الإسلام > القرآن > سور > سورة 42 الشورى > الآية ٩ من سورة الشورى
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 86 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٩ من سورة الشورى: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى منكرا على المشركين في اتخاذهم آلهة من دون الله ، ومخبرا أنه هو الولي الحق الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده ، فإنه القادر على إحياء الموتى وهو على كل شيء قدير .
القول في تأويل قوله تعالى : أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (9) يقول تعالى ذكره: أم اتخذ هؤلاء المشركون بالله أولياء من دون الله يتولونهم.(فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ) يقول: فالله هو وليّ أوليائه, وإياه فليتخذوا وليا لا الآلهة والأوثان, ولا ما لا يملك لهم ضرّا ولا نفعا.(وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى)يقول: والله يحيي الموتى من بعد مماتهم, فيحشرهم يوم القيامة.(وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) يقول: والله القادر على إحياء خلقه من بعد مماتهم وعلى غير ذلك, إنه ذو قدرة على كل شيء.
قوله تعالى : أم اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولي وهو يحيي الموتى وهو على كل شيء قدير .قوله تعالى : أم اتخذوا أي : بل اتخذوا .
( من دونه أولياء ) يعني أصناما .
فالله هو الولي أي : وليك يا محمد وولي من اتبعك ، لا ولي سواه .
وهو يحيي الموتى يريد عند البعث .
وهو على كل شيء قدير وغيره من الأولياء لا يقدر على شيء .
والذين { اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ } يتولونهم بعبادتهم إياهم، فقد غلطوا أقبح غلط.
فالله هو الولي الذي يتولاه عبده بعبادته وطاعته، والتقرب إليه بما أمكن من أنواع التقربات، ويتولى عباده عموما بتدبيره، ونفوذ القدر فيهم، ويتولى عباده المؤمنين خصوصا، بإخراجهم من الظلمات إلى النور، وتربيتهم بلطفه، وإعانتهم في جميع أمورهم.{ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } أي: هو المتصرف بالإحياء والإماتة، ونفوذ المشيئة والقدرة، فهو الذي يستحق أن يعبد وحده لا شريك له.
( أم اتخذوا ) بل اتخذوا ، أي : الكافرون ، ( من دونه ) أي : من دون الله ، ( أولياء فالله هو الولي ) قال ابن عباس - رضي الله عنهما - : وليك يا محمد وولي من اتبعك ، ( وهو يحيي الموتى وهو على كل شيء قدير ) .
«أم اتخذوا من دونه» أي الأصنام «أولياء» أم منقطعة بمعنى: بل التي للانتقال، والهمزة للإنكار أي ليس المتخذون أولياء «فالله هو الولي» أي الناصر للمؤمنين والفاء لمجرد العطف «وهو يحيي الموتى وهو على كل شيءٍ قدير».
بل اتخذ هؤلاء المشركون أولياء من دون الله يتولونهم، فالله وحده هو الوليُّ يتولاه عَبْدُه بالعبادة والطاعة، ويتولَّى عباده المؤمنين بإخراجهم من الظلمات إلى النور وإعانتهم في جميع أمورهم، وهو يحيي الموتى عند البعث، وهو على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء.
ثم أنكر - سبحانه - على أولئك الجاهلين اتخاذهم آلهة من دونه فقال : ( أَمِ اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ فالله هُوَ الولي وَهُوَ يُحْيِي الموتى وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) .فأم بمعنى بل وهمزة الاستفهام الإِنكارى ، لإِنكار وقوع الشرك منهم ونفيه بأبلغ وجه .أى : أن ما فعله هؤلاء المشركون من اتخاذهم آلهة من دونه - تعالى - شئ منكر بلغ النهاية فى قبحه وفساده .قال صاحب الكشاف : " معن الهمزة فى ( أَمِ ) الإِنكار وقوله : ( فالله هُوَ الولي ) أى : هو الذى يجب أن يتولى وحده ، ويعتقد أنه المولى والسيد ، فالفاء فى قوله ( فالله هُوَ الولي ) جواب شرط مقدر ، كأنه قيل بعد إنكارى كل ولى سواه .
أى : إن أرادوا وليا بحق ، فالله هو الولى بالحق ، لا ولى سواه .( وَهُوَ يُحْيِي ) الموتى أى : وهو - سبحانه - الذى فى قدرته إعادة الحياة الى الموتى بعد موتهم .( وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) أى : وهو - تعالى - وحده الذى لا يعجز قدرته شئ ، وما دام الأمر كذلك ، فكيف اتخذ أولئك الجاهلون أولياء من دونه .
واعلم أن كلمة (ذلك) للإشارة إلى شيء سبق ذكره فقوله: ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْءَاناً عَرَبِيّاً ﴾ يقتضي تشبيه وحي الله بالقرآن بشيء هاهنا قد سبق ذكره، وليس هاهنا شيء سبق ذكره يمكن تشبيه وحي القرآن به إلا قوله: ﴿ والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء الله حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ ﴾ يعني كما أوحينا إليك أنك لست حفيظاً عليهم ولست وكيلاً عليهم، فكذلك أوحينا إليك قرآناً عربياً لتكون نذيراً لهم وقوله تعالى: ﴿ لّتُنذِرَ أُمَّ القرى ﴾ أي لتنذر أهل أم القرى لأن البلد لا تعقل وهو كقوله: ﴿ واسئل القرية ﴾ وأم القرى أصل القرى وهي مكة وسميت بهذا الاسم إجلالاً لها لأن فيها البيت ومقام إبراهيم، والعرب تسمي أصل كل شيء أمة حتى يقال هذه القصيدة من أمهات قصائد فلان، ومن حولها من أهل البدو والحضر وأهل المدر، والإنذار التخويف، فإن قيل فظاهر اللفظ يقتضي أن الله تعالى إنما أوحى إليه لينذر أهل مكة وأهل القرى المحيطة بمكة وهذا يقتضي أن يكون رسولاً إليهم فقط وأن لا يكون رسولاً إلى كل العالمين الجواب: أن التخصيص بالذكر لا يدل على نفي الحكم عما سواه، فهذه الآية تدل على كونه رسولاً إلى هؤلاء خاصة وقوله: ﴿ وَمَا أرسلناك إِلاَّ كَافَّةً لّلنَّاسِ ﴾ يدل على كونه رسولاً إلى كل العالمين، أيضاً لما ثبت كونه رسولاً إلى أهل مكة وجب كونه صادقاً، ثم إنه نقل إلينا بالتواتر كان يدعى أنه رسول إلى كل العالمين، والصادق إذا أخبر عن شيء وجب تصديقه فيه، فثبت أنه رسول إلى كل العالمين.
ثم قال تعالى: ﴿ وَتُنذِرَ يَوْمَ الجمع ﴾ الأصل أن يقال أنذرت فلاناً بكذا فكان الواجب أن يقال لتنذر أم القرى بيوم الجمع وأيضاً فيه إضمار والتقدير لتنذر أهل أم القرى بعذاب يوم الجمع وفي تسميته بيوم الجمع وجوه: الأول: أن الخلائق يجمعون فيه قال تعالى: ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الجمع ﴾ فيجتمع فيه أهل السموات من أهل الأرض الثاني: أنه يجمع بين الأرواح والأجساد الثالث: يجمع بين كل عامل وعمله الرابع: يجمع بين الظالم والمظلوم وقوله: ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ صفة ليوم الجمع الذي لا ريب فيه، وقوله: ﴿ فَرِيقٌ فِي الجنة وَفَرِيقٌ فِي السعير ﴾ تقديره ليوم الجمع الذي من صفته يكون القوم فيه فريقين، فريق في الجنة وفريق في السعير، فإن قيل قوله: ﴿ يَوْمَ الجمع ﴾ يقتضي كون القوم مجتمعين وقوله: ﴿ فَرِيقٌ فِي الجنة وَفَرِيقٌ فِي السعير ﴾ يقتضي كونهم متفرقين، والجمع بين الصفتين محال، قلنا إنهم يجتمعون أولاً ثم يصيرون فريقين.
ثم قال: ﴿ وَلَوْ شَاءَ الله لَجَعَلهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ والمراد تقرير قوله: ﴿ والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء الله حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ ﴾ أي لا يكن في قدرتك أن تحملهم على الإيمان، فلو شاء الله ذلك لفعله لأنه أقدر منك، ولكنه جعل البعض مؤمناً والبعض كافراً، فقوله: ﴿ يُدْخِلُ مَن يَشَاء فِي رَحْمَتِهِ ﴾ يدل على أنه تعالى هو الذي أدخلهم في الإيمان والطاعة، وقوله: ﴿ والظالمون مَا لَهُمْ مّن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ ﴾ يعني أنه تعالى ما أدخلهم في رحمته، وهذا يدل على أن الأولين إنما دخلوا في رحمته، لأنه كان لهم ولي ونصير أدخلهم في تلك الرحمة، وهؤلاء ما كان لهم ولي ولا نصير يدخلهم في رحمته.
ثم قال تعالى: ﴿ أَمِ اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء ﴾ والمعنى أنه تعالى حكى عنهم أولاً أنهم اتخذوا من دونه أولياء، ثم قال بعده لمحمد صلى الله عليه وسلم لست عليهم رقيباً ولا حافظاً، ولا يجب عليك أن تحملهم على الإيمان شاءوا أم أبوا، فإن هذا المعنى لو كان واجباً لفعله الله، لأنه أقدر منك، ثم إنه تعالى أعاد بعده ذلك الكلام على سبيل الاستنكار، فإن قوله: ﴿ أَمِ اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء ﴾ استفهام على سبيل الإنكار.
ثم قال تعالى: ﴿ فالله هُوَ الولي ﴾ والفاء في قوله: ﴿ فالله هُوَ الولي ﴾ جواب شرط مقدر، كأنه قال: إن أرادوا أولياء بحق فالله هو الولي بالحق لا ولي سواه، لأنه يحيي الموتى وهو على كل شيءً قدير، فهو الحقيق بأن يتخذ ولياً دون من لا يقدر على شيء.
ثم قال: ﴿ وَمَا اختلفتم فِيهِ مِن شَيْء فَحُكْمُهُ إِلَى الله ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: وجه النظم أنه تعالى كما منع الرسول صلى الله عليه وسلم أن يحمل الكفار على الإيمان قهراً، فكذلك منع المؤمنين أن يشرعوا معهم في الخصومات والمنازعات فقال: ﴿ وَمَا اختلفتم فِيهِ مِن شَيْء فَحُكْمُهُ إِلَى الله ﴾ وهو إثابة المحقين فيه ومعاقبة المبطلين، وقيل وما اختلفتم فيه من شيء وتنازعتم فتحاكموا فيه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا تؤثر حكومة غيره على حكومته، وقيل وما وقع بينكم فيه خلاف من الأمور التي لا تصل بتكليفكم، ولا طريق لكم إلى عمله كحقيقة الروح، فقولوا الله أعلم به، قال تعالى: ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الروح قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبّي ﴾ .
المسألة الثانية: تقدير الآية كأنه قال: قل يا محمد ﴿ وَمَا اختلفتم فِيهِ مِن شَيْء فَحُكْمُهُ إِلَى الله ﴾ والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ ذَلِكُمُ الله رَبّى عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ .
المسألة الثالثة: احتج نفاة القياس بهذه الآية فقالوا قوله تعالى: ﴿ وَمَا اختلفتم فِيهِ مِن شَيْء فَحُكْمُهُ إِلَى الله ﴾ إما أن يكون المراد فحكمه مستفاد من نص الله عليه، أو المراد فحكمه مستفاد من القياس على ما نص الله عليه، والثاني باطل لأنه يقتضي كون كل الأحكام مثبتة بالقياس بأنه باطل فيعتبر الأول، فوجب كون كل الأحكام مثبتة بالنص وذلك ينفي العمل بالقياس، ولقائل أن يقول لم لا يجوز أن يكون المراد فحكمه يعرف من بيان الله تعالى، سواء كان ذلك البيان بالنص أو بالقياس؟
أجيب عنه بأن المقصود من التحاكم إلى الله قطع الاختلاف، والرجوع إلى القياس يقوي حكم الاختلاف ولا يوضحه، فوجب أن يكون الواجب هو الرجوع إلى نصوص الله تعالى.
ثم قال تعالى: ﴿ ذَلِكُمُ الله رَبّي ﴾ أي ذلكم الحاكم بينكم هو ربي ﴿ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ﴾ في دفع كيد الأعداء وفي طلب كل خير ﴿ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ أي وإليه أرجع في كل المهمات، وقوله: ﴿ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ﴾ يفيد الحصر، أي لا أتوكل إلا عليه، وهو إشارة إلى تزييف طريقة من اتخذ غير الله ولياً.
ثم قال: ﴿ فَاطِرُ السموات والأرض ﴾ قرئ بالرفع والجر، فالرفع على أنه خبر ذلاكم، أو خبر مبتدأ محذوف، والجر على تقدير أن يكون الكلام هكذا وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله فاطر السموات والأرض وقوله: ﴿ ذَلِكُمُ الله رَبّي ﴾ اعتراض وقع بين الصفة والموصوف، ﴿ جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنفُسِكُمْ ﴾ من جنسكم من الناس ﴿ أزواجا وَمِنَ الأنعام أزواجا ﴾ أي خلق من الأنعام أزواجاً، ومعناه وخلق أيضاً للأنعام من أنفسها أزواجاً ﴿ يَذْرَؤُكُمْ ﴾ أي يكثركم، يقال: ذرأ الله الخلق، أي كثرهم، وقوله: ﴿ فِيهِ ﴾ أي في هذا التدبير، وهو التزويج وهو أن جعل الناس والأنعام أزواجاً حتى كان بين ذكورهم وإناثهم التوالد والتناسل، والضمير في ﴿ يَذْرَؤُكُمْ ﴾ يرجع إلى المخاطبين، إلى أنه غلب فيه جانب الناس من وجهين: الأول: أنه غلب فيه جانب العقلاء على غير العقلاء الثاني: أنه غلب فيه جانب المخاطبين على الغائبين، فإن قيل ما معنى يذرؤكم في هذا التدبير، ولم لم يقل يذرؤكم به؟
قلنا جعل هذا التدبير كالمنبع والمعدن لهذا التكثير، ألا ترى أنه يقال للحيوان في خلق الأزواج تكثير، كما قال تعالى: ﴿ وَلَكُمْ فِي القصاص حياة ﴾ .
