الإسلام > القرآن > سور > سورة 30 الروم > الآية ٣٠ من سورة الروم
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 142 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣٠ من سورة الروم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى : فسدد وجهك واستمر على الذي شرعه الله لك ، من الحنيفية ملة إبراهيم ، الذي هداك الله لها ، وكملها لك غاية الكمال ، وأنت مع ذلك لازم فطرتك السليمة ، التي فطر الله الخلق عليها ، فإنه تعالى فطر خلقه على [ معرفته وتوحيده ، وأنه لا إله غيره ، كما تقدم عند قوله تعالى : ( وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى ) [ الأعراف : 172 ] ، وفي الحديث : " إني خلقت عبادي حنفاء ، فاجتالتهم الشياطين عن دينهم " .
وسنذكر في الأحاديث أن الله تعالى فطر خلقه على ] الإسلام ، ثم طرأ على بعضهم الأديان الفاسدة كاليهودية أو النصرانية أو المجوسية .
وقوله : ( لا تبديل لخلق الله ) قال بعضهم : معناه لا تبدلوا خلق الله ، فتغيروا الناس عن فطرتهم التي فطرهم الله عليها .
فيكون خبرا بمعنى الطلب ، كقوله تعالى : ( ومن دخله كان آمنا ) [ آل عمران : 97 ] ، وهذا معنى حسن صحيح .
وقال آخرون : هو خبر على بابه ، ومعناه : أنه تعالى ساوى بين خلقه كلهم في الفطرة على الجبلة المستقيمة ، لا يولد أحد إلا على ذلك ، ولا تفاوت بين الناس في ذلك; ولهذا قال ابن عباس ، وإبراهيم النخعي ، وسعيد بن جبير ، ومجاهد ، وعكرمة ، وقتادة ، والضحاك ، وابن زيد في قوله : ( لا تبديل لخلق الله ) أي : لدين الله .
وقال البخاري : قوله : ( لا تبديل لخلق الله ) : لدين الله ، خلق الأولين : [ دين الأولين ] ، والدين والفطرة : الإسلام .
حدثنا عبدان ، أخبرنا عبد الله ، أخبرنا يونس ، عن الزهري ، أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما من مولود يولد إلا على الفطرة ، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء ، هل تحسون فيها من جدعاء " ؟
ثم يقول : ( فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ) .
ورواه مسلم من حديث عبد الله بن وهب ، عن يونس بن يزيد الأيلي ، عن الزهري ، به .
وأخرجاه - أيضا - من حديث عبد الرزاق ، عن معمر ، عن همام ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم .
وفي معنى هذا الحديث قد وردت أحاديث عن جماعة من الصحابة ، فمنهم الأسود بن سريع التميمي .
قال الإمام أحمد : حدثنا إسماعيل ، حدثنا يونس ، عن الحسن عن الأسود بن سريع [ التميمي ] قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وغزوت معه ، فأصبت ظهرا ، فقتل الناس يومئذ ، حتى قتلوا الولدان .
فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " ما بال أقوام جاوزهم القتل اليوم حتى قتلوا الذرية ؟
" .
فقال رجل : يا رسول الله ، أما هم أبناء المشركين ؟
فقال : " ألا إنما خياركم أبناء المشركين " .
ثم قال : " لا تقتلوا ذرية ، لا تقتلوا ذرية " .
وقال : " كل نسمة تولد على الفطرة ، حتى يعرب عنها لسانها ، فأبواها يهودانها أو ينصرانها " .
ورواه النسائي في كتاب السير ، عن زياد بن أيوب ، عن هشيم ، عن يونس - وهو ابن عبيد - عن الحسن البصري ، به .
ومنهم جابر بن عبد الله الأنصاري ، قال الإمام أحمد : حدثنا هاشم ، حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع بن أنس ، عن الحسن ، عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كل مولود يولد على الفطرة ، حتى يعرب عنه لسانه ، فإذا عبر عنه لسانه إما شاكرا وإما كفورا " .
ومنهم عبد الله بن عباس الهاشمي ، قال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا أبو عوانة ، حدثنا أبو بشر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، رضي الله عنهما ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن أولاد المشركين ، فقال : " الله أعلم بما كانوا عاملين إذ خلقهم " .
أخرجاه في الصحيحين ، من حديث أبي بشر جعفر بن إياس اليشكري ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس مرفوعا بذلك .
وقد قال أحمد أيضا : حدثنا عفان ، حدثنا حماد - يعني ابن سلمة - أنبأنا عمار بن أبي عمار ، عن ابن عباس قال : أتى علي زمان وأنا أقول : أولاد المسلمين مع أولاد المسلمين ، وأولاد المشركين مع المشركين .
حتى حدثني فلان عن فلان : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عنهم فقال : " الله أعلم بما كانوا عاملين " .
قال : فلقيت الرجل فأخبرني .
فأمسكت عن قولي .
ومنهم عياض بن حمار المجاشعي ، قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن سعيد ، حدثنا هشام ، حدثنا قتادة ، عن مطرف ، عن عياض بن حمار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب ذات يوم فقال في خطبته : " إن ربي - عز وجل - أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني في يومي هذا ، كل مال نحلته عبادي حلال ، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم ، وإنهم أتتهم الشياطين فأضلتهم عن دينهم ، وحرمت عليهم ما أحللت لهم ، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا ، ثم إن الله - عز وجل - نظر إلى أهل الأرض فمقتهم ، عربهم وعجمهم ، إلا بقايا من أهل الكتاب ، وقال : إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك ، وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء ، تقرؤه نائما ويقظان .
ثم إن الله أمرني أن أحرق قريشا ، فقلت : يا رب إذا يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة .
قال : استخرجهم كما استخرجوك ، واغزهم نغزك ، وأنفق عليهم فسننفق عليك .
وابعث جيشا نبعث خمسة مثله ، وقاتل بمن أطاعك من عصاك " .
قال : " وأهل الجنة ثلاثة : ذو سلطان مقسط متصدق موفق ، ورجل رحيم رقيق القلب بكل ذي قربى ومسلم ، ورجل عفيف فقير متصدق .
وأهل النار خمسة : الضعيف الذي لا زبر له ، الذين هم فيكم تبعا ، لا يبتغون أهلا ولا مالا ، والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه .
ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك " وذكر البخيل ، أو الكذاب ، والشنظير : الفحاش .
انفرد بإخراجه مسلم ، فرواه من طرق عن قتادة ، به .
وقوله تعالى : ( ذلك الدين القيم ) أي : التمسك بالشريعة والفطرة السليمة هو الدين القويم المستقيم ، ( ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) أي : فلهذا لا يعرفه أكثر الناس ، فهم عنه ناكبون ، كما قال تعالى : ( وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين ) [ يوسف : 103 ] ، ( وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله ) الآية [ الأنعام : 116 ] .
القول في تأويل قوله تعالى : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (30) يقول تعالى ذكره: فسدّد وجهك نحو الوجه الذي وجهك إليه ربك يا محمد لطاعته، وهي الدين، (حَنِيفًا) يقول: مستقيما لدينه وطاعته (فِطرةَ اللهِ التي فَطَر النَّاسَ عَلَيْهَا) يقول: صنعة الله التي خلق الناس عليها ونصبت " فطرة " على المصدر من معنى قوله: (فَأقِم وَجْهَكَ للدّينِ حَنِيفًا) وذلك أن معنى ذلك: فطر الله الناس على ذلك فطرة.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: (فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَر النَّاسَ عَلَيْها) قال: الإسلام مُذ خلقهم الله من آدم جميعا، يقرّون بذلك، وقرأ: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا قال: فهذا قول الله: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ بعد.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (فِطْرَةَ اللهِ) قال: الإسلام.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا يونس بن أبي صالح، &; 20-98 &; عن يزيد بن أبي مريم، قال: مرّ عمر بمُعاذ بن جبل، فقال: ما قوام هذه الأمة؟
قال معاذ: ثلاث، وهنّ المنجيات: الإخلاص، وهو الفطرة (فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها)، والصلاة: وهي الملة، والطاعة: وهي العصمة.
فقال عمر: صدقت.
حدثني يعقوب، قال: ثني ابن علية، قال: ثنا أيوب، عن أبي قلابة أن عمر قال لمعاذ: ما قوام هذه الأمة؟
ثم ذكر نحوه.
وقوله: (لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ) يقول: لا تغيير لدين الله؛ أي لا يصلح ذلك، ولا ينبغي أن يفعل.
واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم نحو الذي قلنا في ذلك.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (لا تَبْدِيلَ لخَلْقِ اللهِ) قال: لدينه.
حدثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، عن ليث قال: أرسل مجاهد رجلا يقال له: قاسم، إلى عكرِمة يسأله عن قول الله: (لا تَبْدِيلَ لخَلْقِ اللهِ) إنما هو الدين، وقرأ: (لا تَبْدِيلَ لخَلْقِ اللهِ ذلكَ الدّينُ القَيِّمُ).
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا زيد بن حباب، عن حسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرِمة (فطْرَةَ اللهِ الَّتي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها) قال: الإسلام.
قال: ثني أبي، عن نضر بن عربي، عن عكرمة (لا تَبْدِيلَ لخَلْقِ اللهِ) قال: لدين الله.
قال: ثني أبي، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد، قال: لدين الله.
قال: ثنا أبي، عن عبد الجبار بن الورد، عن القاسم بن أبي بزّة، قال: قال مجاهد، فسل عنها عكرِمة، فسألته، فقال عكرِمة: دين الله تعالى ما له أخزاه الله؟!
ألم يسمع إلى قوله: (فِطْرَةَ اللهِ التي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ)؟
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة (لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ) : أي لدين الله.
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حفص بن غياث، عن ليث، عن عكرِمة، قال: &; 20-99 &; لدين الله.
قال: ثنا ابن عيينة، عن حميد الأعرج، قال: قال سعيد بن جُبَير (لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ) قال: لدين الله.
قال: ثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك (لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ) قال: لدين الله.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: (لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ) قال: دين الله.
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن مسعر وسفيان، عن قيس بن مسلم، عن إبراهيم، قال: (لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ) قال: لدين الله.
قال: ثنا أبي، عن جعفر الرازي، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: لدين الله.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا تغيير لخلق الله من البهائم، بأن يخصي الفحول منها.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن فضيل، عن مطرف، عن رجل، سأل ابن عباس عن خصاء البهائم، فكرهه، وقال: (لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ).
قال: ثنا ابن عيينة، عن حميد الأعرج، قال: قال عكرِمة: الإخصاء.
قال: ثنا حفص بن غياث، عن ليث، عن مجاهد، قال: الإخصاء.
وقوله: (ذلكَ الدِّينُ القَيِّمُ) يقول تعالى ذكره: إن إقامتك وجهك للدين حنيفا، غير مغير ولا مبدّل، هو الدين القيم، يعني: المستقيم الذي لا عوج فيه عن الاستقامة من الحنيفية إلى اليهودية والنصرانية، وغير ذلك من الضلالات والبدع المحدثة.
وقد وجَّه بعضهم معنى الدين في هذا الموضع إلى الحساب.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمارة، قال: ثنا عبد الله بن موسى، قال: أخبرنا أبو ليلى، عن بريدة (ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ) قال: الحساب القيم.
(وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) يقول تعالى ذكره: ولكن أكثر الناس لا يعلمون أن الدين الذي أمرتك يا محمد به بقولي (فَأقمْ وَجْهَكَ للدِّينِ حَنِيفا) هو الدين الحقّ دون سائر الأديان غيره.
قوله تعالى : فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون .قوله تعالى : فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله فيه ثلاث مسائل :الأولى : قال الزجاج : فطرة منصوب بمعنى اتبع فطرة الله .
قال : لأن معنى فأقم وجهك للدين اتبع الدين الحنيف واتبع فطرة الله .
وقال الطبري : فطرة الله مصدر من معنى : فأقم وجهك لأن معنى ذلك : فطر الله الناس ذلك فطرة .
وقيل : معنى ذلك اتبعوا دين الله الذي خلق الناس له ; وعلى هذا القول يكون الوقف على حنيفا تاما .
وعلى القولين الأولين يكون متصلا ، فلا يوقف على حنيفا .
وسميت الفطرة دينا لأن الناس يخلقون له ، قال جل وعز : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون .
ويقال : عليها بمعنى لها ; كقوله تعالى : وإن أسأتم فلها .
والخطاب ب أقم وجهك للنبي صلى الله عليه وسلم ، أمره بإقامة وجهه للدين المستقيم ; كما قال : فأقم وجهك للدين القيم وهو دين الإسلام .
وإقامة الوجه هو تقويم المقصد والقوة على الجد في أعمال الدين ; وخص الوجه بالذكر لأنه جامع حواس الإنسان وأشرفه .
ودخل في هذا الخطاب أمته باتفاق من أهل التأويل .
و حنيفا معناه معتدلا مائلا عن جميع الأديان المحرفة المنسوخة .الثانية : في الصحيح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما من مولود إلا يولد على الفطرة - في رواية ( على هذه الملة ) - أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ثم يقول أبو هريرة : واقرءوا إن شئتم ; فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله في رواية : حتى تكونوا أنتم تجدعونها [ ص: 24 ] قالوا : يا رسول الله ; أفرأيت من يموت صغيرا ؟
قال : الله أعلم بما كانوا عاملين .
لفظ مسلم .الثالثة : واختلف العلماء في معنى الفطرة المذكورة في الكتاب والسنة على أقوال متعددة ; منها الإسلام ; قاله أبو هريرة وابن شهاب وغيرهما ; قالوا : وهو المعروف عند عامة السلف من أهل التأويل ; واحتجوا بالآية وحديث أبي هريرة ، وعضدوا ذلك بحديث عياض بن حمار المجاشعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للناس يوما : ألا أحدثكم بما حدثني الله في كتابه ، إن الله خلق آدم وبنيه حنفاء مسلمين ، وأعطاهم المال حلالا لا حرام فيه فجعلوا مما أعطاهم الله حلالا وحراما .
.
الحديث .
وبقوله صلى الله عليه وسلم : خمس من الفطرة .
.
فذكر منها قص الشارب ، وهو من سنن الإسلام ، وعلى هذا التأويل فيكون معنى الحديث : أن الطفل خلق سليما من الكفر على الميثاق الذي أخذه الله على ذرية آدم حين أخرجهم من صلبه ، وأنهم إذا ماتوا قبل أن يدركوا في الجنة ; أولاد مسلمين كانوا أو أولاد كفار .وقال آخرون : الفطرة هي البداءة التي ابتدأهم الله عليها ; أي على ما فطر الله عليه خلقه من أنه ابتدأهم للحياة والموت والسعادة والشقاء ، وإلى ما يصيرون إليه عند البلوغ .
قالوا : والفطرة في كلام العرب البداءة .
والفاطر : المبتدئ ; واحتجوا بما روي عن ابن عباس أنه قال : لم أكن أدري ما فاطر السماوات والأرض حتى أتى أعرابيان يختصمان في بئر ، فقال أحدهما : أنا فطرتها ; أي ابتدأتها .
قال المروزي : كان أحمد بن حنبل يذهب إلى هذا القول ثم تركه .
قال أبو عمر في كتاب التمهيد له : ما رسمه مالك في موطئه وذكر في باب القدر فيه من الآثار - يدل على أن مذهبه في ذلك نحو هذا ، والله أعلم .
ومما احتجوا به ما روي عن كعب القرظي في قول الله تعالى : فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة قال : من ابتدأ الله خلقه للضلالة صيره إلى الضلالة وإن [ ص: 25 ] عمل بأعمال الهدى ، ومن ابتدأ الله خلقه على الهدى صيره إلى الهدى وإن عمل بأعمال الضلالة ، ابتدأ الله خلق إبليس على الضلالة وعمل بأعمال السعادة مع الملائكة ، ثم رده الله إلى ما ابتدأ عليه خلقه ، قال : وكان من الكافرين .قلت : قد مضى قول كعب هذا في ( الأعراف ) وجاء معناه مرفوعا من حديث عائشة رضي الله عنها قالت : دعي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنازة غلام من الأنصار فقلت : يا رسول الله ، طوبى لهذا عصفور من عصافير الجنة ، لم يعمل السوء ولم يدركه ، قال : أو غير ذلك يا عائشة ، إن الله خلق للجنة أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم ، وخلق للنار أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم خرجه ابن ماجه في السنن .
وخرج أبو عيسى الترمذي عن عبد الله بن عمرو قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده كتابان فقال : أتدرون ما هذان الكتابان ؟
فقلنا : لا يا رسول الله ، إلا أن تخبرنا ; فقال للذي في يده اليمنى : هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم ، ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدا - ثم قال للذي في شماله - هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدا .
.
وذكر الحديث ، وقال فيه : حديث حسن .
وقالت فرقة : ليس المراد بقوله تعالى : فطر الناس عليها ولا قوله عليه السلام : كل مولود يولد على الفطرة العموم ؛ وإنما المراد بالناس المؤمنون ; إذ لو فطر الجميع على الإسلام لما كفر أحد ، وقد ثبت أنه خلق أقواما للنار ; كما قال تعالى : ولقد ذرأنا لجهنم وأخرج الذرية من صلب آدم سوداء وبيضاء .
وقال في الغلام الذي قتله الخضر : طبع يوم طبع كافرا .
وروى أبو سعيد الخدري قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر بنهار ; وفيه : وكان فيما حفظنا أن قال : ألا إن بني آدم خلقوا طبقات شتى فمنهم من يولد مؤمنا ويحيا مؤمنا ويموت مؤمنا ، ومنهم من يولد كافرا ويحيا كافرا ويموت كافرا ، ومنهم من يولد مؤمنا ويحيا مؤمنا ويموت كافرا ، ومنهم من يولد كافرا ويحيا كافرا ويموت مؤمنا ، ومنهم حسن القضاء حسن الطلب .
ذكره حماد بن زيد بن سلمة في [ ص: 26 ] مسند الطيالسي قال : حدثنا علي بن زيد عن أبي نضرة عن أبي سعيد .
قالوا : والعموم بمعنى الخصوص كثير في لسان العرب ; ألا ترى إلى قوله عز وجل : تدمر كل شيء ولم تدمر السماوات والأرض .
وقوله : فتحنا عليهم أبواب كل شيء ولم تفتح عليهم أبواب الرحمة .
وقال إسحاق بن راهويه الحنظلي : تم الكلام عند قوله : فأقم وجهك للدين حنيفا ثم قال : فطرة الله أي فطر الله الخلق فطرة إما بجنة أو نار ، وإليه أشار النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : كل مولود يولد على الفطرة ولهذا قال : لا تبديل لخلق الله قال شيخنا أبو العباس : من قال هي سابقة السعادة والشقاوة فهذا إنما يليق بالفطرة المذكورة في القرآن ; لأن الله تعالى قال : لا تبديل لخلق الله وأما في الحديث فلا ; لأنه قد أخبر في بقية الحديث بأنها تبدل وتغير .
وقالت طائفة من أهل الفقه والنظر : الفطرة هي الخلقة التي خلق عليها المولود في المعرفة بربه ; فكأنه قال : كل مولود يولد على خلقة يعرف بها ربه إذا بلغ مبلغ المعرفة ; يريد خلقة مخالفة لخلقة البهائم التي لا تصل بخلقتها إلى معرفته .
واحتجوا على أن الفطرة الخلقة ، والفاطر الخالق ; لقول الله عز وجل : الحمد لله فاطر السماوات والأرض يعني خالقهن ، وبقوله : وما لي لا أعبد الذي فطرني يعني خلقني ، وبقوله : الذي فطرهن يعني خلقهن .
قالوا : فالفطرة الخلقة ، والفاطر الخالق ; وأنكروا أن يكون المولود يفطر على كفر أو إيمان أو معرفة أو إنكار .
قالوا : وإنما المولود على السلامة في الأغلب خلقة وطبعا وبنية ليس معها إيمان ولا كفر ولا إنكار ولا معرفة ; ثم يعتقدون الكفر والإيمان بعد البلوغ إذا ميزوا .
واحتجوا بقوله في الحديث : كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء - يعني سالمة - هل تحسون فيها من جدعاء يعني مقطوعة الأذن .
فمثل قلوب بني آدم بالبهائم لأنها تولد كاملة الخلق ليس فيها نقصان ، ثم تقطع آذانها بعد وأنوفها ; فيقال : هذه بحائر وهذه سوائب .
يقول : فكذلك قلوب الأطفال في حين ولادتهم ليس لهم كفر ولا إيمان ، ولا معرفة ولا إنكار كالبهائم السائمة ، فلما بلغوا استهوتهم الشياطين فكفر أكثرهم ، وعصم الله أقلهم .
قالوا : ولو كان الأطفال قد فطروا على شيء من الكفر والإيمان في أولية أمورهم ما انتقلوا عنه أبدا ، وقد نجدهم يؤمنون ثم يكفرون .
قالوا : ويستحيل في المعقول أن يكون الطفل في حين ولادته يعقل كفرا أو إيمانا ؛ لأن الله أخرجهم في حال لا يفقهون معها شيئا ، قال الله تعالى : [ ص: 27 ] والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا فمن لا يعلم شيئا استحال منه كفر أو إيمان ، أو معرفة أو إنكار .
قال أبو عمر بن عبد البر : هذا أصح ما قيل في معنى الفطرة التي يولد الناس عليها .
ومن الحجة أيضا في هذا قوله تعالى : إنما تجزون ما كنتم تعملون و كل نفس بما كسبت رهينة ومن لم يبلغ وقت العمل لم يرتهن بشيء .
وقال : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ولما أجمعوا على دفع القود والقصاص والحدود والآثام عنهم في دار الدنيا كانت الآخرة أولى بذلك .
والله أعلم .
ويستحيل أن تكون الفطرة المذكورة الإسلام ، كما قال ابن شهاب ; لأن الإسلام والإيمان : قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح ، وهذا معدوم من الطفل ، لا يجهل ذلك ذو عقل .
وأما قول الأوزاعي : سألت الزهري عن رجل عليه رقبة أيجزي عنه الصبي أن يعتقه وهو رضيع ؟
قال : نعم ; لأنه ولد على الفطرة يعني الإسلام ; فإنما أجزى عتقه عند من أجازه ; لأن حكمه حكم أبويه .
وخالفهم آخرون فقالوا : لا يجزي في الرقاب الواجبة إلا من صام وصلى ، وليس في قوله تعالى : كما بدأكم تعودون ولا في ( أن يختم الله للعبد بما قضاه له وقدره عليه ) دليل على أن الطفل يولد حين يولد مؤمنا أو كافرا ; لما شهدت له العقول أنه في ذلك الوقت ليس ممن يعقل إيمانا ولا كفرا ، والحديث الذي جاء فيه : ( إن الناس خلقوا على طبقات ) ليس من الأحاديث التي لا مطعن فيها ; لأنه انفرد به علي بن زيد بن جدعان ، وقد كان شعبة يتكلم فيه .
على أنه يحتمل قوله : ( يولد مؤمنا ) ؛ أي يولد ليكون مؤمنا ، ويولد ليكون كافرا على سابق علم الله فيه ، وليس في قوله في الحديث خلقت هؤلاء للجنة وخلقت هؤلاء للنار أكثر من مراعاة ما يختم به لهم ; لا أنهم في حين طفولتهم ممن يستحق جنة أو نارا ، أو يعقل كفرا أو إيمانا .قلت : وإلى ما اختاره أبو عمر واحتج له ، ذهب غير واحد من المحققين منهم ابن عطية في تفسيره في معنى الفطرة ، وشيخنا أبو العباس .
قال ابن عطية : والذي يعتمد عليه في تفسير هذه اللفظة أنها الخلقة والهيئة التي في نفس الطفل التي هي معدة ومهيأة لأن يميز بها [ ص: 28 ] مصنوعات الله تعالى ، ويستدل بها على ربه ، ويعرف شرائعه ويؤمن به ; فكأنه تعالى قال : أقم وجهك للدين الذي هو الحنيف ، وهو فطرة الله الذي على الإعداد له فطر البشر ، لكن تعرضهم العوارض ; ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه فذكر الأبوين إنما هو مثال للعوارض التي هي كثيرة .
