الآية ٢١ من سورة السجدة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 32 السجدة > الآية ٢١ من سورة السجدة

وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْأَدْنَىٰ دُونَ ٱلْعَذَابِ ٱلْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ٢١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 81 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢١ من سورة السجدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢١ من سورة السجدة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر [ لعلهم يرجعون ] ) قال ابن عباس : يعني بالعذاب الأدنى مصائب الدنيا وأسقامها وآفاتها ، وما يحل بأهلها مما يبتلي الله به عباده ليتوبوا إليه .

وروي مثله عن أبي بن كعب ، وأبي العالية ، والحسن ، وإبراهيم النخعي ، والضحاك ، وعلقمة ، وعطية ، ومجاهد ، وقتادة ، وعبد الكريم الجزري ، وخصيف .

وقال ابن عباس - في رواية عنه - : يعني به إقامة الحدود عليهم .

وقال البراء بن عازب ، ومجاهد ، وأبو عبيدة : يعني به عذاب القبر .

وقال النسائي : أخبرنا عمرو بن علي ، أخبرنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص وأبي عبيدة ، عن عبد الله : ( ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر ) قال : سنون أصابتهم .

وقال عبد الله بن الإمام أحمد : حدثني عبد الله بن عمر القواريري ، حدثنا يحيى بن سعيد ، عن شعبة ، عن قتادة ، عن عزرة ، عن الحسن العرني ، عن يحيى بن الجزار ، عن ابن أبي ليلى عن أبي بن كعب في هذه الآية : ( ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر ) قال : المصيبات والدخان قد مضيا ، والبطشة واللزام .

ورواه مسلم من حديث شعبة ، به موقوفا نحوه .

وعند البخاري عن ابن مسعود ، نحوه .

وقال عبد الله بن مسعود أيضا ، في رواية عنه : العذاب الأدنى : ما أصابهم من القتل والسبي يوم بدر .

وكذا قال مالك ، عن زيد بن أسلم .

قال السدي وغيره : لم يبق بيت بمكة إلا دخله الحزن على قتيل لهم أو أسير ، فأصيبوا أو غرموا ، ومنهم من جمع له الأمران .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21) اختلف أهل التأويل في معنى العذاب الأدنى الذي وعد الله أن يذيقه هؤلاء الفسقة، فقال بعضهم: ذلك مصائب الدنيا في الأنفس والأموال.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس &; 20-189 &; (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَاب الأدنى) يقول: مصائب الدنيا وأسقامها وبلاؤها مما يبتلي الله بها العباد حتى يتوبوا.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأدْنَى دُونَ العَذَابِ الأكْبَر لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) قال: العذاب الأدنى بلاء الدنيا، قيل: هي المصائب.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن قتادة، عن عروة، عن الحسن العرني، عن ابن أبي ليلى، عن أُبيّ بن كعب (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأدْنَى) قال: المصيبات في الدنيا قال: والدخان قد مضى، والبطشة واللزام.

قال أبو موسى: ترك يحيى بن سعيد، يحيى بن الجزار، نقصان رجل.

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد ومحمد بن جعفر، قالا ثنا شعبة، عن قتادة، عن ابن عروة، عن الحسن العرني، عن يحيى بن الجزار، عن ابن أبي لَيلى، عن أُبيّ بن كعب، أنه قال: في هذه الآية (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأدْنَى دُونَ العَذَابِ الأكْبَرِ) قال: مصيبات الدنيا، واللزوم والبطشة، أو الدخان: شكّ شعبة في البطشة أو الدخان.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن قَتادة، عن عروة، عن الحسن العرني، عن يحيى بن الجزّار، عن ابن أبي لَيلى، عن أُبيّ بن كعب، بنحوه، إلا أنه قال: المصيبات واللزوم والبطشة.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا زيد بن حباب، عن شعبة، عن قَتادة، عن عروة، عن الحسن العرني، عن يحيى بن الجزّار، عن عبد الرحمن بن أبي لَيلى، عن أُبيّ بن كعب، قال: المصيبات يصابون بها في الدنيا: البطشة، والدخان، واللزوم.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع، عن أبي العالية (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأدْنَى) قال: المصائب في الدنيا.

قال: ثنا أبو خالد الأحمر، عن جُوَيبر، عن الضحاك (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأدْنَى دُونَ العَذَابِ الأكْبَرِ) قال: المصيبات في دنياهم وأموالهم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، حدثه، عن الحسن قوله: (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأدْنَىَ) : أي مصيبات الدنيا.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأدْنَى) قال: أشياء يُصابون بها في الدنيا.

وقال آخرون: عنى بها الحدود.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، عن شبيب، عن عكرمة، عن ابن عباس (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأدْنَى دُونَ العَذَابِ الأكْبَرِ) قال: الحدود.

وقال آخرون: عنى بها القتل بالسيف، قال: وقتلوا يوم بدر.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن السديّ، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله، (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأدْنَى) قال: يوم بدر.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن السديّ، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله مثله.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا إسرائيل، عن السديّ، عن مسروق، عن عبد الله، مثله.

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا عوف عمن حدثه، عن الحسن بن عليّ، أنه قال: (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأدْنَى دُونَ العَذَابِ الأكْبَرِ) قال: القتل بالسيف صبرا.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبد الأعلى، عن عوف، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأدْنَى دُونَ العَذَابِ الأكْبَرِ) قال: القتل بالسيف، كلّ شيء وعد الله هذه الأمة من العذاب الأدنى إنما هو السيف.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا ابن أبي نجيح، عن مجاهد (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأدْنَى دُونَ العَذَابِ الأكْبَرِ) قال: القتل والجوع لقريش في الدنيا.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قال: كان مجاهد يحدّث &; 20-191 &; عن أُبيّ بن كعب أنه كان يقول: (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأدْنَى دُونَ العَذَابِ الأكْبَرِ) يوم بدر.

وقال آخرون: عنى بذلك سنون أصابتهم.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأدْنَى دُونَ العَذَابِ الأكْبَرِ) قال: سنون أصابتهم.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، مثله.

وقال آخرون: عنى بذلك: عذاب القبر.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمارة، قال: ثنا عبيد الله، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد: (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأدْنَى دُونَ العَذَابِ الأكْبَرِ) قال: الأدنى في القبور وعذاب الدنيا.

وقال آخرون: ذلك عذاب الدنيا.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأدْنَى) قال: العذاب الأدنى: عذاب الدنيا.

وأولى الأقوال في ذلك أن يقال: إن الله وعد هؤلاء الفسقة المكذّبين بوعيده في الدنيا العذاب الأدنى، أن يذيقهموه دون العذاب الأكبر، والعذاب: هو ما كان في الدنيا من بلاء أصابهم، إما شدّة من مجاعة، أو قتل، أو مصائب يصابون بها، فكل ذلك من العذاب الأدنى، ولم يخصص الله تعالى ذكره، إذ وعدهم ذلك أن يعذّبهم بنوع من ذلك دون نوع، وقد عذّبهم بكل ذلك في الدنيا بالقتل والجوع والشدائد والمصائب في الأموال، فأوفى لهم بما وعدهم.

وقوله: (دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ) يقول: قيل العذاب الأكبر، وذلك عذاب يوم القيامة.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن السديّ، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله (دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ) قال: يوم القيامة.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا إسرائيل، عن السديّ، عن مسروق، عن عبد الله مثله.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ) يوم القيامة في الآخرة.

حدثني محمد بن عمارة، قال: ثنا عبيد الله، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد (دونَ العَذَابِ الأكْبَرِ) يوم القيامة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة (دُونَ العَذَابِ الأكْبَرِ) يوم القيامة حدّث به قَتادة، عن الحسن.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: (دُونَ العَذَابِ الأكْبَرِ) قال: العذاب الأكبر: عذاب الآخرة.

وقوله: (لَعَلَّهمْ يَرْجِعُونَ) يقول: كي يرجعوا ويتوبوا بتعذيبهم العذاب الأدنى.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن السديّ، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) قال: يتوبون.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن أبي جعفر الرازيّ، عن الربيع، عن أبي العالية (لَعَلَّهُمْ يَرْجعونَ) قال: يتوبون.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (لَعَلَّهُمْ يَرْجعونَ) : أي يتوبون.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون .قوله تعالى : ولنذيقنهم من العذاب الأدنى قال الحسن وأبو العالية والضحاك وأبي بن كعب وإبراهيم النخعي : العذاب الأدنى مصائب الدنيا وأسقامها مما يبتلى به العبيد حتى يتوبوا ; وقاله ابن عباس .

وعنه أيضا أنه الحدود .

وقال ابن مسعود والحسين بن علي وعبد الله بن الحارث : هو القتل بالسيف يوم بدر .

وقال مقاتل : الجوع سبع سنين بمكة حتى أكلوا الجيف ; وقاله مجاهد .

وعنه أيضا : العذاب الأدنى عذاب القبر ; وقاله البراء بن عازب .

قالوا : والأكبر عذاب يوم القيامة .

قال القشيري : وقيل عذاب القبر .

وفيه نظر ; لقوله : لعلهم يرجعون .

قال : ومن حمل العذاب على القتل قال : لعلهم يرجعون ؛ أي يرجع من بقي منهم .

ولا خلاف أن العذاب الأكبر عذاب جهنم ; إلا ما روي عن جعفر بن محمد أنه خروج [ ص: 101 ] المهدي بالسيف .

والأدنى غلاء السعر .

وقد قيل : إن معنى قوله : لعلهم يرجعون .

على قول مجاهد والبراء : أي لعلهم يريدون الرجوع ويطلبونه كقوله : فارجعنا نعمل صالحا .

وسميت إرادة الرجوع رجوعا كما سميت إرادة القيام قياما في قوله تعالى : إذا قمتم إلى الصلاة .

ويدل عليه قراءة من قرأ : ( يرجعون ) على البناء للمفعول ; ذكره الزمخشري .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: ولنذيقن الفاسقين المكذبين، نموذجًا من العذاب الأدنى، وهو عذاب البرزخ، فنذيقهم طرفًا منه، قبل أن يموتوا، إما بعذاب بالقتل ونحوه، كما جرى لأهل بدر من المشركين، وإما عند الموت، كما في قوله تعالى { وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ } ثم يكمل لهم العذاب الأدنى في برزخهم.وهذه الآية من الأدلة على إثبات عذاب القبر، ودلالتها ظاهرة، فإنه قال: { وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى } أي: بعض وجزء منه، فدل على أن ثَمَّ عذابًا أدنى قبل العذاب الأكبر، وهو عذاب النار.ولما كانت الإذاقة من العذاب الأدنى في الدنيا، قد لا يتصل بها الموت، فأخبر تعالى أنه يذيقهم ذلك لعلهم يرجعون إليه ويتوبون من ذنوبهم كما قال تعالى: { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر ) أي : سوى العذاب الأكبر ( لعلهم يرجعون ) قال أبي بن كعب ، والضحاك ، والحسن ، وإبراهيم : " العذاب الأدنى " مصائب الدنيا وأسقامها ، وهو رواية الوالبي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - .

وقال عكرمة عنه : هو الحدود .

وقال مقاتل : الجوع سبع سنين بمكة حتى أكلوا الجيف والعظام والكلاب .

وقال ابن مسعود : هو القتل بالسيف يوم بدر وهو قول قتادة والسدي ( دون العذاب الأكبر ) يعني : عذاب الآخرة ( لعلهم يرجعون ) إلى الإيمان ، يعني : من بقي منهم بعد بدر وبعد القحط .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولنذيقنهم من العذاب الأدنى» عذاب الدنيا بالقتل والأسر والجدب سنين والأمراض «دون» قبل «العذاب الأكبر» عذاب الآخرة «لعلهم» أي من بقي منهم «يرجعون» إلى الإيمان.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولنذيقن هؤلاء الفاسقين المكذبين من العذاب الأدنى من البلاء والمحن والمصائب في الدنيا قبل العذاب الأكبر يوم القيامة، حيث يُعذَّبون في نار جهنم؛ لعلهم يرجعون ويتوبون من ذنوبهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ العذاب الأدنى ) أى الأهون والأقرب والأقل وهو عذاب الدنيا ، من طريق ما ننزله بهم من أمراض وأسقام ومصائب متنوعة .( دُونَ العذاب الأكبر ) أى : الاشد والأعظم والأبقى ، وهو عذاب الآخرة .( لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) عما هم فهي من شرك وكفر وفسوق وعصيان .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

يعني قبل عذاب الآخرة نذيقهم عذاب الدنيا فإن عذاب الدنيا لا نسبة له إلى عذاب الآخرة لأن عذاب الدنيا لا يكون شديداً، ولا يكون مديداً فإن العذاب الشديد في الدنيا يهلك فيموت المعذب ويستريح منه فلا يمتد، وإن أراد المعذب أن يمتد عذاب المعذب لا يعذبه بعذاب في غاية الشدة، وأما عذاب الآخرة فشديد ومديد، وفي الآية مسألتان: إحداهما: قوله تعالى: ﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مّنَ العذاب الأدنى ﴾ في مقابلته العذاب الأقصى والعذاب الأكبر في مقابلته العذاب الأصغر، فما الحكمة في مقابلة الأدنى بالأكبر؟

فنقول حصل في عذاب الدنيا أمران: أحدهما: أنه قريب والآخر أنه قليل صغير وحصل في عذاب الآخرة أيضاً أمران أحدهما: أنه بعيد والآخر أنه عظيم كثير، لكن القرب في عذاب الدنيا هو الذي يصلح للتخويف به، فإن العذاب العاجل وإن كان قليلاً قد يحترز منه بعض الناس أكثر مما يحترز من العذاب الشديد إذا كان آجلا، وكذا الثواب العاجل قد يرغب فيه بعض الناس ويستبعد الثواب العظيم الآجل، وأما في عذاب الآخرة فالذي يصلح للتخويف به هو العظيم والكبير لا البعيد لما بينا فقال في عذاب الدنيا ﴿ العذاب الأدنى ﴾ ليحترز العاقل عنه ولو قال: (لنذيقنهم من العذاب الأصغر) ما كان يحترز عنه لصغره وعدم فهم كونه عاجلاً وقال في عذاب الآخرة الأكبر لذلك المعنى، ولو قال دون العذاب الأبعد الأقصى لما حصل التخويف به مثل ما يحصل بوصفه بالكبر، وبالجملة فقد اختار الله تعالى في العذابين الوصف الذي هو أصلح للتخويف من الوصفين الآخرين فيهما لحكمة بالغة.

