الإسلام > القرآن > سور > سورة 30 الروم > الآية ٣٧ من سورة الروم
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 66 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣٧ من سورة الروم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله تعالى : ( أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ) أي : هو المتصرف الفاعل لذلك بحكمته وعدله ، فيوسع على قوم ويضيق على آخرين ، ( إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون ) .
القول في تأويل قوله تعالى : أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (37) يقول تعالى ذكره: أولم ير هؤلاء الذين يفرحون عند الرخاء يصيبهم والخصب، وييأسون من الفرج عند شدّة تنالهم، بعيون قلوبهم، فيعلموا أن الشدّة والرخاء بيد الله، وأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده فيوسعه عليه، ويقدر على من أراد فيضيقه عليه (إنَّ فِي ذلكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤمِنُونَ) يقول: إن في بسطه ذلك على من بسطه عليه، وقدره على من قدره عليه، ومخالفته بين من خالف بينه من عباده في الغنى والفقر، لدلالة واضحة لمن صدّق حجج الله وأقرّ بها إذا عاينها ورآها.
أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُأي يوسع الخير في الدنيا لمن يشاء أو يضيق ; فلا يجب أن يدعوهم الفقر إلى القنوط .إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍأي علامات وعبرا ودلالات .لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَبالله وبما جاءت به رسلهم .
{ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ } فالقنوط بعد ما علم أن الخير والشر من اللّه والرزق سعته وضيقه من تقديره ضائع ليس له محل.
فلا تنظر أيها العاقل لمجرد الأسباب بل اجعل نظرك لمسببها ولهذا قال: { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } فهم الذين يعتبرون بسط اللّه لمن يشاء وقبضه، ويعرفون بذلك حكمة اللّه ورحمته وجوده وجذب القلوب لسؤاله في جميع مطالب الرزق.
" أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون ".
«اوَ لم يروا» يعلموا «أن الله يبسط الرزق» يوسعه «لمن يشاء» امتحانا «ويقدر» يضيقه لمن يشاء ابتلاءً «إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون» بها.
أولم يعلموا أن الله يوسع الرزق لمن يشاء امتحانًا، هل يشكر أو يكفر؟
ويضيِّقه على من يشاء اختبارًا، هل يصبر أو يجزع؟
إن في ذلك التوسيع والتضييق لآيات لقوم يؤمنون بالله ويعرفون حكمة الله ورحمته.
ثم عقب - سبحانه - على أحوالهم هذه ، بالتعجيب من شأنهم ، وبالتقريع عليهم على جهلهم ، فقال : ( أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ الله يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ ) .أى : أجهل هؤلاء الناس الذين لم يخالط الإِيمان قلوبهم ، ولم يشاهوا بأعينهم أن الله - تعالى - بمقتضى حكمته ، يسوع الرزق لمن يشاء من عباده .
ويضيقه على من يشاء مهم ، لاراد لقضائه ، ولا معقب لحكمه ، ولا يسأل عما يفعل .إن واقع الناس يشهد ويعلن : أن الله - تعالى - يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ، فما لهؤلاء القوم ينكرون هذا الواقع بأفعالهم القبيحة ، حيث إنهم يبطرون عند السراء ، ويقنطون عند الضراء؟
فالمقصود بالآية الكريمة توبيخهم على عدم فهمهم لسنن الله فى خلقه .ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) أى : إن فى ذلك الذى ذكرناه لكم من أحوال الناس ، ومن قدرتنا على كل شئ ( لآيَاتٍ ) واضحات ، وعبر بينات ، لقوم يؤمنون بما أرشدناهم إليه ، ويعلمون بما يقتضيه إيمانهم .
قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا أَذَقْنَا الناس رَحْمَةً فَرِحُواْ بِهَا ﴾ لما بين حال المشرك الطاهر شركه بين حال المشرك الذي دونه وهو من تكون عبادته الله للدنيا، فإذا آتاه رضي وإذا منعه سخط وقنط ولا ينبغي أن يكون العبد كذلك، بل ينبغي أن يعبد الله في الشدة والرخاء، فمن الناس من يعبد الله في الشدة كما قال تعالى: ﴿ وَإِذَا مَسَّ الناس ضُرٌّ دَعَوْاْ رَبَّهُمْ ﴾ ومن الناس من يعبده إذا آتاه نعمة كما قال تعالى: ﴿ وَإِذَا أَذَقْنَا الناس رَحْمَةً فَرِحُواْ بِهَا ﴾ والأول كالذي يخدم مكرها مخافة العذاب والثاني كالذي يخدم أجيراً لتوقع الأجر وكلاهما لا يكون من الثبتين في ديوان المرتبين في الجرائد الذين يأخذون رزقهم سواء كان هناك شغل أو لم يكن، فكذلك القسمان لا يكونان من المؤمنين الذين لهم رزق عند ربهم، وفيه مسألة: وهي أن قوله تعالى: ﴿ فَرِحُواْ بِهَا ﴾ إشارة إلى دنو همتهم وقصور نظرهم فإن فرحهم يكون بما وصل إليهم لا بما وصل منه إليهم، فإن قال قائل الفرح بالرحمة مأمور به في قوله تعالى: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فليفرحوا ﴾ وهاهنا ذمهم على الفرح بالرحمة، فكيف ذلك؟
فنقول هناك قال: فرحوا برحمة الله من حيث إنها مضافة إلى الله تعالى وهاهنا فرحوا بنفس الرحمة حتى لو كان المطر من غير الله لكان فرحهم به مثل فرحهم بما إذا كان من الله، وهو كما أن الملك لو حط عند أمير رغيفاً على السماط أو أمر الغلمان بأن يحطوا عنده زبدية طعام يفرح ذلك الأمير به، ولو أعطى الملك فقيراً غير ملتفت إليه رغيفاً أو زبدية طعام أيضاً يفرح لكن فرح الأمير بكون ذلك من الملك وفرح الفقير بكون ذلك رغيفاً وزبدية.
ثم قال تعالى: ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ﴾ لم يذكر عند النعمة سبباً لها لتفضله بها وذكر عند العذاب سبباً لأن الأول يزيد في الإحسان والثاني يحقق العدل.
قوله: ﴿ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ ﴾ إذا للمفاجأة أي لا يصبرون على ذلك قليلاً لعل الله يفرج عنهم وإنه يذكرهم به.
ثم قال تعالى: ﴿ أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّ الله يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيات لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ .
أي لم يعلموا أن الكل من الله فالمحقق ينبغي أن لا يكون نظره على ما يوجد بل إلى من يوجد وهو الله، فلا يكون له تبدل حال، وإنما يكون عنده الفرح الدائم، ولكن ذلك مرتبة المؤمن الموحد المحقق، ولذلك قال: ﴿ إِنَّ فِي ذلك لآيات لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
ثم أنكر عليهم بأنهم قد علموا أنه هو الباسط القابض، فما لهم يقنطون من رحمته، وما لهم لا يرجعون إليه تائبين من المعاصي التي عوقبوا بالشدّة من أجلها، حتى يعيد إليهم رحمته.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً ﴾ نِعْمَةً مِن صِحَّةٍ وسِعَةٍ.
﴿ فَرِحُوا بِها ﴾ بَطَرُوا بِسَبَبِها.
﴿ وَإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ ﴾ شِدَّةٌ.
﴿ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ ﴾ بِشُؤْمِ مَعاصِيهِمْ.
﴿ إذا هم يَقْنَطُونَ ﴾ فاجَؤُوا القُنُوطَ مِن رَحْمَتِهِ وقَرَأ الكِسائِيُّ وأبُو عَمْرٍو بِكَسْرِ النُّونِ.
﴿ أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ ﴾ فَما لَهم لَمْ يَشْكُرُوا ولَمْ يَحْتَسِبُوا في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ كالمُؤْمِنِينَ.
﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ فَيَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى كَمالِ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ.
<div class="verse-tafsir"
{أو لم يَرَوْاْ أَنَّ الله يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ إِنَّ فِى ذَلِكَ لايات لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} أنكر عليهم بأنهم قد علموا بأنه القابض الباسط فما لهم يقنطون من رحمته ومالهم لا يرجعون إليه تائبين عن المعاصي التي عوقبوا بالشدة من أجلها حتى يعيد إليهم رحمته
﴿ أوَلَمْ يَرَوْا ﴾ أيْ ألَمْ يَنْظُرُوا، ولَمْ يُشاهِدُوا، ﴿ أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ﴾ أنْ يَبْسُطَهُ تَعالى لَهُ ﴿ ويَقْدِرُ ﴾ أيْ ويُضَيِّقُهُ عَلى مَن يَشاءُ أنْ يُضَيِّقَهُ عَلَيْهِ، وهَذا إمّا بِاعْتِبارِ شَخْصَيْنِ، أوْ بِاعْتِبارِ شَخْصٍ واحِدٍ في زَمانَيْنِ، والمُرادُ إنْكارُ فَرَحِهِمْ وقُنُوطِهِمْ في حالَتَيِ الرَّخاءِ والشِّدَّةِ، أيْ أوَلَمْ يَرَوْا ذَلِكَ فَما لَهم لَمْ يَشْكُرُوا، ولَمْ يَحْتَسِبُوا في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ كالمُؤْمِنِينَ، ﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ المَذْكُورِ، أيِ البَسْطِ وضِدِّهِ، أوْ جَمِيعِ ما ذُكِرَ ﴿ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ فَيَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى كَمالِ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ، ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ مَن قالَ: نَكَدُ الأرِيبِ وطِيبُ عَيْشِ الجاهِلِ قَدْ أرْشَداكَ إلى حَكِيمٍ كامِلِ قالَ الطِّيبِيُّ: كانَتِ الفاصِلَةُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ إيذانًا بِأنَّهُ تَعالى يَفْعَلُ ذَلِكَ بِمَحْضِ مَشِيئَتِهِ سُبْحانَهُ، ولَيْسَ الغِنى بِفِعْلِ العَبْدِ وجَهْدِهِ، ولا العَدَمُ بِعَجْزِهِ وتَقاعُدِهِ، ولا يَعْرِفُ ذَلِكَ إلّا مَن آمَنَ بِأنَّ ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ كَما قالَ: كَمْ مِن أرِيبٍ فَهِمٌ قَلْبُهُ ∗∗∗ مُسْتَكْمِلُ العَقْلِ مُقِلٌّ عَدِيمِ ؎ومِن جَهُولٍ مُكْثِرٍ مالُهُ ∗∗∗ ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ <div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها يعني: المطر والسعة وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يعني: الجوع والشدة بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ يعني: جزاء لذنوبهم إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ يعني: آيسين من الرزق.
قرأ أبو عمرو الكسائي: يَقْنَطُونَ بكسر النون.
وقرأ الباقون بالنصب.
وهما لغتان ومعناهما واحد.
ثم وعظهم ليعتبروا ويطمئنوا بالرزق فقال عز وجل: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ يعني: يوسع، وكان يرى صلاح العبد في ذلك.
وَيَقْدِرُ يعني: يضيق العيش.