وقال شيخنا في عبارته : إن الله تعالى خلق قلوب بني آدم مؤهلة لقبول الحق ، كما خلق أعينهم وأسماعهم قابلة للمرئيات والمسموعات ، فما دامت باقية على ذلك القبول وعلى تلك الأهلية أدركت الحق ودين الإسلام وهو الدين الحق .
وقد دل على صحة هذا المعنى قوله : كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء يعني أن البهيمة تلد ولدها كامل الخلقة سليما من الآفات ، فلو ترك على أصل تلك الخلقة لبقي كاملا بريئا من العيوب ، لكن يتصرف فيه فيجدع أذنه ويوسم وجهه ، فتطرأ عليه الآفات والنقائص فيخرج عن الأصل ; وكذلك الإنسان ، وهو تشبيه واقع ووجهه واضح .قلت : وهذا القول مع القول الأول موافق له في المعنى ، وأن ذلك بعد الإدراك حين عقلوا أمر الدنيا ، وتأكدت حجة الله عليهم بما نصب من الآيات الظاهرة : من خلق السماوات والأرض ، والشمس والقمر ، والبر والبحر ، واختلاف الليل والنهار ; فلما عملت أهواؤهم فيهم أتتهم الشياطين فدعتهم إلى اليهودية والنصرانية فذهبت بأهوائهم يمينا وشمالا ، وأنهم إن ماتوا صغارا فهم في الجنة ، أعني جميع الأطفال ؛ لأن الله تعالى لما أخرج ذرية آدم من صلبه في صورة الذر أقروا له بالربوبية وهو قوله تعالى : وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا .
ثم أعادهم في صلب آدم بعد أن أقروا له بالربوبية ، وأنه الله لا إله غيره ، ثم يكتب العبد في بطن أمه شقيا أو سعيدا على الكتاب الأول ; فمن كان في الكتاب الأول شقيا عمر حتى يجري عليه القلم فينقض الميثاق الذي أخذ عليه في صلب آدم بالشرك ، ومن كان في الكتاب الأول سعيدا عمر حتى يجري عليه القلم فيصير سعيدا ، ومن مات صغيرا من أولاد المسلمين قبل أن يجري عليه القلم فهم مع آبائهم في الجنة ، ومن كان من أولاد المشركين فمات قبل أن يجري عليه القلم فليس يكونون مع آبائهم ; لأنهم ماتوا على الميثاق الأول الذي أخذ عليهم في صلب آدم ولم ينقض الميثاق ، [ ص: 29 ] ذهب إلى هذا جماعة من أهل التأويل ، وهو يجمع بين الأحاديث ، ويكون معنى قوله عليه السلام لما سئل عنأولاد المشركين فقال : الله أعلم بما كانوا عاملين يعني لو بلغوا .
ودل على هذا التأويل أيضا حديث البخاري عن سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم - الحديث الطويل حديث الرؤيا ، وفيه قوله عليه السلام : وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإبراهيم عليه السلام ، وأما الولدان حوله فكل مولود يولد على الفطرة .
قال فقيل : يا رسول الله ، وأولاد المشركين ؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وأولاد المشركين .
وهذا نص يرفع الخلاف ، وهو أصح شيء روي في هذا الباب ، وغيره من الأحاديث فيها علل وليست من أحاديث الأئمة الفقهاء ; قاله أبو عمر بن عبد البر .
وقد روي من حديث أنس قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولاد المشركين فقال : لم تكن لهم حسنات فيجزوا بها فيكونوا من ملوك الجنة ، ولم تكن لهم سيئات فيعاقبوا عليها فيكونوا من أهل النار ، فهم خدم لأهل الجنة ذكره يحيى بن سلام في التفسير له .
قد زدنا هذه المسألة بيانا في كتاب التذكرة ، وذكرنا في كتاب المقتبس في شرح موطأ مالك بن أنس ما ذكره أبو عمر من ذلك ، والحمد لله .وذكر إسحاق بن راهويه قال : حدثنا يحيى بن آدم قال : أخبرنا جرير بن حازم عن أبي رجاء العطاردي قال : سمعت ابن عباس يقول : لا يزال أمر هذه الأمة مواتيا أو متقاربا - أو كلمة تشبه هاتين - حتى يتكلموا أو ينظروا في الأطفال والقدر .
قال يحيى بن آدم فذكرته لابن المبارك فقال : أيسكت الإنسان على الجهل ؟
قلت : فتأمر بالكلام ؟
قال فسكت .
وقال أبو بكر الوراق : فطرة الله التي فطر الناس عليها هي الفقر والفاقة ; وهذا حسن ; فإنه منذ ولد إلى حين يموت فقير محتاج ، نعم ، وفي الآخرة .قوله تعالى : لا تبديل لخلق الله أي هذه الفطرة لا تبديل لها من جهة الخالق .
ولا يجيء الأمر على خلاف هذا بوجه ; أي لا يشقى من خلقه سعيدا ، ولا يسعد من خلقه شقيا .
وقال مجاهد : المعنى لا تبديل لدين الله ; وقاله قتادة وابن جبير والضحاك وابن زيد والنخعي ، قالوا : هذا معناه في المعتقدات .
وقال عكرمة : وروي عن ابن عباس وعمر بن الخطاب أن [ ص: 30 ] المعنى : لا تغيير لخلق الله من البهائم أن تخصى فحولها ; فيكون معناه النهي عن خصاء الفحول من الحيوان .
وقد مضى هذا في ( النساء ) .
ذلك الدين القيم أي ذلك القضاء المستقيم ; قاله ابن عباس .
وقال مقاتل : ذلك الحساب البين .
وقيل : ذلك الدين القيم أي دين الإسلام هو الدين القيم المستقيم .
ولكن أكثر الناس لا يعلمون أي لا يتفكرون فيعلمون أن لهم خالقا معبودا ، وإلها قديما سبق قضاؤه ونفذ حكمه .
يأمر تعالى بالإخلاص له في جميع الأحوال وإقامة دينه فقال: { فَأَقِمْ وَجْهَكَ } أي: انصبه ووجهه إلى الدين الذي هو الإسلام والإيمان والإحسان بأن تتوجه بقلبك وقصدك وبدنك إلى إقامة شرائع الدين الظاهرة كالصلاة والزكاة والصوم والحج ونحوها.
وشرائعه الباطنة كالمحبة والخوف والرجاء والإنابة، والإحسان في الشرائع الظاهرة والباطنة بأن تعبد اللّه فيها كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك.وخص اللّه إقامة الوجه لأن إقبال الوجه تبع لإقبال القلب ويترتب على الأمرين سَعْيُ البدن ولهذا قال: { حَنِيفًا } أي: مقبلا على اللّه في ذلك معرضا عما سواه.وهذا الأمر الذي أمرناك به هو { فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا } ووضع في عقولهم حسنها واستقباح غيرها، فإن جميع أحكام الشرع الظاهرة والباطنة قد وضع اللّه في قلوب الخلق كلهم، الميل إليها، فوضع في قلوبهم محبة الحق وإيثار الحق وهذا حقيقة الفطرة.ومن خرج عن هذا الأصل فلعارض عرض لفطرته أفسدها كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم: \"كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه\"{ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ } أي: لا أحد يبدل خلق اللّه فيجعل المخلوق على غير الوضع الذي وضعه اللّه، { ذَلِكَ } الذي أمرنا به { الدِّينُ الْقَيِّمُ } أي: الطريق المستقيم الموصل إلى اللّه وإلى كرامته، فإن من أقام وجهه للدين حنيفا فإنه سالك الصراط المستقيم في جميع شرائعه وطرقه، { وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } فلا يتعرفون الدين القيم وإن عرفوه لم يسلكوه.
قوله تعالى : ( فأقم وجهك للدين ) أي : أخلص دينك لله ، قاله سعيد بن جبير ، وإقامة الوجه : إقامة الدين ، وقال غيره : سدد عملك .
والوجه ما يتوجه إليه الإنسان ، ودينه وعمله مما يتوجه إليه لتسديده ) ( حنيفا ) مائلا مستقيما عليه ( فطرة الله ) دين الله ، وهو نصب على الإغراء ، أي : إلزم فطرة الله ( التي فطر الناس عليها ) أي : خلق الناس عليها ، وهذا قول ابن عباس وجماعة من المفسرين أن المراد بالفطرة : الدين ، وهو الإسلام .
وذهب قوم إلى أن الآية خاصة في المؤمنين .
وهم الذين فطرهم الله على الإسلام : أخبرنا أبو علي حسان بن سعيد المنيعي ، أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمش الزيادي ، أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان ، أخبرنا أحمد بن يوسف السلمي ، أخبرنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن همام بن منبه قال : حدثنا أبو هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " من يولد يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتجون البهيمة ، هل تجدون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها ؟
، قالوا يا رسول الله أفرأيت من يموت وهو صغير ؟
قال : " الله أعلم بما كانوا عاملين " .
ورواه الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة من غير ذكر من يموت وهو صغير ، وزاد : ثم يقول أبو هريرة : اقرءوا إن شئتم : ( فطرة الله التي فطر الناس عليها ) .
قوله : " من يولد يولد على الفطرة " يعني على العهد الذي أخذ الله عليهم بقوله : " ألست ، بربكم قالوا بلى " ( الأعراف - 172 ) ، وكل مولود في العالم على ذلك الإقرار ، وهو الحنيفية التي وقعت الخلقة عليها وإن عبد غيره ، قال تعالى : " ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله " ( الزخرف - 87 ) ، وقالوا : " ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى " ( الزمر - 3 ) ، ولكن لا عبرة بالإيمان الفطري في أحكام الدنيا ، وإنما يعتبر الإيمان الشرعي المأمور به المكتسب بالإرادة والفعل ، ألا ترى أنه يقول : " فأبواه يهودانه " ؟
فهو مع وجود الإيمان الفطري فيه محكوم له بحكم أبويه الكافرين ، وهذا معنى قوله - صلى الله عليه وسلم - : " يقول الله تعالى إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم " .
ويحكى معنى هذا عن الأوزاعي ، وحماد بن سلمة .
وحكي عن عبد الله بن المبارك أنه قال : معنى الحديث إن كل مولود يولد على فطرته ، أي : على خلقته التي جبل عليها في علم الله تعالى من السعادة أو الشقاوة ، فكل منهم صائر في العاقبة إلى ما فطر عليها ، وعامل في الدنيا بالعمل المشاكل لها ، فمن أمارات الشقاوة للطفل أن يولد بين يهوديين أو نصرانيين ، فيحملانه - لشقائه - على اعتقاد دينهما .
وقيل : معناه أن كل مولود يولد في مبدأ الخلقة على الفطرة أي على الجبلة السليمة والطبع المتهيئ لقبول الدين ، فلو ترك عليها لاستمر على لزومها ، لأن هذا الدين موجود حسنه في العقول ، وإنما يعدل عنه من يعدل إلى غيره لآفة من آفات النشوء والتقليد ، فلو سلم من تلك الآفات لم يعتقد غيره .
.
.
ثم يتمثل بأولاد اليهود والنصارى واتباعهم لآبائهم والميل إلى أديانهم فيزلون بذلك على الفطرة السليمة والمحجة المستقيمة .
ذكر أبو سليمان الخطابي هذه المعاني في كتابه .
قوله : ( لا تبديل لخلق الله ) فمن حمل الفطرة على الدين قال : معناه لا تبديل لدين الله ، وهو خبر بمعنى النهي ، أي : لا تبدلوا دين الله .
قال مجاهد ، وإبراهيم : معنى الآية الزموا فطرة الله ، أي دين الله ، واتبعوه ولا تبدلوا التوحيد بالشرك ( ذلك الدين القيم ) المستقيم ( ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) وقيل : لا تبديل لخلق الله أي : ما جبل عليه الإنسان من السعادة والشقاء لا يتبدل ، فلا يصير السعيد شقيا ولا الشقي سعيدا .
وقال عكرمة ومجاهد : معناه تحريم إخصاء البهائم .
«فأقم» يا محمد «وجهك للدين حنيفا» مائلا إليه: أي أخلص دينك لله أنت ومن تبعك «فطرتَ الله» خلقته «التي فطر الناس عليها» وهي دينه أي: الزموها «لا تبديل لخلق الله» لدينه أي: لا تبدلوه بأن تشركوا «ذلك الدين القيّم» المستقيم توحيد الله «ولكن أكثر الناس» أي كفار مكة «لا يعلمون» توحيد الله.
فأقم -أيها الرسول أنت ومن اتبعك- وجهك، واستمر على الدين الذي شرعه الله لك، وهو الإسلام الذي فطر الله الناس عليه، فبقاؤكم عليه، وتمسككم به، تمسك بفطرة الله من الإيمان بالله وحده، لا تبديل لخلق الله ودينه، فهو الطريق المستقيم الموصل إلى رضا الله رب العالمين وجنته، ولكن أكثر الناس لا يعلمون أن الذي أمرتك به -أيها الرسول- هو الدين الحق دون سواه.
ثم أمر سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يثبت على الحق الذى هداه - عز وجل - إليه فقال : ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً ) والفاء هى الفصحية ، وقوله : ( أَقِمْ ) من الإِقامة على الشئ والثبات عليه ، وعدم التحول عنه .قوله : ( حَنِيفاً ) من الحنف ، وهو الميل من الباطل إلى الحق ، وضده الجنف ، و ( حَنِيفاً ) حال من فاعل ( أَقِمْ ) .أى : إذا كان الأمر كما ذكرت لك - أيها الرسول الكريم - من بطلان الشكر فاثبت على ما أنت عليه من إخلاص العبادة لله - تعالى - وحده ، وأقبل عى هذا الدين الذى أوحاه الله إليك ، بدون التفات عنه ، أو ميل إلى سواه .قال صاحب الكشاف : قوله : ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً ) أى : فقوم وجهك له وعدِّله ، غير ملتفت عنه يمينا أو شمالا ، وهو تمثيل لإِقباله على الدين واستقامته عليه وثباته ، واهتمامه بأسبابه ، فإن من اهتم بالشئ عقد عليه طرفه ، وسدد إليه نظره ، وقوم له وجهه ، مقبلا به عليه .والمراد بالفطرة فى قوله - تعالى - : ( فِطْرَتَ الله التي فَطَرَ الناس ) الملة .
أى : ملة الإِسلام والتوحيد .أو المراد بها : قابلية الدين الحق ، والتهيؤ النفسى لادراكه .
والأصل فيها أنها بمعنى الخلقة .أى : اثبت - أيها الرسول الكريم - على هذا الدين الحق ، والزموا - أيها الناس - فطرة الله ، وهى ملة الحق ، التى فطر الناس عليها ، وخلقهم قابلين لها .قال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية : يقول - تعالى - : فسدد وجهك واستمر على الدين الذى شرعه الله لك ، من الحنيفية ملة إبراهيم ، وأنت مع ذلك لازم فطرتك السليمة ، التى فطر الله الخلق عليها ، فإنه - تعالى - : فطر خلقه على معرفته وتوحيده .وفى الحديث : " إنى خلقت عبادى حنفاء ، فاجتالتهم - أى حولتهم - الشياطين عن دينهم " .وروى البخارى عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ما من مولود يولد إلا على الفطرة ، فأبواه يهودانه أن ينصرانه أو يمجسانه ، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء ، هل تحسون فيها من جدعاء؟
ثم يقول : فطرة الله التى فطر الناس عليها " .وقال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم وحّد الخطاب أولا ، ثم جمع؟
قلت : خوطب رسول الله صلى الله عليه وسلم أولا ، وخطاب الرسول خطاب لأمته ، مع ما فيه من التعظيم للإِمام ، ثم جمع بد ذلك للبيان والتلخيص .وقوله : ( لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله ) تعليل لما قبله من الأمر بلزوم الفطرة التى فطر - سبحانه - الناس عليها .أى : الزموا فطرة الله التى هى دين الإِسلام ، وقبول تعاليمه والعمل بها ، لأن هذا الدين قد ارتضاه الله - تعالى - لكم ، ولا تبديل ولا تغيير لما فطركم عليه وارتضاه لكم .و ( ذَلِكَ ) الدين الذى اختاره - سبحانه - لكم ، هو ( الدين القيم ) أى : القويم المستقيم ، الذى لا اعوجاج فيه ولا انحراف .فاسم الإِشارة يعود إلى الدين الذى أمرنا - سبحانه - بالثبات عليه ، فى قوله : ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً ) .وقوله - تعالى - : ( ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ ) استدراك لبيان موقف الناس من هذا الدين القيم .أى : ذلك الدين الذى ارتضيته لكم هو الدين القيم ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون هذه الحقيقة ، بسبب استحواذ الشيطان عليهم ، واتباعهم للأهواء الزائفة ، والتقاليد الفاسدة .
ثم قال تعالى: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ الله التى فَطَرَ الناس عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله ﴾ أي إذا تبين الأمر وظهرت الوحدانية ولم يهتد المشرك فلا تلتفت أنت إليهم وأقم وجهك للدين، وقوله: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينَ ﴾ أي أقبل بكلك على الدين عبر عن الذات بالوجه كما قال تعالى: ﴿ كُلُّ شَيء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ ﴾ أي ذاته بصفاته، وقوله: ﴿ حَنِيفاً ﴾ أي مائلاً عن كل ما عداه أي أقبل على الدين ومل عن كل شيء أي لا يكون في قلبك شيء آخر فتعود إليه، وهذا قريب من معنى قوله: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ المشركين ﴾ ثم قال الله تعالى: ﴿ فطرت الله ﴾ أي الزم فطرة الله وهي التوحيد فإن الله فطر الناس عليه حيث أخذهم من ظهر آدم وسألهم ﴿ أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ ﴾ فقالوا: بلى، وقوله تعالى: ﴿ لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله ﴾ فيه وجوه، قال بعض المفسرين هذه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم عن الحزن حيث لم يؤمن قومه فقال هم خلقوا للشقاوة ومن كتب شقياً لا يسعد، وقيل: ﴿ لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله ﴾ أي الوحدانية مترسخة فيهم لا تغير لها حتى إن سألتهم من خلق السموات والأرض يقولون الله، لكن الإيمان الفطري غير كاف.
ويحتمل أن يقال خلق الله الخلق لعبادته وهم كلهم عبيده لا تبديل لخلق الله أي ليس كونهم عبيداً مثل كون المملوك عبداً لإنسان فإنه ينتقل عنه إلى غيره ويخرج عن ملكه بالعتق بل لا خروج للخلق عن العبادة والعبودية، وهذا لبيان فساد قول من يقول العبادة لتحصيل الكمال والعبد يكمل بالعبادة فلا يبقى عليه تكليف، وقول المشركين: إن الناقص لا يصلح لعبادة الله، وإنما الإنسان عبد الكواكب والكواكب عبيد الله، وقول النصارى إن عيسى كان يحل الله فيه وصار إلهاً فقال: ﴿ لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله ﴾ بل كلهم عبيد لا خروج لهم عن ذلك.
ثم قال تعالى: ﴿ ذلك الدين القيم ﴾ الذي لا عوج فيه ﴿ ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ أن ذلك هو الدين المستقيم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينَ ﴾ فقوِّم وجهك له وعدِّ له، غير ملتفت عنه يميناً ولا شمالاً، وهو تمثيل لإقباله على الدين، واستقامته عليه، وثباته، واهتمامه بأسبابه، فإنّ من اهتم بالشيء عقد عليه طرفه، وسدّد إليه نظره، وقوّم له وجهه، مقبلاً به عليه.
و ﴿ حَنِيفاً ﴾ حال من المأمور.
أو من الدين ﴿ فِطْرَتَ الله ﴾ أي الزموا فطرة الله.
أو عليكم فطرة الله.
وإنما أضمرته على خطاب الجماعة لقوله: ﴿ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ﴾ ومنيبين: حال من الضمير في: الزموا.
وقوله: (واتقوه وَأَقِيمُواْ...
وَلاَ تَكُونُواْ) معطوف على هذا الضمير.
والفطرة: الخلقة.
ألا ترى إلى قوله: ﴿ لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله ﴾ والمعنى: أنه خلقهم قابلين للتوحيد ودين الإسلام، غير نائين عنه ولا منكرين له، لكونه مجاوباً للعقل، مساوقاً للنظر الصحيح، حتى لو تركوا لما اختاروا عليه ديناً آخر، ومن غوى منهم فبإغواء شياطين الإنس والجن.
ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «كل عبادي خلقت حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم وأمروهم أن يشركوا بي غيري» وقوله عليه السلام: «كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان يهوّدانه وينصرانه» ، ﴿ لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله ﴾ أي ما ينبغي أن تبدّل تلك الفطرة أو تغير.
فإن قلت: لم وحد الخطاب أوّلاً، ثم جمع؟
قلت: خوطب رسول الله صلى الله عليه وسلم أولاً، وخطاب الرسول خطاب لأمته مع ما فيه من التعظيم للإمام، ثم جمع بعد ذلك للبيان والتلخيص ﴿ مِنَ الذين ﴾ بدل من المشركين ﴿ فارقوا دينهم ﴾ تركوا دين الإسلام.
وقرئ: ﴿ فرّقوا دينهم ﴾ بالتشديد، أي: حعلوه أدياناً مختلفة لاختلاف أهوائهم ﴿ وَكَانُواْ شِيَعاً ﴾ فرقاً، كل واحدة تشايع إمامها الذي أضلها ﴿ كُلُّ حِزْبٍ ﴾ منهم فرح بمذهبه مسرور، يحسب باطله حقاً- ويجوز أن يكون ﴿ مِنَ الذين ﴾ منقطعاً مما قبله، ومعناه: من المفارقين دينهم كل حزب فرحين بما لديهم، ولكنه رفع فرحون على الوصف لكل، كقوله: وَكُلُّ خَلِيلٍ غَيْرُ هَاضِمِ نَفْسِهِ <div class="verse-tafsir"
﴿ فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ﴾ فَقَوِّمْهُ لَهُ غَيْرَ مُلْتَفِتٍ أوْ مُلْتَفِتٍ عَنْهُ، وهو تَمْثِيلٌ لِلْإقْبالِ والِاسْتِقامَةِ عَلَيْهِ والِاهْتِمامِ بِهِ.
﴿ فِطْرَتَ اللَّهِ ﴾ خِلْقَتَهُ نُصِبَ عَلى الإغْراءِ أوِ المَصْدَرِ لِما دَلَّ عَلَيْهِ ما بَعْدَها.
﴿ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها ﴾ خَلَقَهم عَلَيْها وهي قَبُولُهم لِلْحَقِّ وتَمَكُّنُهم مِن إدْراكِهِ، أوْ مِلَّةُ الإسْلامِ فَإنَّهم لَوْ خُلُّوا وما خُلِقُوا عَلَيْهِ أدّى بِهِمْ إلَيْها، وقِيلَ العَهْدُ المَأْخُوذُ مِن آدَمَ وذُرِّيَّتِهِ.
﴿ لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ﴾ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يُغَيِّرَهُ أوْ ما يَنْبَغِي أنْ يُغَيَّرَ.
﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى الدِّينِ المَأْمُورِ بِإقامَةِ الوَجْهِ لَهُ أوِ الفِطْرَةِ إنْ فُسِّرَتْ بِالمِلَّةِ.
﴿ الدِّينُ القَيِّمُ ﴾ المُسْتَقِيمُ الَّذِي لا عِوَجَ فِيهِ.
﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ اسْتِقامَتَهُ لِعَدَمِ تَدَبُّرِهِمْ.
﴿ مُنِيبِينَ إلَيْهِ ﴾ راجِعِينَ إلَيْهِ مِن أنابَ إذا رَجَعَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، وقِيلَ مُنْقَطِعِينَ إلَيْهِ مِنَ النّابِ وهو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في النّاصِبِ المُقَدَّرِ لِفِطْرَةِ اللَّهِ أوْ في أقِمْ لِأنَّ الآيَةَ خِطابٌ لِلرَّسُولِ والأُمَّةِ لِقَوْلِهِ: ﴿ واتَّقُوهُ وأقِيمُوا الصَّلاةَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ غَيْرَ أنَّها صُدِّرَتْ بِخِطابِ الرَّسُولِ تَعْظِيمًا لَهُ.
