليفه في تسبيحي فلم يبق لكم أيها الملائكة عليهم المزية التي ادعيتم بقولكم: ﴿ نَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدّسُ لَكَ  ﴾ على سبيل الانحصار بل هم مثلكم فمقامهم مثل مقامكم في أعلى عليين، واعلم أن في وضع الصلاة في أوقاتها وعدد ركعاتها واختلاف هيئاتها حكمة بالغة، أما في عدد الركعات فما تقدم من كون الإنسان يقظان في سبع عشرة ساعة ففرض عليه سبع عشرة ركعة، وأما على مذهب أبي حنيفة حيث قال بوجوب الوتر ثلاث ركعات وهو أقرب للتقوى، فنقول هو مأخوذ من أن الإنسان ينبغي أن يقلل نومه فلا ينام إلا ثلث الليل مأخوذاً من قوله تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أدنى مِن ثُلُثَىِ اليل وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ ﴾ ويفهم من هذا أن قيام ثلثي الليل مستحسن مستحب مؤكد باستحباب ولهذا قال عقيبه: ﴿ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ  ﴾ ذكر بلفظ التوبة، وإذا كان كذلك يكون الإنسان يقظان في عشرين ساعة فأمر بعشرين ركعة، وأما النبي عليه السلام فلما كان من شأنه أن لا ينام أصلاً كما قال: تنام عيناي ولا ينام قلبي جعل له كل الليل كالنهار فزيد له التهجد فأمر به، وإلى هذا أشار تعالى في قوله: ﴿ وَمِنَ اليل فاسجد لَهُ وَسَبّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً  ﴾ أي كل الليل لك للتسبيح فصار هو في أربع وعشرين ساعة مسبحاً، فصار من الذين لا يفترون طرفة عين، وأما في أوقاته فما تقدم أيضاً أن الأول والآخر والوسط هو المعتبر فشرع التسبيح في أول النهار وآخره، وأما الليل فاعتبر أوله ووسطه كما اعتبر أول النهار ووسطه، وذلك لأن الظهر وقته نصف النهار والعشاء وقته نصف الليل لأنا بينا أن الليل المعتبر هو المقدار الذي يكون الإنسان فيه يقظان وهو مقدار خمس ساعات فجعل وقته في نصف هذا القدر وهو الثلاثة من الليل، وأما أبو حنيفة لما رأى وجوب الوتر كان زمان النوم عنده أربع ساعات وزمان اليقظة بالليل ثمان ساعات وأخر وقت العشاء الآخرة إلى الرابعة والخامسة، ليكون في وسط الليل المعتبر، كما أن الظهر في وسط النهار، وأما النبي صلى الله عليه وسلم لما كان ليله نهاراً ونومه انتباهاً قال: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك وتأخير العشاء إلى نصف الليل ليكون الأربع في نصف الليل كما أن الأربع في نصف النهار»، وأما التفصيل فالذي يتبين لي أن النهار اثنتا عشرة ساعة زمانية والصلاة المؤداة فيها عشر ركعات فيبقى على المكلف ركعتان يؤديهما في أول الليل ويؤدي ركعة من صلاة الليل ليكون ابتداء الليل بالتسبيح كما كان ابتداء النهار بالتسبيح، ولما كان المؤدى من تسبيح النهار في أوله ركعتين كان المؤدى من تسبيح الليل في أوله ركعة لأن سبح النهار طويل مثل ضعف سبح الليل، لأن المؤدى في النهار عشرة والمؤدى في الليل من تسبيح الليل خمس.

المسألة الثانية: في فضيلة السبحلة والحمدلة في المساء والصباح، ولنذكرها من حيث النقل والعقل، أما النقل فأخبرني الشيخ الورع الحافظ الأستاذ عبد الرحمن بن عبد الله بن علوان بحلب مسنداً عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لبعض أصحابه: أتعجز عن أن تأتي وقت النوم بألف حسنة؟

فتوقف فقال النبي عليه السلام: «قل سبحان الله والحمد لله والله أكبر مائة مرة يكتب لك بها ألف حسنة» وسمعته يقول رحمه الله مسنداً من قال خلف كل صلاة مكتوبة عشر مرات سبحان الله وعشر مرات الله أكبر أدخل الجنة.

وأما العقل فهو أن الله تعالى له صفات لازمة لا من فعله وصفات ثابتة له من فعله، أما الأولى فهي صفات كمال وجلال خلافها نقص، فإذا أدرك المكلف الله بأنه لا يجوز أن يخفي عليه شيء لكونه عالماً بكل شيء فقد نزهه عن الجهل ووصفه بضده، وإذا عرفه بأنه لا يعجز عن شيء لكونه قادراً على كل شيء فقد نزهه عن العجز، وإذا علم أنه لا يجري في ملكه إلا ما يشاء لكونه مريداً لكل كائن فقد وصفه ونزهه، وإذا ظهر له أنه لا يجوز عليه الفناء لكونه واجب البقاء فقد نزهه، وإذا بان له أنه لا يسبقه العدم لاتصافه بالقدم فقد نزهه، وإذا لاح له أنه لا يجوز أن يكون عرضاً أو جسماً أو في مكان لكونه واجباً بريئاً عن جهات الإمكان فقد نزهه.

لكن صفاته السلبية والإضافية لا يعدها عاد ولو اشتغل بها واحد لأفنى فيها عمره ولا يدرك كنهها.

فإذا قال قائل مستحضراً بقلبه سبحان الله متنبهاً لما يقوله من كونه منزهاً له عن كل نقص فإتيانه بالتسبيح على هذا الوجه من الإجمال يقوم مقام إتيانه به على سبيل التفصيل، لكن لا ريب في أن من أتى بالتسبيح عن كل واحد على حدة مما لا يجوز على الله يكون قد أتى بما لا تفي به الأعمار، فيقول هذا العبد أتى بتسبيحي طول عمره ومدة بقائه فأجازيه بأن أطهره عن كل ذنب وأزينه بخلع الكرامة وأنزله بدار المقامة مدة لا انتهاء لها، وكما أن العبد ينزه الله في أول النهار وآخره ووسطه، فإن الله تعالى يطهره في أوله وهو دنياه وفي آخره وهو عقباه وفي وسطه وهو حالة كونه في قبره الذي يحويه إلى أوان حشره وهو مغناه.

وأما الثانية وهو صفات الفعل فالإنسان إذا نظر إلى خلق الله السموات يعلم أنها نعمة وكرامة فيقول الحمد لله، فإذا رأى الشمس فيها بازغة فيعلم أنها نعمة وكرامة فيقول الحمد لله، وكذلك القمر وكل كوكب والأرض وكل نبات وكل حيوان يقول الحمد لله، لكن الإنسان لو حمد الله على كل شيء على حدة لا يفي عمره به، فإذا استحضر في ذهنه النعم التي لا تعد كما قال تعالى: ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا  ﴾ ويقول الحمد لله على ذلك فهذا الحمد على وجه الإجمال يقوم منه مقام الحمد على سبيل التفصيل، ويقول عبدي استغرق عمره في حمدي وأنا وعدت الشاكر بالزيادة فله علي حسنة التسبيح الحسنى وله على حمده الزيادة ثم إن الإنسان إذا استغرق في صفات الله قد يدعوه عقله إلى التفكر في الله تعالى بعد التفكر في آلاء الله، فكل ما يقع في عقله من حقيقته فينبغي أن يقول الله أكبر مما أدركه، لأن المدركات وجهات الإدراكات لا نهاية لها، فإن أراد أن يقول على سبيل التفصيل الله أكبر من هذا الذي أدركته من هذا الوجه وأكبر مما أدركته من ذلك الوجه وأكبر مما أدركته من وجه آخر يفني عمره ولا يفي بإدراك جميع الوجوه التي يظن الظان أنه مدرك لله بذلك الوجه، فإذا قال مع نفسه الله أكبر أي من كل ما أتصوره بقوة عقلي وطاقة إدراكي يكون متوغلاً في العرفان وإليه الإشارة بقوله: العجز عن درك الإدراك إدراك *** فقول القائل المستيقظ: سبحان الله والحمد لله والله أكبر مفيد لهذه الفوائد، لكن شرطه أن يكون كلاماً معتبراً وهو الذي يكون من صميم القلب لا الذي يكون من طرف اللسان.

المسألة الرابعة: قوله: ﴿ وَعَشِيّاً ﴾ عطف على ﴿ حِينٍ ﴾ أي سبحوه حين تمسون وحين تصبحون وعشياً، وقوله: ﴿ وَلَهُ الحمد فِي السموات والأرض ﴾ كلام معترض بين المعطوف والمعطوف عليه وفيه لطيفة وهو أن الله تعالى لما أمر العباد بالتسبيح كأنه بين لهم أن تسبيحهم الله لنفعهم لا لنفع يعود على الله فعليهم أن يحمدوا الله إذا سبحوه وهذا كما في قوله تعالى: ﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَىَّ إسلامكم بَلِ الله يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ للإيمان  ﴾ .

المسألة الخامسة: قدم الإمساء على الإصباح هاهنا وأخره في قوله: ﴿ وَسَبّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً  ﴾ وذلك لأن هاهنا أول الكلام ذكر الحشر والإعادة من قوله: ﴿ الله يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ إلى قوله: ﴿ ٱللَّهُ يَبْدَؤُا ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ  وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُبْلِسُ ٱلْمُجْرِمُونَ  وَلَمْ يَكُن لَّهُم مِّن شُرَكَآئِهِمْ شُفَعَٰٓؤُا وَكَانُوا بِشُرَكَآئِهِمْ كَٰفِرِينَ  وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ  فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَهُمْ فِى رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ  وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِـَٔايَٰتِنَا وَلِقَآئِ ٱلْءَاخِرَةِ فَأُو۟لَٰٓئِكَ فِى ٱلْعَذَابِ مُحْضَرُونَ  ﴾ وآخر هذه الآية أيضاً ذكر الحشر والإعادة بقوله: ﴿ وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ﴾ والإمساء آخر فذكر الآخر ليذكر الآخرة.

المسألة السادسة: في تعلق إخراج الحي من الميت والميت من الحي بما تقدم عليه هو أن عند الإصباح يخرج الإنسان من شبه الموت وهو النوم إلى شبه الوجود وهو اليقظة، وعند العشاء يخرج الإنسان من اليقظة إلى النوم، واختلف المفسرون في قوله: ﴿ يُخْرِجُ الحى مِنَ الميت ﴾ فقال أكثرهم: يخرج الدجاجة من البيضة والبيضة من الدجاجة، وكذلك الحيوان من النطفة والنطفة من الحيوان، وقال بعضهم المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن، ويمكن أن يقال المراد: ﴿ يُخْرِجُ الحى مِنَ الميت ﴾ أي اليقظان من النائم والنائم من اليقظان، وهذا يكون قد ذكره للتمثيل أي إحياء الميت عنده وإماتة الحي كتنبيه النائم وتنويم المنتبه.

ثم قال تعالى: ﴿ ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون ﴾ وفي هذا معنى لطيف وهو أن الإنسان بالموت تبطل حيوانيته وأما نفسه الناطقة فتفارقه وتبقى بعده كما قال تعالى: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله أمواتا  ﴾ لكن الحيوان نام متحرك حساس لكن النائم لا يتحرك ولا يحس والأرض الميتة لا يكون فيها نماء، ثم إن النائم بالانتباه يتحرك ويحس والأرض الميتة بعد موتها تنمو بنباتها فكما أن تحريك ذلك الساكن وإنماء هذا الواقف سهل على الله تعالى كذلك إحياء الميت سهل عليه وإلى هذا أشار بقوله: ﴿ وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

لما ذكر الوعد والوعيد، أتبعه ذكر ما يوصل إلى الوعد وينجي من الوعيد والمراد بالتسبيح ظاهره الذي هو تنزيه الله من السوء والثناء عليه بالخير في هذه الأوقات لما يتجدّد فيها من نعمة الله الظاهرة.

وقيل: الصلاة.

وقيل لابن عباس رضي الله عنهما: هل تجد الصلوات الخمس في القرآن؟

قال: نعم، وتلا هذه الآية ﴿ تُمْسُونَ ﴾ صلاتا المغرب والعشاء ﴿ تُصْبِحُونَ ﴾ صلاة الفجر ﴿ وَعَشِيّاً ﴾ صلاة العصر.

و ﴿ تُظْهِرُونَ ﴾ صلاة الظهر.

وقوله: ﴿ وَعَشِيّاً ﴾ متصل بقوله: ﴿ حِينَ تُمْسُونَ ﴾ وقوله: ﴿ وَلَهُ الحمد فِي السماوات والأرض ﴾ اعتراض بينهما.

ومعناه: إنّ على المميزين كلهم من أهل السموات والأرض أن يحمدوه.

فإن قلت: لم ذهب الحسن رحمه الله إلى أنّ هذه الآية مدنية؟

قلت: لأنه كان يقول: فرضت الصلوات الخمس بالمدينة وكان الواجب بمكة ركعتين في غير وقت معلوم.

والقول الأكثر أنّ الخمس إنما فرضت بمكة.

وعن عائشة رضي الله عنها: «فرضت الصلاة ركعتين فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أقرّت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر» وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سره أن يكال له بالقفيز الأوفي فليقل: ﴿ فسبحان الله حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (17) ﴾ ...

الآية» وعنه عليه السلام: «من قال حين يصبح: ﴿ فسبحان الله حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ﴾ أدرك ما فاته في يومه.

ومن قالها حين يمسي أدرك ما فاته في ليلته» ، وفي قراءة عكرمة: ﴿ حينا تمسون وحينا تصبحون ﴾ والمعنى: تمسون فيه وتصبحون فيه.

كقوله: ﴿ يَوْمًا لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا ﴾ [البقرة: 48] بمعنى فيه ﴿ الحى مِنَ الميت ﴾ الطائر من البيضة، و ﴿ الميت مِنَ الحى ﴾ البيضة من الطائر.

وإحياء الأرض: إخراج النبات منها ﴿ وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ﴾ ومثل ذلك الإخراج تخرجون من القبور وتبعثون.

والمعنى: أنّ الإبداء والإعادة متساويان في قدرة من هو قادر على الطرد والعكس من إخراج الميت من الحيّ وإخراج الحي من الميت وإحياء الميت وإماتة الحي.

وقرئ ﴿ الميت ﴾ بالتشديد.

﴿ وتخرجون ﴾ ، بفتح التاء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ ﴾ ﴿ وَلَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَشِيًّا وحِينَ تُظْهِرُونَ ﴾ إخْبارٌ في مَعْنى الأمْرِ بِتَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى والثَّناءِ عَلَيْهِ في هَذِهِ الأوْقاتِ الَّتِي تَظْهَرُ فِيها قُدْرَتُهُ وتَتَجَدَّدُ فِيها نِعْمَتُهُ، أوْ دَلالَةٌ عَلى أنَّ ما يَحْدُثُ فِيها مِنَ الشَّواهِدِ النّاطِقَةِ بِتَنَزُّهِهِ واسْتِحْقاقِهِ الحَمْدَ مِمَّنْ لَهُ تَمْيِيزٌ مِن أهْلِ السَّمَواتِ والأرْضِ، وتَخْصِيصُ التَّسْبِيحِ بِالمَساءِ والصَّباحِ لِأنَّ آثارَ القُدْرَةِ والعَظَمَةِ فِيهِما أظْهَرُ، وتَخْصِيصُ الحَمْدِ بِالعَشِيِّ الَّذِي هو آخِرُ النَّهارِ مِن عَشى العَيْنُ إذا نَقَصَ نُورُها والظَّهِيرَةُ الَّتِي هي وسَطُهُ لِأنَّ تَجَدُّدَ النِّعَمِ فِيهِما أكْثَرُ، وَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( عَشِيًّا ) مَعْطُوفًا عَلى ﴿ حِينَ تُمْسُونَ ﴾ وقَوْلُهُ ﴿ وَلَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ اعْتِراضًا.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الآيَةَ جامِعَةٌ لِلصَّلَواتِ الخَمْسِ ( تُمْسُونَ ) صَلاتا المَغْرِبِ والعَشاءِ، و ( تُصْبِحُونَ ) صَلاةُ الفَجْرِ، و ( عَشِيًّا ) صَلاةُ العَصْرِ، و ( تُظْهِرُونَ ) صَلاةُ الظُّهْرِ.

