الآية ٢٨ من سورة الروم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 30 الروم > الآية ٢٨ من سورة الروم

ضَرَبَ لَكُم مَّثَلًۭا مِّنْ أَنفُسِكُمْ ۖ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُم مِّن شُرَكَآءَ فِى مَا رَزَقْنَـٰكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَآءٌۭ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْـَٔايَـٰتِ لِقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ ٢٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 104 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٨ من سورة الروم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٨ من سورة الروم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

هذا مثل ضربه الله تعالى للمشركين به ، العابدين معه غيره ، الجاعلين له شركاء وهم مع ذلك معترفون أن شركاءه من الأصنام والأنداد عبيد له ، ملك له ، كما كانوا في تلبيتهم يقولون : لبيك لا شريك لك ، إلا شريكا هو لك ، تملكه وما ملك .

فقال تعالى : ( ضرب لكم مثلا من أنفسكم ) أي : تشهدونه وتفهمونه من أنفسكم ، ( هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء ) أي : لا يرتضي أحد منكم أن يكون عبده شريكا له في ماله ، فهو وهو فيه على السواء ( تخافونهم كخيفتكم أنفسكم ) أي : تخافون أن يقاسموكم الأموال .

قال أبو مجلز : إن مملوكك لا تخاف أن يقاسمك مالك ، وليس له ذاك ، كذلك الله لا شريك له .

والمعنى : أن أحدكم يأنف من ذلك ، فكيف تجعلون لله الأنداد من خلقه .

وهذا كقوله تعالى : ( ويجعلون لله ما يكرهون ) [ النحل : 62 ] أي : من البنات ، حيث جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا ، وجعلوها بنات الله ، وقد كان أحدهم إذا بشر بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم ، يتوارى من القوم من سوء ما بشر به ، أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ، فهم يأنفون من البنات .

وجعلوا الملائكة بنات الله ، فنسبوا إليه ما لا يرتضونه لأنفسهم ، فهذا أغلظ الكفر .

وهكذا في هذا المقام جعلوا له شركاء من عبيده وخلقه ، وأحدهم يأبى غاية الإباء ويأنف غاية الأنفة من ذلك ، أن يكون عبده شريكه في ماله ، يساويه فيه .

ولو شاء لقاسمه عليه ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .

قال الطبراني : حدثنا محمود بن الفرج الأصبهاني ، حدثنا إسماعيل بن عمرو البجلي ، حدثنا حماد بن شعيب ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : كان يلبي أهل الشرك : لبيك اللهم [ لبيك ] ، لبيك لا شريك لك ، إلا شريكا هو لك ، تملكه وما ملك .

فأنزل الله : ( هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم ) .

ولما كان التنبيه بهذا المثل على براءته تعالى ونزاهته بطريق الأولى والأحرى ، قال : ( كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون ) .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (28) يقول تعالى ذكره: مثل لكم أيها القوم ربكم مثلا من أنفسكم، (هَلْ لَكُمْ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم) يقول: من مماليككم من شركاء، فيما رزقناكم من مال، فأنتم فيه سواء وهم.

يقول: فإذا لم ترضوا بذلك لأنفسكم فكيف رضيتم أن تكون آلهتكم التي تعبدونها لي شركاء في عبادتكم إياي، وأنتم وهم عبيدي ومماليكي، وأنا مالك جميعكم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة قوله: ( ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ ) قال: مثل ضربه الله لمن عدل به شيئا من خلقه، يقول: أكان أحدكم مشاركا مملوكه في فراشه وزوجته؟!

فكذلكم الله لا يرضى أن يعدل به أحد من خلقه.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ( ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ ) قال: هل تجد أحدا يجعل عبده هكذا في ماله، فكيف تعمد أنت وأنت تشهد أنهم عبيدي وخلقي، وتجعل لهم نصيبا في عبادتي، كيف يكون هذا؟

قال: وهذا مثل ضربه الله لهم، وقرأ: ( كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ).

واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ( تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ ) فقال بعضهم: معنى ذلك: تخافون هؤلاء الشركاء، مما ملكت أيمانكم، أن يرثوكم أموالكم من بعد وفاتكم، كما يرث بعضكم بعضا.

* ذكر من قال ذلك: حُدثت عن حجاج، عن ابن جُرَيج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس قال: في الآلهة، وفيه يقول: تخافونهم أن يرثوكم كما يرث بعضكم بعضا.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: تخافون هؤلاء الشركاء مما ملكت أيمانكم أن يقاسموكم أموالكم، كما يقاسم بعضكم بعضا.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر، قال: سمعت عمران، قال: قال أبو مجلز: إن مملوكك لا تخاف أن يقاسمك مالك، وليس له ذلك، كذلك الله لا شريك له.

وأولى القولين بالصواب في تأويل ذلك، القول الثاني؛ لأنه أشبههما بما دلّ عليه ظاهر الكلام، وذلك أن الله جلّ ثناؤه وبخ هؤلاء المشركين، الذين يجعلون له من خلقه آلهة يعبدونها، وأشركوهم في عبادتهم إياه، وهم مع ذلك يقرّون بأنها خلقه وهم عبيده، وعيرهم بفعلهم ذلك، فقال لهم: هل لكم من عبيدكم شركاء فيما خوّلناكم من نعمنا، فهم سواء، وأنتم في ذلك تخافون أن يقاسموكم ذلك المال الذي هو بينكم وبينهم، كخيفة بعضكم بعضا أن يقاسمه ما بينه وبينه من المال شركة، فالخيفة التي ذكرها تعالى ذكره بأن تكون خيفة مما يخاف الشريك من مقاسمة شريكه المال الذي بينهما إياه، أشبه من أن تكون خيفة منه بأن يرثه؛ لأن ذكر الشركة لا يدلّ على خيفة الوراثة، وقد يدلّ على خيفة الفراق والمقاسمة.

وقوله: (كَذَلكَ نُفَصّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) يقول تعالى ذكره: كما بيَّنا لكم أيها القوم حججنا في هذه الآيات من هذه السورة على قدرتنا على ما نشاء من إنشاء ما نشاء، وإفناء ما نحبّ، وإعادة ما نريد إعادته بعد فنائه، ودللنا على أنه لا تصلح العبادة إلا للواحد القهار، الذي بيده ملكوت كلّ شيء كذلك نبين حججنا في كل حقّ لقوم يعقلون، فيتدبرونها إذا سمعوها، ويعتبرون فيتعظون بها.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون .[ ص: 22 ] فيه مسألتان :الأولى : قوله تعالى : من أنفسكم ثم قال : من شركاء ; ثم قال : مما ملكت أيمانكم ف ( من ) الأولى للابتداء ; كأنه قال : أخذ مثلا وانتزعه من أقرب شيء منكم وهي أنفسكم .

والثانية للتبعيض ، والثالثة زائدة لتأكيد الاستفهام .

والآية نزلت في كفار قريش ، كانوا يقولون في التلبية : لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك ، تملكه وما ملك ; قاله سعيد بن جبير .

وقال قتادة : هذا مثل ضربه الله للمشركين ; والمعنى : هل يرضى أحدكم أن يكون مملوكه في ماله ونفسه مثله ، فإذا لم ترضوا بهذا لأنفسكم فكيف جعلتم لله شركاء .الثانية : قال بعض العلماء : هذه الآية أصل في الشركة بين المخلوقين لافتقار بعضهم إلى بعض ونفيها عن الله سبحانه ، وذلك أنه لما قال جل وعز : ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم مما ملكت أيمانكم الآية ، فيجب أن يقولوا : ليس عبيدنا شركاءنا فيما رزقتنا ، فيقال لهم : فكيف يتصور أن تنزهوا نفوسكم عن مشاركة عبيدكم وتجعلوا عبيدي شركائي في خلقي ; فهذا حكم فاسد وقلة نظر وعمى قلب ، فإذا بطلت الشركة بين العبيد وسادتهم فيما يملكه السادة والخلق كلهم عبيد لله تعالى فيبطل أن يكون شيء من العالم شريكا لله تعالى في شيء من أفعاله ; فلم يبق إلا أنه واحد يستحيل أن يكون له شريك ، إذ الشركة تقتضي المعاونة ، ونحن مفتقرون إلى معاونة بعضنا بعضا بالمال والعمل ; والقديم الأزلي منزه عن ذلك جل وعز .وهذه المسألة أفضل للطالب من حفظ ديوان كامل في الفقه ; لأن جميع العبادات البدنية لا تصح إلا بتصحيح هذه المسألة في القلب ، فافهم ذلك .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذا مثل ضربه اللّه تعالى لقبح الشرك وتهجينه مثلا من أنفسكم لا يحتاج إلى حل وترحال وإعمال الجمال.{ هَلْ لَكُمْ ممَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِيمَا رَزَقْنَاكُمْ } أي: هل أحد من عبيدكم وإمائكم الأرقاء يشارككم في رزقكم وترون أنكم وهم فيه على حد سواء.{ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ } أي: كالأحرار الشركاء في الحقيقة الذين يخاف من قسمه واختصاص كل شيء بحاله؟ليس الأمر كذلك فإنه ليس أحد مما ملكت أيمانكم شريكا لكم فيما رزقكم اللّه تعالى.هذا، ولستم الذين خلقتموهم ورزقتموهم وهم أيضا مماليك مثلكم، فكيف ترضون أن تجعلوا للّه شريكا من خلقه وتجعلونه بمنزلته، وعديلا له في العبادة وأنتم لا ترضون مساواة مماليككم لكم؟هذا من أعجب الأشياء ومن أدل شيء على [سفه] من اتخذ شريكا مع اللّه وأن ما اتخذه باطل مضمحل ليس مساويا للّه ولا له من العبادة شيء.{ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ } بتوضيحها بأمثلتها { لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } الحقائق ويعرفون، وأما من لا يعقل فلو فُصِّلَت له الآيات وبينت له البينات لم يكن له عقل يبصر به ما تبين ولا لُبٌّ يعقل به ما توضح، فأهل العقول والألباب هم الذين يساق إليهم الكلام ويوجه الخطاب.وإذا علم من هذا المثال أن من اتخذ من دون اللّه شريكا يعبده ويتوكل عليه في أموره، فإنه ليس معه من الحق شيء فما الذي أوجب له الإقدام على أمر باطل توضح له بطلانه وظهر برهانه؟

[لقد] أوجب لهم ذلك اتباع الهوى .

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ضرب لكم مثلا من أنفسكم ) أي : بين لكم شبها بحالكم ، وذلك المثل من أنفسكم ثم بين المثل فقال : ( هل لكم من ما ملكت أيمانكم ) أي : عبيدكم وإمائكم ( من شركاء في ما رزقناكم ) من المال ) ( فأنتم ) وهم ( فيه سواء ) أي : هل يشارككم عبيدكم في أموالكم التي أعطيناكم; ( تخافونهم كخيفتكم أنفسكم ) أي : تخافون أن يشاركوكم في أموالكم ويقاسموكم كما يخاف الحر شريكه الحر في المال يكون بينهما أن ينفرد فيه بأمر دونه ، وكما يخاف الرجل شريكه في الميراث ، وهو يحب أن ينفرد به .

قال ابن عباس : تخافونهم أن يرثوكم كما يرث بعضكم بعضا فإذا لم تخافوا هذا من ماليككم ولم ترضوا ذلك لأنفسكم ، فكيف رضيتم أن تكون آلهتكم التي تعبدونها شركائي وهم عبيدي ؟

.

ومعنى قوله : " أنفسكم " ، أي : أمثالكم من الأحرار كقوله : " ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا " ( النور - 12 ) ، أي : بأمثالهم .

( كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون ) ينظرون إلى هذه الدلائل بعقولهم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ضرب» جعل «لكم» أيها المشركون «مثلا» كائنا «من أنفسكم» وهو «هل لكم من ما ملكت أيمانكم» أي من مماليككم «من شركاء» لكم «فيما رزقناكم» من الأموال وغيرها «فأنتم» وهم «فيه سواءٌ تخافونهم كخيفتكم أنفسكم» أي أمثالكم من الأحرار والاستفهام بمعنى النفي المعنى: ليس مماليككم شركاء لكم إلى آخره عندكم فكيف تجعلون بعض مماليك الله شركاء له «كذلك نفصِّل الآيات» نبنيها مثل ذلك التفصيل «لقومٍ يعقلون» يتدبرون.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ضرب الله مثلا لكم -أيها المشركون -من أنفسكم: هل لكم من عبيدكم وإمائكم مَن يشارككم في رزقكم، وترون أنكم وإياهم متساوون فيه، تخافونهم كما تخافون الأحرار الشركاء في مقاسمة أموالكم؟

إنكم لن ترضوا بذلك، فكيف ترضون بذلك في جنب الله بأن تجعلوا له شريكًا من خلقه؟

وبمثل هذا البيان نبيِّن البراهين والحجج لأصحاب العقول السليمة الذين ينتفعون بها.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ضرب - سبحانه - مثلا لا مجال للجدل فيه ، لوضوحه واعتماده على المنطق السليم ، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يمضى فى طرييقه المستقيم ، كما أمر المؤمنين بأن يلتجئوا إليه - سبحانه - وحده وأن يصونوا أنفسهم عن كل ما يغضبه ، فقال - تعالى - : ( ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً .

.

.

.

لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ) .و ( مِّنْ ) فى قوله - سبحانه - : ( ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ ) ابتدائية ، والجار والمجرور فى محل نصب ، صفة لقوله : ( مَّثَلاً ) .أى : ضرب لكم - أيها الناس - مثلا ، يظهر منه بطلان الشكر ظهورا واضحا ، وهذا المثل كائن من أحوال أنفسكم ، التى هى أقرب شئ لديكم .قال القرطبى : والآية نزلت فى كفار قريش ، كانوا يقولون فى التلبية : " لبيك لا شريك لك ، إلا شريكا هو لك ، تملكه وما ملك .

.

" .وقوله - تعالى - : ( هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ ) تصوير وتفضيل للمثل ، والاستفهام للإِنكار والنفى .

و ( مِّن ) الأولى للتبعيض ، والثانية لتأكيد النفى ، وقوله ( شُرَكَآءَ ) مبتدأ ، وخبره ( لَّكُمْ ) وقوله : ( مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ) متعلق بمحذوف حال من شركاء .وقوله : ( فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ ) جواب للاستفهام الذى هو بمعنى النفى .

والجملة مبتدأ وخبر .

وقوله : ( تَخَافُونَهُمْ ) خبر ثان لأنتم ، وقوله : ( كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ ) صفة لمصدر محذوف ، أى : تخافونهم خيفة كائنة مثل خيفتكم من هو من نوعكم .والمعنى : ضرب الله - تعالى - لكم - أيها الناس - مثلا منتزعا من أنفسكم التى هى أقرب شئ إليكم ، وبيان هذا المثل : أنكم لا ترضون أن يشارككم فى أموالاكم التى رزقناكم إياها ، عبيدكم وإماؤكم ، مع أنهم مثلكم فى البشرية ، ونحن الذين خلقناهم كما خلقناكم ، بل إنكم لتخافون على أموالكم منهم ، أن يشاركوكم فيها ، كما تخافون عليها من الأحرار المشابهين لكم فى الحرية وفى جواز التصرف فى تلك الأموال .

فإذا كان هذا شأنكم مع عبيدكم - الذين هم مثلكم فى البشرية ، والذين لم تخلقوهم بل نحن الذين خلقناكم وخلقناهم - فكيف أجزتم لأنفسكم أن تشركوا مع الله - تعالى - آلهة أخرى فى العبادة ، مع أنه - سبحانه - هو الخالق لكم ولهم ، والرازق لكم ولهم؟!!إن تصرفكم هذا ظاهر التناقض والبطلان ، لأنكم لم ترضوا أن يشارككم غيركم فى أموالكم ، ورضيتم أن تشركوا مع الله - تعالى - : غيره فى العبادة ، مع أنه - سبحانه - هو الخالق والرازق لكل شئ .فالمقصود من الآية الكريمة ، إبطال الشرك بأبلغ أسلوب ، وأوضح بيان ، وأصدق حجة ، وأقوى دليل .ولذا ختمها - سبحانه - بقوله : ( كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيات لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) أى : مثل ذلك التفصيل الجلى الواضح ، نفصل الآيات الدالة على وحدانيتنا ، لقوم يعقلون هذه الأمثال ، وينتفعون بها فى إخلاص العبادة لله الواحد القهار .قال الإِمام القرطبى : قال بعض العلماء : هذه الآية أصل فى الشركة بين المخلوقين ، لافتقار بعضهم إلى بعض ، ونفيها عن الله - سبحانه - وذلك أنه قال - سبحانه - : ( ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ ) فيجب أن يقولوا : ليس عبيدنا شركاءنا فيما رزقتنا ، فيقال لهم : فكيف يتصور أن تنزهوا أنفسكم عن مشاركة عبيدكم ، وتجعلوا عبيدى شركائى فى خلقى ، فهذا حكم فاسد ، وقلة نظر وعمى قلب!!فإذا أبطلت الشركة بين العبيد وساداتهم فيما يملكه السادة ، والخلق كلهم عبدي الله - تعالى - فيبطل أن يكون شئ من العالم شركا لله - تعالى - فى شئ من أفعاله .ثم قال - رحمه الله - : وهذه المسألة أفضل للطالب ، من حفظ ديوان كامل فى الفقه ، لأن جميع العبادات البدنية ، لا تصح إلا بتصحيح هذه المسألة فى القلب فافهم ذلك .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

لما بين الإعادة والقدرة عليها بالمثل بعد الدليلين بين الوحدانية أيضاً بالمثل بعد الدليل، ومعناه أن يكون له مملوك لا يكون شريكاً له في ماله ولا يكون له حرمة مثل حرمة سيده فكيف يجوز أن يكون عباد الله شركاء له وكيف يجوز أن يكون لهم عظمة مثل عظمة الله تعالى حتى يعبدوا، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: ينبغي أن يكون بين المثل والممثل به مشابهة ما، ثم إن كان بينهما مخالفة فقد يكون مؤكداً لمعنى المثل وقد يكون موهناً له وهاهنا وجه المشابهة معلوم، وأما المخالفة فموجودة أيضاً وهي مؤكدة وذلك من وجوه: أحدها: قوله: ﴿ مّنْ أَنفُسِكُمْ ﴾ يعني ضرب لكم مثلاً من أنفسكم مع حقارتها ونقصانها وعجزها، وقاس نفسه عليكم مع عظمها وكمالها وقدرتها.

