الآية ٣ من سورة فاطر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 35 فاطر > الآية ٣ من سورة فاطر

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ ۚ هَلْ مِنْ خَـٰلِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ ۚ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ ٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 71 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣ من سورة فاطر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣ من سورة فاطر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ينبه تعالى عباده ويرشدهم إلى الاستدلال على توحيده في إفراد العبادة له ، كما أنه المستقل بالخلق والرزق فكذلك فليفرد بالعبادة ، ولا يشرك به غيره من الأصنام والأنداد والأوثان; ولهذا قال : ( لا إله إلا هو فأنى تؤفكون ) ، أي : فكيف تؤفكون بعد هذا البيان ، ووضوح هذا البرهان ، وأنتم بعد هذا تعبدون الأنداد والأوثان ؟

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (3) يقول تعالى ذكره للمشركين به من قوم رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم من قريش: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ) التي أنعمها(عَلَيْكُمْ) بفتحه لكم من خيراته ما فتح وبسطه لكم من العيش ما بسط وفكروا فانظروا هل من خالق سوى فاطر السماوات والأرض الذي بيده مفاتيح أرزاقكم ومغالقها(يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ) فتعبدوه دونه (لا إله إلا هو ) يقول: لا معبود تنبغي له العبادة إلا الذي فطر السماوات والأرض القادر على كل شيء، الذي بيده مفاتح الأشياء وخزائنها، ومغالق ذلك كله، فلا تعبدوا أيها الناس شيئًا سواه، فإنه لا يقدر على نفعكم وضركم سواه، فله فأخلصوا العبادة وإياه فأفردوا بالألوهة (فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ) يقول: فأي وجه عن خالقكم ورازقكم الذي بيده نفعكم وضركم تصرفون.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله (فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ) يقول الرجل: إنه ليوفك عني كذا وكذا.

وقد بينت معنى الإفك، وتأويل قوله (تُؤْفَكُونَ) فيما مضى بشواهده المغنية عن تكريره.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون .قوله تعالى : يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم معنى هذا الذكر الشكر .

هل من خالق غير الله يجوز في غير الرفع والنصب والخفض ، فالرفع من وجهين : أحدهما : بمعنى هل من خالق إلا الله ; بمعنى ما خالق إلا الله .

والوجه الثاني : أن يكون نعتا على الموضع ; لأن المعنى : هل خالق غير الله ، و ( من ) زائدة .

والنصب على الاستثناء .

والخفض على اللفظ .

قال حميد الطويل : قلت للحسن : من خلق الشر ؟

فقال سبحان الله !

هل من خالق غير الله جل وعز ، خلق الخير والشر .

وقرأ حمزة والكسائي : ( هل من خالق غير الله ) بالخفض .

الباقون بالرفع .

( يرزقكم من السماء ) أي المطر .

( والأرض ) أي [ ص: 289 ] النبات .

لا إله إلا هو فأنى تؤفكون من الأفك ( بالفتح ) وهو الصرف ; يقال : ما أفكك عن كذا ، أي ما صرفك عنه .

وقيل : من الإفك ( بالكسر ) وهو الكذب ، ويرجع هذا أيضا إلى ما تقدم ; لأنه قول مصروف عن الصدق والصواب ، أي من أين يقع لكم التكذيب بتوحيد الله .

والآية حجة على القدرية لأنه نفى خالقا غير الله وهم يثبتون معه خالقين ، على ما تقدم في غير موضع .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يأمر تعالى، جميع الناس أن يذكروا نعمته عليهم، وهذا شامل لذكرها بالقلب اعترافا، وباللسان ثناء، وبالجوارح انقيادا، فإن ذكر نعمه تعالى داع لشكره، ثم نبههم على أصول النعم، وهي الخلق والرزق، فقال: { هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ } ولما كان من المعلوم أنه ليس أحد يخلق ويرزق إلا اللّه، نتج من ذلك، أن كان ذلك دليلا على ألوهيته وعبوديته، ولهذا قال: { لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ } أي: تصرفون عن عبادة الخالق الرازق لعبادة المخلوق المرزوق.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله ) قرأ حمزة والكسائي " غير " بجر الراء ، وقرأ الآخرون برفعها على معنى هل خالق غير الله ، لأن " من " زيادة ، وهذا استفهام على طريق التقرير كأنه قال : لا خالق غير الله ( يرزقكم من السماء والأرض ) أي : من السماء المطر ومن الأرض النبات ( لا إله إلا هو فأنى تؤفكون )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يا أيها الناس» أي أهل مكة «اذكروا نعمة الله عليكم» بإسكانكم الحرم ومنع الغارات عنكم «هل من خالق» من زائدة وخالق مبتدأ «غيرُ الله» بالرفع والجر نعت لخالق لفظا ومحلا، وخبر المبتدأ «يرزقكم من السماء» المطر «و» من «الأرض» النبات، والاستفهام للتقرير، أي لا خالق رازق غيره «لا إله إلا هو فأنَّى تؤفكون» من أين تصرفون عن توحيده مع إقراركم بأنه الخالق الرازق.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم بقلوبكم وألسنتكم وجوارحكم، فلا خالق لكم غير الله يرزقكم من السماء بالمطر، ومن الأرض بالماء والمعادن وغير ذلك.

لا إله إلا هو وحده لا شريك له، فكيف تُصْرَفون عن توحيده وعبادته؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم وجه - سبحانه - نداء الى الناس .

أمرهم فيه بذكره وشكره فقال : ( ياأيها الناس اذكروا نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ الله يَرْزُقُكُمْ مِّنَ السمآء والأرض ) .والمراد من ذكر النعمة : ذكرها باللسان وبالقلب ، وشكر الله تعالى عليها ، واستعمالها فيما خلقت له .والمراد بالنعمة هنا : النعم الكثيرة التى أنعم بها - سبحانه - على الناس .

كنعمة خلقهم ، ورزقهم ، وتسخير كثير من الكائنات لهم .والاستفهام فى قوله : ( هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ الله يَرْزُقُكُمْ ) للنفى والإِنكار ، أى : يأيها الناس اذكروا بألسنتكم وقلوبكم ، نعم الله - تعالى - عليكم ، واشكروه عليها .

واستعملوها فى الوجوه التى أمركم باستعمالها فيها ، واعلموا أنه لا خالق غير الله - تعالى يرزقكم من السماء بالمطر وغيره ، ويرزقكم من الأرض بالنبات والزروع والثمار وما يشبه ذلك من الأرزاق التى فيها حياتكم وبقاؤكم .وقوله - تعالى - ( لاَ إله إِلاَّ هُوَ ) جملة مستأنفة لتقرير النفى المستفاد مما قبله أى : لا إله مستحق للعبادة والطاعة إلا الله - تعالى - ، إذ هو الخالق لكم ، وهو الذى أعطاكم النعم التى لا تعد ولا تحصى .( فأنى تُؤْفَكُونَ ) أى : وما دام الأمر كذلك : فكيف تصرفون عن إخلاص العبادة لخالقكم ورازقكم ، إلى الشرك فى عبادته .فقوله ( تُؤْفَكُونَ ) من الأفك - بالفتح - بمعنى الصرف والقلب يقال : أفكه عن الشئ ، إذا صرفه عنه ، ومنه قوله - تعالى - : ( قالوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا .

.

) أى : لتصرفنا عما وجدنا عليه آباءنا .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

ثم قال تعالى: ﴿ يا أيها النَّاسُ اذكروا نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ ﴾ لما بين أن الحمد لله وبين بعض وجوه النعمة التي تستوجب الحمد على سبيل التفصيل بين نعمه على سبيل الإجمال فقال: ﴿ اذكروا نِعْمَتَ الله ﴾ وهي مع كثرتها منحصرة في قسمين نعمة الإيجاد، ونعمة الإبقاء.

فقال تعالى: ﴿ هَلْ مِنْ خالق غَيْرُ الله ﴾ إشارة إلى نعمة الإيجاد في الابتداء.

وقال تعالى: ﴿ يَرْزُقُكُم مِّنَ السماء والأرض ﴾ إشارة إلى نعمة الإبقاء بالرزق إلى الانتهاء.

ثم بين أنه ﴿ لاَ إله إِلاَّ هُوَ ﴾ نظراً إلى عظمته حيث هو عزيز حكيم قادر على كل شيء قدير نافذ الإرادة في كل شيء ولا مثل لهذا ولا معبود لذاته غير هذا ونظراً إلى نعمته حيث لا خالق غيره ولا رازق إلا هو.

ثم قال تعالى: ﴿ فأنى تُؤْفَكُونَ ﴾ أي كيف تصرفون عن هذا الظاهر، فكيف تشركون المنحوت بمن له الملكوت.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

ليس المراد بذكر النعمة ذكرها باللسان فقط، ولكن به وبالقلب، وحفظها من الكفران والغمط وشكرها بمعرفة حقها والاعتراف بها وطاعة موليها.

ومنه قول الرجل لمن أنعم عليه: اذكر أياديّ عندك.

يريد حفظها وشكرها والعمل على موجبها، والخطاب عام للجميع لأنّ جميعهم مغمورون في نعمة الله.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: يريد: يا أهل مكة اذكروا نعمة الله عليكم، حيث اسكنكم حرمة ومنعكم من جميع العالم، والناس يتخطفون من حولكم.

وعنه: نعمة الله العافية.

وقرئ: ﴿ غير الله ﴾ بالحركات الثلاث؛ فالجرّ والرفع على الوصف لفظاً ومحلاً، والنصب على الاستثناء.

فإن قلت: ما محل ﴿ يَرْزُقُكُمْ ﴾ ؟

قلت: يحتمل أن يكون له محل إذا أوقعته صفة لخالق وأن لا يكون له محل إذا رفعت محل من خالق، بإضمار يرزقكم، وأوقعت يرزقكم تفسيراً له، أو جعلته كلاماً مبتدأ بعد قوله: ﴿ هَلْ مِنْ خالق غَيْرُ الله ﴾ .

فإن قلت: هل فيه دليل على أنّ الخالق لا يطلق على غير الله تعالى؟

قلت: نعم إن جعلت ﴿ يَرْزُقُكُمْ ﴾ كلاماً مبتدأ وهو الوجه الثالث من الأوجه الثلاثة.

وإمّا على الوجهين الآخرين: وهما الوصف والتفسير.

فقد يقيد فيهما بالرزق من السماء والأرض، وخرج من الإطلاق، فكيف يستشهد به على اختصاصه، بالإطلاق؛ والرزق من السماء المطر، ومن الأرض النبات ﴿ لاَ إله إِلاَّ هُوَ ﴾ جملة مفصولة لا محل لها من الإعراب، مثل: يرزقكم في الوجه الثالث، ولو وصلتها كما وصلت يرزقكم لم يساعد عليه المعنى؛ لأن قولك: هل من خالق آخر سوى الله لا إله إلاّ ذلك الخالق: غير مستقيم: لأن قولك: هل من خالق سوى الله إثبات لله.

فلو ذهبت تقول ذلك: كنت مناقضاً بالنفي بعد الإثبات ﴿ فأنى تُؤْفَكُونَ ﴾ فمن أي وجه تصرفون عن التوحيد إلى الشرك؟.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا أيُّها النّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ احْفَظُوها بِمَعْرِفَةِ حَقِّها والِاعْتِرافِ بِها وطاعَةِ مُولِيها، ثُمَّ أنْكَرَ أنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ في ذَلِكَ مَدْخَلٌ فَيَسْتَحِقُّ أنْ يُشْرَكَ بِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ لا إلَهَ إلا هو فَأنّى تُؤْفَكُونَ ﴾ فَمِن أيِّ وجْهٍ تُصْرَفُونَ عَنِ التَّوْحِيدِ إلى إشْراكِ غَيْرِهِ بِهِ، ورَفَعَ ( غَيْرُ ) لِلْحَمْلِ عَلى مَحَلٍّ ﴿ مِن خالِقٍ ﴾ بِأنَّهُ وصْفٌ أوْ بَدَلٌ، فَإنَّ الِاسْتِفْهامَ بِمَعْنى النَّفْيِ، أوْ لِأنَّهُ فاعِلُ ﴿ خالِقٍ ﴾ وجَرَّهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ حَمْلًا عَلى لَفْظِهِ، وقَدْ نُصِبَ عَلى الِاسْتِثْناءِ، و ( يَرْزُقُكم ) صِفَةٌ لِـ ( خالِقٍ ) أوِ اسْتِئْنافٌ مُفَسِّرٌ لَهُ أوْ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ، وعَلى الأخِيرِ يَكُونُ إطْلاقُ ﴿ هَلْ مِن خالِقٍ ﴾ مانِعًا مِن إطْلاقِهِ عَلى غَيْرِ اللَّهِ.