ولِذَلِكَ زَعَمَ الحَسَنُ أنَّها مَدَنِيَّةٌ لِأنَّهُ كانَ يَقُولُ كانَ الواجِبُ بِمَكَّةَ رَكْعَتَيْنِ في أيِّ وقْتٍ اتَّفَقَتا وإنَّما فَرْضُهُ الخَمْسَ بِالمَدِينَةِ، والأكْثَرُ عَلى أنَّها فُرِضَتْ بِمَكَّةَ.

وَعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «مَن سَرَّهُ أنْ يُكالَ لَهُ بِالقَفِيزِ الأوْفى فَلْيَقُلْ فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ الآيَةَ» .

وَعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «مَن قالَ حِينَ يُصْبِحُ فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ إلى قَوْلِهِ وكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ أدْرَكَ ما فاتَهُ في لَيْلَتِهِ، ومَن قالَهُ حِينَ يُمْسِي أدْرَكَ ما فاتَهُ في يَوْمِهِ» .

وَقُرِئَ «حِينًا تُمْسُونَ» و «حِينًا تُصْبِحُونَ» أيْ تُمْسُونَ فِيهِ وتُصْبِحُونَ فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

لما ذكر الوعد والوعيد أتبعه ذكر ما يوصل إلى الوعد وينجي من الوعيد فقال {فَسُبْحَانَ الله} والمراد بالتسبيح ظاهره الذي هو تنزيه الله من السوء والنثاء عليه بالخير فى هذه

الروم (٢١ - ١٧)

الأوقات لما يتجدد فيها من نعمة الله الظاهرة أو الصلاة فقيل لابن عباس هل تجد الصلوات الخمس في القرآن فقال نعم وتلا هذه الآية وهو نصب على المصدرو المعنى نزهوه عما لا يليق أو صلوا لله {حِينَ تُمْسُونَ} صلاة المغرب والعشاء {وَحِينَ تُصْبِحُونَ} صلاة الفجر

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ ﴾ ﴿ ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَشِيًّا وحِينَ تُظْهِرُونَ ﴾ أثَرُ ما بَيْنَ حالِ فَرِيقَيِ المُؤْمِنِينَ العامِلِينَ بِالصّالِحاتِ والكافِرِينَ المُكَذِّبِينَ بِالآياتِ وما لَهُما مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، أرْشَدَ سُبْحانَهُ إلى ما يُنَجِّي مِنَ الثّانِي، ويُفْضِي إلى الأوَّلِ مِن تَنْزِيهِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِشَأْنِهِ جَلَّ شَأْنُهُ، ومِن حَمْدِهِ تَعالى والثَّناءِ عَلَيْهِ ووَصْفِهِ بِما هو أهْلُهُ مِنَ الصِّفاتِ الجَمِيلَةِ والشُّؤُونِ الجَلِيلَةِ، وتَقْدِيمُ الأوَّلِ عَلى الثّانِي لِما أنَّ التَّخْلِيَةَ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى التَّحْلِيَةِ مَعَ أنَّهُ أوَّلُ ما يُدْعى إلَيْهِ الَّذِينَ كَفَرُوا المَذْكُورُونَ قَبْلُ بِلا فَصْلٍ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، وظاهِرُ كَلامِهِمْ أنَّ (سُبْحانَ) هُنا مَنصُوبٌ بِفِعْلِ أمْرٍ مَحْذُوفٍ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إذا عَلِمْتُمْ ذَلِكَ، أوْ إذا صَحَّ واتَّضَحَ حالُ الفَرِيقَيْنِ، ومَآلُهُما، فَسَبِّحُوا سُبْحانَ اللَّهِ إلَخْ، أيْ نَزِّهُوهُ تَعالى تَنْزِيهَهُ اللّائِقَ بِهِ عَزَّ وجَلَّ في هَذِهِ الأوْقاتِ، قالَ في الكَشْفِ: وفِيهِ إشْكالٌ، لِأنَّ سُبْحانَ اللَّهِ لَزِمَ طَرِيقَةً واحِدَةً لا يَنْصِبُهُ فِعْلُ الأمْرِ لِأنَّهُ إنْشاءٌ مِن نَوْعٍ آخَرَ، والجَوابُ أنَّ ذَلِكَ تَوْضِيحٌ لِلْمَعْنى، وأنَّ وُقُوعَهُ جَوابَ الشَّرْطِ عَلى مِنوالِ: إنْ فَعَلْتَ كَذا، فَنِعْمَ ما فَعَلْتَ، فَإنَّهُ إنْشاءٌ أيْضًا، لَكِنَّهُ نابَ مَنابَ الخَبَرِ، وأبْلَغَ، كَذَلِكَ هو لِإنْشاءِ تَنْزِيهِهِ تَعالى في الأوْقاتِ هَرَبًا مِن وبِيلِ عِقابِهِ، وطَلَبًا لِجَزِيلِ ثَوابِهِ، والشَّرْطُ والجَوابُ مَقُولٌ عَلى ألْسِنَةِ العِبادِ انْتَهى، وفي حَواشِي شَيْخِ زادَهْ أنَّ الأمْرَ بَلِ الجُمْلَةَ الإنْشائِيَّةَ مُطْلَقًا لا يَصِحُّ تَعْلِيقُها بِالشَّرْطِ، لِأنَّ الإنْشاءَ إيقاعُ المَعْنى بِلَفْظٍ يُقارِنُهُ، ولَوْ جازَ تَعْلِيقُهُ لَلَزِمَ تَأخُّرُهُ عَنْ زَمانِ التَّلَفُّظِ، وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ، وإنَّما المُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ هو الإخْبارُ عَنْ إنْشاءِ التَّمَنِّي والتَّرَجِّي، وإنْشاءُ المَدْحِ والذَّمِّ والِاسْتِفْهامِ ونَحْوِها، فَإذا قُلْتَ: إنْ فَعَلْتُ كَذا غَفَرَ اللَّهُ تَعالى لَكَ، أوْ فَنِعْمَ ما فَعَلْتَ، كانَ المَعْنى: فَقَدْ فَعَلْتَ ما تَسْتَحِقُّ بِسَبَبِهِ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ تَعالى لَكَ أوْ أنْ تُمْدَحَ بِسَبَبِهِ إلّا أنَّ الجُمْلَةَ الإنْشائِيَّةَ أُقِيمَتْ مَقامَهُ لِلْمُبالَغَةِ لِلدِّلالَةِ عَلى الِاسْتِحْقاقِ، فَمَعْنى الآيَةِ إذا كانَ الأمْرُ كَما تَقَرَّرَ فَأنْتُمْ تُسَبِّحُونَ اللَّهَ تَعالى في الأوْقاتِ المَذْكُورَةِ، وهو في مَعْنى الأمْرِ بِالتَّسْبِيحِ فِيها انْتَهى.

ولَعَلَّهُ أظْهَرُ مِمّا في الكَشْفِ، بَلْ لا يَظْهَرُ ما ذُكِرَ فِيهِ مِن دَعْوى أنَّ الشَّرْطَ والجَوابَ مَقُولٌ عَلى ألْسِنَةِ العِبادِ.

ويُوهِمُ كَلامُ بَعْضِهِمْ أنَّ الكَلامَ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ حَيْثُ قالَ: كَأنَّهُ قِيلَ: إذا صَحَّ واتَّضَحَ عاقِبَةُ المُطِيعِينَ والعاصِينَ فَقُولُوا: نُسَبِّحُ سُبْحانَ إلَخْ، والمَعْنى فَسَبِّحُوهُ تَسْبِيحًا في الأوْقاتِ، ولا يَخْفى ما فِيهِ، وكَأنِّي بِكَ تَمْنَعُ لُزُومَ سُبْحانَ طَرِيقَةً واحِدَةً، وهي الَّتِي ذُكِرَتْ أوَّلًا، ويَجُوزُ نَصْبُ فِعْلِ الأمْرِ لَها إذا اقْتَضاهُ المَقامُ وأشْعَرَ بِهِ الكَلامُ، ولَكِنْ كَأنَّكَ تَمِيلُ إلى اعْتِبارِ كَوْنِ الجُمْلَةِ خَبَرِيَّةً لَفْظًا إنْشائِيَّةً مَعْنًى، بِأنْ يُرادَ بِها الأمْرُ لِتَوافُقِ جُمْلَةِ ﴿ لَهُ الحَمْدُ ﴾ فَإنَّها وإنْ كانَتْ خَبَرِيَّةً إلّا أنَّ الإخْبارَ بِثُبُوتِ الحَمْدِ لَهُ تَعالى ووُجُوبِهِ عَلى المُمَيِّزِينَ مِن أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ كَما يُشْعِرُ بِهِ اتِّباعُ ذَلِكَ.

ذِكْرُ الوَعْدِ والوَعِيدِ، وتَفْرِيعُهُ عَلَيْهِ بِالفاءِ في مَعْنى الأمْرِ بِهِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ بَعْضُ الأجِلَّةِ، فَكَأنَّهُ حِينَئِذٍ قَدْ قِيلَ: فَسَبِّحُوا اللَّهَ تَعالى تَسْبِيحَهُ اللّائِقَ بِهِ سُبْحانَهُ في هَذِهِ الأوْقاتِ واحْمَدُوهُ، وظاهِرُ كَلامِ الأكْثَرِينَ أنَّ جُمْلَةَ ﴿ لَهُ الحَمْدُ ﴾ إلَخْ، مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، وأنَّ ( عَشِيًّا ) مَعْطُوفٌ عَلى ( حِينَ تُمْسُونَ ) بَلْ هم صَرَّحُوا بِهَذا، وعَلى ما ذُكِرَ يَكُونُ جُمْلَةُ ﴿ لَهُ الحَمْدُ ﴾ فاصِلَةً بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وما أشْبَهَ الآيَةَ حِينَئِذٍ بِآيَةِ الوُضُوءِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ أهْلُ السُّنَّةِ.

وفي الكَشّافِ أنَّ ( عَشِيًّا ) مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حِينَ تُمْسُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: فَسُبْحانَ اللَّهِ يعني: صلوا لله حِينَ تُمْسُونَ يعني: صلاة المغرب والعشاء وَحِينَ تُصْبِحُونَ يعني: صلاة الفجر وعشياً.

يعني: صلاة العصر وحين تظهرون.

على معنى التقديم والتأخير أي: صلاة الظهر وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ يعني: يحمده أهل السموات، وأهل الأرض.

ويقال: له الألوهية في السموات والأرض، كقوله عز وجل: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ [الزخرف: 84] يقال: وَلَهُ الْحَمْدُ يعني: الحمد على أهل السموات وأهل الأرض، لأنهم في نعمته، فالحمد واجب علينا.

يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ يعني: الدجاجة من البيضة، والإنسان من النطفة، والمؤمن من الكافر.

وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ يعني: البيضة من الدجاجة، والكافر من المؤمن.

وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها يعني: ينبت النبات من الأرض بعد يبسها، وقحطها بالمطر.

وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ يعني: يحييكم بالمطر الذي يمطر من البحر المسجور كالمني فتحيون به.

وقال مقاتل: يرسل الله عز وجل يوم القيامة ماء الحيوان من السماء السابعة من البحر المسجور على الأرض، بين النفختين، فينتشر عظام الموتى فذلك قوله: وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ: قرأ حمزة والكسائي: تُخْرَجُونَ بفتح التاء.

والباقون برفع التاء.

يعني: تخرجون من قبوركم يوم القيامة.

قوله عز وجل: وَمِنْ آياتِهِ قال مقاتل: يعني ومن علامات الرب، أنه واحد وإن لم يروه، وعرفوا توحيده بصنعه، أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ يعني: خلق آدم من تراب وأنتم ولده ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ ذريته من بعده بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ يعني: تبسطون.

كقوله: وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ [الشورى: 28] يعني: ويبسط.

ويقال: وَمِنْ آياتِهِ يعني: من العلامات التي تدل على أن الله عز وجل واحد لا مثل له، ظهور القدرة التي يعجز عنها المخلوقون أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ يعني: آدم  ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ منتشرون على وجه الأرض.

ثم قال عزّ وجلّ: وَمِنْ آياتِهِ يعني: من علامات وحدانيته أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ يعني: من جنسكم أَزْواجاً لأنه لو كان من غير جنسه، لكان لا يستأنس بها.

ويقال: مِنْ أَنْفُسِكُمْ يعني: خلقها من آدم.

ويقال: من بعضكم بعضاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها يعني: لتستقر قلوبكم عندها.

لأن الرجل إذا طاف البلدان، لا يستقر قلبه، فإذا رجع إلى أهله، اطمأن واستقر.

ويقال: لِتَسْكُنُوا إِلَيْها يعني: لتوافقوها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً يعني: الحب بين الزوج والمرأة، ولم يكن بينهما قرابة.

ويحب كل واحد منهما صاحبه، ويقال: وجعل منكم مودة للصغير على الكبير، ورحمة للكبير على الصغير.

ويقال: وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً يعني: الولدان إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ يعني: فيما ذكر لعلامات لوحدانيته لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ أني خالق.

قوله عز وجل: وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وأنتم تعلمون ذلك، لأنهم مقرون أن الله عز وجل خالقهم، وهو خالق الأشياء وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ أي: عربي، وعجمي، ونبطي، وَأَلْوانِكُمْ أي: أحمر، وأبيض، وأسود، وأسمر.

إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ يعني: لعلامات في خلق السموات والأرض، واختلاف الألسن، والألوان لعلامات.

لِلْعالِمِينَ فيعتبرون.

قرأ عاصم في روية حفص: لِلْعالِمِينَ بكسر اللام.

يعني: جميع العلماء، يعني: إن في ذلك علامة للعقلاء.

وقرأ الباقون: بنصب اللام يعني: علامة لجميع خلق الإنس والجن.

قوله عز وجل: وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ منامكم نومكم، فهو مصدر.

يقال: نام نوماً، ومناماً بالليل والنهار، على معنى التقديم يعني: منامكم بالليل وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ بالنهار يعني: طلبكم الرزق بالنهار والمعيشة إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ يعني: لعلامات على وحدانيتي لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ المواعظ ويعتبرون.

قوله عز وجل: وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً من الصواعق إذا كنتم بأرض قفر، وَطَمَعاً للمطر.

خَوْفاً وَطَمَعاً منصوبان على المفعول له المعنى يريكم للخوف والطمع، خوفاً للمسافر وطمعاً للمقيم.

وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماء يعني: المطر فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ أي: بالنبات بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أي: لعلامات لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ عن الله عز وجل فيوحدونه.

قوله عز وجل: وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ يعني: فوق رؤوسكم بغير عمد لا يناله شيء، وتقوم الأرض على الماء تحت أقدامكم وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ أي: بقدرته ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ يعني: إسرافيل-  - يدعوكم على صخرة بيت المقدس في الصور دعوة من الأرض إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ وقال بعضهم: في الآية تقديم.

ومعناه: ثم إذا دعاكم دعوة من الارض يعني: من قبوركم فإذا أنتم تخرجون: قرأ حمزة والكسائي: تَخْرُجُونَ بنصب التاء وضم الراء.

وقرأ الباقون: بضم التاء ونصب الراء.

ثم قال عز وجل: وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ من الخلق كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ يعني: مقرّين بالعبودية.

يعلمون أن الله عز وجل ربهم.

ويقال: قانِتُونَ أي: خاضعون له، لا يقدرون أن يغيروا أنفسهم عما خلقهم.

ويقال: معناه في كل شيء دليل ربوبيّته.

وهذا أيضاً من آياته.

