الآية ١٧ من سورة السجدة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 32 السجدة > الآية ١٧ من سورة السجدة

فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌۭ مَّآ أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍۢ جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ١٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 106 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٧ من سورة السجدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٧ من سورة السجدة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ) أي : فلا يعلم أحد عظمة ما أخفى الله لهم في الجنات من النعيم المقيم ، واللذات التي لم يطلع على مثلها أحد ، لما أخفوا أعمالهم أخفى الله لهم من الثواب ، جزاء وفاقا; فإن الجزاء من جنس العمل .

قال الحسن [ البصري ] : أخفى قوم عملهم فأخفى الله لهم ما لم تر عين ، ولم يخطر على قلب بشر .

رواه ابن أبي حاتم .

قال البخاري : قوله : ( فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين ) الآية : حدثنا علي بن عبد الله ، حدثنا سفيان ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " قال الله تعالى : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر " .

قال أبو هريرة : فاقرءوا إن شئتم : ( فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين ) .

قال : وحدثنا سفيان ، حدثنا أبو الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة قال : قال الله مثله .

قيل لسفيان : رواية ؟

قال : فأي شيء ؟

.

ورواه مسلم والترمذي من حديث سفيان بن عيينة ، به .

وقال الترمذي : حسن صحيح .

ثم قال البخاري : حدثنا إسحاق بن نصر ، حدثنا أبو أسامة ، عن الأعمش ، حدثنا أبو صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : " يقول الله تعالى : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، ذخرا من بله ما أطلعتم عليه " ، ثم قرأ : ( فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ) .

قال أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، قرأ أبو هريرة : " قرات أعين " .

انفرد به البخاري من هذا الوجه .

وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر ، عن همام بن منبه قال : هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله تعالى قال : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر " .

أخرجاه في الصحيحين من رواية عبد الرزاق .

ورواه الترمذي في التفسير ، وابن جرير ، من حديث عبد الرحيم بن سليمان ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثله .

ثم قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح .

وقال حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أبي رافع ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال حماد : أحسبه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من يدخل الجنة ينعم لا يبأس ، لا تبلى ثيابه ، ولا يفنى شبابه ، في الجنة ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر " .

رواه مسلم من حديث حماد بن سلمة به .

وروى الإمام أحمد : حدثنا هارون ، حدثنا ابن وهب ، حدثني أبو صخر ، أن أبا حازم حدثه قال : سمعت سهل بن سعد الساعدي ، رضي الله عنه ، يقول : شهدت من رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسا وصف فيه الجنة ، حتى انتهى ، ثم قال في آخر حديثه : " فيها ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر " ، ثم قرأ هذه الآية : ( تتجافى جنوبهم عن المضاجع [ يدعون ربهم خوفا وطمعا ] ) ، إلى قوله : ( يعملون ) .

وأخرجه مسلم في صحيحه عن هارون بن معروف ، وهارون بن سعيد ، كلاهما عن ابن وهب ، به .

وقال ابن جرير : حدثني العباس بن أبي طالب ، حدثنا معلى بن أسد ، حدثنا سلام بن أبي مطيع ، عن قتادة ، عن عقبة بن عبد الغافر ، عن أبي سعيد الخدري ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يروي عن ربه ، عز وجل ، قال : " أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر " .

لم يخرجوه .

وقال مسلم أيضا في صحيحه : حدثنا ابن أبي عمر وغيره ، حدثنا سفيان ، حدثنا مطرف بن طريف وعبد الملك بن سعيد ، سمعا الشعبي يخبر عن المغيرة بن شعبة قال : سمعته على المنبر - يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم - قال : " سأل موسى ، عليه السلام ربه عز وجل : ما أدنى أهل الجنة منزلة ؟

قال : هو رجل يجيء بعدما أدخل أهل الجنة الجنة ، فيقال له : ادخل الجنة .

فيقول : أي رب ، كيف وقد نزل الناس منازلهم ، وأخذوا أخذاتهم ؟

فيقال له : أترضى أن يكون لك مثل ملك ملك من ملوك الدنيا ؟

فيقول : رضيت رب .

فيقول : لك ذلك ، ومثله ، ومثله ، ومثله ، ومثله ، فقال في الخامسة : رضيت رب .

فيقول : هذا لك وعشرة أمثاله ولك ما اشتهت نفسك ولذت عينك .

فيقول : رضيت رب .

قال : رب ، فأعلاهم منزلة ؟

قال : أولئك الذين أردت ، غرست كرامتهم بيدي ، وختمت عليها ، فلم تر عين ، ولم تسمع أذن ، ولم يخطر على قلب بشر " ، قال : ومصداقه من كتاب الله : ( فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ) .

ورواه الترمذي عن ابن أبي عمر ، وقال : حسن صحيح ، قال : ورواه بعضهم عن الشعبي ، عن المغيرة ولم يرفعه ، والمرفوع أصح .

قال ابن أبي حاتم : حدثنا جعفر بن منير المدائني ، حدثنا أبو بدر شجاع بن الوليد ، حدثنا زياد بن خيثمة ، عن محمد بن جحادة ، عن عامر بن عبد الواحد قال : بلغني أن الرجل من أهل الجنة يمكث في مكانه سبعين سنة ، ثم يلتفت فإذا هو بامرأة أحسن مما كان فيه ، فتقول له : قد أنى لك أن يكون لنا منك نصيب ؟

فيقول : من أنت ؟

فتقول : أنا من المزيد .

فيمكث معها سبعين سنة ، ثم يلتفت فإذا هو بامرأة أحسن مما كان فيه ، فتقول له : قد أنى لك أن يكون لنا منك نصيب ، فيقول : من أنت ؟

فتقول : أنا التي قال الله : ( فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين ) .

وقال ابن لهيعة : حدثني عطاء بن دينار ، عن سعيد بن جبير قال : تدخل عليهم الملائكة في مقدار كل يوم من أيام الدنيا ثلاث مرات ، معهم التحف من الله من جنات عدن ما ليس في جناتهم ، وذلك قوله : ( فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين ) ، ويخبرون أن الله عنهم راض .

وقال ابن جرير : حدثنا سهل بن موسى الرازي ، حدثنا الوليد بن مسلم ، عن صفوان بن عمرو ، عن أبي اليمان الهوزني - أو غيره - قال : الجنة مائة درجة ، أولها درجة فضة وأرضها فضة ، ومساكنها فضة ، [ وآنيتها فضة ] وترابها المسك .

والثانية ذهب ، وأرضها ذهب ، ومساكنها ذهب ، وآنيتها ذهب ، وترابها المسك .

والثالثة لؤلؤ ، وأرضها لؤلؤ ، ومساكنها اللؤلؤ ، وآنيتها اللؤلؤ ، وترابها المسك .

وسبع وتسعون بعد ذلك ، ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر .

ثم تلا هذه الآية : ( فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ) وقال ابن جرير : حدثني يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا معتمر بن سليمان ، عن الحكم بن أبان ، عن الغطريف ، عن جابر بن زيد ، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ، عن الروح الأمين قال : " يؤتى بحسنات العبد وسيئاته ، ينقص بعضها من بعض ، فإن بقيت حسنة [ واحدة ] وسع الله له في الجنة " ، قال : فدخلت على " يزداد " فحدث بمثل هذا الحديث ، قال : فقلت : فأين ذهبت الحسنة ؟

قال : ( أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون ) [ الأحقاف : 16 ] .

قلت : قوله تعالى : ( فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين ) ، قال : العبد يعمل سرا أسره إلى الله ، لم يعلم به الناس ، فأسر الله له يوم القيامة قرة أعين .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17) يقول تعالى ذكره: فلا تعلم نفسٌ ذي نفس ما أخفي الله لهؤلاء الذين وصف جلّ ثناؤه صفتهم في هاتين الآيتين، مما تقرّ به أعينهم في جنانه يوم القيامة (جَزَاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ) يقول: ثوابا لهم على أعمالهم التي كانوا في الدنيا يعملون.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عبيد المحاربي، قال: ثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، &; 20-183 &; عن أبي عبيدة (5) قال: قال عبد الله: إن في التوراة مكتوبا: لقد أعدّ الله للذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع ما لم تر عين، ولم يخطر على قلب بشر، ولم تسمع أذن، وما لم يسمعه ملك مقرّب.

قال: ونحن نقرؤها: (فَلا تَعْلَمُ نَفْسُ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أعْيُنٍ).

حدثنا خلاد، قال: أخبرنا النضر بن شميل، قال: أخبرنا إسرائيل، قال: أخبرنا أبو إسحاق، عن عُبيدة بن ربيعة، عن ابن مسعود، قال: مكتوب في التوراة على الله للذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، في القرآن (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ منْ قُرَّةِ أعْيُن جَزَاءً بِمَا كانُوا يَعْمَلُونَ).

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: خبئ لهم ما لا عين رأت، ولا أُذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، قال سفيان: فيما علمت على غير وجه الشكّ.

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق قال: سمعت أبا عبيدة، قال: قال عبد الله، قال -يعني- الله: " أعددت لعبادي الصالحين ما لم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب ناظر (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ من قُرَّةِ أعْيُنٍ جَزَاءً بما كانُوا يعْلَمونَ)".

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن صلت، عن قيس بن الربيع، عن أبي إسحاق، عن عبيدة بن ربيعة الحارثي، عن عبد الله بن مسعود، قال: إن في التوراة للذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع من الكرامة، ما لم تر عين، ولم يخطر على قلب بشر، ولم تسمع أذن، وإنه لفي القرآن (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أعْيُن).

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا الأشجعي، عن ابن أبجر، قال: سمعت الشعبيّ يقول: سمعت المغيرة بن شعبة يقول على المنبر: إن موسى صلى الله عليه وسلم سأل &; 20-184 &; عن أبخس أهل الجنة فيها حظا، فقيل له: رجل يُؤتى به وقد دخل أهل الجنة الجنة، قال: فيقال له: ادخل، فيقول: أين وقد أخذ الناس أخذاتهم؟

فيقال: اعدد أربعة ملوك من ملوك الدنيا، فيكون لك مثل الذي كان لهم، ولك أخرى شهوة نفسك، فيقول: أشتهي كذا وكذا، واشتهي كذا، وقال: لك أخرى، لك لذّة عينك، فيقول: ألذّ كذا وكذا، فيقال: لك عشرة أضعاف مثل ذلك، وسأله عن أعظم أهل الجنة فيها حظا، فقال: ذاك شيء ختمت عليه يوم خلقت السموات والأرض.

قال الشعبي: فإنه في القرآن: ( فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ).

حدثني أحمد بن محمد الطَّوسي، قال: ثنا الحميدي، قال: ثنا ابن عُيينة، وحدثني به القرقساني، عن ابن عيينة، عن مطرف بن طريف، وابن أبجر، سمعنا الشعبيّ يقول: سمعت المغيرة بن شعبة على المنبر يرفعه إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم: " إنَّ مُوسَى سألَ رَبَّهُ: أيْ رَبّ، أيُّ أهْلِ الجَنَّةِ أدْنى مَنـزلةً؟

قال: رَجُلٌ يَجيءُ بَعْدَما دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، فَيُقالُ لَهُ: ادْخُلْ.

فَيَقُولَ: كَيْفَ أَدْخُلُ وَقَدْ نـزلُوا منازِلَهُمْ؟

فَيقالُ لَهُ: أتَرْضَى أنْ يَكُونَ لكَ مِثْلَ ما كانَ لِمَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيا؟

فَيَقُولُ: بَخ أيْ رب قَدْ رَضِيتُ، فَيُقالُ لَهُ: إنَّ لَكَ هَذَا وَمِثْلَهُ وَمِثْلَهُ وَمِثْلَهُ، فَيَقُولُ: رَضِيتُ أيْ رَبّ رَضِيتُ، فَيُقالُ لَهُ: إنَّ لَكَ هَذَا وَعَشْرَةُ أمثالِهِ مَعَهُ، فَيقُول: رَضِيتُ أيْ رَبّ، فَيُقالُ لَهُ: فإنَّ لَكَ مَعَ هَذَا ما اشْتَهَتْ نَفْسُكَ، وَلَذَّتْ عَيْنُكَ، قالَ: فَقالَ مُوسَى: أيْ ربّ، وأيُّ أهْل الجَنَّة أرْفَعُ مَنـزلَةً، قَالَ: إيَّاها أرَدْتُ، وسأُحَدّثكَ عَنْهُمْ غَرسْتُ لَهُمْ كَرَامَتِي بِيَدي، وَخَتَمْتُ عَلَيْها، فَلا عَيْنٌ رأت، وَلا أُذُنٌ سَمعَتْ، وَلا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ.

قالَ: وَمِصْدَاقُ ذلِكَ فِي كِتاب اللهِ(فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِي لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أعْيُن جِزَاءً بِمَا كانُوا يَعْمَلُونَ).

حدثنا محمد بن منصور الطوسي، قال: ثنا إسحاق بن سليمان، قال: ثنا عمرو بن أبي قَيْس، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس في قوله: وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وكان عرش الله على الماء، ثم اتخذ لنفسه جنة، ثم اتخذ دونها أخرى، ثم أطبقها بلؤلؤة واحدة، قال: وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ قال: وهي التي لا تعلم نفس، أو قال: هما التي لا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء &; 20-185 &; بما كانوا يعملون.

قال: وهي التي لا تعلم الخلائق ما فيها أو ما فيهما يأتيهم كل يوم منها أو منهما تحفة.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن عنبسة، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جُبَير، بنحوه.

حدثنا سهل بن موسى الرازي، قال: ثنا الوليد بن مسلم، عن صفوان بن عمرو، عن أبي اليمان الهوزني أو غيره، قال: الجنة مئة درجة، أوّلها درجة فضة، أرضها فضة، ومساكنها فضة، وآنيتها فضة، وترابها المسك.

والثانية ذهب، وأرضها ذهب، ومساكنها ذهب، وآنيتها ذهب، وترابها المسك.

والثالثة لؤلؤ، وأرضها لؤلؤ، ومساكنها لؤلؤ، وآنيتها لؤلؤ، وترابها المسك.

وسبع وتسعون بعد ذلك ما لا عين رأته، ولا أذن سمعته، ولا خطر على قلب بشر، وتلا هذه الآية (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كانُوا يَعْمَلُونَ).

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا المحاربي وعبد الرحيم، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قالَ اللهُ: أَعْدَدْتُ لِعبادي الصَّالِحينَ ما لا عَيْنٌ رأتْ، وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، واقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ، قَالَ اللهُ: (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كانُوا يَعْمَلُونَ)".

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا أبو معاوية وابن نمير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أعْدَدْتُ لِعبَادي الصَّالِحِينَ، مَا لا عَيْنٌ رَأتْ، وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ" قال أبو هريرة: ومِن بَلْهَ ما أطلعكم عليه، اقرَءُوا إن شئتم: (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كانُوا يَعْمَلُونَ) قال أبو هريرة: نقرؤها: (قُرَّاتِ أعْيُنٍ).

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا معتمر بن سليمان، عن الحكم بن أبان، عن الغطريف، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم ، عن الروح الأمين، قال: " يُؤْتَي بِحَسَناتِ العَبْدِ وَسَيِّئاتِهِ، فَيَنْقُصُ بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ، فإنْ بَقِيَتْ حَسَنَةٌ وَاحِدَةٌ، وَسَّعَ اللهُ لَهُ فِي الجَنَّة "، قال: فدخلت على يزداد، فحدّث بمثل هذا؛ قال: قلت: فأين ذهبت الحسنة؟

قال: أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ ، قلت: قوله: (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أعْيُنٍ) قال: العبد يعمل سرّا أسرّه إلى الله لم يعلم به الناس، فأسرّ الله له يوم القيامة قرّة عين.

حدثني العباس بن أبي طالب، قال: ثنا معلى بن أسد، قال: ثنا سلام بن أبي مطيع، عن قتادة، عن عقبة بن عبد الغافر، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يروي عن ربه، قال: " أَعْدَدْتُ لِعِبادِيَ الصَّالِحينَ ما لا عَيْنٌ رأتْ، وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ".

حدثني أبو السائب، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني أبو صخر، أن أبا حازم حدثه، قال: سمعت سهل بن سعد يقول: شهدت من رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسا وصف فيه الجنة حتى انتهى، ثم قال في آخر حديثه: " فيهَا ما لا عَيْنٌ رأتْ، وَلا أُذُنٌ سمِعَتْ وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ" ثم قرأ هذه الآية تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ ...

إلى قوله: (جَزَاءً بِمَا كانُوا يَعْمَلُونَ).

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن عوف، عن الحسن، قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " قالَ رَبُّكُمْ: أَعْدَدْتُ لِعَبادِي الَّذِينَ آمَنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحاتِ ما لا عَيْنٌ رأتْ، وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلا خَطَرَ علَى قَلْبِ بَشَرٍ".

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يروي ذلك عن ربه، " قالَ رَبُّكُمْ: أَعْدَدْتُ لِعِبادي الصَّالِحينَ ما لا عَيْنٌ رأتْ، وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلا خَطَرَ علَى قَلْبِ بَشِرٍ".

حدثني ابن وكيع، قال: ثنا سهل بن يوسف، عن عمرو، عن الحسن (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أعْيُنٍ) قال: أخفوا عملا في الدنيا، فأثابهم الله بأعمالهم.

