الإسلام > القرآن > سور > سورة 30 الروم > الآية ٧ من سورة الروم
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 86 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٧ من سورة الروم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون ) أي : أكثر الناس ليس لهم علم إلا بالدنيا وأكسابها وشئونها وما فيها ، فهم حذاق أذكياء في تحصيلها ووجوه مكاسبها ، وهم غافلون عما ينفعهم في الدار الآخرة ، كأن أحدهم مغفل لا ذهن له ولا فكرة .
قال الحسن البصري : والله لبلغ من أحدهم بدنياه أنه يقلب الدرهم على ظفره ، فيخبرك بوزنه ، وما يحسن أن يصلي .
وقال ابن عباس في قوله : ( يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون ) يعني : الكفار يعرفون عمران الدنيا ، وهم في أمر الدين جهال .
القول في تأويل قوله تعالى : يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7) يقول تعالى ذكره: يعلم هؤلاء المكذّبون بحقيقة خبر الله أن الروم ستغلب فارس، ظاهرا من حياتهم الدنيا، وتدبير معايشهم فيها، وما يصلحهم، وهم عن أمر آخرتهم، وما لهم فيه النجاة من عقاب الله هنالك، غافلون، لا يفكرون فيه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا أبو تُمَيْلة يحيى بن واضح الأنصاري، قال: ثنا الحسين بن واقد، قال: ثنا يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: (يَعْلَمُونَ ظاهِرا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا) يعني معايشهم، متى يحصدون ومتى يغرسون.
حدثني أحمد بن الوليد الرمليّ، قال ثنا: عمرو بن عثمان بن عمر، عن عاصم بن عليّ، قال: ثنا أبو تميلة، قال: ثنا ابن واقد، عن يزيد النحويّ، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: (يعلَمونَ ظاهِرًا من الحَياةِ الدُّنْيا) قال: متى يَزْرَعون، متى يَغْرِسون.
حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، قال: ثني شرقي، عن عكرمة في قوله: ( يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) قال: هو السراج أو نحوه.
حدثنا أبو هريرة محمد بن فراس الضبعي، قال: ثنا أبو قُتَيبة، قال: ثنا شعبة، عن شرقي، عن عكرِمة في قوله: ( يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) : قال السراجون.
حدثنا أحمد بن الوليد الرملي، قال: ثنا سليمان بن حرب، قال: ثنا شعبة، عن شرقي، عن عكرِمة في قوله: ( يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) قال: الخرازون والسراجون.
حدثنا بشر بن آدم، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم ( يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) قال: معايشهم، وما يصلحهم.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، مثله.
حدثني بشر بن آدم، قال: ثنا الضحاك بن مخلد، عن سفيان، عن أبيه، عن عكرِمة، وعن منصور، عن إبراهيم ( يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) قال: معايشهم.
حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس قوله: ( ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) يعني الكفار، يعرفون عمران الدنيا، وهم في أمر الدين جهال.
حدثني ابن وكيع، قال: ثني أبي، عن سفيان، عن أبيه، عن عكرِمة ( يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) قال: معايشهم، وما يصلحهم.
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم مثله.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة قوله: ( يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) من حرفَتها وتصرّفها وبغيتها، ( وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ).
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن رجل، عن الحسن، قال: يعلمون متى زرعهم، ومتى حصادهم.
قال: ثنا حفص بن راشد الهلالي، عن شعبة، عن شرقي، عن عكرِمة ( يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) قال: السراج ونحوه.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية قال: صرفها في معيشتها.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ( يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ) (1) .
وقال آخرون في ذلك ما حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب القمي، عن جعفر، عن سعيد في قوله: ( يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) قال: تسترق الشياطين السمع، فيسمعون الكلمة التي قد نـزلت ينبغي لها أن تكون في الأرض، قال: ويرمون بالشُّهب، فلا ينجو أن يحترق، أو يصيبه شرر منه، قال: فيسقط فلا يعود أبدا، قال: ويرمي بذاك الذي سمع إلى أوليائه من الإنس، قال: فيحملون عليه ألف كذبة، قال: فما رأيت الناس يقولون: يكون كذا وكذا، قال: فيجيء الصحيح منه كما يقولون، الذي سمعوه من السماء، ويعقبه من الكذب الذي يخوضون فيه.
------------------------ الهوامش: (1) كذا في النسخ، ولم يذكر التفسير، ولعله سقط من قلم الناسخ، أو لعله كلمة "نحوه" أو "مثله"، وكثيرًا ما يتركها.
ثم بين تعالى مقدار ما يعلمون فقال : يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا ؛ يعني أمر معايشهم ودنياهم : متى يزرعون ومتى يحصدون ، وكيف يغرسون وكيف يبنون ; قاله ابن عباس وعكرمة وقتادة .
وقال الضحاك : هو بنيان قصورها ، وتشقيق أنهارها وغرس أشجارها ; والمعنى واحد .
وقيل : هو ما تلقيه الشياطين إليهم من أمور الدنيا [ ص: 9 ] عند استراقهم السمع من سماء الدنيا ; قاله سعيد بن جبير .
وقيل : الظاهر والباطن ; كما قال في موضع آخر أم بظاهر من القول .قلت : وقول ابن عباس أشبه بظاهر الحياة الدنيا ، حتى لقد قال الحسن : بلغ والله من علم أحدهم بالدنيا أنه ينقد الدرهم فيخبرك بوزنه ولا يحسن أن يصلي .
وقال أبو العباس المبرد : قسم كسرى أيامه فقال : يصلح يوم الريح للنوم ، ويوم الغيم للصيد ، ويوم المطر للشرب واللهو ، ويوم الشمس للحوائج .
قال ابن خالويه : ما كان أعرفهم بسياسة دنياهم ، يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا .
وهم عن الآخرة أي عن العلم بها والعمل لها هم غافلون قال بعضهم :
وهؤلاء الذين لا يعلمون أي: لا يعلمون بواطن الأشياء وعواقبها.
وإنما { يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } فينظرون إلى الأسباب ويجزمون بوقوع الأمر الذي في رأيهم انعقدت أسباب وجوده ويتيقنون عدم الأمر الذي لم يشاهدوا له من الأسباب المقتضية لوجوده شيئا، فهم واقفون مع الأسباب غير ناظرين إلى مسببها المتصرف فيها.{ وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ } قد توجهت قلوبهم وأهواؤهم وإراداتهم إلى الدنيا وشهواتها وحطامها فعملت لها وسعت وأقبلت بها وأدبرت وغفلت عن الآخرة، فلا الجنة تشتاق إليها ولا النار تخافها وتخشاها ولا المقام بين يدي اللّه ولقائه يروعها ويزعجها وهذا علامة الشقاء وعنوان الغفلة عن الآخرة.ومن العجب أن هذا القسم من الناس قد بلغت بكثير منهم الفطنة والذكاء في ظاهر الدنيا إلى أمر يحير العقول ويدهش الألباب.وأظهروا من العجائب الذرية والكهربائية والمراكب البرية والبحرية والهوائية ما فاقوا به وبرزوا وأعجبوا بعقولهم ورأوا غيرهم عاجزا عما أقدرهم اللّه عليه، فنظروا إليهم بعين الاحتقار والازدراء وهم مع ذلك أبلد الناس في أمر دينهم وأشدهم غفلة عن آخرتهم وأقلهم معرفة بالعواقب، قد رآهم أهل البصائر النافذة في جهلهم يتخبطون وفي ضلالهم يعمهون وفي باطلهم يترددون نسوا اللّه فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون.ثم نظروا إلى ما أعطاهم اللّه وأقدرهم عليه من الأفكار الدقيقة في الدنيا وظاهرها و[ما] حرموا من العقل العالي فعرفوا أن الأمر للّه والحكم له في عباده وإن هو إلا توفيقه وخذلانه فخافوا ربهم وسألوه أن يتم لهم ما وهبهم من نور العقول والإيمان حتى يصلوا إليه، ويحلوا بساحته [وهذه الأمور لو قارنها الإيمان وبنيت عليه لأثمرت الرُّقِيَّ العالي والحياة الطيبة، ولكنها لما بني كثير منها على الإلحاد لم تثمر إلا هبوط الأخلاق وأسباب الفناء والتدمير]
( يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا ) يعني : أمر معاشهم ، كيف يكتسبون ويتجرون ، ومتى يغرسون ويزرعون ويحصدون ، وكيف يبنون ويعيشون ، قال الحسن : إن أحدهم لينقر الدرهم بطرف ظفره فيذكر وزنه ولا يخطئ وهو لا يحسن يصلي ( وهم عن الآخرة هم غافلون ) ساهون عنها جاهلون بها ، لا يتفكرون فيها ولا يعملون لها .
«يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا» أي معايشها من التجارة والزراعة والبناء والغرس وغير ذلك «وهم عن الآخرة هم غافلون» إعادة هم تأكيد.
وعد الله المؤمنين وعدًا جازمًا لا يتخلف، بنصر الروم النصارى على الفرس الوثنيين، ولكن أكثر كفار "مكة" لا يعلمون أن ما وعد الله به حق، وإنما يعلمون ظواهر الدنيا وزخرفها، وهم عن أمور الآخرة وما ينفعهم فيها غافلون، لا يفكرون فيها.
والضمير فى قوله - تعالى - : ( يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الحياة الدنيا ) يعود للأكثر من الناس .أى : هؤلاء الأكثرون من الناس ، من أسباب جهلهم بسنن الله - تعالى - فى خلقه ، أنهم لا يهتمون إلا بملاذ الحياة الدنيا ومتعها وشهواتها ، ووسائل المعيشة فيها .( وَهُمْ عَنِ الآخرة ) وما فيها من حساب وثواب وعقاب ( هُمْ غَافِلُونَ ) لأنهم آثروا الدارة العاجلة ، على الدار الباقية ، فهم - كما قال - تعالى - : ( ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأمل فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ) قال صاحب الكشاف ما ملخصه : وقوله : ( يَعْلَمُونَ ظَاهِراً ) بدل من قوله : ( ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ ) .وفى هذا الإِبدال من النكتة أنه أبدله منه ، وجعله بحيث يقوم مقامه ، ويسد مسده .
ليعلمك أنه لا فرق بين عدم العلم الذى هو الجهل ، وبين وجد العلم الذى لا يتجاوز الدنيا .
.
وفى تنكير قوله : ( ظَاهِراً ) إشارة إلى أنهم لا يعملون إلا ظاهرا واحدا من جملة ظواهر الحياة الدنيا .فالآية الكريمة تنعى على هؤلاء الكافرين وأشباههم ، انهماكهم فى شئون الدنيا انهماكا تاما ، جعلهم غافلين عما ينتظرهم فى أخراهم من حساب وعقاب .
ورحم الله القائل :ومن البلية أن ترى لك صاحبا فى صور الرجل السميع المبصرفطن بكل مصيبة فى ماله وإذا يصاب بدينه لم يشعر
قوله تعالى: ﴿ بِنَصْرِ الله يَنصُرُ مَن يَشَاء ﴾ قدم المصدر على الفعل حيث قال: ﴿ بِنَصْرِ الله يَنصُرُ ﴾ وقدم الفعل على المصدر في قوله: ﴿ أيدك بِنَصْرِهِ ﴾ وذلك لأن المقصود هاهنا بيان أن النصرة بيد الله إن أراد نصر وإن لم يرد لا ينصر، وليس المقصود النصرة ووقوعها والمقصود هناك إظهار النعمة عليه بأنه نصره، فالمقصود هناك الفعل ووقوعه فقدم هناك الفعل، ثم بين أن ذلك الفعل مصدره عند الله، والمقصود هاهنا كون المصدر عند الله إن أراد فعل فقدم المصدر.
ثم قال تعالى: ﴿ وَهُوَ العزيز الرحيم ﴾ ذكر من أسمائه هذين الإسمين لأنه إن لم ينصر المحب بل سلط العدو عليه فذلك لعزته وعدم افتقاره، وإن نصر المحب فذلك لرحمته عليه، أو نقول إن نصر الله المحب فلعزته واستغنائه عن العدو ورحمته على المحب، وإن لم ينصر المحب فلعزته واستغنائه عن المحب ورحمته في الآخرة واصلة إليه.
ثم قال تعالى: ﴿ وَعْدَ الله لاَ يُخْلِفُ الله وَعْدَهُ ﴾ يعني سيغلبون وعدهم الله وعداً ووعد الله لا خلف فيه، قوله تعالى: ﴿ ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ أي لا يعلمون وعده وأنه لا خلف في وعده.
ثم قال تعالى: ﴿ يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مّنَ الحياة الدنيا ﴾ يعني علمهم منحصر في الدنيا وأيضاً لا يعلمون الدنيا كما هي وإنما يعلمون ظاهرها وهي ملاذها وملاعبها، ولا يعلمون باطنها وهي مضارها ومتاعبها ويعلمون وجودها الظاهر، ولا يعلمون فناءها ﴿ وَهُمْ عَنِ الأخرة هُمْ غافلون ﴾ والمعنى هم عن الآخرة غافلون، وذكرت هم الثانية لتفيد أن الغفلة منهم وإلا فأسباب التذكر حاصلة وهذا كما يقول القائل لغيره غفلت عن أمري، فإذا قال هو شغلني فلان فيقول ما شغلك ولكن أنت اشتغلت.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَعْدَ الله ﴾ مصدر مؤكد، كقولك: لك عليّ ألف درهم عرفاً: لأنّ معناه: أعترف لك بها اعترافاً، ووعد الله ذلك وعداً؛ لأنّ ما سبقه في معنى وعد.
ذمّهم الله عزّ وجل بأنهم عقلاء في أمور الدنيا، بله في أمر الدين، وذلك أنهم كانوا أصحاب تجارات ومكاسب.
وعن الحسن.
بلغ من حذق أحدهم أنه يأخذ الدرهم فينقره بأصبعه، فيعلم أرديء أم جيد.
وقوله: ﴿ يَعْلَمُونَ ﴾ بدل من قوله: ﴿ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ وفي هذا الإبدال من النكتة أنه أبدله منه، وجعله بحيث يقوم مقامه ويسدّ مسدّه، ليعلمك أنه لا فرق بين عدم العلم الذي هو الجهل، وبين وجود العلم الذي لا يتجاوز الدنيا.
وقوله: ﴿ ظاهرا مّنَ الحياة الدنيا ﴾ يفيد أن للدنيا ظاهراً وباطناً، فظاهرها ما يعرفه الجهال من التمتع بزخارفها والتنعم بملاذها.
وباطنها وحقيقتها أنها مجاز إلى الآخرة: يتزود منها إليها بالطاعة والأعمال الصالحة.
وفي تنكير الظاهر: أنهم لا يعلمون إلا ظاهراً واحداً من جملة الظواهر.
و (هم) الثانية يجوز أن يكون مبتدأ.
و ﴿ غافلون ﴾ خبره، والجملة خبر (هم) الأولى، وأن يكون تكريراً للأولى، وغافلون خبر الأولى.
وأية كانت فذكرها مناد على أنهم معدن الغفلة عن الآخرة ومقرّها ومعلمها، وأنها منهم تنبع وإليهم ترجع.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَعْدَ اللَّهِ ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِنَفْسِهِ لِأنَّ ما قَبْلَهُ في مَعْنى الوَعْدِ.
﴿ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وعْدَهُ ﴾ لِامْتِناعِ الكَذِبِ عَلَيْهِ تَعالى.
﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ وعْدَهُ ولا صِحَّةَ وعْدِهِ لِجَهْلِهِمْ وعَدَمِ تَفَكُّرِهِمْ.
﴿ يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ ما يُشاهِدُونَهُ مِنها والتَّمَتُّعُ بِزَخارِفِها.
﴿ وَهم عَنِ الآخِرَةِ ﴾ الَّتِي هي غايَتُها والمَقْصُودُ مِنها.
﴿ هم غافِلُونَ ﴾ لا تَخْطُرُ بِبالِهِمْ، و ( هم ) الثّانِيَةُ تَكْرِيرٌ لِلْأُولى أوْ مُبْتَدَأٌ و ( غافِلُونَ ) خَبَرُهُ والجُمْلَةُ خَبَرُ الأُولى، وهو عَلى الوَجْهَيْنِ مُنادٍ عَلى تَمَكُّنِ غَفْلَتِهِمْ عَنِ الآخِرَةِ المُحَقِّقَةِ لِمُقْتَضى الجُمْلَةِ المُتَقَدِّمَةِ المُبْدَلَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ لا يَعْلَمُونَ ﴾ تَقْرِيرًا لِجَهالَتِهِمْ وتَشْبِيهًا لَهم بِالحَيَواناتِ المَقْصُورِ إدْراكُها مِنَ الدُّنْيا بِبَعْضِ ظاهِرِها، فَإنَّ مِنَ العِلْمِ بِظاهِرِها مَعْرِفَةَ حَقائِقِها وصِفاتِها وخَصائِصِها وأفْعالِها وأسْبابِها وكَيْفِيَّةِ صُدُورِها مِنها وكَيْفِيَّةِ التَّصَرُّفِ فِيها ولِذَلِكَ نَكَّرَ ظاهِرًا، وأمّا باطِنُها فَإنَّها مَجازٌ إلى الآخِرَةِ ووَصْلَةٌ إلى نَيْلِها وأُنْمُوذَجٌ لِأحْوالِها وإشْعارًا بِأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ عَدَمِ العِلْمِ والعِلْمِ الَّذِي يَخْتَصُّ بِظاهِرِ الدُّنْيا.
<div class="verse-tafsir"
يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)
{يَعْلَمُونَ} بدل من لا يعلمون وفيه بيان أنه لا فرق بين عدم العلم الذي هو الجهل وبين وجود العلم الذي لا يتجاوز عن تحصيل الدنيا وقوله {ظَاهِراً مّنَ الحياة الدنيا} يفيد للدنيا ظاهر او باطنا فظاهرها ما يعرفه الجهال من التمتع بزخارفها وباطنها أنها مجاز إلى الآخرة يتزود منها إليها بالطاعه وبالأعمال الصالحة وتنكير الظاهر
الروم (٩ - ٧)
يفيد أنهم لا يعلمون إلا ظاهراً واحداً من جملة ظواهرها {وَهُمْ عَنِ الآخرة هُمْ غافلون} هم الثانية مبتدأ وغافلون خبره والجملة خبرهم الأولى وفيه بيان أنهم معدن الغفلة عن الآخرة ومقرها
﴿ يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ وهو ما يُحِسُّونَ بِهِ مِن زَخارِفِها ومَلاذِّها، وسائِرِ أحْوالِها المُوافِقَةِ لِشَهَواتِهِمُ المُلائِمَةِ لِأهْوائِهِمُ المُسْتَدْعِيَةِ لِانْهِماكِهِمْ فِيها، وعُكُوفِهِمْ عَلَيْها.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: يَعْلَمُونَ مَنافِعَها ومَضارَّها، ومَتى يَزْرَعُونَ ومَتى يَحْصُدُونَ، وكَيْفَ يَجْمَعُونَ، وكَيْفَ يَبْنُونَ، أيْ ونَحْوَ ذَلِكَ مِمّا لا يَكُونُ لَهم مِنهُ أثَرٌ في الآخِرَةِ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ قَتادَةَ، وعِكْرِمَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: بَلَغَ مِن حِذْقِ أحَدِهِمْ بِأمْرِ دُنْياهُ أنَّهُ يَقْلِبُ الدِّرْهَمَ عَلى ظُفْرِهِ، فَيُخْبِرُكُ بِوَزْنِهِ، وما يُحْسِنُ يُصَلِّي، وقالَ الكِرْمانِيُّ: كُلُّ ما يُعْلَمُ بِأوائِلِ الرَّوِيَّةِ فَهو الظّاهِرُ، وما يُعْلَمُ بِدَلِيلِ العَقْلِ، فَهو الباطِنُ، وقِيلَ: هو هُنا التَّمَتُّعُ بِزَخارِفِها والتَّنَعُّمُ بِمَلاذِّها، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُما لَيْسا مِمّا عَلِمُوهُ مِنها، بَلْ مِن أفْعالِهِمُ المُرَتَّبَةِ عَلى عِلْمِهِمْ، وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّ الظّاهِرَ هو ما عَلِمُوهُ مِن قِبَلِ الكَهَنَةِ، مِمّا تَسْتَرِقُهُ الشَّياطِينُ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى، وأيًّا ما كانَ، فالظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالظّاهِرِ مُقابِلُ الباطِنِ، وتَنْوِيهٌ لِلتَّحْقِيرِ والتَّخْسِيسِ، أيْ يَعْلَمُونَ ظاهِرًا حَقِيرًا خَسِيسًا، وقِيلَ: هو بِمَعْنى الزّائِلِ الذّاهِبِ كَما في قَوْلِ الهُذَلِيِّ: وعَيَّرَها الواشُونَ أنِّي أُحِبُّها وتِلْكَ شَكاةٌ ظاهِرٌ عَنْكَ عارُها أيْ يَعْلَمُونَ أمْرًا زائِلًا لا بَقاءَ لَهُ، ولا عاقِبَةَ مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا ﴿ وهم عَنِ الآخِرَةِ ﴾ الَّتِي هي الغايَةُ القُصْوى والمَطْلَبُ الأسْنى ﴿ هم غافِلُونَ ﴾ لا تَخْطُرُ بِبالِهِمْ، فَكَيْفَ يَتَفَكَّرُونَ فِيها، وفِيما يُؤَدِّي إلى مَعْرِفَتِها مِنَ الدُّنْيا وأحْوالِها، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ( يَعْلَمُونَ ) وإيرادُها اسْمِيَّةً لِلدِّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ غَفْلَتِهِمْ ودَوامِها، ( وهُمُ ) الثّانِيَةُ تَكْرِيرٌ لِلْأُولى، وتَأْكِيدٌ لَفْظِيٌّ لَها دافِعٌ لِلتَّجَوُّزِ وعَدَمِ الشُّمُولِ، والفَصْلُ بِمَعْمُولِ الخَبَرِ وإنْ كانَ خِلافَ الظّاهِرِ، لَكِنْ حَسَّنَهُ وُقُوعُ الفَصْلِ في التَّلَفُّظِ، والِاعْتِناءُ بِالآخِرَةِ، أوْ هو مُبْتَدَأٌ ( وغافِلُونَ ) خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ ( هُمُ ) الأُولى، وجُمْلَةُ ( يَعْلَمُونَ ) إلَخْ، بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ ( لا يَعْلَمُونَ ) عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ صاحِبُ الكَشّافِ، فَإنَّ الجاهِلَ الَّذِي لا يَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ وعْدَهُ أوْ لا يَعْلَمُ شُؤُونَهُ تَعالى السّابِقَةَ، ولا يَتَفَكَّرُ في ذَلِكَ هو الَّذِي قَصُرَ نَظَرُهُ عَلى ظاهِرِ الحَياةِ الدُّنْيا، والمُصَحِّحُ لِلْبَدَلِيَّةِ اتِّحادُ ما صَدَقا عَلَيْهِ، والنُّكْتَةُ المُرَجِّحَةُ لَهُ جَعْلُ عِلْمِهِمْ والجَهْلِ سَواءً، بِحَسَبِ الظّاهِرِ، وجُمْلَةُ ﴿ وهم عَنِ الآخِرَةِ ﴾ إلَخْ، مُنادٍ عَلى تَمَكُّنِ غَفْلَتِهِمْ عَنِ الآخِرَةِ المُحَقِّقَةِ لِمُقْتَضى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ تَقْرِيرًا لِجَهالَتِهِمْ وتَشْبِيهًا لَهم بِالبَهائِمِ المَقْصُورِ إدْراكُها عَلى ظَواهِرِ الدُّنْيا الخَسِيسَةِ دُونَ أحْوالِها الَّتِي هي مِن مَبادِئِ العِلْمِ بِأُمُورِ الآخِرَةِ.
واخْتارَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ أنَّ جُمْلَةَ ( يَعْلَمُونَ ) إلَخِ، اسْتِئْنافِيَّةٌ لِبَيانِ مُوجِبِ جَهْلِهِمْ بِأنَّ وعْدَ اللَّهِ تَعالى حَقٌّ، وأنَّ لِلَّهِ سُبْحانَهُ الأمْرَ مِن قَبْلُ، ومِن بَعْدُ، وأنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ يَنْصُرُ المُؤْمِنِينَ عَلى الكافِرِينَ ولَعَلَّهُ الأظْهَرُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزَّ وجلَّ: يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا يعني يعلمون حرفتهم، وأمر معايشهم، ومتى يدرك زرعهم.
ويقال في أمر التجارة كانوا أكيس الناس.
وقال الحسن: كان الرجل منهم يأخذ درهماً ويقول وزنه كذا ولا يخطئ.
وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ أي لا يؤمنون بها.
ويقال: عن أمر الآخرة، وما وعدوا فيها من الهول والعذاب هم غافلون.
ثم وعظهم فقال عز وجل: أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ فيعتبروا في خلق السموات والأرض.
وروي عن أبي الدرداء- - أنه قال: تَفَكُّرُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ قيام ليلة.
ثم قال: مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ يعني للحق وَأَجَلٍ مُسَمًّى يعني السموات والأرض لهن أجل ووقت معلوم وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ يعني جاحدون للبعث.
ثم خوفهم، فقال عز وجل: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني الأمم الخالية كانت عاقبتهم الهلاك، ثم أخبر عنهم فقال: كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ قال مقاتل: يعني ملكوا الأرض.
وقال الكلبي يعني حرثوها.
ويقال: أثاروا الأرض إذا قلبوها للزراعة.
وَعَمَرُوها يعني عمروا الأرض أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها يعني أهل مكة.
ويقال: عاشوا فيها أكثر مما عاش أهل مكة وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ يعني بالحجج الواضحات فكذبوهم، فأهلكهم الله عزَّ وجلَّ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ أي ليعذبهم بغير ذنب وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ بالمعاصي.
قوله عز وجل: ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا يعني آخر أمر الذين أشركوا السُّواى يعني العذاب، فيجوز أن تكون ثم على معنى التأخير، ويجوز أن يكون معناه: ثم مع هذا كان عاقبة الذين.
قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو عاقبة بالضّمّ، وقرأ الباقون بالنصب، فمن قرأ بالضم جعله اسم كان، وجعل السوء خبر كان، ومن قرأ الباقون بالنصب، فمن قرأ والسوء اسم كان، ومعنى القراءتين يرجع إلى شيء واحد، يعني ثم كان عاقبة الكافرين النار لتكذيبهم بآيات الله عزَّ وجلَّ.
والسوء هاهنا جهنم، كما أن الحسنى الجنة.
ثم قال: أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ يعني: عاقبة جهنم، لأنهم كذبوا بآيات الله ما جاءت بها الرسل وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ يعني: بآيات الله اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ يعني يحييهم بعد الموت ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ في الآخرة.
قرأ أبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر: يَرْجِعُونَ بالياء على معنى الإخبار عنهم، وقرأ الباقون بالتاء على معنى المخاطبة.
<div class="verse-tafsir"
ت: قد تقدم ما جاء في الفكرة في «آل عمران» .
قال ابن عطاء الله: الفكرة سِرَاجُ القَلْب فإذا ذَهَبَتْ فلا إضاءة له.
وقال: ما نفع القلبَ شيءٌ مثلُ عُزْلَةٍ يدخل بها ميدانَ فكرة، انتهى وباقي الآية بيّن.
أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٩) ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ (١٠) اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١١) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢) وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ (١٣)
وقوله عزَّ وجل: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ ...
الآية، يريدُ أثاروا الأرضَ بالمباني، والحرثِ، والحروبِ وسائرُ الحوادثِ التي أحدثوها هي كلُّها إثارةٌ للأرض بعضها حقيقة وبعضها بتجوُّز، والضمير في عَمَرُوها الأول للماضين، وفي الثاني للحاضرين المعاصرين.
وقوله تعالى: ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ.
قرأ نافع «١» وغيره: «عَاقِبَةُ» - بالرفع- على أنها اسْمُ كانَ، والخبر يجوز أن يكون السُّواى، ويجوز أن يكونَ أَنْ كَذَّبُوا، وتكونُ السُّواى على هذا مفعولا ب أَساؤُا وإذا كان السُّواى خبراً ف أَنْ كَذَّبُوا مفعول من أجله.
وقرأ «٢» حمزة والكسائي وغيرهما «عَاقِبَةَ» بالنصب على أنها خبرٌ مقدَّم، واسم كان أحد ما تقدم، والسُّواى: مصدر كالرُّجْعَى، والشورى، والفتيا.
قال ابن عباس:
أَساؤُا هنا بمعنى: كفروا «٣» ، والسُّواى هي النار.
وعبارة البخاري: وقال مجاهد السُّواى أي: الإساءة جزاء المسيئين «٤» ، انتهى.
والإبْلاَسُ: الكون في شرّ، مع اليأس من الخير.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعْدَ اللَّهِ ﴾ أيْ: وعَدَ اللَّهُ وعْدًا ﴿ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وعْدَهُ ﴾ أنَّ الرُّومَ يَظْهَرُونَ عَلى فارِسَ ﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ ﴿ لا يَعْلَمُونَ ﴾ أنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ وعْدَهُ في ذَلِكَ.
ثُمَّ وصَفَ كُفّارَ مَكَّةَ، فَقالَ: ﴿ يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ قالَ عِكْرِمَةُ: هي المَعايِشُ.
وقالَ الضَّحّاكُ: يَعْلَمُونَ بُنْيانَ قُصُورِها وتَشْقِيقَ أنْهارِها.
وقالَ الحَسَنُ: يَعْلَمُونَ مَتى زَرْعُهم و[ مَتى] حَصادُهُمْ، ولَقَدْ بَلَغَ واللَّهِ مِن عِلْمِ أحَدِهِمْ بِالدُّنْيا أنَّهُ يَنْقُرُ الدِّرْهَمَ بِظُفْرِهِ فَيُخْبِرُكَ بِوَزْنِهِ ولا يُحْسِنُ يُصَلِّي.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم عَنِ الآخِرَةِ هم غافِلُونَ ﴾ لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِها.
قالَ الزَّجّاجُ: وذِكْرُهم ثانِيَةً يُجْرِي مَجْرى التَّوْكِيدِ، كَما تَقُولُ: زَيْدٌ هو عالِمٌ، وهو أوْكَدُ مِن قَوْلِكَ: زَيْدٌ عالِمٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: أوْلَمَ يَتَفَكَّرُوا فَيَعْلَمُوا، فَحَذَفَ " فَيَعْلَمُوا " لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا [عَلَيْهِ] ومَعْنى ﴿ إلا بِالحَقِّ ﴾ : إلّا لِلْحَقِّ، أيْ: لِإقامَةِ الحَقِّ ﴿ وَأجَلٍ مُسَمًّى ﴾ وهو وقْتُ الجَزاءِ.
﴿ وَإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ ﴾ المَعْنى: لَكافِرُونَ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ، فَقُدِّمَتِ الباءُ، لِأنَّها مُتَّصِلَةٌ بِـ " كافِرُونَ "؛ وما اتَّصَلَ بِخَبَرِ " إنَّ " جازَ أنْ يُقَدَّمَ قَبْلَ اللّامِ، ويَجُوزُ أنْ تَدْخُلَ اللّامُ بَعْدَ مُضِيِّ الخَبَرِ مِن غَيْرِ خِلافٍ بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ، لا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: إنَّ زَيْدًا كافِرٌ لَبِاللَّهِ، لِأنَّ اللّامَ حَقُّها أنْ تَدْخُلَ عَلى الِابْتِداءِ أوِ الخَبَرِ، أوْ بَيْنَ الِابْتِداءِ والخَبَرِ، لِأنَّها تُؤَكِّدُ الجُمْلَةَ.
وقالَ مُقاتِلٌ في قَوْلِهِ: ﴿ وَأجَلٍ مُسَمًّى ﴾ : لِلسَّماواتِ والأرْضِ أجَلٌ يَنْتَهِيانِ إلَيْهِ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، ﴿ وَإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ ﴾ يَعْنِي كَفّارَ مَكَّةَ ﴿ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ ﴾ أيْ: بِالبَعْثِ ﴿ لَكافِرُونَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُنْيا وهم عَنِ الآخِرَةِ هم غافِلُونَ ﴾ ﴿ أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللهُ السَماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى وإنَّ كَثِيرًا مِنَ الناسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ ﴾ وصَفَ تَبارَكَ وتَعالى الكَفَرَةَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ أمْرَ اللهِ وصِدْقَ وعْدِهِ بِأنَّهم إنَّما يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُنْيا، واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى ﴿ "ظاهِرًا"، ﴾ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: بَيِّنًا، أيْ ما أدَّتْهُ إلَيْهِمْ حَواسُّهُمْ، فَكَأنَّ عُلُومَهم إنَّما هي عُلُومُ البَهائِمِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحُسْنُ، والجُمْهُورُ: مَعْناهُ: ما فِيهِ الظُهُورُ والعُلُوُّ في الدُنْيا، مِن إتْقانِ الصِناعاتِ والمَبانِي ومَظانَّ كَسْبِ الأمْوالِ والفِلاحاتِ ونَحْوِها، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: ذاهِبًا زائِلًا، أيْ: يَعْلَمُونَ أُمُورَ الدُنْيا الَّتِي لا بَقاءَ لَها ولا عاقِبَةَ، ومَثَلُ هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الهُذَلِيِّ: وعَيَّرَها الواشُونَ أنِّي أُحِبُّها ∗∗∗ وتِلْكَ شَكاةٌ ظاهَرٌ عنكَ عارُها وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُنْيا ﴾ إشارَةٌ إلى ما يُعْلَمُ مِن قَبْلِ الكَهَنَةِ مِمّا تَسْتَرِقُهُ الشَياطِينُ، وقالَ الرُمّانِيُّ: كُلُّ ما يُعْلَمُ بِأوائِلِ العُقُولِ فَهو الظاهِرُ، وما يُعْلَمُ بِدَلِيلِ العَقْلِ فَهو الباطِنُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِيهِ تَقَعُ الغَفْلَةُ وتَقْصِيرُ الجُهّالِ.
ثُمَّ وصَفَهم تَبارَكَ وتَعالى بِالغَفْلَةِ والإعْراضِ عن أمْرِ الآخِرَةِ، وكَرَّرَ الضَمِيرَ تَأْكِيدًا، وغَفْلَةُ الكافِرِ هي عَلى الكَمالِ، والمُؤْمِنُ المُنْهَمِكُ في أُمُورِ الدُنْيا الَّتِي هي أكْبَرُ هَمِّهِ يَأْخُذُ مِن هَذِهِ الآيَةِ بِحَظٍّ.
نَوَّرَ اللهُ قُلُوبَنا وهَدى.
ثُمَّ وقَّفَهم - عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ - عَلى أنَّهم قَدْ فَكَّرُوا فَلَمْ تَنْفَعْهُمُ الفِكْرَةُ والنَظَرُ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ عَلى سَدادٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "فِي أنْفُسِهِمْ" ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنْ تَكُونَ الفِكْرَةُ في ذَواتِهِمْ وحَواسِّهِمْ وخِلْقَتِهِمْ لِيَسْتَدِلُّوا بِذَلِكَ عَلى الخالِقِ المُخْتَرِعِ، والثانِي أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ "فِي أنْفُسِهِمْ" ﴾ ظَرْفًا لِلْفِكْرَةِ في خَلْقِ السَماواتِ والأرْضِ، ثُمَّ أخْبَرَ عَقِبَ هَذا بِأنَّ الحَقَّ هو السَبَبُ في خَلْقِ السَمَواتِ والأرْضِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ "فِي أنْفُسِهِمْ" ﴾ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ: ﴿ "يَتَفَكَّرُوا" ﴾ كَما تَقُولُ: انْظُرْ بِعَيْنِكَ واسْمَعْ بِأُذُنِكَ، فَقَوْلُكَ: "بِعَيْنِكَ" و"بِأُذُنِكَ" تَأْكِيدٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿ "إلا بِالحَقِّ" ﴾ أيْ بِسَبَبِ المَنافِعِ الَّتِي هي حَقٌّ واجِبٌ، يُرِيدُ: مِنَ الدَلالَةِ عَلَيْهِ، والعِبادَةِ لَهُ دُونَ فُتُورٍ، والِانْتِصابِ لِلْعِبْرَةِ ومَنافِعِ الأرْزاقِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
"وَأجَلٍ" عُطِفَ عَلى "الحَقِّ"، أيْ: وبِأجَلٍ مُسَمًّى وهو يَوْمُ القِيامَةِ، فَفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى البَعْثِ والنُشُورِ وفَسادِ بِنْيَةِ مَن في هَذا العالِمِ، ثُمَّ أخْبَرَ عن كَثِيرٍ مِنَ الناسِ أنَّهم كَفَرَةُ بِذَلِكَ المَعْنى، فَعَبَّرَ عنهُ بِلِقاءِ اللهِ لِأنَّ لِقاءَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى؛ هو أعْظَمُ الأُمُورِ، وفِيهِ النَجاةُ أوِ الهَلَكَةُ.
<div class="verse-tafsir"
انتصب ﴿ وعد الله ﴾ على المفعولية المطلقة.
وهذا من المفعول المطلق المؤكد لمعنى جملةٍ قبله هي بمعناه ويُسميه النحويون مصدراً مؤكداً لنفسه تسمية غريبة يريدون بنفسه معناه دون لفظه.
ومثله في «الكشاف» ومثلوه بنحو «لك عليَّ ألفٌ عرفاً» لأن عرفاً بمعنى اعترافاً، أكد مضمون جملة: لك علي ألف، وكذلك ﴿ وَعْدَ الله ﴾ أكد مضمون جملة ﴿ وهُمْ مِنْ بَعْدِ غلبهم سيغلبون في بِضع سنين ﴾ [الروم: 3، 4].
وإضافة الوعد إلى الله تلويح بأنه وعد محقق الإيفاء لأن وعد الصادق القادر الغني لا موجب لإخلافه.
وجملة ﴿ لا يخلف الله وعده ﴾ بيان للمقصود من جملة ﴿ وَعْدَ الله ﴾ فإنها دلت على أنه وعد محقَّق بطريق التلويح، فبيّن ذلك بالصريح بجملة ﴿ لاَ يُخْلِفُ الله وَعْدَهُ.
﴾ ولكونها في موقع البيان فصلت ولم تعطف، وفائدة الإجمال ثم التفصيل تقرير الحكم لتأكيده، ولما في جملة ﴿ لاَ يُخْلِفُ الله وَعْدَهُ ﴾ من إدخال الرَّوع على المشركين بهذا التأكيد.
وسماه وعداً نظراً لحال المؤمنين الذي هو أهم هنا.
وهو أيضاً وعيد للمشركين بخذلان أشياعهم ومن يفتخرون بمماثلة دِينهم.
وموقع الاستدراك في قوله ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ هو ما اقتضاه الإجمال.
وتفصيله من كون ذلك أمراً لا ارتياب فيه وأنه وعد الله الصادق الوعد القادر على نصر المغلوب فيجعله غالباً، فاستدرك بأن مراهنة المشركين على عدم وقوعه نشأت عن قصور عقولهم فأحالوا أن تكون للروم بعد ضعفهم دَولة على الفرس الذين قهروهم في زمن قصير هو بضع سنين ولم يعلموا أن ما قدره الله أعظم.
فالمراد ب ﴿ أكثر الناس ﴾ ابتداءً المشركون لأنهم سمعوا الوعد وراهنوا على عدم وقوعه.
ويشمل المرادُ أيضاً كلَّ من كان يَعُد انتصار الروم على الفرس في مثل هذه المدة مستحيلاً، من رجال الدولة ورجال الحرب من الفرس الذين كانوا مزدهين بانتصارهم، ومن أهل الأمم الأخرى، ومن الروم أنفسهم، فلذلك عبر عن هذه الجمهرة ب ﴿ أكْثَر النَّاس ﴾ بصيغة التفضيل.
والتعريف في ﴿ النَّاس ﴾ للاستغراق.
ومفعول ﴿ يَعْلَمُون ﴾ محذوف دل عليه قوله ﴿ سيغلبون في بضع سنين ﴾ [الروم: 3، 4].
فالتقدير: لا يعلمون هذا الغلب القريب العجيب.
ويجوز أن يكون المرادُ تنزيل الفعل منزلة اللازم بأن نزلوا منزلة من لا علم عندهم أصلاً لأنهم لما لم يصلوا إلى إدراك الأمور الدقيقة وفهم الدلائل القياسية كان ما عندهم من بعض العلم شبيهاً بالعَدَم إذ لم يبلغوا به الكمال الذي بلغه الراسخون أهل النظر، فيكون في ذلك مبالغة في تجهيلهم وهو مما يقتضيه المقام.
ولما كان في أسباب تكذيبهم الوعد بانتصار الروم على الفرس بعد بضع سنين أنهم يعدون ذلك محالاً، وكان عدهم إياهم كذلك من التباس الاستبعاد العادي بالمُحال، مع الغفلة عن المقادير النادرة التي يقدرها الله تعالى ويقدر لها أسباباً ليست في الحسبان فتأتي على حسب ما جرى به قدره لا على حسب ما يقدره الناس، وكان من حق العاقل أن يفرض الاحتمالات كلَّها وينظر فيها بالسَبْر والتقييم، أنحى الله ذلك عليهم بأن أعقب إخباره عن انتفاء علمهم صدق وعد القرآن، بأن وصف حالة علمهم كلَّها بأن قُصارى تفكيرهم منحصر في ظواهر الحياة الدنيا غير المحتاجة إلى النظر العقلي وهي المحسوسات والمجريات والأمارات، ولا يعلمون بواطن الدلالات المحتاجة إلى إعمال الفكر والنظر.
والوجه أن تكون ﴿ مِن ﴾ في قوله ﴿ من الحياة الدنيا ﴾ تبعيضية، أي يعلمون ظواهر ما في الدنيا، أي ولا يعلمون دقائقها وهي العلوم الحقيقية وكلها حاصلة في الدنيا.
وبهذا الاعتبار كانت الدنيا مزرعة الآخرة.
والكلام يشعر بذم حالهم، ومحطُّ الذم هو جملة ﴿ وهم عن الآخرة هم غافلون ﴾ .
فأما معرفة الحياة الدنيا فليست بمذمة لأن المؤمنين كانوا أيضاً يعلمون ظاهر الحياة الدنيا، وإنما المذموم أن المشركين يعلمون ما هو ظاهر من أمور الدنيا ولا يعلمون أن وراء عالم المادة عالماً آخر هو عالم الغيب.
وقد اقتُصر في تجهيلهم بعالم الغيب على تجهيلهم بوجود الحياة الآخرة اقتصاراً بديعاً حصل به التخلص من غرض الوعد بنصر الروم إلى غرض أهم وهو إثبات البعث مع أنه يستلزم إثبات عالم الغيب ويكون مثالاً لجهلهم بعالم الغيب وذَمّاً لجهلهم به بأنه أوقعهم في ورطة إهمال رجاء الآخرة وإهماللِ الاستعداد لما يقتضيه ذلك الرجاء، فذلك موقع قوله ﴿ وهم عن الآخرة هم غافلون ﴾ ؛ فجملة ﴿ يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا ﴾ بدل من جملة ﴿ لا يعلمون ﴾ بدل اشتمال باعتبار ما بعد الجملة من قوله ﴿ وهم عن الآخرة هم غافلون ﴾ لأن علمهم يشتمل على معنى نفي علم بمغيبات الآخرة وإن كانوا يعلمون ظواهر الحياة الدنيا.
وجملة ﴿ وهم عن الآخرة هم غافلون ﴾ يجوز أن تجعلها عطفاً على جملة ﴿ يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا ﴾ فحصل الإخبار عنهم بعلم أشياء وعدم العلم بأشياء، ولك أن تجعل جملة ﴿ وهم عن الآخرة ﴾ الخ في موقع الحال، والواو واو الحال.
وعُبر عن جهلهم الآخرة بالغَفلة كناية عن نهوض دلائل وجود الحياة الآخرة لو نظروا في الدلائل المقتضية وجود حياة آخرة فكان جهلهم بذلك شبيهاً بالغفلة لأنه بحيث ينكشف لو اهتموا بالنظر فاستعير له {غَافِلون استعارة تبعية.
وهُم} الأولى في موضع مبتدأ و{هم الثانية ضمير فصل.
والجملة الاسمية دالة على تمكنهم من الغفلة عن الآخرة وثباتهم في تلك الغفلة، وضمير الفصل لإفادة الاختصاص بهم، أي هم الغافلون عن الآخرة دون المؤمنين.
ومن البديع الجمع بين لا يَعْلَمون } و ﴿ يَعْلَمُون.
﴾ وفيه الطباق من حيث ما دلّ عليه اللفظان لا من جهة متعلقهما.
وقريب منه قوله تعالى ﴿ ولقَد عَلمُوا لِمن اشتَرَاه ما لَهُ في الآخِرَة من خلاق ولبِئْسَ ما شَرَوْا به أنفُسَهُم لَو كَانُوا يَعْلَمون ﴾ [البقرة: 102].
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ الرُّومِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الم ﴾ ﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ ﴾ ﴿ فِي أدْنى الأرْضِ ﴾ الآيَةَ.
رَوى ابْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ المُسْلِمُونَ يُحِبُّونَ أنْ يَظْهَرَ الرُّومُ عَلى فارِسَ لِأنَّهم أهْلُ كِتابٍ، وكانَ المُشْرِكُونَ يُحِبُّونَ أنْ تَظْهَرَ فارِسُ عَلى الرُّومِ لِأنَّهم أهْلُ أوْثانٍ.
قالَ ابْنُ شِهابٍ: فَغَلَبَتْ فارِسُ الرُّومَ فَسُرَّ بِذَلِكَ المُشْرِكُونَ وقالُوا لِلْمُسْلِمِينَ إنَّكم تَزْعُمُونَ أنَّكم سَتَغْلِبُونَنا لِأنَّكم أهْلُ كِتابٍ، وقَدْ غَلَبَتْ فارِسُ الرُّومَ والرُّومُ أهْلُ كِتابٍ.
وَقِيلَ: إنَّهُ كانَ آخِرَ فُتُوحِ كِسْرى أبْرَوِيزَ فَتَحَ فِيهِ القُسْطَنْطِينِيَّةَ حَتّى بَنى فِيها بَيْتَ النّارِ فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ بِذَلِكَ فَساءَهُ فَأنْزَلَ اللَّهُ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ فَلَمّا قالَ: ﴿ وَهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ﴾ ﴿ فِي بِضْعِ سِنِينَ ﴾ سُرَّ بِذَلِكَ المُسْلِمُونَ وبادَرَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ فَأخْبَرَهم بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ وأنَّ الرُّومَ سَتَغْلِبُ الفُرْسَ.
قالَ قَتادَةُ: فاقْتَمَرَ أبُو بَكْرٍ والمُشْرِكُونَ عَلى ذَلِكَ، وذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ القِمارِ مُدَّةً اخْتَلَفَ النّاسُ فِيها عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: مُدَّةَ ثَلاثِ سِنِينَ تَظْهَرُ الرُّومُ فِيها عَلى فارِسَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: خَمْسُ سِنِينَ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: سَبْعُ سِنِينَ، قالَهُ الفَرّاءُ.
وَكانَ الَّذِي تُوَلّى ذَلِكَ مِنَ المُسْلِمِينَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، واخْتَلَفَ في الَّذِي تَوَلّاهُ مِنَ المُشْرِكِينَ مَعَ أبِي بَكْرٍ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: أنَّهُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، قالَهُ قَتادَةُ.
وَحَكى النَّقّاشُ أنَّ أبا بَكْرٍ لَمّا أرادَ الهِجْرَةَ مَعَ النَّبِيِّ عَلِقَ بِهِ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ وقالَ: أعْطِنِي كَفِيلًا بِالخَطَرِ إنْ غَلَبْتُ فَكَفَلَهُ ابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ.
واخْتُلِفَ في قَدْرِ العِوَضِ المَبْذُولِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أرْبَعُ قَلائِصَ، قالَهُ عامِرٌ.
الثّانِي: خَمْسُ قَلائِصَ، قالَهُ قَتادَةُ.
«فَلَمّا عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ أنَّ أبا بَكْرٍ لَهم هَذِهِ المُدَّةُ أنْكَرَها وقالَ: (ما حَمَلَكَ عَلىَ ما فَعَلْتَ؟
قالَ: ثِقَةٌ بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ، قالَ: (فَكَمِ البِضْعُ قالَ: ما بَلَغَ بَيْنَ الثَّلاثِ والعَشَرِ فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ : (زِدْهم في الخَطَرِ وزِدْ في الأجَلِ) فَزادَهم قَلُوصَيْنِ وازْدادَ مِنهم في الأجَلِ سَنَتَيْنِ فَصارَتِ القَلائِصُ سِتًّا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ، وسَبْعًا عَلى الثّانِي، وصارَ الأجَلُ خَمْسًا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ، وسَبْعًا عَلى الثّانِي: وتِسْعًا عَلى الثّالِثِ.
» واخْتُلِفَ في الِاسْتِزادَةِ والزِّيادَةِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها كانَتْ بَعْدَ انْقِضاءِ الأجَلِ الأوَّلِ قَبْلَ ظُهُورِ الغَلَبَةِ، قالَهُ عامِرٌ.
الثّانِي: أنَّها كانَتْ قَبْلَ انْقِضاءِ الأجَلِ الأوَّلِ، قالَهُ ابْنُ شِهابٍ، فَأظْفَرَ اللَّهُ الرُّومَ بِفارِسَ قَبْلَ انْقِضاءِ الأجَلِ الثّانِي تَصْدِيقًا لِخَبَرِهِ في التَّقْدِيرِ ولِرَسُولِهِ في التَّنْزِيلِ.
واخْتُلِفَ في السَّنَةِ الَّتِي غَلَبَتِ الرُّومُ أهْلَ فارِسَ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها عامَ بَدْرٍ ظَهَرَ الرُّومُ عَلى فارِسَ فِيهِ وظَهَرَ المُسْلِمُونَ عَلى قُرَيْشٍ فِيهِ، قالَهُ أبُو سَعِيدٍ، قالَ: فَكانَ في يَوْمِ بَدْرٍ.
الثّانِي: أنَّ ظُهُورَ فارِسَ عَلى الرُّومِ كانَ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِسَنَتَيْنِ، وظُهُورَ المُسْلِمِينَ عَلى قُرَيْشٍ كانَ في عامِ بَدْرٍ بَعْدَ الهِجْرَةِ بِسَنَتَيْنِ، ولَعَلَّهُ قَوْلُ عِكْرِمَةَ.
الثّالِثُ: عامَ الحُدَيْبِيَةِ ظَهَرَتِ الرُّومُ عَلى فارِسَ وكانَ ظُهُورُ المُسْمِلِينَ عَلى المُشْرِكِينَ في الفَتْحِ بَعْدَ مُدَّةِ الحُدَيْبِيَةِ، قالَهُ عَبِيدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.
فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي أدْنى الأرْضِ ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: في أدْنى أرْضِ فارِسَ; حَكاهُ النَّقّاشُ.
الثّانِي: في أدْنى أرْضِ الرُّومِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ وفي أدْنى أرْضِ الرُّومِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أطْرافَ الشّامِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: الجَزِيرَةُ وهي أقْرَبُ أرْضِ الرُّومِ إلى فارِسَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: الأُرْدُنُّ وفِلَسْطِينُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الرّابِعُ: أذْرَعاتُ الشّامِ وكانَتْ بِها الوَقْعَةُ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
وَقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ: ( غَلَبَتْ ) بِالفَتْحِ أيْ ظَهَرَتْ فَقِيلَ لَهُ عَلامَ غَلَبَتْ؟
فَقالَ: في أدْنى رِيفِ الشّامِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي بِضْعِ سِنِينَ ﴾ وهو ما بَيْنَ الثَّلاثِ إلى العَشْرِ وهَذا نَصٌّ عَنِ الرَّسُولِ .
وقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ هو ما بَيْنَ العَقْدَيْنِ مِنَ الواحِدِ إلى العَشْرَةِ فَيَكُونُ مِنَ الثّانِي إلى التّاسِعِ.
وَأمّا النَّيِّفُ فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ما بَيْنَ الواحِدِ والتِّسْعَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: ما بَيْنَ الواحِدِ والثَّلاثَةِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.
﴿ لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن قَبْلِ أنْ تَغْلِبَ الرُّومُ ومِن بَعْدِ ما غَلَبَتْ.
الثّانِي: مِن قَبْلِ غَلَبَةِ دَوْلَةِ فارِسَ عَلى الرُّومِ ومِن بَعْدِ غَلَبَةِ دَوْلَةِ الرُّومِ عَلى فارِسَ.
﴿ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ بِنَصْرِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الخَبَرُ الَّذِي ورَدَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ بِهَلاكِ كِسْرى فَفَرِحَ ومَن مَعَهُ فَكانَ هَذا يَوْمَ فَرَحِهِمْ بِنَصْرِ اللَّهِ لِضَعْفِ الفُرْسِ وقُوَّةِ العَرَبِ.
الثّانِي: يَعْنِي بِهِ نَصْرَ الرُّومِ عَلى فارِسَ.
وَفي فَرَحِهِمْ بِذَلِكَ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: تَصْدِيقُ خَبَرِ اللَّهِ وخَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ .
الثّانِي: لِأنَّهم أهْلُ كِتابٍ مِثْلُهم.
الثّالِثُ: لِأنَّهُ مُقَدِّمَةٌ لِنَصْرِهِمْ عَلى المُشْرِكِينَ.
﴿ بِنَصْرِ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي مِن أوْلِيائِهِ لِأنَّ نَصْرَهُ مُخْتَصٌّ بِغَلَبَةِ أوْلِيائِهِ لِأعْدائِهِ فَأمّا غَلَبَةُ أعْدائِهِ لِأوْلِيائِهِ فَلَيْسَ بِنَصْرٍ وإنَّما هو ابْتِلاءٌ.
﴿ وَهُوَ العَزِيزُ ﴾ في نِقْمَتِهِ ﴿ الرَّحِيمُ ﴾ لِأهْلِ طاعَتِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْلَمُونَ أمْرَ مَعايِشِهِمْ مَتى يَزْرَعُونَ ومَتى يَحْصُدُونَ وكَيْفَ يَغْرِسُونَ وكَيْفَ يَبْنُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وقَتادَةُ.
وَقالَ الضَّحّاكُ: هو بُنْيانُ قُصُورِها وتَشْقِيقُ أنْهارِها وغَرْسُ أشْجارِها فَهَذا ظاهِرُ الحَياةِ الدُّنْيا.
الثّانِي: يَعْلَمُونَ ما ألْقَتْهُ الشَّياطِينُ لَهم مِن أُمُورِ الدُّنْيا عِنْدَ اسْتِراقِهِمُ السَّمْعَ مِن سَماءِ الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّ ظاهِرَ الحَياةِ الدُّنْيا العَمَلُ لَها، وباطِنَها عَمَلُ الآخِرَةِ.
﴿ وَهم عَنِ الآخِرَةِ هم غافِلُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: عَمّا أعَدَّهُ اللَّهُ في الآخِرَةِ مِن ثَوابٍ عَنْ طاعَتِهِ وعِقابٍ عَلى مَعْصِيَتِهِ.
الثّانِي: عَمّا أمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِن طاعَةٍ وألْزَمَهم إيّاهُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا ﴾ يعني معايشهم.
متى يغرسون، ومتى يزرعون، ومتى يحصدون.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا ﴾ يعرفون عمران الدنيا، وهم في أمر الآخرة جهال.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا ﴾ قال: يعلمون تجارتها، وحرفتها، وبيعها.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا ﴾ قال: معايشهم، وما يصلحهم.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن الحسن رضي الله عنه في الآية قال: ليبلغ من حذق أحدهم بأمر دنياه أنه يقلب الدرهم على ظفره، فيخبرك بوزنة، وما يحسن يصلي.
وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن عمرو في قوله: ﴿ كانوا هم أشد منهم قوة ﴾ قال: كان الرجل ممن كان قبلكم بين منكبيه ميل.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وأثاروا الأرض ﴾ قال: حرثوا الأرض.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ وأثاروا الأرض ﴾ يقول: جنانها، وأنهارها، وزروعها ﴿ وعمروها أكثر مما عمروها ﴾ يقول: عاشوا فيها أكثر من عيشكم فيها.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ثم كان عاقبة الذين أساؤا السوأى ﴾ قال: الذين كفروا جزاؤهم العذاب.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة عن مجاهد رضي الله عنه في الآية قال: ﴿ السوأى ﴾ الاساءة جزاء المسيئين.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ يبلس ﴾ قال: ييأس.
وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ يبلس ﴾ قال: يكتئب.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه قال: ﴿ يبلس ﴾ قال: يكتئب.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه قال: الابلاس الفضيحة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ قال عكرمة وإبراهيم: معايشهم وما يصلحهم (١) وقال الحسن: يعلمون متى زرعهم ومتى حصادهم (٢) (٣) وقال قتادة: يعلمون تجارتها وحرفتها وبيعها (٤) قال ابن عباس: يعرفون عمران الدنيا، وهم في أمر الدين جهال (٥) وقال الضحاك: يعلمون بنيان قصورها، وتشقيق أنهارها، وغرس أشجارها (٦) وقال مقاتل: يعني حرفتهم، ومتى يُدرك زرعهم، وما يصلحهم في معايشهم (٧) وقال أبو إسحاق: المعنى: يعلمون من معايش الحياة؛ لأنهم كانوا يعالجون التجارات (٨) (٩) (١٠) (١) أخرجه عنهما ابن جرير 21/ 23.
(٢) أخرجه ابن جرير 21/ 23.
(٣) "الدر المنثور" 6/ 484، ونسبه لابن المنذر وابن أبي حاتم 9/ 3088.
ولفظه في الدر: يقلب الدرهم على ظفره.
وذكره ابن الجوزي، "زاد المسير" 6/ 289، ولفظه: ينقر الدرهم بظفره.
وفي النسختين: ينقر الدرهم بيده.
ولعل الصواب -والله أعلم-: يقلب الدرهم بيده؛ لأن تقليب الدرهم باليد يستفيد منه الحاذق معرفة الوزن دون النقرة الذي يمكن أن يستفاد منه معرفة النوع الرديء من الجيد.
(٤) أخرجه عبد الرزاق 2/ 102، وابن جرير 21/ 23، عن قتادة.
(٥) أخرجه ابن جرير 21/ 32، من طريق علي بن أبي طلحة.
(٦) "الدر المنثور" 6/ 485، ونسبه لابن أبي حاتم 9/ 3088.
(٧) "تفسير مقاتل" 77 أ.
(٨) ذكر نحوه الفراء، "معاني القرآن" 2/ 322.
(٩) هكذا: وقوله، في النسختين.
ولعل الصواب: بقوله، كما يدل عليه السياق، والله أعلم.
وأما عند الزجاج فقد جاءت بزيادة أوضحت المعنى؛ قال ...
فأعلم الله -عز وجل- == لما نفى أنهم لا يعلمون ما الذي يجهلون، ومقدار ما يعلمون فقال: ﴿ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ﴾ "معاني القرآن" 4/ 178.
(١٠) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 178.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَعْلَمُونَ ظَاهِراً ﴾ قيل: معناه يعلمون ما يدرك بالحواس دون ما يدرك بالعقول؛ فهم في ذلك مثل البهائم: وقيل: الظاهر ما يعلم بالنظر بأوائل العقول، والباطن ما يعلم بالنظر والدليل، وقيل: هو من الظهور بمعنى العلو في الدنيا، وقيل: ظاهر بمعنى زائل ذاهب، والأظهر أنه أراد بالظاهر المعرفة بأمور الدنيا ومصالحها، لأنه وصفهم بعد ذلك بالغفلة عن الآخرة، وذلك يقتضي عدم معرفتهم بها، وانظر كيف نفى العلم عنهم أولاً، ثم أثبت لهم العلم بالدنيا خاصة، وقال بعض أهل البيان: إن هذا من المطابقة لاجتماع النفي والإثبات، وجعل بعضهم العلم المثبت كالعدم لقلة منفعته، فهو على هذا بيان النفي.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ عاقبة ﴾ بالنصب: ابن عامر وعاصم وحمزة وعلي وخلف.
الآخرون: بالرفع.
﴿ السوأى ﴾ بالإمالة: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وحماد ﴿ يرجعون ﴾ على الغيبة: أبو عمرو غير عباس وأوقية وسهل ويحيى وحماد ﴿ تخرجون ﴾ بفتح التاء وضم الراء: حمزة وعلي وخلف.
الباقون: مجهولاً ﴿ للعالمين ﴾ بكسر اللام: حفص يفصل على الغيبة: عباس.
الآخرون: بالنون.
الوقوف: ﴿ ألم ﴾ كوفي ﴿ غلبت ﴾ ﴿ الروم ﴾ ه ﴿ سيغلبون ﴾ ه ﴿ سنين ﴾ ه ﴿ ومن بعد ﴾ ط ﴿ المؤمنون ﴾ ه ﴿ ينصر الله ﴾ ط وكلاهما مبني على أن قوله ﴿ بنصر الله ﴾ يتعلق بـ ﴿ يفرح ﴾ ﴿ ينصر من يشاء ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ وعد الله ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين والوصل أولى ﴿ غافلون ﴾ ه ﴿ في أنفسهم ﴾ ط لحق الحذف أي فيعلموا ذلك أو فيقولوا هذا القول ﴿ مسمى ﴾ ط ﴿ لكافرون ﴾ ه ﴿ من قبلهم ﴾ ط ﴿ بالبينات ﴾ ط ﴿ يظلمون ﴾ ه لا لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ يستهزؤن ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ المجرمون ﴾ ه والوصل جائز ﴿ كافرين ﴾ ه ﴿ يتفرقون ﴾ ه ﴿ يجبرون ﴾ ه ﴿ محضرون ﴾ ه ﴿ تصبحون ﴾ ه ﴿ تظهرون ﴾ ه ﴿ بعد موتها ﴾ ط ﴿ تخرجون ﴾ ه ﴿ تنتشرون ﴾ ه ﴿ ورحمة ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ وألوانكم ﴾ ط ﴿ للعالمين ﴾ ه ﴿ من فضله ﴾ ط ﴿ يسمعون ﴾ ه ﴿ موتها ﴾ ط ﴿ يعقلون ﴾ ه ﴿ بأمره ﴾ ط لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ دعوة ﴾ لا وقيل: على من الأرض وكلاهما تعسف.
والحق أن قوله ﴿ من الأرض ﴾ متعلق بـ ﴿ دعاكم ﴾ كقولك دعوت زيداً من بيته لا كقولك دعوته من بيتي ﴿ تخرجون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ قانتون ﴾ ه ﴿ أهون عليه ﴾ ج ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ من أنفسكم ﴾ ط لانتهاء الإخبار إلى الاستفهام ﴿ كخيفتكم أنفسكم ﴾ ط ﴿ يعقلون ﴾ ه ﴿ بغير علم ﴾ ج لابتداء الاستفهام مع الفاء ﴿ أضل الله ﴾ ط لتمام الاستفهام وابتداء النفي ﴿ ناصرين ﴾ ه ﴿ حنيفا ﴾ ط ﴿ عليها ﴾ ط ﴿ لخلق الله ﴾ ط ﴿ القيم ﴾ ه لا للاستدراك ﴿ لا يعلمون ﴾ ه وقيل: لا وقف عليه بناء على أن ﴿ منيبين ﴾ حال من ضمير ﴿ أقم ﴾ على أن الأمر له ولأمته مثل ﴿ يا أيها النبي إذا طلقتم ﴾ والوقف أوضح لبعد العامل عن المعمول بل التقدير: كونوا منيبين بدليل قوله ﴿ ولا تكونوا من المشركين ﴾ لأن قوله ﴿ من الذين ﴾ كالبدل مما قبله ﴿ شيعاً ﴾ ط ﴿ فرحون ﴾ ه.
التفسير: وجه تعلق السورة بما قبلها هو أنه كان يقول للمشركين ماأمر الله به ﴿ صم بكم عمي فهم لا يعقلون ﴾ وكان يحقر آلهتهم وينسبها إلى العجز وعدم النفع والضر، وكان أهل الكتاب يوافقون المسلمين في الإله وفي كثير من الأحكام ولذلك قال ﴿ ولا تجادلوا أهل الكتاب ﴾ إلى قوله ﴿ وإلهنا وإلهكم واحد ﴾ فلا جرم أبغض المشركون أهل الكتاب وتركوا مراجعتهم في الأمور.
فاتفق أن بعث كسرى جيشاً إلى الروم واستعمل عليهم رجلاً يقال له شهريران، فسار إلى الروم بأهل فارس فظفر عليهم وقتلهم وخرب مدائنهم.
وكان قيصر بعث رجلاً يدعى بجنس فالتقى مع شهريران بأذرعات وبصرى وهو أدنى الشأم إلى أرض العرب وإليه الإشارة بقوله ﴿ أدنى الأرض ﴾ لأن الأرض المعهودة عند العرب هي أرضهم أي غلبوا في أقرب أرض العرب منهم وهي أطراف الشأم.
وجوز جار الله أن يراد بأرضهم على إنابة اللام مناب المضاف إليه أي في أدنى أرضهم إلى عدوهم.
وهذا تفسير مجاهد لأنه قال: هي أرض الجزيرة وهي أدنى أرض الروم إلى فارس.
عن ابن عباس: الأردن وفلسطين.
ففرح المشركون بذلك فأنزل الله هذه الآيات لبيان أن الغلبة لا تدل على الحق فقد يبتلى المحبوب ويعجل عذابه ليسلم في الآجل.
وقوله ﴿ في أدنى الأرض ﴾ إشارة إلى ضعفهم أي انتهى ضعفهم إلى أن وصل عدوهم إلى طريق الحجاز وكسروهم وهم في بلادهم.
ثم بين أن الروم سيغلبون غلبة عظيمة بعد ذلك الضعف العظيم، وكل ذلك دليل على أن الأمر بيد الله من قبل الغلبة ومن بعدها، أو من قبل تلك المدة ومن بعد ذلك، وقد وقع كما أخبر فغلبت الروم على فارس حتى وصلوا إلى المدائن وبنوا هنالك الرومية، قال المفسرون: لما نزلت الآية قال أبو بكر للمشركين: لا أقر الله أعينكم، والله ليظهرن الروم على فارس بعد بضع سنين.
فقال له أبي ابن خلف: كذبت يا أبا فضيل اجعل بيننا أجلاً أناحبك عليه، فخاطره على عشر قلائص من كل واحد منهما وجعل الأجل ثلاث سنين.
فأخبر أبو بكر رسول الله فقال: البضع ما بين الثلاث إلى التسع فزايده في الخطر وماده في الأجل فجعلاها مائة قلوص إلى تسع سنين.
فلما أراد ابو بكر أن يخرج من مكة أتاه أبي فلزمه وطلب كفيلاً فكفله ابنه عبد الله بن أبي بكر، فلما أراد أن يخرج إلى أحد أتاه عبدالله فلزمه إلى أن أقام كفيلاً ثم خرج إلى أحد ثم رجي أبي فمات بمكة من جراحته التي جرحها رسول الله فظهرت الروم على فارس يوم الحديبية.
وذلك عند رأس سبع سنين.
فأخذ أبو بكر الخطر من ذرية أبي وجاء به إلى رسول الله فأمره أن يتصدق به.
قالت العلماء: إنما أبهم الوقت لأن الكفار كانوا معاندين والأمور التي تقع في البلاد الشاسعة قلما يحصل الاتفاق على وقتها المعين من السنة والشهر واليوم والساعة وإن كان معلوماً للنبي بإعلام الله إياه، فالمعاند كان يتمكن من الإرجاف بوقوع الواقعة قبل وقوعها ليحصل الخلف في الميعاد ولكن المعاند لا يتمكن من إنكار الواقعة في البضع، ﴿ ويومئذ ﴾ أي يوم يغلب الروم فارس ويحصل ما وعد الله من غلبتهم ﴿ يفرح المؤمنون بنصر الله ﴾ وبغلبة من له كتاب على من لا كتاب له، أو بغيظ الشامتين بهم من كفار مكة.
وقيل: نصر الله هو إظهار صدق المؤمنين فيما أخبر به نبيهم من غلبة الروم.
وعن أبي سعيد الخدري: وافق ذلك يوم بدرٍ وهو المراد بنصر الله، وذلك أن خبر الكسر لم يصل إليهم في ذلك اليوم بعينه فلا يكون فرحهم يومئذ بل الفرح يحصل بعده، ولناصر القولين الأولين أن يقول: اقيم سبب الفرح، مقام الفرح أو المراد باليوم الوقت الواسع الشامل لما بين زمان وقوع الكسر إلى زمان وصول خبر الكسر الموجب للفرح.
ومن علق قوله ﴿ بنصر الله ﴾ بقوله ﴿ ينصر ﴾ بناء على أن المقصود بيان أن النصرة بيد الله لا بيان وقوع النصرة لم يقف ههنا ووقف على ﴿ المؤمنون ﴾ ﴿ وهو العزيز الرحيم ﴾ فإذا سلط العدو على الحبيب فلعزته واستغنائه عن العالمين، وإذا نصر الحبيب فرحمته عليه.
أو نقول: إن نصر المحب فلعزته واستغنائه عنه ورحمته في الآخرة واصله إليه.
﴿ وعد الله ﴾ مصدر مؤكد لنفسه لأن ما سبق في معنى الوعد ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ أنه لا خلف في وعده لأنهم بله في أمور الدين.
وفي إبدال قوله ﴿ يعلمون ﴾ من قوله ﴿ لا يعلمون ﴾ أو في بيان هذا بذاك إشارة أن العلم بأمور الدنيا كالجهل المطلق، وفي تنكير ﴿ ظاهراً ﴾ إشارة إلى قلة علمهم بظاهر الدنيا أيضاً وفي تكرير "هم" إشارة إلى أن الغفلة منهم وإلا فأسباب التذكرة حاصلة وظاهر الدنيا ملاذها وملاعبها وباطنها مضارها ومتاعبها.
هي الدنيا تقول بملء فيها *** حذار حذار من سفكي وفتكي فلا يغرركم طول ابتسامي *** فقولي مضحك والفعل مبكي ثم أشار إلى وجه التفكر بقوله ﴿ أولم يتفكروا ﴾ وقوله ﴿ في أنفسهم ﴾ يتعلق به أما تعلق الظرف بالفعل كأنه قال: أولم يحدثوا التفكر في قلوبهم الفارغة فيكون كما لو قلت لأجل زيادة التصوير اعتقده في قلبك وأضمره في نفسك مع أن الاعتقاد لا يكون إلا في القلب، والإضمار لا يوجد إلا في النفس.
وأما تعلق الجار بالفعل كقولك: تفكر في الأمور.
وذلك أنه إذا تفكر في نفسه التي هي أقرب الاشياء إليه وقف على غرائب الحكم ودقائق الصنع التي أودعها الله فيها كما يكفل بيان بعضها علم التشريح فجره ذلك إلى العلم بأنه ما خلق السموات والأرض وما بينهما إلا متلبساً بالغرض الصحيح الذي أودعه الله فيها، وبتقدير أجل مسمى هو وقت الجزاء والحساب، ثم في الآية تقريران: أحدهما يناسب أصول الأشاعرة وهو أن دلائل الأنفس منجرة إلى دلائل الآفاق المذكورة للتوحيد وللعلم بالإله القادر المختار الصادق كلامه، لكنه أخبر عن تخريب السموات والأرض وعن حشر الأجساد وانتهاء الجسمانيات إلى الإفناء ث الإعادة في الوقت المعلوم فيكون الأمر على ما أخبر.
وثانيهما يتوقف على أصول المعتزلة، وهو أن التفكر في النفس يجذب بصنعه إلى معرفة الإِله الحكيم الذي لا يفعل العبث والجزاف، فإنه خلق السموات وغيرها من الأسجام لمنافع المكلفين، وإذا انتهى التكليف فلا بد من تخريب السموات والأرض وانتهاء الأمر إلى حالة الجزاء واللقاء كيلا تنخرم قاعدة الحكمة والتدبير ورعاية الصلاح والعدل.
ثم قال ﴿ وإن كثيراً من الناس ﴾ وقد قال قبل ذلك ﴿ ولكن أكثر الناس ﴾ لأنه قد ذكر دليلاً على الأصول، ولا شك أن الإيمان بعد الدليل يكون أكثر من الإيمان قبل الدليل فلا يبقى الأكثر مكما هو فعبر عن الباقي بالكثير.
قال في الكشاف والمراد ﴿ بلقاء ربهم ﴾ الأجل المسمى، والأشاعرة يحملونه على الرؤية، واعلم أن دليل الأنفس مقدم على دليل الآفاق، لأن الإنسان قلما يذهل عن نفسه، وأن نفسه أقرب الشياء إليه نظير الآية قوله ﴿ الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ﴾ أي يعرفون الله بدلائل الأنفس في سائر الأحوال، ويتفكرون في خلق السموات والأرض بدلائل الآفاق.
وإنما أخر الأنفس في قوله ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم ﴾ لإن الإراءة إنما يفتقر إليها في معرفة الأبعد الأخفى كأنه قال: سنريهم آياتنا الآفاقية فإن لم يفهموها فآيات الأنفس معلومة.
وهذا الترتيب لا يناسب التفكر بل الفكر يتصور دليل الأنفس أولاً ثم يرتقي إلى دليل الآفاق فظهر أن كل آية وردت على ما اقتضته الحكمة والبلاغة.
وحين ذكر دليل النفس الذي لا يقع الذهول عنه إلا ندرة ارتقى إلى دليل السموات والأرض الذي يقع الذهول عنه في كثير من الأحوال لكنه لا يحتاج إلا إلى التفات ذهني، ثم أتبعه دليل الآفاق الذي يتوقف على السير والتحول ليقفوا على أمر أمثالهم.
وحكاية أشكالهم ثم ذكر أنهم أولى بالهلاك لأن من تقدمهم كعاد وثمود كانوا أشد منهم قوة جسمانية وأثاروا الأرض حرثوها وهو إشارة إلى القوة المالية.
ثم اشار إلى القوة الظهرية التي يستند إليها عند الضعف والفتور وهي الحصون والعمائر بقوله ﴿ وعمروها أكثر مما عمروها ﴾ هؤلاء يعني أهل مكة كانوا أهل واد غير ذي زرع ما لهم أثارة أرض أصلاً ولا عمارة لها راساً، ففيه نوع تهكم بهم.
قال أهل البرهان: إنما قال في هذه السورة وفي آخر "فاطر" وفي "المؤمن" ﴿ أولم يسيروا ﴾ بالواو وفي غيرهن ﴿ أفلم ﴾ بالفاء لأن ما قبلها في هذه السورة ﴿ أولم يتفكروا ﴾ وما بعدها ﴿ وأثاروا ﴾ بالواو فوافق ما قبلها وما بعدها.
وكذا في "فاطر" ما قبله ﴿ ولن تجد لسنتنا تحويلاً ﴾ وما بعده ﴿ وما كان ﴾ وفي "المؤمن" ما قبله ﴿ والذين يدعون ﴾ وأما في آخر "المؤمن" فما قبله ﴿ فأي آيات الله ﴾ وما بعده ﴿ فما أغنى عنهم ﴾ وكلاهما بالفاء.
قوله في هذه السورة ﴿ من قبلهم ﴾ متصل بكون آخر مضمر.
وقوله ﴿ كانوا أشد منهم قوة ﴾ وكذا معطوفاه إخبار عما كانوا عليه قبل الإهلاك.
وإنما قال في "فاطر" ﴿ وكانوا ﴾ بزيادة الواو لأن التقدير فينظروا كيف أهلكوا وكانوا اشد، وخصت السورة به لقوله ﴿ وما كان الله ليعجزه ﴾ وقال في "المؤمن" ﴿ كانوا من قبلهم كانوا هم أشد ﴾ فأظهر "كان" وزاد لفظه "هم" لأن الآية وقعت في أوائل قصة موسى وهي تتم في ثلاثين آية، فكان اللائق به البسط دون الوجازة ولم يبسط هذا البسط في آخر السورة اكتفاء بالأول والله أعلم.
﴿ ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ﴾ بوضع الأنفس الشريفة في موضع خسيس هو عبادة الأصنام.
قال أهل السنة: هذا الوضع كان بمشيئة الله وإرادته لكنه صدر عنهم فأضيف إليهم ﴿ والسوأى ﴾ تانيث الأسوا وهو الأقبح وهي خبر "كان" فيمن قرأ ﴿ عاقبة ﴾ بالرفع واسم "كان" فيمن قرأ ﴿ عاقبة ﴾ بالنصب.
و"ثم" لتفاوت الرتبة، وفي التركيب وضع للمظهر موضع المضمر.
والمعنى أنهم أهلكوا ثم كانت عاقبتهم السوأى وهي عذاب النار.
و ﴿ أن كذبوا ﴾ المعنى لأن "أو" بأن كذبوا أو هو تفسير اساؤا على أن الإساءة في معنى القول نحو: نادى وكتب معناه أي كذبوا وجوز جار الله أن يكون السوأى مفعول ﴿ اساؤا ﴾ و ﴿ أن كذبوا ﴾ عطف بيان لها، وخبر "كان" محذوف إرادة الإبهام ليذهب الوهم كل مذهب فيكون تقدير الكلام.
ثم كان عاقبة الذين اقترفوا الخطيئة التي هي أسوأ الخطايا أن كذبوا كذا وكذا مما لا يكتنه كنهه.
قال أهل التحقيق: ذكر الزيادة في حق المحسن في قوله ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ﴾ ولم يذكر في الحق المسيء لأن جزاء سيئة سيئة بمثلها، وذكر السبب في العقوبة وهو قوله ﴿ أن كذبوا ﴾ ولم يذكره في الآية ليعلم أن إحسانه لا يتوقف على السبب بل فضله كافٍ فيه.
وحين ذكر ان عاقبتهم النار وكان في ذلك إشارة إلى الإعادة والحشر لم يتركه دعوى بلا بينة فقال ﴿ الله يبدأ ﴾ يعني من خلق بالقدرة والإرادة لا يعجز عن الرجعة والإعادة.
ثم بين ما يكون وقت الرجوع فقال ﴿ ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون ﴾ يعني في ذلك اليوم يتبين إفلاسهم ويتحقق إبلاسهم وهو سكوت مع تحير ويأس مع بؤس ويأس لا اليأس الذي هو إحدى الراحتين وذلك إذا كان المرجو أمراً غير ضروري فيستريح الطامع من الانتظار.
ثم ذكر وجه الإبلاس وذلك قوله ﴿ ولم يمكن لهم من شركائهم شفعاء وكانوا بشركائهم كافرين ﴾ يجحدونها وقتئذ بقوله ﴿ سيكفرون بعبادتهم ﴾ أو كانوا في الدنيا كافرين بسببهم.
ثم حكى أنهم يعني المسلمين والكافرين ﴿ يومئذ يتفرقون ﴾ فريق في الجنة وفريق في السعير تفصيله في الآيتين بعده والروضة عندهم كل أرض ذات نبات وماء.
وفي الأمثال "أحسن من بيضة في روضة" يعنون بيضة النعامة وتنكير روضة للتعظيم ومعنى ﴿ يحبرون ﴾ يسرون بأنواع المسار لحظة فلحظة.
حبره إذا سره سروراً تهلل ببشر.
وخصه مجاهد بالتكريم، وقتادة بالتنعيم، وابن كيسان بالتحلية، ووكيع بالسماع.
عن النبي "إن في الجنة لنهراً حافتاه الأبكار من كل بيضاء رخصة يتغنين بأصوات لم تسمع الخلائق بمثلها قط فذلك افضل نعيم الجنة" قال الراوي: سألت ابا الدرداء بم تغنين؟
قال: بالتسبيح.
وروي أن في الجنة لأشجاراً عليها أجراس من فضة، فإذا أراد أهل الجنة السماع بعث الله ريحاً من تحت العرش في تلك الأشجار فتحرك تلك الأجراس باصوات لو سمعها أهل الدنيا لماتوا.
وأما معنى ﴿ محضرون ﴾ لا يغيبون عنه وقد مر في قوله ﴿ ثم هو يوم القيامة من المحضرين ﴾ وإنما أهمل ذكر الفسقة من أهل الإيمان اكتفاء بما ذكر في الآيات الأخر كقوله ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ وكقوله ﴿ إنما التوبة على الله ﴾ إلى قوله ﴿ تبت الآن ﴾ قال جار الله: لما ذكر الوعد والوعيد أتبعه ذكر ما يوصل إلى الوعد وينجي من الوعيد وقال آخرون: لما ذكر عظمته في المبدأ بقوله ﴿ ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق ﴾ وفي الانتهاء بقوله ﴿ ويوم تقوم الساعة ﴾ وكرر ذكر قيام الساعة للتأكيد والتخويف، أراد أن ينزه نفسه عن كل سوء ويثبت لذاته كل حمد ليعلم أنه منزه عن طاعات المطيعين، محمود على كل ما يوصل إلى المكلفين، مذكور على لسان أهل السموات والأرضين.
والتسبيح في الظاهر هو تنزيه الله من السوء والثناء عليه بالخير في هذه الأوقات لما في كل منها من كل نعمة متجددة.
وخص بعضهم التسبيح بالصلاة لما روي عن ابن عباس أنه قال ﴿ تمسون ﴾ صلاتا المغرب والعشاء ﴿ ويصبحون ﴾ صلاة الفجر ﴿ وعشياً ﴾ صلاة العصر و ﴿ يظهرون ﴾ صلاة الظهر أمر بالصلاة في أول النهار ووسطه وآخره، وأمر بالصلاة أول الليل ووسطه وهو العشاء بقوله "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك وبتأخير العشاء إلى نصف الليل" ولم يأمر بالصلاة في آخر الليل لأن النوم فيه غالب وإنه منَّ على عباده بالإستراحة في الليل بالنوم في مواضع منها قوله ﴿ ومن آياته منامكم بالليل ﴾ كما يجيء.
روي عن الحسن أن الاية مدنية بناء على أنه كان يقول: فرضت الصلوات الخمس بالمدينة وكان الواجب بمكة ركعتين في غير وقت معلوم.
وقول الأكثر إن الخمس فرضت بمكة.
قوله ﴿ وعشياً ﴾ معطوف على ﴿ حين ﴾ وما بينهما وهو قوله ﴿ وله الحمد في السموات والأرض ﴾ اعتراض.
قال جار الله: معناه إن على المميزين كلهم من أهل السموات والأرض أن يحمدوه قلت: فيه ايضاً أن الله غني عن تسبيح المسبحين فلو لم يحمده حامد فله استئهال الحمد على الإطلاق ولو حمدوه لعاد نفعه إليهم.
وقدم الإمساك لأن الظلمة عدمية والأصل في الأشياء العدم، وقدم العشي على الظهيرة لأجل الفاصلة أو للتنبيه على فضيلة صلاة العصر، ولعل في تقديم الاعتراض المذكور على العشي إشارة إلى هذا ومعنى ﴿ ويخرج الحي من الميت ﴾ قد سلف مراراً ويحتمل أن يراد ههنا اليقظان والنائم لقوله ﴿ وكذلك تخرجون ﴾ اي من القبور، فتنبيه النائم بعد اليقظة يشبه الإعادة، وكذا رد الأرض إلى حالة الخضرة والنضرة بعد ذبولها.
عن رسول الله "من قال حين يصبح فسبحان الله حين تمسون إلى قوله وكذلك تخرجون أدرك ما فاته من يومه، ومن قالها حين يمسي أدرك ما فاته من ليلته" ثم اراد أن يذكر الحجج الباهرة علىاستحقاق التسبيح والتحميد له فقال ﴿ ومن آياته أن خلقكم ﴾ أي أصلكم أو كلاً منكم كما مر في أول الحج ﴿ من تراب ﴾ وذلك ان التراب أبعد الأشياء عن درجة الإحياء لكثافته ولبرودته ويبسه والحياة بالحرارة والرطوبة، ولكدورته والأروح نير ولثقله وخفة الرواح ولسكونه والحي متحرك حساس، ولا تتنافي بين هذا وبين قوله ﴿ خلق من الماء بشراً ﴾ لأنه أراد الأصل الثاني الذي هو النطفة، أو أراد أن أصل البشر في الظاهر هو التراب والماء وأما النار فللإنضاج، والهواء فللاستبقاء كالزق المنفوخ يقوم بالهواء، و ﴿ ثم ﴾ لتبعيد الرتبة و ﴿ إذا ﴾ للمفاجأة أي ثم فاجأتم وقت كونكم بشراً.
قالوا: فيه إشارة إلى مسألة حكمية وهي أن الله يخلق أولاً إنساناً فيتبعه أنه حيوان تام لا أنه يخلق أولاً حيواناً ثم يجعله إنساناً، فخلق الأنواع هو المراد الأول ثم تكون الأنواع فيها الأجناس بتلك الإرادة الأولى.
وقوله ﴿ بشراً ﴾ إشارة إلى القوة المدركة التي البشر بها بشروا بها يمتاز عن غيره من الحيوانات.
وقوله ﴿ تنتشرون ﴾ إشارة إلى القوة المتحركة التي بها الحيوان حيوان فكأنه أشار إلى فصله وجنسه، وكان الأولى تقديم الجنس على الفصل، إلا أنه عكس الترتيب لأنه كأنه قال: العجب غير مختص بالإنسان بل الحيوان المنتشر من التراب الساكن عجيب أيضاً.
والانتشار إما بمعنى التردد في الحوائج كقوله ﴿ فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ﴾ وإما بمعنى البث والتفريق كقوله ﴿ وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء ﴾ .
وحين بين خلق الإنسان ولم يكن مما يبقى على مر الزمان منَّ عليهم بأن جعل نوع الإنسان باقياً بتعاقب الأشخاص فقال ﴿ ومن آياته أن خلق لكم ﴾ ولا يلزم منه أن لا يكنَّ مخلوقات للعبادة والتكليف لأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه، فقد يكون الشيء مختصاً باثنين وجعل مهيأ لآخرين على أن النعمة ما كانت تتم علينا إلا بتكليفهن، فلولا خوف العقاب لتمردت النسوان على أزواجهن.
و ﴿ من أنفسكم ﴾ أي من جنسكم أو هو إشارة إلى أن حواء خلقت من ضلع آدم وقد مر في "النحل" ويشهد للتفسير الأول قوله ﴿ لتسكنوا إليها ﴾ فإن الجنس إلى الجنس أسكن ﴿ وجعل بينكم مودة ﴾ عن الحسن هي الجماع ﴿ ورحمة ﴾ هي الولد.
وقال غيره: المودة حالة حاجة نفسه إليها، والرحمة حالة حاجة صاحبته إليه، وقد تفضي المودة إلى مجرد الرحمة وذلك إذا خرجت عن محل الشهوة بكبر أو مرض، أو خرج عن إمكان رعاية حقها بكبر أو زمانة أو فقر.
قال بعضهم: المودة والرحمة بعصمة الزواج من غير سابقة معرفة وقرابة وهي من قبل الله، والفرك من قبل الشيطان ﴿ إن في ذلك ﴾ الخلق والجعل ﴿ لآيات لقوم يتفكرون ﴾ فخلق الإنسان من الوالدين آية، وجعل أحدهما ذكراً والآخر أنثى آية، وخروج الولد الضعيف من الموضع الضيق آية، وجعل التوادد بين الزوجين من غير صلة رحم آية ولما ذكر دلائل الأنفس أتبعها دلائل الآفاق وأعظمها خلق السموات والأرض، فإن خلق المركبات قد يسنده بعض الجهلة إلى ما في العناصر من الكيفيات وإلى ما في السموات من الحركات والاتصالات، وأما السماء والأرض فلا يجد بداً من أن يقول: إنهما بقدرة الله .
ثم عاد إلى ذكر أحوال الأنفس ومن جملتها اختلاف الألسنة لا جرمها، فإن التباين بين أجرامها ليس يبلغ إلى حد يعد آية بل وصفها وهو النطق وتقطيع الأصوات اللذان بهما يمتاز بعض الأصناف والأشخاص عن بعض، واختلاف الألوان والحلي فبذلك يقع التفاوت ويرتفع الاشتباه، فحس البصر يدرك اختلاف الصور وحَسن السمع يدرك اختلاف الأصوات وأما اللمس والشم والذوق فلا حكم ظاهراً لها في باب التمييز بين الأشخاص الإنسانية.
وحيث ذكر بعض العرضيات اللازمة أراد أن يذكر الأعراض المفارقة بعضها فقال ﴿ ومن آياته منامكم ﴾ قال جار الله: هذا من باب اللف والنشر وتقدير الكلام.
ومن آياته منامكم بالليل وابتغاؤكم من فضله بالنهار ليكون موافقاً لما جاء في مواضع آخر كقوله ﴿ وجعلنا الليل لباساً وجعلنا النهار معاشاً ﴾ وقدم المنام على الابتغاء لأن الاستراحة مطلوبة لذاتها والطلب لا يكون إلا لحاجة قال: وإنما فصل بين القرينتين الأوليين بالقرينتين الآخريين لأنهما زمانان، والزمان والواقع فيه كشيء واحد مع إعانة اللف على الاتحاد يعني كأنه لم يعطف النهار على الليل والابتغاء على المنام.
وجوز أن يراد منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله بالليل والنهار، فان الإنسان كثيراً ما ينام بالنهار ويكسب بالليل.
وفي اقتران الفضل بالابتغاء إشارة إلى أن العبد ينبغي أن لا يرى الرزق من نفسه وبحذقه بل يرى كل ذلك من فضل ربه.
ثم أشار إلى عوارض الآفاق فقال ﴿ ومن آياته يريكم ﴾ فأضمر "أن" واسكن الياء بعد حذفها وإنزال الفعل منزلة المصدر كما في المثل السائر "تسمع بالمعيدي خير من أن تراه" قيل: لما كان البرق من الأمور التي تتجدد زماناً دون زمان ذكره بلفظ المستقبل ولم يذكر معه "أن" وقيل: ومن آياته كلام كافٍ كما تقول: منها كذا ومنها كذا.
وتسكت تريد بذلك الكثرة: وقيل: أراد ويريكم من آياته البرق.
وانتصاب ﴿ خوفاً وطمعاً ﴾ كما مر في "الرعد" ثم ذكر بعض لوازم الآفاق قائلاً ﴿ ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ﴾ فقيام السموات والأرض استمساكهما بغير عمد، ومن نسب ذلك إلى الطبيعة فلا بد أن يستند الطبع إلى واجب لذاته وأمره أن يقول لهما كونا كذلك نظيره قوله ﴿ إن الله يمسك ﴾ إلى قوله ﴿ من بعده ﴾ واعلم أن الأمر عند المعتزلة موافق للإرادة، وعند الأشاعرة ليس كذلك.
ولكن النزاع في الأمر الذي هو للتكليف لا الذي للتكوين، فإن قوله ﴿ كن فيكون ﴾ موافق للإرادة بالتفاق.
قال جار الله: قوله ﴿ إذا دعاكم ﴾ بمنزلة قوله ﴿ يريكم ﴾ في إيقاع الجملة موقع المفرد على المعنى كأنه قال: ومن آياته قيام السموات والأرض، ثم خروج الموتى من القبور إذا دعاكم مرة واحدة يا أهل القبور اخرجوا والمراد سرعة الخروج من غير توقف وإلا فلا أمر ظاهراً.
أو أراد نداء الملك والأرض مكان المدعو على التقديرين لا الداعي إذ لا مكان لله مطلقاً ولا للملك في جوف الأرض.
نعم، لو كان المراد أن الملك يدعوهم وهو على وجه الأرض جاز.
ومعنى "ثم" عظم ما يكون من ذلك الأمر وتهويل لتلك الحالة، وإذا الأولى للشرط، والثانية للمفاجأة نائبة مناب الفاء.
واعلم أنه ذكر في كل باب أمرين: أما من الأنفس فخلق البشر ثم خلقهم زوجين، وأما من الآفاق فخلق السموات والأرض.
ومن لوازم الإنسان اختلاف اللسان والألوان، ومن عوارضه المنام والابتغاء، ومن عوارض الآفاق البروق والأمطار، ومن لوازمها قيام السماء والأرض.
والواحد يكفي للإقرار بالحق، إلا أن الثاني يجري مجرى الشاهد الآخر.
وراعى في تعداد العرضيات لطيفة، بدأ باللوازم وختم باللوازم وذلك أن الإنسان متغير الحال، فالأحوال اللازمة له أغرب والأفلاك ثابتة بالنسبة إلى الإنسان فعوارضها أغرب، وبدأ في كل باب بما هو أعجب، وإنما ختم الآية الأولى بقوله ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ﴾ لأن الفكر يؤدي إلى الوقوف على المعاني المقتضية للإنس والسكون وعلى دقائق صنع الله في خلق الإنسان وبثهم في الأرض، أو نقول: إن من الأشياء ما يعلم بمجرد الفكر كدقائق حكمة الله في خلق الإنسان، لأن أقرب الأشياء إلى الإنسان هو ذاته فلذلك قال هنالك ﴿ لقوم يتفكرون ﴾ ومنها ما يعلم من غير تجشم فكر كالاستدلال على قدرة الله بخلق السماء والأرض، واختلاف ألسنة الناس وألوانهم، فإن الكل تظلهم السماء وتقلهم الأرض.
وكل واحد منفرد بلطيفة في صورته يمتاز بها عن غيره، ولهذا يشترك في معرفتها الناس جميعاً فلهذا قال ﴿ لآيات للعالمين ﴾ ومن حمل اختلاف الألسن على اللغات اختلاف الألوان على البياض والسواد والصفرة والسمرة، فالاشتراك في معرفتها أيضاً ظاهر.
ومن قرأ ﴿ للعالمين ﴾ بكسر اللام فقد أحسن، فبالعلم يمكن الوصول إلى معرفة ما سبق ذكره، ومن الأشياء ما يحتاج الفكر فيه إلى إعانة مرشد كالمنام والابتغاء فإنهما لزوالهما في بعض الأوقات قد يرفعان لوازمهما فلهذا قال ﴿ لقوم يسمعون ﴾ ويجعلون بالهم إلى كلام المرشد، ومن هنا ذهب بعضهم إلى أن معنى ﴿ يسمعون ﴾ ههنا يستجيبون لما يدعون إليه، ثم إن حدوث الولد من الوالدين كالأمر المطرد العادي فكان الولد يمكن أن يسبق إلى الوهم إسناده إلى الطبيعة فأمر هنالك بالفكر.
وأما البرق والمطر فليس أمراً عادياً ولذلك يختلف بالشدة والضعف وبحسب الأوقات والأمكنة فالعقل الصحيح يجزم بأن من فعل الفاعل المختار فلذلك قال ﴿ لقوم يعقلون ﴾ وقيل: إن العقل ملاك الأمر وهو المؤدي إلى العلم فوقع الختم عليه.
وحين فرغ من تعداد الآيات وكان مدلولها الوحدانية التي هي الأصل الأول والقدرة على الحشر التي هي الأصل الآخر أكد الأول بقوله ﴿ وله من في السموات والأرض كل له قانتون ﴾ مطيعون منقادون وأكد الأصل الآخر بل كلا الأصلين بقوله ﴿ وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو ﴾ يعني أن يعيده ﴿ أهون عليه ﴾ أي في نظركم وعند معقولكم وإلا فلا صعوبة في الإبداء أصلاً حتى يقع التفضيل على حده.
وإنما أخرت الصلة ههنا وقدمت في قوله في سورة مريم ﴿ وهو علي هين ﴾ لأنه قصد هناك الاختصاص يعني أن خلق الولد بين هرم وعاقر لا يهون إلا علي، ولا معنى للاختصاص ههنا فإن الأمر مبني على المعقول بين الآدميين من ان المعاد أهون من المبدأ ولهذا قيل: أول الغزو أخرق.
وليس الدخيل في أمر كالناشئ عليه.
ومن الدليل العقلي على هذا المطلوب أن الإبداء خلق الأجزاء وتأليفها، والإعادة تأليف فقط، ولا شك أن أمراً واحداً أهون من الأمرين ولا يلزم منه أن يكون في الأمرين صعوبة فإن من قال: الرجل القوي يقدر على حمل شعيرة من غير صعوبة وسلم السامع له ذلك فإذا قال فلان لا يتعب من حمل خردلة وإن حمل خردلة أهون عليه.
كان كلاماً معقولاً وقد أجرى الزجاج قوله ﴿ وهو أهون عليه ﴾ مجرى المثل فيما يصعب ويسهل.
وفسر به قوله ﴿ وله المثل الأعلى ﴾ يعني هذا مثل مضروب لكم في الأرض وله المثل الأعلى من هذا المثل ومن كل مثل يضرب في السموات فيما بين الملائكة.
وعن ابن عباس: أراد أن فعله وإن شبهه بفعلكم ومثله به لكنه ليس كمثله شيء فله المثل الأعلى وقال جار الله: المثل الوصف أي له الوصف الأعلى الذي ليس لغيره مثله قد عرف به ووصف في السموات والأرض على ألسنة الخلائق وألسنة الدلائل، وهو أنه القادر الذي يقدر على الخلق والإعادة، العليم الذي لا يعزب عن علمه شيء فلا يصعب عليه جمع الأجزاء بعد تفرّقها على الوجه الذي يقتضيه التدبير ولهذا ختم الاية بقوله: ﴿ وهو العزيز الحكيم ﴾ وعن مجاهد: المثل الأعلى وصفه بالوحدانية وهو قوله "لا إله إلا الله" وقد ضرب لذلك مثلاً.
ومعنى ﴿ من انفسكم ﴾ أنه أخذ مثلاً وانتزعه من أقرب شيء منكم وهي أنفسكم و"من" للابتداء وفي قوله ﴿ مما ملكت أيمانكم ﴾ للتبعيض، والثالثة مزيدة لتأكيد الاستفهام الجاري مجرى النفي.
والمعنى هل ترضون لأنفسكم أن يكون لكم شركاء من بعض عبيدكم يشاركونكم فيما رزقناكم من الأموال والأملاك ﴿ فأنتم ﴾ يعني بسبب ذلك أنتم أيها السادات والعبيد في ذلك المرزوق ﴿ سواء ﴾ من غير تفضيل وففضل للأحرار على العبيد ﴿ تخافونهم ﴾ أن تستبدوا بتصرف دونهم ﴿ كخيفتكم أنفسكم ﴾ أي كما يهاب بعضكم بعضاً من الأحرار.
والحاصل أن من يكون له مملوك لا يكون شريكاً له في ماله ولا يكون له حرمة كحرمة سيده فكيف يجوز أن يكون عباد الله شركاء له أو شفعاء عنده بغير إذنه؟
وكيف يجوز أن يكون لهم عظمة مثل عظمة الله حتى يعبدوا كعبادته على أن مملوككم ليس مملوكاً لكم في الحقيقة ليس إلا اختصاص المبايعة، ولهذا لا حكم لهم عليهم بالقتل والقطع وبالمنع من الفرائض وقضاء الحاجة والنوم.
وقد يزول الاختصاص بالبيع والعتق ومملوك الله لا خروج له من ملكه بوجه من الوجوه وفي قوله ﴿ فيما رزقناكم ﴾ إشارة إلى أن الذي هو لكم ليس في الحقيقة لكم وإنما الله استخلفكم فيه ورزقكموه من فضله ﴿ كذلك ﴾ أي مثل هذا التفصيل والتبعيد للتعظيم أو لدخوله في حيز الذكر أو المضي ﴿ نفصل الآيات ﴾ نبينها ﴿ لقوم يعقلون ﴾ لأن التمثيل إنما يكشف المعاني لأرباب العقول.
ثم شوه صورة الشرك بقوله ﴿ بل اتبع الذين ظلموا ﴾ أي اشركوا ﴿ أهواءهم بغير علم ﴾ فهوى العالم ربما يتبدل بالهدى وأما الجاهل فإنه هائم في هواه كالبهائم لا يرجى ارعواه يؤكده قوله ﴿ فمن يهدي من اضل الله وما لهم من ناصرين ﴾ والإضلال ههنا لا يخفى أن الأشاعرة يحملونه على خلق الضلال في المكلف، والمعتزلة يحملونه على الخذلان ومنع الألطاف وقد تقدم مراراً.
ثم قال لرسوله ولأمته تبعية إذا تبين الحق وظهرت الوحداينة ﴿ فأقم وجهك للدين ﴾ أي سدده نحوه غير مائل إلى غير من الأديان الباطلة ﴿ فطرت الله ﴾ أي الزموها أو عليكم بها.
قال جار الله: إنما اضمرته على خطاب الجماعة لقوله ﴿ منيبين ﴾ وهو حال منهم ولأن الأمر والنهي بعده معطوفان عليه لكنك قد عرفت في الوقوف أن هذا التقدير غير لازم وعلى ذلك يحتمل أن يقدر الزم أو عليك أو أخص أو اريد واشباه ذلك.
وفطرة الله هي التوحيد الذي تشهد به العقول السليمة والنظر الصحيح كما جاء في الحديث النبوي "كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان يهودانه وينصرانه" ويحتمل أن تكون الفطرة إشارة إلى أخذ الميثاق من الذر.
وقوله ﴿ لا تبديل لخلق الله ﴾ نفي في معنى النهي أي لا تبدلوا خلقه الذي فطلكم عليه لكن الإيمان الفطري غير كافٍ.
وقيل: هو تسلية للنبي حيث لم يؤمن قومه فكأنه قال: إنهم أشقياء ومن كتب شقياً لم يسعد.
وقيل: أراد أن الخلق لا خروج لهم عن عبوديته بخلاف مماليك الإنسان فإنهم قد يخرجون من ايديهم بالبيع والعتق.
وفيه فساد قول من زعم أن العبادة لتحصيل الكمال فإذا كمل العبد لم يبق عليه تكليف، وفساد قول الصابئة وبعض أهل الشك أن الناقص لا يصلح لعبادة الله ونما الإنسان عبد الكواكب والكواكب عبيد الله، وفساد قول النصارى والحلولية أن الله يحل في بعض الأشخاص كعيسى وغيره فيصير إلهاً.
ومعنى ﴿ فرقوا دينهم وكانوا شيعاً ﴾ قد مر في آخر "الأنعام" وأنهم فرق كل واحدة تشايع إمامها الذي أضلها وقال أهل التحقيق: بعضهم يعبد الدنيا وبعضهم يعبد الهوى وبعضهم يريد الجنة وبعضهم يطلب الخلاص من النار.
ومعنى ﴿ كل حزب بما لديهم فرحون ﴾ قد مر في "المؤمنين" وجوز جار الله أن يكون ﴿ من الذين ﴾ منقطعاً عما قبله ﴿ وكل حزب ﴾ مبتدأ و ﴿ فرحون ﴾ صفة كل ومعناه من المفارقين دينهم كل حزب بصفة كذا والله أعلم.
التأويل: الألف ألفة طبع المؤمنين، واللام لوم طبيعة الكافرين، والميم مغفرة رب العالمين، فمن اللفة أحبوا أهل الكتاب، ومن اللوم أبغضهم الكافرون، ومغفرة رب العالمين شملت الفريقين حتى قال ﴿ إن الله يغفر الذنوب جميعاً ﴾ إلا أن يكون هناك مخصص.
ثم أشار إلى أن حال أهل الطلب يتغير بتغير الأوقات فيغلب فارس النفس روم القلب تارة وسيغلب روم القلب فارس النفس بتأييد الله ونصره ﴿ في بضع سنين ﴾ من أيام الطلب ﴿ ويومئذ يفرح المؤمنون ﴾ وهم الروح والسر والعقل.
﴿ أولم يتفكروا ﴾ ﴿ في ﴾ استعداد ﴿ أنفسهم ما خلق الله السموات ﴾ الروحانية ﴿ والأرض ﴾ النفسانية إلا ليكون مظهراً للحق ولأجل مسمى بالصبر والثبات في تصفية مرآة القلوب عن صدا الأوصاف الذميمة النفسانية.
والأجل المسمى هو أوان صفاء القلب متوجهاً إلى الحق ﴿ أولم يسيروا ﴾ في أرض البشرية بالسلوك لتبديل الأخلاق ﴿ والذين من قبلهم ﴾ هم الفلاسفة والبراهمة المعتمدون على مجرد البراهين من غير اعتبار الشرائع.
والسوأى هي أن صاروا أئمة الكفر والضلال ﴿ الله يبدؤا الخلق ﴾ بتصيير النفس متعلقة بالقالب ﴿ ثم يعيده ﴾ بطريق السير والسلوك والعبور عن المنازل والمقامات إلى عالم الأرواح ﴿ ثم إليه ترجعون ﴾ بجذبة ﴿ ارجعي ﴾ ﴿ ويوم تقوم الساعة ﴾ الإرادة ﴿ يبلس المجرمون ﴾ بتضييع الأوقات في طلب ما سوى الله.
ويوم تقوم الساعة قيامة العشق يومئذ تتفرق المحبون، فبعضهم يطلب الجنة، وبعضهم يطلب الوصلة، وبعضهم يريد الوحدة ﴿ فسبحان الله ﴾ حين تغلبون على ليل نيل الشهوات وحين صباح نهار تجلي شموس الوصال، وله الحمد إن كنتم في سموات القربات أو أرض البعد والغفلات، و في عشاء غشاء القساوة وفي حالة استواء شمس المعرفة في وسط سماء القلب، فإن الربح الخسران في كلتا الحالتين راجع إلى الطائفتين والله منزه عن العالمين.
يخرج القلب الحي بنور الله من النفس الميتة في ظلمات صفاتها إبرازاً للطفه، ويخرج القلب الميت عن الأخلاق الحميدة من النفس الحية بالصفات الحيوانية، إظهاراً لقهره، ويحيي أرض القلوب بعد موتها وكذلك تخرجون بدأ وإعادة.
فمن آياته خلق سموات القلوب وأرض النفوس، واختلاف ألسنة القلوب وألسنة النفوس، فلسان القلب يتكلم بلغة العلويات، ولسان النفس يتكلم بلغات السفليات ﴿ واختلاف ألوانكم ﴾ وهي الطبائع المختلفة.
منكم منيريد الدنيا، ومنكم من يريد الآخرة ومنكم من يريد الله ﴿ ومن آياته منامكم ﴾ في ليل البشرية ﴿ وابتغاؤكم من فضله ﴾ في نهار الروحاينة والمكاشفات الربانية ﴿ لقوم يسمعون ﴾ كلام الله من شجرة الوجود، ويريكم بروق شواهد الحق ثم اللوامع ثم الطوالع.
فتلك الأنوار ترى شهوات الدنيا نيراناً فيخاف منها، وترى مكاره التكاليف جناناً فيطمع فيها.
أن تقوم سماء النفس وارض القلب بأمره لأن الروح من أمره ﴿ ثم إذا دعاكم ﴾ بجذبة ﴿ ارجعي ﴾ ﴿ إذ أنتم ﴾ يعني النفس والقلب والروح ﴿ تخرجون ﴾ من أنانيته وجودكم ﴿ وهو أهون عليه ﴾ لأنه في البداية كان مباشراً بنفسه وفي الإعادة يكون المباشر إسرافيل بنفخه، والمباشرة بنفس الغير في العمل أهون من المباشرة بنفسه عند نظر الخلق.
ويحتمل أن يكون أهون من الهون بالضم وهو الذلة والضمير للخلق، وذلك أنهم في البداية لم يكونوا ملوثين بلوث الحدوث، ولا مدنسين بأدناس الشرك والمعاصي، فلعزتهم في البداية باشر خلقهم بنفسه، ولهونهم في الإعادة باشرهم بغيره، ﴿ وله المثل الأعلى ﴾ فيما أودع من الآيات في سموات الأرواح وأرض القلوب.
﴿ ضرب لكم ﴾ أي للروح والقلب والسر والعقل ﴿ مما ملكت أيمانكم ﴾ من الأعضاء والجوارح والحواس والقوى ﴿ فيما رزقناكم ﴾ من العلوم والكشوف ﴿ تخافونهم ﴾ أن لا يضيعوا شيئاً من المواهب بالتصرفات الفاسدة ﴿ كخيفتكم أنفسكم ﴾ اي كخيفة الروح من القلب أن لا يضيع شيئاً منها بأن يصرفها في غير موضعها رياء وسمعة وهوى، أو كخيفة القلب من السر والعقل بأن يصرفها فيما يفسد العقائد ويوقع في الشكوك.
فكما لا يصلح هؤلاء لشركتكم فكذلك لا تصلحون أنتم لشركتي إذا تجليت عليكم، فدعوى الاتحاد والحلول باطلة والكبرياء ردائي لا غير.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ الۤـمۤ * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ * فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ ﴾ وفي بعض القراءات: ﴿ غَلبت الروم ﴾ بفتح الغين على المستقبل.
يذكر أهل التأويل: أنه إنما يذكر هذا؛ لأن المشركين كانوا يجادلون وهم بمكة، يقولون: إن الروم أهل الكتاب وقد غلبتهم المجوس، وأنتم تزعمون أنكم ستغلبون بالكتاب الذي أنزل على نبيكم فسنغلبكم كما غلبت فارس الروم، فأنزل الله - - هذه الآية: ﴿ الۤـمۤ * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ * فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ...
﴾ الآية، لكن يذكر في آخره: ﴿ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ ٱللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَآءُ ﴾ ؛ فلا يحتمل فرح المؤمنين بغلبة الروم على فارس، ويسمى ذلك: نصر الله وهم كفار، وغلبتهم عليهم معصية، اللهم إلا أن يكون فرحهم بما يظهر الإيمان بكتب الله وتصديقها والعمل بها، وهم كانوا أهل كتاب، ورسول الله كان بعث مصدقاً بكتب الله وبرسله أجمع، ففرحوا بذلك، فإن كان كذلك فجائز الفرح بذلك وتسميته نصر الله.
وأما على الوجه الذي يقولون هم فلا.
وعندنا: أن في ذلك آية عظيمة في إثبات رسالة نبينا محمد - صلوات الله عليه - ونبوته وصدقه ما لم يجد الكفار فيه مطعناً، ولا النسبة إلى الكذب والافتراء، على ما قالوا وطعنوا في سائر الآيات والأنباء، كقولهم: ﴿ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ﴾ ونحو ذلك من المطاعن التي طعنوا في القرآن والأنباء المتقدمة؛ حيث قالوا: ﴿ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ ﴿ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرًى ﴾ مثلها لم يجدوا فيما أخبر من غلبة الروم على فارس؛ لأنه أخبر عن غلبة ستكون وستحدث لا عن غلبة قد كانت، ومثل هذا لا يدركه البشر ولا يستفاد منهم؛ إذ لا يبلغه علم البشر ولا يدرك بالقياس بالسابق من الأمور، فإذا كان على ما أخبر دل أنه بالله علم ذلك، وبوحي منه إليه عرف ذلك.
وهم جائز أن يستدلوا بما كان من قبل من غلبة فارس على الروم أن يقولوا: تغلب فارس على الروم بما شاهدوه مرة أو بوجوه أخر يستدلون بذلك؛ من نحو أن يقولوا: إنهم أهل كتاب وعبادة يكونون مشاغيل بالنظر فيها والعمل ببعض ما فيها لا يتفرغون للقتال والحرب.
أو أن يقولوا: إنهم نصارى - أعني: أهل الروم - وليس في سنتهم ومذهبهم القتال والحرب، فيستدلون بمثل هذه الوجوه على أن لا غلبة تكون لهم ولا ظفر.
وأمّا أهل الإسلام ليس لهم شيء من تلك الوجوه ولا بغيرها وجه الاستدلال بغلبة أولئك، فما قالوا ذلك إلا وحيّا من الله إليه وإعلاماً منه إياه، فكان في ذلك أعظم آية لصدق رسوله وأكبرها فيكون فرح المؤمنين وذكر نصر الله بإظهار تلك الآية في تصديق رسوله؛ إذ نصر رسوله حيث أظهر صدقه ورسالته.
وقوله: ﴿ غُلِبَتِ ﴾ و ﴿ غَلَبَت ﴾ : ﴿ غُلِبَتِ ﴾ على الماضي؛ لما كان من غلبة فارس على الروم، و ﴿ غَلَبَت ﴾ بالفتح على المستقبل؛ أي: تغلب الروم على فارس، وهو كقوله: ﴿ فَقَالُواْ رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا ﴾ على الأمر في المستقبل، ﴿ بَاعَدَ بين أسفارنا ﴾ على الخبر، فعلى ذلك الأول.
وقوله: ﴿ فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ ﴾ قيل: أقرب إلى أرض فارس.
وقال بعضهم: ﴿ أَدْنَى ٱلأَرْضِ ﴾ أي: أدنى أرض الشام.
وقيل: الأرض التي تلي فارس، والله أعلم.
وفي قوله: ﴿ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ﴾ وفي قوله: ﴿ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ ﴾ وجوه على المعتزلة: أحدها: يقال لهم: وعد أن يغلب الروم على فارس، وقد أراد أن يخرج ما وعد حقّاً صدقاً أم لا؟
فإن قالوا: لا، فقد أعظموا القول وأفحشوه؛ حيث زعموا أنه أراد ألا يفي بما وعد أنه يكون.
وإن قالوا: نعم، قيل: دل أنه أراد ما فعلوا، وإن كان الفعل منهم فعل معصية وخلاف؛ إذ محاربة كل فريق أصحابهم معصية؛ إذ لم يؤمروا بذلك، وإنما أمروا بالإسلام، فدل أن الله مريد لما يعلم أنه يكون منهم، وإن كان ما يكون منهم معصية.
والثاني: ما أخبر بفرح المؤمنين بغلبة هؤلاء على أولئك أيّ جهة كان فرحهم لإثبات آية عظيمة على رسالة نبيهم ونبوته؛ على ما ذكرنا أولا أنهم كانوا أهل كتب الله ودراستها أحبوا غلبتهم عليهم، وفرحوا بذلك، ولا يحتمل أن يفرحوا بذلك ولم يأمرهم بذلك، ولا أراد منهم ذلك دل أنهم إنما فرحوا بذلك لما أراد ذلك.
والثالث: في قوله: ﴿ بِنَصْرِ ٱللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَآءُ ﴾ دلالة: أن لله في فعل العباد صنعاً وتدبيراً حيث ذكر فعل بعضهم على بعض، ثم سمّى: نصر الله؛ دل أن له في ذلك تدبيراً.
وقوله: ﴿ فِي بِضْعِ سِنِينَ ﴾ قيل: البضع: سبع.
وقيل: ما دون العشر فهو بضع، وكذلك ذكر في الخبر "أن أبا بكر - - لما خاطر المشركين وبايعهم في ذلك بخطر في سنين ذكرها، فمضت تلك المدة ولم تغلب الروم على فارس، فقال رسول الله لأبي بكر: أما علمت أن ما دون العشر بضع كله، فزد في الأجل، وزد في الخطر، ففعل ذلك، فلم تمض تلك السنون حتى ظهرت الروم على فارس" .
وفي بعض الحديث قال: قال رسول الله : "لم تكونوا أن تؤجلوا أجلا دون العشر؛ فإن البضع ما بين الثلاث إلى العشر، فزيدوهم ومادوهم في الأجل" ففعلوا حتى ظهرت الروم على فارس...
فذكر الحديث.
ثم المسألة في المخاطرة التي كانت بين أبي بكر وبين أولئك الكفرة: أحدها: أن مكة كانت يومئذ دار حرب؛ دليله: قوله: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...
﴾ الآية [الأنفال: 30]، وذلك كان قبل الهجرة، وما أمر بالهجرة - أيضاً - إلى المدينة، ونحوه كثير، وذلك كان كله قبل غلبة الروم على فارس، فإذا كانت مكة يومئذ دار حرب جازت المخاطرة في العقول في دار الحرب فيما بينهم وبين أهل الحرب، وإن كان مثلها في دار الإسلام غير جائز، وهذا يدل لأبي حنيفة - رحمه الله - في إجازته عقد الربا في دار الحرب فيما بينهم وبين أهل الإسلام، وإن كان مثله في دار الإسلام غير جائز.
والثاني: جاز ذلك يومئذ وإن كانت فيه جهالة أسنان الإبل، والجهالة في العقود إنما تبطل العقود، لخوف وقوع التنازع بينهم في الدين، فأما في الأموال فقلما يقع؛ لما ذكرنا.
ومنهم من يقول: كان جائزاً ذلك في الجاهلية، فأمّا اليوم فقد جاء النهي عن القمار فنسخه، وإنما عرف النهي عن الميسر، والميسر هو القمار؛ فيكون النهي عن الشيء نهياً عما هو في معناه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ لِلَّهِ ٱلأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ لِلَّهِ ٱلأَمْرُ مِن قَبْلُ ﴾ غلبة فارس الروم ﴿ وَمِن بَعْدُ ﴾ غلبة الروم فارس.
ويقال: ﴿ لِلَّهِ ٱلأَمْرُ مِن قَبْلُ ﴾ حين ظهرت فارس على الروم ﴿ وَمِن بَعْدُ ﴾ ما ظهرت الروم على فارس.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ لِلَّهِ ٱلأَمْرُ ﴾ في خلقه؛ أي: التدبير فيه، وله الأمر فيهم؛ أي: ليس لأحد في الخلق أمر ولا تدبير، وإنما ذلك له؛ كقوله: ﴿ أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ ﴾ : له التدبير فيهم والأمر.
وفي قراءة من قرأ ﴿ غَلَبَتِ الرُّومُ ﴾ بالنصب يكون قوله: ﴿ وهم من بعد غلبهم سَيُغْلَبُونَ ﴾ حين تظاهر عليهم المسلمون في آخر الزمان حين تفتح قسطنطينية.
وفي حرف ابن مسعود وحفصة: ﴿ في بعض سنين قريباً ﴾ .
وقوله: ﴿ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ ٱللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَآءُ ﴾ فَرَحُ المؤمنين بنصر الله حيث نصر رسوله بإظهار الآية له في إثبات الرسالة والنبوة وصدقه، وذلك النصر له، وما يقول بعض أهل التأويل: نصر الروم على فارس - بعيد؛ لأن ما كان الفعل فعل معصية لا يقال: نصر الله، وإنما يقال ذلك فيما كان الفعل فعل طاعة، والوجه فيه ما ذكرنا: أنه نصر رسوله بما ذكرنا.
وقوله: ﴿ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ ذكر العزيز على إثر ما سبق؛ لأنه عزيز بذاته، فهلاك من هلك من عبيده لا يوجب وهناً ولا نقصاً في ملكه وسلطانه، ليس كهلاك بعض عبيد ملوك الأرض وأتباعه وحشمه؛ لأن ملوك الأرض أعزاء بهم، فإذا هلك ذلك ذهب عزهم، فأمّا الله - وتعالى - إذ هو عزيز بذاته لا بشيء، فهلاك من هلك من عبيده لا يوجب نقصاً لذلك فيه.
وقوله: ﴿ وَعْدَ ٱللَّهِ لاَ يُخْلِفُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ ﴾ إنما يكون خلف الوعد في الشاهد لإحدى خصال ثلاث: إما لندامة استقبلته فيما وعد فتمنعه تلك الندامة عن إنجاز ما وعد، وحفظ الوفاء له.
وإما لحاجة وقعت له فيما وعد فتمنعه تلك الحاجة عن وفاء ما وعد وإنجاز ما يطمع.
وإما لعجز يكون به لا يقدر على إنجاز ما وعد، فيحمله عجزه عن وفاء ما وعد وإنجازه، فإذا كان الله - - يتعالى عن الوجوه التي ذكرنا فإن ما وعد لم يحتمل الخلف منه، ولا قوة إلا بالله.
وقوله: ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ لما لم ينظروا ولم يتفكروا في الأسباب التي هى أسباب العلم بعدما أعطاهم أسباب العلم، لكنهم إذا تركوا النظر في الأسباب والتفكر فيها لم يعلموا، فلم يعذروا بذلك لتركهم النظر والتفكر فيها.
ويحتمل قوله: ﴿ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ أي: لا ينتفعون بما علموا، فنفى عنهم العلم؛ لما لم ينتفعوا بهذه الحواس وإن كانت لهم هذه الحواس.
وقوله: ﴿ يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ ٱلآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ﴾ يحتمل قوله: ظاهر الأشياء في المنافع، ولا يعلمون باطن المنافع بم؟
وكيف؟
نحو ما يعلم أن الماء به حياة الأشياء، ويعلمون أن بالطعام قوام الأبدان، ولكن لا يعلمون قدر منفعته وكيفيته وما في سرية ذلك من المنافع، وكذلك السمع والبصر واللسان لا يعلم حقيقة ذلك وكيفيته، وإن كان يعلم أنه بها يسمع ويبصر ويتكلم ويفهم.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ يَعْلَمُونَ ظَاهِراً ﴾ : منافع الحياة الدنيا، وعن منافع الآخرة هم غافلون، وإنما أنشئت منافع الدنيا لا لتكون لها، ولكن ليعلموا بها منافع الآخرة.
وابن عباس والكلبي وهؤلاء يقولون: ﴿ يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ قالوا: يعلمون معايشهم، وتجاراتهم، وحرفهم، وجميع الأسباب والمكاسب والحيل التي بها تقوم أمور دنياهم ﴿ وَهُمْ عَنِ ٱلآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ﴾ أي: لا يؤمنون بها، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
لا يعلمون الإيمان وأحكام الشرع، وإنما يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا يتعلق بكسب المعاش وبناء الحضارة المادية، وهم عن الآخرة التي هي دار الحياة الحقيقية معرضون، لا يلتفتون إليها.
<div class="verse-tafsir" id="91.DKV7Q"