المسألة الثانية: قوله تعالى: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ لعل هذه الترجى والله تعالى محال ذلك عليه فما الحكمة فيه؟

نقول فيه وجهان: أحدهما: معناه لنذيقنهم إذاقة الراجين كقوله تعالى: ﴿ إِنَّا نسيناكم  ﴾ يعني تركناكم كما يترك الناسي حيث لا يلتفت إليه أصلا، فكذلك هاهنا نذيقهم على الوجه الذي يفعل بالراجي من التدريج وثانيهما: معناه نذيقهم العذاب إذاقة يقول القائل لعلهم يرجعون بسببه، ونزيد وجهاً آخر من عندنا، وهو أن كل فعل يتلوه أمر مطلوب من ذلك الفعل يصح تعليل ذلك الفعل بذلك الأمر، كما يقال فلان اتجر ليربح، ثم إن هذا التعليل إن كان في موضع لا يحصل الجزم بحصول الأمر من الفعل نظراً إلى نفس الفعل وإن حصل الجزم والعلم بناء على أمر من خارج فإنه يصح أن يقال يفعل كذا رجاء كذا، كما يقال يتجر رجاء أن يربح، وإن حصل للتاجر جزم بالربح لا يقدح ذلك في صحة قولنا يرجو لما أن الجزم غير حاصل نظراً إلى التجارة وإن كان الجزم حاصلاً نظراً إلى الفعل، لا يصح أن يقال يرجو وإن كان ذلك الجزم يحتمل خلافه كقول القائل فلان حز رقبة عدوه رجاء أن يموت، لا يصح لحصوله الجزم بالموت عقيب الحز نظراً إليه وإن أمكن أن لا يموت نظراً إلى قدرة الله تعالى، ويصحح قولنا قوله تعالى في حق إبراهيم: ﴿ والذى أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى  ﴾ مع أنه كان عالماً بالمغفرة لكن لما لم يكن الجزم حاصلاً من نفس الفعل أطلق عليه الطمع وكذلك قوله تعالى: ﴿ وارجوا اليوم الأخر  ﴾ مع أن الجزم به لازم إذا علم ما ذكرنا فنقول في كل صورة قال الله تعالى: ﴿ لَعَلَّهُمْ ﴾ فإن نظرنا إلى الفعل لا يلزم الجزم، فإن من التعذيب لا يلزم الرجوع لزوماً بيناً فصح قولنا يرجو وإن كان علمه حاصلاً بما يكون غاية ما في الباب أن الرجاء في أكثر الأمر استعمل فيما لا يكون الأمر معلوماً فأوهم أن لا يجوز الإطلاق في حق الله تعالى وليس كذلك بل الترجي يجوز في حق الله تعالى، ولا يلزم منه عدم العلم، وإنما يلزم عدم الجزم بناء على ذلك الفعل وعلم الله ليس مستفاداً من الفعل فيصح حقيقة الترجي في حقه على ما ذكرنا من المعنى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ كَانَ مُؤْمِناً ﴾ و ﴿ كَانَ فَاسِقاً ﴾ محمولان على لفظ من و ﴿ لاَّ يَسْتَوُونَ ﴾ محمول على المعنى، بدليل قوله تعالى: ﴿ أَمَّا الذين ءَامَنُواْ ﴾ ﴿ وَأَمَّا الذين فَسَقُواْ ﴾ ونحوه قوله تعالى: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حتى إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ ﴾ [محمد: 16] و ﴿ جنات المأوى ﴾ نوع من الجنان؛ قال الله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ رَءاهُ نَزْلَةً أخرى عِندَ سِدْرَةِ المنتهى عِندَهَا جَنَّةُ المأوى ﴾ [النجم: 15] سميت بذلك لما روي عن ابن عباس رضي الله عنه قال: تأوي إليها أرواح الشهداء.

وقيل: هي عن يمين العرش.

وقرئ: ﴿ جنة المأوى ﴾ ، على التوحيد ﴿ نُزُلاً ﴾ عطاء بأعمالهم.

والنزل: عطاء النازل، ثم صار عاماً ﴿ فَمَأْوَاهُمُ النار ﴾ أي ملجؤهم ومنزلهم.

ويجوز أن يراد: فجنة مأواهم النار، أي النار لهم، مكان جنة المأوى للمؤمنين؛ كقوله: ﴿ فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [آل عمران: 21] ، [التوبة: 34] ، [الإنشقاق: 24] ، ﴿ العذاب الأدنى ﴾ عذاب الدنيا من القتل والأسر، وما محنوا به من السنة سبع سنين.

وعن مجاهد رضي الله عنه، عذاب القبر.

و ﴿ العذاب الأكبر ﴾ عذاب الآخرة، أي: نذيقهم عذاب الدنيا قبل أن يصلوا إلى الآخرة ﴿ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ أي يتوبون عن الكفر، أو لعلهم يريدون الرجوع ويطلبونه.

كقوله تعالى: ﴿ فارجعنا نَعْمَلْ صالحا ﴾ [السجدة: 12] وسميت إرادة الرجوع رجوعاً، كما سميت إرادة القيام قياماً في قوله تعالى: ﴿ إذا قمتم إلى الصلاة ﴾ [المائدة: 6] ويدل عليه قراءة من قرأ: ﴿ يرجعون ﴾ على البناء للمفعول.

فإن قلت: من أين صح تفسير الرجوع بالتوبة؟

و (لعل) من الله إرادة، وإذا أراد الله شيئاً كان ولم يمتنع، وتوبتهم مما لا يكون، ألا ترى أنها لو كانت مما يكون لم يكونوا ذائقين العذاب الأكبر؟

قلت: إرادة الله تتعلق بأفعاله وأفعال عباده، فإذا أراد شيئاً من أفعاله كان ولم يمتنع، للاقتدار وخلوص الداعي.

وأما أفعال عباده: فإما أن يريدها وهم مختارون لها، أو مضطرون إليها بقسره وإلجائه، فإن أرادها وقد قسرهم عليها فحكمها حكم أفعالها، وإن أرادها على أن يختاروها وهو عالم أنهم لا يختارونها لم يقدح ذلك في اقتداره، كما لا يقدح في اقتدارك إرادتك أن يختار عبدك طاعتك وهو لا يختارها، لأنّ اختياره لا يتعلق بقدرتك، وإذا لم يتعلق بقدرتك لم يكن فقده دالاً على عجزك.

وروي في نزولها: أنه شجر بين علي بن أبي طالب رضي الله عنه والوليد بن عقبة بن أبي معيط يوم بدر كلام، فقال له الوليد: اسكت فإنك صبيّ: أنا أشبّ منك شباباً، وأجلد منك جلداً، وأذرب منك لساناً، وأحدّ منك سناناً، وأشجع منك جناناً، وأملأ منك حشواً في الكتيبة.

فقال له علي رضي الله عنه: اسكت، فإنك فاسق، فنزلت عامة للمؤمنين والفاسقين، فتناولتهما وكل من كان في مثل حالهما.

وعن الحسن بن علي رضي الله عنهما: أنه قال للوليد: كيف تشتم علياً وقد سماه الله مؤمناً في عشر آيات؟

وسماك فاسقاً؟.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَأمّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النّارُ ﴾ مَكانُ جَنَّةِ المَأْوى لِلْمُؤْمِنِينَ.

﴿ كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها ﴾ عِبارَةٌ عَنْ خُلُودِهِمْ فِيها.

﴿ وَقِيلَ لَهم ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴾ إهانَةً لَهم وزِيادَةً في غَيْظِهِمْ.

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهم مِنَ العَذابِ الأدْنى ﴾ عَذابِ الدُّنْيا يُرِيدُ ما مُحِنُوا بِهِ مِنَ السَّنَةِ سَبْعَ سِنِينَ والقَتْلِ والأسْرِ.

﴿ دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ ﴾ عَذابِ الآخِرَةِ.

﴿ لَعَلَّهُمْ ﴾ لَعَلَّ مَن بَقِيَ مِنهم.

﴿ يَرْجِعُونَ ﴾ يَتُوبُونَ عَنِ الكُفْرِ.

رُوِيَ أنَّ الوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ فاخَرَ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمَ بَدْرٍ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ولنذيقنّهم مّن العذاب الأدنى} أي عذاب الدنيا من الأسر وما محنوا به من السنة سبع سنين {دون العذاب الأكبر} أي عذاب الآخرة أي نذيقهم عذاب الدنيا قبل أن يصلوا إلى الآخرة عن الدار انى العذاب الادنى الخذلال والعذاب الأكبر الخلود في النيران وقيل العذاب الأدنى عذاب القبر {لعلّهم} لعل المعذبين بالعذاب الأدنى {يرجعون} يتوبون عن الكفر

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولَنُذِيقَنَّهم مِنَ العَذابِ الأدْنى ﴾ أيِ الأقْرَبِ، وقِيلَ: الأقَلِّ، وهو عَذابُ الدُّنْيا، فَإنَّهُ أقْرَبُ مِن عَذابِ الآخِرَةِ وأقَلُّ مِنهُ، واخْتُلِفَ في المُرادِ بِهِ، فَرَوى النَّسائِيُّ وجَماعَةٌ وصَحَّحَهُ الحاكِمُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ سُنُونَ أصابَتْهُمْ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ النَّخَعِيِّ، ومُقاتِلٍ، ورَوى الطَّبَرانِيُّ وآخَرُونَ وصَحَّحَهُ والحاكِمُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أيْضًا أنَّهُ ما أصابَهم يَوْمَ بَدْرٍ.

ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما بِلَفْظٍ هو القَتْلُ بِالسَّيْفِ، نَحْوَ يَوْمِ بَدْرٍ، وعَنْ مُجاهِدٍ القَتْلُ والجُوعُ.

وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ المُسْنَدِ، وأبُو عَوانَةَ في صَحِيحِهِ، وغَيْرُهم عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُ قالَ: هو مَصائِبُ الدُّنْيا، والرُّومُ، والبَطْشَةُ، والدُّخانُ، وفي لَفْظِ مُسْلِمٍ: أوِ الدُّخانُ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: هو مَصائِبُ الدُّنْيا وأسْقامُها وبَلاياها، وفي رِوايَةٍ عَنْهُ وعَنِ الضَّحّاكِ، وابْنِ زَيْدٍ بِلَفْظِ: مَصائِبُ الدُّنْيا في الأنْفُسِ والأمْوالِ، وفي مَعْناهُ ما أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، «عَنْ أبِي إدْرِيسَ الخَوْلانِيِّ قالَ: سَألْتُ عُبادَةَ بْنَ الصّامِتِ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَنُذِيقَنَّهُمْ ﴾ الآيَةَ فَقالَ: سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْها فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: هي المَصائِبُ والأسْقامُ والآصارُ عَذابٌ لِلْمُسْرِفِ فِي الدُّنْيا دُونَ عَذابِ الآخِرَةِ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَما هي لَنا؟

قالَ: زَكاةٌ وطَهُورٌ،» وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ الحُدُودُ.

وأخْرَجَ هُنا عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّهُ فَسَّرَهُ بِعَذابِ القَبْرِ، وحُكِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا ﴿ دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ ﴾ هو عَذابُ يَوْمِ القِيامَةِ، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وغَيْرِهِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لا خِلافَ في أنَّهُ ذَلِكَ، وفي التَّحْرِيرِ: إنَّ أكْثَرَهم عَلى أنَّ العَذابَ الأكْبَرَ عَذابُ يَوْمِ القِيامَةِ في النّارِ، وقِيلَ: هو القَتْلُ، والسَّبْيُ، والأسْرُ.

وعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ خُرُوجُ المَهْدِيِّ بِالسَّيْفِ انْتَهى.

وعَلَيْهِما يُفَسَّرُ العَذابُ الأدْنى بِالسِّنِينَ، أوِ الأسْقامِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يَكُونُ أدْنى مِمّا ذُكِرَ، وعَنْ بَعْضِ أهْلِ البَيْتِ تَفْسِيرُهُ بِالدّابَّةِ والدَّجّالِ، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما عَلَيْهِ الأكْثَرُ.