ولكنه لم يذكر لأنه قد سبق ذكره مرات، فكأنه يقول ومن آياته أن له من في السموات والأرض له قانتون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

بمعنى الخضوعِ، والانقيادِ في طاعتهِ سبحانه.

وإعادة الخلق: هو بعثُهم من القبور.

وقوله تعالى: وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ قال ابن عباس وغيره: المعنى: وهو هين «١» عليه، وفي مصحف ابن مسعود «٢» «وهو هين عليه» ، وفي بعض المصاحف «وكل هين عليه» .

وقال ابن عباس أيضاً وغيره: المعنى: وهو أيسر «٣» عليه، قال: ولكن هذا التفضيل إنَّما هو بحسْب معتقدِ البَشَرِ وما يعطيهم النظر في الشاهد من أن الإعَادَةِ في كثير من الأشياء أهون علينا من البدأة.

ولما جاء بلفظٍ فيه استعارة، وتشبيه «٤» بما يعهده الناس من أنفسهم خَلُصَ جانبُ العظمة بأن جعل له المثلَ الأعْلَى الذي لا يلحقه تكييف ولا تماثل مع شيء.

ثم بين تعالى أمر الأصنام وفسادَ معتقدِ مَن يُشْرِكُها بالله- بضربه هذا المثلَ- وهو قوله: ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ ...

الآية، ومعناه:

أَنكم أيها الناس إذا كان لكم عبيدٌ تَمْلِكُونَهم فإنكم لا تشركونهم في أموالكم ومُهِمِّ أموركم، ولا في شيء على جهة استواءَ المنزلة.

وليس من شأنكم أن تخافوهم في أن يرثوا أموالكم، أو يقاسموكم إياها في حياتكم، كما يفعل بعضكم ببعض فإذا كان هذا فيكم، فكيف تقولون: أن من عبيده وملكه شركاءُ في سلطانِه وألوهيته هذا تفسير ابن عباس «٥» والجماعة.

فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)

وقوله تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً....

الآية، إقامة الوجه: هي تقويم المقصد والقوةِ على الجِدِّ في أعمال الدين.

وخص الوجه لأنه جامع حواس الإنسان ولشرفه.

وفِطْرَتَ اللَّهِ نَصْبٌ على المصدر.

وقيل: بفعل مضمر تقديره: اتبع أو التزم فطرة الله، واختُلِفَ في الفطرة هاهنا، والذي يعتمد عليه في تفسير هذه اللفظةِ أَنها الخِلْقَةُ والهَيْئَةُ التي في نفسِ الطفلِ التي هي مُعَدَّةٌ مُهَيَّئَةٌ لأَنْ يَمِيزَ بها مصنوعات الله، ويستدلَّ بها على ربِّهِ، ويعرف شرائعه ويؤمن به، فكأنه تعالى، قال: أقم وَجْهَك للدِّينِ الذي هو الحنيفُ، وهو فطرة الله الذي على الإعداد له فُطِرَ البشرِ لكن تعرضهم العوارض ومنه قوله صلى الله عليه وسلّم في الحديث الصحيح: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ ...

» الحديث «١» -، ثم يقول

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

ثُمَّ ذَكَرَ ما تُدْرَكُ بِهِ الجَنَّةُ ويُتَباعَدُ بِهِ مِنَ النّارِ فَقالَ: ﴿ فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: فَصَّلُوا لِلَّهِ حِينَ تُمْسُونَ، أيْ: حِينَ تَدْخُلُونَ في المَساءِ ﴿ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ﴾ أيْ: تَدْخُلُونَ في الصَّباحِ، و ﴿ تُظْهِرُونَ ﴾ تَدْخُلُونَ في الظَّهِيرَةِ، وهي وقْتُ الزَّوالِ، ﴿ وَعَشِيًّا ﴾ أيْ: وسَبِّحُوهُ عَشِيًّا.

وهَذِهِ الآيَةُ قَدْ جَمَعَتِ الصَّلَواتُ، فَقَوْلُهُ: ﴿ حِينَ تُمْسُونَ ﴾ يَعْنِي [بِهِ] صَلاةَ المَغْرِبِ والعِشاءِ، ﴿ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ﴾ يَعْنِي بِهِ صَلاةَ الفَجْرَ، ﴿ وَعَشِيًّا ﴾ العَصْرَ، ﴿ وَحِينَ تُظْهِرُونَ ﴾ الظَّهْرَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَحْمَدُهُ أهْلُ السَّمَواتِ وأهْلُ الأرْضِ ويُصَلُّونَ لَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ﴾ فِيهِ أقْوالٌ قَدْ ذَكَرْناها في (آلِ عِمْرانَ: ٢٧) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها ﴾ أيْ: يَجْعَلُها مُنْبِتَةً بَعْدَ أنْ كانَتْ لا تُنْبِتُ، وتِلْكَ حَياتُها ﴿ وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: " تُخْرَجُونَ " بِضَمِّ التّاءِ، وفَتَحَها حَمْزَةُ والكِسائِيُّ؛ والمُرادُ: تُخْرَجُونَ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ الأرْضِ، أيْ: كَما أحْيا الأرْضَ بِالنَّباتِ يُحْيِيكم بِالبَعْثِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ الساعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ ﴾ ﴿ فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ فَهم في رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ ﴾ ﴿ وَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ فَأُولَئِكَ في العَذابِ مُحْضَرُونَ ﴾ ﴿ فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ ﴾ ﴿ وَلَهُ الحَمْدُ في السَماواتِ والأرْضِ وعَشِيًّا وحِينَ تُظْهِرُونَ ﴾ ﴿ "يَتَفَرَّقُونَ" ﴾ مَعْناهُ: في المَنازِلِ والأحْكامِ والجَزاءِ، قالَ قَتادَةُ: فُرْقَةٌ واللهِ لا اجْتِماعَ بَعْدَها.

و"يُحْبَرُونَ" مَعْناهُ: يُنَعَّمُونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والحَبْرَةُ والحُبُورُ: السُرُورُ والنَعِيمُ، وَقالَ يَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ: ﴿ "يُحْبَرُونَ" ﴾ مَعْناهُ: يَسْمَعُونَ الأغانِيَ، وهَذا نَوْعٌ مِنَ الحَبْرَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: ﴿ "يُحْبَرُونَ": ﴾ يُكْرَمُونَ، وفي المَثَلِ: "امْتَلَأتْ بُيُوتُهم حَبْرَةً فَهم يَنْظُرُونَ العِبْرَةَ"، ومِنهُ بَيْتُ أبِي ذُؤَيْبٍ: فِراقٌ كَقَيْصِ السِنِّ فالصَبْرَ إنَّهُ ∗∗∗ لِكُلِّ أُناسٍ عِبْرَةٌ وحُبُورُ هَذا عَلى هَذِهِ الرِوايَةِ، ويُرْوى: "عَثْرَةٌ وجُبُورُ"، وهي أكْثَرُ.

وذَكَرَ تَعالى الرَوْضَةَ لِأنَّها مِن أحْسَنِ ما يُعْلَمُ مِن بِقاعِ الأرْضِ، وهي حَيْثُ يَكْثُرُ النَبْتُ الأخْضَرُ، وما كانَ مِنها في المُرْتَفَعِ مِنَ الأرْضِ كانَ أحْسَنُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: وما رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الحَزْنْ مُعْشِبَةٌ ∗∗∗ ∗∗∗ خَضْراءُ جادَ عَلَيْها مُسْبِلٌ هَطِلُ وَمِنهُ قَوْلُ كُثَيِّرٍ: فَما رَوْضَةٌ بِالحَزْنِ طَيِّبَةُ الثَرى ∗∗∗ ∗∗∗ يَمُجُّ النَدا جَثْجاثُها وعَرارُها قالَ الأصْمَعِيُّ: ولا يُقالُ رَوْضَةٌ حَتّى يَكُونَ فِيها ماءٌ يُشْرَبُ مِنهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَسُبْحانَ اللهِ ﴾ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالأمْرِ بِالعِبادَةِ والحَضِّ عَلى الصَلاةِ في هَذِهِ الأوقاتِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: أدّى هَذا التَفَرُّقِ إلى أنْواعٍ مِنَ النِعَمِ والعَذابِ فَجَرى بِها المُؤْمِنُ في طَرِيقِ الفَوْزِ بِرَحْمَةِ اللهِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وبَعْضُ الفُقَهاءِ: في هَذِهِ الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى أرْبَعِ صَلَواتٍ: المَغْرِبُ والصُبْحُ والعَصْرُ والظُهْرُ، قالُوا والعِشاءُ الآخِرَةُ في آيَةٍ أُخْرى، في ( زُلَفًا مِنَ اللَيْلِ ) وفي ذِكْرِ أوقاتِ العَوْرَةِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أيْضًا وفِرْقَةٌ مِنَ الفُقَهاءِ: في هَذِهِ الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى الصَلَواتِ الخَمْسِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ حِينَ تُمْسُونَ ﴾ يَتَضَمَّنُ الصَلاتَيْنِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَهُ الحَمْدُ في السَماواتِ والأرْضِ ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ مِن نَوْعِ تَعْظِيمِ اللهِ تَعالى والحَضِّ عَلى عِبادَتِهِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "حِينًا تُمْسُونَ وحِينًا تُصْبِحُونَ"، والمَعْنى: حِينَ تُمْسُونَ فِيهِ "وَحِينًا تُصْبِحُونَ فِيهِ".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الفاء تقتضي اتصال ما بعدها بما قبلها وهي فاء فصيحة، أو عطف تفريع على ما قبلها وقد كان أول الكلام قوله ﴿ أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق ﴾ [الروم: 8]، والضمير عائد إلى أكثر الناس في قوله ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ [الروم: 6] والمراد بهم الكفار فالتفريع أو الإفصاح ناشئ عن ذلك فيكون المقصود من ﴿ سبحان الله ﴾ إنشاء تنزيه الله تعالى عما نسبوه إليه من العجز عن إحياء الناس بعد موتهم وإنشاء ثناء عليه.

والخطاب في ﴿ تُمْسُونَ ﴾ و ﴿ تُصْبِحُونَ ﴾ تابع للخطاب الذي قبله في قوله ﴿ ثُمَّ إليهِ تُرْجعون ﴾ [الروم: 11]، وهو موجه إلى المشركين على طريقة الالتفات من ضمائر الغيبة المبتدئة من قوله ﴿ أو لم يتفكروا في أنفسهم ﴾ [الروم: 8] إلى آخرها كما علمت آنفاً.

وهذا هو الأنسب باستعمال مصدر (سبحان) في مواقع استعماله في الكلام وفي القرآن مثل قوله تعالى ﴿ سبحانه وتعالى عما يشركون ﴾ [الزمر: 67] وهو الغالب في استعمال مصدر ﴿ فسبِّح بحَمْد ربِّك حِينَ تقُوم ﴾ [الطور: 48] وقول الأعشى في داليته: وسبّح على حين العشيات والضحى *** وقوله ﴿ حين تمْسُون، ﴾ و ﴿ حين تَصبحون ﴾ ، و ﴿ عشياً، وحين تظْهرون ﴾ ظروف متعلقة بما في إنشاء التنزيه من معنى الفعل، أي يُنْشأ تنزيه الله في هذه الأوقات وهي الأجزاء التي يتجزأ الزمان إليها، والمقصود التأبيد كما تقول: سبحان الله دَوْماً.

وسلك به مسلك الإطناب لأنه مناسب لمقام الثناء.

وجوّز بعض المفسرين أن يكون ﴿ سبحان ﴾ هنا مصدراً واقعاً بدلاً عن فعل أمر بالتسبيح كأنه قيل: فسبحوا الله سبحاناً.

وعليه يخرج ما روي أن نافع بن الأزرق سأل ابن عباس: هل تجد الصلوات الخمس في القرآن؟

قال: نعم.

وتلا قوله تعالى ﴿ فسُبْحان الله حِينَ تمْسُون وحين تُصْبِحون ﴾ إلى قوله ﴿ وحِينَ تظهرون ﴾ فإذا صح ما روي عنه فتأويله: أن ﴿ سبحان ﴾ أمر بأن يقولوا: سبحان الله، وهو كناية عن الصلاة لأن الصلاة تشتمل على قول: سبحان ربي الأعلى وبحمده.

وقوله ﴿ حين تمسون ﴾ إلى آخره إشارة إلى أوقات الصلوات وهو يقتضي أن يكون الخطاب موجهاً إلى المؤمنين.

والمناسبة مع سابقه أنه لما وعدهم بحسن مصيرهم لقّنهم شكر نعمة الله بإقامة الصلاة في أجزاء اليوم والليلة.

وهذا التفريع يؤذن بأن التسبيح والتحميد الواقعين إنشاءً ثناء على الله كناية عن الشكر عن النعمة لأن التصدي لإنشاء الثناء عقب حصول الإنعام أو الوعد به يدل على أن المادح ما بعثه على المدح في ذلك المقام إلا قصد الجزاء على النعمة بما في طوقه، كما ورد (فإن لم تقدروا على مكافأته فادعوا له).

وليست الصلوات الخمس وأوقاتها هي المراد من الآية ولكن نسجت على نسج صالح لشموله الصلوات الخمس وأوقاتها وذلك من إعجاز القرآن، لأن الصلاة وإن كان فيها تسبيح ويطلق عليها السُبحة فلا يطلق عليها: سبحان الله.

وأضيف الحين إلى جملتي ﴿ تمسون وتصبحون ﴾ .

وقدم فعل الإمساء على فعل الإصباح: إما لأن الاستعمال العربي يعتبرون فيه الليالي مبدأ عدد الأيام كثيراً قال تعالى ﴿ سيروا فيها ليَالِيَ وأياماً آمنين ﴾ [سبأ: 18]، وإما لأن الكلام لما وقع عقب ذكر الحشر من قوله ﴿ الله يبدأ الخلق ثم يعيده ثم إليه تُرجعون ﴾ [الروم: 11] وذكر قيام الساعة ناسب أن يكون الإمساء وهو آخر اليوم خاطراً في الذهن فقُدم لهم ذكره.

و ﴿ عَشيّاً ﴾ عطف على ﴿ حينَ تمْسُون.

﴾ وقوله ﴿ وله الحمد في السماوات والأرض ﴾ جملة معترضة بين الظروف تفيد أن تسبيح المؤمنين لله ليس لمنفعة الله تعالى بل لمنفعة المسبحين لأن الله محمود في السماوات والأرض فهو غني عن حمدنا.

وتقديم المجرور في ﴿ ولَهُ الحَمْد ﴾ لإفادة القصر الادعائي لجنس الحمد على الله تعالى لأن حمده هو الحمد الكامل على نحو قولهم: فلان الشجاع، كما تقدم في طالعة سورة الفاتحة.

ولك أن تجعل التقديم للاهتمام بضمير الجلالة.

والإمساء: حلول المساء.

والإصباح: حلول الصباح.

وتقدم في قوله ﴿ فالق الإصباح ﴾ في سورة الأنعام (96).

والإمساء: اقتراب غروب الشمس إلى العشاء، والصباح: أول النهار.

والإظهار: حلول وقت الظهر وهو نصف النهار.

وقد استعمل الإفعال الذي همزته للدخول في المكان مثل: أنجد، وأتهم، وأيْمَنَ، وأشأم في حلول الأوقات من المساء والصباح والظهر تشبيهاً لذلك الحلول بالكون في المكان، فيكثر أن يقال: أصبح وأضحى وأمسى وأعْتَمَ وأشرَق، قال تعالى ﴿ فأتبعوهم مشرقين ﴾ [الشعراء: 60].

والعشي: ما بعد العصر، وقد تقدم عند قوله تعالى {ولا تَطْرُدِ الذين يَدْعُون ربهم بالغداة والعشي في سورة الأنعام (52).

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ: ﴿ فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ ﴾ وفي تَسْمِيَةِ الصَّلاةِ بِالتَّسْبِيحِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِما تَضَمَّنَتْها مِن ذِكْرِ التَّسْبِيحِ في الرُّكُوعِ والسُّجُودِ.

