الآية ٤٠ من سورة فاطر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 35 فاطر > الآية ٤٠ من سورة فاطر

قُلْ أَرَءَيْتُمْ شُرَكَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِى مَاذَا خَلَقُوا۟ مِنَ ٱلْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌۭ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ أَمْ ءَاتَيْنَـٰهُمْ كِتَـٰبًۭا فَهُمْ عَلَىٰ بَيِّنَتٍۢ مِّنْهُ ۚ بَلْ إِن يَعِدُ ٱلظَّـٰلِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا ٤٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 80 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٠ من سورة فاطر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٠ من سورة فاطر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول للمشركين : ( أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله ) أي : من الأصنام والأنداد ، ( أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات ) أي : ليس لهم شيء من ذلك ، ما يملكون من قطمير .

وقوله : ( أم آتيناهم كتابا فهم على بينة منه ) أي : أم أنزلنا عليهم كتابا بما يقولون من الشرك والكفر ؟

ليس الأمر كذلك ، ( بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا ) أي : بل إنما اتبعوا في ذلك أهواءهم وآراءهم وأمانيهم التي تمنوها لأنفسهم ، وهي غرور وباطل وزور .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلا غُرُورًا (40) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: (قُلْ) يا محمد لمشركي قومك (أَرَأَيْتُمْ) أيها القوم ( شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ ) يقول: أروني أي شيء خلقوا من الأرض (أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ) يقول: أم لشركائكم شرك مع الله في السماوات إن لم يكونوا خلقوا من الأرض شيئًا( أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ ) يقول: أم آتينا هؤلاء المشركين كتابًا أنـزلناه عليهم من السماء بأن يشركوا بالله الأوثان والأصنام، فهم على بينة منه، فهم على برهان مما أمرتهم فيه من الإشراك بي.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ ) لا شيء والله خلقوا منها(أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ) لا والله ما لهم فيها شرك (أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ) يقول: أم آتيناهم كتابًا فهو يأمرهم أن يشركوا.

وقوله (بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلا غُرُورًا ) وذلك قول بعضهم لبعض مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى خداعًا من بعضهم لبعض وغرورًا، وإنما تزلفهم آلهتهم من النار، وتقصيهم من الله ورحمته.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون شركاءكم منصوب بالرؤية ، ولا يجوز رفعه ، وقد يجوز الرفع عند سيبويه في قولهم : قد علمت زيدا أبو من هو ؟

لأن زيدا في المعنى مستفهم عنه .

ولو قلت : أرأيت زيدا أبو من هو ؟

لم يجز الرفع .

والفرق بينهما أن معنى هذا أخبرني عنه ، وكذا معنى هذا أخبروني عن شركائكم الذي تدعون من دون الله ، أعبدتموهم لأن لهم شركة في خلق السماوات ، أم خلقوا من الأرض شيئا أم آتيناهم كتابا أي أم عندهم كتاب أنزلناه إليهم بالشركة .

وكان في هذا رد على من عبد غير الله عز وجل ; لأنهم لا يجدون في كتاب من الكتب أن الله عز وجل أمر أن يعبد غيره .

فهم على بينة منه قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وحفص عن عاصم على بينة بالتوحيد ، وجمع الباقون .

والمعنيان متقاربان إلا أن قراءة الجمع أولى ; لأنه لا يخلو من قرأه على بينة من أن يكون خالف السواد الأعظم ، أو يكون جاء به على لغة من قال : جاءني طلحت ، فوقف بالتاء ، وهذه لغة شاذة قليلة ; قاله النحاس .

وقال أبو حاتم وأبو عبيد : الجمع أولى لموافقته الخط ، لأنها في مصحف عثمان ( بينات ) بالألف والتاء .

بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا أي أباطيل تغر ، وهو قول السادة للسفلة : إن هذه [ ص: 319 ] الآلهة تنفعكم وتقربكم .

وقيل : إن الشيطان يعد المشركين ذلك .

وقيل : وعدهم بأنهم ينصرون عليهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى مُعجِّزًا لآلهة المشركين، ومبينا نقصها، وبطلان شركهم من جميع الوجوه.{ قُلْ } يا أيها الرسول لهم: { أَرَأَيْتُمْ } أي: أخبروني عن شركائكم { الذين تدعون من دون الله } هل هم مستحقون للدعاء والعبادة، فـ { أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا [مِنَ الْأَرْضِ } هل خلقوا بحرا أم خلقوا جبالا أو خلقوا] حيوانا، أو خلقوا جمادا؟

سيقرون أن الخالق لجميع الأشياء، هو اللّه تعالى، أَمْ لشركائكم شِرْكٌة { فِي السَّمَاوَاتِ } في خلقها وتدبيرها؟

سيقولون: ليس لهم شركة.فإذا لم يخلقوا شيئا، ولم يشاركوا الخالق في خلقه، فلم عبدتموهم ودعوتموهم مع إقراركم بعجزهم؟

فانتفى الدليل العقلي على صحة عبادتهم، ودل على بطلانها.ثم ذكر الدليل السمعي، وأنه أيضا منتف، فلهذا قال: { أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا } يتكلم بما كانوا به يشركون، يأمرهم بالشرك وعبادة الأوثان.

{ فَهُمْ } في شركهم { عَلَى بَيِّنَةٍ } من ذلك الكتاب الذي نزل عليهم في صحة الشرك؟ليس الأمر كذلك؟

فإنهم ما نزل عليهم كتاب قبل القرآن، ولا جاءهم نذير قبل رسول اللّه محمد صلى اللّه عليه وسلم، ولو قدر نزول كتاب إليهم، وإرسال رسول إليهم، وزعموا أنه أمرهم بشركهم، فإنا نجزم بكذبهم، لأن اللّه قال: { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ } فالرسل والكتب، كلها متفقة على الأمر بإخلاص الدين للّه تعالى، { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ } فإن قيل: إذا كان الدليل العقلي، والنقلي قد دلا على بطلان الشرك، فما الذي حمل المشركين على الشرك، وفيهم ذوو العقول والذكاء والفطنة؟أجاب تعالى بقوله: { بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا } أي: ذلك الذي مشوا عليه، ليس لهم فيه حجة، فإنما ذلك توصية بعضهم لبعض به، وتزيين بعضهم لبعض، واقتداء المتأخر بالمتقدم الضال، وأمانيّ مَنَّاها الشيطان، وزين لهم [سوء] أعمالهم، فنشأت في قلوبهم، وصارت صفة من صفاتها، فعسر زوالها، وتعسر انفصالها، فحصل ما حصل من الإقامة على الكفر والشرك الباطل المضمحل.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

(قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله ) أي : جعلتموهم شركائي بزعمكم يعني : الأصنام ( أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات أم آتيناهم كتابا ) قال مقاتل : هل أعطينا كفار مكة كتابا ( فهم على بينة منه ) قرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، وحمزة ، وحفص : " بينة " على التوحيد ، وقرأ الآخرون : " بينات " على الجمع ، يعني دلائل واضحة منه مما في ذلك الكتاب من ضروب البيان .

( بل إن يعد ) أي : ما يعد ( الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا ) والغرور ما يغر الإنسان مما لا أصل له ، قال مقاتل : يعني ما يعد الشيطان كفار بني آدم من شفاعة الآلهة لهم في الآخرة غرور وباطل .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون» تعبدون «من دون الله» أي غيره، وهم الأصنام الذين زعمتم أنهم شركاء الله تعالى «أروني» أخبروني «ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك» شركة مع الله «في» خلق «السماوات» «أم آتيناهم كتابا فهم على بينة» حجة «منه» بأن لهم معه شركة «بل إن» ما «يعد الظالمون» الكافرون «بعضهم بعضا إلا غرورا» باطلا بقولهم الأصنام تشفع لهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قل -أيها الرسول- للمشركين: أخبروني أيَّ شيء خَلَق شركاؤكم من الأرض، أم أن لشركائكم الذين تعبدونهم من دون الله شركًا مع الله في خلق السماوات، أم أعطيناهم كتابًا فهم على حجة منه؟

بل ما يَعِدُ الكافرون بعضهم بعضًا إلا غرورًا وخداعًا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يتحدى هؤلاء المشركين ، وأن يوبخهم على عنادهم وجحودهم فقال : ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَآءَكُمُ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الأرض .

.

.

) .أى : قل - أيها الرسول الكريم - على سبيل التبكيت والتأنيث لهؤلاء المشركين .

أخبرونى وأنبئونى عن حال شركائكم الذين عبدتموهم من دون الله ، ماذا فعلوا لكم من خير أو شر ، وأرونى أى جزء خلقوه من الأرض حتى استحقوا منكم الألوهية والشركة مع الله - تعالى - فى العبادة؟إنهم لم يفعلوا - ولن يفعلوا - شيئاً من ذلك ، فكيف أبحتم لأنفسكم عبادتهم؟وقوله ( أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السماوات ) تبكيت آخر لهم .

أى : وقل لهم : إذا كانوا لم يخلقوا شيئاً من الأرض ، فهل لهم معنى شركة فى خلق السماوات أو فى التصرف فيها ، حتى يستحقوا لذلك مشاركتنا فى العبادة والطاعة .وقوله : ( أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً فَهُمْ على بَيِّنَةٍ مِّنْهُ ) تبكيت ثالث لهم .

أى : وقل لهم إذا كانوا لم يخلقوا شيئاً من الأرض ، ولم يشاركونا فى خلق السماوات ، فهل نحن أنزلنا عليهم كتاباً أقررنا لهم فيه بمشاركتنا ، فتكون لهم الحجة الظاهرة البينة على صدق ما يدعون؟والاستفهام فى جميع أجزاء الاية الكريمة للإِنكار والتوبيخ .والمقصود بها قطع كل حجة يتذرعون بها فى شركهم ، وإزهاق باطلهم بألوان من الأدلة الواضحة التى تثبت جهالاتهم ، حيث أشركوا مع الله - تعالى - ما لا يضر ولا ينفع ، وما لا يوجد دليل أو ما يشبه الدليل على صحة ما ذهبوا إليه من كفر وشرك .ولذا ختمت الآية الكريمة بالإِضراب عن أهامهم وبيان الأسباب التى حمتلهم على الشرك ، فقال - تعالى - : ( بَلْ إِن يَعِدُ الظالمون بَعْضُهُم بَعْضاً إِلاَّ غُرُوراً ) .أى : أن هؤلاء الشركاء لم يخلقوا شيئاً من الأرض ولا من السماء ، ولم نؤتهم كتاباً بأنهم شركاء لنا فى شئ ، بل الحق أن الظالمين يخدع بعضهم بعضاً ، ويعد بعضهم بعضاً بالوعود الباطلة ، بأن يقول الزعماء لأتباعهم : إن هؤلاء الآلهم هم شفعاؤنا عند الله ، وأننا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ، فيترتب على قولهم هذا ، أن ينساق الأتباع وراءهم كما تنساق الأنعام وراء راعيها .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

تقريراً للتوحيد وإبطالاً للإشراك، وقوله: ﴿ أَرَءيْتُمْ ﴾ المراد منه أخبروني، لأن الاستفهام يستدعي جواباً، يقول القائل أرأيت ماذا فعل زيد؟

فيقول السامع باع أو اشترى، ولولا تضمنه معنى أخبرني وإلا لما كان الجواب إلا قوله لا أو نعم، وقوله: ﴿ شُرَكَاءَكُمُ ﴾ إنما أضاف الشركاء إليهم من حيث إن الأصنام في الحقيقة لم تكن شركاء لله، وإنما هم جعلوها شركاء، فقال شركاءكم، أي الشركاء بجعلكم ويحتمل أن يقال شركاءكم، أي شركاءكم في النار لقوله: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ  ﴾ وهو قريب، ويحتمل أن يقال هو بعيد لاتفاق المفسرين على الأول وقوله: ﴿ أَرُونِيَ ﴾ بدل عن ﴿ أَرَءيْتُمْ ﴾ لأن كليهما يفيد معنى أخبروني، ويحتمل أن يقال قوله: ﴿ أَرَءيْتُمْ ﴾ استفهام حقيقي و ﴿ أَرُونِيَ ﴾ أمر تعجيز للتبين، فلما قال: ﴿ أَرَءيْتُمْ ﴾ يعني أعلمتم هذه التي تدعونها كما هي وعلى ما هي عليه من العجز أو تتوهمون فيها قدرة، فإن كنتم تعلمونها عاجزة فكيف تعبدونها؟

وإن كان وقع لكم أن لها قدرة فأروني قدرتها في أي شيء هي، أهي في الأرض، كما قال بعضهم: إن الله إله السماء وهؤلاء آلهة الأرض، وهم الذين قالوا أمور الأرض من الكواكب والأصنام صورها؟

أم هي في السموات، كما قال بعضهم: إن السماء خلقت باستعانة الملائكة والملائكة شركاء في خلق السموات، وهذه الأصنام صورها؟

أم قدرتها في الشفاعة لكم، كما قال بعضهم إن الملائكة ما خلقوا شيئاً ولكنهم مقربون عند الله فنعبدها ليشفعوا لنا، فهل معهم كتاب من الله فيه إذنه لهم بالشفاعة؟

وقوله: ﴿ أم آتيناهم كتاباً ﴾ في العائد إليه الضمير وجهان: أحدهما: أنه عائد إلى الشركاء، أي هل أتينا الشركاء كتاباً وثانيهما: أنه عائد إلى المشركين، أي هل آتينا المشركين كتاباً وعلى الأول فمعناه ما ذكرنا، أي هل مع ما جعل شريكاً كتاب من الله فيه أن له شفاعة عند الله، فإن أحداً لا يشفع عنده إلا بإذنه، وعلى الثاني معناه أن عبادة هؤلاء إما بالعقل ولا عقل لمن يعبد من لم يخلق من الأرض جزءاً من الأجزاء ولا في السماء شيئاً من الأشياء، وإما بالنقل ونحن ما آتينا المشركين كتاباً فيه أمرنا بالسجود لهؤلاء ولو أمرنا لجاز كما أمرنا بالسجود لآدم وإلى جهة الكعبة، فهذه العبادة لا عقلية ولا نقلية فوعد بعضهم بعضاً ليس إلا غروراً غرهم الشيطان وزين لهم عبادة الأصنام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكتاب ﴾ ؟

قلت: فيه وجهان، أحدهما: إنا أوحينا إليك القرآن ثم أورثنا من بعدك أي حكمنا بتوريثه.

