الإسلام > القرآن > سور > سورة 36 يس > الآية ٨٠ من سورة يس
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 79 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٨٠ من سورة يس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون ) أي : الذي بدأ خلق هذا الشجر من ماء حتى صار خضرا نضرا ذا ثمر وينع ، ثم أعاده إلى أن صار حطبا يابسا ، توقد به النار ، كذلك هو فعال لما يشاء ، قادر على ما يريد لا يمنعه شيء .
قال قتادة في قوله : ( الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون ) يقول : الذي أخرج هذه النار من هذا الشجر قادر على أن يبعثه .
وقيل : المراد بذلك سرح المرخ والعفار ، ينبت في أرض الحجاز فيأتي من أراد قدح نار وليس معه زناد ، فيأخذ منه عودين أخضرين ، ويقدح أحدهما بالآخر ، فتتولد النار من بينهما ، كالزناد سواء .
روي هذا عن ابن عباس ، رضي الله عنهما .
وفي المثل : لكل شجر نار ، واستمجد المرخ والعفار .
وقال الحكماء : في كل شجر نار إلا الغاب .
القول في تأويل قوله تعالى : الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80) يقول تعالى ذكره: قل يحييها الذي أنشأها أول مرة ( الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ &; 20-556 &; مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نَارًا ) يقول: الذي أخرج لكم من الشجر الأخضر نارا تُحْرق الشجر، لا يمتنع عليه فعل ما أراد، ولا يعجز عن إحياء العظام التي قد رَمَّت، وإعادتها بشَرا سويا، وخلقا جديدا، كما بدأها أول مرة.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نَارًا ) يقول: الذي أخرج هذه النار من هذا الشجر قادر أن يبعثه .
قوله ( فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ ) يقول: فإذا أنتم من هذا الشجر توقدون النار؛ وقال ( مِنْهُ) والهاء من ذكر الشجر، ولم يقل: منها، والشجر جمع شجرة، لأنه خرج مخرج الثمر والحصَى، ولو قيل: منها كان صوابا أيضًا، لأن العرب تذكِّر مثل هذا وتؤنِّثه.
قوله تعالى : الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا نبه تعالى على وحدانيته ، ودل على كمال قدرته في إحياء الموتى بما يشاهدونه من إخراج المحرق اليابس من العود الندي الرطب .
وذلك أن الكافر قال : النطفة حارة رطبة بطبع حياة فخرج منها الحياة ، والعظم بارد [ ص: 56 ] يابس بطبع الموت ، فكيف تخرج منه الحياة ؟
!
فأنزل الله تعالى : الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا أي : إن الشجر الأخضر من الماء ، والماء بارد رطب ضد النار ، وهما لا يجتمعان ، فأخرج الله منه النار ، فهو القادر على إخراج الضد من الضد ، وهو على كل شيء قدير .
ويعني بالآية ما في المرخ والعفار ، وهي زنادة العرب ، ومنه قولهم : في كل شجر نار ، واستمجد المرخ والعفار .
فالعفار الزند وهو الأعلى ، والمرخ الزندة وهي الأسفل ، يؤخذ منهما غصنان مثل المسواكين يقطران ماء فيحك بعضهما إلى بعض فتخرج منهما النار .
وقال : من الشجر الأخضر ولم يقل الخضراء وهو جمع ; لأن رده إلى اللفظ .
ومن العرب من يقول : الشجر الخضراء ، كما قال - عز وجل - : من شجر من زقوم فمالئون منها البطون
ثم ذكر دليلا ثالثا { الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ } فإذا أخرج [النار] اليابسة من الشجر الأخضر، الذي هو في غاية الرطوبة، مع تضادهما وشدة تخالفهما، فإخراجه الموتى من قبورهم مثل ذلك.
( الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا ) قال ابن عباس : هما شجرتان يقال لأحدهما : المرخ وللأخرى : العفار ، فمن أراد منهم النار قطع منهما غصنين مثل السواكين وهما خضراوان يقطر منهما الماء ، فيسحق المرخ على العفار فيخرج منهما النار بإذن الله - عز وجل - .
تقول العرب : في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار ، وقال الحكماء : في كل شجر نار إلا العناب .
( فإذا أنتم منه توقدون ) أي : تقدحون وتوقدون النار من ذلك الشجر ، ثم ذكر ما هو أعظم من خلق الإنسان ، فقال :
«الذي جعل لكم» في جملة الناس «من الشجر الأخضر» المرخ والعفار أو كل شجر إلا العناب «نارا فإذا أنتم منه توقدون» تقدحون وهذا دال على القدرة على البعث فإنه جمع فيه بين الماء والنار والخشب، فلا الماء يطفأ النار، ولا النار تحرق الخشب.
الذي أخرج لكم من الشجر الأخضر الرطب نارًا محرقة، فإذا أنتم من الشجر توقدون النار، فهو القادر على إخراج الضد من الضد.
وفي ذلك دليل على وحدانية الله وكمال قدرته، ومن ذلك إخراج الموتى من قبورهم أحياء.
وقوله - تعالى - : ( الذي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشجر الأخضر نَاراً فَإِذَآ أَنتُم مِّنْه تُوقِدُونَ ) دليل آخر على إمكانية البعث وهو بدل من قوله - تعالى - قبل ذلك : ( الذي أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ .
.
.
) .والمراد بالشجر الأخضر : الشجر النَّدِى الرطب ، كشجر المَرْخِ والعَفَار وهما نباتان أخضران إذا ضرب أحدهما بالآخر اتقدت منهما شرارة نار بقدرة الله - تعالى - .قال ابن كثير : المراد بذلك سَرْح - أى : شجر المرخ والعفار .
ينبت بأرض الحجاز فيأتى من أراد قدح نار وليس معه زناد ، فيأخذ منه عودين أخضرين ، ويقدح أحدهما بالآخر ، فتتولد النار من بينهما ، كالزناد سواء سواء .روى هذا عن ابن عباس - رضى الله عنهما - وفى المثل : " لكل شجر نار ، واستمجد المرخ والعفار " .أى : لكل شجر حظ من النار ، ولكن أكثر الأشجار حظا من النار : المرخ والعفار .
فهو مثل يضرب فى تفصيل بعض الشئ على بعض .أى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المنكرين للبعث ، يحيى الأجساد البالية الله - تعالى - الذى أنشأها أول مرة ، والذى جعل لكم - بفضله ورحمته وقدرته - من الشجر الأخضر الرطب ناراً ، فإذا أنتم من هذا الشجر الأخضر توقدون النار .
وتنتفعون بها فى كثير من أحوال حياتكم .وإذاً فمن قدر على إحداث النار من الشجر الأخضر - مع ما فيه من المائية المضادة لها - كان أقدر على إعادة الأجساد بعد فنائها .
ووجهه هو أن الإنسان مشتمل على جسم يحس به وحياة سارية فيه، وهي كحرارة جارية فيه فإن استبعدتم وجود حرارة وحياة فيه فلا تستبعدوه، فإن النار في الشجر الأخضر الذي يقطر منه الماء أعجب وأغرب وأنتم تحضرون حيث منه توقدون، وإن استبعدتم خلق جسمه فخلق السموات والأرض أكبر من خلق أنفسكم فلا تستبعدوه فإن الله خلق السموات والأرض فبان لطف قوله تعالى: ﴿ الذى جَعَلَ لَكُم مّنَ الشجر الأخضر نَاراً فَإِذَا أَنتُم مِّنْه تُوقِدُونَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قبح الله عزّ وجلّ إنكارهم البعث تقبيحاً لا ترى أعجب منه وأبلغ، ودلّ على تمادي كفر الإنسان وإفراطه في جحود النعم وعقوق الأيادي، وتوغله في الخسّة وتغلغله في القحة، حيث قرره بأن عنصره الذي خلقه منه هو أخسّ شيء وأمهنه، وهو النطفة المذرة الخارجة من الإحليل الذي هو قناة النجاسة، ثم عجب من حاله بأن يتصدّى مثله على مهانة أصله ودناءة أوّله لمخاصمة الجبار، وشرز صفحته لمجادلته، ويركب متن الباطل ويلج، ويمحك ويقول: من يقدر على إحياء الميت بعد ما رمت عظامه، ثم يكون خصامه في ألزم وصف له وألصقه به، وهو كونه منشأ من موات، وهو ينكر إنشاءه من موات، وهي المكابرة التي لا مطمح وراءها، وروى: أن جماعة من كفار قريش منهم أبيّ بن خلف الجمحي وأبو جهل والعاصي بن وائل والوليد بن المغيرة تكلموا في ذلك، فقال لهم أبيّ: ألا ترون إلى ما يقول محمد، إنّ الله يبعث الأموات، ثم قال: واللات والعزّى لأصيرنّ إليه ولأخصمنه، وأخذ عظماً بالياً فجعل يفته بيده وهو يقول: يا محمد، أترى الله يحيي هذا بعد ما قد رمّ، قال صلى الله عليه وسلم: «نعم ويبعثك ويدخلك جهنم» وقيل: معنى قوله: ﴿ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ﴾ فإذا هو بعد ما كان ماء مهيناً رجل مميز منطيق قادر على الخصام، مبين: معرب عما في نفسه فصيح، كما قال تعالى: ﴿ أَوْ مِن يُنَشَّأُ فِي الحلية وَهُوَ فِي الخصام غَيْرُ مُبِينٍ ﴾ [الزخرف: 18] .
فإن قلت: لم سمى قوله: ﴿ مَن يُحىِ العظام وَهِىَ رَمِيمٌ ﴾ مثلاً؟
قلت: لما دلّ عليه من قصة عجيبة شبيهة بالمثل، وهي إنكار قدرة الله تعالى على إحياء الموتى.
أو لما فيه من التشبيه، لأن ما أنكر من قبيل ما يوصف الله بالقدرة عليه، بدليل النشأة الأولى، فإذا قيل: من يحيي العظام على طريق الإنكار لأن يكون ذلك مما يوصف الله تعالى بكونه قادراً عليه، كان تعجيزاً لله وتشبيهاً له بخلقه في أنهم غير موصوفين بالقدرة عليه.
والرميم: اسم لما بلي من العظام غير صفة، كالرمة والرفات، فلا يقال: لم لم يؤنث وقد وقع خبر المؤنث؟
ولا هو فعيل بمعنى فاعل أو مفعول، ولقد استشهد بهذه الآية من يثبت الحياة في العظام ويقول: إن عظام الميتة نجسة لأن الموت يؤثر فيها من قبل أن الحياة تحلها.
وأما أصحاب أبي حنيفة فهي عندهم طاهرة، وكذلك الشعر والعصب، ويزعمون أنّ الحياة لا تحلها فلا يؤثر فيها الموت، ويقولون: المراد بإحياء العظام في الآية ردّها إلى ما كانت عليه غضة رطبة في بدن حيّ حساس ﴿ وَهُوَ بِكُلّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ﴾ يعلم كيف يخلق، لا يتعاظمه شيء من خلق المنشآت والمعادات ومن أجناسها وأنواعها وجلائلها ودقائقها.
ثم ذكر من بدائع خلقه انقداح النار من الشجر الأخضر، مع مضادة النار الماء وانطفائها به وهي الزناد التي يوري بها الأعراب وأكثرها من المرخ والعفار، وفي أمثالهم: في كل شجر نار.
واستمجد المرخ والعفار، يقطع الرجل منهما غصنين مثل السواكين وهما خضراوان، يفطر منهما الماء فيسحق المرخ وهو ذكر، على العفار وهي أنثى فتنقدح النار بإذن الله.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: ليس من شجرة إلا وفيها النار إلا العناب.
قالوا: ولذلك تتخذ منه كذينقات القصارين.
قرئ: ﴿ الأخضر ﴾ على اللفظ.
وقرئ: ﴿ الخضراء ﴾ على المعنى: ونحوه قوله تعالى: ﴿ مِن شَجَرٍ مّن زَقُّومٍ فَمَالِئُونَ مِنْهَا البطون فشاربون عَلَيْهِ مِنَ الحميم ﴾ [الواقعة: 54] .
من قدر على خلق السموات والأرض مع عظم شأنهما فهو على خلق الأناسي أقدر، وفي معناه قوله تعالى: ﴿ لَخَلْقُ السماوات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس ﴾ [غافر: 57] .
وقرئ: ﴿ يقدر ﴾ وقوله: ﴿ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم ﴾ يحتمل معنيين: أن يخلق مثلهم في الصغر والقماءة بالإضافة إلى السموات والأرض أو أن يعيدهم؛ لأن المعاد مثل للمبتدأ وليس به ﴿ وَهُوَ الخلاق ﴾ الكثير المخلوقات ﴿ العليم ﴾ الكثير المعلومات.
وقرئ: ﴿ الخالق ﴾ ﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ ﴾ إنما شأنه ﴿ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً ﴾ إذا دعاه داعي حكمة إلى تكوينه ولا صارف ﴿ أَن يَقُولَ لَهُ كُن ﴾ أن يكونه من غير توقف ﴿ فَيَكُونُ ﴾ فيحدث، أي: فهو كائن موجود لا محالة.
فإن قلت: ما حقيقة قوله: ﴿ أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴾ ؟
قلت: هو مجاز من الكلام وتمثيل، لأنه لا يمتنع عليه شيء من المكونات، وأنه بمنزلة المأمور المطيع إذا ورد عليه أمر الآمر المطاع.
فإن قلت: فما وجه القراءتين في فيكون؟
قلت: أما الرفع فلأنها جملة من مبتدأ وخبر؛ لأن تقديرها: فهو يكون، معطوفة على مثلها، وهي أمره أن يقول له كن.
وأما النصب فللعطف على يقول، والمعنى: أنه لا يجوز عليه شيء مما يجوز على الأجسام إذا فعلت شيئاً مما تقدر عليه، من المباشرة بمحال القدرة، واستعمال الآلات، وما يتبع ذلك من المشقة والتعب واللغوب إنما أمره وهو القادر العالم لذاته أن يخلص داعيه إلى الفعل، فيتكون فمثله كيف يعجز عن مقدور حتى يعجز عن الإعادة؟
﴿ فسبحان ﴾ تنزيه له مما وصفه به المشركون، وتعجيب من أن يقولوا فيه ما قالوا: ﴿ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلّ شَيْء ﴾ هو مالك كل شيء والمتصرف فيه بمواجب مشيئته وقضايا حكمته.