الثّانِي: مَأْخُوذٌ مِنَ السَّبْحَةِ، والسَّبْحَةُ الصَّلاةُ، ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ  «تَكُونُ لَكم سَبْحَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ أيْ صَلاةٌ» .

وَقَوْلُهُ: ﴿ حِينَ تُمْسُونَ ﴾ أيْ صَلاةُ المَغْرِبِ والعِشاءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ والضَّحّاكُ.

﴿ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ﴾ صَلاةُ الصُّبْحِ في قَوْلِهِمْ أيْضًا.

﴿ وَلَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى نِعَمِهِ وآلائِهِ.

الثّانِي: الصَّلاةُ لِاخْتِصاصِها بِقِراءَةِ الحَمْدِ في الفاتِحَةِ.

﴿ وَعَشِيًّا ﴾ يَعْنِي صَلاةَ العَصْرِ.

﴿ وَحِينَ تُظْهِرُونَ ﴾ يَعْنِي صَلاةَ الظُّهْرِ وإنَّما خَصَّ صَلاةَ اللَّيْلِ بِاسْمِ التَّسْبِيحِ وصَلاةَ النَّهارِ بِاسْمِ الحَمْدِ لِأنَّ الإنْسانَ في النَّهارِ مُتَقَلِّبٌ في أحْوالٍ تُوجِبُ حَمْدَ اللَّهِ عَلَيْها، وفي اللَّيْلِ عَلى خَلْوَةٍ تُوجِبُ تَنْزِيهَ اللَّهِ مِنَ الأسْواءِ فِيها، فَلِذَلِكَ صارَ الحَمْدُ بِالنَّهارِ أخَصَّ فَسُمِّيَتْ بِهِ صَلاةُ النَّهارِ، والتَّسْبِيحُ بِاللَّيْلِ أخَصَّ فَسُمِّيَتْ بِهِ صَلاةُ اللَّيْلِ.

والفَرْقُ بَيْنَ المَساءِ والعَشِيِّ أنَّ المَساءَ بُدُوُّ الظَّلامِ بَعْدَ المَغِيبِ، والعَشِيُّ آخِرَ النَّهارِ عِنْدَ مَيْلِ الشَّمْسِ لِلْمَغِيبِ وهو مَأْخُوذٌ مِن عَشا العَيْنِ وهو نَقْصُ النُّورِ مِنَ النّاظِرِ كَنَقْصِ نُورِ الشَّمْسِ، فَجاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ جامِعَةً لِأوْقاتِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ، وقَدْ رَوى سُفْيانُ عَنْ عاصِمٍ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ سَألَ ابْنَ عَبّاسٍ: هَلْ تَجِدُ في كِتابِ اللَّهِ الصَّلَواتِ الخَمْسَ؟

فَقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ.

قالَ يَحْيى بْنَ سَلّامٍ: كُلُّ صَلاةٍ ذُكِرَتْ في كِتابِ اللَّهِ قَبْلَ اللَّيْلَةِ الَّتِي أُسْرِيَ فِيها بِرَسُولِ اللَّهِ  فَلَيْسَتْ مِنَ الصَّلَواتِ الخَمْسِ لِأنَّها فُرِضَتْ في اللَّيْلَةِ الَّتِي أُسْرِيَ بِهِ فِيها وذَلِكَ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِسَنَةٍ، قالَ: وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ بَعْدَ لَيْلَةِ الإسْراءِ وقَبْلَ الهِجْرَةِ.

﴿ يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يُخْرِجُ الإنْسانَ الحَيَّ مِنَ النُّطْفَةِ المَيِّتَةِ ويُخْرِجُ النُّطْفَةَ المَيِّتَةَ مِنَ الإنْسانِ الحَيِّ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وابْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: يُخْرِجُ المُؤْمِنَ مِنَ الكافِرِ ويُخْرِجُ الكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ، قالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ والزُّهْرِيُّ، ورَواهُ الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ عَنِ النَّبِيِّ  .

الثّالِثُ: يُخْرِجُ الدَّجاجَةَ مِنَ البَيْضَةِ ويُخْرِجُ البَيْضَةَ مِنَ الدَّجاجَةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الرّابِعُ: يُخْرِجُ النَّخْلَةَ مِنَ النَّواةِ ويُخْرِجُ النَّواةَ مِنَ النَّخْلَةِ; والسُّنْبُلَةَ مِنَ الحَبَّةِ والحَبَّةَ مِنَ السُّنْبُلَةِ، قالَهُ ابْنُ مالِكٍ والسُّدِّيُّ.

وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: يُخْرِجُ الفَطِنَ اللَّبِيبَ مِنَ العاجِزِ البَلِيدِ ويُخْرِجُ العاجِزَ البَلِيدَ مِنَ الفَطِنِ اللَّبِيبِ.

﴿ وَيُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها ﴾ يَعْنِي بِالنَّباتِ لِأنَّهُ حَياةُ أهْلِها فَصارَ حَياةً لَها.

وَيُحْتَمَلُ ثانِيًا: أنَّهُ كَثْرَةُ أهْلِها لِأنَّهم يُحْيُونَ مُواتَها ويُعَمِّرُونَ خَرابَها.

﴿ وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ﴾ أيْ كَما أحْيا الأرْضَ بِإخْراجِ النَّباتِ وأحْيا المَوْتى كَذَلِكَ يُحْيِيكم بِالبَعْثِ.

وَفي هَذا دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ القِياسِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الفريابي وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أدنى ما يكون من الحين بكرة وعشيا، ثم قرأ ﴿ فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه عن أبي رزين رضي الله عنه قال: جاء نافع بن الأزرق إلى ابن عباس رضي الله عنهما قال: هل تجد الصلوات الخمس في القرآن؟

قال: نعم.

فقرأ ﴿ فسبحان الله حين تمسون ﴾ صلاة المغرب، ﴿ وحين تصبحون ﴾ صلاة الصبح ﴿ وعشيا ﴾ صلاة العصر ﴿ وحين تظهرون ﴾ صلاة الظهر وقرأ ﴿ ومن بعد صلاة العشاء ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جمعت هذه الآية مواقيت الصلاة ﴿ فسبحان الله حين تمسون ﴾ قال: المغرب والعشاء ﴿ وحين تصبحون ﴾ الفجر ﴿ وعشيا ﴾ العصر ﴿ وحين تظهرون ﴾ الظهر.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد، مثله.

وأخرج أحمد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن السني في عمل يوم وليلة والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدعوات عن معاذ بن أنس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «ألا أخبركم لم سمّى الله إبراهيم خليله الذي وفى لأنه كان يقول كلما أصبح وأمسى ﴿ سبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السماوات والأرض وعشياً وحين تظهرون ﴾ » .

وأخرج أبو داود والطبراني وابن السني وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قال حين يصبح ﴿ سبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السماوات والأرض وعشياً وحين تظهرون، يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون ﴾ أدرك ما فاته في يومه، ومن قالها حين يمسي أدرك ما فاته من ليلته» .

وأخرج ابن مردويه والخرائطي في مكارم الأخلاق عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قال حين أصبح سبحان الله وبحمده ألف مرة فقد اشترى نفسه من الله، وكان آخر يومه عتيقاً من النار» .

وأخرج ابن ماجة في تفسيره وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال عمر رضي الله عنه: أما الحمد فقد عرفناه، فقد يحمد الخلائق بعضهم بعضاً، وأما لا إله إلا الله فقد عرفناها، فقد عبدت الآلهة من دون الله، وأما الله أكبر فقد يكبر المصلي، وأما سبحان الله فما هو؟

فقال رجل من القوم: الله أعلم!

فقال عمر رضي الله عنه: قد شقي عمر إن لم يكن يعلم أن الله يعلم، فقال علي رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين اسم ممنوع أن ينتحله أحد من الخلائق، وإليه يفزع الخلق، واحب أن يقال له، فقال: هو كذاك.

وأخرج أحمد والحاكم والضياء عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله اصطفى من الكلام أربعاً: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.

فمن قال سبحان الله؛ كتبت له عشرون حسنة، وحطت عنه عشرون سيئة، ومن قال الله أكبر؛ مثل ذلك، ومن قال لا إله إلا الله؛ مثل ذلك، ومن قال الحمد لله رب العالمين.

من قبل نفسه له ثلاثون حسنة، وحطت عنه ثلاثون سيئة» .

وأخرج ابن عساكر عن الحسن البصري رضي الله عنه قال: من قرأ الآيات ﴿ فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون ﴾ إلى آخرها؛ لم يفته شيء في يومه وليلته، وأدرك ما فاته من يومه وليلته.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

ثم ذكر ما تُدرك به الجنة فقال: ﴿ فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ ﴾ (١) (٢) روى مِقْسَمُ وسعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كلُّ تسبيح في القرآن فهو: صلاة.

وقال مجاهد: كل سُبْحَةٍ في القرآن: صلاة (٣) قال المبرد: والعرب تقول: حتى أفرغ من سُبحتي؛ أي: من صلاتي.

والتسبيح: اسم الصلاة، قال الله تعالى: ﴿ فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ  ﴾ أي: من المصلين.

قال صاحب النظم: فتكون سبحان الله على تأويل: سبحوا لله، فلما صُرف قوله: سبحوا إلى مصدره، نُصبَ ليُعلم أن معناه: الإغراء والأمر، كما قال -عز وجل-: ﴿ فَضَرْبَ الرِّقَابِ  ﴾ أي: فاضربوا الرقاب.

هذا كلامه.

وروي أن نافع بن الأزرق سأل ابن عباس؛ فقال: أرأيتَ الصلواتِ الخمس تجدها في القرآن؟

قال: نعم؛ ﴿ فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ ﴾ المغرب ﴿ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ﴾ الغداة ﴿ وَعَشِيًّا ﴾ العصر ﴿ وَحِينَ تُظْهِرُونَ ﴾ الظهر ﴿ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ  ﴾ (٤) وروى أبو عياض عنه قال: جمعت هذه الآية مواقيت الصلاة؛ ﴿ فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ ﴾ المغرب والعشاء ﴿ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ﴾ الفجر ﴿ وَعَشِيًّا ﴾ العصر ﴿ وَحِينَ تُظْهِرُونَ ﴾ الظهر (٥) (١) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 180.

(٢) "تنوير المقباس" ص 339.

و"تفسير مقاتل" 77 ب.

و"معاني القرآن" للفراء 2/ 323.

(٣) أخرجه ابن جرير 21/ 29، وفيه: سجدة، بدل تسبيحة، فلعل الصواب: تسبيحة للآية.

وضبط السبحة من "التهذيب" 4/ 339 (سبح).

(٤) أخرجه عبد الرزاق 2/ 103، وابن جرير 21/ 29، وفيه: ثم قرأ ﴿ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ ﴾ .

وأخرجه الحاكم 2/ 445، كتاب التفسير، رقم (3541)، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.

(٥) أخرجه ابن جرير 21/ 29، من طريق الحكم بن أبي عياض.

وأخرجه من طريق آخر الثعلبي 8/ 167 أ.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَسُبْحَانَ الله ﴾ هذا تعليم للعباد أي: قولوا سبحان الله حين تمسون وحين تصبحون ﴿ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ ﴾ أي حين تدخلون في وقت الظهيرة وهي وسط النهار، وقوله: ﴿ وَلَهُ الحمد فِي السماوات والأرض ﴾ : اعتراض بين المعطوفات وقيل: أراد بذلك الصلوات الخمس، ف ﴿ حِينَ تُمْسُونَ ﴾ المغرب والعشاء، ﴿ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ﴾ : الصبح، ﴿ وَعَشِيّاً ﴾ : العصر، ﴿ وَحِينَ تُظْهِرُونَ ﴾ : الظهر.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ عاقبة ﴾ بالنصب: ابن عامر وعاصم وحمزة وعلي وخلف.

الآخرون: بالرفع.

﴿ السوأى ﴾ بالإمالة: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وحماد ﴿ يرجعون ﴾ على الغيبة: أبو عمرو غير عباس وأوقية وسهل ويحيى وحماد ﴿ تخرجون ﴾ بفتح التاء وضم الراء: حمزة وعلي وخلف.

الباقون: مجهولاً ﴿ للعالمين ﴾ بكسر اللام: حفص يفصل على الغيبة: عباس.

الآخرون: بالنون.

الوقوف: ﴿ ألم ﴾ كوفي ﴿ غلبت ﴾ ﴿ الروم ﴾ ه ﴿ سيغلبون ﴾ ه ﴿ سنين ﴾ ه ﴿ ومن بعد ﴾ ط ﴿ المؤمنون ﴾ ه ﴿ ينصر الله ﴾ ط وكلاهما مبني على أن قوله ﴿ بنصر الله ﴾ يتعلق بـ ﴿ يفرح ﴾ ﴿ ينصر من يشاء ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ وعد الله ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين والوصل أولى ﴿ غافلون ﴾ ه ﴿ في أنفسهم ﴾ ط لحق الحذف أي فيعلموا ذلك أو فيقولوا هذا القول ﴿ مسمى ﴾ ط ﴿ لكافرون ﴾ ه ﴿ من قبلهم ﴾ ط ﴿ بالبينات ﴾ ط ﴿ يظلمون ﴾ ه لا لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ يستهزؤن ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ المجرمون ﴾ ه والوصل جائز ﴿ كافرين ﴾ ه ﴿ يتفرقون ﴾ ه ﴿ يجبرون ﴾ ه ﴿ محضرون ﴾ ه ﴿ تصبحون ﴾ ه ﴿ تظهرون ﴾ ه ﴿ بعد موتها ﴾ ط ﴿ تخرجون ﴾ ه ﴿ تنتشرون ﴾ ه ﴿ ورحمة ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ وألوانكم ﴾ ط ﴿ للعالمين ﴾ ه ﴿ من فضله ﴾ ط ﴿ يسمعون ﴾ ه ﴿ موتها ﴾ ط ﴿ يعقلون ﴾ ه ﴿ بأمره ﴾ ط لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ دعوة ﴾ لا وقيل: على من الأرض وكلاهما تعسف.

والحق أن قوله ﴿ من الأرض ﴾ متعلق بـ ﴿ دعاكم ﴾ كقولك دعوت زيداً من بيته لا كقولك دعوته من بيتي ﴿ تخرجون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ قانتون ﴾ ه ﴿ أهون عليه ﴾ ج ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ من أنفسكم ﴾ ط لانتهاء الإخبار إلى الاستفهام ﴿ كخيفتكم أنفسكم ﴾ ط ﴿ يعقلون ﴾ ه ﴿ بغير علم ﴾ ج لابتداء الاستفهام مع الفاء ﴿ أضل الله ﴾ ط لتمام الاستفهام وابتداء النفي ﴿ ناصرين ﴾ ه ﴿ حنيفا ﴾ ط ﴿ عليها ﴾ ط ﴿ لخلق الله ﴾ ط ﴿ القيم ﴾ ه لا للاستدراك ﴿ لا يعلمون ﴾ ه وقيل: لا وقف عليه بناء على أن ﴿ منيبين ﴾ حال من ضمير ﴿ أقم ﴾ على أن الأمر له ولأمته مثل ﴿ يا أيها النبي إذا طلقتم  ﴾ والوقف أوضح لبعد العامل عن المعمول بل التقدير: كونوا منيبين بدليل قوله ﴿ ولا تكونوا من المشركين ﴾ لأن قوله ﴿ من الذين ﴾ كالبدل مما قبله ﴿ شيعاً ﴾ ط ﴿ فرحون ﴾ ه.

التفسير: وجه تعلق السورة بما قبلها هو أنه  كان يقول للمشركين ماأمر الله به ﴿ صم بكم عمي فهم لا يعقلون  ﴾ وكان يحقر آلهتهم وينسبها إلى العجز وعدم النفع والضر، وكان أهل الكتاب يوافقون المسلمين في الإله وفي كثير من الأحكام ولذلك قال ﴿ ولا تجادلوا أهل الكتاب ﴾ إلى قوله ﴿ وإلهنا وإلهكم واحد  ﴾ فلا جرم أبغض المشركون أهل الكتاب وتركوا مراجعتهم في الأمور.