ثم قال تعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السميع البصير ﴾ وهذه الآية فيها مسائل: المسألة الأولى: احتج علماء التوحيد قديماً وحديثاً بهذه الآية في نفي كونه تعالى جسماً مركباً من الأعضاء والأجزاء وحاصلاً في المكان والجهة، وقالوا لو كان جسماً لكان مثلاً لسائر الأجسام، فيلزم حصول الأمثال والأشباه له، وذلك باطل بصريح قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ ويمكن إيراد هذه الحجة على وجه آخر، فيقال إما أن يكون المراد ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ في ماهيات الذات، أو أن يكون المراد ليس كمثله في الصفات شيء، والثاني باطل، لأن العباد يوصفون بكونهم عالمين قادرين، كما أن الله تعالى يوصف بذلك، وكذلك يوصفون بكونهم معلومين مذكورين، مع أن الله تعالى يوصف بذلك، فثبت أن المراد بالمماثلة المساواة في حقيقة الذات، فيكون المعنى أن شيئاً من الذوات لا يساوي الله تعالى في الذاتية، فلو كان الله تعالى جسماً، لكان كونه جسماً ذاتاً لا صفة، فإذا كان سائر الأجسام مساوية له في الجسمية، أعني في كونها متحيزة طويلة عريضة عميقة، فحينئذ تكون سائر الأجسام مماثلة لذات الله تعالى في كونه ذاتاً، والنص ينفي ذلك فوجب أن لا يكون جسماً.
واعلم أن محمد بن إسحاق بن خزيمة أورد استدلال أصحابنا بهذه الآية في الكتاب الذي سماه بالتوحيد، وهو في الحقيقة كتاب الشرك، واعترض عليها، وأنا أذكر حاصل كلامه بعد حذف التطويلات، لأنه كان رجلاً مضطرب الكلام، قليل الفهم، ناقص العقل، فقال: نحن نثبت لله وجهاً ونقول: إن لوجه ربنا من النور والضياء والبهاء، ما لو كشف حجابه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره، ووجه ربنا منفي عنه الهلاك والفناء، ونقول إن لبني آدم وجوهاً كتب الله عليها الهلاك والفناء، ونفى عنها الجلال والإكرام، غير موصوفة بالنور والضياء والبهاء، ولو كان مجرد إثبات الوجه لله يقتضي التشبيه لكان من قال إن لبني آدم وجوهاً وللخنازير والقردة والكلاب وجوهاً، لكان قد شبّه وجوه بني آدم بوجوه الخنازير والقردة والكلاب.
ثم قال: ولا شك أنه اعتقاد الجهمية لأنه لو قيل له: وجهك يشبه وجه الخنازير والقردة لغضب ولشافهه بالسوء، فعلمنا أنه لا يلزم من إثبات الوجه واليدين لله إثبات التشبيه بين الله وبين خلقه.
وذكر في فصل آخر من هذا الكتاب أن القرآن دل على وقوع التسوية بين ذات الله تعالى وبين خلقه في صفات كثيرة، ولم يلزم منها أن يكون القائل مشبهاً فكذا هاهنا ونحن نعد الصور التي ذكرها على الاستقصاء فالأول: أنه تعالى قال في هذه الآية ﴿ وَهُوَ السميع البصير ﴾ وقال في حق الإنسان ﴿ فجعلناه سَمِيعاً بَصِيراً ﴾ .
الثاني: قال: ﴿ وَقُلِ اعملوا فَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ﴾ وقال في حق المخلوقين ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطير مسخرات فِي جَوّ السمآء ﴾ الثالث: قال: ﴿ واصنع الفلك بِأَعْيُنِنَا ﴾ ﴿ واصبر لِحُكْمِ رَبّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾ وقال في حق المخلوقين ﴿ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدمع ﴾ الرابع: قال لإبليس ﴿ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ﴾ وقال: ﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ﴾ وقال: في حق المخلوقين ﴿ ذلك بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ ، ﴿ ذلك بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ ﴾ ﴿ إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾ الخامس: قال تعالى: ﴿ الرحمن عَلَى العرش استوى ﴾ وقال في الذين يركبون الدواب ﴿ لِتَسْتَوُواْ على ظُهُورِهِ ﴾ وقال في سفينة نوح ﴿ واستوت عَلَى الجودى ﴾ .
السادس: سمى نفسه عزيزاً فقال: ﴿ العزيز الجبار ﴾ ، ثم ذكر هذا الاسم في حق المخلوقين بقوله: ﴿ يأَيُّهَا العزيز إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا ﴾ ، ﴿ يا أيها العزيز مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضر ﴾ .
السابع: سمى نفسه بالملك وسمى بعض عبيده أيضاً بالملك فقال: ﴿ وَقَالَ الملك ائتوني بِهِ ﴾ وسمى نفسه بالعظيم ثم أوقع هذا الاسم على المخلوق فقال: ﴿ رَبُّ العرش العظيم ﴾ وسمى نفسه بالجبار المتكبر وأوقع هذا الاسم على المخلوق فقال: ﴿ كَذَلِكَ يَطْبَعُ الله على كُلّ قَلْبِ مُتَكَبّرٍ جَبَّارٍ ﴾ ثم طول في ضرب الأمثلة من هذا الجنس، وقال ومن وقف على الأمثلة التي ذكرناها أمكنه الإكثار منها، فهذا ما أورده هذا الرجل في هذا الكتاب.
وأقول هذا المسكين الجاهل إنما وقع في أمثال هذه الخرافات لأنه لم يعرف حقيقة المثلين وعلماء التوحيد حققوا الكلام في المثلين ثم فرعوا عليه الاستدلال بهذه الآية، فنقول المثلان هما اللذان يقوم كل واحد منهما مقام الآخر في حقيقته وماهيته، وتحقيق الكلام فيه مسبوق بمقدمة أخرى فنقول: المعتبر في كل شيء، إما تمام ماهيته وإما جزء من أجزاء ماهيته وإما أمر خارج عن ماهيته، ولكنه من لوازم تلك الماهية، وأما أمر خارج عن ماهيته ولكنه ليس من لوازم تلك الماهية وهذا التقسيم مبني على الفرق بين ذات الشيء وبين الصفات القائمة به وذلك معلوم بالبديهة، فإنا نرى الحبة من الحصرم كانت في غاية الخضرة والحموضة ثم صارت في غاية السواد والحلاوة، فالذات باقية والصفات مختلفة والذات الباقية مغايرة للصفات المختلفة، وأيضاً نرى الشعر قد كان في غاية السواد ثم صار في غاية البياض، فالذات باقية والصفات متبدلة والباقي غير المتبدل، فظهر بما ذكرنا أن الذوات مغايرة للصفات.
إذا عرفت هذا فنقول: اختلاف الصفات لا يوجب اختلاف الذوات البتة، لأنا نرى الجسم الواحد كان ساكناً ثم يصير متحركاً، ثم يسكن بعد ذلك، فالذوات باقية في الأحوال كلها على نهج واحد ونسق واحد، والصفات متعاقبة متزايلة، فثبت بهذا أن اختلاف الصفات والأعراض لا يوجب اختلاف الذوات، إذا عرفت هذا فنقول: الأجسام منها تألف وجه الكلب والقرد مساوية للأجسام التي تألف منها وجه الإنسان والفرس وإنما حصل الاختلاف بسبب الأعراض القائمة وهي الألوان والأشكال والخشونة والملاسة وحصول الشعور فيه وعدم حصولها، فالاختلاف إنما وقع بسبب الاختلاف في الصفات والأعراض، فأما ذوات الأجسام فهي متماثلة إلا أن العوام لا يعرفون الفرق بين الذوات وبين الصفات، فلا جرم يقولون إن وجه الإنسان مخالف لوجه الحمار، ولقد صدقوا فإنه حصلت تلك بسبب الشكل واللون وسائر الصفات، فأما الأجسام من حيث إنها أجسام فهي متماثلة متساوية، فثبت أن الكلام الذي أورده إنما ذكره لأجل أنه كان من العوام وما كان يعرف أن المعتبر في التماثل والاختلاف حقائق الأشياء وماهياتها لا الأعراض والصفات القائمة بها، بقي هاهنا أن يقال فما الدليل على أن الأجسام كلها متماثلة؟
فنقول لنا هاهنا مقامان: المقام الأول: أن نقول هذه المقدمة إما أن تكون مسلمة أو لا تكون مسلمة، فإن كانت مسلمة فقد حصل المقصود، وإن كانت ممنوعة، فنقول فلم لا يجوز أن يقال إله العالم هو الشمس أو القمر أو الفلك أو العرش أو الكرسي، ويكون ذلك الجسم مخالفاً لماهية سائر الأجسام فكان هو قديماً أزلياً واجب الوجود وسائر الأجسام محدثة مخلوقة، ولو أن الأولين والآخرين اجتمعوا على أن يسقطوا هذا الإلزام عن المجسمة لا يقدرون عليه؟
فإن قالوا هذا باطل لأن القرآن دلّ على أن الشمس والقمر والأفلاك كلها محدثة مخلوقة فيقال هذا من باب الحماقة المفرطة لأن صحة القرآن وصحة نبوّة الأنبياء مفرعة على معرفة الإله، فإثبات معرفة الإله بالقرآن وقول النبي لا يقوله عاقل يفهم ما يتكلم به.
والمقام الثاني: أن علماء الأصول أقاموا البرهان القاطع على تماثل الأجسام في الذوات والحقيقة، وإذا ثبت هذا ظهر أنه لو كان إله العالم جسماً لكانت ذاته مساوية لذوات الأجسام إلا أن هذا باطل بالعقل والنقل، أما العقل فلأن ذاته إذا كانت مساوية لذوات سائر الأجسام وجب أن يصح عليه ما يصح على سائر الأجسام، فيلزم كونه محدثاً مخلوقاً قابلاً للعدم والفناء قابلاً للتفرق والتمزق.
وأما النقل فقوله تعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء ﴾ فهذا تمام الكلام في تقرير هذا الدليل وعند هذا يظهر أنا لا نقول بأنه متى حصل الاستواء في الصفة لزم حصول الاستواء في تمام الحقيقة إلا أنا نقول لما ثبت أن الأجسام متماثلة في تمام الماهية، فلو كانت ذاته جسماً لكن ذلك الجسم مساوياً لسائر الأجسام في تمام الماهية، وحينئذ يلزم أن يكون كل جسم مثلاً له، لما بينا أن المعتبر في حصول المماثلة اعتبار الحقائق من حيث هي هي، لا اعتبار الصفات القائمة بها فظهر بالتقرير الذي ذكرناه أن حجة أهل التوحيد في غاية القوة، وأن هذه الكلمات التي أوردها هذا الإنسان إنما أوردها لأنه كان بعيداً عن معرفة الحقائق، فجرى على منهج كلمات العوام فاغتر بتلك الكلمات التي ذكرها ونسأل الله تعالى حسن الخاتمة.
المسألة الثانية: في ظاهر هذه الآية إشكال، فإنه يقال المقصود منها نفي المثل عن الله تعالى وظاهرها يوجب إثبات المثل لله، فإنه يقتضي نفي المثل عن مثله لا عنه، وذلك يوجب إثبات المثل لله تعالى، وأجاب العلماء عنه بأن قالوا إن العرب تقول مثلك لا يبخل أي أنت لا تبخل فنفوا البخل عن مثله، وهم يريدون نفيه عنه، ويقول الرجل: هذا الكلام لا يقال لمثلي أي لا يقال لي قال الشاعر: ومثلي كمثل جذوع النخيل *** والمراد منه المبالغة فإنه إذا كان ذلك الحكم منتفياً عمن كان مشابهاً بسبب كونه مشابهاً له، فلأن يكون منتفياً عنه كان ذلك أولى، ونظيره قولهم: سلام على المجلس العالي، والمقصود أن سلام الله إذا كان واقعاً على مجلسه وموضعه فلأن يكون واقعاً عليه كان ذلك أولى، فكذا هاهنا قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيء ﴾ والمعنى ليس كهو شيء على سبيل المبالغة من الوجه الذي ذكرناه، وعلى هذا التقدير فلم يكن هذا اللفظ ساقطاً عديم الأثر، بل كان مفيداً للمبالغة من الوجه الذي ذكرناه، وزعم جهم بن صفوان أن المقصود من هذه الآية بيان أنه تعالى ليس مسمى باسم الشيء قال لأن كل شيء فإنه يكون مثلاً لمثل نفسه فقول: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء ﴾ معناه ليس مثل مثله شيء وذلك يقتضي أن لا يكون هو مسمى باسم الشيء، وعندي فيه طريقة أخرى، وهي أن المقصود من ذكر الجمع بين حرفي التشبيه الدليل الدال على كونه منزّهاً عن المثل، وتقريره أن يقال لو كان له مثل لكن هو مثل نفسه، وهذا محال فإثبات المثل له محال، أما بيان أنه لو كان له مثل لكان هو مثل نفسه فالأمر فيه ظاهر، وأما بيان أن هذا محال فلأنه لو كان مثل مثل نفسه لكان مساوياً لمثله في تلك الماهية ومبايناً له في نفسه، وما به المشاركة غير ما به المباينة.
فتكون ذات كل واحد منهما مركباً وكل مركب ممكن، فثبت أنه لو حصل لواجب الوجود مثل لما كان هو في نفسه واجب الوجود، إذا عرفت هذا فقوله ليس مثله مثله شيء إشارة إلى أنه لو صدق عليه أنه مثل مثل نفسه لما كان هو شيئاً بناءً على ما بينا أنه لو حصل لواجب الوجود مثل لما كان واجب الوجود، فهذا ما يحتمله اللفظ.
المسألة الثالثة: هذه الآية دالة على نفي المثل وقوله تعالى: ﴿ وَلَهُ المثل الأعلى ﴾ يقتضي إثبات المثل فلابد من الفرق بينهما، فنقول المثل هو الذي يكون مساوياً للشيء في تمام الماهية والمثل هو الذي يكون مساوياً له في بعض الصفات الخارجة عن الماهية وإن كان مخالفاً في تمام الماهية.
المسألة الرابعة: قوله: ﴿ وَهُوَ السميع البصير ﴾ يدل على كونه تعالى سامعاً للمسموعات مبصراً للمرئيات، فإن قيل يمتنع إجراء هذا اللفظ على ظاهره وذلك لأنه إذا حصل قرع أو قلع انقلب الهواء من بين ذينك الجسمين انقلاباً يعنف فيتموج الهواء بسبب ذلك ويتأدى ذلك التموج إلى سطح الصماخ فهذا هو السماع، وأما الإبصار فهو عبارة عن تأثر الحدقة بصورة المرئي، فثبت أن السمع والبصر عبارة عن تأثر الحاسة، وذلك على الله محال، فثبت أن إطلاق السمع والبصر على علمه تعالى بالمسموعات والمبصرات غير جائز والجواب: الدليل على أن السماع مغاير لتأثر الحاسة أنا إذا سمعنا الصوت علمنا أنه من أي الجوانب جاء فعلمنا أنا أدركنا الصوت حيث وجد ذلك الصوت في نفسه، وهذا يدل على أن إدراك الصوت حالة مغايرة لتأثير الصماخ عن تموج ذلك الهواء.