ويكون صلاحه في ذلك من البسط والتقتير إِنَّ فِي ذلِكَ يعني: في البسط والتقتير لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ يعني يصدقون.
قوله عز وجل: فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ يعني: فأعط ذا القربى حقه، وحق القرابة هو الصلة وَالْمِسْكِينَ يعني: أعطي السائل حقه، وحقه أن يتصدق عليه بشيء وَابْنَ السَّبِيلِ يعني: الضيف النازل، وحقه أن تحسن إليه ذلِكَ خَيْرٌ يعني: الذي وصف من صلة القرابة، والمسكين، وابن السبيل، ذلك خير لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ يعني: أي يريدون بذلك رضاء الله، خير من الإمساك عندهم.
وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ يعني: الناجون.
ويقال: الباقون في النعمة.
ويسمى السحور فلاحاً لأنه يبقي للصائم قوة وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً يعني: ما أعطيتم من عطية لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ يعني: ليزدادوا في أموال.
ومعناه: ما أعطيتم من عطية لتلتمسوا بها الزيادة فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ أي: فلا تضاعف تلك العطية عند الله عز وجل، ما أعطيتم عند الله ولا يأثم فيه.
وروى معمر عن قتادة عن ابن عباس قال: هي هبة يريد أن يثاب أفضل منها.
فذلك الذي لا يربو عند الله، ولا يؤجر فيه صاحبه، ولا إثم عليه.
وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ قال: هي الصدقة تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد مثله.
وقال عكرمة: الربا ربوان: ربا حلال، وربا حرام.
فأما الحلال فهو هبة الرجل يريد أن يثاب ما هو أفضل منها.
وأما الحرام فزيادة خالية عن العوض في عقد المعاوضة.
وهو نوعان: ربا الفضل، وربا النساء.
عرف ذلك في كتب الفقه.
قرأ ابن كثير وَما آتَيْتُمْ بغير مد يعني: ما جئتم.
وقرأ الباقون: بالمد يعني: ما أعطيتم.
واتفقوا في الثاني أنه بالمد.
وقرأ نافع لتربو بالتاء والضم، والباقون بالياء والنصب.
فمن قرأ بالنصب.
فمعناه: لتستزيدوا أنتم زيادة في المال.
يعني: لتكثروا أموالكم بما أعطيتم.
ومن قرأ: لِيَرْبُوَا بالياء معناه: ليربو المعطي فيكثر حتى يرد ما هو أكثر منه.
ثم بيّن ما يربو فيه فقال: وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ يعني: ما أعطيتم من صدقة تريدون وجه الله يعني: رضا الله.
ففيه الإضعاف.
فأولئك هم المضعفون للواحد عشرة فصاعداً.
ويقال: الْمُضْعِفُونَ أي: الواجدين من الضعف.
كما يقال: أكذبته إذا وجدته كاذباً.
ثم أخبر عن صنعه ليعرف توحيده فقال عز وجل: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ولم تكونوا شيئاً ثُمَّ رَزَقَكُمْ يعني: أطعمكم ما عشتم في الدنيا ثُمَّ يُمِيتُكُمْ عند انقضاء آجالكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ للبعث بعد الموت، لينْبّئكم بما عملتم في الدنيا ويجازيكم هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ يعني: يفعل كفعله.
ثم نزّه نفسه فقال: سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ وقد ذكرناه.
ويقال: الله الذي خلقكم وطلب منكم العبادة، ثم رزقكم وطلب الطمأنينة، ثم يميتكم وطلب منكم الاستعداد للموت، ثم يحييكم وطلب منكم الحجة والبرهان.
<div class="verse-tafsir"
فِطْرَتَ اللَّهِ ...
الآية، إلى الْقَيِّمُ فذكرُ الأبوين إنما هما مثالٌ للعَوارِض التي هي كثيرةُ.
وقال البخاريُّ: فِطْرَةُ اللهِ: هِيَ الإسْلاَمُ «١» ، انتهى.
وقوله تعالى: لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ يحتمل أنْ يريدَ بها هذه الفطرةَ، ويحتمل أن يريدَ بها الإنحاء على الكفرة اعترض به أثناء الكلام كأنه يقول: أقم وجهَك للدين الذي من صفته كذا وكذا، فإنَّ هؤلاءِ الكفرة قد خلق الله لهم الكفر، ولا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ، أي: أنهم لا يفلحون، وقيل غيرُ هذا، وقال البخاري: لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ أي:
لدين الله، وخُلُق الأولين: دينهم.
انتهى.
والْقَيِّمُ بناءُ مبَالَغَةٍ مِنَ القيام الذي هو بمعنى الاستقامة، ومُنِيبِينَ يحتمل أنْ يكونَ حالاً من قوله فَطَرَ النَّاسَ لا سِيَّمَا عَلى رَأْي مَنْ رَأَى أَنَّ ذلكَ خصوصٌ في المؤمنين، ويحتمل أن يكون حالا من قوله فَأَقِمْ وَجْهَكَ وجمعه: لأن الخطاب بإقامة الوجه هو للنبي/ صلى الله عليه وسلّم ولأمته نظيرها قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ ٦٦ ب إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ [الطلاق: ١] .
والمشركون المشار إليهم في هذه الآية: هم اليهودُ والنصارى قاله قتادة «٢» ، وقيل غير هذا.
فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٣٨) وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٠) ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (٤٢)
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (٤٣) مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (٤٤) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (٤٥) وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٤٦) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)
وقوله تعالى: وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ...
الآية، ابتداءُ إنحاءٍ على عَبَدَةِ الأَصْنَام.
قال ع «١» : ويلحق من هذه الألفاظ شيءٌ للمؤمنين إذا جاءهم فَرَجٌ بعد شدة فعلقوا ذلك بمخلوقين، أو بحذق آرائهم، وغير ذلك لأن فيه قلة شكر للَّه تعالى ويسمى تَشْرَيكاً مجَازاً.
والسلطانُ هنا البرهانُ من رسولٍ أو كتابٍ، ونحوه.
وقوله تعالى: فَهُوَ يَتَكَلَّمُ معناه فهو يُظْهِر حجتَهم، ويغلبُ مذهبَهم، وينطق بشركهم.
ثم قال تعالى: وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها ...
الآية، وكل أحد يأخذ من هذه الخُلُقِ بقسطِ، فالمقل والمكثر، إلا من ربطتِ الشريعةُ جأشَه، ونَهَجَتِ السنة سبيلَه، وتأدَّب بآداب الله، فصبر عند الضراء وشكر عند السراء، ولم يَبْطُرْ عند النِّعْمَةِ، ولا قنط عند الابتلاءِ، والقَنَطُ: اليأسُ الصريحُ.
ثم ذكر تعالى الأمر الذي من اعتبره لم يَيْأْسْ من رَّوْح اللهِ- وهو أنه سبحانه يَخُصُّ من يشاء من عبادهِ بِبَسْطِ الرزق، ويقدر على من يشاء منهم.
فينبغي لكلِ عَبْدٍ أنْ يكونَ راجياً ما عند ربه.
ثم أمر تعالى نبيَّه- عليه السلام- أمراً تَدْخُلُ فيه أمته- على جهة الندب- بإيتاء ذي القربى حقَّه من صلة المالِ، وحسنِ المعاشرة ولين القول، قال الحسن «٢» : حقه المواساةُ في اليُسْر، وقولٌ مَيْسُورٌ في العُسْرِ.
قال ع «٣» : ومعظمُ ما قُصِدَ أمر المعونة بالمال.
وقرأ الجمهور: وَما آتَيْتُمْ بمعنى: أعطيتم، وقرأ ابن كثير «١» بغير مد، بمعنى:
وما فعلتم، وأجمعوا على المد في قوله وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ والربا: الزيادة.
قال ابن عباس «٢» وغيره: هذه الآية نزلتُ في هباتِ الثَّوابِ.
قال ع «٣» : وما جَرَى مَجْرَاها مما يصنعه الإنسان ليجازى عليه كالسِّلمِ وغيرِه، فهو وإن كانَ لاَ إثْمَ فيه فَلا أجْرَ فيه ولاَ زيادة عند الله تعالى، وما أعْطَى الإنسانُ تَنْمِيَةً لِمالهِ وتطهيراً يريدُ بذلك وَجْهَ اللَّه تعالى فذلك هُو الذي يُجَازَى به أضعَافاً مضَاعَفَةً على ما شاء الله له.
وقرأ جمهور السبعةِ «ليربوا» بإسناد الفِعل إلى الربا، وقرأ «٤» نافعٌ وحدَه «لِتُرْبُوا» وباقي الآية بيِّن.
ثم ذكر تعالى- على جهة العبرة- ما ظهرَ من الفسَادِ بسبب المعَاصي، قال مجاهد: البَرُّ البلاد البعيدة من البحر، والبحرُ السواحلُ والمدنُ التي على ضِفَّة البحرِ «٥» ، وظهورُ الفساد فيهما: هو بارتفاعِ البركاتِ، ووقوعِ الرزايا، وحدوثِ الفتنِ.
وتغلب العدوِّ، وهذه الثلاثةُ توجَد في البر والبحر، قال ابن عباس: الفسادُ في البحر:
انقطاع صَيْدِه بذَنَوب بني آدم «٦» ، وقلما توجد أمة فاضلةٌ مُطِيعَةٌ مُسْتَقِيمَةُ الأعمال إلا يدفعُ الله عنها هذه الأمور، والأمرُ بالعكس في المعاصي، وبطر النعمة ليذيقهم عاقبة بعض ما عملوا ويعفوا عن كثير.
ولَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ، أي: يتوبون ويراجعونَ بصائَرهم فِي طاعةِ ربهِم ثم حذَّر- تعالى- من يومِ القيامةِ تحذيراً يَعُمُّ العالمَ وإياهُمُ المقصد بقوله فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ الآية وَلاَ مَرَدَّ لَهُ: معناه:
لَيْسَ فِيه رُجُوعٌ لِعَمَلِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُريد/ لاَ يَردُّهُ رَادٌّ.
وهذا ظاهر بحسب اللفظ ٦٧ أويَصَّدَّعُونَ: معناه: يَتَفَرَّقُونَ بعد جمعهم إلى الجنةِ وإلى النار.
ثم ذكر تعالى من آياته أشياءَ وهي ما في الرِّيحِ من المنافِع وذلك أنها بشرى بالمطر ويُلَقَّحُ بها الشجر، وغير ذلك،
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأقِمْ وجْهَكَ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: أخْلِصْ دِينَكَ الإسْلامَ ﴿ لِلدِّينِ ﴾ أيْ: لِلتَّوْحِيدِ.
وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: اسْتَقِمْ بِدِينِكَ نَحْوَ الجِهَةِ الَّتِي وجَّهَكَ اللَّهُ إلَيْها.
وقالَ غَيْرُهُ: سَدِّدَ عَمَلَكَ.