وإنَّما لَمْ يَقُلِ الأصْغَرُ في مُقابَلَةِ ( الأكْبَرِ )، أوِ الأبْعَدُ في مُقابَلَةِ ( الأدْنى )، لِأنَّ المَقْصُودَ هو التَّخْوِيفُ والتَّهْدِيدُ، وذَلِكَ إنَّما يَحْصُلُ بِالقُرْبِ، لا بِالصِّغَرِ، وبِالكِبَرِ لا بِالبُعْدِ، قالَهُ النَّيْسابُورِيُّ مُلَخِّصًا لَهُ مِن كَلامِ الإمامِ، وكَذا أوْجَبَ أبُو حَيّانَ إلّا أنَّهُ قالَ: إنَّ الأدْنى يَتَضَمَّنُ الأصْغَرَ لِأنَّهُ مُنْقَضٍ بِمَوْتِ المُعَذَّبِ، والأكْبَرَ يَتَضَمَّنُ الأبْعَدَ لِأنَّهُ واقِعٌ في الآخِرَةِ فَحَصَلَتِ المُقابَلَةُ مِن حَيْثُ التَّضَمُّنُ، وصَرَّحَ بِما هو آكَدُ في التَّخْوِيفِ ﴿ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ ﴾ أيْ لَعَلَّ مَن بَقِيَ مِنهم يَتُوبُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ لَعَلَّهم يُرِيدُونَ الرُّجُوعَ ويَطْلُبُونَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا  ﴾ ، وسُمِّيَتْ إرادَةُ الرُّجُوعِ رُجُوعًا كَما سُمِّيَتْ إرادَةُ القِيامِ قِيامًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ  ﴾ ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ «يُرْجَعُونَ» عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ انْتَهى.

وهُوَ عَلى ما حُكِيَ عَنْ مُجاهِدٍ، ورُوِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ، فَيَتَعَلَّقُ ( لَعَلَّهم ) إلَخْ، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَنُذِيقَنَّهم مِنَ العَذابِ الأدْنى ﴾ كَما في الأوَّلِ، إلّا أنَّ الرُّجُوعَ هُنالِكَ التَّوْبَةُ، وها هُنا الرُّجُوعُ إلى الدُّنْيا، ويَكُونُ مِن بابِ ﴿ فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا  ﴾ ، أوْ يَكُونُ التَّرَجِّي راجِعًا إلَيْهِمْ، ووَجْهُ دِلالَةِ القِراءَةِ المَذْكُورَةِ عَلَيْهِ أنَّهُ لا يَصِحُّ الحَمْلُ فِيها عَلى التَّوْبَةِ، والظّاهِرُ التَّفْسِيرُ المَأْثُورُ، والقِراءَةُ لا تَأْباهُ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ المَعْنى عَلَيْهِمْ لَعَلَّهم يُرْجِعُهم ذَلِكَ العَذابُ عَنِ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، و(لَعَلَّ) لِتَرَجِّي المُخاطَبِينَ كَما فَسَّرَها بِذَلِكَ سِيبَوَيْهِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَفْسِيرُها هُنا بِكَيْ، وكَأنَّ المُرادَ كَيْ نُعَرِّضَهم بِذَلِكَ لِلتَّوْبَةِ، وجَعَلَها الزَّمَخْشَرِيُّ لِتَرَجِّيهِ سُبْحانَهُ، ولِاسْتِحالَةِ حَقِيقَةِ ذَلِكَ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ حَمَلَهُ عَلى إرادَتِهِ تَعالى، وأوْرَدَ عَلى ذَلِكَ سُؤالًا أجابَ عَنْهُ عَلى مَذْهَبِهِ في الِاعْتِزالِ، فَلا تَلْتَفِتْ إلَيْهِ، هَذا والآياتُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا ﴾ إلى هُنا نَزَلَتْ في عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ، والوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ أخِي عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِأُمِّهِ أرْوى بِنْتِ كَرِيزِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ.

أخْرَجَ أبُو الفَرَجِ الأصْفَهانِيُّ في كِتابِ الأغانِي، والواحِدِيُّ، وابْنُ عَدِيٍّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والخَطِيبُ، وابْنُ عَساكِرَ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ الوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ لِعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: أنا أحَدُّ مِنكَ سِنانًا، وأبْسَطُ مِنكَ لِسانًا، وأمْلَأُ لِلْكَتِيبَةِ مِنكَ، فَقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: اسْكُتْ، فَإنَّما أنْتَ فاسِقٌ، فَنَزَلَتْ ﴿ أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا ﴾ إلَخْ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ نَحْوَ ذَلِكَ، وأخْرَجَ هَذا أيْضًا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى أنَّها نَزَلَتْ في عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، والوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ، ولَمْ يَذْكُرْ ما جَرى.

وفِي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّها نَزَلَتْ في عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، ورَجُلٍ مِن قُرَيْشٍ ولَمْ يُسَمِّهِ.

وفِي الكَشّافِ رُوِيَ في نُزُولِها «أنَّهُ شَجَرَ بَيْنَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، والوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ يَوْمَ بَدْرٍ كَلامٌ، فَقالَ لَهُ الوَلِيدُ: اسْكُتْ، فَإنَّكَ صَبِيٌّ أنا أشَبُّ مِنكَ شَبابًا، وأجْلَدُ مِنكَ جَلَدًا، وأذْرَبُ مِنكَ لِسانًا، وأحَدُّ مِنكَ سِنانًا، وأشْجَعُ مِنكَ جِنانًا، وأمْلَأُ مِنكَ حَشْوًا في الكَتِيبَةِ، فَقالَ لَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: اسْكُتْ، فَإنَّكَ فاسِقٌ، فَنَزَلَتْ».

ولَمْ نَرَهُ بِهَذا اللَّفْظِ مُسْنَدًا، وقالَ الخَفاجِيُّ: قالَ ابْنُ حَجَرٍ: إنَّهُ غَلَطٌ فاحِشٌ، فَإنَّ الوَلِيدَ لَمْ يَكُنْ يَوْمَ بَدْرٍ رَجُلًا، بَلْ كانَ طِفْلًا، لا يُتَصَوَّرُ مِنهُ حُضُورُ بَدْرٍ وصُدُورُ ما ذُكِرَ.

ونَقَلَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ عَنِ الشَّيْخِ ولِيِّ الدِّينِ: هو غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، فَإنَّ الوَلِيدَ يَصْغُرُ عَنْ ذَلِكَ، وأقُولُ: بَعْضُ الأخْبارِ تَقْتَضِي أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَوْلُودًا يَوْمَ بَدْرٍ أوْ كانَ صَغِيرًا جِدًّا، أخْرَجَ أبُو داوُدَ في السُّنَنِ مِن طَرِيقِ ثابِتِ بْنِ الحَجّاجِ عَنْ أبِي مُوسى عَبْدِ اللَّهِ الهَمْدانِيِّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «لَمّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَكَّةَ جَعَلَ أهْلُ مَكَّةَ يَأْتُونَهُ بِصِبْيانِهِمْ، فَيَمْسَحُ عَلى رُؤُوسِهِمْ فَأُتِيَ بِي إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأنا مُخَلَّقٌ، فَلَمْ يَمَسَّنِي مِن أجْلِ الخَلُوقِ،» إلّا أنَّ ابْنَ عَبْدِ البَرِّ قالَ: إنَّ أبا مُوسى مَجْهُولٌ، وأيْضًا ذَكَرَ الزُّبَيْرُ، وغَيْرُهُ مِن أهْلِ العِلْمِ بِالسِّيَرِ أنَّ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عُقْبَةَ لَمّا خَرَجَتْ مُهاجِرَةً إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في الهُدْنَةِ سَنَةَ سَبْعٍ خَرَجَ أخَواها الوَلِيدُ وعُمارَةُ لِيَرُدّاها، وهو ظاهِرٌ في أنَّهُ لَمْ يَكُنْ صَبِيًّا يَوْمَ الفَتْحِ، إذْ مَن يَكُونُ كَذَلِكَ كَيْفَ يَكُونُ مِمَّنْ خَرَجَ لِيَرُدَّ أُخْتَهُ قَبْلَ الفَتْحِ، وبَعْضُ الأخْبارِ تَقْتَضِي أنَّهُ كانَ رَجُلًا يَوْمَ بَدْرٍ، فَقَدْ ذَكَرَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في كِتابِهِ الإصابَةَ أنَّهُ قَدِمَ في فِداءِ ابْنِ عَمِّ أبِيهِ الحارِثِ بْنِ أبِي وجْرَةَ بْنِ أبِي عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ، وكانَ أُسِرَ يَوْمَ بَدْرٍ، فافْتَداهُ بِأرْبَعَةِ آلافٍ، وقالَ: حَكاهُ أهْلُ المَغازِي، ولَمْ يَتَعَقَّبْهُ بِشَيْءٍ، وسَوْقُ كَلامِهِ ظاهِرٌ في ارْتِضائِهِ، ووَجْهُ اقْتِضائِهِ ذَلِكَ أنَّ ما تَعاطاهُ مِن أفْعالِ الرِّجالِ دُونَ الصِّبْيانِ، وهَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ عَنِ ابْنِ حَجَرٍ يُخالِفُ ما ذَكَرَهُ عَنْهُ الخَفاجِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ مِمّا مَرَّ آنِفًا، ولا يَنْبَغِي أنْ يُقالَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صَغِيرًا ذَلِكَ اليَوْمَ صِغَرًا يُمْكِنُ مَعَهُ عادَةً الحُضُورُ، فَحَضَرَ، وجَرى ما جَرى لِأنَّ وصْفَهُ بِالفِسْقِ بِمَعْنى الكُفْرِ والوَعِيدِ عَلَيْهِ بِما سَمِعْتَ في الآياتِ مَعَ كَوْنِهِ دُونَ البُلُوغِ مِمّا لا يَكادُ يَذْهَبُ إلَيْهِ إلّا مَن يَلْتَزِمُ أنَّ التَّكْلِيفَ بِالإيمانِ إذْ ذاكَ كانَ مَشْرُوطًا بِالتَّمْيِيزِ، ولا أنْ يُقالَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ القِصَّةُ بَعْدَ إسْلامِهِ، وقَدْ أُطْلِقَ عَلَيْهِ فاسِقٌ وهو مُسْلِمٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا  ﴾ ، فَقَدْ قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: لا خِلافَ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ بِتَأْوِيلِ القُرْآنِ إنَّها نَزَلَتْ فِيهِ، حَيْثُ إنَّهُ  بَعَثَهُ مُصَدِّقًا إلى بَنِي المُصْطَلِقِ فَعادَ، وأخْبَرَ أنَّهُمُ ارْتَدُّوا، ومَنَعُوا الصَّدَقَةَ، ولَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ، لِأنَّ الفِسْقَ ها هُنا بِمَعْنى الكُفْرِ، وهُناكَ لَيْسَ كَذَلِكَ، ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ القَوْلَ بِأنَّها نَزَلَتْ في عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ والوَلِيدِ لِكَلامٍ جَرى يَوْمَ بَدْرٍ يَقْتَضِي أنَّها مَدَنِيَّةٌ، والمُخْتارُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ خِلافُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى وهو المصيبات والقتل والجوع دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ وهو عذاب النار.

يعني: إن لم يتوبوا.

ويقال: الْعَذابِ الْأَدْنى هو السحر للفاسقين، والعذاب الأكبر النار إن لم يتوبوا.

ويقال: الْعَذابِ الْأَدْنى عذاب القبر.

وقال إبراهيم: يعني: سنين جدب أصابتهم.

وقال أبو العالية: مصيبات في الدنيا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ يعني: يتوبون.

قوله عز وجل: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ يعني: وعظ بآيات ربه القرآن ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها يعني: عن الإيمان بها فلم يؤمن بها إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ بالعذاب يعني: منتصرون.

ثم قال عز وجل: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ يعني: أعطينا موسى التوراة فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ قال مقاتل: يعني: فلا تكن في شك من لقاء موسى التوراة.

فإن الله عز وجل ألقى عليه الكتاب.

وقال في رواية الكلبي: فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ من لقاء موسى-  -، فلقيه ليلة أُسري به في بيت المقدس يعني: لقي النبيّ  موسى هناك.

ويقال: لقيه في السماء.

وذكر الخبر المعروف أنه فرض على النبيّ  خمسون صلاة.

فقال له موسى-  -: ارجع إلى رَبّكَ فَاسْأَلْهُ التخفيف لأمتك.

فلم يزل يرجع حتى حطّ الله عَزَّ وَجَلَّ إلَى الخمس ويقال: فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ يعني: من لقاء الله عز وجل وهو البعث بعد الموت.

ويقال: فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ يعني: لا تشكن أنك تلقى موسى يوم القيامة.

ثم قال عز وجل: وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ يعني: جعلنا التوراة بياناً لهم، وهدى من الضلالة.

ويقال: وَجَعَلْناهُ هُدىً يعني: جعلنا موسى هادياً لبني إسرائيل يدعوهم وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يعني: وجعلنا من بني إسرائيل قادة في الخير يَهْدُونَ بِأَمْرِنا يعني: يدعون الناس إلى أمر الله عز وجل لَمَّا صَبَرُوا أي: حين صبروا ويقال: هو حكاية المجازاة، يعني لما صبروا جعلنا منهم أئمة ومن قرأ بالتخفيف لَمَّا صَبَرُوا أي بكسر اللام والتخفيف.

وقرأ الباقون بالنصب والتشديد.

فمن قرأ بالتشديد لَمَّا صَبَرُوا بما صبروا، وتشهد لها قراءة ابن مسعود، كان يقرأ بِمَا صَبَرُواْ.

ويقال: معناه كما صبروا عن الدنيا، وصبروا على دينهم، ولم يرجعوا عنه.