وثانيها: قوله: ﴿ مِمَّا مَلَكَتْ أيمانكم ﴾ يعني عبدكم لكم عليهم ملك اليد وهو طار (ئ) قابل للنقل والزوال، أما النقل فبالبيع وغيره والزوال بالعتق ومملوك الله لا خروج له من ملك الله بوجه من الوجوه، فإذا لم يجز أن يكون مملوك يمينكم شريكاً لكم مع أنه يجوز أن يصير مثلكم من جميع الوجوه، بل هو في الحال مثلكم في الآدمية حتى أنكم ليس لكم تصرف في روحه وآدميته بقتل وقطع وليس لكم منعهم من العبادة وقضاء الحاجة، فكيف يجوز أن يكون مملوك الله الذي هو مملوكه من جميع الوجوه شريكاً له.

وثالثها: قوله: ﴿ مّن شُرَكَاء فِيمَا رزقناكم ﴾ يعني الذي لكم هو في الحقيقة ليس لكم بل هو من الله ومن رزقه والذي من الله فهو في الحقيقة له فإذا لم يجز أن يكون لكم شريك في مالكم من حيث الاسم، فكيف يجوز أن يكون له شريك فيما له من حيث الحقيقة وقوله: ﴿ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء ﴾ أي هل أنتم ومماليككم في شيء مما تملكون سواء ليس كذلك فلا يكون لله شريك في شيء مما يملكه، لكن كل شيء فهو لله فما تدعون إلهيته لا يملك شيئاً أصلاً ولا مثقال ذرة من خردل فلا يعبد لعظمته ولا لمنفعة تصل إليكم منه، وأما قولكم هؤلاء شفعاؤنا فليس كذلك، لأن المملوك هل له عندكم حرمة كحرمة الأحرار وإذا لم يكن للملوك مع مساواته إياكم في الحقيقة والصفة عندكم حرمة، فكيف يكون حال المماليك الذين لا مساواة بينهم وبين المالك بوجه من الوجوه وإلى هذا أشار بقوله: ﴿ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ ﴾ .

المسألة الثانية: بهذا نفى جميع وجوه حسن العبادة عن الغير لأن الأغيار إذا لم يصلحوا للشركة فليس لهم ملك ولا ملك، فلا عظمة لهم حتى يعبدوا لعظمتهم ولا يرتجى منهم منفعة لعدم ملكهم حتى يعبدوا لنفع وليس لهم قوة وقدرة لأنهم عبيد والعبد المملوك لا يقدر على شيء فلا تخافوهم كما تخافون أنفسكم، فكيف تخافونهم خوفاً أكثر من خوفكم بعضاً من بعض حتى تعبدوهم للخوف.

ثم قال تعالى: ﴿ كَذَلِكَ نُفَصّلُ الأيات لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ أي نبينها بالدلائل والبراهين القطعية والأمثلة والمحاكيات الإقناعية لقوم يعقلون، يعني لا يخفى الأمر بعد ذلك إلا على من لا يكون له عقل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

فإن قلت: أي فرق بين الأولى والثانية والثالثة في قوله تعالى: ﴿ مِّنْ أَنفُسِكُمْ ﴾ ، ﴿ مِّن مَّا مَلَكَتْ أيمانكم ﴾ ، ﴿ مِّن شُرَكَاءَ ﴾ ؟

قلت: الأولى للابتداء، كأنه قال: أخذ مثلاً وانتزعه من أقرب شيء منكم وهي أنفسكم ولم يبعد، والثانية للتبعيض، والثالثة مزيدة لتأكيد الاستفهام الجاري مجرى النفي.

ومعناه: هل ترضون لأنفسكم- وعبيدكم أمثالكم بشر كبشر وعبيد كعبيد- أن يشارككم بعضهم ﴿ فِى مَا رزقناكم ﴾ من الأموال وغيرها ما تكونون أنتم وهم فيه على السواء، من غير تفضلة بين حرّ وعبد: تهابون أن تستبدوا بتصرف دونهم، وأن تفتاتوا بتدبير عليهم كما يهاب بعضكم بعضاً من الأحرار، فإذا لم ترضوا بذلك لأنفسكم، فكيف ترضون لرب الأرباب ومالك الأحرار والعبيد أن تجعلوا بعض عبيده له شركاء؟

﴿ كذلك ﴾ أي مثل هذا التفصيل ﴿ نُفَصِّلُ الأيات ﴾ أي نبينها: لأن التمثيل مما يكشف المعاني ويوضحها؛ لأنه بمنزلة التصوير والتشكيل لها.

ألا ترى كيف صوّر الشرك بالصورة المشوّهة؟.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ضَرَبَ لَكم مَثَلا مِن أنْفُسِكُمْ ﴾ مُنْتَزَعًا مِن أحْوالِها الَّتِي هي أقْرَبُ الأُمُورِ إلَيْكم.

﴿ هَلْ لَكم مِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ ﴾ مِن مَمالِيكِكم.

﴿ مِن شُرَكاءَ في ما رَزَقْناكُمْ ﴾ مِنَ الأمْوالِ وغَيْرِها.

﴿ فَأنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ ﴾ فَتَكُونُونَ أنْتُمْ وهم فِيهِ شَرْعًا يَتَصَرَّفُونَ فِيهِ كَتَصَرُّفِكم مَعَ أنَّهم بَشَرٌ مُثُلُكم وأنَّها مُعارَةٌ لَكم، و ( مِن ) الأُولى لِلِابْتِداءِ والثّانِيَةُ لِلتَّبْعِيضِ والثّالِثَةُ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ الِاسْتِفْهامِ الجارِي مَجْرى النَّفْيِ.

﴿ تَخافُونَهُمْ ﴾ أنْ يَسْتَبِدُّوا بِتَصَرُّفٍ فِيهِ.

﴿ كَخِيفَتِكم أنْفُسَكُمْ ﴾ كَما يَخافُ الأحْرارُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ.

﴿ كَذَلِكَ ﴾ مِثْلُ ذَلِكَ التَّفْصِيلِ.

﴿ نُفَصِّلُ الآياتِ ﴾ نُبَيِّنُها فَإنَّ التَّفْصِيلَ مِمّا يَكْشِفُ المَعانِيَ ويُوَضِّحُها.

﴿ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ يَسْتَعْمِلُونَ عُقُولَهم في تَدَبُّرِ الأمْثالِ.

﴿ بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ بِالإشْراكِ.

﴿ أهْواءَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ جاهِلِينَ لا يَكُفُّهم شَيْءٌ فَإنَّ العالِمَ إذا اتَّبَعَ هَواهُ رُبَّما رَدَعَهُ عِلْمُهُ.

﴿ فَمَن يَهْدِي مَن أضَلَّ اللَّهُ ﴾ فَمَن يَقْدِرُ عَلى هِدايَتِهِ.

﴿ وَما لَهم مِن ناصِرِينَ ﴾ يُخَلِّصُونَهم مِنَ الضَّلالَةِ ويَحْفَظُونَهم عَنْ آفاتِها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مّنْ أَنفُسِكُمْ} فهذا مثل ضربة الله عز وجل لمن جعل له شريكا من خلقه من للابتداء كأنه قال أخذ مثلاً وانتزعه من أقرب شيء منكم وهي أنفسكم {هَلْ لكم} معاشر الاحرار {مما ملكت أيمانكم} عبيدكم ومن التبعيض {من شركاء} من مريدة لتأكيد الاستفهام الجاري مجرى النفي ومعناه هل ترضون لا نفسكم وعبيدكم أمثالكم بشر كبشر وعبيد كعبيدان بشارككم بعضهم {فِى مَا رزقناكم} من الأموال وغيرها {فأنتم} معاشر الاحرار والعبيد

الروم (٣٠ - ٢٨)

{فِيهِ} في ذلك الرزق {سَوَآء} من غير تفصلة بين حر وعبد يحكم مما ليككم فى أموالكم كحكمكم {تخافونهم} حال من ضميرالفاعل في سواء أي متساوون خائفاً بعضكم بعضاً مشاركته فى المال والمعنى تخافون معاشر السادة عبيدكم فيها فلا تمضون فيها حكماً دون إذنهم خوفاً من لائمة تلحقكم من جهتهم {كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ} يعني كما يخاف بعض

الأحرار بعضاً فيما هو مشترك بينهم فإذا لم يرضوا بذلك لأنفسكم فكيف ترضون لرب الأرباب ومالك الاحرار ومالعبيد أن تجعلوا بعض عبيده له شركاء {كذلك} موضع الكاف نصب أي مثل هذا التفصيل {نفصل الآيات} نبينها لان التمثل مما يكشف المعانى ويوضحها {لقوم يعقلون} بتدبرون في ضرب الأمثال فلما لم ينزجروا أضرب عنهم فقال

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ضَرَبَ لَكم مَثَلا ﴾ يَتَبَيَّنُ بِهِ بُطْلانُ الشِّرْكِ ﴿ مِن أنْفُسِكُمْ ﴾ أيْ مُنْتَزَعًا مِن أحْوالِها الَّتِي هي أقْرَبُ الأُمُورِ إلَيْكُمْ، وأعْرَفُها عِنْدَكُمْ، وأظْهَرُها دِلالَةً عَلى ما ذُكِرَ مِن بُطْلانِ الشِّرْكِ لِكَوْنِها بِطَرِيقِ الأوْلَوِيَّةِ، ( ومِن ) لِابْتِداءِ الغايَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ لَكُمْ ﴾ إلى آخِرِهِ تَصْوِيرٌ لِلْمَثَلِ، والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ بِمَعْنى النَّفْيِ ( ولَكم ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ ﴿ مِن شُرَكاءَ )، ﴾ بَعْدُ، لِأنَّهُ نَعْتٌ نَكِرَةٌ تَقَدَّمَ عَلَيْها، والعامِلُ فِيها كَما في البَحْرِ هو العامِلُ في الجارِّ والمَجْرُورِ الواقِعِ خَبَرًا، ( ومِن ) لِلتَّبْعِيضِ، وما واقِعَةٌ عَلى النَّوْعِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن شُرَكاءَ ﴾ مُبْتَدَأٌ ( ومِن ) مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ المُسْتَفادِ مِنَ الِاسْتِفْهامِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي ما رَزَقْناكُمْ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِشُرَكاءَ، أيْ هَلْ شُرَكاءُ فِيما رَزَقْناكم مِنَ الأمْوالِ، وما يَجْرِي مَجْراها مِمّا تَنْصَرِفُونَ فِيهِ كائِنُونَ مِنَ النَّوْعِ الَّذِي مَلَكَتْهُ أيْمانُكم مِن نَوْعِ العَبِيدِ والإماءِ كائِنُونَ لَكم.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( لَكم ) مُتَعَلِّقًا بِشُرَكاءَ، ويَكُونَ ﴿ فِي ما رَزَقْناكُمْ ﴾ في مَوْضِعِ الخَبَرِ، كَما تَقُولُ: لِزَيْدٍ في المَدِينَةِ مُبْغِضٌ، فَلِزَيْدٍ مُتَعَلِّقٌ بِــ(مُبْغِضٌ)، الَّذِي هو مُبْتَدَأٌ، وفي المَدِينَةِ الخَبَرُ، أيْ هَلْ شُرَكاءُ لَكم كائِنُونَ مِمّا مَلَكَتْهُ أيْمانُكم كائِنُونَ فِيما رَزَقْناكُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ ﴾ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الجَوابِ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، ( وفِيهِ ) مُتَعَلِّقٌ بِـ(سَواءٌ)، وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ مَعْطُوفٌ عَلى (أنْتُمْ) أيْ فَأنْتُمْ وهُمْ، أيِ المَمالِيكُ مُسْتَوُونَ فِيهِ، لا فَرْقَ بَيْنَكم وبَيْنَهم في التَّصَرُّفِ فِيهِ، وقِيلَ: لا حَذْفَ، و(أنْتُمْ) شامِلٌ لِلْمَمالِيكِ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَخافُونَهُمْ ﴾ خَبَرٌ آخَرُ لِـ(أنْتُمْ)، وقالَ أبُو البَقاءِ: حالٌ مِن ضَمِيرِ (أنْتُمُ) الفاعِلِ في ( سَواءٌ )، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَخِيفَتِكم أنْفُسَكُمْ ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ تَخافُونَهم أنْ تَسْتَبِدُّوا بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ بِدُونِ رَأْيِهِمْ خِيفَةً كائِنَةً مِثْلَ خِيفَتِكم مَن هو مِن نَوْعِكم يَعْنِي الأحْرارَ المُساهِمِينَ لَكُمْ، والمَقْصُودُ نَفْيُ مَضْمُونِ ما فُصِّلَ مِنَ الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ أيْ لا تَرْضَوْنَ بِأنْ يُشارِكَكم فِيما رَزَقْناكم مِنَ الأمْوالِ ونَحْوِها مَمالِيكُكُمْ، وهم أمْثالُكم في البَشَرِيَّةِ غَيْرُ مَخْلُوقِينَ لَكُمْ، بَلْ لِلَّهِ تَعالى، فَكَيْفَ تُشْرِكُونَ بِهِ سُبْحانَهُ في المَعْبُودِيَّةِ الَّتِي هي مِن خَصائِصِهِ تَعالى الذّاتِيَّةِ مَخْلُوقَهُ سُبْحانَهُ، بَلْ مَصْنُوعَ مَخْلُوقِهِ جَلَّ وعَلا، حَيْثُ تَصْنَعُونَهُ بِأيْدِيكُمْ، ثُمَّ تَعْبُدُونَهُ.

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ «أنْفُسُكُمْ» بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ المَصْدَرَ مُضافٌ لِلْمَفْعُولِ ( وأنْفُسُكم ) فاعِلُهُ، قالَ أبُو حَيّانَ: وهو وجْهٌ حَسَنٌ ولا قُبْحَ في إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ مَعَ وُجُودِ الفاعِلِ، ( كَذَلِكَ ) أيْ مِثْلُ ذَلِكَ التَّفْصِيلِ الواضِحِ ﴿ نُفَصِّلُ الآياتِ ﴾ أيْ نُبَيِّنُها ونُوَضِّحُها لا تَفْصِيلًا أدْنى مِنهُ، فَإنَّ التَّمْثِيلَ تَصْوِيرٌ لِلْمَعانِي المَعْقُولَةِ بِصُورَةِ المَحْسُوسِ وإبْرازٌ لِأوابِدِ المُدْرَكاتِ عَلى هَيْئَةِ المَأْنُوسِ، فَيَكُونُ في غايَةِ الإيضاحِ والبَيانِ.

﴿ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ أيْ يَسْتَعْمِلُونَ عُقُولَهم في تَدْبِيرِ الأمْثالِ، وقِيلَ: في تَدْبِيرِ الأُمُورِ مُطْلَقًا، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ الأمْثالُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وخَصَّهم بِالذِّكْرِ مَعَ عُمُومِ تَفْصِيلِ الآياتِ لِلْكُلِّ، لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِها، وذَكَرَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ أنَّهُ لَمّا كانَ ضَرْبُ الأمْثالِ لِإدْناءِ المُتَوَهَّمِ إلى المَعْقُولِ، وإراءَةِ المُتَخَيَّلِ في صُورَةِ المُحَقَّقِ، ناسَبَ أنْ تَكُونَ الفاصِلَةُ ( لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) وهَذِهِ النُّكْتَةُ هُنا أظْهَرُ مِنها فِيما تَقَدَّمَ، فَتَذَكَّرْ.

وقَرَأ عَبّاسٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو «يُفَصِّلُ» بِياءِ الغَيْبَةِ رَعْيًا (لِضَرَبَ) إذْ هو مُسْنَدٌ لِما يَعُودُ لِلْغائِبِ، وقِراءَةُ الجُمْهُورِ بِالنُّونِ لِلْحَمْلِ عَلى ( رَزَقْناكم )، وذَكَرَ بَعْضُ العُلَماءِ أنَّ في هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلًا عَلى صِحَّةِ أصْلِ الشَّرِكَةِ بَيْنَ المَخْلُوقِينَ لِافْتِقارِ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: المُمْتَنِعُ المُسْتَقْبَحُ شَرِكَةُ العَبِيدِ لِساداتِهِمْ، أمّا شَرِكَةُ السّاداتِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ فَلا تَمْتَنِعُ ولا تُسْتَقْبَحُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ أي: خلق آدم، فبدأ خلقهم ولم يكونوا شيئا ثُمَّ يُعِيدُهُ يعني: يبعثهم في الآخرة أحياء وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ يعني: في المثل عندكم، لأن إبداء الشيء أشدّ من إعادته.

ويقال: إن ابتداءه كان نطفة، ثم جعله علقة، ثم جعله مضغة، ثم لحماً، ثم عظاماً.

وفي الآخرة حال واحد وذلك هو أهون عليه من هذا.

وقال القتبي عن أبي عبيدة: وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ يعني: هيّن عليه كما يقال الله أكبر أي: الكبير.

ويقال: الإعادة أهون عليه من البداية، والبداية عليه هين.

ثم قال: وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: الصفات العلى بأنه واحد لا شريك له وَهُوَ الْعَزِيزُ في ملكه الْحَكِيمُ في أمره.

ثم قال عز وجل: ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا نزلت في كفار قريش، كانوا يعبدون الآلهة، ويقولون في إحرامهم: لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك.

قَالَ الله تعالى: ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا أي: وصف لكم شبهاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ يعني: من العبد مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ من الأموال فَأَنْتُمْ وعبيدكم فِيهِ سَواءٌ في الرزق فيما أعطيناكم من الأموال والملك.

ثم قال: تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ قال مقاتل: يعني: أتخافون عبيدكم أن يرثوكم بعد الموت، كما تخافون أن يرثكم الأحرار.

فقالوا: لا.

فقال: أترضون لله الشركة في ملكه وتكرهون لأنفسكم.

قال الكلبي: هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ من أموالكم، من عبيدكم وإمائكم، فَأَنْتُمْ وهم فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ يقول: كما يخاف الرجل ابنه وعمه وأقاربه.

قالوا: لا.

قال: فأنتم لا ترضون هذا لأنفسكم أن يكونوا فيما تملكون يشاركونكم في أموالكم.

فكيف ترضون لله ما لا ترضون به لأنفسكم.

وقال السدي: ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا هذا مثل ضربه الله عز وجل في الميراث للآلهة.

يقول: هل لكم مماليك شركاء في الميراث الذي ترثونه من آبائكم، وأنتم تخافون أن يدخل معكم مملوككم في ذلك الميراث، كما تدخلون أنتم فيه.

فكما لا يكون للملوك أن يدخل في مواريثكم، فكذلك لا يكون لهذا الوثن الذي تعبدونه من دون الله عز وجل، أن يدخل في ملكي.