فاتفق أن بعث كسرى جيشاً إلى الروم واستعمل عليهم رجلاً يقال له شهريران، فسار إلى الروم بأهل فارس فظفر عليهم وقتلهم وخرب مدائنهم.

وكان قيصر بعث رجلاً يدعى بجنس فالتقى مع شهريران بأذرعات وبصرى وهو أدنى الشأم إلى أرض العرب وإليه الإشارة بقوله ﴿ أدنى الأرض ﴾ لأن الأرض المعهودة عند العرب هي أرضهم أي غلبوا في أقرب أرض العرب منهم وهي أطراف الشأم.

وجوز جار الله أن يراد بأرضهم على إنابة اللام مناب المضاف إليه أي في أدنى أرضهم إلى عدوهم.

وهذا تفسير مجاهد لأنه قال: هي أرض الجزيرة وهي أدنى أرض الروم إلى فارس.

عن ابن عباس: الأردن وفلسطين.

ففرح المشركون بذلك فأنزل الله  هذه الآيات لبيان أن الغلبة لا تدل على الحق فقد يبتلى المحبوب ويعجل عذابه ليسلم في الآجل.

وقوله ﴿ في أدنى الأرض ﴾ إشارة إلى ضعفهم أي انتهى ضعفهم إلى أن وصل عدوهم إلى طريق الحجاز وكسروهم وهم في بلادهم.

ثم بين أن الروم سيغلبون غلبة عظيمة بعد ذلك الضعف العظيم، وكل ذلك دليل على أن الأمر بيد الله من قبل الغلبة ومن بعدها، أو من قبل تلك المدة ومن بعد ذلك، وقد وقع كما أخبر فغلبت الروم على فارس حتى وصلوا إلى المدائن وبنوا هنالك الرومية، قال المفسرون: لما نزلت الآية قال أبو بكر للمشركين: لا أقر الله أعينكم، والله ليظهرن الروم على فارس بعد بضع سنين.

فقال له أبي ابن خلف: كذبت يا أبا فضيل اجعل بيننا أجلاً أناحبك عليه، فخاطره على عشر قلائص من كل واحد منهما وجعل الأجل ثلاث سنين.

فأخبر أبو بكر رسول الله  فقال: البضع ما بين الثلاث إلى التسع فزايده في الخطر وماده في الأجل فجعلاها مائة قلوص إلى تسع سنين.

فلما أراد ابو بكر أن يخرج من مكة أتاه أبي فلزمه وطلب كفيلاً فكفله ابنه عبد الله بن أبي بكر، فلما أراد أن يخرج إلى أحد أتاه عبدالله فلزمه إلى أن أقام كفيلاً ثم خرج إلى أحد ثم رجي أبي فمات بمكة من جراحته التي جرحها رسول الله  فظهرت الروم على فارس يوم الحديبية.

وذلك عند رأس سبع سنين.

فأخذ أبو بكر الخطر من ذرية أبي وجاء به إلى رسول الله  فأمره أن يتصدق به.

قالت العلماء: إنما أبهم الوقت لأن الكفار كانوا معاندين والأمور التي تقع في البلاد الشاسعة قلما يحصل الاتفاق على وقتها المعين من السنة والشهر واليوم والساعة وإن كان معلوماً للنبي بإعلام الله إياه، فالمعاند كان يتمكن من الإرجاف بوقوع الواقعة قبل وقوعها ليحصل الخلف في الميعاد ولكن المعاند لا يتمكن من إنكار الواقعة في البضع، ﴿ ويومئذ ﴾ أي يوم يغلب الروم فارس ويحصل ما وعد الله من غلبتهم ﴿ يفرح المؤمنون بنصر الله ﴾ وبغلبة من له كتاب على من لا كتاب له، أو بغيظ الشامتين بهم من كفار مكة.

وقيل: نصر الله هو إظهار صدق المؤمنين فيما أخبر به نبيهم من غلبة الروم.

وعن أبي سعيد الخدري: وافق ذلك يوم بدرٍ وهو المراد بنصر الله، وذلك أن خبر الكسر لم يصل إليهم في ذلك اليوم بعينه فلا يكون فرحهم يومئذ بل الفرح يحصل بعده، ولناصر القولين الأولين أن يقول: اقيم سبب الفرح، مقام الفرح أو المراد باليوم الوقت الواسع الشامل لما بين زمان وقوع الكسر إلى زمان وصول خبر الكسر الموجب للفرح.

ومن علق قوله ﴿ بنصر الله ﴾ بقوله ﴿ ينصر ﴾ بناء على أن المقصود بيان أن النصرة بيد الله لا بيان وقوع النصرة لم يقف ههنا ووقف على ﴿ المؤمنون ﴾ ﴿ وهو العزيز الرحيم ﴾ فإذا سلط العدو على الحبيب فلعزته واستغنائه عن العالمين، وإذا نصر الحبيب فرحمته عليه.

أو نقول: إن نصر المحب فلعزته واستغنائه عنه ورحمته في الآخرة واصله إليه.

﴿ وعد الله ﴾ مصدر مؤكد لنفسه لأن ما سبق في معنى الوعد ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ أنه لا خلف في وعده لأنهم بله في أمور الدين.

وفي إبدال قوله ﴿ يعلمون ﴾ من قوله ﴿ لا يعلمون ﴾ أو في بيان هذا بذاك إشارة أن العلم بأمور الدنيا كالجهل المطلق، وفي تنكير ﴿ ظاهراً ﴾ إشارة إلى قلة علمهم بظاهر الدنيا أيضاً وفي تكرير "هم" إشارة إلى أن الغفلة منهم وإلا فأسباب التذكرة حاصلة وظاهر الدنيا ملاذها وملاعبها وباطنها مضارها ومتاعبها.

هي الدنيا تقول بملء فيها *** حذار حذار من سفكي وفتكي فلا يغرركم طول ابتسامي *** فقولي مضحك والفعل مبكي ثم أشار إلى وجه التفكر بقوله ﴿ أولم يتفكروا ﴾ وقوله ﴿ في أنفسهم ﴾ يتعلق به أما تعلق الظرف بالفعل كأنه قال: أولم يحدثوا التفكر في قلوبهم الفارغة فيكون كما لو قلت لأجل زيادة التصوير اعتقده في قلبك وأضمره في نفسك مع أن الاعتقاد لا يكون إلا في القلب، والإضمار لا يوجد إلا في النفس.

وأما تعلق الجار بالفعل كقولك: تفكر في الأمور.

وذلك أنه إذا تفكر في نفسه التي هي أقرب الاشياء إليه وقف على غرائب الحكم ودقائق الصنع التي أودعها الله  فيها كما يكفل بيان بعضها علم التشريح فجره ذلك إلى العلم بأنه  ما خلق السموات والأرض وما بينهما إلا متلبساً بالغرض الصحيح الذي أودعه الله فيها، وبتقدير أجل مسمى هو وقت الجزاء والحساب، ثم في الآية تقريران: أحدهما يناسب أصول الأشاعرة وهو أن دلائل الأنفس منجرة إلى دلائل الآفاق المذكورة للتوحيد وللعلم بالإله القادر المختار الصادق كلامه، لكنه أخبر عن تخريب السموات والأرض وعن حشر الأجساد وانتهاء الجسمانيات إلى الإفناء ث الإعادة في الوقت المعلوم فيكون الأمر على ما أخبر.

وثانيهما يتوقف على أصول المعتزلة، وهو أن التفكر في النفس يجذب بصنعه إلى معرفة الإِله الحكيم الذي لا يفعل العبث والجزاف، فإنه خلق السموات وغيرها من الأسجام لمنافع المكلفين، وإذا انتهى التكليف فلا بد من تخريب السموات والأرض وانتهاء الأمر إلى حالة الجزاء واللقاء كيلا تنخرم قاعدة الحكمة والتدبير ورعاية الصلاح والعدل.

ثم قال ﴿ وإن كثيراً من الناس ﴾ وقد قال قبل ذلك ﴿ ولكن أكثر الناس ﴾ لأنه قد ذكر دليلاً على الأصول، ولا شك أن الإيمان بعد الدليل يكون أكثر من الإيمان قبل الدليل فلا يبقى الأكثر مكما هو فعبر عن الباقي بالكثير.

قال في الكشاف والمراد ﴿ بلقاء ربهم ﴾ الأجل المسمى، والأشاعرة يحملونه على الرؤية، واعلم أن دليل الأنفس مقدم على دليل الآفاق، لأن الإنسان قلما يذهل عن نفسه، وأن نفسه أقرب الشياء إليه نظير الآية قوله  ﴿ الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض  ﴾ أي يعرفون الله بدلائل الأنفس في سائر الأحوال، ويتفكرون في خلق السموات والأرض بدلائل الآفاق.

وإنما أخر الأنفس في قوله ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم  ﴾ لإن الإراءة إنما يفتقر إليها في معرفة الأبعد الأخفى كأنه قال: سنريهم آياتنا الآفاقية فإن لم يفهموها فآيات الأنفس معلومة.

وهذا الترتيب لا يناسب التفكر بل الفكر يتصور دليل الأنفس أولاً ثم يرتقي إلى دليل الآفاق فظهر أن كل آية وردت على ما اقتضته الحكمة والبلاغة.

وحين ذكر دليل النفس الذي لا يقع الذهول عنه إلا ندرة ارتقى إلى دليل السموات والأرض الذي يقع الذهول عنه في كثير من الأحوال لكنه لا يحتاج إلا إلى التفات ذهني، ثم أتبعه دليل الآفاق الذي يتوقف على السير والتحول ليقفوا على أمر أمثالهم.

وحكاية أشكالهم ثم ذكر أنهم أولى بالهلاك لأن من تقدمهم كعاد وثمود كانوا أشد منهم قوة جسمانية وأثاروا الأرض حرثوها وهو إشارة إلى القوة المالية.

ثم اشار إلى القوة الظهرية التي يستند إليها عند الضعف والفتور وهي الحصون والعمائر بقوله ﴿ وعمروها أكثر مما عمروها ﴾ هؤلاء يعني أهل مكة كانوا أهل واد غير ذي زرع ما لهم أثارة أرض أصلاً ولا عمارة لها راساً، ففيه نوع تهكم بهم.

قال أهل البرهان: إنما قال في هذه السورة وفي آخر "فاطر" وفي "المؤمن" ﴿ أولم يسيروا ﴾ بالواو وفي غيرهن ﴿ أفلم ﴾ بالفاء لأن ما قبلها في هذه السورة ﴿ أولم يتفكروا ﴾ وما بعدها ﴿ وأثاروا ﴾ بالواو فوافق ما قبلها وما بعدها.

وكذا في "فاطر" ما قبله ﴿ ولن تجد لسنتنا تحويلاً  ﴾ وما بعده ﴿ وما كان  ﴾ وفي "المؤمن" ما قبله ﴿ والذين يدعون ﴾ وأما في آخر "المؤمن" فما قبله ﴿ فأي آيات الله ﴾ وما بعده ﴿ فما أغنى عنهم  ﴾ وكلاهما بالفاء.

قوله في هذه السورة ﴿ من قبلهم ﴾ متصل بكون آخر مضمر.

وقوله ﴿ كانوا أشد منهم قوة ﴾ وكذا معطوفاه إخبار عما كانوا عليه قبل الإهلاك.

وإنما قال في "فاطر" ﴿ وكانوا ﴾ بزيادة الواو لأن التقدير فينظروا كيف أهلكوا وكانوا اشد، وخصت السورة به لقوله ﴿ وما كان الله ليعجزه  ﴾ وقال في "المؤمن" ﴿ كانوا من قبلهم كانوا هم أشد ﴾ فأظهر "كان" وزاد لفظه "هم" لأن الآية وقعت في أوائل قصة موسى وهي تتم في ثلاثين آية، فكان اللائق به البسط دون الوجازة ولم يبسط هذا البسط في آخر السورة اكتفاء بالأول والله أعلم.

﴿ ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ﴾ بوضع الأنفس الشريفة في موضع خسيس هو عبادة الأصنام.

قال أهل السنة: هذا الوضع كان بمشيئة الله وإرادته لكنه صدر عنهم فأضيف إليهم ﴿ والسوأى ﴾ تانيث الأسوا وهو الأقبح وهي خبر "كان" فيمن قرأ ﴿ عاقبة ﴾ بالرفع واسم "كان" فيمن قرأ ﴿ عاقبة ﴾ بالنصب.

و"ثم" لتفاوت الرتبة، وفي التركيب وضع للمظهر موضع المضمر.

والمعنى أنهم أهلكوا ثم كانت عاقبتهم السوأى وهي عذاب النار.

و ﴿ أن كذبوا ﴾ المعنى لأن "أو" بأن كذبوا أو هو تفسير اساؤا على أن الإساءة في معنى القول نحو: نادى وكتب معناه أي كذبوا وجوز جار الله أن يكون السوأى مفعول ﴿ اساؤا ﴾ و ﴿ أن كذبوا ﴾ عطف بيان لها، وخبر "كان" محذوف إرادة الإبهام ليذهب الوهم كل مذهب فيكون تقدير الكلام.

ثم كان عاقبة الذين اقترفوا الخطيئة التي هي أسوأ الخطايا أن كذبوا كذا وكذا مما لا يكتنه كنهه.

قال أهل التحقيق: ذكر الزيادة في حق المحسن في قوله ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة  ﴾ ولم يذكر في الحق المسيء لأن جزاء سيئة سيئة بمثلها، وذكر السبب في العقوبة وهو قوله ﴿ أن كذبوا ﴾ ولم يذكره في الآية ليعلم أن إحسانه لا يتوقف على السبب بل فضله كافٍ فيه.

وحين ذكر ان عاقبتهم النار وكان في ذلك إشارة إلى الإعادة والحشر لم يتركه دعوى بلا بينة فقال ﴿ الله يبدأ ﴾ يعني من خلق بالقدرة والإرادة لا يعجز عن الرجعة والإعادة.

ثم بين ما يكون وقت الرجوع فقال ﴿ ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون ﴾ يعني في ذلك اليوم يتبين إفلاسهم ويتحقق إبلاسهم وهو سكوت مع تحير ويأس مع بؤس ويأس لا اليأس الذي هو إحدى الراحتين وذلك إذا كان المرجو أمراً غير ضروري فيستريح الطامع من الانتظار.

ثم ذكر وجه الإبلاس وذلك قوله ﴿ ولم يمكن لهم من شركائهم شفعاء وكانوا بشركائهم كافرين ﴾ يجحدونها وقتئذ بقوله ﴿ سيكفرون بعبادتهم  ﴾ أو كانوا في الدنيا كافرين بسببهم.

ثم حكى أنهم يعني المسلمين والكافرين ﴿ يومئذ يتفرقون ﴾ فريق في الجنة وفريق في السعير تفصيله في الآيتين بعده والروضة عندهم كل أرض ذات نبات وماء.

وفي الأمثال "أحسن من بيضة في روضة" يعنون بيضة النعامة وتنكير روضة للتعظيم ومعنى ﴿ يحبرون ﴾ يسرون بأنواع المسار لحظة فلحظة.

حبره إذا سره سروراً تهلل ببشر.

وخصه مجاهد بالتكريم، وقتادة بالتنعيم، وابن كيسان بالتحلية، ووكيع بالسماع.

عن النبي  "إن في الجنة لنهراً حافتاه الأبكار من كل بيضاء رخصة يتغنين بأصوات لم تسمع الخلائق بمثلها قط فذلك افضل نعيم الجنة" قال الراوي: سألت ابا الدرداء بم تغنين؟

قال: بالتسبيح.

وروي أن في الجنة لأشجاراً عليها أجراس من فضة، فإذا أراد أهل الجنة السماع بعث الله ريحاً من تحت العرش في تلك الأشجار فتحرك تلك الأجراس باصوات لو سمعها أهل الدنيا لماتوا.