والوَجْهُ: ما يُتَوَجَّهُ إلَيْهِ، وعَمَلُ الإنْسانِ ودِينُهُ: ما يُتَوَجَّهُ إلَيْهِ لِتَسْدِيدِهِ وإقامَتِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَنِيفًا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الحَنِيفُ: الَّذِي يَمِيلُ إلى الشَّيْءِ ولا يَرْجِعُ عَنْهُ، كالحَنَفِ في الرِّجْلِ، وهو مَيْلُها إلى خارِجِها خِلْقَةً، لا يَقْدِرُ الأحْنَفُ أنْ يَرُدَّ حَنَفَهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ فِطْرَتَ اللَّهِ ﴾ مَنصُوبٌ، بِمَعْنى: اتَّبِعَ فِطْرَةَ اللَّهِ، لِأنَّ مَعْنى ﴿ فَأقِمْ وجْهَكَ ﴾ : اتَّبِعِ الدِّينَ القَيِّمَ، واتَّبِعْ فِطْرَةَ اللَّهِ، أيْ: دِينَ اللَّهِ.
والفِطْرَةُ: الخِلْقَةُ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ عَلَيْها البَشَرَ.
وكَذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: " «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ» "، أيْ: عَلى الإيمانِ بِاللَّهِ.
وقالَ مُجاهِدٌ في قَوْلِهِ: ﴿ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها ﴾ قالَ: الإسْلامُ، وكَذَلِكَ قالَ قَتادَةُ.
والَّذِي أشارَ إلَيْهِ الزَّجّاجُ أصَحُّ، وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، فَقالَ: فَرْقُ ما بَيْنَنا وبَيْنَ أهْلِ القَدَرِ في هَذا الحَدِيثِ، أنَّ الفِطْرَةَ عِنْدَهُمُ: الإسْلامُ، والفِطْرَةَ عِنْدَنا: الإقْرارُ بِاللَّهِ والمَعْرِفَةُ بِهِ، لا الإسْلامُ، ومَعْنى الفِطْرَةِ: ابْتِداءُ الخِلْقَةِ، والكُلُّ أقَرُّوا حِينَ قَوْلِهِ: ﴿ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟
قالُوا بَلى ﴾ ولَسْتَ واجِدًا أحَدًا إلّا وهو مُقِرٌّ بِأنَّ لَهُ صانِعًا ومُدَبِّرًا وإنْ عَبَدَ شَيْئًا دُونَهُ وسَمّاهُ بِغَيْرِ اسْمِهِ؛ فَمَعْنى الحَدِيثِ: إنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ في العالَمِ عَلى ذَلِكَ العَهْدِ وذَلِكَ الإقْرارِ الأوَّلِ، وهو لِلْفِطْرَةِ، ثُمَّ يُهَوِّدُ اليَهُودُ أبْناءَهُمْ، أيْ: يُعَلِّمُونَهم ذَلِكَ، ولَيْسَ الإقْرارُ الأوَّلُ مِمّا يَقَعُ بِهِ حُكْمٌ ولا ثَوابٌ؛ وقَدْ ذَكَرَ نَحْوَ هَذا أبُو بَكْرٍ الأثْرَمُ، واسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِأنَّ النّاسَ أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لا يَرِثُ المُسْلِمُ الكافِرَ، ولا الكافِرُ المُسْلِمَ، ثُمَّ أجْمَعُوا عَلى أنَّ اليَهُودِيَّ إذا ماتَ لَهُ ولَدٌ صَغِيرٌ وِرَثَهُ، وكَذَلِكَ النَّصْرانِيُّ والمَجُوسِيُّ، ولَوْ كانَ مَعْنى الفِطْرَةِ الإسْلامُ، ما ورِثَهُ إلّا المُسْلِمُونَ، ولا دُفِنَ إلّا مَعَهُمْ؛ وإنَّما أرادَ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: " «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ» " أيْ: عَلى تِلْكَ البِدايَةِ الَّتِي أقَرُّوا لَهُ فِيها بِالوَحْدانِيَّةِ حِينَ أخَذَهم مِن صُلْبِ آدَمَ، فَمِنهم مَن جَحَدَ ذَلِكَ بَعْدَ إقْرارِهِ.
ومِثْلُ هَذا الحَدِيثِ حَدِيثُ عِياضِ بْنِ حِمارٍ «عَنِ النَّبِيِّ قالَ: " قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: إنِّي خَلَقْتُ عِبادِي حُنَفاءَ "»، وذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يَدْعُهم يَوْمَ المِيثاقِ إلّا إلى حَرْفٍ واحِدٍ، فَأجابُوهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ﴾ لَفْظُهُ لَفْظُ النَّفْيِ، ومَعْناهُ النَّهْيُ؛ والتَّقْدِيرُ: لا تُبَدِّلُوا خَلْقَ اللَّهِ.
وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ خِصاءُ البَهائِمِ، قالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
والثّانِي: دِينُ اللَّهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، والنَّخَعِيُّ في آخَرِينَ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ كالقَوْلَيْنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ ﴾ يَعْنِي التَّوْحِيدَ المُسْتَقِيمَ ﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ ﴿ لا يَعْلَمُونَ ﴾ تَوْحِيدَ اللَّهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُنِيبِينَ إلَيْهِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: زَعَمَ جَمِيعُ النَّحْوِيِّينَ أنَّ مَعْنى هَذا: فَأقِيمُوا وُجُوهَكم مُنِيبِينَ، لِأنَّ مُخاطَبَةَ النَّبِيِّ تَدْخُلُ مَعَهُ فِيها الأُمَّةُ ومَعْنى " مُنِيبِينَ ": راجِعِينَ إلَيْهِ في كُلِّ ما أمَرَ، فَلا يَخْرُجُونَ عَنْ شَيْءٍ مِن أمْرِهِ.
وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ [البَقَرَةِ: ٣، الأنْعامِ: ١٥٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَإذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهم مُنِيبِينَ إلَيْهِ ثُمَّ إذا أذاقَهم مِنهُ رَحْمَةً ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ القَحْطُ، والرَّحْمَةُ: المَطَرُ.
والثّانِي: أنَّهُ البَلاءُ، والرَّحْمَةُ: العافِيَةُ، ﴿ إذا فَرِيقٌ مِنهُمْ ﴾ وهُمُ المُشْرِكُونَ.
والمَعْنى: أنَّ الكُلَّ يَلْتَجِؤُونَ إلَيْهِ في شَدائِدِهِمْ، ولا يَلْتَفِتُ المُشْرِكُونَ حِينَئِذٍ إلى أوْثانِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في آخِرِ (العَنْكَبُوتِ: ٦٧)، وقَوْلُهُ: ﴿ فَتَمَتَّعُوا ﴾ خِطابٌ لَهم بَعْدَ الإخْبارِ عَنْهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ ﴾ أيْ: عَلى هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ ﴿ سُلْطانًا ﴾ أيْ: حُجَّةً وكِتابًا مِنَ السَّماءِ ﴿ فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ ﴾ أيْ: يَأْمُرُهم بِالشِّرْكِ؟!
وهَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ، مَعْناهُ: لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا أذَقْنا النّاسَ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ ﴿ رَحْمَةً ﴾ وهي المَطَرُ.
والسَّيِّئَةُ: الجُوعُ والقَحْطُ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الرَّحْمَةُ: النِّعْمَةُ، والسَّيِّئَةُ: المُصِيبَةُ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وهَذا الفَرَحُ المَذْكُورُ هاهُنا، هو فَرَحُ البَطَرِ الَّذِي لا شُكْرَ فِيهِ، والقُنُوطُ: اليَأْسُ مِن فَضْلِ اللَّهِ، وهو خِلافُ وصْفِ المُؤْمِنُ، فَإنَّهُ يَشْكُرُ عِنْدَ النِّعْمَةِ، ويَرْجُو عِنْدَ الشِّدَّةِ؛ وقَدْ شَرَحْناهُ في (بَنِي إسْرائِيلَ: ٢٦) إلى قَوْلِهِ: ﴿ ذَلِكَ ﴾ يَعْنِي إعْطاءَ الحَقِّ ﴿ خَيْرٌ ﴾ أيْ: أفْضُلُ مِنَ الإمْساكِ ﴿ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ ﴾ أيْ: يَطْلُبُونَ بِأعْمالِهِمْ ثَوابَ اللَّهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذا أذَقْنا الناسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ إذا هم يَقْنَطُونَ ﴾ ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ فَآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وجْهَ اللهِ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى حالَةَ الناسِ مَتى تَأْتِيهِمْ شِدَّةٌ وضُرٌّ ونَجَوا مِنهُ إلى سِعَةٍ، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الأمْرَ أيْضًا مِنَ الطَرَفِ الآخَرِ بِأنْ ذَكَرَ الرَحْمَةَ ثُمَّ تُعَقِّبُ الشِدَّةُ، فَلَهم في الرُتْبَةِ الأُولى تَضَرُّعٌ ثُمَّ إشْراكٌ، ولَهم في الثانِيَةِ فَرَحٌ وبَطَرٌ ثُمَّ قُنُوطٌ ويَأْسٌ، وكُلُّ أحَدٍ يَأْخُذُ مِن هَذِهِ الخُلُقَ بِقِسْطٍ، فَمِنهُمُ المُقِلُّ والمُكْثِرُ، إلّا مَن رَبَطَتِ الشَرِيعَةُ عَلى قَلْبِهِ، وتَأدَّبَ بِأدَبِ اللهِ تَعالى، فَصَبَرَ عِنْدَ الضَرّاءِ، وشَكَرَ عِنْدَ السَرّاءِ، ولَمْ يَبْطَرْ عِنْدَ النِعْمَةِ، ولَمْ يَقْنُطْ عِنْدَ الِابْتِلاءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ ﴾ ، أيْ إنَّ اللهَ يَمْتَحِنُ الأُمَمَ، ويُصِيبُ مِنهم عِنْدَ فُشُوِّ المَعاصِي وظُهُورِ المَناكِرِ، وكَذَلِكَ قَدْ يُصابُ شَخْصٌ بِسُوءِ أعْمالِهِ بِشَيْءٍ وحْدَهُ، ويَعْفُو اللهُ عن كَثِيرٍ.
والقُنُوطُ: اليَأْسُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وجَماعَةٌ.
"يَقْنِطُونَ" بِكَسْرِ النُونِ، وقَرَأ نافِعٌ، والحُسْنُ، وجَماعَةٌ بِفَتْحِها.
وجَوابُ الشَرْطِ في قَوْلِهِ: ( إنْ تُصِبْهم ) قَوْلُهُ؛ ﴿ "إذا هُمْ"، ﴾ وذَلِكَ أنَّها لِلْمُفاجَأةِ لا يُبْتَدَأُ بِها؛ لِأنَّها بِمَنزِلَةِ الفاءِ، ويُجابُ بِها الشَرْطُ، وأمّا الَّتِي لِلشَّرْطِ أوِ الَّتِي فِيها مَعْنى الشَرْطِ فَيُبْتَدَأُ بِهِما.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى الأمْرَ الَّذِي مَنِ اعْتَبَرَهُ لَمْ يَيْأسْ مِن رُوحِ اللهِ تَعالى عَلى حالٍ، وهو أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى يَخُصُّ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ بِبَسْطِ الرِزْقِ، فَيَنْبَغِي لِكُلِّ عَبْدٍ أنْ يَكُونَ راجِيًا ما عِنْدَ رَبِّهِ، ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ أمَّرا تَدْخُلُ الأُمَّةُ فِيهِ، وهَذا عَلى جِهَةِ النَدْبِ إلى إيتاءِ ذِي القُرْبى حَقَّهُ مِن صِلَةِ المالِ وحُسْنِ المُعاشَرَةِ ولِينِ القَوْلِ.
