الآية ١ من سورة فاطر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 35 فاطر > الآية ١ من سورة فاطر

ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ جَاعِلِ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ رُسُلًا أُو۟لِىٓ أَجْنِحَةٍۢ مَّثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَـٰعَ ۚ يَزِيدُ فِى ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 93 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١ من سورة فاطر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١ من سورة فاطر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال سفيان الثوري ، عن إبراهيم بن مهاجر ، عن مجاهد ، عن ابن عباس قال : كنت لا أدري ما فاطر السماوات والأرض ، حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر ، فقال أحدهما [ لصاحبه ] : أنا فطرتها ، أنا بدأتها .

فقال ابن عباس أيضا : ( فاطر السماوات والأرض ) بديع السماوات والأرض .

وقال الضحاك : كل شيء في القرآن فاطر السماوات والأرض فهو : خالق السماوات والأرض .

وقوله : ( جاعل الملائكة رسلا ) أي : بينه وبين أنبيائه ، ( أولي أجنحة ) أي : يطيرون بها ليبلغوا ما أمروا به سريعا ( مثنى وثلاث ورباع ) أي : منهم من له جناحان ، ومنهم من له ثلاثة ومنهم من له أربعة ، ومنهم من له أكثر من ذلك ، كما جاء في الحديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى جبريل ليلة الإسراء وله ستمائة جناح ، بين كل جناحين كما بين المشرق والمغرب ; ولهذا قال : ( يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير ) .

قال السدي : يزيد في الأجنحة وخلقهم ما يشاء .

وقال الزهري ، وابن جريج في قوله : ( يزيد في الخلق ما يشاء ) يعني حسن الصوت .

رواه عن الزهري البخاري في الأدب ، وابن أبي حاتم في تفسيره .

وقرئ في الشاذ : " يزيد في الحلق " ، بالحاء المهملة ، والله أعلم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) يقول تعالى ذكره: الشكر الكامل للمعبود الذي لا تصلح العبادة إلا له، ولا ينبغي أن تكون لغيره خالق السماوات السبع والأرض، (جَاعِلِ الْمَلائِكَةَ رُسُلا) إلى من يشاء من عباده، وفيما شاء من أمره ونهيه (أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ) يقول: أصحاب أجنحة يعني ملائكة، فمنهم من له اثنان من الأجنحة، ومنهم من له ثلاثة أجنحة، ومنهم من له أربعة.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ) قال: بعضهم له جناحان وبعضهم ثلاثة وبعضهم أربعة.

واختلف أهل العربية في علة ترك إجراء مثنى وثلاث ورباع، وهي ترجمة عن أجنحة وأجنحة نكرة؛ فقال بعض نحويي البصرة: تُرك إجراؤهن لأنهن مصروفات عن وجوههن، وذلك أن مثنى مصروف عن اثنين وثلاث عن ثلاثة ورباع عن أربعة، فصرف نظير عُمَرَ وَزُفَرَ، إذ صرف هذا عن عامر إلى عمر وهذا عن زافر إلى زفر، وأنشد بعضهم في ذلك: وَلَقَــدْ قَتَلْتُكُــمْ ثُنَــاءَ وَمَوْحَــدَا وَتَــركتُ مـرَّةَ مِثْـلَ أمسِ المُدبِـرِ (5) وقال آخر منهم: لم يصرف ذلك لأنه يوهم به الثلاثة والأربعة، قال: وهذا لا يستعمل إلا في حال العدد.

وقال بعض نحويي الكوفة: هن مصروفات عن المعارف، لأن الألف واللام لا تدخلها، والإضافة لا تدخلها، قال: ولو دخلتها الإضافة والألف واللام لكانت نكرة، وهي ترجمة عن النكرة، قال: وكذلك ما كان في القرآن مثل أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى وكذلك وحاد وأحاد، وما أشبهه من مصروف العدد.

وقوله (يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ) وذلك زيادته تبارك وتعالى في خلق هذا الملك من الأجنحة على الآخر ما يشاء، ونقصانه عن الآخر ما أحب، وكذلك ذلك في جميع خلقه يزيد ما يشاء في خلق ما شاء منه، وينقص ما شاء من خلق ما شاء، له الخلق والأمر وله القدرة والسلطان (إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) يقول: إن الله تعالى ذكره قدير على زيادة ما شاء من ذلك فيما شاء، ونقصان ما شاء منه ممن شاء، وغير ذلك من الأشياء كلها، لا يمتنع عليه فعل شيء أراده سبحانه وتعالى.

------------------------ الهوامش: (5) البيت لصخر بن عمرو بن الشريد السلمي.

وقد تقدم الاستشهاد به، مع شواهد أخرى في (4 : 337) من هذا التفسير فراجعه ثمة.

وأنشده أبو عبيدة في مجاز القرآن (الورقة 201) قال: مثنى وثلاث ورباع: مجازه: اثنين، وثلاثة، وأربعة.

فزعم النحويون أنه لما صرف عن وجهه لم ينون فيهن.

قال صخر بن عمرو: "ولقد قتلتكم .....

البيت" .

ا .

هـ.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

سورة فاطرمكية في جميع الأقوال ، وهي خمس وأربعون آيةبسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير .قوله تعالى : الحمد لله فاطر السماوات والأرض يجوز في " فاطر " ثلاثة أوجه : الخفض على النعت ، والرفع على إضمار مبتدأ ، والنصب على المدح .

وحكى سيبويه : الحمد لله أهل الحمد مثله وكذا " جاعل الملائكة " .

والفاطر : الخالق .

وقد مضى في ( يوسف ) وغيرها .

والفطر الشق عن الشيء ; يقال : فطرته فانفطر .

ومنه : فطر ناب البعير طلع ، فهو بعير فاطر .

وتفطر الشيء تشقق .

وسيف فطار ، أي فيه تشقق .

قال عنترة :وسيفي كالعقيقة فهو كمعي سلاحي لا أفل ولا فطاراوالفطر : الابتداء والاختراع .

قال ابن عباس : كنت لا أدري ما فاطر السماوات والأرض حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر ، فقال أحدهما : أنا فطرتها ، أي أنا ابتدأتها .

والفطر حلب الناقة بالسبابة والإبهام .

والمراد بذكر السماوات والأرض العالم كله ، ونبه بهذا على أن من قدر على الابتداء قادر على الإعادة .

( جاعل الملائكة ) لا يجوز فيه التنوين ، لأنه لما مضى .

( رسلا ) مفعول ثان ، ويقال على إضمار فعل ; لأن ( فاعلا ) إذا كان لما مضى لم يعمل فيه شيئا ، وإعماله على أنه مستقبل حذف التنوين منه تخفيفا .

وقرأ الضحاك ( الحمد لله فطر السماوات والأرض ) على الفعل الماضي .

جاعل الملائكة رسلا الرسل منهم [ ص: 287 ] جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت ، صلى الله عليهم أجمعين .

وقرأ الحسن : ( جاعل الملائكة ) بالرفع .

وقرأ خليد بن نشيط ( جعل الملائكة ) وكله ظاهر .

أولي أجنحة نعت ، أي أصحاب أجنحة .

مثنى وثلاث ورباع أي اثنين اثنين ، وثلاثة ثلاثة ، وأربعة أربعة .

قال قتادة : بعضهم له جناحان ، وبعضهم ثلاثة ، وبعضهم أربعة ; ينزلون بهما من السماء إلى الأرض ، ويعرجون من الأرض إلى السماء ، وهي مسيرة كذا في وقت واحد ، أي جعلهم رسلا .

قال يحيى بن سلام : إلى الأنبياء .

وقال السدي : إلى العباد برحمة أو نقمة .

وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى جبريل عليه السلام له ستمائة جناح .

وعن الزهري أن جبريل عليه السلام قال له : ( يا محمد ، لو رأيت إسرافيل إن له لاثني عشر ألف جناح منها جناح بالمشرق وجناح بالمغرب وإن العرش لعلى كاهله وإنه في الأحايين ليتضاءل لعظمة الله حتى يعود مثل الوصع - والوصع عصفور صغير - حتى ما يحمل عرش ربك إلا عظمته ) .

و ( أولو ) اسم جمع لذو ، كما أن هؤلاء اسم جمع لذا ، ونظيرهما في المتمكنة : المخاض والخلفة .

وقد مضى الكلام في مثنى وثلاث ورباع في ( النساء ) وأنه غير منصرف .يزيد في الخلق ما يشاء أي في خلق الملائكة ، في قول أكثر المفسرين ; ذكره المهدوي .

وقال الحسن : ( يزيد في الخلق ) أي في أجنحة الملائكة ( ما يشاء ) .

وقال الزهري وابن جريج : يعني حسن الصوت .

وقد مضى القول فيه في مقدمة الكتاب .

وقال الهيثم الفارسي : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في منامي ، فقال : ( أنت الهيثم الذي تزين القرآن بصوتك جزاك الله خيرا ) .

وقال قتادة : ( يزيد في الخلق ما يشاء ) الملاحة في العينين والحسن في الأنف والحلاوة في الفم .

وقيل : الخط الحسن .

وقال مهاجر الكلاعي قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( الخط الحسن يزيد الكلام وضوحا ) .

وقيل : الوجه الحسن .

وقيل في الخبر في هذه الآية : هو الوجه الحسن والصوت الحسن والشعر الحسن ; ذكره القشيري .

النقاش هو الشعر الجعد .

وقيل : العقل والتمييز .

وقيل : العلوم والصنائع .

( إن الله على كل شيء قدير ) من النقصان والزيادة .

الزمخشري : والآية مطلقة تتناول كل زيادة في الخلق ; من طول قامة ، واعتدال صورة ، وتمام في الأعضاء ، وقوة في البطش ، وحصافة في العقل ، وجزالة في الرأي ، [ ص: 288 ] وجرأة في القلب ، وسماحة في النفس ، وذلاقة في اللسان ، ولباقة في التكلم ، وحسن تأت في مزاولة الأمور ; وما أشبه ذلك مما لا يحيط به وصف .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يمدح الله تعالى نفسه الكريمة المقدسة، على خلقه السماوات والأرض، وما اشتملتا عليه من المخلوقات، لأن ذلك دليل على كمال قدرته، وسعة ملكه، وعموم رحمته، وبديع حكمته، وإحاطة علمه.ولما ذكر الخلق، ذكر بعده ما يتضمن الأمر، وهو: أنه { جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا } في تدبير أوامره القدرية، ووسائط بينه وبين خلقه، في تبليغ أوامره الدينية.وفي ذكره أنه جعل الملائكة رسلا، ولم يستثن منهم أحدا، دليل على كمال طاعتهم لربهم وانقيادهم لأمره، كما قال تعالى: { لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } ولما كانت الملائكة مدبرات بإذن اللّه، ما جعلهم اللّه موكلين فيه، ذكر قوتهم على ذلك وسرعة سيرهم، بأن جعلهم { أُولِي أَجْنِحَةٍ } تطير بها، فتسرع بتنفيذ ما أمرت به.

{ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ } أي: منهم من له جناحان وثلاثة وأربعة، بحسب ما اقتضته حكمته.{ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ } أي: يزيد بعض مخلوقاته على بعض، في صفة خلقها، وفي القوة، وفي الحسن، وفي زيادة الأعضاء المعهودة، وفي حسن الأصوات، ولذة النغمات.{ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } فقدرته تعالى تأتي على ما يشاؤه، ولا يستعصي عليها شيء، ومن ذلك، زيادة مخلوقاته بعضها على بعض.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

مكية ( الحمد لله فاطر السماوات والأرض ) خالقها ومبدعها على غير مثال سبق ( جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة ) ذوي أجنحة ( مثنى وثلاث ورباع ) قال قتادة ومقاتل : بعضهم له جناحان ، وبعضهم له ثلاثة أجنحة ، وبعضهم له أربعة أجنحة ، ويزيد فيها ما يشاء وهو قوله ( يزيد في الخلق ما يشاء ) وقال ابن مسعود في قوله - عز وجل - : " لقد رأى من آيات ربه الكبرى " ( النجم - 18 ) ، قال رأى جبريل في صورته له ستمائة جناح .

وقال ابن شهاب في قوله : " يزيد في الخلق ما يشاء " قال : حسن الصوت .

وعن قتادة قال : هو الملاحة في العينين .

وقيل : هو العقل والتمييز .

( إن الله على كل شيء قدير )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«الحمد لله» حمد تعالى نفسه بذلك كما بُيّن في أول سورة سبأ «فاطر السماوات والأرض» خالقهما على غير مثال سبق «جاعل الملائكة رسلا» إلى الأنبياء «أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق» في الملائكة وغيرها «ما يشاء إن الله على كل شيء قدير».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

الثناء على الله بصفاته التي كلُّها أوصاف كمال، وبنعمه الظاهرة والباطنة، الدينية والدنيوية، خالق السماوات والأرض ومبدعهما، جاعل الملائكة رسلا إلى مَن يشاء من عباده، وفيما شاء من أمره ونهيه، ومِن عظيم قدرة الله أن جعل الملائكة أصحاب أجنحة مثنى وثلاث ورباع تطير بها؛ لتبليغ ما أمر الله به، يزيد الله في خلقه ما يشاء.

إن الله على كل شيء قدير، لا يستعصي عليه شيء.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

افتتحت سورة " فاطر " كما سبق أن ذركنا عند تفسيرنا لسورة " سبأ " بتقرير الحقيقة الأولى فى كل دين ، وهى أن المستحق للحمد المطلق ، والثناء الكامل ، هو الله رب العالمين .و " أل " فى الحمد للاستغراق .

بمعنى أن المستحق لجميع المحامد ، ولكافة ألوان الثناء هو الله - تعالى - .وقوله : ( فَاطِرِ السماوات والأرض ) أى خالقهما وموجدهما على غير مثال يحتذى ، إذ لامراد بالفطر هنا : والاختراع للشئ الذى لم يوجد ما يشبهه من قبل .قال القرطبى : والفاطر : الخالق ، والفَطْر - بفتح الفاء - : الشق عن الشئ .

يقال فطرته فانفطر .

ومنه : فطر ناب البعير ، أى : وتفطر الشئ ، أى : تشقق .

.والفطر : الابتداء والاختراع .

قال ابن عباس : كنت لا أدرى ما ( فَاطِرِ السماوات والأرض ) حتى أتى أعرابيان يختصمان فى بئر ، فقال أحدهما : أنا فطرتهما ، أى : أنا ابتدأتها .

.والمراد بذكر السماوات والأرض : العالم كله .

ونبه بهذا على أن من قدر على الابتداء ، قادر على الإِعادة .والمعنى : الحمد المطلق والثناء التام الكامل لله - تعالى - وحده ، فهو - سبحانه الخالق للسموات والأرض ، ولهذا الكون بأسره ، دون أن يسبقه إلى ذلك سابق ، أو يشاركه فيما خلق وأوجد مشارك .وقوله - تعالى - : ( جَاعِلِ الملائكة رُسُلاً أولي أَجْنِحَةٍ مثنى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ ) بيان لمظهر آخر من مظاهر قدرته - تعالى - التى لا يعجزها شئ .والملائكة : جمع ملك .

والتاء لتأنيث الجمع ، وأصله ملاك .

وهم جند من خلق الله - تعالى - وقد وصفهم - سبحانه - بصفات متعددة ، منها : أنهم ( يُسَبِّحُونَ الليل والنهار لاَ يَفْتُرُونَ ) وأنهم ( عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ ) ( لاَّ يَعْصُونَ الله مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) قال الجمل : وقوله : جاعل الملائكة ، أى : بعضهم .

إذ ليس كلهم رسلا كما هو معلوم .

وقوله : ( أولي أَجْنِحَةٍ ) نعت لقوله ( رُسُلاً ) ، وهو جيد لفظا لتوافقهما تنكيرا .

أو هو نعت للملائكة ، وهو جيد معنى إذ كل الملائكة لها أجنحة ، فهى صفة كاشفة .

.وقوله : ( مثنى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ ) أسماء معدول بها عن اثنين اثنين ، وثلاثة ثلاثة ، وأربعة أربعة ، وهى ممنوعة من الصرف ، للوصفية والعدل عن المكرر وهى صفة لأجنحة .أى : الحمد لله الذى خلق السماوات والأرض بقدرته ، والذى جعل الملائكة رسلا إلى أنبيائه .

وإلى من يشاء من عباده ، ليبلغوهم ما يأمرهم - سبحانه - بتبليغه إليهم .

.وهؤلاء الملائكة المكرمون ، ذوو أجنحة عديدة ، ذوو أجنحة عديدة .

منهم من له جناحان ومنهم من له ثلاثة ، ومنهم من له أربعة ، ومنهم من له أكثر من ذلك ، لأن المراد بهذا الوصف ، بيان كثرة الأجنحة لا حصرها .قال الآلوسى ما ملخصه قوله : ( جَاعِلِ الملائكة رُسُلاً .

.

.