<div class="verse-tafsir"
{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينَ} فقوم وجهك له وعد له غير ملتفت عنه يميناً ولا شمالاً وهو تمثيل لإقباله على الدين واستقامته عليه واهتمامه بأسبابه فإن من اهتم بالشيء عقد عليه طرفه وسدد إليه نظره وقوم له وجهه {حنيفا} حال من المأمور أو من الدين {فِطْرَةَ الله} أي الزموا فطرة الله والفطرة الخلقية ألا ترى إلى قوله لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله فالمعنى أنه خلقهم قابلين للتوحيد والإسلام غير نائين عنه ولا منكرين له لكونه مجاوباً للعقل مساوقاً للنظر الصحيح حتى لو تركوا لما اختاروا عليه ديناً آخر ومن غوى منهم فبإغواء شياطين الجن والإنس ومنه قوله عليه السلام كل عبادي خلقت حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم وأمروهم أن يشركوا بي غيري وقوله عليه السلام كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان يهودانه وينصرانه وقال الزجاج معناه أن الله تعالى فطر الخلق
على الإيمان به على ما جاء فى الحديث ان الله عز وجل أخرج من صلب آدم كالدر وأشهدهم على أنفسهم بأنه خالقهم فقال وإذ أخذر بك إلى قوله قالوا بلى وكل مولود هو من تلك الذرية التي شهدت بأن الله تعالى خالقها فمعنى فطرة الله دين الله {التى فَطَرَ الناس عَلَيْهَا} أي خلق {لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله} أي ما ينبغي أن تبدل تلك الفطرة أو تغير وقال الزجاج معناه لا تبديل لدين الله ويدل عليه ما بعده وهو قوله {ذلك الدين القيم} أي المستقيم {ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ} حقيقة ذلك
﴿ فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ﴾ قالَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ: إنَّهُ تَعالى عَقِيبَ ما عَدَّدَ الآياتِ البَيِّناتِ والشَّواهِدَ الدّالَّةَ عَلى الوَحْدانِيَّةِ ونَفْيِ الشِّرْكِ وإثْباتِ القَوْلِ بِالمَعادِ وضَرَبَ سُبْحانَهُ المَثَلَ وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ أرادَ جَلَّ شَأْنُهُ أنْ يُسَلِّيَ حَبِيبَهُ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِ، ويُوَطِّنَهُ عَلى اليَأْسِ مِن إيمانِهِمْ، فَأضْرَبَ تَعالى عَنْ ذَلِكَ وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أهْواءَهُمْ ﴾ وجَعَلَ السَّبَبَ في ذَلِكَ أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ ما أرادَ هِدايَتَهُمْ، وأنَّهُ مَخْتُومٌ عَلى قُلُوبِهِمْ، ولِذَلِكَ رَتَّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فَمَن يَهْدِي مَن أضَلَّ اللَّهُ ﴾ عَلى التَّقْرِيعِ والإنْكارِ، ثُمَّ ذَيَّلَ سُبْحانَهُ الكُلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما لَهم مِن ناصِرِينَ ﴾ يَعْنِي إذا أرادَ اللَّهُ تَعالى مِنهم ذَلِكَ فَلا مُخَلِّصَ لَهم مِنهُ، ولا أحَدَ يُنْقِذُهم لا أنْتَ، ولا غَيْرُكَ، فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ، فاهْتَمَّ بِخاصَّةِ نَفْسِكَ ومَن تَبِعَكَ، وأقِمْ وجْهَكَ إلَخْ، اهـ، ومِنهُ يُعْلَمُ حالُ الفاءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ( فَمَن ) وكَذا في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( فَأقِمْ ) وقَدَّرَ النَّيْسابُورِيُّ لِلثّانِيَةِ إذا تَبَيَّنَ الحَقُّ وظَهَرَتِ الوَحْدانِيَّةُ فَأقِمْ إلَخْ، ولَعَلَّ ما أشارَ إلَيْهِ الطِّيبِيُّ أوْلى، ثُمَّ إنَّهُ يَلُوحُ مِن كَلامِهِ احْتِمالُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ قائِمًا مَقامَ ضَمِيرِ ( الَّذِينَ ظَلَمُوا ) فَتَدَبَّرْ.
و«أقِمْ» مِن أقامَ العُودَ، ويُقالُ: قَوَّمَ العُودَ أيْضًا، إذا عَدَلَهُ، والمُرادُ الأمْرُ بِالإقْبالِ عَلى دِينِ الإسْلامِ، والِاسْتِقامَةُ والثَّباتُ عَلَيْهِ، والِاهْتِمامُ بِتَرْتِيبِ أسْبابِهِ عَلى أنَّ الكَلامَ تَمْثِيلٌ لِذَلِكَ، فَإنَّ مَنِ اهْتَمَّ بِشَيْءٍ مَحْسُوسٍ بِالبَصَرِ عَقَدَ إلَيْهِ طَرْفَهُ، وسَدَّدَ إلَيْهِ نَظَرَهُ، وأقْبَلَ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ غَيْرِ مُلْتَفِتٍ عَنْهُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَعَدِّلْ وجْهَكَ لِلدِّينِ وأقْبِلْ عَلَيْهِ إقْبالًا كامِلًا غَيْرَ مُلْتَفِتٍ يَمِينًا وشِمالًا، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: إنَّ إقامَةَ الوَجْهِ لِلشَّيْءِ كِنايَةٌ عَنْ كَمالِ الِاهْتِمامِ بِهِ، ولَعَلَّهُ أرادَ بِالكِنايَةِ المَجازَ المُتَفَرِّعَ عَلى الكِنايَةِ، فَإنَّهُ لا يُشْتَرَطُ فِيهِ إمْكانُ إرادَةِ المَعْنى الحَقِيقِيِّ، ونُصِبَ ( حَنِيفًا ) عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في (أقِمْ)، أوْ مِنَ (الدِّينِ)، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ كَوْنَهُ حالًا مِنَ الوَجْهِ، وأصْلُ الحَنَفِ المَيْلُ مِنَ الضَّلالِ إلى الِاسْتِقامَةِ، وضِدُّهُ الجَنَفُ بِالجِيمِ، ( فِطْرَةَ اللَّهِ ) نُصِبَ عَلى الإغْراءِ أيِ الزَمُوا فِطْرَةَ اللَّهِ تَعالى، ومَن أجازَ إضْمارَ أسْماءِ الأفْعالِ جَوَّزَ أنْ يُقَدَّرَ هُنا (عَلَيْكُمُ) اسْمُ فِعْلٍ، وقالَ مَكِّيٌّ: هو نَصْبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيِ اتَّبِعْ فِطْرَةَ اللَّهِ، ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ( فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ ) لِأنَّ مَعْناهُ اتَّبِعِ الدِّينَ، واخْتارَهُ الطِّيبِيُّ وقالَ: إنَّهُ أقْرَبُ في تَأْلِيفِ النَّظْمِ، لِأنَّهُ مُوافِقٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أهْواءَهُمْ ﴾ ولِتَرَتُّبِ قَوْلِهِ تَعالى: ( فَأقِمْ وجْهَكَ ) عَلَيْهِ بِالفاءِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ نَصْبًا بِإضْمارِ أعْنِي، وأنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مُطْلَقًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ما بَعْدُ، أيْ فَطَرَكم فِطْرَةَ اللَّهِ، ولا يَصِحُّ عَمَلُ فَطَرَ المَذْكُورِ بَعْدُ فِيهِ، لِأنَّهُ مِن صِفَتِهِ، وأنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِما دَلَّ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ السّابِقَةُ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِنَفْسِهِ.
وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ( حَنِيفًا )، والمُتَبادِرُ إلى الذِّهْنِ النَّصْبُ عَلى الإغْراءِ، وإضْمارُ الفِعْلِ عَلى خِطابِ الجَماعَةِ مَعَ أنَّ المُتَقَدِّمَ ( فَأقِمْ ) هو ما اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ لِيُطابِقَ قَوْلَهُ تَعالى: <div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً أي: أخلص دينك الإسلام للدين حنيفاً.
يعني: للتوحيد مخلصاً.
ويقال: يذكر الوجه ويراد به هو، فكأنه يقول: فأقم الدين مخلصاً.
ويقال: معناه فأقبل بوجهك إلى الدين، وأقم عليه حنيفاً، أي: مخلصاً، مائلاً إليه.
ويقال: أخلص دينك وعملك لله تعالى، وكن مخلصا.
ثم قال: فِطْرَتَ اللَّهِ يعني: اتبع دين الله.
ويقال: اتبع ملة الله.
ويقال: الفطرة الخلقة يعني: خلقة الله الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها أي: خلق البشر عليها كما قال النبيّ : «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، وَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ كَمَا تُنْتِجُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ» .
وروي عن أبي هريرة أنه قال: اقرءوا إن شئتم فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها يعني: خلق الناس عليها.
وفي الخبر أنه قال: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ» لأنه شهد يوم الميثاق.
ثم قال: لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ يعني: لا تغيير لدين الله.
ويقال: لا تبديل لخلق الله عند ما خلق الله الخلق، لم يكن لأحد أن يغير خلقته.
ثم قال: ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ يعني: التوحيد هو الدين المستقيم وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ يعني: كفار مكة لاَ يعلمون بتوحيد الله.
قوله عز وجل: مُنِيبِينَ إِلَيْهِ انصرف إلى قوله فَأَقِمْ وَجْهَكَ يعني: فأقبل بوجهك منيباً إليه.
ويجوز أن يخاطب الرئيس بلفظ الجماعة، لأن له أتباعاً.
وإنما يراد به هو وأتباعه كما قال: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ [الطلاق: 10] مُنِيبِينَ إِلَيْهِ يعني: راجعين إليه من الكفر إلى التوحيد.
وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ يعني: وأتموا الصلوات الخمس وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ على دينهم مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ يعني: تركوا دين الإسلام الذي أمروا به.
وَكانُوا شِيَعاً فجعلوه أدياناً يعني: تركوا دينهم وصاروا فرقاً اليهود والنصارى والمجوس، قرأ حمزة والكسائي: فارقوا بالألف.
وقرأ الباقون فَرَّقُوا بغير ألف.
فمن قرأ: فارقوا يعني: تركوا دينهم.
ومن قرأ فَرَّقُوا دينهم يعني: افترقت اليهود إحدى وسبعين فرقة، والنصارى اثنتين وسبعين فرقة، والمسلمون ثلاثة وسبعين فرقة كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ يعني: كل أهل دين بما عندهم من الدين راضون.
قوله عز وجل: وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ يعني: إذا أصاب الكفار شدة دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ يعني: منقلبين إليه بالدعاء عند الشدة والقحط ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً يعني: إذا أصابهم من الله نعمة، وهي السعة في الرزق والخصب إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ يعني: تركوا توحيد ربهم في الرخاء، وقد وحّدوه في الضراء.
قوله عز وجل: لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ قال مقاتل: تقول أذاقهم رحمة لئلا يكفروا بالذي أعطاهم من الخير.
ويقال: كانت النعمة سبيلاً للكفر فكأنه أعطاهم لذلك، كما قال فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً [القصص: 8] وقرئ في الشاذ يشركون ليكفروا، بجزم اللام فيكون أمراً على وجه الوعيد والتهديد.
ثم قال: فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ يعني: فتمتعوا قليلاً إلى آجالكم فسوف تعلمون ما يفعل بكم يوم القيامة.
ثم قال عز وجل: أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً يعني: كتاباً من السماء فَهُوَ يَتَكَلَّمُ يعني: ينطق بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ يعني: بما كانوا يقولون من الشرك.
اللفظ لفظ الاستفهام والمراد به النفي يعني: لم ينزل عليهم حجة بذلك.
وقال القتبي: فهو يتكلم فهو من المجاز ومعناه: أنزلنا عليهم برهاناً يستدلون به، فهو يدلهم على الشرك.
ويقال: أم أنزلنا عليهم عذراً بذلك.
<div class="verse-tafsir"
بمعنى الخضوعِ، والانقيادِ في طاعتهِ سبحانه.
وإعادة الخلق: هو بعثُهم من القبور.
وقوله تعالى: وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ قال ابن عباس وغيره: المعنى: وهو هين «١» عليه، وفي مصحف ابن مسعود «٢» «وهو هين عليه» ، وفي بعض المصاحف «وكل هين عليه» .
وقال ابن عباس أيضاً وغيره: المعنى: وهو أيسر «٣» عليه، قال: ولكن هذا التفضيل إنَّما هو بحسْب معتقدِ البَشَرِ وما يعطيهم النظر في الشاهد من أن الإعَادَةِ في كثير من الأشياء أهون علينا من البدأة.
ولما جاء بلفظٍ فيه استعارة، وتشبيه «٤» بما يعهده الناس من أنفسهم خَلُصَ جانبُ العظمة بأن جعل له المثلَ الأعْلَى الذي لا يلحقه تكييف ولا تماثل مع شيء.
ثم بين تعالى أمر الأصنام وفسادَ معتقدِ مَن يُشْرِكُها بالله- بضربه هذا المثلَ- وهو قوله: ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ ...
الآية، ومعناه:
أَنكم أيها الناس إذا كان لكم عبيدٌ تَمْلِكُونَهم فإنكم لا تشركونهم في أموالكم ومُهِمِّ أموركم، ولا في شيء على جهة استواءَ المنزلة.
وليس من شأنكم أن تخافوهم في أن يرثوا أموالكم، أو يقاسموكم إياها في حياتكم، كما يفعل بعضكم ببعض فإذا كان هذا فيكم، فكيف تقولون: أن من عبيده وملكه شركاءُ في سلطانِه وألوهيته هذا تفسير ابن عباس «٥» والجماعة.
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)
وقوله تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً....
الآية، إقامة الوجه: هي تقويم المقصد والقوةِ على الجِدِّ في أعمال الدين.
وخص الوجه لأنه جامع حواس الإنسان ولشرفه.
وفِطْرَتَ اللَّهِ نَصْبٌ على المصدر.
وقيل: بفعل مضمر تقديره: اتبع أو التزم فطرة الله، واختُلِفَ في الفطرة هاهنا، والذي يعتمد عليه في تفسير هذه اللفظةِ أَنها الخِلْقَةُ والهَيْئَةُ التي في نفسِ الطفلِ التي هي مُعَدَّةٌ مُهَيَّئَةٌ لأَنْ يَمِيزَ بها مصنوعات الله، ويستدلَّ بها على ربِّهِ، ويعرف شرائعه ويؤمن به، فكأنه تعالى، قال: أقم وَجْهَك للدِّينِ الذي هو الحنيفُ، وهو فطرة الله الذي على الإعداد له فُطِرَ البشرِ لكن تعرضهم العوارض ومنه قوله صلى الله عليه وسلّم في الحديث الصحيح: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ ...
» الحديث «١» -، ثم يقول
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأقِمْ وجْهَكَ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: أخْلِصْ دِينَكَ الإسْلامَ ﴿ لِلدِّينِ ﴾ أيْ: لِلتَّوْحِيدِ.
وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: اسْتَقِمْ بِدِينِكَ نَحْوَ الجِهَةِ الَّتِي وجَّهَكَ اللَّهُ إلَيْها.
وقالَ غَيْرُهُ: سَدِّدَ عَمَلَكَ.
والوَجْهُ: ما يُتَوَجَّهُ إلَيْهِ، وعَمَلُ الإنْسانِ ودِينُهُ: ما يُتَوَجَّهُ إلَيْهِ لِتَسْدِيدِهِ وإقامَتِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَنِيفًا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الحَنِيفُ: الَّذِي يَمِيلُ إلى الشَّيْءِ ولا يَرْجِعُ عَنْهُ، كالحَنَفِ في الرِّجْلِ، وهو مَيْلُها إلى خارِجِها خِلْقَةً، لا يَقْدِرُ الأحْنَفُ أنْ يَرُدَّ حَنَفَهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ فِطْرَتَ اللَّهِ ﴾ مَنصُوبٌ، بِمَعْنى: اتَّبِعَ فِطْرَةَ اللَّهِ، لِأنَّ مَعْنى ﴿ فَأقِمْ وجْهَكَ ﴾ : اتَّبِعِ الدِّينَ القَيِّمَ، واتَّبِعْ فِطْرَةَ اللَّهِ، أيْ: دِينَ اللَّهِ.
والفِطْرَةُ: الخِلْقَةُ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ عَلَيْها البَشَرَ.
وكَذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: " «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ» "، أيْ: عَلى الإيمانِ بِاللَّهِ.
وقالَ مُجاهِدٌ في قَوْلِهِ: ﴿ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها ﴾ قالَ: الإسْلامُ، وكَذَلِكَ قالَ قَتادَةُ.
والَّذِي أشارَ إلَيْهِ الزَّجّاجُ أصَحُّ، وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، فَقالَ: فَرْقُ ما بَيْنَنا وبَيْنَ أهْلِ القَدَرِ في هَذا الحَدِيثِ، أنَّ الفِطْرَةَ عِنْدَهُمُ: الإسْلامُ، والفِطْرَةَ عِنْدَنا: الإقْرارُ بِاللَّهِ والمَعْرِفَةُ بِهِ، لا الإسْلامُ، ومَعْنى الفِطْرَةِ: ابْتِداءُ الخِلْقَةِ، والكُلُّ أقَرُّوا حِينَ قَوْلِهِ: ﴿ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟
قالُوا بَلى ﴾ ولَسْتَ واجِدًا أحَدًا إلّا وهو مُقِرٌّ بِأنَّ لَهُ صانِعًا ومُدَبِّرًا وإنْ عَبَدَ شَيْئًا دُونَهُ وسَمّاهُ بِغَيْرِ اسْمِهِ؛ فَمَعْنى الحَدِيثِ: إنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ في العالَمِ عَلى ذَلِكَ العَهْدِ وذَلِكَ الإقْرارِ الأوَّلِ، وهو لِلْفِطْرَةِ، ثُمَّ يُهَوِّدُ اليَهُودُ أبْناءَهُمْ، أيْ: يُعَلِّمُونَهم ذَلِكَ، ولَيْسَ الإقْرارُ الأوَّلُ مِمّا يَقَعُ بِهِ حُكْمٌ ولا ثَوابٌ؛ وقَدْ ذَكَرَ نَحْوَ هَذا أبُو بَكْرٍ الأثْرَمُ، واسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِأنَّ النّاسَ أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لا يَرِثُ المُسْلِمُ الكافِرَ، ولا الكافِرُ المُسْلِمَ، ثُمَّ أجْمَعُوا عَلى أنَّ اليَهُودِيَّ إذا ماتَ لَهُ ولَدٌ صَغِيرٌ وِرَثَهُ، وكَذَلِكَ النَّصْرانِيُّ والمَجُوسِيُّ، ولَوْ كانَ مَعْنى الفِطْرَةِ الإسْلامُ، ما ورِثَهُ إلّا المُسْلِمُونَ، ولا دُفِنَ إلّا مَعَهُمْ؛ وإنَّما أرادَ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: " «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ» " أيْ: عَلى تِلْكَ البِدايَةِ الَّتِي أقَرُّوا لَهُ فِيها بِالوَحْدانِيَّةِ حِينَ أخَذَهم مِن صُلْبِ آدَمَ، فَمِنهم مَن جَحَدَ ذَلِكَ بَعْدَ إقْرارِهِ.
ومِثْلُ هَذا الحَدِيثِ حَدِيثُ عِياضِ بْنِ حِمارٍ «عَنِ النَّبِيِّ قالَ: " قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: إنِّي خَلَقْتُ عِبادِي حُنَفاءَ "»، وذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يَدْعُهم يَوْمَ المِيثاقِ إلّا إلى حَرْفٍ واحِدٍ، فَأجابُوهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ﴾ لَفْظُهُ لَفْظُ النَّفْيِ، ومَعْناهُ النَّهْيُ؛ والتَّقْدِيرُ: لا تُبَدِّلُوا خَلْقَ اللَّهِ.
وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ خِصاءُ البَهائِمِ، قالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
والثّانِي: دِينُ اللَّهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، والنَّخَعِيُّ في آخَرِينَ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ كالقَوْلَيْنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ ﴾ يَعْنِي التَّوْحِيدَ المُسْتَقِيمَ ﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ ﴿ لا يَعْلَمُونَ ﴾ تَوْحِيدَ اللَّهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُنِيبِينَ إلَيْهِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: زَعَمَ جَمِيعُ النَّحْوِيِّينَ أنَّ مَعْنى هَذا: فَأقِيمُوا وُجُوهَكم مُنِيبِينَ، لِأنَّ مُخاطَبَةَ النَّبِيِّ تَدْخُلُ مَعَهُ فِيها الأُمَّةُ ومَعْنى " مُنِيبِينَ ": راجِعِينَ إلَيْهِ في كُلِّ ما أمَرَ، فَلا يَخْرُجُونَ عَنْ شَيْءٍ مِن أمْرِهِ.
وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ [البَقَرَةِ: ٣، الأنْعامِ: ١٥٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَإذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهم مُنِيبِينَ إلَيْهِ ثُمَّ إذا أذاقَهم مِنهُ رَحْمَةً ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ القَحْطُ، والرَّحْمَةُ: المَطَرُ.
والثّانِي: أنَّهُ البَلاءُ، والرَّحْمَةُ: العافِيَةُ، ﴿ إذا فَرِيقٌ مِنهُمْ ﴾ وهُمُ المُشْرِكُونَ.
والمَعْنى: أنَّ الكُلَّ يَلْتَجِؤُونَ إلَيْهِ في شَدائِدِهِمْ، ولا يَلْتَفِتُ المُشْرِكُونَ حِينَئِذٍ إلى أوْثانِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في آخِرِ (العَنْكَبُوتِ: ٦٧)، وقَوْلُهُ: ﴿ فَتَمَتَّعُوا ﴾ خِطابٌ لَهم بَعْدَ الإخْبارِ عَنْهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ ﴾ أيْ: عَلى هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ ﴿ سُلْطانًا ﴾ أيْ: حُجَّةً وكِتابًا مِنَ السَّماءِ ﴿ فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ ﴾ أيْ: يَأْمُرُهم بِالشِّرْكِ؟!
وهَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ، مَعْناهُ: لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا أذَقْنا النّاسَ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ ﴿ رَحْمَةً ﴾ وهي المَطَرُ.
والسَّيِّئَةُ: الجُوعُ والقَحْطُ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الرَّحْمَةُ: النِّعْمَةُ، والسَّيِّئَةُ: المُصِيبَةُ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وهَذا الفَرَحُ المَذْكُورُ هاهُنا، هو فَرَحُ البَطَرِ الَّذِي لا شُكْرَ فِيهِ، والقُنُوطُ: اليَأْسُ مِن فَضْلِ اللَّهِ، وهو خِلافُ وصْفِ المُؤْمِنُ، فَإنَّهُ يَشْكُرُ عِنْدَ النِّعْمَةِ، ويَرْجُو عِنْدَ الشِّدَّةِ؛ وقَدْ شَرَحْناهُ في (بَنِي إسْرائِيلَ: ٢٦) إلى قَوْلِهِ: ﴿ ذَلِكَ ﴾ يَعْنِي إعْطاءَ الحَقِّ ﴿ خَيْرٌ ﴾ أيْ: أفْضُلُ مِنَ الإمْساكِ ﴿ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ ﴾ أيْ: يَطْلُبُونَ بِأعْمالِهِمْ ثَوابَ اللَّهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أهْواءَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَن أضَلَّ اللهُ وما لَهم مَن ناصِرِينَ ﴾ ﴿ فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ الناسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِينُ القَيِّمُ ولَكِنَّ أكْثَرَ الناسَ لا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ مُنِيبِينَ إلَيْهِ واتَّقُوهُ وأقِيمُوا الصَلاةَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ ﴿ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهم وكانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾ الإضْرابُ بِـ"بَلْ" هو عَمّا تَضَمَّنَهُ مَعْنى الآيَةِ الأُولى، كَأنَّهُ يَقُولُ: لَيْسَ لَهم حُجَّةٌ ولا مَعْذِرَةٌ فِيما فَعَلُوا مِن تَشْرِيكِهِمْ مَعَ اللهِ تَعالى، بَلِ اتَّبَعُوا أهْواءَهم جَهالَةً وشَهْوَةً وقَصْدًا لِأمْرِ دُنْياهم.