ويقال: معناه وجعلناهم أئمة بصبرهم وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ يعني: يصدقون بالعلامات التي أعطي موسى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: وَقالُوا أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أي: تَلَفْنَا وَتَقَطَّعَتْ أَوْصَالُنَا، فذهبنا في التراب حتّى لم نوجد إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أي: أَنُخْلَقُ بَعْدَ ذلك خَلقاً جديداً إنكاراً منهم للبعثِ واستبعاداً له، ويَتَوَفَّاكُمْ معناه يَسْتَوِفِيكم رُوِيَ عَن مجاهدٍ: أن الدنّيَا بَيْنَ يَدَيْ مَلَكِ المَوتِ كالطِّسْتِ بَيْنَ يَدَي الإنْسَانِ يأخُذُ مِنْ حَيثُ أُمِرَ «١» .

وقوله تعالى: وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ الآية تَعْجِيبٌ لمحمَّد عليه السلام وأمته من حالِ الكفرةِ، ومَا حَلَّ بهم، وجوابٌ لَوْ محذوفٌ لأنَّ حذفَه أَهْوَلُ في النفوس، وتنكيسُ رؤوسهم هو من الذل واليأسِ والهَمِّ بحلُول العذابِ.

وقولهم أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا أي: ما كنا نُخْبَرُ به في الدنيا، ثم طلبوا الرَّجْعَةَ حينَ لاَ يَنْفَعُ ذَلكَ.

ثمَّ أخْبَرَ تعالى عن نَفْسهِ أنَّه لو شَاء لهدى الناس أجمعين بأن يَلْطُفُ بهم لُطْفاً يؤمنونَ به، ويخترع الإيمانَ في نفوسهم، هذا مذهبُ أهلِ السُّنَّةِ، والْجِنَّةِ: الشياطين، ونَسِيتُمْ معناه: تركتم قاله ابن عباس «٢» وغيره.

وقوله: إِنَّا نَسِيناكُمْ سَمَّى العقوبة باسم الذنب.

ثم أثْنَى سبحانه على القوم الذين يؤمنون بآياته، ووصَفَهم بالصفة الحُسْنَى من سجودهم عند التذكير، وتسبيحهم وعدم استكبارهم.

تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٧) أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى نُزُلاً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النَّارُ كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠)

وقوله تعالى: تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ ...

الآية، تَجافَى الجنبُ عن موضِعِه إذا تَرَكه، قال الزجاج وغيره: التَّجافِي التَّنَحِّي إلى فوق.

قال ع «١» : وهذا قول حسن، والجنوبُ جَمْعُ جَنْبٍ، والمضاجِعُ مَوْضِع الاضْطجَاع للنوم.

ت: وقال الهرَوِيُّ: تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ أي: ترتفعُ وتَتَباعَدُ، والجَفاء بَيْن النَّاسِ هُو التَّبَاعُدُ، انتهى.

وَرَوَى البُخَاري بسنَدِهِ عن أبي هريرة أن عَبدَ الله بن رَوَاحَةَ- رَضِيَ الله عنه- قَالَ: [الطويل]

وَفِينَا رَسُولُ اللهِ يَتلُو كِتَابَه ...

إذَا انشق مَعْرُوفٌ مِنَ الفَجْرِ سَاطِعُ

أَرَانَا الهدى بَعْدَ العمى فَقُلُوبُنَا ...

بِهِ مُوقِنَاتٌ أَنَّ مَا قَالَ وَاقِعُ

يَبِيتُ يُجَافِي جَنْبَهُ عَنْ فِرَاشِهِ ...

إذَا استثقلت بِالْكَافِرِينَ المَضَاجِعُ

انتهى.

وجمهور المفسرين: على أن المرادَ بهذا التجافي صلاةُ النوافلِ بالليلِ.

قال ع «٢» : وعلى هذا التأويل أكثَرُ الناسِ، وهو الذي فيه المدحُ وفيه أحاديثُ عن النبي صلى الله عليه وسلّم يَذكر عليه السلام قِيامَ الليل ثم يستشهدُ بالآية ففي حديثِ معاذٍ «أَلاَ أَدُلُّكَ على أبواب الخير: الصوم جنّة، والصدقة تطفئ الخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِىءُ المَاءُ النَّارَ، وَصَلاَةُ الرَّجُلِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ، ثم قَرَأ تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ/، حتّى بلغ يَعْمَلُونَ» رواه ٧٠ أالترمذيّ «٣» ، وقال: حديث حسن صحيح ورَجَّحَ الزَّجَاجُ «٤» ما قاله الجمهور بأنهم:

جُوزُوا بإخفاءٍ، فَدَلَّ ذلك على أن العَمَلَ إخْفَاءٌ أيضاً، وهو قيامُ الليل يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً أي: من عذابه وَطَمَعاً، أي: في ثوابه.

قال ص: تَتَجافى أَعربه أبو البقاء: حالاً، ويَدْعُونَ: حال أو مستأنف وخَوْفاً وَطَمَعاً: مَفْعُولاَن من أجله أو مصدران في موضع الحال انتهى.

وفي «الترمذي» عن معاذ بن جبل قال: قلت: يا رَسُولَ اللهِ، أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الجَنَّةَ، وَيُبَاعِدُنِي عَنِ النَّارِ، قَالَ: «لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْ عَظِيمٍ، وَإنَّهُ لَيَسِيرٌ على مَنْ يَسَّرَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ تَعْبُدُ اللهَ لاَ تُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً، وَتُقِيمَ الصَّلاَةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصُومُ رمضَانَ، وتَحُجُّ البَيْتَ، ثمَّ قَالَ: أَلاَ أَدُلُّكَ على أَبْوَابِ الخير؟

الصوم جنّة، والصدقة تطفئ الخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِىءُ المَاءُ النَّارَ، وَصَلاَةُ الرَّجُلِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، ثم تَلاَ: تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ حَتَّى بَلَغَ يَعْمَلُونَ.

ثم قال: أَلاَ أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الأَمْر وَعَمُودِهِ وَذِرْوَةِ سَنَامِهِ؟

قُلْتُ: بلى، يَا رَسُولَ اللهِ.

قال: رَأْسُ الأَمْرِ الإسْلاَمُ، وَعَمُودُهُ الصَّلاَةُ وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ، ثُمَّ قَالَ: أَلاَ أُخْبِرُكَ بِمَلاَكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟

قُلْتُ: بلى يَا رَسُولَ اللهِ فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ، وَقَالَ: كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا.

قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، وإنّا لمؤاخذون بما نتكلّم به؟!

فَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، وَهَلْ يَكُبَّ النَّاسَ فِي النَّارِ على وُجُوهِهِمْ إلاَّ حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟!» «١» قال الترمذيُّ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.

انتهى.

وقرأ حمزةُ وحده «٢» : «أُخْفِيْ» - بسكون الياء كأنه قال: أُخْفِيْ أَنَا.

وقرأ الجمهور «أُخْفِيَ» - بفتح الياء-، وفي معنى هذه الآية قال صلى الله عليه وسلّم: «قال الله- عز وجل-: أعددت لعبادي الصالحين مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خطر على قلب بَشَرٍ ذُخْراً بَلْهَ مَا اطلعتم عَلَيْهِ، واقرءوا إنْ شِئْتُمْ: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ...

الآية» انتهى.

قال القرطبيُّ في «تذكرته» «٣» : «وبَلْهَ» معناه: غَيْر، وقيل: هو اسم فِعْلٍ بمعنى دَعْ، وهذا الحديث خرّجه البخاري، وغيره «٤» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ الوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ قالَ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ: أنا أحَدُّ مِنكَ سِنانًا، وأبْسَطُ مِنكَ لِسانًا، وأمْلَأُ لِلْكَتِيبَةِ مِنكَ، فَقالَ لَهُ عَلِيٌّ: اسْكُتْ فَإنَّما أنْتَ فاسِقٌ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَعَنى بِالمُؤْمِنِ عَلِيًّا، وبِالفاسِقِ الوَلِيدَ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي لَيْلى، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وأبِي جَهْلٍ، قالَهُ شَرِيكٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَسْتَوُونَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: لا يَسْتَوِي المُؤْمِنُونَ والكافِرُونَ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِاثْنَيْنِ، لِأنَّ مَعْنى الِاثْنَيْنِ جَماعَةٌ؛ وقَدْ شَهِدَ اللَّهُ بِهَذا الكَلامِ لِعَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالإيمانِ وأنَّهُ في الجَنَّةِ، لِقَوْلِهِ: ﴿ أمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم جَنّاتُ المَأْوى ﴾ .

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: " جَنَّةُ المَأْوى " عَلى التَّوْحِيدِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نُزُلا ﴾ وقَرَأ الحَسَنُ، والنَّخَعِيُّ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " نُزْلًا " بِتَسْكِينِ الزّايِ.

وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [الحَجِّ: ٢٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَلَنُذِيقَنَّهم مِنَ العَذابِ الأدْنى ﴾ وفِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ ما أصابَهم يَوْمَ بَدْرٍ، رَواهُ مَسْرُوقٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: سُنُونَ أُخِذُوا بِها، رَواهُ أبُو عُبَيْدَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وبِهِ قالَ النَّخَعِيُّ.

وقالَ مُقاتِلٌ: أُخِذُوا بِالجُوعِ سَبْعَ سِنِينَ.

والثّالِثُ: مَصائِبُ الدُّنْيا، قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ ابْنِ أبِي طَلْحَةَ، وأبُو العالِيَةِ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ.

والرّابِعُ: الحُدُودُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والخامِسُ: عَذابُ القَبْرِ، قالَهُ البَراءُ.

والسّادِسُ: القَتْلُ والجُوعُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ ﴾ أيْ: قَبْلَ العَذابِ الأكْبَرِ؛ وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ عَذابُ يَوْمِ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

والثّانِي: أنَّهُ القَتْلُ بِبَدْرٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ ﴾ قالَ أبُو العالِيَةِ: لَعَلَّهم يَتُوبُونَ.

وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَعَلَّ مَن بَقِيَ مِنهم يَتُوبُ.

وقالَ مُقاتِلٌ: لِكَيْ يَرْجِعُوا عَنِ الكُفْرِ إلى الإيمانِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن أظْلَمُ ﴾ قَدْ فَسَّرْناهُ في (الكَهْفِ: ٥٧) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا مِنَ المُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ ﴾ قالَ زَيْدُ بْنُ رَفِيعٍ: هم أصْحابُ القَدَرِ.

وقالَ مُقاتِلٌ: هم كُفّارُ مَكَّةَ انْتَقَمَ اللَّهُ مِنهم بِالقَتْلِ بِبَدْرٍ، وضَرَبَتِ المَلائِكَةُ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ، وعَجَّلَ أرْواحَهم إلى النّارِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَنُذِيقَنَّهم مِنَ العَذابِ الأدْنى دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ ﴾ ﴿ وَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أعْرَضَ عنها إنّا مِنَ المُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "لَنُذِيقَنَّهُمْ" بِكَفّارِ قُرَيْشٍ، أعْلَمَ اللهُ تَعالى أنَّهُ يُصِبْهم بِعَذابٍ دُونَ عَذابِ الآخِرَةِ لَعَلَّهم يَتُوبُونَ ويَتَّعِظُونَ، ولا خِلافَ أنَّ العَذابَ الأكْبَرَ هو عَذابُ الآخِرَةِ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في تَعْيِينِ العَذابِ الأدْنى، فَقالَ إبْراهِيمُ النَخَعِيُّ، ومُقاتِلُ: هُمُ السُنُونَ الَّتِي أجاعَهُمُ اللهُ فِيها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأُبَيِّ بْنُ كَعْبٍ: هو مَصائِبُ الدُنْيا مِنَ الأمْراضِ ونَحْوَها، وقالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ: هو القَتْلُ بِالسَيْفِ كَبَدْرٍ وغَيْرِها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَيَكُونُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ "الراجِعُ" غَيْرَ "الَّذِي يَذُوقُ"، بَلِ الَّذِي يَبْقى بَعْدَهُ، وتَخْتَلِفُ رُتْبَتا ضَمِيرِ الذَوْقِ مَعَ ضَمِيرِ لَعَلَّ.

وقالَ أُبَيِّ بْنُ كَعْبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - أيْضًا: هي البَطْشَةُ، واللِزامُ والدُخانُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أيْضًا: عَنى بِذَلِكَ الحُدُودَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَتَّجِهُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - أنْ تَكُونَ في فَسَقَةِ المُؤْمِنِينَ.

وقالَ مُجاهِدٌ: عَنى بِذَلِكَ عَذابَ القَبْرِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى عَلى جِهَةِ التَعَجُّبِ والتَقْرِيرِ -: ﴿ وَمَن أظْلَمُ ﴾ ، أيْ: لا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنْ هَذِهِ صِفَتُهُ، وهي بِخِلافِ ما تَقَدَّمَ في صِفَةِ المُؤْمِنِينَ مِن أنَّهم إذا ذُكِّرُوا بِآياتِ اللهِ خَرُّوا سُجَّدًا، ثُمَّ تُوعَدُ تَبارَكَ وتَعالى المُجْرِمِينَ، وهُمُ المُتَجاسِرُونَ عَلى رُكُوبِ الكُفْرِ والمَعاصِي بِالقُوَّةِ، وظاهِرُ الإجْرامِ هُنا أنَّهُ الكُفْرُ.

وحَكى الطَبَرِيُّ عن يَزِيدِ بْنِ رَفِيعٍ أنَّهُ قالَ: إنَّ قَوْلَ اللهِ تَعالى في القُرْآنِ: ﴿ إنّا مِنَ المُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ ﴾ إنَّما هو في أهْلِ القَدَرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يُرِيدُ القائِلِينَ بِأنَّ أفْعالَ العَبْدِ مِن قَبْلِهِ، قالَ: ثُمَّ قَرَأ يَزِيدُ بْنُ رَفِيعٍ: ﴿ إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ وسُعُرٍ  ﴾ ﴿ يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ  ﴾ ﴿ إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فِي هَذا المَنزَعِ مِنَ البُعْدِ ما لا خَفاءَ بِهِ.