وأما معنى ﴿ محضرون ﴾ لا يغيبون عنه وقد مر في قوله ﴿ ثم هو يوم القيامة من المحضرين  ﴾ وإنما أهمل ذكر الفسقة من أهل الإيمان اكتفاء بما ذكر في الآيات الأخر كقوله ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء  ﴾ وكقوله ﴿ إنما التوبة على الله  ﴾ إلى قوله ﴿ تبت الآن  ﴾ قال جار الله: لما ذكر الوعد والوعيد أتبعه ذكر ما يوصل إلى الوعد وينجي من الوعيد وقال آخرون: لما ذكر عظمته في المبدأ بقوله ﴿ ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق ﴾ وفي الانتهاء بقوله ﴿ ويوم تقوم الساعة ﴾ وكرر ذكر قيام الساعة للتأكيد والتخويف، أراد أن ينزه نفسه عن كل سوء ويثبت لذاته كل حمد ليعلم أنه منزه عن طاعات المطيعين، محمود على كل ما يوصل إلى المكلفين، مذكور على لسان أهل السموات والأرضين.

والتسبيح في الظاهر هو تنزيه الله من السوء والثناء عليه بالخير في هذه الأوقات لما في كل منها من كل نعمة متجددة.

وخص بعضهم التسبيح بالصلاة لما روي عن ابن عباس أنه قال ﴿ تمسون ﴾ صلاتا المغرب والعشاء ﴿ ويصبحون ﴾ صلاة الفجر ﴿ وعشياً ﴾ صلاة العصر و ﴿ يظهرون ﴾ صلاة الظهر أمر بالصلاة في أول النهار ووسطه وآخره، وأمر بالصلاة أول الليل ووسطه وهو العشاء بقوله  "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك وبتأخير العشاء إلى نصف الليل" ولم يأمر بالصلاة في آخر الليل لأن النوم فيه غالب وإنه منَّ على عباده بالإستراحة في الليل بالنوم في مواضع منها قوله ﴿ ومن آياته منامكم بالليل  ﴾ كما يجيء.

روي عن الحسن أن الاية مدنية بناء على أنه كان يقول: فرضت الصلوات الخمس بالمدينة وكان الواجب بمكة ركعتين في غير وقت معلوم.

وقول الأكثر إن الخمس فرضت بمكة.

قوله ﴿ وعشياً ﴾ معطوف على ﴿ حين ﴾ وما بينهما وهو قوله ﴿ وله الحمد في السموات والأرض ﴾ اعتراض.

قال جار الله: معناه إن على المميزين كلهم من أهل السموات والأرض أن يحمدوه قلت: فيه ايضاً أن الله غني عن تسبيح المسبحين فلو لم يحمده حامد فله استئهال الحمد على الإطلاق ولو حمدوه لعاد نفعه إليهم.

وقدم الإمساك لأن الظلمة عدمية والأصل في الأشياء العدم، وقدم العشي على الظهيرة لأجل الفاصلة أو للتنبيه على فضيلة صلاة العصر، ولعل في تقديم الاعتراض المذكور على العشي إشارة إلى هذا ومعنى ﴿ ويخرج الحي من الميت ﴾ قد سلف مراراً ويحتمل أن يراد ههنا اليقظان والنائم لقوله ﴿ وكذلك تخرجون ﴾ اي من القبور، فتنبيه النائم بعد اليقظة يشبه الإعادة، وكذا رد الأرض إلى حالة الخضرة والنضرة بعد ذبولها.

عن رسول الله  "من قال حين يصبح فسبحان الله حين تمسون إلى قوله وكذلك تخرجون أدرك ما فاته من يومه، ومن قالها حين يمسي أدرك ما فاته من ليلته" ثم اراد أن يذكر الحجج الباهرة علىاستحقاق التسبيح والتحميد له فقال ﴿ ومن آياته أن خلقكم ﴾ أي أصلكم أو كلاً منكم كما مر في أول الحج ﴿ من تراب ﴾ وذلك ان التراب أبعد الأشياء عن درجة الإحياء لكثافته ولبرودته ويبسه والحياة بالحرارة والرطوبة، ولكدورته والأروح نير ولثقله وخفة الرواح ولسكونه والحي متحرك حساس، ولا تتنافي بين هذا وبين قوله ﴿ خلق من الماء بشراً  ﴾ لأنه أراد الأصل الثاني الذي هو النطفة، أو أراد أن أصل البشر في الظاهر هو التراب والماء وأما النار فللإنضاج، والهواء فللاستبقاء كالزق المنفوخ يقوم بالهواء، و ﴿ ثم ﴾ لتبعيد الرتبة و ﴿ إذا ﴾ للمفاجأة أي ثم فاجأتم وقت كونكم بشراً.

قالوا: فيه إشارة إلى مسألة حكمية وهي أن الله  يخلق أولاً إنساناً فيتبعه أنه حيوان تام لا أنه يخلق أولاً حيواناً ثم يجعله إنساناً، فخلق الأنواع هو المراد الأول ثم تكون الأنواع فيها الأجناس بتلك الإرادة الأولى.

وقوله ﴿ بشراً ﴾ إشارة إلى القوة المدركة التي البشر بها بشروا بها يمتاز عن غيره من الحيوانات.

وقوله ﴿ تنتشرون ﴾ إشارة إلى القوة المتحركة التي بها الحيوان حيوان فكأنه أشار إلى فصله وجنسه، وكان الأولى تقديم الجنس على الفصل، إلا أنه عكس الترتيب لأنه كأنه قال: العجب غير مختص بالإنسان بل الحيوان المنتشر من التراب الساكن عجيب أيضاً.

والانتشار إما بمعنى التردد في الحوائج كقوله ﴿ فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله  ﴾ وإما بمعنى البث والتفريق كقوله ﴿ وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء  ﴾ .

وحين بين خلق الإنسان ولم يكن مما يبقى على مر الزمان منَّ عليهم بأن جعل نوع الإنسان باقياً بتعاقب الأشخاص فقال ﴿ ومن آياته أن خلق لكم ﴾ ولا يلزم منه أن لا يكنَّ مخلوقات للعبادة والتكليف لأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه، فقد يكون الشيء مختصاً باثنين وجعل مهيأ لآخرين على أن النعمة ما كانت تتم علينا إلا بتكليفهن، فلولا خوف العقاب لتمردت النسوان على أزواجهن.

و ﴿ من أنفسكم ﴾ أي من جنسكم أو هو إشارة إلى أن حواء خلقت من ضلع آدم وقد مر في "النحل" ويشهد للتفسير الأول قوله ﴿ لتسكنوا إليها ﴾ فإن الجنس إلى الجنس أسكن ﴿ وجعل بينكم مودة ﴾ عن الحسن هي الجماع ﴿ ورحمة ﴾ هي الولد.

وقال غيره: المودة حالة حاجة نفسه إليها، والرحمة حالة حاجة صاحبته إليه، وقد تفضي المودة إلى مجرد الرحمة وذلك إذا خرجت عن محل الشهوة بكبر أو مرض، أو خرج عن إمكان رعاية حقها بكبر أو زمانة أو فقر.

قال بعضهم: المودة والرحمة بعصمة الزواج من غير سابقة معرفة وقرابة وهي من قبل الله، والفرك من قبل الشيطان ﴿ إن في ذلك ﴾ الخلق والجعل ﴿ لآيات لقوم يتفكرون ﴾ فخلق الإنسان من الوالدين آية، وجعل أحدهما ذكراً والآخر أنثى آية، وخروج الولد الضعيف من الموضع الضيق آية، وجعل التوادد بين الزوجين من غير صلة رحم آية ولما ذكر دلائل الأنفس أتبعها دلائل الآفاق وأعظمها خلق السموات والأرض، فإن خلق المركبات قد يسنده بعض الجهلة إلى ما في العناصر من الكيفيات وإلى ما في السموات من الحركات والاتصالات، وأما السماء والأرض فلا يجد بداً من أن يقول: إنهما بقدرة الله  .

ثم عاد إلى ذكر أحوال الأنفس ومن جملتها اختلاف الألسنة لا جرمها، فإن التباين بين أجرامها ليس يبلغ إلى حد يعد آية بل وصفها وهو النطق وتقطيع الأصوات اللذان بهما يمتاز بعض الأصناف والأشخاص عن بعض، واختلاف الألوان والحلي فبذلك يقع التفاوت ويرتفع الاشتباه، فحس البصر يدرك اختلاف الصور وحَسن السمع يدرك اختلاف الأصوات وأما اللمس والشم والذوق فلا حكم ظاهراً لها في باب التمييز بين الأشخاص الإنسانية.

وحيث ذكر بعض العرضيات اللازمة أراد أن يذكر الأعراض المفارقة بعضها فقال ﴿ ومن آياته منامكم ﴾ قال جار الله: هذا من باب اللف والنشر وتقدير الكلام.

ومن آياته منامكم بالليل وابتغاؤكم من فضله بالنهار ليكون موافقاً لما جاء في مواضع آخر كقوله ﴿ وجعلنا الليل لباساً وجعلنا النهار معاشاً  ﴾ وقدم المنام على الابتغاء لأن الاستراحة مطلوبة لذاتها والطلب لا يكون إلا لحاجة قال: وإنما فصل بين القرينتين الأوليين بالقرينتين الآخريين لأنهما زمانان، والزمان والواقع فيه كشيء واحد مع إعانة اللف على الاتحاد يعني كأنه لم يعطف النهار على الليل والابتغاء على المنام.

وجوز أن يراد منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله بالليل والنهار، فان الإنسان كثيراً ما ينام بالنهار ويكسب بالليل.

وفي اقتران الفضل بالابتغاء إشارة إلى أن العبد ينبغي أن لا يرى الرزق من نفسه وبحذقه بل يرى كل ذلك من فضل ربه.

ثم أشار إلى عوارض الآفاق فقال ﴿ ومن آياته يريكم ﴾ فأضمر "أن" واسكن الياء بعد حذفها وإنزال الفعل منزلة المصدر كما في المثل السائر "تسمع بالمعيدي خير من أن تراه" قيل: لما كان البرق من الأمور التي تتجدد زماناً دون زمان ذكره بلفظ المستقبل ولم يذكر معه "أن" وقيل: ومن آياته كلام كافٍ كما تقول: منها كذا ومنها كذا.

وتسكت تريد بذلك الكثرة: وقيل: أراد ويريكم من آياته البرق.

وانتصاب ﴿ خوفاً وطمعاً ﴾ كما مر في "الرعد" ثم ذكر بعض لوازم الآفاق قائلاً ﴿ ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ﴾ فقيام السموات والأرض استمساكهما بغير عمد، ومن نسب ذلك إلى الطبيعة فلا بد أن يستند الطبع إلى واجب لذاته وأمره أن يقول لهما كونا كذلك نظيره قوله ﴿ إن الله يمسك  ﴾ إلى قوله ﴿ من بعده  ﴾ واعلم أن الأمر عند المعتزلة موافق للإرادة، وعند الأشاعرة ليس كذلك.

ولكن النزاع في الأمر الذي هو للتكليف لا الذي للتكوين، فإن قوله ﴿ كن فيكون  ﴾ موافق للإرادة بالتفاق.

قال جار الله: قوله ﴿ إذا دعاكم ﴾ بمنزلة قوله ﴿ يريكم ﴾ في إيقاع الجملة موقع المفرد على المعنى كأنه قال: ومن آياته قيام السموات والأرض، ثم خروج الموتى من القبور إذا دعاكم مرة واحدة يا أهل القبور اخرجوا والمراد سرعة الخروج من غير توقف وإلا فلا أمر ظاهراً.

أو أراد نداء الملك والأرض مكان المدعو على التقديرين لا الداعي إذ لا مكان لله مطلقاً ولا للملك في جوف الأرض.

نعم، لو كان المراد أن الملك يدعوهم وهو على وجه الأرض جاز.

ومعنى "ثم" عظم ما يكون من ذلك الأمر وتهويل لتلك الحالة، وإذا الأولى للشرط، والثانية للمفاجأة نائبة مناب الفاء.

واعلم أنه  ذكر في كل باب أمرين: أما من الأنفس فخلق البشر ثم خلقهم زوجين، وأما من الآفاق فخلق السموات والأرض.

ومن لوازم الإنسان اختلاف اللسان والألوان، ومن عوارضه المنام والابتغاء، ومن عوارض الآفاق البروق والأمطار، ومن لوازمها قيام السماء والأرض.

والواحد يكفي للإقرار بالحق، إلا أن الثاني يجري مجرى الشاهد الآخر.

وراعى في تعداد العرضيات لطيفة، بدأ باللوازم وختم باللوازم وذلك أن الإنسان متغير الحال، فالأحوال اللازمة له أغرب والأفلاك ثابتة بالنسبة إلى الإنسان فعوارضها أغرب، وبدأ في كل باب بما هو أعجب، وإنما ختم الآية الأولى بقوله ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ﴾ لأن الفكر يؤدي إلى الوقوف على المعاني المقتضية للإنس والسكون وعلى دقائق صنع الله في خلق الإنسان وبثهم في الأرض، أو نقول: إن من الأشياء ما يعلم بمجرد الفكر كدقائق حكمة الله في خلق الإنسان، لأن أقرب الأشياء إلى الإنسان هو ذاته فلذلك قال هنالك ﴿ لقوم يتفكرون ﴾ ومنها ما يعلم من غير تجشم فكر كالاستدلال على قدرة الله بخلق السماء والأرض، واختلاف ألسنة الناس وألوانهم، فإن الكل تظلهم السماء وتقلهم الأرض.

وكل واحد منفرد بلطيفة في صورته يمتاز بها عن غيره، ولهذا يشترك في معرفتها الناس جميعاً فلهذا قال ﴿ لآيات للعالمين ﴾ ومن حمل اختلاف الألسن على اللغات اختلاف الألوان على البياض والسواد والصفرة والسمرة، فالاشتراك في معرفتها أيضاً ظاهر.

ومن قرأ ﴿ للعالمين ﴾ بكسر اللام فقد أحسن، فبالعلم يمكن الوصول إلى معرفة ما سبق ذكره، ومن الأشياء ما يحتاج الفكر فيه إلى إعانة مرشد كالمنام والابتغاء فإنهما لزوالهما في بعض الأوقات قد يرفعان لوازمهما فلهذا قال ﴿ لقوم يسمعون ﴾ ويجعلون بالهم إلى كلام المرشد، ومن هنا ذهب بعضهم إلى أن معنى ﴿ يسمعون ﴾ ههنا يستجيبون لما يدعون إليه، ثم إن حدوث الولد من الوالدين كالأمر المطرد العادي فكان الولد يمكن أن يسبق إلى الوهم إسناده إلى الطبيعة فأمر هنالك بالفكر.

وأما البرق والمطر فليس أمراً عادياً ولذلك يختلف بالشدة والضعف وبحسب الأوقات والأمكنة فالعقل الصحيح يجزم بأن من فعل الفاعل المختار فلذلك قال ﴿ لقوم يعقلون ﴾ وقيل: إن العقل ملاك الأمر وهو المؤدي إلى العلم فوقع الختم عليه.

وحين فرغ من تعداد الآيات وكان مدلولها الوحدانية التي هي الأصل الأول والقدرة على الحشر التي هي الأصل الآخر أكد الأول بقوله ﴿ وله من في السموات والأرض كل له قانتون ﴾ مطيعون منقادون وأكد الأصل الآخر بل كلا الأصلين بقوله ﴿ وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو ﴾ يعني أن يعيده ﴿ أهون عليه ﴾ أي في نظركم وعند معقولكم وإلا فلا صعوبة في الإبداء أصلاً حتى يقع التفضيل على حده.

وإنما أخرت الصلة ههنا وقدمت في قوله في سورة مريم ﴿ وهو علي هين  ﴾ لأنه قصد هناك الاختصاص يعني أن خلق الولد بين هرم وعاقر لا يهون إلا علي، ولا معنى للاختصاص ههنا فإن الأمر مبني على المعقول بين الآدميين من ان المعاد أهون من المبدأ ولهذا قيل: أول الغزو أخرق.

وليس الدخيل في أمر كالناشئ عليه.