وأما الرؤية فالدليل على أنها حالة مغايرة لتأثر الحدقة، فذلك لأن نقطة الناظر جسم صغير فيستحيل انطباع الصورة العظيمة فيه، فنقول الصورة المنطبعة صغيرة والصورة المرئية في نفس العالم عظيمة، وهذا يدل على أن الرؤية حالة مغايرة لنفس ذلك الانطباع، وإذا ثبت هذا فنقول لا يلزم من امتناع التأثر في حق الله امتناع السمع والبصر في حقه، فإن قالوا هب أن السمع والبصر حالتان مغايرتان لتأثر الحاسة إلا أن حصولهما مشروط بحصول ذلك التأثر، فلما كان حصول ذلك التأثر في حق الله تعالى ممتنعاً كان حصول السمع والبصر في حق الله ممتنعاً، فنقول ظاهر قوله: ﴿ وَهُوَ السميع البصير ﴾ يدل على كونه سميعاً بصيراً فلم يجز لنا أن نعدل عن هذا الظاهر إلا إذا قام الدليل على أن الحاسة المسماة بالسمع والبصر مشروطة بحصول التأثر، والتأثر في حق الله تعالى ممتنع، فكان حصول الحاسة المسماة بالسمع والبصر ممتنعاً، وأنتم المدعون لهذا الاشتراط فعليكم الدلالة على حصوله، وإنما نحن متمسكون بظاهر اللفظ إلى أن تذكروا ما يوجب العدول عنه، فإن قال قائل قوله: ﴿ وَهُوَ السميع البصير ﴾ يفيد الحصر، فما معنى هذا الحصر، مع أن العباد أيضاً موصوفون بكونهم سميعين بصيرين؟
فنقول السميع والبصير لفظان مشعران بحصول هاتين الصفتين على سبيل الكمال، والكمال في كل الصفات ليس إلا لله، فهذا هو المراد من هذا الحصر.
أما قوله تعالى: ﴿ لَّهُ مَقَالِيدُ السموات والأرض ﴾ فاعلم أن المراد من الآية أنه تعالى: فاطر السموات والأرض والأصنام ليست كذلك، وأيضاً فهو خالق أنفسنا وأزواجنا وخالق أولادنا منا ومن أزواجنا، والأصنام ليست كذلك، وأيضاً فله مقاليد السموات والأرض والأصنام ليست كذلك، والمقصود من الكل بيان القادر المنعم الكريم الرحيم، فكيف يجوز جعل الأصنام التي هي جمادات مساوية له في المعبودية؟
فقوله: ﴿ لَّهُ مَقَالِيدُ السموات والأرض ﴾ يريد مفاتيح الرزق من السموات والأرض، فمقاليد السموات الأمطار، ومقاليد الأرض النبات، وذكرنا تفسير المقاليد في سورة الزمر عند قوله: ﴿ يَبْسُطُ الرزق لِمَنْ يَشَاء وَيَقَدِرُ ﴾ لأن مفاتيح الأرزاق بيده ﴿ إِنَّهُ بِكُلّ شيْء ﴾ من البسط والتقدير ﴿ عَلِيمٌ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
معنى الهمزة في ﴿ أَمِ ﴾ الإنكار ﴿ فالله هُوَ الولى ﴾ هو الذي يجب أن يتولى وحده ويعتقد أنه المولى والسيد، فالفاء في قوله: ﴿ فالله هُوَ الولى ﴾ جواب شرط مقدّر، كأنه قيل بعد إنكار كل ولي سواه: إن أرادوا ولياً بحق، فالله هو الولي بالحق، لا وليّ سواه ﴿ وَهُوَ يُحْىِ ﴾ أي: ومن شأن هذا الولي أنه يحيى ﴿ الموتى وَهُوَ على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ ﴾ فهو الحقيق بأن يتخذ ولياً دون من لا يقدر على شيء.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً ﴾ مُهْتَدِينَ أوْ ضالِّينَ.
﴿ وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ ﴾ بِالهِدايَةِ والحَمْلِ عَلى الطّاعَةِ.
﴿ والظّالِمُونَ ما لَهم مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ ﴾ أيْ يَدَعُهم بِغَيْرِ ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ في عَذابِهِ، ولَعَلَّ تَغْيِيرَ المُقابَلَةِ لِلْمُبالَغَةِ في الوَعِيدِ إذِ الكَلامُ في الإنْذارِ.
﴿ أمِ اتَّخَذُوا ﴾ بَلِ اتَّخَذُوا.
﴿ مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ﴾ كالأصْنامِ.
﴿ فاللَّهُ هو الوَلِيُّ ﴾ جَوابٌ لِشَرْطٍ مَحْذُوفٍ مِثْلَ إنْ أرادُوا أوْلِياءَ بِحَقٍّ فاللَّهُ هو الوَلِيُّ بِالحَقِّ.
﴿ وَهُوَ يُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ كالتَّقْرِيرِ لِكَوْنِهِ حَقِيقًا بِالوِلايَةِ.
﴿ وَما اخْتَلَفْتُمْ ﴾ أنْتُمْ والكُفّارُ.
﴿ فِيهِ مِن شَيْءٍ ﴾ مِن أمْرٍ مِن أُمُورِ الدُّنْيا أوِ الدِّينِ.
﴿ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ ﴾ مُفَوَّضٌ إلَيْهِ يُمَيِّزُ المُحِقَّ مِنَ المُبْطِلِ بِالنَّصْرِ أوْ بِالإثابَةِ والمُعاقَبَةِ.
وقِيلَ: وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن تَأْوِيلٍ مُتَشابِهٍ فارْجِعُوا فِيهِ إلى المُحْكَمِ مِن كِتابِ اللَّهِ.
﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ﴾ في مَجامِعِ الأُمُورِ.
﴿ وَإلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ إلَيْهِ أرْجِعُ في المُعْضِلاتِ.
<div class="verse-tafsir"
{أَمِ اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ فالله هُوَ الولى} الفاء لجواب شرط مقدر كأنه قيل بعد انكار كل ولى سواء إن أرادوا أولياء بحق فالله هو الولي بالحق وهو الذي يجب أن يتولى وحده لاولى سواه {وهو يحيي الموتى وَهُوَ على كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} فهو الحقيق بأن يتخذ ولياً دون من لا يقدر على شيء
﴿ أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها مِنَ اِنْتِفاءِ أنْ يَكُونَ لِلظّالِمِينَ ولِيٌّ أوْ نَصِيرٌ وكَلامُ اَلْكَشّافِ يَوْمِي إلى أنَّهُ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: (واَلَّذِينَ اِتَّخَذُوا) إلَخْ عَلى مَعْنى دَعِ اَلِاهْتِمامَ بِشَأْنِهِمْ واقْطَعِ اَلطَّمَعَ في إيمانِهِمْ وكَيْتَ وكَيْتَ ألَيْسُوا اَلَّذِينَ اِتَّخَذُوا مَن دُونِ اَللَّهِ تَعالى أوْلِياءَ وهو سُبْحانَهُ اَلْوَلِيُّ اَلْحَقِيقِيُّ اَلْقادِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وعَدَلُوا عَنْهُ عَزَّ وجَلَّ إلّا ما لا نِسْبَةَ بَيْنَهُ تَعالى وبَيْنَهُ أصْلًا وإنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ ﴿ وكَذَلِكَ أوْحَيْنا ﴾ اَلْآيَةَ اِعْتِراضٌ مُؤَكَّدٌ لِمَضْمُونِ اَلْآيَتَيْنِ، و ﴿ أُمَّ ﴾ عَلى اَلْقَوْلَيْنِ مُنْقَطِعَةٌ وهي تُقَدَّرُ في اَلْأغْلَبِ بِبَلْ والهَمْزَةِ، وقَدَّرَها جَماعَةٌ هُنا بِهِما إلّا أنَّ بَلْ عَلى اَلْقَوْلِ اَلثّانِي لِلْإضْرابِ وعَلى اَلْقَوْلِ اَلْأوَّلِ لِلِانْتِقالِ مِن بَيانِ ما قَبْلَها إلى بَيانِ ما بَعْدَها، والهَمْزَةُ قِيلَ: لِإنْكارِ اَلْواقِعِ واسْتِقْباحِهِ، وقِيلَ: لا بَلْ لِإنْكارِ اَلْوُقُوعِ ونَفْيِهِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكِدِهِ إذِ اَلْمُرادُ بَيانُ أنَّ ما فَعَلُوا لَيْسَ اِتِّخاذَ اَلْأوْلِياءِ في شَيْءٍ لِأنَّ ذَلِكَ فَرْعُ كَوْنِ اَلْأصْنامِ أوْلِياءَ وهو أظْهَرُ اَلْمُمْتَنِعاتِ أيْ بَلِ اِتَّخَذُوا مُتَجاوِزِينَ اَللَّهَ تَعالى أوْلِياءَ مِنَ اَلْأصْنامِ وغَيْرِها ﴿ فاللَّهُ هو الوَلِيُّ ﴾ قِيلَ: هو جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ أيْ إنْ أرادُوا ولِيًّا بِحَقٍّ فاَللَّهُ تَعالى هو اَلْوَلِيُّ بِحَقٍّ لا ولِيَّ بِحَقٍّ سِواهُ عَزَّ وجَلَّ، وكَوْنُهُ جَوابَ اَلشَّرْطِ عَلى مَعْنى اَلْإخْبارِ ونَحْوِهِ.
وقالَ في اَلْبَحْرِ: لا حاجَةَ إلى اِعْتِبارِ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ والكَلامُ يَتِمُّ بِدُونِهِ، ولَعَلَّهُ يُرِيدُ ما قِيلَ: إنَّهُ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ وأنَّهُ تَعْلِيلٌ لِلْإنْكارِ اَلْمَأْخُوذِ مِنَ اَلِاسْتِفْهامِ كَقَوْلِكَ أتَضْرِبُ زَيْدًا فَهو أخُوكَ أيْ لا يَنْبَغِي لَكَ ضَرْبُهُ فَإنَّهُ أخُوكَ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ اَلْمَعْرُوفَ في مِثْلِهِ اِسْتِعْمالُهُ بِالواوِ وإنَّما يَحْسُنُ اَلتَّعْلِيلُ في صَرِيحِ اَلْإنْكارِ، ولا يُناسِبُ مَعْنى اَلْمُضِيِّ أيْضًا ﴿ وهُوَ يُحْيِي المَوْتى ﴾ أيْ شَأْنُهُ ذَلِكَ نَحْوَ فُلانٌ يَقْرِي اَلضَّيْفَ ويَحْمِي اَلْحَرِيمَ ﴿ وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ فَهو سُبْحانَهُ اَلْحَقِيقُ بِأنْ يُتَّخَذَ ولِيًّا فَلْيَخُصُّوهُ بِالِاتِّخاذِ دُونَ مَن لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ما أصْلًا.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ يعني: يتشققن، مِنْ فَوْقِهِنَّ يعني: تكاد أن يتشققن من قدرة الله، وهيبته.
يعني: من هيبة الرحمن، وجلاله، وعظمته.
قرأ ابن كثير، وابن عامر، وحمزة، وعاصم، في رواية حفص: تكاد السماوات بالتاء، بلفظ التأنيث، يَتَفَطَّرْنَ بالتاء بلفظ التأنيث.
وقرأ أبو عمرو، وعاصم، في رواية أبي بكر: تَكادُ بالتاء بلفظ التأنيث، ينفطرن بالنون.
وقرأ الباقون: بالياء بلفظ التذكير يَتَفَطَّرْنَ بالياء.
ثم قال: وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ يعني: يسبحونه، ويذكرونه، وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ يعني: للمؤمنين.
وروى داود بن قيس قال: دخلت على وهب بن منبه، فَسُئِلَ عن قوله: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا [غافر: 7] قال: للمؤمنين منهم.
وفي رواية أنه قال: نسختها الآية التي في سورة المؤمن حيث قال: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا [غافر: 7] .
وروى معمر عن قتادة قال: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ قال: للمؤمنين منهم.
قال أبو الليث رحمه الله: هذا الذي روي عن قتادة أصح، لأن النسخ في الأخبار لا يجوز، وإنما في الأمر، والنهي.
ثُمَّ قال: أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ لذنوبهم، الرَّحِيمُ بهم في الرزق.
ويقال: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ يعني: يسألون لهم الرزق.
قوله عز وجل: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ يعني: عبدوا مِن دُونِ الله أَوْلِياءَ يعني: أصناماً.
اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ يعني: يحفظ أعمالهم، ويقال: شهيد عليهم، وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ يعني: بمسلط، لتجبرهم على الإيمان.
وهذا قبل أن يؤمر بالقتال.
قوله عز وجل: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا يعني: هكذا أنزلنا عليك جبريل بالقرآن، ليقرأ عليك القرآن بلغتهم، ليفهموه.
لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى يعني: لتخوف بالقرآن أهل مكة، وَمَنْ حَوْلَها من البلدان، وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ يعني: لتنذرهم بيوم القيامة.
والباء محذوفة منه كما قال: لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً يعني: ببأس شديد.
وإنما سمي يوم الجمع، لأنه يجتمع فيه أهل السماء، وأهل الأرض كلهم، من الأولين والآخرين.
لاَ رَيْبَ فِيهِ يعني: يوم القيامة لا شك فيه أنه كائن.
فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وهم المؤمنون، وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ وهم الكافرون.
قوله تعالى: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً يعني: على ملة واحدة، وهو الإسلام.
وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ يعني: يكرم بدينه من يشاء، من كان أهلاً لذلك، ويدخله في الآخرة في رحمته.
أي: في جنته وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ يعني: الكافرين ليس لهم مانع يمنعهم من العذاب، ولا ناصر ينصرهم.
قوله تعالى: أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ يعني: عبدوا من دون الله أرباباً، فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ يعني: هو أولى أن يعبدوه.
ويقال: الله هو الولى.
يعني: هو الرب، وهو إله السموات، وإله الأرض.
ويقال: هو الولي لمصالحهم، ينزل المطر بعد المطر، وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى يعني: يحيهم بعد الموت.
ويقال: يحيي قلوبهم بالمعرفة، وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يعني: قادر على ما يشاء.
قوله تعالى: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ يعني: إذا اختلفتم في أمر الدين، فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ يعني: علمه عند الله، ذلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي يعني: الذي ذكر هو الله ربي، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ يعني: فوضت أمري إليه سبحانه، وَإِلَيْهِ أُنِيبُ يعني: أقبل إلى الله تعالى بالطاعة.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ ...
الآية، قوله: أَمِ اتَّخَذُوا: كلامٌ مقطوعٌ مِمَّا قَبْلَهُ، وليستْ بمعادلةٍ، ولكنَّ الكلام كأَنَّه أَضْرَبَ عن حُجَّةٍ لهم أو مقالةٍ مُقَرَّرَةٍ، فقال: بَلِ اتخذوا هذا مشهورُ قولِ النَّحْوِيِّينَ في مِثْلِ هذا، وذهب بعضهم إلى أَنَّ «أم» هذه هي بمنزلة ألف الاستفهام دون تقدير إضرابٍ، ثم أثبت الحكم بأنّه عز وجل هو الوليُّ الذي تنفع ولايته.
وقوله تعالى: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ...