ثُمَّ قَرَّرَ - عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لَهم - عَلى مَن يَهْدِي إذا أضَلَّ اللهُ؟
أيْ: لا هادِيَ لِأهْلِ هَذِهِ الحالِ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ لا ناصِرَ لَهم.
ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ بِإقامَةِ وجْهِهِ لِلدِّينِ المُسْتَقِيمِ، وهو دِينُ الإسْلامِ، وإقامَةُ الوَجْهِ هي تَقْوِيمُ المَقْصِدِ والقُوَّةِ عَلى الجِدِّ في أعْمالِ الدِينِ، وذِكْرُ الوَجْهِ لِأنَّهُ جامِعُ حَواسِّ الإنْسانِ وأشْرَفُهُ، و"حَنِيفًا" مَعْناهُ: مُعْتَدِلًا مائِلًا عن جَمِيعِ الأدْيانِ المُحَرَّفَةِ المَنسُوخَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ الناسَ عَلَيْها ﴾ نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ صِبْغَةَ اللهِ ﴾ ، وقِيلَ: هو نَصْبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: اتَّبِعْ والزَمْ فِطْرَةَ اللهِ تَعالى، واخْتَلَفَ الناسُ في الفِطْرَةِ هاهُنا، فَذَكَرَ مَكِّيٌّ وغَيْرُهُ في ذَلِكَ جَمِيعَ ما يُمْكِنُ أنْ تُصْرَفَ هَذِهِ اللَفْظَةُ عَلَيْهِ، وفي بَعْضِ ذَلِكَ قَلَقٌ، والَّذِي يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ اللَفْظَةِ أنَّها الخِلْقَةُ والهَيْئَةُ في نَفْسِ الطِفْلِ الَّتِي هي مُعَدَّةٌ مُهَيَّأةٌ لِأنْ يُمَيِّزَ بِها مَصْنُوعاتِ اللهِ تَعالى، ويَسْتَدِلَّ بِها عَلى رَبِّهِ جَلَّ وعَلا ويَعْرِفَ شَرائِعَهُ، ويُؤْمِنَ بِهِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ الَّذِي هو الحَنِيفُ وهو فِطْرَةُ اللهِ الَّذِي عَلى الإعْدادِ لَهُ فَطَرَ البَشَرَ، لَكِنْ تَعْرِضُهُمُ العَوارِضُ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ : « "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ، فَأبَواهُ يُهَوِّدانِهِ أو يُنَصِّرانِهِ..." الحَدِيثُ،» فَذِكْرُ الأبَوَيْنِ إنَّما هو مِثالٌ لِلْعَوارِضِ الَّتِي هي كَثِيرَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ﴾ يَحْتَمِلُ تَأْوِيلَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يُرِيدَ بِها هَذِهِ الفِطْرَةَ المَذْكُورَةَ، أيِ: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الفِطْرَةَ لا تَبْدِيلَ لَها مِن جِهَةِ الخالِقِ، ولا يَجِيءُ الأمْرُ عَلى خِلافِها بِوَجْهٍ، والآخَرانِ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ﴾ إنْحاءً عَلى الكَفَرَةِ، اعْتَرَضَ بِهِ أثْناءَ الكَلامِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: أقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ الَّذِي مِن صِفَتِهِ كَذا وكَذا، فَإنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ قَدْ خَلَقَ اللهُ لَهُمُ الكُفْرَ، ولا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ، أيْ إنَّهم لا يُفْلِحُونَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: لا تَبْدِيلَ لِدِينِ اللهِ، وهو قَوْلُ ابْنِ جُبَيْرٍ، والضَحّاكِ، وابْنِ زَيْدٍ، والنَخَعِيِّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مَعْناهُ: لا تَبْدِيلَ لِلْمُعْتَقَداتِ الَّتِي هي في الدِينِ الحَنِيفِ، فَإنَّ كُلَّ شَرِيعَةٍ هي عَقائِدُها.
وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ في هَذِهِ الآيَةِ إلى تَأْوِيلاتٍ: مِنها قَوْلُ عِكْرِمَةَ - وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما -: ﴿ لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ﴾ مَعْناهُ: النَهْيُ عن خِصاءِ الفُحُولِ مِنَ الحَيَوانِ.
ومِنها قَوْلُ بَعْضِهِمْ في الفِطْرَةِ: إنَّها المِلَّةُ.
عَلى أنَّهُ قَدْ قِيلَ في الفِطْرَةِ: الدِينُ.
وتَأوَّلَ قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ "فَطَرَ الناسَ" ﴾ عَلى الخُصُوصِ، أيِ: المُؤْمِنِينَ.
وقِيلَ: الفِطْرَةُ هو العَهْدُ الَّذِي أخَذَهُ اللهُ تَعالى عَلى ذُرِّيَّةِ آدَمَ حِينَ أخْرَجَهم نَسَمًا مِن ظَهْرِهِ، ونَحْوُهُ حَدِيثُ مُعاذٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ حِينَ مَرَّ بِهِ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، فَقالَ: يا مُعاذُ، ما قِوامُ هَذِهِ الأُمَّةِ؟
قالَ: الإخْلاصُ، وهو الفِطْرَةُ الَّتِي فَطَرَ اللهُ الناسَ عَلَيْها، والصَلاةُ وهي الدِينُ، والطاعَةُ وهي العِصْمَةُ، فَقالَ عُمْرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: صَدَقْتَ.
و"القَيِّمُ" بِناءُ مُبالَغَةٍ مِنَ القِيامِ الَّذِي هو بِمَعْنى الِاسْتِقامَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "مُنِيبِينَ" ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن قَوْلِهِ: ﴿ فَطَرَ الناسَ ﴾ ، لا سِيَّما عَلى رَأْيِ مَن رَأى أنَّ ذَلِكَ خُصُوصٌ في المُؤْمِنِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن قَوْلِهِ: ﴿ فَأقِمْ وجْهَكَ ﴾ ، وجَمَعَهُ لِأنَّ الخِطابَ بِإقامَةِ الوَجْهِ لِلنَّبِيِّ ولِأُمَّتِهِ، نَظِيرُها قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ يا أيُّها النَبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِساءَ ﴾ و"المُنِيبُ": الراجِعُ المُخْلِصُ المائِلُ إلى جِهَةِ ما تَوَدُّهُ نَفْسُهُ، و"المُشْرِكُونَ" المُشارُ إلَيْهِمْ في هَذِهِ الآيَةِ هُمُ اليَهُودُ والنَصارى، قالَهُ قَتادَةُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُمُ اليَهُودُ، وقالَتْ عائِشَةُ وأبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي في أهْلِ القِبْلَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَلَفْظَةُ الإشْراكِ - عَلى هَذا - فِيها تَجَوُّزٌ، فَإنَّهم صارُوا في دِينِهِمْ فِرَقًا، و"الشِيَعُ": الفِرَقُ، واحِدُها: شِيعَةٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾ مَعْناهُ أنَّهم مَفْتُونُونَ بِآرائِهِمْ، مُعْجَبُونَ بِضَلالِهِمْ، وذَلِكَ أصِيلٌ فِيهِمْ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "فارَقُوا دِينَهُمْ" بِالألِفِ.
<div class="verse-tafsir"
الفاء فصيحة.
والتقدير: إذا علمت أحوال المعرضين عن دلائل الحق فأقم وجهك للدين.
والأمر مستعمل في طلب الدوام.
والمقصود: أن لا تهتم بإعراضهم، كقوله تعالى ﴿ فإن حاجّوك فقل أسلمتُ وجهي لله ومن اتبعن ﴾ [آل عمران: 20] وقوله ﴿ فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ﴾ [هود: 112] (أي من آمن) وقوله ﴿ أدْعوا إلى الله على بصيرة أنا ومَن اتّبعن ﴾ [يوسف: 108].
فالمعنى: فأقم وجهك للدين والمؤمنون معك، كما يؤذن به قوله بعده ﴿ منيبين إليه واتقوه ﴾ [الروم: 31] بصيغة الجمع.
وإقامة الوجه: تقويمه وتعديله باتجاهه قبالة نظره غير ملتفت يميناً ولا شمالاً.
وهو تمثيل لحالة الإقبال على الشيء والتمحض للشغل به بحال قصر النظر إلى صوب قبالته غير ملتفت يَمْنَةً ولا يَسْرَةً، وهذا كقوله تعالى ﴿ وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادْعُوه مخلصين ﴾ [الأعراف: 29] وقوله حكاية عن إبراهيم ﴿ إني وجّهتُ وجهي للذي فطر السماوات والأرض ﴾ [الأنعام: 79] وقوله تعالى ﴿ فقل أسلمتُ وجهي لله ﴾ [آل عمران: 20]، أي أعطيته لله، وذلك معنى التمحيض لعبادة الله وأن لا يلتفت إلى معبود غيره.
والتعريف في ﴿ الدين ﴾ للعهد وهو دينهم الذي هم عليه وهو دين الإسلام.
و ﴿ حنيفاً ﴾ يجوز أن يكون حالاً من الضمير المستتر في فعل ﴿ أقم ﴾ فيكون حالاً للنبي صلى الله عليه وسلم كما كان وصفاً لإبراهيم عليه السلام في قوله تعالى ﴿ إن إبراهيم كان أمةً قانتاً لله حنيفاً ﴾ [النحل: 120]، وهذا هو الأظهر في تفسيره.
ويجوز كونه حالاً من الدين على ما فسر به الزجاج فيكون استعارة بتشبيه الدين برجل حنيف في خلوّه من شوائب الشرك، فيكون الحنيف تمثيلية وفي إثباته للدين استعارة تصريحية.
وحنيف: صيغة مبالغة في الاتصاف بالحَنَف وهو الميْل، وغلب استعمال هذا الوصف في الميل عن الباطل، أي العدول عنه بالتوجه إلى الحق، أي عادلاً ومنقطعاً عن الشرك كقوله تعالى ﴿ قل بل ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين ﴾ وقد مضى في سورة البقرة (135).
وفطرة الله } بدل من ﴿ حنيفاً ﴾ بدل اشتمال فهو في معنى الحال من ﴿ الدين ﴾ أيضاً وهو حال ثانية فإن الحال كالخبر تتعدد بدون عطف على التحقيق عند النحاة.
وهذا أحسن لأنه أصرح في إفادة أن هذا الدين مختص بوصفين هما: التبرؤ من الإشراك، وموافقتُه الفطرة، فيفيد أنه دين سمح سهل لا عنت فيه.
ونظيره قوله تعالى ﴿ ولم يجعل له عِوجاً قيّماً ﴾ [الكهف: 1، 2] أي الدين الذي هو فطرة الله لأن التوحيد هو الفطرة، والإشراك تبديلٌ للفطرة.
والفطرة أصله اسم هيئة من الفَطْر وهو الخَلْق مثل الخِلقة كما بيّنه قوله ﴿ التي فَطَرَ الناس عليها ﴾ أي جَبَلَ الناسَ وخلقهم عليها، أي متمكنين منها.
فحرف الاستعلاء مستعار لتمكن ملابسة الصفة بالموصوف تمكناً يشبه تمكن المعتلي على شيء، وقد تقدم نظيره في قوله تعالى ﴿ أولئك على هدى من ربهم ﴾ في سورة البقرة (5)، وحقيقة المعنى: التي فطر الناس بها.
ومعنى فطر الناس على الدين الحنيف أن الله خلق الناس قابلين لأحكام هذا الدين وجعل تعاليمه مناسبة لخلقتهم غير مجافية لها، غير نائين عنه ولا منكرين له مثل إثبات الوحدانية لله لأن التوحيد هو الذي يساوق العقل والنظر الصحيح حتى لو ترك الإنسان وتفكيره ولم يلقَّن اعتقاداً ضالاً لاهتدى إلى التوحيد بفطرته.
قال ابن عطية: والذي يعتمد عليه في تفسير هذه اللفظة أي الفطرة أنها الخلقة والهيئة التي في نفس الإنسان التي هي مُعِدَّة ومُهَيِّئَة لأن يميز بها مصنوعات الله، ويستدل بها على ربه ويعرف شرائعه.
اه.
وإن لم أر من أتقن الإفصاح عن معنى كون الإسلام هو الفطرة فأبينه: بأن الفطرة هي النظام الذي أوجده الله في كل مخلوق، والفطرة التي تخص نوع الإنسان هي ما خلقه الله عليه جسداً وعقلاً، فمشي الإنسان برجليه فطرة جسدية، ومحاولته أن يتناول الأشياء برجليه خلاف الفطرة الجسدية، واستنتاج المسببات من أسبابها والنتائج من مقدماتها فطرة عقلية، ومحاولة استنتاج أمر من غير سببه خلاف الفطرة العقلية وهو المسمى في علم الاستدلال بفساد الوضع، وجزمنا بأن ما نبصره من الأشياء هو حقائق ثابتة في الوجود ونفس الأمر فطرة عقلية، وإنكار السوفسطائية ثبوت المحسوسات في نفس الأمر خلاف الفطرة العقلية.
وقد بين أبو علي ابن سينا حقيقة الفطرة في كتابه ﴿ النجاة ﴾ فقال: «ومعنى الفطرة أن يتوهم الإنسان نفسه حصل في الدنيا دفعة وهو عاقل لكنه لم يسمع رأياً ولم يعتقد مذهباً ولم يعاشر أمة ولم يعرف سياسة، ولكنه شاهَدَ المحسوسات وأخذ منها الحالات، ثم يَعرضَ على ذهنه شيئاً ويتشكك فيه فإن أمكنه الشك فالفطرة لا تشهد به وإن لم يمكنه الشك فهو ما توجبه الفطرة، وليس كل ما توجبه فطرة الإنسان بصادق إنما الصادق فطرة القوة التي تسمى عقلاً، وأما فطرة الذهن بالجملة فربما كانت كاذبة، وإنما يكون هذا الكذب في الأمور التي ليست محسوسة بالذات بل هي مبادئ للمحسوسات.
فالفطرة الصادقة هي مقدمات وآراء مشهورة محمودة أوجب التصديقَ بها: إما شهادة الكل مثل: أنَّ العدل جميل، وإما شهادة الأكثر؛ وإما شهادة العلماء أو الأفاضل منهم.
وليست الذائعات من جهة ما هي ذائعات مما يقع التصديق بها في الفطرة فما كان من الذائعات ليس بأوَّلي عقلي ولا وهَمِيّ فإنها غير فطرية، ولكنها متقررة عند الأنفس لأن العادة مستمرة عليها منذ الصبا وربما دعا إليها محبة التسالم والاصطناع المضطر إليهما الإنسان، أو شيء من الأخلاق الإنسانية مثل الحياء والاستئناس أو الاستقراءُ الكثير، أو كون القول في نفسه ذا شرط دقيق لأن يكون حقاً صِرفاً فلا يُفْطَن لذلك الشرط ويؤخذ على الإطلاق، اه.
فوصف الإسلام بأنه فطرة الله معناه أن أصل الاعتقاد فيه جار على مقتضى الفطرة العقلية، وأما تشريعاته وتفاريعه فهي: إما أمور فطرية أيضاً، أي جارية على وفق ما يدركه العقل ويشهد به، وإما أن تكون لصلاحه مما لا ينافي فطرته.
وقوانين المعاملات فيه هي راجعة إلى ما تشهد به الفطرة لأن طلب المصالح من الفطرة.
وتفصيل ذلك ليس هذا موضعه وقد بينته في كتابي المسمى «مقاصد الشريعة الإسلامية».
واعلم أن شواهد الفطرة قد تكون واضحة بينة وقد تكون خفية، كما يقتضيه كلام الشيخ ابن سينا، فإذا خفيت المعاني الفطرية أو التبست بغيرها فالمضطلعون بتمييزها وكشفها هم العلماء الحكماء الذين تمرسوا بحقائق الأشياء والتفريق بين متشابهاتها، وسبروا أحوال البشر، وتعرضت أفهامهم زماناً لتصاريف الشريعة، وتوسموا مراميها، وغاياتها وعصموا أنفسهم بوازع الحق عن أن يميلوا مع الأهواء.
إن المجتَمع الإنساني قد مُني عصوراً طويلة بأوهام وعوائد ومألوفات أدخلها عليه أهل التضليل، فاختلطت عنده بالعلوم الحق فتقاول الناس عليها وارتاضوا على قبولها، فالتصقت بعقولهم التصاق العنكبوت ببيته، فتلك يخاف منها أن تُتلقى بالتسليم على مرور العصور فيعسر إقلاعهم عنها وإدراكهم ما فيها من تحريف عن الحَق، فليس لتمييزها إلا أهل الرسوخ أصحاب العلوم الصحيحة الذين ضربوا في الوصول إلى الحقائق كلَّ سبيل، واستوضحوا خطيرها وسليمها فكانوا للسابلة خيرَ دليل.
وكونُ الإسلام هو الفطرة، وملازمة أحكامه لمقتضيَات الفطرة صفة اختص بها الإسلام من بين سائر الأديان في تفاريعه، أما أصوله فاشتركت فيها الأديان الإلهية، وهذا ما أفاده قوله ﴿ ذلك الدين القيّم.
﴾ فالإسلام عام خالد مناسب لجميع العصور وصالح بجميع الأمم، ولا يستتب ذلك إلا إذا بنيت أحكامه على أصول الفطرة الإنسانية ليكون صالحاً للناس كافة وللعصور عامة وقد اقتضى وصف الفطرة أن يكون الإسلام سمحاً يُسْراً لأن السماحة واليسر مبتغى الفطرة.
وفي قوله ﴿ التي فطر الناس عليها ﴾ بيان لمعنى الإضافة في قوله ﴿ فطرة الله ﴾ وتصريح بأن الله خلق الناس سالمةٌ عقولهم مما ينافي الفطرة من الأديان الباطلة والعادات الذميمة، وأن ما يدخل عليهم من الضلالات ما هو إلا من جرَّاء التلقي والتعود، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " يولد الولد على الفطرة ثم يكون أبواه هما اللذان يهودانه أو ينصِّرانه أو يُمجسانه كما تُنتَجُ البهيمةُ بهيمةً جمعاء هل تُحِسُّون فيها من جَدعاء " أي كما تولد البهيمة من إبل أو بقر أو غنم كاملة جمعاء أي بذيلها، أي تُولد كاملة ويعمد بعض الناس إلى قطع ذيلها وجدعه وهي الجدعاء، و(تُحسون) تدركون بالحس، أي حاسّة البصر.
فجعل اليهودية والنصرانية مخالفة الفطرة، أي في تفاريعهما.
وفي «صحيح مسلم» أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيما يرويه عن ربه: " وإني خلقت عبادي حُنفاء كلهم أي غير مشركين وأنهم أتتهم الشياطين فأجالتهم عن دينهم وحرَّمت عليهم ما أحلَلْتُ لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً " الحديث وجملة ﴿ لا تبديل لخلق الله ﴾ مبيِّنة لمعنى ﴿ فطرة الله التي فطر الناس عليها ﴾ فهي جارية مجرى حال ثالثة من ﴿ الدّين ﴾ على تقدير رابط محذوف.
والتقدير: لا تبديل لخلق الله فيه، أي في هذا الدين، فهو كقوله في حديث أم زرع في قول الرابعة: زوجي كلَيْل تهامة لا حرَّ ولا قُرَّ ولا مخافة ولا سآمة أي في ذلك الليل.
فمعنى ﴿ لا تبديل لخلق الله ﴾ أنه الدين الحنيف الذي ليس فيه تبديل لخلق الله خلاف دين أهل الشرك، قال تعالى عن الشيطان: ﴿ ولآمرنهم فَلُيغيِّرُنَّ خلقَ الله ﴾ [النساء: 119].
ويجوز أن تكون جملة ﴿ لا تبديل لخلق الله ﴾ معترضة لإفادة النهي عن تغيير خلق الله فيما أودعه الفطرة.
فتكون ﴿ لا تبديل لخلق الله ﴾ خبراً مستعملاً في معنى النهي على وجه المبالغة كقوله ﴿ لا تَقْتُلوا أنفسكم ﴾ [النساء: 29].
فنفي الجنس مراد به جنس من التبديل خاص بالوصف لا نفي وقوع جنس التبديل فهو من العام المراد به الخصوص بالقرينة.
واسم الإشارة لزيادة تمييز هذا الدين مع تعظيمه.
و {القيِّم: وصف بوزن فَيْعِل مثل هيِّن وليِّن يفيد قوة الاتصاف بمصدره، أي البالغ قوة القيام مثل استقام الذي هو مبالغة في قام كاستجاب.
والقيام: حقيقته الانتصابُ ضد القعود والاضطجاع، ويطلق مجازاً على انتفاء الاعوجاج يقال: عود مستقيم وقيم، فإطلاق القيم على الدين تشبيه انتفاء الخطإ عنه باستقامة العود وهو من تشبيه المعقول بالمحسوس، كما في قوله تعالى: ﴿ ولم يجعل له عِوجاً قيماً ﴾ [الكهف: 1، 2] وقال تعالى: في سورة براءة (36).
ويطلق أيضاً على الرعاية والمراقبة والكفالة بالشيء لأنها تستلزم القيام والتعهد قال تعالى ﴿ أفَمَنْ هو قائم على كل نفس بما كسبت ﴾ [الرعد: 33]، ومنه قلنا لراعي التلامذة ومراقب أحوالهم: قَيِّم.
ويطلق القيم على المهيمن والحافظ.
والمعاني كلها صالحة للحمل عليها هنا، فإن هذا الكتاب معصوم عن الخطأ ومتكفل بمصالح الناس، وشاهد على الكتب السالفة تصحيحاً ونسخاً قال تعالى: ﴿ وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه ﴾ وتقدم في طالع سورة المائدة (48).
فهذا الدين به قوام أمر الأمة.
قال عمر بن الخطاب لمعاذ بن جبل: يا معاذ ما قِوام هذه الأمة؟
قال: الإخلاص وهو الفطرة التي فطر الله الناس عليها، والصلاة وهي الدين، والطاعة وهي العصمة، فقال عمر: صدقت.
يريد معاذٌ بالإخلاص التوحيد كقوله تعالى ﴿ مخلصين له الدين حنفاء ﴾ [البينة: 5].
والاستدراك في قوله ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ لدفع توهم واهِم يقول إذا كان هو دين الفطرة وهو القيِّم فكيف أعرض كثير من الناس عنه بعد تبليغه، فاستدرك ذلك بأنهم جهال لا علم عندهم فإن كان قد بلغهم فإنهم جهلوا معانيه لإعراضهم عن التأمل ولا يعلمون منه إلا ما لا يفيدهم مُهمهم لأنهم لم يسعوا في أن يَبلغهم على الوجه الصحيح؛ ففعل ﴿ لا يعلمون ﴾ غير متطلب مفعولاً بل هو منزل منزلة اللازم لأن المعنى لا علم عندهم على نحو ما قرر في نظيره في أول هذه السورة.
والمراد ب ﴿ أكثر الناس ﴾ المشركون إذ أعرضوا عن دعوة الإسلام، وأهلُ الكتاب إذ أبوا اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم ومفارقة أديانهم بعد إبطالها لانتهاء صلاحية تفاريعها بانقضاء الأحوال التي شرعت لها انقضاء لا مطمع بعده لأن تعود.
ومقابل ﴿ أكثر الناس ﴾ هم المؤمنون، وشرذمة من علماء أهل الكتاب علموا أحقية الإسلام وبقُوا على أديانهم عناداً: فهم يعلمون ويكابرون، أو تحيُّراً: فهم في شك بين علم وجهل.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأقِمْ وجْهَكَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: قَصْدَكَ.