حدثني القاسم بن بشر، قال: ثنا سليمان بن حرب، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، قال حماد: أحسبه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: " مَنْ يَدْخُلِ الجَنَّةَ يَنْعَمْ وَلا يَبْؤُسْ، لا تَبْلَى ثِيابُهُ، وَلا يَفْنَى شَبابُهُ، في الجَنَّةِ ما لا عَيْنٌ رأتْ، وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلا خَطَرَ علَى قَلْبِ بَشَرٍ".

واختلفت القرّاء في قراءة قوله: (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أعْيُنٍ) فقرأ ذلك بعض المدنيين والبصريين، وبعض الكوفيين: (أُخْفِيَ) بضم الألف وفتح الياء &; 20-187 &; بمعنى فُعِل.

وقرأ بعض الكوفيين: (أُخْفِي لَهُمْ) بضم الألف وإرسال الياء، بمعنى أفعل، أخفي لهم أنا.

والصواب من القول في ذلك عندنا أنهما قراءتان مشهورتان، متقاربتا المعنى، لأن الله إذا أخفاه فهو مخفي، وإذا أخفي فليس له مخف غيره، و " ما " في قوله: (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ) فإنها إذا جعلت بمعنى الذي كانت نصبا بوقوع تعلم عليها كيف قرأ القارئ أخفي، وإذا وجهت إلى معنى أيّ كانت رفعا إذا قرئ أخفى بنصب الياء وضم الألف، لأنه لم يسمّ فاعله، وإذا قرئ أُخفِي بإرسال الياء كانت نصبا بوقوع أخفي عليها.

------------------- الهوامش : (5) عبيدة بن ربيعة بضم العين.

وقيل: هو عبيد بفتحها وبلا هاء.

وهو الذي يروي عنه أبو إسحاق كما في الخلاصة، وفي الأصل: أبي عبيدة، ولعل "أبي" زيادة من الناسخ.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون .قرأ حمزة : ( ما أخفي لهم ) بإسكان الياء .

وفتحها الباقون .

وفي قراءة عبد الله ( ما نخفي ) بالنون مضمومة .

وروى المفضل عن الأعمش ( ما يخفى لهم ) بالياء المضمومة وفتح الفاء .

وقرأ ابن مسعود وأبو هريرة : ( من قرات أعين ) .

فمن أسكن الياء من قوله : ( ما أخفي ) فهو مستقبل وألفه ألف المتكلم .

و ( ما ) في موضع نصب ب ( أخفي ) وهي استفهام ، والجملة في موضع نصب لوقوعها موقع المفعولين ، والضمير العائد على ( ما ) محذوف .

ومن فتح الياء فهو فعل ماض مبني للمفعول .

و ( ما ) في موضع رفع بالابتداء ، والخبر أخفي وما بعده ، والضمير في أخفي عائد على ما .

قال الزجاج : ويقرأ ( ما أخفى لهم ) بمعنى ما أخفى الله لهم ; وهي قراءة محمد بن كعب ، و ( ما ) في موضع نصب .

المهدوي : ومن قرأ : ( قرات أعين ) فهو جمع قرة ، وحسن الجمع فيه لإضافته إلى جمع ، والإفراد لأنه مصدر ، وهو اسم للجنس .

وقال أبو بكر الأنباري : وهذا غير مخالف للمصحف ; لأن تاء قرة تكتب تاء على لغة من يجري الوصل على الوقف ; كما كتبوا ( رحمت الله ) بالتاء .

ولا يستنكر سقوط الألف من ( قرات ) في الخط وهو موجود في اللفظ ; كما لم يستنكر سقوط الألف من السماوات وهي ثابتة في اللسان والنطق .

والمعنى المراد : أنه أخبر تعالى بما لهم من النعيم الذي لم تعلمه نفس ولا بشر ولا ملك .

وفي معنى هذه الآية : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( قال الله عز وجل أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر - ثم قرأ هذه الآية - تتجافى جنوبهم عن المضاجع - إلى قوله - بما كانوا يعملون ) خرجه الصحيح من حديث سهل بن سعد الساعدي .

وقال ابن مسعود : في التوراة مكتوب : على الله للذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر .

وقال ابن عباس : الأمر في هذا أجل وأعظم من أن يعرف تفسيره .قلت : وهذه الكرامة إنما هي لأعلى أهل الجنة منزلا ; كما جاء مبينا في صحيح مسلم [ ص: 98 ] عن المغيرة بن شعبة يرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( سأل موسى عليه السلام ربه فقال : يا رب ما أدنى أهل الجنة منزلة ؟

قال : هو رجل يأتي بعدما يدخل أهل الجنة الجنة ، فيقال له : ادخل الجنة ، فيقول : أي رب ، كيف وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم ؟

فيقال له : أترضى أن يكون لك مثل ملك ملك من ملوك الدنيا ؟

فيقول : رضيت رب ، فيقول : لك ذلك ومثله ومثله ومثله ومثله ومثله ، فقال في الخامسة : رضيت رب ، فيقال : هذا لك وعشرة أمثاله ولك ما اشتهت نفسك ولذت عينك ، فيقول : رضيت رب ، قال : رب فأعلاهم منزلة ؟

قال : أولئك الذين أردت غرست كرامتهم بيدي وختمت عليها فلم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر - قال - ومصداقه من كتاب الله قوله تعالى : فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ) .

وقد روي عن المغيرة موقوفا قوله .

وخرج مسلم أيضا عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يقول الله تبارك وتعالى : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ذخرا بله ما أطلعكم عليه - ثم قرأ - فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين ) .

وقال ابن سيرين : المراد به النظر إلى الله تعالى .

وقال الحسن : أخفى القوم أعمالا فأخفى الله تعالى لهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وأما جزاؤهم، فقال: { فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ } يدخل فيه جميع نفوس الخلق، لكونها نكرة في سياق النفي.

أي: فلا يعلم أحد { مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ } من الخير الكثير، والنعيم الغزير، والفرح والسرور، واللذة والحبور، كما قال تعالى على لسان رسوله: \"أعددت لعبادي الصالحين، ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر\" فكما صلوا في الليل، ودعوا، وأخفوا العمل، جازاهم من جنس عملهم، فأخفى أجرهم، ولهذا قال: { جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فلا تعلم نفس ما أخفي لهم ) قرأ حمزة ويعقوب : " أخفي لهم " ساكنة الياء ، أي : أنا أخفي لهم ومن حجته قراءة ابن مسعود " نخفي " بالنون .

وقرأ الآخرون بفتحها .

( من قرة أعين ) مما تقر به أعينهم ( جزاء بما كانوا يعملون ) أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، أخبرنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا إسحاق بن نصر ، أخبرنا أبو أسامة عن الأعمش ، أخبرنا أبو صالح عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " يقول الله تبارك وتعالى أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ذخرا بله ما أطلعتم عليه " ، ثم قرأ : ( فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ) قال ابن عباس - رضي الله عنهما - : هذا مما لا تفسير له .

وعن بعضهم قال : أخفوا أعمالهم فأخفى الله ثوابهم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فلا تعلم نفسٌ ما أخفىَ» خبئ «لهم من قرة أعين» ما تقر به أعينهم، وفي قراءة بسكون الياء مضارع «جزاءً بما كانوا يعملون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فلا تعلم نفس ما ادَّخر الله لهؤلاء المؤمنين مما تَقَرُّ به العين، وينشرح له الصدر؛ جزاء لهم على أعمالهم الصالحة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - سبحانه - : ( فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ .

.

) بيان للعطاء الجزيل ، والثواب العظيم .

أى : فلا تعلم نفس من النفوس سواء أكانت لملك مقرب ، أم لنبى مرسل ، ما أخفاه الله - تعالى - لهؤلاء المهتدين بالليل والناس نيام ، من ثواب تقر به أعينهم ، وتسعد به قلوبهم ، وتبتهج له نفوسهم .

.وهذا العطاء الجزيل إنما هو بسبب أعمالهم الصالحة فى الدنيا .وهكذا نرى فى هذه الآيات الكريمة صورة مشرقة لعباد الله الصالحين ، وللثواب الذى لا تحيط به عبارة ، والذى أكرمهم الله - تعالى - به .وقد ساق الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات ، عدداً من الأحاديث الواردة فى فضل قيام الليل ، منها ما رواه الإِمام أحمد " عن معاذ بن جبل - رضى الله عنه - قال : كنت مع النبى صلى الله عليه وسلم فى سفر ، فأصبحت يوماً قريباً منه .

ونحن نسير ، فقلت : يا نبى الله ، أخبرنى بعمل يدخلنى الجنة ، ويباعدنى من النار .

فقال : " لقد سألت عن عظيم ، وأنه ليسير على من يسره الله عليه ، تعبد الله ولا تشكر به شيئاً ، وتقيم الصلاة ، وتصوم رمضان ، وتحج البيت .

ثم قال : ألا أدلك على أبواب الخير؟

الصوم جنة ، والصدقة تطفئ الخطيئة ، وصلاة الرجل فى جوف الليل شعار الصالحين ، ثم قرأ صلى الله عليه وسلم : ( تتجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ المضاجع يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً ) " " .وعن أسماء بنت يزيد قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة ، جاء مناد فنادة بصوت يسمع الخلائق : سيعلم أهل الجمع اليوم من أولى بالكرم .

ثم يرجع فينادى : ليقم الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع " .وعن أبى هريرة - رضى الله عنه - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله - تعالى - قال : " أعددت لعبادى الصالحين ، ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

يعني مما تقر العين عنده ولا تلتفت إلى غيره يقال إن هذا لا يدخل في عيني، يعني عيني تطلع إلى غيره، فإذا لم يبق تطلع للعين إلى شيء آخر لم يبق للعين مسرح إلى غيره فتقر جزاء بحكم الوعد، وهذا فيه لطيفة وهي أن من العبد شيئاً وهو العمل الصالح، ومن الله أشياء سابقة من الخلق والرزق وغيرهما وأشياء لاحقة من الثواب والإكرام، فلله تعالى أن يقول جزاء الإحسان إحسان، وأنا أحسنت أولا والعبد أحسن في مقابلته، فالثواب تفضل ومنحة من غير عوض، وله أن يقول جعلت الأول تفضلاً لا أطلب عليه جزاء، فإذا أتى العبد بالعمل الصالح فليس عليه شيء لأني أبرأته مما عليه من النعم فكان هو آتياً بالحسنة ابتداء، وجزاء الإحسان إحسان، فأجعل الثواب جزاء كلاهما جائز، لكن غاية الكرم أن يجعل الأول هبة ويجعل الثاني مقابلاً وعوضاً لأن العبد ضعيف لو قيل له بأن فعلك جزاء فلا تستحق جزاء، وإنما الله يتفضل يثق ولكن لا يطمئن قلبه، وإذا قيل له الأول غير محسوب عليك والذي أتيت به أنت به باد ولك عليه استحقاق ثواب يثق ويطمئن ثم إذا عرف أن هذا من فضل الله فالواجب من جانب العبد أن يقول فعلى جزاء نعم الله السابقة ولا أستحق به جزاء، فإذا أثابه الله تعالى يقول الذي أتيت به كان جزاء، وهذا ابتداء إحسان من الله تعالى يستحق حمداً وشكراً فيأتي بحسنة فيقول الله إني أحسنت إليه جزاء فعله الأول وما فعلت أولا لا أطلب له جزاء فيجازيه ثالثاً فيشكر العبد ثالثاً فيجازيه رابعاً وعلى هذا لا تنقطع المعاملة بين العبد والرب، ومثله في الشاهد اثنان تحابا فأهدى أحدهما إلى الآخر هدية ونسيها والمهدي إليه يتذكرها فأهدى إلى المهدي عوضاً فرآه المهدي الأول ابتداء لنسيانه ما أهداه إليه فجازاه بهدية فقال المحب الآخر ما أهديته كان جزاء لهديته السابقة، وهذه هدية ما عوضتها فيعوض ويعوض عنه المحب الآخر ويتسلسل الأمر بينهما ولا ينقطع التهادي والتحاب، بخلاف من أرسل إلى واحد هدية وهو يتذكرها فإذا بعث إليه المهدي إليه عوضاً يقول المهدي هذا عوض ما أهديت إليه فيسكت ويترك الإهداء فينقطع، واعلم أن التكاليف يوم القيامة، وإن ارتفعت لكن الذكر والشكر والعبادة لا ترتفع بل العبد يعبد ربه في الجنة أكثر مما يعبده في الدنيا، وكيف لا وقد صار حاله مثل حال الملائكة الذين قال في حقهم ﴿ يُسَبّحُونَ الليل والنهار لاَ يَفْتُرُونَ  ﴾ غاية ما في الباب أن العبادة ليست عليهم بتكليف بل هي بمقتضى الطبع ومن جملة الأسباب الموجبة لدوام نعيم الجنة هذا وكيف لا وخدمة الملوك لذة وشرف فلا تترك وإن قرب العبد منه بل تزداد لذتها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ إِذَا ذُكّرُواْ بِهَا ﴾ أي وعظوا: سجدوا تواضعاً لله وخشوعاً، وشكراً على ما رزقهم من الإسلام ﴿ وَسَبَّحُواْ بِحَمْدِ رَبّهِمْ ﴾ ونزهوا الله من نسبة القبائح إليه، وأثنوا عليه حامدين له ﴿ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ كما يفعل من يصر مستكبراً كأن لم يسمعها، ومثله قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين أُوتُواْ العلم مِن قَبْلِهِ إِذَا يتلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبّنَا ﴾ [الإسراء: 107] .

﴿ تتجافى ﴾ ترتفع وتتنحى ﴿ عَنِ المضاجع ﴾ عن الفرش ومواضع النوم، داعين ربهم عابدين له؛ لأجل خوفهم من سخطه وطمعهم في رحمته، وهم المتهجدون.

وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تفسيرها: «قيام العبد من الليل» وعن الحسن رضي الله عنه: أنه التهجد.

وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة جاء مناد ينادي بصوت يسمع الخلائق كلهم: سيعلم أهل الجمع اليوم من أولى بالكرم.

ثم يرجع فينادي: ليقم الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع؛ فيقومون وهم قليل، ثم يرجع فينادي: ليقم الذين كانوا يحمدون الله في البأساء والضراء، فيقومون وهم قليل، فيسرحون جميعاً إلى الجنة، ثم يحاسب سائر الناس» وعن أنس بن مالك رضي الله عنه: كان أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلون من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء الآخرة.

فنزلت فيهم.

وقيل: هم الذين يصلون صلاة العتمة لا ينامون عنها ﴿ مَّآ أُخْفِىَ لَهُم ﴾ على البناء للمفعول.

ما أخفى لهم على البناء للفاعل، وهو الله سبحانه، وما أخفى لهم.

وما نخفي لهم.

وما أخفيت لهم: الثلاثة للمتكلم، وهو الله سبحانه.

وما: بمعنى الذي، أو بمعنى أي.

وقرئ: ﴿ من قرّة أعين ﴾ ﴿ وقرات أعين ﴾ .

والمعنى: لا تعلم النفوس- كلهنّ ولا نفس واحدة منهنّ لا ملك مقرب ولا نبيّ مرسل- أيّ نوع عظيم من الثواب ادخر الله لأولئك وأخفاه من جميع خلائقه، لا يعلمه إلا هو مما تقربه عيونهم، ولا مزيد على هذه العدة ولا مطمح وراءها، ثم قال: ﴿ جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ فحسم أطماع المتمنين، وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «يقولُ اللَّهُ تعالَى: أعددتُ لعبادِي الصالحينَ ما لاَ عينُ رأتْ ولا أذنَ سمعَت ولا خطر على قلبِ بشرٍ، بَلْهَ ما أطلعتُهم عليهِ.

اقرؤُوا إن شئتمُ: فلا تعلمُ نفسُ ما أخفيَ لهمُ منْ قرةِ أعينٍ» وعن الحسن رضي الله عنه: أخفى القوم أعمالاً في الدنيا، فأخفى الله لهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ ﴾ لا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ولا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ.

﴿ مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ ﴾ مِمّا تَقَرُّ بِهِ عُيُونُهم.

وَعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «يَقُولُ اللَّهُ: أعْدَدْتُ لِعِبادِي الصّالِحِينَ ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، بَلْهَ ما أطْلَعْتُهم عَلَيْهِ، اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ ﴾ » .

وَقَرَأ حَمْزَةُ ويَعْقُوبُ ﴿ أُخْفِيَ لَهُمْ ﴾ عَلى أنَّهُ مُضارِعٌ أُخْفِيَتْ، وقُرِئَ «نُخْفِيَ» و «أُخْفِيَ» والفاعِلُ لِلْكُلِّ هو اللَّهُ، «وَقَرَأتْ أعْيُنٌ» لِاخْتِلافِ أنْواعِها والعِلْمُ بِمَعْنى المَعْرِفَةِ و ( ما ) مَوْصُولَةٌ أوِ اسْتِفْهامِيَّةٌ مُعَلَّقٌ عَنْها الفِعْلُ.

﴿ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ أيْ جُزُوا جَزاءً أوْ أُخْفِيَ لِلْجَزاءِ فَإنَّ إخْفاءَهُ لِعُلُوِّ شَأْنِهِ.