وإنما خلقي وعبيدي.

قال أبو الليث- رحمه الله عز وجل-: وفي الآية دليل أن العبد لا ملك له، لأنه أخبر أن لا مشاركة للعبيد فيما رزقنا الله عز وجل من الأموال.

ثم قال عز وجل: كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ يعني: نبيّن العلامات لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ الأمثال فيوحدونه.

ثم قال عز وجل: بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْواءَهُمْ يعني: اتبع الذين كفروا أهواءهم بعبادة الأوثان بِغَيْرِ عِلْمٍ يعني: بغير حجة فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ يعني: فمن يهدي إلى توحيد الله، من أضله الله وخذله وطرده.

ويقال: فمن يرشد إلى الحق من خذله الله عز وجل وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ يعني: مانعين من عذاب الله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

بمعنى الخضوعِ، والانقيادِ في طاعتهِ سبحانه.

وإعادة الخلق: هو بعثُهم من القبور.

وقوله تعالى: وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ قال ابن عباس وغيره: المعنى: وهو هين «١» عليه، وفي مصحف ابن مسعود «٢» «وهو هين عليه» ، وفي بعض المصاحف «وكل هين عليه» .

وقال ابن عباس أيضاً وغيره: المعنى: وهو أيسر «٣» عليه، قال: ولكن هذا التفضيل إنَّما هو بحسْب معتقدِ البَشَرِ وما يعطيهم النظر في الشاهد من أن الإعَادَةِ في كثير من الأشياء أهون علينا من البدأة.

ولما جاء بلفظٍ فيه استعارة، وتشبيه «٤» بما يعهده الناس من أنفسهم خَلُصَ جانبُ العظمة بأن جعل له المثلَ الأعْلَى الذي لا يلحقه تكييف ولا تماثل مع شيء.

ثم بين تعالى أمر الأصنام وفسادَ معتقدِ مَن يُشْرِكُها بالله- بضربه هذا المثلَ- وهو قوله: ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ ...

الآية، ومعناه:

أَنكم أيها الناس إذا كان لكم عبيدٌ تَمْلِكُونَهم فإنكم لا تشركونهم في أموالكم ومُهِمِّ أموركم، ولا في شيء على جهة استواءَ المنزلة.

وليس من شأنكم أن تخافوهم في أن يرثوا أموالكم، أو يقاسموكم إياها في حياتكم، كما يفعل بعضكم ببعض فإذا كان هذا فيكم، فكيف تقولون: أن من عبيده وملكه شركاءُ في سلطانِه وألوهيته هذا تفسير ابن عباس «٥» والجماعة.

فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)

وقوله تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً....

الآية، إقامة الوجه: هي تقويم المقصد والقوةِ على الجِدِّ في أعمال الدين.

وخص الوجه لأنه جامع حواس الإنسان ولشرفه.

وفِطْرَتَ اللَّهِ نَصْبٌ على المصدر.

وقيل: بفعل مضمر تقديره: اتبع أو التزم فطرة الله، واختُلِفَ في الفطرة هاهنا، والذي يعتمد عليه في تفسير هذه اللفظةِ أَنها الخِلْقَةُ والهَيْئَةُ التي في نفسِ الطفلِ التي هي مُعَدَّةٌ مُهَيَّئَةٌ لأَنْ يَمِيزَ بها مصنوعات الله، ويستدلَّ بها على ربِّهِ، ويعرف شرائعه ويؤمن به، فكأنه تعالى، قال: أقم وَجْهَك للدِّينِ الذي هو الحنيفُ، وهو فطرة الله الذي على الإعداد له فُطِرَ البشرِ لكن تعرضهم العوارض ومنه قوله صلى الله عليه وسلّم في الحديث الصحيح: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ ...

» الحديث «١» -، ثم يقول

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِن آياتِهِ ﴾ أيْ: مِن دَلائِلِ قُدْرَتِهِ ﴿ أنْ خَلَقَكم مِن تُرابٍ ﴾ يَعْنِي آدَمَ، لِأنَّهُ أصْلُ البَشَرِ ﴿ ثُمَّ إذا أنْتُمْ بَشَرٌ ﴾ مِن لَحْمٍ ودَمٍ، يَعْنِي ذُرِّيَّتَهُ ﴿ تَنْتَشِرُونَ ﴾ أيْ: تَنْبَسِطُونَ في الأرْضِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ آدَمَ، خَلَقَ حَوّاءَ مِن ضِلْعِهِ، وهو مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّ المَعْنى: جَعَلَ لَكم آدَمِيّاتٍ مِثْلَكُمْ، ولَمْ يَجْعَلْهُنَّ مِن غَيْرِ جِنْسِكُمْ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِتَسْكُنُوا إلَيْها ﴾ أيْ: لِتَأْوُوا إلى الأزْواجِ ﴿ وَجَعَلَ بَيْنَكم مَوَدَّةً ورَحْمَةً ﴾ وذَلِكَ أنَّ الزَّوْجَيْنِ يَتَوادّانِ ويَتَراحَمانِ مِن غَيْرِ رَحِمٍ بَيْنَهُما ﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ الَّذِي ذَكَرَهُ مِن صُنْعِهِ ﴿ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ في قُدْرَةِ اللَّهِ وعَظَمَتِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واخْتِلافُ ألْسِنَتِكُمْ ﴾ يَعْنِي اللُّغاتِ مِنَ العَرَبِيَّةِ والعَجَمِيَّةِ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿ وَألْوانِكُمْ ﴾ لِأنَّ الخَلْقَ بَيْنَ أسْوَدَ وأبْيَضَ وأحْمَرَ، وهم ولَدُ رَجُلٍ واحِدٍ وامْرَأةٍ واحِدَةٍ.

وقِيلَ: المُرادُ بِاخْتِلافِ الألْسِنَةِ: اخْتِلافُ النَّغْماتِ والأصْواتِ، حَتّى إنَّهُ لا يَشْتَبِهُ صَوْتُ أخَوَيْنِ مِن أبٍ وأُمٍّ والمُرادُ بِاخْتِلافِ الألْوانِ: اخْتِلافُ الصُّورِ، فَلا تَشْتَبِهُ صُورَتانِ مَعَ التَّشاكُلِ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْعالِمِينَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، [والكِسائِيُّ]، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " لِلْعالَمِينَ " بِفَتْحِ اللّامِ.

وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " لِلْعالِمِينَ " بِكَسْرِ اللّامِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِن آياتِهِ مَنامُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ ﴾ أيْ: نَوْمُكم.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المَنامُ مِن مَصادِرِ النَّوْمِ، بِمَنزِلَةِ قامَ يَقُومُ قِيامًا ومَقامًا، وقالَ يَقُولُ مَقالًا.

قالَ المُفَسِّرُونَ: وتَقْدِيرُ الآيَةِ: مَنامُكم بِاللَّيْلِ ﴿ وابْتِغاؤُكم مِن فَضْلِهِ ﴾ وهو طَلَبُ الرِّزْقِ بِالنَّهارِ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴾ سَماعَ اعْتِبارٍ [وَتَذَكُّرٍ] وتَدَبُّرٍ.

﴿ وَمِن آياتِهِ يُرِيكُمُ البَرْقَ ﴾ قالَ اللُّغَوِيُّونَ: إنَّما حَذَفَ " أنْ " لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، وأنْشَدُوا: [وَما الدَّهْرُ إلّا تارَتانِ فَتارَةً أمُوتُ وأُخْرى أبْتَغِي العَيْشَ أكْدَحُ وَمَعْناهُ: فَتارَةً أمُوتُ فِيها]، وقالَ طَرَفَةُ: ألا أيُّهَذا الزّاجِرِي أحْضُرَ الوَغْى ∗∗∗ [وَأنْ أشْهَدَ اللَّذّاتِ هَلْ أنْتَ مُخْلِدِي] أرادَ: أنْ أحْضُرَ.

وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى الخَوْفِ والطَّمَعِ في رُؤْيَةِ البَرْقِ في سُورَةِ (الرَّعْدِ: ١٢) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ ﴾ أيْ: تَدُوما قائِمَتَيْنِ ﴿ بِأمْرِهِ ﴾ ﴿ ثُمَّ إذا دَعاكم دَعْوَةً ﴾ وهي نَفْخَةُ إسْرافِيلَ الأخِيرَةُ في الصُّورِ بِأمْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ مِنَ الأرْضِ ﴾ أيْ: مِن قُبُورِكم ﴿ إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ ﴾ مِنها.

وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [البَقَرَةِ: ١١٦، العَنْكَبُوتِ: ١٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾ وفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ الإعادَةَ أهْوَنُ عَلَيْهِ مِنَ البِدايَةِ، وكُلٌّ هَيِّنٌ عَلَيْهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وأبُو العالِيَةِ.

والثّانِي: أنَّ ﴿ أهْوَنُ ﴾ بِمَعْنى " هَيِّنٍ "، فالمَعْنى: وهو هَيِّنٌ عَلَيْهِ، وقَدْ يُوضَعُ " أفْعَلُ " في مَوْضِعِ " فاعِلٍ "، ومِثْلُهُ قَوْلُهم في الأذانِ اللَّهُ أكْبَرُ، أيِ: اللَّهُ كَبِيرٌ قالَ الفَرَزْدَقُ: إنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّماءَ بَنى ∗∗∗ لَنا بَيْتًا دَعائِمُهُ أعَزُّ وأطْوَلُ وَقالَ مَعْنُ بْنُ أوْسٍ المُزَنِيُّ: لَعَمْرُكَ ما أدْرِي وإنِّي لَأوْجَلُ ∗∗∗ عَلى أيِّنا تَغْدُو المَنِيَّةُ أوَّلُ أيْ: وإنِّي لَوَجِلٌ، وقالَ غَيْرُهُ: أصْبَحْتُ أمْنَحُكَ الصُّدُودَ وإنَّنِي ∗∗∗ قَسَمًا إلَيْكَ مَعَ الصُّدُودِ لَأمْيَلُ وَأنْشَدُوا أيْضًا: تَمَنّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ وإنْ أمُتْ ∗∗∗ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوْحَدِ أيْ: بِواحِدٍ، هَذا قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ الحَسَنِ، وقَتادَةَ.

و[قَدْ] قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: " وهو هَيِّنٌ عَلَيْهِ " .

والثّالِثُ: أنَّهُ خاطَبَ العِبادَ بِما يَعْقِلُونَ، فَأعْلَمَهم أنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ عِنْدَهُمُ البَعْثُ أسْهَلَ مِنَ الِابْتِداءِ في تَقْدِيرُهم وحُكْمِهِمْ، فَمَن قَدَرَ عَلى الإنْشاءِ كانَ البَعْثُ أهْوَنَ عَلَيْهِ، هَذا اخْتِيارُ الفَرّاءِ، والمُبَرِّدِ، والزَّجّاجِ، وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ.

وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ الثَّلاثَةِ تَكُونُ الهاءُ في " عَلَيْهِ " عائِدَةً إلى اللَّهِ تَعالى.

والرّابِعُ أنَّ الهاءَ تَعُودُ عَلى المَخْلُوقِ، لِأنَّهُ خَلَقَهُ نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً، ويَوْمَ القِيامَةِ يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو اخْتِيارُ قُطْرُبٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَهُ المَثَلُ الأعْلى ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: أيْ: لَهُ الصِّفَةُ العُلْيا ﴿ فِي السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ وهي أنَّهُ لا إلَهَ غَيْرُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ضَرَبَ لَكم مَثَلا ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانُوا يُلَبُّونَ فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكًا هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُقاتِلٌ.

ومَعْنى الآيَةِ: بَيَّنَ لَكم أيُّها المُشْرِكُونَ شَبَهًا، وذَلِكَ الشَّبَهُ ﴿ مِن أنْفُسِكُمْ ﴾ ، ثُمَّ بَيَّنَهُ فَقالَ: ﴿ هَلْ لَكم مِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ ﴾ أيْ: مِن عَبِيدِكم ﴿ مِن شُرَكاءَ في ما رَزَقْناكُمْ ﴾ مِنَ المالِ والأهْلِ والعَبِيدِ، أيْ: هَلْ يُشارِكُكم عَبِيدُكم في أمْوالِكم ﴿ فَأنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ ﴾ أيْ: أنْتُمْ وَشُرَكاؤُكم مِن عَبِيدِكم سَواءٌ ﴿ تَخافُونَهم كَخِيفَتِكم أنْفُسَكُمْ ﴾ أيْ: كَما تَخافُونَ أمْثالَكم مِنَ الأحْرارِ، وأقْرِباءَكم كالآباءِ والأبْناءِ؟

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَخافُونَهم أنْ يَرِثُوكم كَما يَرِثُ بَعْضُكم بَعْضًا؟

وقالَ غَيْرُهُ: تَخافُونَهم أنْ يُقاسِمُوكم أمْوالَكم كَما يَفْعَلُ الشُّرَكاءُ؟

والمَعْنى: هَلْ يَرْضى أحَدُكم أنْ يَكُونَ عَبْدُهُ شَرِيكَهُ في مالِهِ وأهْلِهِ حَتّى يُساوِيَهُ في التَّصَرُّفِ في ذَلِكَ، فَهو يَخافُ أنْ يَنْفَرِدَ في مالِهِ بِأمْرٍ يَتَصَرَّفُ فِيهِ كَما يَخافُ غَيْرَهُ مِنَ الشُّرَكاءِ الأحْرارِ؟!

فَإذا لَمْ تَرْضَوْا ذَلِكَ لِأنْفُسِكُمْ، فَلِمَ عَدَلْتُمْ بِي مِن خَلْقِي مَن هو مَمْلُوكٌ لِي؟!

﴿ كَذَلِكَ ﴾ أيْ: كَما بَيَّنّا هَذا المَثَلَ ﴿ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ عَنِ اللَّهِ.

ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم إنَّما اتَّبَعُوا الهَوى في إشْراكِهِمْ، فَقالَ: ﴿ بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ أيْ: أشْرَكُوا بِاللَّهِ ﴿ أهْواءَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَن أضَلَّ اللَّهُ ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم إنَّما أشْرَكُوا بِإضْلالِ اللَّهِ إيّاهم ﴿ وَما لَهم مِن ناصِرِينَ ﴾ أيْ: مانِعِينَ مِن عَذابِ اللَّهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَهُ مَن في السَماواتِ والأرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ ﴾ ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ ولَهُ المَثَلُ الأعْلى في السَماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ ﴿ ضَرَبَ لَكم مَثَلا مِن أنْفُسِكم هَلْ لَكم مِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن شُرَكاءَ في ما رَزَقْناكم فَأنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهم كَخِيفَتِكم أنْفُسِكم كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ اللامُ في لَهُ الأُولى لامُ المِلْكِ، وفي الثانِيَةِ لامُ تَعْدِيَةٍ لِـ"قَنَتَ" وقَنَتَ بِمَعْنى خَضَعَ فِي طاعَتِهِ وانْقِيادِهِ.

وهَذِهِ الآيَةُ ظاهِرُ لَفْظِها العُمُومُ في القُنَّتِ، والعُمُومُ في كُلِّ مَن يَعْقِلُ، وتَعْمِيمُ ذَلِكَ في المَعْنى لا يَصِحُّ؛ لِأنَّهُ خَبَرٌ ونَحْنُ نَجِدُ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ لا يَقْنُتُ في كَثِيرٍ مِنَ المُعْتَقَدِ والأعْمالِ، فَلا بُدَّ أنَّ عُمُومَ ظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ مَعْناهُ الخُصُوصُ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في هَذا الخُصُوصِ أيْنَ هُوَ؟

فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هو في القُنَّتِ والطاعَةِ، وذَلِكَ أنَّ جَمِيعَ مَن يَعْقِلُ هو قانِتٌ لِلَّهِ في مُعْظَمِ الأُمُورِ مِنَ الحَياةِ والمَوْتِ والرِزْقِ والقُدْرَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وبَعْضُهم يَبْخَلُ بِالعِبادَةِ وبِالمُعْتَقَداتِ فَلا يَقْنُتُ فِيها، فَكَأنَّهُ قالَ: كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ في مُعْظَمِ الأُمُورِ وفي غالِبِ الشَأْنِ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ ما مَعْناهُ: إنَّ الخُصُوصَ هو في الأعْيانِ المَذْكُورِينَ، كَأنَّهُ قالَ: ولَهُ مَن في السَماواتِ والأرْضِ مِن مَلَكٍ ومُؤْمِنٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿ يَبْدَأُ الخَلْقَ ﴾ مَعْناهُ: يُنْشِئُهُ ويُخْرِجُهُ مِنَ العَدَمِ، وجاءَ الفِعْلُ بِصِيغَةِ الحالِ لِما كانَ في هَذا المَعْنى ما قَدْ مَضى كَآدَمَ وسائِرِ القُرُونِ، وفِيهِ ما يَأْتِي في المُسْتَقْبَلِ، فَكَأنَّ صِيغَةَ الحالِ تُعْطِي هَذا كُلَّهُ.

و"يُعِيدُهُ" مَعْناهُ يَبْعَثُهُ مِنَ القُبُورِ ويُنْشِئُهُ تارَةً أُخْرى.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾ ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمٍ: المَعْنى: وهو هَيِّنٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ الشاعِرِ: لَعَمْرُكَ ما أدْرِي وإنِّي لَأوجَلُ بِمَعْنى لَوَجِلٌ.

وقَوْلُ الآخَرُ: بَيْتًا دَعائِمُهُ أعَزُّ وأطْوَلُ وقَوْلُهم في الأذانِ: "اللهُ أكْبَرُ"، وقَوْلُ الشافِعِيِّ رَحِمَةُ اللهِ عَلَيْهِ: فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوحَدِ يُرِيدُ: بِواحِدٍ، واسْتَشْهَدَ بِهَذا البَيْتِ أبُو عُبَيْدَةَ، وهَذا شاهِدٌ كَثِيرٌ، وفي بَعْضِ المَصاحِفِ "وَكُلٌّ هَيِّنٌ عَلَيْهِ".

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: المَعْنى: وهو أيْسَرُ عَلَيْهِ، وإنْ كانَ الكُلُّ مِنَ اليُسْرِ عَلَيْهِ في حَيِّزٍ واحِدٍ وحالٍ مُتَماثِلَةٍ، قالَ: ولَكِنَّ هَذا التَفْضِيلَ بِحَسْبِ مُعْتَقَدِ البَشَرِ، وما يُعْطِيهِمُ النَظَرُ في الشاهِدِ مِن أنَّ الإعادَةَ في كَثِيرٍ مِنَ الأشْياءِ أهْوَنُ عَلَيْنا مِنَ البُداءَةِ؛ لِلتَّمَرُّنِ والِاسْتِغْناءِ عَنِ الرَوِيَّةِ الَّتِي كانَتْ في البُداءَةِ.