﴿ وَإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ ﴾ أيْ فَتَأسَّ بِهِمْ في الصَّبْرِ عَلى تَكْذِيبِهِمْ، فَوَضَعَ ﴿ فَقَدْ كُذِّبَتْ ﴾ مَوْضِعَهُ اسْتِغْناءً بِالسَّبَبِ عَنِ المُسَبَّبِ، وتَنْكِيرُ رُسُلٍ لِلتَّعْظِيمِ المُقْتَضِي زِيادَةَ التَّسْلِيَةِ والحَثِّ عَلى المُصابَرَةِ.

﴿ وَإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ ﴾ فَيُجازِيكَ وإيّاهم عَلى الصَّبْرِ والتَّكْذِيبِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{يا أيها الناس اذكروا} باللسان والقلب {نعمة الله عَلَيْكُمْ} وهي التي تقدمت من بسط الأرض كالمهاد ورفع السماء بلا عماد وإرسال الرسل لبيان السبيل دعوة إليه وزلفة لديه والزيادة في الخلق وفتح أبواب الرزق ثم نبه على رأس النعم وهو اتحاد المنعم بقوله {هَلْ مِنْ خالق غَيْرُ الله} برفع غَيْرُ على الوصف لأن خالق مبتدأ خبره محذوف أي لكم وبالجر علي وحمزة على الوصف لفظاً {يَرْزُقُكُمْ} يجوز أن يكون مستأنفاً ويجوز أن يكون صفة لخالق {مِّنَ السمآء} بالمطر {والأرض} بأنواع النبات {لآ إله إِلاَّ هُوَ} جملة مفصولة لا محل لها {فأنى تُؤْفَكُونَ} فبأي وجه تصرفون عن التوحيد إلى الشرك

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وبَعْدَ ما بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ المُوجِدُ لِلْمُلْكِ والمَلَكُوتِ والمُتَصَرِّفُ فِيهِما عَلى الإطْلاقِ أمَرَ النّاسَ قاطِبَةً أوْ أهْلَ مَكَّةَ كَما رُوِيَ عَنْهُ اِبْنُ عَبّاسٍ واخْتارَهُ الطِّيبِيُّ بِشُكْرِ نِعَمِهِ عَزَّ وجَلَّ فَقالَ تَعالى: ﴿ يا أيُّها النّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ أيْ إنْعامَهُ تَبارَكَ وتَعالى عَلَيْكم إنْ جُعِلَتِ النِّعْمَةُ مَصْدَرًا أوْ كائِنَةً عَلَيْكم إنْ جُعِلَتِ اِسْمًا، أيْ راعُوها واحْفَظُوها بِمَعْرِفَةِ حَقِّها والِاعْتِرافِ بِها وتَخْصِيصِ العِبادَةِ والطّاعَةِ بِمُوَلِّيها، فَلَيْسَ المُرادُ مُجَرَّدَ الذِّكْرِ بِاللِّسانِ بَلْ هو كِنايَةٌ عَمّا ذُكِرَ.

وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ وقَدْ جُعِلَ الخِطابُ لِمَن سَمِعْتَ اُذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم حَيْثُ أسْكَنَكم حَرَمَهُ ومَنَعَكم مِن جَمِيعِ العالَمِ والنّاسُ يَتَخَطَّفُونَ مِن حَوْلِكُمْ، وعَنْهُ أيْضًا نِعْمَةُ اللَّهِ تَعالى العافِيَةُ، والأوْلى عَدَمُ التَّخْصِيصِ، ولَمّا كانَتْ نِعَمُ اللَّهِ تَعالى مَعَ تَشَعُّبٍ فُنُونِها مُنْحَصِرَةً في نِعْمَةِ الإيجادِ ونِعْمَةِ الإبْقاءِ نَفى سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ في الوُجُودِ شَيْءٌ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ يَصْدُرُ عَنْهُ إحْدى النِّعْمَتَيْنِ بِطَرِيقِ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي هو لِإنْكارِ التَّصْدِيقِ وتَكْذِيبِ الحُكْمِ، فَقالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ ﴾ وهَلْ تَأْتِي لِذَلِكَ كَما في المُطَوَّلِ وحَواشِيهِ، وقَوْلُ الرَّضِىِّ: إنَّ هَلْ لا تُسْتَعْمَلُ لِلْإنْكارِ، أرادَ بِهِ الإنْكارَ عَلى مُدَّعِي الوُقُوعِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ  ﴾ ويَلْزَمُهُ النَّفْيُ والإنْكارُ عَلى مَن أوْقَعَ الشَّيْءَ، كَما في قَوْلِكَ أتَضْرِبُ زَيْدًا وهو أخُوكَ أيْ هَلْ خالِقٌ مُغايِرٌ لَهُ تَعالى مَوْجُودٌ لَكم أوْ لِلْعالَمِ عَلى أنَّ ﴿ خالِقٍ ﴾ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ زِيدَتْ عَلَيْهِ مِن لِتَأْكِيدِ العُمُومِ و ﴿ غَيْرُ اللَّهِ ﴾ صِفَةٌ لَهُ بِاعْتِبارِ مَحَلِّهِ، وصَحَّتِ الوَصْفِيَّةُ بِهِ مَعَ إضافَتِهِ إلى أعْرَفِ المَعارِفِ لِتَوَغُّلِهِ في التَّنْكِيرِ فَلا يَكْتَسِبُ تَعْرِيفًا في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ﴿ خالِقٍ ﴾ بِذَلِكَ الِاعْتِبارِ ويُعْتَبَرُ الإنْكارُ في حُكْمِ النَّفْيِ لِيَكُونَ غَيْرُ اللَّهِ هو الخالِقَ المَنفِيَّ ولِأنَّ المَعْنى عَلى الِاسْتِثْناءِ أيْ لا خالِقَ إلّا اللَّهُ تَعالى والبَدَلِيَّةُ في الِاسْتِثْناءِ بِغَيْرٍ إنَّما تَكُونُ في الكَلامِ المَنفِيِّ وبِهَذا الِاعْتِبارِ زِيدَتْ مِن عِنْدَ الجُمْهُورِ وصَحَّ الِابْتِداءُ بِالنَّكِرَةِ.

وكَذا جُوِّزَ أنْ يَكُونَ فاعِلًا بِخالِقٍ لِاعْتِمادِهِ عَلى أداةِ الِاسْتِفْهامِ نَحْوَ أقائِمٌ زَيْدٌ في أحَدِ وجْهَيْهِ وهو حِينَئِذٍ سادٌّ مَسَدَّ الخَبَرِ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِقَوْلِهِ فِيهِ نَظَرٌ وهو أنَّ اِسْمَ الفاعِلِ أوْ ما يَجْرِي مَجْراهُ إذا اِعْتَمَدَ عَلى أداةِ الِاسْتِفْهامِ وأُجْرِيَ مَجْرى الفِعْلِ فَرَفَعَ ما بَعْدَهُ هَلْ يَجُوزُ أنْ تَدْخُلَ عَلَيْهِ مِنَ الَّتِي لِلِاسْتِغْراقِ، فَيُقالُ هَلْ مِن قائِمٍ الزَّيْدُونَ، كَما تَقُولُ هَلْ قائِمٌ الزَّيْدُونَ، والظّاهِرُ أنَّهُ لا يَجُوزُ ألا تَرى أنَّهُ إذا أُجْرِيَ مَجْرى الفِعْلِ لا يَكُونُ فِيهِ عُمُومٌ بِخِلافِهِ إذا دَخَلَتْ عَلَيْهِ مِن، ولا أحْفَظُ مِثْلَهُ في لِسانِ العَرَبِ، ويَنْبَغِي أنْ لا يُقْدَمُ عَلى إجازَةِ مِثْلِ هَذا إلّا بِسَماعٍ مِن كَلامِهِمْ، وفِيهِ أنَّ شَرْطَ الزِّيادَةِ والإعْمالِ مَوْجُودٌ، ولَمْ يُبْدِ مانِعًا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ فالتَّوَقُّفُ تَعَنُّتٌ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ.

وفِي الكَشْفِ لا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ ( غَيْرُ ) خَبَرًا، ومَنَعَهُ الشِّهابُ بِأنَّ المَعْنى لَيْسَ عَلَيْهِ، وقَرَأ اِبْنُ وثّابٍ وشَقِيقٌ وأبُو جَعْفَرٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ «غَيْرِ» بِالخَفْضِ صِفَةً لِخالِقٍ عَلى اللَّفْظِ، وهَذا مُتَعَيَّنٌ في هَذِهِ القِراءَةِ، ولِأنَّ تَوافُقَ القِراءَتَيْنِ أوْلى مِن تَخالُفِهِما كانَ الأظْهَرُ في القِراءَةِ الأُولى كَوْنَهُ وصْفًا لِخالِقٍ أيْضًا، وقَرَأ الفَضْلُ بْنُ إبْراهِيمَ النَّحْوِيُّ «غَيْرَ» بِالنَّصْبِ عَلى الِاسْتِثْناءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ ﴾ بِالمَطَرِ والنَّباتِ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ لا صِفَةُ ﴿ خالِقٍ ﴾ بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ أوْ مَحَلِّهِ، قالَ في الكَشْفِ: لِأنَّ المَعْنى عَلى التَّقْرِيعِ والتَّذْكِيرِ بِما هم مُعْتَرِفُونَ بِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ مِن خالِقٍ لِتِلْكَ النِّعَمِ الَّتِي أُمِرْتُمْ بِذِكْرِها أوْ مُطْلَقًا، وهو أوْلى، وتَدْخُلُ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿ غَيْرُ اللَّهِ ﴾ ثُمَّ تَمَّمَ ذَلِكَ بِأنَّهُ يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ وذَلِكَ أيْضًا يَقْتَضِي اِخْتِصاصَهُ تَعالى بِالعِبادَةِ كَما أنَّ الخالِقِيَّةَ تَقْتَضِي ذَلِكَ، وفِيهِ أنَّ الخالِقَ لا يَكُونُ إلّا رازِقًا ولَوْ قِيلَ هَلْ مِن خالِقٍ رازِقٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ غَيْرُ اللَّهِ يَخْرُجُ الكَلامُ عَنْ سَنَنِهِ المَقْصُودِ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿ خالِقٍ ﴾ فاعِلًا لِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ المَذْكُورُ، والأصْلُ هَلْ يَرْزُقُكم خالِقٌ ومِن زائِدَةٌ في الفاعِلِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ إنْ كانَ مِن بابِ هَلْ رَجُلٌ عُرِفَ، فَقَدْ صَرَّحَ السَّكّاكِيُّ بِقُبْحِ هَذا التَّرْكِيبِ لِأنَّ هَلْ إنَّما تَدْخُلُ عَلى الجُمْلَةِ الخَبَرِيَّةِ فَلا بُدَّ مِن صِحَّتِها قَبْلَ دُخُولِ هَلْ ورَجُلٌ عُرِفَ لا يَصِحُّ بِدُونِ اِعْتِبارِ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ لِعَدَمِ مُصَحِّحِ الِابْتِدائِيَّةِ سِواهُ، وإذا اُعْتُبِرَ التَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ كانَ الكَلامُ مُفِيدًا لِحُصُولِ التَّصْدِيقِ بِنَفْسِ الفِعْلِ فَلا يَصِحُّ دُخُولُ هَلْ عَلَيْهِ لِأنَّها لِطَلَبِ التَّصْدِيقِ وما حَصَلَ لا يُطْلَبُ لِئَلّا يَلْزَمُ تَحْصِيلُ الحاصِلِ ولِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ رَجُلٌ فاعِلُ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ، قالَ بِالقُبْحِ دُونَ الِامْتِناعِ، وإنْ كانَ مِن بابِ: هَلْ زَيْدٌ عُرِفَ، فَقَدْ صَرَّحَ العَلّامَةُ الثّانِي السَّعْدُ التَّفْتازانِيُّ بِأنَّهُ قَبِيحٌ بِاتِّفاقِ النُّحاةِ وأنَّ ما ذَكَرَهُ صاحِبُ المُفَصَّلِ مِن أنَّ نَحْوَ هَلْ زَيْدٌ خَرَجَ عَلى تَقْدِيرِ الفِعْلِ تَصْحِيحٌ لِلْوَجْهِ القَبِيحِ البَعِيدِ لا أنَّهُ شائِعٌ حَسَنٌ، غايَةُ ما في البابِ أنَّ سَبَبَ قُبْحِهِ لَيْسَ ما ذُكِرَ في قُبْحِ هَلْ زَيْدٌ عُرِفَ عِنْدَ السَّكّاكِيِّ لِعَدَمِ تَأتِّيهِ فِيهِ بَلِ السَّبَبُ أنَّ هَلْ بِمَعْنى قَدْ في الأصْلِ وأصْلُهُ أهَلْ كَقَوْلِهِ: أهَلْ عَرَفْتَ الدّارَ بِالغُرَّتَيْنِ وتَرْكُ الهَمْزَةِ قَبْلَها لِكَثْرَةِ وُقُوعِها في الِاسْتِفْهامِ فَأُقِيمَتْ هي مَقامَ الهَمْزَةِ وتَطَفَّلَتْ عَلَيْها في الِاسْتِفْهامِ، وقَدْ مِن لَوازِمِ الأفْعالِ فَكَذا ما هي بِمَعْناها، ولَمْ يُقَبَّحْ دُخُولُها عَلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الَّتِي طَرَفاها اِسْمانِ لِأنَّها إذا لَمْ تَرَ الفِعْلَ في حَيِّزِها تَتَسَلّى عَنْهُ ذاهِلَةً، وهَذا بِخِلافِ ما إذا رَأتْهُ فَإنَّها حِينَئِذٍ تَتَذَكَّرُ عُهُودًا بِالحُمّى وتَحِنُّ إلى الألْفِ المَأْلُوفِ وتَطْلُبُ مُعانَقَتَهُ ولَمْ تَرْضَ بِافْتِراقِ الِاسْمِ بَيْنَهُما، ويُعْلَمْ مِن هَذا أنَّهُ لا فَرْقَ عِنْدَ النُّحاةِ بَيْنَ هَلْ رَجُلٌ عُرِفَ وهَلْ زَيْدٌ تَعْرِفُ في القُبْحِ لِذَلِكَ.