وقِيلَ هَذا لِقَوْمٍ أخْفَوْا أعْمالَهم فَأخْفى اللَّهُ ثَوابَهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فلا تعلم نفسٌ مّا أخفي لهم} ما بمعنى الذي أخفي على حكاية النفس حمزة ويعقوب {مّن قرّة أعينٍ} أي لا يعلم أحد ما أعد لهؤلاء من

الكرامة {جزاءً} مصدر أى جوز واجزاء {بما كانوا يعملون} عن الحسن رضى الله عنه أخفى القوم أعمالا فى الدنيا فأخفى الله لهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت وفيه دليل على أن المراد الصلاة في جوف الليل ليكون الجزاء وفاقاً ثم بين أن من كان في نور الطاعة والايمان لايستوى مع من هو في ظلمة الكفر والعصيان بقوله

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ﴾ أيْ كُلُّ نَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ لا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، ولا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ فَضْلًا عَمَّنْ عَداهُمْ، فَإنَّ النَّكِرَةَ في سِياقِ النَّفْيِ تَعُمُّ.

والفاءُ سَبَبِيَّةٌ أوْ فَصِيحَةٌ أيْ: أُعْطَوْا فَوْقَ رَجائِهِمْ، فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ﴿ ما أُخْفِيَ لَهُمْ ﴾ أيْ لِأُولَئِكَ الَّذِينَ عُدِّدَتْ نُعُوتُهُمُ الجَلِيلَةُ ﴿ مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ ﴾ أيْ ما تَقَرُّ بِهِ أعْيُنٌ، وفي إضافَةِ القُرَّةِ إلى الأعْيُنِ عَلى الإطْلاقِ لا إلى أعْيُنِهِمْ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما أُخْفِيَ لَهم في غايَةِ الحُسْنِ والكَمالِ.

ورَوى الشَّيْخانِ، وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ««أعْدَدْتُ لِعِبادِي الصّالِحِينَ ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، بَلْهَ ما أطْلَعْتُكم عَلَيْهِ، اقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ: (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ)»» وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إنَّهُ لَمَكْتُوبٌ في التَّوْراةِ: «لَقَدْ أعَدَّ اللَّهُ تَعالى لِلَّذِينِ تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ ما لَمْ تَرَ عَيْنٌ، ولَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، ولَمْ يَخْطُرْ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ» ولا يَعْلَمُ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، ولا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وأنَّهُ لَفي القُرْآنِ: ﴿ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ)، ﴾ ﴿ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ أيْ جُوزُوا جَزاءً بِسَبَبِ ما كانُوا يَعْمَلُونَهُ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، (فَجَزاءً) مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ.

وجُوِّزَ جَعْلُها حالِيَّةً، وقِيلَ: يَجُوزُ جَعْلُهُ مَصْدَرًا مُؤَكِّدًا لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ المُتَقَدِّمَةِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ﴾ عَلى مَعْنى مُنِعَتِ العِلْمَ لِلْجَزاءِ، أوْ لِأُخْفِيَ، فَإنَّ إخْفاءَهُ لِعُلُوِّ شَأْنِهِ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: أخْفى القَوْمُ أعْمالًا في الدُّنْيا، فَأخْفى اللَّهُ تَعالى لَهم ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، أيْ أخْفى ذَلِكَ لِيَكُونَ الجَزاءُ مِن جِنْسِ العَمَلِ.

وفِي الكَشْفِ أنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الفاءَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا تَعْلَمُ ﴾ رابِطَةٌ لِلْأحَقِّ بِالسّابِقِ، وأصْلُهُ فَلا يَعْلَمُونَ، والعُدُولُ لِتَعْظِيمِ الجَزاءِ، وعَدَمِ ذِكْرِ الفاعِلِ في ( أُخْفِيَ ) تَرْشِيحٌ لَهُ، لِأنَّ جازِيَهُ مَن هو العَظِيمُ وحْدَهُ، فَلا يَذْهَبُ، وهَلْ إلى غَيْرِهِ سُبْحانَهُ اهـ، فَتَأمَّلْ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، ويَعْقُوبُ، والأعْمَشُ «أخْفِي» بِسُكُونِ الياءِ فِعْلًا مُضارِعًا لِلْمُتَكَلِّمِ، وابْنُ مَسْعُودٍ «نَخْفِي» بِنُونِ العَظَمَةِ، والأعْمَشُ أيْضًا «أخْفَيْتُ» بِالإسْنادِ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ وحْدَهُ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ ( أخْفى ) فِعْلًا ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ.

(وما) في جَمِيعِ ذَلِكَ اسْمٌ مَوْصُولٌ مَفْعُولُ ( تَعْلَمُ )، والعِلْمُ بِمَعْنى المَعْرِفَةِ، والعائِدُ الضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ النّائِبُ عَنِ الفاعِلِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وضَمِيرُهُ مَحْذُوفٌ عَلى غَيْرِها، وقالَ أبُو البَقاءِ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ (ما) اسْتِفْهامِيَّةً، ومَوْضِعُها رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، ( وأُخْفِيَ لَهم ) خَبَرُهُ عَلى قِراءَةِ مَن فَتَحَ الياءَ، وعَلى قِراءَةِ مَن سَكَّنَها، وجَعْلُ ( أُخْفِيَ ) مُضارِعًا يَكُونُ (ما) في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِأخْفى، (ويَعْلَمُ) مِنهُ حالُها عَلى سائِرِ القِراءاتِ، وإذا كانَتِ اسْتِفْهامِيَّةً يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العِلْمُ بِمَعْنى المَعْرِفَةِ، وأنْ يَكُونَ عَلى ظاهِرِهِ، فَيَتَعَدّى لِمَفْعُولَيْنِ تَسُدُّ الجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ مَسَدَّهُما، وعَلى كُلٍّ مِنَ احْتِمالَيِ المَوْصُولِيَّةِ والِاسْتِفْهامِيَّةِ فالإيهامُ لِلتَّعْظِيمِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأبُو الدَّرْداءِ، وأبُو هُرَيْرَةَ وعَوْنٌ، والعُقَيْلِيُّ «مِن قُرّاتِ» عَلى الجَمْعِ بِالألِفِ والتّاءِ، وهي رِوايَةٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وأبِي جَعْفَرٍ، والأعْمَشِ، وجَمْعُ المَصْدَرِ أوِ اسْمِهِ لِاخْتِلافِ أنْواعِ القُرَّةِ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال الله عزّ وجلّ: إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا يعني: يصدق بآياتنا.

يعني: بالعذاب الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها يعني: وعظوا بها.

يعني: بآيات الله عزَّ وجلَّ: خَرُّوا سُجَّداً على وجوههم وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ يقول: وذكروا الله عز وجل بأمره وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عن السجود كفعل الكفار.

ويقال: الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا يعني: دعوا إلى الصلوات الخمس.

أتوها فصلوها، ولا يستكبرون عنها.

قوله عز وجل: تَتَجافى جُنُوبُهُمْ قال مقاتل: نزلت في الأنصار.

كانت منازلهم بعيدة من المسجد.

فإذا صلوا المغرب كرهوا أن ينصرفوا، مخافة أن تفوتهم صلاة العشاء في الجماعة.

فكانوا يصلون ما بين المغرب والعشاء.

ويقال: الذي يصلي العشاء والفجر بجماعة.

وقال أنس بن مالك: الذي يصلي ما بين المغرب والعشاء وهو صلاة الليل كما جاء في الخبر.

قال النبي  : «رَكْعَةٌ فِي اللَّيْلِ خَيْرٌ مِنْ ألْفِ رَكْعَةٍ فِي النَّهَارِ» قال أبو الليث رحمه الله: حدثنا الخليل بن أحمد.

قال: حدثنا السراج.

قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم.

قال: حدثنا أبو معاوية عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن إسحاق عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد العبسية عن رسول الله  أنه قال: «يُحْشَرُ النَّاسُ يوم القيامة في صعيد وَاحِدٍ، فيسِمعهمُ الدَّاعِي وَيَنْقُدُهُمْ البَصَرُ، ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ سَيَعْلَمُ أَهْلُ الجَمْعِ اليَوْمَ مَنْ أوْلَى بِالكَرَمِ.

فَأيْنَ الَّذِينَ يَحْمَدُونَ الله عَزَّ وَجَلَّ عَلَى كُلِّ حَالٍ؟

فَيَقُومُونَ وَهُمْ قَلِيلٌ فَيَدْخُلُونَ الجنة بغير حساب.

ثم ينادي مناد: أين الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله؟

فَيَقُومُونَ، وَهُمْ قَلِيلٌ فَيَدْخُلُونَ الجنة بغير حساب.

ثم ينادي مناد: أين الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع؟

وهم قليل فيدخلون الجنة بِغَيْرِ حِسَابٍ.

ثُمَّ يُؤْمَرُ بِسَائِرِ النَّاسِ فَيُحَاسَبُونَ» .

فذلك قوله عز وجل: تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يعني: يصلون بالليل ويقومون عن فرشهم يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً خوفاً من عذابه، وطمعاً في رحمته وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ يعني: يتصدقون من أموالهم.

يعني: صدقة التطوع، لأنه قرنه بصلاة التطوع.

ويقال: يعني: الزكاة المفروضة.

والأول أراد به العشاء والفجر.

ثم بيّن ثوابهم فقال عز وجل: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُمْ يعني: ما أعدّ لهم مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ يعني: من الثواب في الجنة.

ويقال: من طيبة النفس.

وروى أبو هريرة عن النبيّ  أنه قال: «يَقُولُ الله عَزَّ وَجَلَّ: أعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لا عَيْنٌ رَأَتْ وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» .

قال أبو هريرة اقرءوا إن شئتم فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ.

قال مقاتل: قيل لابن عباس، ما الذي أخفي لهم؟

قال: في جنة عدن ما لم يكن في جناتهم.

قرأ حمزة مَّا أُخْفِيَ بسكون الياء.

وقرأ الباقون: بنصبها.

فمن قرأ بالسكون فهو على معنى الخبر عن نفسه.

فكأنه قال: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُمْ ومن قرأ بالنصب فهو على فعل ما لم يسم فاعله على معنى أفعل.

وقرئ في الشاذ وَمَا أُخْفِىَ يعني: وَمَا أُخْفِىَ الله عز وجل لَهُمْ ثم قال: جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ يعني: جزاء لأعمالهم.

قوله عز وجل: أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ يعني: لا يستوون عند الله عَزَّ وَجَلَّ في الفضل.

نزلت الآية في علي بن أبي طالب-  - والوليد بن عقبة بن أبي معيط.

وذلك أنه جرى بينهما كلام.

فقال الوليد لعلي: بأي شيء تفاخرني؟

أنا والله أحد منك سناناً، وأبسط منك لساناً، وأملأ منك في الكتيبة عيناً.

يعني: أكون أملأ مكاناً في العسكر.

فقال له- علي  -: اسكت فإنك فاسق فنزل أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ.

وقال الزجاج: نزلت في عقبة بن أبي معيط.

قال: ويجوز في اللغة لا يستويان.

ولم يقرأ.

والقراءة لاَّ يَسْتَوُونَ ومعناهما: لا يستوي المؤمنون والكافرون.

ثم بين مصير كلا الفريقين فقال تعالى: أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا أي: أقروا بالله ورسوله والقرآن وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يعني: الطاعات فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى نُزُلًا يعني: يأوي إليها المؤمنون.

ويقال: يأوي إليها أرواح الشهداء، وهو أصح في اللغة.

ثم قال: نُزُلًا يعني: رزقاً.

والنزل في اللغة هو الرزق.

ويقال: نُزُلًا يعني: منزلاً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ يعني: بأعمالهم.

ثم بيّن مصير الفاسقين فقال: وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا يعني: عصوا ولم يتوبوا فَمَأْواهُمُ النَّارُ فسقوا يعني: نافقوا وهو الوليد بن عتبة ومن كان مثل حاله فَمَأْواهُمُ النَّارُ يعني: مصيرهم إلى النار ومرجعهم إليها كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها يعني: من النار أُعِيدُوا فِيها ويقال: إن جهنم إذا جاشت، ألقتهم في أعلى الباب.

فطمعوا في الخروج منها، فتلقاهم الخزنة بمقامع فتضربهم، فتهوي بهم إلى قعرها وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ وقال في آية أخرى: ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ [سبأ: 42] بلفظ التأنيث.

لأنه أراد به النار وهي مؤنثة.

وهاهنا قال الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ بلفظ التذكير لأنه أراد به العذاب وهو مذكر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: وَقالُوا أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أي: تَلَفْنَا وَتَقَطَّعَتْ أَوْصَالُنَا، فذهبنا في التراب حتّى لم نوجد إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أي: أَنُخْلَقُ بَعْدَ ذلك خَلقاً جديداً إنكاراً منهم للبعثِ واستبعاداً له، ويَتَوَفَّاكُمْ معناه يَسْتَوِفِيكم رُوِيَ عَن مجاهدٍ: أن الدنّيَا بَيْنَ يَدَيْ مَلَكِ المَوتِ كالطِّسْتِ بَيْنَ يَدَي الإنْسَانِ يأخُذُ مِنْ حَيثُ أُمِرَ «١» .

وقوله تعالى: وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ الآية تَعْجِيبٌ لمحمَّد عليه السلام وأمته من حالِ الكفرةِ، ومَا حَلَّ بهم، وجوابٌ لَوْ محذوفٌ لأنَّ حذفَه أَهْوَلُ في النفوس، وتنكيسُ رؤوسهم هو من الذل واليأسِ والهَمِّ بحلُول العذابِ.

وقولهم أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا أي: ما كنا نُخْبَرُ به في الدنيا، ثم طلبوا الرَّجْعَةَ حينَ لاَ يَنْفَعُ ذَلكَ.

ثمَّ أخْبَرَ تعالى عن نَفْسهِ أنَّه لو شَاء لهدى الناس أجمعين بأن يَلْطُفُ بهم لُطْفاً يؤمنونَ به، ويخترع الإيمانَ في نفوسهم، هذا مذهبُ أهلِ السُّنَّةِ، والْجِنَّةِ: الشياطين، ونَسِيتُمْ معناه: تركتم قاله ابن عباس «٢» وغيره.

وقوله: إِنَّا نَسِيناكُمْ سَمَّى العقوبة باسم الذنب.

ثم أثْنَى سبحانه على القوم الذين يؤمنون بآياته، ووصَفَهم بالصفة الحُسْنَى من سجودهم عند التذكير، وتسبيحهم وعدم استكبارهم.

تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٧) أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى نُزُلاً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النَّارُ كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠)

وقوله تعالى: تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ ...

الآية، تَجافَى الجنبُ عن موضِعِه إذا تَرَكه، قال الزجاج وغيره: التَّجافِي التَّنَحِّي إلى فوق.

قال ع «١» : وهذا قول حسن، والجنوبُ جَمْعُ جَنْبٍ، والمضاجِعُ مَوْضِع الاضْطجَاع للنوم.

ت: وقال الهرَوِيُّ: تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ أي: ترتفعُ وتَتَباعَدُ، والجَفاء بَيْن النَّاسِ هُو التَّبَاعُدُ، انتهى.

وَرَوَى البُخَاري بسنَدِهِ عن أبي هريرة أن عَبدَ الله بن رَوَاحَةَ- رَضِيَ الله عنه- قَالَ: [الطويل]

وَفِينَا رَسُولُ اللهِ يَتلُو كِتَابَه ...

إذَا انشق مَعْرُوفٌ مِنَ الفَجْرِ سَاطِعُ

أَرَانَا الهدى بَعْدَ العمى فَقُلُوبُنَا ...

بِهِ مُوقِنَاتٌ أَنَّ مَا قَالَ وَاقِعُ

يَبِيتُ يُجَافِي جَنْبَهُ عَنْ فِرَاشِهِ ...

إذَا استثقلت بِالْكَافِرِينَ المَضَاجِعُ

انتهى.

وجمهور المفسرين: على أن المرادَ بهذا التجافي صلاةُ النوافلِ بالليلِ.

قال ع «٢» : وعلى هذا التأويل أكثَرُ الناسِ، وهو الذي فيه المدحُ وفيه أحاديثُ عن النبي صلى الله عليه وسلّم يَذكر عليه السلام قِيامَ الليل ثم يستشهدُ بالآية ففي حديثِ معاذٍ «أَلاَ أَدُلُّكَ على أبواب الخير: الصوم جنّة، والصدقة تطفئ الخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِىءُ المَاءُ النَّارَ، وَصَلاَةُ الرَّجُلِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ، ثم قَرَأ تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ/، حتّى بلغ يَعْمَلُونَ» رواه ٧٠ أالترمذيّ «٣» ، وقال: حديث حسن صحيح ورَجَّحَ الزَّجَاجُ «٤» ما قاله الجمهور بأنهم:

جُوزُوا بإخفاءٍ، فَدَلَّ ذلك على أن العَمَلَ إخْفَاءٌ أيضاً، وهو قيامُ الليل يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً أي: من عذابه وَطَمَعاً، أي: في ثوابه.

قال ص: تَتَجافى أَعربه أبو البقاء: حالاً، ويَدْعُونَ: حال أو مستأنف وخَوْفاً وَطَمَعاً: مَفْعُولاَن من أجله أو مصدران في موضع الحال انتهى.