وهَذانِ القَوْلانِ الضَمِيرانِ فِيهِما عائِدانِ عَلى اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.

وقالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرى: الضَمِيرُ في "عَلَيْهِ" عائِدٌ عَلى "الخَلْقِ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهُوَ بِمَعْنى "المَخْلُوقِ" فَقَطْ، وعَلى التَأْوِيلَيْنِ الأوَّلِينَ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ "المَخْلُوقَ"، أو يَكُونَ مَصْدَرًا مِن "خَلَقَ".

فَقالالحَسَنُ: إنَّ الإعادَةَ أهْوَنُ عَلى المَخْلُوقِ مِن إنْشائِهِ؛ لِأنَّهُ في إنْشائِهِ يَصِيرُ مِن حالَةٍ إلى حالَةٍ، مِن نُطْفَةٍ إلى عَلَقَةٍ إلى مُضْغَةٍ ونَحْوَ هَذا، وفي الإعادَةِ إنَّما يَقُومُ في حِينٍ واحِدَةٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: وهو أيْسَرُ عَلَيْهِ، أيْ: أقْصَرُ مُدَّةً وأقَلُّ انْتِقالًا.

وقالَ بَعْضُهُمْ: وهو أهْوَنُ عَلى المَخْلُوقِ أنْ يُعِيدَ شَيْئًا بَعْدَ إنْشائِهِ، فَهَذا عُرْفُ المَخْلُوقِينَ، فَكَيْفَ تُنْكِرُونَ أنْتُمُ الإعادَةَ في جانِبِ الخالِقِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأظْهَرُ عِنْدِي عَوْدُ الضَمِيرِ عَلى اللهِ تَعالى، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿ وَلَهُ المَثَلُ الأعْلى ﴾ ، لِما جاءَ بِلَفْظٍ فِيهِ اسْتِعارَةٌ واسْتِشْهادٌ بِالمَخْلُوقِ عَلى الخالِقِ، وتَشْبِيهٌ بِما يَعْهَدُهُ الناسُ مِن أنْفُسِهِمْ، خَلَصَ جانِبُ العَظَمَةِ بِأنْ جَعْلَ لَهُ المَثَلَ الأعْلى الَّذِي لا يَصِلُ إلَيْهِ تَكْيِيفٌ ولا تَماثُلٌ مَعَ شَيْءٍ.

والعِزَّةُ والحِكْمَةُ صِفَتانِ مُوافِقَتانِ لِمَعْنى الآيَةِ، فَبِهِما يُعِيدُ ويَنْفُذُ أمْرُهُ في عِبادِهِ كَيْفَ شاءَ.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أمْرَ الأصْنامِ وفَسادَ مُعْتَقَدِ مَن يُشْرِكُها بِاللهِ بِضَرْبِ هَذا المَثَلِ، ومَعْناهُ: إنَّكم أيُّها الناسُ إذا كانَ لَكم عَبِيدٌ تَمْلِكُونَهم فَإنَّكم لا تُشْرِكُونَهم في أمْوالِكم ولا في أُمُورِكم ولا في شَيْءٍ عَلى جِهَةِ اسْتِواءِ المَنزِلَةِ، ولَيْسَ مِن شَأْنِكم أنْ تَخافُوهم فِي أنْ يَرِثُوا أمْوالَكم أو يُقاسِمُوكم إيّاها في حَياتِكُمْ، كَما يَفْعَلُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ، فَإذا كانَ هَذا فِيكم فَكَيْفَ تَقُولُونَ: إنَّ مِن عَبِيدِهِ ومِلْكِهِ شُرَكاءَ في سُلْطانِهِ وأُلُوهِيَّتِهِ، وتُثْبِتُونَ في جانِبِهِ ما لا يَلِيقُ بِكم عِنْدَكم بِجَوانِبِكُمْ؟

هَذا تَفْسِيرُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وجَماعَةٍ، وجاءَ هَذا المَعْنى في مَعْرِضِ السُؤالِ والتَقْرِيرِ.

وقَرَأ الناسُ: ﴿ كَخِيفَتِكم أنْفُسَكُمْ ﴾ بِنَصْبِ السِينِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِضَمِّها.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نُفَصِّلُ" بِالنُونِ حَمَلًا عَلى "رَزَقْناكُمْ"، وقَرَأ عَبّاسٌ عن أبِي عَمْرٍو: "يُفَصِّلُ" بِالياءِ حَمَلًا عَلى "ضَرَبَ لَكم مَثَلًا".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

أُتبع ضرب المثل لإمكان إعادة الخلق عَقِبَ دليل بدئه بضرببِ مثل لإبطال الشرك عقب دليليه المتقدمين في قوله تعالى ﴿ يُخرج الحي من الميت ﴾ [الروم: 19] وقوله ﴿ ويحيي الأرض بعد موتها ﴾ [الروم: 19] لينتظم الدليل على هذين الأصلين المهمين: أصل الوحدانية، وأصل البعث، وينكشف بالتمثيل والتقريب بعد نهوضه بدليل العقل.

والخطاب للمشركين.

وضرب المثل: إيقاعه ووضعه، وعليه فانتصاب ﴿ مثلاً ﴾ على المفعول به، أو يراد بضربه جعله ضرباً، أي مِثْلاً ونظيراً، وعليه فانتصاب ﴿ مثلاً ﴾ على المفعولية المطلقة لأن ﴿ مَثَلاً ﴾ حينئذ يرادف ضرباً مصدر ضربَ بهذا المعنى.

وقد تقدم عند قوله تعالى ﴿ إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما ﴾ في سورة البقرة (26).

واللام في لكم } لام التعليل، أي ضرب مثلاً لأجلكم، أي لأجل إفهامكم.

و ﴿ مِن ﴾ في قوله ﴿ مِن أنفسكم ﴾ ابتدائية متعلقة ب ﴿ ضرَب ﴾ أي جعل لكم مثلاً منتزعاً من أنفسكم.

والأنفس هنا جنس الناس كقوله ﴿ فسلِّموا على أنفسكم ﴾ [النور: 61] أي مثَلاً من أحوال جماعتكم إذ لا تخلو الجماعة عن ناس لهم عبيد وهم يعرفون أحوال العبيد مع سادتهم سواء منهم من يملك عبيداً ومن لا عبيد له.

فالخطاب لجميع الأمة باعتبار وجود فريق فيهم ينطبق عليهم هذا المثَل.

والاستفهام مستعمل في الإنكار ومناط الإنكار قوله ﴿ فيما رزقناكم ﴾ إلى آخره، أي من شركاء لهم هذا الشأن.

و ﴿ مِن ﴾ في قوله ﴿ من ما ملكت أيمانكم ﴾ تبعيضية، و ﴿ مِن ﴾ في قوله ﴿ مِن شركاء ﴾ زائدة مؤكدة لمعنى النفي المستفاد من الاستفهام الإنكاري.

فالجمع بين هذه الحروف في كلام واحد من قبيل الجناس التام.

والشركاء: جمع شريك، وهو المشارك في المال لقوله ﴿ فيما رزقناكم، ﴾ والفاء للتفريع على الشركة، أي فتكونوا متساوين فيما أنتم فيه شركاء.

وجملة ﴿ تخافونهم ﴾ في موضع الحال من ضمير الفاعل في ﴿ سواء.

﴾ والخوف: انفعال نفساني ينشأ من توقع إصابة مكروه يبقى، وهو هنا التوقي من التفريط في حظوظهم من الأرزاق وليس هو الرعب بقرينة قوله ﴿ كخيفتكم أنفسكم، ﴾ أي كما تتوقون أنفسكم من إضاعة حقوقكم عندهم.

والأنفس الثاني بمعنى: أنفس الذين لهم شركاء مما ملكت أيمانهم من المخاطبين لأنهم بعض المخاطبين.

وهذا المثل تشبيه هيئة مركبة بهيئة مركبة؛ شبهت الهيئة المنتزعة من زعم المشركين أن الأصنام شركاء لله في التصرف ودافعون عن أوليائهم ما يريده الله من تسلط عقاب أو نحوه إذ زعموا أنهم شفعاؤهم عند الله وهم مع ذلك يعترفون بأنها مخلوقة لله فإنهم يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك.

هذه الهيئة شبهت بهيئة ناس لهم عبيد صاروا شركاء في أرزاق سادتهم شركة على السواء فصار سادتهم يحذرون إذا أرادوا أن يتصرفوا في تلك الأرزاق أن يكون تصرفهم غير مرضي لعبيدهم، وهذا التشبيه وإن كان منصرفاً لمجموع المركب من الهيئتين قد بلغ غاية كمال نظائره إذ هو قابل للتفريق في أجزاء ذلك المركب بتشبيه مالك الخلق كلهم بالذين يملكون عبيداً، وتشبيه الأصنام التي هي مخلوقة لله تعالى بمماليك الناس، وتشبيه تشريك الأصنام في التصرف مع الخالق في ملكه بتشريك العبيد في التصرف في أرزاق سادتهم، وتشبيه زعمهم عدول الله عن بعض ما يريده في الخلق لأجل تلك الأصنام، وشفاعتها بحذر أصحاب الأرزاق من التصرف في حظوظ عبيدهم الشركاء تصرفاً يأبَوْنه.

فهذه الهيئة المشبه بها هيئة قبيحة مشوهة في العادة لا وجود لأمثالها في عرفهم فكانت الهيئة المشبهةُ منفيةً منكَرة، ولذلك أدخل عليها استفهام الإنكار والجحود ليُنتج أن الصورة المزعومة للأصنام صورة باطلة بطريق التصوير والتشكيل إبرازاً لذلك المعنى الاعتقادي الباطل في الصورة المحسوسة المشوهة الباطلة.

ولذلك عقب بجملة ﴿ كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون، ﴾ أي نفصل الدلائل على الاعتقاد الصحيح تفصيلاً كهذا التفصيل وضوحاً بيناً، وجملة ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ﴾ [الروم: 24] استئناف ابتدائي.

والقوم الذين يعقلون هم المتنزهون عن المكابرة والإعراض، والطالبون للحق والحقائق لوفرة عقولهم، فيزدادَ المؤمنون يقيناً ويؤمنَ الغافلون والذين تروج عليهم ضلالات المشركين ثم تنكشف عنهم بمثل هذه الدلائل البينة.

وفي ذكر لفظ ﴿ قوم ﴾ وإجراء الصفة عليه إيماء إلى أن هذه الآيات لا ينتفع بها إلا من كان العقل من مقومات قوميته كما تقدم في قوله تعالى ﴿ لآيات لقوم يعقلون ﴾ في سورة البقرة (164)، وتقدمت له نظائر كثيرة.

والقول في إيثار وصف العقل هنا دون غيره من أوصاف النظر والفكر كالقول فيما تقدم عند قوله ﴿ ومن آياته يريكم البرق خوفاً وطمعاً ﴾ إلى قوله ﴿ يعقلون ﴾ [الروم: 24].

وفي هذا تعريض بالمتصلبين في شركهم بأنهم ليسوا من أهل العقول، وليسوا ممن ينتفعون كقوله تعالى ﴿ وما يَعْقِلها إلا العالمون ﴾ [العنكبوت: 43] وقوله ﴿ ومثل الذين كفروا كمثل الذي يَنْعِق بما لا يَسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون ﴾ [البقرة: 171].

وقوله ﴿ كذلك ﴾ تقدم نظيره في قوله تعالى ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً ﴾ [البقرة: 143].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ضَرَبَ لَكم مَثَلا مِن أنْفُسِكُمْ ﴾ اخْتُلِفَ في سَبَبِ ضَرْبِ اللَّهِ لَهُمُ المَثَلَ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: لِأنَّ المُشْرِكِينَ أشْرَكُوا بِهِ في العِبادَةِ غَيْرَهُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: لِأنَّهُ كانَتْ تَلْبِيَةُ قُرَيْشٍ في الجاهِلِيَّةِ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ، إلّا شَرِيكًا وهو لَكَ، تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

الثّالِثُ: لِأنَّهم كانُوا لا يُوَرِّثُونَ مَوالِيَهم فَضَرَبَ اللَّهُ هَذا المَثَلَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

وَتَأْوِيلُهُ: أنَّهُ لَمْ يُشارِكْكم عَبِيدُكم في أمْوالِكم لِأنَّكم مالِكُونَ لَهم، فاللَّهُ أوْلى ألّا يُشارِكَهُ أحَدٌ مِن خَلْقِهِ في العِبادَةِ لِأنَّهُ مالِكُهم وخالِقُهم.

﴿ تَخافُونَهم كَخِيفَتِكم أنْفُسَكُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: تَخافُونَ أنْ يُشارِكُوكم في أمْوالِكم كَما تَخافُونَ ذَلِكَ مِن شُرَكائِكم، قالَهُ أبُو مِجْلَزٍ.

الثّانِي: تَخافُونَ أنْ يَرِثُوكم كَما تَخافُونَ ورَثَتَكم، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: تَخافُونَ لائِمَتَهم كَما تَخافُونَ بَعْضَكم بَعْضًا، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان يلبي أهل الشرك لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك، فأنزل الله: ﴿ هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ هل لكم مما ملكت أيمانكم..

﴾ الآية.

قال: هي في الآلهة، وفيه يقول: تخافونهم أن يرثوكم كما يرث بعضكم بعضاً.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ضرب لكم...

﴾ الآية.

قال هذا مثل ضربه الله لمن عدل به شيئاً من خلقه يقول: أكان أحد منكم مشاركاً مملوكه في ماله ونفسه وفراشه وزوجته؟

فكذلك لا يرضى الله تعالى أن يعدل به أحد من خلقه.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا ﴾ قال مقاتل: نزلت في كفار قريش؛ وذلك أنهم كانوا يقولون في إحرامهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك، فقال الله: ﴿ ضَرَبَ لَكُمْ ﴾ يقول: وَصَف لكم شَبهًا من أنفسكم (١) قال الكلبي: مِنْ مِثل خلقكم ﴿ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾ يعني: من عبيدكم ﴿ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ من أموالكم وعبيدكم وأهليكم ﴿ فَأَنْتُمْ ﴾ وشركاؤكم من مماليككم فيما رزقناكم شرع ﴿ سَوَاءٌ ﴾ (٢) وقوله: ﴿ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ ﴾ قال ابن عباس: تخافون أن يرثوكم كما يرث بعضكم بعضًا (٣) (٤) قال الكلبي: تخافون لائمتهم كما يخاف الرجل لائمة أخيه وأبيه وأقاربه (٥) وقال أبو مجلز: تخافون أن يقاسموكم أموالكم كما يقاسم بعضكم بعضًا (٦) فهذه ثلاثة أقوال في معنى قوله: ﴿ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ ﴾ مرجعها إلى معنى واحد؛ وهو: أن عَبْدَ الرجل لا يكون مثله حتى يكون بينهما توارث، وخوف لائمةٍ ومقاسمةٍ.

ومعنى الآية: أن الله تعالى يقول: كيف تعدلون بي عبيدي، وأنتم لا تعدلون عبيدكم بأنفسكم.

قال قتادة: يقول: ليس مِن أحدٍ يرضى لنفسه أن يشاركه عبده في ماله وزوجه، حتى يكون مثله؛ يقول: قد رضي بذلك ناسٌ لله فجعلوا معه إلهًا شريكًا (٧) وقد شرح أصحاب المعاني هذه الآية أبين شرح؛ قال صاحب النظم: هذا مثل ضربه الله -عز وجل- للذين جعلوا له شريكًا، فقال: هل يرضى أحد منكم أن يكون عبده شريكًا له في ماله وولده حتى يكون هو ومملوكه في سواء يخافه كما يخافه غيره من شريكٍ له لو كان معه، فإذا لم ترضوا بذلك لأنفسكم فِلمَ تجعلون لي عبيدي شركاء؟

والفاء في قوله: ﴿ فَأَنْتُمْ ﴾ بمنزلة حتى، تأويله: حتى أنتم وعبيدكم فيه سواء.

انتهى كلامه.

وقال ابن قتيبة: ﴿ ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ ﴾ وذلك أقرب عليكم ﴿ هَلْ لَكُمْ مِنْ ﴾ شركاء من عبيدكم الذين تملكون ﴿ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ ﴾ وعبيدكم ﴿ سَوَاءٌ ﴾ يأمرون فيه كأمركم، ويحكمون كحكمكم، وأنتم ﴿ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ ﴾ أي: كما يخاف الرجلُ الحرُّ شريكه الحرَّ في المال يكون بينهما، فلا يأمر فيه بشيء دون أمره، ولا يُمضي فيه عطيةً بغير أمره، وهو مِثلُ قوله: ﴿ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ  ﴾ أي: لا تغيبوا إخوانكم من المسلمين.

وقوله ﴿ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا  ﴾ أي بأمثالهم من المؤمنين خيرًا، يقول: فإذا كنتم أنتم بهذه المنزلة فيما بينكم وبين أقاربكم وأرقائكم، فكيف تجعلون لله مِنْ عبيده شركاء في ملكه؟

ومثلُه قوله: ﴿ وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ  ﴾ فجعل منكم المالك والمملوك ﴿ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا ﴾ يعني السَّادة ﴿ بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ﴾ مِنْ عبيدهم حتى يكونوا فيه شركاء.

يريد: فإذا كان هذا لا يجوز بينكم فكيف تجعلونه لله (٨) وقال أبو إسحاق: أعلم الله -عز وجل- أن مملوك الإنسان ليس بشريكه في ماله وزوجته، وأنه لا يخاف أن يرثه مملوكه، يقول: فقد جعلتم ما هو مُلكٌ لله مِنْ خلقه مثلَ الله وأنتم كلكم بشر ليس مماليككم بمنزلتكم في أموالكم، فالله -عز وجل- أجدرُ أن لا يُعدل به خلقُه.

انتهى كلامه (٩) انتصب قوله: ﴿ أَنْفُسِكُمْ ﴾ وهو مضاف إلى الفاعل، كما تقول: عجبت من اشترائك عبدًا لا تحتاج إليه، فإذا أضيف المصدر إلى المفعول ارتفع ما بعده، تقول: عجبت من موافقتك كثرة شربِ الماء؛ لأن المعنى: من أن وافقك، والعرب تقول: عجبت من قيامكم أجمعون وأجمعين، فمن خفض أتبعه اللفظ؛ لأنه في الظاهر خفض، ومن رفع ذهب إلى التأويل، وذلك أنه في تأويل رفع؛ لأنهم الفاعلون.