قالَ الحَسَنُ: حَقُّهُ المُواساةُ في اليُسْرِ، قالَ: ومُعْظَمُ ما قَصَدَ أمْرُ المَعُونَةِ بِالمالِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ : « "فِي المالِ حَقٌّ سِوى الزَكاةِ"،» وذَلِكَ لِلْمِسْكِينِ وابْنِ السَبِيلِ حَقٌّ، وبَيَّنَ أنَّ حَقُّ هَذَيْنِ إنَّما هو في المالِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وكَذَلِكَ يَلْزَمُ القَرِيبُ المُعْدَمُ الَّذِي يَقْضِي حَقَّهُ أنْ يَقْضِيَ أيْضًا حَقَّ قَرِيبِهِ في جَوْدَةِ العِشْرَةِ، و"وَجْهُ اللهِ" هُنا جِهَةُ عِبادَتِهِ ورِضاهُ، و"المُفْلِحُونَ": الفائِزُونَ بِبُغْيَتِهِمُ، البالِغُونَ لِآمالِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
أعيد الكلام على أحوال المشركين زيادة في بسط الحالة التي يتلقون بها الرحمة وضدها تلقياً يستوون فيه بعد أن مُيز فيما تقدم حال تلقي المشركين للرحمة بالكفران المقتضي أن المؤمنين لا يتلقونها بالكفران.
فأريد تنبيههم هنا إلى حالة تلقيهم ضد الرحمة بالقنوط ليحذروا ذلك ويرتاضوا برجاء الفرج والابتهال إلى الله في ذلك والأخذ في أسباب انكشافها.
والرحمة أطلقت على أثر الرحمة وهو المنافع والأحوال الحسنة الملائمة كما ينبني عنه مقابلتها بالسيئة وهي ما يسوء صاحبه ويحزنه فالمقصد من هذه الآية تخلق المسلمين بالخلق الكامل، ف ﴿ الناس ﴾ مراد به خصوص المشركين بقرينة أن الآية ختمت بقوله وقدمت في هذه الآية إصابة الرحمة على إصابة السيئة عكسَ التي قبلها للاهتمام بالحالة التي جُعلت مبدأ العبرة وأصل الاستدلال، فقوله فرحوا بها } وصف لحال الناس عندما تصيبهم الرحمة ليبنَى عليه ضده في قوله ﴿ إذا هم يقنطون ﴾ لما يقتضيه القنوط من التذمر والغضب، فليس في الكلام تعريض بإنكار الفرح حتى نضطر إلى تفسير الفرح بالبطر ونحوه لأنه عدول عن الظاهر بلا داع.
والمعنى: أنهم كما يفرحون عند الرحمة ولا يخطر ببالهم زوالها ولا يحزنون من خشيته، فكذلك ينبغي أن يصبروا عندما يمسهم الضر ولا يقنطوا من زواله لأن قنوطهم من زواله غير جار على قياس حالهم عندما تصيبهم رحمة حين لا يتوقعون زوالها، فالقنوط هو محل الإنكار عليهم وهذا كقوله تعالى ﴿ لا يسأم الإنسان من دعاء الخير وإن مسَّه الشرُّ فيؤوس قنوط ﴾ [فصلت: 49] في أن محل التعجيب هو اليأس والقنوط، وتقدم ذكر الإذاقة آنفاً.
والقنوط: اليأس، وتقدم في سورة الحجر (55) عند قوله تعالى ﴿ فلا تكن من القانطين ﴾ وأدمج في خلال الإنكار عليهم قوله ﴿ بما قدمت أيديهم ﴾ لتنبيههم إلى أن ما يصيبهم من حالة سيئة في الدنيا إنما سببها أفعالهم التي جعلها الله أسباباً لمسببات مؤثرة لا يحيط بأسرارها ودقائقها إلا الله تعالى، فما على الناس إلا أن يحاسبوا أنفسهم ويجروا أسباب إصابة السيئات، ويتداركوا ما فات، فذلك أنجى لهم من السيئات وأجدر من القنوط.
وهذا أدب جليل من آداب التنزيل قال تعالى ﴿ ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك ﴾ [النساء: 79].
وقرأ الجمهور ﴿ يقنَطون ﴾ بفتح النون على أنه مضارع قَنِط من باب حسِب.
وقرأه أبو عمرو والكسائي بكسر النون على أنه مضارع قَنط من باب ضرب وهما لغتان فيه.
ثم أنكر عليهم إهمال التأمل في سنّة الله الشائعة في الناس: من لحاق الضر وانفراجه، ومن قسمة الحظوظ في الرزق بين بسط وتقتير فإنه كثير الوقوع كل حين فكما أنهم لم يقنطوا من بسط الرزق عليهم في حين تقتيره فكدحوا في طلب الرزق بالأسباب والدعاء فكذلك كان حقهم أن يتلقوا السوء النادر بمثل ما يتلقون به ضيق الرزق، فيسعَوا في كشف السيئة بالتوبة والابتهال إلى الله وبتعاطي أسباب زوالها من الأسباب التي نصبها الله تعالى، فجملة ﴿ أو لم يروا أن الله يبسط الرزق ﴾ الخ عطف على جملة ﴿ وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها ﴾ والاستفهام إنكاري في معنى النفي؛ أنكر عليهم عدم الرؤية تنزيلاً لرؤيتهم ذلك منزلة عدم الرؤية لإهمال آثارها من الاعتبار بها.
فالتقدير: إذا هم يقنطون كيف لم يروا بسط الله الرزق وتقتيره كأنهم لم يروا ذلك.
والرؤية بصرية.
وجملة ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون ﴾ تذييل، أي في جميع ما ذكر آيات كثيرة حاصلة كثرتها من اشتمال كل حالة من تلك الأحوال على أسباب خفية وظاهرة، ومُسبباتها كذلك، ومن تعدد أحوال الناس من الاعتبار بها والأخذ منها، كل على حسب استعداده.
وخص القوم المؤمنون بذلك لأنهم أعمق بصائر بما ارتاضت عليه أنفسهم من آداب الإيمان ومن نصب أنفسهم لطلب العلم والحكمة من علوم الدين وحكمة النبوءة.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ: ﴿ أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي كِتابًا، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: عُذْرًا، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: بُرْهانًا، وهو مَعْنى قَوْلِ السُّدِّيِّ وعَطاءٍ.
الرّابِعُ: رَسُولًا، حَكاهُ ابْنُ عِيسى مُحْتَمَلًا.
﴿ فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ يُخْبِرُ بِهِ.
الثّانِي: يَحْتَجُّ لَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿ وَإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً ﴾ فِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها العافِيَةُ والسَّعَةُ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
الثّانِي: النِّعْمَةُ والمَطَرُ، حَكاهُ النَّقّاشُ.
وَيُحْتَمَلُ أنَّها الأمْنُ والدَّعَةُ.
﴿ فَرِحُوا بِها ﴾ أيْ بِالرَّحْمَةِ.
﴿ وَإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ ﴾ فِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: بَلاءٌ وعُقُوبَةٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: قَحْطُ المَطَرِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّها الخَوْفُ والحَذَرُ.
﴿ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ ﴾ أيْ بِذُنُوبِهِمْ.
﴿ إذا هم يَقْنَطُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ القُنُوطَ اليَأْسُ مِنَ الرَّحْمَةِ والفَرَجِ، قالَهُ الجُمْهُورُ.
الثّانِي: أنَّ القُنُوطَ تَرْكُ فَرائِضِ اللَّهِ في اليُسْرِ، قالَهُ الحَسَنُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ منيبين إليه ﴾ قال: تائبين إليه.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ﴿ من الذين فرقوا دينهم ﴾ قال: هم اليهود والنصارى.
وفي قوله: ﴿ أم أنزلنا عليهم سلطاناً ﴾ قال: يأمرهم بذلك.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ أم أنزلنا عليهم سلطاناً فهو يتكلم بما كانوا به يشركون ﴾ يقول: أم أنزلنا عليهم كتاباً فهو ينطق بشركهم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه، مثله.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ﴾ قال: الضيف ﴿ ذلك خير للذين يريدون وجه الله أولئك هم المضعفون ﴾ قال: هذا الذي يقبله الله، ويضاعفه لهم عشر أمثالها وأكثر من ذلك.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وما آتيتم من ربا...
﴾ قال: الربا رباآن.
ربا لا بأس به.
وربا لا يصلح، فأما الربا الذي لا بأس به؛ فهدية الرجل إلى الرجل يريد فضلها، أو اضعافها.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله ﴾ قال: هي الهدايا.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس ﴾ قال: يعطي ما له يبتغي أفضل منه.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن سعيد بن جبير رضي الله عنه ﴿ وما آتيتم من رباً ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله ﴾ قال: ما أعطيتم من عطية لتثابوا عليها في الدنيا، فليس فيها أجر.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما آتيتم من رباً...
﴾ قال: هو الربا الحلال.
أن تهدي أكثر منه، وليس له أجر ولا وزر، ونهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم خاصة فقال: ﴿ ولا تمنن تستكثر ﴾ .
وأخرج البيهقي في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما.
مثله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه ﴿ وما آتيتم رباً...
﴾ قال: الرجل يعطي الشيء ليكافئه به، ويزداد عليه ﴿ فلا يربوا عند الله ﴾ والآخر الذي يعطي الشيء لوجه الله، ولا يريد من صاحبه جزاء ولا مكافأة، فذلك الذي يضعف عند الله تعالى.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وما آتيتم من زكاة ﴾ قال: هي الصدقة.
<div class="verse-tafsir"
قال مقاتل: ثم وعظهم فقال: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ ﴾ الآية (١) (١) "تفسير مقاتل" 79 ب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِذَآ أَذَقْنَا الناس رَحْمَةً ﴾ إنحاء على من يفرح ويبطر إذا أصابه الخير، ويقنط إذا أصابه الشر، وانظر كيف قال هنا ﴿ إِذَا ﴾ ، وقال في الشر ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ ﴾ ، لأن إذا للقطع بوقوع الشرط، بخلاف إن فإنها للشك في وقوعه، ففي ذلك إشارة إلى أن الخير الذي يصيب به عباده أكثر من الشرّ ﴿ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ﴾ المعنى أن ما يصيب الناس من المصائب، فإنه بسبب ذنوبهم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ آتيتم من رباً ﴾ مقصوراً: ابن كثير ﴿ لتربوا ﴾ بضم التاء وسكون الواو على الجمع: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب ﴿ لنذيقهم ﴾ بالنون: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل ﴿ يرسل الريح ﴾ على التوحيد: ابن كثير وحمزة وعلي وخلف ﴿ كسفاً ﴾ بالسكون: يزيد وابن ذكوان ﴿ آثار ﴾ على الجمع: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد ﴿ ضعف ﴾ وما بعده بفتح الضاد: حمزة وعاصم غير للفضل.