وفي «الترمذي» عن معاذ بن جبل قال: قلت: يا رَسُولَ اللهِ، أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الجَنَّةَ، وَيُبَاعِدُنِي عَنِ النَّارِ، قَالَ: «لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْ عَظِيمٍ، وَإنَّهُ لَيَسِيرٌ على مَنْ يَسَّرَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ تَعْبُدُ اللهَ لاَ تُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً، وَتُقِيمَ الصَّلاَةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصُومُ رمضَانَ، وتَحُجُّ البَيْتَ، ثمَّ قَالَ: أَلاَ أَدُلُّكَ على أَبْوَابِ الخير؟

الصوم جنّة، والصدقة تطفئ الخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِىءُ المَاءُ النَّارَ، وَصَلاَةُ الرَّجُلِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، ثم تَلاَ: تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ حَتَّى بَلَغَ يَعْمَلُونَ.

ثم قال: أَلاَ أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الأَمْر وَعَمُودِهِ وَذِرْوَةِ سَنَامِهِ؟

قُلْتُ: بلى، يَا رَسُولَ اللهِ.

قال: رَأْسُ الأَمْرِ الإسْلاَمُ، وَعَمُودُهُ الصَّلاَةُ وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ، ثُمَّ قَالَ: أَلاَ أُخْبِرُكَ بِمَلاَكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟

قُلْتُ: بلى يَا رَسُولَ اللهِ فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ، وَقَالَ: كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا.

قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، وإنّا لمؤاخذون بما نتكلّم به؟!

فَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، وَهَلْ يَكُبَّ النَّاسَ فِي النَّارِ على وُجُوهِهِمْ إلاَّ حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟!» «١» قال الترمذيُّ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.

انتهى.

وقرأ حمزةُ وحده «٢» : «أُخْفِيْ» - بسكون الياء كأنه قال: أُخْفِيْ أَنَا.

وقرأ الجمهور «أُخْفِيَ» - بفتح الياء-، وفي معنى هذه الآية قال صلى الله عليه وسلّم: «قال الله- عز وجل-: أعددت لعبادي الصالحين مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خطر على قلب بَشَرٍ ذُخْراً بَلْهَ مَا اطلعتم عَلَيْهِ، واقرءوا إنْ شِئْتُمْ: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ...

الآية» انتهى.

قال القرطبيُّ في «تذكرته» «٣» : «وبَلْهَ» معناه: غَيْر، وقيل: هو اسم فِعْلٍ بمعنى دَعْ، وهذا الحديث خرّجه البخاري، وغيره «٤» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي ﴾ أيْ: وجَبَ وسَبَقَ؛ والقَوْلُ هو قَوْلُهُ لِإبْلِيسَ ﴿ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ ﴾ أيْ: مِن كُفّارِ الفَرِيقَيْنِ.

﴿ فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: إذا دَخَلُوا النّارَ قالَتْ لَهُمُ الخَزَنَةُ: فَذُوقُوا العَذابَ.

وقالَ غَيْرُهُ: إذا اصْطَرَخُوا فِيها قِيلَ لَهُمْ: ذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ، أيْ: بِما تَرَكْتُمُ العَمَلَ لِلِقاءِ يَوْمِكم هَذا، ﴿ إنّا نَسِيناكُمْ ﴾ أيْ: تَرَكْناكم مِنَ الرَّحْمَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنا الَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِها ﴾ أيْ: وُعِظُوا بِها ﴿ خَرُّوا سُجَّدًا ﴾ أيْ: سَقَطُوا عَلى وُجُوهِهِمْ ساجِدِينَ.

وقِيلَ: المَعْنى: إنَّما يُؤْمِنُ بِفَرائِضِنا مِنَ الصَّلَواتِ الخَمْسِ الَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِها بِالأذانِ والإقامَةِ خَرُّوا سُجَّدًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَتَجافى جُنُوبُهُمْ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ وفي الصَّلاةِ الَّتِي تَتَجافى لَها جُنُوبُهم عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في المُتَهَجِّدِينَ بِاللَّيْلِ؛ رَوى مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  في قَوْلِهِ: ﴿ تَتَجافى جُنُوبُهُمْ ﴾ قالَ: قِيامُ العَبْدِ مِنَ اللَّيْلِ» وفي لَفْظٍ آخَرَ «أنَّهُ قالَ لِمُعاذٍ: " إنْ شِئْتَ أنْبَأْتُكَ بِأبْوابِ الخَيْرِ " قالَ: قُلْتَ أجَلْ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: " الصَّوْمُ جُنَّةٌ، والصَّدَقَةُ تُكَفِّرُ الخَطِيئَةَ، وقِيامُ الرَّجُلِ في جَوْفِ اللَّيْلِ يَبْتَغِي وجْهَ اللَّهِ "، ثُمَّ قَرَأ: " تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ "» .

وَكَذَلِكَ قالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، وأبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ أنَّها في قِيامِ اللَّيْلِ.

وقَدْ رَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: تَتَجافى جُنُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ، كُلَّما اسْتَيْقَظُوا ذَكَرُوا اللَّهَ، إمّا في الصَّلاةِ، وإمّا في قِيامٍ، أوْ في قُعُودٍ، أوْ عَلى جُنُوبِهِمْ، فَهم لا يَزالُونَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في ناسٍ مِنَ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  كانُوا يُصَلُّونَ ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعَشاءِ، قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ.

والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في صَلاةِ العِشاءِ [كانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ  لا يَنامُونَ حَتّى يُصَلُّوها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّها صَلاةُ العِشاءِ] والصُّبْحِ في جَماعَةٍ، قالَهُ أبُو الدَّرْداءِ، والضَّحّاكُ.

وَمَعْنى ﴿ تَتَجافى ﴾ : تَرْتَفِعُ.

والمَضاجِعُ جَمْعُ مَضْجَعٍ، وهو المَوْضِعُ الَّذِي يُضْطَجَعُ عَلَيْهِ.

﴿ يَدْعُونَ رَبَّهم خَوْفًا ﴾ مِن عَذابِهِ ﴿ وَطَمَعًا ﴾ في رَحْمَتِهِ [وَثَوابِهِ] ﴿ وَمِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ ﴾ في الواجِبِ والتَّطَوُّعِ.

﴿ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ ﴾ وأسْكَنَ ياءَ " أُخْفِي " حَمْزَةُ، ويَعْقُوبُ.

قالَ الزَّجّاجُ: في هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِالآيَةِ الَّتِي قَبْلَها: الصَّلاةُ في جَوْفِ اللَّيْلِ، لِأنَّهُ عَمَلٌ يَسْتَسِرُّ الإنْسانُ بِهِ، فَجَعَلَ لَفْظَ ما يُجازى بِهِ ﴿ أُخْفِيَ لَهُمْ ﴾ ، فَإذا فَتَحْتَ ياءَ " أُخْفِيَ "، فَعَلى تَأْوِيلِ الفِعْلِ الماضِي، وإذا أسْكَنْتَها، فالمَعْنى: ما أُخْفِي أنا لَهُمْ، إخْبارٌ عَنِ اللَّهِ تَعالى؛ وكَذَلِكَ قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: أُخْفِي لَهُمْ، بِالخُفْيَةِ خُفْيَةُ، وبِالعَلانِيَةِ عَلانِيَةٌ.

ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  قالَ: " يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: أعْدَدْتُ لِعِبادِي الصّالِحِينَ مالا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، اقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ ﴾ » قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ ﴾ وقَرَأ أبُو الدَّرْداءِ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ: " مَن قُرّاتِ أعْيُنٍ " [بِألِفٍ] عَلى الجَمْعِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهم خَوْفًا وطَمَعًا ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ ﴾ ﴿ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ ﴾ ﴿ أمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ فَلَهم جَنّاتُ المَأْوى نُزُلا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ وَأمّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النارُ كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها وقِيلَ لَهم ذُوقُوا عَذابَ النارُ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴾ جَفا الرَجُلُ المَوْضِعَ: إذا تَرَكَهُ، وتَجافى الجَنْبُ عن مَضْجَعِهِ: إذا تَرَكَهُ، وجافى الرَجُلُ جَنْبَهُ عن مَضْجَعِهِ، وفي الحَدِيثِ: "يُجافِي بِعَضُدَيْهِ عن جَنْبَيْهِ" أيْ يُبْعِدُهُما عن بَدَنِهِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَتَجافى جُنُوبُهُمْ ﴾ أيْ تَبْتَعِدُ وتَزُولُ، ومِنهُ قَوْلُ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَواحَةَ: نَبِيٌّ تَجافى جَنْبُهُ عن فِراشِهِ ∗∗∗ إذا اسْتَثْقَلَتْ بِالمُشْرِكِينَ المَضاجِعُ ويُرْوى: "يَبِيتُ يُجافِي"، قالَ الزَجّاجُ، والرُمّانِيُّ: التَجافِي: التَنَحِّي إلى جِهَةٍ فَوْقَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، وكَذَلِكَ هو في الصَفْحِ عَنِ المُخْطِئِ في سَبٍّ ونَحْوَهُ.

وَ"الجُنُوبُ": جَمْعُ جَنْبٍ، و"المَضاجِعُ": مَوْضِعُ الِاضْطِجاعِ لِلنَّوْمِ.

وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: أرادَ بِهَذِهِ الآيَةِ الصَلاةَ بَيْنَ المَغْرِبِ والعَشاءِ، وقالَ عَطاءُ، وأبُو سَلَمَةَ: أرادَ صَلاةَ العِشاءِ الآخِرَةَ.

وقالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكانَتِ الجاهِلِيَّةُ يَنامُونَ مِن أوَّلِ الغُرُوبِ، ومِن أيِّ وقْتٍ شاءَ الإنْسانُ، فَجاءَ انْتِظارُ وقْتِ العَشاءِ الآخِرَةِ غَرِيبًا شاقًّا، وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ أيْضًا: أرادَ انْتِظارَ العِشاءِ الآخِرَةِ؛ لِأنَّ رَسُولَ اللهِ  كانَ يُؤَخِّرُها إلى نَحْوِ ثُلْثِ اللَيْلِ، وفي ذَلِكَ أحادِيثٌ كَثِيرَةٌ.

وقالَ الضَحّاكُ: "تَجافِي الجَنْبِ هو أنْ يُصَلِّيَ الرَجُلُ العِشاءَ والصُبْحَ في جَماعَةٍ".

وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، يُساعِدُهُ لَفْظُ الآيَةِ، وقالَ الجُمْهُورُ مِنَ المُفَسِّرِينَ: أرادَ بِهَذا التَجافِي صَلاةَ النَوافِلِ بِاللَيْلِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعَلى هَذا التَأْوِيلِ أكْثَرُ الناسِ، وهو الَّذِي فِيهِ المَدْحُ، وفِيهِ أحادِيثٌ عَنِ النَبِيِّ  يَذْكُرُ قِيامَ اللَيْلِ ثُمَّ يَسْتَشْهِدُ بِالآيَةِ.

ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ عن مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ.

وَرَجَّحَ الزَجّاجُ هَذا القَوْلَ بِأنَّهم جَوُّزُوا بِإجْفاءٍ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ العَمَلَ إجْفاءٌ أيْضًا هو قِيامُ اللَيْلِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ "يَدْعُونَ" ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ المَوْصُوفِينَ، أيْ وقْتَ التَجافِي، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةَ مُسْتَأْنِفَةً، أيْ: تَتَجافى جُنُوبُهم وهم أيْضًا في كُلِّ أحْوالِهِمْ يَدْعُونَ لَيْلَهم ونَهارَهُمْ، و"الخَوْفُ" مِن عَذابِ اللهِ، و"الطَمَعُ" في ثَوابِ اللهِ.

و"يُنْفِقُونَ" قِيلَ: مَعْناهُ: الزَكاةُ المَفْرُوضَةُ، وقِيلَ: النَوافِلُ والصَدَقاتُ غَيْرُ المَفْرُوضَةِ، وهَذا القَوْلُ أمْدَحُ.

ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى وعْدَهم مِنَ النَعِيمِ بِما لَمْ تَعْلَمْهُ نَفْسٌ ولا بَشَرٌ ولا مَلَكٌ.

وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "أُخْفِي" بِسُكُونِ الياءِ، كَأنَّهُ قالَ: "أُخْفِي أنا"، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، ورُوِيَ عنهُ: "ما أخْفَيْتُ لَهم مِن قُرّاتِ أعْيُ"، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ: "ما نُخْفِي لَهُمْ" بِالنُونِ مَضْمُومَةً، ورَوى المُفَضَّلُ عَنِ الأعْمَشِ: "ما يُخْفى لَهُمْ" بِالياءِ المَضْمُومَةِ وفَتَحِ الفاءِ، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: "ما أخْفى" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، أيْ: ما أخْفى اللهُ لَهُمْ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ بِفَتْحِ الياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، و"ما" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى فَثَمَّ ضَمِيرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: أُخْفِيهِ، وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ فالضَمِيرُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ يَجْرِي في العَوْدَةِ عَلى "الَّذِي"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامًا، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى فَهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ"أُخْفِيَ"، وعَلى القِراءَةِ الثانِيَةِ هي في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ.

وَ"قُرَّةُ العَيْنِ": ما تُلِذُّهُ وتَشْتَهِيهِ، وهي مَأْخُوذَةٌ مِنَ القَرِّ، كَما أنَّ "سُخْنَةَ العَيْنِ" مَأْخُوذَةٌ مِنَ السَخانَةِ، وأصْلُ هَذا - فِيما يَزْعُمُونَ - أنَّ دَمْعَ الفَرَحِ بارِدٌ، ودَمْعُ الحُزْنِ سُخْنٌ.

وفِي مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ قالَ رَسُولُ اللهِ  : « "قالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: أعْدَدْتُ لِعِبادِي الصالِحِينَ ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، واقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ ".

﴾ » وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "فِي التَوْراةِ مَكْتُوبٌ: عَلى اللهِ لِلَّذِينِ تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ".

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وأبُو الدَرْداءِ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "قُرّاتِ" عَلى الجَمْعِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ، أيْ: بِتَكَسُّبِهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا ﴾ الآيَةُ.

رُوِيَ عن عَطاءِ بْنِ يَسارٍ أنَّها نَزَلَتْ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: والوَلِيدُ بْنُ عَقَبَةَ بْنُ أبِي مُعَيَّطٍ، وذَلِكَ أنَّهُما تَلاحَنا، فَقالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: اسْكُتْ فَإنَّكَ فاسِقٌ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ.

وذَكَرَ الزَجّاجُ، والنَحاسُ، وغَيْرُهُما أنَّها نَزَلَتْ في عَلَيٍّ وعَقَبَةَ بْنِ أبِي مِعْيَطٍ، وعَلى هَذا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ مَكِّيَّةً، لِأنَّ عُقْبَةَ لَمْ يَكُنْ بِالمَدِينَةِ، وإنَّما قُتِلَ في طَرِيقِ مَكَّةَ مُنْصَرِفُ رَسُولِ اللهِ  مِن بَدْرٍ، ويَعْتَرِضُ القَوْلُ الآخَرُ بِإطْلاقِ اسْمِ الفِسْقِ عَلى الوَلِيدِ، وذَلِكَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في صَدْرِ إسْلامِ الوَلِيدِ لِشَيْءٍ كانَ في نَفْسِهِ، أو لِما رُوِيَ مِن نَقْلِهِ عن بَنِي المُصْطَلَقِ ما لَمْ يَكُنْ حَتّى نَزَلَتْ فِيهِ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا  ﴾ ، ويَحْتَمِلُ أيْضًا أنْ تُطْلِقَ الشَرِيعَةُ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِأنَّهُ كانَ عَلى طَرَفٍ مِمّا يَبْغِي، وهو الَّذِي شَرِبَ الخَمْرَ في خِلافَةِ عُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وصَلّى الصُبْحَ بِالناسِ أرْبَعًا، ثُمَّ التَفَتَ وقالَ: أتُرِيدُونَ أنْ أزِيدَكُمْ؟

ونَحْوَ هَذا مِمّا يَطُولُ ذِكْرُهُ.

ثُمَّ قَسَّمَ اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ والفاسِقِينَ الَّذِينَ فَسَّقَهم بِالكُفْرِ؛ لِأنَّ التَكْذِيبَ الَّذِي في آخِرِ الآيَةِ يَقْتَضِي ذَلِكَ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "جَنَّةُ" بِالإفْرادِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "نَزَلا" بِإسْكانِ الزايِ، والجُمْهُورُ عَلى ضَمِّها، وسائِرُ باقِي الآيَةِ بَيَّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف ناشئ عن قوله ﴿ أم يقولون افتراه الآية ﴾ [السجدة: 3]، تفرغ المقام له بعد أن أنحى بالتقريع والوعيد للكافرين على كفرهم بلقاء الله، بما أفادت اسمية جملة ﴿ بل هم بلقاء ربهم كافرون ﴾ [السجدة: 10] من أنهم ثابتون على الكفر بلقاء الله دائمون عليه، وهو مما أنذرتهم به آيات القرآن، فالتكذيب بلقاء الله تكذيب بما جاء به القرآن فهم لا يؤمنون، وإنما يؤمن بآيات الله الذين ذُكرت أوصافهم هنا.

والمراد بالآيات هنا آيات القرآن بقرينة قوله ﴿ الذين إذا ذُكِّروا بها ﴾ بتشديد الكاف، أي أعيد ذكرها عليهم وتكررت تلاوتها على مسامِعهم.