الآية، المعنى: قل لهم يا محمَّد: وما اختلفتم فيه، أَيُّها الناس، مِنْ تكذيبٍ وتصديقٍ، وإيمانٍ وكفرٍ، وغَيْرِ ذلك فالحُكْمُ فيه والمجازاةُ عنه لَيْسَتْ إلَيَّ ولا بيدي وإنَّما ذلك إلى اللَّه تعالى، الذي صفاته ما ذُكِرَ من إحياء الموتى والقدرة على كل شيء.
وقوله تعالى: جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً يريد: زوجَ الإنسان الأنثى، وبهذه/ النعمة اتفق الذرء، وليست الأزواج هاهنا الأنواع.
وقوله: وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً الظاهر أيضاً فيه والمُتَّسِقُ أَنَّهُ يريد إناث الذَّكْرَان، ويحتمل أنْ يريد الأنواع، والأوَّل أظهر.
وقوله: يَذْرَؤُكُمْ أي: يخلقكم نسلاً بعد نَسْلٍ، وقرناً بعد قَرْنٍ قاله مجاهد والناس، فلفظة «ذرأ» تزيد على لفظة «خلق» معنى آخرَ ليس في «خلق» ، وهو توالي طبقات على مَرِّ الزمان.
وقوله: فِيهِ الضمير عائد على الجَعْلِ يتضمَّنه قوله: جَعَلَ لَكُمْ وهذا كما تقول: كَلَّمْتُ زَيْداً كلاماً أكرمته فيه، وقال القُتَبِيُّ: الضمير للتزْوِيجِ، ولفظة «في» مشتركة على معانٍ، وإنْ كان أصلها الوعاء، وإليه يردها النظر في كل وجه.
وقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ الكاف مؤكِّدة للتشبيه، فنفي التشبيه أوكَدُ مَا يكُونُ وذلك أَنّك تقول: زيدٌ كعمرو، وزيْدٌ مِثْلُ عمرو، فإذا أردتَ المبالغة التامَّة قلتَ:
زيدٌ كَمِثْلِ عَمْرٍو، وجرتِ الآية في هذا الموضع على عُرْفِ كلامِ العَرَبِ، وعلى هذا المعنى
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ ﴾ أيْ: ومِثْلَ ما ذَكَرْنا ﴿ أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ﴾ لِيَفْهَمُوا مافِيهِ ﴿ لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ﴾ يَعْنِي مَكَّةَ، والمُرادُ: أهْلُها، ﴿ وَتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ ﴾ أيْ: وتُنْذِرَهم يَوْمَ الجَمْعِ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، يَجْمَعُ اللَّهُ فِيهِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ وأهْلَ السَّمَواتِ والأرَضِينَ ﴿ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ أيْ: لا شَكَّ في هَذا الجَمْعِ أنَّهُ كائِنٌ، ثُمَّ بَعْدَ الجَمْعِ يَتَفَرَّقُونَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ ﴾ .
ثُمَّ ذَكَرَ سَبَبَ افْتِراقِهِمْ فَقالَ: ﴿ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً ﴾ أيْ: عَلى دِينٍ واحِدٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى ﴾ ﴿ وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ ﴾ أيْ: في دِينِهِ ﴿ والظّالِمُونَ ﴾ وهُمُ الكافِرُونَ ﴿ ما لَهم مِن ولِيٍّ ﴾ يَدْفَعُ عَنْهُمُ العَذابَ ﴿ وَلا نَصِيرٍ ﴾ يَمْنَعُهم مِنهُ.
﴿ أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ ﴾ أيْ: بَلِ اتَّخَذَ الكافِرُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ﴿ أوْلِياءَ ﴾ يَعْنِي آلِهَةً يَتَوَلَّوْنَهم ﴿ فاللَّهُ هو الوَلِيُّ ﴾ أيْ: ولِيُّ أوْلِيائِهِ، فَلْيَتَّخِذُوهُ ولِيًّا دُونَ الآلِهَةِ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ولِيُّكَ يا مُحَمَّدُ ووَلِيُّ مَنِ اتَّبَعَكَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ اللهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ﴾ ﴿ وَكَذَلِكَ أوحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ومَن حَوْلَها وتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَعِيرِ ﴾ ﴿ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ والظالِمُونَ ما لَهم مَن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ ﴾ ﴿ أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ فاللهُ هو الوَلِيُّ وهو يُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ هَذِهِ آيَةُ تَسْلِيَةٍ لِلنَّبِيِّ ، ووَعِيدٍ لِلْكُفّارِ، وإزالَةٍ عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ جَمِيعَ الكَلَفِ سِوى التَبْلِيغِ فَقَطْ، لِئَلّا يَهْتَمُّ بِعَدَمِ إيمانِ قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ، فَقالَ تَعالى لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الأصْنامَ والأوثانَ أولِياءَ مَن دُونِ اللهِ، اللهُ هو الحَفِيظُ عَلَيْهِمْ كَفَّرَهُمُ، المُحْصِي لِأعْمالِهِمِ، المُجازِي لَهم عَلَيْها بِعَذابِ الآخِرَةِ، وأنْتَ فَلَسْتَ بِوَكِيلٍ عَلَيْهِمْ ولا مُلازِمٍ لِأمْرِهِمْ حَتّى يُؤْمِنُوا، و"الوَكِيلُ": المُقِيمُ عَلى الأمْرِ، وما في هَذا اللَفْظِ مِن مُوادَعَةٍ فَهو مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَيْفِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ أوحَيْنا إلَيْكَ ﴾ ، أيْ: وكَما قَضَيْنا أمْرَكَ هَكَذا وأمْضَيْناهُ في هَذِهِ الصُورَةِ، كَذَلِكَ أوحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا مُبَيِّنًا لَهُمْ، لا يَحْتاجُونَ مَعَهُ إلى آخَرَ سِواهُ؛ إذْ فَهْمُهُ مُتَأتٍّ لَهُمْ، ولَمْ يُكَلِّفْكَ إلّا إنْذارَ مَن ذُكِرَ، و"أُمُّ القُرى" هي مَكَّةُ، والمُرادُ أهْلُ مَكَّةَ، ولِذَلِكَ عَطَفَ "مَن" عَلَيْها، وهي في الأغْلَبِ لِمَن يَعْقِلُ، و"يَوْمَ الجَمْعِ" هو يَوْمُ القِيامَةِ، واقْتَصَرَ في "تُنْذِرَ" عَلى المَفْعُولِ الأوَّلِ لِأنَّ المَعْنى: وتُنْذَرُ أُمُّ القُرى العَذابَ وتُنْذِرُ الناسَ يَوْمَ الجَمْعِ، لِاجْتِماعِ أهْلِ الأرْضِ بِأهْلِ السَماءِ، أو لِاجْتِماعِ بَنِي آدَمَ لِلْعَرْضِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ أيْ في نَفْسِهِ وذاتِهِ، وارْتِيابُ الكُفّارِ بِهِ لا يُقَيِّدُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَرِيقٌ" مُرْتَفِعٌ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ المُضْمَرِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: هم فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَعِيرِ.
ثُمَّ قَوّى تَبارَكَ وتَعالى تَسْلِيَةَ نَبِيِّهِ بِأنْ عَرَّفَهُ أنَّ الأمْرَ مَوْقُوفٌ عَلى مَشِيئَةِ اللهِ مِن إيمانِهِمْ أو كُفْرِهِمْ، وأنَّهُ لَوْ أرادَ كَوْنَهم أُمَّةً واحِدَةً لَجَمَعَهم عَلَيْهِ، ولَكِنَّهُ يُدْخِلُ مَن سَبَقَتْ لَهُ السَعادَةُ عِنْدَهُ في رَحْمَتِهِ، ويُيَسِّرُهُ في الدُنْيا لِعَمَلِ أهْلِ السَعادَةِ، وإنَّ الظالِمِينَ بِالكُفْرِ المُيَسَّرِينَ لِعَمَلِ الشِقْوَةِ ما لَهم مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "أمِ اتَّخَذُوا" ﴾ كَلامٌ مُنْقَطِعٌ مِمّا قَبْلَهُ، ولَيْسَتْ مُعادَلَةً، ولَكِنَّ الكَلامَ كَأنَّهُ أضْرَبَ عن حُجَّةٍ لَهم أو مُقالَةٍ مُقَرَّرَةٍ، فَقالَ: بَلِ اتَّخَذُوا، هَذا مَشْهُورُ قَوْلِ النَحْوِيِّينَ في مِثْلِ هَذا، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ "أمْ" هَذِهِ هي بِمَنزِلَةِ ألْفِ الِاسْتِفْهامِ دُونَ تَقْدِيرِ إضْرابٍ، ثُمَّ أثْبَتَ تَعالى الحُكْمَ بِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ هو الوَلِيُّ الَّذِي تَنْفَعُ وِلايَتَهُ، وأنَّهُ هو الَّذِي يُحْيِي المَوْتى ويَحْشُرُهم إلى الآخِرَةِ ويَبْعَثُهم مِن قُبُورِهِمْ، وأنَّ قُدْرَتَهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ تُعْطِي هَذا وتَقْتَضِيهِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أمْ ﴾ للإضراب الانتقالي كما يقال: دَع الاهتمامَ بشأنهم وإنذارَهم ولنعُدْ إلى فظاعة حالهم في اتخاذهم من دون الله أولياء.
وتُقَدَّر بعد ﴿ أمْ ﴾ همزة استفهام إنكاري.
فالمعنى: بل أأتخذوا من دونه أولياء، أي أتوا منكراً لَمَّا اتخذوا من دونه أولياء.
فضمير ﴿ اتخذوا ﴾ عائد إلى ﴿ الذين اتخذوا من دونه أولياء ﴾ [الشورى: 6] في الجملة السابقة.
والفاء في قوله: ﴿ فالله هو الولي ﴾ فاء جواببٍ لشرط مقدر دلّ عليه مقام إنكار اتخاذِهم أولياء من دون الله، لأن إنكار ذلك يقتضي أن أولياءهم ليست جديرة بالوَلاية، وأنهم ضلّوا في ولايتهم إياها، فنشأ تقدير شرط معناه: إنْ أرادوا وَليًّا بحقَ فالله هوَ الوليّ.
قال السكاكي في «المفتاح»: وتقديرُ الشرط لقرائننِ الأحوال غيرُ ممتنع قال تعالى: ﴿ فَلَمْ تقتلوهم ولكنّ الله قتلَهم ﴾ [الأنفال: 17] على تقدير إن افتخرتم بقتلهم فلم تقتلوهم، وقال ﴿ فالله هو الولي ﴾ على تقدير: إن أرادوا وليًّا بحق فالله هو الوليّ بالحق لا وليّ سواه.
والمراد بالوِلاية في قوْله ﴿ أم اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولي ﴾ ، وِلايةُ المعبودية، فأفاد تعريفُ المسند في قوله: ﴿ فالله هو الولي ﴾ قصرَ جنس الولي بهذا الوصف على الله، وإذ قد عبدوا غير الله تعيّن أن المراد قصرُ الوِلاية الحَقّ عليه تعالى.
وأفاد ضمير الفصل في قوله: ﴿ فالله هو الولي ﴾ تأكيدَ القصر وتحقيقَه وأنه لا مبالغة فيه تذكيراً بأن الولاية الحقَّ في هذا الشأن مختصة بالله تعالى.
وهذا كلّه مسوق إلى النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين تسلية وتثبيتاً وتعريضاً بالمشركين فإنهم لا يَخلُون من أن يسمعوه.
وعطفُ ﴿ وهو يحيي الموتى ﴾ على جملة ﴿ فالله هو الولي ﴾ إدماج لإعادة إثبات البعث ترسِيخاً لعلم المسلمين وإبلاغاً لمسامع المنكرين لأنّهم أنكروا ذلك في ضمن اتخاذهم أولياء من دون الله، فلمّا أُبطل معتقدهم إلهية غير الله أُردف بإبطال ما هو من علائق شركهم وهو نفي البعث، وليس ذلك استدلالاً عليهم لإبطال إلهاية آلهتهم لأن وقوع البعث مجحود عندهم.
فأما عطف جملة ﴿ وهو على كل شيء قدير ﴾ فهو لإثبات هذه الصفة لله تعالى تذكيراً بانفراده بتمام القدرة، ويفيد الاستدلال على إمكان البعث قال تعالى: ﴿ وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه ﴾ [الروم: 27]، ويفيد الاستدلالَ على نفي الإلهاية عن أصنامهم لأن من لا يَقْدر على كل شيء لا يصلح للإلهاية: قال تعالى: ﴿ أفَمَنْ يخلُق كمَن لا يخلق ﴾ [النحل: 17] وقال: ﴿ لا يخلقون شيئاً وهم يُخْلَقون ﴾ [النحل: 20] وقال ﴿ وإنْ يسلِبْهم الذُّبابُ شيئاً لا يستنقذوه منه ﴾ [الحج: 73].
والغرض من هذا تعريض بإبلاغه إلى مسامع المشركين.
ولما كان المقصود إثباتَ القدرة لله تعالى عطفت الجملة على التي قبلها لأنها مثلُها في إفادة الحكم، وكانت إفادة التعليل بها حاصلة من مَوقعها عقبَها، ولو أريد التعليل ابتداءً لفُصلت الجملة ولم تعطف.
(10) ﴿ لله قَدِيرٌ * وَمَا اختلفتم فِيهِ مِن شَئ فَحُكْمُهُ إِلَى الله ذَلِكُمُ الله رَبِّى عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ .
﴿ قَدِيرٌ * وَمَا اختلفتم فِيهِ مِن شَئ فَحُكْمُهُ إِلَى الله ذَلِكُمُ الله رَبِّى عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ .
يجوز أن يكون هذا تكملة للاعتراض فيكون كلاماً موجهاً من الله تعالى إلى النّاس.
ويجوز أن يكون ابتداء كلام متصلاً بقوله: ﴿ ذلاكم الله ربّي عليه توكلت ﴾ ، ﴿ فحكمه إلى الله ﴾ تعيَّن أن يكون مجمُوع هذا الكلام لمتكلممٍ واحد، لأن ضمائر ﴿ ربي ﴾ ، و ﴿ توكلتُ ﴾ ، و ﴿ أنيب ﴾ ضمائره، وتلك الضمائر لا تصلح أن تعود إلى الله تعالى.
ولا حظَّ في سياق الوحي إلى أحد سوى النبي صلى الله عليه وسلم فتعين تقدير فعل أمرٍ بقوللٍ يَقوله النبي صلى الله عليه وسلم والجملة معطوفة على الجمل التي قبلها لأن الكلام موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإلى المسلمين.
والواو عاطفة فِعل أمر بالقول، وحَذْفُ القول شائع في القرآن بدلالة القرائن لأن مادة الاختلاف مشعرة بأنه بين فريقين وحالة الفريقين مشعرة بأنه اختلاف في أمور الاعتقاد التي أنكرها الكافرون من التوحيد والبعثثِ والنفع والإضرار.