وأجابَ بَعْضُهم بِأنَّ مُجَوِّزَ هَذا الوَجْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ ومُتابِعُوهُ وهو لا يُسَلِّمُ ما ذَكَرَ لِأنَّ حَرْفَ الشَّرْطِ كانَ مَثَلًا أُلْزِمَ لِلْفِعْلِ مِن هَلْ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ دُخُولُهُ عَلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الَّتِي طَرَفاها اِسْمانِ كَما دَخَلَتْ عَلَيْها هَلْ، وقَدْ جازَ بِلا قُبْحٍ عَمَلُ الفِعْلِ بَعْدَهُ عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ ﴾ فَيَجُوزُ في هَلْ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿ يَرْزُقُكُمْ ﴾ إلخ مُسْتَأْنَفًا في جَوابِ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ أيُّ خالِقٍ يَسْألُ عَنْهُ، وأنْ يَكُونَ هو الخَبَرُ لِخالِقٍ، ولا يَخْفى عَلى مُتَأمِّلٍ أنَّ ما نُقِلَ عَنِ الكَشْفِ قاضٍ بِمَرْجُوحِيَّةِ هَذِهِ الأوْجُهِ جَمِيعِها، فَتَأمَّلْ.

وفِي الآيَةِ عَلى ما هو الأوْلى في تَفْسِيرِها وإعْرابِها رَدٌّ عَلى المُعْتَزِلَةِ في قَوْلِهِمُ: العَبْدُ خالِقٌ لِأفْعالِهِ، ونُصْرَةٌ لِأهْلِ السُّنَّةِ في قَوْلِهِمْ لا خالِقَ إلّا اللَّهُ تَعالى.

﴿ لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ اِسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِلنَّفْيِ المَفْهُومِ مِمّا تَقَدَّمَ قَصْدًا، ولَمْ يُجَوِّزْ جارَ اللَّهِ أنْ يُجْعَلَ صِفَةً لِخالِقٍ كَما جُعِلَ ﴿ يَرْزُقُكُمْ ﴾ صِفَةً لَهُ، حَيْثُ قالَ: ولَوْ وصَلَتْ جُمْلَةُ ﴿ لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ كَما وصَلَتْ ﴿ يَرْزُقُكُمْ ﴾ لَمْ يُساعِدْ عَلَيْهِ المَعْنى، لِأنَّ قَوْلَكَ هَلْ مِن خالِقٍ آخَرَ سِوى اللَّهِ لا إلَهَ إلّا ذَلِكَ الخالِقُ - غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، لِأنَّ قَوْلَكَ هَلْ مِن خالِقٍ سِوى اللَّهِ إثْباتٌ لِلَّهِ تَعالى فَلَوْ ذَهَبْتَ تَقُولُ ذَلِكَ كُنْتَ مُناقِضًا بِالنَّفْيِ بَعْدَ الإثْباتِ اه، وبَيَّنَ صاحِبُ الكَشْفِ وجْهَ المُناقَضَةِ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ غَيْرُ اللَّهِ صِفَةً بِأنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ لِنَفْيِ المُشارَكَةِ في الصِّفَةِ المُحَقَّقَةِ، أعْنِي الخَلْقَ فَقَوْلُكُ هَلْ مِن خالِقٍ آخَرَ سِوى اللَّهِ إثْباتٌ لِلَّهِ تَعالى ونَفْيُ المُشارِكِ لَهُ فِيها، ثُمَّ وصْفُ الآخَرِ بِانْحِصارِ الإلَهِيَّةِ فِيهِ يَكُونُ لِنَفْيِ خالِقِيَّتِهِ دُونَ تَفَرُّدٍ بِالإلَهِيَّةِ، والتَّفَرُّدُ بِالإلَهِيَّةِ مَعَ مُغايَرَتِهِ لِلَّهِ تَعالى مُتَناقِضانِ لِأنَّ الأوَّلَ يَنْفِيهِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا والثّانِي يُثْبِتُهُ مَعَ الغَيْرِ جُلَّ عَنْ كُلِّ شَرِيكٍ ونَقْصٍ، ثُمَّ قالَ: والتَّحْقِيقُ في هَذا أنَّ هَلْ لِإنْكارِ ما يَلِيها وما تَلاهُ إنْ كانَ مِن تَتِمَّتِهِ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ حُكْمُ الإنْكارِ بِالبَقِيَّةِ، وإلّا كانَ مُبْقًى عَلى حالِهِ نَفْيًا وإثْباتًا، ولَمّا كانَ الكَلامُ في الخالِقِيَّةِ عَلى ما مَرَّ لَمْ يَكُنِ الوَصْفانِ، أعْنِي تَفَرُّدَ الآخَرِ بِالإلَهِيَّةِ ومُغايَرَتَهُ لِلْقَيُّومِ الحَقِّ مَصَبًّا لَهُ، وهُما مُتَناقِضانِ في أنْفُسِهِما عَلى ما بَيَّنَ، فَيَلْزَمُ ما ذَكَرَهُ جارُ اللَّهِ لُزُومًا بَيِّنًا اه.

وقَدْ دُفِعَ بِتَقْرِيرِهِ ذَلِكَ كَثِيرًا مِنَ القالِ والقِيلِ بَيْدَ أنَّهُ لا يَخْلُو عَنْ بَحْثٍ، ويُمْكِنُ تَقْرِيرُ المُناقَضَةِ عَلى تَقْدِيرِ الوَصْفِيَّةِ بِوَجْهٍ أظْهَرَ لَعَلَّهُ لا يَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المانِعُ مِنَ الوَصْفِيَّةِ النَّظْمُ المُعْجِزُ وحاكِمُهُ الذَّوْقُ السَّلِيمُ والكَلامُ في ذَلِكَ طَوِيلٌ، فَتَأمَّلْ.

والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأنّى تُؤْفَكُونَ ﴾ لِتَرْتِيبِ إنْكارِ عُدُولِهِمْ عَنِ التَّوْحِيدِ إلى الإشْراكِ عَلى ما قَبْلَها كَأنَّهُ قِيلَ: وإذا تَبَيَّنَ تَفَرُّدُهُ تَعالى بِالأُلُوهِيَّةِ والخالِقِيَّةِ والرّازِقِيَّةِ فَمِن أيِّ وجْهٍ تُصْرَفُونَ عَنِ التَّوْحِيدِ إلى الشِّرْكِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ يعني: احفظوا نعمة الله.

ثم ذكر النعمة فقال: هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ يعني: النبات والمطر.

قرأ حمزة والكسائي غَيْرُ اللَّهِ بكسر الراء.

وقرأ الباقون بالضم مثل ما في سورة الأعراف.

والاستثناء إذا كان بحرف إلا.

فإن الإعراب يكون على ما بعده.

وإذا كان الاستثناء بحرف غير، فإن الإعراب يقع على نفس الغير.

فمن قرأ بالكسر، صار كسراً على البدل.

ومن قرأ بالرفع فمعناه: هل خالق غير الله، لأن من موكدة.

ولفظ الآية لفظ الاستفهام.

والمراد به النفس يعني: أنتم تعلمون أنه لا يخلق أحد سواه، ولا يرزقكم أحد سواه.

ثم وحّد نفسه فقال: لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ يفعل بكم ذلك فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ يعني: من أين تكذبون، وأنتم تعلمون أنه لا يخلق أحد سواه.

ثم قال عز وجل: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ كما كذبك قومك، وهذا تعزية يعزي بها نبيه  ليصبر على أذاهم وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ يعني: إليه ترجع عواقب الأمور بالبعث.

ثم قال عز وجل: يا أَيُّهَا النَّاسُ يعني: يا أهل مكة إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ يعني: البعث بعد الموت حق كائن فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا يعني: حياتكم في الدنيا، والدنيا في الأصل هي القربى.

سميت بهذا لأن حياتهم هذه أقرب إليهم.

ويقال: هي فعلى من الأدون يعني: حياة الأدون وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ يعني: الباطل وهو الشيطان.

قال: حدّثنا أبو الليث رحمه الله.

قال: حدّثني أبي.

قال: حدّثنا أبو الحسن الفراء الفقيه السمرقندي.

قال: حدّثنا أبو بكر الجرجاني الإمام بسمرقند ذكر بإسناده عن العلاء بن زيادة.

قال: رأيت الدنيا في النوم امرأة قبيحة عمشاء، ضعيفة، عَلَيْهَا مِنْ كُلِّ زِينةٍ فقلت: من أنت.

أعوذ بالله منك؟

فقالت: أنا الدُّنيا.

فإن يسرك أن يعيذك الله مني، فأبغض الدراهم يعني: لا تمسكها عن النفقة في موضع الحق.

ثم قال عز وجل: إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ يعني: حين يأمركم بالكفر، ومن عداوته مع أبيكم ترك طاعة الله فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا يعني: فعادوه بطاعة الله.

ومعناه: أطيعوا الله عز وجل لأنك إذا أطعت الله فقد عاديت الشيطان إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ يعني: شيعته إلى الكفر لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ يعني: من أهل النار.

ثم بيّن مصير من أطاع الشيطان، ومصير من عصاه فقال الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: جحدوا بوحدانية الله عز وجل: لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ في الآخرة وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يعني: صدقوا بوحدانية الله، وعملوا الطاعات، واتخذوا الشيطان عدواً لَهُمْ مَغْفِرَةٌ في الدنيا لذنوبهم وَأَجْرٌ كَبِيرٌ يعني: ثواباً حسناً في الجنة.

قوله عز وجل: أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ يعني: قبيح عمله كمن لم يزين له ذلك فَرَآهُ حَسَناً يعني: فظنه حقاً.

والجواب فيه مضمرا فمن زيّن له سوء عمله كمن لم يزين له ذلك.

وقال الزجاج: أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ يعني: أبا جهل وأصحابه، وأضله الله كمن لم يزين له ذلك وهداه الله تعالى.

ثم قال: فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ عن دينه وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ لدينه فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ قال القتبي: هذا من الإضمار.

يعني: ذهبت نفسك حسرة عليهم، ولا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حسرات بتركهم الإيمان.

وقرئ في الشاذ: فَلا تَذْهَبْ بضم التاء وكسر الهاء نَفْسُكَ بنصب السين.

من أذهب يذهب يعني: لا تقتل نفسك وقراءة العامة فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ بنصب التاء والهاء وضم السين أي: لا تحزن نفسك إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ من الخير والشر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال الهيثم الفارسي: رأيت النّبيّ صلى الله عليه وسلّم فِي النَّوْمِ فَقَالَ لِي: أَنْتَ الهَيْثَمُ الَّذِي تُزَيِّنُ القُرْآنَ بِصَوْتِكَ جَزَاكَ اللهُ خَيْراً.

وَقِيلَ مِنَ الأَقْوَالِ فِي الزِّيَادَةِ غَيْرَ هَذَا وَذَلِكَ عَلَى جِهَة المِثَالِ لاَ أَنَّ المَقْصِدَ هِيَ فَقَطْ.

وَقَوْلهُ تَعَالَى: مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ ما شرط ويَفْتَحِ مَجْزُومٌ بِالشَّرْطِ.

وقوله: مِنْ رَحْمَةٍ عَامٌ فِي كُلِّ خَيْرٍ يُعْطِيهِ اللهُ تَعَالَى لِعِبَادِهِ.

وَقَوْلُه: مِنْ بَعْدِهِ فيه حَذْفٌ مُضَافٍ، أي: مِنْ بَعْدِ إمْسَاكِهِ وَمِنْ هَذِهِ الآيةِ سَمَّتِ الصُّوفِيَّةُ مَا تُعْطَاهُ مِنَ الأَمْوَالِ وَالمَطَاعِمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ «الفتوحات» .

يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥) إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ (٦) الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (٧)

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ خِطَابُ لِقُرَيْشٍ وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ لِكُلِّ كَافِرٍ.

وَقَوْلهُ سُبْحَانَه: فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا.

ت: هذهِ الآيةُ مَعَنَاهَا بَيِّنٌ، قَالَ ابْنُ عَطَاءِ اللهِ: يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يُقَلِّلَ الدُّخُولَ فِي أسباب الدّنيا فقد قال النّبيّ صلى الله عليه وسلّم: «إنَّ قَلِيلَ الدُّنْيَا يُلْهَي عَنْ كَثِيرِ الآخِرَةِ» وقال صلى الله عليه وسلّم: «مَا طَلَعَتْ شَمْسٌ إلاَّ وَبِجَنْبَيْهَا مَلَكَانِ يُنَادِيَانِ: يا أيّها النَّاسُ، هَلُمُّوا إِلَى رَبِّكُمْ، فَإنَّ ما قَلَّ وَكَفَى خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ وَأَلْهَى» «١» .

انتهى مِنْ «لَطَائِف المِنَنِ» .

وَقَرَأَ جُمْهُورُ النَّاسِ: «الغرور» - بِفَتْحِ الغَيْنِ- وَهُوَ الشَّيْطَانُ.

قَالَهُ ابْنِ عَبَّاسٍ «٢» .

وَقَوْلهُ: إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ الآية: يُقَوِّي قِرَاءَةُ الجُمْهُورِ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا.

أي: بالمبَايَنَةِ والمقَاطَعَةِ والمخَالَفَةِ باتّباع الشرع.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها النّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: الخِطابُ لِأهْلِ مَكَّةَ، و ﴿ اذْكُرُوا ﴾ بِمَعْنى " احْفَظُوا " ونِعْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ: إسْكانُهُمُ الحَرَمَ ومَنعُ الغاراتِ عَنْهم.

﴿ هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: " غَيْرِ اللَّهِ " بِخَفْضِ الرّاءِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: جَعَلاهُ صِفَةً عَلى اللَّفْظِ، وذَلِكَ حَسَنٌ لِإتْباعِ الجَرِّ.

وهَذا اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ وتَوْبِيخٍ؛ والمَعْنى: لا خالِقَ سِواهُ ﴿ يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ ﴾ المَطَرَ و مِنَ (الأرْضِ) النَّباتَ، وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [الأنْعامِ: ٩٥ آلِ عِمْرانَ: ١٨٤، البَقَرَةِ: ٢١٠، لُقْمانَ: ٣٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿ إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ ﴾ أيْ: إنَّهُ يُرِيدُ هَلاكَكم ﴿ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ﴾ أيْ: أنْزِلُوهُ مِن أنْفُسِكم مَنزِلَةَ الأعْداءِ، وتَجَنَّبُوا طاعَتَهُ ﴿ إنَّما يَدْعُو حِزْبَهُ ﴾ أيْ: شِيعَتَهُ إلى الكُفْرِ ﴿ لِيَكُونُوا مِن أصْحابِ السَّعِيرِ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ فاطِرٍ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَماواتِ والأرْضِ جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلا أُولِي أجْنِحَةٍ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ يَزِيدُ في الخَلْقِ ما يَشاءُ إنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ﴿ ما يَفْتَحِ اللهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ ﴿ يا أيُّها الناسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكم هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُكم مِن السَماءِ والأرْضِ لا إلَهَ إلا هو فَأنّى تُؤْفَكُونَ ﴾ ﴿ وَإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ وإلى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ ﴾ ﴿ يا أيُّها الناسُ إنَّ وعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُنْيا ولا يَغُرَّنَّكم بِاللهِ الغَرُورُ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "الحَمْدُ لِلَّهِ"، ﴾ الألِفُ واللامُ في "الحَمْدُ" لِاسْتِغْراقِ الجِنْسِ عَلى أتَمِّ عُمُومٍ؛ لِأنَّ الحَمْدَ بِالإطْلاقِ عَلى الأفْعالِ الشَرِيفَةِ والكَمالُ هو لِلَّهِ، والشُكْرُ مُسْتَغْرَقٌ فِيهِ؛ لِأنَّهُ فَصْلٌ مِن فُصُولِهِ.

و"فاطِرِ" مَعْناهُ: خالِقِ، لَكِنْ يَزِيدُ في المَعْنى الِانْفِرادُ بِالِابْتِداءِ لِخِلْقَتِها، ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيِّ: "أنا فَطَرْتُها"، أرادَ: بَدَأْتُ حَفْرَها، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: ما كُنْتُ أفْهَمُ مَعْنى "فاطِرٍ" حَتّى سَمِعْتُ قَوْلَ الأعْرابِيِّ.

وقَرَأ الزُهْرِيُّ ؛ "الحَمْدُ لِلَّهِ فَطَرَ"، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "جاعِلِ" بِالخَفْضِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: [جاعِلُ] بِالرَفْعِ، عَلى قَطْعِ الصِفَةِ، وقَرَأ خالِدُ بْنُ نَشِيطٍ: [جَعَلَ] عَلى صِيغَةِ الماضِي "المَلائِكَةَ" نَصْبًا، فَأمّا عَلى هَذِهِ القِراءَةِ الأخِيرَةِ فَنُصِبَ قَوْلُهُ: "رُسُلًا" عَلى المَفْعُولِ الثانِي، وأمّا عَلى القِراءَتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ فَقِيلَ: أرادَ بِـ"جاعِلِ" الِاسْتِقْبالَ؛ لِأنَّ القَضاءَ في الأزَلِ، وحُذِفَ التَنْوِينُ تَخْفِيفًا، وعَمِلَ عَمَلَ المُسْتَقْبَلِ في "رُسُلًا".

وقالَتْ فِرْقَةٌ: "جاعِلِ" بِمَعْنى المُضِيِّ، و"رُسُلًا" نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ، و"رُسُلًا" مَعْناهُ: بِالوَحْيِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أوامِرَ، فَجِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وعِزْرائِيلُ وإسْرافِيلُ رُسُلٌ، والمَلائِكَةُ المُتَعاقِبُونَ رُسُلٌ، والمُسَدِّدُونَ لِحُكّامِ العَدْلِ رُسُلٌ، وغَيْرُ ذَلِكَ.

وقَرَأ الحَسَنُ: "رُسْلًا" بِسُكُونِ السِينِ.

و"أُولِي" جَمْعُ (ذُو)، ومِنهُ: التَقِيُّ ذُو نُهْيَةٍ، والقَوْمُ أُولُو نَهْيً، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ في تَفْسِيرِ قَوْلِ مَرْيَمَ عَلَيْها السَلامُ: ﴿ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا  ﴾ : عَلِمَتْ مَرْيَمُ أنَّ التَقِيَّ ذُو نُهْيَةٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ ﴾ ألْفاظٌ مَعْدُولَةٌ مِنَ اثْنَيْنِ وثَلاثَةٍ وأرْبَعَةٍ، عُدِلَتْ في حالِ التَنْكِيرِ فَتَعَرَّفَتْ بِالعَدْلِ، فَهي لا تَنْصَرِفُ لِلْعَدْلِ والتَعْرِيفِ، وقِيلَ: لِلْعَدْلِ والصِفَةِ، وفائِدَةُ العَدْلِ الدَلالَةُ عَلى التَكْرارِ: لِأنَّ "مَثْنى" بِمَنزِلَةِ قَوْلِكِ: اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ.

وقالَ قَتادَةُ: إنَّ أنْواعَ المَلائِكَةِ هي هَكَذا، مِنها ما لَهُ جَناحانِ، ومِنها ما لَهُ ثَلاثَةٌ، ومِنها ما لَهُ أرْبَعَةٌ، وشَذَّ مِنها ما لَهُ أكْثَرُ مِن ذَلِكَ، ورُوِيَ أنَّ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ سِتَّمِائَةِ جَناحٍ مِنها اثْنانِ تَبْلُغُ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: إنَّ في كُلِّ جانِبٍ مِنَ المَلَكِ جَناحَيْنِ، ولِبَعْضِهِمْ أرْبَعَةٌ، وإلّا فَلَوْ كانَتْ ثَلاثَةٌ لِكُلِّ واحِدٍ لِما اعْتَدَلَتْ في مُعْتادِ ما رَأيْناهُ نَحْنُ مِنَ الأجْنِحَةِ، وقِيلَ: بَلْ هي ثَلاثَةٌ لِكُلِّ واحِدٍ كالحُوتِ، واللهُ أعْلَمُ بِذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَزِيدُ في الخَلْقِ ما يَشاءُ ﴾ تَقْرِيرٌ لِما يَقَعُ في النُفُوسِ مِنَ التَعَجُّبِ والِاسْتِغْرابِ عِنْدَ الخَبَرِ بِالمَلائِكَةِ أُولِي الأجْنِحَةِ، أيْ: لَيْسَ هَذا بِبِدْعٍ في قُدْرَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى؛ فَإنَّهُ يَزِيدُ في خَلْقِهِ ما يَشاءُ، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، وابْنِ شِهابٍ أنَّهُما قالا: المَزِيدُ هو حُسْنُ الصَوْتِ، قالَ الهَيْثَمُ الفارِسِيُّ: رَأيْتُ النَبِيَّ  في النَوْمِ، فَقالَ لِي: "أنْتَ الهَيْثَمُ الَّذِي تُزَيِّنُ القُرْآنَ بِصَوْتِكَ، جَزاكَ اللهُ خَيْرًا"، وقِيلَ: الزِيادَةُ: الخَطُّ الحَسَنُ، وقالَ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "الخَطُّ الحَسَنُ يَزِيدُ الحَقَّ وُضُوحًا"،» وقالَ قَتادَةُ: الزِيادَةُ: مَلاحَةُ العَيْنَيْنِ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا، وإنَّما ذَكَرَ هَذِهِ الأشْياءَ مَن ذَكَرَها عَلى جِهَةِ المِثالِ، لا أنَّ المَقْصُودَ هي فَقَطْ، وإنَّما مَثَّلُوا بِأشْياءَ هي زِياداتٌ خارِجَةٌ عَنِ الغالِبِ المُعْتادِ المَوْجُودِ كَثِيرًا، وباقِي الآيَةِ بَيْنٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما يَفْتَحِ اللهُ ﴾ ، "ما" شَرْطٌ، و"يَفْتَحِ" جُزِمَ بِالشَرْطِ، و ﴿ مِن رَحْمَةٍ ﴾ عامٌّ في كُلِّ خَيْرٍ يُعْطِيهِ اللهُ لِعِبادِهِ جَماعَتِهِمْ وأفْرادِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ مِن بَعْدِهِ ﴾ فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ، أيْ: مِن بَعْدِ إمْساكِهِ، ومِن هَذِهِ الآيَةِ سَمَّتِ الصُوفِيَّةُ ما يُعْطاهُ (الصُوفِيُّ) مِنَ الأمْوالِ والمَطاعِمِ وغَيْرِ ذَلِكَ: الفُتُوحاتِ، ومِنها كانَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ يَقُولُ: "مُطِرْنا بِنَوْءِ الفَتْحِ"، ويَقْرَأُ الآيَةَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الناسُ اذْكُرُوا ﴾ الآيَةُ...

خِطابٌ لِقُرَيْشٍ، وهو مُتَّجِهٌ لِكُلِّ كافِرٍ، ولا سِيَّما لِعُبّادِ غَيْرِ اللهِ، وذَكَّرَهم تَعالى بِنِعْمَةِ اللهِ عَلَيْهِمْ في خَلْقِهِمْ وإيجادِهِمْ، ثُمَّ اسْتَفْهَمَهم عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ والتَوْقِيفِ بِقَوْلِهِ: ﴿ هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللهِ ﴾ ؟

أيْ: فَلَيْسَ الإلَهُ إلّا الخالِقُ، لا ما تَعْبُدُونَ أنْتُمْ مِنَ الأصْنامِ، وقَرَأ حَمْزَةُ: "غَيْرِ" بِالخَفْضِ نَعَتٌ عَلى اللَفْظِ، وخَبَرُ الِابْتِداءِ ﴿ "يَرْزُقُكُمْ"، ﴾ وبِها قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَقِيقٌ، وابْنُ وثّابٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالرَفْعِ، وهي قِراءَةُ شَيْبَةَ بْنِ نِصاحٍ، وعِيسى، والحَسْنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وذَلِكَ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوجُهٍ: النَعْتُ عَلى المَوْضِعِ والخَبَرُ مُضْمَرٌ، تَقْدِيرُهُ: في الوُجُودِ، أو في العالَمِ.

وأنْ يَكُونَ "غَيْرُ" خَبَرَ الِابْتِداءِ الَّذِي هو في المَجْرُورِ، والرَفْعُ عَلى الِاسْتِثْناءِ، كَأنَّهُ قالَ: هَلْ خالِقٌ إلّا اللهُ؟

فَجَرَتْ "غَيْرُ" مَجْرى الفاعِلِ بَعْدَ إلّا.

وقَوْلُهُ: ﴿ مِنَ السَماءِ ﴾ يُرِيدُ: بِالمَطَرِ، ومِنَ "الأرْضِ" يُرِيدُ: بِالنَباتِ، وقَوْلُهُ: ﴿ فَأنّى تُؤْفَكُونَ ﴾ أيْ:فَلا وجْهَ تُصْرَفُونَ "فِيهِ" عَنِ الحَقِّ.

ثُمَّ سَلّى نَبِيَّهُ  بِما سَلَفَ مِن حالِ الرُسُلِ مَعَ الأُمَمِ، و"الأُمُورُ" تَعُمُّ جَمِيعَ المَوْجُوداتِ المَخْلُوقاتِ، إلى اللهِ مَصِيرُ جَمِيعِ ذَلِكَ عَلى اخْتِلافِ أحْوالِها، وفي هَذا وعِيدٌ لِلْكُفّارِ ووَعْدٌ لِلنَّبِيِّ  .

ثُمَّ وعَظَ جَمِيعَ العالِمِ وحَذَّرَهم غُرُورَ الدُنْيا بِنَعِيمِها وزُخْرُفِها، الشاغِلَةِ عَنِ المَعادِ الَّذِي لَهُ يَقُولُ الإنْسانُ: يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي، ولا يَنْفَعُهُ "لَيْتَ" يَوْمَئِذٍ، وحَذَّرَ غُرُورَ الشَيْطانِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ إنَّ وعْدَ اللهِ حَقٌّ ﴾ عِبارَةٌ عن جَمِيعِ خَبَرِهِ عَزَّ وجَلَّ في خَيْرٍ وتَنْعِيمٍ أو عَذابٍ وعِقابٍ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "الغَرُورُ" بِفَتْحِ الغَيْنِ، وهو الشَيْطانُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقَرَأ سَمّاكٌ العَبْدِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ: "الغُرُورُ" بِضَمِّ الغَيْنِ، وذَلِكَ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ غارٍّ كَجالِسٍ وجُلُوسٍ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ غَرٍّ، وهو مَصْدَرُ غَرَّهُ يَغُرُّهُ غَرًّا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا وإنْ كانَ شاذًّا في الأفْعالِ المُتَعَدِّيَةِ أنْ يَجِيءَ مَصْدَرُها عَلى "فُعُولٍ" لَكِنَّهُ قَدْ جاءَ: "لَزِمَهُ لُزُومًا"، و"نَهَكَهُ المَرَضُ نُهُوكًا"، فَهَذا مِثْلُهُ، وكَذَلِكَ هو مَصْدَرٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَدَلاهُما بِغُرُورٍ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ العزيز الحكيم * ياأيها الناس اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالق غَيْرُ الله يَرْزُقُكُمْ مِّنَ السمآء والارض لاَ إله إِلاَّ ﴾ .

لما جرى ذكر رحمة الله التي تعم الناس كلهم أقبل على خطابهم بأن يتذكروا نعمة الله عليهم الخاصة وهي النعمة التي تخص كل واحد بخاصته فيأتلف منها مجموع الرحمة العامة للناس كلهم وما هي إلا بعض رحمة الله بمخلوقاته.

والمقصود من تذكر النعمة شكرها وقدرها قدرها.

ومن أكبر تلك النعم نعمة الرسالة المحمدية التي هي وسيلة فوز الناس الذين يتبعونها بالنعيم الأبدي.

فالمراد بالذكر هنا التذكر بالقلب وباللسان فهو من عموم المشترك أو من إرادة القدر المشترك فإن الذكر باللسان والذكر بالقلب يستلزم أحدُهما الآخرَ وإلا لكان الأول هذياناً والثاني كتماناً.

قال عمر بن الخطاب: «أفضل من ذكر الله باللسان ذكرُ الله عند أمره ونهيه»، أي وفي كليهما فضل.

ووصفت النعمة ب ﴿ عليكم ﴾ لأن المقصود من التذكر التذكر الذي يترتب عليه الشكر، وليس المراد مطلق التذكر بمعنى الاعتبار والنظر في بديع فضل الله، فذلك له مقام آخر، على أن قوله: ﴿ هل من خالق غير الله يرزقكم ﴾ قد تضمن الدعوة إلى النظر في دليل الوحدانية والقدرة والفضل.

والاستفهام إنكاري في معنى النفي ولذلك اقتَرَن ما بعده ب ﴿ مِنْ ﴾ التي تُزاد لتأكيد النفي، واختير الاستفهام ب ﴿ هل ﴾ دون الهمزة لِما في أصل معنى ﴿ هل ﴾ من الدلالة على التحقيق والتصديق لأنها في الأصْل بمعنى (قد) وتفيد تأكيد النفي.

والاهتمام بهذا الاستثناء قُدّم في الذكر قبل ما هو في قوة المستثنى منه.

وجعل صفة ل ﴿ خالق ﴾ لأن ﴿ غير ﴾ صالحة للاعتبارين ولذلك جرت القراءات المشهورة على اعتبار ﴿ غير ﴾ هنا وصفاً ل ﴿ خالق ﴾ ، فجمهور القراء قرأوه برفع ﴿ غير ﴾ على اعتبار محلِّ ﴿ خالق ﴾ المجرور ب ﴿ من ﴾ لأن محله رفع بالابتداء.

وإنما لم يظهر الرفع للاشتغال بحركة حرف الجر الزائد.

وقرأه حمزة والكسائي وأبو جعفر وخَلف بالجر على إِتْباع اللفظ دون المحل.

وهما استعمالان فصيحان في مثله اهتم بالتنبيه عليهما سيبويه في «كتابه».

وجملة ﴿ يرزقكم ﴾ يجوز أن تكون وصفاً ثانياً ل ﴿ خالق ﴾ .

ويجوز أن تكون استئنافاً بيانياً.

وجُعل النفي متوجهاً إلى القيد وهو جملة الصفة كما هي سُنّته في الكلام المقيّد لأن المقصود التذكير بنعم الله تعالى ليشكروا، ويكون ذلك كناية عن الاستدلال على انتفاء وصف الخالقية عن غيره تعالى لأنه لو كان غيره خالقاً لكان رازقاً إذ الخلق بدون رزق قصور في الخالقية لأن المخلوق بدون رزق لا يلبث أن يصير إلى الهلاك والعدم فيكون خلقه عبثاً ينزه عنه الموصوف بالإِلهية المقتضية للحكمة فكانت الآية مذكرة بنعمتي الإِيجاد والإِمداد.

وزيادة ﴿ من السماء والأرض ﴾ تذكير بتعدد مصادر الأرزاق؛ فإن منها سماوية كالمطر الذي منه شراب، ومنه طُهور، وسبب نبات أشجار وكَلأٍ، وكالمَنّ الذي ينزل على شجر خاص من أندية في الجوّ، وكالضياء من الشمس، والاهتداء بالنجوم في الليل، وكذلك أنواع الطير الذي يُصَاد، كلّ ذلك من السماء.

ومن الأرض أرزاق كثيرة من حبوب وثمار وزيوت وفواكه ومعادن وكلأٍ وكمأة وأسماك البِحار والأنهار.

وفي هذا القيد فائدة أخرى وهي دفع توهم الغفّل أن أرزاقاً تأتيهم من غير الله من أنواع العطايا التي يعطيها بعضهم بعضاً، والمعاوضات التي يعاوضها بعضهم مع بعض فإنها لكثرة تداولها بينهم قد يلهيهم الشغل بها عن التدبر في أصول منابعها فإن أصول موادها من صنع الله تعالى فآل ما يُعطاه الناس منها إلى أنه من الله على نحو ما عرض للذي حاجَّ إبراهيم في ربه إذ قال له إبراهيم: ﴿ ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت ﴾ [البقرة: 258] فهذا رجل محكوم بقتله ها أنا ذا أعفو عنه فقد أحييتُه، وهذا رجل حيّ ها أنا ذا آمر به فيقتل فأنا أميت.

فانتقل إبراهيم إلى أن قال له: ﴿ فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب ﴾ [البقرة: 258].

﴿ السمآء والارض لاَ إله إِلاَّ هُوَ ﴾ .

هذا نتيجة عقب ذكر الدليل إذ رتّب على انفراده بالخالقية والرازقية انفراده بالإِلهية لأن هذين الوصفين هما أظهر دلائل الإِلهية عند الناس فجملة ﴿ لا إله إلا هو ﴾ مستأنفة.

وفرع عليه التعجيب من انصرافهم عن النظر في دلائل الوحدانية بجملة ﴿ فأنى تؤفكون ﴾ .

و ﴿ أنَّى ﴾ اسم استفهام يجيء بمعنى استفهام عن الحالة أو عن المكان أو عن الزمان.

والاستفهام عن حالة انصرافهم هو المتعين هنا وهو استفهام مستعمل في التعجيب من انصرافهم عن الاعتراف بالوحدانية تبعاً لمن يصرفهم وهم أولياؤهم وكبراؤهم.

و ﴿ تؤفكون ﴾ مبنيّ للمجهول من أَفَكَه من باب ضربه، إذا صرفه وعدل به، فالمصروف مأفوك.

وحذف الفاعل هنا لأن آفكيهم أصناف كثيرون، وتقدم في قوله تعالى: ﴿ قاتلهم الله أنى يؤفكون ﴾ في سورة براءة (30).

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مِن خَيْرٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: مِن مَطَرٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: مِن تَوْبَةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الرّابِعُ: مِن وحْيٍ، قالَهُ الحَسَنُ.

الخامِسُ: مَن رِزْقٍ وهو مَأْثُورٌ.

السّادِسُ: مِن عافِيَةٍ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

السّابِعُ: مِن دُعاءٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وَيَحْتَمِلُ ثامِنًا: مِن تَوْفِيقٍ وهِدايَةٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ما يفتح الله للناس....

﴾ قال: ما يفتح الله للناس من باب توبة ﴿ فلا مرسل له من بعده ﴾ وهم لا يتوبون.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده ﴾ يقول ﴿ ليس لك من الأمر شيء ﴾ [ آل عمران: 128] .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ما يفتح الله للناس من رحمة ﴾ أي من خير ﴿ فلا ممسك لها ﴾ قال: فلا يستطيع أحد حبسها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ﴾ قال: المطر.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق ابن وهب قال: سمعت مالكاً يحدث أن أبا هريرة رضي الله عنه كان إذا أصبح في الليلة التي يمطرون فيها وتحدث مع أصحابه قال: مطرنا الليلة بنوء الفتح، ثم يتلو ﴿ ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ﴾ .

وأخرج ابن المنذر عن عامر بن عبد قيس رضي الله عنه قال: أربع آيات من كتاب الله، إذا قرأتهن فما أبالي ما أصبح عليه وأمسي ﴿ ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده ﴾ ﴿ وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله ﴾ [ الأنعام: 17] و ﴿ سيجعل الله بعد عسر يسراً ﴾ [ الطلاق: 7] ﴿ وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ﴾ [ هود: 6] .

وأخرج ابن المنذر عن محمد بن جعفر بن الزبير قال كان عروة يقول في ركوب المحمل: هي والله رحمة فتحت للناس، ثم يقول ﴿ ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ يرزقكم من السماء والأرض ﴾ قال: الرزق من السماء: المطر، ومن الأرض: النبات.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ﴾ قال ابن عباس: يريد أهل مكة (١) ﴿ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ قال: يريد حيث أسكنكم الحرم ومنعكم من جميع الغارات (٢) وقال الفراء: (وما كان من هذا في القرآن فمعناه: احفظوا، كما تقول: اذكر أيادي عندك أي: احفظها) (٣) وقوله: ﴿ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ ﴾ قال أبو إسحاق: (هذا ذكر بعد قوله: ﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ﴾ فأكد ذلك بان جعل السؤال لهم: ﴿ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾ قال: ورفع غير على معنى هل من خالق غير الله؛ لأن من مؤكدة) (٤) وقال أبو علي: (من جر ﴿ غَيْرُ ﴾ جعله صفة على اللفظ، وذلك حسن لاتباعه الجر الجر.

وقوله: ﴿ مِنْ خَالِقٍ ﴾ في موضع رفع بالابتداء، وخبره قوله: ﴿ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾ ، وزيادة من في غير الإيجاب كثير، نحو: هل من رجل، و ﴿ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ  ﴾ .

ومن رفع احتمل غير وجه، يجوز أن يكون خبرًا لمبتدأ، ويجوز أن يكون صفة على الموضع بتقدير: هل خالق غير الله يرزقكم، ويجوز أن يكون غير استثناء، تقديره: هل من خالق إلا الله) (٥) ﴿ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ  ﴾ ، وذكرنا مثل هذا في قوله: ﴿ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ﴾ في سورة الأعراف [59].

قال المفسرون وابن عباس: ﴿ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ ﴾ المطر ومن ﴿ الْأَرْضِ ﴾ النبات (٦) ثم وحد نفسه فقال: ﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ﴾ قال مقاتل: من أين تكذبون بأن الله لا شريك له، وأنتم مقرون بأن الله خلقكم ورزقكم (٧) قال أبو إسحاق: (من أين يقع لكم الإفك والتكذيب بتوحيد الله وإنكار البعث) (٨) (١) انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 364، وذكره الطبري 22/ 115، بدون نسبة وابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 474 ونسبه للمفسرين.

(٢) لم أقف عليه.

(٣) انظر: "معاني القرآن" 2/ 366.

(٤) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 262 (٥) "الحجة" 6/ 26 - 27.

(٦) انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 364، "السمرقندي" 3/ 80، "زاد المسير" 6/ 474، "البغوي" 3/ 565.

(٧) لم أقف على قول مقاتل.

(٨) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 263.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ الله ﴾ رفع غير على الصفة لخالق على الموضع، وخفضه صفة على الرفع، ورزق السماء المطر، ورزق الأرض النبات، والمعنى تذكيرهم بنعم الله وإقامة حجة على المشركين، ولذلك أعقبه بقوله: ﴿ لاَ إله إِلاَّ هُوَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ غير الله ﴾ بالجر: يزيد وحمزة وعليّ.

الآخرون: بالرفع حملاً على المحل ﴿ فلا تذهب ﴾ من الإذهاب ﴿ نفسك ﴾ منصوباً: يزيد.

الآخرون: بفتح التاء والهاء من الذهاب ﴿ نفسك ﴾ مرفوعاً: ﴿ الريح ﴾ على التوحيد: ابن كثير وحمزة وعلي وخلف ﴿ ولا ينقص ﴾ بفتح الياء وضم القاف: روح وزيد.

الباقون: بالعكس.

﴿ من عمره ﴾ باختلاس الضمة: عباس ﴿ والذين يدعون ﴾ على الغيبة: قتيبة.

الوقوف: ﴿ ورباع ﴾ ط ﴿ يشاء ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ لها ﴾ ج ﴿ بعده ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ عليكم ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ إلا هو ﴾ ز للاستفهام ولفاء التعقيب وإتحاد المعنى ﴿ تؤفكون ﴾ ه ﴿ قبلك ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه ﴿ الغرور ﴾ ه ﴿ عدوّاً ﴾ ط ﴿ السعير ﴾ ه ط لأن ﴿ الذين ﴾ مبتدأ.

﴿ شديد ﴾ ه ﴿ كبير ﴾ ه ﴿ حسناً ﴾ ط لحذف الجواب ﴿ حسرات ﴾ ط ﴿ يصنعون ﴾ ه ﴿ موتها ﴾ ط ﴿ النشور ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ يرفعه ﴾ ط ﴿ شديد ﴾ ه ﴿ يبور ﴾ ه ﴿ أزواجاً ﴾ ط ﴿ بعلمه ﴾ ط ﴿ في كتاب ﴾ ط ﴿ يسير ﴾ ه ﴿ أجاج ﴾ ط ﴿ تلبسونها ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتفاق المعنى ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ مسمى ﴾ ط ﴿ الملك ﴾ ط ﴿ قطمير ﴾ ه ﴿ دعاءكم ﴾ ج للشرط مع العطف ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ بشرككم ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ إلى الله ﴾ ط لاتفاق الجملتين مع حسن الفصل بين وصفي الخالق والمخلوق ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ جديد ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ بعزيز ﴾ ه ﴿ أخرى ﴾ ط لاستئناف الشرط ﴿ قربى ﴾ ط ﴿ الصلاة ﴾ ط ﴿ لنفسه ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ والبصير ﴾ ه لا ﴿ ولا النور ﴾ ه لا ﴿ ولا الحرور ﴾ ه ج للطول والتكرار ﴿ الأموات ﴾ ط ﴿ يشاء ﴾ ج للعطف مع الإثبات إلى النفي مع اتفاق الجملتين ﴿ القبور ﴾ ه ﴿ إلا نذير ﴾ ه ﴿ ونذيراً ﴾ ط ﴿ نذير ﴾ ه ﴿ من قبلهم ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ المنير ﴾ ه ﴿ نكير ﴾ ه.

التفسير: لما بين في آخر السورة المتقدمة انقطاع رجاء الشاك وعدم قبول توبته في الآخرة ذكر في أوّل هذه السورة حال الموفق المؤمن وبشر بإرسال الملائكة إليهم مبشرين، وبين أنه يفتح لهم أبواب الرحمة.

و ﴿ فاطر السموات والأرض ﴾ مبدعهما أو شاقهما لنزول الأرواح من السماء وخروج الأجساد من الأرض يؤيد التفسير الثاني قوله ﴿ جاعل الملائكة رسلاً ﴾ وقوله ﴿ وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون  ﴾ و ﴿ أولي أجنحة ﴾ اي أصحاب أجنحة أراد أن طائفة منهم أجنحة كل منهم اثنان اثنان، وبعضهم أجنحة ثلاثة ثلاثة لعل الثالث منها في وسط الظهر بين الجناحين يمدهما بقوة أو لعله لغير الطيران فلقد رأيت في بعض الكتب أن صنفاً من الملائكة لهم ستة أجنحة، فجناحان يلفون بهما أجسادهم، وجناحان يطيرون بهما في الأمر من أمور الله عز وجل، وجناحان مرخيان على وجوههم حياء من الله عز وجل.

وعن رسول الله  أنه رأى جبرائيل  ليلة المعراج وله ستمائة جناح.

وروي أن إسرافيل له اثنا عشر جناحاً، جناح منها بالمشرق، وجناح بالمغرب، وإن العرش على كاهله وإنه ليتضاءل لعظمة الله  وتعالى حتى يعود مثل الوصع وهو العصفور الصغير.

ويجوز أن يخالف حال الملائكة حال الطيور في الطيران كالحيوان الذي يدب بأرجل كثيرة، ويجوز أن يكون البعض للزينة، ويجوز أن يكون كل جناح ذا شعب.

قال الحكيم: الجناحان إشارة إلى جهتين: جهة الأخذ من ا لله، وجهة الإعطاء لمن دونهم بإذن الله كقوله ﴿ نزل به الروح الأمين على قلبك  ﴾ ﴿ علمه شديد القوى  ﴾ ﴿ فالمدبرات أمرا  ﴾ ومنهم من يفعل بواسطة فلهم ثلاث جهات أو أكثر على حسب الوسائط.

ثم بين كمال قدرته بقوله ﴿ ويزيد في الخلق ما يشاء ﴾ والظاهر أنه عام يتناول كل زيادة في كل أمر يعتبر في الصورة كحسن الوجه والخط والصوت ونحوهما، أو في المعنى كحصافة العقل وجزالة الرأي وسماحة النفس وذلاقة اللسان وغير ذلك من الأخلاق الفاضلة.

ثم أكد نفاذ أمره وجريان الأمور على وفق مشيئته بقوله ﴿ وما يفتح الله للناس ﴾ الآية.

وفيها دلالة على أن رحمته سبقت غضبه من جهة تقديم الرحمة ومن جهة بيان الضمير في القرينة الأولى بقوله ﴿ من رحمة ﴾ والإطلاق في قوله ﴿ وما يمسك ﴾ فيشمل إمساك الغضب وإمساك الرحمة.

ومن جهة قوله ﴿ من بعده ﴾ أي من بعد إمساكه فيفيد أن الرحمة إذ جاءته لم يكن لها انقطاع وإن ضدّها قد ينقطع وإن كان لا يقطعه إلا الله ولهذا لا يخرج أهل الجنة من الجنة وقد يخرج أهل النار من النار ﴿ وهو العزيز ﴾ الغالب على إرسال الرحمة وإمساكها ﴿ الحكيم ﴾ الذي لا يمسك ولا يرسل إلا عن علم كامل وصلاح شامل.

وحيث بين أن الحمد لله وبين بعض وجوه النعمة المستدعية للحمد على التفصيل أمر المكلفين بتذكر العمة على الإجمال لساناً وقلباً وعملاً، ومنه قول الرجل لمن أنعم عليه: اذكر أياديّ عندك يريد حفظها وشكرها والعمل بموجبها.

وعن ابن عباس: أن الناس أهل مكة أسكنهم حرمه ويتخطف الناس من حولهم.

وعنه أيضاً أنه اراد بالنعمة العافية، والظاهر تعميم النعمة والمنعم عليهم.

ثم اشار إلى نعمة الإيجاد بقوله ﴿ هل من خالق غير الله ﴾ وإلى نعمة الإبقاء بقوله ﴿ يرزقكم ﴾ وهو نعت خالق أو مستأنف أو تفسير لمضمر والتقدير: هل يرزقكم خالق يرزقكم؟

قال جار الله: إن جعلت ﴿ يرزقكم ﴾ كلاماً مستأنفاً ففيه دليل على أن الخالق لا يطلق إلا على الله عز وجل.

وأما على الوجهين الآخرين فلا، إذ لا يلزم مننفي خالق رازق غيره نفي خالق غيره مطلقاً.

وقوله ﴿ لا إله إلا هو ﴾ جملة مفصولة لا محل لها مثل ﴿ يرزقكم ﴾ في غير وجه الوصف إذ لو جعلت وصفاً لزم التناقض لأن قولك "هل من خالق آخر سوى الله" إثبات الله، ولو جعلت المنفية وصفاً صار تقدير الكلام: هل من خالق آخر سوى لا إله إلا ذلك الخالق فلزم نقض الإثبات المذكور مع أن الكلام في نفسه يكون غير مستقيم.

﴿ فأنى تؤفكون ﴾ أي وكيف تصرفون عن هذا الظاهر فتشركون المنعوت بمالك الملك والملكوت.

وحين بينّ الاصل الأول وهو التوحيد ذكر الأصل الثاني وهو الرسالة بقوله ﴿ وإن يكذبوك ﴾ الآية.

والمراد إن يكذبوك فتسل بهذا المعنى.

ثم بينت الأصل الثالث وهو الحشر بقوله ﴿ يا أيها الناس ﴾ وقد مرّ مثل الآية في آخر سورة لقمان.

وقد يسبق إلى الظن ههنا أن الغرور وهو الشيطان لأنه عقبه بقوله ﴿ إن الشيطان لكم عدّو فاتخذوه عدّواً ﴾ لأن الحازم لا يقبل قول العدوّ ولا يعتمد عليه.

ثم صرح بوجه اتخاذه وبعاقبة دعوته فقال ﴿ إنما يدعو حزبه ليكونوا من اصحاب السعير ﴾ ثم فصل مال حال حزبه وحزب الله بقوله ﴿ الذين كفروا ﴾ إلى قوله ﴿ وأجر كبير ﴾ عرض على العقول أنه لا سواء بين الحزبين والمعنى ﴿ أفمن زين له سوء عمله ﴾ من الفريقين كمن لم يزين له.

ولا ريب أن المزين لهم عملهم هم أهل الأهواء والبدع الذين لا مستند لهم في مأخذهم سوى التقليد واتباع الهوى.

ثم أنتج من ذلك قوله ﴿ فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء ﴾ وذلك أن الناس متساوية الأقدام في الإنسانية ومتفاوتة الأحوال في الأعمال، فتبين أنه لا استقلال، وأن أفعال العباد مستندة إلى إزادة مصرف القلوب والأحوال.

ثم رتب على عدم الاستقلال قوله ﴿ فلا تذهب ﴾ أي فلا تهلك ﴿ نفسك ﴾ و ﴿ عليهم ﴾ صلة تذهب كما تقول هذك عليه حباً أو هو بيان للمتحسر عليه ولا يتعلق بـ ﴿ ـ مجسرات ﴾ المفعول لأجله لأن المصدر لا يتقدم عليه صلته.

وجوّز جار الله أن يكون حالاً كأن كل نفسه صارت حسرات لفرط التحسر.

وعن الزجاج أن تقدير الآية: أمفن زين له سوء عمله ذهبت نفسك عليهم فحذف لدلالة المذكور وهو فلا تذهب عليه، أو أفمن زين له سوء عمله كمن هداه الله، فحذف لأن قوله ﴿ فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء ﴾ يدل عليه.

ثم بين أن حزنه إن كان لما بهم من الضلال فالله عالم بهم وبما يصنعون لو أراد منهم الإيمان لآمنوا وإن كان لما بهم منالإيذاء فالله عليم بفعلهم فيجازيهم بذلك.

ثم أكد كونه فاعلاً مختاراً قادراً قهاراً مبدئاً معيداً بقوله ﴿ والله الذي أرسل ﴾ وهو من الالتفات الموجب للتهويل والتعظيم.

وقوله ﴿ فتثير ﴾ بلفظ المستقبل تصوير لتلك الحالة العجيبة الشأن، عرف نفسه بفعل الإرسال ثم قال ﴿ فسقناه ﴾ كأنه قال: أنا الذي عرفتني بمثل هذه السياقة والصناعة وأنعمت عليك بهذه النعمة الشاملة.