هذا قول الفراء (١٠) قوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ ﴾ أي: كما بينا في ضرب المثل من أنفسكم.

قال مقاتل: هكذا نبين الآيات ﴿ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ عن الله الأمثال فيوحدونه.

(١) "تفسير مقاتل" 78 ب.

ولم يذكره الواحدي في "أسباب النزول".

(٢) "تنوير المقباس" ص 340، وذكره عنه الثعلبي 8/ 168 أ.

هكذا وردت عنده: شرع سواء.

وفي "تنوير المقباس": شرك.

أي: من الشراكة؛ وهو أقرب.

والله أعلم.

قال ابن عباس: ﴿ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾ في الآلهة، وفيه، تخافونهم أن == يرثوكم كما يرث بعضكم بعضًا.

ذكره البخاري تعليقًا بصيغة الجزم، في التفسير، سورة: الروم، قال ابن حجر: الضمير في قوله: فيه، لله تعالى، أي: أن المثل لله وللأصنام.

"فتح الباري" 8/ 510.

وأخرجه ابن جرير 21/ 39، من طريق ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس.

(٣) أخرجه ابن جرير 21/ 39، من طريق عطاء الخرساني.

وذكره عنه الثعلبي 8/ 168 أ.

(٤) "تفسير مقاتل" 78 ب، بنحوه.

وذكر نحوه الماوردي عن السدي.

"النكت والعيون" 4/ 311.

(٥) "تنوير المقباس" ص 340.

(٦) أخرجه ابن جرير 2/ 391.

وذكره عنه الثعلبي 8/ 168أ.

(٧) أخرجه عبد الرزاق 2/ 102، وفيه: ونفسه، بدل: وزوجه.

وأخرجه بنحوه، ابن جرير 21/ 38.

(٨) "تأويل مشكل القرآن" ص 382.

(٩) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 184.

(١٠) "معاني القرآن" للفراء 2/ 324.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ ﴾ هذا هو المثل المضروب معناه: أنكم أيها الناس لا يشارككم عبيدكم في أموالكم، ولا يستوون معكم في أحوالكم، فكذلك الله تعالى لا يشارك عبيده في ملكه، ولا يماثله أحد في ربوبيته، فذكر حرف الاستفهام ومعناه: التقرير على النفي، ودخل في النفي قوله: ﴿ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ ﴾ : أي لستم في أموالكم سواء مع عبيدكم، ولستم تخافونهم كما تخافون الأحرار مثلكم، لأن العبيد عندكم أقل وأذل من ذلك.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ عاقبة ﴾ بالنصب: ابن عامر وعاصم وحمزة وعلي وخلف.

الآخرون: بالرفع.

﴿ السوأى ﴾ بالإمالة: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وحماد ﴿ يرجعون ﴾ على الغيبة: أبو عمرو غير عباس وأوقية وسهل ويحيى وحماد ﴿ تخرجون ﴾ بفتح التاء وضم الراء: حمزة وعلي وخلف.

الباقون: مجهولاً ﴿ للعالمين ﴾ بكسر اللام: حفص يفصل على الغيبة: عباس.

الآخرون: بالنون.

الوقوف: ﴿ ألم ﴾ كوفي ﴿ غلبت ﴾ ﴿ الروم ﴾ ه ﴿ سيغلبون ﴾ ه ﴿ سنين ﴾ ه ﴿ ومن بعد ﴾ ط ﴿ المؤمنون ﴾ ه ﴿ ينصر الله ﴾ ط وكلاهما مبني على أن قوله ﴿ بنصر الله ﴾ يتعلق بـ ﴿ يفرح ﴾ ﴿ ينصر من يشاء ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ وعد الله ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين والوصل أولى ﴿ غافلون ﴾ ه ﴿ في أنفسهم ﴾ ط لحق الحذف أي فيعلموا ذلك أو فيقولوا هذا القول ﴿ مسمى ﴾ ط ﴿ لكافرون ﴾ ه ﴿ من قبلهم ﴾ ط ﴿ بالبينات ﴾ ط ﴿ يظلمون ﴾ ه لا لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ يستهزؤن ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ المجرمون ﴾ ه والوصل جائز ﴿ كافرين ﴾ ه ﴿ يتفرقون ﴾ ه ﴿ يجبرون ﴾ ه ﴿ محضرون ﴾ ه ﴿ تصبحون ﴾ ه ﴿ تظهرون ﴾ ه ﴿ بعد موتها ﴾ ط ﴿ تخرجون ﴾ ه ﴿ تنتشرون ﴾ ه ﴿ ورحمة ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ وألوانكم ﴾ ط ﴿ للعالمين ﴾ ه ﴿ من فضله ﴾ ط ﴿ يسمعون ﴾ ه ﴿ موتها ﴾ ط ﴿ يعقلون ﴾ ه ﴿ بأمره ﴾ ط لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ دعوة ﴾ لا وقيل: على من الأرض وكلاهما تعسف.

والحق أن قوله ﴿ من الأرض ﴾ متعلق بـ ﴿ دعاكم ﴾ كقولك دعوت زيداً من بيته لا كقولك دعوته من بيتي ﴿ تخرجون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ قانتون ﴾ ه ﴿ أهون عليه ﴾ ج ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ من أنفسكم ﴾ ط لانتهاء الإخبار إلى الاستفهام ﴿ كخيفتكم أنفسكم ﴾ ط ﴿ يعقلون ﴾ ه ﴿ بغير علم ﴾ ج لابتداء الاستفهام مع الفاء ﴿ أضل الله ﴾ ط لتمام الاستفهام وابتداء النفي ﴿ ناصرين ﴾ ه ﴿ حنيفا ﴾ ط ﴿ عليها ﴾ ط ﴿ لخلق الله ﴾ ط ﴿ القيم ﴾ ه لا للاستدراك ﴿ لا يعلمون ﴾ ه وقيل: لا وقف عليه بناء على أن ﴿ منيبين ﴾ حال من ضمير ﴿ أقم ﴾ على أن الأمر له ولأمته مثل ﴿ يا أيها النبي إذا طلقتم  ﴾ والوقف أوضح لبعد العامل عن المعمول بل التقدير: كونوا منيبين بدليل قوله ﴿ ولا تكونوا من المشركين ﴾ لأن قوله ﴿ من الذين ﴾ كالبدل مما قبله ﴿ شيعاً ﴾ ط ﴿ فرحون ﴾ ه.

التفسير: وجه تعلق السورة بما قبلها هو أنه  كان يقول للمشركين ماأمر الله به ﴿ صم بكم عمي فهم لا يعقلون  ﴾ وكان يحقر آلهتهم وينسبها إلى العجز وعدم النفع والضر، وكان أهل الكتاب يوافقون المسلمين في الإله وفي كثير من الأحكام ولذلك قال ﴿ ولا تجادلوا أهل الكتاب ﴾ إلى قوله ﴿ وإلهنا وإلهكم واحد  ﴾ فلا جرم أبغض المشركون أهل الكتاب وتركوا مراجعتهم في الأمور.

فاتفق أن بعث كسرى جيشاً إلى الروم واستعمل عليهم رجلاً يقال له شهريران، فسار إلى الروم بأهل فارس فظفر عليهم وقتلهم وخرب مدائنهم.

وكان قيصر بعث رجلاً يدعى بجنس فالتقى مع شهريران بأذرعات وبصرى وهو أدنى الشأم إلى أرض العرب وإليه الإشارة بقوله ﴿ أدنى الأرض ﴾ لأن الأرض المعهودة عند العرب هي أرضهم أي غلبوا في أقرب أرض العرب منهم وهي أطراف الشأم.

وجوز جار الله أن يراد بأرضهم على إنابة اللام مناب المضاف إليه أي في أدنى أرضهم إلى عدوهم.

وهذا تفسير مجاهد لأنه قال: هي أرض الجزيرة وهي أدنى أرض الروم إلى فارس.

عن ابن عباس: الأردن وفلسطين.

ففرح المشركون بذلك فأنزل الله  هذه الآيات لبيان أن الغلبة لا تدل على الحق فقد يبتلى المحبوب ويعجل عذابه ليسلم في الآجل.

وقوله ﴿ في أدنى الأرض ﴾ إشارة إلى ضعفهم أي انتهى ضعفهم إلى أن وصل عدوهم إلى طريق الحجاز وكسروهم وهم في بلادهم.

ثم بين أن الروم سيغلبون غلبة عظيمة بعد ذلك الضعف العظيم، وكل ذلك دليل على أن الأمر بيد الله من قبل الغلبة ومن بعدها، أو من قبل تلك المدة ومن بعد ذلك، وقد وقع كما أخبر فغلبت الروم على فارس حتى وصلوا إلى المدائن وبنوا هنالك الرومية، قال المفسرون: لما نزلت الآية قال أبو بكر للمشركين: لا أقر الله أعينكم، والله ليظهرن الروم على فارس بعد بضع سنين.

فقال له أبي ابن خلف: كذبت يا أبا فضيل اجعل بيننا أجلاً أناحبك عليه، فخاطره على عشر قلائص من كل واحد منهما وجعل الأجل ثلاث سنين.

فأخبر أبو بكر رسول الله  فقال: البضع ما بين الثلاث إلى التسع فزايده في الخطر وماده في الأجل فجعلاها مائة قلوص إلى تسع سنين.

فلما أراد ابو بكر أن يخرج من مكة أتاه أبي فلزمه وطلب كفيلاً فكفله ابنه عبد الله بن أبي بكر، فلما أراد أن يخرج إلى أحد أتاه عبدالله فلزمه إلى أن أقام كفيلاً ثم خرج إلى أحد ثم رجي أبي فمات بمكة من جراحته التي جرحها رسول الله  فظهرت الروم على فارس يوم الحديبية.

وذلك عند رأس سبع سنين.

فأخذ أبو بكر الخطر من ذرية أبي وجاء به إلى رسول الله  فأمره أن يتصدق به.

قالت العلماء: إنما أبهم الوقت لأن الكفار كانوا معاندين والأمور التي تقع في البلاد الشاسعة قلما يحصل الاتفاق على وقتها المعين من السنة والشهر واليوم والساعة وإن كان معلوماً للنبي بإعلام الله إياه، فالمعاند كان يتمكن من الإرجاف بوقوع الواقعة قبل وقوعها ليحصل الخلف في الميعاد ولكن المعاند لا يتمكن من إنكار الواقعة في البضع، ﴿ ويومئذ ﴾ أي يوم يغلب الروم فارس ويحصل ما وعد الله من غلبتهم ﴿ يفرح المؤمنون بنصر الله ﴾ وبغلبة من له كتاب على من لا كتاب له، أو بغيظ الشامتين بهم من كفار مكة.

وقيل: نصر الله هو إظهار صدق المؤمنين فيما أخبر به نبيهم من غلبة الروم.

وعن أبي سعيد الخدري: وافق ذلك يوم بدرٍ وهو المراد بنصر الله، وذلك أن خبر الكسر لم يصل إليهم في ذلك اليوم بعينه فلا يكون فرحهم يومئذ بل الفرح يحصل بعده، ولناصر القولين الأولين أن يقول: اقيم سبب الفرح، مقام الفرح أو المراد باليوم الوقت الواسع الشامل لما بين زمان وقوع الكسر إلى زمان وصول خبر الكسر الموجب للفرح.

ومن علق قوله ﴿ بنصر الله ﴾ بقوله ﴿ ينصر ﴾ بناء على أن المقصود بيان أن النصرة بيد الله لا بيان وقوع النصرة لم يقف ههنا ووقف على ﴿ المؤمنون ﴾ ﴿ وهو العزيز الرحيم ﴾ فإذا سلط العدو على الحبيب فلعزته واستغنائه عن العالمين، وإذا نصر الحبيب فرحمته عليه.

أو نقول: إن نصر المحب فلعزته واستغنائه عنه ورحمته في الآخرة واصله إليه.

﴿ وعد الله ﴾ مصدر مؤكد لنفسه لأن ما سبق في معنى الوعد ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ أنه لا خلف في وعده لأنهم بله في أمور الدين.

وفي إبدال قوله ﴿ يعلمون ﴾ من قوله ﴿ لا يعلمون ﴾ أو في بيان هذا بذاك إشارة أن العلم بأمور الدنيا كالجهل المطلق، وفي تنكير ﴿ ظاهراً ﴾ إشارة إلى قلة علمهم بظاهر الدنيا أيضاً وفي تكرير "هم" إشارة إلى أن الغفلة منهم وإلا فأسباب التذكرة حاصلة وظاهر الدنيا ملاذها وملاعبها وباطنها مضارها ومتاعبها.

هي الدنيا تقول بملء فيها *** حذار حذار من سفكي وفتكي فلا يغرركم طول ابتسامي *** فقولي مضحك والفعل مبكي ثم أشار إلى وجه التفكر بقوله ﴿ أولم يتفكروا ﴾ وقوله ﴿ في أنفسهم ﴾ يتعلق به أما تعلق الظرف بالفعل كأنه قال: أولم يحدثوا التفكر في قلوبهم الفارغة فيكون كما لو قلت لأجل زيادة التصوير اعتقده في قلبك وأضمره في نفسك مع أن الاعتقاد لا يكون إلا في القلب، والإضمار لا يوجد إلا في النفس.

وأما تعلق الجار بالفعل كقولك: تفكر في الأمور.

وذلك أنه إذا تفكر في نفسه التي هي أقرب الاشياء إليه وقف على غرائب الحكم ودقائق الصنع التي أودعها الله  فيها كما يكفل بيان بعضها علم التشريح فجره ذلك إلى العلم بأنه  ما خلق السموات والأرض وما بينهما إلا متلبساً بالغرض الصحيح الذي أودعه الله فيها، وبتقدير أجل مسمى هو وقت الجزاء والحساب، ثم في الآية تقريران: أحدهما يناسب أصول الأشاعرة وهو أن دلائل الأنفس منجرة إلى دلائل الآفاق المذكورة للتوحيد وللعلم بالإله القادر المختار الصادق كلامه، لكنه أخبر عن تخريب السموات والأرض وعن حشر الأجساد وانتهاء الجسمانيات إلى الإفناء ث الإعادة في الوقت المعلوم فيكون الأمر على ما أخبر.

وثانيهما يتوقف على أصول المعتزلة، وهو أن التفكر في النفس يجذب بصنعه إلى معرفة الإِله الحكيم الذي لا يفعل العبث والجزاف، فإنه خلق السموات وغيرها من الأسجام لمنافع المكلفين، وإذا انتهى التكليف فلا بد من تخريب السموات والأرض وانتهاء الأمر إلى حالة الجزاء واللقاء كيلا تنخرم قاعدة الحكمة والتدبير ورعاية الصلاح والعدل.

ثم قال ﴿ وإن كثيراً من الناس ﴾ وقد قال قبل ذلك ﴿ ولكن أكثر الناس ﴾ لأنه قد ذكر دليلاً على الأصول، ولا شك أن الإيمان بعد الدليل يكون أكثر من الإيمان قبل الدليل فلا يبقى الأكثر مكما هو فعبر عن الباقي بالكثير.

قال في الكشاف والمراد ﴿ بلقاء ربهم ﴾ الأجل المسمى، والأشاعرة يحملونه على الرؤية، واعلم أن دليل الأنفس مقدم على دليل الآفاق، لأن الإنسان قلما يذهل عن نفسه، وأن نفسه أقرب الشياء إليه نظير الآية قوله  ﴿ الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض  ﴾ أي يعرفون الله بدلائل الأنفس في سائر الأحوال، ويتفكرون في خلق السموات والأرض بدلائل الآفاق.

وإنما أخر الأنفس في قوله ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم  ﴾ لإن الإراءة إنما يفتقر إليها في معرفة الأبعد الأخفى كأنه قال: سنريهم آياتنا الآفاقية فإن لم يفهموها فآيات الأنفس معلومة.

وهذا الترتيب لا يناسب التفكر بل الفكر يتصور دليل الأنفس أولاً ثم يرتقي إلى دليل الآفاق فظهر أن كل آية وردت على ما اقتضته الحكمة والبلاغة.

وحين ذكر دليل النفس الذي لا يقع الذهول عنه إلا ندرة ارتقى إلى دليل السموات والأرض الذي يقع الذهول عنه في كثير من الأحوال لكنه لا يحتاج إلا إلى التفات ذهني، ثم أتبعه دليل الآفاق الذي يتوقف على السير والتحول ليقفوا على أمر أمثالهم.

وحكاية أشكالهم ثم ذكر أنهم أولى بالهلاك لأن من تقدمهم كعاد وثمود كانوا أشد منهم قوة جسمانية وأثاروا الأرض حرثوها وهو إشارة إلى القوة المالية.

ثم اشار إلى القوة الظهرية التي يستند إليها عند الضعف والفتور وهي الحصون والعمائر بقوله ﴿ وعمروها أكثر مما عمروها ﴾ هؤلاء يعني أهل مكة كانوا أهل واد غير ذي زرع ما لهم أثارة أرض أصلاً ولا عمارة لها راساً، ففيه نوع تهكم بهم.

قال أهل البرهان: إنما قال في هذه السورة وفي آخر "فاطر" وفي "المؤمن" ﴿ أولم يسيروا ﴾ بالواو وفي غيرهن ﴿ أفلم ﴾ بالفاء لأن ما قبلها في هذه السورة ﴿ أولم يتفكروا ﴾ وما بعدها ﴿ وأثاروا ﴾ بالواو فوافق ما قبلها وما بعدها.

وكذا في "فاطر" ما قبله ﴿ ولن تجد لسنتنا تحويلاً  ﴾ وما بعده ﴿ وما كان  ﴾ وفي "المؤمن" ما قبله ﴿ والذين يدعون ﴾ وأما في آخر "المؤمن" فما قبله ﴿ فأي آيات الله ﴾ وما بعده ﴿ فما أغنى عنهم  ﴾ وكلاهما بالفاء.

قوله في هذه السورة ﴿ من قبلهم ﴾ متصل بكون آخر مضمر.

وقوله ﴿ كانوا أشد منهم قوة ﴾ وكذا معطوفاه إخبار عما كانوا عليه قبل الإهلاك.

وإنما قال في "فاطر" ﴿ وكانوا ﴾ بزيادة الواو لأن التقدير فينظروا كيف أهلكوا وكانوا اشد، وخصت السورة به لقوله ﴿ وما كان الله ليعجزه  ﴾ وقال في "المؤمن" ﴿ كانوا من قبلهم كانوا هم أشد ﴾ فأظهر "كان" وزاد لفظه "هم" لأن الآية وقعت في أوائل قصة موسى وهي تتم في ثلاثين آية، فكان اللائق به البسط دون الوجازة ولم يبسط هذا البسط في آخر السورة اكتفاء بالأول والله أعلم.