و ﴿ من شيء ﴾ بيان لإبهام ﴿ ما ﴾ ، أيْ أيُّ شيء اختلفتم فيه، والمراد: من أشياء الدّين وشؤون الله تعالى.
وضمير ﴿ فحكمه ﴾ عائد إلى ﴿ مَا اختلفتم ﴾ على معنى: الحكمُ بينكم في شأنه إلى الله.
والمعنى: أنه يتضح لهم يوم القيامة المحقّ من المبطل فيما اختلفوا فيه حين يرون الثواب للمؤمنين والعقاب للمشركين، فيعلَم المشركون أنهم مبطلون فيما كانوا يزعمون.
و ﴿ إلى الله ﴾ خبر عن (حُكْمُهُ).
و ﴿ إلى ﴾ للانتهاء وهو انتهاء مجازي تمثيلي، مُثِّل تأخيرُ الحكم إلى حلول الوقت المعيَّن له عند الله تعالى بسير السائر إلى أحد يَنزل عنده.
ولا علاقة لهذه الآية باختلاف علماء الأمة في أصول الدّين وفروعه لأن ذلك الاختلافَ حكمه منوط بالنظر في الأدلة والأقيسة صحةً وفساداً فإصدار الحكم بين المصيب والمخطئ فيها يسيرٌ إن شاء النّاس التداول والإنصاف.
وبذلك توصل أهل الحق إلى التمييز بين المصيب والمخطئ، ومراتببِ الخطأ في ذلك، على أنّه لا يناسب سياق الآيات سابِقها وتاليها ولا أغراضَ السور المكية.
وقد احتج بهذه الآية نفاة القياس، وهو احتجاج لا يرتضيه نطَّاس.
﴿ الله ذَلِكُمُ الله رَبِّى عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ ﴾ .
يجوز أن تكون الجملة مقول قول محذوف يدلّ عليه قوله: ﴿ لتنذر أمّ القرى ﴾ [الشورى: 7] الآية، فتكون كلاماً مستأنفاً لأن الإنذار يقتضي كلاماً منذراً به، ويجوز أن تكون متصلة بجملة ﴿ وما اختلفتم فيه من شيء ﴾ تكملة للكلام الموجه من الله ويكون في قوله: ﴿ ربي ﴾ التفاتاً من الخطاب إلى التكلم، والتقدير: ذلكم الله ربّكم، وتكون جملتا ﴿ عليه توكلت وإليه أنيب ﴾ معترضتين.
والإشارةُ لتمييز المشار إليه وهو المفهوم مِن ﴿ فحكمه إلى الله ﴾ .
وهذا التمييز لإبطال التباس ماهية الإلهياة والربوبية على المشركين إذ سموا الأصنام آلهة وأرباباً.
وأوثر اسم الإشارة الذي يستعمل للبعيد لقصد التعظيم بالبعد الاعتباري اللازم لِلسموّ وشرف القدْر، أي ذلكم الله العظيمُ.
ويُتوصل من ذلك إلى تعظيم حكمه، فالمعنى: الله العظيم في حكمه هُو ربّي الذي توكلت عليه فهو كافيني منكم.
والتوكل: تفعل من الوَكْل، وهو التفويض في العَمل، وتقدم عند قوله تعالى، ﴿ فإذا عزمتَ فتوكّل على الله ﴾ في سورة آل عمران (159).
والإنابة: الرجوع، والمراد بها هنا الكناية عن ترك الاعتماد على الغير لأن الرجوع إلى الشيء يستلزم عدم وجود المطلوب عند غيره، وتقدمت الإنابة عند قوله تعالى: ﴿ إن إبراهيم لحليمٌ أوّاهٌ منيبٌ ﴾ في سورة هود (75).
وجيء في فعل ﴿ توكلت ﴾ بصيغة الماضي وفي فعل ﴿ أنيب ﴾ بصيغة المضارع للإشارة إلى أن توكله على الله كان سابقاً من قبل أن يظهر له تنكر قومه له، فقد صادف تنكرُهم منه عبداً متوكلاً على ربّه، وإذا كان توكله قد سبق تنكُّرَ قومه فاستمراره بعد أن كشّروا له عن أنياب العدوان محقق.
وأما فعل ﴿ أنيب ﴾ فجيء فيه بصيغة المضارع للإشارة إلى تجدد الإنابة وطلب المغفرة.
ويعلم تحققها في الماضي بمقارنتها لجملة ﴿ عليه توكلت ﴾ لأن المتوكل منيب، ويجوز أن يكون ذلك من الاحتباك.
والتقدير: عليه توكلت وأتوكل وإليه أنْبت وأنيب.
وتقديم المتعلِّقين في ﴿ عليه توكلت وإليه أنيب ﴾ لإفادة الاختصاص، أي لا أتوكّل إلا عليه ولا أنيب إلا إليه.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا ﴾ يَعْنِي ذُكُورًا وإناثًا.
﴿ وَمِنَ الأنْعامِ أزْواجًا ﴾ يَعْنِي ذُكُورًا وإناثًا.
﴿ يَذْرَؤُكم فِيهِ ﴾ وفِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَخْلُقُكم فِيهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: يُكْثِرُ نَسْلَكم فِيهِ، قالَهُ الفَرّاءُ.
الثّالِثُ: يُعَيِّشُكم فِيهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الرّابِعُ: يَرْزُقُكم فِيهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الخامِسُ: يَبْسُطُكم فِيهِ، قالَهُ قُطْرُبٌ.
السّادِسُ: نَسْلًا مِن بَعْدِ نَسْلٍ مِنَ النّاسِ والأنْعامِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَيْسَ كَمِثْلِ الرَّجُلِ والمَرْأةِ شَيْءٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ.
الثّانِي: لَيْسَ كَمِثْلِ اللَّهِ شَيْءٌ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَيْسَ مِثْلُهُ شَيْءٌ والكافُ زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، قالَ الشّاعِرُ سَعْدُ بْنُ زَيْدٍ إذا أبْصَرْتَ فَضْلَهم ما إنَّ كَمِثْلِهِمْ في النّاسِ مِن أحَدٍ الثّانِي: لَيْسَ شَيْءٌ، والمِثْلُ زائِدٌ لِلتَّوْكِيدِ، قالَهُ ثَعْلَبٌ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: خَزائِنُ السَّماواتِ والأرْضِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: مَفاتِيحُ السَّماواتِ والأرْضِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ.
ثُمَّ فِيهِما قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المَفاتِيحُ بِالفارِسِيَّةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّهُ عَرَبِيٌّ جَمْعٌ واحِدُهُ إقْلِيدٌ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
وَفِيما هو مَفاتِيحُ السَّماواتِ والأرْضِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ مَفاتِيِحَ السَّماءِ المَطَرُ ومَفاتِيحَ الأرْضِ النَّباتُ.
الثّانِي: أنَّها مَفاتِيحُ الخَيْرِ والشَّرِّ.
الثّالِثُ: أنَّ مَقالِيدَ السَّماءِ الغُيُوبُ، ومَقالِيدَ الأرْضِ الآفاتُ.
الرّابِعُ: أنَّ مَقالِيدَ السَّماءِ حُدُوثُ المَشِيئَةِ، ومَقالِيدَ الأرْضِ ظُهُورُ القُدْرَةِ.
الخامِسُ: أنَّها قَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ واللَّهُ أكْبَرُ وسُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ، وأسْتَغْفِرُ اللَّهَ ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ، هو الأوَّلُ والآخِرُ والظّاهِرُ والباطِنُ، بِيَدِهِ الخَيْرُ يُحْيِي ويُمِيتُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، رَواهُ ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَهُ وعَلَّمَهُ لِعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ وقَدْ سَألَهُ عَنْ مَقالِيدِ السَّماءِ والأرْضِ.
﴿ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يُوَسِّعُ ويُضَيِّقُ.
الثّانِي: يُسَهِّلُ ويُعَسِّرُ.
﴿ إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ مِنَ البَسْطِ والقُدْرَةِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج الطبراني، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: كنا نقرأ هذه الآية ﴿ تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما، ﴿ تكاد السماوات ينفطرن من فوقهن ﴾ قال: ممن فوقهن، وقرأها خصيف بالتاء المشددة.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه، ﴿ تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن ﴾ قال: من عظمة الله تعالى وجلاله!
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن ﴾ قال: من الثقل.
وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويستغفرون لمن في الأرض ﴾ قال: الملائكة عليهم السلام، يستغفرون للذين آمنوا.
وأخرج أبو عبيد، وابن المنذر، عن إبراهيم، قال: كان أصحاب عبدالله، يقولون: الملائكة خير من ابن الكواء، يسبحون بحمد ربهم، ويستغفرون لمن في الأرض، وابن الكواء يشهد عليهم بالكفر.
وأخرج ابن جرير، عن السدي رضي الله عنه ﴿ وتنذر يوم الجمع ﴾ قال: يوم القيامة.
قوله تعالى: ﴿ فريق في الجنة وفريق في السعير ﴾ .
وأخرج أحمد، والترمذي، وصححه، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه، عن عبد الله بن عمرو، رضي الله عنه، قال: «خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي يده كتابان، فقال: أتدرون ما هذان الكتابان؟
قلنا لا، ألا أن تخبرنا يا رسول الله، قال: للذي في يده اليمنى، هذا كتاب من رب العالمين بأسماء أهل الجنة، وأسماء آبائهم، وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم، فلا يزاد فيهم، ولا ينقص منهم، ثم قال للذي في شماله، هذا كتاب من رب العالمين، بأسماء أهل النار، وأسماء آبائهم، وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم، فلا يزاد فيهم، ولا ينقص منهم أبداً فقال أصحابه: ففيم العمل يا رسول الله إن كان قد فرغ منه؟
فقال: سددوا، وقاربوا، فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة، وإن عمل أي عمل ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بيديه فنبذهما، ثم قال: فرغ ربكم من العباد ﴿ فريق في الجنة وفريق في السعير ﴾ » .
وأخرج ابن مردويه، عن البراء بن عازب رضي الله عنه، قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، في يده كتاب ينظر فيه قال: «انظروا إليه كيف، وهو أمي لا يقرأ، قال: فعلمها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: هذا كتاب من رب العالمين، بأسماء أهل الجنة، وأسماء آبائهم، وقبائلهم، لا يزاد فيهم، ولا ينقص منهم، وقال: ﴿ فريق في الجنة، وفريق في السعير ﴾ فرغ ربكم من أعمال العباد» .
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَمِ اتخذوا ﴾ أم منقطعة، والأولياء هنا المعبودون من دون الله.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ يوحي ﴾ على البناء للمفعول: ابن كثير وعباس ﴿ يكاد ﴾ بالياء التحتانية: نافع وعلي ﴿ تنفطرن ﴾ بالنون: أبو عمرو وسهل ويعقوب وأبو بكر وحماد والمفضل ﴿ إبراهام ﴾ كنظائره.
﴿ يبشر الله ﴾ مخففاً من البشارة: ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعلي.
الوقوف: ﴿ حم عسق ﴾ كوفي ﴿ من قبلك ﴾ ط لمن قرأ ﴿ يوحى ﴾ مجهولاً كأنه قيل: من الموحي فقال الله أي هو الله ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ لمن في الأرض ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ عليهم ﴾ ز والوصل أوجه لأن نفي ما بعده تقرير لإثبات ما قبله ﴿ بوكيل ﴾ ه ﴿ لا ريب فيه ﴾ ط ﴿ السعير ﴾ ه ﴿ رحمته ﴾ ط ﴿ نصير ﴾ ه ﴿ أولياء ﴾ ج للفصل بين الاستخبار والأخبار مع دخول الفاء ﴿ الموتى ﴾ ط فصلاً بين المقدور المخصوص وبين القدرة على العموم مع اتفاق الجملتين ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ إلى الله ﴾ ط ﴿ أنيب ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ أزواجاً ﴾ الثاني ط لأن ضمير ﴿ فيه ﴾ يحتمل أن يعود إلى الازدواج الذي في مدلول الأزواج أو إلى التدبير وإن لم يسبق ذكره ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ شيء ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ البصير ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال والعامل معنى الفعل في له أو في الملك.
﴿ ويقدر ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ إليه ﴾ ط ﴿ ينيب ﴾ ه ﴿ بينهم ﴾ ط كذلك ما بعده ط ﴿ مريب ﴾ ه ﴿ فادع ﴾ ج ﴿ كما أمرت ﴾ ج ﴿ أهواءهم ﴾ ج ﴿ كتاب ﴾ ج كل ذلك للترتيل في القراءة وإن اتفقت الجملتان ﴿ بينكم ﴾ ط ﴿ وربكم ﴾ ط ﴿ أعمالكم ﴾ ط ﴿ وبينكم ﴾ ط ﴿ بيننا ﴾ ج ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ شديد ﴾ ه ﴿ والميزان ﴾ ط ﴿ قريب ﴾ ه ﴿ بها ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ منها ﴾ ج للعطف أو الحال ﴿ الحق ﴾ ط ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ من يشاء ﴾ ج لاحتمال عطف وهو على جملة قوله ﴿ الله لطيف ﴾ وهما متفقتان ﴿ العزيز ﴾ ه ﴿ في حرثه ﴾ ج لعطف جملتي الشرط ﴿ نصيب ﴾ ه ﴿ به الله ﴾ ط ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ بهم ﴾ ط ﴿ الجنات ﴾ ط لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ ربهم ﴾ ط ﴿ الكبير ﴾ ه ﴿ الصالحات ﴾ ط ﴿ في القربى ﴾ ط ﴿ حسناً ﴾ ط ﴿ شكور ﴾ ه.
التفسير: الكلام في ﴿ حم ﴾ كما سبق وأما ﴿ عسق ﴾ فقد قيل: إنه مع ﴿ حم ﴾ اسم للسورة.
وقيل: رموز إلى فتن كان عليّ يعرفها.
وقيل: الحاء حكم الله، والميم ملكه، والعين علمه، والسين سناؤه، والقاف قدرته.
وقيل: الحاء حرب علي ومعاوية، والميم ولاية المروانية، والعين ولاية العباسية، والسين ولاية السفيانية، والقاف قدرة المهدي.
وهذه الأقاويل مما لا معول عليها.
وقال أهل التصوف: حاء حبه، وميم محبوبية محمد، وعين عشقه، وقاف قربه إلى سيده.
أقسم أنه يوحي إليه وإلى سائر الأنبياء من قبله أنه محبوبه في الأزل وبتبعيته خلق الكائنات.
والأولى تفويض علمها إلى الله كسائر الفواتح.
وإنما فصل ﴿ حم ﴾ من ﴿ عسق ﴾ حتى عدا آيتين خلاف ﴿ كهيعص ﴾ لتقدم ﴿ حم ﴾ قبله واستقلالها بنفسها، ولأن جميعها ذكر الكتاب بعدها صريحاً إلا هذه فإنها دلت عليه دلالة التضمن بذكر الوحي الذي يرجع إلى الكتاب.
روي عن ابن عباس أنه لا نبي صاحب كتاب إلا أوحى الله إليه ﴿ حم عسق ﴾ والله أعلم بصحة هذه الرواية.
والأظهر أن يقال: مثل الكتاب المسمى بحم عسق يوحي الله إليك وإلى الأنبياء قبلك.
والمراد المماثلة في أصول الدين كالتوحيد والعدل والنبوة والمعاد وتقبيح أحوال الدنيا والترغيب في الآخرة كقوله ﴿ إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى ﴾ وفي ورود لفظ ﴿ يوحى ﴾ مستقبلاً لا ماضياً إشارة إلى أن إيحاء مثله عادته.
ثم بين سعة ملكه وأخبر عن غاية جلاله بقوله ﴿ له ما في السموات ﴾ الخ.
ثم أخبر عن فظاعة ما ارتكبه أهل الشرك فقال ﴿ تكاد السموات يتفطرن ﴾ وقد سبق في آخر سورة مريم.
ومعنى ﴿ من فوقهن ﴾ أن الانفطار يبتدىء من أعلى السموات أو ما فوقها من العرش والكرسي إلى أن ينتهي إلى السفلي، وفي الابتداء من جهة الفوق زيادة تفظيع وتهويل.
قال جار الله: كأنه قيل يتفطرن من الجهة التي فوقهن دع الجهة التي تحتهن.
وقيل: معناه من الجهة التي حصلت هذه السموات فيها وفيه ضعف لأنه كقول القائل: السماء فوقنا.
وقيل: الضمير للأرض وقد تقدم ذكرها أي من فوق الأرضين وروى عكرمة عن ابن عباس: يتفطرن من ثقل الرحمن.
فإن صحت الرواية كان في الظاهر دليل المجسمة.
ولأهل السنة أن يتأولوا الثقل بالهيبة والجلال أو يقدروا مضافاً محذوفاً أي من ثقل ملائكة الرحمن كقوله "أطت السماء أطأ وحق لها أن تئط ما فيها موضع شبر إلا وفيه ملك قائم أو راكع أو ساجد." ثم انتقل من وصف الجسمانيات إلى ذكر الروحانيات، وأنهم بالوجه الذي لهم إلى عالم الأرواح يسبحون بالوجه الذي لهم إلى عالم الأجسام يستغفرون فقال ﴿ والملائكة ﴾ قيل: هو عام.
وقيل: حملة العرش كما مر في أول سورة المؤمن إلا أنه عمم ههنا فقال ﴿ لمن في الأرض ﴾ أي يطلبون أن لا يعاجل الله أهل الأرض بالعذاب طمعاً في توبة الكفار والفساق منهم.
وقيل: هو مخصوص بما مر أي يستغفرون للمؤمنين منهم.
ثم سلى نبيه بأن المشركين إنما يحاسبهم الله وما عليك إلا البلاغ.
قوله ﴿ وكذلك أوحينا ﴾ قال ابن بحر: هو الكلام الأول أعيد لما اعترض بين الكلامين ما اعترض.
وقال جار الله: الكاف مفعول به لأوحينا، ﴿ وذلك ﴾ إشارة إلى المذكور قبله من أن الله هو عليهم الرقيب وما أنت عليهم برقيب.
وقد كرر الله هذا المعنى في كتابه في مواضع.
﴿ وقرآناً عربياً ﴾ حال.
والمعنى مثل ذلك المذكور أوحينا إليك وهو قرآن عربي بين لا لبس فيه ليفهم معناه ولا يتجاوز حد الإنذار.
ويجوز أن يكون ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى الإيحاء أي كما أوحينا إلى الرسل قبلك وأوحينا إليك، فيجوز أن تكون المماثلة بالحروف المفردة وأن تكون بأصول الدين كما مر.
قال أهل اللغة: يقال أنذرته كذا وبكذا.
فمن الاستعمال الثاني قوله ﴿ لتنذر أم القرى ﴾ أي أهل مكة على حذف المضاف، والمفعول الثاني وهو القرآن محذوف.
ومن الاستعمال الأول قوله ﴿ وتنذر يوم الجمع ﴾ والمفعول الأول محذوف وتنذر الناس يوماً تجمع فيه الخلائق أو يجمع فيه بين الأرواح والأجساد أو بين كل عامل وعمله.
قلت: ومن الجائز أن يكون الكل من الاستعمال الأول ولا حذف إلا ان قوله ﴿ وتنذر ﴾ يكون مكرراً للمبالغة والتقدير الأصلي: لتنذر أم القرى يوم الجمع.
وقد مر في القصص في قوله ﴿ حتى يبعث في أمها ﴾ أن مكة لم سميت أم القرى.
وقوله ﴿ ومن حولها ﴾ يحتمل عموم أطراف الأرض لأن مكة في وسطها، ويحتمل أن يكون المراد به سائر جزيرة العرب ويدخل باقي الأمم بالتبعية أو بنص آخر كقوله ﴿ وما أرسلناك إلا كافة للناس ﴾ وقوله ﴿ لا ريب فيه ﴾ اعتراض لا محل له أو صفة للجمع بناء على أن التعريف الجنسي قريب من النكرة.
وقوله ﴿ فريق ﴾ مبتدأ محذوف الخبر أي منهم فريق كذا ومنهم فريق كذا، أي هذا مآل حالهم بعد الحشر والاجتماع.
ثم بين بقوله ﴿ ولو شاء الله ﴾ الخ.
أن السعادة والشقاوة والهداية والضلالة متعلق بمشيئته وإرادته.
وهذا على مذهب أهل السنة ظاهر، وتأوله المعتزلة بمشيئة القسر والإلجاء، وقد مر نظائره مراراً.
والظاهر أن المراد بكونهم أمة واحدة أن يكونوا مسلمين كلهم.
وقيل: أن يكونوا أهل ضلالة قياساً على قوله ﴿ ولولا أن يكون الناس أمة واحدة ﴾ ثم أنكر على أهل الشرك بأم المنقطعة قائلاً ﴿ أم اتخذوا من دونه أولياء ﴾ إن أرادوا أولياء بحق ﴿ فالله هو الولي ﴾ الذي يجب أن يعتقد أنه المولى والسيد لا ولي سواه ومن شأنه أنه ﴿ يحيي الموتى وهو على كل شيء قدير ﴾ وهو الحقيق بأن يتخذ ولياً.
وحين منع الرسول من التحزن على من كفر أراد أن يمنع المؤمنين من الاختلاف والتنازع فقال ﴿ وما اختلفتم ﴾ والتقدير: قل يا محمد كذا بدليل قوله ﴿ ذلكم الله ربي ﴾ الآية.
والمراد أن الذي اختلفتم أنتم والكفرة فيه من أمور الدين فحكم ذلك المختلف فيه مفوض إلى الله وهو إثابة المحقين ومعاقبة المبطلين.
وقيل: وما اختلفتم فيه فتحاكموا إلى رسول الله كقوله ﴿ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ﴾ وقيل: وما اختلفتم فيه من الآيات المتشابهات فارجعوا في بيانه إلى المحكمات أو إلى الظاهر من السنة.
وقيل: ما وقع بينكم الخلاف فيه من العلوم التي لا تتصل بالتكاليف فقولوا: الله أعلم كمعرفة الروح وغيره.
قال في الكشاف: ولا يندرج فيه اختلاف المجتهدين لأن الاجتهاد لا يجوز بحضرة الرسول .
قلت: إن لم يجز بحضرته فإنه جائز بعده.
وقوله ﴿ وما اختلفتم ﴾ شامل لجميع الأمة إلى يوم القيامة مثل ﴿ يا أيها الناس ﴾ ومثل ﴿ أقيموا الصلاة ﴾ والأظهر أن اختلافهم يدخل فيه، وأن المراد بحكمه تعريفه من بيان الله سواء كان ذلك البيان بالنص أو بالقياس أو بالاجتهاد.
فإن قيل: المقصود من التحاكم قطع الاختلاف ولا قطع مع القياس ولا مع الاجتهاد.
قلنا: إذا كان القياس مأموراً به وكذا الاجتهاد بل يكون كل مجتهد مصيباً، كانت المخالفة في حكم الموافقة ولهذا قال "اختلاف أمتي رحمة" ثم وصف نفسه بأوصاف الكمال ونعوت الجلال تأكيداً لصحة أحكامه فقال ﴿ فاطر السموات والأرض ﴾ وهو أحد أخبار ذلكم أو خبر مبتدأ محذوف.
ومعنى ﴿ ومن الأنعام أزواجاً ﴾ أنه خلق للأنعام أيضاً من أنفسها أزواجاً ﴿ يذرؤكم فيه ﴾ يكثركم في هذا التدبير وهو أن جعل للناس والأنعام أزواجاً حتى حصل بين الذكور والإناث التوالد والتناسل.
والضمير في ﴿ يذرؤكم ﴾ راجع إلى المخاطبين وإلى الأنعام وهو من الأحكام ذوات العلتين، وذلك أن فيه تغليبين تغليب المخاطبين على الغائبين وهم من سيوجد إلى يوم القيامة، وتغليب العقلاء على غيرهم.
وعلة الأول الخطاب، وعلة الثاني العقل.
وإنما قال ﴿ يذرؤكم فيه ﴾ ولم يقل به لأنه جعل التدبير منبعاً ومعدناً للتكثير كقوله ﴿ ولكم في القصاص حياة ﴾ ولأن حروف الجر يقام بعضها مقام البعض ومعنى ﴿ ليس كمثله شيء ﴾ نفي المثلية عنه بطريق الالتزام وذلك أنه لو كان له مثل والله شيء لكان مثل مثله شيء وهو خلاف نص المخبر الصادق وهذا المحال إنما لزم من فرض وجود المثل له فوجود المثل محال وهو المطلوب، ولعل هذا التقرير مختص بنا.
قال في الكشاف: إنه من باب الكناية كقولهم: مثلك لا يبخل.
يعنون أنت لا تبخل.
وكذا ههنا يريد ليس كالله شيء.
وجوز أن يكون تكرير حرف التشبيه للتأكيد.
وقد يستدل بالآية على نفي الجسمية ولوازمها عنه لأن الأجسام متماثلة في حقيقة الجسمانية.
قوله ﴿ له مقاليد السموات والأرض ﴾ أي له مفاتيح خزائنها وقد مر في الزمر والباقي واضح وقد سبق أيضاً.
وحين عظم وحيه إلى محمد بقوله ﴿ كذلك يوحى إليك ﴾ إلى آخره ذكر تفصيل ذلك فقال ﴿ شرع لكم ﴾ أي أوجب وبين لأجلكم ﴿ من الدين ما وصى به نوحاً ﴾ وهو أقدم الأديان بعد الطوفان ﴿ والذي أوحينا إليك ﴾ وهو ختمها ﴿ وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى ﴾ وهي الملل المعتبرة المتوسطة.
ثم فسر المشروع الذي اشترك هؤلاء الأكابر من رسله فيه بقوله ﴿ أن أقيموا الدين ﴾ الحنيفي ومحله نصب بدلاً من مفعول ﴿ شرع ﴾ أو رفع على الاستئناف كأنه قيل: وما ذلك المشروع؟
فقيل: هو إقامة الدين.
يعني إقامة أصوله من التوحيد والنبوة والمعاد ونحو ذلك دون الفروع التي تختلف بحسب الأوقات لقوله { ﴿ لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ﴾ وفي بناء الكلام على الغيبة ثم الالتفات إلى التكلم في ﴿ أوحينا ﴾ والخطاب في ﴿ إليك ﴾ تفخيم شأن الرسول .
ثم حكى حسد أهل الشرك بقوله ﴿ كبر على المشركين ﴾ أي شق وعظم عليهم ما تدعوهم إليه من الدين المبرأ من عبادة غير الله.
ثم أجاب عن شبهتهم بأن الاجتباء والاصطفاء يتعلق بمشيئة الله لا بتمني كل واحد ولا بكثرة المال والجاه.
يقال: اجتباه إليه أي اصطفاه لنفسه، والتركيب يدل على الجمع والضم، ويحتمل أن يراد يجتبي إلى الدين.
ثم أخبر عن وقت تفرق كلمة أهل الكتاب وعن سبب ذلك فقال ﴿ وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم ﴾ ببعث محمد وصحة نبوته كقوله في آل عمران ﴿ وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعدما جاءهم العلم بغياً بينهم ﴾ وقيل: وما تفرق الأمم الذين تقدم ذكرهم إلا بعد العلم بصحة ما أمروا به.
قال أهل البرهان: لما ذكر مبدأ كفرهم وهو قوله ﴿ إلا من بعدما جاءهم العلم ﴾ حسن ذكر نهاية إمهالهم وهو قوله ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ ليكون محدوداً من الطرفين.
وإنما ترك ذكر النهاية في السورة المتقدمة لعدم ذكر البداية ﴿ وإن الذين أورثوا الكتاب ﴾ هم العرب ورثوا القرآن من بعدما أورث أهل الكتابين كتابهم أو هم أهل الكتاب المعاصرون لرسول الله وقيل: جاءهم أسباب العلم فلم ينظروا فيها لأنه حكم عليهم في آخر الآية بأنهم في شك من كتابهم وهو مع العلم غير مجتمعين ﴿ فلذلك ﴾ أي فلأجل تشعب الملل وتفرق الكلم ﴿ فادع ﴾ إلى الملة الحنيفية.
وقيل: اللام بمعنى "إلى" والإشارة إلى القرآن ﴿ وأستقم ﴾ عليها كما أمرت ﴿ ولا تتبع أهواءهم ﴾ المختلفة ﴿ وقل آمنت بما أنزل الله من ﴾ أي ﴿ كتاب ﴾ كان ﴿ وأمرت لأعدل بينكم ﴾ أي في التبليغ أو إذا تحاكمتم إليّ حتى لا أفرق بين نفسي ونفس غيري.
ثم أشار إلى ما هو أصل في الدين فقال ﴿ الله ربنا وربكم لنا ﴾ جزاء ﴿ أعمالنا ولكم ﴾ جزاء ﴿ أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم ﴾ وليس المراد منه تحريم المحاجة فإنه لولا الأدلة لما توجه التكليف بل المراد أنهم بعد أن وقفوا على الحجج الباهرة والدلائل الظاهرة على حقية دين الإسلام لم يبق معهم حجة لسانية وإنما بقي السيف.
وقيل: إنه منسوخ بآية القتال وقوله ﴿ الله يجمع بيننا ﴾ إشارة إلى المهاجرة التي اقتضاها إصرارهم على الباطل وتفويض للأمر إلى المجازي المنتقم.
ثم أخبر عن وعيد المخاصمين في أمر دين الله ﴿ من بعدما استجيب له ﴾ أي من بعدما استجاب له الناس وقبلوا دينه، أو بعدما استجاب الله لرسوله ونصره يوم بدر ﴿ حجتهم داحضة ﴾ أي باطلة زائلة ﴿ عند ربهم ﴾ وذلك أن اليهود والنصارى كانوا يقولون: كتابنا قبل كتابكم ونبينا قبل نبيكم فأنتم أولى باتباعنا.
وأيضاً أنتم تقولون الأخذ بالمتفق عليه أولى من الأخذ بالمختلف فيه، ونبوة موسى وحقية التوراة متفق عليها ونبوة محمد مختلف فيها.
والجواب أن نبوّة موسى إنما صحت بالمعجزة فإن كانت المعجزة في حقه مصححة للنبوة ففي حق محمد كذلك وإلا فأنتم القادحون في نبوة نبيكم أيضاً.
ثم حث على سلوك طريقة العدل حذراً من عقاب يوم القيامة فقال ﴿ الله الذي أنزل الكتاب ﴾ أي جنسه متلبساً بالغرض الصحيح ﴿ والميزان ﴾ أي أنزل العدل والسوية في كتبه أو ألهم اتخاذ الميزان.
وقيل: هو العقل.
وقيل: الميزان نفسه وذلك في زمن نوح.
وقيل: هو محمد يقضي بينهم بالكتاب ﴿ وما يدريك ﴾ يا محمد أو أيها المكلف ﴿ لعل الساعة ﴾ أي مجيئها ﴿ قريب ﴾ أو ذكر بتأويل البعث أو الحشر ونحوه، أو أراد شيء قريب.
ومتى كان الأمر كذلك وجب على العاقل أن يجتهد في أداء ما عليه من التكاليف.
ولا يتأنى في سلوك سبيل الإنصاف مع الخالق والخلق فإنه لا يعلم أن القيامة متى تفاجئه.
ثم قبح طريقة منكري الساعة فقال ﴿ يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها ﴾ يقولون على سبيل السخرية: متى تقوم الساعة؟
وليتها قامت حتى تظهر لنا جلية الحال.
ثم مدح المقربين بأنهم يخافون القيامة هيبة من الله وإجلالاً له أو حذراً من تقصير وخلل وقع في العمل إلا أن خوفهم يجب أن يكون ممتزجاً بالرجاء، وقد مر تحقيقه مراراً.
ثم هدد الشاكين المجادلين في أمر البعث بقوله ﴿ ألا إن الذين يمارون ﴾ وأصله من المرية الشك ﴿ لفي ضلال بعيد ﴾ عن الصواب لأن استيفاء حق المظلوم من الظالم واجب على فضله أو في حكمه، ولأن في إنكاره نسبة الله إلى ضد العلم والقدرة.
ثم إنه لا ريب في أن إنزال الكتاب والميزان لطف من الله على خلقه فلذلك قال ﴿ الله لطيف بعباده ﴾ عمم البر ثم خصص بقوله ﴿ يرزق من يشاء ﴾ يعني الزائد على مقدار الضرورة، فلكم من إنسان فاق أقرانه في المال أو الجاه أو الأولاد أو في العلم أو في سائر أسباب المزية إلا أن أحداً منهم لا يخلو من بره الذي يتعيش به كقوله ﴿ أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ﴾ وقيل: معنى لطيف يرزقهم من حيث لا يعلمون، أو يلطف بهم فلا يعاجلهم بالعقوبة ليتوبوا.
وقد مر معناه في الأنعام بوجه آخر في قوله ﴿ وهو اللطيف الخبير ﴾ وأما قوله ﴿ القوي العزيز ﴾ ففيه إشارة إلى أن لطفه مقرون بقهره.
وحين ذكر أنه يرزق من يشاء الزائد على مقدار كفايته وكان فيه كسر قلوب أرباب الضنك والضيق جبر كسرهم بقوله ﴿ من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ﴾ سماه حرثاً تشبيهاً للعامل الطالب لثواب الآخرة أضعافاً مضاعفة بالزارع الذي يلقي البذر في الأرض طلباً للزيادة والنماء، ومن فضائل حرث الآخرة أن طالبها قد يحصل له الدنيا بالتبعية ويرى ثواب عمله أضعافاً مضاعفة، وطالب الدنيا لا تحصل له المطالب بأسرها ولهذا قال ﴿ نؤته منها ﴾ أي بعض ذلك ﴿ وما له في الآخرة من نصيب ﴾ قط وفي زيادة لفظ الحرث فائدة أخرى وهي أن يعلم أن شيئاً من القسمين لا يحصل إلا بتحمل المتاعب والمشاق.
عن النبي "من أصبح وهمه الدنيا شتت الله عليه همه وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن أصبح وهمه الآخرة جمع الله همه وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة" هذا لفظه أو لفظ هذا معناه.
وعن قتادة إن الله يعطي الدنيا على نية الآخرة ولا يعطي الآخرة على نية الدنيا.
وفي ظاهر اللفظ دلالة على أن من صلى لطلب الثواب أو لدفع العقاب فإنه تصح صلاته لأنه صلى لأجل ما يتعلق بالآخرة.
قال بعض أصحاب الشافعي: إذا توضأ بغير نية لم يصح لأن هذا الإنسان غفل عن الآخرة وعن ذكر الله، والخروج عن عهدة الصلاة من باب منافع الآخرة فلا يحصل بالوضوء العاري عن النية، وحيث بين القانون الأعظم والقسطاس الأقوم في أعمال الدارين نبه على أحوال الضلال بقوله ﴿ أم لهم شركاء ﴾ وهي المنقطعة عند بعضهم.
وقال آخرون: هي المعادلة لألف الاستفهام تقديره أفيقبلون ما شرع الله لهم من الدين أم لهم آلهة.
﴿ شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ﴾ أي لم يأمرهم به أو لم يعلمه كقوله ﴿ أتنبؤن الله بما لا يعلم ﴾ والأذن بالفتح العلم بالمسموعات وتحقيقه شرعوا ما ليس بشريعة إذ لو كان شريعة لعلمها الله ﴿ ولولا كلمة الفصل ﴾ أي القضاء السابق بتأخير الجزاء ﴿ لقضي بينهم ﴾ والضمير للمؤمنين والكافرين أو المشركين والشركاء ﴿ ترى الظالمين ﴾ في القيامة ﴿ مشفقين ﴾ خائفين ﴿ مما كسبوا ﴾ من الجرائم ﴿ وهو ﴾ أي وبال ذلك ﴿ واقع بهم ﴾ واصل إليهم لا محالة ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات ﴾ أي منتزهاتها.
قالت الأشاعرة: فيه دليل على أن غيرها من الأماكن في الجنة لغير المذكورين وغيرهم ليس إلا بالذي آمن ولم يعمل صالحاً وهو الفاسق.
ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون إضافة الروضات إلى الجنات من إضافة العام إلى الخاص فيكون الجنات كلها روضات.
ولكن الروضات قد لا تكون في الجنة لثبوتها في الدنيا.
والفضل الكبير قد تقدم في "فاطر".
﴿ ذلك ﴾ المذكور أو الثواب أو التبشير هو ﴿ الذي يبشر الله ﴾ به ﴿ عباده ﴾ ثم حذف الجار، ثم الراجع إلى الموصول، ثم أمر رسوله بأن يقول ﴿ لا أسألكم عليه ﴾ على هذا التبليغ ﴿ أجراً إلا المودة ﴾ الكائنة ﴿ في القربى ﴾ جعلوا مكاناً للمودة ومقراً لها ولهذا لم يقل "مودة القربى" أو "المودة للقربى" وهي مصدر بمعنى القرابة أي في أهل القربى وفي حقهم.
فإن قيل: استثناء المودة من الأجر دليل على أنه طلب الأجر على تبليغ الوحي وذلك غير جائز كما جاء في قصص سائر الأنبياء ولا سيما في "الشعراء".
وقد جاء في حق نبينا أيضاً ﴿ قل ما سألتكم من أجر فهو لكم ﴾ ﴿ قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين ﴾ والمعقول منه أن التبليغ واجب عليه وطلب الأجر على أداء الواجب لا يليق بالمروءة.
وأيضاً أنه يوجب التهمة ونقصان الحشمة.
قلنا: إن من جعل الآية منسوخة باللتين لا استثناء فيهما فلا إشكال عليه، وأما الآخرون فمنهم من قال: الاستثناء متصل ولكنه من قبيل تأكيد المدح بما يشبه الذم كقوله: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم *** بهن فلول من قراع الكتائب والمعنى لا أطلب منكم أجراً، إلا هذا وهو في الحقيقة ليس أجراً لأن حصول المودة بين المسلمين أمر واجب ولا سيما في حق الأقارب كما قال عز من قائل ﴿ والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ﴾ ومنهم من قال: الاستثناء منقطع أي لا أسألكم عليه أجراً ألبتة، ولكن أذكركم المودة في القربى، وفي تفسير ﴿ المودة في القربى ﴾ أربعة أقوال: الأول قال الشعبي: أكثر الناس علينا في هذه الآية فكتبنا إلى ابن عباس نسأله عن ذلك فأجاب بأن رسول الله كان واسطة النسب في قريش ليس بطن من بطونهم إلا وقد كان بينهم وبينه قرابة فقال الله: قل لا أسألكم على ما أدعوكم إليه أجراً إلا أن تودوني لقرابتي منكم يعني أنكم قومي وأحق من أجابني وأطاعني فإذ قد أبيتم ذلك فاحفظوا حق القربى ولا تؤذونني ولا تهيجوا عليّ.
القول الثاني: روى الكعبي عن ابن عباس أن النبي كانت تنوبه نوائب وحقوق وليس في يده سعة فقال الأنصار: إن هذا الرجل قد هداكم الله على يده وهو ابن أختكم وجاركم في بلدكم، فاجمعوا له طائفة من أموالكم ففعلوا.
ثم أتوه فرده عليهم ونزلت الآية بحثهم على مودة أقاربهم وصلة أرحامهم.
القول الثالث: عن الحسن: إلا أن توددوا إلى الله وتتقربوا إليه بالطاعة والعمل الصالح.
الرابع: عن سعيد بن جبير: لما نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم لقرابتك؟
فقال: علي وفاطمة وابناهما.
ولا ريب أن هذا فخر عظيم وشرف تام، ويؤيده ما روي أن علياً شكا إلى رسول الله حسد الناس فيه فقال: أما ترضى أن تكون رابع أربعة أول من يدخل الجنة أنا وأنت والحسن والحسين وأزواجنا عن أيماننا وشمائلنا وذرياتنا خلف أزواجنا وعنه "حرمت الجنة على من ظلم أهل بيتي وآذاني في عترتي ومن اصطنع صنيعة إلى أحد من ولد عبد المطلب ولم يجازه عليها فأنا أجازيه عليها غداً إذا لقيني يوم القيامة" " وكان يقول "فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها" وثبت بالنقل المتواتر أنه كان يحب علياً والحسن والحسين، وإذا كان ذلك وجب علينا محبتهم لقوله ﴿ فاتبعوه ﴾ وكفى شرفاً لآل رسول الله وفخراً ختم التشهد بذكرهم والصلاة عليهم في كل صلاة.
قال بعض المذكرين: إن النبي قال "مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركب فيها نجا ومن تخلف عنها غرق" وعنه "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" فنحن نركب سفينة حب آل محمد ونضع أبصارنا على الكواكب النيرة أعني آثار الصحابة لنتخلص من بحر التكليف وظلمة الجهالة ومن أمواج الشبه والضلالة.
ثم أكد إيصال الثواب على المودة بقوله ﴿ ومن يقترف حسنة ﴾ أي يكتسب طاعة، قال بعض أهل اللغة: الاقتراف مستعمل في الشر فاستعاره ههنا للخير.
عن السدي أنها المودة في آل رسول الله نزلت في أبي بكر الصديق ومودته فيهم، والظاهر العموم في كل حسنة ولا شك أن هذه مرادة قصداً أولياً لذكرها عقيبها.
ومعنى زيادة حسنها تضعيف ثوابها ﴿ إن الله غفور ﴾ لمن أذنب ﴿ شكور ﴾ لمن أطاع الله والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ أَوْلِيَآءَ ﴾ : الأصنام التي عبدوها دون الله؛ كقوله : ﴿ لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ وقوله - - ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ ﴾ ، وقوله - -: ﴿ إِنَّهُمُ ٱتَّخَذُوا ٱلشَّيَاطِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ ﴾ .
يخبر أنه لا عن غفلة وجهل منه يعملون ما يعملون، ولكنه حفيظ عليهم وعلى أعمالهم، لكنّه يؤخر ذلك عنهم لحكمة، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ ﴾ .
يحتمل وجهين: أحدهما: وما كنت عليهم بوكيل، أي: لا تؤاخذ أنت بمكانهم؛ كقوله: ﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ ﴾ .
والثاني: ﴿ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ ﴾ ، أي: بمسلط عليهم ولا حفيظ، إنما أنت رسول فعليك البلاغ، كقوله : ﴿ إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ﴾ ، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً ﴾ ؛ ليكون أقرب إلى الفهم، وأولى أن يكون حجة عليهم وأبلغ في الحجاج؛ لأنه ذكر فيه الأنباء السالفة والأخبار المتقدمة باللسان العربي، غير لسان تلك الأنبياء، ومن غير أن يختلف إلى أحد من أهل ذلك اللسان؛ لتوهم التعلم منهم بلسانهم، والنقل بلسان نفسه؛ فدل أنه إنما عرف بالله ، وقوله: ﴿ لِّتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا ﴾ .
أي: لينذر أهل أم القرى وأهل من حولها من القرى.
ثم يحتمل تسمية مكة: أم القرى وجوهاً ثلاثة: أحدها: سماها: أم القرى؛ لما منها دحيت سائر الأرضين والقرى.
والثاني: سماها: أم القرى؛ لأنها أول بيت وضع للناس، وأول بناء بني في الأرض، فسماها لذلك: أمّ القرى، والله أعلم.
والثالث: سماها: أم القرى؛ لما على الناس أن يؤموها ويقصدوها بالزيارة، ولأن رسول الله أول ما بعث رسولا فيها، فإليها يؤم ويقصد بالدعوة أول ما يؤم ويقصد، ثم من بعد ذلك يؤم إلى سائر القرى والبلدان، ويقصد، والأمّ: القصد، ومنه أخذ التيمم؛ ولذلك سمّاها: أمّ القرى، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ ﴾ ، أي: وينذر بيوم الجمع.
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ ﴾ ، أي: ينذر بالقرآن يوم الجمع لا ريب فيه.
وقوله: ﴿ فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ ﴾ قد بين الله - - السبيلين جميعاً على الإبلاغ، وبين عاقبة كل سبيل إلى ماذا يفضي من سلكها، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ يخبر أن عنده من اللطائف والقدرة، ما لو شاء لجعلهم جميعاً أمة واحدة وعلى دين واحد، وهو ما قال: ﴿ وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ...
﴾ الآية [الزخرف: 33]، فلو جعل ذلك لأهل التوحيد والإيمان، لكانوا جميعاً على دين الإسلام؛ على ما أخبر أنّه لو كان ذلك مع أهل الكفر لكانوا جميعاً أهل كفر.
ثم قوله: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ لا يحتمل مشيئة الجبر والقسر على ما يقوله المعتزلة لوجوه: أحدها: لما لا يكون الإيمان في حال الجبر والقهر؛ لأنه لا صنع لهم في ذلك، ولا اختيار لهم.