وقرئ: ﴿ ملكة كل شيء ﴾ وملك كل شيء.
والمعنى واحد ﴿ تُرْجَعُونَ ﴾ بضم التاء وفتحها.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: كنت لا أعلم ما روي في فضائل ياس وقراءتها كيف خصت، بذلك، فإذا أنه لهذه الآية.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ لكل شيء قلباً، وإن قلب القرآن ياس، من قرأ ياس يريد بها وجه الله، غفر الله تعالى له، وأعطي من الأجر كأنما قرأ القرآن اثنتين وعشرين مرة، وأيما مسلم قرئ عنده إذا نزل به ملك الموت سورة ياس نزل بكل حرف منها عشرة أملاك يقومون بين يديه صفوفاً يصلون عليه ويستغفرون له، ويشهدون غسله ويتبعون جنازته ويصلون عليه ويشهدون دفنه، وأيما مسلم قرأ ياس وهو في سكرات الموت لم يقبض ملك الموت روحه حتى يحييه رضوان خازن الجنة بشربة من شراب الجنة يشربها وهو على فراشه، فيقبض ملك الموت روحه وهو ريان، ويمكث في قبره وهو ريان، ولا يحتاج إلى حوض من حياض الأنبياء حتى يدخل الجنة وهو ريان» وقال عليه الصلاة والسلام: «إن في القرآن سورة يشفع لقارئها ويغفر لمستمعها ألا وهي سورة ياس» .
﴿ قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ فَإنَّ قُدْرَتَهُ كَما كانَتْ لِامْتِناعِ التَّغَيُّرِ فِيهِ والمادَّةُ عَلى حالِها في القابِلِيَّةِ اللّازِمَةِ لِذاتِها.
﴿ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ﴾ يَعْلَمُ تَفاصِيلَ المَخْلُوقاتِ بِعِلْمِهِ وكَيْفِيَّةِ خَلْقِها، فَيُعْلِمُ أجْزاءَ الأشْخاصِ المُتَفَتِّتَةَ المُتَبَدِّدَةَ أُصُولَها وفُصُولَها ومَواقِعَها وطَرِيقَ تَمْيِيزِها، وضَمَّ بَعْضِها إلى بَعْضٍ عَلى النَّمَطِ السّابِقِ وإعادَةِ الأعْراضِ والقُوى الَّتِي كانَتْ فِيها أوْ إحْداثَ مِثْلِها.
﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ ﴾ كالمَرْخِ والعِفارِ.
﴿ نارًا ﴾ بِأنْ يَسْحَقَ المَرْخَ عَلى العِفارِ وهُما خَضْراوانِ يَقْطُرُ مِنهُما الماءُ فَتَنْقَدِحُ النّارُ.
﴿ فَإذا أنْتُمْ مِنهُ تُوقِدُونَ ﴾ لا تَشُكُّونَ في أنَّها نارٌ تَخْرُجُ مِنهُ، فَمَن قَدَرَ عَلى إحْداثِ النّارِ مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ المائِيَّةِ المُضادَّةِ لَها بِكَيْفِيَّتِها كانَ أقْدَرَ عَلى إعادَةِ الغَضاضَةِ فِيما كانَ غَضًّا فَيَبِسَ وبَلِيَ، وقُرِئَ «مِنَ الشَّجَرِ الخَضْراءِ» عَلى المَعْنى كَقَوْلِهِ ﴿ فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
{الذى جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشجر الأخضر نَاراً فَإِذَا أَنتُم مِّنْه تُوقِدُونَ} تقدحون ثم ذكر من بدائع خلقه انقداح النار من الشجر الأخضر مع مضادة النار الماء وانطفائها به وهي الزناد التي تورى بها الأعراب وأكثرها من المرخ والعفار وفى أمثالهم وفى كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار لأن المرخ شجر سريع الوري والعفار شجر تقدح منه النار يقطع الرجل منهما غصنين مثل السواكين وهما خضراوان يقطر منهما الماء فيسحق المرخ وهو ذكر على العفار وهي أنثى فننقدح النار بإذن الله وعن ابن عباس رضى الله عنهما ليس من شجرة إلا وفيها النار إلا العناب لمصلحة الدق للثياب فمن قدر على جمع الماء والنار في الشجر قدر على المعاقبة بين الموت والحياة في البشر وإجراء أحد الضدين على الآخر بالتعقيب أسهل في العقل من الجمع معاً بلا ترتيب والأخضر على اللفظ وقريء الخضراء على المعنى ثم بين أن من قدر عل خلق السموات والأرض مع عظم شأنهما فهو على خلق الأناسيّ أقدر بقوله
وقَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا ﴾ بَدَلٌ مِنَ المَوْصُولِ الأوَّلِ، وعَدَمُ الِاكْتِفاءِ بِعَطْفِ صِلَتِهِ عَلى صِلَتِهِ لِلتَّأْكِيدِ ولِتَفاوُتِهِما في كَيْفِيَّةِ الدَّلالَةِ، والظَّرْفانِ مُتَعَلِّقانِ بِـ ”جَعَلَ“ قُدَّما عَلى ”نارًا“ مَفْعُولِهِ الصَّرِيحِ لِلِاعْتِناءِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، والأخضر صِفَةُ ”الشَّجَرِ“ وقُرِئَ ”الخَضْراءِ“، وأهْلُ الحِجازِ يُؤَنِّثُونَ الجِنْسَ المُمَيَّزُ واحِدُهُ بِالتّاءِ مِثْلَ الشَّجَرِ إذْ يُقالُ في واحِدِهِ شَجَرَةٌ، وأهْلُ نَجْدٍ يُذَكِّرُونَهُ إلّا ألْفاظًا اسْتُثْنِيَتْ في كُتُبِ النَّحْوِ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ التَّذْكِيرَ لِرِعايَةِ اللَّفْظِ والتَّأْنِيثَ لِرِعايَةِ المَعْنى؛ لِأنَّهُ في مَعْنى الأشْجارِ، والجَمْعُ تُؤَنَّثُ صِفَتُهُ، وقِيلَ: لِأنَّهُ في مَعْنى الشَّجَرَةِ وكَما يُؤَنَّثُ صِفَتُهُ يُؤَنَّثُ ضَمِيرَهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ ﴾ ﴿ فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ ﴾ والمَشْهُورُ أنَّ المُرادَ بِهَذا الشَّجَرِ المَرْخُ والعَفارُ يُتَّخَذُ مِنَ المَرْخِ وهو ذَكَرُ الزَّنْدِ الأعْلى ومِنَ العَفارِ بِفَتْحِ العَيْنِ وهو أُنْثى الزَّنْدَةِ السُّفْلى ويُسْحَقُ الأوَّلُ عَلى الثّانِي وهُما خَضْراوانِ يُقَطَّرُ مِنهُما الماءُ فَتَنْقَدِحُ النّارُ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى، وكَوْنُ المَرْخِ بِمَنزِلَةِ الذَّكَرِ والعَفارِ بِمَنزِلَةِ الأُنْثى هو ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ واللَّفْظُ كالشّاهِدِ لَهُ، وعَكَسَ الجَوْهَرِيُّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والكَلْبِي في كُلِّ شَجَرٍ نارٌ إلّا العُنّابِ، قِيلَ: ولِذا يُتَّخَذُ مِنهُ مِدَقُّ القَصّارِينَ، وأنْشَدَ الخَفاجِيُّ لِنَفْسِهِ: أيا شَجَرَ العُنّابِ نارُكَ أوْقَدَتْ بِقَلْبِي وما العُنّابُ مِن شَجَرِ النّارِ واشْتَهَرَ العُمُومُ وعَدَمُ الِاسْتِثْناءِ فَفي المَثَلِ: ”فِي كُلِّ شَجَرٍ نارٌ واسْتَمْجَدَ المَرْخُ والعَفارُ“ أيِ اسْتَكْثَرا مِنَ النّارِ مِن مَجَدَتِ الإبِلُ إذا وقَعَتْ في مَرْعًى واسِعٍ كَثِيرٍ، ومِنهُ رَجُلٌ ماجِدٌ أيْ مِفْضالٌ، واخْتارَ بَعْضُهم حَمْلَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ عَلى الجِنْسِ وما يُذْكَرُ مِنَ المَرْخِ والعَفارِ مِن بابِ التَّمْثِيلِ، وخُصّا لِكَوْنِهِما أسْرَعَ ورْيًا وأكْثَرَ نارًا كَما يُرْشِدُ إلَيْهِ المَثَلُ، ومِن إرْسالِ المَثَلِ: المَرْخُ والعَفارُ لا يَلِدانِ غَيْرَ النّارِ.
﴿ فَإذا أنْتُمْ مِنهُ تُوقِدُونَ ﴾ كالتَّأْكِيدِ لِما قَبْلَهُ والتَّحْقِيقِ لَهُ أيْ فَإذا أنْتُمْ مِن ذَلِكَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ تُوقِدُونَ النّارَ لا تَشُكُّونَ في أنَّها نارٌ حَقِيقَةٌ تَخْرُجُ مِنهُ ولَيْسَتْ كَنارِ الحُباحِبِ، وأشارَ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ الَّذِي ﴾ إلَخْ إلى أنَّ مَن قَدَرَ عَلى إحْداثِ النّارِ مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ المائِيَّةِ المُضادَّةِ لَها بِكَيْفِيَّتِهِ فَإنَّ الماءَ بارِدٌ رَطْبٌ والنّارَ حارَةٌ يابِسَةٌ كانَ - جَلَّ وعَلا - أقْدَرَ عَلى إعادَةِ الغَضاضَةِ إلى ما كانَ غَضًّا فَيَبِسَ وبَلِيَ، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ النّارَ يَخْلُقُها اللَّهُ تَعالى عِنْدَ سَحْقِ إحْدى الشَّجَرَتَيْنِ عَلى الأُخْرى لا أنَّ هُناكَ نارًا كامِنَةً تَخْرُجُ بِالسَّحْقِ ومن الشجر لا يَصْلُحُ دَلِيلًا لِذَلِكَ، وفي كُلِّ شَجَرٍ نارٌ مِن مُسامِحاتِ العَرَبِ فَلا تَغْفُلْ، وإيّاكَ واعْتِقادَ الكُمُونِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ روى سفيان، عن الكلبي، عن مجاهد قال: أتى أبيّ بن خلف الجمحي إلى النبيّ بعظم بالي، قد أتى عليه حين، فقام ففته بيده، ثم قال: يا محمد أتعدنا أنا إذا متنا وكنا مثل هذا بعثنا؟
فأنزل الله تعالى: أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ الآية.
وروي عن ابن عباس- - أنه قال: لما ذكر رسول الله القرون الماضية أنهم يبعثوا بعد الموت، وأنكم يا أهل مكة معهم، فأخذ أبي بن خلف الجمحي عظماً بالياً، فجعل يفته بيده، ويذروه في الرياح، ويقول: عجباً يا أهل مكة إِنْ محمداً يزعم أنا إذا متنا، وكنا عظاماً بالية مثل هذا العظم، وكنا تراباً، أنا نعاد خلقاً جديداً، وفينا الروح، وذلك ما لا يكون أبداً، فنزل أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ يعني: أولم يعلم هذا الكافر أنا خلقناه أول مرة مِن نُّطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ جدل بالباطل.
ويقال خَصِيمٌ بيَّن الخصومة فيما يخاصم مُبِينٌ أي: بيّن وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا يعني: وصف لنا شبهاً في أمر العظام.
ويقال: وصف لنا بالعجز وَنَسِيَ خَلْقَهُ يعني: وترك ابتداءه حين خلقه من نطفة.
ويقال: ترك النظر في خلق نفسه فلم يعتبر وقالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ يعني: بالية.
والرميم: العظم البالي.
يقال: رمّ العظم إذا بلي.
قال الله تعالى: قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ يعني: قل يا محمد يحيي العظام الذي خلقها أول مرة يعني: في أول مرة ولم يكن شيئا.
ثم قال عز وجل: وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ يعني: عَلِيمٌ بخلقهم، وببعثهم.
ثم أخبر عن صنعه ليعتبروا في البعث فقال: الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ يعني: قل يا محمد العظام يحييها الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ قال الكلبي: كل شجرة يقدح منها النار إلا شجرة العناب، فمن ذلك القصارون يدقون عليه فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ يعني: تقدحون.
يعني: فهو الذي يقدر على أن يبعثكم.
ثم قال عز وجل: أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وهي أعْظَمُ خلقاً بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ في الآخرة.
والكلام يخرج على لفظ الاستفهام.
ويراد به التقرير.
ثم قال: بَلى هو قادر على ذلك وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ يعني: الباعث الْعَلِيمُ ببعثهم.
قوله عز وجل: إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً من أمر البعث وغيره أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ خلقاً.
قرأ ابن عامر والكسائي: فَيَكُونُ بالنصب، وقد ذكرناه في سورة البقرة فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ يعني: خلق كل شيء من البعث وغيره.
ويقال: خزائن كل شيء.
ويقال: له القدرة على كل شيء وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ بعد الموت، فيجازيكم بأعمالكم.
قال: حدثنا الفقيه أبو الليث رحمه الله.
قال: حدثنا أبو الحسن أحمد بن حمدان، بإسناده عن أبي بن كعب- - قال: قال رسول الله «إنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ قَلْباً، وَقَلْبُ القُرْآنِ يس، فَمَنْ قَرَأ يس يُرِيدُ بِهَا وَجْهَ الله تَعَالَى غُفِرَ لَهُ، وَأُعْطِيَ مِنَ الأجْرِ كَمَنْ قَرَأ الْقُرْآن اثْنَتَيْ عَشَرَةَ مَرَّةً.
وَأيُّمَا مُسْلِمٍ قُرِئَتْ عِنْدَهُ سُورَةُ يس حِينَ يَنْزِلُ بِهِ مَلِكُ الْمَوْتِ يَنْزِلُ إلَيْهِ بِكُلِّ حَرْفٍ مِنْهَا عَشَرَةُ أمْلاكٍ يَقُومُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ صُفُوفاً، يُصَلُّونَ عَلَيْهِ، وَيَسْتَغْفِرُونَ لَهُ، وَيَشْهَدُونَ قَبْضَهُ، وَيَشْهَدُونَ غَسْلَهُ، وَيُشَيِّعُونَ جِنَازَتَهُ، وَيُصَلُّونَ عَلَيْهِ، وَيَشْهَدُونَ دَفْنَهُ.
وَأيُّمَا مُسْلِمٍ مريض قرئ عِنْدَهُ سُورَةُ يس وَهُوَ فِي سَكَرَاتِ المَوْتِ، لا يَقْبِض مَلَكَ المَوْتِ رُوَحَهُ حَتَّى يَجِيءَ رَضْوَانُ خَازِنُ الْجَنَّةِ بِشُرْبَةٍ مِنْ شَرَابِ الْجَنَّةِ فَيَشْرَبُهَا وَهُوَ عَلَى فِرَاشِهِ، فَيَقْبِضُ مَلَكُ الْمَوْتِ رُوحَهُ- عَلَيْهِ السَّلامُ- وَهُوَ رَيَّانُ، وَيَدْخَلُ قَبْرَهُ وَهُوَ رَيَّان، وَيَمْكُثُ فِي قَبْرِهِ وَهُوَ رَيَّان، وَيُخْرَجُ مِنَ الْقَبْرِ وَهُوَ رَيَّانُ، وَيُحَاسَبُ وَهُوَ رَيَّان، وَلا يَحْتَاجُ إلَى حَوْضٍ مِنْ حِيَّاضِ الأنْبِيَاءِ- عَلَيْهِمْ السَّلامُ- حَتَّى يُدْخُلَ الْجَنَّةَ وَهُوَ رَيَّان» والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأوَّاب وعلى آله وسلم.
يُحَتَّمَ العذابُ ويَجِبَ الخُلُودُ.
وقوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا الآيةُ.
مخاطَبةٌ لقريشٍ أيضاً.
وقوله: أَيْدِينا عبارةٌ عَنِ القُدْرةِ، واللَّه تعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الجارِحَةِ.
وقوله تعالى: فَهُمْ لَها مالِكُونَ تنبيهٌ على النِعْمَةِ.
وقوله: وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ أي: يُحْضَرُونَ لهُمْ في الآخِرةِ على معنى التوبيخِ والنِّقْمةِ، وسَمَّى الأصْنَامَ جُنْداً إذْ هُمْ عُدَّةٌ للنِّقْمَة من الكفرة، ثم آنس الله نبيّه- عليه الصلاة والسلام- بقوله: فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ وَتَوَعَّدَ الكَفَرَةَ بقوله: إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ.
وقوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ ...
الآية، والصحيحُ في سببِ نزولِ الآيةِ هو ما رَوَاهُ ابنُ وَهَبْ عَنْ مَالِكٍ وقالهُ ابنُ إسْحَاقٍ وغيرهُ أن أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ جاء بعَظْمٍ/ رَمِيمٍ، فَفَتَّهُ فِي وجه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وَحِيَالَهُ، وقَالَ: مَنْ يُحْيِي هذا يا محمد «١» ولابيّ هذا مع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مقامات ومقالات إلى أن قتله النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بِيدهِ يومَ أحُدٍ طَعَنَهُ بِحَرْبَةٍ في عنقه.
وقوله: وَنَسِيَ خَلْقَهُ يَحْتَمِلُ أنْ يكونَ نسيانَ الذُّهُولِ، ويحتملُ أنْ يكُونَ نسيانَ التَّرْكِ، والرَّمِيمُ: البالي المُتَفَتِّتُ، وهو الرُّفَاتُ، ثم دلَّهُم سبحانه عَلى الاعْتِبَارِ بالنَّشْأَةِ الأولى، ثم عَقَّبَ تعالى بدليل ثَالثٍ في إيجادِ النَّارِ في العُودِ الأخضر المرتوي ماء، وهذا
هو زِنَادُ العَرَبِ، والنارُ موجودةٌ في كل عودٍ غَيْرَ أَنَّها في المُتَخَلخِلَ المَفْتُوحِ المَسَامِّ أَوْجَدُ، وكذلك هو المَرْخُ والعَفَار، وجمعَ الضميرَ جَمْعَ مَنْ يَعْقِلُ في قوله: مِثْلَهُمْ من حيثُ إن السمواتِ والأَرْضَ متضمِّنةٌ مَنْ يَعْقِلُ من الملائِكَةِ والثَّقَلَيْنِ هذا تأويلُ جماعةٍ، وقيل:
مِثْلَهُمْ عائدٌ على الناسِ، وبَاقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ والَّتِي بَعْدَها عَلى خَمْسَةِ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ العاصِ بْنِ وائِلٍ السَّهْمِيُّ، أخَذَ عَظْمًا مِنَ البَطْحاءِ فَفَتَّهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ : أيُحْيِيِ اللَّهُ هَذا بَعْدَ ما أرى؟
فَقالَ: "نَعَمْ، يُمِيتُكَ اللَّهُ ثُمَّ يُحْيِيكَ ثُمَّ يُدْخِلُكَ نارَ جَهَنَّمَ"، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَياتُ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ، جَرى لَهُ نَحْوَ هَذِهِ القِصَّةِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ أبُو جَهْلِ ابْنِ هِشامٍ، وأنَّ هَذِهِ القِصَّةَ جَرَتْ لَهُ، رَواهُ الضَّحّاكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ أُمَّيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، قالَهُ الحَسَنُ.
والخامِسُ: أنَّهُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفِ الجُمَحِيُّ، وهَذِهِ القِصَّةُ جَرَتْ لَهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والجُمْهُورُ، وعَلَيْهِ المُفَسِّرُونَ.
وَمَعْنى الكَلامِ:التَّعَجُّبُ مِن جَهْلِ هَذا المُخاصِمِ في إنْكارِهِ البَعْثَ؛ والمَعْنى: ألا يَعْلَمَ أنَّهُ مَخْلُوقٌ فَيَتَفَكَّرُ في بَدْءِ خَلْقِهِ فَيَتْرُكَ خُصُومَتَهُ؟!
وقِيلَ: هَذا تَنْبِيهٌ لَهُ عَلى نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ حَيْثُ أنْشَأهُ مِن نُطْفَةٍ فَصارَ مُجادِلًا.
﴿ وَضَرَبَ لَنا مَثَلا ﴾ في إنْكارِ البَعْثِ بِالعَظْمِ البالِي حِينَ فَتَّهُ بِيَدِهِ، وتَعَجَّبَ مِمَّنْ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ يُحْيِيهِ ﴿ وَنَسِيَ خَلْقَهُ ﴾ أيْ: نَسْيَ خَلْقَنا لَهُ، أيْ: تَرْكُ النَّظَرِ في خَلْقِ نَفْسِهِ إذْ خُلِقَ مِن نُطْفَةٍ ﴿ قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ ﴾ ؟!
أيْ: بالِيَةٍ، يُقالُ: رَمَّ العَظْمَ، إذا بَلِيَ، فَهو رَمِيمٌ، لِأنَّهُ مَعْدُولٌ عَنْ فاعِلِهِ، وكُلُّ مَعْدُولٍ عَنْ وجْهِهِ ووَزَنِهِ فَهو مَصْرُوفٌ عَنْ إعْرابِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ﴾ ، فَأسْقَطَ الهاءَ لِأنَّها مَصْرُوفَةٌ عَنْ "باغِيَةٍ"؛ فَقاسَ هَذا الكافِرُ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى بِقُدْرَةِ الخَلْقِ، فَأنْكَرَ إحْياءَ العَظْمِ البالِي لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ في مَقْدُورِ الخَلْقِ.
﴿ قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها ﴾ أيِ: ابْتَدَأ خَلْقَها ﴿ أوَّلَ مَرَّةٍ وهو بِكُلِّ خَلْقٍ ﴾ مِنَ الِابْتِداءِ والإعادَةِ ﴿ عَلِيمٌ ﴾ .
﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أرادَ الزَّنُودَ الَّتِي تُورِي بِها الأعْرابُ مِن شَجَرِ المَرْخِ والعِفارِ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: "الشَّجَرُ الأخْضَرُ"، ولَمْ يَقِلِ: الشَّجَرُ الخُضْرُ؟
فالجَوابُ: أنَّ الشَّجَرَ جَمْعٌ، وهو يُؤَنَّثُ ويُذَكَّرُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ ﴾ ، وقالَ: ﴿ فَإذا أنْتُمْ مِنهُ تُوقِدُونَ ﴾ .
ثُمَّ ذَكَرَ ما هو أعْظَمُ مِن خَلْقِ الإنْسانِ، فَقالَ: ﴿ أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ ﴾ وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصَّدِيقِ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "يَقْدِرُ" بِياءٍ مِن غَيْرِ ألْفٍ ﴿ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ ﴾ ؟!
وهَذا اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ؛ والمَعْنى: مِن قَدَرَ عَلى ذَلِكَ العَظِيمِ، قَدَرَ عَلى هَذا اليَسِيرِ.
وقَدْ فَسَّرْنا مَعْنى "أنْ يُخْلَقَ مِثْلَهُمْ" في [بَنِي إسْرائِيلَ: ٩٩]؛ ثُمَّ أجابَ هَذا الِاسْتِفْهامَ فَقالَ: ﴿ بَلى وهو الخَلاقُ ﴾ يَخْلُقُ خَلْقًا بَعْدَ خَلْقٍ.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والحَسَنُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "وَهُوَ الخالِقُ" ﴿ العَلِيمُ ﴾ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ.
والمَلَكُوتُ والمُلْكُ واحِدٌ.
وباقِي السُّورَةِ قَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ [البَقَرَةِ: ١١٧،٣٢، الأنْعامِ: ٧٥] .
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ ﴾ ﴿ وَضَرَبَ لَنا مَثَلا ونَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ ﴾ ﴿ قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ وهو بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ﴾ ﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكم مِنَ الشَجَرِ الأخْضَرِ نارًا فَإذا أنْتُمْ مِنهُ تُوقِدُونَ ﴾ قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: هَذِهِ الآياتُ نَزَلَتْ بِسَبَبِ «أنَّ العاصَ بْنَ وائِلٍ السَهْمِيَّ جاءَ إلى النَبِيِّ بِعَظْمٍ رَمِيمٍ، فَفَتَّهُ وقالَ: يا مُحَمَّدُ، مَن يُحْيِي هَذا؟» وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: إنَّ الَّذِي جاءَ بِالعَظْمِ النَخِرِ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وقالَهُ الحَسَنُ، ذَكَرَهُ الرُمّانِيُّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هو عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبِيِّ بْنِ سَلُولٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهُوَ وهْمٌ مِمَّنْ نَسَبَهُ إلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما؛ لِأنَّ السُورَةَ مَكِّيَّةٌ، والآيَةُ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ، ولِأنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ لَمْ يُجاهِرْ قَطُّ هَذِهِ المُجاهَرَةَ، واسْمُ "أُبَيٍّ" هو الَّذِي خُلِطَ عَلى الرُواةِ؛ لِأنَّ الصَحِيحَ هو ما رَواهُ ابْنُ وهْبٍ عن مالِكٍ، وقالَهُ ابْنُ إسْحَقَ وغَيْرُهُ: «إنَّ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ أخا أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ هو الَّذِي جاءَ بِالعَظْمِ الرَمِيمِ بِمَكَّةَ فَفَتَّهُ في وجْهِ النَبِيِّ ، وقالَ: مَن يُحْيِي هَذا يا مُحَمَّدُ؟» ولِأُبَيٍّ مَعَ النَبِيِّ مَقاماتٌ ومَقالاتٌ إلى أنْ قَتَلَهُ بِيَدِهِ يَوْمَ أُحُدٍ بِالحَرْبَةِ بِجُرْحٍ في عُنُقِهِ، ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قالَ لَهُ حِينَ فَتَّ العَظْمَ: "اللهُ يُحْيِيهِ ويُحْيِيكَ ويُدْخِلُكَ جَهَنَّمَ".
ثُمَّ نَزَلَتِ الآيَةُ» مُبِيِّنَةً الحُجَّةِ في أنَّ الإنْسانَ نُطْفَةٌ ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ خَصِيمًا مُبِينًا، فَهَلْ هَذا إلّا إحْياءٌ بَعْدَ مَوْتٍ وعَدَمِ حَياةٍ؟
وقَوْلُهُ: ﴿ "وَنَسِيَ" ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نِسْيانَ الذُهُولِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نِسْيانَ التَرْكِ، و"الرَمِيمُ": البالِي المُفَتَّتُ، وهو الرُفاتُ.
ثُمَّ دَلَّهم تَبارَكَ وتَعالى عَلى الِاعْتِبارِ بِالنَشْأةِ الأُولى، ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ تَعالى بِدَلِيلٍ ثالِثٍ في إيجادِ النارِ في العُودِ الأخْضَرِ المُرْتَوِي ماءً، وهَذا هو زِنادُ العَرَبِ، والنارُ مَوْجُودَةٌ في كُلِّ عُودٍ غَيْرَ أنَّها في المُتَخَلْخِلِ المَفْتُوحِ المَسامِّ أوجَدُ، وكَذَلِكَ هو المَرْخُ والعَفارُ، وأعادَ الضَمِيرَ عَلى الشَجَرِ مُذَكَّرًا مِن حَيْثُ راعى اللَفْظَ فَجاءَ كالتَمْرِ والحَصا وغَيْرِهِ.
<div class="verse-tafsir"
بدل من ﴿ الذي أنشأها ﴾ [يس: 79] بدلاً مطابقاً، وإنما لم تعطف الصلة على الصلة فيكتفى بالعطف عن إعادة اسم الموصول لأن في إعادة الموصول تأكيداً للأول واهتماماً بالثاني حتى تستشرف نفس السامع لتلقّي ما يرِدُ بعده فيفطن بما في هذا الخلق من الغرابة إذ هو إيجاد الضد وهو نهاية الحرارة من ضده وهو الرطوبة.
وهذا هو وجه وصف الشجر بالأخضر إذ ليس المراد من الأخضر اللون وإنما المراد لازمه وهو الرطوبة لأن الشجر أخضر اللون ما دام حياً فإذا جفّ وزالت منه الحياة استحال لونه إلى الغُبرة فصارت الخضرة كناية عن رطوبة النبت وحياته.
قال ذو الرمة: ولما تمنَّتْ تأكل الرِّمَّ لم تَدَعْ *** ذَوابل مما يجمعون ولا خضرا ووصف الشجر وهو اسم جمع شجرة وهو مؤنث المعنى ب ﴿ الأخْضَرِ ﴾ بدون تأنيثثٍ مراعاة للفظ الموصوف بخلوّه عن علامة تأنيث وهذه لغة أهل نجد، وأما أهل الحجاز فيقولون: شَجَر خضراء على اعتبار معنى الجمع، وقد جاء القرآن بهما في قوله: ﴿ لآكلون من شجر من زقوم فمالئون منها البطون فشاربون عليه من الحميم ﴾ [الواقعة: 5254].
والمراد بالشجر هنا: شجر المَرْخ (بفتح الميم وسكون الراء) وشجر العَفَار (بفتح العين المهملة وفتح الفاء) فهما شجران يقتدح بأغصانهما يؤخذ غصن من هذا وغصن من الآخر بمقدار المِسواك وهما خضْرَاوَاننِ يقطر منهما الماء فيسحق المَرْخ على العَفار فتنقدح النار، قيل: يجعل العَفار أعلى والمَرْخ أسفل، وقيل العكس لأن الجوهري وابن السيد في «المخصص» قالا: العَفار هو الزّند وهو الذكَر والمَرْخ الأنثى وهو الزندة.
وقال الزمخشري في «الكشاف»: المَرْخ الذكر والعَفَار الأنثى، والنار هي سِقط الزَّنْد، وهو ما يخرج عند الاقتداح مشتعلاً فيوضع تحته شيء قابل للالتهاب من تبن أو ثوب به زيت فتخطف فيه النار.
والمفاجأة المستفادة مِن ﴿ فإذا أنتم منه تُوقِدُونَ ﴾ دالة على عجيب إلهام الله البشر لاستعمال الاقتداح بالشجر الأخضر واهتدائهم إلى خاصيته.
والإيقاد: إشعال النار يقال: أَوقد، ويقال: وَقَد بمعنى.
وجيء بالمسند فعلاً مضارعاً لإِفادة تكرر ذلك واستمراره.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ الجُمَحِيِّ أتى النَّبِيَّ يُجادِلُهُ في بَعْثِ المَوْتى، قالَهُ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ.
الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في العاصِ بْنِ وائِلٍ أخَذَ عَظْمًا مِنَ البَطْحاءِ فَفَتَّهُ بِيَدِهِ ثُمَّ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ : أيُحْيِي اللَّهُ هَذا بَعْدَما أرَمَّ؟
فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ « (نَعَمْ ويُمِيتُكَ ثُمَّ يُحْيِيكَ ثُمَّ يُدْخِلُكَ نارَ جَهَنَّمَ» فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ فِيهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ ﴾ أيْ: مُجادِلٌ في الخُصُومَةِ مُبِينٌ لِلْحُجَّةِ، يُرِيدُ بِذَلِكَ أنَّهُ صارَ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا خَصِيمًا مُبِينًا، فاحْتَمَلَ ذَلِكَ أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يُنَبِّهَهُ بِذَلِكَ عَلى نِعَمِهِ عَلَيْهِ.
الثّانِي: أنْ يَدُلَّهُ بِذَلِكَ عَلى إحْياءِ المَوْتى كَما ابْتَدَأهُ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَضَرَبَ لَنا مَثَلا ونَسِيَ خَلْقَهُ ﴾ وهو مَن قَدَّمْنا ذِكْرَهُ ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أيْ تَرَكَ خَلْقَهُ أنْ يَسْتَدِلَّ بِهِ.
الثّانِي: سَها عَنِ الِاعْتِبارِ بِهِ.
﴿ قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ ﴾ اسْتِبْعادًا أنْ يَعُودَ خَلْقًا جَدِيدًا.
فَأمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنْ يُجِيبَهُ بِما فِيهِ دَلِيلٌ لِأُولِي الألْبابِ.
﴿ قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ أيْ مَن قَدَرَ عَلى إنْشائِها أوَّلَ مَرَّةٍ مِن غَيْرِ شَيْءٍ فَهو قادِرٌ عَلى إعادَتِها في النَّشْأةِ الثّانِيَةِ مِن شَيْءٍ.
﴿ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ﴾ أيْ كَيْفَ يُبْدِئُ وكَيْفَ يُعِيدُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا ﴾ الآيَةَ أيِ الَّذِي جَعَلَ النّارَ المُحْرِقَةَ في الشَّجَرِ الرَّطِبِ المَطْفِيِّ وجَمَعَ بَيْنَهُما مَعَ ما فِيهِما مِنَ المُضادَّةِ، لِأنَّ النّارَ تَأْكُلُ الحَطَبَ، وأقْدَرَكم عَلى اسْتِخْراجِها هو القادِرُ عَلى إعادَةِ المَوْتى وجَمْعِ الرُّفاتِ.
وَيَحْتَمِلُ ذَلِكَ مِنهُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يُنَبِّهَ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ عَلى قُدْرَتِهِ الَّتِي لا يُعْجِزُها شَيْءٌ.
الثّانِي: أنْ يَدُلَّ بِها عَلى إحْياءِ المَوْتى كَما أُحْيِيَتِ النّارُ بِالإذْكاءِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: كُلُّ الشَّجَرِ يُقْدَحُ مِنهُ النّارُ إلّا العُنّابَ.
وَحَكى أبُو جَعْفَرٍ السَّمَرْقَنْدِيُّ عَنْ أحْمَدَ بْنِ مُعاذٍ النَّحْوِيِّ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ ﴾ يَعْنِي بِهِ إبْراهِيمَ، ﴿ نارًا ﴾ أيْ نُورًا يَعْنِي مُحَمَّدًا .
﴿ فَإذا أنْتُمْ مِنهُ تُوقِدُونَ ﴾ أيْ تَقْتَبِسُونَ الدِّينَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والاسمعيلي في معجمه والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث والضياء في المختارة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «جاء العاص بن وائل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعظم حائل، ففته بيده، فقال يا محمد: أيحيي الله هذا بعدما أرى؟
قال: نعم.
يبعث الله هذا، ثم يميتك، ثم يحييك، ثم يدخلك نار جهنم.
فنزلت الآيات من آخر يس، ﴿ أولم ير الإِنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين ﴾ إلى آخر السورة» .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «جاء عبد الله بن أُبيّ وفي يده عظم حائل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فكسره بيده، ثم قال: يا محمد كيف يبعثه الله وهو رميم؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث الله هذا ويميتك، ثم يدخلك جهنم.
قال الله: ﴿ قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم ﴾ » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «جاء أُبيّ بن خلف وفي يده عظم حائل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فكسره بيده، ثم قال: يا محمد كيف يبعثه الله وهو رميم؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يبعث الله هذا ويميتك، ثم يدخلك جهنم.
قال الله: ﴿ قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم ﴾ » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «جاء أُبيّ بن خلف الجمحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعظم نخر فقال: أتعدنا يا محمد إذا بليت عظامنا، فكانت رميماً أن الله باعثنا خلقاً جديداً، ثم جعل يفت العظم ويذره في الريح فيقول: يا محمد من يحيي هذا؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم.
يميتك الله، ثم يحييك، ويجعلك في جهنم، ونزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه ﴾ » .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر والبيهقي في البعث عن أبي مالك قال: جاء أُبيّ بن خلف بعظم نخرة، فجعل يفته بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم قال: من يحيي العظام وهي رميم؟
فأنزل الله: ﴿ أولم ير الإِنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين ﴾ إلى قوله: ﴿ وهو بكل شيء عليم ﴾ .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت هذه الآية في أبي جهل بن هشام جاء بعظم حائل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فذراه فقال: من يحيي العظام وهي رميم؟
فقال الله: يا محمد ﴿ قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وضرب لنا مثلاً...
﴾ قال: أُبيّ بن خلف: جاء بعظم فقال: يا محمد أتعدنا انا إذا متنا.
فكنا مثل هذا العظم البالي في يده، ففته وقال: من يحيينا إذا كنا مثل هذا؟
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وضرب لنا مثلاً...
﴾ قال: «نزلت في أُبيّ بن خلف جاء بعظم نخر، فجعل يذره في الريح فقال: أنّى يحيي الله هذا؟
قال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم.
يحيي الله هذا، ويدخلك النار» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ أولم ير الإِنسان أنا خلقناه من نطفة ﴾ قال: «نزلت في أُبيّ بن خلف؛ أتى النبي صلى الله عليه وسلم ومعه عظم قد دثر، فجعل يفته بين أصابعه ويقول: يا محمد أنت الذي تحدث أن هذا سيحيا بعد ما قد بلى.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم.
ليميتن الآخر، ثم ليحيينه، ثم ليدخلنه النار» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه قال: «جاء أُبيّ بن خلف إلى النبي صلى الله عليه وسلم وفي يده عظم حائل، فقال: يا محمد أني يحيي الله هذا؟
فأنزل الله: ﴿ وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه ﴾ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: خلقها قبل أن تكون أعجب من إحيائها وقد كانت» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عروة بن الزبير رضي الله عنه قال: لما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم: إن الناس يحاسبون بأعمالهم، ومبعوثون يوم القيامة، أنكروا ذلك انكاراً شديداً.
فعمد أُبيّ بن خلف إلى عظم حائل قد نخر، ففته ثم ذراه في الريح، ثم قال: يا محمد إذا بليت عظامنا إنا لمبعوثون خلقاً جديداً؟
فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من استقباله اياه بالتكذيب والأذى في وجهه وجداً شديداً، فأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم ﴿ قل يحييها الذي أنشأها أول مرة...
﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً ﴾ يقول: الذي أخرج هذه النار من هذا الشجر قادر على أن يبعثه.
وفي قوله: ﴿ أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر...
﴾ .
قال: هذا مثل قوله: ﴿ إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون ﴾ قال: ليس من كلام العرب أهون ولا أخف من ذلك.
فأمر الله كذلك.
ثم زاد في البيان وأخبر عن عجيب صنعه مما يشاهدون؛ ليعتبروا ويستدلوا فقال: ﴿ جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا ﴾ .
قال الكسائي والفراء (١) ﴿ لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (52) ﴾ ذكرها بالتأنيث، ثم ذكر أيضًا في قوله: ﴿ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ ﴾ ، والشجر يؤنث ويذكر كالنخل و [ (٢) (٣) وقوله: ﴿ نَارًا ﴾ يعني: ما جعل من النار في المرخ والعفار، وهما شجرتان تتخذ الأعراب وقودها منهما.
وقال ابن عباس: ليس من شجر إلا وفيها نار إلا الشجرة (٤) (٥) وقوله: ﴿ فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ ﴾ أي: تقدحون النار وتوقدونها من ذلك الشجر.
قال مقاتل: والذي يخرج من الشجر نارًا وأنتم تبصرونه، والنار تأكل الحطب، فهو قادر على البعث (٦) (٧) (٨) (١) لم أقف على قول الكسائي.
وانظر قول الفراء في: "معاني القرآن له" 2/ 382.
(٢) قدر كلمة في جميع النسخة غير واضحة.
(٣) لم أقف على الموضع الذي أحال المؤلف رحمه الله إليه.
(٤) في (أ): (شجرة).
(٥) لم أقف عليه عن ابن عباس، وقد ذكره الماوردي 5/ 34 عن الكلبي، والطبرسي في "مجمع البيان" 8/ 679 عن الكلبي أيضًا، والبغوي 4/ 21 عن الحكماء.
(٦) "تفسير مقاتل" 109 أ.
(٧) المصدر السابق.
(٨) في (أ): زيادة (قوله تعالى)، وهي زيادة لا يحتاجها السياق.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الذي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشجر الأخضر نَاراً ﴾ هذا دليل آخر على إمكان البعث، وذلك أن الذين أنكروه من الكفار والطبائعيين قالواك طبع الموت يضاد طبع الحياة فكيف تصير العظام حية؟
فأقام الله عليهم الدليل من الشجر الأخضر الممتلئ ماء، مع مضادة طبع الماء للنار.
ويعني بالشجر زناد العرب وهو شجر المرخ والعفار، فإنه يقطع من كل واحد منهما غصناً أخضر يقطر منه الماء، فيسحق المرخ على العفار فتنقدح النار بينهما: قال ابن عباس: ليس من شجرة إلا وفيها نار إلا العناب، ولكنه في المرخ والعفار أكثر.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ يخصمون ﴾ بفتحتين ثم كسر الصاد المشددة: ابن كثير وورش وسهل ويعقوب وأصله "يختصمون" أدغمت التاء في الصاد بعد نقل حركتها إلى الخاء، وقرأ أبو جعفر ونافع غير ورش بسكون الخاء، وقرأ أبو عمرو باشمام الفتحة قليلاً وقرأ حمزة بسكون الخاء وتخفيف الصاد من الخصم ثلاثياً.
الباقون: بكسر الخاء للاتباع وتشديد الصاد.
وروى خلف عن يحيى بكسر الياء والخاء والتشديد.
﴿ شغل ﴾ بضمتين: عاصم وخلف وابن عامر ويزيد ويعقوب.
﴿ فكهون ﴾ وبابه بغير ألف: يزيد.
﴿ ظل ﴾ بضم الظاء وفتح اللام: حمزة وعلي وخلف على أنه جمع ظلة.
الآخرون: ﴿ ظلال ﴾ جمع ظل ﴿ جبلاً ﴾ بضم الجيم وسكون الباء.
ابن عامر وأبو عمرو.
وقرأ أبو جعفر ونافع وعاصم وسهل بكسرتين واللام مشددة، وقرأ يعقوب بضمتين والتشديد.
والباقون: بضمتين والتخفيف ﴿ ننكسه ﴾ مشدداً: حمزة وعاصم غير مفضل.
الآخرون: بالتخفيف من النكس.
﴿ تعقلون ﴾ بتاء الخطاب: أبو جعفر ونافع وابن ذكوان وسهل ويعقوب ﴿ لتنذر ﴾ على الخطاب أبو جعفر ونافع وابن عامر وسهل ويعقوب ﴿ يقدر ﴾ على صيغة المضارع: يعقوب ﴿ كن فيكون ﴾ بالنصب: ابن عامر وعلي.
الوقوف: ﴿ ترحمون ﴾ ه ﴿ معرضين ﴾ ه ﴿ رزقكم الله ﴾ لا لأن ما بعده جواب "إذا" ﴿ أطعمه ﴾ لا كذلك لاتحاد المقول ولئلا يبتدأ بما لا يقوله مسلم.
وجوز جار الله أن يكون قوله ﴿ إن أنتم ﴾ قول الله أو حكاية قول المؤمنين لهم فالوقف جائز.
﴿ مبين ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ يخصمون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ ينسلون ﴾ ه ﴿ مرقدنا ﴾ ه لئلا يوهم أن هذا صفة وما بعده منفي وفيه وجوه أخر نذكرها في التفسير ﴿ المرسلون ﴾ ه ﴿ محضرون ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ فاكهون ﴾ ه ج لاحتمال أن ﴿ هم ﴾ تأكيد الضمير ﴿ أزواجهم ﴾ عطف عليه و ﴿ في ظلال ﴾ ظرف ﴿ فاكهون ﴾ ، ولاحتمال أن ما بعده مبتدأ وخبره ﴿ متكئون ﴾ ﴿ يدعون ﴾ ه ج لأنه من المحتمل أن يكون ﴿ سلام ﴾ خبر محذوف اي عليهم سلام يقول قولاً، وأن يكون ﴿ سلام ﴾ بدل ﴿ ما يدعون ﴾ اي لهم ما يتمنون وهو سلام ﴿ سلام ﴾ ط ج لحق الحذف ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ المجرمون ﴾ ه ﴿ الشيطان ﴾ ج لأن التقدير فإنه ﴿ مبين ﴾ ه لا للعطف ﴿ اعبدوني ﴾ ج ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ كثيراً ﴾ ه ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ توعدون ﴾ ه ﴿ تكفرون ﴾ ه ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ يبصرون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ في الخلق ﴾ ط ﴿ يعقلون ﴾ ه له ج ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ مالكون ﴾ ه ﴿ يأكلون ﴾ ه ﴿ مشارب ﴾ ه ﴿ يشكرون ﴾ ه ﴿ ينصرون ﴾ ج ﴿ نصرهم ﴾ لا لأن الواو للحال ﴿ محضرون ﴾ ه ﴿ قولهم ﴾ ه لئلا يوهم أن ما بعده مقول الكفار ﴿ يعلنون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه خلقه} ط ﴿ رميم ﴾ ه ﴿ مرة ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه لا لأن ﴿ الذي ﴾ بدل ﴿ توقدون ﴾ ه ﴿ مثلهم ﴾ ط لانتهاء الاستفهام ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ فيكون ﴾ ه ﴿ ترجعون ﴾ ه.
التفسير: لما بين الآيات المذكورة حكى أنهم في غاية الجهالة ونهاية الضلالة، لا مثل العلماء الذين يتبعون البرهان، ولا كالعوام الذين يبنون أمورهم على الأحوط إذا أنذرهم منذر انتهوا عن ارتكاب المنهي خوفاً من تبعته وطمعاً في منفعته وإليه الإشارة بقوله ﴿ لعلكم ترحمون ﴾ أي في ظنكم فإن الذي لا تفيده الآيات يقيناً فلا أقل من أن يحترز من العذاب ويرجو الثواب أخذاً بطريقة الاحتياط، ونظير الآية ما مرّ في أوّل سورة سبأ ﴿ أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض ﴾ وعن مجاهد: أراد ما تقدّم من ذنوبكم وما تأخر.
وعن قتادة: ما بين أيديكم من وقائع الأمم وما خلفكم أي من أمر الساعة.
وقيل: ما بين أيديكم من أمر الساعة.
وقيل: ما بين أيديكم الآخرة فإنهم مستقبلون لها، وما خلفكم الدنيا فإنهم تاركون لها.
أو ما بين أيديكم من أمر محمد فإنه حاضر عندهم وما خلفكم من أمر فإنكم إذا اتقيتم تكذيب محمد لى الله عليه وسلم والحشر رحمكم الله.
أو ما بين أيديكم من أنواع العذاب كالحرق والغرق المدلول عليه بقوله ﴿ وإن نشأ نغرقهم ﴾ ما خلفكم الموت الطالب لكم يدل على قوله ﴿ ومتاعاً إلى حين ﴾ وجواب "إذا" محذوف وهو لا يتقون أو يعرضون، يدل عليه ما بعده مع زيادة فائدة هي دأبهم الإعراض عند كل آية.
ويحتمل أن يكون قوله ﴿ وما تأتيهم ﴾ متعلقاً بما قبله وهو قوله ﴿ يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون ﴾ .
﴿ وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين ﴾ يعني إذا جاءتهم الرسل كذبوهم فإذا أتوا بالآيات أعرضوا عنها.
وقوله ﴿ الم يروا ﴾ إلى قوله ﴿ لعلكم ترحمون ﴾ اعتراض.
ثم أشار إلى أنهم كما يخلون بجانب التعظيم لأمر الله حيث قيل لهم اتقوا فلم يتقوا يخلون بجانب الشفقة على خلق الله ولا ينفقون إذا أمروا بالإنفاق على أنهم خوطبوا بأدنى الدرجات في التعظيم والإشفاق، فإن أدنى الانقياد الاتقاء من العذاب، وأدنى الإشفاق هو إنفاق بعض ما في التصرف من مال الله، فأين هم من معشر أقبلوا بالكلية على الله وبذلوا أموالهم وأنفسهم في سبيل الله؟
وفي قوله ﴿ مما رزقكم الله ﴾ إشارة إلى أن الله قادر على إغناء الفقير وإعطائه ولكنه جعل الغني واسطة في الإنفاق على الفقير.
فالسعيد من عرف حق التوسيط وانتهز فرصة الإمكان وعلم أن الإنفاق سبب للبركة في الحال ومجلبة للثواب في المآل.
وقوله ﴿ قال الذين كفروا ﴾ دون أن يقول "قالوا" تسجيل عليهم بالكفر.
وقوله ﴿ للذين آمنوا ﴾ مزيد تصوير لجهالتهم حين قالوا لهؤلاء الأشراف ما قالوا.
وقوله ﴿ أنطعم ﴾ دون "أننفق" إظهار لغاية خستهم فإن الإطعام أدون من الإنفاق ومن بخل بالأدون فهو بأن يبخل بالأكثر أولى.
وقوله ﴿ من لو يشاء الله أطعمه ﴾ كلام في نفسه حسن لكنهم ذكروه في معرض الدفع فلهذا استوجبوا الذم وقد بين الله خطأهم بقوله ﴿ مما رزقكم الله ﴾ فإن من في خزائنه مال وله في يد الغير مال فإنه مخير إن اراد أعطى زيداً مما في خزائنه وإن شاء أعطاه مما في يد الغير وليس لذلك الغير أن يقول لم أحلته عليّ.
وقوله ﴿ إن أنتم إلا في ضلال مبين ﴾ بناء على ما اعتقدوه أن الأمر بالإنفاق ضائع، لأنه سعي في إبطال مشيئة الله ولم يعلموا أن الضلال لا يتعدّاهم أيه سلكوا، وذلك أنهم لم ينظروا إلى الأمر والطلب وبادروا إلى الاعتراض، والطاعة هي اتباع الأمر لا الاستكشاف عن الغرض والغاية.
ومن جملة تعنتهم أنهم استبطؤا الموعود على التقاء والإنفاق قائلين ﴿ إن كنتم ﴾ أيها المدّعون للرسالة ﴿ صادقين ﴾ فأخبرونا متى يكون هذا الموعود به من الثواب والعقاب فأجابهم الله بقوله ﴿ ما ينظرون إلا صيحة واحدة ﴾ كأنهم بالاستبطاء كانوا منتظرين شيئاً.
وتنكير صيحة للتهويل ووصفها بواحدة تعظيم للصيحة وتحقير لشأنهم أي صيحة لا يحتاج معها إلى ثانية، وفي قوله ﴿ تأخذهم ﴾ أي تعمهم بالأخذ مبالغة أخرى، وكذا في قوله ﴿ وهم يخصمون ﴾ أي يشتغلون بمتاجرهم ومعاملاتهم وسائر ما يتخاصمون فيه ومع ذلك يصعقون.
وقيل: تأخذهم وهم يختصمون في أمر البعث قائلين إنه لا يكون.
ثم بالغ في شدّة الأخذ بقوله ﴿ فلا يستطيعون توصية ﴾ وفي قوله ﴿ لا يستطيعون ﴾ دون أن يقول "فلا يوصون" مبالغة لأن من لا يوصي قد يستطيعها، وكذلك في تنكير توصية الدال على التقليل، وكذا في نفس التوصية لأنها بالقول والقول يوجد أسرع من الفعل من أداء الواجبات وردّ المظالم، وقد تحصل التوصية بالإشارة فالعاجز عنها عاجز عن غيرها.
وفي قوله ﴿ ولا إلى أهلهم يرجعون ﴾ بيان لشدّة الحاجة إلى التوصية فإن الذي يقطع بعدم الوصول إلى أهله كان إلى الوصية أحوج.
وفيه تنبيه على أن الميت لا رجوع له إلى الدنيا ولا اجتماع له بأهله مرة أخرى إلى حين يبعثون.
ثم بين حال النفخة الثانية، والأجداث القبور والنسلان العدو.
وكيف صارت النفختان مؤثرتين في أمرين متضادين الإماتة والإحياء؟
نقول: لا مؤثر إلا الله، والنفخ علامة على أن الصوت يوجد التزلزل وأنه قد يصير سبباً لافتراق الأجزاء المجتمعة تارة ولاجتماع المتفرقة أخرى.
ثم إن أجزاء كل بدن قد تحصل في موضع هو بمنزلة جدثه، أو أعطى للأكثر حكم الكل.
وذكر الرب في هذا الموضع للتخجيل فإن من أساء واضطر إلى الحضور عند من أحسن إليه كان أشدّ ألماً وأكثر ندماً.
وقوله ﴿ ينسلون ﴾ لا ينافي قوله في موضع آخر ﴿ فإذا هم قيام ينظرون ﴾ فلعل ذلك في أول الحالة ثم يحصل لهم سرعة المشي من غير اختيارهم.
ويمكن أن يقال: إن هيئة الانتظار ليست بمنافاة للمشي بل مؤكدة له ومعينة عليه.
وفي "إذا" المفاجأة إشارة إلى أن الإحياء والتركيب والقيام والعدو كلها تقع في زمان النفخ.
ثم بين أنهم قبل النسلان ﴿ قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا ﴾ كأنهم شكوا في أنهم كانوا موتى فبعثوا أو كانوا نياماً فتنبهوا فجمعوا في السؤال بين الأمرين: البعث والمرقد.
عن مجاهد: للكفار.
هجعة يجدون فيها طعم النوم فإذا صيح بأهل القبور قالوا ذلك، ثم أجابهم الملائكة في رواية ابن عباس، والمتقون على قول الحسن ﴿ هذا ما وعد الرحمن ﴾ كأنه قيل: ليس بالبعث الذي عرفتموه وهو بعث النائم من مرقده حتى يهمكم السؤال عن الباعث أن هذا هو البعث الأكبر الذي وعده الرحمن في كتبه المنزلة على لسان رسله الصادقين.
والظاهر أن ﴿ هذا ﴾ مبتدأ ﴿ وما وعد الرحمن ﴾ إلى آخره خبره، و"ما" مصدرية أي هذا وعد الرحمن وصدق المرسلين على تسمية الموعود والمصدوق فيه بالمصدر.
ويجوز أن يكون "ما" موصولة أي هذا الذي وعده الرحمن وصدقه المرسلون أي صدقوا فيه.
وجوّز جار الله أن يكون ﴿ هذا ﴾ صفة للمرقد و ﴿ ما وعد ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي هذا وعد الرحمن، أو مبتدأ محذوف الخبر أي ما وعده الرحمن وصدقه المرسلون حق عليكم.
وقيل: إن قوله ﴿ هذا ما وعد الرحمن ﴾ من كلام الكافرين كأنهم تذكروا ماسمعوا من الرسل فأجابوا به انفسهم، أو أجاب بعضهم بعضاً، ثم عظم شأن الصيحة بالنسبة إلى المكلفين وحقر أمرها بالإضافة إلى الجبار قائلاً ﴿ إن كانت إلا صيحة ﴾ الآية.
وقد مر نظيره.
ثم بين ما يكون في ذلك اليوم قائلاً ﴿ فاليوم لا تظلم نفس شيئاً ولا تجزون ﴾ أيها الكافرون ﴿ إلا ما كنتم تعملون ﴾ وفيه إشارة إلى أن عدله عام وفضله خاص بأهل الإيمان وفيه أنهم إذا جمعوا لم يجمعوا إلا للعدل أو الفضل فالفاء فيه كما في قول القائل للوالي أو للقاضي: جلست للعدل فلا تظلم.
أي ذلك يقتضي هذا ويستعقبه.
وقوله ﴿ ما كنتم تعملون ﴾ إشارة إلى عدم الزيادة فإن الشيء لا يزيد على عينه كقولك: فلان يجازيني حرفاً بحرف.
أي لا يترك شيئاً.
ويجوز أن يراد الجنس أيّ لا تجزون إلا جنس العمل حسناً أو سيئاً.
ثم فصل حال المحسنين بطريق الحكاية في ذلك اليوم تصويراً للموعود وترغيباً فيه فقال ﴿ إن أصحاب الجنة اليوم في شغل ﴾ لا يكتنه كنهه وفيه وجوه أقواها أنهم مشغولون عن هول ذلك اليوم بما لهم من الكرامات والدرجات.
وقوله ﴿ فاكهون ﴾ مؤكد لذلك المعنى أي شغلوا عنه باللذة والسرور لا بالويل والثبور.
وثانيها أنه بيان لحالهم ولا يريد أنهم شغلوا عن شيء بل المراد أنهم في عمل، ثم بين عملهم بأنه ليس بشاق بل هو ملذ محبوب.
وثالثها أنهم تصوروا في الدنيا أموراً يطلبونها في الجنة فإذا رأوا فيها ما لم يخطر ببالهم اشتغلوا به عنها.
وعن ابن عباس أن الشغل افتضاض الأبكار أو ضرب الأوتار.
وقيل: التزاور.
وقيل: ضيافة الله.
وعن الكلبي: هم في شغل عن أهاليهم من أهل النار لا يهمهم أمرهم لئلا يدخل عليهم تنغيص من تنعمهم.
والفاكه والفكه المتنعم المتلذذ ومنه الفاكهة لأنها تؤكل للتلذذ لا للتغذي والفكاهة الحديث لأجل التلذذ لا للضرورة.
والأزواج ظاهرها زوج المرأة وزوجة الرجل.
وقيل: أراد اشكالهم في الأحساب وأمثالهم في الإيمان كقوله ﴿ وآخر من شكله أزواج ﴾ قال أهل العرفان: من شرائط السماع الزمان والمكان والإخوان فقوله ﴿ هم وأزواجهم في ظلال ﴾ إشارة إلى عدم الوجوه الموحشة وأن لهم في ظل الله ما يمنع الإيذاء كقوله ﴿ لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً ﴾ وقوله ﴿ على الأرائك متكئون ﴾ دليل على القوة والفراغة والتمكن من أنواع الملاذ.
وقوله ﴿ لهم فيها فاكهة ﴾ إشارة إلى سائر أنواع الملاذ الزائدة على قدر الضرورة.
وقوله ﴿ ولهم ما يدّعون ﴾ إشارة إلى دفع جميع حوائجهم وما يخطر ببالهم.
قال الزجاج: هو افتعل من الدعاء أي ما يدعونه أهل الجنة يأتيهم.
وقال جار الله: هو للاتخاذ اي ما يدعون به أو ما يدعون به أو ما يدعون لأنفسهم كقولك: يشتوي.
أي اتخذ لنفسه شواء.
أو هو بمعنى التداعي.
وعلى الوجهين إما أن يراد كل ما يدعو به الله أحد أو كل ما يطلبه من صاحبه فإنه يجاب له بذلك، أو يراد أن كل ما يصح أن يدعى به ويطلب فهو حاصل لهم قبل الطلب.
وقيل: معناه يتمنون من قولهم: ادّع عليّ ما شئت أي تمنه عليّ.
وقيل: هو من الدعوى وذلك أنهم كانوا يدّعون في الدنيا أن الله هو مولاهم وأن الكافرين لا مولى لهم بينه قوله ﴿ سلام ﴾ يقال لهم ﴿ قولاً من رب رحيم ﴾ أي من جهته بواسطة الملائكة.
وقيل: اراد لهم ما يدّعون سالم خالص لا شوب فيه.
و ﴿ قولاً ﴾ اي عدة وعلى هذا يكون قوله ﴿ لهم ﴾ للبيان و ﴿ ما يدعون سلام ﴾ مبتدأ وخبر كقولك: لزيد الشرف متوفر.
وقال بعضهم: يحتمل أن يكون ﴿ قولاً ﴾ نصباً على التمييز لأن السلام من الملك قد يكون قولاً وقد يكون إشارة.
وقال أهل البيان قوله ﴿ وامتازوا ﴾ معطوف على المعنى كأنه قيل: دوموا أيها المؤمنون في النعيم وامتازوا اليوم أيها المجرمون.
أو قلنا لأهل الجنة: إنكم في شغل وقلنا لأهل النار: امتازوا وهو كقوله ﴿ فريق في الجنة وفريق في السعير ﴾ أو تميزوا في أنفسكم غيظاً وحنقاً فلا دواء لألمكم ولا شفاء لسقمكم كقوله في صفة جهنم ﴿ تكاد تميز من الغيظ ﴾ أو افترقوا خلاف ما للمؤمن من الاجتماع بالإخوان فلا عذاب كفرقة الأخدان يؤيده ما روي عن الضحاك: لكل كافر بيت من النار يكون فيه لا يرى ولا يُرى.
وعن قتادة: أراد اعتزلوا عن كل خير ترجون، أو امتازوا عن شفعائكم وقرنائكم.
أو المراد تميزهم بسواد الوجه وزرقة العين وبأخذ الكتاب بالشمال وبخفة الميزان وغير ذلك.
وقال صاحب المفتاح: قوله ﴿ إن أصحاب الجنة ﴾ إلى آخر الآيات خطاب لأهل المحشر بدلالة الفاء في قوله ﴿ فاليوم لا تظلم ﴾ بعد قوله ﴿ إن كانت إلا صيحة ﴾ وقد جاء في التفاسير أن قوله ﴿ إن أصحاب الجنة ﴾ إنما يقال حين يسار بهم إلى الجنة فيؤل معنى الكلام إلى قول القائل إن أصحاب الجنة منكم يا أهل المحشر يؤل حالهم إلى أسعد حال فليمتازوا عنكم إلى الجنة، وامتازوا أنتم عنهم أيها المجرمون.
ثم كان لسائل أن يقول: إن الإنسان خلق ظلوماً جهولاً والجهل عذر فبين الله أن الأعذار زائلة قائلاً ﴿ ألم أعهد إليكم ﴾ والآية إلى قوله ﴿ أفلم تكونوا تعقلون ﴾ شبه اعتراض، فيه توبيخ لأهل النار وما ذلك العهد عن بعضهم أنه الذي مر ذكره في قوله ﴿ ولقد عهدنا إلى آدم من قبل ﴾ وقيل: هو المذكور في قوله ﴿ وإذ خذ ربك من بني آدم من ظهورهم ﴾ وقيل: هو المبين على لسان الرسل.
ومعنى ﴿ لا تعبدوا ﴾ لا تطيعوا ولا تنقادوا وسوسته وتزيينه.
وقوله ﴿ هذا ﴾ إشارة إلى ما عهد إليهم من مخالفته الشيطان وعبادة الرحمن.
قال أهل المعاني: التنوين في قوله ﴿ صراط ﴾ للتعظيم إذ لا صراط أقوم منه، أو للتنويع اي هذا بعض الطرق المستقيمة، ففيه توبيخ لهم على العدول عنه كما يقول الرجل لولده وقد نصحه النصح البالغ: هذا فيما أظن قول نافع غير ضار.
وفي ذكر الصراط ههنا إشارة إلى أن الإنسان في دار التكليف مسافر والمجتاز في بادية يخاف فيها على نفسه وماله لا يكون عنده شيء أهم من معرفة طريق قريب آمن.
ثم بين لهم عدواة الشيطان بقوله ﴿ ولقد أضل منكم جبلاً ﴾ وهو في لغاته كلها بمعنى الخلق من جبله الله على كذا أي طبعه عليه.
عن علي أنه قرأ ﴿ جيلاً ﴾ بياء منقوطة من تحت بنقطتين.
ثم أشار إلى محل امتياز المجرمين إليه بقوله ﴿ هذه جهنم ﴾ وقوله ﴿ اصلوها ﴾ أمر إهانة وتنكيل نحو ذق.
وفي قوله ﴿ اليوم ﴾ إشارة إلى أن اللذات قد مضت وأيامها قد انقضت وليس بعد ذلك إلا العقاب.
روى أهل التفسير أنهم يجحدون يوم القيامة كفرهم في الدنيا فحينئذ يختم على أفواههم وتتكلم جوارحهم.
وفي الحديث "يقول العبد يوم القيامة إني لا أجيز شاهداً إلا من نفسي فيختم على فيه ويقال لأركانه: انطقي فتنطق بأعماله ثم يُخلى بينه وبين الكلام فيقول بعداً لكن وسحقاً فعنكن كنت أناضل" قال المتكلمون: إنه لا يبعد من الله إنطاق كل جرم من الأجرام إنطاق اللسان وهو فاعل لما يشاء.
قال الحكيم: إنهم لا يتكلمون بشيء لانقطاع أعذارهم وانهتاك أستارهم فيقفون ناكسي الرؤوس وقوف القنوط اليؤس.
وتكلم الأعضاء عبارة عن ظهور إمارات الذنوب عليهم بحيث لا يبقى للإنكار مجال كقول القائل: الحيطان تبكي على صاحب الدار إذا ظهر أمارات الحزن وأسبابه.
ثم إنه أسند الختم إلى نفسه وأسند التكلم والشهادة إلى الأيدي والأرجل لكيلا يقال: إن الإقرار بالإجبار غير مقبول.
وأيضاً إنه أسند التكلم إلى الأيدي والشهادة إلى الأرجل لأن الأعمال مستندة إلى الأيدي غالباً كقوله ﴿ وما عملته أيديهم ﴾ ﴿ فبما كسبت ايديكم ﴾ فهي كالعاملة، والشاهد على العامل ينبغي أن يكون غيره.
وإنما جعلت الشهادة عليهم منهم لأن غيرهم إما صالحون وهم أعداء للمجرمين فلهم أن يقولوا شهادتهم غير مقبولة في حقنا، وإما فاسقون وشهادة الفسقة غير مقبولة شرعاً.
وههنا نكتة وهي أن الختم لازم للكفار في الدارين، ختم الله على قلوبهم في الدنيا وكان قولهم بأفواههم كما قال ﴿ يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ﴾ ثم إذا ختم على أفواههم أيضاً في الآخرة لزم أن يكون قولهم بسائر أعضائهم.
هذا وقد ذكرنا مراراً أنه كلما يذكر تمسك الجبرية يذكر عقيبه تمسك القدرية وبالعكس.
وكان للقدرية أن تتمسك بقوله ﴿ يكسبون ﴾ ﴿ يكفرون ﴾ حيث أسند الله الكفر والكسب إليهم فلا جرم عقبه بتمسك الجبري وهو قوله ﴿ ولو نشاء لطمسنا ﴾ ووجه التمسك أن إعماء البصائر شبه إعماء الأبصار، وسلب القوّة العقلية كسلب القوّة الجسمية.
فكما أنه لو شاء لطمس على أبصارهم حتى لا يهتدوا إلى الطريق القاهر الظاهر ولو شاء لسلب قوّة جسومهم بالمسخ حتى لا يقدروا على تقدم ولا تأخر، فكذلك إذا شاء أعمى البصائر وسلب قواهم العقلية حتى لم يفهموا دليلاً ولم يتفكروا في آية.
والطمس محو أثر شق العين.
قال جار الله ﴿ فاستبقوا الصراط ﴾ أصله فاستبقوا إلى الصراط فانتصب بنزع الخافض.
والمعنى لو شاء لمسح أعينهم فلو راموا أن يسبقوا إلى الصراط الذي عهدوه واعتادوا على سلوكه إلى مساكنهم لم يقدروا عليه إذ الصراط طريق الاستباق، والاستباق مضمن معنى الابتدار.
فالمراد لو شاء لأعماهم حتى لو أرادوا أن يمشوا مستبقين في الطريق المألوف أو مبتدرين إياه كما كان هجيراهم لم يستطيعوا.
أو يجعل الصراط مسبوقاً لا مسبوقاً إليه، فالمعنى لو طلبوا أن يخلفوا الصراط الذي اعتادوه لعجزوا ولم يقدروا إلى على سلوك الطريق المعتاد كالعميان يهتدون فيما ألفوا من المقاصد والجهات دون غيرها.
عن ابن عباس: أراد لمسخناهم قردة وخنازير.
وقيل: حجارة.
عن قتادة: لأقعدناهم على أرجلهم أو أزمناهم على أرجلهم.
والمكان والمكانة واحد أراد مسخاً مجمداً بحيث لا يقدرون أن يرجعوا مكانهم.
وإنما قدم الطمس على المسخ تدرّجاً من الأهون إلى الأصعب، فإن الأعمى قد يهتدي إلى وجوه التصرف بأمارت عقلية أو حسية غير البصر.
وأما الممسوخ على مكانه فلا يهتدي إلى شيء أصلاً.
ولمثل ما قلنا قدم المضيّ على الرجوع فإن سلوك طريق قد رآه مرة يكون أهون مما لم يره اصلاً، فنفى أوّلاً استطاعة الصعب ثم نفى استطاعة الأهون أيضاً لأجل المبالغة.
وحين قطع الأعذار بسبق الإنذار وذلك في قوله ﴿ ألم أعهد إليكم ﴾ شرع في قطع عذر آخر للكافر وهو أن يقول: لم يكن لبثنا في الدنيا إلا يسيراً ولو عمرتنا لما وجدت منا تقصيراً فقال الله ﴿ ومن نعمره ننكسه في الخلق ﴾ كقوله ﴿ ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ﴾ ﴿ أفلا تعقلون ﴾ أنكم كلما دخلتم في السن ضعفتم وقد عمرتم ما تمكنتم فيه أن النظر والعمل، ومن لم يأت بالواجب في زمان الإمكان لم يأت به في زمن الأزمان.
وعن بعضهم: طوى العصران ما نشراه مني *** فأبلى جدّتي نشر وطيّ أراني كل يوم في انتقـــــاص *** ولا يبقى على النقصان شيّ وقال آخر: أرى الأيام تتركني وتمضي *** وأوشك أنها تبقى وأمضي علامة ذاك شيب قد علاني *** وضعف عند إبرامي ونقضي وما كذب الذي قد قال قبلي *** إذا ما مر يوم مر بعضي وحيث بين أصل الوحداينة والحشر في هذه السورة مرات أقربها قوله ﴿ وأن اعبدوني ﴾ وقوله ﴿ هذه جهنم ﴾ إلى آخرها عاد إلى أصل الرسالة بقوله ﴿ وما علمناه الشعر ﴾ وإنما لم يقل وما علمناه السحر ولا الكهانة مع أنهم ادّعوا أنه ساحر كاهن لأنه ما تحدّاهم إلا بالقرآن.
وإنما نسبوه إلى السحر عند إظهار فعل خارق كشق القمر وحنين الجذع إليه، ونسبوه إلى الكهانة عند إخباره عن الغيوب وهو نوع خاص من الكلام من غير اعتبار الفصاحة اللفظية والمعنوية.
قال جار الله معنى قوله ﴿ وما ينبغي له ﴾ أنه لا يتأتى له ولا يتسهل كما جعلناه أمياً لا يهتدي للخط.
وروي عن الخليل أن الشعر كان أحب إلى رسول الله من كثير من الكلام ولكن كان لا يتأتى له.
قال: وما روي أنه .
أنا النبي لا كذب *** أنا ابن عبد المطلب وقال: هل أنت إلا إصبع دميت *** وفي سبيل الله ما لقيت كلام اتفاقي من غير قصد وتعمد، والشعر كلام موزون مقفى مع تعمد.
وقيل: أراد نفي الشعر عن القرآن فقال ﴿ وما علمناه ﴾ بتعليم القرآن ﴿ الشعر وما ينبغي ﴾ القرآن أن يكون شعراً وأنا أقول: الأحسن أن يقال: ما ينبغي له معناه أنه لا يليق بجلالة منصبه لأن الشعر مادته كلام يفيد تأثيراً دون التصديق وهو التخييل، وأما الوزن والقافية فهما كالصورة ويفيدانه ترويجاً وتزييناً فجلَّ رتبته من التخييل الذي هو قريب من المغالطة، ولهذا لم يؤمر بأن يدعو بهما إلى سبيل ربه.
وإنما أمر بأن يدعو إلى الدين باسئر أصناف الكلام حيث قيل ﴿ ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ﴾ ونظيره قوله ههنا ﴿ إن هو إلا ذكر ﴾ أي موعظة ﴿ وقرآن مبين ﴾ ذو البيان أو الإبانة وأنه يشمل البرهان والجدل.
أما البرهان فظاهر، وأما الجدل فلأن النتيجة إذا كانت في نفسها حقة.
فالرجل العالم المحق ليس عليه إلا إفحام الخصم الألدّ وإلزامه بمقدّمات مسلمة أو مشهورة، ومما يؤيد ما ذكرنا ما روي أنه كان يقرأ قول طرفة: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً *** ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد هكذا: ويأتيك من لم تزوّد بالأخبار.
ولا ريب أنه كان يتأتى له رواية الشعر إن لم يتأت له فرصة، وما ذاك إلا للتنزه عما يشبه ما يشين رتبته ولا يوافق وغزاه.
ويروى أنه حين قال: هل أنت إلا إصبع دميت *** انقطع الوحي أياماً حتى قالت الكفار إن محمداً قد ودعه ربه وقلاه، وهذا أحد أسباب نزول تلك الآية.
ولمثل ما قلنا لم يروَ عنه كلام منظوم وإن كان حقاً وصدقاً كالذي قاله بعض الشعراء في التوحيد والحقائق.
وقد أشار إلى نحو ذلك بقوله "إن من الشعر لحكمة" وقد مر في تفسير قوله في آخر الشعراء ﴿ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ وذلك أن الشاعر يقصد لفظاً فيوافقه معنى حكمي.
وبالجملة لا يخلو الشعر عن تكلف مّا، وقد يدعوه النظم إلى تغيير المعنى لمراعاة اللفظ، فأين الشارع من الشاعر؟
ثم بين كون القرآن منزلاً على هذا الوجه بقوله ﴿ لتنذر ﴾ يا محمد أو لينذر هو أي القرآن ﴿ من كان حياً ﴾ عاقلاً متأملاً.
ويجوز أن تكون الحياة عبارة عن الإيمان، أو المراد بالحي من يؤل حاله إلى الإيمان.
أو المراد بالإنذار الانتفاع به مثل ﴿ هدى للمتقين ﴾ ﴿ إنما تنذر من اتبع الذكر ﴾ وقوله ﴿ ويحق القول ﴾ كقوله في أول السورة ﴿ لقد حق القول ﴾ وقد مر وهذا كلام مطابق من حيث المعنى كأنه قال: لتنذر من كان حياً ويحق القول على من كان ميتاً لأن الكافر في عداد الموتى.
ثم عاد إلى تقرير دلائل الوحدانية مع تعداد النعم فقال ﴿ أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت ﴾ أي من جملة ما عملته ﴿ أيدينا ﴾ فاستعار عمل الأيدي لتفرده بالأحداث والإيجاد مع اشتمال المحدث والموجد على غرائب وعجائب حتى قال فيه ﴿ أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ﴾ وقوله ﴿ فهم لها مالكون ﴾ إشارة إلى اتمام الإنعام في خلق الأنعام.
وقوله ﴿ وذللناها لهم ﴾ إشارة إلى ما فوق التمام فقد يملك الشيء ولا يكون مسخراً، ومن الذي يقدر على تذليل الإبل لولا أمر الله بتسخيرها حتى قال بعضهم: يصرف الصبيّ بكل وجه *** ويحبسه على الخسف الجرير وتضربه الوليدة بالهراوي *** فلا غير لديه ولا نكير والجرير حبل يجعل للبعير بمنزلة العذار للدابة.
ومن زعم أن الملك بمعنى الضبط من قوله: لا أملك رأس البعير أن يفر.
يلزمه التكرار.
ثم فصل بعض منافعها بقوله ﴿ فمنها ركوبهم ﴾ والركوب والركوبة ما يركب كالحلوب والحلوبة، والتاء للمبالغة.
وقيل: للوحدة والمنافع كالجلود والأوبار والأصواف، ذكرها بالاسم العام لما في تفصيلها من الطول.
والمشارب جمع مشرب وهو موضع الشرب اي الأواني المتخذة من جلودها، أو هو الشرب كالألبان والأسمان.
وحين وبخهم على عدم الشكر بقوله ﴿ أفلا يشكرون ﴾ زاد في توبيخهم بقوله ﴿ واتخذوا من دون الله آلهة ﴾ أي وضعوا الشرك مكان الشكر فلا أظلم منهم.
وفي قوله ﴿ لعلهم ينصرون ﴾ إلى قوله ﴿ محضرون ﴾ وجهان: أحدهما أنهم طمعوا في أن يتقوّوا بهم ويعتضدوا بمكانهم والأمر عكس ذلك حيث هم جند لآلهتهم معدّون يخدمونهم ويذبون عنهم من غير نفع في آلهتهم.
وثانيهما اتخذوهم لينصرونهم عند الله بالشفاعة، والأمر على خلاف ذلك حيث إن آلهتهم يوم القيامة جند محضرون لعذابهم لأنهم يجعلون وقوداً للنار.
ووجه ثالث وهو أن يكون قوله ﴿ وهم لهم جند محضرون ﴾ تأكيداً لعدم الاستطاعة فإن من حضر واجتمع ثم عجز عن النصرة يكون في غاية الضعف بخلاف من لم يتأهب ولم يجمع أنصاره.
ثم عقب دليل التوحيد بالرسالة مسلياً رسوله بقوله ﴿ فلا يحزنك قولهم ﴾ باتخاذ الشريك لله أو بالطعن في الرسالة أو بالإيذاء في والتهديد.
ثم علل عدم الحزن بقوله ﴿ إنا نعلم ما يسرون ﴾ من النفاق وسائر العقائل الفاسدة ﴿ وما يعلنون ﴾ من الشرك وسائر الأفعال القبيحة، أو يسرون من المعرفة بالله ويعلنون من العناد وجوّز جار الله فتح "أن" على تقدير لام التعليل، بل جوز أن تكون المفتوحة بدلاً من ﴿ قولهم ﴾ والمكسورة مفعولاً لـ ﴿ ـقولهم ﴾ ويكون نهي الرسول عن ذلك كنهيه عن الشرك في قوله ﴿ ولا تكونن من المشركين ﴾ ثم اردف الرسالة بالحشر مع أن فيه دليلاً آخر على التوحيد مأخوذاً من الأنفس، فإن الأول كان مأخوذاً من الآفاق.
وفي قوله ﴿ فإذا هو خصيم مبين ﴾ وجهان: أحدهما فإذا هو بعد ما كان ماء مهيناً رجل مميز منطيق معرب عما في ضميره كقوله ﴿ أو من يُنَشَّؤُاْ في الحلية وهو في الخصام غير مبين ﴾ فقوله ﴿ من نطفة ﴾ إشارة إلى أدنى ما كان عليه الإنسان وقوله ﴿ فإذا هوخصيم مبين ﴾ إشارة إلى أعلى ما حصل عليه الآن، لأن أعلى أحوال الناطق أن يقدر على المخاصمة والذب عن نفسه بالكلام الفصيح.
وثانيهما قول كثير من المفسرين إنها نزلت في جماعة من كفار قريش تكلموا في البعث فقال للهم أبيّ بن خلف الجمحي: واللات والعزى لأصيرن إلى محمد ولأخصمنه.
وأخذ عظماً بالياً فجعل يفتته بيده ويقول: يا محمد أترى الله يحيي هذا بعد ما قد رمّ؟
فقال : نعم ويبعثك ويدخلك جهنم.
قال أهل البيان: سمى قولهم ﴿ من يحيي العظام وهي رميم ﴾ مثلاً لأن إنكار قدرة الله على إحياء الموتى قصة عجيبة.
وفيه تشبيه الخالق اللقادر العليم بالمخلوق العاجز عن خلق أدنى بعوضة الجاهل بما يجري عليه من الأحوال.
والرميم اسم لما بلي من العظام كالرمة والرفات ولا يبعد أن يكون صفة.
ولم تؤنث بتقدير موصوف محذوف أي شيء رميم، أو لأنه بمعنى فاعل كقوله ﴿ إن رحمة الله قريب ﴾ وفي الآية دليل ظاهر على أن عظام الميتة نجسة لأن الموت والحياة يتعاقبان عليها.
وقال أصحاب أبي حنيفة: إنها طاهرة وإن الحياة لا تحل فيها فلا يتصور موتها، وكذا الشعر والعصب.
وتأوّلوا الآية بأن المراد بإحياء العظام ردّها على ما كانت عليه غضة طرية في بدن حيّ حساس.
واعلم أن المنكرين للحشر منهم من اكتفى في إنكاره بمجرد الاستبعاد كقوله ﴿ من يحيي العظام وهي رميم ﴾ فأزال استبعادهم بتصوير الخلق الأول فإن الذي قدر على جعل النطفة المتشابهة الأجزاء إنساناً مختلف الأبعاض والأعضاء، مودعاً فيه الفهم والعقل وسائر أسباب المزية والفضل، فهو على إعادتها أقدر.
ومنهم من ذكر شبهة وهي كقولهم: إن الإنسان بعد العدم لم يبق شيئاً فكيف يصح إعادة المعدوم عقلاً؟
أو كقولهم: إن الذي تفرقت أجزاؤه في أبدان السباع وجدران الرباع كيف يجمع ويعاد؟
أو كقولهم إن إنسانأً إذا نشأ مغتذياً بلحم إنسان آخر فلا بد أن لا يبقى للآكل وللمأكول جزء يمكن إعادته.
فأجاب الله عن الأول بقوله ﴿ يحييها الذي أنشأها أوّل مرة ﴾ يعني كما خلق الإنسان ولم يكن شيئاً مذكوراً فإنه يعيده وإن لم يكن شيئاً.
وعن الباقيتين بقوله ﴿ وهو بكل خلق عليم ﴾ فيجمع الأجزاء المتفرقة في البقاع والسباع وهكذا يعلم الأصلي من الفضلي فيجمع الأجزاء الأصلية للآكل والمأكول.
ثم شبه خلق الإنسان بل الحيوان من قبل إيداع الحرارة الغريزية التي بها قوام الحياة في جوهر رطب طريّ بإنشاء الشجر الخضر الذي تنقدح منه النار.
قالت العرب: في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار أي استكثر واستغزر يقطع الرجل منهما غصنين مثل السواكين وهما خضراوان يقطر منهما الماء فيسحق المرخ - وهو ذكر علىالعفار- وهي أنثى- فتنقدح النار بإذن الله عز وجل.
وعن ابن عباس: ليس من شجرة إلا وفيها نار إلا العناب قالوا: ولذلك يتخذ منه كذينقات القصارين.
قلت: ويشبه أن يكون كل شجرة في غاية الصلابة هكذا إلا أن يكون له سبب خاص به كما يروى أنه معجزة لموسى فإنه قد رأى النار فيها فلا ينبغي لغيره أن يراها.
ثم أكد قدرته الكاملة على خلق الإنسان إبداء وإعادة بتذكر خلق السموات والأرض الذي هو أكبر من خلق الناس.
ثم أثبت ما نفاه مستفهماً للتقرير بقوله ﴿ بل وهو الخلاق ﴾ الكثير الخلق الكامل فيه ﴿ العليم ﴾ بكل جوهر وعرض وما يطلق عليه اسم الشيئية.
ثم بين أن إيجاده ليس متوقفاً إلا على تعلق الإرادة بالمقدور وقد مر تقريره في أوائل "البقرة" وغيرها.
قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن المعدوم شيء.
وأجيب بأن الآية دلت على أنه حين تعلق الإرادة به شيء، أما إنه قبل ذلك شيء فكلا.
ثم ختم السورة بتقرير المبدأ والمعاد على الإجمال.
فقوله ﴿ بيده ملكوت كل شيء ﴾ إشارة إلى المبدأ.
وقوله ﴿ وإليه ترجعون ﴾ إشارة إلى المعاد وإذا تقرر الطرفان فما بينهما الوسط المشتمل على التكاليف والرسالة، فهذه الآية كالنتجية للمقدمات السابقة في السورة.
عن ابن عباس: كنت لا أعلم ما روي في فضائل يس وقراءتها كيف خصت بذلك فإذا أنه لهذه الآية.
روي أنه قال: "إن لكل شيء قلباً وقلب القرآن يس" فذكر الإمام الغزالي أن الإيمان صحته بالاعتراف بالحشر وأنه مقرر في هذه السورة بأبلغ وجه فلذلك سماها قلب القرآن.
وقال غيره: إن الأصول الثلاثة التي يتعلق بها نصيب الجنان وهي التوحيد والرسالة والحشر مكررة في هذه السورة.
وليس فيها شيء من بيان وظيفة اللسان ولا العمل بالأكان.
فلما كان أعمال القلب لا غير سماه قلباً، ولهذا ورد في الأخبار أنه ينبغي أن تقرأ على الميت حالة النزع وذلك ليزداد بها قوة قلبه، فإن الأعضاء الظاهرة وقتئذ ساقطة المنة، والقلب مقبل على الله معرض عما سواه ولنا فيه وجه هو بالتأويل أشبه فلنذكره هناك.
الـتأويل: ﴿ اتقوا ما بين أيديكم ﴾ من الدنيا وشهواتها ﴿ وما خلفكم ﴾ من نعيم الجنة ولذاتها ﴿ لعلكم ترحمون ﴾ بمشاهدة الجمال وأنوار الكمال ﴿ ونفخ في الصور ﴾ إشارة إلى نفخ إسرافيل المحبة في صور القلب، فإذا السر والروح والخفى من أجداث أوصاف البشرية ﴿ إلى ربهم ينسلون ﴾ يرجعون بعضها بالسير وبعضها بالطيران ﴿ إن أصحاب الجنة اليوم في شغل ﴾ شغلهم الله بالمفاكهة عن المشاهدة كما قال بعض الصوفية: والناس يخرجون من مسجد الجامع هؤلاء حشو الجنة.
وللمجالسة اقوام آخرون وهم الفارغون من الالتفات إلى الكونين.
قال الله ﴿ فإذا فرغت ﴾ أي من تعلقات الكونين ﴿ فانصب ﴾ لطلب الوصال.
ويحكى أن الآية قرئت في مجلس الشبلي فشهق شهقة وغاب، فلما أفاق قال: مساكين لو علموا أنهم عم شغلوا لهلكوا.
ويحتمل أن يقال: إنهم اليوم أي في الدنيا ف شغل بأنواع الطاعات والعبادات من طلب الحق والشوق إلى لقائه كما يحكى عن يحيى بن معاذ أنه قال: رايت رب العزة في منامي فقال لي: ابن معاذ، كل الناس يطلبون مني إلا أبا يزيد فإنه يطلبني.
ويمكن أن يقال: إنهم اليوم في الدنيا في شغل بالطاعات والرضا بما قسم الله عن طلب اللذات والفوائد وارتكاب المحرمات والزوائد.
أو يقال: إنه خطاب للعصاة فإن أهل الله هم المستغرقون في بحار عظمة الله، وأهل الجنة مشتغلون باستيفاء اللذات وليس العصاة إلا رحمتي وكرمي كما قال ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ﴾ ﴿ وتشهد أرجلهم ﴾ في بعض الأخبار المروية أن عبداً لتشهد عليه أعضاؤه بالذلة فتتطاير شعرة من جفن عينه فتستأذن بالشهادة له فيقول الحق : تكلمي يا شعرة جفن عين عبدي واحتجي عن عبدي.
فتشهد له بالبكاء من خوفه فيغفر له وينادي مناد: هذا عتيق الله بشعرة.
﴿ ومن نعمره ننكسه ﴾ إن السالك إذا عمر صار في آخر الأمر إلى الفناء في الله حتى لا يبقى منه ما يستند الفعل إليه.
وفي قوله ﴿ وما علمناه الشعر ﴾ إشارة إلى أن العلوم والصنائع كلها من الله وبتعليمه وإلهامه.
﴿ من الشجر الأخضر ﴾ وهو شجرة البشرية نار المحبة ﴿ توقدون ﴾ مصباح قلوبكم.
وإنما قال النبي "إن قلب القرآن يس" لأن ذكره رمز إليه في أول السورة وفي آخرها.
أما الأول فقد مر في تفسير لفظ ﴿ يس ﴾ وأما الثاني فلأن قوله ﴿ فسبحان ﴾ إلى آخره يدل على المبدأ والمعاد تصريحاً، وعلى الرسالة ضمناً، ولا ريب أن القلب خلاصة كل ذي قلب، وإنه كان خلاصة المخلوقات وكان خلقه القرآن الذي نزل على قلبه، وكأن فاتحة السورة وخاتمتها مبنية على ذكره منبئة عن سره كالقلب في جوف صاحبه فلأجل هذه المناسبات أطلق على ﴿ يس ﴾ أنه قلب القرآن والله ورسوله أعلم بأسرار كلامه.
قوله: ﴿ أَوَلَمْ يَرَ ٱلإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ ﴾ .
هذا يخرج على الوجهين: إن كان على الأمر بالرؤية والنظر أي: فلير الإنسان ولينظر أن من قدر على خلق الإنسان مبتدأ من نطفة لقادر على إعادته؛ لأن إعادة الشيء في الشاهد أهون وأيسر من ابتدائه؛ إذ قد يحتذى ويصور بعد ما وقع البصر على الشيء ويرى ولا سبيل إلى احتذاء ما لم يروا، ولا تصوير ما لم يعاينوا، احتج الله عليهم بالشيء الظاهر الذي يعلم كل أنه كذلك من غير تفكر ولا تأمل، وإلا الاحتجاج عليهم بالأشياء التي لم يذكر أبلغ وأكثر نحو خلق الإنسان من هذه النطفة على الصورة التي صورها والنسمة التي خلقها فيها ما لو اجتمع حكماء البشر كلهم أن يعرفوا كيفية خلقه منها من تركيب العظم والشعر والعين - البصر - والسمع والعقل وجميع الجوارح - ما قدروا على درك ذلك، أو لو اجتمعوا على أن يعرفوا كيفية غذائهم بالأطعمة والأشربة التي جعلها غذاء لهم، والقوة التي بها يتقوون على كل أمر أن كيف قدر وقسم على السواء في الجوارح كلها؟
والمواد التي ينمون ويزيدون على الاستواء ما لو زاد في بعضها من قوى ذلك الطعام والشراب دون بعض يزداد قوة على بعض، ونحو ذلك من العجائب ما لا سبيل إلى معرفة ذلك ألبتة بعد طول التفكر والتأمل، لكنه احتج بالشيء الظاهر؛ ليدركوه بالبديهة ولا يدركون الآخر إلا بعد التأمل والتدبر، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ﴾ .
أي: جدل بين.
وقوله: ﴿ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ ﴾ : ما ذكر من ضرب المثل له: ﴿ قَالَ مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَنَسِيَ خَلْقَهُ ﴾ يحتمل وجوهاً: أحدها: أي: غفل عن القدرة في خلق نفسه ما لو نظر وتفكر لعرف أنه قادر على الإعادة؟!
والثاني: غفل عن الحكمة في الإعادة؟.
والثالث: غفل عن الحكمة في ابتداء خلقه نفسه، ثم يخرج هذا على وجوه: أحدها: أنه لو نظر وتفكر في حق نفسه أنه خلق من نطفة، ثم حول النطفة علقة، وحول العلقة مضغة، وحول المضغة خلقاً وإنساناً تامّاً متقنا، ثم صيره بحيث يأخذ في النقصان بعد ما كان تامّاً، ثم من فعل هذا في الشاهد أن يحكم الشيء ويتقنه ويتمه ثم يهدمه بلا عاقبة تقصد به، كان غير حكيم فعلى ذلك كان ما أحكم الله من الخلق وأتقنه وتممه، ثم جعل ينقض منه ويوهنه، فلو لم يكن إعادته وخلقه ثانياً، كان خارجاً عن الحكمة، فلو نظر في ابتداء خلق نفسه، لعرف أنه يعيده وينشئه ثانياً.
والثاني: لو نظر وتفكر في ابتداء خلق نفسه: أنه كيف دبره في تلك الظلمات الثلاث، وقدره على أحسن تقدير في ذلك، فلو نظر وتفكر أن من قدر على تدبيره وتقديره في الظلمات الثلاث على ما دبره وقدره - قادر على إعادته؛ وهو كقوله: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾ ، أي: هو أهون في عقولكم وتقديركم أهون من ابتدائه، فإذا قدر على الابتداء فهو على الإعادة أقدر وأملك؛ إذ ذلك في عقولكم أهون وأيسر، وإلا ليس في وصف الله أن شيئاً أهون عليه من شيء، بل الأشياء كلها تحت قوله: ﴿ كُن فَيَكُونُ ﴾ من غير أن كان منه كاف أو نون أو شيء من ذلك، لكنه عبر به؛ لأنه أخف حروف على الألسن وأيسره وأقصر كلام وأوجزه يؤدى به المعنى ويفهم منه المراد.
والثالث: أنه خلق هذه الأشياء والجواهر كلها سوى البشر للبشر ولمنافعهم، فلو لم يكن بعث ولا نشأة أخرى، كان خلق هذه الأشياء لهم عبثاً باطلا.
أو أن يكون قوله: ﴿ وَنَسِيَ خَلْقَهُ ﴾ أي: غفل عن بدء خلقه إذ بدأ خلقه، إما أن كان من ماء أو تراب؛ فعلى ذلك إذا أفناه يصير ماء أو تراباً فيعيده منه على ما أنشأه منه بدءاً.
ثم في قوله: ﴿ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ - دلالة نقض قول الباطنية وفساد مذاهبهم؛ حيث قالوا: إن إعادة الخلق وإنشاءه ليس على هذه البنية والصورة التي أنشأها بدءاً، ولكن ينشئ نفساً روحانية على خلاف ما شاهدوها وعاينوها، فالآية تكذبهم وتنقض قولهم؛ حيث قال: ﴿ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ أخبر أنه يحيي العظام التي أنكروا هم إحياءها واستبعدوا ذلك، وعلى ذلك قال: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُولَىٰ فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ ﴾ احتج عليهم بعلمهم النشأة الأولى؛ لإنكارهم النشأة الأخرى، فلو كان على خلاف ذلك لم يكن للاحتجاج عليهم بذلك معنى؛ فدل أنه ينشئهم ويعيدهم على الهيئة الأولى.
والثاني: ينقض عليهم قولهم أيضاً حيث قالوا: يوصل إلى معرفة ذلك من الذي يعلمه الرسول ويخبره دون النظر والتفكر والتدبر، فلو كان على ما يقولون، لم يكن لقوله: ﴿ وَنَسِيَ خَلْقَهُ ﴾ ، ولا لقوله: ﴿ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ ﴾ - معنى؛ فدل أنه قد يوصل إلى معرفة ذلك بالتفكر والنظر، كما يوصل بخبر الرسول الذي قد أظهر صدقه للخلق، فتلزمه الحجة في هذا كما تلزمه في ذلك.
وقوله: ﴿ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَآ أَنتُم مِّنْه تُوقِدُونَ ﴾ ، اختلف فيه: قال بعضهم: هو نوع من الشجر يقال: المرخ، كانوا يوقدون منه النار، ويورون منه، وقيل: هو الزيتون الذي يسرج منه.
وتأويله: أن الشجر الأخضر خضرته إنما تكون من الماء، والماء يطفئ النار، والنار تأكل الحطب والخشب، فمن قدر على الجمع بين المتضادين وحفظ كل واحد منهما عن صاحبه مما السبيل منها التنافر والتدافع - لقادر على البعث، وأنه لا يعجزه شيء.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَآ أَنتُم مِّنْه تُوقِدُونَ ﴾ هو ما أنشأ لهم من الشجر يتنزهون به ويتلذذون ما دام أخضر، فإذا أدرك وبلغ ينتفعون بثماره وفواكهه، ثم يصير حطباً يوقدون منه النار ويصطلون، فمن قدر على ما ذكرنا لا يحتمل أن يعجزه شيء، أو من فعل ما ذكر لا يحتمل أن يفعله عبثاً باطلا، فلو كان على ما قاله أولئك الكفرة أن لا بعث ولا نشور، كان فعل ذلك عبثاً باطلا، والله أعلم.
وقوله: ﴿ أَوَلَـيْسَ ٱلَذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاواتِ وَٱلأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَىٰ ﴾ .
يذكر - والله أعلم - أو ليس من قدر على إنشاء السماوات والأرض مبتدأ لا من شيء ولا أصل لا يحتمل أن يعجزه إعادة الخلق وبعثهم.
أو يقول: إن من قدر على خلق السماوات والأرض وما فيها قادر على أن يخلق مثلهم، وخلق المثل إعادة؛ لأنه إنما يكون بعد هلاك الذين أنشأهم وبعد إماتتهم، ويخلق مثلهم مع بقائهم سواهم، وفي ذلك ابتداء خلق وإعادة؛ فيلزمهم الإقرار بالبعث والقدرة على الإعادة.
ثم أخبر عن قدرته فقال: ﴿ بَلَىٰ وَهُوَ ٱلْخَلاَّقُ ٱلْعَلِيمُ ﴾ .
أي: هو خلق كل شيء من جواهر الأشياء وأفعالهم.
أو هو الخلاق في الدنيا والآخرة، ﴿ ٱلْعَلِيمُ ﴾ يحتمل وجوهاً: يحتمل العليم ببعثهم، أو العليم بمصالحهم ومعاشهم وما لا يصلح.
أو العليم بأحوالهم وأنفسهم ما ظهر منهم وما بطن وما أسروا وما أعلنوا.
وقوله: ﴿ إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً ﴾ .
يحتمل: إنما حاله إذا أراد شيئاً ﴿ أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴾ ، قد ذكرنا معنى هذه الآية فيما تقدم أن كل ما كان ويكون أبدً الآبدين إنما يكون بـ ﴿ كُن ﴾ الذي كان من غير أن كان منه كاف أو نون أو شيء من ذلك، إنما هو إخبار عن سرعة نفاذ أمره ومشيئته، أو إخبار عن خفة ذلك عليه؛ يقول؛ - والله أعلم -: كما لا يثقل عليكم قول: "كُن"؛ فعلى ذلك لا يثقل على الله ابتداء خلق ولا إعادته ولا شيء من ذلك.
ثم نزه نفسه وبرأها وذكر تعاليه عما ظن أولئك من البعث في خلق شيء وبطلانه، فقال: ﴿ فَسُبْحَانَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ .
أي: وتبرأ عن أن يكون خلقه على ما ظن أولئك حيث قال: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ﴾ ، ذلك ظن الذين كفروا؛ فكان ظنهم أن لا بعث ولا نشور، ثم أخبر أنه لو لم يكن ذلك، لكان خلق ما ذكر عبثاً باطلا، فقال: عن أن يلحقه في خلق شيء عبث أو فساد، وكذلك قوله: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً...
﴾ الآية [المؤمنون: 115]، صير خلق الخلق لا للرجوع إليه عبثاً باطلا.
أو أن يقول: يتعالى أن يثقل عليه إعادة الخلق أو ابتداؤهم، أو يتعالى عن أن يعجزه شيء، والله أعلم.
قال القتبي وأبو عوسجة: ﴿ رَمِيمٌ ﴾ أي: بالية، يقال: رم العظم إذا بلي، فهو رميم ورمام؛ كما يقال: رفيت ورفات.
وقوله: ﴿ مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلأَخْضَرِ نَاراً ﴾ قالا: أراد الوقود التي توري بها الأعراب من شجر المرخ والعفارة.
الذي جعل لكم -أيها الناس- من الشجر الأخضر الرطب نارًا تستخرجونها منه فإذا أنتم توقدون منه نارًا، فمن جمع بين ضدين -بين رطوبة ماء الشجر الأخضر، والنار المشتعلة فيه- قادر لى إحياء الموتى.
<div class="verse-tafsir" id="91.4aKqx"