ورَوى مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "ثَلاثٌ مَن فَعَلَهُنَّ فَقَدْ أجْرَمَ: مَن عَقَدَ لِواءٌ في غَيْرِ حَقٍّ، ومَن عَقَّ والِدَيْهِ، أوَ مَشى مَعَ ظالِمٍ يَنْصُرُهُ".» <div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

إخبار بأن لهم عذاباً آخر لا يبلغ مبلغ عذاب النار الموعودين به في الآخرة فتعين أن العذاب الأدنى عذاب الدنيا.

والمقصود من هذا: التعريضُ بتهديدهم لأنهم يسمعون هذا الكلام أو يبلغ إليهم.

وهذا إنذار بما لحقهم بعد نزول الآية وهو ما مُحنوا به من الجوع والخوف وكانوا في أمن منهما وما يصيبهم يوم بدر من القتل والأسر ويوم الفتح من الذل.

وجملة ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ استئناف بياني لحكمة إذاقتهم العذاب الأدنى في الدنيا بأنه لرجاء رجوعهم، أي رجوعهم عن الكفر بالإيمان.

والمراد: رجوع من يمكن رجوعه وهم الأحياء منهم.

وإسناد الرجوع إلى ضمير جميعهم باعتبار القبيلة والجماعة، أي لعل جماعتهم ترجع.

وكذلك كان فقد آمن كثير من الناس بعد يوم بدر وبخاصة بعد فتح مكة، فصار من تحقق فيهم الرجوع المرجوّ مخصوصين من عموم ﴿ الذين فسقوا ﴾ في قوله تعالى: ﴿ وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها ﴾ الآية [السجدة: 20]، فبقي ذلك الوعيد للذين ماتوا على الشرك، وهي مسألة الموافاة عند الأشعري.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا ﴾ المُؤْمِنُ هَنا عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ والفاسِقُ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سابَّ عُقْبَةُ عَلِيًّا فَقالَ أنا أبْسَطُ مِنكَ لِسانًا وأحَدُّ مِنكَ سِنانًا وأمْلَأُ مِنكَ حَشْوًا فَقالَ لَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ: لَيْسَ كَما قُلْتَ يا فاسِقُ، فَنَزَلَتْ فِيهِما هَذِهِ الآيَةُ.

﴿ لا يَسْتَوُونَ ﴾ قالَ قَتادَةُ: لا واللَّهِ لا يَسْتَوُنَ لا في الدِّينا ولا عِنْدَ المَوْتِ ولا في الآخِرَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَنُذِيقَنَّهم مِنَ العَذابِ الأدْنى دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ ﴾ أمّا العَذابُ الأدْنى فَفي الدُّنْيا وفِيهِ سَبْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها مَصائِبُ الدُّنْيا في الأنْفُسِ والأمْوالِ، قالَهُ أُبَيٌّ.

الثّانِي: القَتْلُ بِالسَّيْفِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الحُدُودُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الرّابِعُ: القَحْطُ والجَدْبُ، قالَهُ إبْراهِيمُ.

الخامِسُ: عَذابُ القَبْرِ، قالَهُ البَراءُ بْنُ عازِبٍ ومُجاهِدٌ.

السّادِسُ: أنَّهُ عَذابُ الدُّنْيا كُلِّها، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

السّابِعُ: أنَّهُ غَلاءُ السِّعْرِ والأكْبَرُ خُرُوجُ المَهْدِيِّ، قالَهُ جَعْفَرٌ الصّادِقُ.

وَيَحْتَمِلُ ثامِنًا: أنَّ العَذابَ الأدْنى في المالِ، والأكْبَرَ في الأنْفُسِ، والعَذابَ الأكْبَرَ عَذابُ جَهَنَّمَ في الآخِرَةِ.

﴿ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَرْجِعُونَ إلى الحَقِّ، قالَهُ إبْراهِيمُ.

الثّانِي: يَتُوبُونَ مِنَ الكُفْرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الفريابي وابن منيع وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والخطيب والبيهقي في الدلائل عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولنذيقنهم من العذاب الأدنى ﴾ قال: يوم بدر ﴿ دون العذاب الأكبر ﴾ قال: يوم القيامة ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ قال: لعل من بقي منهم يرجع.

وأخرج ابن أبي شيبة والنسائي وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولنذيقنهم من العذاب الأدنى ﴾ قال: سنون اصابتهم ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ قال: يتوبون.

وأخرج مسلم وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند وأبو عوانه في صحيحه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي بن كعب رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولنذيقنهم من العذاب الأدنى ﴾ قال: مصائب الدنيا واللزوم والبطشة والدخان.

وأخرج ابن مردويه عن أبي ادريس الخولاني رضي الله عنه قال: سألت عبادة بن الصامت رضي الله عنه عن قول الله: ﴿ ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر ﴾ فقال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها فقال: «هي المصائب والاسقام والانصاب عذاب للمسرف في الدنيا دون عذاب الآخرة قلت: يا رسول الله فما هي لنا؟

قال: زكاة وطهور» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولنذيقنهم من العذاب الأدنى ﴾ قال: مصائب الدنيا وأسقامها وبلاياها، يبتلي الله بها العباد كي يتوبوا.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن إبراهيم رضي الله عنه ﴿ ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر ﴾ قال: أشياء يصابون بها في الدنيا ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ قال: يتوبون.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر ﴾ قال: الحدود ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ قال: يتوبون.

وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ ولنذيقنهم من العذاب الأدنى ﴾ قال: عذاب الدنيا وعذاب القبر.

وأخرج الفريابي وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ ولنذيقنهم من العذاب الأدنى ﴾ قال: القتل والجوع لقريش في الدنيا، والعذاب الأكبر يوم القيامة في الآخرة.

وأخرج هناد عن أبي عبيدة في قوله: ﴿ ولنذيقنهم من العذاب الأدنى ﴾ قال: عذاب القبر.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ ﴾ الآية.

العذاب الأكبر: هو عذاب يوم القيامة، والعذاب الأدنى هو ما يعذبون به قبل يوم القيامة.

واختلفوا فيه: قال (١) (٢) وقال أبي بن كعب: هو مصائب الدنيا.

وهو قول إبراهيم، قال: أشياء يصابون بها في الدنيا ويبتلون في أموالهم لعلهم يقبلون إلى الله.

وهو قول الحسن، ورواية الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس (٣) القول [الثالث] (٥) (٦) القول الرابع: أن العذاب الأدنى عذاب القبر.

وهو قول البراء، ومجاهد في رواية ابن أبي نجيح عنه (٧) (٨) وقوله: {لَ1 [[وبه قال أيضًا أبو العالية وقتادة وإبراهيم.

انظر: "تفسير الطبري" 21/ 111، "تفسير الماوردي" 4/ 365.]].

(١) هكذا في النسخ لم يبين من القائل، وفي "الوسيط" قال: قال مقاتل.

(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 85/ ب، "تفسير الطبري" 21/ 110، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 309، "تفسير مجاهد" ص 511، "زاد المسير" 6/ 341.

(٣) انظر: "المصادر السابقة" والماوردي 4/ 365.

(٤) انظر: "تفسير الطبري" 21/ 109، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 308، "مجمع البيان" 8/ 520، "زاد المسير" 6/ 341.

(٥) لم أقف عليه منسوبًا لابن عباس، وقد ذكره الماوردي 4/ 365 عن ابن مسعود.

(٦) انظر: "تفسير الطبري" 21/ 110، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 309، "تفسير الماوردي" 4/ 365، "زاد المسير" 6/ 341.

(٧) لم أقف عليه.

(٨) وبه قال أيضًا أبو العالية وقتادة وإبراهيم.

انظر: "تفسير الطبري" 21/ 111، "تفسير الماوردي" 4/ 365.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ ذُوقُواْ عَذَابَ النار الذي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴾ الذي نعت بالعذاب، ولذلك أعاد عليه الضمير المذكور في قوله: ﴿ بِهِ ﴾ ، فإن قيل: لم وصف هنا العذاب وأعاد عليه الضمير، ووصف في سبأ النار وأعاد عليها الضمير، وقال عذاب النار التي كنتم بها تكذبون؟

فالجواب من ثلاثة أوجه: الأول أنه خص العذاب في السجدة بالوصف اعتناء به لما تكرر ذكره في قوله: ﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ العذاب الأدنى دُونَ العذاب الأكبر ﴾ ، والثاني: أنه قدم في السجدة ذكر النار، فكان الأصل أن يذكرها بعد ذلك بلفظ الضمير، لكنه جعل الظاهر مكان المضمر فكما لا يوصف المضمر لم يوصف ما قام مقامه وهو النار، ووصف العذاب ولم يصف النار، الثالث وهو الأقوى أنه امتنع في السجدة وصف النار فوصف العذاب، وإنما امتنع وصفها لتقدم ذكرها، فإنك إذا ذكرت شيئاً ثم كررت ذكره لم يجز وصفه، كقولك: رأيت رجلاً فأكرمت الرجل، فلا يجوز وصفه لئلا يفهم أنه غيره.

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ العذاب الأدنى ﴾ يعني الجوع ومصائب الدنيا وقيل: القتل يوم بدر، وقيل: عذاب القبر وهذا بعيد لقوله: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ خلقه ﴾ بفتح الام: عاصم وحمزة وعلي وخلف ونافع وسهل: الآخرون: بالسكون على البدل من كل شيء.

وعلى الأول يكون وصفاً له ﴿ أئذا ﴾ ﴿ أئنا ﴾ كما في "الرعد" ﴿ ما أخفي ﴾ بسكون الياء على أنه فعل مضارع متكلم: حمزة.

الباقون: بفتحها على أنه فعل ماضٍ مجهول ﴿ لما صبروا ﴾ بكسر اللام وتخفيف الميم: حمزة وعلي ورويس.

الباقون: بفتح اللام وتشديد الميم ﴿ أولم نهد ﴾ بالنون: يزيد عن يعقوب.

الوقوف: ﴿ الم ﴾ ه كوفي ﴿ العالمين ﴾ ه ط لأن "أم" استفهام تقريع غير عاطفة بل هي منقطعة ﴿ افتراه ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ يهتدون ﴾ ه ﴿ العرش ﴾ ط ﴿ شفيع ﴾ ه ﴿ تتذكرون ﴾ ه ط ﴿ تعدون ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ط ﴿ من طين ﴾ ه ج لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ مهين ﴾ ه ج لذلك ﴿ والأفئدة ﴾ ط ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ جديد ﴾ ه ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ عند ربهم ﴾ ط لحق القول المحذوف ﴿ موقنون ﴾ ه ﴿ أجميعن ﴾ ه ﴿ هذا ﴾ ج للابتداء بان مع تكرار ﴿ وذوقوا ﴾ ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ لا يستكبرون ﴾ ه ﴿ وطمعاً ﴾ ز لانقطاع النظم بتقديم المفعول ﴿ ينفقون ﴾ ه ﴿ أعين ﴾ ج لأن ﴿ جزاء ﴾ يحتمل أن يكون مفعولاً له وأن يكون مصدراً لفعل محذوف ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ فاسقاً ﴾ ط لانتهاء الاستفهام إلى الأخبار ﴿ لا يستوون ﴾ ه ﴿ المأوى ﴾ ز لمثل ما مر في ﴿ جزاء ﴾ ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ط ﴿ تكذبون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ عنها ﴾ ط ﴿ منتقمون ﴾ ه ﴿ إسرائيل ﴾ ه ج وإن اتفقت الجملتان للعدول عن ضمير المفعول الأول وهو واحد إلى ضمير الجمع في الثانية ﴿ صبروا ﴾ ط لمن شدد ﴿ يوقنون ﴾ ه ﴿ يختلفون ﴾ ه ﴿ مساكنهم ﴾ ط ﴿ لآيات ﴾ ط ﴿ يسمعون ﴾ ه ﴿ وأنفسهم ﴾ ط ﴿ يبصرون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ ينظرون ﴾ ه ﴿ منتظرون ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر في السورة المتقدمة دلائل الوحدانية ودلائل الحشر وهما الطرفان، بدأ في هذه السورة ببيان الأمر الأوسط وهو الرسالة المصححة ببرهان القرآن.

وإعرابه قريب من قوله ﴿ الم ذلك الكتاب  ﴾ وميل جار الله إلى قوله ﴿ تنزيل الكتاب ﴾ مبتدأ خبره ﴿ من رب العالمين ﴾ ولا ريب فيه اعتراض لا محل له والضمير في ﴿ فيه ﴾ راجع إلى مضمون الجملة أي لا ريب في كونه منزلاً من عنده.

ويمكن أن يقال: في وجه النظم لما عرَّف ي أول السورة المتقدمة أن القرآن هدى ورحمة قال ههنا: إنه من رب العالمين، وذلك أن من عثر على كتب سأل أولاً أنه في أي علم.

فإذا قيل: إنه في الفقه أو التفسير.

سأل: إنه تصنيف اي شخص؟

ففي تخصيص رب العالمين بالمقام إشارة إلى أن كتاب رب العالمين لا بد أن يكون فيه عجائب للعالمين فترغب النفس في مطالعته.

ثم اضرب عما ذكر قائلاً ﴿ أم يقولون افتراه ﴾ وهو تعجيب من قولهم لظهور أمر القرآن في تعجيز بلغائهم عن مثل سورة الكوثر.