﴿ ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ﴾ بوضع الأنفس الشريفة في موضع خسيس هو عبادة الأصنام.

قال أهل السنة: هذا الوضع كان بمشيئة الله وإرادته لكنه صدر عنهم فأضيف إليهم ﴿ والسوأى ﴾ تانيث الأسوا وهو الأقبح وهي خبر "كان" فيمن قرأ ﴿ عاقبة ﴾ بالرفع واسم "كان" فيمن قرأ ﴿ عاقبة ﴾ بالنصب.

و"ثم" لتفاوت الرتبة، وفي التركيب وضع للمظهر موضع المضمر.

والمعنى أنهم أهلكوا ثم كانت عاقبتهم السوأى وهي عذاب النار.

و ﴿ أن كذبوا ﴾ المعنى لأن "أو" بأن كذبوا أو هو تفسير اساؤا على أن الإساءة في معنى القول نحو: نادى وكتب معناه أي كذبوا وجوز جار الله أن يكون السوأى مفعول ﴿ اساؤا ﴾ و ﴿ أن كذبوا ﴾ عطف بيان لها، وخبر "كان" محذوف إرادة الإبهام ليذهب الوهم كل مذهب فيكون تقدير الكلام.

ثم كان عاقبة الذين اقترفوا الخطيئة التي هي أسوأ الخطايا أن كذبوا كذا وكذا مما لا يكتنه كنهه.

قال أهل التحقيق: ذكر الزيادة في حق المحسن في قوله ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة  ﴾ ولم يذكر في الحق المسيء لأن جزاء سيئة سيئة بمثلها، وذكر السبب في العقوبة وهو قوله ﴿ أن كذبوا ﴾ ولم يذكره في الآية ليعلم أن إحسانه لا يتوقف على السبب بل فضله كافٍ فيه.

وحين ذكر ان عاقبتهم النار وكان في ذلك إشارة إلى الإعادة والحشر لم يتركه دعوى بلا بينة فقال ﴿ الله يبدأ ﴾ يعني من خلق بالقدرة والإرادة لا يعجز عن الرجعة والإعادة.

ثم بين ما يكون وقت الرجوع فقال ﴿ ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون ﴾ يعني في ذلك اليوم يتبين إفلاسهم ويتحقق إبلاسهم وهو سكوت مع تحير ويأس مع بؤس ويأس لا اليأس الذي هو إحدى الراحتين وذلك إذا كان المرجو أمراً غير ضروري فيستريح الطامع من الانتظار.

ثم ذكر وجه الإبلاس وذلك قوله ﴿ ولم يمكن لهم من شركائهم شفعاء وكانوا بشركائهم كافرين ﴾ يجحدونها وقتئذ بقوله ﴿ سيكفرون بعبادتهم  ﴾ أو كانوا في الدنيا كافرين بسببهم.

ثم حكى أنهم يعني المسلمين والكافرين ﴿ يومئذ يتفرقون ﴾ فريق في الجنة وفريق في السعير تفصيله في الآيتين بعده والروضة عندهم كل أرض ذات نبات وماء.

وفي الأمثال "أحسن من بيضة في روضة" يعنون بيضة النعامة وتنكير روضة للتعظيم ومعنى ﴿ يحبرون ﴾ يسرون بأنواع المسار لحظة فلحظة.

حبره إذا سره سروراً تهلل ببشر.

وخصه مجاهد بالتكريم، وقتادة بالتنعيم، وابن كيسان بالتحلية، ووكيع بالسماع.

عن النبي  "إن في الجنة لنهراً حافتاه الأبكار من كل بيضاء رخصة يتغنين بأصوات لم تسمع الخلائق بمثلها قط فذلك افضل نعيم الجنة" قال الراوي: سألت ابا الدرداء بم تغنين؟

قال: بالتسبيح.

وروي أن في الجنة لأشجاراً عليها أجراس من فضة، فإذا أراد أهل الجنة السماع بعث الله ريحاً من تحت العرش في تلك الأشجار فتحرك تلك الأجراس باصوات لو سمعها أهل الدنيا لماتوا.

وأما معنى ﴿ محضرون ﴾ لا يغيبون عنه وقد مر في قوله ﴿ ثم هو يوم القيامة من المحضرين  ﴾ وإنما أهمل ذكر الفسقة من أهل الإيمان اكتفاء بما ذكر في الآيات الأخر كقوله ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء  ﴾ وكقوله ﴿ إنما التوبة على الله  ﴾ إلى قوله ﴿ تبت الآن  ﴾ قال جار الله: لما ذكر الوعد والوعيد أتبعه ذكر ما يوصل إلى الوعد وينجي من الوعيد وقال آخرون: لما ذكر عظمته في المبدأ بقوله ﴿ ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق ﴾ وفي الانتهاء بقوله ﴿ ويوم تقوم الساعة ﴾ وكرر ذكر قيام الساعة للتأكيد والتخويف، أراد أن ينزه نفسه عن كل سوء ويثبت لذاته كل حمد ليعلم أنه منزه عن طاعات المطيعين، محمود على كل ما يوصل إلى المكلفين، مذكور على لسان أهل السموات والأرضين.

والتسبيح في الظاهر هو تنزيه الله من السوء والثناء عليه بالخير في هذه الأوقات لما في كل منها من كل نعمة متجددة.

وخص بعضهم التسبيح بالصلاة لما روي عن ابن عباس أنه قال ﴿ تمسون ﴾ صلاتا المغرب والعشاء ﴿ ويصبحون ﴾ صلاة الفجر ﴿ وعشياً ﴾ صلاة العصر و ﴿ يظهرون ﴾ صلاة الظهر أمر بالصلاة في أول النهار ووسطه وآخره، وأمر بالصلاة أول الليل ووسطه وهو العشاء بقوله  "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك وبتأخير العشاء إلى نصف الليل" ولم يأمر بالصلاة في آخر الليل لأن النوم فيه غالب وإنه منَّ على عباده بالإستراحة في الليل بالنوم في مواضع منها قوله ﴿ ومن آياته منامكم بالليل  ﴾ كما يجيء.

روي عن الحسن أن الاية مدنية بناء على أنه كان يقول: فرضت الصلوات الخمس بالمدينة وكان الواجب بمكة ركعتين في غير وقت معلوم.

وقول الأكثر إن الخمس فرضت بمكة.

قوله ﴿ وعشياً ﴾ معطوف على ﴿ حين ﴾ وما بينهما وهو قوله ﴿ وله الحمد في السموات والأرض ﴾ اعتراض.

قال جار الله: معناه إن على المميزين كلهم من أهل السموات والأرض أن يحمدوه قلت: فيه ايضاً أن الله غني عن تسبيح المسبحين فلو لم يحمده حامد فله استئهال الحمد على الإطلاق ولو حمدوه لعاد نفعه إليهم.

وقدم الإمساك لأن الظلمة عدمية والأصل في الأشياء العدم، وقدم العشي على الظهيرة لأجل الفاصلة أو للتنبيه على فضيلة صلاة العصر، ولعل في تقديم الاعتراض المذكور على العشي إشارة إلى هذا ومعنى ﴿ ويخرج الحي من الميت ﴾ قد سلف مراراً ويحتمل أن يراد ههنا اليقظان والنائم لقوله ﴿ وكذلك تخرجون ﴾ اي من القبور، فتنبيه النائم بعد اليقظة يشبه الإعادة، وكذا رد الأرض إلى حالة الخضرة والنضرة بعد ذبولها.

عن رسول الله  "من قال حين يصبح فسبحان الله حين تمسون إلى قوله وكذلك تخرجون أدرك ما فاته من يومه، ومن قالها حين يمسي أدرك ما فاته من ليلته" ثم اراد أن يذكر الحجج الباهرة علىاستحقاق التسبيح والتحميد له فقال ﴿ ومن آياته أن خلقكم ﴾ أي أصلكم أو كلاً منكم كما مر في أول الحج ﴿ من تراب ﴾ وذلك ان التراب أبعد الأشياء عن درجة الإحياء لكثافته ولبرودته ويبسه والحياة بالحرارة والرطوبة، ولكدورته والأروح نير ولثقله وخفة الرواح ولسكونه والحي متحرك حساس، ولا تتنافي بين هذا وبين قوله ﴿ خلق من الماء بشراً  ﴾ لأنه أراد الأصل الثاني الذي هو النطفة، أو أراد أن أصل البشر في الظاهر هو التراب والماء وأما النار فللإنضاج، والهواء فللاستبقاء كالزق المنفوخ يقوم بالهواء، و ﴿ ثم ﴾ لتبعيد الرتبة و ﴿ إذا ﴾ للمفاجأة أي ثم فاجأتم وقت كونكم بشراً.

قالوا: فيه إشارة إلى مسألة حكمية وهي أن الله  يخلق أولاً إنساناً فيتبعه أنه حيوان تام لا أنه يخلق أولاً حيواناً ثم يجعله إنساناً، فخلق الأنواع هو المراد الأول ثم تكون الأنواع فيها الأجناس بتلك الإرادة الأولى.

وقوله ﴿ بشراً ﴾ إشارة إلى القوة المدركة التي البشر بها بشروا بها يمتاز عن غيره من الحيوانات.

وقوله ﴿ تنتشرون ﴾ إشارة إلى القوة المتحركة التي بها الحيوان حيوان فكأنه أشار إلى فصله وجنسه، وكان الأولى تقديم الجنس على الفصل، إلا أنه عكس الترتيب لأنه كأنه قال: العجب غير مختص بالإنسان بل الحيوان المنتشر من التراب الساكن عجيب أيضاً.

والانتشار إما بمعنى التردد في الحوائج كقوله ﴿ فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله  ﴾ وإما بمعنى البث والتفريق كقوله ﴿ وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء  ﴾ .

وحين بين خلق الإنسان ولم يكن مما يبقى على مر الزمان منَّ عليهم بأن جعل نوع الإنسان باقياً بتعاقب الأشخاص فقال ﴿ ومن آياته أن خلق لكم ﴾ ولا يلزم منه أن لا يكنَّ مخلوقات للعبادة والتكليف لأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه، فقد يكون الشيء مختصاً باثنين وجعل مهيأ لآخرين على أن النعمة ما كانت تتم علينا إلا بتكليفهن، فلولا خوف العقاب لتمردت النسوان على أزواجهن.

و ﴿ من أنفسكم ﴾ أي من جنسكم أو هو إشارة إلى أن حواء خلقت من ضلع آدم وقد مر في "النحل" ويشهد للتفسير الأول قوله ﴿ لتسكنوا إليها ﴾ فإن الجنس إلى الجنس أسكن ﴿ وجعل بينكم مودة ﴾ عن الحسن هي الجماع ﴿ ورحمة ﴾ هي الولد.

وقال غيره: المودة حالة حاجة نفسه إليها، والرحمة حالة حاجة صاحبته إليه، وقد تفضي المودة إلى مجرد الرحمة وذلك إذا خرجت عن محل الشهوة بكبر أو مرض، أو خرج عن إمكان رعاية حقها بكبر أو زمانة أو فقر.

قال بعضهم: المودة والرحمة بعصمة الزواج من غير سابقة معرفة وقرابة وهي من قبل الله، والفرك من قبل الشيطان ﴿ إن في ذلك ﴾ الخلق والجعل ﴿ لآيات لقوم يتفكرون ﴾ فخلق الإنسان من الوالدين آية، وجعل أحدهما ذكراً والآخر أنثى آية، وخروج الولد الضعيف من الموضع الضيق آية، وجعل التوادد بين الزوجين من غير صلة رحم آية ولما ذكر دلائل الأنفس أتبعها دلائل الآفاق وأعظمها خلق السموات والأرض، فإن خلق المركبات قد يسنده بعض الجهلة إلى ما في العناصر من الكيفيات وإلى ما في السموات من الحركات والاتصالات، وأما السماء والأرض فلا يجد بداً من أن يقول: إنهما بقدرة الله  .

ثم عاد إلى ذكر أحوال الأنفس ومن جملتها اختلاف الألسنة لا جرمها، فإن التباين بين أجرامها ليس يبلغ إلى حد يعد آية بل وصفها وهو النطق وتقطيع الأصوات اللذان بهما يمتاز بعض الأصناف والأشخاص عن بعض، واختلاف الألوان والحلي فبذلك يقع التفاوت ويرتفع الاشتباه، فحس البصر يدرك اختلاف الصور وحَسن السمع يدرك اختلاف الأصوات وأما اللمس والشم والذوق فلا حكم ظاهراً لها في باب التمييز بين الأشخاص الإنسانية.

وحيث ذكر بعض العرضيات اللازمة أراد أن يذكر الأعراض المفارقة بعضها فقال ﴿ ومن آياته منامكم ﴾ قال جار الله: هذا من باب اللف والنشر وتقدير الكلام.

ومن آياته منامكم بالليل وابتغاؤكم من فضله بالنهار ليكون موافقاً لما جاء في مواضع آخر كقوله ﴿ وجعلنا الليل لباساً وجعلنا النهار معاشاً  ﴾ وقدم المنام على الابتغاء لأن الاستراحة مطلوبة لذاتها والطلب لا يكون إلا لحاجة قال: وإنما فصل بين القرينتين الأوليين بالقرينتين الآخريين لأنهما زمانان، والزمان والواقع فيه كشيء واحد مع إعانة اللف على الاتحاد يعني كأنه لم يعطف النهار على الليل والابتغاء على المنام.

وجوز أن يراد منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله بالليل والنهار، فان الإنسان كثيراً ما ينام بالنهار ويكسب بالليل.

وفي اقتران الفضل بالابتغاء إشارة إلى أن العبد ينبغي أن لا يرى الرزق من نفسه وبحذقه بل يرى كل ذلك من فضل ربه.

ثم أشار إلى عوارض الآفاق فقال ﴿ ومن آياته يريكم ﴾ فأضمر "أن" واسكن الياء بعد حذفها وإنزال الفعل منزلة المصدر كما في المثل السائر "تسمع بالمعيدي خير من أن تراه" قيل: لما كان البرق من الأمور التي تتجدد زماناً دون زمان ذكره بلفظ المستقبل ولم يذكر معه "أن" وقيل: ومن آياته كلام كافٍ كما تقول: منها كذا ومنها كذا.

وتسكت تريد بذلك الكثرة: وقيل: أراد ويريكم من آياته البرق.

وانتصاب ﴿ خوفاً وطمعاً ﴾ كما مر في "الرعد" ثم ذكر بعض لوازم الآفاق قائلاً ﴿ ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ﴾ فقيام السموات والأرض استمساكهما بغير عمد، ومن نسب ذلك إلى الطبيعة فلا بد أن يستند الطبع إلى واجب لذاته وأمره أن يقول لهما كونا كذلك نظيره قوله ﴿ إن الله يمسك  ﴾ إلى قوله ﴿ من بعده  ﴾ واعلم أن الأمر عند المعتزلة موافق للإرادة، وعند الأشاعرة ليس كذلك.

ولكن النزاع في الأمر الذي هو للتكليف لا الذي للتكوين، فإن قوله ﴿ كن فيكون  ﴾ موافق للإرادة بالتفاق.

قال جار الله: قوله ﴿ إذا دعاكم ﴾ بمنزلة قوله ﴿ يريكم ﴾ في إيقاع الجملة موقع المفرد على المعنى كأنه قال: ومن آياته قيام السموات والأرض، ثم خروج الموتى من القبور إذا دعاكم مرة واحدة يا أهل القبور اخرجوا والمراد سرعة الخروج من غير توقف وإلا فلا أمر ظاهراً.

أو أراد نداء الملك والأرض مكان المدعو على التقديرين لا الداعي إذ لا مكان لله مطلقاً ولا للملك في جوف الأرض.

نعم، لو كان المراد أن الملك يدعوهم وهو على وجه الأرض جاز.

ومعنى "ثم" عظم ما يكون من ذلك الأمر وتهويل لتلك الحالة، وإذا الأولى للشرط، والثانية للمفاجأة نائبة مناب الفاء.

واعلم أنه  ذكر في كل باب أمرين: أما من الأنفس فخلق البشر ثم خلقهم زوجين، وأما من الآفاق فخلق السموات والأرض.

ومن لوازم الإنسان اختلاف اللسان والألوان، ومن عوارضه المنام والابتغاء، ومن عوارض الآفاق البروق والأمطار، ومن لوازمها قيام السماء والأرض.

والواحد يكفي للإقرار بالحق، إلا أن الثاني يجري مجرى الشاهد الآخر.

وراعى في تعداد العرضيات لطيفة، بدأ باللوازم وختم باللوازم وذلك أن الإنسان متغير الحال، فالأحوال اللازمة له أغرب والأفلاك ثابتة بالنسبة إلى الإنسان فعوارضها أغرب، وبدأ في كل باب بما هو أعجب، وإنما ختم الآية الأولى بقوله ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ﴾ لأن الفكر يؤدي إلى الوقوف على المعاني المقتضية للإنس والسكون وعلى دقائق صنع الله في خلق الإنسان وبثهم في الأرض، أو نقول: إن من الأشياء ما يعلم بمجرد الفكر كدقائق حكمة الله في خلق الإنسان، لأن أقرب الأشياء إلى الإنسان هو ذاته فلذلك قال هنالك ﴿ لقوم يتفكرون ﴾ ومنها ما يعلم من غير تجشم فكر كالاستدلال على قدرة الله بخلق السماء والأرض، واختلاف ألسنة الناس وألوانهم، فإن الكل تظلهم السماء وتقلهم الأرض.

وكل واحد منفرد بلطيفة في صورته يمتاز بها عن غيره، ولهذا يشترك في معرفتها الناس جميعاً فلهذا قال ﴿ لآيات للعالمين ﴾ ومن حمل اختلاف الألسن على اللغات اختلاف الألوان على البياض والسواد والصفرة والسمرة، فالاشتراك في معرفتها أيضاً ظاهر.

ومن قرأ ﴿ للعالمين ﴾ بكسر اللام فقد أحسن، فبالعلم يمكن الوصول إلى معرفة ما سبق ذكره، ومن الأشياء ما يحتاج الفكر فيه إلى إعانة مرشد كالمنام والابتغاء فإنهما لزوالهما في بعض الأوقات قد يرفعان لوازمهما فلهذا قال ﴿ لقوم يسمعون ﴾ ويجعلون بالهم إلى كلام المرشد، ومن هنا ذهب بعضهم إلى أن معنى ﴿ يسمعون ﴾ ههنا يستجيبون لما يدعون إليه، ثم إن حدوث الولد من الوالدين كالأمر المطرد العادي فكان الولد يمكن أن يسبق إلى الوهم إسناده إلى الطبيعة فأمر هنالك بالفكر.