الباقون: بالضم وهو اختيار خلف وحفص ﴿ لا ينفع ﴾ بياء الغيبة: حمزة وعلي وخلف وعاصم.
والآخرون: بتاء التأنيث ﴿ لا يستخفنك ﴾ بالنون الخفيفة: رويس عن يعقوب.
الوقوف: ﴿ يشركون ﴾ ه لا وقد يوقف على توهم لام الأمر ﴿ آتيناهم ﴾ ط للعدول إلى الخطاب وابتداء أمر التهديد ﴿ فتمتعوا ﴾ قف لاستئناف التهديد ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ بها ﴾ ج ط فصلاً بين النقيضين ﴿ يقنطون ﴾ ه ﴿ ويقدر ﴾ ج ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ وابن السبيل ﴾ ط ﴿ وجه الله ﴾ ز ط ﴿ المفلحون ﴾ ه ﴿ عند الله ﴾ ج ط لعطف جملتي الشرط ﴿ المضعفون ﴾ ه ﴿ يحييكم ﴾ ط ﴿ شيء ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ مشركين ﴾ ه ﴿ يصدّعون ﴾ ه ﴿ كفره ﴾ ج لما مر ﴿ يمهدون ﴾ ه لا وقد يوقف على جعل اللام للقسم وحذف نون التأكيد ﴿ من فضله ﴾ ه ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ أجرموا ﴾ ط وقيل: يوقف على ﴿ حقاً ﴾ أي وكان الانتقام حقاً.
ثم ابتداً علينا أي واجب علينا ﴿ نصر المؤمنين ﴾ ه ﴿ خلاله ﴾ ط ج للشرط مع الفاء ﴿ يستبشرون ﴾ ه ﴿ لمبلسين ﴾ ه ﴿ موتها ﴾ ط ﴿ الموتى ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع العدول عن بيان الإحياء إلى بيان القدرة ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ يكفرون ﴾ ه ﴿ مدبرين ﴾ ه ﴿ ضلالتهم ﴾ ط ﴿ مسلمون ﴾ ه ﴿ وشيبة ﴾ ط ﴿ ما يشاء ﴾ ج ط لاختلاف الجملتين مع اتحاد المقول ﴿ القدير ﴾ ه ﴿ المجرمون ﴾ ه لا لأن ما بعده جواب القسم ﴿ غير ساعة ﴾ ط ﴿ يؤفكون ﴾ ه ﴿ يوم البعث ﴾ ز لاختلاف الجملتين مع اتحاد المقول ﴿ لا تعلمون ﴾ 5 ﴿ يستعتبون ﴾ ه ﴿ مثل ﴾ ط ﴿ مبطلون ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ لا يوقنون ﴾ ه.
التفسير: لما بين التوحيد بالدلائل وبالمثل بين أنه أمر وجداني يعرفونه في حال الضر والبلاء وإن كانوا ينكرونه في حال الرحمة والرخاء، وفي لفظي المس والإذاقة دليل على أن الإِنسان قليل الصبر في حالتي الضراء والسراء.
وإنما قال ﴿ إذا فريق منهم ﴾ ولم يقل "إذا هم يشركون" كما قال في آخر "العنكبوت"، لأن الكلام هناك مع أهل الشرك وههنا مع الناس كلهم وليس كل الناس كذلك.
ثم استفهم على سبيل الإِنكار قائلاً ﴿ أم أنزلنا ﴾ كأنه قال: إذا تقررت الحجج المذكورة فماذا يقولون، أيتبعون أهواءهم بغير علم أم لهم دليل على ما يقولون؟
وإسناد التكلم إلى الدليل مجاز كما تقول: نطقت الحال بكذا.
و"ما" في قوله ﴿ بما كانوا ﴾ مصدرية والضمير في ﴿ به ﴾ لله أو موصولة والضمير لها اي بالأمر الذي بسببه يشركون، ويجوز أن يكون على حذف المضاف أي ذا سلطان وهو الملك فذلك الملك يتكلم بالبرهان الذي بسببه ﴿ يشركون ﴾ وحين ذكر الشرك الظاهر أتبعه ذكر الخفي وهو أن تكون عبادة الله للدنيا فإذا أتاه بهواه رضي، وإذا منع وعسر سخط وقنط، والرحمة المطر والصحة والأمن وأمثالها، والسيئة أضداد ذلك.
وإنما لم يذكر سبب الرحمة ليعلم أنها بفضله وذكر سبب السيئة وهو شؤم معاصيهم ليدل على عدله.
والفرح بالنعمة مذموم إذا كان مع قطع النظر عن المنعم، فإذا كان مع ملاحظة المنعم فمحمود بل الفرح الكلي يجب أن يكون بالمنعم.
والقنوط من رحمة الله أيضاً مذموم كما مر في قوله ﴿ إنه لا ييأس من روح الله غلا القوم الكافرون ﴾ ثم اشار بقوله ﴿ أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ﴾ إلى أن الكل من الله فيجب أن يكون نظر المحقق في الحالين على الله.
ففي حالة الرحمة يشتغل بالشكر، وفي حالة الضراء لا ينسب الله إلى عدم القدرة وإلى عدم العناية بحال العبد بل يشتغل بالتوبة والإنابة إلى أوان الفرج والنصر، وهذه مرتبة المؤمن الموحد فلذلك قال ﴿ إن في ذلك لايات لقوم يؤمنون ﴾ ولا يخفى أن بسط الرزق مما يشاهد ويرى فلذلك قال ﴿ أولم يروا ﴾ وقال في "الزمر" ﴿ أولم يعلموا ﴾ مناسبة لما قبله وهو ﴿ أوتيته على علم ﴾ وقوله ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ قال جار الله: لما ذكر أن السيئة أصابتهم بما قدمت ايديهم أتبعه ذكر ما يجب أن يفعل وما يجب أن يترك قائلاً ﴿ فآت ذا القربى حقه ﴾ الآية.
وأقول: لما بين كيفية التعظيم لأمر الله أشار إلى الشفقة على خلق الله قائلاً ﴿ فآت ﴾ أيها المكلف أو النبي والأمة يتبعونه لا محالة كما مر في قوله ﴿ فأقم وجهك ﴾ وفيه أن الله إذا بسط الرزق فلا ينقص بالإِنفاق، وإذا ضيق لم يزدد بالإمساك، فينبغي أن لا يتوقف الإنسان في الإحسان.
وفي تخصيص الأصناف الثلاثة بالذكر دلالة على أنهم أولى بالإشفاق عليهم من سائر الأصناف.
وإنما قال ﴿ ذا القربى ﴾ ولم يقل "القريب" ليكون نصاً في معناه ولا يشتبه بالقرب المكاني، وفيه أن القرابة أمر له دوام بخلاف المسكنة وكونه من ابناء السبيل.
وفي قوله ﴿ فآت ذا القربى حقه ﴾ دون أن يقول "فآت هذه الأصناف حقوقهم" تشريف لذوي القرابة حيث جعل الصنفين الآخرين تابعاً لهم على الإطلاق.
فإنه إذا قال الملك: خل فلاناً يدخل وفلاناً أيضاً كان أدخل في التعظيم من أن يقول: خل فلاناً وفلاناً يدخلان ﴿ ذلك ﴾ الإيتاء ﴿ خير ﴾ في نفسه أو خير من المنع ﴿ للذين يريدون وجه الله ﴾ أي ذاته أو جهة قربته فإن من أنفق ألوفاً رياء وسمعة لم ينل درجة من أنفق رغيفاً لوجه الله ﴿ وأولئك هم المفلحون ﴾ كقوله في أول "البقرة" لأن قوله ﴿ فأقم وجهك ﴾ إشارة إلى الإيمان بالغيب وغيره أو إلى إقامة الصلاة، وقوله ﴿ وآت ذا القربى ﴾ أمر بالزكاة بل بالصدقة المطلقة.
وفي قوله ﴿ يريدون وجه الله ﴾ إشارة إلى الاعتراف بالمعاد.
ثم أراد أن يعظم شأن الصدقة فضم إلى ذلك تقبيح أمر الربا استطراداً.
فمن قرأ ممدوداً فظاهر، ومن قرأ مقصوراً فهو من الإتيان أي وما غشيتموه أو أصبتموه من إعطاء ربا ليربو أي ليزيد في أموال أكلة الربا، وفي القراءة الأخرى ليزيد في أموالهم ﴿ فلا يربو ﴾ فلا يزكو ولا ينمو ﴿ عند الله ﴾ لأنه يمحق بركتها نظيره ما مر في آخر البقرة ﴿ يمحق الله الربا ويربى الصدقات ﴾ قيل: نزلت في ثقيف وكانوا يرابون.
وقيل: نزلت في الهبة أو الإهداء لأجل عوض زائد، فبين الله أن ذلك لا يوجب الثواب عند الله وإن كان مباحاً.
وفي الحديث "الجانب المستغزر يثاب عن هبته" أي الرجل الغريب إذا أهدى شيئاً فإنه ينبغي أن يزاد في عوضه.
قال جار الله: في قوله ﴿ فأولئك ﴾ التفات حسن كأنه قال ذلك لخواصه ولملائكته وهو أمدح لهم من أن يقول "فأنتم المضعفون" أي ذوو الإضعاف من الحسنات نظيره المقوي والموسر لذوي القوة واليسار، ولارابط محذوف أي هم المضعفون به.
وجوز في الكشاف أن يراد فمؤتوه أولئك هم المضعفون.
قالت العلماء: أراد الإضعاف في الثواب لا في المقدار، فليس من أعطى رغيفاً فإن الله يعطيه عشرة أرغفة، وإنما المراد أن الرغيف الواحد لو اقتضى أن يكون ثوابه قصراً في الجنة فإن الله يعطيه عشرة قصور تفضلاً.
ثم عاد إلى بيان التوحيد مرة أخرى بتذكير الخلق والرزق والإماتة والإحياء بعدها نظراً إلى الدلائل، ثم طلب منهم الإنصاف بقوله ﴿ هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء ﴾ قال جار الله: "من" الأولى والثانية والثالثة كل واحدة منهن مستقلة بتأكيد لتعجيز شركائهم وتجهيل عبدتهم.
قلت: الأولى للتبعيض كأنه أقام فعل البعض مقام فعل الكل توسعة على الخصم، والثالثة لتأكيد الاستفهام، والمتوسطة للابتداء ولكنه يفيد أنه رضي منهم بشيء واحد من تلك الأشياء للتوسعة المذكورة أيضاً.
ثم بين أن الشرك وسائر المعاصي سبب ظهور الفساد في البر والبحر وذلك لقلة المنافع وكثرة المضار ومحق البركات من كل شيء.
وفسره ابن عباس بإجداب البر وانقطاع مادة البحر وتموجه بمائه، وعن الحسن: المراد بالبحر مدن البحر وقراه التي على سواحله، وقال عكرمة: العرب تسمي الأمصار بحاراً ﴿ لنذيقهم ﴾ وبال بعض أعمالهم في الدنيا قبل أن نعاقبهم بجميعها في الآخرة إرادة أن يرجعوا عماهم عليه، وجوز جار الله أن يراد ظهر الشر والمعاصي في الأرض براً وبحراً بكسب الناس.