الثّانِي: دِينَكَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: عَمَلَكَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
﴿ لِلدِّينِ حَنِيفًا ﴾ فِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مُسْلِمًا، وهَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ.
والثّانِي: مُخْلِصًا، وهَذا قَوْلُ خُصَيْفٍ.
الثّالِثُ: مُتَّبِعًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الرّابِعُ: مُسْتَقِيمًا، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.
الخامِسُ: حاجًّا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
السّادِسُ: مُؤْمِنًا بِالرُّسُلِ كُلِّهِمْ، قالَهُ أبُو قِلابَةَ.
﴿ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها ﴾ فِيها تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: صَنْعَةَ اللَّهِ الَّتِي خَلَقَ النّاسَ عَلَيْها، قالَهُ الطَّبَرِيُّ.
الثّانِي: دِينَ اللَّهِ الَّذِي فَطَرَ خَلْقَهُ عَلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ والكَلْبِيُّ يُرِيدُ بِهِ الإسْلامَ وقَدْ رَوى عَطاءٌ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: « (مِن فِطْرَةِ إبْراهِيمَ السُّواكُ)» ومِن قَوْلِ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ إنْ تَقْتُلُونا فَدِينُ اللَّهِ فِطْرَتُنا والقَتْلُ في الحَقِّ عِنْدَ اللَّهِ تَفْضِيلُ ﴿ لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: لا تَبْدِيلَ لِدِينِ اللَّهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ.
الثّانِي: لا تَغْيِيرَ لِخَلْقِ اللَّهِ مِنَ البَهائِمِ أنْ يُخْصِيَ فَحُولَها، قالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ.
الثّالِثُ: لا تَبْدِيلَ خالِقٍ غَيْرَ اللَّهِ فَيَخْلُقُ كَخَلْقِ اللَّهِ، لِأنَّهُ خالِقٌ يَخْلُقُ، وغَيْرُهُ مَخْلُوقٌ لا يَخْلُقُ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ بَحْرٍ.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا، لا يَشْقى مَن خَلَقَهُ سَعِيدًا ولا يَسْعَدُ مَن خَلَقَهُ شَقِيًّا.
﴿ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: ذَلِكَ الحِسابُ البَيِّنُ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ.
الثّانِي: ذَلِكَ القَضاءُ المُسْتَقِيمُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ أيْ لا يَتَفَكَّرُونَ فَيَعْلَمُونَ أنَّ لَهم خالِقًا مَعْبُودًا وإلَهًا قَدِيمًا: قَوْلُهُ: ﴿ مُنِيبِينَ إلَيْهِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مُقْبِلِينَ إلَيْهِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ والفَرّاءُ.
الثّانِي: داعِينَ إلَيْهِ، قالَهُ عُبَيْدُ بْنُ يَعْلى.
الثّالِثُ: مُطِيعِينَ لَهُ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ.
الرّابِعُ: تائِبِينَ إلَيْهِ مِنَ الذُّنُوبِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي قَيْسِ بْنِ الأسْلَتِ: فَإنْ تابُوا فَإنَّ بَنِي سُلَيْمٍ ؎ وقَوْمَهُمُ هَوازِنُ قَدْ أنابُوا وَفِي أصْلِ الإنابَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ أصْلَهُ القَطْعُ ومِنهُ أُخِذَ اسْمُ النّابِ لِأنَّهُ قاطِعٌ فَكَأنَّ الإنابَةَ هي الِانْقِطاعُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِالطّاعَةِ.
الثّانِي: أنَّ أصْلَهُ الرُّجُوعُ مَأْخُوذٌ مِن نابَ يَنُوبُ إذا رَجَعَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ ومِنهُ النَّوْبَةُ لِأنَّها الرُّجُوعُ إلى عادَةٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ ﴾ أيْ أوْقَعُوا فِيهِ الِاخْتِلافَ حَتّى صارُوا فِرَقًا وقُرِئَ ( فارَقُوا دِينَهم ) أيْ تَرَكُوهُ وقَدْ قَرَأ بِذَلِكَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وهي قِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ وفِيهِمْ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُمُ اليَهُودُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ مَعْمَرٌ.
الثّالِثُ: أنَّهُمُ الخَوارِجُ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، وهَذا قَوْلُ أبِي هُرَيْرَةَ ورَواهُ أبُو أُمامَةَ مَرْفُوعًا.
الرّابِعُ: أنَّهم أصْحابُ الأهْواءِ والبِدَعِ، رَوَتْهُ عائِشَةُ مَرْفُوعًا.
﴿ وَكانُوا شِيَعًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فِرَقًا، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: أدْيانًا، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّهم أنْصارُ الأنْبِياءِ وأتْباعُهم.
﴿ كُلُّ حِزْبٍ ﴾ أيْ فِرْقَةٍ.
﴿ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾ أيْ بِما عِنْدَهم مِنَ الضَّلالَةِ.
﴿ فَرِحُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَسْرُورُونَ، قالَهُ الجُمْهُورُ.
الثّانِي: مُعْجَبُونَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّالِثُ: مُتَمَسِّكُونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فطرة الله التي فطر الناس عليها ﴾ قال: الدين الإِسلام ﴿ لا تبديل لخلق الله ﴾ قال: لدين الله.
أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فطرة الله التي فطر الناس عليها ﴾ قال: الإِسلام.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ فطرة الله التي فطر الناس عليها ﴾ قال: دين الله الذي فطر خلقه عليه.
وأخرج الحكيم في نوادر الأصول عن مكحول رضي الله عنه.
أن الفطرة معرفة الله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ لا تبديل لخلق الله ﴾ قال: دين الله ﴿ ذلك الدين القيم ﴾ قال: القضاء القيم.
وأخرج ابن مردويه عن حماد بن عمر الصفار قال: سألت قتادة رضي الله عنه عن قوله: ﴿ فطرة الله التي فطر الناس عليها ﴾ فقال: حدثني أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ﴿ فطرة الله التي فطر الناس عليها ﴾ قال: دين الله» .
وأخرج ابن جرير عن معاذ بن جبل رضي الله عنه؛ إن عمر رضي الله عنه قال له: ما قوام هذه الأمة؟
قال: ثلاث وهي المنجيات.
الاخلاص: وهي الفطرة التي فطر الناس عليها.
والصلاة: وهي الملة.
والطاعة: وهي العصمة.
فقال عمر رضي الله عنه: صدقت.
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير رضي الله عنه ﴿ لا تبديل لخلق الله ﴾ قال: لدين الله.
وأخرج ابن جرير عن عكرمة وقتادة والضحاك وإبراهيم وابن زيد، مثله.
وأخرج البخاري ومسلم وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، وينصرانه، ويمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء» ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه: «اقرأوا ان شئتم ﴿ فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ﴾ » .
وأخرج مالك وأبو داود وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، وينصرانه، كما تنتج الابل من بهيمة جمعاء هل تحس من جدعاء؟
قالوا: يا رسول الله أفرأيت من يموت وهو صغير؟
قال: الله أعلم بما كانوا عاملين» .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد والنسائي والحاكم وصححه وابن مردويه عن الأسود بن سريع رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية إلى خيبر فقاتلوا المشركين، فانتهى بهم القتل إلى الذرية، فلما جاؤوا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ما حملكم على قتل الذرية؟
قالوا: يا رسول الله إنما كانوا أولاد المشركين!
قال: وهل خياركم إلا أولاد المشركين؟
والذي نفسي بيده ما من نسمة تولد إلا على الفطرة حتى يعرب عنها لسانها» .
<div class="verse-tafsir"
قال مقاتل: ثم قال للنبي - -: إن لم يوحدْ كفارُ مكة ربَّهم فوحدْ أنت ربَّك، وهو قوله: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ ﴾ فالمعنى: فأخلص دينك (١) (٢) والوجه في اللغة: ما يُتوجه إليه، وعملُ الإنسان ودينُه مما يَتوجه إليه الإنسانُ لتسديده وإقامته.
وذكرنا ذلك عند قوله: ﴿ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ ﴾ (٣) قوله: ﴿ لِلدِّينِ حَنِيفًا ﴾ معناه على التقديم والتأخير، أي: حنيفًا للدين، أي: مائلاً إلى الطاعة، مستقيمًا عليها لا ترجع عنها.
قال أبو إسحاق: والحنيف الذي يميل إلى الشيء فلا يرجع عنه (٤) قوله: ﴿ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾ قال عكرمة ومجاهد: الإسلام.
وهو قول الحسن (٥) وقال مقاتل: ﴿ فِطْرَتَ اللَّهِ ﴾ الملة، وهي: الإسلام والتوحيد الذي خلقهم عليه يوم أخذ الميثاق حين قال: ﴿ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى ﴾ فأقروا له بالربوبية والمعرفة (٦) (٧) فذكره (٨) (٩) (١٠) وقال رسول الله - - في الغلام الذي قتله الخضر: "طبعه والله يوم طبعه كافرًا" (١١) وبيان هذا الإشكال أن يقال: المراد بالناس هاهنا: المؤمنون الذين فطرهم الله على الإسلام يوم أخذ الميثاق؛ لأن المشرك لم يفطر على الإسلام، فلفظ الناس عام والمراد منه الخصوص.
هذا وجه قول المفسرين في هذه الآية، وهو اختيار أبي الهيثم؛ قال في هذه الآية: هذه فطرة فُطر عليها المؤمن (١٢) وذهب إسحاق (١٣) أن النبي - - قال: "كل مولود يولد على الفطرة" الحديث (١٤) ﴿ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾ أي: من الشقاوة والسعادة.
والدليل على هذا قوله: ﴿ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ﴾ أي: لا تبديل لما خلقهم له من جنة أو نار (١٥) وقال الأزهري: والقول قول أبي إسحاق (١٦) (١٧) ﴿ فِطْرَتَ اللَّهِ ﴾ على المصدر.
وهو قول الأخفش قال: كأنه قال: فَطَرَ الله تلك فِطرَةً (١٨) (١٩) معنى الآية: أن الكلام قد تم عند قوله: ﴿ حَنِيفًا ﴾ ثم أخبر -عز وجل- أنه خلق الخلق على ما أراد من شقاوة وسعادة، ولا تبديل لذلك.
وفيه إشارة إلى أن الكفار الذين سبق ذكرهم خُلقوا للنار، وأن النبي - - والمؤمنين خلقوا للجنة؛ لأن قوله: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ ﴾ خطاب له وللمؤمنين، يدل عليه قوله بعد هذا: ﴿ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ﴾ بلفظ الجمع، وإن قلنا: إن ﴿ فِطْرَتَ اللَّهِ ﴾ يعني: دين الله التوحيد، على ما ذكر المفسرون فانتصابها يكون بالإغراء، وهو قول الزجاج، وقال: ﴿ فِطْرَتَ اللَّهِ ﴾ منصوب، بمعنى: اتبع فطرة الله؛ لأن معنى: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ ﴾ اتبع الدين القيم، اتبع فطرة الله.
قوله تعالى: ﴿ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ﴾ قد ذكرنا معناه: لا تبديل لما خلقهم له.
وقال مجاهد وإبراهيم: الدين: الإسلام، و ﴿ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ﴾ لدين الله (٢٠) ﴿ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ﴾ قال مقاتل: يعني التوحيد هو الدين المستقيم ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ ﴾ يعني: كفار مكة ﴿ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ بتوحيد الله (٢١) (١) "تفسير مقاتل" 79 أ.
(٢) ذكره الماوردي عن الكلبي.
"النكت والعيون" 4/ 311.
(٣) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: معنى قوله: ﴿ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ ﴾ أي: بذل وجهه له في السجود، وعلى هذا أسلم بمعنى: سلم ..
قال ابن الأنباري: والمسلم على هذا هو المخلص لله العبادة ..
وقال قوم من أهل المعاني: ﴿ أَسْلَمَ وَجْهَهُ ﴾ أي: أسلم نفسه وجميع بدنه لأمر الله، والعرب تستعمل الوجه وهم يريدون نفس الشيء إلا أنهم يذكرونه باللفظ الأشرف كما قال: ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ﴾ وقال جماعة: الوجه قد يقع صلة في الكلام؛ فقوله: ﴿ أَسْلَمَ وَجْهَهُ ﴾ أي: انقاد هو لله.
ومثله: ﴿ فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ ﴾ .
(٤) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 184، وفيه: كالحَنَف في الرِجل، وهو ميلها إلى خارجها خِلقة، لا يملك الأحنف أن يَرد حَنفه.
(٥) أخرجه ابن جرير 21/ 40، عن مجاهد من طريق الحسن، وأخرجه كذلك عن عكرمة 21/ 41.
(٦) "تفسير مقاتل" 79 أ.
ونحوه قال ابن قتيبة، ولفظه: أي: خلقة الله التي خلق الناس عليها؛ وهي أن فطرهم جميعًا على أن يعلموا أن لهم خالقًا ومدبرًا.
"غريب القرآن" ص 341.
(٧) أخرجه ابن جرير 21/ 40.
(٨) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 184.
قال ابن كثير 6/ 314: "فإن الله تعالى فطر خلقه على معرفته وتوحيده، وأنه لا إله غيره ..
وسنذكر في الأحاديث أن الله تعالى فطر خلقه على الإسلام، ثم طرأ على بعضهم الأديان الفاسدة كاليهودية أو النصرانية أو المجوسية".
(٩) لعل الواحدي يشير بذلك إلى حديث أم المؤمنين عائشة ا قالت: دعي رسول الله - - إلى جنازة صبي من الأنصار، فقلت: يا رسول الله طوبى لهذا عصفور من عصافير الجنة؛ لم يعمل السوء، ولم يدركه، قال: "أو غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق للجنة أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم".
أخرجه مسلم 4/ 2050 في القدر (2662).
(١٠) أخذ الميثاق على ذرية آدم - -، ثابت في حديث أنس - -، عن النبي - -: (إن الله يقول لأِهون أهل النار عذابا: لو أن لك ما في الأرض من شيء كنت تفتدي به؟
قال: نعم، قال: فقد سألتك ما هو أهون من هذا وأنت في صلب آدم أن لا تشرك بي فأبيت إلا الشرك).
متفق عليه، البخاري، كتاب الأنبياء، رقم (3334)، "فتح الباري" 6/ 363، ومسلم 4/ 2160، كتاب صفات المنافقين، رقم (2805).
ومن ذلك أيضًا حديث كلثوم بن جبر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي - -، قال: "أخذ الله الميثاق من ظهر آدم فأخرج من صلبه ذرية ذراها فنثرهم نثرًا بين يديه كالذر، ثم كلمهم فقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾.
أخرجه الحاكم 1/ 80، كتاب: الإيمان، رقم (75)، وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وقد احتج مسلم بكلثوم بن جبر، ووافقه الذهبي.
وأخرجه من الطريق نفسه ابن أبي عاصم في كتاب السنة (89).
ورجح ابن كثير 3/ 502، وقف هذا الحديث على ابن عباس.
وحسن رفعه الألباني، "السلسلة الصحيحة" 4/ 158، رقم (1623)، لكونه واردًا في تفسير القرآن فيأخذ حكم الرفع، ولوروده من طرق أخرى مرفوعًا، وإن كان فيها ضعفٌ.
والأول غير مسلم؛ إذ إن الروايات الإسرائيلية في التفسير قد تصح إسنادًا إلى بعض الصحابة، ومصدرها الأخذ عن بني إسرائيل؛ فهل يُجزم بأخذها حكم المرفوع.
والله أعلم.
هذا ما يتعلق بأصل أخذ الميثاق وثبوته، أما ما ذكره الواحدي من تفصيلهم إلى فريقين، سود وبيض، فقد ورد ذكر ذلك في حديث أبي الدرداء - -، قال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثني أبي ثنا هيثم وسمعته أنا منه قال ثنا أبو الربيع عن يونس عن أبي إدريس عن أبي الدرداء عن النبي - -، قال: "خلق الله آدم حين خلقه فضرب كتفه اليمنى فأخرج ذرية بيضاء كأنهم الذَّر وضرب كتفه اليسرى فأخرج ذرية سوداء كأنهم الحَمَم، فقال للذي في يمينه إلى الجنة ولا أبالي، وقال == للذي في كفه اليسرى إلى النار ولا أبالي".
"المسند" 10/ 417، رقم (27558).
وصححه الألباني؛ السلسلة الصحيحة رقم (49).
(١١) أخرجه مسلم 4/ 2050، كتاب: القدر، رقم (2661)، ولفظه: "إن الغلام الذي قتله الخضر طُبع كافرًا، ولو عاش لأرهق أبويه طغيانًا وكفرًا".
وأخرجه الترمذي 5/ 292، كتاب "تفسير القرآن"، رقم (3150).
(١٢) ذكره عن أبي الهيثم الأزهري، "تهذيب اللغة" 13/ 326.
وما ذهب إليه الواحدي واختاره أبو الهيثم في دفع الإشكال في الجمع بين الآية والحديث غير وجيه؛ والصواب أن لفظ الناس في قوله تعالى: ﴿ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾ باقٍ على عمومه لم يدخله التخصيص، يشهد لذلك آية سورة الأعراف: 172 ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ ..
﴾ فلم يُستثن من الذرية أحد، وعليه فحديث: كل مولود يولد على الفطرة، يدل على أن المولود ولد على الفطرة سليمًا، وولد على أن هذه الفطرة السليمة يغيرها الأبوان كما قدَّر الله تعالى ذلك وكتبه، كما مثل النبي - - ذلك بقوله في آخر الحديث: (كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء) فبين أن البهيمة تولد سليمة ثم يُجدعها الناس؛ وذلك بقضاء الله وقدره فكذلك المولود يولد على الفطرة سليمًا ثم يفسده أبواه؛ وذلك أيضًا بقضاء الله وقدره "درء تعارض العقل والنقل" 8/ 361.
وأما حديث الغلام الذي قتله الخضر فقول النبي - - فيه: "طبع يوم طبع كافرًا" معناه: طُبع في الكتاب أيَ قُدَّر وقُضي لا أنه كان كفره موجودًا قبل أن يولد فهو == مولود على الفطرة السليمة، وعلى أنه بعد ذلك يتغير فيكفر، كما طُبع كتابه يوم طُبع.
ومن ظن أن المراد به الطبع على قلبه، وهو الطبع المذكور على قلوب الكفار، فهو غالط؛ فإن ذلك لا يُقال فحِه: طُبع يوم طُبع إذ كان الطبع على قلبه إنما يوجد بعد كفره.
وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره عن عياض بن حمار عن النبي - - فيما يروي عن ربه تعالى أنه قال: "خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا".
وهذا صريح في أنه خلقهم على الحنيفية وأن الشياطين اجتالتهم بعد ذلك.
وكذلك في حديث الأسود بن سَرِيع الذي رواه أحمد وغيره قال بعث النبي - - سرية، فأفضى بهم القتل إلى الذرية، فقال لهم النبي - -: "ما حملكم على قتل الذرية؟
" قالوا: يا رسول الله أليسوا أولاد المشركين؟
قال: "أو ليس خياركم أولاد المشركين"، ثم قام النبي - -، خطيبًا فقال: "ألا إن كل مولود يولد على الفطرة حتى يُعرب عنه لسانه".
فخطبته لهم بهذا الحديث عقب نهيه لهم عن قتل أولاد المشركين، وقوله لهم: أو ليس خياركم أولاد المشركين، يبين أنه أراد أنهم ولدوا غير كفار ثم الكفر طرأ بعد ذلك، ولو كان أراد أن المولود حين يولد يكون إما كافرًا وإما مسلمًا على ما سبق له القدر لم يكن فيما ذكره حجة على ما قصده - - من نهيه لهم عن قتل أولاد المشركين.
"درء تعارض العقل والنقل" 8/ 362.
وحديث الأسود بن سَرِيع أخرجه الإمام أحمد 24/ 354، رقم (15588)، ط/ الرسالة، وقال محققو المسند: رجاله ثقات رجال الشيخين، إلا أن الحسن البصري لم يسمع من الأسود بن سَرِيع.
وأخرج الحديث الحاكم 2/ 133، رقم (2566)، وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، قال الذهبي: تابعه يونس عن الحسن حدثنا الأسود بن سريع بهذا على شرط البخاري ومسلم.
وأخرجه البيهقي، السنن الكبرى 9/ 130، قال البيهقي: قال الشافعي في رواية أبي عبد الرحمن عنه: "هي الفطرة التي فطر الله عليها الخلق فجعلهم ما لم يفصحوا بالقول لا حكم لهم في أنفسهم إنما الحكم لهم بآبائهم".
(١٣) هو إسحاق بن إبراهيم الحنظلي؛ صرح بذلك الأزهري، "تهذيب اللغة" 13/ 328 (فطر).
(١٤) متفق عليه من حديث أبي هريرة، البخاري، كتاب: الجنائز، رقم (1359)، "فتح الباري" 3/ 219، ومسلم 4/ 2047، كتاب: القدر، رقم (2658).
(١٥) ذكر قول إسحاق: الأزهري، "تهذيب اللغة" 13/ 329 (فطر).
(١٦) هكذا في النسختين: أبي إسحاق؛ والصواب: إسحاق، كما في "تهذيب اللغة" 13/ 329.
(١٧) الصواب القول الأول الذي عليه المفسرون من الصحابة والتابعين؛ وهو أن الفطرة المراد بها: الإسلام، وقوله: ﴿ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ﴾ أي: لدين الله؛ قال ابن عبد البر: "وقال آخرون: الفطرة هاهنا: الإسلام؛ قالوا: وهو المعروف عند عامة السلف أهل التأويل، وقد أجمعوا في تأويل قوله -عز وجل-: ﴿ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾ على أن قالوا: ﴿ فِطْرَتَ اللَّهِ ﴾ دين الله الإسلام، واحتجوا بقول أبي هريرة في هذا الحديث: اقرأوا إن شئتم: ﴿ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾ وذكروا == عن عكرمة ومجاهد والحسن وإبراهيم والضحاك وقتادة في قول الله -عز وجل-: ﴿ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾ قالوا: ﴿ فِطْرَتَ اللَّهِ ﴾ دين الله الإسلام ﴿ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ﴾ قالوا لدين الله".
نقله عنه شيخ الإسلام، "درء تعارض العقل والنقل" 8/ 367.
ويدل لذلك ما أخرجه ابن جرير 21/ 41، عن ابن عباس أنه سئل عن إخصاء البهائم فكرهه؛ وقال: ﴿ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ﴾ وعن عكرمة ومجاهد كذلك.
قال شيخ الإسلام: "لا منافاة بينهما كما قال تعالى: ﴿ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ﴾ فتغيير ما خلق الله عليه عباده من الدين تغيير لخلقه، والخِصاءُ وقطع الأُذن أيضًا تغيير لخلقه، ولهذا شبه النبي - -، أحدهما بالآخر في قوله: "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، كما تُنتج البهيمة بهيمةً جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء" فأولئك يغيرون الدين، وهؤلاء يغيرون الصورة بالجَدْع والخِصاء، هذا تغيير لما خُلقت عليه نفسه، وهذا تغيير ما خُلق عليه بدنه".
(١٨) "معاني القرآن" 2/ 657.
(١٩) "معاني القرآن" للفراء 2/ 324، ولفظه: يريد: دينَ الله، منصوب على الفعل.
(٢٠) أخرجه عبد الرزاق 2/ 103، عن قتادة وقال عبد الرزاق: وقال معمر: كان الحسن يقول: فطرة الله الإسلام.
وأخرجه ابن جرير 21/ 41، عن مجاهد، وعكرمة، وقتادة، وسعيد بن جبير، والضحاك، وابن زيد، وإبراهيم النخعي.
وصحح إسناد ابن جرير إلى مجاهد شيخ الإسلام ابن تيمية.
"درء تعارض العقل والنقل" 8/ 374.
وبوَّب البخاري في "صحيحه" فقال: باب ﴿ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ﴾ : لدين الله.
"فتح الباري" 8/ 512.