ثم أضرب عن الإنكار إلى إثبات أنه الحق من ربك.

ومعنى ﴿ لتنذر قوماً ﴾ قد مر في "القصص" ويندرج فيهم أهل الكتاب إذ يصدق عليهم أنه لم يأتهم نذير بعد ضلالهم سوى محمد  ، ولو لم يندرجوا لم يضرّ فإن تخصيص قوم بالذكر لا يدل على نفي من عداهم كقوله ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين  ﴾ وحين بين الرسالة بين ما على الرسول من الدعاء إلى التوحيد فقال ﴿ الله ﴾ مبتدأ خبره ما يتلوه وقد مر نظائره.

وقوله ﴿ ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع افلا تتذكرون ﴾ إثبات للولاية والشفاعة أي النصرة من عنده ونفي لهما من غيره، وفيه تجهيل لعبدة الأصنام الزاعمين أنها شفعاؤهم بعد اعترافهم بأن خالق الكل هو الله  .

ولما بين الخلق شرع في الأمر فقال ﴿ يدبر الأمر ﴾ اي المأمور به من الطاعات والأعمال الصالحة ينزله مدبراً من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه ذلك العمل في يوم طويل، وهو كناية عن قلة الإخلاص لأنه لا يوصف بالصعود ولا يقوى على العروج إلا العمل الخالص، يؤيد هذا التفسير قوله فيما بعد ﴿ قليلاً ما تشكرون ﴾ أو يدبر أمر الدنيا كلها من السماء إلى الأرض لكل يوم من ايام الله وهو ألف سنة، ثم يصعد إليه مكتوباً في الصحف في كل جزء من أجزاء ذلك اليوم الخ.

ثم يدبر الأمر ليوم آخر مثله وهلم جراً.

أو ينزل الوحي مع جبرائيل ثم يرجع إليه ما كان من قبول الوحي.

ورده مع جبرائيل أيضاً وتقدير الزمان بألف سنة لأن ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام وأن الملك يقطعها في يوم واحد من أيامنا.

وقيل: إنه إشارة إلى نفوذ الأمر، فإن نفاذ الأمر كلما كان في مدة أكثر حاله أعلى أي يدبر الأمر في زمان يوم منه ألف سنة منه، فكم يكون شهر منه وكم يكون سنة منه وكم يكون دهر منه؟

فلا فرق على هذا بين الف سنة وبين خمسين ألف سنة كما في "المعارج".

وقيل: إن هذه عبارة عن الشدة واستطالة أهلها إياها كالعادة في استطالة ايام الشدة والحزن واستقصار أيام الراحة والسرور.

وخصت السورة بقوله ﴿ ألف سنة ﴾ موافقة لما قبله وهو قوله ﴿ في ستة أيام ﴾ وتلك الأيام من جنس هذا اليوم.

وخصت سورة المعارج بقوله ﴿ خمسين ألف سنة  ﴾ لأن فيها ذكر القيامة وأهوالها فكان هو اللائق بها.

وعن عكرمة: إن اليوم في المعارج عبارة عن أول أيام الدنيا إلى انقضائها وأنها خمسون ألف سنة لا يدري أحدكم كم مضى وكم بقي إلا الله عزو وجل.

وبالجملة فالآية المتقدمة تدل على عظمة عالم الخلق وسعة مكانه، والآية الثانية تدل على عظمة عالم الأمر وامتداد زمانه.

ثم بين أنه مع غاية عظمة ملكه وملكوته عليم بأمر العالمين فقال ﴿ ذلك عالم الغيب والشهادة ﴾ وفي قوله ﴿ العزيز الرحيم ﴾ إشارة إلى صفتي القهر واللطف اللتين ينبغي أن تكونا لكل ملك، وإنما أخر ﴿ الرحيم ﴾ مع أن رحمته سبقت غضبه ليوصله بقوله ﴿ الذي أحسن كل شيء خلقه ﴾ نظيره ﴿ الذي أعطى كل شيء خلقه  ﴾ وقد مر في "طه".

وعطف عليه تخصيصاً بعد تعميم خلق الإنسان وهو آدم بدليل قوله ﴿ ثم جعل نسله ﴾ أي ذريته لأنها تنسل أي تنفصل، والسلالة الخلاصة كما ذكرنا في أول "المؤمنين"، وقوله ﴿ من ماء ﴾ بدل من سلالة والمهين الحقير.

ومعنى ﴿ سوَّاه ﴾ قوَّمه وأداره في الأطوار إلى حيث صلح لنفخ الروح فيه، ثم عدل من الغيبة إلى الخطاب في قوله ﴿ وجعل لكم ﴾ تنبيهاً على جسامة نعم هذه الجوارح وتوبيخاً على قلة الشكر عليها.

ثم بين عدم شكرهم بإنكارهم المعاد بعد مشاهدة الفطرة الأولى وليست الثانية بأصعب منها.

والواو للعطف على ما سبق كأنهم قالوا: إن محمداً مفتر وقالوا: الله ليس بواحد ﴿ وقالوا أئذا ﴾ يعني أنهم واسلافهم زعموا أن الحشر غير ممكن.

ومعنى ﴿ ضللنا في الأرض ﴾ غبنا فيها إما بالدفن أو بتفرق الأجزاء وتلاشيها.

والعامل في ﴿ أئذا ﴾ ما يدل عليه قوله ﴿ أئنا لفي خلق جديد ﴾ وهو نبعث أو يجدد خلقنا.

ثم صرح بإثبات كفرهم على الإطلاق واللقاء لقاء الجزاء الشامل لجميع أحوال الآخرة.

ثم رد عليهم قولهم بالفوت بأنه يتوفاهم ملك الموت الموكل بقبض الأرواح ثم يرجعون إلى حكم الله وحده.

ثم بين ما يكون من حالهم عند الرجوع بقوله ﴿ ولو ترى ﴾ أنت يا محمد أوكل من له أهلية الخطاب ﴿ إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ﴾ خجلاً وندامة قائلين ﴿ ربنا أبصرنا ﴾ ما كنا شاكين في وقوعه ﴿ وسمعنا ﴾ منك تصديق رسلك وجواب "لو" محذوف وهو لرأيت أمراً فظيعاً، وجوزا أن يكون "لو" للتمني كأنه جعل لنبيه تمني أن يراهم على تلك الصفة الفظيعة من الذل والهوان ليشمت بهم.

ثم إنه  ألزمهم وألجمهم بقوله ﴿ ولو شئنا ﴾ الآية.

وفيه أنه لو ردهم إلى الدنيا لم يهتدوا لأنهم خلقوا لجهنم القهر وقد مر نظيره في آخر "هود".

ثم أكد إهانتهم بقوله ﴿ فذوقوا ﴾ وانتصب ﴿ هذا ﴾ على أنه مفعول ﴿ فذوقوا ﴾ وقوله ﴿ لقاء ﴾ مفعول ﴿ نسيت ﴾ أي ذوقوا هذا العذاب بما نسيتم لقاء يومكم وذهلتم عنه بعد وضوح الدلائل أو تركتم الفكر فيه، ويجوز أن يكون ﴿ هذا ﴾ صفة ﴿ يومكم ﴾ ومفعول ﴿ ذوقوا ﴾ محذوف وهو العذاب و ﴿ لقاء ﴾ مفعول ﴿ نسيتم ﴾ او هو مفعول ﴿ فذوقوا ﴾ على حذف المضاف أي تبعة لقاء يومكم ويكون ﴿ نسيتم ﴾ متروك المفعول أو محذوفه وهو الفكر في العاقبة.

وقوله ﴿ إنا نسيناكم ﴾ من باب المقابلة والمراد تركهم من الرحمة نظيره ﴿ نسوا الله فنسيهم  ﴾ وقوله ﴿ عذاب الخلد ﴾ من باب إضافة الموصوف إلى الصفة في الظاهر نحو: رجل صدق.

أمرهم على سبيل الإهانة بذوق عذاب الخزي والخجل، ثم بذوق العذاب الخلد أعاذنا الله منه بفضله العميم، ثم ذكر أن كما الإيمان بآيات الله من شأن الخلص من عباده الساجدين لله شكراً وتواضعاً حين وعظوا بآيات ربهم منزهين له عما لا يليق بجنابه وجلاله متلبسين بحمده غير مستكبرين عن عبادته ﴿ تتجافى جنوبهم عن المضاجع ﴾ ترتفع وتتنحى عن مواضع النوم داعين ربهم أو عابدين له ﴿ خوفاً ﴾ من اليم عقابه ﴿ وطمعاً ﴾ في عظيم ثوابه، وفسره رسول الله  بقيام الليل وهو التهجد.

قال: "إذا جمع الله الأولين والآخرين جاء مناد ينادي بصوت يسمع الخلائق كلهم سيعلم أهل الجمع اليوم من أولى بالكرم ثم يرجع ينادي ليقم الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع فيقومون وهم قليل ثم يرجع فينادي ليقم الذين كانوا يحمدون الله في البأساء والضراء فيقومون وهم قليل فيسرحون إلى الجنة ثم يحاسب سائر الناس" .

عن علي  : جنبي تجافى عن الوســــاد *** خوفاً من النار والمعاد من خاف من سكرة المنايا *** لم يدر ما لذة الرقــــاد قد بلغ الزرع منتهـــــــــاه *** لا بد للزرع من حصاد عن أنس بن مالك: كان أناس من أصحاب النبي  يصلون من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء الآخرة فنزلت فيهم.

وقيل: هم الذين يصلون صلاة العتمة لا ينامون عنها.

و"ما" في قوله ﴿ ما أخفي ﴾ موصولة ويجوز أن تكون استفهامية بمعنى اي شيء، والمعنى لا تعلم نفس من النفوس لا ملك مقرب ولا نبي مرسل أي نوع عظيم من الثواب ادخر الله لأولئك مما تقرّ به عيونهم حتى لا تطمح إلى غير ولا تطلب الفرح بما عداه.

عن النبي  "يقول الله  أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر بله ما اطلعتم عليه اقرؤا إن شئتم فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين" وعن الحسن: أخفى القوم أعمالاً في الدنيا فأخفى الله لهم مالا عين رأت ولا أذن سمعت.

قال المحققون: إنه يصدر من العبد أعمال صالحة وقد صدر عن الرب أشياء سابقة من الخلق والتربية وغيرهما، وأشياء لاحقة من الثواب والإكرام، فلله  أن يقول: أنا أحسنت أولاً، والعبد أحسن في مقابلته، فالثواب تفضل من غير عوض.

وله أن يقول: الذي فعلته أولاً تفضل فإذا أتى العبد بالعمل الصالح جزيته خيراً لأن جزاء الإحسان إحسان، وهذا الاعتبار الثاني أليق بالكرم ليذيق العبد لذة الأجر والكسب، والاعتبار الأول أليق بالعبودية حتى يرى الفضل لله في جانب الأبد فإذن لا تنقطع المعاملة بين الله وبين العبد أبداً، وتكون العبادة لهم في الآخرة بمنزلة التنفس للملائكة.

يروى أنه شجر بين علي بن أبي طالب  والوليد بن عقبة بن أبي معيط يوم بدر كلام فقال له الوليد: اسكت فإِنك صبي.

فقال له علي: اسكت فإِنك فاسق.

فأنزل الله  فيهما خاصة وفي أمثالهما من الفريقين عامة ﴿ افمن كان مؤمناً ﴾ إلى آخر ثلاث آيات أو أربع.

ومن أول الآية محمول على اللفظ وفي قوله ﴿ لا يستوون ﴾ محمول على المعنى.

ثم فصل عدم استوائهما بقوله ﴿ أما الذين آمنوا ﴾ ﴿ وأما الذين فسقوا ﴾ و ﴿ جنات المأوى ﴾ نوع من الجنان تأوي إليها أرواح الشهداء على قول ابن عباس.

وقال بعضهم: هي عن يمين العرش.

وفي لام التمليك في ﴿ لهم ﴾ مزيد تشريف وإيذان بأنهم لا يخرجون منها كما لا يخرج المالك من ملكه ولهذا لو قيل: هذه الدار لزيد يفهم منه الملكية بخلاف ما لو قيل: اسكن هذه الدار.

فإنه يحمل على الإعارة وإنه  قال لأبينا آدم ﴿ اسكن أنت وزوجك الجنة  ﴾ لأنه كان في علمه أنه يخرج منها.

وإنما قيل ههنا ﴿ عذاب النار الذي كنتم به ﴾ وفي "سبأ" ﴿ عذاب النار التي كنتم بها  ﴾ لأن النار في هذه السورة وقعت موقع الكناية لتقدم ذكرها، والكنايات لا توصف فوصف العذاب.

وفي "سبأ" لم يتقدم ذكر النار فحسن وصف النار.

وتكذيبهم العذاب هو أنهم كانوا يقولون في الدنيا إنه لا عذاب في الآخرة، ويحتمل أن يراد بالتكذيب أنهم يقولون في الآخرة أول ما تأخذهم النار أنه لا عذاب فوق ما نحن فيه، فإذا زاد الله لهم ألماً على ألم وهو قوله ﴿ كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها ﴾ صاروا كاذبين فيما زعموا أنه لا عذاب أزيد مما هم فيه، وعلى هذا يمكن أن يراد بالخروج منها والإعادة فيها هو أن أبدانهم تألف النار وتتعودها فيقل الإحساس بها فيعيد الله عليهم إحساسهم الأول فيزيد تألمهم، ومن هنا قالت الحكماء: إن الإحساس بحرارة حمى الدق اقل من الإحساس بحرارة الحمى البلغمية مع أن نسبة الدق إلى الثانية نسبة النار إلى الماء المسخن، ونظيره أن الإنسان يضع يده في الماء البارد فيتألم أولاً، ثم إذا صبر زماناً طويلاً زال ذلك الألم وذلك لبطلان حسه.