ومن الدليل العقلي على هذا المطلوب أن الإبداء خلق الأجزاء وتأليفها، والإعادة تأليف فقط، ولا شك أن أمراً واحداً أهون من الأمرين ولا يلزم منه أن يكون في الأمرين صعوبة فإن من قال: الرجل القوي يقدر على حمل شعيرة من غير صعوبة وسلم السامع له ذلك فإذا قال فلان لا يتعب من حمل خردلة وإن حمل خردلة أهون عليه.

كان كلاماً معقولاً وقد أجرى الزجاج قوله ﴿ وهو أهون عليه ﴾ مجرى المثل فيما يصعب ويسهل.

وفسر به قوله ﴿ وله المثل الأعلى ﴾ يعني هذا مثل مضروب لكم في الأرض وله المثل الأعلى من هذا المثل ومن كل مثل يضرب في السموات فيما بين الملائكة.

وعن ابن عباس: أراد أن فعله وإن شبهه بفعلكم ومثله به لكنه ليس كمثله شيء فله المثل الأعلى وقال جار الله: المثل الوصف أي له الوصف الأعلى الذي ليس لغيره مثله قد عرف به ووصف في السموات والأرض على ألسنة الخلائق وألسنة الدلائل، وهو أنه القادر الذي يقدر على الخلق والإعادة، العليم الذي لا يعزب عن علمه شيء فلا يصعب عليه جمع الأجزاء بعد تفرّقها على الوجه الذي يقتضيه التدبير ولهذا ختم الاية بقوله: ﴿ وهو العزيز الحكيم ﴾ وعن مجاهد: المثل الأعلى وصفه بالوحدانية وهو قوله "لا إله إلا الله" وقد ضرب لذلك مثلاً.

ومعنى ﴿ من انفسكم ﴾ أنه أخذ مثلاً وانتزعه من أقرب شيء منكم وهي أنفسكم و"من" للابتداء وفي قوله ﴿ مما ملكت أيمانكم ﴾ للتبعيض، والثالثة مزيدة لتأكيد الاستفهام الجاري مجرى النفي.

والمعنى هل ترضون لأنفسكم أن يكون لكم شركاء من بعض عبيدكم يشاركونكم فيما رزقناكم من الأموال والأملاك ﴿ فأنتم ﴾ يعني بسبب ذلك أنتم أيها السادات والعبيد في ذلك المرزوق ﴿ سواء ﴾ من غير تفضيل وففضل للأحرار على العبيد ﴿ تخافونهم ﴾ أن تستبدوا بتصرف دونهم ﴿ كخيفتكم أنفسكم ﴾ أي كما يهاب بعضكم بعضاً من الأحرار.

والحاصل أن من يكون له مملوك لا يكون شريكاً له في ماله ولا يكون له حرمة كحرمة سيده فكيف يجوز أن يكون عباد الله شركاء له أو شفعاء عنده بغير إذنه؟

وكيف يجوز أن يكون لهم عظمة مثل عظمة الله حتى يعبدوا كعبادته على أن مملوككم ليس مملوكاً لكم في الحقيقة ليس إلا اختصاص المبايعة، ولهذا لا حكم لهم عليهم بالقتل والقطع وبالمنع من الفرائض وقضاء الحاجة والنوم.

وقد يزول الاختصاص بالبيع والعتق ومملوك الله لا خروج له من ملكه بوجه من الوجوه وفي قوله ﴿ فيما رزقناكم ﴾ إشارة إلى أن الذي هو لكم ليس في الحقيقة لكم وإنما الله استخلفكم فيه ورزقكموه من فضله ﴿ كذلك ﴾ أي مثل هذا التفصيل والتبعيد للتعظيم أو لدخوله في حيز الذكر أو المضي ﴿ نفصل الآيات ﴾ نبينها ﴿ لقوم يعقلون ﴾ لأن التمثيل إنما يكشف المعاني لأرباب العقول.

ثم شوه صورة الشرك بقوله ﴿ بل اتبع الذين ظلموا ﴾ أي اشركوا ﴿ أهواءهم بغير علم ﴾ فهوى العالم ربما يتبدل بالهدى وأما الجاهل فإنه هائم في هواه كالبهائم لا يرجى ارعواه يؤكده قوله ﴿ فمن يهدي من اضل الله وما لهم من ناصرين ﴾ والإضلال ههنا لا يخفى أن الأشاعرة يحملونه على خلق الضلال في المكلف، والمعتزلة يحملونه على الخذلان ومنع الألطاف وقد تقدم مراراً.

ثم قال لرسوله ولأمته تبعية إذا تبين الحق وظهرت الوحداينة ﴿ فأقم وجهك للدين ﴾ أي سدده نحوه غير مائل إلى غير من الأديان الباطلة ﴿ فطرت الله ﴾ أي الزموها أو عليكم بها.

قال جار الله: إنما اضمرته على خطاب الجماعة لقوله ﴿ منيبين ﴾ وهو حال منهم ولأن الأمر والنهي بعده معطوفان عليه لكنك قد عرفت في الوقوف أن هذا التقدير غير لازم وعلى ذلك يحتمل أن يقدر الزم أو عليك أو أخص أو اريد واشباه ذلك.

وفطرة الله هي التوحيد الذي تشهد به العقول السليمة والنظر الصحيح كما جاء في الحديث النبوي "كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان يهودانه وينصرانه" ويحتمل أن تكون الفطرة إشارة إلى أخذ الميثاق من الذر.

وقوله ﴿ لا تبديل لخلق الله ﴾ نفي في معنى النهي أي لا تبدلوا خلقه الذي فطلكم عليه لكن الإيمان الفطري غير كافٍ.

وقيل: هو تسلية للنبي  حيث لم يؤمن قومه فكأنه قال: إنهم أشقياء ومن كتب شقياً لم يسعد.

وقيل: أراد أن الخلق لا خروج لهم عن عبوديته بخلاف مماليك الإنسان فإنهم قد يخرجون من ايديهم بالبيع والعتق.

وفيه فساد قول من زعم أن العبادة لتحصيل الكمال فإذا كمل العبد لم يبق عليه تكليف، وفساد قول الصابئة وبعض أهل الشك أن الناقص لا يصلح لعبادة الله ونما الإنسان عبد الكواكب والكواكب عبيد الله، وفساد قول النصارى والحلولية أن الله يحل في بعض الأشخاص كعيسى وغيره فيصير إلهاً.

ومعنى ﴿ فرقوا دينهم وكانوا شيعاً ﴾ قد مر في آخر "الأنعام" وأنهم فرق كل واحدة تشايع إمامها الذي أضلها وقال أهل التحقيق: بعضهم يعبد الدنيا وبعضهم يعبد الهوى وبعضهم يريد الجنة وبعضهم يطلب الخلاص من النار.

ومعنى ﴿ كل حزب بما لديهم فرحون ﴾ قد مر في "المؤمنين" وجوز جار الله أن يكون ﴿ من الذين ﴾ منقطعاً عما قبله ﴿ وكل حزب ﴾ مبتدأ و ﴿ فرحون ﴾ صفة كل ومعناه من المفارقين دينهم كل حزب بصفة كذا والله أعلم.

التأويل: الألف ألفة طبع المؤمنين، واللام لوم طبيعة الكافرين، والميم مغفرة رب العالمين، فمن اللفة أحبوا أهل الكتاب، ومن اللوم أبغضهم الكافرون، ومغفرة رب العالمين شملت الفريقين حتى قال ﴿ إن الله يغفر الذنوب جميعاً  ﴾ إلا أن يكون هناك مخصص.

ثم أشار إلى أن حال أهل الطلب يتغير بتغير الأوقات فيغلب فارس النفس روم القلب تارة وسيغلب روم القلب فارس النفس بتأييد الله ونصره ﴿ في بضع سنين ﴾ من أيام الطلب ﴿ ويومئذ يفرح المؤمنون ﴾ وهم الروح والسر والعقل.

﴿ أولم يتفكروا ﴾ ﴿ في ﴾ استعداد ﴿ أنفسهم ما خلق الله السموات ﴾ الروحانية ﴿ والأرض ﴾ النفسانية إلا ليكون مظهراً للحق ولأجل مسمى بالصبر والثبات في تصفية مرآة القلوب عن صدا الأوصاف الذميمة النفسانية.

والأجل المسمى هو أوان صفاء القلب متوجهاً إلى الحق ﴿ أولم يسيروا ﴾ في أرض البشرية بالسلوك لتبديل الأخلاق ﴿ والذين من قبلهم ﴾ هم الفلاسفة والبراهمة المعتمدون على مجرد البراهين من غير اعتبار الشرائع.

والسوأى هي أن صاروا أئمة الكفر والضلال ﴿ الله يبدؤا الخلق ﴾ بتصيير النفس متعلقة بالقالب ﴿ ثم يعيده ﴾ بطريق السير والسلوك والعبور عن المنازل والمقامات إلى عالم الأرواح ﴿ ثم إليه ترجعون ﴾ بجذبة ﴿ ارجعي  ﴾ ﴿ ويوم تقوم الساعة ﴾ الإرادة ﴿ يبلس المجرمون ﴾ بتضييع الأوقات في طلب ما سوى الله.

ويوم تقوم الساعة قيامة العشق يومئذ تتفرق المحبون، فبعضهم يطلب الجنة، وبعضهم يطلب الوصلة، وبعضهم يريد الوحدة ﴿ فسبحان الله ﴾ حين تغلبون على ليل نيل الشهوات وحين صباح نهار تجلي شموس الوصال، وله الحمد إن كنتم في سموات القربات أو أرض البعد والغفلات، و  في عشاء غشاء القساوة وفي حالة استواء شمس المعرفة في وسط سماء القلب، فإن الربح الخسران في كلتا الحالتين راجع إلى الطائفتين والله منزه عن العالمين.

يخرج القلب الحي بنور الله من النفس الميتة في ظلمات صفاتها إبرازاً للطفه، ويخرج القلب الميت عن الأخلاق الحميدة من النفس الحية بالصفات الحيوانية، إظهاراً لقهره، ويحيي أرض القلوب بعد موتها وكذلك تخرجون بدأ وإعادة.

فمن آياته خلق سموات القلوب وأرض النفوس، واختلاف ألسنة القلوب وألسنة النفوس، فلسان القلب يتكلم بلغة العلويات، ولسان النفس يتكلم بلغات السفليات ﴿ واختلاف ألوانكم ﴾ وهي الطبائع المختلفة.

منكم منيريد الدنيا، ومنكم من يريد الآخرة ومنكم من يريد الله ﴿ ومن آياته منامكم ﴾ في ليل البشرية ﴿ وابتغاؤكم من فضله ﴾ في نهار الروحاينة والمكاشفات الربانية ﴿ لقوم يسمعون ﴾ كلام الله من شجرة الوجود، ويريكم بروق شواهد الحق ثم اللوامع ثم الطوالع.

فتلك الأنوار ترى شهوات الدنيا نيراناً فيخاف منها، وترى مكاره التكاليف جناناً فيطمع فيها.

أن تقوم سماء النفس وارض القلب بأمره لأن الروح من أمره ﴿ ثم إذا دعاكم ﴾ بجذبة ﴿ ارجعي  ﴾ ﴿ إذ أنتم ﴾ يعني النفس والقلب والروح ﴿ تخرجون ﴾ من أنانيته وجودكم ﴿ وهو أهون عليه ﴾ لأنه في البداية كان مباشراً بنفسه وفي الإعادة يكون المباشر إسرافيل بنفخه، والمباشرة بنفس الغير في العمل أهون من المباشرة بنفسه عند نظر الخلق.

ويحتمل أن يكون أهون من الهون بالضم وهو الذلة والضمير للخلق، وذلك أنهم في البداية لم يكونوا ملوثين بلوث الحدوث، ولا مدنسين بأدناس الشرك والمعاصي، فلعزتهم في البداية باشر خلقهم بنفسه، ولهونهم في الإعادة باشرهم بغيره، ﴿ وله المثل الأعلى ﴾ فيما أودع من الآيات في سموات الأرواح وأرض القلوب.

﴿ ضرب لكم ﴾ أي للروح والقلب والسر والعقل ﴿ مما ملكت أيمانكم ﴾ من الأعضاء والجوارح والحواس والقوى ﴿ فيما رزقناكم ﴾ من العلوم والكشوف ﴿ تخافونهم ﴾ أن لا يضيعوا شيئاً من المواهب بالتصرفات الفاسدة ﴿ كخيفتكم أنفسكم ﴾ اي كخيفة الروح من القلب أن لا يضيع شيئاً منها بأن يصرفها في غير موضعها رياء وسمعة وهوى، أو كخيفة القلب من السر والعقل بأن يصرفها فيما يفسد العقائد ويوقع في الشكوك.

فكما لا يصلح هؤلاء لشركتكم فكذلك لا تصلحون أنتم لشركتي إذا تجليت عليكم، فدعوى الاتحاد والحلول باطلة والكبرياء ردائي لا غير.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ﴾ قوله: ﴿ فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ ﴾ فهمت الأمة من قوله: ﴿ سُبْحَانَ ٱللَّهِ ﴾ : الصلاة؛ أي: صلوا لله، ولو كانت أفهام أهل زماننا هذا لكانوا لا يفهمون سوى التسبيح المذكور.

ثم يحتمل تسميتهم التسبيح: صلاة، وفهمهم منه ذلك لوجهين: أحدهما: لما في الصلاة تسبيح، فسموها بذلك؛ لما فيها ذلك.

أو لما أن التسبيح تنزيه، والصلاة من أولها إلى آخرها تنزيه الربّ؛ لأن فيها إظهار الحاجات إليه والعجز والضعف، وفيها تعظيم الربّ وإجلاله، ووصفه بالجلال والرفعة، ففهموا من التسبيح الصلاة؛ لما ذكرنا؛ لما هي تنزيه للرب من أولها إلى آخرها.

ثم منهم من قال: إن الصلوات الخمس ذكرت في هذه الآية بقوله: ﴿ فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ ﴾ : صلوات المغرب والعشاء الآخرة ﴿ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ﴾ صلاة الفجر ﴿ وَعَشِيّاً ﴾ صلاة العصر ﴿ وَحِينَ تُظْهِرُونَ ﴾ صلاة الظهر.

ومنهم من يقول: لا؛ بل ذكرت فيها أربع صلوات: ﴿ حِينَ تُمْسُونَ ﴾ : المغرب ﴿ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ﴾ : الفجر ﴿ وَعَشِيّاً ﴾ : العصر ﴿ وَحِينَ تُظْهِرُونَ ﴾ : الظهر، وأمّا العشاء الآخرة ففي قوله: ﴿ وَمِن بَعْدِ صَلَٰوةِ ٱلْعِشَآءِ ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ  ﴾ ، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ ﴾ على التقديم والتأخير يقول: سبحان الله وله الحمد؛ فيكون الحمد كناية عن الصلاة كالتسبيح.

أو لما فيها من التحميد.

أو يقول له يحمد أهل السماوات والأرض، والله أعلم.

وقوله: ﴿ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ﴾ ﴿ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ ﴾ أي: إذا دخلوا في المساء والعشاء والصبح والظهر.

وقوله: ﴿ يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ ﴾ يخبر عن قدرته في إنشاء الأشياء مبتدئاً، لا من أصل؛ لأنه قال: ﴿ يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ ﴾ والميت ليس فيه الحياة، وكذلك الميت من الحي، وليس في الحي موت، ولكنه يخرج هذا من هذا على ابتداء الحياة فيه، وابتداء الموت فيه من غير أن كان فيه ما ذكر.

ثم اختلف فيه أهل التأويل: قال بعضهم: يخرج الناس والدواب والطير من النطف، ﴿ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ ﴾ يعني: النطف ﴿ مِنَ ٱلْحَيِّ ﴾ من الناس والدواب والطير.

وقال بعضهم: ﴿ يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ ﴾ أي: المسلم من الكافر ﴿ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ ﴾ أي: الكافر من المسلم.