والثاني: أنّ كل أحد بشهادة الخلقة مؤمن موحد لله - - ثم لم يصيروا بذلك مؤمنين؛ فعلى ذلك بالجبر والقهر؛ إذ في الحالين يكون فعل المؤمن إنما هو فعل غيره؛ فدل أنه أراد أن يشاء منهم ما يكون مختارين في الإيمان لا مجبورين.
والثالث: أنّ الإيمان بالجبر والقهر ممّا لا يعرفه الناس، ولا يطلق اسم الإيمان عليه في العرف، وقد وعدهم الإيمان، وجعل الدين واحدا، وهذا عند المتعارف ينصرف إلى ما يوجد منهم عن طوع واختيار، لا بالجبر والقهر؛ فتكون الآية منصرفة إلى المعهود عند النّاس؛ على ما هو الأصل في الكلام، والله الموفق.
وعندنا: أراد به مشيئة الاختيار، وأخبر أن عنده من اللطائف ما لو أعطى الكل لآمنوا جميعاً عن اختيار، لكنه لم يعطهم ذلك ولم يشأ؛ لما علم منهم أنهم لا يرغبون فيه، ولا يختارون ذلك، ولكن إنّما يختارون ضد ذلك ونقيضه؛ لذلك لم يشأ لهم، وإنما يشاء لمن علم أنه يختار ذلك فضلا.
وقوله: ﴿ وَلَـٰكِن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ ﴾ يخبر أن من أعطى ذلك إنما يعطيه رحمة منه وفضلا، لا أنهم يستوجبون ذلك منه، ويستحقونه عليه، والله الموفق.
ثم إن الله سمى الإيمان مرة: رحمة بقوله: ﴿ وَلَـٰكِن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ ﴾ ، ومرة سماه: منّة بقوله: ﴿ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ ﴾ ، وبقوله: ﴿ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ...
﴾ الآية [الحجرات: 17]، فلو كان الإيمان يقوم بالذي يكون الكفر من القدرة ولم يكن من الله - - إلى المؤمنين إلا وقد كان مثله إلى الكافر، على ما يقوله [المعتزلة]: إن الإيمان إنما يكون بالذي يكون الكفر، لم يكن لتسمية هذا نعمة ومنَّة ورحمة، وتسمية الكفر ضده - معنى، والله أعلم.
وبعد: فإنه لو كان على ما يقوله المعتزلة لكان ما ذكر من النعمة والمنّة والرحمة إنما يكون بالخلق منهم، لا بالله - - ومنه دل أن عنده لطائف، من أعطى تلك اللطائف آمن واهتدى، ومن لم يعطه إيّاها لم يؤمن، وقد أعطى المؤمن تلك، ولم يعط الكافر؛ لذلك كان ما ذكرنا، والله الموفق.
ثم في تخصيص أمّ القرى ومن حولها بالنذارة وجوه، لأنه ذكر في آية أخرى أنه نذير للعالمين جميعاً بقوله: ﴿ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً ﴾ فإذا كان مبعوثاً إلى جميع العالم، لا إلى بعض دون بعض، كما كان بعض الأنبياء - عليهم السلام - فلا بد أن يكون لتخصيص أمّ القرى ومن حولها معنى وحكمة: أحدها: لما يحتمل أن يكون لأهل مكة طمع في شفاعته وإن لم يتبعوه: إما بحق القرابة والاتصال، وإما بحق الأيادي، ومن حولهم بحق الجوار؛ فذكر تخصيصهم بالإنذار بيوم الجمع حتى يزول طمعهم بدون الاتباع، والنزوع عن الشرك؛ إذ ذلك لا يزول بمطلق الإنذار؛ لما عندهم - في زعمهم - أن المراد بذلك غيرهم؛ لما لهم من زيادة سبب الوسيلة معه.
والثاني: أن ينذر هؤلاء ومن ذكر شفاهاً، ولمن بعد منهم خبراً.
أو خصّ هؤلاء بحق البداية ثم بالأقرب فالأقرب، وعلى ذلك يخرج قوله - -: ﴿ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ ﴾ على الوجوه التي ذكرنا.
وقوله - وتعالى -: ﴿ وَٱلظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِّن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ ﴾ ، أي: ما لهم من وليّ يشفع، ولا من نصير ينصرهم، ويمنعهم من عذاب [الله].
وقوله: ﴿ أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ ﴾ ، أي: أرباباً، ﴿ فَٱللَّهُ هُوَ ٱلْوَلِيُّ ﴾ ، أي: هو الربّ، ﴿ وَهُوَ يُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ ﴾ وقد عرفوا أنّ الإحياء إنما يكون بالله - - لا بالأصنام التي عبدوها، وإن كانوا ينكرون البعث والإحياء بعد الموت، فلو عرفوا أنه لو كان إنما يكون بالله - - لا بالأصنام التي عبدوا دونه، ﴿ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ظاهر، قد تقدم ذكره.
وقوله: ﴿ وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ فِيهِ ﴾ وجوها: أحدها: في القرآن.
والثاني: في رسول الله أنه رسول أو ليس برسول، فقد أقام من الدلائل والبراهين ما يدل على رسالته ونبوته: سمعيات وعقليات، ما لا يتعرض لردّها إلا من كابر عقله وعاند لبّه، وكذلك لو كان اختلافهم في الدين فقد أقام ما يعلم كل ذي عقل ولب: أنه هو الصواب، وأن غيره من الأديان ليس بحق.
وقال بعض أهل التأويل في قوله: ﴿ وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ أي: إلى كتاب الله، كقوله: ﴿ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ ﴾ أي: إلى كتاب الله.
لكن هذا لا يصح، فإن قوله: ﴿ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ ﴾ إنما هو في المؤمنين إذا وقع بينهم الاختلاف في شيء من الأحكام يردّ ذلك إلى كتاب الله، وإلى سنّة رسوله .
وأمّا قوله - -: ﴿ وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ إنما هو في محاجة الكفرة، فهو في غير ذلك المعنى؛ إذ هم لا يعتقدون كونه حجة، وإنما يرجع إلى دليل آخر عقلي.
وقوله: ﴿ ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبِّي ﴾ ، أي: ذلك الذي يفعل هذا هو ربي ﴿ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ﴾ ، في كل أمري، ﴿ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ بالطاعة.
ويحتمل أن يكون اختلافهم الذي ذكر هو اختلافهم في الله - - كقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِي ٱللَّهِ ﴾ .
وقوله: ﴿ ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبِّي ﴾ ، أي: ذلكم الذي اختلفتم فيه هو ربي ﴿ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ﴾ ، أي: عليه اعتمدت، ﴿ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ ، أي: إليه أرجع.
ثم نعته فقال: ﴿ فَاطِرُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ، وقال هو في موضع آخر: ﴿ ٱلْحَمْدُ للَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ، وفي موضع آخر: ﴿ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .
قال بعض الباطنية: المبدع: هو الذي ينشئ الأشياء لا من شيء، والخالق: هو الذي ينشئ الشيء من شيء ولا من شيء، والفاطر: هو الذي ينشئ من شيء أو نحوه من الكلام.
وعندنا أن هذه الأسماء وإن اختلفت ألفاظها وافترق اشتقاقها ومأخذها، فهي في المعاني واحدة؛ الإبداع هو الإنشاء بلا احتذاء سبق، والخلق هو الإنشاء والتقدير، لكن غيره لا يجوز أن يسمى: خالقاً؛ لأنه لا يقدر على تقدير شيء إلا على مشاهدة: عاينه ورآه، والفاطر كأنه مأخوذ من الشق، يشق الشيء ويخرج منه أشياء، كله خلق، وفاعله خالق على الحقيقة، وهو الله ، وبالله القوة والتوفيق.
وقوله: ﴿ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً ﴾ أي: جعل من نفس آدم وحواء - عليهما السلام - أزواجاً نسبنا جميعاً إليهما؛ لأنهما الأصل، وإنا جميعاً إنما كنا من ذلك الأصل، وهو كنسبته إيانا إلى التراب بقوله: ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ﴾ وإنما خلق أصلنا من التراب، لكنه نسبنا إليه؛ لما منه كنا جميعاً؛ فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: ﴿ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً ﴾ أي: من نفس آدم وحوّاء، ونسبنا إليهما؛ لما منهما كنّا جميعاً، والله أعلم.
والثاني: يقول: جعل بعضكم من بعض أزواجاً أي: حلائل، أي: خلق الإناث من الرجال، والرجال من الإناث، وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوۤاْ إِلَيْهَا...
﴾ الآية [الروم: 21].
والثالث: أي: جعل لكم من مثل خلقكم أزواجا؛ أي: أصنافاً وأشكالا، جعل الخلائق كلها ذات أشكال وأمثال، وذات أزواج، وكذلك يخرج قوله: ﴿ وَمِنَ ٱلأَنْعَامِ أَزْواجاً ﴾ على وجهين: أحدهما: يقول - والله أعلم -: إنه جعل الأنعام - أيضاً - ذات أزواج وأشكال.
والثاني: جعل منها الذكور والإناث - أيضاً - كما جعل من البشر.
وقوله: ﴿ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ﴾ اختلف في تأويل قوله: ﴿ يَذْرَؤُكُمْ ﴾ ، والمراد بقوله: ﴿ فِيهِ ﴾ : أن الهاء كناية عن ماذا؟
قال بعضهم: ﴿ يَذْرَؤُكُمْ ﴾ أي: يكثركم.
وقيل: يعيشكم فيه.
وقيل: يرزقكم فيه، ويعمركم.
وقيل: يخلقكم.
وأما قوله: ﴿ فِيهِ ﴾ قال بعضهم: يجيء قوله: ﴿ فِيهِ ﴾ ، أي: فيها، كناية عن الأنعام، وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود - -: ﴿ يذرؤكم فيها ﴾ أي: في الأنعام؛ لما جعل للبشر فيها من أنواع المنافع.
وأما من قرأه ﴿ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ﴾ بغير ألف فهو يجعله كناية عن العالم؛ كأنه يقول: ﴿ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ﴾ أي: يخلقكم في العالم ويكثركم فيه ويعيشكم ويعمركم.
وقال بعضهم: ﴿ يَذْرَؤُكُمْ ﴾ أي: يكثركم في هذا التزويج الذي جعل بينكم؛ أي: يكثركم بسبب هذا التزويج لم يكثر الناس.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ فِيهِ ﴾ كناية عن التدبير؛ يقول: ﴿ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ﴾ : يخلقكم فيه نسلا بعد نسل؛ كقوله - - ﴿ ذَرَأَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ \[المؤمنون: 79\]، وهو قول القتبي وأبي عوسجة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ...
﴾ الآية.
يستدل بعض أهل التشبيه بأن له مثلا بقوله - - ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ يقولون: لو لم يكن مثل لم يذكر كاف التشبيه؛ حيث قال: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ ، لكن نفى مثلية الأشياء عن مثله؛ فيكون فيه إثبات مثل له لا يشبه سائر الأشياء سواه؛ أو كلام نحو هذا.
وعندنا: قوله - - ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ أي: ليس مثله شيء، والكاف قد تزاد في الكلام.
وقال بعضهم: أي: ليس كهو شيء، والعرب قد تقيم المثل مقام النفس.
وأصله: أن الخلق ذو أعداد، وكل ذي عدد له أشكال وأمثال من حيث العدد.
والأصل في ذلك: أن الخلق وإن كانوا ذا أمثال وأشكال وأشباه، فليس يشبه بعضهم بعضاً من جميع الوجوه وكل الجهات، ولكن إنما يشبه بعضهم بعضا [لا] من جميع الوجوه، أو بوجه أو بصفة، أو بجهة أو بنفس، ثم صار بعضهم أمثالا لبعض وأشباهاً بتلك الجهة وبذلك الوصف؛ فدل أن الله - - ليس يشبه الخلق، ولا له مثال منهم بوجه من الوجوه، ولا له شبه منهم، لا ما يرجع إلى النفس، وهو يتعالى عن جميع معاني الخلق وصفاتهم، ودل قوله - -: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ : أنه شيء؛ لأنه نفى عن نفسه المثلية ولم ينف الشيئية، لكن يقال: شيء لا كالأشياء ينفى عنه شبه الأشياء، والشيء إثبات، وفي الإثبات توحيد، ولو لم يكن شيئاً لكان يقول: ليس هو شيئاً؛ دل أنه ما ذكر.
وقوله - -: ﴿ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ ﴾ ذكر في غير موضع، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ ﴾ وقوله: ﴿ وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ، وقوله: ﴿ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ ، ونحو ذلك من الآيات التي فيها ذكر المفاتيح والمقاليد والخزائن التي أضافها إلى نفسه، ثم لم يفهم الخلق من المفاتيح المضافة والمقاليد والخزائن ما يفهم لو أضيف إلى الخلق؛ بل فهموا من المفاتيح المضافة إلى الخلق والمقاليد المنسوبة إليهم معنى لم يفهموا ذلك المعنى من المفاتيح والمقاليد المضافة إلى الله - - فما ينبغي أن يفهموه من قوله: ﴿ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ ، وقوله - - ﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ﴾ ، وقوله: ﴿ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ ﴾ ، ونحو ذلك ما يفهموه من اليد المضافة إلى الخلق، لكنه ذكر المفاتيح والمقاليد وأضافها إلى نفسه، لأن كل محجوب ومستور عن الخلق فيما بينهم إنما توصلهم إلى ذلك المحجوب والمستور عنهم بالمفاتيح والمقاليد التي ذكر؛ فعلى ذلك ما أضاف إلى نفسه من اليد وغيرها؛ لما باليد يبسط في الشاهد، وبها يمنع، وبها يكتسب ويفعل ما يفعل؛ فأضاف إلى نفسه ما به يكون في الشاهد من الفعل والبسط والمنع كناية عن هذه الأفعال، والله الموفق.
وقوله: ﴿ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ ﴾ فيه دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأن الرزق المذكور يحتمل وجوهاً: أحدها: ما ذكر في قوله - -: ﴿ وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ﴾ ، وهو المطر.
والثاني: الأملاك التي يكتسبون.
والثالث: المنافع التي جعل لهم.
ثم الإشكال أن الأملاك التي تكون لهم، والمنافع التي ينتفعون بها وجعلت لهم إنما تكون بأسباب واكتساب منهم، ثم أضاف ذلك إلى نفسه في البسط والتقتير؛ حيث قال ﴿ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ ﴾ ؛ دل أن لله - - في ذلك صنعاً وتدبيراً، وهو أَنْ خلق أكسابهم وأسبابهم التي بها يوصل إليهم الرزق.
وقوله: ﴿ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ تقدم.
<div class="verse-tafsir"
بل اتخذ هؤلاء المشركون من دون الله أولياء يتولَّونهم، والله هو الولي الحق، فغيره لا ينفع ولا يضر، وهو يحيي الموتى ببعثهم للحساب والجزاء، ولا يعجزه شيء سبحانه.
<div class="verse-tafsir" id="91.N4rag"