ثم حتم على نفسه أنه يذيقهم عذاب الدنيا من القتل والأسر والقحط قبل أن يصلوا إلى عذاب الآخرة.

وعن مجاهد: أن الأدنى هو عذاب القبر.

وإنما لم يقل الأصغر في مقابلة الأكبر، أو الأبعد الأقصى في مقابلة الأدنى، لأن الغرض هو التخويف والتهديد وذلك إنما يحصل بالقرب لا بالصغر والكبر ولا بالبعد.

ومعنى قوله ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ والترجي على الله محال لنذيقهم إذاقة الراجين رجوعهم عن الكفر والمعاصي كقوله ﴿ إنا نسيناكم ﴾ أي تركناكم كما يترك الناسي حيث لا يلتفت إليه أصلاً اي نذيقهم على الوجه الذي يفعل الراجي من التدرج، أو نذيقهم إذاقة يقول القائل: لعلهم يرجعون بسببه.

قال في التفسير الكبير: إن الرجاء في أكثر الأمر يستعمل فيما لا تكون عاقبته معلومة، فتوهم الأكثرون أنه لا يجوز إطلاقه في حق الله  وليس كذلك، فإن الجزم بالعاقبة إنما يحصل في حقه بدليل منفصل لا من نفس الفعل فإن التعذيب لا يلزم منه الرجوع لزوماً بيناً.

قلت: هذا يرجع إلى التأويل الأول، فإن الكلام في تعذيب الله هل هو يستدعي الرجوع على سبيل الرجاء أم لا، وكون مطلق التعذيب مستدعياً لذلك لا يكفي للسائل.

وقالت المعتزلة: لعل من الله إرادة وإرادة الله فعل المختار لا تقدح في اقتدار الله إذا لم يختر المختار مراد الله كما أنهم لم يختاروا التوبة والرجوع عن الكفر وإلا لم يكونوا ذائقين العذاب الأكبر.

وإنما يقدم في اقتداره إذا تعلقت في إرادته بفعل نفسه أو بفعل المضطر المقسور ثم لا يوجد ذلك الفعل.

وجوَّز في الكشاف أن يراد: لعلهم يريدون الرجوع إلى الدنيا ويطلبونه كقوله ﴿ فارجعنا نعمل صالحاً ﴾ سميت إرادة الرجوع رجوعاً كما سميت إرادة القيام قياماً في قوله ﴿ إذا قمتم إلى الصلاة  ﴾ ثم بين أنهم إذا ذكروا بالدلائل من النعم أولاً والنقم ثانياً وهو العذاب الأدنى ثم لم يؤمنوا فلا أحد أظلم منهم.

ومعنى ﴿ ثم ﴾ أنه ذكر مرات ثم بالآخرة ﴿ أعرض عنها ﴾ والفاء في سورة الكهف تدل على الإعراض عقيب التذكير وقد سبق.

وقال أهل المعاني: "ثم" ههنا تدل على أن الإعراض بعد التذكير مستبعد في العقول.

قال المحققون: الذي لا يحتاج في معرفة الله إلا إلى الله عدل كقوله ﴿ أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد  ﴾ كما قال بعضهم: ما رأيت شيئاً إلا ورأيت الله قبله.

والذي يحتاج في ذلك إلى دلائل الآفاق والأنفس متوسط، والذي يقر عند الشدة ويجحد عند الرحمة ظالم كقوله ﴿ وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه  ﴾ والذي يبقى على الجحود والإعراض وإن عذب فلا أظلم منه.

وحين جعله أظلم كان ظالم توعد المجرمين عامة بالانتقام منهم ليدل على إصابة الأظلم منهم النصيب الأوفر من الانتقام.

ولو قال "إنا منهم منتقمون" لم يكن بهذه الحيثية في الإفادة.

ثم عاد إلى تأكيد أصل الرسالة مع تسلية للنبي  فقال ﴿ ولقد آتينا موسى الكتاب ﴾ قال جار الله: اللام للجنس ليشمل التوراة والفرقان.

والضمير في ﴿ لقائه ﴾ للكتاب أي آتينا موسى مثل ما آتيناك ولقيناه مثل ما لقيناك من الوحي، فلا تك في شك من أنك لقيت مثله.

واللقاء بمعنى التلقين والإعطاء كقوله ﴿ وإنك لتلقى القرآن  ﴾ وقيل: الضمير في ﴿ لقائه ﴾ لموسى أي من لقائك موسى ليلة المعراج أو يوم القيامة، أو من لقاء موسى الكتاب وهو تلقيه له بالرضا والقبول.

والضمير في ﴿ جعلناه ﴾ للكتاب على أنه منزل على موسى.

واستدل به على أن الله  جعل التوراة هدى لبني إسرائيل خاصة ولم يتعبد بما فيها ولد إسماعيل.

ثم حكى أن منهم من اهتدى حتى صار من ائمة الهدى وذلك حين صبروا أو لصبرهم على متاعب التكليف ومشاق الدعاء إلى الدين بعيد إيقانهم به.

وفيه أن الله  سيجعل الكتاب المنزل على نبينا أيضاً سبب الاهتداء والهداية وكان كما أخبر.

ومثله إخبار النبي  "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل" ولا يخفى أن "من" التبعيضة في قوله ﴿ وجعلنا منهم ﴾ كانت تدل على أن بعضهم ليسوا أئمة الهدى، وفيه رمز إلى أن بعضهم كانوا أئمة الضلال فلذلك قال ﴿ إن ربك هو يفصل بينهم ﴾ الآية.

وفيه إشارة إلى أنه  سيميز المحق في كل دين من المبطل.

ثم أعاد أصل التوحيد مقروناً بالوعيد قائلاً ﴿ أولم يهد لهم ﴾ وقد مر نظيره في آخر "طه" وإنما قال في آخر الآية ﴿ إن في ذلك لآيات ﴾ على الجمع ليناسب القرون والمساكن.

وإنما قل ﴿ أفلا يسمعون ﴾ لأنه تقدم ذكر الكتاب وهو مسموع، وفيه إشارة إلى أنه لاحظ لهم منه إلا السماع.

وحين ذكر الإهلاك والتخريب أتبعه ذكر الإحياء والعمارة.

ومعنى ﴿ نسوق الماء ﴾ نسوق السحاب وفيه المطر ﴿ إلى الأرض الجرز ﴾ وهي التي جز نباتها أي قطع إما لعدم الماء وإما لأنه رعي وأزيل.

قال جار الله: ولا يقال للتي لا تنبت كالسباخ جرز بدلالة قوله ﴿ فنخرج به زرعاً ﴾ وعن ابن عباس أنها ارض اليمن، والضمير في "به" للماء.

وإنما قدم الأنعام ههنا على الأنفس لأن الزرع لا يصلح أوّله إلا للأنعام وإنما يحدث الحب في آخر أمره.

قال في "طه" ﴿ كلوا وارعوا أنعامكم  ﴾ لأن الأزواج من النبات أعم من الزرع وكثير منه يصلح للإِنسان في أول ظهوره مع أن الخطاب لهم فناسب أن يقدموا وإنما ختم الآية بقوله ﴿ أفلا يبصرون ﴾ تأكيداً لقوله في أول الآية ﴿ أولم يروا ﴾ ثم حكى نوع جهالة أخرى عنهم وهو استعجالهم العذاب.

قال المفسرون: كان المسلمون يقولون إن الله سيفتح لنا على المشركين أي ينصرنا عليهم ويفتح بيننا وبينهم أي يفصل، فاستعجل المشركون ذلك.

ويوم الفتح يوم القيامة فحينئذ تنفتح أبواب الأمور المبهمة أو يوم بدر أو يوم فتح مكة قاله مجاهد والحسن.

فإن قلت: كيف ينطلق قوله ﴿ قل يوم الفتح ﴾ الخ جواباً عن سؤالهم عن وقت الفتح؟

فالجواب أنهم سألوا ذلك على وجه التكذيب والاستهزاء فقيل لهم: لا تستهزؤا فكأنا بكم وقد حصلتم في ذلك اليوم وآمنتم فلم ينفعكم الإيمان واستنظرتم فلم تنظروا.

ومن فسر يوم الفتح بيوم بدر أو بيوم فتح مكة فالمراد أن المقتولين منهم لا ينفعهم إيمانهم في حال القتل وإلا فقد نفع الإيمان الطلقاء يوم فتح مكة وناساً يوم بدر.

ثم أمر نبيه  بالإعراض عنهم وانتظار النصرة عليهم حين علم أنه لا طريق معهم إلا القتال نظيره قوله ﴿ قل تربصوا فإني معكم من المتربصين  ﴾ .

التأويل: اللف المحبون لقربى والعارفون بتمجيدي فلا يصبرون عني ولا يستأنسون بغيري.

اللام الأحباء لي مدخر لقائي فلا أبالي أقاموا على وثاقي أم قصروا في وفائي.

الميم ترك أوليائي مرادهم فلذلك اخترتهم على جميع عبادي ﴿ تنزيل الكتاب ﴾ أعز الأشياء على الأحباب كتاب الأحباب أنزله ﴿ رب العالمين ﴾ لأهل الظاهر على ظاهرهم ولأهل الباطن في باطنهم فاستناروا بنوره وتكلموا بالحق عن الحق للحق فلم يفهمه أهل الغرة والغفلة فقالوا ﴿ افتراه ﴾ .

خلق سموات الرواح وارض الأشباح وما بينهما من النفس والقلب والسر في ستة أجناس هي: الجماد والمعدن والنبات والحيوان والشيطان والملك ﴿ ثم استوى على العرش ﴾ الخفي وهو لطيفه ربانية قابلة للفيض الرباني بلا واسطة ﴿ فلا تتذكرون ﴾ كيف خلقكم في أطوار مختلفة ﴿ يدبر الأمر ﴾ من سماء الروح إلى ارض النفس البدن ﴿ ثم يعرج إليه ﴾ النفس المخاطبة بخطاب ﴿ ارجعي إلى ربك  ﴾ في يوم طلعت فيه شمس صدق الطلب، وأشرقت الأرض بنور جذبات الحق ﴿ كان مقداره ﴾ في العروج بالجذبة كألف سنة مما تعدون من أيامكم في السير من غير جذبة كما قال  "جذبة من جذبات الحق توازي عمل الثقلين" ﴿ وبدأ خلق الإنسان من طين ﴾ وخمرة بيده في أربعين صباحاً فأودع في كل صباح خاصية نوع من أنواع عالم الشهادة ﴿ ثم جعل نسله من سلالة ﴾ سلها من أجناس عالم الشهادة.

﴿ ثم سوَّاه ﴾ شخص إنسان جديد المرآة ﴿ ونفخ فيه من روحه ﴾ فصار مرآة قابلة لإراءة صفات جماله وجلاله.

ثم تجلى فيها بتجلية صفة السمعية والبصرية والعالمية التي مرآتها السمع والأبصار والأفئدة ﴿ ضللنا ﴾ في أرض البشرية ﴿ يتوفاكم ملك الموت ﴾ وهو المحبة الإلهية بقبض الأرواح من صفات الإنسانية ويميتها عن محبوباتها بجذبة ﴿ ارجعي  ﴾ ﴿ ناكسوا رؤسهم ﴾ بالتوجه إلى حضيض عالم الطبيعة كالأنعام بعد أن كانوا رافعي الرؤوس يوم الميثاق.

﴿ تتجافى جنوب ﴾ همتهم عن مضاجع الدارين ﴿ جنات المأوى ﴾ التي هي مأوى الأبرار تكون نزلاً للمقربين السائرين إلى الله ﴿ كنتم به تكذبون ﴾ لأنه لم يكن لكم به شعور في الدنيا لأنكم كنتم في يوم الغفلة والاشتغال بالمحسوسات ﴿ العذاب الأدنى ﴾ إذا وقعت للسالك فترة ووقفة لعجب تداخله أو لملالة وسآمة ابتلاه الله ببلاء في نفسه أو ماله أو مصيبة في أهاليه وأقربائه وأحبابه لعله ينتبه من نوم الغفلة ويدارك أيام العطلة قبل أن يذيقه العذاب الأكبر في الخذلان والهجران ﴿ فلا تك في مرية من لقائه ﴾ أي من أنه يرى الرب ببركة متابعتك حين قال: اللهم اجعلني من أمة محمد  فإن الرؤية مخصوصة بك وبتبعتك لأمتك.

ويحتمل أن يكون الخطاب في فلاتك لموسى القلب والضمير في ﴿ لقائه ﴾ لله.

وجعلنا موسى القلب هدى لبني إسرائيل صفات القلب ﴿ وجعلناهم أئمة ﴾ هم السر الخفي ﴿ إن ربك هو يفصل بينهم ﴾ الآية.

لأنهم عنده أعز من أن يجعل حكمهم إلى أحد من المخلوقين، ولأنه أعلم بحالهم من غيرهم ولئلا يطلع على أحوالهم غيره لأنه خلقهم للمحبة والرحمة فينظر في شأنهم بنظر المحبة والرضا، لأنه عفوّ يفيض العفو والجود فتحيا به القلوب الميتة فيسقي حدائق وصلهم بعد جفاف عودها وزوال المأنوس من معهودها ﴿ فنخرج به زرعاً ﴾ من الواردات التي تصلح لتربية النفوس وهي الأنعام، ومن المشاهدات التي تصلح لتغذية القلوب.