ثم شبه البعث والنشور بالصنع المذكور ووجهه ظاهر.

وحين بين برهان الإيمان أشار إلى ما كان يمنع الكفار منه وهو العزة الظاهرة الت يكانوا يتوهمونها من حيث إن معبوديهم كانت تحت تسخيرهم والرسول كان يدعوهم إلى الإيمان لطاعة الله وطاعة أنبيائه فكنه قال: إن كنتم تطلبون حقيقة العزة ﴿ فلله العزة ﴾ خاصة كلها فلتطلبها من عنده ومن عند أوليائه نظيره قولك "من أراد النصيحة فهي عند الأبرار" يريد فليطلبها عندهم فاعتبر في هذه الآية حرف النهاية.

وأما في قوله ﴿ ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين  ﴾ فاعتبر الوسائط فالعزة للمؤمنين بواسطة الرسول وله من رب العزة.

ثم إن الكفار كأنهم قالوا: نحن لا نعبد من لا نراه ولا نحضر عنده فإن البعد من الملك ذلة فقال ﴿ إليه يصعد ﴾ أي إن كنتم لا تصلون إليه فهو يسمع كلامكم ويقبل الطيب منها وذلك آية العزة، وأما هذه الأصنام فلا يتبين عندها الذليل من العزيز إذ لا حياة لها ولا شعور وهكذا العمل الصالح لا تراه هذه الأصنام فلا يمكن لها مجازاة الأنام.

وفاعل قوله ﴿ يرفعه ﴾ إن كان هو الله فظاهر، وإن كان الكلم أعني قوله "لا إله إلا الله" فمعناه أنه لا يقبل عمل إلا من موحد وإن كان هو العمل فالمعنى: أن الكلم وهو كل كلام فيه ذكر الله أو رضاه يريد الصعود إلى الله إلا أنه لا يستطيع الصعود ولا يقع موقع القبول إلا إذا كان مقروناً بالعمل الصالح.

عن النبي  "الكلم الطيب هو قول الرجل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر إذا قالها العبد عرج بها الملك إلى السماء فحيا بها وجه الرحمن فإذا لم يكن له عمل صالح لم يقبل منه" .

وعن ابن المقفع: قول بلا عمل كثريد بلا دسم، وسحاب بلا مطر، وقوس بلا وتر.

ولا تخفى أن القول هو الأصل والعمل مؤكده فلهذا قدم القول.

وحين بيّن حال العمل الصالح ذكر أن المكرات السيئات بائرة كاسدة لا حقيقة لها، ولعله أشار بها إلى مكرات قريش المذكورات في قوله ﴿ وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك  ﴾ جمع الله مكراتهم فقلبها عليهم حين أوقعهم في قليب بدر.

ولما ذكر دليل الآفاق أكده بدليل الأنفس قائلاً ﴿ والله خلقكم من تراب ﴾ وفيه إشارة إلى خلق آدم ﴿ ثمن من نطفة ﴾ وفيه إشارة إلى خلق أولاده.

ومعنى ﴿ أزواجاً ﴾ أصنافاً أو ذكراناً وإناثاً.

ثم أشار إلى كمال علمه بقوله ﴿ وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه ﴾ ثم بين نفوذ إرادته بقوله ﴿ وما يعمر من معمر ﴾ قال جار الله: معناه من أحد ولكنه سماه معمراً باعتبار ما يؤل إليه.

وليس المراد تعاقب التعمير وخلافه على شخص واحد وإنما المراد تعاقبهما على شخصين فتسومح في اللفظ تعويلاً على فهم السامع كقول القائل: ما تنعمت بكذا ولا اجتويته إلا قل فيه ثوائي.

وتأويل آخر وهو أن يراد لا يطول عمر إنسان ولا ينقص من عمر ذلك الإنسان بعينه ﴿ إلا في كتاب ﴾ وصورته أن يكتب في اللوح إن حج أو وصل الرحم فعمره أربعون سنة، وإن جمع بين الأمرين فعمره ستون، فإذا جمع بينهما فعمر ستين كان الغاية، وإذا أفرد فعمر أربعين فقد نقص من تلك الغاية.

وبهذا التأويل يستبين معنى ما روي عن النبي  أنه قال "إن الصدقة والصلة تعمران الديار وتزيدان في الأعمار" .

ويصح ما استفاض على الألسن "أطال الله بقاءك".

وعن سعيد بن جبير يكتب في الصحيفة أن عمره كذا سنة، ثم يكتب بعد ذلك في آخرها ذهب يوم ذهب يومان حتى تنقضي المدّة.

وعن قتادة: المعمر من بلغ ستين، والمنقوص من عمره من يموت قبل الستين.

وذلك في علم الله.

﴿ إن ذلك ﴾ الذي ذكر من خلق الإنسان من المادة المذكورة أو الزيادة في الأعمار أو النقصان منها ﴿ على الله يسير ﴾ .

ثم ضرب مثلاً للمؤمن والكافر وذكر ليلاً آخر على عظم قدرته فقال ﴿ وما يستوي البحران ﴾ الآية.

على الأوّل يكون قوله ﴿ ومن كل تأكلون ﴾ إلى آخر الآية تقريراً للنعمة على سبيل اللاستطراد، أو هو من تمام التشبيه كأنه شبه الجنسين بالبحرين.

ثم فضل البحر الأجاج على الكافر لأنه شارك العذب في استخراج السمك واللؤلؤ وجرى الفلك فيه، وأما الكافر فلا نفع فيه ألبتة فيكون كقوله في البقرة ﴿ ثم قست قلوبكم  ﴾ إلى آخر قوله و ﴿ وَإِنَّ مِنهَا لما يهبط من خشية الله  ﴾ والأشبه أن الآية تقرير دليل مستأنف كما مرّ في أوّل "النحل" يؤيده تعقيبه بدليل آخر وهو قوله ﴿ يولج الليل ﴾ إلى قوله ﴿ أجل مسمى ﴾ قد مرّ في آخر "لقمان" مثله، وفيه ردّ على عبدة الكواكب الذين ينسبون حوادث هذا العالم إلى الكواكب بالذات لا إلى تسخير مبدعها.

قوله ﴿ ذلكم الله ﴾ أي الذي فعل الأشياء المذكورة من فطر السموات والأرض وإرسال الرياح وخلق الإنسان من التراب وغير ذلك هو المعبود الحق.

وقوله ﴿ ربكم له الملك ﴾ خبران آخران، ويجوز أن يكون ﴿ الله ربكم ﴾ خبرين و ﴿ له الملك ﴾ جملة مبتدأه واقعة في طبقات.

قوله ﴿ والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير ﴾ وذلك أن المشركين كانوا معترفين بأن الأصنام ليسوا خالقين وإنما كانوا يقولون إنه  فوض أمور الأرضيات إلى الكواكب التي هذه الأصنام صورها وطوالعها، فأخبر الله  أنهم لا يملكون قطميراً وهو القشرة الرقيقة للنواة فضلاً عما قوفها.

قال جار الله: يجوز في حكم الإعراب إيقاع اسم الله  صفة لاسم الإشارة أو عطف بيان و ﴿ ربكم ﴾ خبراً لولا أن المعنى يأباه فقيل: لأن ذلك إشارة إلى معلوم سبق ذكره.

وكونه صفة أو عطف بيان يقتضي أن يكون فيما سبق ضرب إبهام.

قلت: وفيه نظر، أما أولاً فلأن اسم الله من قبيل الأعلام لا من قبيل أسماء الأجناس فكيف يجوز جعله صفة؟

وأما ثانياً فلأنه على تقدير التجويز يكون صفة مدح فلا ينافي كون المشار إليه معلوماً.

والوجه الصحيح في إباء المعنى هو أن الوصف إذا كان معرفة كان أمراً متحققاً في الخارج مسلماً عند السامع.

مثلاً إذا قلت: الرجل الكاتب جاءني.

تريد الرجل الذي تعرفه أيها السامع أنه كاتب جاءني لكن الخطاب ههنا مع الكفار وهم يجحدون المعبود الحق، أو يجحدون أن العبادة لا تصلح إلا له،ن فلا يصح إيقاع اسم الله وصفاً لذلكم والخطاب معهم.

ثم زاد في توبيخ الكفرة بقوله ﴿ إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ﴾ لأنهم جماد ولو فرض سماعهم ﴿ ما استجابوا لكم ﴾ لما مرّ من أنهم لا يملكون شيئاً ﴿ ويوم القيامة ﴾ ايضاً ﴿ يكفرون بشرككم ﴾ قائلين ما كنتم إيانا تعبدون ﴿ ولا ينبئك ﴾ أي لا يطلعك على حقيقة الحال أيها النبيّ أو أيها السامع ﴿ مثل خبير ﴾ ببواطن الأمور.

والمعنى أن هذا الذي أخبرتكم به من حال الأوثان هو الحق لأني خبير بما أخبرت به ولا يخبرك بالأمر مخبر هو مثل عالم به.

وفيه أنه الخبير بالأمر وحده، وفيه ن هذا الخبر مما لا يعرف بمجرد المعقول لولا إخبار الله  .

ثم بين أن نفع العبادة إنما يعود على المكلفين فقال ﴿ يأيها الناس أنتم الفقراء ﴾ ومعنى تعريف الخبر القصد إلى أنهم جنس الفقراء مبالغة، وذلك أن افتقار الإنسان إلى الله عاجلاً لأمور المعاش وآجلاً لنعيم الآخرة أبين من افتقار سائر المخلوقين إليه.

وقيل: إن كون الناس فقراء أمر ظاهر لا يخفى على أحد فلهذا عرف كقول القائل: الله ربنا ومحمد نبينا.

ثم بين أن فقرهم ليس إلا إلى الله فقابل الفقراء بقوله ﴿ والله هو الغنيّ ﴾ وقابل قوله ﴿ إلى الله ﴾ بقوله ﴿ الحميد ﴾ لأنه إذا أنعم عليهم استحق الحمد منهم.

ثم ذكر أنه غني عن وجودهم أيضاً لا يفتقر في ظهور أثر قدرته إليهم فقال ﴿ إن يشأ يذهبكم ﴾ وقد مرّ في "النساء" وفي "إبراهيم".

وحين بين الحق بالدلائل الباهرة أراد أن يذكر ما يدعوهم إلى النظر فيه فقال ﴿ ولا تزر وازرة ﴾ يعني أن النفوس الوازرات لا ترى واحدة منهن إلا حاملة وزرها لا وزر غيرها.

ولا ينافي في هذا قوله ﴿ وليحملن أثقالَهُم وأثقالاً مع أثقالِهِم  ﴾ لأن وزر الإضلال هو وزر النفس الوزارة أيضاً، وفيه أن كل نفس وازرة مهمومة بهمّ وزرها متحيرة في أمرها.

ثم زاد في التهويل بقوله ﴿ وإن تدع مثقلة ﴾ أي نفس ذات حمل ﴿ لا يحمل منه شيء ﴾ فإن عدم قضاء الحاجة بعد السؤال أفظع.

ثم زاد التأكيد بقوله ﴿ ولو كان ﴾ أي المدعوّ ﴿ ذا قربى ﴾ فإِن عدم القضاء بعد السؤال من القريب من أب وولد أدل على شدّة الأمر فيعلم منه أن لا غياث يومئذ أصلاً.

ثم بين أن هذه الإنذارات إنما تفيد أهل الخشية والطاعة حال كونهم غائبين عن العذاب أو حال كون العذاب غائباً عنهم.

ثم لما بيّن أن الوزر لا يتعدى إلى الغير بيّن أن التظهر عن الذنوب لا يفيد إلا نفس المتزكي ﴿ وإلى الله المصير ﴾ لكل فيجزيهم على حسب ذلك.

ثم ضرب للكافر والمؤمن مثلاً فقال ﴿ وما يستوي الأعمى والبصير ﴾ وقيل: إنه مثل للصنم وللمعبود الحق.

ثم ذكر للكفر والإيمان مثلاً قائلاً ﴿ ولا الظلمات ولا النور ﴾ وإذا كان الإيمان نوراً والمؤمن بصيراً فلا يخفى عليه النور، وإذا كان الكفر ظلمة والكافر أعمى فله صادّ فوق صادّ.

ثم بيّن لمآلهما ومرجعهما مثلاً وهو الظل والحرور.

قال أهل اللغة: السموم يكون بالنهار والحرور أعم.

وقال بعضهم: الحرور يكون بالليل فالمؤمن بإيمانه كمن هو في ظل وراحة، والكافر في كفره كمن هو حرّ وتعب.

وههنا مسائل.

الأولى: ضرب أوّلاً مثلاً للكافر والمؤمن ثم أعاد مثلهما بقوله ﴿ وما يستوي الأحياء ولا الأموات ﴾ وهذا أبلغ لأن الأعمى والبصير قد يشتركان في إدراك أشياء ولا كذلك الحي والميت ولمكان هذه المبالغة أعاد الفعل.

الثانية: كرر "لا" النافية في الأمثال الأخيرة دون الأوّل، لأن المنافاة بين العمى والبصر ليست ذاتية كما في سائرهما وقد يكون شخص واحد بصيراً بإحدى العينين أعمى بالأخرى.

الثالثة: قدم الأشرف في مثلين وهو الظل والحيّ، وأخره في الآخرين فهم أهل الظاهر أن ذلك لرعاية الفواصل.

والمحققون قالوا: إنهم كانوا قبل البعث في ظلمة الضلال فصاروا إلى نور الإيمان في زمان محمد  ، فلهذا الترتيب قدّم مثل الكافر وكفره على مثل المؤمن وإيمانه.

ولما ذكر المآل والمرجع قدم ما يتعلق بالرحمة على ما يتعلق بالغضب لأن رحمته سبقت غضبه.

ثم إن الكافر المصرّ بعد البعثة صار أضلّ من الأعمى وشابه الأموات في عدم إدراك الحق فقال ﴿ وما يستوي الأحياء ﴾ أي المؤمن الذي آمن بما أنزل الله.

والأموات الذين تليت عليهم الآيات ولم تنجع فيهم البينات فأخرهم عن المؤمنين لوجود حياتهم قبل ممات الكافرين المعاندين.

الرابعة: إنما وحد الأعمى والبصير لأن المراد أن أحد الجنسين لا يساوي جنس الآخر من جهة العمى والبصر، ولعل فرداً من أحدهما قد يساوي الفرد الآخر من جهة أخرى وكذا الكلام في إفراد الظل والحرور.

وإنما جمع الظلمات ووحّد النور لما مرّ في أوّل "الأنعام" من تحقيق أن الحق واحد والشبهات كثيرة.

وإنما جمع الأحياء والأموات لأن المراد أن أحد الصنفين لا يساوي الآخر سواء قابلت الجنس بالجنس أو قابلت الفرد بالفرد.

الخامسة: لا يخفى أن هذه الواوات بعضها ضمت شفعاً إلى شفع وبعضها ضمت وتراً إلى وتر.

ثم سلى ورسوله بقوله ﴿ إن الله يسمع ﴾ الآية.

فقد مرّ نظيره في قوله ﴿ إنك لا تسمع الموتى  ﴾ وإنما اقتصر على قوله ﴿ إن أنت إلا نذير ﴾ وكذا في قوله ﴿ إلا خلا فيها نذير ﴾ لأن الكلام في معرض التهديد مع أن ذكر البشير يدل عليه بل ذكر النذير يدل على مقابله.

والمراد بالنذارة آثارها لثبوت زمان الفترة.

ثم زاد في التسلية بقوله ﴿ وإن يكذبوك ﴾ وقد مر مثله في آخر "آل عمران".

وإنما حذف الفاعل هناك لبناء الكلام هنالك على الاقتصار دليله أنه قال ﴿ وإن يكذبوك فقد كذب ﴾ فاقتصر على لفظ المضيّ ولم يسم الفاعل، ويحتمل أن يكون لفظ الماضي إشارة إلى وقوع التكذيب منهم فإن تلك السورة مدنية والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْحَمْدُ للَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .

ما ذكر في القرآن الحمد لله إلا وذكر على أثره التعظيم لله والإجلال له على ما أنعم به [على] الخلق؛ ليلزمهم الشكر له والثناء عليه؛ نحو ما ذكر: ﴿ ٱلْحَمْدُ للَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ، ونحو ما قال: ﴿ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ...

﴾ الآية [سبأ: 1]، ونحو قوله: ﴿ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ...

﴾ الآية [الأنعام: 1]، وقوله: ﴿ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ...

 ﴾ ، وقوله: ﴿ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً...

﴾ الآية [الإسراء: 111]، جميع ما ذكر في القرآن من الحمد له ما ذكر على أثره ما يوجب التعظيم له والتبجيل والثناء عليه والشكر له؛ تعليماً منه الخلق الثناء على ذلك والشكر له، وبالله المعونة والقوة على ذلك.

وقوله: ﴿ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .

قال بعضهم: الفاطر: هو المتبدئ والبادئ؛ وهو قول القتبي من أهل الأدب، وكذلك ذكر عن ابن عباس أنه قال: "ما أدري ما ﴿ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ، حتى جاء أعرابيان فاختصما في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها أنا بدأتها، فعند ذلك عرفت"، أو كلام نحوه.

ويجيء أن يكون الفاطر هو الشاق، أي: شق السماوات كلها من واحدة وكذلك الأرضين كقوله: ﴿ إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ  ﴾ أي: انشقت؛ كما قال: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ  ﴾ أي الشاق.

لكن جميع ما أضيف إلى الله من الشق والفطر والجعل وغيره من نحو قوله: ﴿ جَاعِلِ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً ﴾ كله على اختلاف الألفاظ عبارة عن الخلق، أي: خلاق ذلك كله.

وأصل الخلق في اللغة هو التقدير، خلقت، أي: قدرت؛ وكذلك قال الكسائي: إن الفطر في كلام العرب هو الشق، معناه: أنه شق من السماء ست سماوات ومن الأرض مثلهن، ومنه الحديث: "حتى تفطرت قدماه دماً" وقوله: ﴿ جَاعِلِ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً ﴾ .

ففي ظاهر الآية: أنه جعل جميع الملائكة رسلا، فإن كان على ذلك فكأنه ولى كل واحد منهم أمراً من أمور الخلق والعباد، وإن كان على البعض فيكون تأويله: جاعل من الملائكة رسلا أو في الملائكة رسلا.

ثم أخبر عن الملائكة: أنهم أولو أجنحة مثنى وثلاث ورباع يطيرون بها، ليس كالطيور التي تطير بجناحين لو زيد لها جناح أو جناحان يمنعها عن الطيران، كالأصبع الزائدة لبني آدم تمنعهم عن بعض العمل، ولا تزيد لهم نفعاً بل تنقص، وأمّا ما ذكر من عدد الأجنحة للملائكة فذلك لا يمنعهم عن الطيران، بل زيد لهم قوة ومقدرة على ذلك.

ثم قال: ﴿ يَزِيدُ فِي ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ ﴾ قال بعضهم: يزيد في الملائكة على أربعة أجنحة ما يشاء ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ من خلق الأجنحة في الزيادة ﴿ قَدِيرٌ ﴾ .

وذكر أن لإسرافيل ستة أجنحة، ولجبريل ستمائة جناح، ذكر عن ابن مسعود -  - يقول: "أري رسول الله  جبريل، وله ستمائة جناح" وقال بعضهم: ﴿ يَزِيدُ فِي ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ ﴾ أي: الصوت الحسن.

وقال بعضهم: الشعر الحسن.

فهو فيما ذكروا من الزيادة في الأجنحة أشبه وأقرب.

﴿ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ : من الزيادة والابتداء، ولا يصعب عليه.

وقوله: ﴿ مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا ﴾ .

عن ابن عباس: من عافية.

وقال قتادة: أي: من خير.

وقال مقاتل وغيره: أي: من رزق؛ كقوله: ﴿ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ٱبْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ  ﴾ ، أي: من رزق، وكله واحد؛ إذ الخير يشتمل على العافية والرزق، وكذلك كل واحد من ذلك.

وقال بعضهم: الرحمة والغيث والمطر، وهو ما ذكرنا كله يرجع إلى واحد من ذلك.

ثم قوله: ﴿ مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: على تسفيه أحلام الكفرة في عبادتهم الأصنام التي كانوا يعبدونها من دون الله، يقول - والله أعلم -: تعلمون أنتم أنه ليس لكم مما تعبدون من دون الله جرّ نفع أو خير، ولا كشف ضر عنكم أو سوء فكيف تعبدونها؟!

كقوله: ﴿ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ...

﴾ الآية [الزمر: 38]، أي: تعلمون أنهن لا يملكن ذلك، والله هو المالك لذلك كله، فكيف صرفتم العبادة إليها عنه؟!

أو يقول: إنكم تعلمون أن ما تعبدون من الأصنام من دون الله لا يرزقونكم ولا منها تبتغون الرزق، ولا كانت منها إليكم سابقة نعمة، فإنما يعبد لإحدى هذه الوجوه من يعبد: ما لسابقة نعمة، أو نيل خير، أو جر نفع، أو كشف ضر، أو دفع سوء، أو طمع في العاقبة، فإذا لم يكن شيء من ذلك [من] الأصنام ومن الله ذلك كله فكيف صرفتم عبادتكم عنه إليها؟!

كقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَٱبْتَغُواْ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزْقَ وَٱعْبُدُوهُ وَٱشْكُرُواْ لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ  ﴾ هذا إذا كان قوله: ﴿ مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ ﴾ راجعاً إلى الكفرة وإذا كان ذلك راجعاً إلى المؤمنين فهو يخرج على وجهين: أحدهما: فيه قطع الطمع من الخلق والإياس عما في أيديهم، وألا يرجوا من دونه ولا يخافوا غيره، بل فيه الأمر بأن يروا ذلك كله من الله، وأنه هو المالك لذلك دون الخلق.

والثاني: قطع طمع الرزق من المكاسب والأسباب التي يكتسبونها والأمر فيها - أعني: المكاسب - أن يرونها تعبداً، وأن يروا أرزاقهم من فضل الله.

وعلى قول المعتزلة إذا فتح الله لأحد رحمة يقدر عبد في أن يمسك ذلك، وإن أمسك هو قدر أن يرسل؛ لأنهم يقولون: إن الله إذا جعل لأحد أجلا وضمن له الحياة ووفاء الرزق إلى مضي الأجل، يجيء عدو من أعدائه فيقتله قبل انقضاء أجله واستيفاء رزقه؛ فذلك منع - على قولهم - عن وفاء ما ضمن وما جعل له من المدة والأجل.

وفي حرف ابن مسعود: ﴿ ما يفتح الله على الناس من رحمة ﴾ .

وقوله: ﴿ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ : قد ذكرناه في غير موضع.

وقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .

كأنه هو صلة ما تقدم.

ثم هو على التقرير والإيجاب وإن خرج مخرج الاستفهام في الظاهر، كأنه يقول - والله أعلم -: إنكم تعلمون أنه هو رازقكم دون ما تعبدون.

﴿ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ ﴾ .

أي: لا إله إلا هو، فما الذي حملكم على إفككم وكذبكم أنها شركاؤه وأنها آلهة، وأنها شفعاؤكم عند الله وأن عبادتكم إياها تقربكم إلى الله زلفى - كتاب أو رسول، وأنتم لا تؤمنون بكتاب ولا رسول فمن أين تؤفكون وتكذبون؟!

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ ﴾ .

معلوم أنهم كانوا لا يكذبونه في قوله: ﴿ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ ﴾ ، ولا في قوله: ﴿ مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ ﴾ ؛ لأنهم كانوا يعلمون أنه ليس من خالق غير الله ولا فاتح رحمة سواه إذا كان هو ممسكها، ولا ممسك لها إذا كان هو مرسلها، ولكن إنما يكون تكذيبهم إياه فيما يخبر أنه رسول الله إليهم، كذبوه في الرسالة أو فيما يخبر أنه أوحي إليه من الله كذا، أو فيما يخبر عن البعث بعد الموت أنه كائن، وأمثال ذلك، فأما فيما ذكرنا فلا، وهو تعزية منه لرسوله ليصبر على تكذيبهم إياه؛ ليعلم أنه ليس بأول مكذب، بل قد كان إخوانه من قبل قد كذبوا من قبل فيما أخبروا قومهم عند الله، فصبروا على ذلك، فاصبر أنت أيضاً؛ كقوله: ﴿ فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ...

﴾ الآية [الأحقاف: 35]، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ ﴾ .

وإلى الله يرجع تدبير الأمور، أي: لا تدبير للخلق في ذلك.

أو يقال: إلى الله يرجع الحكم في الأمور هو الحاكم فيها؛ كقوله: ﴿ وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى ٱللَّهِ  ﴾ ، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يا أيها الناس، اذكروا نعمة الله عليكم بقلوبكم وألسنتكم، وبجوارحكم بالعمل، هل لكم من خالق غير الله يرزقكم من السماء بما ينزله عليكم من المطر، ويرزقكم من الأرض بما ينبته من الثمار والزروع؟

لا معبود بحق غيره، فكيف بعد هذا تصرفون عن هذا الحق وتفترون على الله وتزعمون أن لله شركاء، وهو الذي خلقكم ورزقكم؟!

من فوائد الآيات مشهد فزع الكفار يوم القيامة مشهد عظيم.

محل نفع الإيمان في الدنيا؛ لأنها هي دار العمل.

عظم خلق الملائكة يدل على عظمة خالقهم سبحانه.

<div class="verse-tafsir" id="91.paA1z"

مزيد من التفاسير لسورة فاطر

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.2 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 1 يوم
الله أكبر