(٢١) "تفسير مقاتل" 79 أ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ ﴾ هو دين الإسلام، وإقامة الوجه في الموضعين من السورة عبارة عن الإقبال عليه والإخلاص فيه في قوله: ﴿ فَأَقِمْ ﴾ ، و ﴿ القيم ﴾ ضرب من ضروب التجنيس ﴿ فِطْرَتَ الله ﴾ منصوب على المصدر: كقوله: صبغة الله أو مفعولاً بفعل مضمر تقديره: الزموا فطرة الله، أو عليكم فطرة الله، ومعناه خلقة الله، والمراد به دين الإسلام، لأن الله خلق الخلق عليه، إذ هو الذي تقتضيه عقولهم السليمة، وإنما كفر من كفر لعارض أخرجه عن إصل فطرته، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه أو ينصرانه» .
﴿ لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله ﴾ يعني بخلق الله الفطرة التي خلق الناس عليها من الإيمان، ومعنى أن الله لا يبدلها، أي لا يخلق الناس على غيرها، ولكن يبدلها شياطين الإنس والجن بعد الخلقة الأولى، أو يكون المعنى أن تلك الفطرة لا ينبغي للناس أن يبدلوها، فالنفي على هذا حكم لا خبر وقيل: إنه على الخصوص في المؤمنين؛ أي لا تبديل لفطرة الله في حق من قضى الله أنه يثبت على إيمانه، وقيل: إنه نهى عن تبديل الخلقة كخصاء الفحول من الحيوان، وقطع آذانها وشبه ذلك.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ عاقبة ﴾ بالنصب: ابن عامر وعاصم وحمزة وعلي وخلف.
الآخرون: بالرفع.
﴿ السوأى ﴾ بالإمالة: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وحماد ﴿ يرجعون ﴾ على الغيبة: أبو عمرو غير عباس وأوقية وسهل ويحيى وحماد ﴿ تخرجون ﴾ بفتح التاء وضم الراء: حمزة وعلي وخلف.
الباقون: مجهولاً ﴿ للعالمين ﴾ بكسر اللام: حفص يفصل على الغيبة: عباس.
الآخرون: بالنون.
الوقوف: ﴿ ألم ﴾ كوفي ﴿ غلبت ﴾ ﴿ الروم ﴾ ه ﴿ سيغلبون ﴾ ه ﴿ سنين ﴾ ه ﴿ ومن بعد ﴾ ط ﴿ المؤمنون ﴾ ه ﴿ ينصر الله ﴾ ط وكلاهما مبني على أن قوله ﴿ بنصر الله ﴾ يتعلق بـ ﴿ يفرح ﴾ ﴿ ينصر من يشاء ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ وعد الله ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين والوصل أولى ﴿ غافلون ﴾ ه ﴿ في أنفسهم ﴾ ط لحق الحذف أي فيعلموا ذلك أو فيقولوا هذا القول ﴿ مسمى ﴾ ط ﴿ لكافرون ﴾ ه ﴿ من قبلهم ﴾ ط ﴿ بالبينات ﴾ ط ﴿ يظلمون ﴾ ه لا لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ يستهزؤن ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ المجرمون ﴾ ه والوصل جائز ﴿ كافرين ﴾ ه ﴿ يتفرقون ﴾ ه ﴿ يجبرون ﴾ ه ﴿ محضرون ﴾ ه ﴿ تصبحون ﴾ ه ﴿ تظهرون ﴾ ه ﴿ بعد موتها ﴾ ط ﴿ تخرجون ﴾ ه ﴿ تنتشرون ﴾ ه ﴿ ورحمة ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ وألوانكم ﴾ ط ﴿ للعالمين ﴾ ه ﴿ من فضله ﴾ ط ﴿ يسمعون ﴾ ه ﴿ موتها ﴾ ط ﴿ يعقلون ﴾ ه ﴿ بأمره ﴾ ط لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ دعوة ﴾ لا وقيل: على من الأرض وكلاهما تعسف.
والحق أن قوله ﴿ من الأرض ﴾ متعلق بـ ﴿ دعاكم ﴾ كقولك دعوت زيداً من بيته لا كقولك دعوته من بيتي ﴿ تخرجون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ قانتون ﴾ ه ﴿ أهون عليه ﴾ ج ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ من أنفسكم ﴾ ط لانتهاء الإخبار إلى الاستفهام ﴿ كخيفتكم أنفسكم ﴾ ط ﴿ يعقلون ﴾ ه ﴿ بغير علم ﴾ ج لابتداء الاستفهام مع الفاء ﴿ أضل الله ﴾ ط لتمام الاستفهام وابتداء النفي ﴿ ناصرين ﴾ ه ﴿ حنيفا ﴾ ط ﴿ عليها ﴾ ط ﴿ لخلق الله ﴾ ط ﴿ القيم ﴾ ه لا للاستدراك ﴿ لا يعلمون ﴾ ه وقيل: لا وقف عليه بناء على أن ﴿ منيبين ﴾ حال من ضمير ﴿ أقم ﴾ على أن الأمر له ولأمته مثل ﴿ يا أيها النبي إذا طلقتم ﴾ والوقف أوضح لبعد العامل عن المعمول بل التقدير: كونوا منيبين بدليل قوله ﴿ ولا تكونوا من المشركين ﴾ لأن قوله ﴿ من الذين ﴾ كالبدل مما قبله ﴿ شيعاً ﴾ ط ﴿ فرحون ﴾ ه.
التفسير: وجه تعلق السورة بما قبلها هو أنه كان يقول للمشركين ماأمر الله به ﴿ صم بكم عمي فهم لا يعقلون ﴾ وكان يحقر آلهتهم وينسبها إلى العجز وعدم النفع والضر، وكان أهل الكتاب يوافقون المسلمين في الإله وفي كثير من الأحكام ولذلك قال ﴿ ولا تجادلوا أهل الكتاب ﴾ إلى قوله ﴿ وإلهنا وإلهكم واحد ﴾ فلا جرم أبغض المشركون أهل الكتاب وتركوا مراجعتهم في الأمور.
فاتفق أن بعث كسرى جيشاً إلى الروم واستعمل عليهم رجلاً يقال له شهريران، فسار إلى الروم بأهل فارس فظفر عليهم وقتلهم وخرب مدائنهم.
وكان قيصر بعث رجلاً يدعى بجنس فالتقى مع شهريران بأذرعات وبصرى وهو أدنى الشأم إلى أرض العرب وإليه الإشارة بقوله ﴿ أدنى الأرض ﴾ لأن الأرض المعهودة عند العرب هي أرضهم أي غلبوا في أقرب أرض العرب منهم وهي أطراف الشأم.
وجوز جار الله أن يراد بأرضهم على إنابة اللام مناب المضاف إليه أي في أدنى أرضهم إلى عدوهم.
وهذا تفسير مجاهد لأنه قال: هي أرض الجزيرة وهي أدنى أرض الروم إلى فارس.
عن ابن عباس: الأردن وفلسطين.
ففرح المشركون بذلك فأنزل الله هذه الآيات لبيان أن الغلبة لا تدل على الحق فقد يبتلى المحبوب ويعجل عذابه ليسلم في الآجل.
وقوله ﴿ في أدنى الأرض ﴾ إشارة إلى ضعفهم أي انتهى ضعفهم إلى أن وصل عدوهم إلى طريق الحجاز وكسروهم وهم في بلادهم.
ثم بين أن الروم سيغلبون غلبة عظيمة بعد ذلك الضعف العظيم، وكل ذلك دليل على أن الأمر بيد الله من قبل الغلبة ومن بعدها، أو من قبل تلك المدة ومن بعد ذلك، وقد وقع كما أخبر فغلبت الروم على فارس حتى وصلوا إلى المدائن وبنوا هنالك الرومية، قال المفسرون: لما نزلت الآية قال أبو بكر للمشركين: لا أقر الله أعينكم، والله ليظهرن الروم على فارس بعد بضع سنين.
فقال له أبي ابن خلف: كذبت يا أبا فضيل اجعل بيننا أجلاً أناحبك عليه، فخاطره على عشر قلائص من كل واحد منهما وجعل الأجل ثلاث سنين.
فأخبر أبو بكر رسول الله فقال: البضع ما بين الثلاث إلى التسع فزايده في الخطر وماده في الأجل فجعلاها مائة قلوص إلى تسع سنين.
فلما أراد ابو بكر أن يخرج من مكة أتاه أبي فلزمه وطلب كفيلاً فكفله ابنه عبد الله بن أبي بكر، فلما أراد أن يخرج إلى أحد أتاه عبدالله فلزمه إلى أن أقام كفيلاً ثم خرج إلى أحد ثم رجي أبي فمات بمكة من جراحته التي جرحها رسول الله فظهرت الروم على فارس يوم الحديبية.
وذلك عند رأس سبع سنين.
فأخذ أبو بكر الخطر من ذرية أبي وجاء به إلى رسول الله فأمره أن يتصدق به.
قالت العلماء: إنما أبهم الوقت لأن الكفار كانوا معاندين والأمور التي تقع في البلاد الشاسعة قلما يحصل الاتفاق على وقتها المعين من السنة والشهر واليوم والساعة وإن كان معلوماً للنبي بإعلام الله إياه، فالمعاند كان يتمكن من الإرجاف بوقوع الواقعة قبل وقوعها ليحصل الخلف في الميعاد ولكن المعاند لا يتمكن من إنكار الواقعة في البضع، ﴿ ويومئذ ﴾ أي يوم يغلب الروم فارس ويحصل ما وعد الله من غلبتهم ﴿ يفرح المؤمنون بنصر الله ﴾ وبغلبة من له كتاب على من لا كتاب له، أو بغيظ الشامتين بهم من كفار مكة.
وقيل: نصر الله هو إظهار صدق المؤمنين فيما أخبر به نبيهم من غلبة الروم.
وعن أبي سعيد الخدري: وافق ذلك يوم بدرٍ وهو المراد بنصر الله، وذلك أن خبر الكسر لم يصل إليهم في ذلك اليوم بعينه فلا يكون فرحهم يومئذ بل الفرح يحصل بعده، ولناصر القولين الأولين أن يقول: اقيم سبب الفرح، مقام الفرح أو المراد باليوم الوقت الواسع الشامل لما بين زمان وقوع الكسر إلى زمان وصول خبر الكسر الموجب للفرح.
ومن علق قوله ﴿ بنصر الله ﴾ بقوله ﴿ ينصر ﴾ بناء على أن المقصود بيان أن النصرة بيد الله لا بيان وقوع النصرة لم يقف ههنا ووقف على ﴿ المؤمنون ﴾ ﴿ وهو العزيز الرحيم ﴾ فإذا سلط العدو على الحبيب فلعزته واستغنائه عن العالمين، وإذا نصر الحبيب فرحمته عليه.
أو نقول: إن نصر المحب فلعزته واستغنائه عنه ورحمته في الآخرة واصله إليه.
﴿ وعد الله ﴾ مصدر مؤكد لنفسه لأن ما سبق في معنى الوعد ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ أنه لا خلف في وعده لأنهم بله في أمور الدين.
وفي إبدال قوله ﴿ يعلمون ﴾ من قوله ﴿ لا يعلمون ﴾ أو في بيان هذا بذاك إشارة أن العلم بأمور الدنيا كالجهل المطلق، وفي تنكير ﴿ ظاهراً ﴾ إشارة إلى قلة علمهم بظاهر الدنيا أيضاً وفي تكرير "هم" إشارة إلى أن الغفلة منهم وإلا فأسباب التذكرة حاصلة وظاهر الدنيا ملاذها وملاعبها وباطنها مضارها ومتاعبها.
هي الدنيا تقول بملء فيها *** حذار حذار من سفكي وفتكي فلا يغرركم طول ابتسامي *** فقولي مضحك والفعل مبكي ثم أشار إلى وجه التفكر بقوله ﴿ أولم يتفكروا ﴾ وقوله ﴿ في أنفسهم ﴾ يتعلق به أما تعلق الظرف بالفعل كأنه قال: أولم يحدثوا التفكر في قلوبهم الفارغة فيكون كما لو قلت لأجل زيادة التصوير اعتقده في قلبك وأضمره في نفسك مع أن الاعتقاد لا يكون إلا في القلب، والإضمار لا يوجد إلا في النفس.
وأما تعلق الجار بالفعل كقولك: تفكر في الأمور.
وذلك أنه إذا تفكر في نفسه التي هي أقرب الاشياء إليه وقف على غرائب الحكم ودقائق الصنع التي أودعها الله فيها كما يكفل بيان بعضها علم التشريح فجره ذلك إلى العلم بأنه ما خلق السموات والأرض وما بينهما إلا متلبساً بالغرض الصحيح الذي أودعه الله فيها، وبتقدير أجل مسمى هو وقت الجزاء والحساب، ثم في الآية تقريران: أحدهما يناسب أصول الأشاعرة وهو أن دلائل الأنفس منجرة إلى دلائل الآفاق المذكورة للتوحيد وللعلم بالإله القادر المختار الصادق كلامه، لكنه أخبر عن تخريب السموات والأرض وعن حشر الأجساد وانتهاء الجسمانيات إلى الإفناء ث الإعادة في الوقت المعلوم فيكون الأمر على ما أخبر.
وثانيهما يتوقف على أصول المعتزلة، وهو أن التفكر في النفس يجذب بصنعه إلى معرفة الإِله الحكيم الذي لا يفعل العبث والجزاف، فإنه خلق السموات وغيرها من الأسجام لمنافع المكلفين، وإذا انتهى التكليف فلا بد من تخريب السموات والأرض وانتهاء الأمر إلى حالة الجزاء واللقاء كيلا تنخرم قاعدة الحكمة والتدبير ورعاية الصلاح والعدل.
ثم قال ﴿ وإن كثيراً من الناس ﴾ وقد قال قبل ذلك ﴿ ولكن أكثر الناس ﴾ لأنه قد ذكر دليلاً على الأصول، ولا شك أن الإيمان بعد الدليل يكون أكثر من الإيمان قبل الدليل فلا يبقى الأكثر مكما هو فعبر عن الباقي بالكثير.
قال في الكشاف والمراد ﴿ بلقاء ربهم ﴾ الأجل المسمى، والأشاعرة يحملونه على الرؤية، واعلم أن دليل الأنفس مقدم على دليل الآفاق، لأن الإنسان قلما يذهل عن نفسه، وأن نفسه أقرب الشياء إليه نظير الآية قوله ﴿ الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ﴾ أي يعرفون الله بدلائل الأنفس في سائر الأحوال، ويتفكرون في خلق السموات والأرض بدلائل الآفاق.
وإنما أخر الأنفس في قوله ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم ﴾ لإن الإراءة إنما يفتقر إليها في معرفة الأبعد الأخفى كأنه قال: سنريهم آياتنا الآفاقية فإن لم يفهموها فآيات الأنفس معلومة.
وهذا الترتيب لا يناسب التفكر بل الفكر يتصور دليل الأنفس أولاً ثم يرتقي إلى دليل الآفاق فظهر أن كل آية وردت على ما اقتضته الحكمة والبلاغة.
وحين ذكر دليل النفس الذي لا يقع الذهول عنه إلا ندرة ارتقى إلى دليل السموات والأرض الذي يقع الذهول عنه في كثير من الأحوال لكنه لا يحتاج إلا إلى التفات ذهني، ثم أتبعه دليل الآفاق الذي يتوقف على السير والتحول ليقفوا على أمر أمثالهم.
وحكاية أشكالهم ثم ذكر أنهم أولى بالهلاك لأن من تقدمهم كعاد وثمود كانوا أشد منهم قوة جسمانية وأثاروا الأرض حرثوها وهو إشارة إلى القوة المالية.
ثم اشار إلى القوة الظهرية التي يستند إليها عند الضعف والفتور وهي الحصون والعمائر بقوله ﴿ وعمروها أكثر مما عمروها ﴾ هؤلاء يعني أهل مكة كانوا أهل واد غير ذي زرع ما لهم أثارة أرض أصلاً ولا عمارة لها راساً، ففيه نوع تهكم بهم.
قال أهل البرهان: إنما قال في هذه السورة وفي آخر "فاطر" وفي "المؤمن" ﴿ أولم يسيروا ﴾ بالواو وفي غيرهن ﴿ أفلم ﴾ بالفاء لأن ما قبلها في هذه السورة ﴿ أولم يتفكروا ﴾ وما بعدها ﴿ وأثاروا ﴾ بالواو فوافق ما قبلها وما بعدها.
وكذا في "فاطر" ما قبله ﴿ ولن تجد لسنتنا تحويلاً ﴾ وما بعده ﴿ وما كان ﴾ وفي "المؤمن" ما قبله ﴿ والذين يدعون ﴾ وأما في آخر "المؤمن" فما قبله ﴿ فأي آيات الله ﴾ وما بعده ﴿ فما أغنى عنهم ﴾ وكلاهما بالفاء.
قوله في هذه السورة ﴿ من قبلهم ﴾ متصل بكون آخر مضمر.
وقوله ﴿ كانوا أشد منهم قوة ﴾ وكذا معطوفاه إخبار عما كانوا عليه قبل الإهلاك.
وإنما قال في "فاطر" ﴿ وكانوا ﴾ بزيادة الواو لأن التقدير فينظروا كيف أهلكوا وكانوا اشد، وخصت السورة به لقوله ﴿ وما كان الله ليعجزه ﴾ وقال في "المؤمن" ﴿ كانوا من قبلهم كانوا هم أشد ﴾ فأظهر "كان" وزاد لفظه "هم" لأن الآية وقعت في أوائل قصة موسى وهي تتم في ثلاثين آية، فكان اللائق به البسط دون الوجازة ولم يبسط هذا البسط في آخر السورة اكتفاء بالأول والله أعلم.
﴿ ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ﴾ بوضع الأنفس الشريفة في موضع خسيس هو عبادة الأصنام.
قال أهل السنة: هذا الوضع كان بمشيئة الله وإرادته لكنه صدر عنهم فأضيف إليهم ﴿ والسوأى ﴾ تانيث الأسوا وهو الأقبح وهي خبر "كان" فيمن قرأ ﴿ عاقبة ﴾ بالرفع واسم "كان" فيمن قرأ ﴿ عاقبة ﴾ بالنصب.
و"ثم" لتفاوت الرتبة، وفي التركيب وضع للمظهر موضع المضمر.
والمعنى أنهم أهلكوا ثم كانت عاقبتهم السوأى وهي عذاب النار.
و ﴿ أن كذبوا ﴾ المعنى لأن "أو" بأن كذبوا أو هو تفسير اساؤا على أن الإساءة في معنى القول نحو: نادى وكتب معناه أي كذبوا وجوز جار الله أن يكون السوأى مفعول ﴿ اساؤا ﴾ و ﴿ أن كذبوا ﴾ عطف بيان لها، وخبر "كان" محذوف إرادة الإبهام ليذهب الوهم كل مذهب فيكون تقدير الكلام.
ثم كان عاقبة الذين اقترفوا الخطيئة التي هي أسوأ الخطايا أن كذبوا كذا وكذا مما لا يكتنه كنهه.
قال أهل التحقيق: ذكر الزيادة في حق المحسن في قوله ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ﴾ ولم يذكر في الحق المسيء لأن جزاء سيئة سيئة بمثلها، وذكر السبب في العقوبة وهو قوله ﴿ أن كذبوا ﴾ ولم يذكره في الآية ليعلم أن إحسانه لا يتوقف على السبب بل فضله كافٍ فيه.
وحين ذكر ان عاقبتهم النار وكان في ذلك إشارة إلى الإعادة والحشر لم يتركه دعوى بلا بينة فقال ﴿ الله يبدأ ﴾ يعني من خلق بالقدرة والإرادة لا يعجز عن الرجعة والإعادة.
ثم بين ما يكون وقت الرجوع فقال ﴿ ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون ﴾ يعني في ذلك اليوم يتبين إفلاسهم ويتحقق إبلاسهم وهو سكوت مع تحير ويأس مع بؤس ويأس لا اليأس الذي هو إحدى الراحتين وذلك إذا كان المرجو أمراً غير ضروري فيستريح الطامع من الانتظار.
ثم ذكر وجه الإبلاس وذلك قوله ﴿ ولم يمكن لهم من شركائهم شفعاء وكانوا بشركائهم كافرين ﴾ يجحدونها وقتئذ بقوله ﴿ سيكفرون بعبادتهم ﴾ أو كانوا في الدنيا كافرين بسببهم.
ثم حكى أنهم يعني المسلمين والكافرين ﴿ يومئذ يتفرقون ﴾ فريق في الجنة وفريق في السعير تفصيله في الآيتين بعده والروضة عندهم كل أرض ذات نبات وماء.
وفي الأمثال "أحسن من بيضة في روضة" يعنون بيضة النعامة وتنكير روضة للتعظيم ومعنى ﴿ يحبرون ﴾ يسرون بأنواع المسار لحظة فلحظة.
حبره إذا سره سروراً تهلل ببشر.
وخصه مجاهد بالتكريم، وقتادة بالتنعيم، وابن كيسان بالتحلية، ووكيع بالسماع.
عن النبي "إن في الجنة لنهراً حافتاه الأبكار من كل بيضاء رخصة يتغنين بأصوات لم تسمع الخلائق بمثلها قط فذلك افضل نعيم الجنة" قال الراوي: سألت ابا الدرداء بم تغنين؟
قال: بالتسبيح.
وروي أن في الجنة لأشجاراً عليها أجراس من فضة، فإذا أراد أهل الجنة السماع بعث الله ريحاً من تحت العرش في تلك الأشجار فتحرك تلك الأجراس باصوات لو سمعها أهل الدنيا لماتوا.
وأما معنى ﴿ محضرون ﴾ لا يغيبون عنه وقد مر في قوله ﴿ ثم هو يوم القيامة من المحضرين ﴾ وإنما أهمل ذكر الفسقة من أهل الإيمان اكتفاء بما ذكر في الآيات الأخر كقوله ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ وكقوله ﴿ إنما التوبة على الله ﴾ إلى قوله ﴿ تبت الآن ﴾ قال جار الله: لما ذكر الوعد والوعيد أتبعه ذكر ما يوصل إلى الوعد وينجي من الوعيد وقال آخرون: لما ذكر عظمته في المبدأ بقوله ﴿ ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق ﴾ وفي الانتهاء بقوله ﴿ ويوم تقوم الساعة ﴾ وكرر ذكر قيام الساعة للتأكيد والتخويف، أراد أن ينزه نفسه عن كل سوء ويثبت لذاته كل حمد ليعلم أنه منزه عن طاعات المطيعين، محمود على كل ما يوصل إلى المكلفين، مذكور على لسان أهل السموات والأرضين.
والتسبيح في الظاهر هو تنزيه الله من السوء والثناء عليه بالخير في هذه الأوقات لما في كل منها من كل نعمة متجددة.
وخص بعضهم التسبيح بالصلاة لما روي عن ابن عباس أنه قال ﴿ تمسون ﴾ صلاتا المغرب والعشاء ﴿ ويصبحون ﴾ صلاة الفجر ﴿ وعشياً ﴾ صلاة العصر و ﴿ يظهرون ﴾ صلاة الظهر أمر بالصلاة في أول النهار ووسطه وآخره، وأمر بالصلاة أول الليل ووسطه وهو العشاء بقوله "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك وبتأخير العشاء إلى نصف الليل" ولم يأمر بالصلاة في آخر الليل لأن النوم فيه غالب وإنه منَّ على عباده بالإستراحة في الليل بالنوم في مواضع منها قوله ﴿ ومن آياته منامكم بالليل ﴾ كما يجيء.
روي عن الحسن أن الاية مدنية بناء على أنه كان يقول: فرضت الصلوات الخمس بالمدينة وكان الواجب بمكة ركعتين في غير وقت معلوم.
وقول الأكثر إن الخمس فرضت بمكة.
قوله ﴿ وعشياً ﴾ معطوف على ﴿ حين ﴾ وما بينهما وهو قوله ﴿ وله الحمد في السموات والأرض ﴾ اعتراض.
قال جار الله: معناه إن على المميزين كلهم من أهل السموات والأرض أن يحمدوه قلت: فيه ايضاً أن الله غني عن تسبيح المسبحين فلو لم يحمده حامد فله استئهال الحمد على الإطلاق ولو حمدوه لعاد نفعه إليهم.