ومفاد ﴿ إنما ﴾ قصر إضافي، أي يؤمن بآيات الله الذين إذا ذكروا بها تذكيراً بما سبق لهم سماعه لم يتريّثوا عن إظهار الخضوع لله دون الذين قالوا ﴿ أإذَا ضَلَلْنَا فِي الأرض إنَّا لفي خلق جديد ﴾ [السجدة: 10]، وهذا تأييس للنبيء صلى الله عليه وسلم من إيمانهم، وتعريض بهم بأنهم لا ينفعون المسلمين بإيمانهم ولا يغيظونهم بالتصلب في الكفر.

وأوثرت صيغة المضارع في ﴿ إنما يؤمن ﴾ لما تشعر به من أنهم يتجدّدون في الإيمان ويزدادون يقيناً وقتاً فوقتاً، كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ الله يستهزئ بهم ﴾ في سورة البقرة (15)، وإلاَّ فإن المؤمنين قد حصل إيمانهم فيما مضى ففعل المضي آثرُ بحكاية حالهم في الكلام المتداوَل لولا هذه الخصوصية، ولهذا عُرِّفوا بالموصولية والصلةِ الدالّ معناها على أنهم راسخون في الإيمان، فعبر عن إبلاغهم آيات القرآن وتلاوتها على أسماعهم بالتذكير المقتضي أن ما تتضمنه الآيات حقائق مقررة عندهم لا يُفادون بها فائدة لم تكن حاصلة في نفوسهم ولكنها تكسبهم تذكيراً ﴿ فإن الذكرى تنفع المؤمنين ﴾ [الذاريات: 55].

وهذه الصفة التي تضمنتها الصلة هي حالهم التي عُرفوا بها لقوة إيمانهم وتميزوا بها عن الذين كفروا، وليست تقتضي أن من لم يسْجدوا عند سماع الآيات ولم يسبّحوا بحمد ربّهم من المؤمنين ليسوا ممّن يؤمنون، ولكن هذه حالة أكمل الإيمان وهي حالة المؤمنين مع النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ عرفوا بها، وهذا كما تقول للسائل عن علماء البلد: هم الذين يلبسون عمائم صفتها كذا.

جاء في ترجمة مالك بن أنس أنه ما أفتى حتى أجازه سبعون محنَّكاً، أي عالماً يجعل شُقة من عمامته تحت حنكه وهي لبسة أهل الفقه والحديث.

قال مالك رحمه الله: قلت لأُمي: أذهبُ فأكتبُ العلم، فقالت: تعالَ فالبسْ ثياب العلم.

فألبستني ثياباً مشمّرة ووضعت الطويلة على رأسي وعممتني فوقها.

والخرور: الهُوِيّ من علوّ إلى سفل.

والسجود: وضع الجبهة على الأرض إرادة التعظيم والخضوع.

وانتصب ﴿ سُجداً ﴾ على الحال المبينة للقصد من ﴿ خرُّوا، ﴾ أي: سجداً لله وشكراً له على ما حبَاهم به من العلم والإيمان كما دل عليه قرنه بقوله } والباء فيه للملابسة وتقدم في سورة الإسراء (107): ﴿ إن الذين أوتوا العلم مِن قبله إذا يُتلى عليهم يخرّون للأذقان سجداً ﴾ ودلّت الجملة الشرطية على اتصال تعلق حصول الجواب بحصول الشرط وتلازمهما.

وجيء في نفي التكبر عنهم بالمسند الفعلي لإفادة اختصاصهم بذلك، أي دون المشركين الذين كان الكبر خلقهم فهم لا يرضون لأنفسهم بالانقياد للنبيء منهم وقالوا: ﴿ لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربّنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتواً كبيراً ﴾ [الفرقان: 21].

وقوله تعالى: ﴿ وهم لا يستكبرون ﴾ موضع سجدة من سجدات تلاوة القرآن رجاء أن يكون التالي من أولئك الذين أثنى الله عليهم بأنهم إذا ذُكِّروا بآيات الله سجدوا، فالقارئ يقتدي بهم.

وجملة ﴿ تتجافى جنوبهم ﴾ حال من الموصول، أي: الذين إذا ذُكِّروا بها خرّوا ومَن حالهم تتجافى جنوبهم عن المضاجع، أو استئناف.

وجيء فيها بالمضارع لإفادة تكرر ذلك وتجدده منهم في أجزاء كثيرة من الأوقات المعدة لاضطجاع وهي الأوقات التي الشأن فيها النوم.

والتجافي: التباعد والمتاركة.

والمعنى: أن تجافي جنوبهم عن المضاجع يتكرر في الليلة الواحدة، أي: يكثرون السهر بقيام الليل والدعاء لله؛ وقد فسره النبي صلى الله عليه وسلم بصلاة الرجل في جوف الليل، كما سيأتي في حديث معاذ عند الترمذي.

و ﴿ فإن الجنة هي المأوى ﴾ [النازعات: 41].

وهذا تعريض بالمشركين إذ يمضون ليلهم بالنوم لا يصرفه عنهم تفكر بل يسقطون كما تسقط الأنعام.

وقد صرح بهذا المعنى عبد الله بن رواحة بقوله يصف النبي صلى الله عليه وسلم وهو سيد أصحاب هذا الشأن: يبيت يجافي جنبه عن فراشه *** إذا استثقلتْ بالمشركين المضاجع وجملة ﴿ يدعون ربهم ﴾ يجوز أن تكون حالاً من ضمير ﴿ جنوبهم ﴾ والأحسن أن تجعل بدل اشتمال من جملة ﴿ تتجافى جنوبهم ﴾ .

وانتصب خوفاً وطمعاً} على الحال بتأويل خائفين وطامعين، أي: من غضبه وطمعاً في رضاه وثوابه، أي هاتان صفتان لهم.

ويجوز أن ينتصبا على المفعول لأجله، أي لأجل الخوف من ربهم والطمع في رحمته.

ولما ذكر إيثارهم التقرب إلى الله على حظوظ لذاتهم الجسدية ذكر معه إيثارهم إياه على ما به نوال لَذات أخرى وهو المال إذ ينفقون منه ما لو أبقوه لكان مجلبة راحة لهم فقال ﴿ ومما رزقناهم ينفقون ﴾ أي: يتصدقون به ولو أيسر أغنياؤهم فقراءهم.

ثم عظم الله جزاءهم إذ قال: ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين ﴾ ، أي: لا تبلغ نفس من أهل الدنيا معرفة ما أعد الله لهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى: «أعددت لعبادي الصالحين ما لاَ عينٌ رأت ولا أذن سمعتْ ولا خَطر على قلب بشر» فدلّ على أن المراد ب ﴿ نفس ﴾ في هذه الآية أصحاب النفوس البشرية.

فإن مدركات العقول منتهية إلى ما تدركه الأبصار من المرئيات من الجمال والزينة، وما تدركه الأسماع من محاسن الأقوال ومحامدها ومحاسن النغمات، وإلى ما تبلغ إليه المتخيلات من هيئات يركِّبها الخيال من مجموع ما يعهده من المرئيات والمسمُوعات مثل الأنهار من عسل أو خمر أو لبن، ومثل القصور والقباب من اللؤلؤ، ومثل الأشجار من زبرجد، والأزهار من ياقوت، وتراب من مسك وعنبر، فكل ذلك قليل في جانب ما أعدّ لهم في الجنة من هذه الموصوفات ولا تبلغه صفات الواصفين لأن منتهى الصفة محصور فيما تنتهي إليه دلالات اللغات مما يخطر على قلوب البشر فلذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم «ولا خطر على قلب بشر» وهذا كقولهم في تعظيم شيء: هذا لا يعلمه إلا الله.

قال الشاعر: فلم يدر إلا الله ما هيجت لنا *** عشية آناء الديار وشامها وعُبر عن تلك النعم ب ﴿ مَا أُخفِيَ ﴾ لأنها مغيبة لا تدرك إلا في عالم الخلود.

وقرة الأعين: كناية عن المسرة كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ وقرِّي عيناً ﴾ في سورة مريم (26).

وقرأ الجمهور أُخفيَ } بفتح الياء بصيغة الماضي المبني للمجهول.

وقرأ حمزة ويعقوب ﴿ أُخْفِي ﴾ بصيغة المضارع المفتتح بهمزة المتكلم والياء ساكنة، و ﴿ جزاء ﴾ منصوب على الحال من ﴿ ما أخفي لهم ﴾ وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم أنه جزاء على هذه الأعمال الصالحات في حديث أغرّ رواه الترمذي عن معاذ بن جبل قال: «قلت يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار.

قال: لقد سألتَ عن عظيم وإنه ليسير على من يَسَّره الله عليه: تَعبُدُ الله لا تشركُ به شيئاً وتقيمُ الصلاة وتؤتي الزكاة وتصومُ رمضان وتحجُّ البيت» ثم قال: «ألا أدلك على أبواب الخير: الصومُ جُنة والصدقة تطفئ الخطايا كما يُطفئ الماء النارَ وصلاة الرجل في جوف الليل ثم تلا ﴿ تتجافى جنوبهم عن المضاجع ﴾ حتى بلغ ﴿ يعملون...

﴾ » الحديث.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ: ﴿ إنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يُصَدِّقُ بِحُجَّتِنا، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

الثّانِي: يُصَدِّقُ بِالقُرْآنِ وآياتِهِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

﴿ الَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّدًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الَّذِينَ إذا دُعُوا إلى الصَّلَواتِ الخَمْسِ بِالأذانِ أوِ الإقامَةِ أجابُوا إلَيْها قالَهُ أبُو مُعاذٍ، لِأنَّ المُنافِقِينَ كانُوا إذا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ خَرَجُوا مِن أبْوابِ المَساجِدِ.

الثّانِي: إذا قُرِئَتْ عَلَيْهِمْ آياتُ القُرْآنِ خَضَعُوا بِالسُّجُودِ عَلى الأرْضِ طاعَةً لِلَّهِ وتَصْدِيقًا بِالقُرْآنِ.

وَكُلُّ ما سَقَطَ عَلى شَيْءٍ فَقَدْ خَرَّ عَلَيْهِ قالَ الشّاعِرُ: وخَرَّ عَلى الألاءِ ولَمْ يُوَسَّدْ كَأنَّ جَبِينَهُ سَيْفٌ صَقِيلُ ﴿ وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ صَلَّوْا حَمْدًا لِرَبِّهِمْ، قالَهُ سُفْيانُ.

الثّانِي: سَبَّحُوا بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ وطاعَتِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ وَهم لا يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَنْ عِبادَتِهِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّانِي: عَنِ السُّجُودِ كَما اسْتَكْبَرَ أهْلُ مَكَّةَ عَنِ السُّجُودِ لَهُ، حَكاهُ النَّقّاشُ.

قَوْلُهُ: ﴿ تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ ﴾ أيْ تَرْتَفِعُ عَنْ مَواضِعِ الِاضْطِجاعِ قالَ ابْنُ رَواحَةَ يَبِيتُ يُجافِي جَنْبُهُ عَنْ فِراشِهِ ∗∗∗ إذا اسْتَثْقَلَتْ بِالمُشْرِكِينَ المَضاجِعُ وَفِيما تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ لِأجْلِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِذِكْرِ اللَّهِ إمّا في صَلاةٍ أوْ في غَيْرِ صَلاةٍ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ.

الثّانِي: لِلصَّلاةِ - رَوى مَيْمُونُ بْنُ شَبِيبٍ «عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  في غَزْوَةِ تَبُوكَ فَقالَ: (إنْ شِئْتَ أنْبَأْتُكَ بِأبْوابِ الخَيْرِ: الصَّوْمُ جُنَّةٌ والصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الخَطِيئَةَ وقِيامُ الرَّجُلِ في جَوْفِ اللَّيْلِ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ.

» وَفِي الصَّلاةِ الَّتِي تَتَجافى جُنُوبُهم لِأجْلِها أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: التَّنَفُّلُ بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ، قالَهُ قَتادَةُ وعِكْرِمَةُ.

الثّانِي: صَلاةُ العِشاءِ الَّتِي يُقالُ لَها صَلاةُ العَتَمَةِ، قالَهُ الحَسَنُ وعَطاءٌ.

الثّالِثُ: صَلاةُ الصُّبْحِ والعِشاءِ في جَماعَةٍ، قالَهُ أبُو الدَّرْداءِ وعُبادَةُ.

الرّابِعُ: قِيامُ اللَّيْلِ، قالَهُ مُجاهِدٌ والأوْزاعِيُّ ومالِكٌ وابْنُ زَيْدٍ.

﴿ يَدْعُونَ رَبَّهم خَوْفًا وطَمَعًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: خَوْفًا مِن حِسابِهِ وطَمَعًا في رَحْمَتِهِ.

الثّانِي: خَوْفًا مِن عِقابِهِ وطَمَعًا في ثَوابِهِ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: يَدْعُونَهُ في دَفْعِ ما يَخافُونَ والتِماسِ ما يَرْجُونَ ولا يَعْدِلُونَ عَنْهُ في خَوْفٍ ولا رَجاءٍ.

﴿ وَمِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يُؤْتُونَ الزَّكاةَ احْتِسابًا لَها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: صَدَقَةٌ يَتَطَوَّعُ بِها سِوى الزَّكاةِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: النَّفَقَةُ في طاعَةِ اللَّهِ، قالَ قَتادَةُ: أنْفِقُوا مِمّا أعْطاكُمُ اللَّهُ فَإنَّما هَذِهِ الأمْوالُ عَوارِيُّ ووَدائِعُ عِنْدَكَ يا ابْنَ آدَمَ أوْشَكْتَ أنْ تُفارِقَها.

الرّابِعُ: أنَّها نَفَقَةُ الرَّجُلِ عَلى أهْلِهِ.

قَوْلُهُ: ﴿ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لِلَّذِينِ تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

الثّانِي: أنَّهُ لِلْمُجْهَدِينَ قالَهُ تَبِيعٌ.

وَفي ﴿ قُرَّةِ أعْيُنٍ ﴾ الَّتِي أُخْفِيَتْ لَهم أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: رَواهُ الأعْمَشُ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « (قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إنِّي أعْدَدْتُ لِعِبادِيَ الصّالِحِينَ ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، اقْرَأُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ ﴾ الآيَةَ.

» الثّانِي: أنَّهُ جَزاءُ قَوْمٍ أخْفَوْا عَمَلَهم فَأخْفى اللَّهُ ما أعَدَّهُ لَهم.

قالَ الحَسَنُ: بِالخُفْيَةِ خُفْيَةً وبِالعَلانِيَةِ عَلانِيَةً.

الثّالِثُ: أنَّها زِيادَةٌ تَحُفُّ مِنَ اللَّهِ لَيْسَتْ في حَياتِهِمْ يُكْرِمُهم بِها في مِقْدارِ كَلِّ يَوْمٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا ثَلاثَ مَرّاتٍ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

الرّابِعُ: أنَّهُ زِيادَةُ نَعِيمِهِمْ وسُجُودُ المَلائِكَةِ لَهم، قالَهُ كَعْبٌ.

وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: اتِّصالُ السُّرُورِ بِدَوامِ النَّعِيمِ.

﴿ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ يَعْنِي مِن فِعْلِ الطّاعاتِ واجْتِنابِ المَعاصِي.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الحاكم وصححه وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين ﴾ .

وأخرج أبو عبيد في فضائله وسعيد بن منصور وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف عن أبي هريرة رضي الله عنه ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين ﴾ .

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير ومحمد بن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه والبيهقي في البعث عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان عرش الله على الماء، فاتخذ جنة لنفسه، ثم اتخذ دونها أخرى، ثم أطبقهما لؤلؤة واحدة، ثم قال: ومن دونهما جنتان لم يعلم الخلق ما فيهما، وهي التي قال الله: ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ﴾ يأتيهم فيها كل يوم تحفة.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: إنه لمكتوب في التوراة «لقد أعد الله للذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع ما لم ترَ عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر، ولا يعلم ملك مقرب، ولا نبي مرسل، وإنه لفي القرآن ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين ﴾ » .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وهناد كلاهما في الزهد والبخاري ومسلم والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن الأنباري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، قال أبو هريرة رضي الله عنه: اقرأوا إن شئتم ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين ﴾ » .

وأخرج ابن أبي حاتم عن عامر بن عبد الواحد رضي الله عنه قال: بلغني أن الرجل من أهل الجنة يمكث في مكانه سبعين سنة، ثم يلتفت فإذا هو بامرأة أحسن مما كان فيه فتقول له: قد آن لك أن يكون لنا منك نصيب.

فيقول: من أنت؟

فتقول: أنا مزيد، فيمكث معها سبعين سنة، ويلتفت فإذا هو بامرأة أحسن مما كان فيه فتقول: قد آن لك أن يكون لنا منك نصيب فيقول: من أنت؟

فتقول: أنا التي قال الله: ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر رضي الله عنه قال: إن الرجل من أهل الجنة ليجيء فيشرف عليه النساء فيقلن: يا فلان بن فلان ما أنت حين خرجت من عندنا بأولى بك منا فيقول: من أنتن؟!

فيقلن: نحن من اللاتي قال الله: ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: يدخلون عليهم على مقدار كل يوم من أيام الدنيا ثلاث مرات، معهم التحف من الله من جنات عدن مما ليس في جناتهم.