أو قال: أورثناه وهو يريد نورثه، لما عليه أخبار الله ﴿ الذين اصطفينا مِنْ عِبَادِنَا ﴾ وهم أمّته من الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن بعدهم إلى يوم القيامة؛ لأنّ الله اصطفاهم على سائر الأمم، وجعلهم أمة وسطاً ليكونوا شهداء على الناس، واختصهم بكرامة الانتماء إلى أفضل رسل الله، وحمل الكتاب الذي هو أفضل كتب الله، ثم قسمهم إلى ظالم لنفسه مجرم وهو المرجأ لأمر الله.

ومقتصد: هو الذي خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً، وسابق من السابقين.

والوجه الثاني: أنه قدم إرساله في كل أمّة رسولاً وأنهم كذبوا برسلهم وقد جاؤهم بالبينات والزبر والكتاب المنير، ثم قال: إنّ الذين يتلون كتاب الله، فأثنى على التالين لكتبه العاملين بشرائعه من بين المكذبين بها من سائر الأمم واعترض بقوله: ﴿ والذى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الكتاب هُوَ الحق ﴾ ثم قال: ﴿ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكتاب الذين اصطفينا مِنْ عِبَادِنَا ﴾ أي من بعد أولئك المذكورين، يريد بالمصطفين من عباده: أهل الملة الحنيفية، فإن قلت: فكيف جعلت ﴿ جنات عَدْنٍ ﴾ بدلاً من الفضل الكبير، الذي هو السبق بالخيرات المشار إليه بذلك؟

قلت: لما كان السبب في نيل الثواب، نزل منزلة المسبب، كأنه هو الثواب، فأبدلت عنه جنات عدن، وفي اختصاص السابقين بعد التقسيم بذكر ثوابهم والسكوت عن الآخرين ما فيه من وجوب الحذر، فليحذر المقتصد، وذلك الظالم لنفسه حذراً وعليهما بالتوبة النصوح المخلصة من عذاب الله، ولا يغترا بما رواه عمر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له» فإنّ شرط ذلك صحة التوبة لقوله تعالى: ﴿ عَسَى الله أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾ [التوبة: 102] وقوله: ﴿ إِمَّا يُعَذّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ﴾ [التوبة: 106] ولقد نطق القرآن ذلك في مواضع من استقرأها اطلع على حقيقة الأمر ولم يعلل نفسه بالخدع.

وقرئ: ﴿ سباق ﴾ ومعنى: ﴿ بِإِذُنِ الله ﴾ بتيسيره وتوفيقه.

فإن قلت: لم قدم الظالم؟

ثم المقتصد ثم السابق؟

قلت: للإيذان بكثرة الفاسقين وغلبتهم، وأن المقتصدين قليل بالإضافة إليهم والسابقون أقلّ من القليل.

وقرئ: ﴿ جنة عدن ﴾ على الإفراد، كأنها جنة مختصة بالسابقين.

وجنات عدن: بالنصب على إضمار فعل يفسره الظاهر، أي يدخلون جنات عدن يدخولنها، ويدخلونها، على البناء للمفعول.

ويحلون: من حليت: المرأة، فهي حال ﴿ وَلُؤْلُؤاً ﴾ معطوف على محل من أساور، ومن داخلة للتبعيض، أي: يحلون بعض أساور من ذهب، كأنه بعض سابق لسائر الابعاض، كما سبق المسوّرون به غيرهم.

وقيل: إنّ ذلك الذهب في صفاء اللؤلؤ.

وقرئ: ﴿ ولولؤاً ﴾ بتخفيف الهمزة الأولى، وقرئ: ﴿ الحزن ﴾ والمراد: حزن المتقين، وهو ما أهمهم من خوف سوء العاقبة، كقوله تعالى: ﴿ إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم ﴾ [الطور: 26- 27].

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: حزن الاعراض والآفات.

وعنه: حزن الموت.

وعن الضحاك: حزن إبليس ووسوسته.

وقيل: همّ المعاش.

وقيل: حزن زوال النعم، وقد أكثروا حتى قال بعضهم: كراء الدار، ومعناه: أنه يعمّ كل حزن من أحزان الدين والدنيا.

حتى هذا.

وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس على أهل لا إله إلاّ الله وحشة في قبورهم ولا في محشرهم ولا في مسيرهم؛ وكأني بأهل لا إله إلاّ الله يخرجون من قبورهم وهم ينفضون التراب عن رؤوسهم ويقولون الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن» وذكر الشكور: دليل على أن القوم كثيرو الحسنات، المقامة: بمعنى الإقامة يقال: أقمت إقامة ومقاماً ومقامة ﴿ مِن فَضْلِهِ ﴾ من عطائه وإفضاله، من قولهم: لفلان فضول على قومه وفواضل، وليس من الفضل الذي هو التفضل؛ لأنّ الثواب بمنزلة الأجر المستحق، والتفضل كالتبرع.

وقرئ: ﴿ لغوب ﴾ بالفتح: وهو اسم ما يلغب منه، أي: لا تتكلف عملاً يلغبنا: أو مصدر كالقبول والولوغ، أو صفة للمصدر، كأنه لغوب لغوب، كقولك: موت مائت، فإن قلت: ما الفرق بين النصب واللغوب؟

قلت: النصب التعب والمشقة التي تصيب المنتصب للأمر المزاول له.

وأما اللغوب فما يلحقه من الفتور بسبب النصب فالنصب نفس المشقة والكلفة.

واللغوب: نتيجته وما يحدث منه من الكلال والفترة.

﴿ والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور وهم يسترخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير ﴾ ﴿ فيموتوا ﴾ جواب النفي ونصبه بإضمار أن: وقرئ: فيموتون عطفا على يقضي وإدخالا له في حكم النفي أي: لا يقضي عليهم الموت فلا يموتون كقوله تعالى: ﴿ ولا يؤذن لهم فيعتذرون ﴾ [المرسلات: 36]، ﴿ كذلك ﴾ مثل ذلك الجزاء ﴿ نجري ﴾ وقرئ: يجارى.

ونجزي ﴿ كل كفور ﴾ بالنون ﴿ يسترخون ﴾ يتصارخون: يفتعلون من الصراخ وهو الصياح بجهد وشدة.

قال: كصرخة حبلى أسلمتها قبيلها واستعمل في الاستغاثة لجهد المستغيث صوته.

فإن قلت: هلا اكتفى بصالحا كما اكتفى به في قوله تعالى: ﴿ فارجعنا نعمل صالحا ﴾ [السجدة: 12] وما فائدة زيادة ﴿ غير الذي كنا نعمل ﴾ على أنه على أنه يؤذن أنهم يعلمون صالحا آخر غير الصالح الذي عملوه؟

قلت: فائدة زيادة التحسر على ما عملوه من غير الصالح مع الاعتراف به.

وأما الوهم فزائل لظهور حالهم في الكفر وركوب المعاصي لأنهم كانوا يحسبون أنهم على سيرة صالحة كما قال الله تعالى: ﴿ وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ﴾ [الكهف: 104] فقالوا: أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نحيبه صالحا فنعمله ﴿ أولم نعمركم ﴾ توبيخ من الله يعني: فنقول لهم.

وقرئ: وما يذكر فيه من أذكر على الإدغام وهو متناول لكل عمر تمكن فيه المكلف من إصلاح شأنه وإن قصر؛ إلا أن التوبيخ في المتطاول أعظم.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: العمر الذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون سنة.

وعن مجاهد: ما بين العشرين إلى الستين.

وقيل: ثماني عشرة وسبع عشرة و(النذير) الرسول صلى الله عليه وسلم.

وقيل: الشيب.

وقرئ: وجاءتكم النذر فإن قلت: علام عطف وجاءكم النذير؟

قلت: على معنى: أو لم نعمركم؛ لأن لفظه لفظ استخبار.

ومعناه معنى إخبار كأنه قيل: قد عمرناكم وجاءكم النذير.

﴿ إن الله عالم غيب السموات والأرض إنه عليم بذات الصدور ﴾ ﴿ إنه عليم بذات الصدور ﴾ كالتعليل لأنه إذا علم مافي الصدور وهو أخفى ما يكوهن فقد علم كل غيب في العالم وذات الصدور: مضمراتها وهي تأنيث ذو في محو قول أبي بكر رضي الله عنه: ذو بطن خارجة جارية وقوله: لتغني عني ذا إنائك أجمعا المعنى ما في بطنها من الحبل وما في إنائك من الشراب؛ لأن الحبل والشراب يصحبان البطن والإناء.

ألا ترى إلى قولهم: معها حبل وكذلك المضمرات تصحب الصدور وهي معها وذو: موضوع لمعنى الصحبة.

﴿ هو الذي جعلكم خلائف في الأرض فمن كفر فعليه كفره ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا ولا يزيد كفرهم إلا خسارا ﴾ .

يقال للمستخلف: خليفة؛ فالخليفة تجمع خلائف والخليف: خلفاء والمعنى أنه جعلكم خلفاءه في أرضه قد ملككم مقاليد التصريف فيها وسلطكم على ما فيها وأباح لكم منافعها لتشكروه بالتوحيد والطاعة (فمن كفر) منكم وغمط مثل هذه النعمة السنية فوبال كفره راجع عليه وهو مقت الله الذي ليس وراءه خزي وصغار وخسارة الآخرة الذي ما بقي بعده خسار والمقت: أشد البغض.

ومنه قيل لمن ينكح امرأته أبيه: مقتي لكونه ممقوتا في كل قلب.

وهو خطاب للناس.

وقيل: خطاب لمن بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أي جعلكم فعليه جزاء كفره من مقت الله وخسار الآخرة كما أن ذلك حكم من قبلكم.

﴿ قل أرءيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السموات أم ءاتيناهم كتابا فهم على بينت منه بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا ﴾ ﴿ أروني ﴾ بدل من أرأيتم: لأن المعنى: أرأيتم أخبروني كأنه قال: أخبروني عن هؤلاء الشركاء وعما استحقوا به الإلهية والشركة أروني أي جزء من أجزاء الأرض استبدوا بخلقه دون الله أم لهم مع الله شركة في خلق السموات أم معهم كتاب من عند الله ينطق بأنهم شركاؤه فهم على حجة وبرهان من ذلك الكتاب.

أو يكون الضمير في ﴿ ءاتيناكم ﴾ للمشركين كقوله تعالى: ﴿ أم أنولنا عليهم سلطانا ﴾ [الروم: 35] أم آتيناهم كتابا من قبله بل إن يعد بعضهم وهم الرؤوساء ﴿ بعضا ﴾ وهم الأتباع ﴿ إلا غرورا ﴾ وهو قولهم: ﴿ هؤلاء شفعاؤنا عند الله ﴾ [يونس: 18] وقرئ: بينات.

﴿ إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا ﴾ ﴿ أن تزولا ﴾ كراهة أن تزولا.

أو يمنعهما من أن تزولا: لأن الإمساك منع ﴿ إنه كان حليما غفورا ﴾ غير معاجل بالعقوبة حيث يمسكها وكانتا جديرتين بأن تهدا هدا لعظم كلمة الشرك كما قال: ﴿ تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض ﴾ [مريم: 90] .

وقرئ: ولو زالتا وإن أمسكهما: جواب القسم في ﴿ ولئن زالتا ﴾ سد مسد الجوابين ومن الأولى مزيدة لتأكيد النفي والثانية: للإبتداء.

ومن بعده: من بعد إمساكه.

وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال لرج لمقبل من الشام: من لقيت به؟

قال: كعبا.

قال: وما سمعته يقول؟

قال: سمعته يقول: إن السموات على منكب ملك.

قال: كذب كعب.

أما ترك يهوديته بعد ثم قرأ هذه الآية: ﴿ وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن اهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا استكبارا في الأرض ومكر السي ولا يحيق المكر الئ إلا بأهله فهل ينظرون إلا سنت الأولين فلن تجد لسنت الله تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم وكانوا أشد منهم قوة وما كان الله ليعجزه من شيء في السموات ولا في ألأرض إنه كان عليما قديرا ﴾ بلغ قريشا قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم فقالوا: لعن الله اليهود والنصارى أتتهم الرسل فكذبوهم فوالله لئن أتانا رسول لنكونن أهدى من إحدى الأمم فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم كذبوه.

وفي ﴿ إحدى الأمم ﴾ وجهان: أحدهما: من بعض الأمم ومن واحدة من الأمم من اليهود والنصارى وغيرهم.

والثاني: من الأمة التي يقال لها إحدى الأمم تفصيلا لها على غيرها في الهدى والاستقامة ﴿ ما زادهم ﴾ اسناد مجازي لأنه هو لسبب في أنزادوا أنفسهم.

نفورا عن الحق وابتعادا عنه كقوله تعالى: ﴿ فزادتهم رجسا إلى رجسهم ﴾ [التوبة: 125] .

﴿ استكبارا ﴾ بدل من نفورا.

أو مفعول له على معنى: فما زادهم إلا أن نفروا استكبارا وعلوا ﴿ في الأرض ﴾ أو حال بمعنى: مستكبرين وماكرين برسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين.

ويجوز أن يكون ﴿ ومكر السيئ ﴾ معطوفا على نفورا فإن قلت: فما وجه قوله: ﴿ ومكر السيئ ﴾ ؟

قلت: أصله: وأن مكروا السيئ أي المكر السيئ ثم ومكرا السيئ.

ثم ومكر السيئ والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله ﴾ ومعنى يحيق: يحيط وينزل.

وقرئ: ولا يحيق المكر السيئ أي لا يحيق الله ولقد حاق بهم يوم بدر.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تمكروا ولا تعينوا ماكرا؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿ ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله ﴾ ولا تبغوا ولا تعينوا باغيا يقول الله تعالى: ﴿ إنما بغيكم على أنفسكم ﴾ [يونس: 23] » .

وعن كعب أنه قال لابن عباس رضي الله عنهما: قرأت في التوراة: من حفر مغواة وقع فيها.

قال: أنا وجدت ذلك في كتاب الله وقرأ الآية.

وفي أمثال العرب: من حفر لأخيه جبا وقع فيه منكبا.

وقرأ حمزة: ومكر السيئ بإسكان الهمزة وذلك لاستقاله الحركات مع الياء والهمزة ولعله اختلس فظن سكونا أو وقف وقفة خفيفة ثم ابتدى ﴿ ولا يحيق ﴾ .

وقرأ ابن مسعود: ومكرا سيئا ﴿ سنت الأولين ﴾ إنزال العذاب على الذين كذبوا برسلهم من الأمم قبلهم وجعل استقبالهم لذلك انتظارا له منهم وبين أن عادجته التي هي الانتقام من مكذبي الرسل عادة لا يبدلها ولا يحولها أي: لا يغيرها وأن ذلك مفعول له لا محالة واستشهد عليهم بما كانوا يشاهدونه في مسايرهم ومتاجرهم في رحلهم إلى الشام والعراق واليمن: من آثار الماضين وعلامات هلاكهم ودمارهم ﴿ ليعجزه ﴾ ليسبقه ويفوته.

﴿ ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا ﴾ ﴿ بما كسبوا ﴾ بما اقترفوا من معاصيهم ﴿ على ظهرها ﴾ على ظهر الأرض ﴿ من دابة ﴾ من نسمة تدب عليها يريد بني آدم.

وقيل: ما ترك بني آدم وغيرهم من سائر الدواب بشؤم ذنوبهم.

وعن ابن مسعود: كاد الجعل يعذب في جحره بذنب ابن آدم ثم تلا هذه الآية.

وعن أنس: إن الضب ليموت هزالا في جحره بذنب ابن آدم.

وقيل: يحبس المطر فيهلك كل شيء ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ إلى يوم القيامة ﴿ كان بعباده بصيرا ﴾ وعيد بالجزاء.

من قرأ سورة الملائكة دعته ثمانية أبواب الجنة: أن ادخل من أي باب شئت.

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي آلِهَتَهم والإضافَةُ إلَيْهِمْ لِأنَّهم جَعَلُوهم شُرَكاءَ لِلَّهِ أوْ لِأنْفُسِهِمْ فِيما يَمْلِكُونَهُ.

﴿ أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ ﴾ بَدَلٌ مِن ( أرَأيْتُمْ ) بَدَلَ الِاشْتِمالِ لِأنَّهُ بِمَعْنى أخْبِرُونِي كَأنَّهُ قالَ: أخْبِرُونِي عَنْ هَؤُلاءِ الشُّرَكاءِ أرُونِي أيَّ جُزْءٍ مِنَ الأرْضِ اسْتَبَدُّوا بِخَلْقِهِ.

﴿ أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ ﴾ أمْ لَهم شَرِكَةٌ مَعَ اللَّهِ في خَلْقِ السَّمَواتِ فاسْتَحَقُّوا بِذَلِكَ شَرِكَةً في الأُلُوهِيَّةِ ذاتِيَّةً.

﴿ أمْ آتَيْناهم كِتابًا ﴾ يَنْطِقُ عَلى أنّا اتَّخَذْناهم شُرَكاءَ.

﴿ فَهم عَلى بَيِّنَتٍ مِنهُ ﴾ عَلى حُجَّةٍ مِن ذَلِكَ الكِتابِ بِأنَّ لَهم شَرِكَةً جَعْلِيَّةً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هم لِلْمُشْرِكِينَ كَقَوْلِهِ: ﴿ أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا ﴾ وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ وأبُو بَكْرٍ والكِسائِيُّ ( عَلى بَيِّناتٍ ) فَيَكُونُ إيماءً إلى أنَّ الشِّرْكَ خَطِيرٌ لا بُدَّ فِيهِ مَن تَعاضَدِ الدَّلائِلِ.

﴿ بَلْ إنْ يَعِدُ الظّالِمُونَ بَعْضُهم بَعْضًا إلا غُرُورًا ﴾ لَمّا نَفى أنْواعَ الحُجَجِ في ذَلِكَ أضْرَبَ عَنْهُ بِذِكْرِ ما حَمَلَهم عَلَيْهِ وهو تَغْرِيرُ الأسْلافِ الأخْلافَ، أوِ الرُّؤَساءِ الأتْباعَ بِأنَّهم شُفَعاءُ عِنْدَ اللَّهِ يَشْفَعُونَ لَهم بِالتَّقَرُّبِ إلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قل أرأيتم شركاءكم} آلهتكم التى اشركتموهم في العبادة الذين تدعون من دون الله أردونى مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الأرض أَرُونِىَ بدل من أرأيتم لأن معنى أرأيتم أخبروني كأنه قيل أخبروني عن هؤلاء الشركاء وعما استحقوا به الشركة

أروني أي جزء من أجزاء الأرض استبدوا بخلقه دون الله {أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِى السماوات} أم لهم مع الله شركة في خلق السموات {أم آتيناهم كتابا فهم على بينة منه} أى معهم كتاب من عبد الله ينطق بأنهم شركاؤه فهم على حجة وبرهان من ذلك الكتاب بينات علي وابن عامر ونافع وأبو بكر بَلْ إِن يَعِدُ ما يعد الظالمون بَعْضُهُم بدل من الظالمون وهم الرؤساء بَعْضًا أي الأتباع إِلاَّ غُرُوراً هو قولهم هَؤُلاء شفعاؤنا عند الله

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قُلْ ﴾ تَبْكِيتًا لَهم ﴿ أرَأيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ أيْ آلِهَتَكُمْ، والإضافَةُ إلَيْهِمْ لِأدْنى مُلابَسَةٍ حَيْثُ إنَّهم هُمُ الَّذِينَ جَعَلُوهم شُرَكاءَ اللَّهِ تَعالى واعْتَقَدُوهم كَذَلِكَ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ أصْلٌ ما أصْلًا.

وقِيلَ: الإضافَةُ حَقِيقِيَّةٌ مِن حَيْثُ إنَّهم جَعَلُوهم شُرَكاءَ لِأنْفُسِهِمْ فِيما يَمْلِكُونَهُ أوْ جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى شُرَكاءَ لَهم في النّارِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ والصِّفَةُ عَلَيْهِما مُقَيِّدَةٌ لا مُؤَكِّدَةٌ، وسِياقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ وسِباقُهُ ظاهِرانِ فِيما تَقَدَّمَ.

﴿ أرُونِي ﴾ ماذا ﴿ خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ ﴾ بَدَلُ اِشْتِمالٍ مِن ﴿ أرَأيْتُمْ ﴾ لِأنَّهُ بِمَعْنى أخْبِرُونِي كَأنَّهُ قِيلَ: أخْبِرُونِي عَنْ شُرَكائِكُمْ، أرُونِي أيَّ جُزْءٍ خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ حَتّى يَسْتَحِقُّوا الإلَهِيَّةَ والشَّرِكَةَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَدَلَ كُلٍّ، وقالَ أبُو حَيّانَ: لا تَجُوزُ البَدَلِيَّةُ لِأنَّهُ إذا أُبْدِلَ مِمّا دَخَلَ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ فَلا بُدَّ مِن دُخُولِ الأداةِ عَلى البَدَلِ، وأيْضًا إبْدالُ الجُمْلَةِ مِنَ الجُمْلَةِ لَمْ يُعْهَدْ في لِسانِهِمْ ثُمَّ البَدَلُ عَلى نِيَّةِ تَكْرارِ العامِلِ ولا يَتَأتّى ذَلِكَ هاهُنا لِأنَّهُ لا عامِلَ لِ ﴿ أرَأيْتُمْ ﴾ ثُمَّ قالَ: واَلَّذِي أذْهَبُ إلَيْهِ أنَّ ﴿ أرَأيْتُمْ ﴾ بِمَعْنى أخْبِرُونِي وهي تَطْلُبُ مَفْعُولَيْنِ أحَدُهُما مَنصُوبٌ والآخِرُ مُشْتَمِلٌ عَلى الِاسْتِفْهامِ كَقَوْلِ العَرَبِ أرَأيْتَ زَيْدًا ما صَنَعَ، فالأوَّلُ هُنا ﴿ شُرَكاءَكُمُ ﴾ والثّانِي ﴿ ماذا خَلَقُوا ﴾ و ﴿ أرُونِي ﴾ جُمْلَةٌ اِعْتِراضِيَّةٌ فِيها تَأْكِيدٌ لِلْكَلامِ وتَسْدِيدٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ أيْضًا مِن بابِ الإعْمالِ لِأنَّهُ تَوارَدَ عَلى ﴿ ماذا خَلَقُوا ﴾ أرَأيْتُمْ وأرُونِي، لِأنَّ أرُونِي قَدْ تَعَلَّقَ عَنْ مَفْعُولِها الثّانِي كَما عُلِّقَتْ رَأى الَّتِي لَمْ تَدْخُلْ عَلَيْها هَمْزَةُ النَّقْلِ عَنْ مَفْعُولِها في قَوْلِهِمْ: أما تَرى أيَّ بَرْقٍ هاهُنا، ويَكُونُ قَدْ أُعْمِلَ الثّانِي عَلى المُخْتارِ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ فانْتَهى، وما ذَكَرَهُ اِحْتِمالٌ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ كَما أنَّ ما ذُكِرَ أوَّلًا اِحْتِمالٌ، وما قالَهُ في رَدِّهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ لُزُومَ دُخُولِ الأداةِ عَلى البَدَلِ فِيما إذا كانَ الِاسْتِفْهامُ باقٍ عَلى مَعْناهُ، أمّا إذا نُسِخَ عَنْهُ كَما هُنا فَلَيْسَ ذَلِكَ بِلازِمٍ، وأمّا الثّانِي فَلِأنَّ أهْلَ العَرَبِيَّةِ والمَعانِي نَصُّوا عَلى خِلافِهِ وقَدْ ورَدَ في كَلامِ العَرَبِ كَقَوْلِهِ: أقُولُ لَهُ اِرْحَلْ لا تُقِيمَنَّ عِنْدَنا وإلّا فَكُنْ في السِّرِّ والجَهْرِ مُسْلِمًا وأمّا الثّالِثُ فَلِأنَّ كَوْنَ البَدَلِ عَلى نِيَّةِ تَكْرارِ العامِلِ إنَّما هو كَما نَقَلَ الخَفاجِيُّ عَنْهم في بَدَلِ المُفْرَداتِ، ولَيْسَ لَكَ أنْ تَقُولَ العامِلُ هُنا مَوْجُودٌ، وهو ﴿ قُلْ ﴾ لِأنَّ العِبْرَةَ بِالمَقُولِ ولا عامِلَ فِيهِ إذْ يُقالُ وهو ظاهِرٌ.

وجُوِّزَ أنْ لا يَكُونَ ﴿ أرَأيْتُمْ ﴾ بِمَعْنى أخْبِرُونِي بَلِ المُرادُ حَقِيقَةُ الِاسْتِفْهامِ عَنِ الرُّؤْيَةِ، وأرُونِي أمْرُ تَعْجِيزٍ لِلتَّبْيِينِ، أيْ أعَلِمْتُمْ هَذِهِ الَّتِي تَدْعُونَها ما هي وعَلى ما هي عَلَيْهِ مِنَ العَجْزِ أوْ تَتَوَهَّمُونَ فِيها قُدْرَةً، فَإنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَها عاجِزَةً فَكَيْفَ تَعْبُدُونَها أوْ كُنْتُمْ تَوَهَّمْتُمْ فِيها قُدْرَةً فَأرُونِي أثَرَها، وما تَقَدَّمَ أظْهَرُ.

﴿ أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ ﴾ أيْ بَلْ ألَهم شَرِكَةٌ مَعَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ في خَلْقِ السَّماواتِ حَتّى يَسْتَحِقُّوا ما زَعَمْتُمْ فِيهِمْ، وقالَ بَعْضُهُمُ: الأوْلى أنْ لا يُقَدَّرَ مُضافٌ عَلى أنَّ المَعْنى أمْ لَهم شَرِكَةٌ مَعَهُ سُبْحانَهُ في السَّماواتِ خَلْقًا وإبْقاءً وتَصَرُّفًا لِأنَّ المَقْصُودَ نَفْيُ آياتِ الإلَهِيَّةِ عَنِ الشُّرَكاءِ ولَيْسَتْ مَحْصُورَةً في الخَلْقِ، والتَّقْدِيرُ أوْفَقُ بِما قَبْلَهُ، والكَلامُ قِيلَ مِن بابِ التَّدَرُّجِ مِنَ الِاسْتِقْلالِ إلى الشَّرِكَةِ ثُمَّ مِنها إلى حُجَّةٍ وبَيِّنَةٍ مَكْتُوبَةٍ بِالشَّرِكَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أخْبَرُونِي عَنِ الَّذِينَ تَدْعُونَ مَن دُونِ اللَّهِ هَلِ اِسْتَبَدُّوا بِخَلْقِ شَيْءٍ مِنَ الأرْضِ حَتّى يَكُونُوا مَعْبُودِينَ مِثْلَ اللَّهِ تَعالى، بَلْ ألَهم شَرِكَةٌ مَعَهُ سُبْحانَهُ في خَلْقِ السَّماواتِ.

﴿ أمْ آتَيْناهم كِتابًا ﴾ أيْ بَلْ آتَيْناهم كِتابًا يَنْطِقُ بِأنّا اِتَّخَذْناهم شُرَكاءَ ﴿ فَهم عَلى بَيِّنَتٍ مِنهُ ﴾ أيْ حُجَّةٍ ظاهِرَةٍ مِن ذَلِكَ الكِتابِ بِأنَّ لَهم شَرِكَةً مَعَنا.

وقالَ في الكَشْفِ: الظّاهِرُ أنَّ الكَلامَ مَبْنِيٌّ عَلى التَّرَقِّي في إثْباتِ الشَّرِكَةِ لِأنَّ الِاسْتِبْدادَ بِخَلْقِ جُزْءٍ مِنَ الأرْضِ شَرِكَةُ ما مَعَهُ عَزَّ وجَلَّ، والِاشْتِراكُ مَعَهُ سُبْحانَهُ في خَلْقِ السَّماواتِ أدَلُّ عَلى إثْباتِها، ثُمَّ إيتاءُ كِتابٍ مِنهُ تَعالى عَلى أنَّهم شُرَكاؤُهُ أدَلُّ وأدَلُّ، وقِيلَ: هم في ﴿ آتَيْناهُمْ ﴾ لِلْمُشْرِكِينَ، وكَذا في (فَهُمْ) كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا  ﴾ إلخ فَفي الكَلامِ اِلْتِفاتٌ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ إعْراضًا عَنِ المُشْرِكِينَ وتَنْزِيلًا لَهم مَنزِلَةَ الغَيْبِ.

والمَعْنى أنَّ عِبادَةَ هَؤُلاءِ إمّا بِالعَقْلِ ولا عَقْلَ يَحْكُمُ بِصِحَّةِ عِبادَةِ مَن لا يَخْلُقُ جُزْءًا ما مِنَ الأرْضِ دَلالَةُ شِرْكٍ في السَّماءِ، وإمّا بِالنَّقْلِ ولَمْ نُؤْتِ المُشْرِكِينَ كِتابًا فِيهِ الأمْرُ بِعِبادَةِ هَؤُلاءِ، وفِيهِ تَفْكِيكٌ لِلضَّمائِرِ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: ضَمِيرُ ﴿ آتَيْناهُمْ ﴾ لِلشُّرَكاءِ كالضَّمائِرِ السّابِقَةِ وضَمِيرُ ﴿ فَهم عَلى بَيِّنَتٍ ﴾ لِلْمُشْرِكِينَ وأمْ مُنْقَطِعَةٌ لِلْإضْرابِ عَنِ الكَلامِ السّابِقِ، وزَعَمَ أنْ لا اِلْتِفاتَ حِينَئِذٍ ولا تَفْكِيكَ فَتَأمَّلْ.

وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ وأبُو بَكْرٍ «عَلى بَيِّناتٍ» بِالجَمْعِ فَيَكُونُ إيماءً إلى أنَّ الشِّرْكَ خَطِيرٌ لا بُدَّ فِيهِ مِن تَعاضُدِ الدَّلائِلِ وهو ضَرْبٌ مِنَ التَّهَكُّمِ.

﴿ بَلْ إنْ يَعِدُ الظّالِمُونَ بَعْضُهم بَعْضًا إلا غُرُورًا ﴾ لَمّا نَفِي سُبْحانَهُ ما نَفى مِنَ الحُجَجِ في ذَلِكَ أضْرَبَ عَزَّ وجَلَّ عَنْهُ بِذِكْرِ ما حَمَلَهم عَلى الشِّرْكِ وهو تَقْرِيرُ الأسْلافِ لِلْأخْلافِ وإضْلالُ الرُّؤَساءِ لِلْأتْباعِ بِأنَّهم شُفَعاءُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى يَشْفَعُونَ لَهم بِالتَّقَرُّبِ إلَيْهِمْ، والآيَةُ عِنْدَ الكَثِيرِ في عَبَدَةِ الأصْنامِ وحُكْمُها عامٌّ، وقِيلَ: في عَبَدَةِ غَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ صَنَمًا كانَ أوْ مَلِكًا أوْ غَيْرَهُما.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

فقال عز وجل: وَالَّذِينَ كَفَرُوا يعني: جحدوا بوحدانية الله عز وجل لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لاَ يُقْضى عَلَيْهِمْ الموت.

ويقال: لا يرسل عليهم ولا ينزل الموت فَيَمُوتُوا حتى يستريحوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها يعني: من عذاب جهنم كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ يعني: هكذا نعاقب كل كافر بالله تعالى.

قرأ أبو عمرو يَجْزِى بالياء والضم ونصب الزاي كُلَّ كَفُورٍ بضم اللام على معنى فعل ما لم يسم فاعله.

وقرأ الباقون نَجْزِي بالنون والنصب كُلَّ بنصب اللام ومعنى القراءتين يرجع إلى شيء واحد.

يعني: كذلك يجزي الله تعالى.

ثم أخبر عن حالهم فيها فقال عز وجل: وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها أي: يستغيثون.

يقال: صرخ يصرخ إذا أغاث واستغاث وهو من الأضداد.

ويستعمل للإغاثة والاستغاثة، لأن كل واحد منهما يصلح وهو افتعال من الصراخ.

يعني: يدعون في النار ويقولون: رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ يعني: نعمل غير الشرك وغير المعصية.

يقول الله تعالى: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ يعني: أولم نعطكم من العمر والمهلة في الدنيا مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ يعني: يتعظ فيه من أراد أن يتعظ.

وروى مجاهد عن ابن عباس في قوله أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ قال: العمر ستون سنة وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ يعني: الشيب والهرم.

وروي أن إبراهيم الخليل أول من رأى الشيب، فقال: يا رب ما هذا؟

فقال: هذا وقار في الدنيا، ونور في الآخرة.

فقال: يا رب زدني وقاراً.

ويقال: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ يعني: أولم نعطكم، ونطول أعماركم وما يَتَذَكَّرُ فِيهِ من تذكر أي: مقدار ما يتعظ فيه من يتعظ.

وروى أبو هريرة عن النبي  أنه قال: «لَقَدَ أَعْذَرَ الله إلَى عَبْدٍ أحْيَاهُ حَتَّى بَلَغَ سِتِّينَ سَنَةً أزَالَ عُذْرَهُ» وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ أي: الرسول فَذُوقُوا العذاب في النار فَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ يعني: ما للمشركين من مانع من عذاب الله عز وجل.

ثم قال عز وجل: إِنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: غيب ما يكون في السموات والأرض.

يعني: أنهم لو رُدُّواْ لعادوا لِمَا نُهُواْ عنه إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ يعني: عليم بما في قلوبهم.

ويقال: عالم بما في قلوب العباد من الخير والشر.

ثم قال عز وجل: هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ يعني: قل لهم يا محمد الله تعالى جعلكم سكان الأرض من بعد الأمم الخالية فَمَنْ كَفَرَ بتوحيد الله فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ يعني: عاقبة كفره وعقوبة كفره وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتاً وهو الغضب الشديد الذي يستوجب العقوبة.

يعني: لا يزدادون في طول أعمارهم إلا غضب الله تعالى عليهم.

وقال الزجاج: المقت أشد الغضب وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَساراً يعني: غبناً في الآخرة وخسراناً.

ثم قال عز وجل: قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني: تعبدون من دون الله أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ يعني: أخبروني أي شيء خلقوا مما في السموات أو مما في الأرض من الخلق.

وقال القتبي: من بمعنى في يعني: أروني ماذا خلقوا في الأرض.

يعني: أي شيء خلقوا في الأرض كما خلق الله عز وجل: أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ يعني: عون على خلق السموات والأرض.

ويقال: نصيب في السموات.

واللفظ لفظ الاستفهام والشك، والمراد به النفي.

يعني: ليس لهم شرك فى السموات.

ثم قال: أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً يعني: أعطيناهم كتاباً.

اللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به النفي.

يعني: كما ليس لهم كتاب فيه حجة على كفرهم فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ يعني: ليسوا على بيان مما يقولون.

قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، وعاصم، في رواية حفص عَلى بَيِّنَةٍ بغير ألف.

وقرأ الباقون: بينات بلفظ الجماعة، ومعناهما واحد، لأن الواحد ينبئ عن الجماعة.

ثم قال: بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً يعني: ما يعد الظالمون بعضهم بعضا.

يعني: الشياطين للكافرين من الشفاعة لمعبودهم إِلَّا غُرُوراً يعني: باطلا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

تعالى: وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً [الواقعة: ٧] الآية.

والضمير في يَدْخُلُونَها على هذا التأويل خاصٌّ بالمُقْتَصِد والسابق، وباقي الآية بيّن، والْحَزَنَ في هذه الآية عامٌ في جميع أنواع الأحزان، وقولهم: إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ وصفوه سبحانه بأنه يغفر الذنوبَ، ويجازي على القليلِ من الأعمال بالكثير من الثوابِ، وهذا هو شكره، لا ربّ سواه، ودارَ الْمُقامَةِ: الجنة، والْمُقامَةِ: الإقامةُ و «النَّصَبُ» : تعب البَدَنِ و «اللغوب» : تعب النّفس اللازم عن تعب البدن.

وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧) إِنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٣٨) هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَساراً (٣٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً إِلاَّ غُرُوراً (٤٠)

وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ هذه الآية تؤيد التأوِيلَ الأوَّل مِن أنَّ الثَلاَثَةَ الأصْنَافِ هي كلها في الجنة، لأن ذكر الكافرين أفرد هاهنا.

وقوله: لاَ يُقْضى عَلَيْهِمْ أي لا يُجْهَزُ عليهم.

وقولهم: رَبَّنا أَخْرِجْنا أي: يقولون هذه المقالة فيقال لهم على جهة التوبيخ:

أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ الآية.

واخْتُلِفَ في المدة التي هي حَدُّ للتذكر، فقال الحسن بن أبي الحسن: البلوغُ، يريد أنه أول حال التذكر «١» .

وقال ابن عباس أربعون سنة وهذا قول حسن «٢» ورويت فيه آثارُ.

ورُوِيَ أن العبدَ إذا بلغ أربعينَ سنةً ولم يتب مسح الشيطانُ على وجهه، وقال: بأبي وجهٌ لا يفلح، وقيل: الستين وفيه حديث.

ت: وفي «البخاري» : من بلغ ستين سنة فقد أَعْذَرَ الله إليه لقوله: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ يعني: الشيب.

ثم أسند عن أبي هريرة عن

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أرَأيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ ﴾ المَعْنى: أخْبَرُونِي عَنِ الَّذِينَ عَبَدْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ واتَّخَذْتُمُوهم شُرَكاءَ بِزَعْمِكُمْ، بِأيِّ شَيْءٍ أوْجَبْتُمْ لَهُمُ الشَّرِكَةَ في العِبادَةِ؟!

أبِشَيْءٍ خَلَقُوهُ مِنَ الأرْضِ، أمْ شارَكُوا خالِقَ السَّماواتِ في خَلْقِها؟!

ثُمَّ عادَ إلى الكُفّارِ فَقالَ: ﴿ أمْ آتَيْناهم كِتابًا ﴾ يَأْمُرُهم بِما يَفْعَلُونَ ﴿ فَهم عَلى بَيِّنَتٍ مِنهُ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " عَلى بَيِّنَةٍ " عَلى التَّوْحِيدِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " بَيِّناتٍ " جَمْعًا.

والمُرادُ: البَيانُ بِأنَّ مَعَ اللَّهِ شَرِيكًا ﴿ بَلْ إنْ يَعِدُ الظّالِمُونَ ﴾ يَعْنِي المُشْرِكِينَ يَعِدُ ﴿ بَعْضُهم بَعْضًا ﴾ أنَّ الأصْنامَ تَشْفَعُ لَهُمْ، وأنَّهُ لا حِسابَ عَلَيْهِمْ ولا عِقابَ.

وقالَ مُقاتِلٌ: ما يَعِدُ الشَّيْطانُ الكُفّارَ مِن شَفاعَةِ الآلِهَةِ إلّا باطِلًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا ﴾ أيْ: يَمْنَعُهُما مِنَ الزَّوالِ والذَّهابِ والوُقُوعِ.

قالَ الفَرّاءُ: (وَلَئِنْ) بِمَعْنى " ولَوْ "، و" إنْ " بِمَعْنى " ما "، فالتَّقْدِيرُ: ولَوْ زالَتا ما أمْسَكَهُما مِن أحَدٍ.

وقالَ الزَّجّاجُ: لَمّا قالَتِ النَّصارى: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وقالَتِ اليَهُودُ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، كادَتِ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ والجِبالُ أنْ تَزُولَ والأرْضَ أنْ تَنْشَقَّ، فَأمْسَكَها اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ؛ وإنَّما وحَّدَ " الأرْضَ " مَعَ جَمْعِ " السَّمَواتِ "، لِأنَّ الأرْضَ تَدُلُّ عَلى الأرَضِينَ.

﴿ وَلَئِنْ زالَتا ﴾ تَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ.

أحَدُهُما: زَوالُهُما يَوْمَ القِيامَةِ.

والثّانِي: أنْ يُقالَ تَقْدِيرًا: وإنْ لَمْ تَزُولا، وهَذا مَكانٌ يَدُلُّ عَلى القُدْرَةِ، غَيْرَ أنَّهُ ذَكَرَ الحِلْمَ فِيهِ، لِأنَّهُ لَمّا أمْسَكَهُما عِنْدَ قَوْلِهِمْ: ﴿ اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا  ﴾ ، حَلُمَ فَلَمْ يُعَجِّلْ لَهُمُ العُقُوبَةَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ اللهَ عالِمُ غَيْبِ السَماواتِ والأرْضِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُدُورِ ﴾ ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ في الأرْضِ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ولا يَزِيدُ الكافِرِينَ كُفْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ إلا مَقْتًا ولا يَزِيدُ الكافِرِينَ كُفْرُهم إلا خَسارًا ﴾ ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِن الأرْضِ أمْ لَهم شِرْكٌ في السَماواتِ أمْ آتَيْناهم كِتابًا فَهم عَلى بَيِّنَتٍ مِنهُ بَلْ إنْ يَعِدُ الظالِمُونَ بَعْضُهم بَعْضًا إلا غُرُورًا ﴾ ﴿ إنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا ولَئِنْ زالَتا إنَّ أمْسَكَهُما مِن أحَدٍ مِن بَعْدِهِ إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا ﴾ هَذا ابْتِداءُ تَذْكِيرٍ بِاللهِ تَعالى، ودَلائِلُ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وصِفاتِهِ الَّتِي لا تَنْبَغِي الأُلُوهِيَّةُ إلّا مَعَها.

و"الغَيْبُ" ما غابَ عَنِ البَشَرِ.

و"ذاتُ الصُدُورِ" ما فِيها مِنَ المُعْتَقَداتِ والمَعانِي، ومِنهُ قَوْلُ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "ذُو بَطْنِ بِنْتٍ خارِجَةٍ "، ومِنهُ قَوْلُ العَرَبِ: "الذِئْبُ مَغْبُوطٌ بِذِي بَطْنِهِ"، أيْ بِالنَفْخِ الَّذِي فِيهِ، فَمَن رَآهُ يَظُنُّهُ سابِغًا قَرِيبَ عَهْدٍ بِأكْلٍ.

و"خَلائِفَ" جَمْعُ خَلِيفَةٍ، كَسَفِينَةٍ وسَفائِنَ ومَدِينَةٍ ومَدائِنَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ﴾ فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ، تَقْدِيرُهُ: فَعَلَيْهِ وبالُ كُفْرِهِ وضَرَرُهُ، و"المَقْتُ" احْتِقارُكَ الإنْسانَ مِن أجْلِ مَعْصِيَتِهِ، أو بُغْضُهِ لِدِينِهِ الَّذِي يَأْتِيهِ، فَإنْ كانَ الِاحْتِقارُ تَعَسُّفًا مِنكَ فَلا يُسَمّى مَقْتًا، و"الخَسارُ" مَصْدَرٌ: مِن خَسِرَ يَخْسَرُ، أيْ: خَسِرُوا آخِرَتَهم ومَعادَهم بِأنْ صارُوا إلى النارِ والعَذابِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ ﴾ الآيَةُ، احْتِجاجٌ عَلى الكَفّارِ في بُطْلانِ أمْرِ أصْنامِهِمْ، وقَّفَهُمُ النَبِيُّ  - بِأمْرِ رَبِّهِمْ عَلى حُجَّتِهِمُ الَّتِي يَزْعُمُونَ أنَّها حَقٌّ، ثُمَّ وقَّفَهم - مَعَ اتِّضاحِ عَجْزِهِمْ عن خَلْقِ شَيْءٍ - عَلى السَمَواتِ، هَلْ لَهم فِيها شِرْكٌ؟

وظاهِرٌ بَعْدُ هَذا أيْضًا، ثُمَّ وقَّفَهم هَلْ عِنْدَهم كِتابٌ مِنَ اللهِ تَعالى يُبَيِّنُ لَهم فِيهِ ما قالُوهُ؟

أيْ: لَيْسَ ذَلِكَ كُلُّهُ عِنْدَهُمْ، ثُمَّ أضْرَبَ بَعْدَ هَذا الجَحْدِ المُقَدَّرِ فَقالَ: إنَّما يَعِدُونَ أنْفُسَهم غُرُورًا.

و"أرَأيْتُمْ" تَتَنَزَّلُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ مَنزِلَةَ "أخْبِرُونِي"، ولِذَلِكَ لا تَحْتاجُ إلى مَفْعُولَيْنِ، وأضافَ الشُرَكاءَ إلَيْهِمْ مِن حَيْثُ هم جَعَلُوهم شُرَكاءَ لِلَّهِ، أيْ: لَيْسَ لِلْأصْنامِ شَرِكَةٌ بِوَجْهٍ إلّا بِقَوْلِكُمْ، فالواجِبُ إضافَتُها إلَيْكُمْ، و"تَدْعُونَ" مَعْناهُ: تَعْبُدُونَ.

و"الرُؤْيَةُ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "أرُونِي" ﴾ رُؤْيَةُ بَصَرٍ، و"الشِرْكُ": الشَرِكَةُ، مَصْدَرٌ أيْضًا، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: [بَيِّناتٍ] بِالجَمْعِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ، ونافِعٌ - بِخِلافٍ عنهُ -: "بَيِّنَةٍ" بِالإفْرادِ، والمُرادُ بِهِ الجَمْعُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ الإفْرادَ.

كَما تَقُولُ: أنا مِن هَذا الأمْرِ عَلى واضِحَةٍ، أو عَلى جَلِيَّةٍ.

و"الغُرُورُ" الَّذِي كانُوا يَتَعاطَوْنَهُ قَوْلُهُمُ: الأصْنامُ تُقَرِّبُ مِنَ اللهِ زُلْفى، ونَحْوُهُ مِمّا يَغِيظُهم.

ولَمّا ذَكَرَ اللهُ تَعالى ما يُبَيِّنُ فَسادَ أمْرِ الأصْنامِ، ووَقَفَ عَلى الحُجَّةِ عَلى بُطْلانِها، عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ عَظَمَتِهِ وقُدْرَتِهِ، لِيَتَبَيَّنَ الشَيْءُ بِضِدِّهِ، وتَتَأكَّدَ حَقارَةُ الأصْنامِ بِذِكْرِ اللهِ تَعالى، فَأخْبَرَ عن إمْساكِهِ السَمَواتِ والأرْضَ بِالقُدْرَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ أنْ تَزُولا ﴾ مَعْناهُ: كَراهَةَ أنْ تَزُولا، ولِئَلّا تَزُولا، ومَعْنى الزَوالِ هُنا التَنَقُّلُ مِن مَكانِها، والسُقُوطُ مَن عُلُوِّها، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ: أنْ تَزُولا عَنِ الدَوَرانِ، ويَظْهِرُ مِن قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ السَماءَ لا تَدُورُ وإنَّما تَجْرِي فِيها الكَواكِبُ، وذَلِكَ أنَّ الطَبَرَيَّ أسْنَدَ أنَّ جُنْدُبًا البَجَلِيَّ رَحَلَ إلى كَعْبِ الأحْبارِ ثُمَّ رَجَعَ، فَقالَ لَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ: حَدِّثْنا ما حَدَّثَكَ، فَقالَ: حَدَّثَنِي أنَّ السَماءَ في قُطْبٍ كَقُطْبِ الرَحى، وهو عَمُودٌ عَلى مَنكِبِ مَلَكٍ، فَقالَ لَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَوَدِدْتُ أنَّكَ افْتَدَيْتَ رِحْلَتَكَ بِمِثْلِ راحِلَتِكَ ورَحْلِكَ، ما تَمَكَّنَتِ اليَهُودِيَّةُ في قَلْبِ عَبْدٍ فَكادَتْ أنْ تُفارِقَهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ إنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا ﴾ وكَفى بِها زَوالًا أنْ تَدُورَ، ولَوْ دارَتْ لَكانَتْ قَدْ زالَتْ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَلَئِنْ زالَتا ﴾ قِيلَ: يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ طَيِّ السَماءِ ونَسْفِ الجِبالِ، فَكَأنَّهُ قالَ: ولَئِنْ جاءَ وقْتُ زَوالِهِما، وقِيلَ: بَلْ ذَلِكَ عَلى جِهَةِ التَوَهُّمِ والفَرْضِ، ولَئِنْ فَرَضْنا زَوالَهُما، وكَأنَّهُ قالَ: ولَوْ زالَتا، وقالَ بَعْضُهُمْ: "لَئِنْ" في هَذا المَوْضِعِ بِمَعْنى "لَوْ"، وهَذا قَرِيبٌ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَلَوْ زالَتا".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "مِن بَعْدِهِ" ﴾ فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: مِن بَعْدِ تَرْكِهِ الإمْساكَ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: اتِّصافُهُ بِالحِلْمِ والغُفْرانِ في هَذِهِ الآيَةِ إنَّما هو إشارَةٌ إلى أنَّ السَماءَ كادَتْ تَزُولُ والأرْضَ كَذَلِكَ لِإشْراكِ الكَفَرَةِ، فَيُمْسِكُهُما اللهُ حِلْمًا مِنهُ عَنِ المُشْرِكِينَ، وتَرَبُّصًا لِيَغْفِرَ لِمَن آمَنُ مِنهُمْ، كَما قالَ: ﴿ تَكادُ السَماواتُ يَتَفَطَّرْنَ  ﴾ الآيَةُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لم يزل الكلام موجهاً لخطاب النبي صلى الله عليه وسلم ولما جرى ذكر المشركين وتعنتهم وحسبان أنهم مقتوا المسلمين عاد إلى الاحتجاج عليهم في بطلان إلهية آلهتهم بحجة أنها لا يوجد في الأرض شيء يدَّعي أنها خلقته، ولا في السماوات شيء لها فيه شرك مع الله فأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يحاجهم ويوجه الخطاب إليهم بانتفاء صفة الإِلهية عن أصنامهم، وذلك بعد أن نفى استحقاقها لعبادتهم بأنها لا ترزقهم كما في أول السورة، وبعد أن أثبت الله التصرف في مظاهر الأحداث الجوية والأرضية واختلاف أحوالها من قوله: ﴿ واللَّه الذي أرسل الرياح ﴾ [فاطر: 9]، وذكرهم بخلقهم وخلق أصلهم وقال عقب ذلك ﴿ ذلكم اللَّه ربكم له الملك ﴾ [فاطر: 13] الآية عاد إلى بطلان إلهية الأصنام.

وبنيت الحجة على مقدمة مُشاهدة انتفاء خصائص الإِلهية عن الأصنام، وهي خصوصية خلق الموجودات وانتفاء الحجة النقلية بطريقة الاستفهام التقريري في قوله: ﴿ أرأيتم شركاءكم ﴾ يعني: إن كنتم رأيتموهم فلا سبيل لكم إلا الإِقرار بأنهم لم يخلقوا شيئاً.

والمستفهم عن رؤيته في مثل هذا التركيب في الاستعمال هو أحوال المرئي وإناطة البصر بها، أي أن أمر المستفهم عنه واضح بادٍ لكل من يراهُ كقوله: ﴿ أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم ﴾ [الماعون: 1، 2] وقوله: ﴿ أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتني إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته ﴾ [الإسراء: 62] الخ..

والأكثر أن يكون ذلك توطئة لكلام يأتي بعده يكون هو كالدليل عليه أو الإِيضاح له أو نحو ذلك، فيؤول معناه بما يتصل به من كلام بعده، ففي قوله هنا: ﴿ أرأيتم شركاءكم ﴾ تمهيد لأن يطلب منهم الإِخبار عن شيء خلقه شركاؤهم فصار المراد من ﴿ أرأيتم شركاءكم ﴾ انظروا ما تخبرونني به من أحوال خلقهم شيئاً من الأرض، فحصل في قوله: ﴿ أرأيتم شركاءكم ﴾ إجمال فصّله قوله: ﴿ أروني ماذا خلقوا من الأرض ﴾ فتكون جملة ﴿ أروني ماذا خلقوا ﴾ بدلاً من جملة ﴿ أرأيتم شركاءكم ﴾ بدل اشتمال أو بدل مفصل من مجمل.

والمراد بالشركاء من زعموهم شركاء الله في الإِلهية فلذلك أضيف الشركاء إلى ضمير المخاطبين، أي الشركاء عندكم، لظهور أن ليس المراد أن الأصنام شركاء مع المخاطبين بشيء فتمحضت الإِضافة لمعنى مُدَّعَيْكُم شركاء لله.

والموصول والصلة في قوله: ﴿ الذين تدعون من دون الله ﴾ للتنبيه على الخطإ في تلك الدعوة كقول عبدة بن الطبيب: إن الذين ترونهم إخوانكم *** يشفي غليل صدورهم أن تُصرْعَوا وقرينة التخطئة تعقيبه بقوله: ﴿ أروني ماذا خلقوا من الأرض ﴾ ، فإنه أمر للتعجيز إذ لا يستطيعون أن يُرُوه شيئاً خلقته الأصنام، فيكون الأمر التعجيزي في قوة نفي أن خلقوا شيئاً مّا، كما كان الخبر في بيْت عبدة الوارد بعد الصلة قرينة على كون الصلة للتنبيه على خطأ المخاطبين.

وفعل الرؤية قلبي بمعنى الإِعلام والإِنباء، أي أنبئُوني شيئاً مخلوقاً للذين تدْعُون من دون الله في الأرض.

و ﴿ ماذا ﴾ كلمة مركبة من (ما) الاستفهامية و(ذا) التي بمعنى الذي حين تقع بعد اسم استفهام، وفعل الإِراءة معلَّق عن العمل في المفعول الثاني والثالث بالاستفهام.

والتقدير: أروني شيئاً خلقوه مما على الأرض.

و ﴿ مِن ﴾ ابتدائية، أي شيئاً ناشئاً من الأرض، أو تبعيضية على أن المراد بالأرض ما عليها كإطلاق القرية على سكانها في قوله: ﴿ واسأل القرية ﴾ [يوسف: 82].

و ﴿ أم ﴾ منقطعة للإِضراب الانتقالي، وهي تؤذن باستفهام بعدها.

والمعنى: بل ألهم شرك في السماوات.

والشرك بكسر الشين: اسم للنصيب المشترك به في ملك شيء.

والمعنى: ألهم شرك مع الله في ملك السموات وتصريف أحوالها كسير الكواكب وتعاقب الليل والنهار وتسخير الرياح وإنزال المطر.

ولما كان مقرُّ الأصنام في الأرض كان من الراجح أن تتخيَّل لهم الأوهام تصرفاً كاملاً في الأرض فكأنهم آلهة أرضية، وقد كانت مزاعم العرب واعتقاداتهم أفانين شتى مختلطة من اعتقاد الصابئة ومن اعتقاد الفُرس واعتقاد الروم فكانوا أشباها لهم فلذلك قيل لأشباههم في الإِشراك ﴿ أروني ماذا خلقوا من الأرض ﴾ ، أي فكان تصرفهم في ذلك تصرف الخالقية، فأما السماوات فقلما يخطر ببال المشركين أن للأصنام تصرفاً في شؤونها، ولعلهم لم يدّعوا ذلك ولكن جاء قوله: ﴿ أم لهم شرك في السماوات ﴾ مَجيء تكملة الدليل على الفرض والاحتمال، كما يقال في آداب البحث «فإن قلتَ».

وقد كانوا ينسبون للأصنام بنوة لله تعالى قال تعالى: ﴿ أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذن قسمة ضيزى إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل اللَّه بها من سلطان ﴾ [النجم: 19 23].

فمِن أجل ذلك جيء في جانب الاستدلال على انتفاء تأثير الأصنام في العوالم السماوية بإبطال أن يكون لها شرك في السماوات لأنهم لا يدَّعُون لها في مزاعمهم أكثر من ذلك.

ولما قضي حق البرهان العقلي على انتفاء إلهية الذين يدعون من دون الله انتقل إلى انتفاء الحجة السمعية من الله تعالى المثبتة آلهة دونه لأن الله أعلم بشركائه وأنداده لو كانوا، فقال تعالى: ﴿ أم آتيناهم كتاباً فهم على بينات منه ﴾ المعنى: بل آتيناهم كتاباً فهم يتمكنون من حجة فيه تصرح بإلهية هذه الآلهة المزعومة.

وقرأ نافع وابن عامر والكسائي وأبو بكر عن عاصم ﴿ على بينات ﴾ بصيغة الجمع.

وقرأه ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وحفص عن عاصم ويعقوب ﴿ على بَينة ﴾ بصيغة الإِفراد.

فأما قراءة الجمع فوجهها أن شأن الكتاب أن يشتمل على أحكام عديدة ومواعظ مكررة ليتقرر المراد من إيتاء الكتب من الدلالة القاطعة بحيث لا تحتمل تأويلاً ولا مبالغة ولا نحوها على حدّ قول علماء الأصول في دلالة الأخبار المتواترة دلالة قطعية، وأما قراءة الإِفراد فالمراد منها جنس البينة الصادق بأفراد كثيرة.

ووصف البينات أو البينة ب ﴿ منه ﴾ للدلالة على أن المراد كون الكتاب المفروض إيتاؤه إياهم مشتملاً على حجة لهم تثبت إلهية الأصنام.

وليس مطلق كتاب يُؤتَوْنه أمارة من الله على أنه راضضٍ منهم بما هم عليه كدلالة المعجزات على صدق الرسول، وليست الخوارق ناطقة بأنه صادق فأريد: أآتيناهم كتاباً ناطقاً مثل ما آتينا المسلمين القرآن.

ثم كرّ على ذلك كله الإِبطال بواسطة ﴿ بل ﴾ ، بأن ذلك كله منتف وأنهم لا باعث لهم على مزاعمهم الباطلة إلا وعد بعضهم بعضاً مواعيد كاذبة يغرّ بعضهم بها بعضاً.

والمراد بالذين يَعِدُونهم رؤساء المشركين وقادتهم بالموعودين عامتهم ودهماؤهم، أو أريد أن كلا الفريقين واعد وموعود في الرؤساء وأيمة الكفر يَعِدُون العامة نفعَ الأصنام وشفاعتها وتقريبها إلى الله ونصرها غروراً بالعامة والعامة تَعِدُ رؤساءها التصميم على الشرك قال تعالى حكاية عنهم: ﴿ إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها ﴾ [الفرقان: 42].

و ﴿ إن ﴾ نافية، والاستثناء مفرّع عن جنس الوعد محذوفاً.

وانتصب ﴿ غروراً ﴾ على أنه صفة للمستثنى المحذوف.

والتقدير: إن يعد الظالمون بعضهم بعضاً وعداً إلا وعداً غروراً.

والغرور تقدم معناه عند قوله تعالى: ﴿ لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد ﴾ في آل عمران (196).

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ ﴾ قالَهُ السُّدِّيُّ يَعْنِي في الأرْضِ.

﴿ أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ ﴾ حَتّى صارُوا شُرَكاءَ في خَلْقِها.

﴿ أمْ آتَيْناهم كِتابًا فَهم عَلى بَيِّنَتٍ مِنهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ كِتابًا بِأنَّ لِلَّهِ تَعالى شُرَكاءَ مِنَ المَلائِكَةِ والأصْنامِ فِيهِمْ مُسْتَمْسِكُونَ بِهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زِيادٍ.

الثّانِي: أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ كِتابًا بِأنَّ اللَّهَ لا يُعَذِّبُهم عَلى كُفْرِهِمْ فَهم واثِقُونَ بِهِ، وهو مَعْنى قَوْلِ الكَلْبِيِّ.

﴿ بَلْ إنْ يَعِدُ الظّالِمُونَ بَعْضُهم بَعْضًا إلا غُرُورًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: وعَدُوهم بِأنَّ المَلائِكَةَ يَشْفَعُونَ.

الثّانِي: وعَدُوهم بِأنَّهم يَنْصُرُونَ عَلَيْهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ هو الذي جعلكم خلائف في الأرض ﴾ قال: أمة بعد أمة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ هو الذي جعلكم خلائف في الأرض ﴾ قال: أمة بعد أمة، وقرناً بعد قرن.

وفي قوله: ﴿ أروني ماذا خلقوا من الأرض ﴾ قال: لا شيء والله خلقوا منها.

وفي قوله: ﴿ أم لهم شرك في السماوات ﴾ قال: لا والله ما لهم فيهما من شرك ﴿ أم آتيناهم كتاباً فهم على بينة منه ﴾ يقول: أم آتيناهم كتاباً فهو يأمرهم أن لا يشركوا بي.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ  ﴾ في الاستفهام في الآيتين، في (١) (٢) وقال مقاتل: ﴿ مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ ﴾ كما خلق الله آدم إن كانوا آلهة (٣) قال الفراء: أي أنهم لم يخلقوا شيئًا (٤) وقال الزجاج: (أي بأس شيء أوجبتم لهم شركة الله -عز وجل-) (٥) ﴿ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ﴾ أي: أم لهم شركة في خلق الموات.

ثم ترك هذا النظم فقال: ﴿ أَمْ آتَيْنَاهُمْ ﴾ يقول: بل آتيناهم، يعني: أهل مكة.

﴿ كِتَابًا ﴾ قال ابن عباس: يريد بعثت إليهم قبلك يا محمد نبينا، وأنزلت عليهم كتابًا (٦) وقال مقاتل: يقول هل أعطينا كفار مكة كتابًا (٧) ﴿ فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ ﴾ يعني: ما في الكتابين (٨) وقرأ أبو عمرو: بينة، جعل ما في الكتاب بينة على لفظ الإفراد وإن كانت عدة أشياء، كما قال: ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي  ﴾ (٩) ثم استأنف: ﴿ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ ﴾ أي: ما يعد الظالمون.

﴿ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا ﴾ يعني: أباطيل تغر.

قال ابن عباس: يريد ما يعدهم به إبليس وجنوده (١٠) وقال مقاتل: يعني ما يعد الشيطان كفار بني آدم من شفاعة الآلهة لهم في الآخرة إلا باطلاً ليس بشيء (١١) (١) حرف الجر (في) طمس من (ب).

(٢) لم أقف على قول أبي علي، وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 701.

(٣) انظر: "تفسير مقاتل" 104 ب.

(٤) انظر: "معاني القرآن" 2/ 370.

(٥) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 273.

(٦) انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 439، وذكر هذا القول الماوردي في "تفسيره" 4/ 478 ونسبه للكلبي.

(٧) انظر: "تفسير مقاتل" 104 أ.

(٨) هكذا في النسخ بالتثنية!

وهو خطأ؛ لأن الإشارة لم تسبق إلا إلى كتاب واحد، وهكذا وردت بالإفراد في "الوسيط" 3/ 557.

(٩) انظر: "الحجة" 6/ 29 - 30، "حجة القراءات" ص 594.

(١٠) لم أقف عليه.

(١١) انظر: "تفسير مقاتل" 104 أ.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَآءَكُمُ ﴾ الآية احتجاج على المشركين وإبطال لمذهبهم ﴿ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ ﴾ أي نصيب ﴿ على بَيِّنَةٍ ﴾ قرأ نافع بيِّنات أي على أمر جليّ، والضمير في أتيناهم يحتمل أن يكون للأصنام أو للمشركين وهذا أظهر في المعنى والأول أليق بما قبله من الضمائر.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يدخلونها ﴾ مجهولاً: ابو عمرو و ﴿ يجزي ﴾ مجهولاً غائباً كل بالرفع: أبو عمرو.

الباقون: بالنون مبيناً للفاعل كل بالنصب و ﴿ مكر السيء ﴾ بهمزة ساكنة: حمزة استثقالاً للحركات، وحمله النحويون على الاختلاس، وإذا وقف يبدل من الهمزة ياء ساكنة.

الوقوف: ﴿ ماء ﴾ ج للعدول ﴿ ألوانها ﴾ الأولى ج ﴿ سود ﴾ ه ﴿ كذلك ﴾ ط ﴿ العلماء ﴾ ط ﴿ غفور ﴾ ه ﴿ لن تبور ﴾ ه ﴿ فضله ﴾ ط ﴿ شكور ﴾ ه ﴿ يديه ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ عبادنا ﴾ ج ﴿ لنفسه ﴾ ج ﴿ مقتصد ﴾ ج تفصيلاً بين الجمل مع النسق ﴿ بإذن الله ﴾ ط ﴿ الكبير ﴾ ه ط لأن ما بعده مبتدأ لا بدل ﴿ ولؤلؤاً ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ حرير ﴾ ه ﴿ الحزن ﴾ ط ﴿ شكور ﴾ ه ﴿ فضله ﴾ ج لاحتمال الاستئناف والحال ﴿ لغوب ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ج لمثل ما قلنا ﴿ عذابها ﴾ ط ﴿ كفور ﴾ ه ج لاحتمال الواو الحال ﴿ فيها ﴾ ج للقول المحذوف ﴿ كنا نعمل ﴾ ط ﴿ النذير ﴾ ه ﴿ نصير ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ كفره ﴾ ط ﴿ مقتاً ﴾ ج وان اتفقت الجملتان ولكن لتكرار الفعل وتصريح الفاعل والمفعول في الثانية ﴿ خساراً ﴾ ه ﴿ دون الله ﴾ ط ﴿ السموات ﴾ ج لاحتمال أن "أم" منقطعة ﴿ منه ﴾ ج ﴿ غروراً ﴾ ه ﴿ تزولا ﴾ ج لابتداء ما في معنى القسم مع الواو ﴿ من بعده ﴾ ط ﴿ غفوراً ﴾ ه ﴿ الأمم ﴾ ج ﴿ نفوراً ﴾ ه لا ﴿ ومكر السيء ﴾ ط ﴿ بأهله ﴾ ط ﴿ الأولين ﴾ ج لانتهاء الاستفهام مع اتصال الفاء ﴿ تبديلاً ﴾ هج ﴿ تحويلاً ﴾ ه ﴿ قوة ﴾ ط ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ قديراً ﴾ ه ﴿ مسمى ﴾ ج ﴿ بصيراً ﴾ ه.

التفسير: لما بين دلائل الوحداينة بطريق الإخبار ذكر دليلاً آخر بطريق الاستخبار لأن الشيء إذا كان خفياً ولا يراه من بحضرتك كان معذوراً، أما إذا كان بارزاً مكشوفاً فإنك تقول: أما تراه.

والمخاطب إما كل أحد أو النبي  لأن السيد إذا نصح بعض العباد ولم ينفعهم الإرشاد قال لغيره.

اسمع ولا تكن مثل هذا ويكرر معه ما ذكره مع الأول.

والالتفات في ﴿ فأخرجنا ﴾ لأن نزول الماء يمكن أن يقال: إنه بالطبع ولكن الإخراج لا يمكن إلا بإرادة الله.

وأيضاً الإخراج أتم نعمة من الإنزال لأن إنزال المطر لفائدة الإخراج.

واختلاف ألوان الثمرات اختلاف" أصنافها أو هيئاتها، والجدد الخطط، والطرائق "فعلة" بمعنى "مفعول" والجد القطع.

قال جار الله: لا بدّ من تقدير مضاف أي ومن الجبال ذو جدد بيض وحمر مختلف ألوانها في البياض والحمرة، لأن الأبيض قد يكون على لون الجص وقد يكون أدنى من ذلك، وكذلك الحمرة.

والغرابيب تأكيد للسود إلا أنه أضمر المؤكد أوّلاً ثم أظهر ثانياً على طريقة قوله: والمؤمن العائذات الطير *** وإنما لم يتصوّر اختلاف الألوان ههنا لأن السواد إذا كان في الغاية لم يكن بعدها لون.

يقال: أسود غربيب للذي أبعد في السواد وأغرب فيه ومنه الغراب.

ويمكن أن يقال: إن المختلف صفة الحمر فقط.

وحين فرغ من دلائل النبات وما يشبه المعادن شرع في الاستدلال بالحيوان، وقدّم الإنسان لشرفه، ثم ذكر الدواب على العموم، ثم خصص الأنعام، أو أراد بالدابة الفرس فجعله لشرفه رديف الإنسان.

وقوله ﴿ مختلف ﴾ اي بعض مختلف ﴿ ألوانه ﴾ وذكر الضمير تغليباً للإنسان أو نظراً إلى البعض.

وقوله ﴿ كذلك ﴾ أي كاختلاف الجبال والثمرات، وفيه ن هذه الأجناس كما أنها في أنفسها دلائل فهي باختلافها أيضاً دلائل.

وحين خاطب نبيه بقوله ﴿ ألم تر ﴾ بمعنى ألم تعلم أتبعه قوله ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء ﴾ كأنه قال: إنما يخشاه مثلك ومن على صفتك ممن نظر في دلائله فعرفه حق معرفته، أو أراد أن يعرّفه كنه معرفته لأن الخشية على حسب العلم بنعوت كماله وصفات جلاله.

وفي الحديث "أعلمكم بالله أشدّكم خشية له" وفائدة تقديم المفعول أن يعلم أن الذين يخشون الله من بين عباده هم العلماء دون غيرهم، ولو أخر المفعول كان معنى صحيحاً وهو أنهم لا يخشون أحداً إلا الله إلا أن ذلك غير مراد ههنا.

وعن عمر بن عبد العزيز ويحكى عن أبي حنيفة قرءا برفع الله ونصب العلماء فتكون الخشية مستعارة للتعظيم اي لا يعظم الله ولا يجل من الرجال إلا العلماء به.

ثم بين السبب الباعث على الخشية بقوله ﴿ إن الله عزيز غفور ﴾ فالعزة توجب الخوف من أليم عقابه والمغفرة توجب الطمع في نعيمه وثوابه، وفيه أن خوف المؤمن ينبغي أن يكون مخلوطاً برجائه.

ثم مدح العالمين العاملين بقوله ﴿ إن الذين يتلون ﴾ الآية.

قال أهل التحقيق: قوله ﴿ إنما يخشى الله ﴾ إشارة إلى عمل القلب، وقوله ﴿ إن الذين يتلون ﴾ أي يداومون على التلاوة إشارة إلى عمل اللسان.

وقوله ﴿ وأقاموا الصلاة ﴾ إشارة إلى عمل الجوارح، والكل أقسام التعظيم لأمر الله.

ثم اشار إلى الشفقة على خلق الله بقوله ﴿ وأنفقوا مما رزقناكم ﴾ وقوله ﴿ يرجون ﴾ وهو خبر "إن" إشارة إلى الإخلاص في العقائد والأعمال أي نفقون من الأموال لا ليقال إنه كريم أو لغرض آخر بل لتجارة لا كساد فيها ولا بوار وهي طلب مرضاة الله.؟

وقوله ﴿ ليوفيهم ﴾ متعلق بـ ﴿ لن تبور ﴾ أي تنفق عند الله ليوفيهم بنفاقها عنده أجورهم.

وجوّز جار الله أن يجعل ﴿ يرجون ﴾ في موضع الحال واللام متعلق بالأفعال المتقدّمة اي فعلوا جميع ما ذكر من التلاوة والإقامة والإنفاق لغرض التوفية.

وخبر "إن" قوله ﴿ إنه غفور ﴾ لهم ﴿ شكور ﴾ لأعمالهم.

وحين ذكر دلائل الوحدانية أتبعه بيان الرسالة وذكر حقيقة الكتاب المتلوّ والكتاب للجنس فـ "من" للتبعيض أو هو القرآن، و"من" للتبيين أو هو اللوح المحفوظ و"من" للابتداء وقد مرّ في البقرة أن قوله ﴿ مصدقاً ﴾ حال مؤكدة.

وفي قوله ﴿ إن الله بعباده لخبير بصير ﴾ تقرير لكونه حقاً لأن الذي يكون عالماً بالبواطن والظواهر لم يمكن أن يكون في كلامه شوب باطل.

وفيه لم يختر محمداً للرسالة جزافاً وعلى سبيل الاتفاق ولكنه أعلم حيث يجعل رسالته.

قوله ﴿ ثم أورثنا الكتاب ﴾ زعم جمع من المفسرين أن الكتاب للجنس بدليل قوله فيما قبل ﴿ جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر ﴾ والإيراث الإعطاء، والمصطفون من عبيده هم الأنبياء كأنه قال: علمنا البواطن وابصرنا الظواهر فاصطفينا عباداً ثم أورثناهم الكتاب.

وعلى هذا فالمراد بالظلم على النفس وضع الشيء في غير موضعه وإن كان بترك الأولى ومنه قول ابينا آدم ﴿ ربنا ظلمنا أنفسنا  ﴾ وقول يونس ﴿ إني كنت من الظالمين  ﴾ وإذا كان الظلم بهذا المعنى جائزاً عليهم فالاقتصاد أولى.

ويجوز أن يعود الضمير في قوله ﴿ فمنهم ﴾ إلى الأمة كأنه قيل: إن الذي أوحينا إليك هو الحق وأنت المصطفى كما اصطفينا رسلنا، وآتيناهم كتباً فمن قومك ظالم كفر بك وبما أنزل إليك، ومقتصد آمن به ولم يأتِ بجميع ما أمر به، وسابق آمن وعمل صالحاً.

وقال أكثرهم: إنه القرآن والإيراث الحكم بالتوريث أو هو على عادة إخبار الله في التعبير عن المستقبل بالماضي لتحققه أي نريد أن نورثه.

والمصطفون هم الصحابة والتابعون ومن بعدهم إلى يوم القيامة كقوله ﴿ كنتم خير أمة  ﴾ ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطا  ﴾ وعلى هذا ففي تفسير المراتب الثلاثة أقوال أحدها: الظالم الراجح السيئات، والمقتصد المتساوي الحسنات والسيئات، والسابق راجح الحسنات.

ثانيها الظالم من ظاهره خير من باطنه، والمقتصد المتساوي، والسابق من باطنه خير.

ثالثها: الظالم صاحب الكبيرة، والمقتصد صاحب الصغيرة، والسابق المعصوم.

رابعها: عن علي  : الظالم أنا، والمقتصد أنا، والسابق أنا.

فقيل له: كيف ذاك؟

قال: أنا ظالم بمعصيتي، ومقتصد بتوبتي، وسابق بمحبتي.

خامسها: الظالم التالي للقرآن غير العالم به ولا العامل بموجبه، والمقتصد التالي العالم غير العامل، والسابق التالي العامل سادسها: الظالم الجاهل، والمقتصد المتعلم، والسابق العالم.

سابعها: الظالم من يحاسب فيدخل النار وهو أصحاب المشأمة، والمقتصد من يحاسب فيدخل الجنة وهو اصحاب الميمنة، والسابق من يدخل الجنة بغير حساب، ثامنها: الظالم من خالف أوامر الله وارتكب مناهيه فإنه واضع للتكليف في غير موضعه، والمقتصد هو المجتهد في أداء التكاليف وإن لم يوفق لذلك فإنه قصد الحق واجتهد، والسابق هو الذي لم يخالف تكاليف الله بتوفيقه دليله قوله في الأخير ﴿ بإذن الله ﴾ وذلك أنه إذا وقع الخير في نفسه سبق إليه قبل تسويل النفس، والمقتصد يقع في قلبه فتردّده النفس، والظالم تغلبه النفس.

وبعبارة أخرى من غلبته النفس الأمارة وأمرته فأطاعها ظالم، ومن جاهد نفسه فغلبته تارة غلب أخرى فهو المقتصد صاحب النفس اللوامة، ومن قهر نفسه فهو السابق.

وفي تقديم الظالم ثم المقتصد إيذان بأن المقتصدين أكثر من السابقين والظالمون أكثر الأقسام كما قال ﴿ وقليل من عبادي الشكور  ﴾ ﴿ ذلك ﴾ الذي ذكر من التوفيق أو من السبق بالخيرات أو من الإيراث ﴿ هو الفضل الكبير ﴾ قال جار الله: أبدل قوله ﴿ جنات عدن ﴾ من الفضل لأنها مسببة عنه وكأنها هو.

قلت: ويمكن أن يقال ﴿ جنات عدن ﴾ مبتدأ لأنها معرفة بدليل قوله ﴿ جنات عدن التي وعد الرحمن  ﴾ ولئن سلم أنها نكرة فليكن ﴿ يدخلونها ﴾ صفة له وخبرها ﴿ يحلون ﴾ ثم إن ضمير ﴿ يدخلون ﴾ إن عاد إلى التالين لكتاب الله أو إلى السابقين فلا إشكال؛ فالظالم يدخل النار والمقتصد يكون أمره موقوفاً كقوله ﴿ وآخرون مرجون لأمر الله  ﴾ أو كقوله ﴿ وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً ﴾ وإن عاد إلى الفرق الثلاث فبشرط العفو أو بشرط التوبة، وقد يروى عن رسول الله  : "سابقنا سابق ومقتصدنا ناج وظالمنا مغفور له" وفي تقديم ﴿ جنات عدن ﴾ وبناء الكلام عليها دون أن يقول "يدخلون جنات عدن" إيذان بأن الاهتمام بشأنها أكثر فإن نظر السامع على المدخول فيه لا على نفس الدخول.

وقد مرت العبارة الأصلية في سورة الحج في قوله ﴿ إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات  ﴾ إلى قوله ﴿ حرير  ﴾ وتغيير العبارة في هذا المقام لمزيد هذه الفائدة والله أعلم.

وفي قوله ﴿ يحلون فيها ﴾ إشارة إلى سرعة الدخول فإن في تحليتهم خارج الجنة تأخيراً للدخول.

وفي تحليتهم بالسوار إشارة إلى أمرين: أحدهما الترفه والتنعم، الثاني أنهم لا يحتاجون فيها إلى عمل من الصبخ وتهيئة سائر الأسباب.

قال جار الله: أي يحلون بعض أساور من ذهب كأنه بعض سابق لسائر الأبعاض كما سبق المسوّرون به غيرهم، والذهب واللؤلؤ إشارة إلى النوعين اللذين منهما الحليّ.

وقيل: إن ذلك الذهب في صفاء اللؤلؤ، والحزن للجنس فيعم كل حزن من أحزان الدنيا والدين كما روي عن رسول الله  "ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم ولا في محشرهم وكأني بأهل لا إله إلا الله يخرجون من قبورهم وهم ينفضون التراب عن وجوههم ويقولون الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن" وقد خصه جمع من المفسرين بخوف سوء العاقبة أو بحزن الآفات أو بحزن الموت أو بهمّ المعاش حتى قال بعضهم: كراء الدار والتعميم أولى.

والمقامة بمعنى الإقامة والفضل التفضل.

وعند المعتزلة العطاء لأن الثواب أجر مستحق واجب عندهم.

والنصب التعب والمشقة التي تصيب المزاول للأمر المنتصب له.

واللغوب ما يلحقه من الفتور والكلال بعد ذلك قاله جار الله.

وقال غيره: إن الذي يباشر عملاً من الأعمال لا يظهر عليه الإعياء إلا بعد أن يستريح، فالمراد أنهم لايخرجون من الجنة إلى موضع يتعبون بسبب ذلك ثم يلحقهم الإعياء بعد الرجوع.

ثم عطف قوله ﴿ والذين كفروا ﴾ على قوله ﴿ إن الذين يتلون ﴾ وقوله ﴿ فيموتوا ﴾ جواب للنفي والتقدير لا يقضي عليهم بالموت فيستريحوا و ﴿ يصطرخون ﴾ يفتعلون من الصراخ وهو الصياح بجهد وشدّة كشأن المستغيث.

وفائدة قوله ﴿ غير الذي كنا نعمل ﴾ زيادة التحسر على ما عملوه من غير الصالح، أو المراد نعمل صالحاً غير الذي كنا نحسبه صالحاً لأنهم كانوا يحسبون أنهم يحسنون.

وفيه إشارة إلى أنهم في الآخرة أيضاً ضالون لم يهدهم الله في الآخرة كما لم يهدهم في الدنيا، ولو كانوا مهتدين لقالوا: ربنا زدت للمحسنين حسنات بفضلك لا بعملهم ونحن أحوج إلى تخفيف العذاب منهم إلى تضعيف الثواب فافعل بنا ما أنت أهله نظراً إلى فضلك، ولا تفعل بنا ما نحن أهله نظراً إلى عدلك، وانظر إلى مغفرتك الهاطلة ولا تنظر إلى معذرتنا الباطلة.

وهذا بخلاف حال المؤمن هداه في العقبى كما هداه في الدنيا حتى دعاه بأقرب دعاء إلى الإجابة، وأثنى عليه بأطيب ثناء عند الإنابة فقالوا ﴿ الحمد لله ﴾ وقالوا ﴿ إن ربنا لغفور ﴾ اعترافاً بتقصيرهم ﴿ شكور ﴾ إقراراً بوصول ما لم يخطر ببالهم إليهم وأحالوا الكل إلى فضله تصريحاً بأنه لا عمل لهم بالنسبة إلى بحار نعمه.

قوله ﴿ أولم نعمركم ﴾ استفهام فيه توبيخ وإفحام وهو متناول لكل عمر تمكن فيه المكلف من إصلاح شأنه إلا أن التوبيخ في العمر الطويل أعظم.

عن النبي  "العمر الذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون سنة" وروي "من جاوز الأربعين ولم يغلب خيره شره فليتجهز إلى النار" وعن مجاهد: ما بين العشرين إلى الستين.

وقيل: ثماني عشرة وسبع عشرة.

وقوله ﴿ وجاءكم ﴾ معطوف على المعنى كأنه قيل: قد عمرناكم وجاءكم ﴿ النذير ﴾ وهو النبي  .

وقيل: الشيب.

فبين بالجملتين أن القابل موجود والفاعل حاصل، فالعذر غير مقبول ﴿ فذوقوا ﴾ العذاب ﴿ فما للظالمين ﴾ الذين وضعوا أعمالهم في غير موضعها وأتوا بالمعذرة في غير وقتها ﴿ من نصير ﴾ نفى الأنصار والناصرين في آخر "آل عمران" وفي "الروم" ووحد ههنا كأنهم في النار قد أيسوا من كثير ممن كانوا يتوقعون منهم النصرة إلا من نصير واحد وهو الله  .

ثم كان لسائل أن يسأل: ما بال الكافر يعذب ابداً وإنه ما كفر إلا أياماً معدودة فلا جرم قال ﴿ إن الله عالم غيب السموات والأرض ﴾ فكان يعلم من الكافر أن الكفر قد تمكن في قلبه بحيث لو دام إلى الأبد لما أطاع الله ولا عبده.

وذات الصدور صواحباتها من الظنون والعقائد فذو موضوع لمعنى الصحبة، فالصدور ذات العقائد والعقائد ذات الصدور باعتبار أنها تصحبها.

وحين ذكرهم بما مر من أنه سوف يوبخهم بالتعمير وإيتاء العقول وإرسال من يؤيد المعقول بالمنقول وعظهم بأنه ﴿ هو الذي جعلكم ﴾ وفقد العاطف هنا خلاف ما في آخر "الأنعام" للعدول عن خطاب أهل الآخرة إلى خطاب أهل الدنيا.

وقال ههنا ﴿ خلائف في الأرض ﴾ بزيادة "في" المفيدة لتمكن المظروف في الظرف لأجل المبالغة والترقي من الأدنى إلى الأعلى كأنه قيل: أمهلتهم وعمرتم وأمرتم على لسان الرسل بما أمرتم وجعلتم خلفاء الهالكين الماضين فأصبحتم بحالهم راضين ﴿ فمن كفر ﴾ بعد هذا كله ﴿ فعليه ﴾ وبال ﴿ كفره ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتاً ﴾ لأن الكافر السابق ممقوت واللاحق الذي أنذروه الرسول ولم ينتبه أمقت لأنه رأى عذاب من تقدّمه ولم يتنبه ﴿ ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا ﴾ فإن العمر كرأس مال من اشترى به رضا الله ربح ومن اشترى به سخطه خسر.

ثم وبخ أهل الشرك بقوله ﴿ قل أرأيتم ﴾ وأبدل منه ﴿ أروني ﴾ كأنه قال: أخبروني عن هؤلاء الشركاء، أروني أيّ جزء من أجزاء الأرض استبدّوا بخلقه ﴿ أم لهم ﴾ مع الله ﴿ شرك في ﴾ خلق ﴿ السموات ﴾ أم معهم أو مع عابديهم كتاب من عند الله فهم على برهان من ذلك الكتاب.

والإضافة في ﴿ شركائكم ﴾ لملابسة العبادة، أو المراد كونهم شركاءهم في النار كقوله ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم  ﴾ ﴿ بل إن يعد الظالمون بعضهم ﴾ وهم الرؤساء ﴿ بعضاً ﴾ وهم الأتباع ﴿ إلا غروراً ﴾ وهو قولهم ﴿ هؤلاء شفعاؤنا  ﴾ وحين بين عجز الأصنام أراد أن يبين كمال القدرة فقال ﴿ إن الله يمسك السموات والأرض ﴾ أي يمنعهما من ﴿ أن تزولاً ﴾ أو كراهة زوالهما عن مقرهما ومركزهما، ولو فرض زوالهما بأمر الله فلن يمسكهما أحد من بعد زوالهما أو من بعد الله.

وقيل: أراد أنهما كانتا جديرتين بأن تهدّ هدّاً لعظم كلمة الشرك كقوله ﴿ تكاد السموات يتفطرن منه  ﴾ يؤيد هذا الوجه قوله ﴿ إنه كان حليماً ﴾ غير معاجل بالعقوبة ﴿ غفوراً ﴾ لمن تاب من الشرك.

قال المفسرون: بلغ قريشاً قبل مبعث رسول الله أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم فقالوا: لعن الله اليهود والنصارى أتتهم رسلهم فكذبوا فوالله لئن أتانا رسول لكنا أهدى.

وزيف هذا النقل بأن المشركين كانوا منكرين للرسالة والحشر فكيف اعترفوا بأن اليهود والنصارى جاءهم رسل.

سلمنا لكنهم كيف عرفوا تكذيب اليهود وتحريفهم ولم يأتهم رسول ولا كتاب؟

فالوجه الصحيح في سبب النزول أنهم كانوا يقولون: لو جاءنا رسول لم ننكره وإنما ينكرون كون محمد  رسولاً لأنه كاذب، ولو صح كونه رسولاً لآمنا.

وقوله ﴿ من إحدى الأمم ﴾ ليس للتفضيل بل المراد أنا نكون أهدى مما نحن عليه ونكون من إحدى الأمم كقولك: زيد من المسلمين.

أو هو للتفضيل والأمم لتعريف العهد أي أمة محمد وموسى وعيسى عليهم السلام، أو للعموم أي أهدى من ايّ أمة تفرض ويقال فيها إحدى الأمم تفضيلاً لها على غيرها في الهدى والاستقامة.

﴿ فلما جاءهم نذير ﴾ هو محمد  الذي صح لهم نذارته بالمعجزات الباهرة ﴿ ما زادهم ﴾ هو أو مجيئه ﴿ إلا نفوراً ﴾ كأنه صار سبباً في نفارهم عن الحق عناداً وكبراً فانتصب ﴿ استكباراً ﴾ على أنه مفعول لأجله أو حل ويجوز أن يون بدلاً من ﴿ نفوراً ﴾ وقوله ﴿ ومكر ﴾ من إضافة المصدر إلى صفة معموله أصله وأن مكروا السيء أي المكر السيء، والمكر هو مكرهم بالنبي  من الهّم بالقتل والإخراج وقد حاق بهم يوم بدر، أو هو عام وعاقبة الماكر وخيمة يصل إليه جزاؤه عاجلاً أو آجلاً.

عن النبي  "لا تمكروا ولا تعينوا ماكراً فإن الله يقول ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله" .

وفي أمثالهم "من حفر لأخيه جبا وقع فيه منكباً".

وفي قوله ﴿ بأهله ﴾ دون أن يقول "إلا بالماكر إشارة إلى أن الرضا بالمكر والإعانة عليه كهو فيندرج صاحبه في زمرة أهل المكر.

وقوله ﴿ سنة الأوّلين ﴾ من إضافة المصدر إلى المفعول.

وقوله ﴿ سنة الله ﴾ من إضافته إلى الفاعل والمراد بها إنزال العذاب على أمثالهم من مكذبي الرسل، جعل استقبالهم لذلك واستعجالهم إياه انتظاراً له منهم.

والتبديل تغيير الصورة مع بقاء المادة، والتحويل نقل الشيء من مكان إلى مكان آخر.

خص هذه السورة بالجمع بين الوصفين لأن كثيراً من أحوال الكفرة جاءت ههنا مثناة كقوله ﴿ ولا يزيد الكافرين ﴾ إلى قوله ﴿ إلا خساراً ﴾ وكقوله ﴿ إلا نفوراً استكباراً في الأرض ومكر السيء ﴾ ويحتمل أن يريد بسنة الأوّلين استمرارهم على الإنكار كأنه قال: أنتم تريدون الإتيان بسنة الأوّلين والله يأتي بسنة لا تبدل.

العذاب المعلوم بنوع آخر ولا تحوّله عن مستحقيه إلى من لا يستحقه.

ثم أمرهم بالسير وذكرهم ما رأوه في مسايرهم ومتاجرهم إلى الشام والعراق واليمن من آثار الهالكين الأقدمين مع وفور قوّتهم وكثرة شوكتهم.

ثم بين كمال علمه ونهاية قدرته على اتصال أصناف الاستحقاقات بقوله ﴿ وما كان الله ليعجزه ﴾ أي ليسبقه ويفوته شيء.

ثم ختم السورة بما يدل على غاية حلمه وهو أنه لا يؤاخذ الناس بكل جرم ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ هو القيامة وهو يومئذ أعلم بأحوالهم علماً عيانياً فيجزي كلاً بحسب علمه، وقد مر مثل الآية في سورة النحل.

وقيل: الأجل هو يوم لا يوجد في الخلق من يؤمن أو حين يجتمع الناس على الضلال والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .

فإن كان المخاطبون به أصحاب رسول الله وأمته، فيخبر أنه جعلهم خلائف من تقدم منهم من القرون والأمم الماضية بعد ما أهلكوا أو استؤصلوا، وإن كان المخاطبون به بني آدم كلهم فيخبر أنكم خلف من تقدمكم من الجن والملائكة؛ لأنه ذكر أن الجن كانوا سكان الأرض قبل بني آدم، فجعلوا خلائف الجن.

ثم وجه الحكمة في جعل بعض خلائف بعض وإنشاء قرن بعد فناء آخر، وإفناء آخر بعد إنشاء آخر وجوه: أحدها: أن يعرفوا أنه إنما أنشأهم لعاقبة تقصد وتتأمل؛ حيث أنشأ قرناً ثم أفناهم، ثم أنشأ غيرهم، ولو لم يكن في إنشائهم إلا هذا، كان إنشاؤه إياهم للفناء خاصة؛ إذ من بنى في الشاهد بناء للنقض والفناء لا لعاقبة تقصد به، كان في بنائه عابثاً سفيها؛ فعلى ذلك إنشاء هؤلاء في هذه الدنيا، لو لم يكن لعاقبة كان الإنشاء للفناء، وذلك عبث غير حكمة.

والثاني: أن يعرفوا أن الدنيا ليست هي دار القرار والمقام، إنما هي مجعولة زاداً للآخرة، وبلغة إليها، ومسلكاً لها، ومنزلا ينزل فيها؛ ثم يرتحل كالمنازل المجعولة للنزول فيها في الأسفار والتزود منها ثم الارتحال، لا للمقام فيها؛ فعلى ذلك الدنيا جعلت لما ذكرنا؛ لئلا يطمئنوا إليها ولا يركنوا ويعملون عمل من يريد الارتحال عنها لا عمل المقيم فيها.

والثالث: أن يعرفوا أن الآلام التي جعلت فيها واللذات ليست بدائمة أبداً، بل على شرف الزوال والتحول؛ لأن في الحياة لذة وفي الموت ألماً، فلا دامت اللذة و[لا] الألم؛ لأنه أحيا قرناً ثم أفناهم ثم أحيا قرناً آخر وأفناهم، فلا دامت اللذة ولا الآلام، ولكن انقضيا؛ ليعلموا أنهما لا يدومان أبداً، ولكن يزولان.

والرابع: أن يعتبروا بمن تقدم منهم من القرون: أنه على ماذا يكون الثناء الحسن، ويبقى الأثر والذكر الجميل؟

وبأي عمل ينقطع ويفنى ذلك؟

فمن كان من متبعي الرسل وقادة الخير والتوحيد والطاعة، فبقي له أثر الخير والثناء الحسن والذكر الجميل، ومن كان من أتباع أهل الكفر والشر لم يبق لهم شيء من ذلك؛ ليعملوا بالذي يُبقي لهم الثناء الحسن ويعقب لهم الذكر لا الذي يقطع ذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ﴾ .

أي: عليه ضرر كفره.

﴿ وَلاَ يَزِيدُ ٱلْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً...

﴾ الآية.

أي: لا يزيد كفرهم بالله وبرسوله وعبادتهم الأصنام إلا مقتاً وخساراً؛ لأنهم كانوا يعبدونها رجاء أن تشفع لهم يوم القيامة، ورجاء أن تقرب عبادتهم إلى الله زلفى؛ يقول - والله أعلم -: لا يزيد ذلك لهم إلا مقتاً من ربهم وخساراً.

أو يكون أعمالهم التي عملوا في هذه الدنيا من صلة الأرحام والقرب التي رجوا منها الربح والنفع في الآخرة لا يزيد ذلك لهم إلا مقتاً وخساراً، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأَرْضِ ﴾ .

ظاهر قوله: ﴿ أَرُونِي ﴾ أمر، لكنه يخرج على وجهين: أحدهما: على الإعجاز، أي: يعجز ولا يقدر ما تعبدون من دونه خلق السماوات والأرض، ولا إشراكه في خلق السماوات، ولا إنزال كتاب من السماء؛ ليأمرهم بذلك، بل الله هو الخالق لذلك كله وهو القادر عليه، فكيف صرفتم العبادة عنه والألوهية إلى من هو عاجز عن ذلك كله؟!

والثاني: على التنبيه والتعبير لهم والتسفيه لأحلامهم؛ يقول - والله أعلم -: إنكم تعلمون أن الأصنام التي تعبدونها دون الله وتسمونها: آلهة لم يخلقوا شيئاً مما ذكر، ولا لهم شرك في ذلك ولا لكم كتاب يبيح لكم ذلك ويأذن لكم، وتعلمون أن الله هو الفاعل لذلك كله حيث قال: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ  ﴾ ، ولا لهم كتاب في ذلك؛ لأن الكتاب جهة وصوله إليه الرسول، وأنتم لا تؤمنون بالرسول، فكيف عبدتموها وتركتم عبادة من تعلمون أنه الفاعل لذلك والقادر عليه؟!

وقوله: ﴿ مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأَرْضِ ﴾ .

يحتمل جواهر الأرض نفسها، ويحتمل الخارج منها مما به معاشهم وقوامهم؛ وكذلك قوله: ﴿ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ ﴾ يحتمل في جواهرها، ويحتمل ما ينزل عنها مما به معاشهم وأرزاقهم.

وقوله: ﴿ فَهُمْ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّنْهُ ﴾ أي: على حجة وبيان منه.

وقوله: ﴿ بَلْ إِن يَعِدُ ٱلظَّالِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضاً إِلاَّ غُرُوراً ﴾ .

يحتمل وعدهم الذي ذكر لبعضهم بعضاً ما قالت القادة منهم والرؤساء للأتباع: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ ، و ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ وما لبسوا هم على الأتباع من أمر الكتاب والرسول: هو ساحر كذاب، وأنه مفتر، وأمثال ذلك مما يكثر عدده، فذلك كله منهم تغرير للأتباع.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ ﴾ .

يحتمل أن يكون هذا صلة ما تقدم من قوله: ﴿ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأَرْضِ ﴾ ، فإن كان على هذا فيقول: تعلمون أن الله هو رافع السماوات والأرض والممسك لهما والمانع عن أن تزولا عن مكانهما، لا يقدر أحد على إعادتهما، ولا أمسكهما سواء، فكيف تعبدون من لا يملك ذلك؟!

أو أن يكون ذلك قوله: ﴿ تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ...

﴾ الآية [مريم: 90]، كادتا أن يتفطرن ويتشققن حين قالوا: لله ولد، وله شريك، فإذا قالوا: اتخذ الله ولدا كادتا أن تزولا من مكانهما، وتسقطا عليهم تعظيماً؛ لما قالوا في الله  .

وجائز أن يكون لا على الصلة بشيء مما ذكرنا ولكن على الابتداء، فإن كان على الابتداء فهو يخبر عن قدرته وسلطانه؛ حيث رفع السماء وأمسكها في الهواء مع غلظها وشدتها بلا عمد من تحت ولا شيء من فوق، يمنعها عن الانحدار والزوال عن مكانها والإقرار على ذلك والتقرير، وفي الشاهد أن ليس في وسع أحد من الخلائق إمساك الشيء في الهواء ولا إقامته إلا بأحد هذين السببين: إما من تحت، وإما من فوق، وكذلك الأرض حيث دحاها وبسطها على الماء، ومن طبعها التسرب والتسفل في الماء لا القرار عليه؛ حيث لا يحفر مكان منها إلا ويخرج منه الماء؛ فدل تقرير الأرض على الماء وإمساك السماء في الهواء بلا شيء يقرهما ويمنعهما عن التسفل والانحدار - أنه الواحد القادر بذاته لا يعجزه شيء.

وقوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً ﴾ .

﴿ حَلِيماً ﴾ : حين لم يرسل السماوات عليهم؛ لعظيم فريتهم على الله والقول فيه بما لا يليق به -  وتعالى عما يقول الظالمون علوّاً كبيراً - وحيث لم يعجل بعقوبتهم في الدنيا، ﴿ غَفُوراً ﴾ : رحيماً حيث ستر عليهم ذلك، ولم يفضحهم في الدنيا، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: أخبروني عن شركائكم الذين تعبدونهم من دون الله، ماذا خلقوا من الأرض؟

أخلقوا جبالها؟

أخلقوا أنهارها؟

أخلقوا دوابَّها؟

أم أنهم شركاء مع الله في خلق السماوات؟

أم أعطيناهم كتابًا فيه حجة على صحة عبادتهم لشركائهم؟

لا شيء من ذلك حاصل، بل لا يَعِدُ الظالمون لأنفسهم بالكفر والمعاصي بعضهم بعضًا إلا خداعًا.

<div class="verse-tafsir" id="91.QjkE5"

مزيد من التفاسير لسورة فاطر

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 17 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 17.7 / 29.5
الإضاءة 91%
الهلال الجديد بعد 12 يوم
الحمد لله