وأما البرق والمطر فليس أمراً عادياً ولذلك يختلف بالشدة والضعف وبحسب الأوقات والأمكنة فالعقل الصحيح يجزم بأن من فعل الفاعل المختار فلذلك قال ﴿ لقوم يعقلون ﴾ وقيل: إن العقل ملاك الأمر وهو المؤدي إلى العلم فوقع الختم عليه.

وحين فرغ من تعداد الآيات وكان مدلولها الوحدانية التي هي الأصل الأول والقدرة على الحشر التي هي الأصل الآخر أكد الأول بقوله ﴿ وله من في السموات والأرض كل له قانتون ﴾ مطيعون منقادون وأكد الأصل الآخر بل كلا الأصلين بقوله ﴿ وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو ﴾ يعني أن يعيده ﴿ أهون عليه ﴾ أي في نظركم وعند معقولكم وإلا فلا صعوبة في الإبداء أصلاً حتى يقع التفضيل على حده.

وإنما أخرت الصلة ههنا وقدمت في قوله في سورة مريم ﴿ وهو علي هين  ﴾ لأنه قصد هناك الاختصاص يعني أن خلق الولد بين هرم وعاقر لا يهون إلا علي، ولا معنى للاختصاص ههنا فإن الأمر مبني على المعقول بين الآدميين من ان المعاد أهون من المبدأ ولهذا قيل: أول الغزو أخرق.

وليس الدخيل في أمر كالناشئ عليه.

ومن الدليل العقلي على هذا المطلوب أن الإبداء خلق الأجزاء وتأليفها، والإعادة تأليف فقط، ولا شك أن أمراً واحداً أهون من الأمرين ولا يلزم منه أن يكون في الأمرين صعوبة فإن من قال: الرجل القوي يقدر على حمل شعيرة من غير صعوبة وسلم السامع له ذلك فإذا قال فلان لا يتعب من حمل خردلة وإن حمل خردلة أهون عليه.

كان كلاماً معقولاً وقد أجرى الزجاج قوله ﴿ وهو أهون عليه ﴾ مجرى المثل فيما يصعب ويسهل.

وفسر به قوله ﴿ وله المثل الأعلى ﴾ يعني هذا مثل مضروب لكم في الأرض وله المثل الأعلى من هذا المثل ومن كل مثل يضرب في السموات فيما بين الملائكة.

وعن ابن عباس: أراد أن فعله وإن شبهه بفعلكم ومثله به لكنه ليس كمثله شيء فله المثل الأعلى وقال جار الله: المثل الوصف أي له الوصف الأعلى الذي ليس لغيره مثله قد عرف به ووصف في السموات والأرض على ألسنة الخلائق وألسنة الدلائل، وهو أنه القادر الذي يقدر على الخلق والإعادة، العليم الذي لا يعزب عن علمه شيء فلا يصعب عليه جمع الأجزاء بعد تفرّقها على الوجه الذي يقتضيه التدبير ولهذا ختم الاية بقوله: ﴿ وهو العزيز الحكيم ﴾ وعن مجاهد: المثل الأعلى وصفه بالوحدانية وهو قوله "لا إله إلا الله" وقد ضرب لذلك مثلاً.

ومعنى ﴿ من انفسكم ﴾ أنه أخذ مثلاً وانتزعه من أقرب شيء منكم وهي أنفسكم و"من" للابتداء وفي قوله ﴿ مما ملكت أيمانكم ﴾ للتبعيض، والثالثة مزيدة لتأكيد الاستفهام الجاري مجرى النفي.

والمعنى هل ترضون لأنفسكم أن يكون لكم شركاء من بعض عبيدكم يشاركونكم فيما رزقناكم من الأموال والأملاك ﴿ فأنتم ﴾ يعني بسبب ذلك أنتم أيها السادات والعبيد في ذلك المرزوق ﴿ سواء ﴾ من غير تفضيل وففضل للأحرار على العبيد ﴿ تخافونهم ﴾ أن تستبدوا بتصرف دونهم ﴿ كخيفتكم أنفسكم ﴾ أي كما يهاب بعضكم بعضاً من الأحرار.

والحاصل أن من يكون له مملوك لا يكون شريكاً له في ماله ولا يكون له حرمة كحرمة سيده فكيف يجوز أن يكون عباد الله شركاء له أو شفعاء عنده بغير إذنه؟

وكيف يجوز أن يكون لهم عظمة مثل عظمة الله حتى يعبدوا كعبادته على أن مملوككم ليس مملوكاً لكم في الحقيقة ليس إلا اختصاص المبايعة، ولهذا لا حكم لهم عليهم بالقتل والقطع وبالمنع من الفرائض وقضاء الحاجة والنوم.

وقد يزول الاختصاص بالبيع والعتق ومملوك الله لا خروج له من ملكه بوجه من الوجوه وفي قوله ﴿ فيما رزقناكم ﴾ إشارة إلى أن الذي هو لكم ليس في الحقيقة لكم وإنما الله استخلفكم فيه ورزقكموه من فضله ﴿ كذلك ﴾ أي مثل هذا التفصيل والتبعيد للتعظيم أو لدخوله في حيز الذكر أو المضي ﴿ نفصل الآيات ﴾ نبينها ﴿ لقوم يعقلون ﴾ لأن التمثيل إنما يكشف المعاني لأرباب العقول.

ثم شوه صورة الشرك بقوله ﴿ بل اتبع الذين ظلموا ﴾ أي اشركوا ﴿ أهواءهم بغير علم ﴾ فهوى العالم ربما يتبدل بالهدى وأما الجاهل فإنه هائم في هواه كالبهائم لا يرجى ارعواه يؤكده قوله ﴿ فمن يهدي من اضل الله وما لهم من ناصرين ﴾ والإضلال ههنا لا يخفى أن الأشاعرة يحملونه على خلق الضلال في المكلف، والمعتزلة يحملونه على الخذلان ومنع الألطاف وقد تقدم مراراً.

ثم قال لرسوله ولأمته تبعية إذا تبين الحق وظهرت الوحداينة ﴿ فأقم وجهك للدين ﴾ أي سدده نحوه غير مائل إلى غير من الأديان الباطلة ﴿ فطرت الله ﴾ أي الزموها أو عليكم بها.

قال جار الله: إنما اضمرته على خطاب الجماعة لقوله ﴿ منيبين ﴾ وهو حال منهم ولأن الأمر والنهي بعده معطوفان عليه لكنك قد عرفت في الوقوف أن هذا التقدير غير لازم وعلى ذلك يحتمل أن يقدر الزم أو عليك أو أخص أو اريد واشباه ذلك.

وفطرة الله هي التوحيد الذي تشهد به العقول السليمة والنظر الصحيح كما جاء في الحديث النبوي "كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان يهودانه وينصرانه" ويحتمل أن تكون الفطرة إشارة إلى أخذ الميثاق من الذر.

وقوله ﴿ لا تبديل لخلق الله ﴾ نفي في معنى النهي أي لا تبدلوا خلقه الذي فطلكم عليه لكن الإيمان الفطري غير كافٍ.

وقيل: هو تسلية للنبي  حيث لم يؤمن قومه فكأنه قال: إنهم أشقياء ومن كتب شقياً لم يسعد.

وقيل: أراد أن الخلق لا خروج لهم عن عبوديته بخلاف مماليك الإنسان فإنهم قد يخرجون من ايديهم بالبيع والعتق.

وفيه فساد قول من زعم أن العبادة لتحصيل الكمال فإذا كمل العبد لم يبق عليه تكليف، وفساد قول الصابئة وبعض أهل الشك أن الناقص لا يصلح لعبادة الله ونما الإنسان عبد الكواكب والكواكب عبيد الله، وفساد قول النصارى والحلولية أن الله يحل في بعض الأشخاص كعيسى وغيره فيصير إلهاً.

ومعنى ﴿ فرقوا دينهم وكانوا شيعاً ﴾ قد مر في آخر "الأنعام" وأنهم فرق كل واحدة تشايع إمامها الذي أضلها وقال أهل التحقيق: بعضهم يعبد الدنيا وبعضهم يعبد الهوى وبعضهم يريد الجنة وبعضهم يطلب الخلاص من النار.

ومعنى ﴿ كل حزب بما لديهم فرحون ﴾ قد مر في "المؤمنين" وجوز جار الله أن يكون ﴿ من الذين ﴾ منقطعاً عما قبله ﴿ وكل حزب ﴾ مبتدأ و ﴿ فرحون ﴾ صفة كل ومعناه من المفارقين دينهم كل حزب بصفة كذا والله أعلم.

التأويل: الألف ألفة طبع المؤمنين، واللام لوم طبيعة الكافرين، والميم مغفرة رب العالمين، فمن اللفة أحبوا أهل الكتاب، ومن اللوم أبغضهم الكافرون، ومغفرة رب العالمين شملت الفريقين حتى قال ﴿ إن الله يغفر الذنوب جميعاً  ﴾ إلا أن يكون هناك مخصص.

ثم أشار إلى أن حال أهل الطلب يتغير بتغير الأوقات فيغلب فارس النفس روم القلب تارة وسيغلب روم القلب فارس النفس بتأييد الله ونصره ﴿ في بضع سنين ﴾ من أيام الطلب ﴿ ويومئذ يفرح المؤمنون ﴾ وهم الروح والسر والعقل.

﴿ أولم يتفكروا ﴾ ﴿ في ﴾ استعداد ﴿ أنفسهم ما خلق الله السموات ﴾ الروحانية ﴿ والأرض ﴾ النفسانية إلا ليكون مظهراً للحق ولأجل مسمى بالصبر والثبات في تصفية مرآة القلوب عن صدا الأوصاف الذميمة النفسانية.

والأجل المسمى هو أوان صفاء القلب متوجهاً إلى الحق ﴿ أولم يسيروا ﴾ في أرض البشرية بالسلوك لتبديل الأخلاق ﴿ والذين من قبلهم ﴾ هم الفلاسفة والبراهمة المعتمدون على مجرد البراهين من غير اعتبار الشرائع.

والسوأى هي أن صاروا أئمة الكفر والضلال ﴿ الله يبدؤا الخلق ﴾ بتصيير النفس متعلقة بالقالب ﴿ ثم يعيده ﴾ بطريق السير والسلوك والعبور عن المنازل والمقامات إلى عالم الأرواح ﴿ ثم إليه ترجعون ﴾ بجذبة ﴿ ارجعي  ﴾ ﴿ ويوم تقوم الساعة ﴾ الإرادة ﴿ يبلس المجرمون ﴾ بتضييع الأوقات في طلب ما سوى الله.

ويوم تقوم الساعة قيامة العشق يومئذ تتفرق المحبون، فبعضهم يطلب الجنة، وبعضهم يطلب الوصلة، وبعضهم يريد الوحدة ﴿ فسبحان الله ﴾ حين تغلبون على ليل نيل الشهوات وحين صباح نهار تجلي شموس الوصال، وله الحمد إن كنتم في سموات القربات أو أرض البعد والغفلات، و  في عشاء غشاء القساوة وفي حالة استواء شمس المعرفة في وسط سماء القلب، فإن الربح الخسران في كلتا الحالتين راجع إلى الطائفتين والله منزه عن العالمين.

يخرج القلب الحي بنور الله من النفس الميتة في ظلمات صفاتها إبرازاً للطفه، ويخرج القلب الميت عن الأخلاق الحميدة من النفس الحية بالصفات الحيوانية، إظهاراً لقهره، ويحيي أرض القلوب بعد موتها وكذلك تخرجون بدأ وإعادة.

فمن آياته خلق سموات القلوب وأرض النفوس، واختلاف ألسنة القلوب وألسنة النفوس، فلسان القلب يتكلم بلغة العلويات، ولسان النفس يتكلم بلغات السفليات ﴿ واختلاف ألوانكم ﴾ وهي الطبائع المختلفة.

منكم منيريد الدنيا، ومنكم من يريد الآخرة ومنكم من يريد الله ﴿ ومن آياته منامكم ﴾ في ليل البشرية ﴿ وابتغاؤكم من فضله ﴾ في نهار الروحاينة والمكاشفات الربانية ﴿ لقوم يسمعون ﴾ كلام الله من شجرة الوجود، ويريكم بروق شواهد الحق ثم اللوامع ثم الطوالع.

فتلك الأنوار ترى شهوات الدنيا نيراناً فيخاف منها، وترى مكاره التكاليف جناناً فيطمع فيها.

أن تقوم سماء النفس وارض القلب بأمره لأن الروح من أمره ﴿ ثم إذا دعاكم ﴾ بجذبة ﴿ ارجعي  ﴾ ﴿ إذ أنتم ﴾ يعني النفس والقلب والروح ﴿ تخرجون ﴾ من أنانيته وجودكم ﴿ وهو أهون عليه ﴾ لأنه في البداية كان مباشراً بنفسه وفي الإعادة يكون المباشر إسرافيل بنفخه، والمباشرة بنفس الغير في العمل أهون من المباشرة بنفسه عند نظر الخلق.

ويحتمل أن يكون أهون من الهون بالضم وهو الذلة والضمير للخلق، وذلك أنهم في البداية لم يكونوا ملوثين بلوث الحدوث، ولا مدنسين بأدناس الشرك والمعاصي، فلعزتهم في البداية باشر خلقهم بنفسه، ولهونهم في الإعادة باشرهم بغيره، ﴿ وله المثل الأعلى ﴾ فيما أودع من الآيات في سموات الأرواح وأرض القلوب.

﴿ ضرب لكم ﴾ أي للروح والقلب والسر والعقل ﴿ مما ملكت أيمانكم ﴾ من الأعضاء والجوارح والحواس والقوى ﴿ فيما رزقناكم ﴾ من العلوم والكشوف ﴿ تخافونهم ﴾ أن لا يضيعوا شيئاً من المواهب بالتصرفات الفاسدة ﴿ كخيفتكم أنفسكم ﴾ اي كخيفة الروح من القلب أن لا يضيع شيئاً منها بأن يصرفها في غير موضعها رياء وسمعة وهوى، أو كخيفة القلب من السر والعقل بأن يصرفها فيما يفسد العقائد ويوقع في الشكوك.

فكما لا يصلح هؤلاء لشركتكم فكذلك لا تصلحون أنتم لشركتي إذا تجليت عليكم، فدعوى الاتحاد والحلول باطلة والكبرياء ردائي لا غير.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ حرف "من" إنما يتكلم به ويعبّر عمّن له الملك والتدبير والتمييز، وحرف "ما" عن ملك الأشياء نفسها، فإذا كان من له الملك في الشيء والتدبير والأمر له فالأملاك أحق أن تكون له.

يخبر - والله أعلم - عن غناه وسلطانه وقدرته، أي: من له ما ذكر في السماوات والأرض لا يحتمل أن يمتحنهم ويأمرهم بأنواع العبادات والطاعة لحاجة نفسه؛ إذ هو غني عن ذلك، ولكنه إنما يمتحن ويأمرهم بأنواع العبادة وأنواع المحن لمنافع أنفسهم وحاجاتهم ومصالحهم، فإذا كان له ما ذكر من الملك لا يحتمل أن يعجزه شيء أيضاً.

وقوله: ﴿ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ ﴾ قال بعضهم: القنوت: القيام، والقانت: القائم، فإن كان هذا فتأويله: ﴿ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ ﴾ أي: قائم بتدبيره وأمره في الوجود والعدم، والابتداء والإعادة، وفي كل حال: إن أوجد وجد، وإن أعدم صار معدوماً، وإن أحياه حيي، ونحوه، في كل حال يقوم بتدبيره وأمره.

وقال بعضهم: ﴿ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ ﴾ أي: مطيعون، فإن كان على هذا ونحوه فهو في كل حال يقوم بتدبيره وأمره.

وقال بعضهم: ﴿ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ ﴾ أي: مطيعون، فإن كان على هذا فهو على طاعة الخلقة له، والشهادة لله بالوحدانية والربوبية، والتدبير له، والعلم في ذلك؛ لأن الله جعل في خلقة كل أحد، وكل شيء، وفي صورته ما يشهد له بالوحدانية والربوبية، ويدل على تدبيره وعلمه وحكمته، فكل له قانت ومطيع بالخلقة والصنعة.

وقال بعضهم: ﴿ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ ﴾ أي: خاضعون، فهو يرجع إلى حال دون حال، وهو حال الخوف والضرورة، يخضع له كل كافر ومشرك في تلك الحال، وهو ما أخبر عنهم من الخضوع له إذا ركبوا الفلك؛ حيث قال: ﴿ فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ  ﴾ وقولهم: ﴿ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَـٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ  ﴾ ونحو ذلك من الأحوال التي كانوا يخضعون له ويطيعون، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ لا يحتمل أن يخلقهم وينشئهم لحاجة نفسه، أو لمصلحته؛ لأنه غني بذاته، أو يمتحنهم لمنفعة نفسة، أو يأمره لذلك، ولكن إنما يبدئ ويعيد لحاجة أنفسهم.

أو يخبر أن من قدر على ابتداء الشيء يملك إعادته.

﴿ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾ اختلف فيه: قيل: ﴿ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾ هيّن ابتداؤه وإعادته؛ كقوله: ﴿ وَذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ  ﴾ وقوله: ﴿ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ  ﴾ ، ويجوز العبارة بأفعل عن فعيل؛ نحو ما يقال: الله أكبر؛ أي: كبير، وأعظم بمعنى: عظيم، ونحوه كثير؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾ أي: عليه هيّن؛ إذ ليس شيء أصعب على الله من شيء، أو شيء أهون عليه من شيء؛ بل الأشياء كلها بمحل واحد تحت قوله: ﴿ كُنْ ﴾ وإنما يقال: أهون وأيسر، لمن كان فعله بسبب، فيهون عليه إذا كثرت الأسباب، ويصعب عليه ذلك إذا قلت وضعفت، فأمّا الله -  وتعالى - فهو الفاعل للأشياء، وصانعها، والقادر عليها بسبب وبلا سبب، فلا جائز أن يقال شيء أهون من شيء، وإنما يجوز ذلك فيمن كان فعله لا يكون إلا بسبب.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾ في عقولكم، وتدبيركم، وتقديركم؛ أي: إعادة الشيء في عقولكم وتدبيركم أهون من ابتدائه؛ لأن الخلق لا يملكون تصوير ما لم يسبق له المثال والتصور ابتداء، وقد يملكون تصوير الأشياء وتمثيلها إذا سبق لهم مثال رأوه وشاهدوه؛ فثبت أن إعادة الشيء في عقولكم وتدبيركم أهون من ابتدائه، فإذا عاينتم وأقررتم: أنه قادر على ابتدائه فهو على إعادته أملك وأقدر، ولا قوة إلا بالله.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾ يعني: على ذلك الشيء؛ أي: إعادة ذلك الشيء أهون على ذلك الشيء من ابتدائه؛ لأنه في الابتداء ينقله ويحوّله من حال النطفة إلى حال العلقة، ثم من حال العقلة إلى حال المضغة، ثم [من] حال المضغة إلى حال التصوير والنسمة إلى ما ينتهي إليه، حتى يصير خلقاً وصورة، فيخبر أن إعادته ليس على هذا التقدير والتحويل من حال إلى حال، ولكن كما ذكر: ﴿ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ  ﴾ وقوله: ﴿ وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ  ﴾ وقوله: ﴿ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً  ﴾ ونفخة ودعوة وما ذكر، فالإعادة لذلك الشيء أهون على ذلك الشيء من الابتداء.