وذلك قوله: ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن كعب قال: سأصف لكم منزل الرجل من أهل الجنة كان يطلب في الدنيا حلالاً، ويأكل حلالاً، حتى لقي الله على ذلك، فإنه يعطى يوم القيامة قصراً من لؤلؤة واحدة ليس فيها صدع ولا وصل، فيها سبعون ألف غرفة، وأسفل الغرف سبعون ألف بيت، في كل بيت سقفه صفائح الذهب والفضة ليس بموصول، ولولا أن الله سخر له النظر إليه لذهب بصره من نوره، عرض الحائط اثنا عشر ميلاً، وطوله في السماء سبعون ميلاً، في كل بيت سبعون ألف باب يدخل عليه، في كل بيت من كل باب سبعون ألف خادم لا يراهم من في هذا البيت، ولا من في هذا البيت، فإذا خرج في قصره صار في ملكه مثل عمر الدنيا، يسير في ملكه عن يمينه وعن يساره ومن ورائه، وأزواجه معه وليس معه ذكر غيره، ومن بين يديه ملائكة قد سخروا له بينه وبين أزواجه ستر، وبين يديه ستر ووصفاء ووصائف قد أفهموا ما يشتهي وما يشتهي أزواجه، ولا يموت هو ولا أزواجه ولا خدامه أبداً، نعيمهم يزداد كل يوم من غير أن يبلى الأول، وقرة عين لا تنقطع أبداً، لا يدخل عليه فيه روعة أبداً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده لو أن آخر أهل الجنة رجلاً أضاف آدم فمن دونه، ووضع لهم طعاماً وشراباً حتى يخرجوا من عنده لا ينقصه ذلك مما أعطاه الله» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم والطبراني وابن جرير والحاكم وصححه وابن مردويه ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة من طريق أبي صخر عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال: «بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصف الجنة حتى انتهى، ثم قال» فيهما ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر «، ثم قرأ ﴿ تتجافى جنوبهم عن المضاجع...

﴾ قال أبو صخر: فذكرته للقرظي فقال: إنهم أخفوا عملاً، وأخفى الله لهم ثواباً، فقدموا على الله فقرت تلك الأعين» .

وأخرج ابن جرير عن أبي اليمان الهذلي قال: الجنة مائة درجة، أولها درجة فضة، وأرضها فضة، وآنيتها فضة، وترابها المسك.

والثانية ذهب، ومساكنها ذهب، وآنيتها ذهب، وترابها المسك.

والثالثة لؤلؤ، وأرضها لؤلؤ، ومساكنها لؤلؤ، وآنيتها لؤلؤ، وترابها المسك.

وسبع وتسعون بعد ذلك ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وتلا هذه الآية ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين..

﴾ .

وأخرج ابن جرير والطبراني والحاكم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان من طريق الحاكم بن أبان عن الغطريف عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم عن الروح الأمين قال: «يؤتى بحسنات العبد وسيئاته، فيقتص بعضها من بعض، فإن بقيت حسنة واحدة أدخله الله الجنة» قال: فدخلت على يزدان فحدث بمثل هذا فقلت: فإن ذهبت الحسنة؟

قال: ﴿ أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم ﴾ [ الأحقاف: 16] قلت: أفرأيت قوله: ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين ﴾ قال: هو العبد يعمل سراً أسره إلى الله لم يعلم به الناس، فأسر الله له يوم القيامة ﴿ قرة أعين ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أدنى أهل الجنة حظاً قوم يخرجهم الله من النار برحمته بعد أن يحترقوا، يرتاح لهم الرب أنهم كانوا لا يشركون بالله شيئاً، فينبذون بالعراء فينبتون كما ينبت البقل حتى إذا رجعت الأرواح إلى أجسادها قالوا: ربنا كالذي أخرجتنا من النار ورجعت الأرواح إلى أجسادنا فاصرف وجوهنا عن النار، فيصرف وجوههم عن النار، ويضرب لهم شجرة ذات ظل وفيء فيقولون: ربنا كالذي أخرجتنا من النار فانقلنا إلى ظل هذه الشجرة، فينقلهم إليها، فيرون أبواب الجنة فيقولن: ربنا كالذي أخرجتنا من النار فانقلنا إلى أبواب الجنة، فيفعل فإذا نظروا إلى ما فيها من الخيرات والبركات قال: وقرأ أبو هريرة رضي الله عنه ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين ﴾ قالوا: ربنا كالذي أخرجتنا من النار فادخلنا الجنة قال: فيدخلون الجنة، ثم يقال لهم: تمنوا فيقولون: يا رب اعطنا حتى إذا قالوا: يا ربنا حسبنا قال: هذا لكم وعشرة أمثاله» .

وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم والترمذي وابن جرير والطبراني وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم «أن موسى عليه السلام سأل ربه فقال: رب أي أهل الجنة أدنى منزلة؟

فقال: رجل يجيء بعدما دخل أهل الجنة الجنة فيقال له: ادخل.

فيقول: كيف ادخل وقد نزلوا منازلهم، وأخذوا أخذاتهم؟

فيقال له: اترضى أن يكون لك مثل ما كان لملك من ملوك الدنيا؟

فيقول: نعم.

أي رب قد رضيت فيقال له: فإن لك هذا وعشرة أمثاله معه فيقول: أي رب رضيت فيقال له: فإن لك من هذا ما اشتهت نفسك، ولذت عينك، فقال موسى عليه السلام: أي رب فأي أهل الجنة ارفع منزله؟

قال: إياها أردت وسأحدثك عنهم إني غرست كرامتهم بيدي، وختمت عليها فلا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، قال: ومصداق ذلك في كتاب الله تعالى ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين ﴾ » .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ﴾ \[أو\] (١)  - قال: "يقول الله -عز وجل-: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، بله ما أطلعتكم عليه، اقرأوا إن شئتم: ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ﴾ (٢) قال ابن عباس في هذه الآية: هذا مما لا تفسير له، الأمر أعظم وأجل مما يعرف تفسيره (٣) وقال أبو إسحاق: هذه الآية دليل على أنه يجازي عليه أخفي لهم (٤) (٥) (٦) وقال الحسن: أخفوا أعمالاً في الدنيا فأثابهم الله بعملهم (٧) وروى ابن عباس في هذه الآية أنه دخل على بعضهم وذكر له هذه الآية فقال: العبد يعمل سرًا أسره إلى الله لم يعلم به الناس، فأسر الله له يوم القيامة قرة أعين (٨) وقرأ العامة: أخفى، على الفعل الماضي فعل ذلك، اختاره أبو عبيدة قال: لأن الله تعالى قد فرغ منه هو كائن.

وقرأ حمزة: أخفى بإسكان الياء، أي ما أخفى لهم أنار حجته، قراءة عبد الله: نخفي بالنون (٩) قوله تعالى: ﴿ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ قال أبو إسحاق: انتصب جزاء، لأنه مفعول له (١٠) (١) (أو) يظهر أنها زائدة، وقد تكون خطأ من النساخ؛ لأنها لا تفيد شيئًا.

(٢) أخرجه البخاري في التفسير، باب قوله: ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ﴾ == رقم (4501)، ومسلم واللفظ له، كتاب الجنة وصفة نعيمها، رقم (2824).

(٣) انظر: "الوسيط" 3/ 453، "مجمع البيان" 8/ 518، "تفسير القرطبي" 14/ 104.

(٤) "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 207، وكلام أبي إسحاق هكذا: نجعل لفظ ما يجازي به (أخفي).

(٥) لم أقف على قول القرظي.

(٦) ما بين المعقوفين زيادة من (ب)، ولا معنى لها.

(٧) انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 364، "زاد المسير" 6/ 339، "القرطبي" 14/ 104.

(٨) لم أقف عليه.

(٩) انظر: "القراءات وعلل النحويين فيها" 2/ 530، "الحجة" 5/ 463.

(١٠) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 258.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ ﴾ يعني: أنه لا يعلم أحد مقدار ما يعطيهم الله من النعيم وقرأ حمزة ﴿ أُخْفِي ﴾ بإسكان الياء على أن يكون فعل المتكلم وهو الله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ خلقه ﴾ بفتح الام: عاصم وحمزة وعلي وخلف ونافع وسهل: الآخرون: بالسكون على البدل من كل شيء.

وعلى الأول يكون وصفاً له ﴿ أئذا ﴾ ﴿ أئنا ﴾ كما في "الرعد" ﴿ ما أخفي ﴾ بسكون الياء على أنه فعل مضارع متكلم: حمزة.

الباقون: بفتحها على أنه فعل ماضٍ مجهول ﴿ لما صبروا ﴾ بكسر اللام وتخفيف الميم: حمزة وعلي ورويس.

الباقون: بفتح اللام وتشديد الميم ﴿ أولم نهد ﴾ بالنون: يزيد عن يعقوب.

الوقوف: ﴿ الم ﴾ ه كوفي ﴿ العالمين ﴾ ه ط لأن "أم" استفهام تقريع غير عاطفة بل هي منقطعة ﴿ افتراه ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ يهتدون ﴾ ه ﴿ العرش ﴾ ط ﴿ شفيع ﴾ ه ﴿ تتذكرون ﴾ ه ط ﴿ تعدون ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ط ﴿ من طين ﴾ ه ج لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ مهين ﴾ ه ج لذلك ﴿ والأفئدة ﴾ ط ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ جديد ﴾ ه ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ عند ربهم ﴾ ط لحق القول المحذوف ﴿ موقنون ﴾ ه ﴿ أجميعن ﴾ ه ﴿ هذا ﴾ ج للابتداء بان مع تكرار ﴿ وذوقوا ﴾ ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ لا يستكبرون ﴾ ه ﴿ وطمعاً ﴾ ز لانقطاع النظم بتقديم المفعول ﴿ ينفقون ﴾ ه ﴿ أعين ﴾ ج لأن ﴿ جزاء ﴾ يحتمل أن يكون مفعولاً له وأن يكون مصدراً لفعل محذوف ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ فاسقاً ﴾ ط لانتهاء الاستفهام إلى الأخبار ﴿ لا يستوون ﴾ ه ﴿ المأوى ﴾ ز لمثل ما مر في ﴿ جزاء ﴾ ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ط ﴿ تكذبون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ عنها ﴾ ط ﴿ منتقمون ﴾ ه ﴿ إسرائيل ﴾ ه ج وإن اتفقت الجملتان للعدول عن ضمير المفعول الأول وهو واحد إلى ضمير الجمع في الثانية ﴿ صبروا ﴾ ط لمن شدد ﴿ يوقنون ﴾ ه ﴿ يختلفون ﴾ ه ﴿ مساكنهم ﴾ ط ﴿ لآيات ﴾ ط ﴿ يسمعون ﴾ ه ﴿ وأنفسهم ﴾ ط ﴿ يبصرون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ ينظرون ﴾ ه ﴿ منتظرون ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر في السورة المتقدمة دلائل الوحدانية ودلائل الحشر وهما الطرفان، بدأ في هذه السورة ببيان الأمر الأوسط وهو الرسالة المصححة ببرهان القرآن.

وإعرابه قريب من قوله ﴿ الم ذلك الكتاب  ﴾ وميل جار الله إلى قوله ﴿ تنزيل الكتاب ﴾ مبتدأ خبره ﴿ من رب العالمين ﴾ ولا ريب فيه اعتراض لا محل له والضمير في ﴿ فيه ﴾ راجع إلى مضمون الجملة أي لا ريب في كونه منزلاً من عنده.

ويمكن أن يقال: في وجه النظم لما عرَّف ي أول السورة المتقدمة أن القرآن هدى ورحمة قال ههنا: إنه من رب العالمين، وذلك أن من عثر على كتب سأل أولاً أنه في أي علم.

فإذا قيل: إنه في الفقه أو التفسير.

سأل: إنه تصنيف اي شخص؟

ففي تخصيص رب العالمين بالمقام إشارة إلى أن كتاب رب العالمين لا بد أن يكون فيه عجائب للعالمين فترغب النفس في مطالعته.

ثم اضرب عما ذكر قائلاً ﴿ أم يقولون افتراه ﴾ وهو تعجيب من قولهم لظهور أمر القرآن في تعجيز بلغائهم عن مثل سورة الكوثر.

ثم أضرب عن الإنكار إلى إثبات أنه الحق من ربك.

ومعنى ﴿ لتنذر قوماً ﴾ قد مر في "القصص" ويندرج فيهم أهل الكتاب إذ يصدق عليهم أنه لم يأتهم نذير بعد ضلالهم سوى محمد  ، ولو لم يندرجوا لم يضرّ فإن تخصيص قوم بالذكر لا يدل على نفي من عداهم كقوله ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين  ﴾ وحين بين الرسالة بين ما على الرسول من الدعاء إلى التوحيد فقال ﴿ الله ﴾ مبتدأ خبره ما يتلوه وقد مر نظائره.

وقوله ﴿ ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع افلا تتذكرون ﴾ إثبات للولاية والشفاعة أي النصرة من عنده ونفي لهما من غيره، وفيه تجهيل لعبدة الأصنام الزاعمين أنها شفعاؤهم بعد اعترافهم بأن خالق الكل هو الله  .

ولما بين الخلق شرع في الأمر فقال ﴿ يدبر الأمر ﴾ اي المأمور به من الطاعات والأعمال الصالحة ينزله مدبراً من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه ذلك العمل في يوم طويل، وهو كناية عن قلة الإخلاص لأنه لا يوصف بالصعود ولا يقوى على العروج إلا العمل الخالص، يؤيد هذا التفسير قوله فيما بعد ﴿ قليلاً ما تشكرون ﴾ أو يدبر أمر الدنيا كلها من السماء إلى الأرض لكل يوم من ايام الله وهو ألف سنة، ثم يصعد إليه مكتوباً في الصحف في كل جزء من أجزاء ذلك اليوم الخ.

ثم يدبر الأمر ليوم آخر مثله وهلم جراً.

أو ينزل الوحي مع جبرائيل ثم يرجع إليه ما كان من قبول الوحي.

ورده مع جبرائيل أيضاً وتقدير الزمان بألف سنة لأن ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام وأن الملك يقطعها في يوم واحد من أيامنا.

وقيل: إنه إشارة إلى نفوذ الأمر، فإن نفاذ الأمر كلما كان في مدة أكثر حاله أعلى أي يدبر الأمر في زمان يوم منه ألف سنة منه، فكم يكون شهر منه وكم يكون سنة منه وكم يكون دهر منه؟

فلا فرق على هذا بين الف سنة وبين خمسين ألف سنة كما في "المعارج".

وقيل: إن هذه عبارة عن الشدة واستطالة أهلها إياها كالعادة في استطالة ايام الشدة والحزن واستقصار أيام الراحة والسرور.

وخصت السورة بقوله ﴿ ألف سنة ﴾ موافقة لما قبله وهو قوله ﴿ في ستة أيام ﴾ وتلك الأيام من جنس هذا اليوم.

وخصت سورة المعارج بقوله ﴿ خمسين ألف سنة  ﴾ لأن فيها ذكر القيامة وأهوالها فكان هو اللائق بها.

وعن عكرمة: إن اليوم في المعارج عبارة عن أول أيام الدنيا إلى انقضائها وأنها خمسون ألف سنة لا يدري أحدكم كم مضى وكم بقي إلا الله عزو وجل.

وبالجملة فالآية المتقدمة تدل على عظمة عالم الخلق وسعة مكانه، والآية الثانية تدل على عظمة عالم الأمر وامتداد زمانه.

ثم بين أنه مع غاية عظمة ملكه وملكوته عليم بأمر العالمين فقال ﴿ ذلك عالم الغيب والشهادة ﴾ وفي قوله ﴿ العزيز الرحيم ﴾ إشارة إلى صفتي القهر واللطف اللتين ينبغي أن تكونا لكل ملك، وإنما أخر ﴿ الرحيم ﴾ مع أن رحمته سبقت غضبه ليوصله بقوله ﴿ الذي أحسن كل شيء خلقه ﴾ نظيره ﴿ الذي أعطى كل شيء خلقه  ﴾ وقد مر في "طه".

وعطف عليه تخصيصاً بعد تعميم خلق الإنسان وهو آدم بدليل قوله ﴿ ثم جعل نسله ﴾ أي ذريته لأنها تنسل أي تنفصل، والسلالة الخلاصة كما ذكرنا في أول "المؤمنين"، وقوله ﴿ من ماء ﴾ بدل من سلالة والمهين الحقير.

ومعنى ﴿ سوَّاه ﴾ قوَّمه وأداره في الأطوار إلى حيث صلح لنفخ الروح فيه، ثم عدل من الغيبة إلى الخطاب في قوله ﴿ وجعل لكم ﴾ تنبيهاً على جسامة نعم هذه الجوارح وتوبيخاً على قلة الشكر عليها.

ثم بين عدم شكرهم بإنكارهم المعاد بعد مشاهدة الفطرة الأولى وليست الثانية بأصعب منها.

والواو للعطف على ما سبق كأنهم قالوا: إن محمداً مفتر وقالوا: الله ليس بواحد ﴿ وقالوا أئذا ﴾ يعني أنهم واسلافهم زعموا أن الحشر غير ممكن.

ومعنى ﴿ ضللنا في الأرض ﴾ غبنا فيها إما بالدفن أو بتفرق الأجزاء وتلاشيها.

والعامل في ﴿ أئذا ﴾ ما يدل عليه قوله ﴿ أئنا لفي خلق جديد ﴾ وهو نبعث أو يجدد خلقنا.

ثم صرح بإثبات كفرهم على الإطلاق واللقاء لقاء الجزاء الشامل لجميع أحوال الآخرة.

ثم رد عليهم قولهم بالفوت بأنه يتوفاهم ملك الموت الموكل بقبض الأرواح ثم يرجعون إلى حكم الله وحده.