ولكن يجيء على هذا أن يقول: يخرج من المسلم ما يكون كافراً، ومن الكافر ما يصير مسلماً؛ لأن ما يخرج لا يوصف بالإسلام، ولا بالكفر، ولا ينسب إلى واحد منهما وقت الخروج حتى يبلغ فيكون منه فعل الكفر أو فعل الإسلام، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم، وفي الآيات التي تقدم ذكرها؛ من نحو قوله: ﴿ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ مَّا خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ...

﴾ الآية [الروم: 8]، وقوله: ﴿ أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ...

﴾ الآية [الروم: 9]، وأمثال ذلك مما يذكر ويخبر أولئك الكفرة عن قدرته وسلطانه، وألزمهم ذلك.

وفي الآية نقض قول المعتزلة؛ لأنهم لا يملكون القدرة على فعل بعوضة، فلا يكون لهم الاحتجاج على أولئك الكفرة في القدرة على الإعادة والإنشاء بعد ما صاروا رماداً، أو كلام نحو هذا.

وقوله: ﴿ وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ﴾ أي: كذلك تبعثون وتحيون، كما أخرج الحيّ من الميت والميت من الحيّ، من غير أن كانت الحياة في الميت والموت في الحي، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ ﴾ يحتمل: آيات وحدانيته وربوبيته وحججه، وآيات بعثه وإحيائه، وآيات رسالة الرسل، ونحوه.

وقوله: ﴿ أَنْ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ﴾ يخرج على وجوه: أحدها: نسب خلقنا إلى التراب؛ لأنا إنما خلقنا من أصل، خلق ذلك الأصل من التراب، وهو آدم، وإن لم تكن أنفسنا مخلوقة من تراب حقيقة، كما نسب خلقنا إلى النطفة وإن لم يخلق أنفسنا كما هي من النطفة، لكنه أضاف ذلك ونسب إلى النطفة؛ لما هي أصل ما خلقنا منها.

والثاني: نسبنا إلى التراب؛ لما جعل أغذيتنا وما به قوام أنفسنا وأبداننا في الخارج من التراب، فإنما هو إخبار عما به قوام أنفسنا وأبداننا، وإن لم نخلق من التراب من الأصل، فيخبر - والله أعلم -: أنكم لا تصورون خلق الجسم إن لم تشاهدوا تلك الطينة التي منها تتكون الأجسام بعد مشاهدة طينتها، ومعاينتكم إياها، ورأيتم القدرة له على خلقها قبل أن تشاهدوا طينتها.

والثالث: نسب خلقنا إلى التراب، وهو آدم؛ على ما ذكرنا، إلا أن قوله: ﴿ خَلَقَكُمْ ﴾ أي: قدركم من ذلك الأصل، والتخليق: هو التقدير في اللغة، وذلك جائز في اللغة، وإنما قدرنا على تقدير ذلك الأصل، وذلك جائز نسبتنا وإضافتنا إلى التراب، إن صح ما ذكر في بعض الأخبار ذكر: "أن ملكاً يأتي بكف من تراب، فيذره في تلك النطفة في رحم المراة، فيخلق منه حينئذ الولد"، فإن صح هذا فيكون خلق جميع الناس وأصلهم من تراب.

وقوله: ﴿ ثُمَّ إِذَآ أَنتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ ﴾ أي: ثم إذا أنتم ذريته من بعده بشر تنبسطون؛ كقوله: ﴿ وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ  ﴾ أي: يبسط.

أو ﴿ تَنتَشِرُونَ ﴾ ، أي: تتفرقون في حوائجكم، وفي طلب أغذيتكم، وما به قوام أنفسكم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً ﴾ أي: من أجناسكم وأشكالكم ﴿ لِّتَسْكُنُوۤاْ إِلَيْهَا ﴾ يقول: إنما جعل ما تسكنون إليه وتتألفون من جنسكم وشكلكم ما تعرفون، لم يجعل في غير جنسكم وشكلكم ما تعرفون؛ كقوله: ﴿ لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ  ﴾ أي: من جنسكم وشكلكم من تعرفون صدقه وثقته وأمانته ما لو كان من غير جنسكم وشكلكم لا تعرفونه؛ فعلى ذلك جائز قوله: ﴿ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً ﴾ أي: من جنسكم ما تسكنون إليها، وتستأنسون بها ما لو كانوا من غير جنسهم لا يكون ذلك؛ إذ يستأنس كل ذي شكل بشكله وجنسه.

والثاني: ما ذكرنا أنه أراد آدم وحواء؛ أي: خلق زوجته حوّاء من نفسه، فجعلها له سكناً يسكن إليها، ويستأنس بها، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَجَعَلَ بَيْنَكُم ﴾ أي: بينكم وبين الأزواج ﴿ مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾ يحتمل قوله: ﴿ مَّوَدَّةً ﴾ وجهين: أحدهما: يودها؛ لما جعل له موضعاً لقضاء شهوته وحاجته، وكذلك هي توده لذلك، ﴿ وَرَحْمَةً ﴾ أي: يرحم بعضهم بعضاً، ويتحنن إليه، إذا نزل بواحد منهما ما يمنع قضاء الشهوة والحاجة.

والثاني: يودّ بعضهم بعضاً ويرحم بالطبع والخلقة؛ إذ كل ذي طبع يودّ شكله وجنسه إذا كان في حال السعة والرخاء والسرور، ويرحمه إذا نزل به البلاء والشدة؛ هذا معروف عند الناس أن يتراحم بعضهم على بعض في حال نزول البلاء والشدة، وتوادهم في حال السعة والسرور.

وقال الحسن: ﴿ وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً ﴾ أي: الجماع ﴿ وَرَحْمَةً ﴾ أي: الولد.

فكيفما كان فهو يخبر عن لطفه ومنته؛ حيث جعل الزوج والزوجة المودة والرحمة على عدم القرابة والرحم، وبعد ما بينهما؛ فصارا لما ذكرنا في المودة والرحمة كالقريبين وذَوَي الرحمين وأقرب القريب، وذلك على المعتزلة؛ لأنه أخبر أنه ﴿ جَعَلَ ﴾ : بينهم مودة ورحمة، وذلك فعل الزوجين في الظاهر، ثم أضاف ذلك إلى نفسه، وأخبر أنه ﴿ جَعَلَ ﴾ دل أن له صنعاً في ذلك؛ فيبطل قولهم: إن ليس لله صنع في فعل العباد، ويبطل اللطف الذي ذكر أنه جعل بينهم.

وقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ ﴾ لما ذكرنا من آيات وحدانيته وربوبيته، وآيات البعث والنشور، أو آيات الرسالة والنبوة ﴿ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ لقوم ينتفعون، وهم المؤمنون، أو ﴿ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ ويتدبرون ويعتبرون، فيعرفون، فأما من لا يتفكر ولا يتدبر فلا ينتفع به، فهو ليس بآيات له، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ ﴾ : [آيات] وحدانيته وربوبيته وألوهيته، وآيات بعثه.

وقوله: ﴿ خَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ في خلق السماوات ورفعها في الهواء وإقرارها فيه آية؛ لأنه غير موهوم مثله من فعل الخلق وقدرتهم، وهكذا خلق الأرض وبسطها وإقرارها على الماء، أو على الريح خارج عن فعل الخلق ومن قدرتهم، غير موهوم ذلك في أوهامهم وعقولهم من غير الواحد العالم القادر بذاته، فإذا كان ما ذكر غير موهوم في أوهامهم وعقولهم من غير الله فهم إنما أنكروا البعث لما لم يعاينوا ذلك ولا شاهدوا في أوهامهم، فكيف أنكروا البعث وإن كان غير موهوم ذلك في أوهامهم، بعد أن كان ذلك موهوماً من الله، مشاهداً، معايناً لمثل هذا؟!

والله أعلم بذكر هذا.

وقوله: ﴿ وَٱخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ﴾ كأنه يقول: وفي خلق اختلاف ألسنتكم آياته أيضاً؛ لأن الألسن بحيث خلقة الألسن غير مختلفة، ولكن إنما تختلف بحيث النطق والتكلم حتى لا يقع في التكلم بها والنطق والصوت تشابه بحال، وخروجه عما يقدرون من الكلام، وإن كانت بحيث خلقتها واحدة غير مختلفة.

وهذا على المعتزلة؛ لقولهم: إن أقوال العباد غير مخلوقة، لا صنع لله فيها، فلو لم يكن له فيما يتكلمون وينطقون على اختلاف ذلك صنع؛ فلا آية تكون له في ذلك، فدل أنه صار آية له؛ لما له صنع في ذلك، وكذلك فيما تختلف الألوان بفعل يكون من الخلق وتتغير عند الغضب والسرور والفرح، ثم أخبر أن ذلك آياته دل أنه خالق لأفعالهم وأقوالهم حتى كان آية له والله أعلم.

وأهل التأويل يقولون: ﴿ وَٱخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ ﴾ : عربيّ، وعجميّ، ونبطي، وتركي، ونحوه ﴿ وَأَلْوَانِكُمْ ﴾ : أبيض، وأحمر، وأسود، ونحوه، وأصله ما ذكرنا أن في ذلك لآيات للعالمين؛ جائز أن يكون آيات لمن انتفع به من العالمين، أو آية لمن تفكر وتدبّر من العالمين؛ لأنه إذا تفكر وتدبّر عرف وجه الآية في ذلك.

وقوله: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ ﴾ لأن النوم يأخذهم من غير أن يعرفوا أنه من أين مأتاه ومأخذه، ثم يأخذ منهم جميع منافع الأحياء: من السمع، والنطق، والفهم، والرؤية، وجميع ما تنتفع به قبل ذلك، ثم يردّ ذلك إليهم من غير أن عرفوا بذلك فيعودون إلى ما كانوا من المنافع والأكساب؛ ليعلم أن من قدر على مثل هذا يقدر على أخذ الروح ونفسه وردّه إليه، فهو أخو الموت؛ قال الله -  -: ﴿ يَتَوَفَّٰكُم بِٱلَّيلِ  ﴾ سمّى النوم: الوفاة، وهو مثله؛ لما ذكرنا أن جميع منافع الأحياء ترتفع وتزول بالنوم ثم ترد إليهم من غير أن يشعروا بذلك، فمن قدر على هذا يقدر على الإحياء بعد الموت.

وقوله: ﴿ وَٱبْتِغَآؤُكُمْ مِّن فَضْلِهِ ﴾ جهة الآية فيما ينتفعون من فضله هو خلقه تلك المكاسب والتجارات والحرف التي يبتغون بها الرزق؛ أخبر أنه خلق ذلك منهم؛ ففيه دلالة خلق أفعال العباد؛ فهو على المعتزلة؛ لإنكارهم خلق أفعالهم.

أو أن تكون جهة الآية فيه ما عرفهم تلك المكاسب والتجارات والحرف، وعلمهم إياها وأحوجهم إليها؛ ليصلوا إلى منافعهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴾ أي: ينتفعون بسمعهم، أو لقوم يجيبون.

والسمع يجوز أن يعتبر به عن الإجابة؛ كقوله: "سمع الله لمن حمده"؛ أي: أجاب الله لمن دعاه.

أو أن يكون قوله: ﴿ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴾ أي: يعقلون، ويجوز العبارة [به] عنه؛ كقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴾ أي: يعقلون، ويقال: ﴿ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴾ المواعظ فيقبلونها فينتفعون بها.

وقوله: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً ﴾ .

قيل فيه بوجهين: أحدهما: يريكم البرق للخوف والطمع: تخافون سلطانه وقدرته أن يصيبكم ذلك البرق فيذهب بأبصاركم، وطمعاً ترجون رحمته بصرفه عنكم.

والثاني: ﴿ خَوْفاً وَطَمَعاً ﴾ أي: يريكم البرق فتخافون وتطمعون؛ يخاف المسافر قطع مسيره ومنعه عنه، وتطمعون، أي: يطمع المقيم رحمته ما يكثر به أنزاله ومعاشه.

والثاني: تخافون الصواعق، وتطمعون المطر، وهو ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَيُحْيِي بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ﴾ هو ظاهر، قد ذكرناه ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ يحتمل ما ذكرنا ﴿ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ : ينتفعون بعقولهم، أو ﴿ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ لو تدبروا وتفكروا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ بِأَمْرِهِ ﴾ : هو ما ذكرنا أنه قامتا على شيء غير موهوم ذلك في أوهام الخلق قيام شيء من أفعالهم على مثله، وهو الهواء والماء والريح، فكيف حملهم خروج شيء من أوهامهم على إنكاره وتكذيبه، وهو البعث والإحياء بعد الموت، فمن قدر على أحدهما قدر على الآخر.

وقوله: ﴿ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ ٱلأَرْضِ إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: هو على التقديم [والتأخير]، أي: ثم إذا دعاكم دعوة إذا أنتم تخرجون من الأرض، والدعوة هو النفخة الآخرة.

وقال بعضهم: هو ما ذكر: الدعوة تكون من الأرض من صخرة بيت المقدس، من هنالك يسمعون الدّعوة.

ثم اختلف في الدعوة، والصيحة، والنفخة، والصور، ونحو ما ذكر: فمنهم من يقول: على حقيقة الدعوة، والصيحة، والنفخة، والصور، على ما ذكر.

وقال بعضهم: لا، ولكن ذلك إخبار عن سرعة نفاذ الأمر، وعبارة عن خفة ذلك وهونه؛ كقوله: ﴿ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ  ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ  ﴾ ليس أن كان منه (كاف) أو (نون)، لكنه ذكر بأخف حروف يفهم منه المعنى فعلى ذلك ذكر الصيحة والنفخة والدعوة والصور, والله أعلم.

وفي قوله: ﴿ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ ٱلأَرْضِ إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ ﴾ دلالة وإخبار أنه قادر على الإنشاء والإحياء بلا سبب؛ لأنه أخبر أنه دعاكم دعوة ثم تخرجون، والدعوة ليست هي سببا للإحياء والإنشاء بل أخبر أنه يخرجهم إخراجاً ثبت أنه ما ذكرنا، وقد ذكرنا في اختلاف الألسن لو لم يكن ما يسمع منهم وما ينطقون يخلق في الحقيقة فإذن آياته عبث؛ لأن الحروف شهد خلقه، ولا جسمه، ولا سمعه، وبما احتج، فيكون بمعنى من يقول: لله آيات في الكلام احتج بها على عبادة الذين لم يطلعهم عليه، ولا سبيل لهم إلى التطلع عليها، وذلك بعيد من العقول، فثبت أن الله قد خلق كل نطق على ما عليه يعرفه المتفكر بما يرى من عجز المتفوه به على التفوه به على التقطيع الذي يقدره في نفسه، وعلى الحدّ الذي يجب أن يكون عليه دون أن يقع في ذلك تفاوت واختلاف فيعلم أن ذلك كان الآية على ما كان عليه؛ بل بالله جل وعلا، ولا قوة إلا بالله.

وما ذكر من اختلاف فإنا نجده يتغير بالعباد؛ نحو ما يظهر عند شدّة السّرور بالشيء غير الذي يظهر عند شدة الغضب متولداً عن فعلهم وبه قول المعتزلة أو عامتهم أن المتولد هو فعل الخلق، فعلى ذلك القول يكون اللون فعلا لهم بتخليق الله، وأمّا النوم في اللون فوضع، فالاعتبار إنما هو بابتغائهم من فضله؛ أي: ذلك بما ركب فيهم من الحاجة وأنشأ لهم من الفاقة فيما ذكر من الأغذية بأن ابتغاءها فعلا للخلق، وقد احتج الله -  وتعالى - على العباد، فأخبر أنه من آياته، ومحال أن يكون حجته ما يخلق غيره دون الذي يخلقه بل يدل خلق كل على منشئه من طريق الخلقة والتدبير، فثبت أن الابتغاء مخلوق يخلقه، والله الموفق.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فسبِّحوا الله حين تدخلون في وقت المساء؛ وهو وقت صلاتَي: المغرب والعشاء، وسبِّحوه حين تدخلَون في وقت الصباح، وهو وقت صلاة الفجر.

<div class="verse-tafsir" id="91.bwqva"

مزيد من التفاسير لسورة الروم

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله