الآية ١ من سورة السجدة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 32 السجدة > الآية ١ من سورة السجدة

الٓمٓ ١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 76 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١ من سورة السجدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١ من سورة السجدة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وهي مكية .

قال البخاري في " كتاب الجمعة " : حدثنا أبو نعيم ، حدثنا سفيان ، عن سعد بن إبراهيم ، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الفجر يوم الجمعة : ( الم تنزيل ) السجدة ، و ( هل أتى على الإنسان ) .

ورواه مسلم أيضا من حديث سفيان الثوري ، به .

وقال الإمام أحمد : حدثنا أسود بن عامر ، أخبرنا الحسن بن صالح ، عن ليث ، عن أبي الزبير ، عن جابر قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم لا ينام حتى يقرأ ) الم تنزيل ) السجدة و ( تبارك الذي بيده الملك ) تفرد به أحمد .

قد اختلف المفسرون في الحروف المقطعة التي في أوائل السور فمنهم من قال هي مما استأثر الله بعلمه فردوا علمها إلى الله ولم يفسرها حكاه القرطبي في تفسـره عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم أجمعين وقاله عامر الشعبي وسفيان الثوري والربيع بن خيثم واختاره أبو حاتم بن حبان.

ومنهم من فسرها واختلف هؤلاء في معناها فقال عبدالرحمن بن زيد بن أسلم إنما هي أسماء السور.

قال العلامة أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري في تفسيره وعليه إطباق الأكثر ونقل عن سيبويه أنه نص عليه ويعتضد لهذا بما ورد في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة "الم" السجدة و "هل أتى على الإنسان" وقال سفيان الثوري عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال: الم وحم والمص وص.

فواتح افتتح الله بها القرآن وكذا قال غيره عن مجاهد وقال مجاهد في رواية أبي حذيفة موسى بن مسعود عن شبل عن ابن أبي نجيح عنه أنه قال الم اسم من أسماء القرآن وهكذا وقال قتادة وزيد بن أسلم ولعل هذا يرجع إلى معنى قول عبدالرحمن بن زيد بن أسلم أنه اسم من أسماء السور فإن كل سورة يطلق عليها اسم القرآن فإنه يبعد أن يكون المص اسما للقرآن كله لأن المتبادر إلى فهم سامع من يقول قرأت المص إنما ذلك عبارة عن سورة الأعراف لا لمجموع القرآن والله أعلم.

وقيل هي اسم من أسماء الله تعالى فقال عنها في فواتح السور من أسماء الله تعالى وكذلك قال سالم بن عبدالله وإسماعيل بن عبدالرحمن السدي الكبير وقال شعبة عن السدي بلغني أن ابن عباس قال الم اسم من أسماء الله الأعظم.

هكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث شعبة ورواه ابن جرير عن بندار عن ابن مهدي عن شعبة قال سألت السدي عن حم وطس والم فقال قال ابن عباس هي اسم الله الأعظم وقال ابن جرير وحدثنا محمد بن المثنى حدثنا أبو النعمان حدثنا شعبة عن إسماعيل السدي عن مرة الهمذانى قال: قال عبدالله فذكر نحوه.

وحُكي مثله عن علي وابن عباس وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس هو قسم أقسم الله به وهو من أسماء الله تعالى وروى ابن أبي حاتم وابن جرير من حديث ابن علية عن خالد الحذاء عن عكرمة أنه قال الم قسم.

وروينا أيضا من حديث شريك بن عبدالله بن عطاء بن السائب عن أبى الضحى عن ابن عباس: الم قال أنا الله أعلم وكذا قال سعيد بن جبير وقال السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمذاني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الم قال أما الم فهي حروف استفتحت من حروف هجاء أسماء الله تعالى.

قال وأبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى الم قال هذه الأحرف الثلاثة من التسعة والعشرين حرفا دارت فيها الألسن كلها ليس منها حرف إلا وهو مفتاح اسم من أسمائه وليس منها حرف إلا وهو من آلائه وبلألائه ليس منها حرف إلا وهو في مدة أقوام وآجالهم.

قال عيسى ابن مريم عليه السلام وعجب: فقال أعجب أنهم يظنون بأسمائه ويعيشون في رزقه فكيف يكفرون به فالألف مفتاح الله واللام مفتاح اسمه لطيف والميم مفتاح اسمه مجيد فالألف آلاء الله واللام لطف الله والميم مجد الله والألف سنة واللام ثلاثون سنة والميم أربعون سنة.

هذا لفظ ابن أبي حاتم ونحوه رواه ابن جرير ثم شرع يوجه كل واحد من هذه الأقوال ويوفق بينها وأنه لا منافاة بين كل واحد منها وبين الآخر وأن الجمع ممكن فهي أسماء للسور ومن أسماء الله تعالى يفتتح بها السور فكل حرف منها دل على اسم من أسمائه وصفة من صفاته كما افتتح سورا كثيرة بتحميده وتسبيحه وتعظيمه قال ولا مانع من دلالة الحرف منها على اسم من أسماء الله وعلى صفة من صفاته وعلى مدة وغير ذلك كما ذكره الربيع بن أنس عن أبي العالية لأن الكلمة الواحدة تطلق على معاني كثيرة كلفظة الأمة فإنها تطلق ويراد به الدين كقوله تعالى "إنا وجدنا آباءنا على أمة" وتطلق ويراد بها الرجل المطيع لله كقوله تعالى "إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين" وتطلق ويراد بها الجماعة كقوله تعالى "وجد عليه أمة من الناس يسقون" وقوله تعالى "ولقد بعثنا في كل أمة رسولا" وتطلق ويراد بها الحين من الدهر كقوله تعالى "وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة" أي بعد حين على أصح القولين قال فكذلك هذا.

هذا حاصل كلامه موجها ولكن هذا ليس كما ذكره أبو العالية فإن أبا العالية زعم أن الحرف دل على هذا وعلى هذا وعلى هذا معا ولفظة الأمة وما أشبهها من الألفاظ المشتركة في الاصطلاح إنما دل في القرآن في كل موطن على معنى واحد دل عليه سياق الكلام فأما حمله على مجموع محامله إذا أمكن فمسألة مختلف فيها بين علماء الأصول ليس هذا موضع البحث فيها والله أعلم.

ثم إن لفظة الأمة تدل على كل من معانيها في سياق الكلام بدلالة الوضع فأما دلالة الحرف الواحد على اسم يمكن أن يدل على اسم آخر من غير أن يكون أحدهما أولى من الآخر في التقدير أو الإضمار بوضع ولا بغيره فهذا مما لا يفهم إلا بتوقيف والمسألة مختلف فيها وليس فيها إجماع حتى يحكم به وما أنشدوه من الشواهد على صحة إطلاق الحرف الواحد على بقية الكلمة فإن في السياق ما يدل على ما حذف بخلاف هذا كما قال الشاعر: قلنا قفي لنا فقالت قاف لا تحسبي أنا نسينا الإيجاف تعني وقفت.

وقال الآخر: ما للظليم عال كيف لا يـ ينقد عنه جلده إذا يـ فقال ابن جرير كأنه أراد أن يقول إذا يفعل كذا وكذا فاكتفى بالياء من يفعل وقال الآخر: بالخير خيرات وان شرا فا ولا أريد الشر إلا أن تـ يقول وإن شرا فشرا ولا أريد الشر إلا أن تشاء فاكتفى بالفاء والتاء من الكلمتين عن بقيتهما ولكن هذا ظاهر من سياق الكلام والله أعلم.

قال القرطبي وفي الحديث "من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة" الحديث قال سفيان هو أن يقول في اقتل"ا قـ" وقال خصيف عن مجاهد أنه قال فواتح السور كلها"ق وص وحم وطسم والر" وغير ذلك هجاء موضوع وقال بعض أهل العربية هي حروف من حروف المعجم استغنى بذكر ما ذكر منها في أوائل السور عن ذكر بواقيها التي هي تتمة الثمانية والعشرين حرفا كما يقول القائل ابني يكتب في - ا ب ت ث - أي في حروف المعجم الثمانية والعشرين فيستغني بذكر بعضها عن مجموعها حكاه ابن جرير.

قلت مجموع الحروف المذكورة في أوائل السور بحذف المكرر منها أربعة عشر حرفا وهي - ال م ص ر ك ه ي ع ط س ح ق ن- يجمعها قولك: نص حكيم قاطع له سر.

وهي نصف الحروف عددا والمذكور منها أشرف من المتروك وبيان ذلك من صناعة التصريف.

قال الزمخشري وهذه الحروف الأربعة عشر مشتملة على أصناف أجناس الحروف يعني من المهموسة والمجهورة ومن الرخوة والشديدة ومن المطبقة والمفتوحة ومن المستعلية والمنخفضة ومن حروف القلقلة.

وقد سردها مفصلة ثم قال: فسبحان الذي دقت في كل شىء حكمته.

وهذه الأجناس المعدودة مكثورة بالمذكورة منها وقد علمت أن معظم الشيء وجله ينزل منزلة كله وههنا ههنا لخص بعضهم في هذا المقام كلاما فقال: لا شك أن هذه الحروف لم ينزلها سبحانه وتعالى عبثا ولا سدى ومن قال من الجهلة إن في القرآن ما هو تعبد لا معنى له بالكلمة فقد أخطأ خطأ كبيرا فتعين أن لها معنى في نفس الأمر فإن صح لنا فيها عن المعصوم شيء قلنا به وإلا وقفنا حيث وقفنا وقلنا "آمنا به كل من عند ربنا" ولم يجمع العلماء فيها على شيء معين وإنما اختلفوا فمن ظهر له بعض الأقوال بدليل فعليه اتباعه وإلا فالوقف حتى يتبين هذا المقام.

المقام الآخر في الحكمة التي اقتضت إيراد هذه الحروف في أوائل السور ما هي مع قطع النظر عن معانيها في أنفسها فقال بعضهم إنما ذكرت ليعرف بها أوائل السور حكاه ابن جرير وهذا ضعيف لأن الفصل حاصل بدونها فيما لم تذكر فيه وفيما ذكرت فيه البسملة تلاوة وكتابة وقال آخرون بل ابتدىء بها لتفتح لاستماعها أسماع المشركين إذ تواصوا بالإعراض عن القرآن حتى إذا استمعوا له تلا عليهم المؤلف منه حكاه ابن جرير أيضا وهو ضعيف أيضا لأنه لو كان كذلك لكان ذلك في جميع السور لا يكون في بعضها بل غالبها ليس كذلك ولو كـان كذلك أيضا لانبغى الابتداء بها في أوائل الكلام معهم سواء كان افتتاح سورة أو غير ذلك ثم إن هذه السورة والتي تليها أعني البقرة وآل عمران مدنيتان ليستا خطابا للمشركين فانتقض ما ذكروه بهذه الوجوه.

وقال آخرون بل إنما ذكرت هذه الحروف في أوائل السور التي ذكرت فيها بيانا لإعجاز القرآن وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله هذا مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها وقد حكى هذا المذهب الرازي في تفسيره عن المبرد وجمع من المحققين وحكى القرطبي عن الفراء وقطرب نحو هذا وقرره الزمخشري فى كشافه ونصره أتم نصر وإليه ذهب الشيخ الإمام العلامة أبو العباس ابن تيمية وشيخنا الحافظ المجتهد أبو الحجاج المزي وحكاه لي عن ابن تيمية.

قال الزمخشري ولم ترد كلها مجموعة في أول القرآن وإنما كررت ليكون أبلغ في التحدي والتبكيت كما كررت قصص كثيرة وكرر التحدي بالصريح في أماكن قال وجاء منها على حرف واحد كقوله - ص ن ق- وحرفين مثل "حم" وثلاثة مثل "الم" وأربعة مثل "المر" و "المص" وخمسة مثل "كهيعص- و- حمعسق" لأن أساليب كلامهم على هذا من الكلمات ما هو على حرف وعلى حرفين وعلى ثلاثة وعلى أربعة وعلى خمسة لا أكثر من ذلك "قلت" ولهذا كل سورة افتتحت بالحروف فلا بد أن يذكر فيها الانتصار للقرآن وبيان إعجازه وعظمته وهذا معلوم بالاستقراء وهو الواقع في تسع وعشرين سورة ولهذا يقول تعالى "الم ذلك الكتاب لا ريب فيه" "الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه" "المص كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه" "الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم" "الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين" "حم تنزيل من الرحمن الرحيم" "حم عسق كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم" وغير ذلك من الآيات الدالة على صحة ما ذهب إليه هؤلاء لمن أمعن النظر والله أعلم.

وأما من زعم أنها دالة على معرفة المدد وأنه يستخرج من ذلك أوقات الحوادث والفتن والملاحم فقد ادعى ما ليس له وطار في غير مطاره وقد ورد في ذلك حديث ضعيف وهو مع ذلك أدل على بطلان هذا المسلك من التمسك به على صحته وهو ما رواه محمد بن إسحق بن يسار صاحب المغازي حدثني الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس عن جابر بن عبدالله بن رباب قال مر أبو ياسر بن أخطب في رجال من يهود برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتلو فاتحة سورة البقرة "الم ذلك الكتاب لا ريب فيه" فأتى أخاه بن أخطب في رجال من اليهود فقال تعلمون والله لقد سمعت محمدا يتلو فيما أنزل الله تعالى عليه "الم ذلك الكتاب لا ريب فيه" فقال أنت سمعته قال نعم قال فمشى حي بن أخطب في أولئك النفر من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا محمد ألم يذكر أنك تتلوا فيما أنزل الله عليك "الم ذلك الكتاب"؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "بلى" فقالوا جاءك بهذا جبريل من عند الله؟

فقال "نعم" قالوا لقد بعث الله قبلك أنبياء ما نعلمه بين لنبي منهم ما مدة ملكه وما أجل أمته غيرك.

فقام حي بن أخطب وأقبل على من كان معه فقال لهم الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون فهذه إحدى وسبعون سنة أفتدخلون في دين نبي إنما مدة ملكه وأجل أمته إحدى وسبعون سنة؟

ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد هل مع هذا غيره فقال "نعم" قال ما ذاك؟

قال "المص" قال هذا أثقل وأطول الألف واحد واللام ثلاثون والميم أربعون والصاد تسعون فهذه إحدى وثلاثون ومائة سنة.

هل مع هذا يا محمد غيره؟

قال "نعم" قال ما ذاك؟

قال "الر" قال هذا أثقل وأطول الألف واحدة واللام ثلاثون والراء مائتان فهذه إحدى وثلاثون ومائتا سنة.

فهل مع هذا يا محمد غيره؟

قال "نعم" قال ماذا قال "المر" قال هذه أثقل وأطول الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون والراء مائتان فهذه إحدى وسبعون ومائتان ثم قال: لقد لبس علينا أمرك يا محمد حتى ما ندري أقليلا أعطيت أم كثيرا.

ثم قال قوموا عنه ثم قال أبو ياسر لأخيه حي بن أخطب ولمن معه من الأحبار ما يدريكم لعله قد جمع هذا لمحمد كله إحدى وسبعون وإحدى وثلاثون ومائة وإحدى وثلاثون ومائتان وإحدى وسبعون ومائتان فذلك سبعمائة وأربع سنين؟

فقالوا لقد تشابه علينا أمره فيزعمون أن هؤلاء الآيات نزلت فيهم "هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات" فهذا الحديث مداره على محمد بن السائب الكلبي وهو ممن لا يحتج بما انفرد به ثم كان مقتضى هذا المسلك إن كان صحيحا أن يحسب ما لكل حرف من الحروف الأربعة عشر التي ذكرناها وذلك يبلغ منه جملة كثيرة وإن حسبت مع التكرر فأطم وأعظم والله أعلم.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : الم (1) قال أبو جعفر: قد مضى البيان عن تأويل قوله: (الم) بما فيه الكفاية.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

بسم الله الرحمن الرحيمسورة السجدةوهي مكية ، غير ثلاث آيات نزلت بالمدينة ; وهي قوله تعالى : أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا تمام ثلاث آيات ; قاله الكلبي ومقاتل .

وقال غيرهما : إلا خمس آيات ، من قوله تعالى : تتجافى جنوبهم إلى قوله الذي كنتم به تكذبون .

وهي ثلاثون آية .

وقيل تسع وعشرون .

وفي الصحيح عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة ( الم تنزيل ) السجدة .

و هل أتى على الإنسان حين من الدهر الحديث .

وخرج الدارمي أبو محمد في مسنده عن جابر بن عبد الله قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم لا ينام حتى يقرأ : ( الم تنزيل ) السجدة .

و تبارك الذي بيده الملك .

قال الدارمي : وأخبرنا أبو المغيرة قال حدثنا عبدة عن خالد بن معدان قال : اقرءوا المنجية ، وهي ( الم تنزيل ) فإنه بلغني أن رجلا كان يقرؤها ، ما يقرأ شيئا غيرها ، وكان كثير الخطايا فنشرت جناحها عليه وقالت : رب اغفر له فإنه كان يكثر من قراءتي ; فشفعها الرب فيه وقال اكتبوا له بكل خطيئة حسنة وارفعوا له درجة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

الحروف المقطعة في أوائل السور ، الأسلم فيها السكوت عن التعرض لمعناها من غير مستند شرعي ، مع الجزم بأن الله تعالى لم ينزلها عبثا بل لحكمة لا نعلمها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

الم

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«الم» الله أعلم بمراده به.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

(الم) سبق الكلام على الحروف المقطَّعة في أول سورة البقرة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

سورة السجدة من السور التى افتتحت ببعض حروف التهجى ، وقد سبق أن ذكرنا آراء العلماء فى لك بشئ من التفصيل عند تفسيرنا لسورة : البقرة ، وآل عمران ، والأعراف .

.وقلنا : ما ملخصه : إن أقرب الأقوال إلى الصواب ، أن هذه الحروف المقطعة ، قد وردت فى افتتاح بعض السور ، على سبيل الإِيقاظ والتنبيه إلى إعجاز القرآن .فكأن الله - تعالى - يقول لأولئك الكافرين المعارضين فى أن القرآن من عند الله : هاكم القرآن ترونه مؤلفاً من كلام هو من جنس ما تؤلفون منه كلامكم ومنظوماً من حروف ، وهى من جنس الحروف الهجائية التى تنظمون منها حروفكم .فإن كنتم فى شك من كونه منزلاً من عند الله فهاتوا مثله ، وادعوا من شئتم من الخلق لكى يعاونكم فى ذلك ، أو هاتوا عشر سور من مثله ، أو سورة من مثله .

.ومع كل هذا التساهل فى التحدى .

فقد عجزوا وانقلبوا خاسرين ، وثبت بذلك أن القرآن من عند الله - تعالى - وحده .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

لما ذكر الله تعالى في السورة المتقدمة دليل الوحدانية وذكر الأصل وهو الحشر وختم السورة بهما بدأ ببيان الرسالة في هذه السورة فقال: ﴿ الم * تَنزِيلُ الكتاب لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ وقد علم ما في قوله: ﴿ الم ﴾ وفي قوله: ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ من سورة البقرة وغيرها غير أن هاهنا قال: ﴿ مِن رَّبّ العالمين ﴾ وقال من قبل ﴿ هُدًى وَرَحْمَةً لّلْمُحْسِنِينَ  ﴾ وقال في البقرة (2): ﴿ هُدًى لّلْمُتَّقِينَ ﴾ وذلك لأن من يرى كتاباً عند غيره، فأول ما تصير النفس طالبة تطلب ما في الكتاب فيقول ما هذا الكتاب؟

فإذا قيل هذا فقه أو تفسير فيقول بعد ذلك تصنيف من هو؟

ولا يقال أولا: هذا الكتاب تصنيف من؟

ثم يقول فيماذا هو؟

إذا علم هذا فقال أولا هذا الكتاب هدى ورحمة، ثم قال هاهنا هو كتاب الله تعالى وذكره بلفظ رب العالمين لأن كتاب من يكون رب العالمين يكون فيه عجائب العالمين فتدعو النفس إلى مطاعته.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ الم ﴾ على أنها اسم السورة مبتدأ خبره ﴿ تَنزِيلُ الكتاب ﴾ وإن جعلتها تعديداً للحروف ارتفع ﴿ تَنزِيلُ الكتاب ﴾ بأنه خبر مبتدأ محذوف: أو هو مبتدأ خبره ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ والوجه أن يرتفع بالابتداء، وخبره ﴿ مِن رَّبّ العالمين ﴾ و ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ : اعتراض لا محل له.

والضمير في ﴿ فِيهِ ﴾ راجع إلى مضمون الجملة، كأنه قيل: لا ريب في ذلك، أي في كونه منزلاً من رب العالمين ويشهد لوجاهته قوله ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افتراه ﴾ لأنّ قولهم: هذا مفترى، إنكار لأن يكون من رب العالمين، وكذلك قوله: ﴿ بَلْ هُوَ الحق مِن رَّبّكَ ﴾ وما فيه من تقدير أنه من الله وهذا أسلوب صحيح محكم: أثبت أولاً أن تنزيله من رب العالمين، وأن ذلك ما لا ريب فيه، ثم أضرب عن ذلك إلى قوله: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افتراه ﴾ لأن (أم) هي المنقطعة الكائنة بمعنى: بل والهمزة، إنكاراً لقولهم وتعجيباً منه لظهور أمره: في عجز بلغائهم عن مثل ثلاث آيات منه، ثم أضرب عن الإنكار إلى إثبات أنه الحق من ربك.

ونظيره أن يعلل العالم في المسألة بعلة صحيحة جامعة، قد احترز فيها أنواع الاحتراز.

كقول المتكلمين: النظر أوّل الأفعال الواجبة على الإطلاق التي لا يعرى عن وجوبها مكلف، ثم يعترض عليه فيها ببعض ما وقع احترازه منه، فيرده بتلخيص أنه احترز من ذلك، ثم يعود إلى تقرير كلامه وتمشيته.

فإن قلت: كيف نفى أن يرتاب في أنه من الله، وقد أثبت ما هو أطم من الريب، وهو قولهم: ﴿ افتراه ﴾ ؟

قلت: معنى ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ أن لا مدخل للريب في أنه تنزيل الله: لأن نافي الريب ومميطه معه لا ينفك عنه وهو كونه معجزاً للبشر، ومثله أبعد شيء من الريب.

وأما قولهم: ﴿ افتراه ﴾ فإما قول متعنت مع علمه أنه من الله لظهور الإعجاز له، أو جاهل يقوله قبل التأمل والنظر لأنه سمع الناس يقولونه: ﴿ مَّا أتاهم مّن نَّذِيرٍ مّن قَبْلِكَ ﴾ كقوله: ﴿ مَّا أُنذِرَ ءابَاؤُهُمْ ﴾ [يس: 6] وذلك أن أن قريشاً لم يبعث الله إليهم رسولاً قبل محمد صلى الله عليه وسلم.

فإن قلت: فإذا لم يأتهم نذير لم تقم عليهم حجة.

قلت: أما قيام الحجة بالشرائع التي لا يدرك علمها إلا بالرسل فلا، وأما قيامها بمعرفة الله وتوحيده وحكمته فنعم؛ لأن أدلة العقل الموصلة إلى ذلك معهم في كل زمان ﴿ لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ﴾ فيه وجهان: أن يكون على الترجي من رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كان ﴿ لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ ﴾ [طه: 44] على الترجي من موسى وهرون عليهما السلام، وأن يستعار لفظ الترجي للإرادة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

سُورَةُ السَّجْدَةِ مَكِّيَّةٌ وآيُها ثَلاثُونَ آيَةً وقِيلَ تِسْعٌ وعِشْرُونَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ الم ﴾ إنْ جُعِلَ اسْمًا لِلسُّورَةِ أوِ القُرْآنِ فَمُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ: ﴿ تَنْزِيلُ الكِتابِ ﴾ عَلى أنَّ التَّنْزِيلَ بِمَعْنى المُنَزَّلِ، وإنْ جُعِلَ تَعْدِيدًا لِلْحُرُوفِ كانَ ﴿ تَنْزِيلُ ﴾ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ: ﴿ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ فَيَكُونُ ﴿ مِن رَبِّ العالَمِينَ ﴾ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿ فِيهِ ﴾ لِأنَّ المَصْدَرَ لا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَ الخَبَرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا ولا ( رَيْبَ فِيهِ ) حالٌ مِنَ ( الكِتابِ )، أوِ اعْتِراضٌ والضَّمِيرُ فِيهِ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿ أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ ﴾ فَإنَّهُ إنْكارٌ لِكَوْنِهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ وقَوْلُهُ: ﴿ بَلْ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ ﴾ فَإنَّهُ تَقْرِيرٌ لَهُ، ونَظْمُ الكَلامِ عَلى هَذا أنَّهُ أشارَ أوَّلًا إلى إعْجازِهِ، ثُمَّ رَتَّبَ عَلَيْهِ أنَّ تَنْزِيلَهُ مِن رَبِّ العالَمِينَ، وقَرَّرَ ذَلِكَ بِنَفْيِ الرَّيْبِ عَنْهُ، ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ إلى ما يَقُولُونَ فِيهِ عَلى خِلافِ ذَلِكَ إنْكارًا لَهُ وتَعْجِيبًا مِنهُ، فَإنَّ ﴿ أمْ ﴾ مُنْقَطِعَةٌ ثُمَّ أضْرَبَ عَنْهُ إلى إثْباتِ أنَّهُ الحَقُّ المُنَزَّلُ مِنَ اللَّهِ وبَيْنَ المَقْصُودِ مِن تَنْزِيلِهِ فَقالَ: ﴿ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ ﴾ إذْ كانُوا أهْلَ الفَتْرَةِ.

﴿ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ ﴾ بِإنْذارِكَ إيّاهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

الم (١)

{الم} على أنها اسم السورة مبتدأ وخبره

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

سُورَةُ السَّجْدَةِ وتُسَمّى المَضاجِعَ أيْضًا، كَما في الإتْقانِ، وفي مَجْمَعِ البَيانِ أنَّها كَما تُسَمّى سُورَةَ السَّجْدَةِ، تُسَمّى سَجْدَةَ لُقْمانَ لِئَلّا تَلْتَبِسَ (بِحم السَّجْدَةِ)، وأُطْلِقَ القَوْلُ بِمَكِّيَّتِها، أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ، وجاءَ في رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ الحَبْرِ اسْتِثْناءٌ، أخْرَجَ النَّحّاسُ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ السَّجْدَةِ بِمَكَّةَ سِوى ثَلاثِ آياتٍ: ﴿ أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا ﴾ إلى تَمامِ الآياتِ الثَّلاثِ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ مُجاهِدٍ، والكَلْبِيِّ، واسْتَثْنى بَعْضُهم أيْضًا آيَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ، وهُما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَتَجافى جُنُوبُهُمْ  ﴾ إلَخْ، واسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِبَعْضِ الرِّواياتِ في سَبَبِ النُّزُولِ، وسَتَطَّلِعُ عَلى ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، واسْتُبْعِدَ اسْتِثْناؤُهُما لِشِدَّةِ ارْتِباطِهِما بِما قَبْلَهُما، وهي تِسْعٌ وعِشْرُونَ آيَةً في البَصْرِيِّ، وثَلاثُونَ في الباقِيَةِ، ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِما قَبْلَها اشْتِمالُ كُلٍّ عَلى دَلائِلِ الأُلُوهِيَّةِ، وفي البَحْرِ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ فِيما قَبْلُ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ، وهو الأصْلُ الأوَّلُ، ثُمَّ ذَكَرَ جَلَّ وعَلا المَعادَ وهو الأصْلُ الثّانِي، وخَتَمَ جَلَّ شَأْنُهُ بِهِ السُّورَةَ، ذَكَرَ تَعالى في بَدْءِ هَذِهِ السُّورَةِ الأصْلَ الثّالِثَ وهو النُّبُوَّةُ، وقالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في وجْهِ الِاتِّصالِ بِما قَبْلَها: إنَّها شَرْحٌ لِمَفاتِيحِ الغَيْبِ الخَمْسَةِ الَّتِي ذُكِرَتْ في خاتِمَةِ ما قَبْلُ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ  ﴾ ، شَرْحُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ  ﴾ ، ولِذَلِكَ عُقِّبَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ  ﴾ ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ الماءَ إلى الأرْضِ الجُرُزِ  ﴾ شَرْحُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ويُنَزِّلُ الغَيْثَ  ﴾ ، وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ  ﴾ الآياتِ شَرْحُ قَوْلِهِ جَلَّ جَلالُهُ: ﴿ ويَعْلَمُ ما في الأرْحامِ  ﴾ ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ  ﴾ ، ﴿ ولَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها  ﴾ ، شَرْحُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا ﴾ وقَوْلُهُ جَلَّ وعَلا: ﴿ أإذا ضَلَلْنا في الأرْضِ  ﴾ ، إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكم ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ  ﴾ ، شَرْحُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وما تَدْرِي نَفْسٌ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ  ﴾ ، اهـ، ولا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ، وجاءَ في فَضْلِها أخْبارٌ كَثِيرَةٌ.

أخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ الضُّرَيْسِ مِن مُرْسَلِ المُسَيِّبِ بْنِ رافِعٍ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««تَجِيءُ الم تَنْزِيلُ - وفي رِوايَةٍ - الم السَّجْدَةِ، يَوْمَ القِيامَةِ لَها جَناحانِ، تُظِلُّ صاحِبَها وتَقُولُ: لا سَبِيلَ عَلَيْهِ لا سَبِيلَ عَلَيْهِ»».

وأخْرَجَ الدّارِمِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ طاوُسٍ قالَ: (الم السَّجْدَةِ، وتَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ، تَفْضُلانِ عَلى كُلِّ سُورَةٍ في القُرْآنِ بِسِتِّينَ حَسَنَةً)، وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: (تَفْضُلانِ سِتِّينَ دَرَجَةً عَلى غَيْرِهِما مِن سُوَرِ القُرْآنِ).

وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والدّارِمِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ جابِرٍ قالَ: ««كانَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا يَنامُ حَتّى يَقْرَأ (الم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ، وتَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ»» وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «مَن قَرَأ تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ، والم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ، بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ الآخِرَةِ، فَكَأنَّما قامَ لَيْلَةَ القَدْرِ»» .

ورَوى نَحْوَهُ هُوَ، والثَّعْلَبِيُّ، والواحِدِيُّ مِن حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، والثَّعْلَبِيُّ دُونَهم مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ، وتَعَقَّبَ ذَلِكَ الشَّيْخُ ولِيُّ الدِّينِ قائِلًا: لَمْ أقِفْ عَلَيْهِ، وهَذِهِ الرِّواياتُ كُلُّها مَوْضُوعَةٌ، لَكِنْ رَأيْتُ في الدُّرِّ المَنثُورِ أنَّ الخَرائِطِيَّ أخْرَجَ في مَكارِمِ الأخْلاقِ مِن طَرِيقِ حاتِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ طاوُسٍ أنَّهُ قالَ: ما عَلى الأرْضِ رَجُلٌ يَقْرَأُ: (الم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ) (وتَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ)، في لَيْلَةٍ إلّا كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أجْرِ لَيْلَةِ القَدْرِ)، قالَ: حاتِمٌ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَطاءٍ، فَقالَ: صَدَقَ طاوُسٌ، واللَّهِ ما تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُ بِهِنَّ إلّا أنْ أكُونَ مَرِيضًا، ولَمْ أقِفْ عَلى ما قِيلَ في هَذا الخَبَرِ صِحَّةً وضَعْفًا ووَضْعًا، وفِيهِ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ في فَضْلِها غَيْرُ هَذا، اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحالِها، وكانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَقْرَؤُها، و( هَلْ أتى ) [الإنْسانُ: 1]، في صَلاةِ فَجْرِ الجُمُعَةِ وهو مُشْعِرٌ بِفَضْلِها، والحَدِيثُ في ذَلِكَ صَحِيحٌ لا مَقالَ فِيهِ.

أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ««كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقْرَأُ في الفَجْرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ: (الم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ)، و(هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ)»،» وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، وهَؤُلاءِ إلّا البُخارِيَّ نَحْوَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) ﴿ الم ﴾ إنْ جُعِلَ اسْمًا لِلسُّورَةِ، أوِ القُرْآنِ فَمَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هَذا الم، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَنْزِيلُ الكِتابِ ﴾ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ باقٍ عَلى مَعْناهُ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ، أوْ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أوْ هو مُؤَوَّلٌ باسْمِ المَفْعُولِ، أيْ مُنَزَّلٌ، وإضافَتُهُ إلى الكِتابِ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ، أوْ بَيانِيَّةٌ بِمَعْنى مِن، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ خَبَرٌ ثالِثٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن رَبِّ العالَمِينَ ﴾ خَبَرٌ رابِعٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (الم) مُبْتَدَأً، وما بَعْدَهُ أخْبارٌ لَهُ، أيِ: المُسَمّى بِالم الكِتابُ المُنَزَّلُ لا رَيْبَ فِيهِ كائِنٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ ما يُجْعَلُ عُنْوانًا لِلْمَوْضُوعِ حَقُّهُ أنْ يَكُونَ قَبْلَ ذَلِكَ مَعْلُومَ الِانْتِسابِ إلَيْهِ، وإذْ لا عَهْدَ بِالنِّسْبَةِ قَبْلُ فَحَقُّها الإخْبارُ بِها.

وقالَ أبُو البَقاءِ: (الم) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً ( وتَنْزِيلُ ) بِمَعْنى مُنَزَّلٍ خَبَرُهُ، ولا ( رَيْبَ فِيهِ ) حالٌ مِنَ ( الكِتابِ )، والعامِلُ فِيها المُضافُ، وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ ( ومِن رَبِّ ) مُتَعَلِّقٌ بِـ(تَنْزِيلُ)، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ، هو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في ( فِيهِ )، والعامِلُ فِيها الظَّرْفُ لا ( رَيْبَ )، لِأنَّهُ هُنا مَبْنِيٌّ وفِيهِ ما سَمِعْتَ، وهَذا التَّعْلِيقُ يَجُوزُ أيْضًا عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ (الم) خَبَرَ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، وما بَعْدَهُ أخْبارًا لِذَلِكَ المَحْذُوفِ، وإنْ جُعِلَ (الم) مَسْرُودًا عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ فَلا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، وفي إعْرابِ ما بَعْدُ عِدَّةُ أوْجُهٍ، قالَ البَقاءِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( تَنْزِيلُ ) مُبْتَدَأً، و( لا رَيْبَ فِيهِ ) الخَبَرَ، ( ومِن رَبِّ ) حالٌ كَما تَقَدَّمَ، ولا يَجُوزُ عَلى هَذا أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ(تَنْزِيلُ)، لِأنَّ المَصْدَرَ قَدْ أخْبَرَ عَنْهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ ( مِن رَبِّ )، و( لا رَيْبَ ) حالًا مِنَ ( الكِتابِ )، وأنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ انْتَهى.

ووَجْهُ مَنعِ التَّعْلِيقِ بِالمَصْدَرِ بَعْدَ ما أخْبَرَ عَنْهُ أنَّهُ عامِلٌ ضَعِيفٌ، فَلا يَتَعَدّى عَمَلُهُ لِما بَعْدَ الخَبَرِ، وعَنِ التِزامِ حَدِيثِ التَّوَسُّعِ في الظَّرْفِ سَعَةٌ هُنا، أوْ أنَّ المُتَعَلِّقَ مِن تَمامِهِ، والِاسْمُ لا يُخْبِرُ عَنْهُ قَبْلَ تَمامِهِ، وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ تَعَلُّقَ ( مِن رَبِّ ) بِـ(رَيْبَ)، وفِيهِ أنَّهُ بَعِيدٌ عَنِ المَعْنى المَقْصُودِ، وجَوَّزَ الحُوفِيُّ كَوْنَ ( تَنْزِيلُ ) خَبَرَ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، أيِ المُؤَلَّفُ مِن جِنْسِ ما ذُكِرَ تَنْزِيلُ الكِتابِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: الَّذِي أخْتارُهُ أنْ يَكُونَ ( تَنْزِيلُ ) مُبْتَدَأٌ، و( لا رَيْبَ فِيهِ ) اعْتِراضٌ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، ( ومِن رَبِّ العالَمِينَ ) الخَبَرُ، وضَمِيرُ ( فِيهِ ) راجِعٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، أعْنِي كَوْنَهُ مُنَزَّلًا مِن رَبِّ العالَمِينَ، لا لِلتَّنْزِيلِ، ولا لِلْكِتابِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا رَيْبَ في ذَلِكَ، أيْ في كَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِن رَبِّ العالَمِينَ، وهَذا ما اعْتَمَدَ عَلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ، وذَكَرَ أنَّهُ الوَجْهُ، ويَشْهَدُ لِوَجاهَتِهِ قَوْلُهُ تَعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وهي ثلاثون وتسع آيات مكية قوله تعالى: الم تَنْزِيلُ الْكِتابِ يعني: المنزل من الله عز وجل القرآن على معنى التقديم.

يعني: أن هذا الكتاب تنزيل من الله عز وجل والكتاب وهو التنزيل.

ويقال: معناه نزل به جبريل-  - بهذا التنزيل الْكِتابِ يعني: القرآن لاَ رَيْبَ فِيهِ يعني: لا شك فيه أنه مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ.

فلما نزله جبريل جحده قريش، وقالوا: إنما يقوله من تلقاء نفسه.

فنزل أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ يعني: أيقولون اختلقه من ذات نفسه.

وقال أهل اللغة: فرى يفري إذا قطعه للإصلاح.

وأفرى يفري: إذا قطعه للاستهلاك.

فأكذبهم الله عز وجل قال: بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ يعني: القرآن.

ولو لم يكن من الله عز وجل، لم يكن حقاً وكان باطلاً، ويقال: بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ يعني: نزل من عند ربك لِتُنْذِرَ قَوْماً يعني: كفار قريش مَّا أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ يعني: لم يأتهم في عصرك.

ولكن أتاهم من قبل، لأن الأنبياء المتقدمين- عليهم السلام- ما كانوا إلى جميع الناس.

ويقال: معناه: لم يشاهدوا نذيراً قبلك.

وإنما الإنذار قد كان سبق لأنه قال: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: 15] وقد سبق الرسل.

ويقال: مَّا أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ يعني: من قومهم من قريش.

ثم قال: لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ يعني: يهتدون من الضلالة.

وأصل الإنذار هو الإسلام.

يقال: أنذر العدو إذا أعلمه.

ثم دلّ على نفسه بصفة فقال عز وجل: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما من السحاب والرياح وغيره فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ولو شاء خلقها في ساعة واحدة لفعل.

ولكنه خلقها في ستة أيام، ليدل على التأني.

ويقال: خلقها في ستة أيام لتكون الأيام أصلاً عند الناس ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ فيها تقديم يعني: خلق العرش قبل السموات.

ويقال: علا فوق العرش من غير أن يوصف بالاستقرار على العرش.

ويقال: استوى أمره على بريته فوق عرشه، كما استوى أمره وسلطانه وعظمته دون عرشه وسمائه مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ يعني: من قريب ينفعكم في الآخرة وَلا شَفِيعٍ من الملائكة أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ يعني: أفلا تتعظون فيما ذكره من صفته فتوحّدونه.

ثم قال عز وجل: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يقول: يقضي القضاء مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ يعني: يبعث الملائكة من السماء إلى الارض ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ يعني: يصعد إليه.

قال أبو الليث- رحمه الله: - حدثنا عمرو بن محمد بإسناده عن الأعمش، عن عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن سابط.

قال: يدبر أمر الدنيا أربعة جبرائيل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل.

أما جبرائيل فموكل بالرياح والجنود، وأما ميكائيل فموكل بالنبات والقطر، وأما ملك الموت فموكل بقبض الأرواح، وأما إسرافيل فهو ينزل بالأمور عليهم، فذلك قوله عز وجل: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ.

فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ يعني: في يوم واحد من أيام الدنيا كان مقدار ذلك اليوم أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ أنتم.

وقال القتبي: معناه يقضي في السماء، وينزله مع الملائكة إلى الأرض، فتوقعه الملائكة- عليهم السلام- في الأرض.

ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فيكون نزولها ورجوعها في يوم واحد مقدار المسير، على قدر سيرنا أَلْفَ سَنَةٍ لأنّ بعد ما بين السماء والأرض خمسمائة عام.

فيكون نزوله وصعوده ألف عام في يوم واحد.

وروى جويبر عن الضحاك فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ قال: يصعد الملك إلى السماء مسيرة خمسمائة عام، ويهبط مسيرة خمسمائة عام في كل يوم من أيامكم وهو مسيرة ألف سنة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥) ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (٩)

وقوله تعالى: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ...

الآية، الأمر اسم جنسٍ لجميعِ الأمور، والمعنى يُنَفِّذُ سُبْحَانِه قضاءَه بجميع ما يشاءه، ثم يعرج إليه خبرُ ذلك في يوم من أيام الدنيا مقداره أن لو سِيرَ فيه السيرَ المعروف من البشر ألفُ سنة، أي: نزولاً وعروجاً لأن مَا بين السماء والأرض خمس مائة سنة، هذا قول ابن عباس «١» ومجاهد «٢» وغير هما.

وقيل: المعنى: يدبر الأمر من السماء إلى الأَرض في مدة الدنيا، ثم يعرج إليه يوم القيامة، ويوم القيامة مقداره ألف سنة من عَدِّنا، وهو على الكفار قَدْرُ خمسينَ ألفِ سنة.

وقيل: غَيْرَ هذا، وقرأ الجمهور/: «الذي أحسن كل شيء خلقَه» : - بفتح اللام- ٦٩ ب على أنه فعلٌ ماضٍ، ومعنى: «أحسن» : أَتْقَنَ وأحْكَمَ فهو حَسَنْ من جهة مَا هو لمقاصِده التي أريدَ لها، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر: «خَلْقه» «٣» : - بسكون اللام- وذهب بعض الناس على هذه القراءة إلى أن: «أحسن» هنا معناه: ألْهَمَ، وأن هذه الآية بمعنى قوله تعالى: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى [طه: الآية ٥٠] .

أي:

ألهَمَ.

والإنسانُ هنا آدم- عليه السلام-، والمَهِينُ: الضعيف، وَنَفَخَ: عبارة عن إفاضَةِ الرُّوحِ في جَسَدِ آدم عليه السلام والضميرُ في رُوحِهِ للَّهِ تعالى، وهي إضافة مُلْكٍ إلى مَالِكٍ وخَلْقٍ إلَى خَالِقٍ، ويُحْتَمل أن يكونَ الإنسان في هذه الآية اسم جنس وقَلِيلًا صفة لمصدر محذوف.

وَقالُوا أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ (١٠) قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١) وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢) وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣) فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا إِنَّا نَسِيناكُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٤)

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ السَّجْدَةِ وَتُسَمّى سُورَةَ المَضاجِعِ، وهي مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ وَقالَ الكَلْبِيُّ: فِيها مِنَ المَدَنِيِّ ثَلاثُ آياتٍ، أوَّلُها قَوْلُهُ: ﴿ أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا  ﴾ وقالَ مُقاتِلٌ: فِيها آيَةٌ مَدَنِيَّةٌ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ تَتَجافى جُنُوبُهُمْ ﴾ الآيَةُ [السَّجْدَةِ: ١٦] .

وقالَ غَيْرُهُما: فِيها خَمْسُ آياتٍ مَدَنِيّاتٍ، أوَّلُها ﴿ تَتَجافى جُنُوبُهُمْ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَنْزِيلُ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: المَعْنى: لا شَكَّ فِيهِ أنَّهُ تَنْزِيلٌ ﴿ مِن رَبِّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ أمْ يَقُولُونَ ﴾ بَلْ يَقُولُونَ، يَعْنِي المُشْرِكِينَ ﴿ افْتَراهُ ﴾ مُحَمَّدٌ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ، ﴿ بَلْ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ ﴾ يَعْنِي العَرَبَ الَّذِينَ أدْرَكُوا رَسُولَ اللَّهِ  لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ مِن قَبْلِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.

وما بَعْدَهُ قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ [الأعْرافِ: ٥٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿ ما لَكم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ﴾ يَعْنِي الكُفّارَ؛ يَقُولُ: لَيْسَ لَكم مَن دُونِ عَذابِهِ مِن ولِيٍّ، أيْ: قَرِيبٌ يَمْنَعُكم فَيَرُدُّ عَذابَهُ عَنْكم ﴿ وَلا شَفِيعٍ ﴾ يَشْفَعُ لَكم ﴿ أفَلا تَتَذَكَّرُونَ ﴾ فَتُؤْمِنُوا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ السَجْدَةِ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ غَيْرُ ثَلاثِ آياتٍ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ  ﴾ إلى تَمامِ ثَلاثِ آياتٍ، ويَأْتِي تَفْسِيرُها.

وقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: « "ما كانَ رَسُولُ اللهِ  يَنامُ حَتّى يَقْرَأ: ﴿ الم ﴾ ﴿ تَنْزِيلُ ﴾ السَجْدَةَ، و ﴿ تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ  ﴾ ».

قوله عزّ وجلّ: ﴿ الم ﴾ ﴿ تَنْزِيلُ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ ﴾ ﴿ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ ما لَكم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا شَفِيعٍ أفَلا تَتَذَكَّرُونَ ﴾ ﴿ "تَنْزِيلُ" ﴾ يَصِحُّ أنْ يَرْتَفِعَ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ ﴿ "لا رَيْبَ"، ﴾ ويَصِحُّ أنْ يَرْتَفِعَ عَلى أنَّهُ خَبَرُ ابْتِداءٍ، وهُوَ: إمّا الحُرُوفُ المُشارُ إلَيْها عَلى بَعْضِ الأقْوالِ في أوائِلِ السُورِ، وإمّا: "ذَلِكَ تَنْزِيلُ"، أو نَحْوَ هَذا مِنَ التَقْدِيرِ بِحَسَبِ القَوْلِ في الحُرُوفِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ أيْ: هو كَذا في نَفْسِهِ، ولا يُراعى ارْتِيابُ الكَفَرَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن رَبِّ العالَمِينَ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ"تَنْزِيلُ"، فَفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ.

ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: ﴿ "لا رَيْبَ"، ﴾ أيْ: لا شَكَّ فِيهِ مِن جِهَةِ اللهِ تَعالى، وإنَّ وقَعَ شَكٌّ لِلْكَفَرَةِ فَذَلِكَ لا يُراعى.

والرَيْبُ: الشَكُّ، وكَذَلِكَ هو في كُلِّ القُرْآنِ إلّا قَوْلَهُ: ﴿ رَيْبَ المَنُونِ  ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "أمْ يَقُولُونَ" ﴾ إضْرابٌ، وتَقْدِيرُهُ أنَّهُ قالَ: بَلْ أيَقُولُونَ، و"افْتَراهُ": اخْتَلَقَهُ، ثُمَّ رَدَّ تَعالى عَلى مَقالَتِهِمْ هَذِهِ، وأخْبَرَ أنَّهُ الحَقُّ مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى، واللامُ في قَوْلِهِ: "لِتُنْذِرَ" يَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: أنْزَلَهُ لِتُنْذِرَ، فَيُوقِفُ حِينَئِذٍ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ "مِن رَبِّكَ"، ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ ما أتاهم مِن نَذِيرٍ ﴾ أيْ: لَمْ يُباشِرْهم ولا رَأوهُ هم ولا آباؤُهُمُ العَرَبُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ مِن أُمَّةٍ إلا خَلا فِيها نَذِيرٌ  ﴾ فَيَعُمُّ مَن بُوشِرَ مِنَ النُذُرِ ومَن سَمِعَ بِهِ، فالعَرَبُ مِنَ الأُمَمِ الَّتِي خَلَتْ فِيها النُذُرُ عَلى هَذا الوَجْهِ، لِأنَّها عَلِمَتْ بِإبْراهِيمَ وبَنِيِّهِ عَلَيْهِمُ السَلامُ ودَعْوَتِهِمْ، وهم مِمَّنْ لَمَّ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ مُباشِرٌ لَهم سِوى مُحَمَّدٍ  .

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ومُقاتِلٌ: المَعْنى: لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ في الفَتْرَةِ بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما الصَلاةُ والسَلامُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي سِتَّةِ أيّامٍ ﴾ يَقْضِي بِأنْ يَوْمًا مِن أيّامِ الجُمْعَةِ بَقِيَ لَمْ يُخْلَقْ فِيهِ شَيْءٌ، وتَظاهَرَتِ الأحادِيثُ الصِحاحُ «أنَّ الخَلْقَ ابْتَدَأ يَوْمَ الأحَدِ، وخُلِقَ آدَمُ يَوْمَ الجُمْعَةِ آخِرَ الأشْياءِ،» فَهَذا مُسْتَقِيمٌ مَعَ هَذِهِ الآيَةِ، ووَقَعَ في كِتابٍ مُسْلِمٍ «أنَّ الخَلْقَ ابْتَدَأ يَوْمَ السَبْتَ،» فَهَذا يُخالِفُ الآيَةَ، اللهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ أرادَ في الآيَةِ جَمِيعَ الأشْياءِ غَيْرَ آدَمِ عَلَيْهِ السَلامُ، ثُمَّ يَكُونُ يَوْمُ الجُمْعَةَ هو الَّذِي لَمْ يُخْلَقْ فِيهِ شَيْءٌ مِمّا بَيْنُ السَماءِ والأرْضِ؛ لِأنَّ آدَمَ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ مِمّا بَيْنَهُما.

وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اسْتَوى عَلى العَرْشِ ﴾ بِما فِيهِ كِفايَةٌ، و"ثُمَّ" في هَذا المَوْضِعِ لِتَرْتِيبِ الجُمَلِ، لا لِأنَّ الِاسْتِواءَ كانَ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ، وهَذا عَلى المُخْتارِ في مَعْنى "اسْتَوى".

ونَفْيُ الشَفاعَةِ مَحْمُولٌ عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ: إمّا نَفْيٌ عَنِ الكَفَرَةِ، وإمّا نَفْيُ الشُفَعاءِ مِن ذاتِهِمْ عَلى حَدِّ شَفاعَةِ الدُنْيا؛ لِأنَّ شَفاعَةَ الآخِرَةِ إنَّما هي بَعْدَ إذْنٍ مِنَ اللهِ تَعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تقدم ما في نظائره.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ السَّجْدَةِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجَمِيعِ إلّا الكَلْبِيَّ ومُقاتِلًا فَإنَّهُما قالا: إلّا ثَلاثَ آياتٍ مِنها مِن: ﴿ أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا ﴾ إلى آخِرِهِنَّ.

وَقالَ غَيْرُهُما: إلّا خَمْسَ آياتٍ مِن ﴿ تَتَجافى جُنُوبُهُمْ ﴾ إلى ﴿ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الم ﴾ ﴿ تَنْزِيلُ الكِتابِ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ.

﴿ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ أيْ لا شَكَّ فِيهِ أنَّهُ تَنْزِيلٌ.

﴿ مِن رَبِّ العالَمِينَ ﴾ والرَّيْبُ هو الشَّكُّ الَّذِي يَمِيلُ إلى السُّوءِ والخَوْفِ، قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ أُسْرِينَ ثُمَّ سَمِعْنَ حِسًّا دُونَهُ سَرَفُ الحِجابِ ورَيْبُ قَرْعٍ يُقْرَعُ ﴿ أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ ﴾ يَعْنِي كُفّارَ قُرَيْشٍ يَقُولُونَ إنَّ مُحَمَّدًا افْتَرى هَذا القُرْآنَ ويَكْذِبُهُ.

﴿ بَلْ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ ﴾ يَعْنِي: القُرْآنُ حَقٌّ نَزَلَ عَلَيْكَ مِن رَبِّكَ.