وعلى هذا فاللام في قوله ﴿ لنذيقهم ﴾ لام العاقبة.
ثم أمرهم بالنظر في حال أشكالهم الذين كانت أفعالهم كأفعالهم كقوم نوح وعاد وثمود ﴿ كان أكثرهم مشركين ﴾ فيه إشارة إلى أن بعضهم كانوا مرتكبي ما دون الشرك من المعاصي ولكنهم شاركوا المشركين في الهلاك تغليظاً عليهم.
أو هو كقوله ﴿ واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ﴾ أو المراد أن أهل الشرك كانوا أكثر من أهل سائر الأديان الباطلة كالمعطلة والمجسمة ونحوهم.
خاطب نبيه وبتبعيته أمته بقوله ﴿ فأقم ﴾ كأنه قال: وإذ قد ظهر فساد سائر الملل والنحل ﴿ فاقم وجهك للدين ﴾ البليغ الاستقامة ﴿ من قبل أن يأتي ﴾ من الله ﴿ يوم ﴾ لا يرده راد.
ويجوز أن يتعلق قوله ﴿ من الله ﴾ بقوله ﴿ لا مردّ ﴾ أي لا راد له من جهة الله فلا يقدر غيره على رده فلا دافع له أصلاً ﴿ يومئذ يصدّعون ﴾ أي يتصدعون والتصدع التفرق.
ثم بين وجه تفرق الناس بقوله ﴿ من كفر فعليه كفره ﴾ اي وبال كفره عليه لا على غيره ﴿ ومن عمل صالحاً ﴾ أي آمن وعمل صالحاً لأن العمل الصالح لا يتصور إلا بعد الإِيمان، على أن الإِيمان، أيضاً عمل صالح قلبي ولساني وسيصرح به في قوله ﴿ ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ ومعنى ﴿ يمهدون ﴾ يوطؤن كما يسوّي الراقد مضجعه وجوز جار الله أن يراد فعلى أنفسهم يشفقون من قولهم: في المشفق أم فرشت فأنامت.
وذلك ان الإشفاق يلزمه التمهيد عرفاً وعادة.
ثم بين غاية التمهيد بقوله ﴿ ليجزي ﴾ وقوله ﴿ من فضله ﴾ عند أهل السنة ظاهر: وحمله المعتزلة على شبه الكناية لأن الفضل تبع للثواب فلا يكون إلا بعد حصول ما هو تبع له، أو الفضل بمعنى العطاء والثواب.
وفي قوله ﴿ إنه لا يحب الكافرين ﴾ وعيد عظيم لهم لأنه إذا لم يحبهم أرحم الراحمين فلا يتصور لهم خلاص من عذابه ولا مناص ولا رحمة من جهته ولا نعمة، وفيه تعريض بأنه يحب المؤمنين ولا وعد أعظم من هذا ولا شرف فوق ذلك.
قال جار الله: تكرير الذين آمنوا وعملوا الصالحات وترك الضمير إلى الصريح لتقرير أنه لا يفلح عنده إلا المؤمن الصالح.
وقوله ﴿ إنه لا يحب الكافرين ﴾ تقرير بعد تقرير على الطرد والعكس.
قلت: يشبه أن يكون مراده أنه ذكر الكافر أولاً ثم المؤمن، وفي الآية الثانية قرر أولاً أمر المؤمن ثم أردفه بتقرير أمر الكافر.
أو أراد أن قوله ﴿ ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ دل بصريحه على ثواب المؤمن وبتعريضه على حرمان الكافر، وقوله ﴿ إنه لا يحب الكافرين ﴾ دل بصريحه على حرمان الكافر وبتعريضه على ثواب المؤمن.
فالأول طرد والثاني عكس وكل منهما مقرر للآخر.
وحين ذكر ظهور الفساد والهلاك بسبب الشرك ذكر ظهور الصلاح وبين أنه من دلائل الوحدانية بقوله ﴿ ومن آياته أن يرسل الرياح ﴾ ولم يذكر أنه بسبب العمل الصالح لما مر من أن الكريم لا يذكر، لإحسانه سبباً ويذكر لأضراره سبباً.
ومن قرأ على التوحيد فللدلالة على الجنس، ومن قرأ على الجمع فإما لأنه أراد الجنوب والشمال والصبا وهي رياح الرحمة دون الدبور التي هي للعذاب، وإما لأن أكثر الرياح نافعة والضارة كالسموم قليلة جداً لا تهب إلا حيناً، وإما لأن الرياح إذا اجتمعت وتزاحمت وتراكمت حتى صارت ريحاً واحداً أضرت بالأشجار والأبنية وقلعتها وإذا تفرقت وصارت رياحاً اعتدلت ونفعت.
قوله ﴿ مبشرات ﴾ أي بالمطر كقوله ﴿ بشراً بين يدي رحمته ﴾ وقيل: أي بتصحيح الأهوية وإصلاح الأبدان.
وقوله ﴿ وليذيقكم ﴾ إما معطوف على ما قبله معنى كأنه قيل: ليبشركم وليذيقكم بعض رحمته لأن راحات الدنيا زائلة لا محالة، وإما معطوف على محذوف أي وليكون كذا وكذا أرسلناها.
وفي قوله ﴿ بأمره ﴾ إشارة إلى أن مجرد هبوب الريح لا يكفي في جريان الفلك ولكنها تجري بإذن الله وجعله الريح على اعتدال وقوام.
وفي قوله ﴿ ولتبتغوا من فضله ﴾ دلالة على أن ركوب البحر لأجل التجارة جائز.
وفي قوله ﴿ ولعلكم تشكرون ﴾ إشارة إلى أن نعم الله يجب أن تقابل بالشكر.
وإنما بنى الكلام في هذه الآية على الخطاب بخلاف قوله ﴿ ليذيقهم بعض الذي عملوا يرجعون ﴾ تشريفاً لأهل الرحمة، ورحمة الله قريب من المحسنين فكان من حقهم أن يخاطبوا ثم أشار إلى أصل النبوة مع تسلية النبي بقوله ﴿ ولقد ارسلنا ﴾ واختصر الكلام فدل بذكر عاقبة الفريقين المجرم والمؤمن عليهما، فعاقبة المجرمين الذين لم يصدِّقوا رسلهم الإنتقام منهم، وعاقبة الذين صدَّقوهم النصر والظفر على الأعداء.
وفي قوله ﴿ حقاً علينا ﴾ تعظيم لأهل الإيمان ورفع في شأنهم وإلا فلا يجب لأحد على الله شيء.
ثم أراد أن يشير إلى الأصل الثالث وهو المعاد فمهد لذلك مقدمة منتزعة مما تقدم ذكره وهو بيان إرسال الرياح لأجل إحداث السحاب الماطر المبسوطة بعضها على الاتصال والمتفرق بعضها كسفاً اي قطعاً.
وقوله ﴿ فترى الودق ﴾ أي المطر يخرج من خلاله قد مر في النور.
ثم ذكر في ضمن ذلك عجز الإنسان وقلة ثباته وتوكله وقوله ﴿ من قبله ﴾ مكرر للتأكيد ومعناه الدلالة على أن عهدهم بالمطر تطاول فاستحكم بأسهم وتحقق إبلاسهم.
وقيل: اراد أنهم من قبل نزول المطر، أو من قبل ما ذكرنا من إرسال الريح وبسط السحاب كانوا مبلسين، وذلك أن عند رؤية السحب وهبوب الرياح قد يرجى المطر فلا يتحقق الإبلاس.
ثم صرح بالمقصود قائلاً ﴿ إن ذلك لمحي الموتى وهو على كل شيء ﴾ من الإبداء والإعادة ﴿ قدير ﴾ .
ثم أكد تزلزل الإنسان وتذبذبه وأنه بأدنى سبب يكفر بنعمة الله فقال ﴿ ولئن أرسلنا ريحاً ﴾ ضارة باردة أو حارة ﴿ فرأوه ﴾ اي رأوا أثر الرحمة وهو النبات.
ومن قرأ آثار فالضمير عائد إلى المعنى لأن آثار الرحمة النبات أيضاً واسم النبات يقع على القليل والكثير، وإنما قال ﴿ مصفراً ﴾ ولم يقل "أصفر" لأن تلك الصفرة حادثة.
وقيل: فرأوا السحاب مصفراً لأنه إذا كان كذلك لم يمطر.
ثم زاد في تسلية رسوله بقوله ﴿ فإنك لا تسمع الموتى ﴾ إلى قوله ﴿ فهم مسلمون ﴾ وقد مر في آخر النمل.
ثم أعاد من دلائل التوحيد دليلاً آخر من الأنفس وهو خلق الآدمي وذكر أحواله وأطواره وتقلبه من ضعف الطفولية إلى قوة الشباب والكهولة ومنها إلى ضعف الهرم.
وفي قوله ﴿ خلقكم من ضعف ﴾ إشارة إلى أن أساس أمر الإنسان الضعف كقوله ﴿ خلق الإنسان من عجل ﴾ وقيل: من ضعف اي من نطفة.
وهذا الترديد في الأطوار المختلفة أظهر دليل على وجود الصانع العليم القدير.
وقوله ﴿ يخلق ما يشاء ﴾ كقوله في دليل الآفاق ﴿ فيبسطه في السماء كيف يشاء ﴾ والكل إشارة إلى بطلان القول بالطبيعة المستقلة.
ثم عاد إلى ذكر المعاد وأحوال القيامة، وذكر أن الكفار يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا أو في القبور أو فيما بين فناء الدنيا إلى البعث، وأن أهل العلم والإيمان وهم الملائكة والأنبياء وغيرهم حالهم بالعكس.
وذلك أن الموعود بوعد إذا ضرب له أجل يستكثر الأجل ويريد تعجيله، والموعود بوعيد إذا ضرب له أجل يستقل المدة ويريد تأخيرها.
ومعنى ﴿ يؤفكون ﴾ يصرفون عن الصدق والتحقيق أي هكذا كان أمرهم في الدنيا مبيناً على الظن الكاذب وكانوا يصرون بمثله.
ويحتمل أن يكونوا ناسين أو كاذبين.
ومعنى في كتاب الله في اللوح والمحفوظ أو في علمه وقضائه، أو فيما كتب وأوجب.
وفيه رد قول الكفار وإلاع لهم على مصدوقية الحال.
قال جار الله: في الحديث "ما بين فناء الدنيا إلى وقت البعث أربعون" قالوا: لا نعلم أهي أربعون سنة أو أربعون الف سنة.
وذلك وقت يفنون فيه وينقطع عذابهم.
والفاء في قوله ﴿ فهذا يوم البعث ﴾ جواب شرط يدل عليه الكلام كأنه قيل: إن كنتم منكرين البعث فهذا يوم البعث وبه تبين بطلان قولكم ﴿ ولكنكم كنتم لا تعلمون ﴾ أنه حق.