وقوله: ﴿ وَلَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ أي: له الصفات العالية، ثم هو يخرج على وجوه: أحدها: أن كل موصوف بالعلو والرفعة من دونه فهو الموصوف به في الحقيقة؛ على ما ذكرنا أن كل من حمد دونه؛ فذلك الحمد له في الحقيقة راجع إليه، ذلك كقوله: ﴿ لَهُ ٱلْحَمْدُ...

﴾ الآية [القصص: 70].

والثانى: له الصفة العالية مما يخالف صفات الخلق وشبههم كقوله: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ  ﴾ : لا تشبه صفاته صفات المخلوقين، ولا اشتبهت صفات الخلق صفاته، وهو ما قاله بعض أهل التأويل: الذي لا مثل له ولا شبه، لا إله إلا هو، واحد لا شريك له.

والثالث: وله الصفات العالية مما لا يضاد بعضها بعضاً: عالم لا جهل فيه، قادر لا عجز فيه، عزيز لا ذل فيه، وأمثال ذلك مما لا يدخل في ذلك نقصان أو عيب بوجه من الوجوه، ليس كالخلق أنهم يوصفون بالعلم بجهة وبشيء وبالجهل بجهة أخرى وبشيء آخر وبالقدرة بجهة أخرى وبشيء آخر، وبالعجز بجهة أخرى وبشيء آخر، وبالعز بجهة أخرى وبشيء آخر، وبالذل بجهة أخرى وبشيء آخر.

فالله -  وتعالى - موصوف بصفات لا يضاد بعضها بعضاً ولا يدخل في ذلك نقصان بجهة من الجهات، وفي حال من الأحوال؛ لأنه بذاته موصوف بذلك لا بغيره ولا بسبب، وأما غيره فإنما يوصفون بذلك بأسباب وباعتبار يكون لهم؛ لذلك كان ما ذكر، ولا قوة إلا بالله.

وقوله: ﴿ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ : الذي لا يلحقه الذل والضرر بمخالفة خلقه إياه وعصيانهم له، ليس كملوك الأرض إذا خالفهم أتباعهم وحواشيهم ورعيتهم يذلون ويلحقهم الضرر بإعراضهم عنهم؛ لأن عزهم كان بهم، فبإعراضهم عنهم ومخالفتهم إياهم يذلون، فأما الله -  - [فهو] عزيز بذاته، لا يلحقه الضرر والذل بمخالفة الخلق إياه.

أو أن يكون قوله: ﴿ ٱلْعَزِيزُ ﴾ المنتقم عمن يخالف أمره ويعصيه أو يشرك غيره في ألوهيته وربوبيته.

والحكيم: هو الذى لا يلحقه الخطأ في التدبير.

يخبر - والله أعلم -: أني وإن خلقتهم وأنشأتهم على علم مني أنهم يخالفونني ويعصونني، وأعنتهم بكل أنواع المعونة، على علم مني بذلك منهم؛ فإن فعله ليس بخارج عن الحكمة كما يكون في الشاهد أن من أعان عدوه بأنواع المعونة، وهو يعلم أن معونته إياه تزيد له قوة في معاداته وعصيانه ومخالفته - هو موصوف بالسفه غير موصوف بالحكمة؛ لأنه يسبق في إهلاك نسفه، ويعينه على ذلك بمعونته إياه، ومن يسعى في إهلاك نفسه، فهو غير حكيم.

فأما الله -  - حيث خلقهم وأنشأهم وأعانهم بكل أنواع المعونة على علم منه بما يكون من الخلاف له والعصيان والمعاداة غير خارج فعله عن الحكمة؛ لما ذكرنا أنه لا يلحقه الضرر ولا النقصان بما علم ويكون منهم من الخلاف له والعصيان والمعاداة، ولا قوة إلا بالله.

وقوله: ﴿ ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ ﴾ قال بعضهم: ضرب لكم مثلاً.

من مثل خلقكم، يقول - والله أعلم -: يبين لكم مثلا من أنفسكم: ما لو تفكرتم وتأملتم، لظهر لكم سفهكم بعبادتكم الأصنام دون الله، أو تسميتكم الأصنام بالله.

ثم يخرج ضرب المثل بما ذكر على وجوه: أحدها: قوله: ﴿ هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ ﴾ ، أي: لم تسووا أنتم أنفسكم بالذي ملكت أيمانكم فيما رزقتم حتى تكونوا أنتم وهم سواء في ذلك؛ فكيف زعمتم أن الله قد سوى نفسه وما ملك من خلقه في ملكه وألوهيته؟!

والثاني: يقول: هل ترضون أن يكون ما ملكت أيمانكم شركاءكم فيم تملكون من الأموال؟!

فإذا لم ترضوا به، فكيف زعمتم أن الله يرضى أن يشرك مماليكه في ملكه وسلطانه؟!.

أو يقول: فإن لم ترضوا لأنفسكم إشراك ما ملكت أيمانكم في ملككم، ولم تسووا مماليككم بأنفسكم في ذلك، فكيف رضيتم ذلك لله، وسويتم نفسه ومماليكه، وعدلتم به من دونه؟!

والله أعلم.

وقوله: ﴿ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ ﴾ .

أي: تخافون مماليككم كما تخافون أحرارا أمثالكم.

وقال بعضهم: تخافون لائمتهم كما يخاف الرجل لائمة أبيه وأخيه وأقاربه.

وبعضهم يقولون: تخافون عبيدكم أن يرثوكم بعد الموت، كما تخافون أن يرثكم الأحرار من أوليائكم، وهو قول مقاتل لكن الميراث ليس من الآية في شيء، والأول أشبه.

وفي قوله: ﴿ ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ ﴾ دلالة أن العبد لا يكون له حقيقة الملك في الأشياء كالأحرار؛ لأنه أخبر أنهم ليسوا هم بسواء في الشرك فيما رزق السادات وملكوا، على العلم أنهم يشتركون جميعاً في المنافع؛ دل أنهم يملكون منافع الأشياء ويشتركون مع الأحرار فيها، ولا يملكون حقيقة الإملاك، وكذلك يدل قوله: ﴿ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ...

 ﴾ أنه لما نفى عنه القدرة على شيء - والله أعلم - يكون تأويل قوله: ﴿ وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ وَٱلصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ  ﴾ ، أي: يغنهم الله من فضله بالمنافع، لا بحقيقة ملك الأشياء، والله أعلم.

وقوله: ﴿ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ ﴾ .

أي نبينها.

﴿ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ .

أي: لقوم ينتفعون بعقولهم.

والثاني: قوله: ﴿ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ ﴾ ، أي: نفرق واحدة بعد واحدة، على ما ذكر من أول السورة إلى هذا الموضع من قوله: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ ﴾ كذا، ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ ﴾ كذا، والتفصيل يخرج على وجهين: أحدهما: التبيين.

والثاني: التفريق في الذكر، فصلت آياته: بينت، وفصلت: فرقت واحدة بعد واحدة.

فإن قال لنا قائل في هذه الآيات التي ذكرت: ما يدل على إيجاب البعث؟

قيل: في هذه [الآيات] التي ذكرت دفع الشبه التي لها أنكروا البعث؛ لأنهم رأوا البعث ممتنعاً بالشبهة التي اعترضت لهم؛ ففي هذه الآيات دفع تلك الشبهة التي لها رأوا البعث ممتنعاً، حيث أراهم بدء خلقهم وقيام السماء والأرض بالذي ذكر.

ثم إيجاب البعث يكون بالأخبار الصادقة، وهي أخبار الرسل الذين ظهر صدقهم، أو بما ذكرنا: أن خلق الخلق بلا عاقبة تجعل لهم للفناء خاصة خارج عن الحكمة؛ لوجوه: أحدها: ما ذكرنا أن بناء البناء في الشاهد للنقض والإفناء خاصة بلا منفعة تتأمل في العاقبة سفه خارج عن الحكمة؛ فعلى ذلك خلق الخلق للفناء خاصة بلا عاقبة يكون خارجاً عن الحكمة.

والثاني: أنه لو لم يجعل البعث وداراً أخرى؛ ليفرق بين العدو والولي مع ما قد سوى بينهما في هذه الدار، وفي الحكمة أن يفرق ولا يسوي بينهما؛ فلو لم يكن دار أخرى فيها يفرق لكان ذلك خارجاً عن الحكمة.

والثالث: في الحكمة أن يجزي المحسن لإحسانه والمسيء في إساءته، وقد يكونان في هذه الدنيا ويخرجان منها لا يصيب المحسن جزاء إحسانه، ولا المسيء جزاء إساءته؛ فلا بد من دار أخرى؛ ليجزى فيها كل بعمله، وفيما ذكرنا إيجاب البعث، والله أعلم.

وقوله: ﴿ بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ ﴾ ، أي: ظلموا أنفسهم، حيث لم يستعملوها فيما أمروا بالاستعمال فيه؛ بل صرفوها إلى غير ما أمروا بالاستعمال فيه.

أو ظلموا حجج الله وآياته وبراهينه؛ حيث لم يتبعوها ولم يضعوها موضعها حيث وضعت.

وقوله: ﴿ أَهْوَآءَهُمْ ﴾ في عبادتهم الأصنام، وصرفها عن الله إلى من لا يستحق العبادة والشكر؛ وذلك لهواهم؛ لأنه ليس معهم حجة ولا برهان؛ كقوله: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً  ﴾ أي: حجة وبرهانا.

وقوله: ﴿ فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ ﴾ .

أي: أأحد سوى الله يهدي من أضله الله؟

أي من يؤثر الضلال واختاره أضله الله، لا يهديه سواه.

﴿ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ ﴾ .

ينصرونهم في دفع عذاب الله عن أنفسهم.

أو ﴿ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ ﴾ ، أي: من مانعين يمنعونهم عن عذاب الله، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً ﴾ .

قال بعضهم: هذا الخطاب لرسول الله؛ لأنه ذكر الآيات فيما تقدم؛ حيث قال: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ ﴾ كذا وكذا، ثم ذكر الذين اتبعوا أهواءهم بغير علم، ثم قال لرسول الله: أقم وجهك أنت للدين حنيفاً.

قال الشيخ - رحمه الله - وعندنا أن الخطاب به وبمثله لكل أحد؛ كقوله: ﴿ قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ  ﴾ ، و ﴿ قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ  ﴾ ؛ كأنه يخاطب كل من انتهى إليه هذا أن قل: هو الله أحد، و: يأيها الكافرون؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً ﴾ هو لكل أحد.

ثم الإقامة تحتمل وجهين: أحدهما: أقم: أي: داوم جهدك وقصدك.

والثاني: أقم: أتمم.

﴿ فَأَقِمْ ﴾ ما ذكرنا ﴿ لِلدِّينِ حَنِيفاً ﴾ : قال بعضهم: الحنيف: هو من حنف القوم وميله، ومعناه: كن مائلا إلى الدين في كل حال وكل وقت.

وقال بعضهم: هو من الإخلاص والإسلام له.

وقوله: ﴿ فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا ﴾ .

ثم فسر ذلك فقال: ﴿ فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا ﴾ : هذا يحتمل وجوهاً: ﴿ فِطْرَتَ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: معرفة الله التي جبل الناس عليها أن يكون الله يجعل في كل صغير وطفل من المعرفة ما يعرف وحدانية ربه وربوبيته؛ على ما جعل لهم من المعرفة ما فيه غذاؤهم وقوامهم من أخذ ثدي أمهاتهم في حال صغرهم وطفولتهم؛ ولذلك يخرج قوله: "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه" ؛ على ما جعل في الجبال من معرفة التسبيح لربها والتحميد، لكن أبواه يشبهان ذلك عليه، ويصرفانه.

والثاني: فطرهم وجبلهم ما لو تركوا وعقولهم لكانوا على ما جبلوا وفطروا؛ إذ فطر كل منهم وجعل في خلقة كل دلالة وحدانية الله وربوبيته.

وكذلك قوله: "كل مولود يولد على الفطرة" ، أي: على الخلقة التي تدل وتشهد على وحدانية الله وربوبيته ما لو تركوا وخلي بينهم وبين عقولهم لأدركوا.

والثالث: فطرهم على ما يحتملون الامتحان.

وقوله: ﴿ لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: لا تبديل لدين الله، سماه: خلقا.

وعلى قول المعتزلة: له تبديل؛ لأنهم يقولون بأن فعل العبد ليس بمخلوق، ويحتالون في قوله: ﴿ لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: لا تبديل لما به يقع الدعاء إليه، أو كلام نحو هذا.

فيقال: إن الدين هو ما يدين المرء وهو فعله، مأخوذ من دان، يدين، ثم أخبر أنه خلق الله؛ فدل أنه مخلوق.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: لما فيه دلالة وحدانية الله وشهادة ربوبيته؛ كقوله: ﴿ مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتٍ  ﴾ .

أو لا تفاوت فيما فيه دلالة الوحدانية والشهادة له، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ذَلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ ﴾ .

أخبر أن ذلك الدين القيم بالحجج والبراهين ليس كدين أولئك الكفرة أتباع الهوى.

أو أن يكون الدين القيم، أي: المستقيم على ما وصفه الله أنه الدين الحنيف.

وقوله: ﴿ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ﴾ .

هو صلة قوله: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً ﴾ ﴿ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ﴾ ، فهذا يدل على أن الخطاب بقوله: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ ﴾ للكل؛ حيث قال: ﴿ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ﴾ ، أي: أقبلوا إليه وأنيبوا له.

ثم الإنابة تقع فيما يقع به الأمر، كأنه يقول - والله أعلم -: أنيبوا إلى الله بما يأمركم به.

﴿ وَٱتَّقُوهُ ﴾ .

ما نهاكم عنه، والتقوى من الإنابة كهي من البر، كقوله -  -: ﴿ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ  ﴾ بما يأمركم به، وتتقوه عما نهاكم عنه.

وقوله: ﴿ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ ﴾ .

هو يحتمل وجوهاً: ﴿ أَقِيمُواْ ﴾ أي: الزموا وداوموا فعلها إلى آخر ما تنتهون إليه، ليس على أن يقع الأمر بها مرة واحدة.

والثاني: ﴿ أَقِيمُواْ ﴾ أي: أتموها بركوعها وسجودها والقراءة وغير ذلك.

والثالث: ﴿ أَقِيمُواْ ﴾ ، أي: وفوا إقامتها بأسبابها التي جعلت لها.

وفي الصلاة أحوال ثلاث: أحدها: الجواز.

والثاني: التمام والكمال.

والثالث: التزيين والتحسين.

ثم الجواز بحق الأركان، والتمام: بحق الشعوب، والتزيين بحق الحواشي.

ويجب على كل مصل خصال ثلاث: صدق النية، وحق الإخلاص له، وحق الخشوع.

وقوله: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ .

يحتمل: أي: لا تكونوا من المشركين غير الله في الصلاة والعبادة، أي: لا تصلوا لغير الله، ولا تعبدوا من دونه.

أو لا تكونوا من المشركين من دونه في تسمية الألوهية والإلهية؛ لأنهم كانوا يسمون الأصنام التي يعبدونها: آلهة.

أو أن يكون صلة قوله: ﴿ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ﴾ ، أي: كونوا منيبين إليه، موحدين، مقبلين على طاعته ، مخلصين، ولا تكونوا من المشركين له غيره.

وقوله: ﴿ مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً ﴾ .

قال بعضهم: لا تكونوا من المشريكن، ولا تكونوا من الذين فارقوا دينهم.

ثم قوله: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ * مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ ﴾ ، وقرئ: ﴿ فارقوا ﴾ ؛ فهو يحتمل وجهين: أحدهما: فارقوا دينهم الذي جاءتهم الرسل.

أو فارقوا دينهم الذي فطروا عليه، وهو ما جعل فيهم من شهادة التوحيد له والربوبية.

وقوله: ﴿ وَكَانُواْ شِيَعاً ﴾ يحتمل: صاروا شيعاً، أي: فرقا وأحزاباً بعدما كانوا على ما فطروا، أو على ما جاءتهم الرسل.

أو كانوا شيعاً ما يشيع ويتبع بعضهم بعضا؛ لأن الشيعة هم الذين يرجعون إلى أصل واحد وأمر واحد، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ ﴾ ، أي: قطعوا دينهم، وجعلوه قطعاً وفرقاً وأديانا، من نحو اليهودية، والمجوسية، والنصرانية وغيرها.

﴿ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾ .

يقول - والله أعلم -: كل أهل دين وملة بما عندهم من الدين راضون به، فرحون.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ : في الذي فطرتم عليه، وهو ما جعل في خلقة كل واحد شهادة الوحدانية لله والدلالة، يقول: لا تكونوا من المشركين في ذلك، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ضرب الله لكم -أيها المشركون- مثلًا مأخوذًا من أنفسكم: هل لكم من عبيدكم ومماليككم شريك يشارككم في أموالكم بالسوية، تخافون أن يقتسموا أموالكم معكم كما يخاف بعضكم من شريكه الحر أن يقسم معه المال؟

هل ترضون لأنفسكم من عبيدكم بهذا؟

لا شك أنكم لا ترضون بذلك، فالله أولى بألا يكون له شريك في ملكه من مخلوقاته وعبيده، بمثل ذلك من ضرب الأمثال وغيره نبين الحجج والبراهين بتنويعها لقوم يعقلون ,لأنهم هم الذين ينتفعون بذلك.

<div class="verse-tafsir" id="91.RG8Z9"

مزيد من التفاسير لسورة الروم

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 15 ربيع الأول
بدر اليوم 16.3 / 29.5
الإضاءة 98%
الهلال الجديد بعد 13 يوم
سبحان الله