ويقول المنكرون لهذه الطائفة ﴿ متى هذا الفتح ﴾ أي الفتوح التي تدعونها قل لا ينفعكم ذلك إذ لم تقتدوا بهم ولم تهتدوا بهديهم ﴿ فأعرض عنهم ﴾ أيها الطالب بالإقبال علينا وبالله التوفيق.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا خَرُّواْ سُجَّداً ﴾ .

يخرج قوله: ﴿ إِنَّمَا يُؤْمِنُ ﴾ ، أي: يحقق الإيمان بالله وبآياته ﴿ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا خَرُّواْ سُجَّداً ﴾ لله حقيقة.

ثم يحتمل ﴿ خَرُّواْ سُجَّداً ﴾ حقيقة السجود عند تلاوة الآيات التي فيها ذكر السجود.

والثاني: يكون ذكر خرور الوجه والسجود كناية عن الخضوع لها، والانقياد والاستسلام والقبول لها؛ فأحدهما على حقيقة السجود عند تذكير الآيات لهم والتلاوة عليهم، والثاني: على الكناية على القبول لها والاستسلام، وإلا ليس من ذي مذهب من أهل الكفر من عبدة الأصنام وغيرهم إلا وهو يدعي الإيمان بالله وبآياته، ويزعم أن الذي هو عليه هو الإيمان به والمؤتمر بأمره؛ ألا ترى أنه كيف أخبر عنهم؛ حيث قال: ﴿ وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا  ﴾ : كانوا يدعون في جميع ما يعملون أن الله -  - أمرهم بذلك، وأنهم مؤمنون به مؤتمرون بأمره؛ فأخبر أنه إنما يحقق الإيمان بالله وبالآيات الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا لا أولئك الذين يدعون ذلك وليسوا هم كذلك.

وقوله: ﴿ وَسَبَّحُواْ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ﴾ .

التسبيح: هو تنزيه الربّ وتبرئة له عن جميع ما قالت الملاحدة فيه ونسبوه إليه، مما لا يليق به.

يقول: ﴿ وَسَبَّحُواْ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ﴾ ، أي: ذكروه بمحاسنه ومحامده وبرءوه ونزهوه عن جميع ما وصفه أولئك ونسبوه إليه، هذا - والله أعلم - هو التسبيح بحمده.

وقوله: ﴿ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ .

لا أحد يخطر بباله أن يستكبر على الله أو على أمره، ولكن كانوا يستكبرون على رسله؛ لما لا يرونهم أهلا لذلك، أو أن يكونوا يستكبرون على ما يدعون إليه ولا يجيبون لذلك.

وقوله: ﴿ تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ ﴾ .

روي عن أنس بن مالك -  - أنها نزلت في أصحاب رسول الله  لكن اختلفت عنه الروايات: ذكر في بعضها: أنها نزلت في نفر من عمال أصحاب رسول الله  كانوا يعملون بالنهار، فإذا جن عليهم الليل اضطجعوا بين المغرب والعشاء، فناموا؛ فلما نزل هذا اجتنبوا عن ذلك.

وذكر عنه: أنهم كانوا يصلون بين المغرب والعشاء؛ فنزلت الآية فيهم.

فإن كان هذا فنزول الآية لذلك يخرج مخرج المدح لهم والثناء الحسن.

وإن كان الأول فهو على النهي والتوبيخ لذلك.

ثم اختلف أهل التأويل في تأويلها: قال بعضهم: هو التيقظ والصلاة فيما بين المغرب والعشاء الآخرة.

ومنهم من يقول: هو التجافي عن المضاجع لصلاة العشاء والفجر يصليهما.

ومنهم من يقول: تتجافى جنوبهم بذكر الله: كلما استيقظوا ذكروا الله: إما صلاة، وإما قياما، وإما قعوداً، لا يزالون يذكرون الله.

ومنهم من يقول: ﴿ تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ ﴾ : قيام الليل والصلاة فيه، وهذا أشبه التأويلات؛ لأنه قال: ﴿ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ ﴾ ، والتجافي عن المضاجع إنما يكون في الوقت الذي يضطجع فيه، وفيه يقع الامتداح والثناء الحسن؛ لأنه وقت الغفلة والنوم فيه، وأمّا سائر الأوقات فليس كذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً ﴾ ، أي: يعبدون ربهم، ويحتمل حقيقة الدعاء.

ثم قوله: ﴿ خَوْفاً وَطَمَعاً ﴾ ، قال بعضهم: خوفاً من عذاب الله، وطمعاً في رحمته.

أو أن يكون قوله: ﴿ خَوْفاً ﴾ ، أي: يخافون التقصير في العبادة، ﴿ وَطَمَعاً ﴾ ، أي: يطمعون إحسانه، وإحسانه في العفو والتجاوز، وهكذا عمل المؤمن من بين الخوف والطمع يخاف التقصير فيه، ويطمع إحسانه.

روى الحسن عن النبي  قال: "قال ربكم - عز وجل -: وعزتي وجلالي، لا أجمع على عبدي خوفين، ولا أجمع أمنين فإذا خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة، وإذا أمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة" ، ثم قرأ قوله: ﴿ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً...

﴾ الآية.

وقوله: ﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴾ .

يحتمل الزكاة المفروضة.

ويحتمل ينفقون صدقة التطوع.

وجائز أن يكون قوله: ومما رزقناهم من الأسباب السليمة ينفقون، أي: يعملون، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ ﴾ .

ذكر عن رسول الله  قال: "قال ربكم: أعددت لعبادي الصالحين: ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر" هذا علم النفس أنها لا تعلم إلا مثال ما أحست وعاينت وشاهدت، فأما العقل فإنه جائز أن يعلم ويخطر ما لم ير ويحس ولم ير له مثالا، والله أعلم.

وعلى قول المعتزلة: يدعون ربهم أمنا وإياسا لا على الخوف والطمع على ما ذكر؛ لأنهم لا يخلو إما أن يكونوا أصحاب الصغائر، أو أصحاب الكبائر؛ فإن كانوا أصحاب الصغائر فهم آمنون على قولهم؛ لأنه لا يسع له أن يعذب على الصغيرة على قولهم، أو أصحاب الكبائر فهم آيسون من رحمته؛ إذ لا يسع [له] أن يغفر [الكبائر] على قولهم؛ فقولهم مخالف لظاهر الآية.

قال أبو عوسجة: ﴿ تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ ﴾ ، أي: لا يضعونها بالأرض؛ يقال: تجافى جنبي: إذا لم يضطجع لم ينم، وجافيت جنبي، أي: لم ألزقه بالأرض.

وقال القتبي: ﴿ تَتَجَافَىٰ ﴾ ، أي: ترتفع عن الأرض.

ونزلا من النزل، والنزل: ما يجعل للرجل يأكله وينفقه.

وقوله: ﴿ أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ ﴾ .

إن أهل التأويل يقولون: نزلت الآية في شأن علي بن أبي طالب، والوليد بن عقبة بن أبي معيط: كان بينه وبين علي -  - كلام وتنازع، حتى قال له علي: إنك فاسق وأنا مؤمن، فنزلت الآية فيهم، لكن الآية في جميع المؤمنين والفاسقين، يخبر أنْ ليس بينهم استواء.

ثم جائز أن يكون ذكر هذا ونزل؛ لقولٍ كان من أولئك الكفرة الفسقة للمؤمنين: إن منزلتنا ومنزلتكم وقدرنا في الآخرة عند الله - سواء؛ فنزلت الآية لذلك أنهما ليسا بسواء؛ فبيَّن منزلة المؤمن عند الله وقدره، وما ذكر من الثواب له والكرامة، ومنزلة الفاسق ما ذكر من الخلود في النار أبداً، كقوله: ﴿ الۤـمۤ  أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ...

﴾ الآية [الجاثية: 21].

أو يذكر ذلك على الابتداء: إنكم تعرفون في عقولكم أنْ ليس المؤمن المصدق في الشاهد في المنزلة والقدر عنده كالخارج عن أمره وكالمكذب له، فكيف تطمعون الاستواء عند الله وأنتم الفسقة الخارجون عن أمر الله، وأولئك هم الصادقون له؟!

والله أعلم بذلك.

ثم الخوارج والمعتزلة يقولون: لو كان الفاسق مؤمناً على ما تقولون لم يكن لما ذكر معنىً؛ فدل أن الفاسق لا يكون مؤمناً؛ حيث ذكر أنهما لا يستويان وأن المؤمن مأواه في الجنة والخلود له فيها، والفاسق مقامه في النار، خالدين فيها على ما ذكر، فلو كان على ما تقولون لكانا يستويان، أو كلام نحو هذا.

فيقال لهم: إنا وأنتم نتفق أن هذا الفاسق المذكور في الآية ليس بمؤمن، وأنه لا يستوي [هو و]المؤمن؛ لأنه ذكر الفسق مقابل الإيمان، دليله آخر الآية؛ حيث قال: ﴿ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴾ ذكر التكذيب، والتكذيب هو مقابل الإيمان والتصديق، وكل فسق كان مذكوراً مقابل الإيمان فهو كفر وتكذيب؛ فهو لا يكون مؤمناً، ولكن هاتوا فاسقاً ذكر لا مقابل الإيمان، ولكن مقابل غيره من العصيان والمساوي، ويكون له هذا الوعيد الذي ذكر في هذا؛ ألا يُرى أن السؤال المذكور مقابل الإيمان كفر، كقوله: ﴿ وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَعْـمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَلاَ ٱلْمُسِيۤءُ  ﴾ ؟!

فعلى ذلك الفسق المذكور مقابل الإيمان كفر لا يقع فيه استواء بحال، وأما الفسق المذكور لا مقابل الإيمان فجائز أن يقع فيهما استواء، وهو أن يغفر له ذنبه ويكفر عنه سيئته، ويدخل الجنة؛ حيث قال: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ  ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَـٰتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً كَرِيماً...

 ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ ﴾ الآية [الأحقاف: 16].

هو في مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء تجاوز عنه، وأصحاب الحديث يقولون: إن جميع الطاعات إيمان بهذه الآية؛ لأنه قال: ﴿ أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً ﴾ ، ثم فسر ذلك المؤمن فقال: ﴿ أَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ ٱلْمَأْوَىٰ ﴾ وعد لهم الجنات بالإيمان وعمل الصالحات، فيقال: إن الوعد المطلق هو لمن آمن وعمل الصالحات، فأما من آمن ولم يعمل من الصالحات شيئاً، لا نقول بأن له ذلك الوعد المطلق، ولكن له الوعد الذي ذكرنا.

وفي الآية دلالة أَنْ قد يعمل المؤمن غير الصالحات وهو مؤمن؛ لأنه لو لم يكن منه غير عمل الصالحات لم يكن لشرط العمل الصالح له معنى، دل أنه يكون من المؤمن غير العمل الصالح، وذلك على المعتزلة والخوارج.

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَدْنَىٰ دُونَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَكْبَرِ ﴾ ، اختلف في العذاب الأدنى: قال بعضهم: هو القتل يوم بدر.

ومنهم من يقول: هو الجوع في السنين التي كانت لهم فيها، والضيق والشدة.

ومنهم من يقول: هو المصائب التي تصيبهم.

وأمثال ذلك كثير، لكن ذلك العذاب ليس هو عذاب الكفر؛ لأن عذاب الكفر يكون في الآخرة أبداً دائماً لا زوال ولا انقطاع، فأما عذاب الدنيا لهم عذاب عنادهم وما يكون منهم من الجنايات في حال كفرهم يعذبون في الدنيا؛ ليذكرهم ذلك العذاب في الآخرة العذاب الدائم ليمنعهم عما به يعذبون في الدنيا عن عذاب الآخرة، وكذلك ما أعطى لهم من اللذات والنعيم في الدنيا - وإن كان منقطعاً - ليذكرهم ذلك النعيم وتلك اللذاتُ لذاتِ الآخرة ونعمها الدائمة؛ ولذلك رغب الله خلقه إلى طلب الآخرة، وأخبر أن لهم فيها من اللذات كذا في غير آي من القرآن؛ حيث قال: ﴿ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ وَتَلَذُّ ٱلأَعْيُنُ...

﴾ الآية [الزخرف: 71]، ونحوه كثير.

والعذاب الأكبر هو عذاب الآخرة، وهو عذاب الكفر والتكذيب.

وقوله: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ لكي يلزمهم حجة الرجوع عما هم فيه من التكذيب؛ لئلا يقولوا: ﴿ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ  ﴾ والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَآ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ ﴾ أي: [هل] أحد أظلم ممن ذكر ﴿ بِآيَاتِ رَبِّهِ ﴾ ووقع له المعرفة والعلم أنها آيات ربه، ﴿ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَآ ﴾ بعدما عرفها، وعلم بها - ليس أحد أظلم من ذلك.

التذكير بآياته: ما ذكرنا أنهم يذكرون لتقع لهم بأنها آياته، ثم يحتمل آيات وحدانيته وآيات الرسالة، أو آيات البعث، أو آيات القرآن، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّا مِنَ ٱلْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ ﴾ جرمهم هاهنا جرم كفر، ينتقم منهم انتقام الكفر والتكذيب.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولنذيقنّ هؤلاء المكذبين الخارجين عن طاعة ربهم من المحن والبلاء في الدنيا، قبل العذاب الأكبر المعدّ لهم في الآخرة إن لم يتوبوا؛ لعلهم يعودون إلى طاعة ربهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.6EKyv"

مزيد من التفاسير لسورة السجدة

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.4 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 0 يوم
أستغفر الله