) معناه : جاعل الملائكة وسائط بينه وبين أنبيائه والصالحين من عباده ، يبلغون إليهم رسالته بالوحى والإِلهام والرؤيا الصادقة ، أو جاعلهم وسائط بينه وبين خلقه يوصلون إليهم آثار قدرته وصنعه ، كالأمطار والرياح وغيرهما .وقوله : ( مثنى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ ) معناه : أن من الملائكة من له جناحان ومنهم من له ثلاثة ، ومنهم من له أربعة ، ولا دلالة فى الآية على نفى الزائد ، وما ذكر من عد للدلالة على التكثير والتفاوت ، لا للتعيين ولا لنفى النصان عن اثنين .

.فقد أخرج الشيخان عن ابن مسعود فى قوله - تعالى - ( لَقَدْ رأى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الكبرى ) أن الرسول صلى الله عليه سولم رأى جبريل وله ستمائة جناح .

.وقوله - تعالى - : ( يَزِيدُ فِي الخلق مَا يَشَآءُ ) استئناف مقرر لمضمون ما قبله ، من كمال قدرته ، ونفاذ إرادته .أى يزيد - سبحانه - فى خلق كل ما يزيد خلقه ما يشاء أن يزيده من الأمور التى لا يحيط بها الوصف ، ومن ذلك أجنحة الملائكة فيزيد فيها ما يشاء ، وكذلك ينقص فى الخلق ما يشاء ، والكل جاء على مقتضى الحكمة والتدبير .قال صاحب الكشاف : قوله ( يَزِيدُ فِي الخلق مَا يَشَآءُ ) أى : يزيد فى خلق الأجنحة ، وفى غيره ما تقتضيه مشيئته وحكمته .والآية مطلقة تتناول كل زيادة فى الخلق : من طول قامة ، واعتدال صورة ، وتمام الأعضاء ، وقوة فى البطش ، وحصافة فى العقل ، وجزالة فى الرأى ، وجرأة فى القلب ، وسماحة فى النفس ، وذلاقة فى اللسان ، ولباقة فى التكلم ، وحسن تأن فى مزاولة الأمور ، وما أشبه ذلك مما لا يحيط به الوصف .

.ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقولهك ( إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) أى : إن الله - تعالى - لا يعجزه شيئ يريده ، لأنه قدير على فعل كل شئ ، فالجملة الكريمة تعليل لما قبلها من كونه - سبحانه - يزيد فى الخلق ما يشاء ، وينقص منه ما يشاء .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

﴿ الحمد للَّهِ فَاطِرِ السموات والأرض جَاعِلِ الملائكة رُسُلاً ﴾ قد ذكرنا فيما تقدم أن الحمد يكون على النعمة في أكثر الأمر، ونعم الله قسمان: عاجلة وآجلة، والعاجلة وجود وبقاء، والآجلة كذلك إيجاد مرة وإبقاء أخرى، وقوله تعالى: ﴿ الحمد للَّهِ الذي خَلَقَ السموات والأرض وَجَعَلَ الظلمات والنور  ﴾ إشارة إلى النعمة العاجلة التي هي الإيجاد، واستدللنا عليه بقوله تعالى: ﴿ هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً  ﴾ وقوله في الكهف: ﴿ الحمد لِلَّهِ الذي أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب  ﴾ إشارة إلى النعمة العاجلة التي هي الإبقاء، فإن البقاء والصلاح بالشرع والكتاب، ولولاه لوقعت المنازعة والمخاصمة بين الناس ولا يفصل بينهم، فكان يفضي ذلك إلى التقاتل والتفاني، فإنزال الكتاب نعمة يتعلق بها البقاء العاجل، وفي قوله في سورة سبأ: ﴿ الحمد للَّهِ الذي لَهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض وَلَهُ الحمد فِي الآخرة  ﴾ إشارة إلى نعمة الإيجاد الثاني بالحشر، واستدللنا عليه بقوله: ﴿ يَعْلَمُ مَا يَلْجُ فِي الأرض ﴾ من الأجسام ﴿ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السماء ﴾ من الأرواح ﴿ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا  ﴾ وقوله عن الكافرين: ﴿ وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا الساعة قُلْ بلى وَرَبّي  ﴾ وهاهنا الحمد إشارة إلى نعمة البقاء في الآخرة، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ جَاعِلِ الملائكة رُسُلاً ﴾ أي يجعلهم رسلاً يتلقون عباد الله، كما قال تعالى: ﴿ وتتلقاهم الملئكة  ﴾ وعلى هذا فقوله تعالى: ﴿ فَاطِرِ السموات ﴾ يحتمل وجهين: الأول: معناه مبدعها كما نقل عن ابن عباس والثاني: ﴿ فَاطِرِ السموات والأرض ﴾ أي شاقهما لنزول الأرواح من السماء وخروج الأجساد من الأرض ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ جَاعِلِ الملائكة رُسُلاً ﴾ فإن في ذلك اليوم تكون الملائكة رسلاً، وعلى هذا فأول هذه السورة متصل بآخر ما مضى، لأن قوله كما فعل بأشياعهم بيان لانقطاع رجاء من كان في شك مريب وتيقنه بأن لا قبول لتوبته ولا فائدة لقوله آمنت.

كما قال تعالى عنهم: ﴿ وَقَالُواْ ءَامَنَّا بِهِ وأنى لَهُمُ التناوش  ﴾ فلما ذكر حالهم بين حال الموقن وبشره بإرساله الملائكة إليهم مبشرين، وبين أنه يفتح لهم أبواب الرحمة.

وقوله تعالى: ﴿ أُوْلِي أَجْنِحَةٍ مثنى وثلاث ورباع ﴾ أقل ما يكون لذي الجناح أن يكون له جناحان وما بعدهما زيادة، وقال قوم فيه إن الجناح إشارة إلى الجهة، وبيانه هو أن الله تعالى ليس فوقه شيء، وكل شيء فهو تحت قدرته ونعمته، والملائكة لهم وجه إلى الله يأخذون منه نعمه ويعطون من دونهم مما يأخذوه بإذن الله، كما قال تعالى: ﴿ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلْأَمِينُ  عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنذِرِينَ  ﴾ وقوله: ﴿ عَلَّمَهُ شَدِيدُ القوى  ﴾ وقال تعالى في حقهم: ﴿ فالمدبرات أَمْراً  ﴾ فهما جناحان، وفيهم من يفعل ما يفعل من الخير بواسطة، وفيهم من يفعله لا بواسطة، فالفاعل بواسطة فيه ثلاث جهات، ومنهم من له أربع جهات وأكثر، والظاهر ما ذكرناه أولاً وهو الذي عليه إطباق المفسرين.

وقوله تعالى: ﴿ يَزِيدُ فِي الخلق مَا يَشَاء ﴾ من المفسرين من خصصه وقال المراد الوجه الحسن، ومنهم من قال الصوت الحسن، ومنهم من قال كل وصف محمود، والأولى أن يعمم، ويقال الله تعالى قادر كامل يفعل ما يشاء فيزيد ما يشاء وينقص ما يشاء.

وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ يقرر قوله: ﴿ يَزِيدُ فِي الخلق مَا يَشَاءُ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فَاطِرَ السماوات ﴾ مبتدئها ومبتدعها.

وعن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما: ما كنت أدري ما فاطر السموات والأرض، حتى اختصم إليَّ أعرابيان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها، أي ابتدأتها.

وقرئ: الذي فطر السموات والأرض وجعل الملائكة.

وقرئ: (جاعل الملائكة)، بالرفع على المدح ﴿ رُسُلاً ﴾ بضم السين وسكونها ﴿ أُوْلِى أَجْنِحَةٍ ﴾ أصحاب أجنحة، وأولوا: اسم جمع لذوو، كما أن أولاء اسم جمع لذا، ونظيرهما في المتمكنة: المخاض والخلفة ﴿ مثنى وثلاث وَرُبَاعَ ﴾ صفات لأجنحة، وإنما لم تنصرف لتكرر العدل فيها، وذلك أنها عدلت عن ألفاظ الأعداد عن صيغ إلى صيغ أخر، كما عدل عمر عن عامر، وحذام عن حاذمة، وعن تكرير إلى غير تكرير، وأما الوصفية فلا يفترق الحال فيما بين المعدولة والمعدول عنها.

ألا تراك تقول: مررت بنسوة أربع، وبرجال ثلاثة، فلا يعرج عليها؛ والمعنى: أن الملائكة خلقاً أجنحتهم اثنان اثنان، أي: لكل واحد منهم جناحان، وخلقاً أجنحتهم ثلاثة ثلاثة.

وخلقاً أجنحتهم أربعة أربعة ﴿ يَزِيدُ فِي الخلق مَا يَشَاء ﴾ أي: يزيد في خلق الأجنحة، وفي غيره ما تقتضيه مشيئته وحكمته.

والأصل الجناحان: لأنهما بمنزلة اليدين، ثم الثالث والرابع زيادة على الأصل، وذلك أقوى للطيران وأعون عليه، فإن قلت: قياس الشفع من الأجنحة أن يكون في كل شقّ نصفه، فما صورة الثلاثة؟

قلت: لعل الثالث يكون في وسط الظهر بين الجناحين يمدّهما بقوة.

أو لعله لغير الطيران؛ فقد مرّ في بعض الكتب أن صنفاً من الملائكة لهم ستة أجنحة فجناحان يلفون بها أجسادهم، وجناحان يطيران بهما في الأمر من أمور الله، وجناحان مرخيان على وجوههم حياء من الله.

وعن رسو ل الله صلى الله عليه وسلم: «أنه رأى جبريل عليه السلام ليلة المعراج وله ستمائة جناح» وروي: «أنه سأل جبريل عليه السلام أن يتراءى له في صورته فقال: إنك لن تطيق ذلك.

قال: إني أحب أن تفعل.

فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة مقمرة، فأتاه جبريل في صورته فغشي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم أفاق وجبريل عليه السلام مسنده وإحدى يديه على صدره والأخرى بين كتفيه، فقال: سبحان الله ما كنت أرى أن شيئاً من الخلق هكذا.

فقال جبريل: فكيف لو رأيت إسرافيل: له اثنا عشر جناحاً: جناح منها بالمشرق، وجناح بالمغرب، وإن العرش على كاهله، وإنه ليتضاءل الأحايين لعظمة الله حتى يعود مثل الوصع وهو العصفور الصغير» .

وروي: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: ﴿ يَزِيدُ في الخلق مَا يَشَاء ﴾ : «هو الوجه الحسن، والصوت الحسن، والشعر الحسن» وقيل: ﴿ الحظ الحسن ﴾ ، وعن قتادة: الملاحة في العينين، والآية مطلقة تتناول كل زيادة في الخلق: من طول قامة، واعتدال صورة، وتمام في الأعضاء؛ وقوة في البطش؛ وحصافة في العقل، وجزالة في الرأي، وجراءة في القلب، وسماحة في النفس، وذلاقة في اللسان ولباقة في التكلم، وحسن تأنّ في مزاولة الأمور؛ وما أشبه ذلك مما لا يحيط به الوصف.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

( 35 سُورَةُ المَلائِكَةِ مَكِّيَّةٌ وآيُها خَمْسٌ وأرْبَعُونَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ مُبْدِعُهُما مِنَ الفَطْرِ بِمَعْنى الشَّقِّ كَأنَّهُ شَقَّ العَدَمَ بِإخْراجِهِما مِنهُ، والإضافَةُ مَحْضَةٌ لِأنَّهُ بِمَعْنى الماضِي.

﴿ جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلا ﴾ وسائِطَ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ أنْبِيائِهِ والصّالِحِينَ مِن عِبادِهِ، يُبَلِّغُونَ إلَيْهِمْ رِسالاتِهِ بِالوَحْيِ والإلْهامِ والرُّؤْيا الصّادِقَةِ، أوْ بَيْنَهُ وبَيْنَ خَلْقِهِ يُوَصِّلُونَ إلَيْهِمْ آثارَ صُنْعِهِ.

﴿ أُولِي أجْنِحَةٍ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ ﴾ ذَوِي أجْنِحَةٍ مُتَعَدِّدَةٍ مُتَفاوِتَةٍ بِتَفاوُتِ ما لَهم مِنَ المَراتِبِ يَنْزِلُونَ بِها ويَعْرُجُونَ، أوْ يُسْرِعُونَ بِها نَحْوَ ما وكَّلَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَيَتَصَرَّفُونَ فِيهِ عَلى أمْرِهِمْ بِهِ، ولَعَلَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ خُصُوصِيَّةَ الأعْدادِ ونَفْيَ ما زادَ عَلَيْها، لِما رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَأى جِبْرِيلَ لَيْلَةَ المِعْراجِ ولَهُ سِتُّمِائَةِ جَناحٍ» ﴿ يَزِيدُ في الخَلْقِ ما يَشاءُ ﴾ اسْتِئْنافٌ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ تَفاوُتَهم في ذَلِكَ بِمُقْتَضى مَشِيئَتِهِ ومُؤَدّى حِكْمَتِهِ لا أمْرٌ تَسْتَدْعِيهِ ذَواتُهم، لِأنَّ اخْتِلافَ الأصْنافِ والأنْواعِ، بِالخَواصِّ والفُصُولِ إنْ كانَ لِذَواتِهِمُ المُشْتَرَكَةِ لَزِمَ تَنافِيَ لَوازِمِ الأُمُورِ المُتَّفِقَةِ وهو مُحالٌ، والآيَةُ مُتَناوِلَةٌ زِياداتِ الصُّوَرِ والمَعانِي كَمَلاحَةِ الوَجْهِ وحُسْنِ الصَّوْتِ وحَصافَةِ العَقْلِ وسَماحَةِ النَّفْسِ.

﴿ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ وتَخْصِيصُ بَعْضِ الأشْياءِ بِالتَّحْصِيلِ دُونَ بَعْضٍ، إنَّما هو مِن جِهَةِ الإرادَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{الحمد للَّهِ} حمد ذاته تعليماً وتعظيماً {فَاطِرِ السماوات} مبتدئها ومبتدعها قال ابن عباس رضى الله عنهما ما كنت أدري معنى الفاطر حتى اختصم إليّ أعرابيان في بئر فقال أحدهما أنا فطرتها أي ابتدأتها {والأرض جَاعِلِ الملائكة رُسُلاً} إلى عباده {أُوْلِى} ذوي اسم جمع لذو وهو بدل من رسلا أونعت له {أَجْنِحَةٍ} جمع جناح {مثنى وثلاث وَرُبَاعَ} صفات لأجنحة وإنما لم تنصرف لتكرر العدل فيها وذلك أنها عدلت عن ألفاظ الأعداد عن صيغ

فاطر (٤ - ١)

إلى صيغ أخرخ كما عدل عمر عن عامر وعن تكرير إلى غير تكرير وقيل للعدل والوصف والتعويل عليه والمعنى أن الملائكة طائفة أجنحتهم اثنان اثنان أي لكل واحد منهم جناحان وطائفة أجنحتهم ثلاثة ثلاثة ولعل الثالث يكون في وسط الظهر بين الجناحين يمدهما بقوة وطائفة أجنحتهم أربعة أربعة {يَزِيدُ فِى الخلق} أي يزيد في خلق الأجنحة وغيره {مَا يَشَآءُ} وقيل هو الوجه الحسن والصوت الحسن والشعر الحسن والخط الحسن والملاحة في العينين والآية مطلقة تتناول كل زيادة في الخلق من طول قامة واعتدال صورة وتمام في الأعضاء وقوة في البطش وحصافة في العقل وجزالة في الرأي وذلاقة في اللسان ومحبة في قلوب المؤمنين وما أشبه ذلك {إِنَّ الله على كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} قادر

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

سُورَةُ فاطِرٍ وتُسَمّى سُورَةَ المَلائِكَةِ، وهي مَكِّيَّةٌ كَما رُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ وغَيْرِهِما، وفي (مَجْمَعِ البَيانِ) قالَ الحَسَنُ: مَكِّيَّةٌ إلّا آيَتَيْنِ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ  ﴾ الآيَةَ: ﴿ ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ  ﴾ الآيَةَ، وآيُها سِتٌّ وأرْبَعُونَ في المَدَنِيِّ الأخِيرِ والشّامِيِّ وخَمْسٌ وأرْبَعُونَ في الباقِينَ، والمُناسَبَةُ عَلى ما في البَحْرِ أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَمّا ذَكَرَ في آخِرِ السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ هَلاكَ المُشْرِكِينَ أعْداءِ المُؤْمِنِينَ وإنْزالَهم مَنازِلَ العَذابِ تَعَيَّنَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَمْدُهُ تَعالى وشُكْرُهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ  ﴾ ويَنْضَمُّ إلى ذَلِكَ تَواخِي السُّورَتَيْنِ في الِافْتِتاحِ بِالحَمْدِ وتَقارُبُهُما في المِقْدارِ وغَيْرُ ذَلِكَ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ أيْ مُوجِدِهِما مِن غَيْرِ مِثالٍ يَحْتَذِيهِ ولا قانُونٍ يَنْتَحِيهِ، فالفَطْرُ الإبْداعُ، وقالَ الرّاغِبُ: هو إيجادُهُ تَعالى الشَّيْءَ وإبْداعُهُ عَلى هَيْئَةٍ مُتَرَشِّحَةٍ لِفِعْلٍ مِنَ الأفْعالِ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبَيْهَقِيُّ فِي(شُعَبِ الإيمانِ) وغَيْرُهُما عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: كُنْتُ لا أدْرِي ما فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ حَتّى أتانِي أعْرابِيّانِ يَخْتَصِمانِ في بِئْرٍ فَقالَ أحَدُهُما: أنا فَطَرْتُها يَعْنِي اِبْتَدَأْتُها، وأصْلُ الفَطْرِ الشِّقُّ، وقالَ الرّاغِبُ: الشِّقُّ طُولًا ثُمَّ تُجُوِّزَ فِيهِ عَمّا تَقَدَّمَ وشاعَ فِيهِ حَتّى صارَ حَقِيقَةً أيْضًا، ووَجْهُ المُناسِبَةِ أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ والمُرادُ بِهِما العالَمُ بِأسْرِهِ لِكَوْنِهِما مُمْكِنَيْنِ والأصْلُ في المُمْكِنِ العَدَمُ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلا وجْهَهُ  ﴾ وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««ما شاءَ اللَّهُ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ»» وصَرَّحَ بِذَلِكَ فَلاسِفَةُ الإسْلامِ، قالَ رَئِيسُهُمُ: المُمْكِنُ في نَفْسِهِ لَيْسَ وهو عَنْ عِلَّتِهِ آيِسٌ كَأنَّ العَدَمَ كامِنٌ فِيهِما وبِإيجادِهِما يُشَقّانِ ويَخْرُجُ العَدَمُ مِنهُما.

وقِيلَ في ذَلِكَ: كَأنَّهُ تَعالى شَقَّ العَدَمَ بِإخْراجِهِما مِنهُ، وقِيلَ: لا مانِعَ مِن حَمْلِهِ عَلى أصْلِهِ هُنا ويَكُونُ إشارَةً إلى الأمْطارِ والنَّباتِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: الحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ بِالأمْطارِ وفاطِرِ الأرْضِ بِالنَّباتِ، وفِيهِ نَظَرٌ سَتَأْتِي الإشارَةُ إلَيْهِ قَرِيبًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلا ﴾ عَلى القَوْلَيْنِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ جاعِلَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وسائِطَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أنْبِيائِهِ والصّالِحِينَ مِن عِبادِهِ يُبَلِّغُونَ إلَيْهِمْ رِسالَتَهُ سُبْحانَهُ بِالوَحْيِ والإلْهامِ والرُّؤْيا الصّادِقَةِ أوْ جاعِلَهم وسائِطَ بَيْنَهُ وبَيْنَ خَلْقِهِ عَزَّ وجَلَّ يُوصِلُونَ إلَيْهِمْ آثارَ قُدْرَتِهِ وصُنْعِهِ كالأمْطارِ والرِّياحِ وغَيْرِهِما وهُمُ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِأُمُورِ العالَمِ، وهَذا أنْسَبُ بِالقَوْلِ الثّانِي لَكِنْ يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّهُ لا مَعْنى لِكَوْنِ الأمْطارِ شاقَّةً لِلسَّماواتِ، وقالَ الإمامُ: إنَّ الحَمْدَ يَكُونُ عَلى النِّعَمِ ونِعَمُهُ تَعالى عاجِلَةٌ وآجِلَةٌ، وهو في سُورَةِ سَبَأٍ إشارَةٌ إلى نِعْمَةِ الإيجادِ والحَشْرِ ودَلِيلُهُ: ( يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وما يَعْرُجُ فِيها ) [سَبَأٍ: 2، الحَدِيدِ: 4] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ  ﴾ والحَمْدُ في هَذِهِ السُّورَةِ إشارَةٌ إلى نِعْمَةِ البَقاءِ في الآخِرَةِ ودَلِيلُهُ جاعِلُ المَلائِكَةِ رُسُلًا أيْ يَجْعَلُهم سُبْحانَهُ رُسُلًا يَتَلَقَّوْنَ عِبادَ اللَّهِ تَعالى كَما قالَ سُبْحانَهُ تَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى الحَمْدَ لِلَّهِ شاقِّ السَّماواتِ والأرْضِ يَوْمَ القِيامَةِ لِنُزُولِ الأرْواحِ مِنَ السَّماءِ وخُرُوجِ الأجْسادِ مِنَ الأرْضِ وجاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلًا في ذَلِكَ اليَوْمِ يَتَلَقَّوْنَ عِبادَهُ، وعَلَيْهِ فَأوَّلُ هَذِهِ السُّورَةِ مُتَّصِلٌ بِآخِرِ ما مَضى لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ كَما فُعِلَ بِأشْياعِهِمْ  ﴾ بَيانٌ لِانْقِطاعِ رَجاءِ مَن كانَ في شَكٍّ مُرِيبٍ، ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ حالَهم ذَكَرَ حالَ المُؤْمِنِينَ وبَشَّرَهم بِإرْسالِ المَلائِكَةِ إلَيْهِمْ وأنَّهُ تَعالى يَفْتَحُ أبْوابَ الرَّحْمَةِ لَهُمُ اِنْتَهى، وفِيهِ مِنَ البُعْدِ ما فِيهِ.

و ﴿ فاطِرِ ﴾ صِفَةٌ لِلَّهِ وإضافَتُهُ مَحْضَةٌ قالَ أبُو البَقاءِ: لِأنَّهُ لِلْماضِي لا غَيْرَ، وقالَ غَيْرُهُ: هو مَعْرُوفٌ بِالإضافَةِ إذْ لَمْ يَجْرِ عَلى الفِعْلِ بَلْ أُرِيدَ بِهِ الِاسْتِمْرارُ والثَّباتُ، كَما يُقالُ زَيْدٌ مالِكُ العَبِيدِ جاءَ، أيْ زَيْدٌ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَمْلِكَ العَبِيدَ جاءَ، ومَن جَعَلَ الإضافَةَ غَيْرَ مَحْضَةٍ جَعْلَهُ بَدَلًا وهو قَلِيلٌ في المُشْتَقّاتِ، وكَذا الكَلامُ في ﴿ جاعِلِ ﴾ و ﴿ رُسُلا ﴾ عَلى القَوْلِ بِأنَّ إضافَتَهُ غَيْرُ مَحْضَةٍ مَنصُوبٌ بِهِ بِالِاتِّفاقِ، وأمّا عَلى القَوْلِ الآخَرِ فَكَذَلِكَ عِنْدَ الكِسائِيِّ، وذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ إلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ يَدُلُّ هو عَلَيْهِ، لِأنَّ اِسْمَ الفاعِلِ إذا كانَ بِمَعْنى الماضِي لا يَعْمَلُ عِنْدَهُ كَسائِرِ البَصْرِيِّينَ إلّا مُعَرَّفًا بِاللّامِ، وقالَ أبُو سَعِيدِ السِّيرافِيُّ: اِسْمُ الفاعِلِ المُتَعَدِّي إلى اِثْنَيْنِ يَعْمَلُ بِالثّانِي لِأنَّهُ بِإضافَتِهِ إلى الأوَّلِ تَعَذَّرَتْ إضافَتُهُ إلى الثّانِي فَتَعَيَّنَ نَصْبُهُ لَهُ.

وعَلَّلَ بَعْضُهم ذَلِكَ بِأنَّهُ بِالإضافَةِ أشْبَهُ المُعَرَّفَ بِاللّامِ فَعَمِلَ عَمَلَهُ، هَذا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الجَعْلِ تَصْيِيرِيًّا أمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ إبْداعِيًّا فَرُسُلًا حالٌ مُقَدَّرَةٌ، وقَرَأ الضَّحّاكُ والزُّهْرِيُّ (فَطَرَ) و(جَعَلَ) فِعْلًا ماضِيًا ونَصَبا ما بَعْدَهُ، قالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى إضْمارِ الَّذِي نَعْتًا لِلَّهِ تَعالى أوْ عَلى تَقْدِيرِ قَدْ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ حالًا.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ حَذْفَ المَوْصُولِ الِاسْمِيِّ لا يَجُوزُ عِنْدَ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ، وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ والأخْفَشُ إلى إجازَتِهِ وتَبِعَهُمُ اِبْنُ مالِكٍ وشَرَطَ في بَعْضِ كُتُبِهِ كَوْنَهُ مَعْطُوفًا عَلى مَوْصُولٍ آخَرَ ومِن حُجَّتِهِمْ «آمِنُوا بِاَلَّذِي أنْزَلَ إلَيْنا وأنْزَلَ إلَيْكُمْ» وقَوْلُ حَسّانَ: أمَن يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ مِنكم ويَنْصُرُهُ ويَمْدَحُهُ سَواءُ وقَوْلُ آخَرَ: ما الَّذِي دَأْبُهُ اِحْتِياطٌ وحَزْمٌ ∗∗∗ وهَواهُ أطاعَ يَسْتَوِيانِ واخْتارَ أبُو حَيّانَ كَوْنَ الجُمْلَةِ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو فَطَرَ.

وقَرَأ الحَسَنُ «جاعِلُ» بِالرَّفْعِ عَلى المَدْحِ وجَرِّ ( المَلائِكَةِ ) وقَرَأ عَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو «جاعِلُ» بِالرَّفْعِ بِلا تَنْوِينٍ ونَصْبِ «اَلْمَلائِكَةَ» وخَرَّجَ حَذْفَ التَّنْوِينِ عَلى أنَّهُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ ونَصْبِ المَلائِكَةِ إذا كانَ جاعِلُ لِلْمُضِيِّ عَلى مَذْهَبِ الكِسائِيِّ وهِشامٍ في جَوازِ إعْمالِ الوَصْفِ الماضِي النَّصْبَ.

وقَرَأ اِبْنُ يَعْمُرَ وخُلَيْدٌ «جَعَلَ» فِعْلًا ماضِيًا «اَلْمَلائِكَةَ» بِالنَّصْبِ وذَلِكَ بَعْدَ قِراءَتِهِ ( فاطِرِ ) كالجُمْهُورِ كَقِراءَةِ مَن قَرَأ: ﴿ فالِقُ الإصْباحِ وجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا  ﴾ وفي الكَشّافِ قُرِئَ «فَطَرَ» و«جَعَلَ» كِلاهُما بِلَفْظِ الفِعْلِ الماضِي.

وقَرَأ الحَسَنُ وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ «رُسْلًا» بِسُكُونِ السِّينِ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولِي أجْنِحَةٍ ﴾ صِفَةٌ لِ رُسُلًا، وأُولُو اِسْمُ جَمْعٍ لِ ذُو كَما أنَّ أُولاهُ اِسْمُ جَمْعٍ لِ ذا، ونَظِيرُ ذَلِكَ مِنَ الأسْماءِ المُتَمَكِّنَةِ المَخاضُ قالَ الجَوْهَرِيُّ: هي الحَوامِلُ مِنَ النُّوقِ واحِدَتُها خِلْفَةٌ.

و ﴿ أجْنِحَةٍ ﴾ جَمْعُ جَناحٍ صِيغَةُ جَمْعِ القِلَّةِ ومُقْتَضى المَقامِ أنَّ المُرادَ بِهِ الكَثْرَةُ.

وفِي البَحْرِ قِياسُ جَمْعِ الكَثْرَةِ فِيهِ جُنُحٍ فَإنْ كانَ لَمْ يُسْمَعْ كانَ أجْنِحَةً مُسْتَعْمَلًا في القَلِيلِ والكَثِيرِ، والظّاهِرُ أنَّ الجَناحَ بِالمَعْنى المَعْرُوفِ عِنْدَ العَرَبِ بَيْدَ أنّا لا نَعْرِفُ حَقِيقَتَهُ وكَيْفِيَّتَهُ ولا نَقُولُ إنَّهُ مِن رِيشٍ كَرِيشِ الطّائِرِ.

نَعَمْ أخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ عَنِ اِبْنِ جُرَيْجٍ أنَّ أجْنِحَةَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ زَغَبَةٌ، ورَأيْتُ في بَعْضِ كُتُبِ الإمامِيَّةِ أنَّ المَلائِكَةَ تَزْدَحِمُ في مَجالِسِ الأئِمَّةِ فَيَقَعُ مِن رِيشِها ما يَقَعُ وأنَّهم يَلْتَقِطُونَهُ ويَجْعَلُونَ مِنهُ ثِيابًا لِأوْلادِهِمْ.

وهَذا عِنْدِي حَدِيثُ خُرافَةٍ، والكَشْفِيَّةُ مِنهم يُؤَوِّلُونَهُ بِما لا يُخْرِجُهُ عَنْ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ صِفَةٌ لِأجْنِحَةٍ، والمَنعُ مِنَ الصَّرْفِ عَلى المَشْهُورِ لِلصِّفَةِ والعَدْلِ عَنِ اِثْنَيْنِ اِثْنَيْنِ وثَلاثَةً ثَلاثَةً وأرْبَعَةً أرْبَعَةً.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّما لَمْ تَنْصَرِفْ هَذِهِ الألْفاظُ لِتَكْرارِ العَدْلِ فِيها وذَلِكَ أنَّها عَدَلَتْ عَنْ ألْفاظِ الأعْدادِ مِن صِيَغٍ إلى صِيَغٍ أُخَرَ كَما عَدَلَ عُمَرَ عَنْ عامِرٍ وحِزامُ عَنْ حازِمَةَ وعَنْ تَكْرِيرٍ إلى غَيْرِ تَكْرِيرٍ فَفِيها عَدْلانِ، وأمّا الوَصْفِيَّةُ فَلا يَفْتَرِقُ الحالُ فِيها بَيْنَ المَعْدُولَةِ والمَعْدُولِ عَنْها ألا تَراكَ تَقُولُ مَرَرْتُ بِنِسْوَةٍ أرْبَعٍ وبِرِجالٍ ثَلاثَةٍ فَلا يُعَرَّجُ عَلَيْها.

وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ قاسَ الصِّفَةَ في هَذا المَعْدُولِ عَلى الصِّفَةِ في أرْبَعٍ وثَلاثَةٍ ولَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأنَّ مُطْلَقَ الصِّفَةِ لَمْ يَعُدُّوهُ عِلَّةً بَلِ اِشْتَرَطُوا أنْ تَكُونَ الوَصْفِيَّةُ غَيْرَ عارِضَةٍ كَما في أرْبَعٍ وأنْ لا يَقْبَلَ تاءَ التَّأْنِيثِ أوْ تَكُونُ فِيهِ كَثَلاثٍ وثَلاثَةٍ، وقالَ صاحِبُ الكَشْفِ فِيهِ: إنَّ العُدُولَ عَنِ التَّكَرُّرِ لا يُعْتَبَرُ فِيهِ لِلصِّيغَةِ واعْتُبِرَ في تَحَقُّقِ العَدْلِ ذَلِكَ ثُمَّ العُدُولُ عَنِ الصِّيغَةِ الأصْلِيَّةِ لِإفادَةِ التَّكَرُّرِ فَلا عُدُولَيْنِ بِوَجْهٍ، وبَعْدَ تَسْلِيمِ أنَّ المُعْتَبَرَ في الوَصْفِ مُقارَنَتُهُ لِوَضْعِ المَعْدُولِ فَلا يَضُرُّ عُرُوضَهُ في المَعْدُولِ عَنْهُ لا اِتِّجاهَ لِلْمَنعِ ولا مُعَوَّلَ عَلى السَّنَدِ، وهو قَوْلُ سِيبَوَيْهِ عَلى ما نَقَلَهُ الجَوْهَرِيُّ وهو المَنصُورُ عَلى ما نَبَّهْتُ إلَيْهِ اِنْتَهى، وتَعَقَّبَهُ أيْضًا صاحِبُ الفَرائِدِ وصاحِبُ التَّقْرِيبِ بِعَرُوضِ الوَصْفِيَّةِ في المَعْدُولِ عَنْهُ وعَدَمِهِ في المَعْدُولِ، لَكِنْ قالَ الطِّيبِيُّ: وجَدْتُ لِبَعْضِ المَغارِبَةِ كَلامًا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ جَوابًا عَنْهُ وهو أنَّ ثَلاثَ مَثَلًا لا يَخْلُو مِن أنْ يَكُونَ مَوْضُوعًا لِلصِّفَةِ مِن غَيْرِ اِعْتِبارِ العَدَدِ أوْ لا يَكُونُ فَإنْ كانَ الأوَّلُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ العَدَدُ والمُقَدَّرُ خِلافُهُ، وإنْ كانَ الثّانِي كانَ الوَصْفُ عارِضًا لِثَلاثٍ كَما كانَ عارِضًا لِثَلاثَةٍ، فَيُمْكِنُ أنْ يُقالَ إنَّ هَذِهِ الأعْدادَ غَيْرُ مُنْصَرِفَةٍ لِلْعَدْلِ المُكَرَّرِ كالجَمْعِ وألِفَيِ التَّأْنِيثِ اِنْتَهى، وفِيهِ ما لا يَخْفى.

وقالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ هَذِهِ الألْفاظَ عَدَلَتْ في حالِ التَّنْكِيرِ فَتَعَرَّفَتْ بِالعَدْلِ فَهي لا تَنْصَرِفُ لِلْعَدْلِ والتَّعْرِيفِ، وهَذا قَوْلٌ غَرِيبٌ ذُكِرَ في البَحْرِ لِبَعْضِ الكُوفِيِّينَ وفي الكَشّافِ هي نَكِراتٌ يُعَرَّفْنَ بِلامِ التَّعْرِيفِ، تَقُولُ فُلانٌ يَنْكِحُ المُثَنّى والثُّلاثَ والرُّباعَ، وقِيلَ ﴿ مَثْنى ﴾ إلخ حالٌ مِن مَحْذُوفٍ والعامِلُ فِيهِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ.

﴿ رُسُلا ﴾ أيْ يُرْسَلُونَ مُثَنّى وثُلاثَ ورُباعَ، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ، والمُرادُ ذَوِي أجْنِحَةٍ مُتَعَدِّدَةٍ مُتَفاوِتَةٍ في العَدَدِ حَسَبَ تَفاوُتِ ما لَهم مِنَ المَراتِبِ يَنْزِلُونَ بِها ويَعْرُجُونَ أوْ يُسْرِعُونَ بِها حِينَ يُؤْمَرُونَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ كُلًّا أوْ بَعْضًا لِأُمُورٍ أُخَرَ كالزِّينَةِ فِيما بَيْنَهم وكالإرْخاءِ عَلى الوَجْهِ حَياءً مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى غَيْرِ ذَلِكَ، والمَعْنى أنَّ مِنَ المَلائِكَةِ خَلْقًا لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم جَناحانِ وخَلْقًا لِكُلٍّ مِنهم ثَلاثَةُ أجْنِحَةٍ وخَلْقًا لِكُلٍّ مِنهم أرْبَعَةُ أجْنِحَةٍ، ولا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى نَفْيِ الزّائِدِ بَلْ قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ ما ذُكِرَ مِنَ العَدَدِ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّكْثِيرِ والتَّفاوُتِ لا لِلتَّعْيِينِ ولا لِنَفْيِ النُّقْصانِ عَنِ اِثْنَيْنِ.

وقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ واَلتِّرْمِذِيُّ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى  ﴾ رَأى جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَناحٍ، واَلتِّرْمِذِيُّ عَنْ مَسْرُوقٍ «عَنْ عائِشَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  لَمْ يَرَ جِبْرِيلَ في صُورَتِهِ إلّا مَرَّتَيْنِ مَرَّةً عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى ومَرَّةً في جِيادٍ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَناحٍ قَدْ سَدَّ الأُفُقَ،» وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَرَّ بِي في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ صِنْفًا مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَهم سِتَّةُ أجْنِحَةٍ فَجَناحانِ يَلُفُّونَ بِهِما أجْسادُهم وجَناحانِ يَطِيرُونَ بِهِما في أمْرٍ مِن أُمُورِ اللَّهِ تَعالى وجَناحانِ مَرْخِيّانِ عَلى وُجُوهِهِمْ حَياءً مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

والبَحْثُ عَنْ كَيْفِيَّةِ وضْعِ الأجْنِحَةِ شَفْعًا كانَتْ أوْ وِتْرًا فِيما أرى مِمّا لا طائِلَ تَحْتَهُ ولَمْ يَصِحَّ عِنْدِي في ذَلِكَ شَيْءٌ ولِقِياسِ الغائِبِ عَلى الشّاهِدِ، قالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ المَعْنى إنَّ في كُلِّ جانِبٍ لِبَعْضِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ جَناحَيْنِ ولِبَعْضِهِمْ ثَلاثَةٌ ولِبَعْضِهِمْ أرْبَعَةٌ وإلّا فَلَوْ كانَتْ ثَلاثَةٌ لِواحِدٍ لَما اِعْتَدَلَتْ، وهو كَما تَرى.

وقالَ قَوْمٌ: إنَّ الجَناحَ إشارَةٌ إلى الجِهَةِ، وبَيانُهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَيْسَ فَوْقَهُ شَيْءٌ وكُلُّ شَيْءٍ سِواهُ فَهو تَحْتُ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ، والمَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَهم وجْهٌ إلى اللَّهِ تَعالى يَأْخُذُونَ مِنهُ نِعَمَهُ ويُعْطُونَ مَن دُونَهم مِمّا أخَذُوهُ بِإذْنِهِ سُبْحانَهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ ﴾ ﴿ عَلى قَلْبِكَ  ﴾ وقالَ تَعالى: ﴿ عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى  ﴾ وقالَ تَعالى: ﴿ فالمُدَبِّراتِ أمْرًا  ﴾ وهُما جَناحانِ وفِيهِمْ مَن يَفْعَلُ ما يَفْعَلُ مِنَ الخَيْرِ بِواسِطَةٍ، وفِيهِمْ مَن يَفْعَلُهُ لا بِواسِطَةٍ فالفاعِلُ بِواسِطَةٍ مِنهم مَن لَهُ ثَلاثُ جِهاتٍ، ومِنهم مَن لَهُ أرْبَعُ جِهاتٍ وأكْثَرُ، وهَذا خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا ولا يَحْتاجُ إلَيْهِ السُّنِّيُّ القائِلُ بِأنَّ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أجْسامٌ لَطِيفَةٌ نُورِيَّةٌ يَقْدِرُونَ عَلى التَّشَكُّلِ بِالصُّوَرِ المُخْتَلِفَةِ وعَلى الأفْعالِ الشّاقَّةِ، وإنَّما يَحْتاجُ إلَيْهِ أوْ إلى نَحْوِهِ الفَلاسِفَةُ وأتْباعُهم فَإنَّ المَلائِكَةَ عِنْدَهم هي العُقُولُ المُجَرَّدَةُ ويُسَمِّيها أهْلُ الإشْراقِ بِالأنْوارِ الظّاهِرَةِ وبَعْضُ المُتَصَوِّفَةِ بِالسُّرادِقاتِ النُّورِيَّةِ، وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ مُتَأخَّرِيهِمْ أنَّ لَها ذَواتٍ حَقِيقِيَّةً وذَواتٍ إضافِيَّةً مُضافَةً إلى ما دَوْنَها إضافَةَ النَّفْسِ إلى البَدَنِ فَأمّا ذَواتُها الحَقِيقَةُ فَإنَّما هي أمْرِيَّةٌ قَضائِيَّةٌ قَوْلِيَّةٌ، وأمّا ذَواتُها الإضافِيَّةُ فَإنَّما هي خَلْقِيَّةٌ قَدَرِيَّةٌ تَنْشَأُ مِنها المَلائِكَةُ اللَّوْحِيَّةُ وأعْظَمُهم إسْرافِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وتُطْلَقُ المَلائِكَةُ عِنْدَهم عَلى غَيْرِ العُقُولِ كالمُدَبِّراتِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ مِنَ النُّفُوسِ والطَّبائِعِ، وأطالُوا الكَلامَ في ذَلِكَ وظَواهِرُ الآياتِ والأخْبارُ تُكَذِّبُهُمْ، واَللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ.

﴿ يَزِيدُ في الخَلْقِ ما يَشاءُ ﴾ اِسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مِن تَفاوُتِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في عَدَدِ الأجْنِحَةِ ومُؤْذِنٌ بِأنَّ ذَلِكَ مِن أحْكامِ مَشِيئَتِهِ تَعالى لا لِأمْرٍ راجِعٍ إلى ذَواتِهِمْ بِبَيانِ حُكْمٍ كُلِّيٍّ ناطِقٍ بِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَزِيدُ في أيِّ خَلْقٍ كانَ كُلَّ ما يَشاءُ أنْ يَزِيدَهُ بِمُوجِبِ مَشِيئَتِهِ سُبْحانَهُ ومُقْتَضى حِكْمَتِهِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي لا يُحِيطُ بِها الوَصْفُ، وقالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: هَذا في الأجْنِحَةِ الَّتِي لِلْمَلائِكَةِ أيْ يَزِيدُ في خَلْقِ الأجْنِحَةِ لِلْمَلائِكَةِ ما يَشاءُ فَيَجْعَلُ لِكُلِّ سِتَّةِ أجْنِحَةٍ أوْ أكْثَرَ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ، وكَأنَّ الجُمْلَةَ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ عَدَمِ الزِّيادَةِ عَلى الأرْبَعَةِ.

وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ يَزِيدُ في خَلْقِ المَلائِكَةِ والأجْنِحَةِ ما يَشاءُ، وقِيلَ ﴿ الخَلْقِ ﴾ خَلْقُ الإنْسانِ و( ما يَشاءُ ) الخَلْقُ الحَسَنُ، أوِ الصَّوْتُ الحَسَنُ، أوِ الحَظُّ الحَسَنُ، أوِ المَلاحَةُ في العَيْنَيْنِ أوْ في الأنْفِ أوْ في الوَجْهِ، أوْ خِفَّةُ الرُّوحِ، أوْ جُعُودَةُ الشِّعْرِ وحُسْنُهُ، أوِ العَقْلُ، أوِ العِلْمُ، أوِ الصَّنْعَةُ، أوِ العِفَّةُ في الفَقْرِ، أوْ حَلاوَةُ النُّطْقِ، وذَكَرُوا في بَعْضِ ذَلِكَ أخْبارًا مَرْفُوعَةً، والحَقُّ أنَّ ذَلِكَ مِن بابِ التَّمْثِيلِ لا الحَصْرِ، والآيَةُ شامِلَةٌ لِجَمِيعِ ذَلِكَ بَلْ شامِلَةٌ لِما يُسْتَحْسَنُ ظاهِرًا ولِما لا يُسْتَحْسَنُ، وكُلُّ شَيْءٍ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ حَسَنٌ.

﴿ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ تَعْلِيلٌ بِطَرِيقِ التَّحْقِيقِ لِلْحُكْمِ المَذْكُورِ فَإنَّ شُمُولَ قُدْرَتِهِ تَعالى لِجَمِيعِ الأشْياءِ مِمّا يُوجِبُ قُدْرَتَهُ سُبْحانَهُ عَلى أنْ يَزِيدَ في كُلِّ خَلْقٍ كُلَّ ما يَشاؤُوهُ تَعالى إيجابًا بَيِّنًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وهي أربعون وخمس آية مكية قوله تبارك وتعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: خالق السموات والأرض.

يقال: فطر الشيء إذا بدأه.

قال ابن عباس-  -: ما كنت أعرف فاطر حتى اختصما لي أعرابيان في بئر.

فقال أحدهما: أنا فطرتها يعني: بدأتها.

ثم قال: جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا يعني: مرسل الملائكة بالرسالة جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت والكرام الكاتبين- عليهم السلام- أُولِي أَجْنِحَةٍ يعني: ذوي أجنحة، ولفظ أولي يستعمل في الجماعة، ولا يستعمل في الواحد وواحدها ذو.

ثم قال: مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يعني: من الملائكة من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة أجنحة، ومنهم من له أربعة.

ومنهم كذا.

ويقال: ثُلاثَ معدول من ثلاثة.

يعني: ثلاثة ثلاثة.

وَرُباعَ معدول من أربعة يعني: أربعة أربعة.

ثم قال: يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشاءُ يعني: يزيد في خلق الأجنحة ما يشاء.

وروي عن ابن شهاب أن رسول الله  سأل جبريل-  - أن يتراءى له في صورته.

فقال له جبريل: إنك لا تطيق ذلك.

فقال: «إِنِّي أُحِبُّ أَنْ تَفْعَلَ» .

فخرج رسول الله  إلى المصلى في ليلة مقمرة، فأتاه جبريل في صورته فغشي على رسول الله  حين رآه.

ثم أفاق وجبريل-  - يسنده، واضع إحدى يديه على صدره، والأخرى بين كتفيه.

فقال رسول الله  : «سُبْحَانَ الله مَا كُنْتُ أرَى شَيْئاً مِنَ الخَلْقِ هَكَذا» !

فقال جبريل: فكيف لو رأيت إسرافيل؟

إن له اثني عشر جناحاً، منها جناح بالمشرق وجناح بالمغرب، وأن العرش لعلى كاهله، وإنه ليتضاءل بالأحايين لعظمة الله، حتى يعود مثل الوضع يعني: عصفوراً.

حتى لا يحمل عرشه إلا عظمته.

فذلك قوله تعالى: يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشاءُ يعني: في خلق الملائكة.

ويقال: يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشاءُ يعني: الشعر الحسن، والصوت الحسن، والخلد الحسن.

ويقال: يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشاءُ يعني: في الجمال والكمال والدمامة.

ثم قال: إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ من الزيادة والنقصان وغيره.

ثم قال عز وجل: مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ يعني: ما يرسل الله للناس من رزق كقوله: ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ [الإسراء: 28] ويقال: الغيث.

ويقال: مِنْ رَحْمَةٍ يعني: من كل خير فَلا مُمْسِكَ لَها يعني: لا يقدر أحد على حبسها وَما يُمْسِكْ يعني: ما يحبس من رزق فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ يعني: فلا معطي أحد بعد الله عز وجل.

قال في أول الكلام: فَلا مُمْسِكَ لَها بلفظ التأنيث، لأنه انصرف إلى اللفظ وهو الرحمة.

ثم قال: فَلا مُرْسِلَ لَهُ بلفظ التذكير، لأنه ينصرف إلى المعنى وهو المطر والرزق، ولو كان كلاهما بلفظ التذكير أو كلاهما بلفظ التأنيث لجاز في اللغة.

فذكر الأول بلفظ التأنيث لأن الرحمة كانت أقرب إليه، وفي الثاني كان أبعد وقد ذكر بلفظ التذكير مجاز حذف ما ثم قال: وَهُوَ الْعَزِيزُ فيما أمسك الْحَكِيمُ فيما أرسل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال الهيثم الفارسي: رأيت النّبيّ صلى الله عليه وسلّم فِي النَّوْمِ فَقَالَ لِي: أَنْتَ الهَيْثَمُ الَّذِي تُزَيِّنُ القُرْآنَ بِصَوْتِكَ جَزَاكَ اللهُ خَيْراً.

وَقِيلَ مِنَ الأَقْوَالِ فِي الزِّيَادَةِ غَيْرَ هَذَا وَذَلِكَ عَلَى جِهَة المِثَالِ لاَ أَنَّ المَقْصِدَ هِيَ فَقَطْ.

وَقَوْلهُ تَعَالَى: مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ ما شرط ويَفْتَحِ مَجْزُومٌ بِالشَّرْطِ.

وقوله: مِنْ رَحْمَةٍ عَامٌ فِي كُلِّ خَيْرٍ يُعْطِيهِ اللهُ تَعَالَى لِعِبَادِهِ.

وَقَوْلُه: مِنْ بَعْدِهِ فيه حَذْفٌ مُضَافٍ، أي: مِنْ بَعْدِ إمْسَاكِهِ وَمِنْ هَذِهِ الآيةِ سَمَّتِ الصُّوفِيَّةُ مَا تُعْطَاهُ مِنَ الأَمْوَالِ وَالمَطَاعِمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ «الفتوحات» .

يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥) إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ (٦) الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (٧)

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ خِطَابُ لِقُرَيْشٍ وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ لِكُلِّ كَافِرٍ.

وَقَوْلهُ سُبْحَانَه: فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا.

ت: هذهِ الآيةُ مَعَنَاهَا بَيِّنٌ، قَالَ ابْنُ عَطَاءِ اللهِ: يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يُقَلِّلَ الدُّخُولَ فِي أسباب الدّنيا فقد قال النّبيّ صلى الله عليه وسلّم: «إنَّ قَلِيلَ الدُّنْيَا يُلْهَي عَنْ كَثِيرِ الآخِرَةِ» وقال صلى الله عليه وسلّم: «مَا طَلَعَتْ شَمْسٌ إلاَّ وَبِجَنْبَيْهَا مَلَكَانِ يُنَادِيَانِ: يا أيّها النَّاسُ، هَلُمُّوا إِلَى رَبِّكُمْ، فَإنَّ ما قَلَّ وَكَفَى خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ وَأَلْهَى» «١» .

انتهى مِنْ «لَطَائِف المِنَنِ» .

وَقَرَأَ جُمْهُورُ النَّاسِ: «الغرور» - بِفَتْحِ الغَيْنِ- وَهُوَ الشَّيْطَانُ.

قَالَهُ ابْنِ عَبَّاسٍ «٢» .

وَقَوْلهُ: إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ الآية: يُقَوِّي قِرَاءَةُ الجُمْهُورِ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا.