ثم بين أن ذلك اليوم لا يقبل فيه عذر من أهل الشرك وسائر أنواع الظلم ﴿ ولا هم يستعتبون ﴾ أي لا يطلب منهم الرضا فلا يقال لهم ارضوا ربكم بتوبة وطاعة، وقد مر في "النحل".
ثم بين أن القرآن مشحون بقصص وأخبار كلها كالمثل في غرابتها وحسن مواقعها، وأن الرسول مهما جاءهم بدليل أنكروه لأن الذي اجترأ على العناد في دليل واحد، والأغلب أن يتجرأ على أمثاله وهذا نتيجة الطبع والخذلان، فلا علاج في مثل هذه القضية إلا بالصبر وتحمل أعباء الرسالة إلى إنجاز وعد الله بالنصرة وإعلاء الدين.
ومعنى ﴿ لا يستخفنك ﴾ لا يحملنك على الخفة والقلق قوم شاكون فأمثال هذه الأفعال والأقوال لا تستبعد من أهل الريب والضلال أمر أن لا يضجر ويشتغل بالدعاء إلى الحق حتى يأتي أوان النصر والظفر والله المستعان.
قوله: ﴿ وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ﴾ .
قال قائلون: منيبين: مخلصين؛ كقوله: ﴿ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ﴾ .
وقال قائلون: مطيعين.
وقال قائلون: موحدين.
وأصل الإنابة: الرجوع، أي: راجعين إليه عما كانوا فيه من الشرك؛ فالإنابة هي التوحيد، وإن كان الإنابة الإخلاص، فهو رجوع عن الإشراك في العبادة، وإن كان عن العصيان فهو الطاعة، وأصله: الرجوع عما كانوا فيه؛ ففيه وجوه من الاحتجاج على أولئك، وتنبيه وعظة للمؤمنين.
أما الاحتجاج عليهم: فإنه معلوم؛ لأنهم كانوا لا يركبون السفن والبحار مع المؤمنين، ولكن كانوا يركبون بأنفسهم، ثم أخبر عما أخلصوا له والدعاء له والتضرع، دل أنه بالله عرف ذلك؛ فذلك يدل على رسالته.
والثاني: فيه دلالة أنهم قد عرفوا وحدانية الله وألوهيته؛ حيث فزعوا عند الشدائد والبلايا إلى الله، وأخلصوا له الدين، ثبت أنهم قد عرفوا سفه أنفسهم في عبادتهم الأصنام وتركهم عبادة الله، .
والثالث: تصديقاً لقوله: ﴿ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ ﴾ ؛ لأنهم كانوا يسألون الرد إلى الدنيا ليؤمنوا به؛ كقولهم: ﴿ يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَٰتِ رَبِّنَا ﴾ ، فأخبر أنهم يعودون إلى ما كانوا؛ كما عادوا إذا كشف عنهم الضر.
وأما العظة والتنبيه للمؤمنين: فهو أن يكونوا في الأحوال كلها على حال واحد في حال الرخاء والشدة، ذاكرين له شاكرين؛ لأنهم في حال الشدة والبلايا أكثر ذكراً له وإنابة من حال السعة والرخاء، فينبههم ليكونوا في كل حال ذاكرين له منيبين إليه راجعين.
وفيه دلالة: شدة سفه أولئك الكفرة؛ حيث أنابوا إليه وأخلصوا له الدين عندما يصيبهم الشدة والبلاء، ويعرضون عنه ويشركون في ألوهيته عند السعة.
وفي طباع الخلق في الشاهد خلاف ذلك: أن من ضيق على آخر أمره وشدده فهو يعرض عنه ويبغضه، ومن أنعم عليه من ملوك الأرض وأحسن - أطاعه وأحبه؛ فهم لشدة سفههم عكس طباعهم، وخالفوا طباع الناس جميعاً، والله أعلم.
وقوله: ﴿ ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُمْ مِّنْهُ رَحْمَةً ﴾ .
أي: السعة والرخاء.
﴿ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ﴾ .
فإن قيل: ما فائدة ذكر هذه الآيات وأمثالها، وهم كانوا لا يؤمنون بها، ولا ينظرون فيها.
قيل: قد يحتج عليهم بما لا يقرون ولا ينظرون فيه.
أو أن ينظر في ذلك فريق منهم ويعرفونه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُواْ ﴾ .
اختلف فيه: قال بعضهم: هو على التقديم والتأخير؛ يقول: إذا أذاقهم منه رحمة؛ لئلا يكفروا، وإنما أذاقهم رحمة لئلا يكفروا، لكنهم كفروا، إلى هذا ذهب مقاتل.
وعندنا ما ذكرنا: هو أذاقهم منه رحمة؛ ليكون منهم ما قد علم أنهم يختارون، ويكون منهم، وهو الكفر، ولا جائز أن يذيقهم الرحمة؛ لئلا يكفروا، ويعلم منهم أنهم يختارون الكفر ويكون منهم ذلك؛ فدل أنه ما ذكرنا.
ثم في الآية دلالة نقض قول المعتزلة في قولهم: إن على الله الأصلح للعباد لهم في الدين، وقولهم: إذا علم من أحد منهم الإيمان في وقت من الأوقات ليس له أن يخترمه؛ ولكن عليه أن يبقيه إلى ذلك الوقت؛ لأنه لو اخترمه قبل ذلك الوقت لكان هو المانع إيمانه.
فيقال: إن أولئك الكفرة لما أخلصوا دينهم لله في حال الشدة وخوف الهلاك لم يبقهم الله على ذلك الإخلاص والحال التي كانوا يخلصون الأمر له والدين، بل وسع عليهم، وحولهم من تلك الحال، حتى عادوا إلى ما كانوا؛ دل أن ليس على الله حفظ الأصلح للخلق في الدين.
وقد أمر نبيه بمقاتلة الكفرة مطلقاً، ولعلهم يسلمون في وقت لو تركوا أو بعض منهم؛ دل أن ليس ذلك عليه.
وقوله: ﴿ فَتَمَتَّعُواْ ﴾ هو في الظاهر أمر، ولكنه يخرج على الوعيد؛ كقوله: ﴿ ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ ﴾ ، وقد ذكر في آية أخرى: ﴿ وَلِيَتَمَتَّعُواْ ﴾ ؛ فهو ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله: ﴿ أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ أَمْ أَنزَلْنَا ﴾ : بل أنزلنا عليهم سلطاناً وحججاً، فهو يتكلم بما كانوا به يشركون، أي: يبين، ويعلمهم أن الذي هم عليه شرك ليس بتوحيد؛ لأنهم كانوا يقولون: إنا على التوحيد، وإنما نعبد هذه الأصنام ﴿ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ ، و ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ﴾ ونحوه؛ فيقول: بل أنزلنا عليهم ما يبين ويعلم أن ذلك شرك وليس بتوحيد.
ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن قوله: ﴿ أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً ﴾ ، أي: ما أنزلنا عليهم سلطاناً فيأمرهم بما كانوا به يشركون أو يأذن لهم بذلك؛ كقوله: ﴿ أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّىٰ ﴾ ؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً ﴾ أي: لم ننزل عليهم سلطاناً يأمرهم بما كانوا به يشركون، أو كانوا يدعون بذلك أمر الله؛ كقولهم: ﴿ وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ﴾ ، ففيه وجهان على أولئك الكفرة.
أحدهما: ما ذكرنا أنهم كانوا يدعون بذلك الأمر من الله، فيخبر أنهم كذبة في قولهم بأن الله أمرهم بذلك؛ بل لم يأمرهم بذلك، ولا أنزل عليهم الكتاب أو السلطان في إباحة ذلك.
والثاني: يذكر سفههم في عبادتهم الأصنام؛ لأنهم كانوا يعبدون الأصنام، ويسمونها: آلهة، بلا سلطان ولا حجة كانوا يطلبون على ذلك، ثم كانوا يطلبون من الرسول آيات تقهرهم وتضطرهم على رسالته وما يوعدهم، بعدما آتاهم من الآية ما أعلمهم وأنبأهم أنه رسول؛ فالعبادة أعظم وأكبر للمعبود من الرسالة؛ فإذا لم تطلبوا لأنفسكم الحجة والآية القاهرة في إباحة ما تعبدون من دون الله فكيف تطلبون من الرسول الآية القاهرة في إثبات الرسالة؟!
وقال بعضهم: ﴿ أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً ﴾ : كتاباً فيه عذر لهم، فهو يشهد بما كانوا به يشركون.
وقوله: ﴿ وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُواْ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ ﴾ .
إذا أريد أن يسوي بين هذه الآية والآية التي قبلها، وهو قوله: ﴿ وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ...
﴾ إلى آخره، ويجمع بينهما يكون قوله: ﴿ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ ﴾ : من الأصنام التي يعبدونها؛ لأنه يقول في هذه الآية: ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ ﴾ ، وفي الأولى يقول: ﴿ وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ﴾ ؛ فوجه الجمع بينهما ما ذكرنا: أن يكون القنوط من الأصنام، والله أعلم؛ كقوله: ﴿ وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ ﴾ .
أو أن يكون قوله: ﴿ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ ﴾ : عندما امتد بهم الضرّ والشدة؛ حينئذ ييئسون من رحمة الله، والأول في ابتداء ما أصابهم من الضر فزعوا إليه وأنابوا له.
أو أن يكون إحدى الآيتين في قوم، والأخرى في قوم آخرين؛ لأنهم كانوا فرقاً وأحزاباً في الكفر والشرك: منهم من كان يشرك في الأحوال كلها: في حال الضيق والسعة، ومنهم من كان يشرك في حال الضيق، ويؤمن في حال السعة، كقوله: ﴿ وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ ٱلسَّيِّئَاتُ عَنِّيۤ إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ ﴾ .
ومنهم من كان يخلص الدين حال الضر والشدة، ويعاند ويتمرد في حال السعة والرخاء؛ كقوله: ﴿ فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ﴾ ونحوه؛ فكانوا فرقا وأحزابا على ما ذكرنا؛ فجائز أن يكون إحدى الآيتين في فريق وقوم، والآية الأخرى في قوم آخرين.
أو ما ذكرنا من اختلاف الأحوال: يقنطون عندما امتد بهم الضر والشدة، وينيبون إليه عندما لم يمتد بهم ذلك ولم يتطاول.
أو ما ذكرنا من القنوط من الأصنام والإنابة إلى الله؛ كقوله: ﴿ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ ﴾ .
وإلا الآيتان في الظاهر متناقضتان، ولكن الوجه فيه ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ على الكافرين؛ كقوله: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ ﴾ .
ثم وجه الآيات لهم على كفار مكة من وجوه في إثبات الرسالة، وفي البعث، [و] في إظهار سفههم في عبادة الأصنام وإشراكهم إياها في عبادة الله؛ لأن أهل مكة كانوا ينكرون الرسالة والبعث، ويرون عبادة غير الله؛ فالاحتجاج عليهم بهذه الآية على الوجوه التي ذكرنا.