ثم بين ما يكون من حالهم عند الرجوع بقوله ﴿ ولو ترى ﴾ أنت يا محمد أوكل من له أهلية الخطاب ﴿ إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ﴾ خجلاً وندامة قائلين ﴿ ربنا أبصرنا ﴾ ما كنا شاكين في وقوعه ﴿ وسمعنا ﴾ منك تصديق رسلك وجواب "لو" محذوف وهو لرأيت أمراً فظيعاً، وجوزا أن يكون "لو" للتمني كأنه جعل لنبيه تمني أن يراهم على تلك الصفة الفظيعة من الذل والهوان ليشمت بهم.

ثم إنه  ألزمهم وألجمهم بقوله ﴿ ولو شئنا ﴾ الآية.

وفيه أنه لو ردهم إلى الدنيا لم يهتدوا لأنهم خلقوا لجهنم القهر وقد مر نظيره في آخر "هود".

ثم أكد إهانتهم بقوله ﴿ فذوقوا ﴾ وانتصب ﴿ هذا ﴾ على أنه مفعول ﴿ فذوقوا ﴾ وقوله ﴿ لقاء ﴾ مفعول ﴿ نسيت ﴾ أي ذوقوا هذا العذاب بما نسيتم لقاء يومكم وذهلتم عنه بعد وضوح الدلائل أو تركتم الفكر فيه، ويجوز أن يكون ﴿ هذا ﴾ صفة ﴿ يومكم ﴾ ومفعول ﴿ ذوقوا ﴾ محذوف وهو العذاب و ﴿ لقاء ﴾ مفعول ﴿ نسيتم ﴾ او هو مفعول ﴿ فذوقوا ﴾ على حذف المضاف أي تبعة لقاء يومكم ويكون ﴿ نسيتم ﴾ متروك المفعول أو محذوفه وهو الفكر في العاقبة.

وقوله ﴿ إنا نسيناكم ﴾ من باب المقابلة والمراد تركهم من الرحمة نظيره ﴿ نسوا الله فنسيهم  ﴾ وقوله ﴿ عذاب الخلد ﴾ من باب إضافة الموصوف إلى الصفة في الظاهر نحو: رجل صدق.

أمرهم على سبيل الإهانة بذوق عذاب الخزي والخجل، ثم بذوق العذاب الخلد أعاذنا الله منه بفضله العميم، ثم ذكر أن كما الإيمان بآيات الله من شأن الخلص من عباده الساجدين لله شكراً وتواضعاً حين وعظوا بآيات ربهم منزهين له عما لا يليق بجنابه وجلاله متلبسين بحمده غير مستكبرين عن عبادته ﴿ تتجافى جنوبهم عن المضاجع ﴾ ترتفع وتتنحى عن مواضع النوم داعين ربهم أو عابدين له ﴿ خوفاً ﴾ من اليم عقابه ﴿ وطمعاً ﴾ في عظيم ثوابه، وفسره رسول الله  بقيام الليل وهو التهجد.

قال: "إذا جمع الله الأولين والآخرين جاء مناد ينادي بصوت يسمع الخلائق كلهم سيعلم أهل الجمع اليوم من أولى بالكرم ثم يرجع ينادي ليقم الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع فيقومون وهم قليل ثم يرجع فينادي ليقم الذين كانوا يحمدون الله في البأساء والضراء فيقومون وهم قليل فيسرحون إلى الجنة ثم يحاسب سائر الناس" .

عن علي  : جنبي تجافى عن الوســــاد *** خوفاً من النار والمعاد من خاف من سكرة المنايا *** لم يدر ما لذة الرقــــاد قد بلغ الزرع منتهـــــــــاه *** لا بد للزرع من حصاد عن أنس بن مالك: كان أناس من أصحاب النبي  يصلون من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء الآخرة فنزلت فيهم.

وقيل: هم الذين يصلون صلاة العتمة لا ينامون عنها.

و"ما" في قوله ﴿ ما أخفي ﴾ موصولة ويجوز أن تكون استفهامية بمعنى اي شيء، والمعنى لا تعلم نفس من النفوس لا ملك مقرب ولا نبي مرسل أي نوع عظيم من الثواب ادخر الله لأولئك مما تقرّ به عيونهم حتى لا تطمح إلى غير ولا تطلب الفرح بما عداه.

عن النبي  "يقول الله  أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر بله ما اطلعتم عليه اقرؤا إن شئتم فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين" وعن الحسن: أخفى القوم أعمالاً في الدنيا فأخفى الله لهم مالا عين رأت ولا أذن سمعت.

قال المحققون: إنه يصدر من العبد أعمال صالحة وقد صدر عن الرب أشياء سابقة من الخلق والتربية وغيرهما، وأشياء لاحقة من الثواب والإكرام، فلله  أن يقول: أنا أحسنت أولاً، والعبد أحسن في مقابلته، فالثواب تفضل من غير عوض.

وله أن يقول: الذي فعلته أولاً تفضل فإذا أتى العبد بالعمل الصالح جزيته خيراً لأن جزاء الإحسان إحسان، وهذا الاعتبار الثاني أليق بالكرم ليذيق العبد لذة الأجر والكسب، والاعتبار الأول أليق بالعبودية حتى يرى الفضل لله في جانب الأبد فإذن لا تنقطع المعاملة بين الله وبين العبد أبداً، وتكون العبادة لهم في الآخرة بمنزلة التنفس للملائكة.

يروى أنه شجر بين علي بن أبي طالب  والوليد بن عقبة بن أبي معيط يوم بدر كلام فقال له الوليد: اسكت فإِنك صبي.

فقال له علي: اسكت فإِنك فاسق.

فأنزل الله  فيهما خاصة وفي أمثالهما من الفريقين عامة ﴿ افمن كان مؤمناً ﴾ إلى آخر ثلاث آيات أو أربع.

ومن أول الآية محمول على اللفظ وفي قوله ﴿ لا يستوون ﴾ محمول على المعنى.

ثم فصل عدم استوائهما بقوله ﴿ أما الذين آمنوا ﴾ ﴿ وأما الذين فسقوا ﴾ و ﴿ جنات المأوى ﴾ نوع من الجنان تأوي إليها أرواح الشهداء على قول ابن عباس.

وقال بعضهم: هي عن يمين العرش.

وفي لام التمليك في ﴿ لهم ﴾ مزيد تشريف وإيذان بأنهم لا يخرجون منها كما لا يخرج المالك من ملكه ولهذا لو قيل: هذه الدار لزيد يفهم منه الملكية بخلاف ما لو قيل: اسكن هذه الدار.

فإنه يحمل على الإعارة وإنه  قال لأبينا آدم ﴿ اسكن أنت وزوجك الجنة  ﴾ لأنه كان في علمه أنه يخرج منها.

وإنما قيل ههنا ﴿ عذاب النار الذي كنتم به ﴾ وفي "سبأ" ﴿ عذاب النار التي كنتم بها  ﴾ لأن النار في هذه السورة وقعت موقع الكناية لتقدم ذكرها، والكنايات لا توصف فوصف العذاب.

وفي "سبأ" لم يتقدم ذكر النار فحسن وصف النار.

وتكذيبهم العذاب هو أنهم كانوا يقولون في الدنيا إنه لا عذاب في الآخرة، ويحتمل أن يراد بالتكذيب أنهم يقولون في الآخرة أول ما تأخذهم النار أنه لا عذاب فوق ما نحن فيه، فإذا زاد الله لهم ألماً على ألم وهو قوله ﴿ كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها ﴾ صاروا كاذبين فيما زعموا أنه لا عذاب أزيد مما هم فيه، وعلى هذا يمكن أن يراد بالخروج منها والإعادة فيها هو أن أبدانهم تألف النار وتتعودها فيقل الإحساس بها فيعيد الله عليهم إحساسهم الأول فيزيد تألمهم، ومن هنا قالت الحكماء: إن الإحساس بحرارة حمى الدق اقل من الإحساس بحرارة الحمى البلغمية مع أن نسبة الدق إلى الثانية نسبة النار إلى الماء المسخن، ونظيره أن الإنسان يضع يده في الماء البارد فيتألم أولاً، ثم إذا صبر زماناً طويلاً زال ذلك الألم وذلك لبطلان حسه.

ثم حتم على نفسه أنه يذيقهم عذاب الدنيا من القتل والأسر والقحط قبل أن يصلوا إلى عذاب الآخرة.

وعن مجاهد: أن الأدنى هو عذاب القبر.

وإنما لم يقل الأصغر في مقابلة الأكبر، أو الأبعد الأقصى في مقابلة الأدنى، لأن الغرض هو التخويف والتهديد وذلك إنما يحصل بالقرب لا بالصغر والكبر ولا بالبعد.

ومعنى قوله ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ والترجي على الله محال لنذيقهم إذاقة الراجين رجوعهم عن الكفر والمعاصي كقوله ﴿ إنا نسيناكم ﴾ أي تركناكم كما يترك الناسي حيث لا يلتفت إليه أصلاً اي نذيقهم على الوجه الذي يفعل الراجي من التدرج، أو نذيقهم إذاقة يقول القائل: لعلهم يرجعون بسببه.

قال في التفسير الكبير: إن الرجاء في أكثر الأمر يستعمل فيما لا تكون عاقبته معلومة، فتوهم الأكثرون أنه لا يجوز إطلاقه في حق الله  وليس كذلك، فإن الجزم بالعاقبة إنما يحصل في حقه بدليل منفصل لا من نفس الفعل فإن التعذيب لا يلزم منه الرجوع لزوماً بيناً.

قلت: هذا يرجع إلى التأويل الأول، فإن الكلام في تعذيب الله هل هو يستدعي الرجوع على سبيل الرجاء أم لا، وكون مطلق التعذيب مستدعياً لذلك لا يكفي للسائل.

وقالت المعتزلة: لعل من الله إرادة وإرادة الله فعل المختار لا تقدح في اقتدار الله إذا لم يختر المختار مراد الله كما أنهم لم يختاروا التوبة والرجوع عن الكفر وإلا لم يكونوا ذائقين العذاب الأكبر.

وإنما يقدم في اقتداره إذا تعلقت في إرادته بفعل نفسه أو بفعل المضطر المقسور ثم لا يوجد ذلك الفعل.

وجوَّز في الكشاف أن يراد: لعلهم يريدون الرجوع إلى الدنيا ويطلبونه كقوله ﴿ فارجعنا نعمل صالحاً ﴾ سميت إرادة الرجوع رجوعاً كما سميت إرادة القيام قياماً في قوله ﴿ إذا قمتم إلى الصلاة  ﴾ ثم بين أنهم إذا ذكروا بالدلائل من النعم أولاً والنقم ثانياً وهو العذاب الأدنى ثم لم يؤمنوا فلا أحد أظلم منهم.

ومعنى ﴿ ثم ﴾ أنه ذكر مرات ثم بالآخرة ﴿ أعرض عنها ﴾ والفاء في سورة الكهف تدل على الإعراض عقيب التذكير وقد سبق.

وقال أهل المعاني: "ثم" ههنا تدل على أن الإعراض بعد التذكير مستبعد في العقول.

قال المحققون: الذي لا يحتاج في معرفة الله إلا إلى الله عدل كقوله ﴿ أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد  ﴾ كما قال بعضهم: ما رأيت شيئاً إلا ورأيت الله قبله.

والذي يحتاج في ذلك إلى دلائل الآفاق والأنفس متوسط، والذي يقر عند الشدة ويجحد عند الرحمة ظالم كقوله ﴿ وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه  ﴾ والذي يبقى على الجحود والإعراض وإن عذب فلا أظلم منه.

وحين جعله أظلم كان ظالم توعد المجرمين عامة بالانتقام منهم ليدل على إصابة الأظلم منهم النصيب الأوفر من الانتقام.

ولو قال "إنا منهم منتقمون" لم يكن بهذه الحيثية في الإفادة.

ثم عاد إلى تأكيد أصل الرسالة مع تسلية للنبي  فقال ﴿ ولقد آتينا موسى الكتاب ﴾ قال جار الله: اللام للجنس ليشمل التوراة والفرقان.

والضمير في ﴿ لقائه ﴾ للكتاب أي آتينا موسى مثل ما آتيناك ولقيناه مثل ما لقيناك من الوحي، فلا تك في شك من أنك لقيت مثله.

واللقاء بمعنى التلقين والإعطاء كقوله ﴿ وإنك لتلقى القرآن  ﴾ وقيل: الضمير في ﴿ لقائه ﴾ لموسى أي من لقائك موسى ليلة المعراج أو يوم القيامة، أو من لقاء موسى الكتاب وهو تلقيه له بالرضا والقبول.

والضمير في ﴿ جعلناه ﴾ للكتاب على أنه منزل على موسى.

واستدل به على أن الله  جعل التوراة هدى لبني إسرائيل خاصة ولم يتعبد بما فيها ولد إسماعيل.

ثم حكى أن منهم من اهتدى حتى صار من ائمة الهدى وذلك حين صبروا أو لصبرهم على متاعب التكليف ومشاق الدعاء إلى الدين بعيد إيقانهم به.

وفيه أن الله  سيجعل الكتاب المنزل على نبينا أيضاً سبب الاهتداء والهداية وكان كما أخبر.

ومثله إخبار النبي  "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل" ولا يخفى أن "من" التبعيضة في قوله ﴿ وجعلنا منهم ﴾ كانت تدل على أن بعضهم ليسوا أئمة الهدى، وفيه رمز إلى أن بعضهم كانوا أئمة الضلال فلذلك قال ﴿ إن ربك هو يفصل بينهم ﴾ الآية.

وفيه إشارة إلى أنه  سيميز المحق في كل دين من المبطل.

ثم أعاد أصل التوحيد مقروناً بالوعيد قائلاً ﴿ أولم يهد لهم ﴾ وقد مر نظيره في آخر "طه" وإنما قال في آخر الآية ﴿ إن في ذلك لآيات ﴾ على الجمع ليناسب القرون والمساكن.

وإنما قل ﴿ أفلا يسمعون ﴾ لأنه تقدم ذكر الكتاب وهو مسموع، وفيه إشارة إلى أنه لاحظ لهم منه إلا السماع.

وحين ذكر الإهلاك والتخريب أتبعه ذكر الإحياء والعمارة.

ومعنى ﴿ نسوق الماء ﴾ نسوق السحاب وفيه المطر ﴿ إلى الأرض الجرز ﴾ وهي التي جز نباتها أي قطع إما لعدم الماء وإما لأنه رعي وأزيل.

قال جار الله: ولا يقال للتي لا تنبت كالسباخ جرز بدلالة قوله ﴿ فنخرج به زرعاً ﴾ وعن ابن عباس أنها ارض اليمن، والضمير في "به" للماء.

وإنما قدم الأنعام ههنا على الأنفس لأن الزرع لا يصلح أوّله إلا للأنعام وإنما يحدث الحب في آخر أمره.

قال في "طه" ﴿ كلوا وارعوا أنعامكم  ﴾ لأن الأزواج من النبات أعم من الزرع وكثير منه يصلح للإِنسان في أول ظهوره مع أن الخطاب لهم فناسب أن يقدموا وإنما ختم الآية بقوله ﴿ أفلا يبصرون ﴾ تأكيداً لقوله في أول الآية ﴿ أولم يروا ﴾ ثم حكى نوع جهالة أخرى عنهم وهو استعجالهم العذاب.

قال المفسرون: كان المسلمون يقولون إن الله سيفتح لنا على المشركين أي ينصرنا عليهم ويفتح بيننا وبينهم أي يفصل، فاستعجل المشركون ذلك.

ويوم الفتح يوم القيامة فحينئذ تنفتح أبواب الأمور المبهمة أو يوم بدر أو يوم فتح مكة قاله مجاهد والحسن.

فإن قلت: كيف ينطلق قوله ﴿ قل يوم الفتح ﴾ الخ جواباً عن سؤالهم عن وقت الفتح؟

فالجواب أنهم سألوا ذلك على وجه التكذيب والاستهزاء فقيل لهم: لا تستهزؤا فكأنا بكم وقد حصلتم في ذلك اليوم وآمنتم فلم ينفعكم الإيمان واستنظرتم فلم تنظروا.

ومن فسر يوم الفتح بيوم بدر أو بيوم فتح مكة فالمراد أن المقتولين منهم لا ينفعهم إيمانهم في حال القتل وإلا فقد نفع الإيمان الطلقاء يوم فتح مكة وناساً يوم بدر.

ثم أمر نبيه  بالإعراض عنهم وانتظار النصرة عليهم حين علم أنه لا طريق معهم إلا القتال نظيره قوله ﴿ قل تربصوا فإني معكم من المتربصين  ﴾ .

التأويل: اللف المحبون لقربى والعارفون بتمجيدي فلا يصبرون عني ولا يستأنسون بغيري.

اللام الأحباء لي مدخر لقائي فلا أبالي أقاموا على وثاقي أم قصروا في وفائي.

الميم ترك أوليائي مرادهم فلذلك اخترتهم على جميع عبادي ﴿ تنزيل الكتاب ﴾ أعز الأشياء على الأحباب كتاب الأحباب أنزله ﴿ رب العالمين ﴾ لأهل الظاهر على ظاهرهم ولأهل الباطن في باطنهم فاستناروا بنوره وتكلموا بالحق عن الحق للحق فلم يفهمه أهل الغرة والغفلة فقالوا ﴿ افتراه ﴾ .