أي: بالمبَايَنَةِ والمقَاطَعَةِ والمخَالَفَةِ باتّباع الشرع.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ فاطِرٍ وَتُسَمّى سُورَةَ المَلائِكَةِ، وهي مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ أيْ: خالِقُهُما مُبْتَدِئًا عَلى غَيْرِ مِثالٍ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما كُنْتُ أدْرِي ما فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ حَتّى اخْتَصَمَ أعْرابِيّانِ في بِئْرٍ، فَقالَ أحَدُهُما: أنا فَطَرْتُها، أيِ: ابْتَدَأتُها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جاعِلِ المَلائِكَةِ ﴾ ورَوى الحَلَبِيُّ والقَزّازُ عَنْ عَبْدِ الوارِثِ: " جاعِلٌ " بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ " المَلائِكَةَ " بِالنَّصْبِ ﴿ رُسُلا ﴾ يُرْسِلُهم إلى الأنْبِياءِ وإلى ما يَشاءُ مِنَ الأُمُورِ ﴿ أُولِي أجْنِحَةٍ ﴾ أيْ: أصْحابَ أجْنِحَةٍ ﴿ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ ﴾ فَبَعْضُهم لَهُ جَناحانِ، وبَعْضُهم [لَهُ] ثَلاثَةٌ، وبَعْضُهم لَهُ أرْبَعَةٌ.

و ﴿ يَزِيدُ في الخَلْقِ ما يَشاءُ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ زادَ في خَلْقِ المَلائِكَةِ الأجْنِحَةَ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: يَزِيدُ في الأجْنِحَةِ ما يَشاءُ، رَواهُ عَبّادُ بْنُ مَنصُورٍ عَنِ الحَسَنِ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الخُلُقُ الحَسَنُ، رَواهُ عَوْفٌ عَنِ الحَسَنِ.

والرّابِعُ: أنَّهُ حُسْنُ الصَّوْتِ، قالَهُ الزُّهْرِيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ.

والخامِسُ: المَلاحَةُ في العَيْنَيْنِ، قالَهُ قَتادَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ ﴾ أيْ: مِن خَيْرٍ ورِزْقٍ.

وقِيلَ: أرادَ بِها المَطَرَ ﴿ فَلا مُمْسِكَ لَها ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " فَلا مُمْسِكَ لَهُ " .

وفي الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ، إذْ لا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ إمْساكَ ما فَتَحَ وفَتْحَ ما أمْسَكَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ فاطِرٍ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَماواتِ والأرْضِ جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلا أُولِي أجْنِحَةٍ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ يَزِيدُ في الخَلْقِ ما يَشاءُ إنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ﴿ ما يَفْتَحِ اللهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ ﴿ يا أيُّها الناسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكم هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُكم مِن السَماءِ والأرْضِ لا إلَهَ إلا هو فَأنّى تُؤْفَكُونَ ﴾ ﴿ وَإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ وإلى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ ﴾ ﴿ يا أيُّها الناسُ إنَّ وعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُنْيا ولا يَغُرَّنَّكم بِاللهِ الغَرُورُ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "الحَمْدُ لِلَّهِ"، ﴾ الألِفُ واللامُ في "الحَمْدُ" لِاسْتِغْراقِ الجِنْسِ عَلى أتَمِّ عُمُومٍ؛ لِأنَّ الحَمْدَ بِالإطْلاقِ عَلى الأفْعالِ الشَرِيفَةِ والكَمالُ هو لِلَّهِ، والشُكْرُ مُسْتَغْرَقٌ فِيهِ؛ لِأنَّهُ فَصْلٌ مِن فُصُولِهِ.

و"فاطِرِ" مَعْناهُ: خالِقِ، لَكِنْ يَزِيدُ في المَعْنى الِانْفِرادُ بِالِابْتِداءِ لِخِلْقَتِها، ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيِّ: "أنا فَطَرْتُها"، أرادَ: بَدَأْتُ حَفْرَها، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: ما كُنْتُ أفْهَمُ مَعْنى "فاطِرٍ" حَتّى سَمِعْتُ قَوْلَ الأعْرابِيِّ.

وقَرَأ الزُهْرِيُّ ؛ "الحَمْدُ لِلَّهِ فَطَرَ"، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "جاعِلِ" بِالخَفْضِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: [جاعِلُ] بِالرَفْعِ، عَلى قَطْعِ الصِفَةِ، وقَرَأ خالِدُ بْنُ نَشِيطٍ: [جَعَلَ] عَلى صِيغَةِ الماضِي "المَلائِكَةَ" نَصْبًا، فَأمّا عَلى هَذِهِ القِراءَةِ الأخِيرَةِ فَنُصِبَ قَوْلُهُ: "رُسُلًا" عَلى المَفْعُولِ الثانِي، وأمّا عَلى القِراءَتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ فَقِيلَ: أرادَ بِـ"جاعِلِ" الِاسْتِقْبالَ؛ لِأنَّ القَضاءَ في الأزَلِ، وحُذِفَ التَنْوِينُ تَخْفِيفًا، وعَمِلَ عَمَلَ المُسْتَقْبَلِ في "رُسُلًا".

وقالَتْ فِرْقَةٌ: "جاعِلِ" بِمَعْنى المُضِيِّ، و"رُسُلًا" نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ، و"رُسُلًا" مَعْناهُ: بِالوَحْيِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أوامِرَ، فَجِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وعِزْرائِيلُ وإسْرافِيلُ رُسُلٌ، والمَلائِكَةُ المُتَعاقِبُونَ رُسُلٌ، والمُسَدِّدُونَ لِحُكّامِ العَدْلِ رُسُلٌ، وغَيْرُ ذَلِكَ.

وقَرَأ الحَسَنُ: "رُسْلًا" بِسُكُونِ السِينِ.

و"أُولِي" جَمْعُ (ذُو)، ومِنهُ: التَقِيُّ ذُو نُهْيَةٍ، والقَوْمُ أُولُو نَهْيً، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ في تَفْسِيرِ قَوْلِ مَرْيَمَ عَلَيْها السَلامُ: ﴿ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا  ﴾ : عَلِمَتْ مَرْيَمُ أنَّ التَقِيَّ ذُو نُهْيَةٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ ﴾ ألْفاظٌ مَعْدُولَةٌ مِنَ اثْنَيْنِ وثَلاثَةٍ وأرْبَعَةٍ، عُدِلَتْ في حالِ التَنْكِيرِ فَتَعَرَّفَتْ بِالعَدْلِ، فَهي لا تَنْصَرِفُ لِلْعَدْلِ والتَعْرِيفِ، وقِيلَ: لِلْعَدْلِ والصِفَةِ، وفائِدَةُ العَدْلِ الدَلالَةُ عَلى التَكْرارِ: لِأنَّ "مَثْنى" بِمَنزِلَةِ قَوْلِكِ: اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ.

وقالَ قَتادَةُ: إنَّ أنْواعَ المَلائِكَةِ هي هَكَذا، مِنها ما لَهُ جَناحانِ، ومِنها ما لَهُ ثَلاثَةٌ، ومِنها ما لَهُ أرْبَعَةٌ، وشَذَّ مِنها ما لَهُ أكْثَرُ مِن ذَلِكَ، ورُوِيَ أنَّ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ سِتَّمِائَةِ جَناحٍ مِنها اثْنانِ تَبْلُغُ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: إنَّ في كُلِّ جانِبٍ مِنَ المَلَكِ جَناحَيْنِ، ولِبَعْضِهِمْ أرْبَعَةٌ، وإلّا فَلَوْ كانَتْ ثَلاثَةٌ لِكُلِّ واحِدٍ لِما اعْتَدَلَتْ في مُعْتادِ ما رَأيْناهُ نَحْنُ مِنَ الأجْنِحَةِ، وقِيلَ: بَلْ هي ثَلاثَةٌ لِكُلِّ واحِدٍ كالحُوتِ، واللهُ أعْلَمُ بِذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَزِيدُ في الخَلْقِ ما يَشاءُ ﴾ تَقْرِيرٌ لِما يَقَعُ في النُفُوسِ مِنَ التَعَجُّبِ والِاسْتِغْرابِ عِنْدَ الخَبَرِ بِالمَلائِكَةِ أُولِي الأجْنِحَةِ، أيْ: لَيْسَ هَذا بِبِدْعٍ في قُدْرَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى؛ فَإنَّهُ يَزِيدُ في خَلْقِهِ ما يَشاءُ، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، وابْنِ شِهابٍ أنَّهُما قالا: المَزِيدُ هو حُسْنُ الصَوْتِ، قالَ الهَيْثَمُ الفارِسِيُّ: رَأيْتُ النَبِيَّ  في النَوْمِ، فَقالَ لِي: "أنْتَ الهَيْثَمُ الَّذِي تُزَيِّنُ القُرْآنَ بِصَوْتِكَ، جَزاكَ اللهُ خَيْرًا"، وقِيلَ: الزِيادَةُ: الخَطُّ الحَسَنُ، وقالَ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "الخَطُّ الحَسَنُ يَزِيدُ الحَقَّ وُضُوحًا"،» وقالَ قَتادَةُ: الزِيادَةُ: مَلاحَةُ العَيْنَيْنِ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا، وإنَّما ذَكَرَ هَذِهِ الأشْياءَ مَن ذَكَرَها عَلى جِهَةِ المِثالِ، لا أنَّ المَقْصُودَ هي فَقَطْ، وإنَّما مَثَّلُوا بِأشْياءَ هي زِياداتٌ خارِجَةٌ عَنِ الغالِبِ المُعْتادِ المَوْجُودِ كَثِيرًا، وباقِي الآيَةِ بَيْنٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما يَفْتَحِ اللهُ ﴾ ، "ما" شَرْطٌ، و"يَفْتَحِ" جُزِمَ بِالشَرْطِ، و ﴿ مِن رَحْمَةٍ ﴾ عامٌّ في كُلِّ خَيْرٍ يُعْطِيهِ اللهُ لِعِبادِهِ جَماعَتِهِمْ وأفْرادِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ مِن بَعْدِهِ ﴾ فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ، أيْ: مِن بَعْدِ إمْساكِهِ، ومِن هَذِهِ الآيَةِ سَمَّتِ الصُوفِيَّةُ ما يُعْطاهُ (الصُوفِيُّ) مِنَ الأمْوالِ والمَطاعِمِ وغَيْرِ ذَلِكَ: الفُتُوحاتِ، ومِنها كانَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ يَقُولُ: "مُطِرْنا بِنَوْءِ الفَتْحِ"، ويَقْرَأُ الآيَةَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الناسُ اذْكُرُوا ﴾ الآيَةُ...

خِطابٌ لِقُرَيْشٍ، وهو مُتَّجِهٌ لِكُلِّ كافِرٍ، ولا سِيَّما لِعُبّادِ غَيْرِ اللهِ، وذَكَّرَهم تَعالى بِنِعْمَةِ اللهِ عَلَيْهِمْ في خَلْقِهِمْ وإيجادِهِمْ، ثُمَّ اسْتَفْهَمَهم عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ والتَوْقِيفِ بِقَوْلِهِ: ﴿ هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللهِ ﴾ ؟

أيْ: فَلَيْسَ الإلَهُ إلّا الخالِقُ، لا ما تَعْبُدُونَ أنْتُمْ مِنَ الأصْنامِ، وقَرَأ حَمْزَةُ: "غَيْرِ" بِالخَفْضِ نَعَتٌ عَلى اللَفْظِ، وخَبَرُ الِابْتِداءِ ﴿ "يَرْزُقُكُمْ"، ﴾ وبِها قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَقِيقٌ، وابْنُ وثّابٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالرَفْعِ، وهي قِراءَةُ شَيْبَةَ بْنِ نِصاحٍ، وعِيسى، والحَسْنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وذَلِكَ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوجُهٍ: النَعْتُ عَلى المَوْضِعِ والخَبَرُ مُضْمَرٌ، تَقْدِيرُهُ: في الوُجُودِ، أو في العالَمِ.

وأنْ يَكُونَ "غَيْرُ" خَبَرَ الِابْتِداءِ الَّذِي هو في المَجْرُورِ، والرَفْعُ عَلى الِاسْتِثْناءِ، كَأنَّهُ قالَ: هَلْ خالِقٌ إلّا اللهُ؟

فَجَرَتْ "غَيْرُ" مَجْرى الفاعِلِ بَعْدَ إلّا.

وقَوْلُهُ: ﴿ مِنَ السَماءِ ﴾ يُرِيدُ: بِالمَطَرِ، ومِنَ "الأرْضِ" يُرِيدُ: بِالنَباتِ، وقَوْلُهُ: ﴿ فَأنّى تُؤْفَكُونَ ﴾ أيْ:فَلا وجْهَ تُصْرَفُونَ "فِيهِ" عَنِ الحَقِّ.

ثُمَّ سَلّى نَبِيَّهُ  بِما سَلَفَ مِن حالِ الرُسُلِ مَعَ الأُمَمِ، و"الأُمُورُ" تَعُمُّ جَمِيعَ المَوْجُوداتِ المَخْلُوقاتِ، إلى اللهِ مَصِيرُ جَمِيعِ ذَلِكَ عَلى اخْتِلافِ أحْوالِها، وفي هَذا وعِيدٌ لِلْكُفّارِ ووَعْدٌ لِلنَّبِيِّ  .

ثُمَّ وعَظَ جَمِيعَ العالِمِ وحَذَّرَهم غُرُورَ الدُنْيا بِنَعِيمِها وزُخْرُفِها، الشاغِلَةِ عَنِ المَعادِ الَّذِي لَهُ يَقُولُ الإنْسانُ: يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي، ولا يَنْفَعُهُ "لَيْتَ" يَوْمَئِذٍ، وحَذَّرَ غُرُورَ الشَيْطانِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ إنَّ وعْدَ اللهِ حَقٌّ ﴾ عِبارَةٌ عن جَمِيعِ خَبَرِهِ عَزَّ وجَلَّ في خَيْرٍ وتَنْعِيمٍ أو عَذابٍ وعِقابٍ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "الغَرُورُ" بِفَتْحِ الغَيْنِ، وهو الشَيْطانُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقَرَأ سَمّاكٌ العَبْدِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ: "الغُرُورُ" بِضَمِّ الغَيْنِ، وذَلِكَ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ غارٍّ كَجالِسٍ وجُلُوسٍ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ غَرٍّ، وهو مَصْدَرُ غَرَّهُ يَغُرُّهُ غَرًّا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا وإنْ كانَ شاذًّا في الأفْعالِ المُتَعَدِّيَةِ أنْ يَجِيءَ مَصْدَرُها عَلى "فُعُولٍ" لَكِنَّهُ قَدْ جاءَ: "لَزِمَهُ لُزُومًا"، و"نَهَكَهُ المَرَضُ نُهُوكًا"، فَهَذا مِثْلُهُ، وكَذَلِكَ هو مَصْدَرٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَدَلاهُما بِغُرُورٍ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

افتتاحها ب ﴿ الحمد لله ﴾ مؤذن بأن صفات من عظمة الله ستذكر فيها، وإجراء صفات الأفعال على اسم الجلالة مِن خلقِهِ السماوات والأرض وأفضللِ ما فيها من الملائكة والمرسلين مؤذن بأن السورة جاءت لإِثبات التوحيد وتصديق الرسول صلى الله عليه وسلم وإيذان ﴿ الحمد لله ﴾ باستحقاق الله إياه دون غيره تقدم في أول سورة الفاتحة.

والفاطر: فاعل الفَطْر، وهو الخلق، وفيه معنى التكون سريعاً لأنه مشتق من الفطر وهو الشق، ومنه ﴿ تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن ﴾ [الشورى: 5] ﴿ إذا السماء انفطرت ﴾ [الانفطار: 1].

وعن ابن عباس «كنت لا أدري ما فاطر السماوات والأرض (أي لعدم جريان هذا اللفظ بينهم في زمانه) حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، أي أنا ابتدأتُها.

وأحسب أن وصف الله ب ﴿ فاطر السماوات والأرض ﴾ مما سبق به القرآن، وقد تقدم عند قوله تعالى ﴿ فاطر السماوات والأرض ﴾ في سورة الأنعام (14)، وقوله: ﴿ وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض ﴾ في آخر سورة يوسف (101) فضُمَّه إلى ما هنا.

وأما جاعل } فيطلق بمعنى مكوِّن، وبمعنى مُصَيِّر، وعلى الاعتبارين يختلف موقع قوله: ﴿ رسلاً ﴾ بين أن يكون مفعولاً ثانياً ل ﴿ جاعل ﴾ أي جعل الله من الملائكة، أي ليكونوا رسلاً منه تعالى لما يريد أن يفعلوه بقوتهم الذاتية، وبين أن يكون حالاً من ﴿ الملائكة ﴾ ، أي يجعل من أحوالهم أن يُرسَلوا.

ولصلاحية المعنيين أُوثرت مادة الجعل دون أن يعطف على معمول ﴿ فاطر ﴾ .

وتخصيص ذكر الملائكة من بين مخلوقات السماوات والأرض لشرفهم بأنهم سكان السماوات وعظيم خلقهم.

وأجري عليهم صفة أنهم رُسل لمناسبة المقصود من إثبات الرسالة، أي جاعلهم رسلاً منه إلى المرسلين من البشر للوحي بما يراد تبليغهم إياه للناس.

وقوله ﴿ أولي أجنحة ﴾ يجوز أن يكون حالاً من ﴿ الملائكة ﴾ ، فتكون الأجنحة ذاتيةً لهم من مقومات خلقتهم، ويجوز أن يكون حالاً من الضمير في ﴿ رسلاً ﴾ فيكون خاصة بحالة مَرسوليتهم.

و ﴿ أجنحة ﴾ جمع جَناح بفتح الجيم وهو ما يكون للطائر في موضع اليد للإِنسان فيحتمل أن إثبات الأجنحة للملائكة في هذه الآية وفي بعض الأحاديث المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم حقيقة، ويحتمل أنه استعارة للقوة التي يخترقون بها الآفاق السماوية صعوداً ونزولاً لا يعلم كنهها إلا الله تعالى.

و ﴿ مثنى ﴾ وأخواتُه كلمات دالّة على معنى التكرير لاسم العدد التي تشتق منه ابتداء من الاثنين بصيغة مَثنى ثم الثلاثة والأربعة بصيغة ثُلاث ورُباع.

والأكثر أنهم لا يتجاوزون بهذه الصيغة مادة الأربعة، وقيل: يجوز إلى العشرة.

والمعنى: اثنين اثنين الخ.

وتقدم قوله: ﴿ أن تقوموا لله مثنى وفرادى ﴾ في سورة سبأ (46).

والكلام على أولي} تقدم.

والمعنى: أنهم ذوو أجنحة بعضها مصففة جناحين جناحين في الصف، وبعضها ثلاثةً ثلاثة، وبعضها أربعةً أربعةً، وذلك قد تتعدد صفوفه فتبلغ أعداداً كثيرة فلا ينافي هذا ما ورد في الحديث عن عبد الله بن مسعود: «أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى جبريل له ستمائة جناح».

ويجوز أن تكون أعداد الأجنحة متغيرة لكل ملك في أوقات متغيرة على حسب المسافات التي يؤمرون باختراقها من السماوات والأرضين.

والأظهر أن الأجنحة للملائكة من أحوال التشكل الذي يتشكلون به.

وفي رواية الزهري أن جبريل قال للنبيء صلى الله عليه وسلم «لو رأيت إسرافيل إنّ له لاَثنَيْ عشرَ ألفَ جناح وإن العرش لعلى كاهله».

واعلم أن ماهية الملائكة تتحصل فيما ذكره سعد الدين في كتاب «المقاصد» «إنهم أجسام لطيفة نورانية قادرة على التشكلات بأشكال مختلفة، شأنهم الخير والطاعة، والعلم، والقدرة على الأعمال الشاقة، ومسكنُهم السماوات، وقال: هذا ظاهر الكتاب والسنة وهو قول أكثر الأمة».

ا ه.

ومعنى الأجسام اللطيفة أنها من قبيل الجوهر لا العرض وأنها جواهر مما يسمى عند الحكماء بالمجردات.

وعندي: أن تعريف صاحب «المقاصد» لحقيقة الملائكة لا يخلو عن تخليطٍ في ترتيب التعريف لأنه خلط في التعريف بين الذاتيات والعرضيات.

والوجه عندي في ترتيب التعريف أن يقال: أجسام لطيفة نورانية أخيار ذوو قوة عظيمة، ومن خصائصهم القدرة على التشكل بأشكال مختلفة، والعلم بما تتوقف عليه أعمالهم، ومقرهم السماوات ما لم يرسلوا إلى جهة من الأرض.

وهذا التشكل انكماش وتقبض في ذرات نورانيتهم وإعطاء صورة من صور الجسمانيات الكثيفة لذواتهم.

دل على تشكلهم قوله تعالى لهم يوم بدر ﴿ فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان ﴾ [الأنفال: 12]، وثبت تشكل جبريل عليه السلام للنبيء صلى الله عليه وسلم في صورة دِحْية الكلبي، وتشكله له ولعمر بن الخطاب في حديث السؤال عن الإِيمان والإِسلام والإِحسان والساعة في صورة «رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثر السفَر، ولا يَعرفه منا أحد (أي من أهل المدينة) حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه» الحديث، وقول النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن فارقهم الرجل " هل تدرون من السائل؟

قالوا: الله ورسوله أعلم.

قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم " كما في «الصحيحين» عن عمر بن الخطاب.

وثبت حلول جبريل في غار حراء في بدء الوحي، وظهورهُ للنبيء صلى الله عليه وسلم على كرسي بين السماء والأرض بصورته التي رآه فيها في غار حراء كما ذلك في حديث نزول سورة المدثر، ورأى كثير من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومَ بدر ناساً لا يعرفونهم على خيل يقاتلون معهم.

وجملة ﴿ يزيد في الخلق ما يشاء ﴾ مستأنفة استئنافاً بيانياً لأن ما ذكر من صفات الملائكة يثير تعجب السامع أن يتساءل عن هذه الصفة العجيبة، فأجيب بهذا الاستئناف بأن مشيئة الله تعالى لا تنحصر ولا تُوقَّت.

ولكل جنس من أجناس المخلوقات مقوماته وخواصه.

فالمراد بالخلق: المخلوقات كُلّها، أي يزيد الله في بعضها ما ليس في خَلققٍ آخر.

فيشمل زيادة قوة بعض الملائكة على بعض، وكل زيادة في شيء بين المخلوقات من المحاسن والفضائل من حصافة عقل وجمال صورة وشجاعة وذلقة لسان ولياقة كلام.

ويجوز أن تكون جملة ﴿ يزيد في الخلق ما يشاء ﴾ صفة ثانية للملائكة، أي أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في خلقهم ما يشاء كأنه قيل: مثنى وثلاث ورباع وأكثر، فما في بعض الأحاديث من كثرة أجنحة جبريل يبين معنى ﴿ يزيد في الخلق ما يشاء ﴾ .

وعليه فالمراد بالخلق ما خُلق عليه الملائكة من أن لبعضهم أجنحة زائدة على من لبعض آخر.

وجملة ﴿ إن الله على كل شيء قدير ﴾ تعليل لجملة ﴿ يزيد في الخلق ما يشاء ﴾ ، وفي هذا تعريض بتسفيه عقول الذين أنكروا الرسالة وقالوا: ﴿ إن أنتم إلا بشر مثلنا ﴾ [إبراهيم: 10]، فأجيبوا بقول الرسل ﴿ إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على ما يشاء من عباده ﴾ [إبراهيم: 11].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ فاطِرٍ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ والفَطْرُ الشَّقُّ عَنِ الشَّيْءِ بِإظْهارِهِ لِلْحَسَنِ يُقالُ فَطَرَ نابُ النّاقَةِ إذا طَلَعَ، وفَطَرَ دَمَهُ إذا أخْرَجَهُ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُنْتُ لا أدْرِي ما فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ حَتّى أتانِي أعُرابِيّانِ يَخْتَصِمانِ في بِئْرٍ فَقالَ أحَدُهُما: أنا فَطَرْتُها أيِ ابْتَدَأْتُها.

وَفي تَأْوِيلِهِ هَهُنا وجْهانِ: أحَدُهُما: خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ، قالَهُ قَتادَةُ، والكَلْبِيُّ، ومُقاتِلٌ.

الثّانِي: أنَّهُ شَقُّها لِما يَنْزِلُ مِنها وما يَعْرُجُ فِيها.

﴿ جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: إلى الأنْبِياءِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّانِي: إلى العِبادِ رَحْمَةً أوْ نِقْمَةً، قالَهُ السُّدِّيُّ.

﴿ أُولِي أجْنِحَةٍ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ ﴾ قالَ قَتادَةُ: بَعْضُهم لَهُ جَناحانِ، وبَعْضُهم ثَلاثَةٌ، وبَعْضُهم أرْبَعَةٌ.

والمَثْنى والثُّلاثُ والرُّباعُ ما تَكَرَّرَ فِيهِ الِاثْنانِ والثَّلاثَةُ والأرْبَعَةُ.

﴿ يَزِيدُ في الخَلْقِ ما يَشاءُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ حُسْنُ الصَّوْتِ، قالَهُ الزُّهْرِيُّ وابْنُ جُرَيْجٍ.

الثّانِي: أنَّهُ الشَّعْرُ الجَعْدُ، حَكاهُ النَّقّاشُ.

الثّالِثُ: يَزِيدُ في أجْنِحَةِ المَلائِكَةِ ما يَشاءُ، قالَهُ الحَسَنُ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّهُ العَقْلُ والتَّمْيِيزُ.

وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنَّهُ العُلُومُ والصَّنائِعُ.

وَيَكُونُ مَعْناهُ عَلى هَذَيْنَ التَّأْوِيلَيْنِ: كَما يَزِيدُ في الخَلْقِ ما يَشاءُ كَذَلِكَ يَزِيدُ في أجْنِحَةِ المَلائِكَةِ ما يَشاءُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أبو عبيد في فضائله وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كنت لا أدري ما ﴿ فاطر السماوات والأرض ﴾ حتى أتاني اعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها قال: ابتدأتها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فاطر السماوات والأرض ﴾ قال: بديع السموات والأرض.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال: كل شيء في القرآن ﴿ فاطر السماوات والأرض ﴾ فهو خالق السموات والأرض.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ جاعل الملائكة رسلاً ﴾ قال: إلى العباد.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فاطر السماوات والأرض ﴾ قال: خالق السموات والأرض ﴿ جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع ﴾ قال: بعضهم له جناحان، وبعضهم له ثلاثة أجنحة، وبعضهم له أربعة أجنحة.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ أولي أجنحة مثنى ﴾ قال: للملائكة الأجنحة من اثنين إلى ثلاثة إلى اثني عشر، وفي ذلك وتر الثلاثة الأجنحة والخمسة، والذين على الموازين فطران، وأصحاب الموازين أجنحتهم عشرة عشرة.

وأجنحة الملائكة زغبة، ولجبريل ستة أجنحة: جناح بالمشرق، وجناح بالمغرب، وجناحان.

منهم من يقول على ظهره، ومنهم من يقول متسرولاً بهما.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ يزيد في الخلق ما يشاء ﴾ يزيد في أجنحتهم وخلقهم ما يشاء.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ﴿ يزيد في الخلق ما يشاء ﴾ قال: الصوت الحسن.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن الزهري رضي الله عنه في قوله: ﴿ يزيد في الخلق ما يشاء ﴾ قال: حسن الصوت.

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن حذيفة، أنه سمع أبا التياح يؤذن فقال: من يرد الله أن يجعل رزقه في صوته فعل.

وأخرج البيهقي عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ يزيد في الخلق ما يشاء ﴾ قال: الملاحة في العينين.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ قال ابن عباس ومقاتل وغيرهما: خالق السموات والأرض (١) (٢) (٣) (٤) (٥) قوله: ﴿ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا ﴾ قال مقاتل: منهم جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت والكرام الكاتبين (٦) وقوله: ﴿ أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ﴾ يقول: من الملائكة من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة أجنحة، ومنهم من له أربعة أجنحة.

وذكرنا الكلام في مثنى وثلاث ورباع في أول سورة النساء (٧) وقوله: ﴿ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ ﴾ قال مقاتل: يزيد في خلق الأجنحة على أربعة أجنحة (٨)  - جبريل ليلة المعراج وله ستمائة جناح، وقال له جبريل: إن لإسرافيل اثني عشر [جناحًا] (٩) (١٠) (١١) ﴿ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ ﴾ قال: الملاحة في العينين (١٢) وروي عن الزهري قال: حسن الصوت (١٣) (١٤) ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ مما يريد أن يخلق ﴿ قَدِيرٌ ﴾ قاله ابن عباس (١٥) (١) انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش من المصحف ص 364، "بحر العلوم" 3/ 79، "تفسير مقاتل" 101 ب (٢) ما بين المعقوفين بياض في (ب).

(٣) ما بين المعقوفين بياض في (ب).

(٤) لم أقف عليه (٥) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 461.

(٦) انظر: "تفسير مقاتل" 101 ب.

(٧) عند قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ﴾ الآية.

وقال هناك: بدل مما طاب، ومعناه: اثنتين وثلاثًا وأربعًا، == والواو دالة على تفرق الأنواع وتجنيس المباح من الزوجات، فمن تزوج مثنى لم يضم إليهما ثلاثًا، وكذلك من تزوج ثلاثًا لم يضم إليهن أربعًا.

(٨) انظر: "تفسير مقاتل" 102 أ.

(٩) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).

(١٠) انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 223 ب، "بحر العلوم" 3/ 79.

(١١) انظر: "معاني القرآن" 2/ 366، "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 261.

(١٢) انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 223 ب، "تفسير البغوي" 3/ 564، "زاد المسير" 6/ 473.

(١٣) انظر: المصادر السابقة، "تفسير ابن أبي حاتم" 10/ 3170.

(١٤) لم أقف عليه مرفوعًا للنبي -  -.

وانظر: "تفسير القرطبي" 14/ 320، "الثعلبي" 3/ 223 ب، "زاد المسير" 6/ 473.

(١٥) انظر: "مجمع البيان" 8/ 626.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ جَاعِلِ الملائكة رُسُلاً ﴾ أي وسائط بين الله وبين الأنبياء متصرفين في أمر الله ﴿ مثنى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ ﴾ صفات للأجنحة ولم ينصرف للعدل والوصف، والمعنى أن الملائكة منهم من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة أجنحة، ومنهم من له أربعة أجنحة ﴿ يَزِيدُ فِي الخلق مَا يَشَآءُ ﴾ قيل: يعني حسن الصوت، وقيل: حسن الوجه، وقيل: حسن الحظ، والأظهر أنه يرجع إلى أجنحة الملائكة، أو يكون على الاطلاق في كل زيادة في المخلوقين.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ غير الله ﴾ بالجر: يزيد وحمزة وعليّ.

الآخرون: بالرفع حملاً على المحل ﴿ فلا تذهب ﴾ من الإذهاب ﴿ نفسك ﴾ منصوباً: يزيد.

الآخرون: بفتح التاء والهاء من الذهاب ﴿ نفسك ﴾ مرفوعاً: ﴿ الريح ﴾ على التوحيد: ابن كثير وحمزة وعلي وخلف ﴿ ولا ينقص ﴾ بفتح الياء وضم القاف: روح وزيد.

الباقون: بالعكس.

﴿ من عمره ﴾ باختلاس الضمة: عباس ﴿ والذين يدعون ﴾ على الغيبة: قتيبة.

الوقوف: ﴿ ورباع ﴾ ط ﴿ يشاء ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ لها ﴾ ج ﴿ بعده ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ عليكم ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ إلا هو ﴾ ز للاستفهام ولفاء التعقيب وإتحاد المعنى ﴿ تؤفكون ﴾ ه ﴿ قبلك ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه ﴿ الغرور ﴾ ه ﴿ عدوّاً ﴾ ط ﴿ السعير ﴾ ه ط لأن ﴿ الذين ﴾ مبتدأ.

﴿ شديد ﴾ ه ﴿ كبير ﴾ ه ﴿ حسناً ﴾ ط لحذف الجواب ﴿ حسرات ﴾ ط ﴿ يصنعون ﴾ ه ﴿ موتها ﴾ ط ﴿ النشور ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ يرفعه ﴾ ط ﴿ شديد ﴾ ه ﴿ يبور ﴾ ه ﴿ أزواجاً ﴾ ط ﴿ بعلمه ﴾ ط ﴿ في كتاب ﴾ ط ﴿ يسير ﴾ ه ﴿ أجاج ﴾ ط ﴿ تلبسونها ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتفاق المعنى ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ مسمى ﴾ ط ﴿ الملك ﴾ ط ﴿ قطمير ﴾ ه ﴿ دعاءكم ﴾ ج للشرط مع العطف ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ بشرككم ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ إلى الله ﴾ ط لاتفاق الجملتين مع حسن الفصل بين وصفي الخالق والمخلوق ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ جديد ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ بعزيز ﴾ ه ﴿ أخرى ﴾ ط لاستئناف الشرط ﴿ قربى ﴾ ط ﴿ الصلاة ﴾ ط ﴿ لنفسه ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ والبصير ﴾ ه لا ﴿ ولا النور ﴾ ه لا ﴿ ولا الحرور ﴾ ه ج للطول والتكرار ﴿ الأموات ﴾ ط ﴿ يشاء ﴾ ج للعطف مع الإثبات إلى النفي مع اتفاق الجملتين ﴿ القبور ﴾ ه ﴿ إلا نذير ﴾ ه ﴿ ونذيراً ﴾ ط ﴿ نذير ﴾ ه ﴿ من قبلهم ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ المنير ﴾ ه ﴿ نكير ﴾ ه.

التفسير: لما بين في آخر السورة المتقدمة انقطاع رجاء الشاك وعدم قبول توبته في الآخرة ذكر في أوّل هذه السورة حال الموفق المؤمن وبشر بإرسال الملائكة إليهم مبشرين، وبين أنه يفتح لهم أبواب الرحمة.

و ﴿ فاطر السموات والأرض ﴾ مبدعهما أو شاقهما لنزول الأرواح من السماء وخروج الأجساد من الأرض يؤيد التفسير الثاني قوله ﴿ جاعل الملائكة رسلاً ﴾ وقوله ﴿ وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون  ﴾ و ﴿ أولي أجنحة ﴾ اي أصحاب أجنحة أراد أن طائفة منهم أجنحة كل منهم اثنان اثنان، وبعضهم أجنحة ثلاثة ثلاثة لعل الثالث منها في وسط الظهر بين الجناحين يمدهما بقوة أو لعله لغير الطيران فلقد رأيت في بعض الكتب أن صنفاً من الملائكة لهم ستة أجنحة، فجناحان يلفون بهما أجسادهم، وجناحان يطيرون بهما في الأمر من أمور الله عز وجل، وجناحان مرخيان على وجوههم حياء من الله عز وجل.

وعن رسول الله  أنه رأى جبرائيل  ليلة المعراج وله ستمائة جناح.

وروي أن إسرافيل له اثنا عشر جناحاً، جناح منها بالمشرق، وجناح بالمغرب، وإن العرش على كاهله وإنه ليتضاءل لعظمة الله  وتعالى حتى يعود مثل الوصع وهو العصفور الصغير.

ويجوز أن يخالف حال الملائكة حال الطيور في الطيران كالحيوان الذي يدب بأرجل كثيرة، ويجوز أن يكون البعض للزينة، ويجوز أن يكون كل جناح ذا شعب.

قال الحكيم: الجناحان إشارة إلى جهتين: جهة الأخذ من ا لله، وجهة الإعطاء لمن دونهم بإذن الله كقوله ﴿ نزل به الروح الأمين على قلبك  ﴾ ﴿ علمه شديد القوى  ﴾ ﴿ فالمدبرات أمرا  ﴾ ومنهم من يفعل بواسطة فلهم ثلاث جهات أو أكثر على حسب الوسائط.

ثم بين كمال قدرته بقوله ﴿ ويزيد في الخلق ما يشاء ﴾ والظاهر أنه عام يتناول كل زيادة في كل أمر يعتبر في الصورة كحسن الوجه والخط والصوت ونحوهما، أو في المعنى كحصافة العقل وجزالة الرأي وسماحة النفس وذلاقة اللسان وغير ذلك من الأخلاق الفاضلة.

ثم أكد نفاذ أمره وجريان الأمور على وفق مشيئته بقوله ﴿ وما يفتح الله للناس ﴾ الآية.

وفيها دلالة على أن رحمته سبقت غضبه من جهة تقديم الرحمة ومن جهة بيان الضمير في القرينة الأولى بقوله ﴿ من رحمة ﴾ والإطلاق في قوله ﴿ وما يمسك ﴾ فيشمل إمساك الغضب وإمساك الرحمة.

ومن جهة قوله ﴿ من بعده ﴾ أي من بعد إمساكه فيفيد أن الرحمة إذ جاءته لم يكن لها انقطاع وإن ضدّها قد ينقطع وإن كان لا يقطعه إلا الله ولهذا لا يخرج أهل الجنة من الجنة وقد يخرج أهل النار من النار ﴿ وهو العزيز ﴾ الغالب على إرسال الرحمة وإمساكها ﴿ الحكيم ﴾ الذي لا يمسك ولا يرسل إلا عن علم كامل وصلاح شامل.

وحيث بين أن الحمد لله وبين بعض وجوه النعمة المستدعية للحمد على التفصيل أمر المكلفين بتذكر العمة على الإجمال لساناً وقلباً وعملاً، ومنه قول الرجل لمن أنعم عليه: اذكر أياديّ عندك يريد حفظها وشكرها والعمل بموجبها.

وعن ابن عباس: أن الناس أهل مكة أسكنهم حرمه ويتخطف الناس من حولهم.

وعنه أيضاً أنه اراد بالنعمة العافية، والظاهر تعميم النعمة والمنعم عليهم.

ثم اشار إلى نعمة الإيجاد بقوله ﴿ هل من خالق غير الله ﴾ وإلى نعمة الإبقاء بقوله ﴿ يرزقكم ﴾ وهو نعت خالق أو مستأنف أو تفسير لمضمر والتقدير: هل يرزقكم خالق يرزقكم؟

قال جار الله: إن جعلت ﴿ يرزقكم ﴾ كلاماً مستأنفاً ففيه دليل على أن الخالق لا يطلق إلا على الله عز وجل.

وأما على الوجهين الآخرين فلا، إذ لا يلزم مننفي خالق رازق غيره نفي خالق غيره مطلقاً.

وقوله ﴿ لا إله إلا هو ﴾ جملة مفصولة لا محل لها مثل ﴿ يرزقكم ﴾ في غير وجه الوصف إذ لو جعلت وصفاً لزم التناقض لأن قولك "هل من خالق آخر سوى الله" إثبات الله، ولو جعلت المنفية وصفاً صار تقدير الكلام: هل من خالق آخر سوى لا إله إلا ذلك الخالق فلزم نقض الإثبات المذكور مع أن الكلام في نفسه يكون غير مستقيم.

﴿ فأنى تؤفكون ﴾ أي وكيف تصرفون عن هذا الظاهر فتشركون المنعوت بمالك الملك والملكوت.

وحين بينّ الاصل الأول وهو التوحيد ذكر الأصل الثاني وهو الرسالة بقوله ﴿ وإن يكذبوك ﴾ الآية.

والمراد إن يكذبوك فتسل بهذا المعنى.

ثم بينت الأصل الثالث وهو الحشر بقوله ﴿ يا أيها الناس ﴾ وقد مرّ مثل الآية في آخر سورة لقمان.

وقد يسبق إلى الظن ههنا أن الغرور وهو الشيطان لأنه عقبه بقوله ﴿ إن الشيطان لكم عدّو فاتخذوه عدّواً ﴾ لأن الحازم لا يقبل قول العدوّ ولا يعتمد عليه.

ثم صرح بوجه اتخاذه وبعاقبة دعوته فقال ﴿ إنما يدعو حزبه ليكونوا من اصحاب السعير ﴾ ثم فصل مال حال حزبه وحزب الله بقوله ﴿ الذين كفروا ﴾ إلى قوله ﴿ وأجر كبير ﴾ عرض على العقول أنه لا سواء بين الحزبين والمعنى ﴿ أفمن زين له سوء عمله ﴾ من الفريقين كمن لم يزين له.

ولا ريب أن المزين لهم عملهم هم أهل الأهواء والبدع الذين لا مستند لهم في مأخذهم سوى التقليد واتباع الهوى.

ثم أنتج من ذلك قوله ﴿ فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء ﴾ وذلك أن الناس متساوية الأقدام في الإنسانية ومتفاوتة الأحوال في الأعمال، فتبين أنه لا استقلال، وأن أفعال العباد مستندة إلى إزادة مصرف القلوب والأحوال.

ثم رتب على عدم الاستقلال قوله ﴿ فلا تذهب ﴾ أي فلا تهلك ﴿ نفسك ﴾ و ﴿ عليهم ﴾ صلة تذهب كما تقول هذك عليه حباً أو هو بيان للمتحسر عليه ولا يتعلق بـ ﴿ ـ مجسرات ﴾ المفعول لأجله لأن المصدر لا يتقدم عليه صلته.

وجوّز جار الله أن يكون حالاً كأن كل نفسه صارت حسرات لفرط التحسر.

وعن الزجاج أن تقدير الآية: أمفن زين له سوء عمله ذهبت نفسك عليهم فحذف لدلالة المذكور وهو فلا تذهب عليه، أو أفمن زين له سوء عمله كمن هداه الله، فحذف لأن قوله ﴿ فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء ﴾ يدل عليه.

ثم بين أن حزنه إن كان لما بهم من الضلال فالله عالم بهم وبما يصنعون لو أراد منهم الإيمان لآمنوا وإن كان لما بهم منالإيذاء فالله عليم بفعلهم فيجازيهم بذلك.

ثم أكد كونه فاعلاً مختاراً قادراً قهاراً مبدئاً معيداً بقوله ﴿ والله الذي أرسل ﴾ وهو من الالتفات الموجب للتهويل والتعظيم.

وقوله ﴿ فتثير ﴾ بلفظ المستقبل تصوير لتلك الحالة العجيبة الشأن، عرف نفسه بفعل الإرسال ثم قال ﴿ فسقناه ﴾ كأنه قال: أنا الذي عرفتني بمثل هذه السياقة والصناعة وأنعمت عليك بهذه النعمة الشاملة.

ثم شبه البعث والنشور بالصنع المذكور ووجهه ظاهر.

وحين بين برهان الإيمان أشار إلى ما كان يمنع الكفار منه وهو العزة الظاهرة الت يكانوا يتوهمونها من حيث إن معبوديهم كانت تحت تسخيرهم والرسول كان يدعوهم إلى الإيمان لطاعة الله وطاعة أنبيائه فكنه قال: إن كنتم تطلبون حقيقة العزة ﴿ فلله العزة ﴾ خاصة كلها فلتطلبها من عنده ومن عند أوليائه نظيره قولك "من أراد النصيحة فهي عند الأبرار" يريد فليطلبها عندهم فاعتبر في هذه الآية حرف النهاية.

وأما في قوله ﴿ ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين  ﴾ فاعتبر الوسائط فالعزة للمؤمنين بواسطة الرسول وله من رب العزة.

ثم إن الكفار كأنهم قالوا: نحن لا نعبد من لا نراه ولا نحضر عنده فإن البعد من الملك ذلة فقال ﴿ إليه يصعد ﴾ أي إن كنتم لا تصلون إليه فهو يسمع كلامكم ويقبل الطيب منها وذلك آية العزة، وأما هذه الأصنام فلا يتبين عندها الذليل من العزيز إذ لا حياة لها ولا شعور وهكذا العمل الصالح لا تراه هذه الأصنام فلا يمكن لها مجازاة الأنام.

وفاعل قوله ﴿ يرفعه ﴾ إن كان هو الله فظاهر، وإن كان الكلم أعني قوله "لا إله إلا الله" فمعناه أنه لا يقبل عمل إلا من موحد وإن كان هو العمل فالمعنى: أن الكلم وهو كل كلام فيه ذكر الله أو رضاه يريد الصعود إلى الله إلا أنه لا يستطيع الصعود ولا يقع موقع القبول إلا إذا كان مقروناً بالعمل الصالح.

عن النبي  "الكلم الطيب هو قول الرجل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر إذا قالها العبد عرج بها الملك إلى السماء فحيا بها وجه الرحمن فإذا لم يكن له عمل صالح لم يقبل منه" .

وعن ابن المقفع: قول بلا عمل كثريد بلا دسم، وسحاب بلا مطر، وقوس بلا وتر.

ولا تخفى أن القول هو الأصل والعمل مؤكده فلهذا قدم القول.

وحين بيّن حال العمل الصالح ذكر أن المكرات السيئات بائرة كاسدة لا حقيقة لها، ولعله أشار بها إلى مكرات قريش المذكورات في قوله ﴿ وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك  ﴾ جمع الله مكراتهم فقلبها عليهم حين أوقعهم في قليب بدر.

ولما ذكر دليل الآفاق أكده بدليل الأنفس قائلاً ﴿ والله خلقكم من تراب ﴾ وفيه إشارة إلى خلق آدم ﴿ ثمن من نطفة ﴾ وفيه إشارة إلى خلق أولاده.

ومعنى ﴿ أزواجاً ﴾ أصنافاً أو ذكراناً وإناثاً.

ثم أشار إلى كمال علمه بقوله ﴿ وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه ﴾ ثم بين نفوذ إرادته بقوله ﴿ وما يعمر من معمر ﴾ قال جار الله: معناه من أحد ولكنه سماه معمراً باعتبار ما يؤل إليه.

وليس المراد تعاقب التعمير وخلافه على شخص واحد وإنما المراد تعاقبهما على شخصين فتسومح في اللفظ تعويلاً على فهم السامع كقول القائل: ما تنعمت بكذا ولا اجتويته إلا قل فيه ثوائي.

وتأويل آخر وهو أن يراد لا يطول عمر إنسان ولا ينقص من عمر ذلك الإنسان بعينه ﴿ إلا في كتاب ﴾ وصورته أن يكتب في اللوح إن حج أو وصل الرحم فعمره أربعون سنة، وإن جمع بين الأمرين فعمره ستون، فإذا جمع بينهما فعمر ستين كان الغاية، وإذا أفرد فعمر أربعين فقد نقص من تلك الغاية.

وبهذا التأويل يستبين معنى ما روي عن النبي  أنه قال "إن الصدقة والصلة تعمران الديار وتزيدان في الأعمار" .

ويصح ما استفاض على الألسن "أطال الله بقاءك".

وعن سعيد بن جبير يكتب في الصحيفة أن عمره كذا سنة، ثم يكتب بعد ذلك في آخرها ذهب يوم ذهب يومان حتى تنقضي المدّة.

وعن قتادة: المعمر من بلغ ستين، والمنقوص من عمره من يموت قبل الستين.

وذلك في علم الله.

﴿ إن ذلك ﴾ الذي ذكر من خلق الإنسان من المادة المذكورة أو الزيادة في الأعمار أو النقصان منها ﴿ على الله يسير ﴾ .

ثم ضرب مثلاً للمؤمن والكافر وذكر ليلاً آخر على عظم قدرته فقال ﴿ وما يستوي البحران ﴾ الآية.

على الأوّل يكون قوله ﴿ ومن كل تأكلون ﴾ إلى آخر الآية تقريراً للنعمة على سبيل اللاستطراد، أو هو من تمام التشبيه كأنه شبه الجنسين بالبحرين.

ثم فضل البحر الأجاج على الكافر لأنه شارك العذب في استخراج السمك واللؤلؤ وجرى الفلك فيه، وأما الكافر فلا نفع فيه ألبتة فيكون كقوله في البقرة ﴿ ثم قست قلوبكم  ﴾ إلى آخر قوله و ﴿ وَإِنَّ مِنهَا لما يهبط من خشية الله  ﴾ والأشبه أن الآية تقرير دليل مستأنف كما مرّ في أوّل "النحل" يؤيده تعقيبه بدليل آخر وهو قوله ﴿ يولج الليل ﴾ إلى قوله ﴿ أجل مسمى ﴾ قد مرّ في آخر "لقمان" مثله، وفيه ردّ على عبدة الكواكب الذين ينسبون حوادث هذا العالم إلى الكواكب بالذات لا إلى تسخير مبدعها.

قوله ﴿ ذلكم الله ﴾ أي الذي فعل الأشياء المذكورة من فطر السموات والأرض وإرسال الرياح وخلق الإنسان من التراب وغير ذلك هو المعبود الحق.

وقوله ﴿ ربكم له الملك ﴾ خبران آخران، ويجوز أن يكون ﴿ الله ربكم ﴾ خبرين و ﴿ له الملك ﴾ جملة مبتدأه واقعة في طبقات.

قوله ﴿ والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير ﴾ وذلك أن المشركين كانوا معترفين بأن الأصنام ليسوا خالقين وإنما كانوا يقولون إنه  فوض أمور الأرضيات إلى الكواكب التي هذه الأصنام صورها وطوالعها، فأخبر الله  أنهم لا يملكون قطميراً وهو القشرة الرقيقة للنواة فضلاً عما قوفها.

قال جار الله: يجوز في حكم الإعراب إيقاع اسم الله  صفة لاسم الإشارة أو عطف بيان و ﴿ ربكم ﴾ خبراً لولا أن المعنى يأباه فقيل: لأن ذلك إشارة إلى معلوم سبق ذكره.

وكونه صفة أو عطف بيان يقتضي أن يكون فيما سبق ضرب إبهام.

قلت: وفيه نظر، أما أولاً فلأن اسم الله من قبيل الأعلام لا من قبيل أسماء الأجناس فكيف يجوز جعله صفة؟

وأما ثانياً فلأنه على تقدير التجويز يكون صفة مدح فلا ينافي كون المشار إليه معلوماً.

والوجه الصحيح في إباء المعنى هو أن الوصف إذا كان معرفة كان أمراً متحققاً في الخارج مسلماً عند السامع.

مثلاً إذا قلت: الرجل الكاتب جاءني.

تريد الرجل الذي تعرفه أيها السامع أنه كاتب جاءني لكن الخطاب ههنا مع الكفار وهم يجحدون المعبود الحق، أو يجحدون أن العبادة لا تصلح إلا له،ن فلا يصح إيقاع اسم الله وصفاً لذلكم والخطاب معهم.

ثم زاد في توبيخ الكفرة بقوله ﴿ إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ﴾ لأنهم جماد ولو فرض سماعهم ﴿ ما استجابوا لكم ﴾ لما مرّ من أنهم لا يملكون شيئاً ﴿ ويوم القيامة ﴾ ايضاً ﴿ يكفرون بشرككم ﴾ قائلين ما كنتم إيانا تعبدون ﴿ ولا ينبئك ﴾ أي لا يطلعك على حقيقة الحال أيها النبيّ أو أيها السامع ﴿ مثل خبير ﴾ ببواطن الأمور.

والمعنى أن هذا الذي أخبرتكم به من حال الأوثان هو الحق لأني خبير بما أخبرت به ولا يخبرك بالأمر مخبر هو مثل عالم به.

وفيه أنه الخبير بالأمر وحده، وفيه ن هذا الخبر مما لا يعرف بمجرد المعقول لولا إخبار الله  .

ثم بين أن نفع العبادة إنما يعود على المكلفين فقال ﴿ يأيها الناس أنتم الفقراء ﴾ ومعنى تعريف الخبر القصد إلى أنهم جنس الفقراء مبالغة، وذلك أن افتقار الإنسان إلى الله عاجلاً لأمور المعاش وآجلاً لنعيم الآخرة أبين من افتقار سائر المخلوقين إليه.

وقيل: إن كون الناس فقراء أمر ظاهر لا يخفى على أحد فلهذا عرف كقول القائل: الله ربنا ومحمد نبينا.

ثم بين أن فقرهم ليس إلا إلى الله فقابل الفقراء بقوله ﴿ والله هو الغنيّ ﴾ وقابل قوله ﴿ إلى الله ﴾ بقوله ﴿ الحميد ﴾ لأنه إذا أنعم عليهم استحق الحمد منهم.

ثم ذكر أنه غني عن وجودهم أيضاً لا يفتقر في ظهور أثر قدرته إليهم فقال ﴿ إن يشأ يذهبكم ﴾ وقد مرّ في "النساء" وفي "إبراهيم".

وحين بين الحق بالدلائل الباهرة أراد أن يذكر ما يدعوهم إلى النظر فيه فقال ﴿ ولا تزر وازرة ﴾ يعني أن النفوس الوازرات لا ترى واحدة منهن إلا حاملة وزرها لا وزر غيرها.

ولا ينافي في هذا قوله ﴿ وليحملن أثقالَهُم وأثقالاً مع أثقالِهِم  ﴾ لأن وزر الإضلال هو وزر النفس الوزارة أيضاً، وفيه أن كل نفس وازرة مهمومة بهمّ وزرها متحيرة في أمرها.

ثم زاد في التهويل بقوله ﴿ وإن تدع مثقلة ﴾ أي نفس ذات حمل ﴿ لا يحمل منه شيء ﴾ فإن عدم قضاء الحاجة بعد السؤال أفظع.

ثم زاد التأكيد بقوله ﴿ ولو كان ﴾ أي المدعوّ ﴿ ذا قربى ﴾ فإِن عدم القضاء بعد السؤال من القريب من أب وولد أدل على شدّة الأمر فيعلم منه أن لا غياث يومئذ أصلاً.

ثم بين أن هذه الإنذارات إنما تفيد أهل الخشية والطاعة حال كونهم غائبين عن العذاب أو حال كون العذاب غائباً عنهم.

ثم لما بيّن أن الوزر لا يتعدى إلى الغير بيّن أن التظهر عن الذنوب لا يفيد إلا نفس المتزكي ﴿ وإلى الله المصير ﴾ لكل فيجزيهم على حسب ذلك.

ثم ضرب للكافر والمؤمن مثلاً فقال ﴿ وما يستوي الأعمى والبصير ﴾ وقيل: إنه مثل للصنم وللمعبود الحق.

ثم ذكر للكفر والإيمان مثلاً قائلاً ﴿ ولا الظلمات ولا النور ﴾ وإذا كان الإيمان نوراً والمؤمن بصيراً فلا يخفى عليه النور، وإذا كان الكفر ظلمة والكافر أعمى فله صادّ فوق صادّ.

ثم بيّن لمآلهما ومرجعهما مثلاً وهو الظل والحرور.

قال أهل اللغة: السموم يكون بالنهار والحرور أعم.

وقال بعضهم: الحرور يكون بالليل فالمؤمن بإيمانه كمن هو في ظل وراحة، والكافر في كفره كمن هو حرّ وتعب.

وههنا مسائل.

الأولى: ضرب أوّلاً مثلاً للكافر والمؤمن ثم أعاد مثلهما بقوله ﴿ وما يستوي الأحياء ولا الأموات ﴾ وهذا أبلغ لأن الأعمى والبصير قد يشتركان في إدراك أشياء ولا كذلك الحي والميت ولمكان هذه المبالغة أعاد الفعل.

الثانية: كرر "لا" النافية في الأمثال الأخيرة دون الأوّل، لأن المنافاة بين العمى والبصر ليست ذاتية كما في سائرهما وقد يكون شخص واحد بصيراً بإحدى العينين أعمى بالأخرى.

الثالثة: قدم الأشرف في مثلين وهو الظل والحيّ، وأخره في الآخرين فهم أهل الظاهر أن ذلك لرعاية الفواصل.

والمحققون قالوا: إنهم كانوا قبل البعث في ظلمة الضلال فصاروا إلى نور الإيمان في زمان محمد  ، فلهذا الترتيب قدّم مثل الكافر وكفره على مثل المؤمن وإيمانه.

ولما ذكر المآل والمرجع قدم ما يتعلق بالرحمة على ما يتعلق بالغضب لأن رحمته سبقت غضبه.

ثم إن الكافر المصرّ بعد البعثة صار أضلّ من الأعمى وشابه الأموات في عدم إدراك الحق فقال ﴿ وما يستوي الأحياء ﴾ أي المؤمن الذي آمن بما أنزل الله.

والأموات الذين تليت عليهم الآيات ولم تنجع فيهم البينات فأخرهم عن المؤمنين لوجود حياتهم قبل ممات الكافرين المعاندين.

الرابعة: إنما وحد الأعمى والبصير لأن المراد أن أحد الجنسين لا يساوي جنس الآخر من جهة العمى والبصر، ولعل فرداً من أحدهما قد يساوي الفرد الآخر من جهة أخرى وكذا الكلام في إفراد الظل والحرور.

وإنما جمع الظلمات ووحّد النور لما مرّ في أوّل "الأنعام" من تحقيق أن الحق واحد والشبهات كثيرة.

وإنما جمع الأحياء والأموات لأن المراد أن أحد الصنفين لا يساوي الآخر سواء قابلت الجنس بالجنس أو قابلت الفرد بالفرد.

الخامسة: لا يخفى أن هذه الواوات بعضها ضمت شفعاً إلى شفع وبعضها ضمت وتراً إلى وتر.

ثم سلى ورسوله بقوله ﴿ إن الله يسمع ﴾ الآية.

فقد مرّ نظيره في قوله ﴿ إنك لا تسمع الموتى  ﴾ وإنما اقتصر على قوله ﴿ إن أنت إلا نذير ﴾ وكذا في قوله ﴿ إلا خلا فيها نذير ﴾ لأن الكلام في معرض التهديد مع أن ذكر البشير يدل عليه بل ذكر النذير يدل على مقابله.

والمراد بالنذارة آثارها لثبوت زمان الفترة.

ثم زاد في التسلية بقوله ﴿ وإن يكذبوك ﴾ وقد مر مثله في آخر "آل عمران".

وإنما حذف الفاعل هناك لبناء الكلام هنالك على الاقتصار دليله أنه قال ﴿ وإن يكذبوك فقد كذب ﴾ فاقتصر على لفظ المضيّ ولم يسم الفاعل، ويحتمل أن يكون لفظ الماضي إشارة إلى وقوع التكذيب منهم فإن تلك السورة مدنية والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْحَمْدُ للَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .

ما ذكر في القرآن الحمد لله إلا وذكر على أثره التعظيم لله والإجلال له على ما أنعم به [على] الخلق؛ ليلزمهم الشكر له والثناء عليه؛ نحو ما ذكر: ﴿ ٱلْحَمْدُ للَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ، ونحو ما قال: ﴿ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ...

﴾ الآية [سبأ: 1]، ونحو قوله: ﴿ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ...

﴾ الآية [الأنعام: 1]، وقوله: ﴿ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ...

 ﴾ ، وقوله: ﴿ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً...

﴾ الآية [الإسراء: 111]، جميع ما ذكر في القرآن من الحمد له ما ذكر على أثره ما يوجب التعظيم له والتبجيل والثناء عليه والشكر له؛ تعليماً منه الخلق الثناء على ذلك والشكر له، وبالله المعونة والقوة على ذلك.

وقوله: ﴿ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .

قال بعضهم: الفاطر: هو المتبدئ والبادئ؛ وهو قول القتبي من أهل الأدب، وكذلك ذكر عن ابن عباس أنه قال: "ما أدري ما ﴿ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ، حتى جاء أعرابيان فاختصما في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها أنا بدأتها، فعند ذلك عرفت"، أو كلام نحوه.

ويجيء أن يكون الفاطر هو الشاق، أي: شق السماوات كلها من واحدة وكذلك الأرضين كقوله: ﴿ إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ  ﴾ أي: انشقت؛ كما قال: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ  ﴾ أي الشاق.

لكن جميع ما أضيف إلى الله من الشق والفطر والجعل وغيره من نحو قوله: ﴿ جَاعِلِ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً ﴾ كله على اختلاف الألفاظ عبارة عن الخلق، أي: خلاق ذلك كله.

وأصل الخلق في اللغة هو التقدير، خلقت، أي: قدرت؛ وكذلك قال الكسائي: إن الفطر في كلام العرب هو الشق، معناه: أنه شق من السماء ست سماوات ومن الأرض مثلهن، ومنه الحديث: "حتى تفطرت قدماه دماً" وقوله: ﴿ جَاعِلِ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً ﴾ .

ففي ظاهر الآية: أنه جعل جميع الملائكة رسلا، فإن كان على ذلك فكأنه ولى كل واحد منهم أمراً من أمور الخلق والعباد، وإن كان على البعض فيكون تأويله: جاعل من الملائكة رسلا أو في الملائكة رسلا.

ثم أخبر عن الملائكة: أنهم أولو أجنحة مثنى وثلاث ورباع يطيرون بها، ليس كالطيور التي تطير بجناحين لو زيد لها جناح أو جناحان يمنعها عن الطيران، كالأصبع الزائدة لبني آدم تمنعهم عن بعض العمل، ولا تزيد لهم نفعاً بل تنقص، وأمّا ما ذكر من عدد الأجنحة للملائكة فذلك لا يمنعهم عن الطيران، بل زيد لهم قوة ومقدرة على ذلك.

ثم قال: ﴿ يَزِيدُ فِي ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ ﴾ قال بعضهم: يزيد في الملائكة على أربعة أجنحة ما يشاء ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ من خلق الأجنحة في الزيادة ﴿ قَدِيرٌ ﴾ .

وذكر أن لإسرافيل ستة أجنحة، ولجبريل ستمائة جناح، ذكر عن ابن مسعود -  - يقول: "أري رسول الله  جبريل، وله ستمائة جناح" وقال بعضهم: ﴿ يَزِيدُ فِي ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ ﴾ أي: الصوت الحسن.

وقال بعضهم: الشعر الحسن.

فهو فيما ذكروا من الزيادة في الأجنحة أشبه وأقرب.

﴿ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ : من الزيادة والابتداء، ولا يصعب عليه.

وقوله: ﴿ مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا ﴾ .

عن ابن عباس: من عافية.

وقال قتادة: أي: من خير.

وقال مقاتل وغيره: أي: من رزق؛ كقوله: ﴿ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ٱبْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ  ﴾ ، أي: من رزق، وكله واحد؛ إذ الخير يشتمل على العافية والرزق، وكذلك كل واحد من ذلك.

وقال بعضهم: الرحمة والغيث والمطر، وهو ما ذكرنا كله يرجع إلى واحد من ذلك.

ثم قوله: ﴿ مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: على تسفيه أحلام الكفرة في عبادتهم الأصنام التي كانوا يعبدونها من دون الله، يقول - والله أعلم -: تعلمون أنتم أنه ليس لكم مما تعبدون من دون الله جرّ نفع أو خير، ولا كشف ضر عنكم أو سوء فكيف تعبدونها؟!

كقوله: ﴿ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ...

﴾ الآية [الزمر: 38]، أي: تعلمون أنهن لا يملكن ذلك، والله هو المالك لذلك كله، فكيف صرفتم العبادة إليها عنه؟!

أو يقول: إنكم تعلمون أن ما تعبدون من الأصنام من دون الله لا يرزقونكم ولا منها تبتغون الرزق، ولا كانت منها إليكم سابقة نعمة، فإنما يعبد لإحدى هذه الوجوه من يعبد: ما لسابقة نعمة، أو نيل خير، أو جر نفع، أو كشف ضر، أو دفع سوء، أو طمع في العاقبة، فإذا لم يكن شيء من ذلك [من] الأصنام ومن الله ذلك كله فكيف صرفتم عبادتكم عنه إليها؟!

كقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَٱبْتَغُواْ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزْقَ وَٱعْبُدُوهُ وَٱشْكُرُواْ لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ  ﴾ هذا إذا كان قوله: ﴿ مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ ﴾ راجعاً إلى الكفرة وإذا كان ذلك راجعاً إلى المؤمنين فهو يخرج على وجهين: أحدهما: فيه قطع الطمع من الخلق والإياس عما في أيديهم، وألا يرجوا من دونه ولا يخافوا غيره، بل فيه الأمر بأن يروا ذلك كله من الله، وأنه هو المالك لذلك دون الخلق.

والثاني: قطع طمع الرزق من المكاسب والأسباب التي يكتسبونها والأمر فيها - أعني: المكاسب - أن يرونها تعبداً، وأن يروا أرزاقهم من فضل الله.

وعلى قول المعتزلة إذا فتح الله لأحد رحمة يقدر عبد في أن يمسك ذلك، وإن أمسك هو قدر أن يرسل؛ لأنهم يقولون: إن الله إذا جعل لأحد أجلا وضمن له الحياة ووفاء الرزق إلى مضي الأجل، يجيء عدو من أعدائه فيقتله قبل انقضاء أجله واستيفاء رزقه؛ فذلك منع - على قولهم - عن وفاء ما ضمن وما جعل له من المدة والأجل.

وفي حرف ابن مسعود: ﴿ ما يفتح الله على الناس من رحمة ﴾ .

وقوله: ﴿ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ : قد ذكرناه في غير موضع.

وقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .

كأنه هو صلة ما تقدم.

ثم هو على التقرير والإيجاب وإن خرج مخرج الاستفهام في الظاهر، كأنه يقول - والله أعلم -: إنكم تعلمون أنه هو رازقكم دون ما تعبدون.

﴿ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ ﴾ .

أي: لا إله إلا هو، فما الذي حملكم على إفككم وكذبكم أنها شركاؤه وأنها آلهة، وأنها شفعاؤكم عند الله وأن عبادتكم إياها تقربكم إلى الله زلفى - كتاب أو رسول، وأنتم لا تؤمنون بكتاب ولا رسول فمن أين تؤفكون وتكذبون؟!

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ ﴾ .

معلوم أنهم كانوا لا يكذبونه في قوله: ﴿ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ ﴾ ، ولا في قوله: ﴿ مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ ﴾ ؛ لأنهم كانوا يعلمون أنه ليس من خالق غير الله ولا فاتح رحمة سواه إذا كان هو ممسكها، ولا ممسك لها إذا كان هو مرسلها، ولكن إنما يكون تكذيبهم إياه فيما يخبر أنه رسول الله إليهم، كذبوه في الرسالة أو فيما يخبر أنه أوحي إليه من الله كذا، أو فيما يخبر عن البعث بعد الموت أنه كائن، وأمثال ذلك، فأما فيما ذكرنا فلا، وهو تعزية منه لرسوله ليصبر على تكذيبهم إياه؛ ليعلم أنه ليس بأول مكذب، بل قد كان إخوانه من قبل قد كذبوا من قبل فيما أخبروا قومهم عند الله، فصبروا على ذلك، فاصبر أنت أيضاً؛ كقوله: ﴿ فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ...

﴾ الآية [الأحقاف: 35]، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ ﴾ .

وإلى الله يرجع تدبير الأمور، أي: لا تدبير للخلق في ذلك.

أو يقال: إلى الله يرجع الحكم في الأمور هو الحاكم فيها؛ كقوله: ﴿ وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى ٱللَّهِ  ﴾ ، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

الحمد لله خالق السماوات والأرض على غير مثال سابق، الذي جعل من الملائكة رسلًا ينفذون أوامره القدرية، ومنهم من يبلغ الأنبياء الوحي، وقوّاهم على أداء ما ائتمنهم عليه، فمنهم ذو جناحين وذو ثلاثة وذو أربعة، يطير بها لتنفيذ ما أمر به، يزيد الله في الخلق ما يشاء من عضو أو حُسْن أو صوت، إن الله على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء.

<div class="verse-tafsir" id="91.65K6j"

مزيد من التفاسير لسورة فاطر

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 15 ربيع الأول
بدر اليوم 16.3 / 29.5
الإضاءة 98%
الهلال الجديد بعد 13 يوم
أستغفر الله