﴿ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ ﴾ يَعْنِي قُرَيْشًا، قالَهُ قَتادَةُ: كانُوا أُمَّةً أُمِّيَّةً لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ مِن قَبْلِ مُحَمَّدٍ  .

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله تعالى عنه في قوله: ﴿ لتنذر قوماً ﴾ قال: قريش ﴿ ما أتاهم من نذير من قبلك ﴾ قال: لم يأتهم ولا آباءهم، لم يأت العرب رسول من الله عز وجل.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

(الم) مضى تفسيره في مواضع.

وقال ابن عباس: ألف الله، واللام [لام] (١)  - (٢) قوله: ﴿ تَنْزِيلُ الْكِتَابِ ﴾ ذكر أبو إسحاق فيه ثلاثة أوجه أحدها: أنه خبر ابتداء، على إضمار الذي نتلوا (٣) ﴿ لَا رَيْبَ فِيهِ ﴾ (٤) (٥) ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) أَمْ يَقُولُونَ﴾ قال الزجاج: معناه بل أيقولون (٦) ﴿ أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا  ﴾ وفي مواضع.

وقوله: ﴿ افْتَرَاهُ ﴾ قال ابن عباس: تقوله (٧) وقال مقاتل: افتراه محمد من تلقاء نفسه فكذبهم الله (٨) ﴿ بَلْ هُوَ ﴾ أي القرآن.

﴿ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ ﴾ قال الكلبي: يعني العرب (٩) (١٠)  - (١١) قال أبو إسحاق: (هذا كقوله: ﴿ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ ﴾ أي لم يشاهدوا هم ولا آباؤهم نبيا، قال: والحجة ثابتة عليهم بإنذار من تقدم من الرسل وإن لم يأتهم نذير (١٢) وقوله تعالى: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ﴾ قال مقاتل وابن عباس: لكي يرشدوا من الضلالة (١٣) (١) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).

(٢) لم أقف على قوله، وقد سبق معنا في أول سورة لقمان ذكر القول الراجح في تفسير مثل هذه الحروف.

(٣) في (ب): (نتلوه).

(٤) "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 203.

(٥) "تفسير مقاتل" 84 أ.

(٦) "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 203.

(٧) لم أقف عليه.

(٨) انظر: "تفسير مقاتل" 84 أ.

(٩) أورده المؤلف في "الوسيط" 3/ 449، وابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 333، غير منسوب لأحد.

(١٠) في (أ): (آمنة)، وهو خطأ.

(١١) انظر: "تفسير الطبري" 21/ 90، "تفسير الماوردي" 4/ 353، "مجمع البيان" 8/ 509.

(١٢) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 204.

(١٣) انظر: "تفسير مقاتل" 84 أ.

وقد أورده المؤلف في "الوسيط" 3/ 449، غير منسوب لأحد.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ خلقه ﴾ بفتح الام: عاصم وحمزة وعلي وخلف ونافع وسهل: الآخرون: بالسكون على البدل من كل شيء.

وعلى الأول يكون وصفاً له ﴿ أئذا ﴾ ﴿ أئنا ﴾ كما في "الرعد" ﴿ ما أخفي ﴾ بسكون الياء على أنه فعل مضارع متكلم: حمزة.

الباقون: بفتحها على أنه فعل ماضٍ مجهول ﴿ لما صبروا ﴾ بكسر اللام وتخفيف الميم: حمزة وعلي ورويس.

الباقون: بفتح اللام وتشديد الميم ﴿ أولم نهد ﴾ بالنون: يزيد عن يعقوب.

الوقوف: ﴿ الم ﴾ ه كوفي ﴿ العالمين ﴾ ه ط لأن "أم" استفهام تقريع غير عاطفة بل هي منقطعة ﴿ افتراه ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ يهتدون ﴾ ه ﴿ العرش ﴾ ط ﴿ شفيع ﴾ ه ﴿ تتذكرون ﴾ ه ط ﴿ تعدون ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ط ﴿ من طين ﴾ ه ج لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ مهين ﴾ ه ج لذلك ﴿ والأفئدة ﴾ ط ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ جديد ﴾ ه ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ عند ربهم ﴾ ط لحق القول المحذوف ﴿ موقنون ﴾ ه ﴿ أجميعن ﴾ ه ﴿ هذا ﴾ ج للابتداء بان مع تكرار ﴿ وذوقوا ﴾ ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ لا يستكبرون ﴾ ه ﴿ وطمعاً ﴾ ز لانقطاع النظم بتقديم المفعول ﴿ ينفقون ﴾ ه ﴿ أعين ﴾ ج لأن ﴿ جزاء ﴾ يحتمل أن يكون مفعولاً له وأن يكون مصدراً لفعل محذوف ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ فاسقاً ﴾ ط لانتهاء الاستفهام إلى الأخبار ﴿ لا يستوون ﴾ ه ﴿ المأوى ﴾ ز لمثل ما مر في ﴿ جزاء ﴾ ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ط ﴿ تكذبون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ عنها ﴾ ط ﴿ منتقمون ﴾ ه ﴿ إسرائيل ﴾ ه ج وإن اتفقت الجملتان للعدول عن ضمير المفعول الأول وهو واحد إلى ضمير الجمع في الثانية ﴿ صبروا ﴾ ط لمن شدد ﴿ يوقنون ﴾ ه ﴿ يختلفون ﴾ ه ﴿ مساكنهم ﴾ ط ﴿ لآيات ﴾ ط ﴿ يسمعون ﴾ ه ﴿ وأنفسهم ﴾ ط ﴿ يبصرون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ ينظرون ﴾ ه ﴿ منتظرون ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر في السورة المتقدمة دلائل الوحدانية ودلائل الحشر وهما الطرفان، بدأ في هذه السورة ببيان الأمر الأوسط وهو الرسالة المصححة ببرهان القرآن.

وإعرابه قريب من قوله ﴿ الم ذلك الكتاب  ﴾ وميل جار الله إلى قوله ﴿ تنزيل الكتاب ﴾ مبتدأ خبره ﴿ من رب العالمين ﴾ ولا ريب فيه اعتراض لا محل له والضمير في ﴿ فيه ﴾ راجع إلى مضمون الجملة أي لا ريب في كونه منزلاً من عنده.

ويمكن أن يقال: في وجه النظم لما عرَّف ي أول السورة المتقدمة أن القرآن هدى ورحمة قال ههنا: إنه من رب العالمين، وذلك أن من عثر على كتب سأل أولاً أنه في أي علم.

فإذا قيل: إنه في الفقه أو التفسير.

سأل: إنه تصنيف اي شخص؟

ففي تخصيص رب العالمين بالمقام إشارة إلى أن كتاب رب العالمين لا بد أن يكون فيه عجائب للعالمين فترغب النفس في مطالعته.

ثم اضرب عما ذكر قائلاً ﴿ أم يقولون افتراه ﴾ وهو تعجيب من قولهم لظهور أمر القرآن في تعجيز بلغائهم عن مثل سورة الكوثر.

ثم أضرب عن الإنكار إلى إثبات أنه الحق من ربك.

ومعنى ﴿ لتنذر قوماً ﴾ قد مر في "القصص" ويندرج فيهم أهل الكتاب إذ يصدق عليهم أنه لم يأتهم نذير بعد ضلالهم سوى محمد  ، ولو لم يندرجوا لم يضرّ فإن تخصيص قوم بالذكر لا يدل على نفي من عداهم كقوله ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين  ﴾ وحين بين الرسالة بين ما على الرسول من الدعاء إلى التوحيد فقال ﴿ الله ﴾ مبتدأ خبره ما يتلوه وقد مر نظائره.

وقوله ﴿ ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع افلا تتذكرون ﴾ إثبات للولاية والشفاعة أي النصرة من عنده ونفي لهما من غيره، وفيه تجهيل لعبدة الأصنام الزاعمين أنها شفعاؤهم بعد اعترافهم بأن خالق الكل هو الله  .

ولما بين الخلق شرع في الأمر فقال ﴿ يدبر الأمر ﴾ اي المأمور به من الطاعات والأعمال الصالحة ينزله مدبراً من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه ذلك العمل في يوم طويل، وهو كناية عن قلة الإخلاص لأنه لا يوصف بالصعود ولا يقوى على العروج إلا العمل الخالص، يؤيد هذا التفسير قوله فيما بعد ﴿ قليلاً ما تشكرون ﴾ أو يدبر أمر الدنيا كلها من السماء إلى الأرض لكل يوم من ايام الله وهو ألف سنة، ثم يصعد إليه مكتوباً في الصحف في كل جزء من أجزاء ذلك اليوم الخ.

ثم يدبر الأمر ليوم آخر مثله وهلم جراً.

أو ينزل الوحي مع جبرائيل ثم يرجع إليه ما كان من قبول الوحي.

ورده مع جبرائيل أيضاً وتقدير الزمان بألف سنة لأن ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام وأن الملك يقطعها في يوم واحد من أيامنا.

وقيل: إنه إشارة إلى نفوذ الأمر، فإن نفاذ الأمر كلما كان في مدة أكثر حاله أعلى أي يدبر الأمر في زمان يوم منه ألف سنة منه، فكم يكون شهر منه وكم يكون سنة منه وكم يكون دهر منه؟

فلا فرق على هذا بين الف سنة وبين خمسين ألف سنة كما في "المعارج".

وقيل: إن هذه عبارة عن الشدة واستطالة أهلها إياها كالعادة في استطالة ايام الشدة والحزن واستقصار أيام الراحة والسرور.

وخصت السورة بقوله ﴿ ألف سنة ﴾ موافقة لما قبله وهو قوله ﴿ في ستة أيام ﴾ وتلك الأيام من جنس هذا اليوم.

وخصت سورة المعارج بقوله ﴿ خمسين ألف سنة  ﴾ لأن فيها ذكر القيامة وأهوالها فكان هو اللائق بها.

وعن عكرمة: إن اليوم في المعارج عبارة عن أول أيام الدنيا إلى انقضائها وأنها خمسون ألف سنة لا يدري أحدكم كم مضى وكم بقي إلا الله عزو وجل.

وبالجملة فالآية المتقدمة تدل على عظمة عالم الخلق وسعة مكانه، والآية الثانية تدل على عظمة عالم الأمر وامتداد زمانه.

ثم بين أنه مع غاية عظمة ملكه وملكوته عليم بأمر العالمين فقال ﴿ ذلك عالم الغيب والشهادة ﴾ وفي قوله ﴿ العزيز الرحيم ﴾ إشارة إلى صفتي القهر واللطف اللتين ينبغي أن تكونا لكل ملك، وإنما أخر ﴿ الرحيم ﴾ مع أن رحمته سبقت غضبه ليوصله بقوله ﴿ الذي أحسن كل شيء خلقه ﴾ نظيره ﴿ الذي أعطى كل شيء خلقه  ﴾ وقد مر في "طه".

وعطف عليه تخصيصاً بعد تعميم خلق الإنسان وهو آدم بدليل قوله ﴿ ثم جعل نسله ﴾ أي ذريته لأنها تنسل أي تنفصل، والسلالة الخلاصة كما ذكرنا في أول "المؤمنين"، وقوله ﴿ من ماء ﴾ بدل من سلالة والمهين الحقير.

ومعنى ﴿ سوَّاه ﴾ قوَّمه وأداره في الأطوار إلى حيث صلح لنفخ الروح فيه، ثم عدل من الغيبة إلى الخطاب في قوله ﴿ وجعل لكم ﴾ تنبيهاً على جسامة نعم هذه الجوارح وتوبيخاً على قلة الشكر عليها.

ثم بين عدم شكرهم بإنكارهم المعاد بعد مشاهدة الفطرة الأولى وليست الثانية بأصعب منها.

والواو للعطف على ما سبق كأنهم قالوا: إن محمداً مفتر وقالوا: الله ليس بواحد ﴿ وقالوا أئذا ﴾ يعني أنهم واسلافهم زعموا أن الحشر غير ممكن.

ومعنى ﴿ ضللنا في الأرض ﴾ غبنا فيها إما بالدفن أو بتفرق الأجزاء وتلاشيها.

والعامل في ﴿ أئذا ﴾ ما يدل عليه قوله ﴿ أئنا لفي خلق جديد ﴾ وهو نبعث أو يجدد خلقنا.

ثم صرح بإثبات كفرهم على الإطلاق واللقاء لقاء الجزاء الشامل لجميع أحوال الآخرة.

ثم رد عليهم قولهم بالفوت بأنه يتوفاهم ملك الموت الموكل بقبض الأرواح ثم يرجعون إلى حكم الله وحده.

ثم بين ما يكون من حالهم عند الرجوع بقوله ﴿ ولو ترى ﴾ أنت يا محمد أوكل من له أهلية الخطاب ﴿ إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ﴾ خجلاً وندامة قائلين ﴿ ربنا أبصرنا ﴾ ما كنا شاكين في وقوعه ﴿ وسمعنا ﴾ منك تصديق رسلك وجواب "لو" محذوف وهو لرأيت أمراً فظيعاً، وجوزا أن يكون "لو" للتمني كأنه جعل لنبيه تمني أن يراهم على تلك الصفة الفظيعة من الذل والهوان ليشمت بهم.

ثم إنه  ألزمهم وألجمهم بقوله ﴿ ولو شئنا ﴾ الآية.

وفيه أنه لو ردهم إلى الدنيا لم يهتدوا لأنهم خلقوا لجهنم القهر وقد مر نظيره في آخر "هود".

ثم أكد إهانتهم بقوله ﴿ فذوقوا ﴾ وانتصب ﴿ هذا ﴾ على أنه مفعول ﴿ فذوقوا ﴾ وقوله ﴿ لقاء ﴾ مفعول ﴿ نسيت ﴾ أي ذوقوا هذا العذاب بما نسيتم لقاء يومكم وذهلتم عنه بعد وضوح الدلائل أو تركتم الفكر فيه، ويجوز أن يكون ﴿ هذا ﴾ صفة ﴿ يومكم ﴾ ومفعول ﴿ ذوقوا ﴾ محذوف وهو العذاب و ﴿ لقاء ﴾ مفعول ﴿ نسيتم ﴾ او هو مفعول ﴿ فذوقوا ﴾ على حذف المضاف أي تبعة لقاء يومكم ويكون ﴿ نسيتم ﴾ متروك المفعول أو محذوفه وهو الفكر في العاقبة.

وقوله ﴿ إنا نسيناكم ﴾ من باب المقابلة والمراد تركهم من الرحمة نظيره ﴿ نسوا الله فنسيهم  ﴾ وقوله ﴿ عذاب الخلد ﴾ من باب إضافة الموصوف إلى الصفة في الظاهر نحو: رجل صدق.

أمرهم على سبيل الإهانة بذوق عذاب الخزي والخجل، ثم بذوق العذاب الخلد أعاذنا الله منه بفضله العميم، ثم ذكر أن كما الإيمان بآيات الله من شأن الخلص من عباده الساجدين لله شكراً وتواضعاً حين وعظوا بآيات ربهم منزهين له عما لا يليق بجنابه وجلاله متلبسين بحمده غير مستكبرين عن عبادته ﴿ تتجافى جنوبهم عن المضاجع ﴾ ترتفع وتتنحى عن مواضع النوم داعين ربهم أو عابدين له ﴿ خوفاً ﴾ من اليم عقابه ﴿ وطمعاً ﴾ في عظيم ثوابه، وفسره رسول الله  بقيام الليل وهو التهجد.

قال: "إذا جمع الله الأولين والآخرين جاء مناد ينادي بصوت يسمع الخلائق كلهم سيعلم أهل الجمع اليوم من أولى بالكرم ثم يرجع ينادي ليقم الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع فيقومون وهم قليل ثم يرجع فينادي ليقم الذين كانوا يحمدون الله في البأساء والضراء فيقومون وهم قليل فيسرحون إلى الجنة ثم يحاسب سائر الناس" .

عن علي  : جنبي تجافى عن الوســــاد *** خوفاً من النار والمعاد من خاف من سكرة المنايا *** لم يدر ما لذة الرقــــاد قد بلغ الزرع منتهـــــــــاه *** لا بد للزرع من حصاد عن أنس بن مالك: كان أناس من أصحاب النبي  يصلون من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء الآخرة فنزلت فيهم.

وقيل: هم الذين يصلون صلاة العتمة لا ينامون عنها.

و"ما" في قوله ﴿ ما أخفي ﴾ موصولة ويجوز أن تكون استفهامية بمعنى اي شيء، والمعنى لا تعلم نفس من النفوس لا ملك مقرب ولا نبي مرسل أي نوع عظيم من الثواب ادخر الله لأولئك مما تقرّ به عيونهم حتى لا تطمح إلى غير ولا تطلب الفرح بما عداه.

عن النبي  "يقول الله  أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر بله ما اطلعتم عليه اقرؤا إن شئتم فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين" وعن الحسن: أخفى القوم أعمالاً في الدنيا فأخفى الله لهم مالا عين رأت ولا أذن سمعت.

قال المحققون: إنه يصدر من العبد أعمال صالحة وقد صدر عن الرب أشياء سابقة من الخلق والتربية وغيرهما، وأشياء لاحقة من الثواب والإكرام، فلله  أن يقول: أنا أحسنت أولاً، والعبد أحسن في مقابلته، فالثواب تفضل من غير عوض.

وله أن يقول: الذي فعلته أولاً تفضل فإذا أتى العبد بالعمل الصالح جزيته خيراً لأن جزاء الإحسان إحسان، وهذا الاعتبار الثاني أليق بالكرم ليذيق العبد لذة الأجر والكسب، والاعتبار الأول أليق بالعبودية حتى يرى الفضل لله في جانب الأبد فإذن لا تنقطع المعاملة بين الله وبين العبد أبداً، وتكون العبادة لهم في الآخرة بمنزلة التنفس للملائكة.

يروى أنه شجر بين علي بن أبي طالب  والوليد بن عقبة بن أبي معيط يوم بدر كلام فقال له الوليد: اسكت فإِنك صبي.

فقال له علي: اسكت فإِنك فاسق.

فأنزل الله  فيهما خاصة وفي أمثالهما من الفريقين عامة ﴿ افمن كان مؤمناً ﴾ إلى آخر ثلاث آيات أو أربع.

ومن أول الآية محمول على اللفظ وفي قوله ﴿ لا يستوون ﴾ محمول على المعنى.

ثم فصل عدم استوائهما بقوله ﴿ أما الذين آمنوا ﴾ ﴿ وأما الذين فسقوا ﴾ و ﴿ جنات المأوى ﴾ نوع من الجنان تأوي إليها أرواح الشهداء على قول ابن عباس.

وقال بعضهم: هي عن يمين العرش.

وفي لام التمليك في ﴿ لهم ﴾ مزيد تشريف وإيذان بأنهم لا يخرجون منها كما لا يخرج المالك من ملكه ولهذا لو قيل: هذه الدار لزيد يفهم منه الملكية بخلاف ما لو قيل: اسكن هذه الدار.

فإنه يحمل على الإعارة وإنه  قال لأبينا آدم ﴿ اسكن أنت وزوجك الجنة  ﴾ لأنه كان في علمه أنه يخرج منها.

وإنما قيل ههنا ﴿ عذاب النار الذي كنتم به ﴾ وفي "سبأ" ﴿ عذاب النار التي كنتم بها  ﴾ لأن النار في هذه السورة وقعت موقع الكناية لتقدم ذكرها، والكنايات لا توصف فوصف العذاب.

وفي "سبأ" لم يتقدم ذكر النار فحسن وصف النار.

وتكذيبهم العذاب هو أنهم كانوا يقولون في الدنيا إنه لا عذاب في الآخرة، ويحتمل أن يراد بالتكذيب أنهم يقولون في الآخرة أول ما تأخذهم النار أنه لا عذاب فوق ما نحن فيه، فإذا زاد الله لهم ألماً على ألم وهو قوله ﴿ كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها ﴾ صاروا كاذبين فيما زعموا أنه لا عذاب أزيد مما هم فيه، وعلى هذا يمكن أن يراد بالخروج منها والإعادة فيها هو أن أبدانهم تألف النار وتتعودها فيقل الإحساس بها فيعيد الله عليهم إحساسهم الأول فيزيد تألمهم، ومن هنا قالت الحكماء: إن الإحساس بحرارة حمى الدق اقل من الإحساس بحرارة الحمى البلغمية مع أن نسبة الدق إلى الثانية نسبة النار إلى الماء المسخن، ونظيره أن الإنسان يضع يده في الماء البارد فيتألم أولاً، ثم إذا صبر زماناً طويلاً زال ذلك الألم وذلك لبطلان حسه.

ثم حتم على نفسه أنه يذيقهم عذاب الدنيا من القتل والأسر والقحط قبل أن يصلوا إلى عذاب الآخرة.

وعن مجاهد: أن الأدنى هو عذاب القبر.

وإنما لم يقل الأصغر في مقابلة الأكبر، أو الأبعد الأقصى في مقابلة الأدنى، لأن الغرض هو التخويف والتهديد وذلك إنما يحصل بالقرب لا بالصغر والكبر ولا بالبعد.

ومعنى قوله ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ والترجي على الله محال لنذيقهم إذاقة الراجين رجوعهم عن الكفر والمعاصي كقوله ﴿ إنا نسيناكم ﴾ أي تركناكم كما يترك الناسي حيث لا يلتفت إليه أصلاً اي نذيقهم على الوجه الذي يفعل الراجي من التدرج، أو نذيقهم إذاقة يقول القائل: لعلهم يرجعون بسببه.

قال في التفسير الكبير: إن الرجاء في أكثر الأمر يستعمل فيما لا تكون عاقبته معلومة، فتوهم الأكثرون أنه لا يجوز إطلاقه في حق الله  وليس كذلك، فإن الجزم بالعاقبة إنما يحصل في حقه بدليل منفصل لا من نفس الفعل فإن التعذيب لا يلزم منه الرجوع لزوماً بيناً.

قلت: هذا يرجع إلى التأويل الأول، فإن الكلام في تعذيب الله هل هو يستدعي الرجوع على سبيل الرجاء أم لا، وكون مطلق التعذيب مستدعياً لذلك لا يكفي للسائل.

وقالت المعتزلة: لعل من الله إرادة وإرادة الله فعل المختار لا تقدح في اقتدار الله إذا لم يختر المختار مراد الله كما أنهم لم يختاروا التوبة والرجوع عن الكفر وإلا لم يكونوا ذائقين العذاب الأكبر.

وإنما يقدم في اقتداره إذا تعلقت في إرادته بفعل نفسه أو بفعل المضطر المقسور ثم لا يوجد ذلك الفعل.

وجوَّز في الكشاف أن يراد: لعلهم يريدون الرجوع إلى الدنيا ويطلبونه كقوله ﴿ فارجعنا نعمل صالحاً ﴾ سميت إرادة الرجوع رجوعاً كما سميت إرادة القيام قياماً في قوله ﴿ إذا قمتم إلى الصلاة  ﴾ ثم بين أنهم إذا ذكروا بالدلائل من النعم أولاً والنقم ثانياً وهو العذاب الأدنى ثم لم يؤمنوا فلا أحد أظلم منهم.

ومعنى ﴿ ثم ﴾ أنه ذكر مرات ثم بالآخرة ﴿ أعرض عنها ﴾ والفاء في سورة الكهف تدل على الإعراض عقيب التذكير وقد سبق.

وقال أهل المعاني: "ثم" ههنا تدل على أن الإعراض بعد التذكير مستبعد في العقول.

قال المحققون: الذي لا يحتاج في معرفة الله إلا إلى الله عدل كقوله ﴿ أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد  ﴾ كما قال بعضهم: ما رأيت شيئاً إلا ورأيت الله قبله.

والذي يحتاج في ذلك إلى دلائل الآفاق والأنفس متوسط، والذي يقر عند الشدة ويجحد عند الرحمة ظالم كقوله ﴿ وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه  ﴾ والذي يبقى على الجحود والإعراض وإن عذب فلا أظلم منه.

وحين جعله أظلم كان ظالم توعد المجرمين عامة بالانتقام منهم ليدل على إصابة الأظلم منهم النصيب الأوفر من الانتقام.

ولو قال "إنا منهم منتقمون" لم يكن بهذه الحيثية في الإفادة.

ثم عاد إلى تأكيد أصل الرسالة مع تسلية للنبي  فقال ﴿ ولقد آتينا موسى الكتاب ﴾ قال جار الله: اللام للجنس ليشمل التوراة والفرقان.

والضمير في ﴿ لقائه ﴾ للكتاب أي آتينا موسى مثل ما آتيناك ولقيناه مثل ما لقيناك من الوحي، فلا تك في شك من أنك لقيت مثله.

واللقاء بمعنى التلقين والإعطاء كقوله ﴿ وإنك لتلقى القرآن  ﴾ وقيل: الضمير في ﴿ لقائه ﴾ لموسى أي من لقائك موسى ليلة المعراج أو يوم القيامة، أو من لقاء موسى الكتاب وهو تلقيه له بالرضا والقبول.

والضمير في ﴿ جعلناه ﴾ للكتاب على أنه منزل على موسى.

واستدل به على أن الله  جعل التوراة هدى لبني إسرائيل خاصة ولم يتعبد بما فيها ولد إسماعيل.

ثم حكى أن منهم من اهتدى حتى صار من ائمة الهدى وذلك حين صبروا أو لصبرهم على متاعب التكليف ومشاق الدعاء إلى الدين بعيد إيقانهم به.

وفيه أن الله  سيجعل الكتاب المنزل على نبينا أيضاً سبب الاهتداء والهداية وكان كما أخبر.

ومثله إخبار النبي  "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل" ولا يخفى أن "من" التبعيضة في قوله ﴿ وجعلنا منهم ﴾ كانت تدل على أن بعضهم ليسوا أئمة الهدى، وفيه رمز إلى أن بعضهم كانوا أئمة الضلال فلذلك قال ﴿ إن ربك هو يفصل بينهم ﴾ الآية.

وفيه إشارة إلى أنه  سيميز المحق في كل دين من المبطل.

ثم أعاد أصل التوحيد مقروناً بالوعيد قائلاً ﴿ أولم يهد لهم ﴾ وقد مر نظيره في آخر "طه" وإنما قال في آخر الآية ﴿ إن في ذلك لآيات ﴾ على الجمع ليناسب القرون والمساكن.

وإنما قل ﴿ أفلا يسمعون ﴾ لأنه تقدم ذكر الكتاب وهو مسموع، وفيه إشارة إلى أنه لاحظ لهم منه إلا السماع.

وحين ذكر الإهلاك والتخريب أتبعه ذكر الإحياء والعمارة.

ومعنى ﴿ نسوق الماء ﴾ نسوق السحاب وفيه المطر ﴿ إلى الأرض الجرز ﴾ وهي التي جز نباتها أي قطع إما لعدم الماء وإما لأنه رعي وأزيل.

قال جار الله: ولا يقال للتي لا تنبت كالسباخ جرز بدلالة قوله ﴿ فنخرج به زرعاً ﴾ وعن ابن عباس أنها ارض اليمن، والضمير في "به" للماء.

وإنما قدم الأنعام ههنا على الأنفس لأن الزرع لا يصلح أوّله إلا للأنعام وإنما يحدث الحب في آخر أمره.

قال في "طه" ﴿ كلوا وارعوا أنعامكم  ﴾ لأن الأزواج من النبات أعم من الزرع وكثير منه يصلح للإِنسان في أول ظهوره مع أن الخطاب لهم فناسب أن يقدموا وإنما ختم الآية بقوله ﴿ أفلا يبصرون ﴾ تأكيداً لقوله في أول الآية ﴿ أولم يروا ﴾ ثم حكى نوع جهالة أخرى عنهم وهو استعجالهم العذاب.

قال المفسرون: كان المسلمون يقولون إن الله سيفتح لنا على المشركين أي ينصرنا عليهم ويفتح بيننا وبينهم أي يفصل، فاستعجل المشركون ذلك.

ويوم الفتح يوم القيامة فحينئذ تنفتح أبواب الأمور المبهمة أو يوم بدر أو يوم فتح مكة قاله مجاهد والحسن.

فإن قلت: كيف ينطلق قوله ﴿ قل يوم الفتح ﴾ الخ جواباً عن سؤالهم عن وقت الفتح؟

فالجواب أنهم سألوا ذلك على وجه التكذيب والاستهزاء فقيل لهم: لا تستهزؤا فكأنا بكم وقد حصلتم في ذلك اليوم وآمنتم فلم ينفعكم الإيمان واستنظرتم فلم تنظروا.

ومن فسر يوم الفتح بيوم بدر أو بيوم فتح مكة فالمراد أن المقتولين منهم لا ينفعهم إيمانهم في حال القتل وإلا فقد نفع الإيمان الطلقاء يوم فتح مكة وناساً يوم بدر.

ثم أمر نبيه  بالإعراض عنهم وانتظار النصرة عليهم حين علم أنه لا طريق معهم إلا القتال نظيره قوله ﴿ قل تربصوا فإني معكم من المتربصين  ﴾ .

التأويل: اللف المحبون لقربى والعارفون بتمجيدي فلا يصبرون عني ولا يستأنسون بغيري.

اللام الأحباء لي مدخر لقائي فلا أبالي أقاموا على وثاقي أم قصروا في وفائي.

الميم ترك أوليائي مرادهم فلذلك اخترتهم على جميع عبادي ﴿ تنزيل الكتاب ﴾ أعز الأشياء على الأحباب كتاب الأحباب أنزله ﴿ رب العالمين ﴾ لأهل الظاهر على ظاهرهم ولأهل الباطن في باطنهم فاستناروا بنوره وتكلموا بالحق عن الحق للحق فلم يفهمه أهل الغرة والغفلة فقالوا ﴿ افتراه ﴾ .

خلق سموات الرواح وارض الأشباح وما بينهما من النفس والقلب والسر في ستة أجناس هي: الجماد والمعدن والنبات والحيوان والشيطان والملك ﴿ ثم استوى على العرش ﴾ الخفي وهو لطيفه ربانية قابلة للفيض الرباني بلا واسطة ﴿ فلا تتذكرون ﴾ كيف خلقكم في أطوار مختلفة ﴿ يدبر الأمر ﴾ من سماء الروح إلى ارض النفس البدن ﴿ ثم يعرج إليه ﴾ النفس المخاطبة بخطاب ﴿ ارجعي إلى ربك  ﴾ في يوم طلعت فيه شمس صدق الطلب، وأشرقت الأرض بنور جذبات الحق ﴿ كان مقداره ﴾ في العروج بالجذبة كألف سنة مما تعدون من أيامكم في السير من غير جذبة كما قال  "جذبة من جذبات الحق توازي عمل الثقلين" ﴿ وبدأ خلق الإنسان من طين ﴾ وخمرة بيده في أربعين صباحاً فأودع في كل صباح خاصية نوع من أنواع عالم الشهادة ﴿ ثم جعل نسله من سلالة ﴾ سلها من أجناس عالم الشهادة.

﴿ ثم سوَّاه ﴾ شخص إنسان جديد المرآة ﴿ ونفخ فيه من روحه ﴾ فصار مرآة قابلة لإراءة صفات جماله وجلاله.

ثم تجلى فيها بتجلية صفة السمعية والبصرية والعالمية التي مرآتها السمع والأبصار والأفئدة ﴿ ضللنا ﴾ في أرض البشرية ﴿ يتوفاكم ملك الموت ﴾ وهو المحبة الإلهية بقبض الأرواح من صفات الإنسانية ويميتها عن محبوباتها بجذبة ﴿ ارجعي  ﴾ ﴿ ناكسوا رؤسهم ﴾ بالتوجه إلى حضيض عالم الطبيعة كالأنعام بعد أن كانوا رافعي الرؤوس يوم الميثاق.

﴿ تتجافى جنوب ﴾ همتهم عن مضاجع الدارين ﴿ جنات المأوى ﴾ التي هي مأوى الأبرار تكون نزلاً للمقربين السائرين إلى الله ﴿ كنتم به تكذبون ﴾ لأنه لم يكن لكم به شعور في الدنيا لأنكم كنتم في يوم الغفلة والاشتغال بالمحسوسات ﴿ العذاب الأدنى ﴾ إذا وقعت للسالك فترة ووقفة لعجب تداخله أو لملالة وسآمة ابتلاه الله ببلاء في نفسه أو ماله أو مصيبة في أهاليه وأقربائه وأحبابه لعله ينتبه من نوم الغفلة ويدارك أيام العطلة قبل أن يذيقه العذاب الأكبر في الخذلان والهجران ﴿ فلا تك في مرية من لقائه ﴾ أي من أنه يرى الرب ببركة متابعتك حين قال: اللهم اجعلني من أمة محمد  فإن الرؤية مخصوصة بك وبتبعتك لأمتك.

ويحتمل أن يكون الخطاب في فلاتك لموسى القلب والضمير في ﴿ لقائه ﴾ لله.

وجعلنا موسى القلب هدى لبني إسرائيل صفات القلب ﴿ وجعلناهم أئمة ﴾ هم السر الخفي ﴿ إن ربك هو يفصل بينهم ﴾ الآية.

لأنهم عنده أعز من أن يجعل حكمهم إلى أحد من المخلوقين، ولأنه أعلم بحالهم من غيرهم ولئلا يطلع على أحوالهم غيره لأنه خلقهم للمحبة والرحمة فينظر في شأنهم بنظر المحبة والرضا، لأنه عفوّ يفيض العفو والجود فتحيا به القلوب الميتة فيسقي حدائق وصلهم بعد جفاف عودها وزوال المأنوس من معهودها ﴿ فنخرج به زرعاً ﴾ من الواردات التي تصلح لتربية النفوس وهي الأنعام، ومن المشاهدات التي تصلح لتغذية القلوب.

ويقول المنكرون لهذه الطائفة ﴿ متى هذا الفتح ﴾ أي الفتوح التي تدعونها قل لا ينفعكم ذلك إذ لم تقتدوا بهم ولم تهتدوا بهديهم ﴿ فأعرض عنهم ﴾ أيها الطالب بالإقبال علينا وبالله التوفيق.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ الۤـمۤ ﴾ .

قد ذكرنا تأويله في صدر الكتاب.

وقوله: ﴿ تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ ﴾ .

الكتاب المطلق: كتاب الله، والدين المطلق: دين الله، والسبيل المطلق والطريق المطلق: سبيل الله وطريقه.

وقوله: ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ .

أنه منزل من الله؛ لأنه أنزل على أيدي الأمناء البررة: لم يغيروه ولا بدلوه ولا حرفوه.

أو يقول: ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ أنه ليس بمخترق ولا مخترع ولا مفتري من عند الرسول؛ بل منزل من عند رب العالمين.

أو ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ : لا شك؛ على ما يقول الناس لكل محكم من الأمر مبين، والله أعلم.

﴿ مِن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ .

العالم: هو اسم جنس من الخلق وجوهر منه، و ﴿ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ : جمعه؛ فيدخل في ذلك الأولون والآخرون الذين يكونون إلى آخر ما يكونون؛ ففيه أنه يوصف - جل وعلا - أنه رب لكل ما كان ويكون، ومالك ما كان وما يكون؛ كقوله: ﴿ مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ  ﴾ : أخبر أنه مالكه، وهو بعد ما لم يكن، أعني: ذلك اليوم.

وقوله: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ ﴾ .

قوله: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ ﴾ هو استفهام وشك في الظاهر، لكنه من الله يخرج على تحقيق إلزام وإيجاب أو تحقيق نفي، على ما لو كان ذلك من مستفهم ومسترشد: كيف يجاب له ويقال فيه؟

فإنما يقال للمستفهم: لا أو بلى؛ فعلى ذلك هو من الله على تحقيق إثبات وإيجاب، أو تحقيق نفي؛ إذ لا يحتمل الاستفهام والسؤال؛ كقوله: ﴿ أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّىٰ  ﴾ ؛ كأنه قال: ليس للإنسان ما تمنى؛ فعلى ذلك كأنه قال - هاهنا -: بل يقولون: ﴿ ٱفْتَرَاهُ ﴾ ، ثم رد ما قالوا: إنه افتراه؛ فقال: ﴿ بَلْ هُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ هُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ﴾ : ليس بمخترع ولا مخترق ولا مفتري من محمد؛ بل منزل من عند الله، على ما ذكرنا في قوله: ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ .

أو هو الحق من ربك، ليس بكلام البشر ولا في وسعهم إتيان مثله؛ فهو الحق منه ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ...

﴾ الآية [فصلت:42].

وقوله: ﴿ لِتُنذِرَ قَوْماً ﴾ .

أي: لتنذر بالكتاب الذي أنزل قوماً.

﴿ مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: أحدهما: على الجحد، أي: لتنذر قوماً لم يأتهم نذير، وهم أهل الفترة الذين كانوا بين عيسى ومحمد، عليهما الصلاة والسلام.

والثاني: لتنذر قوماً: الذين قد أتاهم من نذير من قبلك، وهم آباؤهم وأجدادهم الذين كانوا من قبله، الذين قد أتاهم نذير من قبله، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ﴾ .

هذا - أيضاً - يحتمل وجهين: أحدهما: لتنذر قوماً؛ لكي تلزمهم به حجة الاهتداء.

والثاني: لتنذر قوماً؛ على رجاء وطمع أن يهتدوا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾ .

هذا - أيضاً - قد ذكرناه فيما تقدم.

وقوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ .

وفي هذا - أيضاً - قد ذكرنا فيما تقدم تأويلات كثيرة، لكنا نذكر فيه حرفاً لم نذكره فيما تقدم من الذكر؛ وكأنه أصوب وأقرب إلى الحق، وهو أن ذلك حرف وكلام لم يجعل الله -  - في العقول والأفهام سبيل الدرك له والمعرفة - أعني: لقوله ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ - لأنه ذكر ذلك الحرف في موضع آخر، وأمره أن يسأل به خبيراً؛ حيث قال: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱلرَّحْمَـٰنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً  ﴾ ، ولو كان ذلك الحرف مما لعقول البشر وأفهامهم سبيل الوصول إلى معرفته ودركه لأدركه عقل رسول رب العالمين وفهمه من غير أن يسأل به الخبير من كان: الله أو جبريل، فإذا أمره بالسؤال عنه دل أنه بالعقل والفهم لا يدرك ولا يعرف؛ ولكن بالسمع عن الله.

ولم يذكر عن الرسول أنه فسر ذلك أو قال فيه أو سأله أحد عنه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ شَفِيعٍ ﴾ .

يقول أهل التأويل: ما لكم من دونه من ولي ينفعكم في الآخرة، ولا شفيع يدفع عنكم عذابه.

أو أن يكون قوله: ﴿ مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ ﴾ ، أي: رب وإله يلي أمركم سواه، ﴿ وَلاَ شَفِيعٍ ﴾ : لا هو ولا غيره، وأما للمؤمنين فإنه وليهم؛ كقوله: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ مَوْلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَأَنَّ ٱلْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَىٰ لَهُمْ  ﴾ .

وقوله: ﴿ أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ ﴾ .

فيما ذكر من صنعه؛ فتوحدونه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلأَرْضِ ﴾ .

قال أهل التأويل: ﴿ يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ ﴾ ، أي: هو يقضي القضاء وحده من السماء والأرض.

وعندنا أنه يخرج على وجهين: أحدهما: ﴿ يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ ﴾ ، أي: هو يكون الأمر ويدبره.

أو هو يجعل الخلق بحيث يقبلون الأمر والنهي ويحتملون المحنة.

أو هو يخرج الأمر كله على الحكمة والتدبير.

والثاني: ﴿ يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ ﴾ ، أي: يولي من يدبر الأمر من السماء إلى الأرض؛ نحو ما ولى ملك الموت قبض أرواح الخلق، ونحو ما ولى بعض ملائكته أمر الأمطار والنبات وغير ذلك؛ فجائز أن يكون الأول يولي ملائكته أمر ما بين السماء والأرض.

فإن كان الأول فليس ذكر السماء والأرض حدّاً ولا تقديراً؛ يدبر ما سوى ذلك، لكن ذكر هذا؛ لما إلى ذلك ينتهي تدبير البشر وعلمهم، وأما ما سوى ذلك فلا.

وإن كان الثاني فهو على التحديد، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: ﴿ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ ﴾ ، يقول: يصعد الملك إليه في يوم واحد من أيام الدنيا، كان مقدار ذلك اليوم، ﴿ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ ﴾ ، أنتم؛ لأن ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام؛ فينزل مسيرة خمسمائة عام، ويصعد خمسمائة عام، وذلك مقدار مسيرة ألف سنة في يوم واحد من أيام الدنيا.

وذكر في موضع آخر: ﴿ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ  ﴾ ؛ فجائز أن يكون ذلك وصف يوم القيامة؛ فيخرج ذلك لا على التحديد والتقدير؛ ولكن على التعظيم لذلك اليوم، والوصف له بما يعظم في قلوب الخلق، وهو ما وصفه بالعظمة؛ كقوله: ﴿ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ  ﴾ .

أو أن يكون التحديدان والتقديران كانا حقيقة؛ لاختلاف أحواله وأوقاته، على اختلاف الأمور، يكون ألف سنة [كما] ذكر [في] حال ووقت لأمر، وخمسين ألف سنة بحال أخرى لأمور أخر؛ على ما سمى ذلك اليوم مرة: يوم الجمع، ومرة: يوم التفريق، ويوم الفصل، ويوم الحساب، ويوم البعث، ونحوه، ومعلوم أن ذلك اليوم من أوله إلى آخره ليس بيوم الجمع، ولا بيوم الافتراق، ولا يوم الحساب ولا يوم البعث؛ ولكن [سماه] بجميع ذلك كله؛ لاختلاف الأحوال والأوقات لأمور مختلفة؛ فعلى ذلك يشبه أن يكون الأول كذلك، والله أعلم.

ويكون قوله: ﴿ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ ﴾ ، أي: يصير إليه ذلك؛ كقوله: ﴿ وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ  ﴾ ، ﴿ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ  ﴾ ، ﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلأَمْرُ كُلُّهُ  ﴾ ، ونحوه.

[وقوله: ﴿ يَعْرُجُ إِلَيْهِ ﴾ ، أي: يصعد في قول القتبي وأبي عوسجة، ويعرج: أي: احتبس].

وقوله: ﴿ ذٰلِكَ ﴾ .

أي: هذا الذي صنع ما ذكر من هذه الأشياء.

﴿ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ﴾ .

يحتمل هذا وجوهاً: عالم ما غاب عن الخلق والشهادة: وعالم ما يشهدون ويعلنون.

أو عالم ما يكون ويحدث، والشهادة: ما قد كان ومضى.

أو عالم ما يغيب بعض من بعض، والشهادة ما يشهدون ويظهرون.

أو عالم ما يغيب عن الخلق كيفية لمنافع الأشياء الظاهرة وماهيتها، نحو ما غاب عنهم المعنى المضر المودع في الطعام والشراب والأغذية جميعاً، الذي به حياة أنفسهم وقوامهم، وكذلك السمع والبصر والفهم والعقل: لا يدرك المعنى الذي به يسمع ويبصر ويفهم ويدرك وما به تحيا أنفسهم به، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ .

العزيز في هذا الموضع: المنتقم من أعدائه، الرحيم على أوليائه.

أو العزيز: الذي لا يعجزه شيء، الرحيم: الذي له رحمة يسع الخلائق في رحمته.

أو العزيز: الذي به يعز من عز، والرحيم: الذي برحمته يرحم من يرحم.

ومنهم من يقول في قوله: ﴿ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ ﴾ ، وقوله: ﴿ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ  ﴾ قال: من منتهى أمره من أسفل الأرضين إلى منتهى أمره فوق السماوات، مقدار ذلك خمسون ألف سنة، ويوم كان مقداره ألف سنة: ذلك نزول الأمر من السماء إلى الأرض ومن الأرض إلى السماء في يوم واحد، فذلك مقداره ألف سنة.

لكن قوله: من منتهى أمره من أسفل الأرضين إلى أمره فوق السماوات كذا - فاسد؛ لأنه لا يجوز أن يكون لأمره أو لملكه نهاية أو حد، والوجه فيه ما ذكرنا.

وقوله: ﴿ ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾ .

بالجزم والتحريك جميعاً، كلاهما لغتان.

ثم يحتمل قوله: ﴿ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ أي: علم كل شيء خلقه: أن كيف يخلق من غير أن يعلمه أحد أو أعانه عليه أحد.

وفي الشاهد لا يقدر أحد، ولا يمكن له صنع شيء إلا بمعلم يعلمه ذلك أو بمعين يعين على ذلك، يخبر عن جهلهم وسفههم بتقديرهم قدرة الله وقوته بقوى أنفسهم وقدرتهم في إنكارهم البعث؛ لخروجه عن تقدير الخلق وامتناعه عن وسعهم، يقول: لا تقدروا قدرة الله بقدرة أنفسكم وقواكم، كما لم تقدروا علمه بعلمكم؛ إذ يعلم هو بذاته بلا معلم، وأنتم لا تعلمون إلا بعلم؛ فعلى ذلك هو قادر بذاته لا يعجزه شيء وأنتم لا تقدرون إلا بغير أو سبب.

ويحتمل هذا الوجه وجهاً آخر، وهو أن قوله: ﴿ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾ ، أي: أعلم كل شيء من خلقه: ما به مصالحهم وفسادهم، وما يؤتى وما يتقى.

والثاني: ﴿ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾ ، أي: أحكم كل شيء خلقه وأتقنه.

ثم يخرج هذا على وجهين: أحدهما: أتقن وأحكم فيما به من المصالح والمعاني، وفي كل شيء من التسوية والتفرد وفي الجمع والتصوير.

والثاني: أحسن، أي: أتقن وأحكم كل شيء خلقه في الشهادة على وحدانية الله وألوهيته، أي: جعل في كل أثر وحدانيته يشهد على وحدانيته وربوبيته.

وقال بعضهم: ﴿ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾ لم يخلق الإنسان في خلق البهائم وصورتها ولا البهائم في خلق الإنسان.

وقتادة يقول: كل شيء من خلقه حسن على ما خلق وعلم كيف يخلقه، وهو قريب مما ذكرنا بدءاً.

ثم من قرأه: ﴿ خَلَقَهُ ﴾ : بالجزم يكون معناه - والله أعلم - أي: أحسن خلق كل شيء ومن قرأه: ﴿ خَلَقَهُ ﴾ بالتحريك، أي: أحسن كل شيء منه وخلقه.

ثم للمعتزلة في هذه الآية أدنى تعلق يقولون: أخبر أنه أحسن كل شيء خلقه، والكفر وشتم رب العالمين ونحوه - كله قبيح وسفه؛ دل أنه لم يخلقه، وأنه ليس بخالق لذلك.

يقال لهم: إخوانكم الزنادقة يعارضونكم ويقولون: إن الخنزير والنجاسات، وجميع السباع الضارة والمؤذية، وجميع الخبائث كلها قبيحة، الله ليس بخالق لها؛ فبم تدعون قولهم وسؤالهم في ذلك؟

فإن زعمتم في الأول في الكفر والشتم وجميع فعل الشرور: أنه ليس بخلق له؛ لأنه قبيح ضارّ مؤذ - يلزمكم مذهب الزنادقة فيما يقولون ويذكرون في إثبات خالق سواه؛ لأنه قبيح ضار مؤذ.

ويقال لهم: إن الله - جل وعلا - سمى إبليس: باطلا؛ فهو إذن لم يخلقه؛ لأنه أخبر أنه لم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلا.

ثم يقال لهم: إنا نقول: إنه خلق فعل الكفر من الكفرة قبيحاً، وخلق فعل الكفر والشتم من الشرير والشاتم قبيحاً، خلق فعل الشر على ما هو وعلى ما عرفه؛ فلا عيب يلحقه في جعل ما هو قبيح قبيحاً؛ كمن يعلم الكفر ليعلمه قبيحاً على ما هو، وكذلك جميع الشرور؛ فعلى ذلك ليس في خلق ما هو قبيح في نفسه قبيحاً - عيب؛ على ما لم يكن في تكلف معرفة القبيح ليعرفه قبيحاً على ما هو حقيقة - عيب، هذا إذا كان التأويل على ما يذهبون هم إليه.

فأما إذا كان ما ذكرنا في قوله: ﴿ أَحْسَنَ ﴾ ، أي: علم أو أعلم، فليس يدخل في ذلك شيء مما ذكروا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلإِنْسَانِ مِن طِينٍ ﴾ .

قال عامتهم: يعني: آدم.

وقوله: ﴿ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ ﴾ .

أي: نسل آدم.

[ ﴿ نَسْلَهُ ﴾ : أي: ولده.

وقال: السلالة: الخالص من كل شيء].

﴿ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ ﴾ .

أي: آدم.

وقال بعضهم: لا؛ ولكن ذلك نعت ولده وذريته؛ لأن الأعجوبة في خلق ولده في الأرحام في ثلاث ظلمات من النطفة إن لم تكن أكثر من خلق آدم من طين لا تكون أقل؛ لأن صنع الأشياء الظاهرة البادية وتسويتها في الشاهد أيسر وأدون من صنعها وتسويتها إذا كانت غائبة مستكنة.

وظاهره: أن يكون قول: ﴿ وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلإِنْسَانِ مِن طِينٍ ﴾ : آدم، ﴿ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ ﴾ : ذريته؛ لأن النسل هو الولد والذرية.

وقوله: ﴿ مِن سُلاَلَةٍ ﴾ : قال بعضهم: السلالة: هو الصفوة من الماء، والخالص من كل شيء.

وقال بعضهم: السلالة: هي من السل: سل السيف، أي: أخرجه ونزعه؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ ﴾ ، أي: استخرج من الظهر وسل منه ونزع.

والمهين: هو الضعيف؛ يقال منه: مهن يمهن مهانة، فهو مهين، وهو قول أبي عوسجة والقتبي.

وقوله: ﴿ ثُمَّ سَوَّاهُ ﴾ .

أي: جمعه وقومه وركب بعضه ببعض.

﴿ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ ﴾ .

وهو من الريح، وبالنفخ يتفرق في الجسد؛ لذلك ذكر، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ثُمَّ سَوَّاهُ ﴾ يحتمل ما ذكرنا من تركيب الجوارح والأعضاء.

أو سواه وجعله بحيث يحتمل المحنة والأمر والنهي.

﴿ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ ﴾ ، أي: جعل فيه الروح، وذكر النفخ لما ذكرنا على تحقيق النفخ فيه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ ﴾ .

ذكر - جل وعلا - جميع ما يوصل إلى العلوم الغائبة والحاضرة جميعاً، ويدرك ويوجد السبيل إليها وهو السمع والبصر والقلب في الإنسان؛ لأنه بالسمع يوصل إلى ما غاب عنهم من العلم: يسمعون ما عند غيرهم، وكذلك بالبصر يرى ويبصر ما عند غيره، وبالقلب يفهم ويحفظ ويميز بين ما يؤتى ويتقى، يبين أنه قد أعطاهم ما به يدركون ويصلون إلى ما غاب عنهم ويفهمون ويميزون، وهو ما ذكر من الحواس.

ثم قال: ﴿ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ ﴾ .

قال أهل التأويل قوله: ﴿ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ ﴾ ، أي: لا تشكرون قط؛ لأنهم يقولون: إنما خاطب به أهل مكة.

أو أن يقال: إنهم يشكرون قليلا، لكنهم يفسدون وينقضون ما يشكرون بكفرانهم من بعد.

وأما أهل الإسلام وإن كان شكرهم لما ذكر من هذه الحواس قليلا فإنهم قد اعتقدوا - في أصل العقد - الشكر له في جميع نعمه، والكافر اعتقد الكفران له؛ وإلا يجئ أن يكون قوله: ﴿ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ ﴾ للمؤمنين ولهم يقال ذلك لا للكفرة، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

﴿ الم ﴾ تقدم الكلام على نظائرها في بداية سورة البقرة.

<div class="verse-tafsir" id="91.zjxnV"

مزيد من التفاسير لسورة السجدة

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.4 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 0 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله