الآية ٢٤ من سورة فصلت

الإسلام > القرآن > سور > سورة 41 فصلت > الآية ٢٤ من سورة فصلت

فَإِن يَصْبِرُوا۟ فَٱلنَّارُ مَثْوًۭى لَّهُمْ ۖ وَإِن يَسْتَعْتِبُوا۟ فَمَا هُم مِّنَ ٱلْمُعْتَبِينَ ٢٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 67 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٤ من سورة فصلت: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٤ من سورة فصلت عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( فإن يصبروا فالنار مثوى لهم وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين ) أي : سواء عليهم أصبروا أم لم يصبروا هم في النار ، لا محيد لهم عنها ، ولا خروج لهم منها .

وإن طلبوا أن يستعتبوا ويبدوا أعذارا فما لهم أعذار ، ولا تقال لهم عثرات .

قال ابن جرير : ومعنى قوله : ( وإن يستعتبوا ) أي : يسألوا الرجعة إلى الدنيا ، فلا جواب لهم - قال : وهذا كقوله تعالى إخبارا عنهم : ( قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون قال اخسئوا فيها ولا تكلمون ) [ المؤمنون : 106 - 108 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (24) يقول تعالى ذكره: فإن يصبر هؤلاء الذين يحشرون إلى النار على النار, فالنار مسكن لهم ومنـزل.

يقول: وإن يسألوا العُتبى, وهي الرجعة لهم إلى الذي يحبون بتخفيف العذاب عنهم.

يقول: فليسوا بالقوم الذين يرجع بهم إلى الجنة, فيخفف عنهم ما هم فيه من العذاب, وذلك كقوله جلّ ثناؤه مخبرا عنهم: قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا ...

إلى قوله وَلا تُكَلِّمُونِ وكقولهم لخزنة جهنم: ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ ...

إلى قوله: وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فإن يصبروا فالنار مثوى لهم أي فإن يصبروا في الدنيا على أعمال أهل النار فالنار مثوى لهم .

نظيره : فما أصبرهم على النار على ما تقدم .

وإن يستعتبوا في الدنيا وهم مقيمون على كفرهم فما هم من المعتبين .

وقيل : المعنى فإن يصبروا [ ص: 316 ] في النار أو يجزعوا فالنار مثوى لهم أي : لا محيص لهم عنها ، ودل على الجزع قوله : وإن يستعتبوا لأن المستعتب جزع ، والمعتب المقبول عتابه ، قال النابغة :فإن أك مظلوما فعبد ظلمته وإن تك ذا عتبى فمثلك يعتبأي : مثلك من قبل الصلح والمراجعة إذا سئل .

قال الخليل : العتاب مخاطبة الإدلال ومذاكرة الموجدة .

تقول : عاتبته معاتبة ، وبينهم أعتوبة يتعاتبون بها .

يقال : إذا تعاتبوا أصلح ما بينهم العتاب .

وأعتبني فلان : إذا عاد إلى مسرتي راجعا عن الإساءة ، والاسم منه العتبى ، وهو رجوع المعتوب عليه إلى ما يرضي العاتب .

واستعتب وأعتب بمعنى ، واستعتب أيضا طلب أن يعتب ، تقول : استعتبته فأعتبني أي : استرضيته فأرضاني .

فمعنى وإن يستعتبوا أي : طلبوا الرضا لم ينفعهم ذلك بل لا بد لهم من النار .

وفي التفاسير : وإن يستقيلوا ربهم فما هم من المقالين .

وقرأ عبيد بن عمير وأبو العالية " وإن يستعتبوا " بفتح التاء الثانية وضم الياء على الفعل المجهول فما هم من المعتبين بكسر التاء أي : إن أقالهم الله وردهم إلى الدنيا لم يعملوا بطاعته لما سبق لهم في علم الله من الشقاء ، قال الله تعالى : ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ذكره الهروي .

وقال ثعلب : يقال أعتب إذا غضب وأعتب إذا رضي .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ } فلا جَلَدَ عليها، ولا صبر، وكل حالة قُدِّر إمكان الصبر عليها، فالنار لا يمكن الصبر عليها، وكيف الصبر على نار، قد اشتد حرها، وزادت على نار الدنيا، بسبعين ضعفًا، وعظم غليان حميمها، وزاد نتن صديدها، وتضاعف برد زمهريرها وعظمت سلاسلها وأغلالها، وكبرت مقامعها، وغلظ خُزَّانها، وزال ما في قلوبهم من رحمتهم، وختام ذلك سخط الجبار، وقوله لهم حين يدعونه ويستغيثون: { اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ } { وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا } أي: يطلبوا أن يزال عنهم العتب، ويرجعوا إلى الدنيا، ليستأنفوا العمل.

{ فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ } لأنه ذهب وقته، وعمروا، ما يعمر فيه من تذكر وجاءهم النذير وانقطعت حجتهم، مع أن استعتابهم، كذب منهم { وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فإن يصبروا فالنار مثوى لهم ) مسكن لهم ، ( وإن يستعتبوا ) يسترضوا ويطلبوا العتبى ، ( فما هم من المعتبين ) المرضين ، والمعتب الذي قبل عتابه وأجيب إلى ما سأل .

يقال : أعتبني فلان ، أي : أرضاني بعد إسخاطه إياي ، واستعتبته : طلبت منه أن يعتب أي : يرضى .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فإن يصبروا» على العذاب «فالنار مثوى» مأوى «لهم وإن يستعتبوا» يطلبوا العتبى، أي الرضا «فما هم من المعتبين» المرضيين.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فإن يصبروا على العذاب فالنار مأواهم، وإن يسألوا الرجوع إلى الدنيا؛ ليستأنفوا العمل الصالح لا يُجابوا إلى ذلك، ولا تُقبل لهم أعذار.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( فَإِن يَصْبِرُواْ ) عن العذاب ( فالنار مَثْوًى لَّهُمْ ) أى : فالنار هى المكان المعد لثوائهم فيه ، ولبقائهم به بقاء أبديا .

يقال : ثوى فلان بالمكان إذا أقام به إقامة دائمة .

؟( وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ فَمَا هُم مِّنَ المعتبين ) أى : وإن يطلبوا الرضا عنهم ، فما هم من المرضى عنهم ، وإنما هم من المغضوب عليهم ، أو وإن يطلبوا منا الرجوع إلى ما يرضينا بأن نعيدهم إلى الدنيا ، فما هم من المجابين إلى ذلك .قال القرطبى : وأصل الكلمة من العَتْب - بفتح العين وسكون التاء - وهى المَوْجِدَة ، يقال : عتب عليه يعتب - كضرب يضرب - إذا وَجَدَ عليه .

فإذا فاوضه فيما عتب عليه فيه ، قيل : عاتبه ، فإذا رجع إلى مسرتك فقد أعتب .

والاسم العتبى ، وهو رجوع المعتوب عليه إلى ما يرى العاتب قال الشاعر :فإن أك مظلوما فعبدا ظلمته ...

وإن تك ذا عتبى فمثلك يعتبوبذلك نرى هذه الآيات الكريمة ، قد بينت الأحوال السيئة التى يكون عليها الكافرون يوم القيامة ، والمجادلات التى تدور بينهم وبين جوارحهم فى هذا اليوم العسير عليهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أنه تعالى لما بيّن كيفية عقوبة أولئك الكفار في الدنيا أردفه بكيفية عقوبتهم في الآخرة، ليحصل منه تمام الاعتبار في الزجر والتحذير، وقرأ نافع ﴿ نَحْشُرُ ﴾ بالنون ﴿ أَعْدَاء ﴾ بالنصب أضاف الحشر إلى نفسه، والتقدير يحشر الله عزّ وجلّ أعداءه الكفار من الأولين والآخرين وحجته أنه معطوف على قوله: ﴿ وَنَجَّيْنَا  ﴾ فيحسن أن يكون على وفقه في اللفظ، ويقويه قوله: ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُ المتقين  ﴾ ﴿ وحشرناهم  ﴾ وأما الباقون فقرؤا على فعل ما لم يسم فاعله لأن قصة ثمود قد تمت وقوله: ﴿ وَيَوْمَ يُحْشَرُ ﴾ ابتداء كلام آخر، وأيضاً الحاشرون لهم هم المأمورون بقوله: ﴿ احشروا  ﴾ وهم الملائكة، وأيضاً أن هذه القراءة موافقة لقوله: ﴿ فَهُمْ يُوزَعُونَ ﴾ وأيضاً فتقدير القراءة الأولى أن الله تعالى قال: ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُ أَعْدَاء الله إِلَى النار ﴾ فكان الأولى على هذا التقدير أن يقال ويوم نحشر أعداءنا إلى النار.

واعلم أنه تعالى لما ذكر أن أعداء الله يحشرون إلى النار قال: ﴿ فَهُمْ يُوزَعُونَ ﴾ أي يحبس أولهم على آخرهم، أي يوقف سوابقهم حتى يصل إليهم تواليهم، والمقصود بيان أنهم إذا اجتمعوا سألوا عن أعمالهم.

ثم قال: ﴿ حتى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وأبصارهم وَجُلُودُهُم ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: التقدير حتى إذا جاؤها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم، وعلى هذا التقدير فكلمة ﴿ مَا ﴾ صلة، وقيل فيها فائدة زائدة وهي تأكيد أن عند مجيئهم لابد وأن تحصل هذه الشهادة كقوله: ﴿ أثم إذا ما وقع آمنتم به  ﴾ أي لابد لوقت وقوعه من أن يكون وقت إيمانهم به.

المسألة الثانية: روي أن العبد يقول يوم القيامة: يا رب العزة ألست قد وعدتني أن لا تظلمني، فيقول الله تعالى فإن لك ذلك، فيقول العبد إني لا أقبل على نفسي شاهداً إلا من نفسي، فيختم الله على فيه وينطق أعضاءه بالأعمال التي صدرت منه، فذلك قوله: ﴿ شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وأبصارهم وَجُلُودُهُم ﴾ واختلف الناس في كيفية الشهادة وفيه ثلاثة أقوال أحدها: أنه تعالى يخلق الفهم والقدرة والنطق فيها فتشهد كما يشهد الرجل على ما يعرفه والثاني: أنه تعالى يخلق في تلك الأعضاء الأصوات والحروف الدالة على تلك المعاني كما خلق الكلام في الشجرة والثالث: أن يظهر تلك الأعضاء أحوالاً تدل على صدور تلك الأعمال من ذلك الإنسان، وتلك الأمارات تسمى شهادات، كما يقال يشهد هذا العالم بتغيرات أحواله على حدوثه، واعلم أن هذه المسألة صعبة على المعتزلة أما القول الأول: فهو صعب على مذهبهم لأن البنية عندهم شرط لحصول العقل والقدرة فاللسان مع كونه لساناً يمتنع أن يكون محلاً للعلم والعقل، فإن غير الله تعالى تلك البنية والصورة خرج عن كونه لساناً وجلداً، وظاهر الآية يدل على إضافة تلك الشهادة إلى السمع والبصر والجلود، فإن قلنا إن الله تعالى ما غير بنية هذه الأعضاء فحينئذ يمتنع عليها كونها ناطقة فاهمة، وأما القول الثاني: وهو أن يقال إن الله تعالى خلق هذه الأصوات والحروف في هذه الأعضاء، وهذا أيضاً باطل على أصول المعتزلة لأن مذهبهم أن المتكلم هو الذي فعل الكلام، لا ما كان موصوفاً بالكلام، فإنهم يقولون إن الله تعالى خلق الكلام في الشجرة وكان المتكلم بذلك الكلام هو الله تعالى لا الشجرة، فهاهنا لو قلنا إن الله خلق الأصوات والحروف في تلك الأعضاء لزم أن يكون الشاهد هو الله تعالى لا تلك، ولزم أن يكون المتكلم بذلك الكلام هو الله لا تلك الأعضاء، وظاهر القرآن يدل على أن تلك الشهادة شهادة صدرت من تلك الأعضاء لا من الله تعالى لأنه تعالى قال: ﴿ شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وأبصارهم وَجُلُودُهُم ﴾ وأيضاً أنهم قالوا لتلك الأعضاء ﴿ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ﴾ فقالت الأعضاء ﴿ أَنطَقَنَا الله الذي أَنطَقَ كُلَّ شَيْء ﴾ وكل هذه الآيات دالة على أن المتكلم بتلك الكلمات هي تلك الأعضاء، وأن تلك الكلمات ليست كلام الله تعالى، فهذا توجيه الإشكال على هذين القولين، وأما القول الثالث: وهو تفسير هذه الشهادة بظهور أمارات مخصوصة على هذه الأعضاء دالة على صدور تلك الأعمال منهم، فهذا عدول عن الحقيقة إلى المجاز والأصل عدمه، فهذا منتهى الكلام في هذا البحث، أما على مذهب أصحابنا فهذا الإشكال غير لازم، لأن عندنا البنية ليست شرطاً للحياة ولا للعلم ولا للقدرة، فالله تعالى قادر على خلق العقل والقدرة والنطق في كل جزء من أجزاء هذه الأعضاء، وعلى هذا التقدير فالإشكال زائل وهذه الآية يحسن التمسك بها في بيان أن البنية ليست شرطاً للحياة ولا لشيء من الصفات المشروطة بالحياة، والله أعلم.

المسألة الثالثة: ما رأيت للمفسرين في تخصيص هذه الأعضاء الثلاثة بالذكر سبباً وفائدة، وأقول لا شك أن الحواس خمسة السمع والبصر والشم والذوق واللمس، ولا شك أن آلة اللمس هي الجلد، فالله تعالى ذكر هاهنا من الحواس وهي السمع والبصر واللمس، وأهمل ذكر نوعين وهما الذوق والشم، لأن الذوق دالخل في اللمس من بعض الوجوه، لأن إدراك الذوق إنما يتأتى بأن تصير جلدة اللسان والحنك مماسة لجرم الطعام، فكان هذا داخلاً فيه فبقي حس الشم وهو حس ضعيف في الإنسان، وليس لله فيه تكليف ولا أمر ولا نهي، إذا عرفت هذا فنقول نقل عن ابن عباس أنه قال المراد من شهادة الجلود شهادة الفروج قال وهذا من باب الكنايات كما قال: ﴿ ولكن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّا  ﴾ وأراد النكاح وقال: ﴿ أَوْ جَاء مّنْكُمْ مّن الغائط  ﴾ والمراد قضاء الحاجة وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أول ما يتكلم من الآدمي فخذه وكفه» وعلى هذا التقدير فتكون هذه الآية وعيداً شديداً في الإتيان بالزنا، لأن مقدمة الزنا إنما تحصل بالكف، ونهاية الأمر فيها إنما تحصل بالفخذ.

ثم حكى الله تعالى أنهم يقولون لتلك الأعضاء ﴿ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُواْ أَنطَقَنَا الله الذي أَنطَقَ كُلَّ شَيء وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ ومعناه أن القادر على خلقكم وإنطاقكم في المرة الأولى حالما كنتم في الدنيا ثم على خلقكم وإنطاقكم في المرة الثانية وهي حال القيامة والبعث كيف يستبعد منه إنطاق الجوارح والأعضاء؟

ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أبصاركم وَلاَ جُلُودُكُمْ ﴾ والمعنى إثبات أنهم كانوا يستترون عند الإقدام على الأعمال القبيحة، إلا أن استتارهم ما كان لأجل خوفهم من أن يشهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم وذلك لأنهم كانوا منكرين للبعث والقيامة، ولكن ذلك الاستتار لأجل أنهم كانوا يظنون أن الله لا يعلم الأعمال التي يقدمون عليها على سبيل الخفية والاستتار.

عن ابن مسعود قال: كنت مستتراً بأستار الكعبة فدخل ثلاثة نفر على ثقفيان وقرشي فقال أحدهم: أترون الله يسمع ما تقولون؟

فقال الرجلان إذا سمعنا أصواتنا سمع وإلا لم يسمع.

فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل ﴿ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الذي ظَنَنتُم بِرَبّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مّنَ الخاسرين ﴾ وهذا نص صريح في أن من ظن بالله تعالى أنه يخرج شيء من المعلومات عن علمه فإنه يكون من الهالكين الخاسرين، قال أهل التحقيق الظن قسمان ظن حسن بالله تعالى وظن فاسد، أما الظن الحسن فهو أن يظن به الرحمة والفضل، قال صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله عزّ وجلّ: «أنا عند ظن عبدي بي» وقال صلى الله عليه وسلم: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله» والظن القبيح فاسد وهو أن يظن بالله أنه يعزب عن علمه بعض هذه الأحوال، وقال قتادة: الظن نوعان ظن منج وظن مرد، فالمنج قوله: ﴿ إِنّي ظَنَنتُ أَنّي ملاق حِسَابِيَهْ  ﴾ وقوله: ﴿ الذين يَظُنُّونَ أَنَّهُم ملاقوا رَبّهِمْ  ﴾ ، وأما الظن المردي فهو قوله: ﴿ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الذي ظَنَنتُم بِرَبّكُمْ ﴾ قال صاحب الكشاف ﴿ وذلكم ﴾ رفع بالابتداء ﴿ وظنكم ﴾ و ﴿ أَرْدَاكُمْ ﴾ خبران ويجوز أن يكون ظنكم بدلاً من ذلاكم وأرداكم الخبر.

ثم قال: ﴿ فَإِن يَصْبِرُواْ فالنار مَثْوًى لَّهُمْ ﴾ يعني إن أمسكوا عن الاستغاثة لفرج ينتظرونه لم يجدوا ذلك وتكون النار مثوى لهم أي مقاماً لهم ﴿ وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ فَمَا هُم مّنَ المعتبين ﴾ أي لم يعطوا العتبى ولم يجابوا إليها، ونظيره قوله تعالى: ﴿ أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ  ﴾ وقرئ وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين أي أن يسألوا أن يرضوا ربهم فما هم فاعلون أي لا سبيل لهم إلى ذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فَإِن يَصْبِرُواْ ﴾ لم ينفعهم الصبر، ولم ينفكوا به من الثواء في النار، ﴿ وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ ﴾ وإن يسألوا العتبى وهي الرجوع لهم إلى ما يحبون جزعاً مما هم فيه: لم يعتبوا: لم يعطوا العتبى ولم يجابوا إليها، ونحوه قوله عزّ وعلا: ﴿ أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ ﴾ [إبراهيم: 21] وقرئ: ﴿ وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين ﴾ أي: إن سئلوا أن يرضوا ربهم فما هم فاعلون، أي: لا سبيل لهم إلى ذلك ﴿ وَقَيَّضْنَا لَهُمْ ﴾ وقدّرنا لهم، يعني لمشركي مكة: يقال: هذان ثوبان قيضان: إذا كانا متكافئين.

والمقايضة: المعاوضة ﴿ قُرَنَاء ﴾ أخداناً من الشياطين جمع قرين، كقوله تعالى: ﴿ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرحمن نُقَيّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ﴾ [الزخرف: 36] فإن قلت: كيف جاز أن يقيض لهم القرناء من الشياطين وهو ينهاهم عن اتباع خطواتهم؟

قلت: معناه أنه خذلهم ومنعهم التوفيق لتصميمهم على الكفر، فلم يبق لهم قرناء سوى الشياطين.

والدليل عليه (ومن يعش) نقيض ﴿ ما بين أيديهم وما خلفهم ﴾ ما تقدّم من أعمالهم وما هم عازمون عليها.

أو ما بين أيديهم من أمر الدنيا واتباع الشهوات، وما خلفهم: من أمر العاقبة، وأن لا بعث ولا حساب ﴿ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ القول ﴾ يعني كلمة العذاب ﴿ فِى أُمَمٍ ﴾ في جملة أمم.

ومثل في هذه ما في قوله: إنّ تَكُ عَنْ أَحْسَنِ الصَّنِيعَةِ مَأْ ** فُوكاً فَفِي آخَرِينَ قَدْ أُفِكُوا يريد: فأنت في جملة آخرين، وأنت في عداد آخرين لست في ذلك بأوحد.

فإن قلت: ﴿ فِى أُمَمٍ ﴾ ما محله؟

قلت: محله النصب على الحال من الضمير في عليهم أي حق عليهم القول كائنين في جملة أمم ﴿ إِنَّهُمْ كَانُواْ خاسرين ﴾ تعليل لاستحقاقهم العذاب.

والضمير لهم وللأمم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَذَلِكُمْ ﴾ إشارَةٌ إلى ظَنِّهِمْ هَذا، وهو مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ: ﴿ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكم أرْداكُمْ ﴾ خَبَرانِ لَهُ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَنُّكُمُ بَدَلًا وأرْداكم خَبَرًا.

﴿ فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ ﴾ إذْ صارَ ما مُنِحُوا لِلِاسْتِسْعادِ بِهِ في الدّارَيْنِ سَبَبًا لِشَقاءِ المَنزِلَيْنِ.

﴿ فَإنْ يَصْبِرُوا فالنّارُ مَثْوًى لَهُمْ ﴾ لا خَلاصَ لَهم عَنْها.

﴿ وَإنْ يَسْتَعْتِبُوا ﴾ يَسْألُوا العُتْبى وهي الرُّجُوعُ إلى ما يُحِبُّونَ.

﴿ فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ ﴾ المُجابِينَ إلَيْها ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً ﴿ أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا ما لَنا مِن مَحِيصٍ ﴾ وقُرِئَ: «وَإنْ يَسْتَعْتِبُواْ فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ»، أيْ إنْ يَسْألُوا أنْ يُرْضُوا رَبَّهم فَما هم فاعِلُونَ لِفَواتِ المُكْنَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فَإِن يَصْبِرُواْ فالنار مَثْوًى لَّهُمْ} أي فإن يصبروا لم ينفعهم الصبر ولم ينفكوا به من الثواء في النار {لهم وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ فَمَا هُم مِّنَ المعتبين} وإن يطلبوا الرضا فما هم من المرضيّين أو إن يسألوا العتبى وهي الرجوع لهم إلى ما يحبون جزعاً مما هم فيه لم يعتبوا لم يعطوا العتبى ولم يجابوا إليها

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَإنْ يَصْبِرُوا فالنّارُ مَثْوًى لَهُمْ ﴾ أيْ مَحَلُّ ثَواءٍ وإقامَةٍ أبَدِيَّةٍ لَهم بِحَيْثُ لا بَراحَ لَهم مِنها، وتَرْتِيبُ الجَزاءِ عَلى الشَّرْطِ لِأنَّ التَّقْدِيرَ أنْ يَصْبِرُوا والظَّنُّ أنَّ الصَّبْرَ يَنْفَعُهم لِأنَّهُ مِفْتاحُ الفَرَجِ لا يَنْفَعُهم صَبْرُهم إذا لَمْ يُصادِفْ مَحَلَّهُ فَإنَّ النّارَ مَحَلُّهم لا مَحالَةَ، وقِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ والتَّقْدِيرُ أوْ لا يَصْبِرُوا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ  ﴾ وقِيلَ: المُرادُ فَإنْ يَصْبِرُوا عَلى تَرْكِ دِينِكَ واتِّباعِ هَواهم فالنّارُ مَثْوًى لَهم ولَيْسَ بِذاكَ، والِالتِفاتُ لِلْإيذانِ بِاقْتِضاءِ حالِهِمْ أنْ يُعْرِضَ عَنْهم ويَحْكِيَ سُوءَ حالِهِمْ لِلْغَيْرِ أوْ لِلْإشْعارِ بِإبْعادِهِمْ عَنْ حَيِّزِ الخِطابِ وإلْقائِهِمْ في غَيابَةِ دَرَكاتِ النّارِ ﴿ وإنْ يَسْتَعْتِبُوا ﴾ أيْ يَسْألُوا العُتْبى وهي الرُّجُوعُ إلى ما يُحِبُّونَهُ جَزَعًا مِمّا هم فِيهِ ﴿ فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ ﴾ أيِ المُجابِينَ إلَيْها.

وقالَ الضَّحّاكُ: المُرادُ إنْ يَعْتَذِرُوا فَما هم مِنَ المَعْذُورِينَ: وقَرَأ الحَسَنُ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ ومُوسى الأسْوارِيُّ «وإنْ يَسْتَعْتِبُوا» مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ «فَما هم مِنَ المُعْتِبِينَ» اسْمُ فاعِلٍ أيْ إنْ طُلِبَ مِنهم أنْ يُرْضُوا رَبَّهم فَما هم فاعِلُونَ ولا يَكُونُ ذَلِكَ لِأنَّهم قَدْ فارَقُوا الدُّنْيا دارَ الأعْمالِ كَما قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««لَيْسَ بَعْدَ المَوْتِ مُسْتَعْتَبٌ»» ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ القِراءَةُ بِمَعْنى قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ يعني: يساق أعداء الله، وهم الكفار والمنافقون، إِلَى النَّارِ.

قرأ نافع: وَيَوْمَ نَحْشُرُ بالنون، أعداء: بالنصب، على معنى الإضافة إلى نفسه.

وقرأ الباقون: بالياء والضم.

يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ على معنى فعل ما لم يسم فاعله، ويوم صار نصباً لإضمار فيه.

يعني: واذكر يَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ الله إلَى النَّارِ، فَهُمْ يُوزَعُونَ يعني: يحبس أولهم: ليلحق بهم آخرهم.

وأصله من وزعته أي: كففته.

حَتَّى إِذا مَا جاؤُها يعني: إذا جاءوها، ما صلة في الكلام.

يعني: جاءوا النار، وعاينوها.

قيل لهم: أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [الأنعام: 22] فقالوا عند ذلك وَالله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ فيختم على أفواههم، وتستنطق جوارحهم، فتنطق بما كتمت الألسن، فذلك قوله: شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ يعني: آذانهم بما سمعت، وَأَبْصارُهُمْ يعني: أعينهم بما نظرت، ورأت، وَجُلُودُهُمْ يعني: فروجهم، بِما كانُوا يَعْمَلُونَ يعني: بجميع أعمالهم.

قوله تعالى: وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ يعني: لجوارحهم.

وقال القتبي: الجلود كناية عن الفروج، لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ يعني: أنطق الدواب، وغيرهم، وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ يعني: أنطقكم في الدنيا، وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ في الآخرة.

يقول الله تعالى: وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ يعني: ما كنتم تمتنعون.

ويقال: ما كنتم تحسبون، وتستيقنون، أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ من الخير، والشر، وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ يعني: ذلك الظن الذي أهلككم.

ويقال: أَرْداكُمْ يعني: أغواكم.

ويقال: أهلككم سوء الظن.

وروى الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول الله  قال: «يقول الله تعالى: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بي وَأَنَا مَعَهُ حَيْثُ يَذْكُرُنِي» .

وقال الحسن: إن المؤمن أحسن الظن بربه، فأحسن العمل.

وإن المنافق أساء الظن بربه، فأساء العمل.

فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ يعني: صرتم من المغبونين.

فَإِنْ يَصْبِرُوا على النار، فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ أي: مأوى لهم.

ويقال: هذا جواب، لقولهم: اصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ.

يقول الله تعالى: فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ، وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا أي: يسترجعوا من الآخرة، إلى الدنيا، فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ أي: من المرجوعين إلى الدنيا.

ويقال: وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا يعني: وإن يطلبوا العذر، فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ أي: لا يسمع، ولا يقبل منهم عذر.

قوله عز وجل: وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ قال القتبي: يعني: ألزمناهم قرناء من الشياطين.

وقال أهل اللغة: قيض يعني: سلط.

ويقال: قيض بمعنى قدر.

فَزَيَّنُوا لَهُمْ يعني: زينوا لهم التكذيب بالحساب، وقال الحسن: وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ أي: خلينا بينهم، وبين الشياطين بما استحقوا من الخذلان، فَزَيَّنُوا لَهُمْ، مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ قال الضحاك.

يعني: شككوهم في أمر الآخرة، وَمَا خَلْفَهُمْ يعني: رغبوهم في الدنيا.

ويقال: زينوا لهم مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ.

يعني: ما كان عليه آباؤهم من أمر الجاهلية، وما خلفهم.

يعني: تكذيبهم بالبعث، وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ يعني: وجب عليهم العذاب فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني: مع أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قبل أهل مكة، مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ بالعقوبة.

ويقال: إنَّهُمْ كَانوا خاسرين مثلهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

عليهِم، ويطلبون شهيداً عليهم من أنفسهم، وفي الحديث الصحيح: «إنَّ الْعَبْدَ- يَعْنِي الكَافِرَ- يَقُولُ: يَا رَبِّ، أَلَيْسَ وَعَدْتَنِي أَلاَّ تَظْلِمَنِي؟

قَالَ: فَإنَّ ذَلِكَ لَكَ، قَالَ: فَإنِّي لاَ أَقْبَلُ عَلَيَّ شَاهِداً إلاَّ مِنْ نَفْسِي، قَالَ فَيُخْتَمُ على فِيهِ، وَتَتَكلَّمُ أَرْكَانُهُ بِمَا كَانَ يَعْمَلُ، قَالَ: فَيَقُولُ لَهُنَّ: بُعْداً لَكُنَّ، وَسُحْقاً، فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أَدَافِعُ» «١» الحديثَ، قال أبو حَيَّان «٢» : حَتَّى إِذا ما جاؤُها: «ما» بعد «إذا» زائدة للتوكيد، انتهى.

وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢٣) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (٢٤) وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ (٢٥)

وقوله تعالى: وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ يحتمل أنْ يكون من كلام الجلود، ويحتمل أنْ يكون من كلام الله عز وجل، وجمهور الناس على أَنَّ المراد بالجلود الجلودُ المعروفةُ، وأمَّا معنى الآية فيحتمل وجهين:

أحدهما: أن يريد وما كنتم تَتَصَاونُونَ وتَحْجِزُونَ أَنْفُسَكُمْ عن المعاصي والكُفْر خوفَ أَنْ يشهد، أو لأَجْلِ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ ...

الآية، وهذا هو منحى مجاهد «٣» ، والمعنى الثاني أنْ يريد: وما يمكنكم ولاَ يسَعُكُمْ الاخْتفاءُ عن أَعْضَائِكُمْ، والاستتارُ عنها بكُفْرِكُمْ ومعاصيكم، وهذا هو مَنْحَى السُّدِّيِّ «٤» ، وعن ابن مسعود قال: «إِنِّي لمستترٌ بأستارِ الكعبةِ، إذْ دَخَلَ ثَلاَثَةُ نَفَرٍ: قُرَشِيَّانِ وَثَقَفِيٌّ أَوْ ثَقَفِيَّانِ وقُرَشِيٌّ، قَلِيلٌ فِقْهُ قُلوبِهِمْ، كَثِيرٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ، فَتَحَدَّثُوا بِحَدِيثٍ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَترَى اللَّهَ يَسْمَعُ مَا قُلْنَا؟

فَقَالَ الآخَرُ: يَسْمَعُ إذَا رفَعْنَا، وَلا يَسْمَعُ إذَا أَخْفَيْنَا، وَقَالَ الآخَرُ: إنْ كَانَ يَسْمَعُ مِنْهُ شَيْئاً فإنّه يسمعه كلّه، فجئت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ فَنَزَلَتْ هذه الآيةُ: وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ، وقرأ حتى بلغ: وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ» «٥» .

قال الشيخ أبو محمَّدِ بْنُ أبي زَيْدٍ في آخر: «مُخْتَصَرِ المُدَوَّنَةِ» له: واعلم أنَّ [الأجساد التي أطاعت أو عصت، هي التي تُبْعَثُ يومَ القيامة لتجازى، والجلودُ التي كانَتْ في الدنيا، والألسنةُ] «١» ، والأيْدِي، والأرجُلُ هي التي تشهد عليهم يوم القيامة على مَنْ تشهَدُ، انتهى.

قال القرطبيُّ في «تذكرته» «٢» : واعلم أَنَّ عند أهل السنة أَنَّ تلك الأجسادَ الدُّنْيَوِيَّةَ تُعَادُ بأعيانها وأعراضِهَا بلا خلافٍ بينهم في ذلك، انتهى، ومعنى أَرْداكُمْ: أهلككم، والرَّدَى: الهَلاَكُ وفي صحيحُ «البخاريِّ» و «مسلم» عن جابر قال: سمعت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يقولُ قبل وفاته بثلاثٍ: «لاَ يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلاَّ وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» «٣» وذكره ابن أبي الدنيا في «كتابٍ حَسَنِ الظنّ بالله عز وجلّ» ، وزاد فيه: «فَإنَّ قَوْماً قَدْ أَرْدَاهُمْ سُوءُ ظَنِّهِمْ بِاللَّهِ، فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ تَبَارَكَ وتعالى: وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ انتهى، ونقله أيضاً صاحب «التذكرة» .

وقوله تعالى: فَإِنْ يَصْبِرُوا مخاطبة للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم والمعنى: فإنْ يصبروا أوْ لا يَصْبِرُوا، واقتصر لدلالة الظاهِرِ على ما ترك.

وقوله تعالى: وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا معناه: وإنْ طَلَبُوا العتبى، وهي الرضَا فما هم مِمَّنْ يُعْطَاها ويَسْتَوْجِبُهَا قال أبو حَيَّان «٤» : قراءة الجمهور: «وَإنْ يَسْتَعْتِبُوا» مبنيًّا للفاعل «٥» ، و:

مِنَ الْمُعْتَبِينَ مبنيًّا للمفعول، أي: وإِنْ يعتذروا فما هم من المَعْذُورِينَ، انتهى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ يُحْشَرُ أعْداءُ اللَّهِ ﴾ وقَرَأ نافِعٌ: "نَحْشُرُ" بِالنُّونِ "أعْداءَ" بِالنَّصْبِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهم يُوزَعُونَ ﴾ أيْ: يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ لِيَتَلاحَقُوا.

﴿ حَتّى إذا ما جاءُوها ﴾ يَعْنِي النّارَ الَّتِي حُشِرُوا إلَيْها ﴿ شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهُمْ ﴾ ، وفي المُرادِ بِالجُلُودِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحُدُها: الأيْدِي والأرْجُلُ.

والثّانِي: الفُرُوجُ، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الجُلُودُ نَفْسُها، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

وقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ في أفْرادِهِ مِن حَدِيثِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «كُنّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ  فَضَحِكَ فَقالَ: "هَلْ تَدْرُونَ مِمَّ أضْحَكُ؟" قالَ: قُلْنا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ.

قالَ: "مِن مُخاطَبَةِ العَبْدِ رَبَّهُ، يَقُولُ: يارَبِّ ألَمْ تُجِرْنِي مِنَ الظُّلْمِ؟

قالَ: يَقُولُ: بَلى، قالَ: فَيَقُولُ: فَإنِّي لا أُجِيزُ عَلَيَّ إلّا شاهِدًا مِنِّي، قالَ: فَيَقُولُ: كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ شَهِيدًا، وبِالكِرامِ الكاتِبِينَ شُهُودًا، قالَ: فَيَخْتِمُ عَلى فِيهِ، فَيُقالُ لِأرْكانِهِ: انْطِقِي، قالَ: فَتَنْطِقُ بِأعْمالِهِ، قالَ: ثُمَّ يُخْلّى بَيْنَهُ وبَيْنَ الكَلامِ، فَيَقُولُ: بُعْدًا لَكُنَّ وسُحْقًا، فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُناضِلُ" .» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالُوا أنْطَقَنا اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ أيْ: مِمّا نَطَقَ.

وهاهُنا تَمَّ الكَلامُ.

وما بَعْدَهُ لَيْسَ مِن جَوابِ الجُلُودِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصارُكُمْ ﴾ رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «كُنْتُ مُسْتَتِرًا بِأسْتارِ الكَعْبَةِ، فَجاءَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ، قُرَشِيٌ وخَتْناهُ ثَقَفِيّانِ، أوْ ثَقَفِيٌّ وخَتْناهُ قُرَشِيّانِ، كَثِيرٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ، قَلِيلٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ، فَتَكَلَّمُوا بِكَلامٍ لَمْ أسْمَعْهُ، فَقالَ أحَدُهُمْ: أتُرَوْنَ اللَّهَ يَسْمَعُ كَلامَنا هَذا؟!

فَقالَ الآخَرانِ: إنّا إذا رَفَعْنا أصْواتَنا سَمِعَهُ، وإنْ لَمْ نَرْفَعْ لَمْ يَسْمَعْ، وقالَ الآخَرُ: إنْ سَمِعَ مِنهُ شَيْئًا سَمِعَهُ كُلَّهُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ  ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: "وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم.

.

.

.

" إلى قَوْلِهِ: "مِنَ الخاسِرِينَ" .» ومَعْنى "تَسْتَتِرُونَ": تَسْتَخْفُونَ "أنْ يَشْهَدَ" أيْ: مِن أنْ يَشْهَدَ "عَلَيْكم سَمْعُكُمْ" لِأنَّكم لا تَقْدِرُونَ عَلى الِاسْتِخْفاءِ مِن جَوارِحِكُمْ، ولا تَظُنُّونَ أنَّها تَشْهَدُ ﴿ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ الكُفّارُ يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ ما في أنْفُسِنا، ولَكِنَّهُ يَعْلَمُ ما يَظْهَرُ، ﴿ وَذَلِكم ظَنُّكُمُ ﴾ أيْ: أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ ما تَعْمَلُونَ، ﴿ أرْداكُمْ ﴾ أهْلَكَكم.

﴿ فَإنْ يَصْبِرُوا ﴾ أيْ: عَلى النّارِ، فَهي مَسْكَنُهُمْ، ﴿ وَإنْ يَسْتَعْتِبُوا ﴾ أيْ: يَسْألُوا أنْ يَرْجِعَ لَهم إلى ما يُحِبُّونَ، لَمْ يَرْجِعْ لَهُمْ، لِأنَّهم لا يَسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ.

يُقالُ: أعْتَبَنِي فَلانٌ، أيْ: أرْضانِي بَعْدَ إسْخاطِهِ إيّايَ.

واسْتَعْتَبْتُهُ، أيْ: طَلَبْتُ مِنهُ أنْ يَعْتِبَ، أيْ: يَرْضى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ ﴾ أيْ: سَبَّبْنا لَهم قُرَناءَ مِنَ الشَّياطِينِ ﴿ فَزَيَّنُوا لَهم ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ: مِن أمْرِ الآخِرَةِ أنَّهُ لا جَنَّةَ ولا نارَ ولا بَعْثَ ولا حِسابَ، وما خَلْفَهُمْ: مِن أمْرِ الدُّنْيا، فَزَيَّنُوا لَهُمُ اللَّذّاتِ وجَمْعَ الأمْوالِ وتَرْكَ الإنْفاقِ في الخَيْرِ.

والثّانِي: ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ: مِن أمْرِ الدُّنْيا، وما خَلْفَهُمْ: مِن أمْرِ الآخِرَةِ، عَلى عَكْسِ الأوَّلِ.

والثّالِثُ: ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ: ما فَعَلُوهُ، وما خَلْفَهُمْ: ما عَزَمُوا عَلى فِعْلِهِ.

وباقِي الآيَةِ [قَدْ] تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ [الإسْراءِ: ١٦، الأعْرافِ: ٣٨] .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَذَلِكم ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكم أرْداكم فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ ﴾ ﴿ فَإنْ يَصْبِرُوا فالنارُ مَثْوًى لَهم وإنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ ﴾ ﴿ وَقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهم ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم وحَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِن الجِنِّ والإنْسِ إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ ﴾ ﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ ﴾ [ذَلِكُمْ] رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، والإشارَةُ بِهِ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أنَّ اللهَ لا يَعْلَمُ  ﴾ ، قالَ قَتادَةُ: الظَنُّ ظَنّانِ، ظَنُّ مُنْجٍ، وظَنُّ مَهْلِكٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فالمُنْجِي هو أنْ يَظُنَّ المُوَحِّدَ العارِفَ بِرَبِّهِ أنَّ اللهَ تَعالى يَرْحَمُهُ، والمُهْلِكُ: ظُنُونُ الكَفَرَةِ الجاهِلِينَ عَلى اخْتِلافِها، وفي هَذا المَعْنى لِيَحْيى بْنِ أكْثَمِ رُؤْيا حَسَنَةٍ مُؤْنِسَةٍ، و[ظَنُّكُمُ] خَبَرُ ابْتِداءٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ [أرْداكُمْ]﴾ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، وجَوَّزَ الكُوفِيُّونَ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ، والبَصْرِيُّونَ لا يُجِيزُونَ وُقُوعَ الماضِي حالًا إذا اقْتَرَنَ بِقَدِّ، تَقُولُ: رَأيْتُ زَيْدًا قَدْ قامَ، وقَدْ يَجُوزُ تَقْدِيرُها عِنْدَهم وإنْ لَمْ تَظْهَرْ، ومَعْنى: ﴿ [أرْداكُمْ]:﴾ أُهْلَكَكُمْ، والرَدى: الهَلاكُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ يَصْبِرُوا ﴾ مُخاطَبَةٌ لِمُحَمَّدٍ  ، والمَعْنى: فَإنْ يَصْبِرُوا أو لا يَصْبِرُوا، واقْتَصَرَ لِدَلالَةِ الظاهِرِ عَلى ما تَرَكَ، و"المَثْوى": مَوْضِعُ الإقامَةِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "وَإنْ يَسْتَعْتِبُوا" ﴾ بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ التاءِ الأخِيرَةِ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِمْ، ﴿ "فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ" ﴾ بِفَتْحِ التاءِ، عَلى: وإنْ طَلَبُوا العُتْبى - وهي الرِضى - فَما هم مِمَّنْ يُعْطاها ويَسْتَوْجِبُها، وقَرَأ الحَسَنُ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، ومُوسى الأسْوارِي: "يَسْتَعْتِبُوا" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ التاءِ الثانِيَةِ، "فَما هم مِنَ المُعْتِبِينِ" بِكَسْرِ التاءِ، عَلى مَعْنى: وإنَّ طُلِبَ مِنهم خَيْرٌ أو إصْلاحٌ، فَما هم مِمَّنْ يُوجَدُ عِنْدَهُمْ؛ لِأنَّهم قَدْ فارَقُوا الدُنْيا دارَ الأعْمالِ، كَما قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ:« "لَيْسَ بَعْدَ المَوْتِ مُسْتَعْتَبٌ"،» ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ القِراءَةُ بِمَعْنى: ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عنهُ.

ثُمَّ وصَفَ عَزَّ وجَلَّ حالَهم في الدُنْيا وما أصابَهم بِهِ حِينَ أعْرَضُوا، فَحَتَّمَ عَلَيْهِمْ.

وَ[قَيَّضْنا] أيْ يَسَّرْنا لَهم قُرَناءَ سُوءٍ مِنَ الشَياطِينِ وغُواةِ الإنْسِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَزَيَّنُوا لَهم ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ ﴾ ، أيْ: عَلَّمُوهم وقَرَّرُوا في نُفُوسِهِمْ مُعْتَقَداتِ سُوءٍ في الأُمُورِ الَّتِي تَقَدَّمَتْهُمْ: مِن أمْرِ الرُسُلِ عَلَيْهِمُ السَلامُ، والنُبُوّاتِ، ومَدْحِ عِبادَةِ الأصْنامِ، واتِّباعِ فِعْلِ الآباءِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُقالُ فِيهِ: "إنَّهُ بَيْنَ أيْدِيهِمْ"، وذَلِكَ كُلُّ ما تَقَدَّمَهم في الزَمانِ واتَّصَلَ إلَيْهِمْ أثَرُهُ أو خَبَرُهُ، وكَذَلِكَ أعْطَوْهم مُعْتَقَداتِ سُوءٍ فِيما خَلْفَهُمْ، وهو كُلُّ ما يَأْتِي بَعْدَهم مِنَ القِيامَةِ والبَعْثِ ونَحْوَ ذَلِكَ مِمّا يُقالُ فِيهِ: "إنَّهُ خَلْفُ الإنْسانَ"، فَزَيَّنُوا لَهم في هَذَيْنَ كُلَّ ما يُرْدِيهِمْ ويُفْضِي بِهِمْ إلى عَذابِ جَهَنَّمَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ ﴾ أيْ: سَبْقُ القَضاءِ الحَتْمِ وأمْرِ اللهِ بِتَعْذِيبِهِمْ في جُمْلَةِ أُمَمٍ مُعَذَّبِينَ كُفّارٍ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: [فِي] بِمَعْنى: "مَعَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والمَعْنى يَتَأدّى بِالحَرْفَيْنِ، ولا نَحْتاجُ أنْ نَجْعَلَ حَرْفًا بِمَعْنى حَرْفٍ، إذْ قَدْ أبى ذَلِكَ رُؤَساءَ البَصْرِيِّينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ ﴾ حِكايَةٌ لِما فَعَلَهُ بَعْضُ قُرَيْشٍ؛ كَأبِي جَهْلٍ وغَيْرِهِ، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللهِ  كانَ يَقْرَأُ القُرْآنَ في المَسْجِدِ الحَرامِ، ويُصْغِي إلَيْهِ الناسُ مِن مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، فَخَشِيَ الكَفّارُ اسْتِمالَةَ القُلُوبِ بِذَلِكَ، فَقالُوا: مَتى قَرَأ مُحَمَّدٌ فَلْنُغَطِّ نَحْنُ بِالمُكاءِ والصَفِيرِ والصِياحِ وإنْشادِ الشِعْرِ والإرْجازِ، حَتّى يُخْفى صَوْتُهُ ولا يَقَعَ الِاسْتِماعُ مِنهُ، وهَذا الفِعْلُ مِنهم هو اللَغْوُ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: أرادُوا: قَعُوا فِيهِ وعِيبُوهُ، و"اللَغْوُ" في اللُغَةِ: سَقْطُ القَوْلِ الَّذِي لا مَعْنى لَهُ، وهو مِنَ الحاسَّةِ والتَطَوُّلِ في حُكْمٍ لا مَعْنى لَهُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ [والغَوْا]﴾ بِفَتْحِ الغَيْنِ وجَزْمِ الواوِ، وقَرَأ بَكْرُ بْنُ حَبِيبٍ السَهْمِيُّ: "والغُوا" بِضَمِّ الغَيْنِ وسُكُونِ الواوِ، ورُوِيَتْ عن عِيسى، وابْنِ أبِي إسْحاقٍ - بِخِلافٍ عنهُما -، وهُما لُغَتانِ، يُقالُ: لَغا يَلْغُو، ويُقالُ: لَغِيَ يَلْغى، ويُقالُ أيْضًا: لَغا يَلْغى، أصْلُهُ يَفْعِلُ - بِكَسْرِ العَيْنِ - فَرَدَّهُ حَرْفُ الحَلْقِ إلى الفَتْحِ، فالقِراءَةُ الأُولى مِن يَلْغى، والقِراءَةُ الثانِيَةُ مِن يَلْغُو، قالَهُ الأخْفَشُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ ﴾ أيْ تَطْمِسُونَ أمْرَ مُحَمَّدٍ  وتُمِيتُونَ ذِكْرَهُ وتَصْرِفُونَ القُلُوبَ عنهُ، فَهَذِهِ الغايَةُ الَّتِي تَمَنَّوْها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تفريع على جواب ﴿ إذا ﴾ [فصلت: 20] على كلا الوجهين المتقدمين، أو تفريع على جملة ﴿ وَقَالُوا لِجُلُودِهِم لِمَ شَهِدْتُم عَلَيْنا ﴾ [فصلت: 21]، أو هو جواب ﴿ إذا ﴾ ، وما بينهما اعتراض على حسب ما يناسب الوُجوه المتقدمة.

والمعنى على جميع الوجوه: أن حاصل أمرهم أنهم قد زُجَّ بهم في النار فإن صَبَروا واستسلموا فهم باقون في النار، وإن اعتذروا لم ينفعهم العذر ولم يقبل منهم تنصل.

وقوله: ﴿ فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُم ﴾ دليل جواب الشرط لأن كون النار مثوى لهم ليس مُسبَّباً على حصول صبرهم وإنما هو من باب قولهم: إن قَبِل ذلك فذاك، أي فهو على ذلك الحال، فالتقدير: فإن يصبروا فلا يَسَعُهم إلا الصبر لأن النار مثوى لهم.

ومعنى ﴿ وَإن يَسْتَعتِبُوا ﴾ إنْ يسألوا العُتْبَى (بضم العين وفتح الموحدة مقصوراً اسم مصدر الإِعتاب) وهي رجوع المعتُوب عليه إلى ما يُرضي العاتب.

وفي المَثل «مَا مُسيء من أعْتَبَ» أي من رجع عمَّا أساء به فكأنه لم يسئ.

وقلما استعملوا المصدر الأصلي بمعنى الرجوع استغناء عنه باسم المصدر وهو العتبى.

والعاتب هو اللائم، والسين والتاء فيه للطلب لأن المرء لا يسأل أحداً أن يعاتبه وإنما يسأله ترك المعاتبة، أي يسأله الصفح عنه فإذا قبل منه ذلك قيل: أَعْتبه أيضاً، وهذا من غريب تصاريف هذه المادة في اللغة ولهذا كادوا أن يميتوا مصدر: أعتب بمعنى رجَع وأبقوه في معنى قَبِل العُتَبى، وهو المراد في قوله تعالى: ﴿ فَمَا هُم مِنَ المُعتَبِينَ ﴾ أي أن الله لا يُعتبهم، أي لا يقبل منهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَهم يُوزَعُونَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يُدْفَعُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: يُساقُونَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّالِثُ: يُمْنَعُونَ مِنَ التَّصَرُّفِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

الرّابِعُ: يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وهو مَأْخُوذٌ مِن وزَعْتُهُ أيْ كَفَفْتُهُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لِفُرُوجِهِمْ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: لِجُلُودِهِمْ أنْفُسِها وهو الظّاهِرُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ يُرادُ بِالجُلُودِ الأيْدِي والأرْجُلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقِيلَ إنَّ أوَّلَ ما يَتَكَلَّمُ مِنهُ فَخِذُهُ الأيْسَرُ وكَفُّهُ الأيْمَنُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي وما كُنْتُمْ تَتَّقُونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: وما كُنْتُمْ تَظُنُّونَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: وما كُنْتُمْ تَسْتَخْفُونَ مِنها، قالَهُ السُّدِّيُّ.

قالَ الكَلْبِيُّ: لِأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى الِاسْتِتارِ مِن نَفْسِهِ.

﴿ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ ﴾ حَكىَ ابْنُ مَسْعُودٍ أنَّها نَزَلَتْ في ثَلاثَةِ نَفَرٍ تَسارُّوا فَقالُوا أتَرى اللَّهَ يَسْمَعُ إسْرارَنا؟

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ وإنْ يَطْلُبُوا الرِّضا فَما هم بِمُرْضًى عَنْهم، والمُعْتَبُ: الَّذِي قُبِلَ عِتابُهُ وأُجِيبَ إلى سُؤالِهِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: إنْ يَسْتَغِيثُوا فَما هم مِنَ المُغاثِينَ.

الثّالِثُ: وإنْ يَسْتَقِيلُوا فَما هم مِنَ المُقالِينَ.

الرّابِعُ: وإنْ يَعْتَذِرُوا فَما هم مِنَ المَعْذُورِينَ.

الخامِسُ: وإنْ يَجْزَعُوا فَما هم مِنَ الآمِنِينَ.

قالَ ثَعْلَبٌ: يُقالُ عَتَبَ إذا غَضِبَ، وأعْتَبَ إذا رَضِيَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون ﴾ قال: يحبس أولهم على آخرهم.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد وأبي رزين رضي الله عنه، مثله.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ يوزعون ﴾ قال: يدفعون.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون ﴾ قال الوزعة الساقة من الملائكة عليهم السلام يسوقونهم إلى النار ويردون الآخر على الأول.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال: عليهم وزعة ترد أولهم على آخرهم.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فهم يوزعون ﴾ قال: يحبسون بعضاً على بعض قال: عليهم وزعة ترد أولهم على آخرهم.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق أبي الضحى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال لابن الأزرق: إن يوم القيامة يأتي على الناس منه حين لا ينطقون ولا يعتذرون ولا يتكلمون حتى يؤذن لهم فيختصمون، فيجحد الجاحد بشركه بالله تعالى فيحلفون له كما يحلفون لكم، فيبعث الله عليهم حين يجحدون شهوداً من أنفسهم جلودهم، وأبصارهم، وأيديهم، وأرجلهم، ويختم على أفواههم، ثم تفتح الأفواه فتخاصم الجوارح فتقول ﴿ أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون ﴾ فتقر الألسنة بعد.

وأخرج سعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنت مستتراً بأستار الكعبة فجاء ثلاثة نفر، قرشي، وثقفيان أو ثقفي، وقرشيان، كثير لحم بطونهم، قليل فقه قلوبهم، فتكلموا بكلام لم أسمعه فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع كلامنا هذا؟

فقال الآخر: انا إذا رفعنا أصواتنا سمعه وإذا لم نرفعه لم يسمع.

فقال الآخران: سمع منه شيئاً سمعه كله قال: فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله: ﴿ وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ﴾ إلى قوله: ﴿ من الخاسرين ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وأحمد والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في البعث عن معاوية بن حيدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تحشرون هاهنا- وأوما بيده إلى الشام- مشاة وركباناً على وجوهكم، وتعرضون على الله وعلى أفواهكم الفدام، وإن أول ما يعرب عن أحدكم فخذه وكفه، وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ﴾ » .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه قال: ما كنتم تظنون.

وأخرج ابن جرير عن السدي رضي الله عنه ﴿ وما كنتم تستترون ﴾ قال: تستخفون.

وأخرج أحمد والطبراني وعبد بن حميد ومسلم وأبو داود وابن ماجة وابن حبان وابن مردويه عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله فإن قوماً قد أرداهم سوء ظنهم بالله عز وجل قال الله عز وجل ﴿ وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين ﴾ » .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَهُمْ يُوزَعُونَ ﴾ أي يدفعون بعنف ﴿ وَجُلُودُهُم ﴾ يعني الجلود المعروفة، وقيل: هو كناية عن الفروج والأول أظهر ﴿ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ ﴾ الآيات يحتمل أن تكون من كلام الجلود، أو من كلام الله تعالى أو الملائكة، وفي معناه وجهان: أحدهما لم تقدروا أن تستتروا من سمعكم وأبصاركم وجلودكم، لأنها ملازمة لكم، فلم يمكنكم احتراس من ذلك فشهدت عليكم، والآخر لم تتحفظوا من شهادة سمعكم وأبصاركم وجلودكم، لأنكم لم تبالوا بشهادتها، ولم تظنوا أنها تشهد عليكم، وإنما استترتم لأنكم ظننتم أن الله لا يعلم كثيراً مما تعملون، وهذا أرجح لاتّساق ما بعده معه، ولما جاء في الحديث الصحيح عن ابن مسعود: «أنه قال اجتمع ثلاثة نفر قرشيان وثقفي، قليل فقه قلوبهم كثير شحم بطونهم، فتحدثوا بحديث فقال أحدهم: أترى الله يسمع ما قلنا: قال الآخر نه يسمع إذا جهرنا ولا يسمع إذا أخفينا فقال الآخر: إن كان يسمع منا شيئاً فإنه يسمعه كله فنزلت الآية» ﴿ أَرْدَاكُمْ ﴾ أي أهلككم؛ من الردى بمعنى الهلاك ﴿ وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ فَمَا هُم مِّنَ المعتبين ﴾ هو من العتب بمعنى الرضا أي: إن طلبوا العتبى ليس فيهم من يعطاها ﴿ وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ ﴾ أي يسرنا لهم قرناء سوء من الشياطين وغواة الإنس ﴿ فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ ما بين أيديهم ما تقدم من أعمالهم، وما خلفهم ما هم عازمون عليه، أو ما بين أيديهم من أمر الدنيا وما خلفهم من أمر الآخرة، والتكذيب بها ﴿ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ القول ﴾ أي سبق عليهم القضاء بعذابهم ﴿ في أُمَمٍ ﴾ أي في جملة أمم، وقيل: في بمعنى مع.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ سواء ﴾ بالرفع: يزيد.

وقرأ يعقوب بالجر.

الباقون: بالنصب ﴿ نحسات ﴾ بسكون الحاء: ابن كثير وأبو عمرو ونافع وسهل ويعقوب ﴿ وأما ثمود ﴾ بالنصب: المفضل ﴿ نحشر ﴾ بالنون ﴿ أعداء ﴾ بالنصب: نافع ويعقوب.

الآخرون: بالياء مجهولاً ﴿ أعداء ﴾ مرفوعاً.

الوقوف: ﴿ حم ﴾ كوفي ﴿ الرحيم ﴾ ه ج لأن قوله ﴿ كتاب ﴾ يصلح أن يكون بدلاً من ﴿ تنزيل ﴾ وأن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هو كتاب.

ويجوز أن يكون ﴿ تنزيل ﴾ هو مع وصفه مبتدأ ﴿ وكتاب ﴾ خبره ﴿ يعلمون ﴾ ه ج لأن ﴿ وبشيراً ﴾ صفة أخرى لـ ﴿ قرآناً ﴾ ﴿ ونذيراً ﴾ ه ج لاختلاف الجملتين ﴿ لا يسمعون ﴾ ه ﴿ عاملون ﴾ ه ﴿ واستغفروه ﴾ ج ﴿ للمشركين ﴾ ه لا ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ ممنون ﴾ ه ﴿ وأنداداً ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه لا للآية مع العطف ﴿ أيام ﴾ ط لمن نصب ﴿ سواء ﴾ أو رفع ومن خفض لم يقف ﴿ للسائلين ﴾ ه ﴿ كرهاً ﴾ ط ﴿ طائعين ﴾ ه ﴿ أمرها ﴾ ج للعدول ﴿ بمصابيح ﴾ ج لحق المحذوف أي وحفظناها حفظاً ولعل الوصل أولى لما يجيء ﴿ وحفظاً ﴾ ه ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ وثمود ﴾ ه بناء على أن "إذ" يتعلق بمحذوف هو اذكر أو بمعنى الفعل في الصاعقة أي يصعقون إذ ذاك، ولا يجوز أن يتعلق بـ ﴿ أنذرتكم ﴾ ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ منا قوّة ﴾ ط ﴿ منهم قوّة ﴾ ط للفصل بين الإخبار والاستخبار ﴿ يجحدون ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ ج ﴿ لا ينصرون ﴾ ه ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ يوزعون ﴾ ه ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ علينا ﴾ ط ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ مثوى لهم ﴾ ط ﴿ المعتبين ﴾ ه.

التفسير: ﴿ حم ﴾ قال بعضهم: الحاء من الحكمة، والميم من المنة أي منّ على عباده بتنزيل الحكمة من الرحمن في الأزل، الرحيم في الأبد وهي ﴿ كتاب فصلت آياته ﴾ أي ميزت أمثالاً ومواعظ وأحكاماً وقصصاً إلى غير ذلك.

وقد مر في أوّل "هود".

وانتصب ﴿ قرآناً ﴾ على المدح والاختصاص أو على الحال الموطئة ﴿ لقوم يعلمون ﴾ أي لقوم عرب يفهمون معانيه يعني بالأصالة وللباقين بعدهم، وذلك أن النبي  منهم فالدعوة تحصل أوّلاً لهم.

والأظهر عندي أنه كقوله ﴿ هدى للمتقين  ﴾ وذلك أنه لا ينتفع بالقرآن إلا أهل العلم به.

قال أهل السنة: الصفات المذكورة ههنا للقرآن توجب شدة الاهتمام بمعرفته.

والوقوف على معانيه بيانه أن كونه نازلاً من الرحمن الرحيم دليل على أن تنزيله رحمة للعالمين، وفيه شفاء لأمراض القلوب، وكونه كتاباً.

والتركيب يدور على الجمع كما سبق في أول الكتاب يدل على أن فيه علوم الأوّلين والآخرين.

وقوله ﴿ فصلت آياته ﴾ دليل على أنه في غاية الكشف والبيان وكونه ﴿ قرآناً عربياً ﴾ ولغة العرب أفصح اللغات مما يوجب أن تتوفر عليه الرغبات ولا سيما للعرب ومن داناهم.

وكونه ﴿ بشيراً ونذيراً ﴾ يدل على أن الاحتياج إليه من أهم المهمات لأنه سعي في معرفة ما يوصل إلى الثواب الأبديّ، ويخلص من العقاب السرمدي.

فإذا علم المخاطبون هذه الفوائد ثم أعرض أكثرهم عن القرآن ولم يسمعوه سماع قبول دل ذلك على أن المهديّ من هداه الله ومن يضلله فلا هادي له.

ثم أكد بيان إعراضهم بقوله ﴿ وقالوا قلوبنا في أكنة ﴾ ولا يخفى أنه  ذكر هذا في معرض الذم فوجه الجمع بينه وبين قوله ﴿ وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً  ﴾ هو أن الذم إنما يتوجه على اعتقادهم أنهم إذا كانوا كذلك لم يجز تكليفهم ولا خطابهم بالأمر والنهي، أو أنهم قالوا ذلك على سبيل الاستهزاء.

قال جار الله: فائدة "من" في قوله ﴿ ومن بيننا وبينك حجاب ﴾ دون أن يقول "وبيننا" هو أن العبارة الثانية تدل على مطلق الحجاب، ولكن العبارة الواردة في القرآن تفيد أن المسافة التي بينهم وبين رسول الله مملوءة من الحجاب لا فراغ فيها كأنه قيل: إن الحجاب ابتدأ منا ومنك.

ثم حكى عنهم ما قالوا على سبيل التهديد أو التحلية ﴿ فاعمل ﴾ أي على دينك أو في إبطال ديننا ﴿ إننا عاملون ﴾ على ديننا أو في إبطال أمرك.

ثم أمر رسوله  أن يجيب عن شبهتهم بقوله ﴿ إنما أنا بشر مثلكم ﴾ وتوجيه النظم إني لا أقدر أن أحملكم على الإيمان جبراً فإني بشر مثلكم ولا امتياز إلا أني أوحي إليّ بالتوحيد والأمر به، فعليّ البلاغ وحده.

ثم إن قبلتم قولي أثابكم الله وإلا عاقبكم.

قال في الكشاف: أراد إن نبوّتي صحت بالوحي وإذا صحت وجب اتباعي ومن جملة ذلك القول بالتوحيد.

ثم بين أن خلاصة الوحي ترجع إلى أمرين: الاستقامة والإقامة على التوحيد المتوجهين إلى الله والاستغفار من تقصير قد يقع في الطاعة.

ثم هددّ أهل الشرك بقوله ﴿ وويل للمشركين ﴾ وقرن منع الزكاة بالكفر بالله أوّلاً وبالآخرة ثانياً، لأن المال شقيق الروح، وبه وببذله في سبيل الله يعرف الموافق من المنافق، ففيه بعث شديد لأهل الإيمان على أداء الزكاة، وفيه أن الشفقة على خلق الله قرينة التعظيم لأمر الله.

وقيل: كانت قريش يطعمون الحاج ولا يطعمون المؤمنين فنزلت قاله الفراء.

وقيل: أراد بالزكاة ههنا الإيمان لأنه يزكي النفس من دون الشرك.

ثم ذكر جزاء المطيعين وهو ظاهر.

والممنون المقطوع.

وقيل: هو من المنة.

قال جمع من المفسرين: نزلت في المرضى والزمنى والهرمى إذا عجزوا عن الطاعة كتب لهم الأجر كأصح ما كانوا يعملون.

لما حكى بعض قبائح المشركين وسائر الكفرة أراد أن يورد دليلاً على التوحيد فأمر رسوله أن يوبخهم بقوله ﴿ أئنكم لتكفرون بالذي ﴾ سمعتم ممن تصدّقونهم من أهل الكتاب غيركم أنه ﴿ خلق الأرض في يومين وتجعلون له أنداداً ﴾ عمم الكفر أوّلاً ثم خصص بنوع الشرك ﴿ وجعل فيها رواسي ﴾ ومعنى ﴿ من فوقها ﴾ أي بالنسبة إلى سكان المعمورة تذكيراً لنعمة فوق نعمة فإن الجبال منافعها أكثر من أن تحصى يعرف بعضها أهلها ولعلنا قد عددنا في أوّل "البقرة" طرفاً منها.

﴿ وبارك فيها ﴾ بوضع الخيرات الكثيرة فيها.

قال ابن عباس: يريد شق الأنهار وخلق الجبال والأشجار والحيوانات وكل ما يحتاج إليه ﴿ وقدّر فيها أقواتها ﴾ عن مجاهد: يعني المطر فإنه بمنزلة الغذاء للأرض به حياتها.

وعن محمد بن كعب: أراد أقوات أهلها ومعايشهم وما يصلحهم.

وقيل: لا حاجة إلى الإضمار فإن الإضافة تحسن لأدنى ملابسة أي وقدر فيها أقواتها التي يختص حدوثها بها ﴿ في أربعة أيام ﴾ يعني مع اليومين الأوّلين فيكون إيجاد نفس الأرض في يومين وإيجاد هذه الأشياء في يومين آخرين والمجموع أربعة أيام وخلق السماء في تتمة ستة فتكون هذه الآية موافقة لسائر الآيات، وقد سبق هذا المعنى في أوّل سورة البقرة.

من قرأ ﴿ سواء ﴾ بالرفع فعلى أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو سواء.

ثم إن كان الضمير للأربعة فمعناه أن تلك الأيام مستوية في الطول والقصر كأيام خط الاستواء، أو هي تامة غير ناقصة بشيء فقد يطلق لفظ الكل على الأكثر، وهذه إحدى فوائد العدول عن العبارة الصريحة وهي أن لو قال في يومين آخرين.

وقال بعضهم: من فوائده أنه لا يجوز عطف قوله ﴿ وجعل ﴾ على ﴿ خلق ﴾ لأن قوله ﴿ وتجعلون ﴾ معطوف على ﴿ لتكفرون ﴾ ولا يجوز أن يحال بين صلة الموصول وما يعطف عليه بأجنبي لا يقال: جاءني الذي يكتب وجلس يقرأ فلا بدّ من إضمار فعل مثل الأول فتقدير الكلام: ذلك أن رب العالمين خلق الأرض وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدّر فيها أقواتها في أربعة أيام، وهو كلام لا يرد عليه سؤال أصلاً.

ومن قرأ بالجر فعلى وصف الأربعة بالاستواء والمعنى كما مر.

ومن قرأ بالنصب فعلى المصدر أي استوت استواء.

ثم إن كان الضمير للأربعة فالمعنى كما قلنا، وإن كان للأقوات.

وكذا في قراءة الرفع احتمل أن يكون ﴿ للسائلين ﴾ متعلقاً به أي الأقوات والأرزاق سواء لمن سأل ولمن لم يسأل لما روى عن ابن عباس قال: سمعت النبي  وأنا رديفه يقول: خلق الله الأرواح قبل الأجساد بأربعة آلاف سنة، وخلق الأرزاق قبل الأرواح بأربعة آلاف سنة سواء لمن سأل ولمن لم يسأل، وأنا من الذين لم يسألوا الله الرزق، ومن سأل فهو جهل منه.

واحتمل أن يكون قوله ﴿ للسائلين ﴾ متعلقاً بقوله ﴿ وقدّر ﴾ أي قدّر فيها الأقوات لأجل الطالبين لها المحتاجين إليها وهم في الاحتياج سواء.

وقيل: إنه متعلق بمحذوف كأنه قيل: هذا الحصر والبيان لأجل من سأل في كم خلقت الأرض وما فيها، لأن اليهود سألوا رسول الله  عن ذلك.

قوله ﴿ ثم استوى إلى السماء ﴾ أي توجه بداعي الحكمة بعد خلق الأرض لا دحوها إلى خلق السماء، وقد مر في أول "البقرة".

قوله ﴿ وهي دخان ﴾ ذكر أصحاب الأثر وجاء في أوّل توراة اليهود أن عرش الله قبل خلق السموات والأرض كان على الماء فأحدث في ذلك الماء سخونة فارتفع زبد ودخان، أما الزبد فبقي على وجه الماء فخلق الله منه الأرض، وأما الدخان فارتفع وعلا فخلق الله منه السموات.

وزعم المتكلمون أن الله  خلق الأجزاء التي لا تتجزأ فكانت مظلمة عديمة النور، ثم ركبها وجعلها سموات وكواكب وشمساً وقمراً وأحدث صفة الضوء فيها فحينئذ صارت مستنيرة فصحت تسمية تلك الأجزاء قبل استنارتها بالدخان، لأنه لا معنى للدخان إلا أنها أجزاء متفرقة غير متواصلة عديمة النور.

واعلم أن ظاهر قوله ﴿ ثم استوى ﴾ يدل على أن خلق السماء متأخر عن خلق الأرض وقد جاء مثله في آيات أخر.

وفي الآثار، إلا أن الواحدي نقل في البسيط عن مقاتل أنه قال: خلق الله السماء قبل الأرض فتأوّل الآية بأن لفظة كان مضمرة أي ثم كان قد استوى كما في قوله  ﴿ إن يسرق فقد  ﴾ أي إن يكن يسرق.

وزيف بأن الجمع بين "ثم" الدال على التأخر وبين إضمار "كان" الدال على التقدم جمع بين النقيضين.

ويمكن أن يجاب بأن "ثم" ههنا لترتيب الأخبار.

وقال الإمام فخر الدين الرازي: المختار عندي أن تكوين السماء مقدم على تكوين الأرض والخلق الوارد في الآية بمعنى التقدير كقوله ﴿ خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون  ﴾ فإن إيجاد الموجود محال.

فمعنى الآية أنه قضى بحدوث الأرض في يومين أي حكم بأنه سيحدث كذا في مدة كذا.

قلت: لو لم يكن قوله  ﴿ وجعل فيها رواسي من فوقها ﴾ إلى قوله ﴿ أربعة أيام ﴾ لكان هذا التأويل له وجه.

وقال بعض الصوفية: خلق أرض البشرية في يومي الهواء والطبيعة وهما من الأنداد، وجعل لها رواسخ العقل من فوقها لتستقر بها، وبارك فيها بالحواس الخمسة، وقدر فيها أقواتها من سائر القوى البشرية في تتمة أربعة أيام يعني في يومي الروح الحيواني والطبيعي، ثم استوى إلى سماء القلب وهي دخان نار الروحانية فقضى سماء القلب أطواراً سبعة كقوله ﴿ وقد خلقكم أطواراً  ﴾ أوّلها الوسوسة ثم الهواجس ثم الرؤية ﴿ ما كذب الفؤاد ما رأى  ﴾ ثم الحكمة "ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه" ثم ظهور المغيبات ثم المحبة ثم التجلي في يومي الروح والإلهام الرباني.

قوله ﴿ فقال لها وللأرض ائتيا ﴾ الآية.

للمفسرين فيه قولان: الأول إجراء الكلام على ظاهره فإنه ليس بمستبعد من الله إنطاق أيّ جسم فرض بل إيداع الحياة والفهم فيه ولهذا قال ﴿ طائعين ﴾ على لفظ جمع المذكر السالم، فإن جمع المؤنث السالم لا يختص بالعقلاء.

ووجه الجمع أن أقل الجمع اثنان أو لأن كل واحد منهما سبع.

ومن هؤلاء من قال: نطق من الأرض موضع الكعبة، ومن السماء ما بحذائها، فجعل الله لها حرمة على سائر الأرض.

وعلى هذا القول لا بد أن يكون هذا التخاطب بعد الوجود فقالوا: معناه ائتيا بما خلقت فيكما أما أنت يا سماء فأطلعي الشمس والقمر والنجوم، وأما أنت يا أرض فاخرجي ما خلقت فيك من النبات فقالتا: جئنا بما أحدثت فينا مستجيبين لأمرك.

ومعنى الإتيان الحصول والوقوع كما يقال: أتى عمله مرضياً.

ويجوز أن يراد لتأت كل منكما صاحبتها الإتيان الذي تقتضيه الحكمة من كون الأرض قراراً والسماء سقفاً لها.

وقوله ﴿ طوعاً أو كرهاً ﴾ إظهار لكمال القدرة والتقدير أبيتما أو شئتما كما يقول الجبار لمن تحت يده: لتفعلن هذا شئت أو أبيت، وانتصابهما على الحال بمعنى طائعين أو كارهين.

والقول الثاني أن هذا تمثيل لنفوذ قدرته فيهما ولا قول ثمة، وعلى هذا لا يبعد أن يكون المقصود إيجادهما على وفق إرادته وهما في حيز العدم، وأن يكون المراد ما تقدم.

وقال بعضهم: الطوع يرجع إلى السماء لأن أحوالها على نهج واحد لا يختلف.

وشبه مكلف مطيع والكره يعود إلى الأرض لأنها مكان تغيير الأحوال ومحل الحوادث والمكاره.

قلت: لعل هذين الوصفين لهما باعتبار سكانهما.

قوله ﴿ فقضاهن ﴾ قضاء الشيء إتمامه والفراغ منه مع الإتقان.

والضمير إما راجع إلى السماء على المعنى لأنها سموات سبع.

وانتصب ﴿ سبع سموات ﴾ على الحال.

وإما مبهم مميز بما بعده.

يروى أنه خلق الأرض في يوم الأحد والاثنين، وخلق سائر ما في الأرض في يوم الثلاثاء والأربعاء، وخلق السموات وما فيها في يوم الخميس والجمعة، وفرغ في آخر ساعة من يوم الجمعة، فخلق فيها آدم وأسكنه الجنة وهي الساعة التي تقوم فيها القيامة.

﴿ وأوحى في كل سماء أمرها ﴾ أي أمر أهلها من العبادة والتكليف الخاص بكل منهم، فبعضهم وقوف وبعضهم ركوع وبعضهم سجود، وعلى هذا احتمل أن يكون خلق الملائكة مع السموات وقبلها.

وقيل: الإيحاء ههنا التكوين والإيجاد وأمرها شأنها وما يصلحها ﴿ وزينا السماء الدنيا بمصابيح ﴾ أي بالنيرات المضيئة كالمصباح ﴿ وحفظناها ﴾ حفظاً من الشياطين المسترقة للسمع كما مرّ مراراً.

وجوّز جار الله أن يكون ﴿ حفظاً ﴾ مفعولاً له على المعنى كأنه قال: وخلقنا المصابيح زينة ﴿ وحفظاً ذلك تقدير العزيز العليم ﴾ فلكمال عزته قدر على خلق ما خلق ولشمول علمه دبر ما دبر.

ثم قال لنبيه  ﴿ فإن أعرضوا ﴾ عن التوحيد بعد هذا البيان الباهر والبرهان القاهر ﴿ فقل أنذرتكم صاعقة ﴾ لأن الإصرار على الجهل بعد وضوح الحق عناد، ولا علاج للمعاند سوى التأديب بما يناسبه.

يروى أن أبا جهل قال في ملأ من قريش: قد التبس علينا أمر محمد فلو التمستم لنا رجلاً عالماً بالشعر والكهانة والسحر فكلمه ثم أتانا ببيان عن أمره.

فقال عتبة بن ربيعة: أنا ذاك.

فأتاه وقال: أنت خير أم هاشم؟

أنت خير أم عبد المطلب؟

أنت خير أم عبد الله؟

فبم تشتم آلهتنا وتضللنا.

وعرض عليه الرياسة والنساء والأموال إن ترك ذلك فقال رسول الله  : ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ إلى قوله ﴿ مثل صاعقة عاد وثمود ﴾ فهال عتبة بذاك وناشده بالرحم ورجع ولم يأت قريشاً.

فلما احتبس عنهم قالوا: ما نرى عتبة إلا قد صبأ.

فانطلقوا إليه فقال: والله لقد كلمته فأجابني بشيء، والله ما هو بشعر ولا كهانة ولا سحر ولما بلغ ﴿ صاعقة عاد وثمود ﴾ ناشدته بالرحم أن يكف.

ولقد علمتم أن محمداً إذا قال شيئاً لم يكذب فخفت أن ينزل بكم العذاب.

فإن قيل: كيف يصح هذا الإنذار وقد أخبر الله  في قوله ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم  ﴾ وإن هذه الأمة آمنون من العذاب؟

قلنا: الأنفال مدنية وهذه مكية.

قوله ﴿ إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ﴾ قيل: الضميران عائدان إلى الرسل أي جاءهم رسل بعد الرسل.

وقيل: من بين أيديهم أي حذروهم الدنيا ﴿ ومن خلفهم ﴾ الآخرة.

وقيل: من بين أيديهم الذين عاينوهم، ومن خلفهم الذين وصل إليهم خبرهم وكتبهم.

وحقيقة بين يديه أن يستعمل للشيء الحاضر، ومجازه أن يستعمل للشيء الماضي بزمان قريب.

وقال بعض المحققين: معناه أتاهم الرسل من كل جهة وأعملوا في إرشادهم كل حيلة ﴿ أن لا تعبدوا ﴾ ويجوز أن تكون "أن" مفسرة أو مخففة وضمير الشأن مقدر.

والفاء في قوله ﴿ فإنا ﴾ للجزاء كأنه قيل: فإذا أنتم بشر ولستم بملائكة فانا لا نؤمن بكم.

وقولهم ﴿ ربنا ﴾ وكذا بما أرسلتم أي على زعمكم، أو أرادوا التهكم.

ثم فصل حال كل فريق قائلاً ﴿ فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق ﴾ وهذا إخلال بالشفقة على الخلق ﴿ وقالوا من أشد منا قوّة ﴾ وهذا إخلال بالتعظيم لأمر الله ولهذا وبخهم بقوله ﴿ أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشدّ منهم قوة ﴾ لأن الفاعل والعلة أقوى من القابل والمعلول، والقوة في الإنسان نتيجة صحة البنية والاعتدال وحقيقتها زيادة القدرة فلذلك جاز أن يقال: الله أقوى منهم كما صح أن يقال: الله أقدر، الله أكبر.

وإن كان لا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي.

وقوله ﴿ وكانوا بآياتنا يجحدون ﴾ معطوف على قوله ﴿ فاستكبروا ﴾ وقالوا: إن التوبيخ المذكور وقع اعتراضاً في البين.

ثم أخبر عن إهلاكهم والصرصر الريح الباردة الشديدة ضوعفت من الصر بالكسر وهو البرد الذي يصر أي يجمع ويقبض، أو من صرير الباب.

والتركيب يدور على الضم والجمع.

عن ابن عباس أن الله  ما أرسل على عاد من الريح إلا قدر خاتمي ومع ذلك أهلكت الكل.

والأيام النحسات هي التي فسرها الله  في الحاقة ﴿ سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام  ﴾ والنحس بالسكون ضد السعد وهو إما مخفف نحس بالكسر أو هو أصل في نفسه كضخم، أو وصف لمصدر.

واستدل به بعض الأحكاميين على أن بعض الأيام يصح وصفه بالسعادة وبعضها بضدها.

وأجاب بعض المتكلمين بأن المراد بالنحوسة كونها ذات غبار وتراب وبرد.

والإنصاف أنه تكلف خارج عن قانون اللغة.

والإضافة في قوله ﴿ عذاب الخزي ﴾ كهي في قولك: رجل صدق.

وقوله ﴿ ولعذاب الآخرة أخزى ﴾ من الإسناد المجازي فإن الذل والهوان لصاحبه.

قوله ﴿ وأما ثمود ﴾ مرتفع على الابتداء.

قوله ﴿ فهديناهم ﴾ خبره قال سيبويه: هذا أفصح لأن أما من مظان وقوع المبتدأ بعده.

وقرىء بالنصب إضماراً على شريطة التفسير.

واتفقوا على أن المراد بالهداية ههنا الدلالة المجردة لقوله بعده ﴿ فاستحبوا العمى ﴾ يعني عمى البصيرة وهي الضلالة ﴿ على الهدى ﴾ إلا أن المعتزلة تأوّلوه بأنه إنما شاع استعماله في الدلالة المجردة لأنه مكنهم وأزاح علتهم فكأنه حصل البغية فيهم بتحصيل ما يوجبها.

على أن المراد المعقولة ونقيضها، وقد مر هذا البحث في أول "البقرة" في قوله ﴿ هدى للمتقين  ﴾ وصاعقة العذاب داهيته وقارعته، والهون مصدر بمعنى الهوان وصف به العذاب مبالغة، أو أبدله منه وكسبهم شركهم وتكذيبهم صالحاً وعقرهم الناقة.

ثم بين أحوال الذين آمنوا واتقوا المعاصي بقوله ﴿ ونجينا ﴾ الآية.

وحين بين عقوبتهم في الدنيا أخبر عن عذابهم وعذاب أمثالهم في الآخرة فقال ﴿ ويوم يحشر ﴾ الآية.

والعامل فيه "اذكر" محذوفاً، أو هو ظرف لما يدل عليه ﴿ يوزعون ﴾ كأنه قيل: يمنعون يوم يحشر فيحبس أوائلهم حتى يلحق بهم أواخرهم.

قال جار الله: هو عبارة عن كثرة أهل النار.

قلت: وذلك لأن الإيزاع لا يحتاج إليه إلا عند كثرة العدد كما مر في "النحل".

وما الإبهامية في قوله ﴿ حتى إذا ما جاؤها ﴾ تفيد التأكيد.

وهو أن عند وقت مجيئهم لا بد أن تحصل هذه الشهادة وشهادة الجلود بملامسة ما هو محرم.

وعن ابن عباس: المراد شهادة الفروج فيكون كناية.

وعن النبي  : "أوّل ما يتكلم من الآدميّ فخذه وكفه" وفيه وعيد شديد في فعل الزنا لأن مقدمته تحصل بالكف ونهايته تكون بمساعدة الفخذ.

قوله ﴿ أنطق كل شيء ﴾ من العمومات المخصوصة أي ممن يصح النطق منه.

والمراد أن القادر على خلقكم وإنطاقكم في المرة الأولى في الدنيا، ثم خلقكم وإنطاقكم مرة أخرى، وثالثة في القبر وفي القيامة، كيف يستبعد منه إنطاق الجوارح والأعضاء؟

وقد مر تمام البحث في "يس".

عن ابن مسعود قال: كنت مستتراً بأستار الكعبة فدخل ثلاثة نفر ثقفيان وقرشيّ فقال أحدهم: أترون الله يسمع ما نقول؟

فقال آخر: إذا رفعنا أصواتنا يسمع وإلا لم يسمع.

وقال الآخر: إن كان يسمع إذا رفعنا أصواتنا يسمع إذا خفضنا.

فذكرت ذلك للنبي  فنزل ﴿ وما كنتم تستترون ﴾ الآية.

وذلك أنهم كانوا يستترون بالحيطان والحجب عند ارتكاب القبائح فقيل لهم: ما كان استتاركم ذلك خفية أن تشهد عليكم جوارحكم هذه، لأن ذلك غير ممكن فإنها متصلة بكم وهي أعوانكم ومع ذلك لم يكن استتاركم في اعتقادكم أنها تشهد عليكم ولكنكم استترتم لظنكم أن الله لا يعلم كثيراً مما كنتم تعملون وهو الخفيات من أعمالكم.

وفيه ردّ على بعض الجهلة الذين يستخفون من الناس ولا يمكنهم الاستخفاء من الله، وفيه تنبيه على أن المؤمن يجب عليه أن يكون في أوقات خلواته أهيب لربه وأوفر احتشاماً ومراقبة.

ثم أخبر ﴿ فإن يصبروا فالنار مثوى لهم ﴾ ولا ينتج الصبر لهم فرجاً وخلاصاً ﴿ وإن يستعتبوا ﴾ يطلبوا من الله الرضا عنهم ﴿ فما هم من المعتبين ﴾ أي من المرضيين.

والمراد أنهم باقون في مكروههم أبداً، سكتوا أو نطقوا.

قال الضعيف مؤلف الكتاب: إذا كان هذا وعيد من ظن أنه يمكن إخفاء بعض الأعمال من الله بالأستار والحجب فما ظنكم بوعيد من جزم أنه  غير عالم بالجزئيات نعوذ بالله من هذا الاعتقاد والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ ﴾ .

أي: نجمع، والحشر: الجمع، يجمعون في النار؛ وهو كقوله: ﴿ ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ  مِن دُونِ ٱللَّهِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ فَهُمْ يُوزَعُونَ ﴾ .

أي: يساقون؛ كقوله -  - ﴿ وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَراً  ﴾ .

وقال بعضهم: ﴿ يُوزَعُونَ ﴾ أي: يدفعون؛ كقوله  : ﴿ يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا  ﴾ ، والوزع: الدفع.

وقال بعضهم: ﴿ يُوزَعُونَ ﴾ أي: يحبسون، أي: يحبس أولهم على آخرهم، حتى إذا اجتمعوا جميعاً فعند ذلك يجعلون في النار؛ كقوله -  -: ﴿ لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ...

﴾ الآية [الأنفال: 37].

وقوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .

كأنهم يوقفون ويحبسون في مكان، فيعاينون النار، فيسألون عما كانوا يعملون؛ وهو كقوله  : ﴿ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ  ﴾ ، فينكرون ما كان منهم؛ كقوله  : ﴿ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ  ﴾ وقوله: ﴿ بَل لَّمْ نَكُنْ نَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئاً  ﴾ ، فعند ذلك ينطق الله جوارحهم فتشهد عليهم بما عملوا وما كان منهم، وهو قوله: ﴿ شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .

وقال بعضهم: ﴿ جُلُودُهُم ﴾ : كناية عن الفروج؛ وهو قول الحسن.

وقوله: ﴿ وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوۤاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ يَنْطِقُ، إذ لا كل شيء ينطق، ذكروا ﴿ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ ، وأرادوا به الخاص لا العام، والله أعلم.

وكأن غير هذا أقرب، يقولون: ﴿ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ يعصون [به] الله  ، وهو ما ينطق الله الأشياء التي بها عصوا ربهم، وهي الأصنام التي عبدوها وغيرها مما عبدوا دون الله؛ كقوله: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ...

﴾ الآية [الفرقان: 17]، وقوله: ﴿ وَقَالَ شُرَكَآؤُهُمْ مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ  ﴾ ، وما ذكر من إخبار الإرض وحديثها بما عملوا عليها بقوله: ﴿ يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا  ﴾ ، وغير ذلك من الآيات التي فيها بيان: أنه ينطق الله  الأشياء التي عبدوها وعصوا بها ربهم؛ فعلى ذلك ينطق الله الجوارح التي بها عصوا ربهم؛ فتشهد عليهم بجميع ما كان منهم.

وقوله: ﴿ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: أي: ما كنتم تعلمون وتستيقنون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم، ظننتم أن الله لا يعلم كثيراً مما تعملون، الظن هاهنا على هذا التأويل: حقيقة الظن، أو الجهل، أي: ولكن جهلتم أن الله يعلم كثيراً مما تعملون، فلو كان تأويل الآية ما ذكر هؤلاء ففيه دلالة أن العذاب قد يلزم ويجب وإن جهل ذلك ولم يتحقق عنده العلم به، إذا كان بحيث إمكان الوصول إلى علم ذلك ومعرفته بالنظر والتأمل والتفكر بغير ذلك من الأسباب، لكنه ترك التأمل فيه، فلم يعلم ذلك؛ فلم يعذر بجهله، وهكذا الحكم أنّ من مكن له العلم وأسباب المعرفة فلم يتكلف معرفته، لم يعذر في جهله؛ ولهذا قال أبو حنيفة في الأطفال أنْ: لا علم لي بهم؛ لما لا يعلم أنهم قد بلغوا المبلغ الذي يدركون الأشياء بالتأمل والتفكر أم لا؟!

وقال بعضهم: ﴿ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ ﴾ ، أي: كنتم لا تقتدرون أن تستتروا من سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم، فأحد لا يستطيع أن يستتر من نفسه إذا عمل شيئاً، فذلك ظنكم أن ظننتم أن الله لا يعلم كثيراً مما تعملون في السر.

وقوله: ﴿ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ ﴾ .

أي: وذلكم جهلكم على ما ظننتم بأن الله -  - لا يعلم ذلك، وهو لا يخفى عليه خافية، فظنكم ذلك أرداكم، أي: أغواكم وأضلكم عن الهدى.

وقال قتادة: يا ابن آدم، إن عليك لشهودا غير متهمة: من بدنك، فراقبهم، واتق الله في سر أمرك وعلانيتك؛ فإنه لا يخفى عليه خافية: الظلمة عنده ضوء، والسر عنده علانية، ومن استطاع أن يموت وهو بالله حسن الظن ولا قوة إلا بالله.

ثم قال: الظن ظنان: ظن منجٍ، وظن مردٍ، فأما المنجي فقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُواْ رَبِّهِمْ ﴾ الآية [البقرة: 46]، وما قال: ﴿ إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ  ﴾ ، وأمّا الظن المردي فقوله: ﴿ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً  ﴾ ونحوه.

قال: وذكر أن نبي الله  كان يقول ويحدث ذلك عن ربه  : "عبدي، أنا عند ظنك بي، وأنا معك إذا دعوتني" وقال الحسن: إنما عمل الناس على قدر ظنونهم بربهم، فأما المؤمن فأحسن بربه الظن، فأحسن العمل، وأما الكافر والمنافق، فأساء به الظن؛ فأساء العمل، ثم تلا قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ...

﴾ الآية، وقال: الجلود: كناية عن الفروج.

وفي حرف حفصة: ﴿ وما كنتم تخشون ﴾ ، وفي حرف أُبي وابن مسعود: ﴿ ولكن زعمتم أن الله لا يعلم ﴾ كذا؛ وكذلك في حرفهما: ﴿ فذلكم زعمكم الذي زعمتم ﴾ والزعم في كلام العرب الكذب، وفيه يستعمل.

وقوله -  -: ﴿ أَرْدَاكُمْ ﴾ .

قال بعضهم: أهلككم، والردى: الهلاك، وقيل: أورد المهالك.

ويحتمل ﴿ أَرْدَاكُمْ ﴾ أي: أغواكم وأضلكم على ما ذكرنا.

وقوله: ﴿ فَإِن يَصْبِرُواْ فَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ ﴾ ، هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أي: فإن يصبروا على ما هم عليه من الأعمال إلى أن ختموا به، فالنار مثوى لهم في الآخرة.

والثاني: أي: فإن يصبروا في الآخرة فالنار مثوى لهم، أي: لا ينفعهم الصبر على ذلك، ولا يكون الصبر سبب الفرج عن ذلك؛ وهو كقوله -  وتعالى - خبرا عنهم: ﴿ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ  ﴾ ، فيكون أحد التأويلين في الدنيا والثاني في الآخرة.

وقوله: ﴿ وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ فَمَا هُم مِّنَ ٱلْمُعْتَبِينَ ﴾ .

معناه - والله أعلم -: وإن يستقيلوا ما كان منهم فما هم من المقالين، أي: أثقال ذلك منهم ولا يرضى عنهم وإن استرضوا.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فإن يصبر هؤلاء , الذين شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم، فالنار مستقر لهم، ومأوى يأوون إليه، وإن يطلبوا رفع العذاب ورضا الله عنهم، فما هم بنائلين رضاه ولا داخلين الجنة أبدًا.

<div class="verse-tafsir" id="91.y6X1M"

مزيد من التفاسير لسورة فصلت

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.1 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 1 يوم
الله أكبر