فأما الاحتجاج في إثبات الرسالة فهو من وجوه ثلاثة: أحدها: أنهم كانوا ينكرون الرسالة؛ لأنه بشر، ولا يرون للبشر بعضهم على بعض فضلا؛ كقوله: ﴿ مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ﴾ \[المؤمنون: 33\]؛ فيريهم الفضل لبعضهم على بعض في الرزق: موسعا على بعض مضيقا مقترا على بعض؛ فإن ثبت عندهم، وظهر الفضل لبعض على بعض فيما ذكرنا يجوز الفضل على بعض في الرسالة.
والثاني: ذكر مقابلا لقولهم: ﴿ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾ ؛ يخبر أن الأمر ليس إليهم؛ إنما ذلك إلى الله ، يختار من يشاء لما يشاء من الرسالة والنبوة وغيرهما، كما يختار التوسيع على من يشاء والتضييق والتقتير على من يشاء، وإن كانوا جميعاً يتمنون السعة ويحبونها، ويهربون من الضيق والتقتير، ولكن الأمر في ذلك إلى الله كله.
والثالث: وسع على بعض وضيق على بعض؛ فالجهة التي وسع على بعض غير الجهة التي ضيق على بعض؛ فلا بد من رسول يخبر عن ذلك، ويعلم ما على هذا وما على هذا، وما جهة التفريق بينهم والتفضيل في الرزق، والله أعلم.
وأما الاحتجاج عليهم في البعث بها فمن وجوه أيضاً: أحدها: أنه جمع في هذه الدنيا بين العدو والولي، وسوى بينهما في التوسيع والتضييق؛ إذ وسع على العدو والولي جميعاً، وضيق على الولي ووسع على العدو، وفي الحكمة والعقل التفريق بينهما لا الجمع والتسوية، وقد سوى بينهما في هذه الدنيا وجمع؛ فلا بد من دار أخرى فيها يفرق بينهما؛ فيلزمهم البعث، والله الموفق.
والثاني: أنه وسع الرزق على من هو في تقديرهم وعقولهم لا يوجب التوسيع عليه، وهو السفيه الجاهل الذي في تقدير كل ذي عقل ولب أن يكون محروما مضيقا، وضيق على من هو في تقدير كل أحد وعقله أن يكون موسعا عليه مرزوقا، وهو العاقل العارف بجميع أسباب السعة والغناء، وفي التقدير على خلاف هذا؛ فلا بد من مكان فيه يظهر التفضيل للعقول والمعارف، والرغبة فيها، والرغبة عن أضدادها، ومن هو أهل التوسيع ومن هو أهل الحرمان؛ إذ قد اشتركوا في هذه.
والثالث: أن يعتبروا وينظروا بأن من قدر على توسيع الرزق وبسطه وتضييق الرزق وحرمانه، بالأسباب الخارجة عن تقديرهم وتدبيرهم وبغير أسباب لقادر على إحياء الأشياء الخارجة عن تقدير قدرتهم وتدبيرهم، والله أعلم.
وأما وجه الاحتجاج عليهم بعبادتهم غير الله، فهو أن في ذلك تناقض، وذلك أنهم قالوا: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ ، و ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ﴾ ، وكانت لا تشفع لهم في الدنيا، ولا تقربهم الزلفى فيها في التوسيع والبسط ودفع الضيق، وفي الآخرة لا يحتمل؛ لأنهم كانوا لا يؤمنون، فهو متناقض وسفه وسرف في القول.
وهذه الآية وغيرها من الآيات تنقض على المعتزلة؛ لأنهم لا يجعلون لله في مكاسب الخلق وحرفهم وتجاراتهم وجميع أسبابهم التي بها يرتزقون ويتعيشون صنعا، وإنما يجعلون ذلك في الخارج من الأرض وغيرها، فالناس في ذلك، وتضيق إذا لم يكن له في تلك الأسباب والمكاسب صنع؛ فدل أن له في ذلك صنعاً حتى يقع منه البسط والتوسيع والتضييق والتقتير، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: ما ذكرنا: يكون للمؤمنين في ذلك آيات على الكفار.
والثاني: لقوم ينتفعون بإيمانهم، والمؤمنون هم المنتفعون بها، فأما من كفر بها فلا ينتفع.
وجائز أن يكون في ذلك العبرة من وجه آخر لقوم يؤمنون، وهو ألا يعلقوا قلوبهم في الرزق بالأسباب التي يكتسبون بها ولكن يرون الرزق من الله أنه يرزق بأسباب وبغير أسباب.
أو يذكر هذا لهم على أن من رفع الحاجة إلى آخر، فلم يقضها: أن يرى حرمانها من الله، لا من ذلك الرجل.
وقوله: ﴿ فَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ حَقَّهُ ﴾ أي: حاجته، لا على حق كان له، كقوله: ﴿ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ ﴾ ، أي: من حاجة؛ إذ معلوم أنه لم يكن لهم في بناته حق، ولكن أرادوا بالحق الحاجة، فعلى ذلك الأول، وكذلك قوله: ﴿ وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ ﴾ : أي: سد المسكين حاجته ومسكنته، وكذلك ابن السبيل.
ويحتمل قوله: ﴿ فَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ ﴾ : الحق الذي كان لهم، لكن لم يبين ذلك الحق في هذه الآية، وبين في آية أخرى؛ كقوله: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ بِٱلْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ ، وما ذكر من المواريث قوله: ﴿ يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلَٰدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ...
﴾ الآية [النساء: 11]، ونحو ذلك من الحقوق.
وحق المسكين وابن السبيل: ما ذكر من الصدقات والزكاة، والله أعلم.
وقوله: ﴿ ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ ذَلِكَ خَيْرٌ ﴾ ، أي: الإيتاء للأقربين والمساكين والفقراء خير من الأبعدين والأغنياء وغيرهم.
أو أن يكون قوله: ﴿ ذَلِكَ خَيْرٌ ﴾ ، أي: ذلك الإيتاء إذا أريد به وجه الله - خير مما لا يراد به.
وقوله: ﴿ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ ﴾ .
اختلف فيه: قال بعضهم: هو المنقطع عن ماله يعان حتى يصل إلى ماله.
وقيل: الضيف ينزل فيحسن إليه إلى أن يرجع ويرتحل.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: آت من ليست له عندك نعمة؛ فيكون ذلك ليس مكافاة لتلك النعمة، ولكن على إرادة وجه الله، والله أعلم.
﴿ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴾ .
قد ذكرنا أن الفلاح هو البقاء، وقيل: النجاة.
قال أبو عوسجة: ﴿ ٱلْقِيِّمِ ﴾ المستقيم، ﴿ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ﴾ ، أي: تائبين، ﴿ يَقْنَطُونَ ﴾ : ييئسون.
وقوله: ﴿ وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ .
قال عامة أهل التأويل: هذا في العطايا التي يعطي بعضهم بعضا ويهدون؛ ليصيبوا أكثر مما أعطوا وأهدوا مجازاة ومكافأة لذلك؛ كأنه يقول: وما آتيتم من عطية وهدية؛ ليربو في أموال الناس لتزدادوا من أموال الناس، ولتلتمسوا الفضل من أموالهم، يقولون: هذا ربا حلال لا وزر فيه ولا أجر؛ فهو مباح للناس عامة لا بأس به.
وأما قوله: ﴿ وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ ﴾ فهو للنبي خاصة، يقول: لا تعطه لتعطى أكثر منه؛ ابتغاء الثواب في الدنيا، ولكن أعط ابتغاء ثواب الآخرة.
ويستدلون بإباحة ذلك بقوله: ﴿ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ ، يقول: لا يزداد ولا يتضاعف ذلك عند الله، ولم يقل ما قال في الربا المحرم المحظور؛ حيث قال: ﴿ يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَٰواْ وَيُرْبِي ٱلصَّدَقَٰتِ ﴾ : ذكر المحق وهاهنا ذكر: ﴿ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: لا يزداد ولا يتضاعف.
لكن لو قيل: إنها في الربا المحظور كان جائزا محتملا، ويكون قوله: ﴿ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ كقوله: ﴿ فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ ﴾ : إنها إذا لم تربح خسرت؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَأُوْلَئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ ﴾ ؛ دل أنها إذا لم تربح خسرت؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ : إذا لم يرب عنده محقه وخسروا، فهو - والله أعلم - لولا صرف أهل التأويل التأويل إلى الهدايا والعطايا التي يبتغى بها الثواب في الدنيا والمكافأة فيها أكثر مما أعطوا؛ وإلا جاز صرفه إلى الربا المعروف بين الناس في العقود وكذلك روي في الخبر عن رسول الله أنه قال: "الهدية يبتغى بها وجه الرسول، وقضاء الحاجة والصدقة يبتغى بها وجه الله والدار الآخرة" ثم بين ما الذي يربو عند الله، وهو ما قال: ﴿ وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ ﴾ .
ثم اختلف فيه: منهم من قال: هو ما يزكون من زكاة المال؛ يريدون به وجه الله؛ فهو الذي يقبله الله ويضاعف عليه.
ومنهم من قال: كل صدقة أعطاها؛ أراد وجه الله، لم يرد بها الثواب في الدنيا - فهي التي تتضاعف وتزداد عند الله.
﴿ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُضْعِفُونَ ﴾ .
وكان يجيء أن يقال: فأولئك هم المضعفون بنصب العين؛ لأنه هو يضاعف لهم، لكن الزجاج يقول: هو كما يقال: الموسر - هو الذي له يسار، والمقوي - هو الذي له القوة ونحوه؛ فعلى ذلك: المضعف هو الذي له الضعف.
وعندنا: هم المضعفون؛ لأنهم هم الذين جعلوا الآحاد عشرات والأضعاف المضاعفة، بتصديقهم ابتغاء وجه الله؛ فهم المضعفون لأنفسهم ذلك.
ثم يجوز أن يستدل بهذه الآية على إباحة هذه المعاملات التي تجري فيما بين الناس؛ لأنه أجاز الهدية والعطية على قصد الفضل والزيادة.
وإن كان على شرط الزيادة لا يجوز؛ فعلى ذلك المعاملة تجوز على قصد الزيادة، والفضل، وإن كان على قصد أولئك طلب الفضل لا محالة، بل يكافئون مرة الأكثر، ولا يكافئون بعضاً ويحرمون بعضاً؛ فلا يكره، وأما المعاملة فلا تكون إلا على قصد ذلك الفضل؛ فلا يرضون منهم إلا حفظ المقصود فيها، وأهل العطايا والهدايا قد يرضون بالثناء الحسن والشكر لهم، وأهل المعاملة لا، روي في بعض الأخبار عن رسول الله : "من أسدي إليه؛ فليجازه وإلا فليشكره وليثن عليه" ، أو كلام نحو هذا.
والثاني: أن أهل المعاملة يشترطون قبل المعاملة الزيادة، وإن كانوا يشترطون في عقد المعاملة، ولا كذلك أهل العطايا والهدايا؛ بل يتعرضون تعريضاً؛ لذلك افترقا، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
أوَلم يروا أن الله يوسع الرزق لمن يشاء من عباده امتحانًا له أيشكر أم يكفر؟
ويضيقه على من يشاء منهم ابتلاء له أيصبر أم يتسخط؟!
إن في توسيع الرزق لبعض، وتضييقه على بعض، لدلالات للمؤمنين على لطف الله ورحمته.
<div class="verse-tafsir" id="91.5yABM"