وقدم الإمساك لأن الظلمة عدمية والأصل في الأشياء العدم، وقدم العشي على الظهيرة لأجل الفاصلة أو للتنبيه على فضيلة صلاة العصر، ولعل في تقديم الاعتراض المذكور على العشي إشارة إلى هذا ومعنى ﴿ ويخرج الحي من الميت ﴾ قد سلف مراراً ويحتمل أن يراد ههنا اليقظان والنائم لقوله ﴿ وكذلك تخرجون ﴾ اي من القبور، فتنبيه النائم بعد اليقظة يشبه الإعادة، وكذا رد الأرض إلى حالة الخضرة والنضرة بعد ذبولها.
عن رسول الله "من قال حين يصبح فسبحان الله حين تمسون إلى قوله وكذلك تخرجون أدرك ما فاته من يومه، ومن قالها حين يمسي أدرك ما فاته من ليلته" ثم اراد أن يذكر الحجج الباهرة علىاستحقاق التسبيح والتحميد له فقال ﴿ ومن آياته أن خلقكم ﴾ أي أصلكم أو كلاً منكم كما مر في أول الحج ﴿ من تراب ﴾ وذلك ان التراب أبعد الأشياء عن درجة الإحياء لكثافته ولبرودته ويبسه والحياة بالحرارة والرطوبة، ولكدورته والأروح نير ولثقله وخفة الرواح ولسكونه والحي متحرك حساس، ولا تتنافي بين هذا وبين قوله ﴿ خلق من الماء بشراً ﴾ لأنه أراد الأصل الثاني الذي هو النطفة، أو أراد أن أصل البشر في الظاهر هو التراب والماء وأما النار فللإنضاج، والهواء فللاستبقاء كالزق المنفوخ يقوم بالهواء، و ﴿ ثم ﴾ لتبعيد الرتبة و ﴿ إذا ﴾ للمفاجأة أي ثم فاجأتم وقت كونكم بشراً.
قالوا: فيه إشارة إلى مسألة حكمية وهي أن الله يخلق أولاً إنساناً فيتبعه أنه حيوان تام لا أنه يخلق أولاً حيواناً ثم يجعله إنساناً، فخلق الأنواع هو المراد الأول ثم تكون الأنواع فيها الأجناس بتلك الإرادة الأولى.
وقوله ﴿ بشراً ﴾ إشارة إلى القوة المدركة التي البشر بها بشروا بها يمتاز عن غيره من الحيوانات.
وقوله ﴿ تنتشرون ﴾ إشارة إلى القوة المتحركة التي بها الحيوان حيوان فكأنه أشار إلى فصله وجنسه، وكان الأولى تقديم الجنس على الفصل، إلا أنه عكس الترتيب لأنه كأنه قال: العجب غير مختص بالإنسان بل الحيوان المنتشر من التراب الساكن عجيب أيضاً.
والانتشار إما بمعنى التردد في الحوائج كقوله ﴿ فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ﴾ وإما بمعنى البث والتفريق كقوله ﴿ وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء ﴾ .
وحين بين خلق الإنسان ولم يكن مما يبقى على مر الزمان منَّ عليهم بأن جعل نوع الإنسان باقياً بتعاقب الأشخاص فقال ﴿ ومن آياته أن خلق لكم ﴾ ولا يلزم منه أن لا يكنَّ مخلوقات للعبادة والتكليف لأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه، فقد يكون الشيء مختصاً باثنين وجعل مهيأ لآخرين على أن النعمة ما كانت تتم علينا إلا بتكليفهن، فلولا خوف العقاب لتمردت النسوان على أزواجهن.
و ﴿ من أنفسكم ﴾ أي من جنسكم أو هو إشارة إلى أن حواء خلقت من ضلع آدم وقد مر في "النحل" ويشهد للتفسير الأول قوله ﴿ لتسكنوا إليها ﴾ فإن الجنس إلى الجنس أسكن ﴿ وجعل بينكم مودة ﴾ عن الحسن هي الجماع ﴿ ورحمة ﴾ هي الولد.
وقال غيره: المودة حالة حاجة نفسه إليها، والرحمة حالة حاجة صاحبته إليه، وقد تفضي المودة إلى مجرد الرحمة وذلك إذا خرجت عن محل الشهوة بكبر أو مرض، أو خرج عن إمكان رعاية حقها بكبر أو زمانة أو فقر.
قال بعضهم: المودة والرحمة بعصمة الزواج من غير سابقة معرفة وقرابة وهي من قبل الله، والفرك من قبل الشيطان ﴿ إن في ذلك ﴾ الخلق والجعل ﴿ لآيات لقوم يتفكرون ﴾ فخلق الإنسان من الوالدين آية، وجعل أحدهما ذكراً والآخر أنثى آية، وخروج الولد الضعيف من الموضع الضيق آية، وجعل التوادد بين الزوجين من غير صلة رحم آية ولما ذكر دلائل الأنفس أتبعها دلائل الآفاق وأعظمها خلق السموات والأرض، فإن خلق المركبات قد يسنده بعض الجهلة إلى ما في العناصر من الكيفيات وإلى ما في السموات من الحركات والاتصالات، وأما السماء والأرض فلا يجد بداً من أن يقول: إنهما بقدرة الله .
ثم عاد إلى ذكر أحوال الأنفس ومن جملتها اختلاف الألسنة لا جرمها، فإن التباين بين أجرامها ليس يبلغ إلى حد يعد آية بل وصفها وهو النطق وتقطيع الأصوات اللذان بهما يمتاز بعض الأصناف والأشخاص عن بعض، واختلاف الألوان والحلي فبذلك يقع التفاوت ويرتفع الاشتباه، فحس البصر يدرك اختلاف الصور وحَسن السمع يدرك اختلاف الأصوات وأما اللمس والشم والذوق فلا حكم ظاهراً لها في باب التمييز بين الأشخاص الإنسانية.
وحيث ذكر بعض العرضيات اللازمة أراد أن يذكر الأعراض المفارقة بعضها فقال ﴿ ومن آياته منامكم ﴾ قال جار الله: هذا من باب اللف والنشر وتقدير الكلام.
ومن آياته منامكم بالليل وابتغاؤكم من فضله بالنهار ليكون موافقاً لما جاء في مواضع آخر كقوله ﴿ وجعلنا الليل لباساً وجعلنا النهار معاشاً ﴾ وقدم المنام على الابتغاء لأن الاستراحة مطلوبة لذاتها والطلب لا يكون إلا لحاجة قال: وإنما فصل بين القرينتين الأوليين بالقرينتين الآخريين لأنهما زمانان، والزمان والواقع فيه كشيء واحد مع إعانة اللف على الاتحاد يعني كأنه لم يعطف النهار على الليل والابتغاء على المنام.
وجوز أن يراد منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله بالليل والنهار، فان الإنسان كثيراً ما ينام بالنهار ويكسب بالليل.
وفي اقتران الفضل بالابتغاء إشارة إلى أن العبد ينبغي أن لا يرى الرزق من نفسه وبحذقه بل يرى كل ذلك من فضل ربه.
ثم أشار إلى عوارض الآفاق فقال ﴿ ومن آياته يريكم ﴾ فأضمر "أن" واسكن الياء بعد حذفها وإنزال الفعل منزلة المصدر كما في المثل السائر "تسمع بالمعيدي خير من أن تراه" قيل: لما كان البرق من الأمور التي تتجدد زماناً دون زمان ذكره بلفظ المستقبل ولم يذكر معه "أن" وقيل: ومن آياته كلام كافٍ كما تقول: منها كذا ومنها كذا.
وتسكت تريد بذلك الكثرة: وقيل: أراد ويريكم من آياته البرق.
وانتصاب ﴿ خوفاً وطمعاً ﴾ كما مر في "الرعد" ثم ذكر بعض لوازم الآفاق قائلاً ﴿ ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ﴾ فقيام السموات والأرض استمساكهما بغير عمد، ومن نسب ذلك إلى الطبيعة فلا بد أن يستند الطبع إلى واجب لذاته وأمره أن يقول لهما كونا كذلك نظيره قوله ﴿ إن الله يمسك ﴾ إلى قوله ﴿ من بعده ﴾ واعلم أن الأمر عند المعتزلة موافق للإرادة، وعند الأشاعرة ليس كذلك.
ولكن النزاع في الأمر الذي هو للتكليف لا الذي للتكوين، فإن قوله ﴿ كن فيكون ﴾ موافق للإرادة بالتفاق.
قال جار الله: قوله ﴿ إذا دعاكم ﴾ بمنزلة قوله ﴿ يريكم ﴾ في إيقاع الجملة موقع المفرد على المعنى كأنه قال: ومن آياته قيام السموات والأرض، ثم خروج الموتى من القبور إذا دعاكم مرة واحدة يا أهل القبور اخرجوا والمراد سرعة الخروج من غير توقف وإلا فلا أمر ظاهراً.
أو أراد نداء الملك والأرض مكان المدعو على التقديرين لا الداعي إذ لا مكان لله مطلقاً ولا للملك في جوف الأرض.
نعم، لو كان المراد أن الملك يدعوهم وهو على وجه الأرض جاز.
ومعنى "ثم" عظم ما يكون من ذلك الأمر وتهويل لتلك الحالة، وإذا الأولى للشرط، والثانية للمفاجأة نائبة مناب الفاء.
واعلم أنه ذكر في كل باب أمرين: أما من الأنفس فخلق البشر ثم خلقهم زوجين، وأما من الآفاق فخلق السموات والأرض.
ومن لوازم الإنسان اختلاف اللسان والألوان، ومن عوارضه المنام والابتغاء، ومن عوارض الآفاق البروق والأمطار، ومن لوازمها قيام السماء والأرض.
والواحد يكفي للإقرار بالحق، إلا أن الثاني يجري مجرى الشاهد الآخر.
وراعى في تعداد العرضيات لطيفة، بدأ باللوازم وختم باللوازم وذلك أن الإنسان متغير الحال، فالأحوال اللازمة له أغرب والأفلاك ثابتة بالنسبة إلى الإنسان فعوارضها أغرب، وبدأ في كل باب بما هو أعجب، وإنما ختم الآية الأولى بقوله ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ﴾ لأن الفكر يؤدي إلى الوقوف على المعاني المقتضية للإنس والسكون وعلى دقائق صنع الله في خلق الإنسان وبثهم في الأرض، أو نقول: إن من الأشياء ما يعلم بمجرد الفكر كدقائق حكمة الله في خلق الإنسان، لأن أقرب الأشياء إلى الإنسان هو ذاته فلذلك قال هنالك ﴿ لقوم يتفكرون ﴾ ومنها ما يعلم من غير تجشم فكر كالاستدلال على قدرة الله بخلق السماء والأرض، واختلاف ألسنة الناس وألوانهم، فإن الكل تظلهم السماء وتقلهم الأرض.
وكل واحد منفرد بلطيفة في صورته يمتاز بها عن غيره، ولهذا يشترك في معرفتها الناس جميعاً فلهذا قال ﴿ لآيات للعالمين ﴾ ومن حمل اختلاف الألسن على اللغات اختلاف الألوان على البياض والسواد والصفرة والسمرة، فالاشتراك في معرفتها أيضاً ظاهر.
ومن قرأ ﴿ للعالمين ﴾ بكسر اللام فقد أحسن، فبالعلم يمكن الوصول إلى معرفة ما سبق ذكره، ومن الأشياء ما يحتاج الفكر فيه إلى إعانة مرشد كالمنام والابتغاء فإنهما لزوالهما في بعض الأوقات قد يرفعان لوازمهما فلهذا قال ﴿ لقوم يسمعون ﴾ ويجعلون بالهم إلى كلام المرشد، ومن هنا ذهب بعضهم إلى أن معنى ﴿ يسمعون ﴾ ههنا يستجيبون لما يدعون إليه، ثم إن حدوث الولد من الوالدين كالأمر المطرد العادي فكان الولد يمكن أن يسبق إلى الوهم إسناده إلى الطبيعة فأمر هنالك بالفكر.
وأما البرق والمطر فليس أمراً عادياً ولذلك يختلف بالشدة والضعف وبحسب الأوقات والأمكنة فالعقل الصحيح يجزم بأن من فعل الفاعل المختار فلذلك قال ﴿ لقوم يعقلون ﴾ وقيل: إن العقل ملاك الأمر وهو المؤدي إلى العلم فوقع الختم عليه.
وحين فرغ من تعداد الآيات وكان مدلولها الوحدانية التي هي الأصل الأول والقدرة على الحشر التي هي الأصل الآخر أكد الأول بقوله ﴿ وله من في السموات والأرض كل له قانتون ﴾ مطيعون منقادون وأكد الأصل الآخر بل كلا الأصلين بقوله ﴿ وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو ﴾ يعني أن يعيده ﴿ أهون عليه ﴾ أي في نظركم وعند معقولكم وإلا فلا صعوبة في الإبداء أصلاً حتى يقع التفضيل على حده.
وإنما أخرت الصلة ههنا وقدمت في قوله في سورة مريم ﴿ وهو علي هين ﴾ لأنه قصد هناك الاختصاص يعني أن خلق الولد بين هرم وعاقر لا يهون إلا علي، ولا معنى للاختصاص ههنا فإن الأمر مبني على المعقول بين الآدميين من ان المعاد أهون من المبدأ ولهذا قيل: أول الغزو أخرق.
وليس الدخيل في أمر كالناشئ عليه.
ومن الدليل العقلي على هذا المطلوب أن الإبداء خلق الأجزاء وتأليفها، والإعادة تأليف فقط، ولا شك أن أمراً واحداً أهون من الأمرين ولا يلزم منه أن يكون في الأمرين صعوبة فإن من قال: الرجل القوي يقدر على حمل شعيرة من غير صعوبة وسلم السامع له ذلك فإذا قال فلان لا يتعب من حمل خردلة وإن حمل خردلة أهون عليه.
كان كلاماً معقولاً وقد أجرى الزجاج قوله ﴿ وهو أهون عليه ﴾ مجرى المثل فيما يصعب ويسهل.
وفسر به قوله ﴿ وله المثل الأعلى ﴾ يعني هذا مثل مضروب لكم في الأرض وله المثل الأعلى من هذا المثل ومن كل مثل يضرب في السموات فيما بين الملائكة.
وعن ابن عباس: أراد أن فعله وإن شبهه بفعلكم ومثله به لكنه ليس كمثله شيء فله المثل الأعلى وقال جار الله: المثل الوصف أي له الوصف الأعلى الذي ليس لغيره مثله قد عرف به ووصف في السموات والأرض على ألسنة الخلائق وألسنة الدلائل، وهو أنه القادر الذي يقدر على الخلق والإعادة، العليم الذي لا يعزب عن علمه شيء فلا يصعب عليه جمع الأجزاء بعد تفرّقها على الوجه الذي يقتضيه التدبير ولهذا ختم الاية بقوله: ﴿ وهو العزيز الحكيم ﴾ وعن مجاهد: المثل الأعلى وصفه بالوحدانية وهو قوله "لا إله إلا الله" وقد ضرب لذلك مثلاً.
ومعنى ﴿ من انفسكم ﴾ أنه أخذ مثلاً وانتزعه من أقرب شيء منكم وهي أنفسكم و"من" للابتداء وفي قوله ﴿ مما ملكت أيمانكم ﴾ للتبعيض، والثالثة مزيدة لتأكيد الاستفهام الجاري مجرى النفي.
والمعنى هل ترضون لأنفسكم أن يكون لكم شركاء من بعض عبيدكم يشاركونكم فيما رزقناكم من الأموال والأملاك ﴿ فأنتم ﴾ يعني بسبب ذلك أنتم أيها السادات والعبيد في ذلك المرزوق ﴿ سواء ﴾ من غير تفضيل وففضل للأحرار على العبيد ﴿ تخافونهم ﴾ أن تستبدوا بتصرف دونهم ﴿ كخيفتكم أنفسكم ﴾ أي كما يهاب بعضكم بعضاً من الأحرار.
والحاصل أن من يكون له مملوك لا يكون شريكاً له في ماله ولا يكون له حرمة كحرمة سيده فكيف يجوز أن يكون عباد الله شركاء له أو شفعاء عنده بغير إذنه؟
وكيف يجوز أن يكون لهم عظمة مثل عظمة الله حتى يعبدوا كعبادته على أن مملوككم ليس مملوكاً لكم في الحقيقة ليس إلا اختصاص المبايعة، ولهذا لا حكم لهم عليهم بالقتل والقطع وبالمنع من الفرائض وقضاء الحاجة والنوم.
وقد يزول الاختصاص بالبيع والعتق ومملوك الله لا خروج له من ملكه بوجه من الوجوه وفي قوله ﴿ فيما رزقناكم ﴾ إشارة إلى أن الذي هو لكم ليس في الحقيقة لكم وإنما الله استخلفكم فيه ورزقكموه من فضله ﴿ كذلك ﴾ أي مثل هذا التفصيل والتبعيد للتعظيم أو لدخوله في حيز الذكر أو المضي ﴿ نفصل الآيات ﴾ نبينها ﴿ لقوم يعقلون ﴾ لأن التمثيل إنما يكشف المعاني لأرباب العقول.
ثم شوه صورة الشرك بقوله ﴿ بل اتبع الذين ظلموا ﴾ أي اشركوا ﴿ أهواءهم بغير علم ﴾ فهوى العالم ربما يتبدل بالهدى وأما الجاهل فإنه هائم في هواه كالبهائم لا يرجى ارعواه يؤكده قوله ﴿ فمن يهدي من اضل الله وما لهم من ناصرين ﴾ والإضلال ههنا لا يخفى أن الأشاعرة يحملونه على خلق الضلال في المكلف، والمعتزلة يحملونه على الخذلان ومنع الألطاف وقد تقدم مراراً.
ثم قال لرسوله ولأمته تبعية إذا تبين الحق وظهرت الوحداينة ﴿ فأقم وجهك للدين ﴾ أي سدده نحوه غير مائل إلى غير من الأديان الباطلة ﴿ فطرت الله ﴾ أي الزموها أو عليكم بها.
قال جار الله: إنما اضمرته على خطاب الجماعة لقوله ﴿ منيبين ﴾ وهو حال منهم ولأن الأمر والنهي بعده معطوفان عليه لكنك قد عرفت في الوقوف أن هذا التقدير غير لازم وعلى ذلك يحتمل أن يقدر الزم أو عليك أو أخص أو اريد واشباه ذلك.
وفطرة الله هي التوحيد الذي تشهد به العقول السليمة والنظر الصحيح كما جاء في الحديث النبوي "كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان يهودانه وينصرانه" ويحتمل أن تكون الفطرة إشارة إلى أخذ الميثاق من الذر.
وقوله ﴿ لا تبديل لخلق الله ﴾ نفي في معنى النهي أي لا تبدلوا خلقه الذي فطلكم عليه لكن الإيمان الفطري غير كافٍ.
وقيل: هو تسلية للنبي حيث لم يؤمن قومه فكأنه قال: إنهم أشقياء ومن كتب شقياً لم يسعد.
وقيل: أراد أن الخلق لا خروج لهم عن عبوديته بخلاف مماليك الإنسان فإنهم قد يخرجون من ايديهم بالبيع والعتق.
وفيه فساد قول من زعم أن العبادة لتحصيل الكمال فإذا كمل العبد لم يبق عليه تكليف، وفساد قول الصابئة وبعض أهل الشك أن الناقص لا يصلح لعبادة الله ونما الإنسان عبد الكواكب والكواكب عبيد الله، وفساد قول النصارى والحلولية أن الله يحل في بعض الأشخاص كعيسى وغيره فيصير إلهاً.
ومعنى ﴿ فرقوا دينهم وكانوا شيعاً ﴾ قد مر في آخر "الأنعام" وأنهم فرق كل واحدة تشايع إمامها الذي أضلها وقال أهل التحقيق: بعضهم يعبد الدنيا وبعضهم يعبد الهوى وبعضهم يريد الجنة وبعضهم يطلب الخلاص من النار.
ومعنى ﴿ كل حزب بما لديهم فرحون ﴾ قد مر في "المؤمنين" وجوز جار الله أن يكون ﴿ من الذين ﴾ منقطعاً عما قبله ﴿ وكل حزب ﴾ مبتدأ و ﴿ فرحون ﴾ صفة كل ومعناه من المفارقين دينهم كل حزب بصفة كذا والله أعلم.
التأويل: الألف ألفة طبع المؤمنين، واللام لوم طبيعة الكافرين، والميم مغفرة رب العالمين، فمن اللفة أحبوا أهل الكتاب، ومن اللوم أبغضهم الكافرون، ومغفرة رب العالمين شملت الفريقين حتى قال ﴿ إن الله يغفر الذنوب جميعاً ﴾ إلا أن يكون هناك مخصص.
ثم أشار إلى أن حال أهل الطلب يتغير بتغير الأوقات فيغلب فارس النفس روم القلب تارة وسيغلب روم القلب فارس النفس بتأييد الله ونصره ﴿ في بضع سنين ﴾ من أيام الطلب ﴿ ويومئذ يفرح المؤمنون ﴾ وهم الروح والسر والعقل.
﴿ أولم يتفكروا ﴾ ﴿ في ﴾ استعداد ﴿ أنفسهم ما خلق الله السموات ﴾ الروحانية ﴿ والأرض ﴾ النفسانية إلا ليكون مظهراً للحق ولأجل مسمى بالصبر والثبات في تصفية مرآة القلوب عن صدا الأوصاف الذميمة النفسانية.
والأجل المسمى هو أوان صفاء القلب متوجهاً إلى الحق ﴿ أولم يسيروا ﴾ في أرض البشرية بالسلوك لتبديل الأخلاق ﴿ والذين من قبلهم ﴾ هم الفلاسفة والبراهمة المعتمدون على مجرد البراهين من غير اعتبار الشرائع.
والسوأى هي أن صاروا أئمة الكفر والضلال ﴿ الله يبدؤا الخلق ﴾ بتصيير النفس متعلقة بالقالب ﴿ ثم يعيده ﴾ بطريق السير والسلوك والعبور عن المنازل والمقامات إلى عالم الأرواح ﴿ ثم إليه ترجعون ﴾ بجذبة ﴿ ارجعي ﴾ ﴿ ويوم تقوم الساعة ﴾ الإرادة ﴿ يبلس المجرمون ﴾ بتضييع الأوقات في طلب ما سوى الله.
ويوم تقوم الساعة قيامة العشق يومئذ تتفرق المحبون، فبعضهم يطلب الجنة، وبعضهم يطلب الوصلة، وبعضهم يريد الوحدة ﴿ فسبحان الله ﴾ حين تغلبون على ليل نيل الشهوات وحين صباح نهار تجلي شموس الوصال، وله الحمد إن كنتم في سموات القربات أو أرض البعد والغفلات، و في عشاء غشاء القساوة وفي حالة استواء شمس المعرفة في وسط سماء القلب، فإن الربح الخسران في كلتا الحالتين راجع إلى الطائفتين والله منزه عن العالمين.
يخرج القلب الحي بنور الله من النفس الميتة في ظلمات صفاتها إبرازاً للطفه، ويخرج القلب الميت عن الأخلاق الحميدة من النفس الحية بالصفات الحيوانية، إظهاراً لقهره، ويحيي أرض القلوب بعد موتها وكذلك تخرجون بدأ وإعادة.
فمن آياته خلق سموات القلوب وأرض النفوس، واختلاف ألسنة القلوب وألسنة النفوس، فلسان القلب يتكلم بلغة العلويات، ولسان النفس يتكلم بلغات السفليات ﴿ واختلاف ألوانكم ﴾ وهي الطبائع المختلفة.
منكم منيريد الدنيا، ومنكم من يريد الآخرة ومنكم من يريد الله ﴿ ومن آياته منامكم ﴾ في ليل البشرية ﴿ وابتغاؤكم من فضله ﴾ في نهار الروحاينة والمكاشفات الربانية ﴿ لقوم يسمعون ﴾ كلام الله من شجرة الوجود، ويريكم بروق شواهد الحق ثم اللوامع ثم الطوالع.
فتلك الأنوار ترى شهوات الدنيا نيراناً فيخاف منها، وترى مكاره التكاليف جناناً فيطمع فيها.
أن تقوم سماء النفس وارض القلب بأمره لأن الروح من أمره ﴿ ثم إذا دعاكم ﴾ بجذبة ﴿ ارجعي ﴾ ﴿ إذ أنتم ﴾ يعني النفس والقلب والروح ﴿ تخرجون ﴾ من أنانيته وجودكم ﴿ وهو أهون عليه ﴾ لأنه في البداية كان مباشراً بنفسه وفي الإعادة يكون المباشر إسرافيل بنفخه، والمباشرة بنفس الغير في العمل أهون من المباشرة بنفسه عند نظر الخلق.
ويحتمل أن يكون أهون من الهون بالضم وهو الذلة والضمير للخلق، وذلك أنهم في البداية لم يكونوا ملوثين بلوث الحدوث، ولا مدنسين بأدناس الشرك والمعاصي، فلعزتهم في البداية باشر خلقهم بنفسه، ولهونهم في الإعادة باشرهم بغيره، ﴿ وله المثل الأعلى ﴾ فيما أودع من الآيات في سموات الأرواح وأرض القلوب.
﴿ ضرب لكم ﴾ أي للروح والقلب والسر والعقل ﴿ مما ملكت أيمانكم ﴾ من الأعضاء والجوارح والحواس والقوى ﴿ فيما رزقناكم ﴾ من العلوم والكشوف ﴿ تخافونهم ﴾ أن لا يضيعوا شيئاً من المواهب بالتصرفات الفاسدة ﴿ كخيفتكم أنفسكم ﴾ اي كخيفة الروح من القلب أن لا يضيع شيئاً منها بأن يصرفها في غير موضعها رياء وسمعة وهوى، أو كخيفة القلب من السر والعقل بأن يصرفها فيما يفسد العقائد ويوقع في الشكوك.
فكما لا يصلح هؤلاء لشركتكم فكذلك لا تصلحون أنتم لشركتي إذا تجليت عليكم، فدعوى الاتحاد والحلول باطلة والكبرياء ردائي لا غير.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ حرف "من" إنما يتكلم به ويعبّر عمّن له الملك والتدبير والتمييز، وحرف "ما" عن ملك الأشياء نفسها، فإذا كان من له الملك في الشيء والتدبير والأمر له فالأملاك أحق أن تكون له.
يخبر - والله أعلم - عن غناه وسلطانه وقدرته، أي: من له ما ذكر في السماوات والأرض لا يحتمل أن يمتحنهم ويأمرهم بأنواع العبادات والطاعة لحاجة نفسه؛ إذ هو غني عن ذلك، ولكنه إنما يمتحن ويأمرهم بأنواع العبادة وأنواع المحن لمنافع أنفسهم وحاجاتهم ومصالحهم، فإذا كان له ما ذكر من الملك لا يحتمل أن يعجزه شيء أيضاً.
وقوله: ﴿ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ ﴾ قال بعضهم: القنوت: القيام، والقانت: القائم، فإن كان هذا فتأويله: ﴿ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ ﴾ أي: قائم بتدبيره وأمره في الوجود والعدم، والابتداء والإعادة، وفي كل حال: إن أوجد وجد، وإن أعدم صار معدوماً، وإن أحياه حيي، ونحوه، في كل حال يقوم بتدبيره وأمره.
وقال بعضهم: ﴿ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ ﴾ أي: مطيعون، فإن كان على هذا ونحوه فهو في كل حال يقوم بتدبيره وأمره.
وقال بعضهم: ﴿ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ ﴾ أي: مطيعون، فإن كان على هذا فهو على طاعة الخلقة له، والشهادة لله بالوحدانية والربوبية، والتدبير له، والعلم في ذلك؛ لأن الله جعل في خلقة كل أحد، وكل شيء، وفي صورته ما يشهد له بالوحدانية والربوبية، ويدل على تدبيره وعلمه وحكمته، فكل له قانت ومطيع بالخلقة والصنعة.
وقال بعضهم: ﴿ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ ﴾ أي: خاضعون، فهو يرجع إلى حال دون حال، وهو حال الخوف والضرورة، يخضع له كل كافر ومشرك في تلك الحال، وهو ما أخبر عنهم من الخضوع له إذا ركبوا الفلك؛ حيث قال: ﴿ فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ﴾ وقولهم: ﴿ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَـٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ ﴾ ونحو ذلك من الأحوال التي كانوا يخضعون له ويطيعون، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ لا يحتمل أن يخلقهم وينشئهم لحاجة نفسه، أو لمصلحته؛ لأنه غني بذاته، أو يمتحنهم لمنفعة نفسة، أو يأمره لذلك، ولكن إنما يبدئ ويعيد لحاجة أنفسهم.
أو يخبر أن من قدر على ابتداء الشيء يملك إعادته.
﴿ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾ اختلف فيه: قيل: ﴿ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾ هيّن ابتداؤه وإعادته؛ كقوله: ﴿ وَذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ وقوله: ﴿ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ﴾ ، ويجوز العبارة بأفعل عن فعيل؛ نحو ما يقال: الله أكبر؛ أي: كبير، وأعظم بمعنى: عظيم، ونحوه كثير؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾ أي: عليه هيّن؛ إذ ليس شيء أصعب على الله من شيء، أو شيء أهون عليه من شيء؛ بل الأشياء كلها بمحل واحد تحت قوله: ﴿ كُنْ ﴾ وإنما يقال: أهون وأيسر، لمن كان فعله بسبب، فيهون عليه إذا كثرت الأسباب، ويصعب عليه ذلك إذا قلت وضعفت، فأمّا الله - وتعالى - فهو الفاعل للأشياء، وصانعها، والقادر عليها بسبب وبلا سبب، فلا جائز أن يقال شيء أهون من شيء، وإنما يجوز ذلك فيمن كان فعله لا يكون إلا بسبب.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾ في عقولكم، وتدبيركم، وتقديركم؛ أي: إعادة الشيء في عقولكم وتدبيركم أهون من ابتدائه؛ لأن الخلق لا يملكون تصوير ما لم يسبق له المثال والتصور ابتداء، وقد يملكون تصوير الأشياء وتمثيلها إذا سبق لهم مثال رأوه وشاهدوه؛ فثبت أن إعادة الشيء في عقولكم وتدبيركم أهون من ابتدائه، فإذا عاينتم وأقررتم: أنه قادر على ابتدائه فهو على إعادته أملك وأقدر، ولا قوة إلا بالله.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾ يعني: على ذلك الشيء؛ أي: إعادة ذلك الشيء أهون على ذلك الشيء من ابتدائه؛ لأنه في الابتداء ينقله ويحوّله من حال النطفة إلى حال العلقة، ثم من حال العقلة إلى حال المضغة، ثم [من] حال المضغة إلى حال التصوير والنسمة إلى ما ينتهي إليه، حتى يصير خلقاً وصورة، فيخبر أن إعادته ليس على هذا التقدير والتحويل من حال إلى حال، ولكن كما ذكر: ﴿ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ ﴾ وقوله: ﴿ وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ ﴾ وقوله: ﴿ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً ﴾ ونفخة ودعوة وما ذكر، فالإعادة لذلك الشيء أهون على ذلك الشيء من الابتداء.
وقوله: ﴿ وَلَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ أي: له الصفات العالية، ثم هو يخرج على وجوه: أحدها: أن كل موصوف بالعلو والرفعة من دونه فهو الموصوف به في الحقيقة؛ على ما ذكرنا أن كل من حمد دونه؛ فذلك الحمد له في الحقيقة راجع إليه، ذلك كقوله: ﴿ لَهُ ٱلْحَمْدُ...
﴾ الآية [القصص: 70].
والثانى: له الصفة العالية مما يخالف صفات الخلق وشبههم كقوله: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ : لا تشبه صفاته صفات المخلوقين، ولا اشتبهت صفات الخلق صفاته، وهو ما قاله بعض أهل التأويل: الذي لا مثل له ولا شبه، لا إله إلا هو، واحد لا شريك له.
والثالث: وله الصفات العالية مما لا يضاد بعضها بعضاً: عالم لا جهل فيه، قادر لا عجز فيه، عزيز لا ذل فيه، وأمثال ذلك مما لا يدخل في ذلك نقصان أو عيب بوجه من الوجوه، ليس كالخلق أنهم يوصفون بالعلم بجهة وبشيء وبالجهل بجهة أخرى وبشيء آخر وبالقدرة بجهة أخرى وبشيء آخر، وبالعجز بجهة أخرى وبشيء آخر، وبالعز بجهة أخرى وبشيء آخر، وبالذل بجهة أخرى وبشيء آخر.
فالله - وتعالى - موصوف بصفات لا يضاد بعضها بعضاً ولا يدخل في ذلك نقصان بجهة من الجهات، وفي حال من الأحوال؛ لأنه بذاته موصوف بذلك لا بغيره ولا بسبب، وأما غيره فإنما يوصفون بذلك بأسباب وباعتبار يكون لهم؛ لذلك كان ما ذكر، ولا قوة إلا بالله.
وقوله: ﴿ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ : الذي لا يلحقه الذل والضرر بمخالفة خلقه إياه وعصيانهم له، ليس كملوك الأرض إذا خالفهم أتباعهم وحواشيهم ورعيتهم يذلون ويلحقهم الضرر بإعراضهم عنهم؛ لأن عزهم كان بهم، فبإعراضهم عنهم ومخالفتهم إياهم يذلون، فأما الله - - [فهو] عزيز بذاته، لا يلحقه الضرر والذل بمخالفة الخلق إياه.
أو أن يكون قوله: ﴿ ٱلْعَزِيزُ ﴾ المنتقم عمن يخالف أمره ويعصيه أو يشرك غيره في ألوهيته وربوبيته.
والحكيم: هو الذى لا يلحقه الخطأ في التدبير.
يخبر - والله أعلم -: أني وإن خلقتهم وأنشأتهم على علم مني أنهم يخالفونني ويعصونني، وأعنتهم بكل أنواع المعونة، على علم مني بذلك منهم؛ فإن فعله ليس بخارج عن الحكمة كما يكون في الشاهد أن من أعان عدوه بأنواع المعونة، وهو يعلم أن معونته إياه تزيد له قوة في معاداته وعصيانه ومخالفته - هو موصوف بالسفه غير موصوف بالحكمة؛ لأنه يسبق في إهلاك نسفه، ويعينه على ذلك بمعونته إياه، ومن يسعى في إهلاك نفسه، فهو غير حكيم.
فأما الله - - حيث خلقهم وأنشأهم وأعانهم بكل أنواع المعونة على علم منه بما يكون من الخلاف له والعصيان والمعاداة غير خارج فعله عن الحكمة؛ لما ذكرنا أنه لا يلحقه الضرر ولا النقصان بما علم ويكون منهم من الخلاف له والعصيان والمعاداة، ولا قوة إلا بالله.
وقوله: ﴿ ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ ﴾ قال بعضهم: ضرب لكم مثلاً.
من مثل خلقكم، يقول - والله أعلم -: يبين لكم مثلا من أنفسكم: ما لو تفكرتم وتأملتم، لظهر لكم سفهكم بعبادتكم الأصنام دون الله، أو تسميتكم الأصنام بالله.
ثم يخرج ضرب المثل بما ذكر على وجوه: أحدها: قوله: ﴿ هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ ﴾ ، أي: لم تسووا أنتم أنفسكم بالذي ملكت أيمانكم فيما رزقتم حتى تكونوا أنتم وهم سواء في ذلك؛ فكيف زعمتم أن الله قد سوى نفسه وما ملك من خلقه في ملكه وألوهيته؟!
والثاني: يقول: هل ترضون أن يكون ما ملكت أيمانكم شركاءكم فيم تملكون من الأموال؟!
فإذا لم ترضوا به، فكيف زعمتم أن الله يرضى أن يشرك مماليكه في ملكه وسلطانه؟!.
أو يقول: فإن لم ترضوا لأنفسكم إشراك ما ملكت أيمانكم في ملككم، ولم تسووا مماليككم بأنفسكم في ذلك، فكيف رضيتم ذلك لله، وسويتم نفسه ومماليكه، وعدلتم به من دونه؟!
والله أعلم.
وقوله: ﴿ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ ﴾ .
أي: تخافون مماليككم كما تخافون أحرارا أمثالكم.
وقال بعضهم: تخافون لائمتهم كما يخاف الرجل لائمة أبيه وأخيه وأقاربه.
وبعضهم يقولون: تخافون عبيدكم أن يرثوكم بعد الموت، كما تخافون أن يرثكم الأحرار من أوليائكم، وهو قول مقاتل لكن الميراث ليس من الآية في شيء، والأول أشبه.
وفي قوله: ﴿ ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ ﴾ دلالة أن العبد لا يكون له حقيقة الملك في الأشياء كالأحرار؛ لأنه أخبر أنهم ليسوا هم بسواء في الشرك فيما رزق السادات وملكوا، على العلم أنهم يشتركون جميعاً في المنافع؛ دل أنهم يملكون منافع الأشياء ويشتركون مع الأحرار فيها، ولا يملكون حقيقة الإملاك، وكذلك يدل قوله: ﴿ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ...
﴾ أنه لما نفى عنه القدرة على شيء - والله أعلم - يكون تأويل قوله: ﴿ وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ وَٱلصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ ، أي: يغنهم الله من فضله بالمنافع، لا بحقيقة ملك الأشياء، والله أعلم.
وقوله: ﴿ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ ﴾ .
أي نبينها.
﴿ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ .
أي: لقوم ينتفعون بعقولهم.
والثاني: قوله: ﴿ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ ﴾ ، أي: نفرق واحدة بعد واحدة، على ما ذكر من أول السورة إلى هذا الموضع من قوله: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ ﴾ كذا، ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ ﴾ كذا، والتفصيل يخرج على وجهين: أحدهما: التبيين.
والثاني: التفريق في الذكر، فصلت آياته: بينت، وفصلت: فرقت واحدة بعد واحدة.
فإن قال لنا قائل في هذه الآيات التي ذكرت: ما يدل على إيجاب البعث؟
قيل: في هذه [الآيات] التي ذكرت دفع الشبه التي لها أنكروا البعث؛ لأنهم رأوا البعث ممتنعاً بالشبهة التي اعترضت لهم؛ ففي هذه الآيات دفع تلك الشبهة التي لها رأوا البعث ممتنعاً، حيث أراهم بدء خلقهم وقيام السماء والأرض بالذي ذكر.
ثم إيجاب البعث يكون بالأخبار الصادقة، وهي أخبار الرسل الذين ظهر صدقهم، أو بما ذكرنا: أن خلق الخلق بلا عاقبة تجعل لهم للفناء خاصة خارج عن الحكمة؛ لوجوه: أحدها: ما ذكرنا أن بناء البناء في الشاهد للنقض والإفناء خاصة بلا منفعة تتأمل في العاقبة سفه خارج عن الحكمة؛ فعلى ذلك خلق الخلق للفناء خاصة بلا عاقبة يكون خارجاً عن الحكمة.
والثاني: أنه لو لم يجعل البعث وداراً أخرى؛ ليفرق بين العدو والولي مع ما قد سوى بينهما في هذه الدار، وفي الحكمة أن يفرق ولا يسوي بينهما؛ فلو لم يكن دار أخرى فيها يفرق لكان ذلك خارجاً عن الحكمة.
والثالث: في الحكمة أن يجزي المحسن لإحسانه والمسيء في إساءته، وقد يكونان في هذه الدنيا ويخرجان منها لا يصيب المحسن جزاء إحسانه، ولا المسيء جزاء إساءته؛ فلا بد من دار أخرى؛ ليجزى فيها كل بعمله، وفيما ذكرنا إيجاب البعث، والله أعلم.
وقوله: ﴿ بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ ﴾ ، أي: ظلموا أنفسهم، حيث لم يستعملوها فيما أمروا بالاستعمال فيه؛ بل صرفوها إلى غير ما أمروا بالاستعمال فيه.
أو ظلموا حجج الله وآياته وبراهينه؛ حيث لم يتبعوها ولم يضعوها موضعها حيث وضعت.
وقوله: ﴿ أَهْوَآءَهُمْ ﴾ في عبادتهم الأصنام، وصرفها عن الله إلى من لا يستحق العبادة والشكر؛ وذلك لهواهم؛ لأنه ليس معهم حجة ولا برهان؛ كقوله: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً ﴾ أي: حجة وبرهانا.
وقوله: ﴿ فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ ﴾ .
أي: أأحد سوى الله يهدي من أضله الله؟
أي من يؤثر الضلال واختاره أضله الله، لا يهديه سواه.
﴿ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ ﴾ .
ينصرونهم في دفع عذاب الله عن أنفسهم.
أو ﴿ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ ﴾ ، أي: من مانعين يمنعونهم عن عذاب الله، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً ﴾ .
قال بعضهم: هذا الخطاب لرسول الله؛ لأنه ذكر الآيات فيما تقدم؛ حيث قال: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ ﴾ كذا وكذا، ثم ذكر الذين اتبعوا أهواءهم بغير علم، ثم قال لرسول الله: أقم وجهك أنت للدين حنيفاً.
قال الشيخ - رحمه الله - وعندنا أن الخطاب به وبمثله لكل أحد؛ كقوله: ﴿ قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ ﴾ ، و ﴿ قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ ﴾ ؛ كأنه يخاطب كل من انتهى إليه هذا أن قل: هو الله أحد، و: يأيها الكافرون؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً ﴾ هو لكل أحد.
ثم الإقامة تحتمل وجهين: أحدهما: أقم: أي: داوم جهدك وقصدك.
والثاني: أقم: أتمم.
﴿ فَأَقِمْ ﴾ ما ذكرنا ﴿ لِلدِّينِ حَنِيفاً ﴾ : قال بعضهم: الحنيف: هو من حنف القوم وميله، ومعناه: كن مائلا إلى الدين في كل حال وكل وقت.
وقال بعضهم: هو من الإخلاص والإسلام له.
وقوله: ﴿ فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا ﴾ .
ثم فسر ذلك فقال: ﴿ فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا ﴾ : هذا يحتمل وجوهاً: ﴿ فِطْرَتَ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: معرفة الله التي جبل الناس عليها أن يكون الله يجعل في كل صغير وطفل من المعرفة ما يعرف وحدانية ربه وربوبيته؛ على ما جعل لهم من المعرفة ما فيه غذاؤهم وقوامهم من أخذ ثدي أمهاتهم في حال صغرهم وطفولتهم؛ ولذلك يخرج قوله: "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه" ؛ على ما جعل في الجبال من معرفة التسبيح لربها والتحميد، لكن أبواه يشبهان ذلك عليه، ويصرفانه.
والثاني: فطرهم وجبلهم ما لو تركوا وعقولهم لكانوا على ما جبلوا وفطروا؛ إذ فطر كل منهم وجعل في خلقة كل دلالة وحدانية الله وربوبيته.
وكذلك قوله: "كل مولود يولد على الفطرة" ، أي: على الخلقة التي تدل وتشهد على وحدانية الله وربوبيته ما لو تركوا وخلي بينهم وبين عقولهم لأدركوا.
والثالث: فطرهم على ما يحتملون الامتحان.
وقوله: ﴿ لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ ﴾ .
قال عامة أهل التأويل: لا تبديل لدين الله، سماه: خلقا.
وعلى قول المعتزلة: له تبديل؛ لأنهم يقولون بأن فعل العبد ليس بمخلوق، ويحتالون في قوله: ﴿ لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: لا تبديل لما به يقع الدعاء إليه، أو كلام نحو هذا.
فيقال: إن الدين هو ما يدين المرء وهو فعله، مأخوذ من دان، يدين، ثم أخبر أنه خلق الله؛ فدل أنه مخلوق.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: لما فيه دلالة وحدانية الله وشهادة ربوبيته؛ كقوله: ﴿ مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتٍ ﴾ .
أو لا تفاوت فيما فيه دلالة الوحدانية والشهادة له، والله أعلم.
وقوله: ﴿ ذَلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ ﴾ .
أخبر أن ذلك الدين القيم بالحجج والبراهين ليس كدين أولئك الكفرة أتباع الهوى.
أو أن يكون الدين القيم، أي: المستقيم على ما وصفه الله أنه الدين الحنيف.
وقوله: ﴿ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ﴾ .
هو صلة قوله: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً ﴾ ﴿ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ﴾ ، فهذا يدل على أن الخطاب بقوله: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ ﴾ للكل؛ حيث قال: ﴿ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ﴾ ، أي: أقبلوا إليه وأنيبوا له.
ثم الإنابة تقع فيما يقع به الأمر، كأنه يقول - والله أعلم -: أنيبوا إلى الله بما يأمركم به.
﴿ وَٱتَّقُوهُ ﴾ .
ما نهاكم عنه، والتقوى من الإنابة كهي من البر، كقوله - -: ﴿ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ ﴾ بما يأمركم به، وتتقوه عما نهاكم عنه.
وقوله: ﴿ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ ﴾ .
هو يحتمل وجوهاً: ﴿ أَقِيمُواْ ﴾ أي: الزموا وداوموا فعلها إلى آخر ما تنتهون إليه، ليس على أن يقع الأمر بها مرة واحدة.
والثاني: ﴿ أَقِيمُواْ ﴾ أي: أتموها بركوعها وسجودها والقراءة وغير ذلك.
والثالث: ﴿ أَقِيمُواْ ﴾ ، أي: وفوا إقامتها بأسبابها التي جعلت لها.
وفي الصلاة أحوال ثلاث: أحدها: الجواز.
والثاني: التمام والكمال.
والثالث: التزيين والتحسين.
ثم الجواز بحق الأركان، والتمام: بحق الشعوب، والتزيين بحق الحواشي.
ويجب على كل مصل خصال ثلاث: صدق النية، وحق الإخلاص له، وحق الخشوع.
وقوله: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ .
يحتمل: أي: لا تكونوا من المشركين غير الله في الصلاة والعبادة، أي: لا تصلوا لغير الله، ولا تعبدوا من دونه.
أو لا تكونوا من المشركين من دونه في تسمية الألوهية والإلهية؛ لأنهم كانوا يسمون الأصنام التي يعبدونها: آلهة.
أو أن يكون صلة قوله: ﴿ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ﴾ ، أي: كونوا منيبين إليه، موحدين، مقبلين على طاعته ، مخلصين، ولا تكونوا من المشركين له غيره.
وقوله: ﴿ مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً ﴾ .
قال بعضهم: لا تكونوا من المشريكن، ولا تكونوا من الذين فارقوا دينهم.
ثم قوله: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ * مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ ﴾ ، وقرئ: ﴿ فارقوا ﴾ ؛ فهو يحتمل وجهين: أحدهما: فارقوا دينهم الذي جاءتهم الرسل.
أو فارقوا دينهم الذي فطروا عليه، وهو ما جعل فيهم من شهادة التوحيد له والربوبية.
وقوله: ﴿ وَكَانُواْ شِيَعاً ﴾ يحتمل: صاروا شيعاً، أي: فرقا وأحزاباً بعدما كانوا على ما فطروا، أو على ما جاءتهم الرسل.
أو كانوا شيعاً ما يشيع ويتبع بعضهم بعضا؛ لأن الشيعة هم الذين يرجعون إلى أصل واحد وأمر واحد، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ ﴾ ، أي: قطعوا دينهم، وجعلوه قطعاً وفرقاً وأديانا، من نحو اليهودية، والمجوسية، والنصرانية وغيرها.
﴿ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾ .
يقول - والله أعلم -: كل أهل دين وملة بما عندهم من الدين راضون به، فرحون.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ : في الذي فطرتم عليه، وهو ما جعل في خلقة كل واحد شهادة الوحدانية لله والدلالة، يقول: لا تكونوا من المشركين في ذلك، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
فتوجَّه -أيها الرسول- أنت ومن معك للدين الذي وجَّهك الله إليه؛ مائلًا عن جميع الأديان إليه، دين الإسلام الذي فطر الناس عليه، لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين المستقيم الذي لا اعوجاج فيه، ولكن معظم الناس لا يعلمون أن الدين الحق هو هذا الدين.
<div class="verse-tafsir" id="91.WgmQ4"