خلق سموات الرواح وارض الأشباح وما بينهما من النفس والقلب والسر في ستة أجناس هي: الجماد والمعدن والنبات والحيوان والشيطان والملك ﴿ ثم استوى على العرش ﴾ الخفي وهو لطيفه ربانية قابلة للفيض الرباني بلا واسطة ﴿ فلا تتذكرون ﴾ كيف خلقكم في أطوار مختلفة ﴿ يدبر الأمر ﴾ من سماء الروح إلى ارض النفس البدن ﴿ ثم يعرج إليه ﴾ النفس المخاطبة بخطاب ﴿ ارجعي إلى ربك  ﴾ في يوم طلعت فيه شمس صدق الطلب، وأشرقت الأرض بنور جذبات الحق ﴿ كان مقداره ﴾ في العروج بالجذبة كألف سنة مما تعدون من أيامكم في السير من غير جذبة كما قال  "جذبة من جذبات الحق توازي عمل الثقلين" ﴿ وبدأ خلق الإنسان من طين ﴾ وخمرة بيده في أربعين صباحاً فأودع في كل صباح خاصية نوع من أنواع عالم الشهادة ﴿ ثم جعل نسله من سلالة ﴾ سلها من أجناس عالم الشهادة.

﴿ ثم سوَّاه ﴾ شخص إنسان جديد المرآة ﴿ ونفخ فيه من روحه ﴾ فصار مرآة قابلة لإراءة صفات جماله وجلاله.

ثم تجلى فيها بتجلية صفة السمعية والبصرية والعالمية التي مرآتها السمع والأبصار والأفئدة ﴿ ضللنا ﴾ في أرض البشرية ﴿ يتوفاكم ملك الموت ﴾ وهو المحبة الإلهية بقبض الأرواح من صفات الإنسانية ويميتها عن محبوباتها بجذبة ﴿ ارجعي  ﴾ ﴿ ناكسوا رؤسهم ﴾ بالتوجه إلى حضيض عالم الطبيعة كالأنعام بعد أن كانوا رافعي الرؤوس يوم الميثاق.

﴿ تتجافى جنوب ﴾ همتهم عن مضاجع الدارين ﴿ جنات المأوى ﴾ التي هي مأوى الأبرار تكون نزلاً للمقربين السائرين إلى الله ﴿ كنتم به تكذبون ﴾ لأنه لم يكن لكم به شعور في الدنيا لأنكم كنتم في يوم الغفلة والاشتغال بالمحسوسات ﴿ العذاب الأدنى ﴾ إذا وقعت للسالك فترة ووقفة لعجب تداخله أو لملالة وسآمة ابتلاه الله ببلاء في نفسه أو ماله أو مصيبة في أهاليه وأقربائه وأحبابه لعله ينتبه من نوم الغفلة ويدارك أيام العطلة قبل أن يذيقه العذاب الأكبر في الخذلان والهجران ﴿ فلا تك في مرية من لقائه ﴾ أي من أنه يرى الرب ببركة متابعتك حين قال: اللهم اجعلني من أمة محمد  فإن الرؤية مخصوصة بك وبتبعتك لأمتك.

ويحتمل أن يكون الخطاب في فلاتك لموسى القلب والضمير في ﴿ لقائه ﴾ لله.

وجعلنا موسى القلب هدى لبني إسرائيل صفات القلب ﴿ وجعلناهم أئمة ﴾ هم السر الخفي ﴿ إن ربك هو يفصل بينهم ﴾ الآية.

لأنهم عنده أعز من أن يجعل حكمهم إلى أحد من المخلوقين، ولأنه أعلم بحالهم من غيرهم ولئلا يطلع على أحوالهم غيره لأنه خلقهم للمحبة والرحمة فينظر في شأنهم بنظر المحبة والرضا، لأنه عفوّ يفيض العفو والجود فتحيا به القلوب الميتة فيسقي حدائق وصلهم بعد جفاف عودها وزوال المأنوس من معهودها ﴿ فنخرج به زرعاً ﴾ من الواردات التي تصلح لتربية النفوس وهي الأنعام، ومن المشاهدات التي تصلح لتغذية القلوب.

ويقول المنكرون لهذه الطائفة ﴿ متى هذا الفتح ﴾ أي الفتوح التي تدعونها قل لا ينفعكم ذلك إذ لم تقتدوا بهم ولم تهتدوا بهديهم ﴿ فأعرض عنهم ﴾ أيها الطالب بالإقبال علينا وبالله التوفيق.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا خَرُّواْ سُجَّداً ﴾ .

يخرج قوله: ﴿ إِنَّمَا يُؤْمِنُ ﴾ ، أي: يحقق الإيمان بالله وبآياته ﴿ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا خَرُّواْ سُجَّداً ﴾ لله حقيقة.

ثم يحتمل ﴿ خَرُّواْ سُجَّداً ﴾ حقيقة السجود عند تلاوة الآيات التي فيها ذكر السجود.

والثاني: يكون ذكر خرور الوجه والسجود كناية عن الخضوع لها، والانقياد والاستسلام والقبول لها؛ فأحدهما على حقيقة السجود عند تذكير الآيات لهم والتلاوة عليهم، والثاني: على الكناية على القبول لها والاستسلام، وإلا ليس من ذي مذهب من أهل الكفر من عبدة الأصنام وغيرهم إلا وهو يدعي الإيمان بالله وبآياته، ويزعم أن الذي هو عليه هو الإيمان به والمؤتمر بأمره؛ ألا ترى أنه كيف أخبر عنهم؛ حيث قال: ﴿ وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا  ﴾ : كانوا يدعون في جميع ما يعملون أن الله -  - أمرهم بذلك، وأنهم مؤمنون به مؤتمرون بأمره؛ فأخبر أنه إنما يحقق الإيمان بالله وبالآيات الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا لا أولئك الذين يدعون ذلك وليسوا هم كذلك.

وقوله: ﴿ وَسَبَّحُواْ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ﴾ .

التسبيح: هو تنزيه الربّ وتبرئة له عن جميع ما قالت الملاحدة فيه ونسبوه إليه، مما لا يليق به.

يقول: ﴿ وَسَبَّحُواْ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ﴾ ، أي: ذكروه بمحاسنه ومحامده وبرءوه ونزهوه عن جميع ما وصفه أولئك ونسبوه إليه، هذا - والله أعلم - هو التسبيح بحمده.

وقوله: ﴿ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ .

لا أحد يخطر بباله أن يستكبر على الله أو على أمره، ولكن كانوا يستكبرون على رسله؛ لما لا يرونهم أهلا لذلك، أو أن يكونوا يستكبرون على ما يدعون إليه ولا يجيبون لذلك.

وقوله: ﴿ تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ ﴾ .

روي عن أنس بن مالك -  - أنها نزلت في أصحاب رسول الله  لكن اختلفت عنه الروايات: ذكر في بعضها: أنها نزلت في نفر من عمال أصحاب رسول الله  كانوا يعملون بالنهار، فإذا جن عليهم الليل اضطجعوا بين المغرب والعشاء، فناموا؛ فلما نزل هذا اجتنبوا عن ذلك.

وذكر عنه: أنهم كانوا يصلون بين المغرب والعشاء؛ فنزلت الآية فيهم.

فإن كان هذا فنزول الآية لذلك يخرج مخرج المدح لهم والثناء الحسن.

وإن كان الأول فهو على النهي والتوبيخ لذلك.

ثم اختلف أهل التأويل في تأويلها: قال بعضهم: هو التيقظ والصلاة فيما بين المغرب والعشاء الآخرة.

ومنهم من يقول: هو التجافي عن المضاجع لصلاة العشاء والفجر يصليهما.

ومنهم من يقول: تتجافى جنوبهم بذكر الله: كلما استيقظوا ذكروا الله: إما صلاة، وإما قياما، وإما قعوداً، لا يزالون يذكرون الله.

ومنهم من يقول: ﴿ تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ ﴾ : قيام الليل والصلاة فيه، وهذا أشبه التأويلات؛ لأنه قال: ﴿ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ ﴾ ، والتجافي عن المضاجع إنما يكون في الوقت الذي يضطجع فيه، وفيه يقع الامتداح والثناء الحسن؛ لأنه وقت الغفلة والنوم فيه، وأمّا سائر الأوقات فليس كذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً ﴾ ، أي: يعبدون ربهم، ويحتمل حقيقة الدعاء.

ثم قوله: ﴿ خَوْفاً وَطَمَعاً ﴾ ، قال بعضهم: خوفاً من عذاب الله، وطمعاً في رحمته.

أو أن يكون قوله: ﴿ خَوْفاً ﴾ ، أي: يخافون التقصير في العبادة، ﴿ وَطَمَعاً ﴾ ، أي: يطمعون إحسانه، وإحسانه في العفو والتجاوز، وهكذا عمل المؤمن من بين الخوف والطمع يخاف التقصير فيه، ويطمع إحسانه.

روى الحسن عن النبي  قال: "قال ربكم - عز وجل -: وعزتي وجلالي، لا أجمع على عبدي خوفين، ولا أجمع أمنين فإذا خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة، وإذا أمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة" ، ثم قرأ قوله: ﴿ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً...

﴾ الآية.

وقوله: ﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴾ .

يحتمل الزكاة المفروضة.

ويحتمل ينفقون صدقة التطوع.

وجائز أن يكون قوله: ومما رزقناهم من الأسباب السليمة ينفقون، أي: يعملون، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ ﴾ .

ذكر عن رسول الله  قال: "قال ربكم: أعددت لعبادي الصالحين: ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر" هذا علم النفس أنها لا تعلم إلا مثال ما أحست وعاينت وشاهدت، فأما العقل فإنه جائز أن يعلم ويخطر ما لم ير ويحس ولم ير له مثالا، والله أعلم.

وعلى قول المعتزلة: يدعون ربهم أمنا وإياسا لا على الخوف والطمع على ما ذكر؛ لأنهم لا يخلو إما أن يكونوا أصحاب الصغائر، أو أصحاب الكبائر؛ فإن كانوا أصحاب الصغائر فهم آمنون على قولهم؛ لأنه لا يسع له أن يعذب على الصغيرة على قولهم، أو أصحاب الكبائر فهم آيسون من رحمته؛ إذ لا يسع [له] أن يغفر [الكبائر] على قولهم؛ فقولهم مخالف لظاهر الآية.

قال أبو عوسجة: ﴿ تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ ﴾ ، أي: لا يضعونها بالأرض؛ يقال: تجافى جنبي: إذا لم يضطجع لم ينم، وجافيت جنبي، أي: لم ألزقه بالأرض.

وقال القتبي: ﴿ تَتَجَافَىٰ ﴾ ، أي: ترتفع عن الأرض.

ونزلا من النزل، والنزل: ما يجعل للرجل يأكله وينفقه.

وقوله: ﴿ أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ ﴾ .

إن أهل التأويل يقولون: نزلت الآية في شأن علي بن أبي طالب، والوليد بن عقبة بن أبي معيط: كان بينه وبين علي -  - كلام وتنازع، حتى قال له علي: إنك فاسق وأنا مؤمن، فنزلت الآية فيهم، لكن الآية في جميع المؤمنين والفاسقين، يخبر أنْ ليس بينهم استواء.

ثم جائز أن يكون ذكر هذا ونزل؛ لقولٍ كان من أولئك الكفرة الفسقة للمؤمنين: إن منزلتنا ومنزلتكم وقدرنا في الآخرة عند الله - سواء؛ فنزلت الآية لذلك أنهما ليسا بسواء؛ فبيَّن منزلة المؤمن عند الله وقدره، وما ذكر من الثواب له والكرامة، ومنزلة الفاسق ما ذكر من الخلود في النار أبداً، كقوله: ﴿ الۤـمۤ  أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ...

﴾ الآية [الجاثية: 21].

أو يذكر ذلك على الابتداء: إنكم تعرفون في عقولكم أنْ ليس المؤمن المصدق في الشاهد في المنزلة والقدر عنده كالخارج عن أمره وكالمكذب له، فكيف تطمعون الاستواء عند الله وأنتم الفسقة الخارجون عن أمر الله، وأولئك هم الصادقون له؟!

والله أعلم بذلك.

ثم الخوارج والمعتزلة يقولون: لو كان الفاسق مؤمناً على ما تقولون لم يكن لما ذكر معنىً؛ فدل أن الفاسق لا يكون مؤمناً؛ حيث ذكر أنهما لا يستويان وأن المؤمن مأواه في الجنة والخلود له فيها، والفاسق مقامه في النار، خالدين فيها على ما ذكر، فلو كان على ما تقولون لكانا يستويان، أو كلام نحو هذا.

فيقال لهم: إنا وأنتم نتفق أن هذا الفاسق المذكور في الآية ليس بمؤمن، وأنه لا يستوي [هو و]المؤمن؛ لأنه ذكر الفسق مقابل الإيمان، دليله آخر الآية؛ حيث قال: ﴿ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴾ ذكر التكذيب، والتكذيب هو مقابل الإيمان والتصديق، وكل فسق كان مذكوراً مقابل الإيمان فهو كفر وتكذيب؛ فهو لا يكون مؤمناً، ولكن هاتوا فاسقاً ذكر لا مقابل الإيمان، ولكن مقابل غيره من العصيان والمساوي، ويكون له هذا الوعيد الذي ذكر في هذا؛ ألا يُرى أن السؤال المذكور مقابل الإيمان كفر، كقوله: ﴿ وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَعْـمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَلاَ ٱلْمُسِيۤءُ  ﴾ ؟!

فعلى ذلك الفسق المذكور مقابل الإيمان كفر لا يقع فيه استواء بحال، وأما الفسق المذكور لا مقابل الإيمان فجائز أن يقع فيهما استواء، وهو أن يغفر له ذنبه ويكفر عنه سيئته، ويدخل الجنة؛ حيث قال: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ  ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَـٰتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً كَرِيماً...

 ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ ﴾ الآية [الأحقاف: 16].

هو في مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء تجاوز عنه، وأصحاب الحديث يقولون: إن جميع الطاعات إيمان بهذه الآية؛ لأنه قال: ﴿ أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً ﴾ ، ثم فسر ذلك المؤمن فقال: ﴿ أَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ ٱلْمَأْوَىٰ ﴾ وعد لهم الجنات بالإيمان وعمل الصالحات، فيقال: إن الوعد المطلق هو لمن آمن وعمل الصالحات، فأما من آمن ولم يعمل من الصالحات شيئاً، لا نقول بأن له ذلك الوعد المطلق، ولكن له الوعد الذي ذكرنا.

وفي الآية دلالة أَنْ قد يعمل المؤمن غير الصالحات وهو مؤمن؛ لأنه لو لم يكن منه غير عمل الصالحات لم يكن لشرط العمل الصالح له معنى، دل أنه يكون من المؤمن غير العمل الصالح، وذلك على المعتزلة والخوارج.

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَدْنَىٰ دُونَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَكْبَرِ ﴾ ، اختلف في العذاب الأدنى: قال بعضهم: هو القتل يوم بدر.

ومنهم من يقول: هو الجوع في السنين التي كانت لهم فيها، والضيق والشدة.

ومنهم من يقول: هو المصائب التي تصيبهم.

وأمثال ذلك كثير، لكن ذلك العذاب ليس هو عذاب الكفر؛ لأن عذاب الكفر يكون في الآخرة أبداً دائماً لا زوال ولا انقطاع، فأما عذاب الدنيا لهم عذاب عنادهم وما يكون منهم من الجنايات في حال كفرهم يعذبون في الدنيا؛ ليذكرهم ذلك العذاب في الآخرة العذاب الدائم ليمنعهم عما به يعذبون في الدنيا عن عذاب الآخرة، وكذلك ما أعطى لهم من اللذات والنعيم في الدنيا - وإن كان منقطعاً - ليذكرهم ذلك النعيم وتلك اللذاتُ لذاتِ الآخرة ونعمها الدائمة؛ ولذلك رغب الله خلقه إلى طلب الآخرة، وأخبر أن لهم فيها من اللذات كذا في غير آي من القرآن؛ حيث قال: ﴿ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ وَتَلَذُّ ٱلأَعْيُنُ...

﴾ الآية [الزخرف: 71]، ونحوه كثير.

والعذاب الأكبر هو عذاب الآخرة، وهو عذاب الكفر والتكذيب.

وقوله: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ لكي يلزمهم حجة الرجوع عما هم فيه من التكذيب؛ لئلا يقولوا: ﴿ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ  ﴾ والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَآ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ ﴾ أي: [هل] أحد أظلم ممن ذكر ﴿ بِآيَاتِ رَبِّهِ ﴾ ووقع له المعرفة والعلم أنها آيات ربه، ﴿ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَآ ﴾ بعدما عرفها، وعلم بها - ليس أحد أظلم من ذلك.

التذكير بآياته: ما ذكرنا أنهم يذكرون لتقع لهم بأنها آياته، ثم يحتمل آيات وحدانيته وآيات الرسالة، أو آيات البعث، أو آيات القرآن، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّا مِنَ ٱلْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ ﴾ جرمهم هاهنا جرم كفر، ينتقم منهم انتقام الكفر والتكذيب.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فلا تعلم أي نفس ما أعدّه الله لهم مما تقرّ به أعينهم، جزاءً منه لهم على ما كانوا يعملونه في الدنيا من الأعمال الصالحات، فهو جزاء لا يحيط به إلا اللهُ لعِظَمه.

<div class="verse-tafsir" id="91.d5nwK"

مزيد من التفاسير لسورة السجدة

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.4 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 0 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل