الإسلام > القرآن > سور > سورة 43 الزخرف > الآية ٢٥ من سورة الزخرف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 55 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٥ من سورة الزخرف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قال الله تعالى : ( فانتقمنا منهم ) أي : من الأمم المكذبة بأنواع من العذاب ، كما فصله تعالى في قصصهم ، ( فانظر كيف كان عاقبة المكذبين ) ؟
أي : كيف بادوا وهلكوا ، وكيف نجى الله المؤمنين ؟
.
القول في تأويل قوله تعالى : فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (25) يقول تعالى ذكره: فانتقمنا من هؤلاء المكذّبة رسلها من الأمم الكافرة بربها, بإحلالنا العقوبة بهم, فانظر يا محمد كيف كان عقبى أمرهم, إذ كذّبوا بآيات الله.
ويعني بقوله: ( عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ) آخر أمر الذين كذبوا رسل الله إلام صار, يقول: ألم نهلكهم فنجعلهم عبرة لغيرهم؟
كما حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ) قال: شر والله, أخذهم بخسف وغرق, ثم أهلكهم فأدخلهم النار.
قوله تعالى : فانتقمنا منهم فانظر كيف كان عاقبة المكذبين .[ ص: 71 ] قوله تعالى : فانتقمنا منهم بالقحط والقتل والسبي فانظر كيف كان عاقبة المكذبين آخر أمر من كذب الرسل .
وقراءة العامة ( قل أولو جئتكم ) وقرأ ابن عامر وحفص ( قال أولو ) على الخبر عن النذير أنه قال لهم هذه المقالة .
وقرأ أبو جعفر ( قل أولو جئناكم ) بنون وألف ، على أن المخاطبة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن جميع الرسل .
{ فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ } بتكذيبهم الحق، وردهم إياه بهذه الشبهة الباطلة.
{ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ } فليحذر هؤلاء أن يستمروا على تكذيبهم، فيصيبهم ما أصابهم.
" فانتقمنا منهم فانظر كيف كان عاقبة المكذبين ".
«فانتقمنا منهم» أي من المكذبين للرسل قبلك «فانظر كيف كان عاقبة المكذبين».
فانتقمنا من هذه الأمم المكذبة رسلها بإحلالنا العقوبة بهم خَسْفًا وغرقًا وغير ذلك، فانظر -أيها الرسول- كيف كان عاقبة أمرهم إذ كذبوا بآيات الله ورسله؟
وليحْذَر قومك أن يستمروا على تكذيبهم، فيصيبهم مثل ما أصابهم.
وقوله - سبحانه - : ( فانتقمنا مِنْهُمْ فانظر كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المكذبين ) بيان للعاقبة السيئة التى حاقت بهم بسبب إصرارهم على كفرهم وتقليدهم لآبائهم .أى : قالوا للرسول هذا القول الذى يدل على إيثارهم الغى على الرشد ، فانتقمنا منهم بأن أخذناهم أخذ عزيز مقتدر ، فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ، ومنهم من خسفنا به الأرض ، ومنهم أغرقنا .( فانظر ) - أيها العاقل - وتأمل ( كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المكذبين ) لقد كانت عاقبتهم أن دمرناهم تدميرا .هذا ، والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة ، يراها من أجمع الآيات القرآنية التى حكت الأقوال الباطلة التى تفوه بها المشركون ، وردت عليهم ردا منطقيا حكيما يهدمها من قواعدها .لقد ذكرت - أولا - أنهم جعلوا الله - تعالى - من عباده جزاء .
.
.
ثم ردت عليهم بأنهم جاحدون لنعم الله ، وأنهم لو كانوا يعقلون لما حكموا هذا الحكم الذى يدل على جهلهم وغفلتهم ، لأنه لو كان الأمر كما ذكروا - على سبيل الفرض والتقدير - لما اختار - سبحانه - لذاته جنس البنات ، وأعطاهم البنين .
.ثم ذكرت - ثانيا - حالهم عندما يبشرون بالأنثى ، وتهكمت بهم حين نسبوا إلى الله ( أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الحلية وَهُوَ فِي الخصام غَيْرُ مُبِينٍ ) والمقصود بذلك جنس البنات ، ثم ذكرت - ثالثا - أنهم حكموا على الملائكة بأنهم إناث ، وردت عليهم بأن حكمهم هذا ساقط ، لأنهم لم يشهدوا خلقهم حتى يحكموا عليهم هذا الحكم الفاسد ، وأنهم سيجازون على أحكامهم التى لا دليل عليها ، بما يستحقون من عقاب .ثم ذكرت - رابعا - معاذيرهم التى اعتذروا بها عندما حاصرتهم الحجج الدامغة ، فقد قالوا : ( لَوْ شَآءَ الرحمن ) فرد - سبحانه - عليهم بقوله : ( مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ) ، لأن قولهم هذا ما هو إلا لون من ألوان الاحتيال على الحقيقة بالأقوال الساقطة .ثم ذكرت - خامسا - أنهم فى إصرارهم على كفرهم لم يستندوا إلى دليل عقلى أو نقلى ، وإنما استندوا على شئ واحد هو التقليد لآبائهم فى جهلهم وضلالهم .
.وهكذا ذكر القرآن أقوالهم وشبهاتهم .
.
ثم رد عليها بما يدحضها .
.
اعلم أنه تعالى حكى نوعاً آخر من كفرهم وشبهاتهم، وهو أنهم قالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قالت المعتزلة هذه الآية تدل على فساد قول المجبرة في أن كفر الكافر يقع بإرادة الله من وجهين: الأول: أنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا: ﴿ لَوْ شَاء الرحمن مَا عبدناهم ﴾ وهذا صريح قول المجبرة، ثم إنه تعالى أبطله بقوله: ﴿ مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ﴾ فثبت أنه حكى مذهب المجبرة، ثم أردفه بالإبطال والإفساد، فثبت أن هذا المذهب باطل، ونظيره قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿ سَيَقُولُ الذين أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء الله مَا أَشْرَكْنَا ﴾ إلى قوله: ﴿ قُلْ هَلْ عِندَكُم مّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن وَإِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ ﴾ والوجه الثاني: أنه تعالى حكى عنهم قبل هذه الآية أنواع كفرهم فأولها: قوله: ﴿ وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءاً ﴾ .
وثانيها: قوله: ﴿ وَجَعَلُواْ الملئكة الذين هُمْ عِبَادُ الرحمن إناثا ﴾ .
وثالثها: قوله تعالى: ﴿ وَقَالُواْ لَوْ شَاء الرحمن مَا عبدناهم ﴾ فلما حكى هذه الأقاويل الثلاثة بعضها على إثر بعض، وثبت أن القولين الأولين كفر محض فكذلك هذا القول الثالث يجب أن يكون كفراً، واعلم أن الواحدي أجاب في البسيط عنه من وجهين: الأول: ما ذكره الزجاج: وهو أن قوله تعالى: ﴿ مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ ﴾ عائد إلى قولهم الملائكة إناث وإلى قولهم الملائكة بنات الله والثاني: أنهم أرادوا بقولهم: ﴿ لَوْ شَاءَ الرحمن مَا عبدناهم ﴾ أنه أمرنا بذلك، وأنه رضي بذلك، وأقرنا عليه، فأنكر ذلك عليهم، فهذا ما ذكره الواحدي في الجواب، وعندي هذان الوجهان ضعيفان أما الأول: فلأنه تعالى حكى عن القوم قولين باطلين، وبين وجه بطلانهما، ثم حكى بعده مذهباً ثالثاً في مسألة أجنبية عن المسألتين الأوليين، ثم حكم بالبطلان والوعيد فصرف هذا الإبطال عن هذا الذي ذكره عقيبه إلى كلام متقدم أجنبي عنه في غاية البعد وأما الوجه الثاني: فهو أيضاً ضعيف، لأن قوله: ﴿ لَوْ شَاءَ الرحمن مَا عبدناهم ﴾ ليس فيه بيان متعلق بتلك المشيئة، والإجمال خلاف الدليل، فوجب أن يكون التقدير لو شاء الله ألا نعبدهم ما عبدناهم، وكلمة لو تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره، فهذا يدل على أنه لم توجد مشيئة الله لعدم عبادتهم، وهذا عين مذهب المجبرة، فالإبطال والإفساد يرجع إلى هذا المعنى، ومن الناس من أجاب عن هذا الاستدلال بأن قال إنهم إنما ذكروا ذلك الكلام على سبيل الاستهزاء والسخرية، فلهذا السبب استوجبوا الطعن والذم، وأجاب صاحب الكشاف عنه من وجهين: الأول: أنه ليس في اللفظ ما يدل على أنهم قالوا مستهزئين، وادعاء ما لا دليل عليه باطل الثاني: أنه تعالى حكى عنهم ثلاثة أشياء وهي: أنهم جعلوا له من عباده جزءاً وأنهم جعلوا الملائكة إناثاً، وأنهم قالوا: ﴿ لَوْ شَاءَ الرحمن مَا عبدناهم ﴾ فلو قلنا بأنه إنما جاء الذم على القول الثالث لأنهم ذكروه على طريق الجد، وجب أن يكون الحال في حكاية القولين الأولين كذلك، فلزم أنهم لو نطقوا بتلك الأشياء على سبيل الجد أن يكونوا محقين، ومعلوم أنه كفر، وأما القول بأن الطعن في القولين الأولين إنما توجه على نفس ذلك القول، وفي القول الثالث لا على نفسه بل على سبيل الاستهزاء، فهذايوجب تشويش النظم، وأنه لا يجوز في كلام الله.
واعلم أن الجواب الحق عندي عن هذا الكلام ما ذكرناه في سورة الأنعام، وهو أن القوم إنما ذكروا هذا الكلام لأنهم استدلوا بمشيئة الله تعالى للكفر على أنه لا يجوز ورود الأمر بالإيمان فاعتقدوا أن الأمر والإرادة يجب كونهما متطابقين، وعندنا أن هذا باطل فالقوم لم يستحقوا الذم بمجرد قولهم إن الله يريد الكفر من الكافر بل لأجل أنهم قالوا لما أراد الكفر من الكافر وجب أن يقبح منه أمر الكافر بالإيمان، وإذا صرفنا الذم والطعن إلى هذا المقام سقط استدلال المعتزلة بهذه الآية، وتمام التقرير مذكور في سورة الأنعام، والله أعلم.
المسألة الثانية: أنه تعالى لما حكى عنهم ذلك المذهب الباطل قال: ﴿ مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ﴾ وتقريره كأنه قيل إن القوم يقولون لما أراد الله الكفر من الكافر وخلق فيه ما أوجب ذلك الكفر وجب أن يقبح منه أن يأمره بالإيمان لأن مثل هذا التكليف قبيح في الشاهد فيكون قبيحاً في الغائب فقال تعالى: ﴿ مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ ﴾ أي ما لهم بصحة هذا القياس من علم، وذلك لأن أفعال الواحد منا وأحكامه مبنية على رعاية المصالح والمفاسد لأجل أن كل ما سوى الله فإنه ينتفع بحصول المصالح ويستضر بحصول المفاسد، فلا جرم أن صريح طبعه وعقله يحمله على بناء أحكامه وأفعاله على رعاية المصالح، أما الله سبحانه وتعالى فإنه لا ينفعه شيء ولا يضره شيء فكيف يمكن القطع بأنه تعالى يبني أحكامه وأفعاله على رعاية المصالح مع ظهور هذا الفارق العظيم فقوله تعالى: ﴿ مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ ﴾ أي ما لهم بصحة قياس الغائب على الشاهد في هذا الباب علم.
ثم قال: ﴿ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ﴾ أي كما لم يثبت لهم صحة ذلك القياس فقد ثبت بالبرهان القاطع كونهم كذابين خراصين في ذلك القياس لأن قياس المنزّه عن النفع والضر من كل الوجوه على المحتاج المنتفع المتضرر قياس باطل في بديهة العقل.
ثم قال: ﴿ أَمْ ءاتيناهم كتابا مّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ ﴾ يعني أن القول الباطل الذي حكاه الله تعالى عنهم عرفوا صحته بالعقل أو بالنقل، أما إثباته بالعقل فهو باطل لقوله: ﴿ مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ﴾ وأما إثباته بالنقل فهو أيضاً باطل لقوله: ﴿ أَمْ ءاتيناهم كتابا مّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ ﴾ والضمير في قوله: ﴿ مِن قَبْلِهِ ﴾ للقرآن أو للرسول، والمعنى أنهم (هل) وجدوا ذلك الباطل في كتاب منزّل قبل القرآن حتى جاز لهم أن يعولوا عليه، وأن يتمسكوا به، والمقصود منه ذكره في معرض الإنكار، ولما ثبت أنه لم يدل عليه لا دليل عقلي ولا دليل نقلي وجب أن يكون القول به باطلاً.
ثم قال تعالى: ﴿ بَلْ قَالُواْ إِنَّا وَجَدْنَا ءَابَاءَنَا على أُمَّةٍ وَإِنَّا على ءاثارهم مُّهْتَدُونَ ﴾ والمقصود أنه تعالى لما بيّن أن تمسك الجهال بطريقة التقليد أمر كان حاصلاً من قديم الدهر فقال: ﴿ وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا ءابَاءَنَا على أُمَّةٍ وَإِنَّا على آثارهم مقتدون ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب الكشاف: قرئ ﴿ على إِمَّةٍ ﴾ بالكسر وكلتاهما من الأم وهو القصد، فالأمة الطريقة التي تؤم أي تقصد كالرحلة للمرحول إليه، والإمة الحالة التي يكون عليها الآم وهو القاصد.
المسألة الثانية: لو لم يكن في كتاب الله إلا هذه الآيات لكفت في إبطال القول بالتقليد وذلك لأنه تعالى بيّن أن هؤلاء الكفار لم يتمسكوا في إثبات ما ذهبوا إليه لا بطريق عقلي ولا بدليل نقلي، ثم بيّن أنهم إنما ذهبوا إليه بمجرد تقليد الآباء والأسلاف، وإنما ذكر تعالى هذه المعاني في معرض الذم والتهجين، وذلك يدل على أن القول بالتقليد باطل، ومما يدل عليه أيضاً من حيث العقل أن التقليد أمر مشترك فيه بين المبطل وبين المحق وذلك لأنه كم حصل لهذه الطائفة قوم من المقلدة فكذلك حصل لأضدادهم أقوام من المقلدة فلو كان التقليد طريقاً إلى الحق لوجب كون الشيء ونقيضه حقاً ومعلوم أن ذلك باطل.
المسألة الثالثة: أنه تعالى بيّن أن الداعي إلى القول بالتقليد والحامل عليه، إنما هو حب التنعم في طيبات الدنيا وحب الكسل والبطالة وبغض تحمل مشاق النظر والاستدلال لقوله: ﴿ إلاَّ قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة ﴾ والمترفون هم الذين أترفتهم النعمة أي أبطرتهم فلا يحبون إلا الشهوات والملاهي ويبغضون تحمل المشاق في طلب الحق، وإذاعرفت هذا علمت أن رأس جميع الآفات حب الدينا واللذات الجسمانية ورأس جميع الخيرات هو حب الله والدار الآخرة، فلهذا قال عليه السلام: «حب الدنيا رأس كل خطيئة».
ثم قال تعالى لرسوله: ﴿ قُلَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بأهدى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ ءَابَاءَكُمْ ﴾ أي بدين أهدى من دين آبائكم فعند هذا حكى الله عنهم أنهم قالوا إنا ثابتون على دين آبائنا لا ننفك عنه وإن جئتنا بما هو أهدى ﴿ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافرون ﴾ وإن كان أهدى مما كنا عليه، فعند هذا لم يبق لهم عذر ولا علة، فلهذا قال تعالى: ﴿ فانتقمنا مِنْهُمْ فانظر كَيْفَ كَانَ عاقبة المكذبين ﴾ والمراد منه تهديد الكفار، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قرئ ﴿ قل ﴾ وقال: وجئتكم، وجئناكم، يعني، أتتبعون آباءكم ولو جئتكم بدين أهدى من دين آبائكم؟
قالوا: إنا ثابتون على دين آبائنا لا ننفك عنه، وإن جئتنا بما هو أهدى وأهدى.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قالَ أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ ﴾ قالُوا: أيْ أتَتَّبِعُونَ آباءَكم ولَوْ جِئْتُكم بِدِينٍ أهْدى مِن دِينِ آبائِكُمْ، وهي حِكايَةُ أمْرٍ ماضٍ أُوحِيَ إلى النَّذِيرِ، أوْ خِطابٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ، ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ أنَّهُ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ قالَ وقَوْلُهُ: ﴿ قالُوا إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ ﴾ أيْ وإنْ كانَ أهْدى إقْناطًا لِلنَّذِيرِ مِن أنْ يَنْظُرُوا أوْ يَتَفَكَّرُوا فِيهِ.
﴿ فانْتَقَمْنا مِنهُمْ ﴾ بِالِاسْتِئْصالِ.
﴿ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ ﴾ ولا تَكْتَرِثْ بِتَكْذِيبِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
{فانتقمنا مِنْهُمْ} فعاقبناهم بما استحقوه على إصرارهم {فانظر كَيْفَ كَانَ عاقبة المكذبين}
قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فانْتَقَمْنا مِنهم فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ ﴾ فَإنَّ ظاهِرَهُ كَوْنُ اَلِانْتِقامِ بِعَذابِ اَلِاسْتِئْصالِ وصاحِبُ اَلْبَحْرِ يَحْمِلُهُ عَلى اَلِانْتِقامِ بِالقَحْطِ والقَتْلِ والسَّبْيِ والجَلاءِ.
وقَرَأ أُبَيٌّ.
وأبُو جَعْفَرٍ.
وشَيْبَةُ.
وابْنُ مُقْسِمٍ.
والزَّعْفَرانِيُّ.
وغَيْرُهم (أوَلَوْ جِئْناكُمْ) بِنُونِ اَلْمُتَكَلِّمِينَ وهي تُؤَيِّدُ ما ذَهَبْنا إلَيْهِ والأمْرُ بِالنَّظَرِ فِيما اِنْتَهى إلَيْهِ حالُ اَلْمُكَذِّبِينَ تَسْلِيَةٌ لَهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وإرْشادٌ إلى عَدَمِ اَلِاكْتِراثِ بِتَكْذِيبِ قَوْمِهِ إيّاهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ <div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ بالعذاب فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ يعني: آخر أمرهم.
قوله عزّ وجلّ: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ يعني: بريء من معبودكم.
ذكر عن الفراء أنه قال: براء مصدر صرف أسماء، وكل مصدر صرف إلى اسم، فالواحد، والجماعة، والذكر، والأنثى فيه سواء.
قوله عز وجل: إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي يعني: إلا الذي خلقني، فإني لا أتبرأ منه.
فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ ويقال: إلا بمعنى لكن.
يعني: لكن الذي خلقني، فهو سيهدين، يعني: يثبتني على دين الإسلام وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ يعني: جعل تلك الكلمة ثابتة في نسله وَذُرِّيَّتَهُ وهي كلمة التوحيد لا إله إلا الله لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ عن كفرهم إلى الإيمان.
وقال قتادة: هو التوحيد والإخلاص، لا يزال في ذريته.
من يوحدوا الله تعالى، ويعبدوه وقال مجاهد: يعني: كلمة لا إله إلا الله في عقبه وولده.
ويقال: إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ يعني: ذو البراءة كما يقال: رجل عدل ورجال عدل، أي: ذو عدل.
قوله تعالى: بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ يعني: أجلت هؤلاء، وأمهلتهم.
يعني: قومك وَآباءَهُمْ حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ يعني: القرآن.
ويقال: الدعوة إلى التوحيد وَرَسُولٌ مُبِينٌ يعني: بين أمره بالدلائل.
والحجج.
ويقال: مبين، يعني: بين لهم الحق من الباطل.
قوله تعالى: وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ يعني: القرآن قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافِرُونَ يعني: جاحدون.
<div class="verse-tafsir"
وقال ابن زيد: المراد ب مَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ: الأصنامُ والأوثان، لأنَّهم كانوا يجعلون الحلي على كثير منها، ويتخذون كثيراً منها من الذهب والفضة «١» ، وقرأ أكثر السبعة:
وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً وقرأ الحَرَمِيَّانِ وابنُ عَامِرٍ: «عِنْدَ الرحمن إناثاً» وهذه القراءة أَدَلُّ على رفع المنزلة «٢» .
وقوله تعالى: «أأشهدوا خَلْقَهُمْ» معناه أَأُحْضِرُوا خَلْقَهُمْ، وفي قوله تعالى: سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ وعيدٌ مُفْصِحٌ، وأسند ابن المبارك عن سليمان بن راشِدٍ أنه بلغه أَنَّ امرأ لا يشهدُ شهادةً في الدنيا إلاَّ شَهِدَ بها يومَ القيامة على رؤوس الأشهاد، ولا يمتدح عبداً في الدنيا إلاَّ امتدحه يوم القيامة على رؤوس الأشهاد، قال القرطبيُّ في «تذكرته» : وهذا صحيح يَدُلُّ على صِحَّتِهِ قوله تعالى: سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ وقوله: مَّا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق: ١٨] انتهى.
وقوله سبحانه: وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ مَا عَبَدْناهُمْ ...
الآية، أي: ما عبدنا الأصنام.
ت: وقال قتادة وغيره: يعني: ما عبدنا الملائكة «٣» ، وجعل الكفارُ إمهالَ اللَّه لهم دليلاً على رضاه عنهم، وأنَّ ذلك كالأمرِ به، ثم نفى سبحانه علمهم بهذا، وليس عندهم كتاب مُنَزَّلٌ يقتضي ذلك وإنَّما هم يَظُنُّونَ ويحدسون/ ويُخَمِّنُون، وهذا هو الخَرْصُ والتخرُّص، والأُمَّة هنا بمعنى الملَّة والديانة، والآية على هذا تُعِيبُ عليهم التقليد،
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلُوا المَلائِكَةَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الجَعْلُ هاهُنا بِمَعْنى القَوْلِ والحُكْمِ عَلى الشَّيْءِ، تَقُولُ: قَدْ جَعَلْتُ زَيْدًا أعْلَمَ النّاسِ، أيْ: قَدْ وصَفْتُهُ بِذَلِكَ وحَكَمْتُ بِهِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وجَعْلُهُمُ المَلائِكَةَ إناثًا قَوْلُهُمْ: هُنَّ بَناتُ اللَّهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ، والشَّيْزَرِيُّ عَنِ الكِسائِيِّ: "عِنْدَ الرَّحْمَنِ" بِنُونٍ مِن غَيْرِ ألِفٍ وقَرَأ الباقُونَ: "عِبادُ الرَّحْمَنِ"، ومَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ: جَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ بَناتٍ.
والقِراءَةُ الأُولى مُوافِقَةً لِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ ، وإذا كانُوا في السَّماءِ كانَ أبْعَدَ لِلْعِلْمِ بِحالِهِمْ.
﴿ أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ ﴾ ؟
قَرَأ نافِعٌ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: "أأُشْهِدُوا" بِهَمْزَتَيْنِ، الأُولى مَفْتُوحَةٌ والثّانِيَةُ مَضْمُومَةٌ.
ورَوى المُسَيَّبِيُّ عَنْ نافِعٍ: "أوُ شْهِدُوا" مَمْدُودَةً مَن أشْهَدْتُ، والباقُونَ لا يَمُدُّونَ.
"أشْهِدُوا" مَن شَهِدْتُ، أيْ: أحَضَرُوهُ فَعَرَفُوا أنَّهم إناثٌ؟!
وهَذا تَوْبِيخٌ لَهم إذْ قالُوا فِيما يُعْلَمُ بِالمُشاهَدَةِ مِن غَيْرِ مُشاهَدَةٍ.
﴿ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ ﴾ عَلى المَلائِكَةِ أنَّها بَناتُ اللَّهِ وقالَ مُقاتِلٌ: لَمّا قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ؟
﴾ ، سُئِلُوا عَنْ ذَلِكَ فَقالُوا: [لا]، «فَقالَ النَّبِيُّ : "فَما يُدْرِيكم أنَّها إناثٌ؟" فَقالُوا: سَمِعْنا مِن آبائِنا، ونَحْنُ نَشْهَدُ أنَّهم لَمْ يَكْذِبُوا، فَقالَ اللَّهُ: ﴿ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهم ويُسْألُونَ ﴾ عَنْها في الآخِرَةِ.» وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، ومُجاهِدٌ: "سَنَكْتُبُ" بِنُونٍ مَفْتُوحَةٍ "شَهادَتَهُمْ" بِنَصْبِ التّاءِ، ووافَقَهُمُ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ في "سَنَكْتُبُ" وقَرَأ: "شَهاداتِهِمْ" بِألِفٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ ﴾ في المَكْنِيِّ عَنْهم قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ في آخَرِينَ.
والثّانِي: الأوْثانُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
وإنَّما عَنَوْا بِهَذا أنَّهُ لَوْ لَمْ يَرْضَ عِبادَتَنا لَها لَعَجَّلَ عُقُوبَتَنا، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ قَوْلَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ ﴾ .
وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ يَقُولُ: إنَّما أشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿ ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ ﴾ إلى ادِّعائِهِمْ أنَّ المَلائِكَةَ إناثٌ؛ قالَ: ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِقَوْلِهِمْ: ﴿ لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ ﴾ لِأنَّهُ قَوْلٌ صَحِيحٌ؛ والَّذِي اعْتَمَدْنا عَلَيْهِ أصَحُّ، لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ كَقَوْلِهِ: ﴿ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ﴾ ، وقَوْلِهِ: ﴿ أنُطْعِمُ مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أطْعَمَهُ ﴾ وقَدْ كَشَفْنا عَنْ هَذا المَعْنى هُنالِكَ.
و "يَخْرُصُونَ" بِمَعْنى: يَكْذِبُونَ.
وإنَّما كَذَّبَهُمْ، لِأنَّهُمُ اعْتَقَدُوا أنَّهُ رَضِيَ مِنهُمُ الكُفْرَ دِينًا.
﴿ أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ هَذا القُرْآنِ، أيْ: بِأنْ يَعْبُدُوا غَيْرَ اللَّهِ ﴿ فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ ﴾ يَأْخُذُونَ بِما فِيهِ.
﴿ بَلْ قالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ ﴾ أيْ: عَلى سُنَّةٍ ومِلَّةٍ ودِينٍ ﴿ وَإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ ﴾ فَجَعَلُوا أنْفُسَهم مُهْتَدِينَ بِمُجَرَّدِ تَقْلِيدِ الآباءِ مِن غَيْرِ حُجَّةٍ؛ ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ غَيْرَهم قَدْ قالَ هَذا القَوْلَ، فَقالَ: ﴿ وَكَذَلِكَ ﴾ أيْ: وكَما قالُوا قالَ مُتْرَفُو القُرى مِن قَبْلِهِمْ، ﴿ وَإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ ﴾ بِهِمْ.
( قُلْ أُولُو جِئْتُكم ) وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "قالَ أوَلَوْ جِئْتُكُمْ" [بِألِفٍ] .
قالَ أبُو عَلِيٍّ: فاعِلُ "قالَ" النَّذِيرُ، المَعْنى: فَقالَ لَهُمُ النَّذِيرُ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: "أوْلَوْ جِئْناكُمْ" بِألِفٍ ونُونٍ ﴿ بِأهْدى ﴾ أيْ: بِأصْوَبَ وأرْشَدَ.
قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى الكَلامِ: قُلْ: أتَتَّبِعُونَ ما وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم وإنْ جِئْتُكم بِأهْدى مِنهُ؟!
وفي هَذِهِ الآيَةِ إبْطالُ القَوْلِ بِالتَّقْلِيدِ.
قالَ مُقاتِلٌ: فَرَدُّوا عَلى النَّبِيِّ فَقالُوا: ﴿ إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ ﴾ ؛ ثُمَّ رَجَعَ إلى الأُمَمِ الخالِيَةِ، فَقالَ: ﴿ فانْتَقَمْنا مِنهم.
.
.
﴾ الآيَةُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَحْمَنُ ما عَبَدْناهم ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلا يَخْرُصُونَ ﴾ ﴿ أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ ﴾ ﴿ بَلْ قالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ ﴾ ﴿ وَكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ ﴾ ﴿ قالَ أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم قالُوا إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ ﴾ ﴿ فانْتَقَمْنا مِنهم فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ ﴾ ذَكَرَ اللهُ تَعالى احْتِجاجِ الكَفّارِ بِمَذاهِبِهِمْ لِيُبَيِّنَ فَسادَ مَنزَعِهِمْ، وذَلِكَ أنَّهم جَعَلُوا إمْهالَ اللهِ تَعالى لَهم وإنْعامَهُ عَلَيْهِمْ -وَهم يَعْبُدُونَ الأصْنامَ- دَلِيلًا عَلى أنَّهُ يَرْضى عِبادَةَ الأصْنامِ دِينًا، وذَلِكَ كالأمْرِ بِهِ، فَنَفى اللهُ تَعالى عَنِ الكَفَرَةِ أنْ يَكُونَ لَهم عِلْمٌ بِهَذا، ولَيْسَ عِنْدَهم كِتابٌ مُنَزَّلٌ يَقْتَضِي ذَلِكَ، وإنَّما هم يَظُنُّونَ ويُحْدِسُونَ ويُخَمِّنُونَ، وهَذا هو الخَرْصُ والتَخَرُّصُ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "عَلى أُمَّةٍ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ، وهِيَ: المِلَّةُ والدِيانَةُ، والآيَةُ -عَلى هَذا- تَعِيبُ عَلَيْهِمِ التَقْلِيدَ، وقَرَأ مُجاهِدٌ، والجَحْدَرِيُّ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "عَلى إمَّةٍ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وهي بِمَعْنى النِعْمَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ولا المَلِكُ النُعْمانُ يَوْمَ لَقِيتُهُ ∗∗∗ بِإمَّتِهِ يُعْطِي القُطُوطَ ويَأْفَقُ وَمِنهُ قَوْلُ عُدَيِّ بْنِ زَيْدٍ: ثُمَّ بَعْدَ الفَلاحِ والمُلْكِ والإ ∗∗∗ ∗∗∗ مَّةِ وارَتْهُمُ القُبُورُ فالآيَةُ -عَلى هَذا المَعْنى- اسْتِمْرارٌ في احْتِجاجِهِمْ، لِأنَّهم يَقُولُونَ: وجَدْنا آباءَنا في نِعْمَةٍ مِنَ اللهِ تَعالى وهم يَعْبُدُونَ الأصْنامَ، فَذَلِكَ دَلِيلُ رِضاهُ عنهُمْ، وكَذَلِكَ اهْتَدَيْنا نَحْنُ بِذَلِكَ عَلى آثارِهِمْ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن قَوْمٍ أنَّ "الإمَّةَ": الطَرِيقَةُ، مِن قَوْلِكَ: أمَمْتُ كَذا إمَّةٍ.
ثُمَّ ضَرَبَ تَعالى المَثَلَ لِنَبِيِّهِ ، وجَعَلَ لَهُ الأُسْوَةَ فِيمَن مَضى مِنَ النُذُرِ والرُسُلِ عَلَيْهُمُ السَلامُ، وذَلِكَ أنَّ المُتْرَفِينَ مَن قَوْمِهم -وَهم أهْلُ النِعَمِ والمالِ- قَدْ قابَلُوهم بِمِثْلِ هَذِهِ المُقابَلَةِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "قُلْ أو لَوْ"، والمَعْنى: فَقُلْنا لِلنَّذِيرِ: "قُلْ أو لَوْ"، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَفَصُ عن عاصِمٍ: "قالَ أوَلَوْ"، فَفي "قالَ" ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى النَذِيرِ، وباقِي الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ: "قُلْ" في قِراءَةِ مَن قَرَأها لَيْسَتْ بِأمْرٍ لِمُحَمَّدٍ ، وإنَّما هي حِكايَةٌ لِما قِيلَ لِلنَّذِيرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوَلَوْ ﴾ هي ألِفُ الِاسْتِفْهامِ دَخَلَتْ عَلى واوٍ عَطَفَتْ جُمْلَةَ كَلامٍ عَلى جُمْلَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ، و"لَوْ" في هَذا المَوْضِعِ، كَأنَّها شَرْطِيَّةٌ بِمَعْنى "إنَّ"، كَأنَّ مَعْنى الآيَةِ: وإنْ جِئْتُكم بِأبْيَنِ وأوضَحِ مِمّا كانَ آباؤُكم يَصْحَبُكم لُجاجُكم وَتَقْلِيدُكُمْ؟
فَأجابَ الكُفّارُ حِينَئِذٍ لِنُذُرِهِمْ: ﴿ إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فانْتَقَمْنا مِنهُمْ ﴾ الآيَةُ.....
وعِيدٌ لِقُرَيْشٍ، وضَرْبُ مَثَلٍ بِمَن سَلَفَ مِنَ الأُمَمِ المُعَذَّبَةِ المُكَذِّبَةِ بِأنْبِيائِها، كَما كَذَّبَتْ هي بِمُحَمَّدٍ ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أو لَوْ جِئْتُكُمْ"، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وأبُو شَيْخٍ [الهَنائِيُّ]، وخالِدٌ: "أو لَوْ جِئْناكُمْ"، وقَرَأ الأعْمَشُ: "قُلْ أو لَوْ أتَيْتُمْ".
<div class="verse-tafsir"
تفريع على جملة ﴿ قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون ﴾ [الزخرف: 24]، أي انتقمنا منهم عقب تصريحهم بتكذيب الرّسل.
وهذا تهديد بالانتقام من الذين شابهوهم في مقالهم، وهم كفار قريش.
والانتقام افتعال من النَّقْم وهو المكافأة بالسوء، وصيغة الافتعال لمجرد المبالغة، يقال: نَقَمَ كعلم وضَرَب، إذا كافأ على السوء بسوء، وفي المثل: هو كالأرقم إن يُتْرَك يَلْقَم وإن يُقْتَل يَنقَم.
الأرقم: ضرب من الحيات يعتقد العرب أنه من الجن فإنْ تركه المرء يتسور عليه فيلسعه ويقتله وإن قتله المرء انتقم بتأثيره فأمَات قاتله وهذا من أوهام العرب.
والمراد بالانتقام استئصالهم وانقراضهم.
وتقدم في قوله تعالى: ﴿ فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليمّ ﴾ في سورة الأعراف (136).
ولذلك فالنظر في قوله: ﴿ فانظر كيف كان عاقبة المكذبين ﴾ نظر التفكر والتأمل فيما قصّ الله على رسوله من أخبارهم كقوله تعالى: ﴿ قال سننظر أصدقتَ أم كنت من الكاذبين ﴾ في سورة النمل (27)، وليس نَظَرَ البصر إذ لم ير النبي حالة الانتقام فيهم.
ويجوز أن يكون الخطاب لغير معيَّن، أي لكل من يتأتى منه التأمل.
و ﴿ كيف ﴾ استفهام عن الحالة وهو قد علَّق فعل النظر عن مفعوله.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ بَلْ قالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: عَلى دِينٍ، قالَهُ قَتادَةُ وعَطِيَّةُ، ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ كُنّا عَلى أُمَّةِ آبائِنا قَدْ يَقْتَدِي الآخِرُ بِالأوَّلِ الثّانِي: عَلى مِلَّةٍ وهو قَرِيبٌ مِن مَعْنى الأوَّلِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقُطْرُبٌ وفي بَعْضِ المَصاحِفِ ) قالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى مِلَّةٍ ) الثّالِثُ: عَلى قِبْلَةٍ، حُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الفَرّاءِ.
الرّابِعُ: عَلى اسْتِقامَةٍ، قالَهُ الأخْفَشُ، وأنْشَدَ النّابِغَةُ حَلَفْتُ فَلَمْ أتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً ∗∗∗ وهَلْ يَأْثَمَنَّ ذُو أُمَّةٍ وهو طائِعُ الخامِسُ: عَلى طَرِيقَةٍ، قالَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وكانَ يَقْرَأُ ﴿ عَلى أُمَّةٍ ﴾ بِكَسْرِ الألِفِ والأُمَّةُ الطَّرِيقَةُ مِن قَوْلِهِمْ أمَمْتُ القَوْمَ.
حَكاهُ الفَرّاءُ.
﴿ وَإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ ﴾ قالَ قَتادَةُ: مُتَّبِعُونَ.
وَحَكى مُقاتِلٌ أنَ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وأبِي سُفْيانَ، وأبِي جَهْلٍ، وعُتْبَةَ، وشَيْبَةَ ابْنَيْ رَبِيعَةَ مِن قُرَيْشٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً ﴾ قال: قد قال ذلك أناس من الناس ولا نعلمهم إلا اليهود: أن الله عز وجل صاهر الجن فخرجت من بنيه الملائكة!؟
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه، قال: كنت أقرأ هذا الحرف ﴿ الذين هم عباد الرحمن إناثاً ﴾ فسألت ابن عباس فقال: ﴿ عباد الرحمن ﴾ قلت: فإنها في مصحفي ﴿ عند الرحمن ﴾ قال: فامحها واكتبها ﴿ عباد الرحمن ﴾ بالألف والباء.
وقال: أتاني رجل اليوم وددت أنه لم يأتني، فقال: كيف تقرأ هذا الحرف ﴿ وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً ﴾ قال: إن أناساً يقرأون ﴿ الذين هم عند الرحمن ﴾ فسكت عنه، فقلت: اذهب إلى أهلك!.
وأخرج عبد بن حميد، عن الحسن رضي الله عنه أنه قرأها ﴿ الذين هم عند الرحمن ﴾ بالنون.
وأخرج أبو عبيد وابن المنذر، عن مروان ﴿ وجعلوا الملائكة عند الرحمن إناثاً ﴾ ليس فيه ﴿ الذين هم ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ عباد الرحمن ﴾ بالألف والباء ﴿ أشهدوا خلقهم ﴾ بنصبهم الألف والشين ﴿ ستكتب ﴾ بالتاء ورفع التاء.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات، عن مجاهد في قوله: ﴿ وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ﴾ قال: يعنون الأوثان لأنهم عبدوا الأوثان يقول الله: ﴿ ما لهم بذلك من علم ﴾ يعني الأوثان أنهم لا يعلمون ﴿ إن هم إلا يخرصون ﴾ قال: يعلمون قدرة الله على ذلك.
وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة ﴿ وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ﴾ قال: عبدوا الملائكة.
وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج في قوله: ﴿ أم آتيناهم كتاباً من قبله ﴾ قال: قبل هذا الكتاب.
وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة ﴾ قال: على دين.
وأخرج الطستي، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل: ﴿ إنا وجدنا آباءنا على أمة ﴾ قال: على ملة غير الملة التي تدعونا إليها.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم أما سمعت نابغة بني ذبيان وهو يعتذر إلى النعمان بن المنذر؟
ويقول: حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ** وهل يأثمن ذو أمة وهو طائع وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن قتادة ﴿ بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ﴾ قال: قد قال ذلك مشركو قريش: انا وجدنا آباءنا على دين وانا متبعوهم على ذلك.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ﴾ قال: بفعلهم.
وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم رضي الله عنه قال: الأمة في القرآن على وجوه ﴿ وادَّكر بعد أمة ﴾ [ يوسف: 45] قال: بعد حين.
﴿ ووجد عليه أمة من الناس يسقون ﴾ [ يوسف: 23] قال: جماعة من الناس ﴿ وإنا وجدنا آباءنا على أمة ﴾ قال: على دين.
ورفع الألف في كلها.
وقرأ ﴿ قل أولو جئتكم ﴾ بغير ألف بالتاء.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ فانتقمنا منهم فانظر كيف كان عاقبة المكذبين ﴾ قال: شر والله كان عاقبتهم، أخذهم بخسف وغرق فأهلكهم الله ثم أدخلهم النار.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ ﴾ الآية.
قال ابن عباس: يريد ما صنع بقوم نوح وعاد وثمود (١) (٢) (١) ذكر ذلك الشوكاني في "فتح القدير" 4/ 553 ولم ينسبه.
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 793.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قال أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بأهدى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَآءَكُمْ ﴾ هذا رد على الذين اتبعوا آباءهم، والمعنى قل لهم أتتبعونهم ولو جئتكم بدين أهدى من الدين الذي وجدتم عليه آباءكم، وقرئ ﴿ قال أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ ﴾ والفاعل ضمير يعود على النذير المتقدم، وأما قراءة ﴿ قال ﴾ بالأمر فهو خطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم، أمره الله أن يقول ذلك لقريش وقيل: هو للنذير المتقدم، أمره الله أن يقول ذلك لقومه، والأول أظهر، وعلى هذا تكون هذه الجملة اعتراضاً بين قصة المتقدمين، فإنه قوله: ﴿ قالوا إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ﴾ : حكاية عن الكفار المتقدمين، وكذلك قوله: ﴿ فانتقمنا مِنْهُمْ ﴾ : يعني من المتقدمين.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ في إم الكتاب ﴾ بكسر الهمزة: حمزة وعلي ﴿ إن كنتم ﴾ بالكسر: أبو جعفر ونافع وعلي وحمزة وخلف.
الآخرون: بالفتح أي لأن كنتم ﴿ مهداً ﴾ : عاصم وحمزة وعلي وخلف وروح.
الباقون ﴿ مهاد ﴾ ﴿ ميتاً ﴾ بالتشديد: يزيد.
﴿ يخرجون ﴾ من الخروج: حمزة وعلي وخلف وابن ذكوان.
الآخرون: من الإخراج ﴿ ينشأ ﴾ من باب التفعيل: حمزة وعلي وخلف وحفص.
الباقون: بالتخفيف والياء مفتوحة والنون ساكنة ﴿ عباد الرحمن ﴾ جمع عبد أو عابد: أبو عمرو وعاصم وحمزة وعلي وخلف، وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر ﴿ عند الرحمن ﴾ بالنون كقوله ﴿ فالذين عند ربك ﴾ الآخرون: ﴿ عبيد الرحمن ﴾ ﴿ أو شهدوا ﴾ بقلب همزة الإشهاد واواً مضمومة: ورش وإسماعيل.
وقرأ يزيد وقالون مثله ولكن بالمد.
وقرأ المفضل بتحقيق الهمزتين.
الباقون: بهمزة واحدة للاستفهام والشين مفتوحة ﴿ قال أولو ﴾ بالألف: ابن عامر وحفص والمفضل ﴿ جئناكم ﴾ يزيد.
الوقوف: ﴿ حم ﴾ ه كوفي ﴿ المبين ﴾ ه لا ومن لم يقف على ﴿ حم ﴾ وقف على ﴿ المبين ﴾ لأن القسم متعلق بما قبله وهو هذه ﴿ حم ﴾ ﴿ تعقلون ﴾ ه ج ﴿ حكيم ﴾ ه ط ﴿ مسرفين ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ يستهزؤن ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ العليم ﴾ ه لا بناء على أن ما بعده وصف ولو كان نصباً أو رفعاً على المدح فالوقف ﴿ تهتدون ﴾ ه ﴿ بقدر ﴾ ج للالتفات مع الفاء ﴿ ميتاً ﴾ ج لانقطاع النظم مع تعلق التشبيه ﴿ تخرجون ﴾ ه ﴿ تركبون ﴾ ه لا ﴿ مقرنين ﴾ ه لا لأن ما بعده من تمام المقول ﴿ لمنقلبون ﴾ ه ﴿ جزءاً ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ط ﴿ بالبنين ﴾ ه ﴿ كظيم ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ إناثاً ﴾ ط ﴿ خلقهم ﴾ ط ﴿ ويسئلون ﴾ ه ﴿ ما عبدناهم ﴾ ط ﴿ يحرصون ﴾ ه ط ﴿ مستمسكون ﴾ ه ﴿ مهتدون ﴾ ه ﴿ مقتدون ﴾ ه ﴿ آباءكم ﴾ ط ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ المكذبين ﴾ ه ﴿ تعبدون ﴾ ه لا ﴿ سيهدين ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ كافرون ﴾ ه.
التفسير: أقسم بجنس الكتاب أو بالقرآن الظاهر الإعجاز أو المفصح عن كل حكم يحتاج المكلف إليه أنه جعل القرآن بلغة العرب ليعقلوه.
وفي نسبة الجعل إلى نفسه إشارة إلى أنه ليس بمفترى كما زعمه الكفرة.
وقيل: أراد ورب الكتاب وقيل: الكتاب اللوح المحفوظ.
وقال ابن بحر: هو الخط أقسم به تعظيماً لنعمته فيه، وقال ابن عيسى: البيان ما يظهر به المعنى للنفس عند الإدراك بالبصر والسمع وذلك على خمسة أوجه: لفظ وخط وإشارة وعقد وهيئة، كالأعراض وتكليح الوجه.
وأم الكتاب بكسر الهمزة وبضمها اللوح المحفوظ لأنه أصل كل كتاب والتقدير: وإنه لعلي حكيم في أم الكتاب لدينا.
والعلو علو الشأن في البلاغة والإرشاد وغير ذلك والحكيم المشتمل على الحكمة.
ثم أنكر على مشركي قريش بقوله ﴿ أفنضرب ﴾ قال جار الله: أراد أنهملكم فنضرب ﴿ عنكم الذكر ﴾ يقال: ضرب عنه الذكر إذا أمسك عنه وأعرض عن ذكره من ضرب في الأرض.
إذا أبعد و ﴿ صفحاً ﴾ مصدر من غير لفظ الفعل والأصل فيه أن تولي الشيء صفحة عنقك، وجوز جار الله أن يكون بمعنى جانباً من قولهم: " نظر إليه بصفح وجهه " فينتصب على الظرف ويكون الذكر بمعنى الوعظ والقرآن والفحوى أفننحيه عنكم.
وقيل: ضرب الذكر رفع القرآن عن الأرض أي أفنرفع القرآن عن الأرض أي أفنرفع القرآن من بين أظهركم إشراككم مع علمنا بأنه سيأتي من يقبله ويعمل به.
قال السدي: أفنترككم سدى لا نأمركم ولا ننهاكم وهو قريب من الأول.
وقيل: الذكر هو أن يذكروا بالعقاب ولا يخلوا من مناسبة لقوله ﴿ فأهلكنا أشد منهم بطشاً ﴾ ومن قرأ ﴿ إن كنتم ﴾ بالكسر فكقول الأجير: إن كنت عملت لك فوفني حقي.
يخيل في كلامه أن تفريطه في الخروج عن عهدة الأجر فعل من يشذ في الاستحقاق مع تحققه في الخارج.
ثم سلى نبيه بقوله ﴿ وكم أرسلنا ﴾ الآيتين.
قوله ﴿ أشد منهم ﴾ قيل: "من" زائدة والمراد أشدهم ﴿ بطشاً ﴾ كعاد وثمود وقيل: الضمير لقوم رسول الله وأصله أشد منكم إلا أنه ورد على طريقة الالتفات كقوله ﴿ حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم ﴾ قوله ﴿ ومضى مثل الأولين ﴾ أي سلف ذكرهم وقصتهم العجيبة في القرآن غير مرة ويحتمل أن يكون معناه كقوله ﴿ وقد خلت سنة الأولين ﴾ ثم بين بقوله ﴿ ولئن سألتهم ﴾ أن كفرهم كفر عناد ولجاج لأنهم يعرفون الله ثم ينكرون رسوله وكتابه وقدرته على البعث.
وهذه الأوصاف من كلام الله لا من قول الكفار بدليل قوله ﴿ لكم ﴾ ولم يقل " لنا " ولقوله ﴿ فأنشرنا ﴾ والمراد لينسبن خلقها إلى الذي هذه أوصافه وقد مر في "طه" مثله.
وقوله ﴿ تهتدون ﴾ أي في الأسفار أو إلى الإيمان بالنظر والاعتبار.
وقوله ﴿ بقدر ﴾ أي بمقدار الحاجة لا مخرباً مغرقاً كما في الطوفان.
وقوله ﴿ ميتاً ﴾ تذكيره بتأويل المكان.
والأزواج الأصناف وقد مر في قوله ﴿ سبحان الذي خلق الأزواج ﴾ والعائد إلى ما في قوله ﴿ ما تركبون ﴾ محذوف فلك أن تقدره مؤنثاً أو مذكراً باعتبارين.
قال في الكشاف: يقال: ركبت الأنعام وركبت في الفلك إلا أنه غلب المتعدي بغير واسطة على المتعدي بواسطة.
قلت: يجوز أن يكون كقوله "ويوم شهدناه" والضمير في ظهوره عائد إلى ما.
والاستواء في الآية بمعنى التمكن والاستقرار وذكر النعمة بالقلب ويحتمل كونه باللسان وهو تقديم الحمد لله.
يروى أن النبي كان إذا وضع رجله في الركاب قال: الحمد لله على كل حال ﴿ سبحان الذي سخر لنا هذا ﴾ إلى قوله ﴿ لمنقلبون ﴾ وكبر ثلاثاً وهلل ثلاثاً.
وإذا ركب في السفينة قال ﴿ بسم الله مجريها ومرساها إِن ربي لغفور رحيم ﴾ ومعنى ﴿ مقرنين ﴾ مطيقين أو ضابطين مع صعوبة خلقه وخلقه.
وقيل: لا يطيق أن يقرن بعضها ببعض حتى يسيرها إلى حيث يريد ﴿ وإنا إلى ربنا لمنقلبون ﴾ أي في آخر عمرنا كأنه يتذكر ركوب الجنازة أو عثور الدابة أو انكسار السفينة فليستعد للقاء الله عز وجل بخلاف من يركب الخيول والزوارق لأجل التنزه والاشتغال بالملاهي والمناهي فيكون غافلاً عن المبدأ والمعاد.
عن بعضهم أنه أدخل في البحر ههنا خلاف ما في "الشعراء" لأن ركوب الدابة أو السفينة أو الجنازة عام لكل أحد.
وما في "الشعراء" خاص بالسحرة.
ثم عاد إلى ما انجر الكلام منه وهو قوله ﴿ ولئن سألتهم ﴾ والمقصود التنبيه على سخافة عقولهم وقلة محصولهم فإنهم مع الإقرار بأن خالق السموات والأرض هو الله جعلوا له من عباده جزءاً أي أثبتوا له ولداً، وذلك أن ولد الرجل جزء منه.
قال : " فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها" " وفي قوله ﴿ من عباده ﴾ إشارة إلى أن ما عداه ممكن الوجود فإن الولد متأخر في الوجود عن الأب والمتأخر عن الواجب ممكن، والممكن مفتقر إلى الواجب في الوجود والبقاء والذات والصفات.
وقيل: هو إنكار على مثبتي الشركاء لأنهم جعلوا بعض العبادة لغير الله، وفيه نوع تكلف.
والكفور البليغ الكفران لأنه يجحد ربه وخالقه ولا يجتهد في تنزيهه وتقديسه.
وحين وبخهم على إثبات الولد زاد في توبيخهم وتجهيلهم والتعجيب من حالهم حيث جعلوا ذلك الولد بنتاً مع أنها مكروهة عندهم فقال ﴿ أم اتخذ مما يخلق ﴾ وفائدة تنكير ﴿ بنات ﴾ وتعريف البنين كما مر في آخر السورة المتقدمة في تنكير ﴿ إناثاً ﴾ وتعريف ﴿ الذكور ﴾ } [الشورى: 49] وقوله ﴿ بما ضرب للرحمن مثلاً ﴾ أي بالجنس الذي جعله شبهاً لله لأن الولد لا يكون إلا من جنس الوالد، والمراد أنه إذا بشر بالأنثى كما سبق في "النحل" اغتم ويسود وجهه وملىء غيظاً وكرباً.
ثم زاد في الإنكار بتعديد طرف من نقصان الإناث قائلاً ﴿ أو من ينشأ ﴾ والتقدير أهو كضده.
قال جار الله: تقديره أو يجعل للرحمن من الولد من له هذه الصفة الدنيئة الذميمة وهي أنه يربى أو يتربى في الزينة والنعومة، وهو إذا احتاج إلى المخاصمة لا يبين ولا يعرب عما في ضميره لعجزه عن البيان ولقلة عقله.
قالت العقلاء: قلما تكلمت امرأة فأرادت أن تعرب عن حجتها إلا نطقت بما هو حجة عليها.
وفيه أن النشء في الزينة والإمعان في التنعم من خصائص ربات الحجال لا من خواص الرجال.
وإنما ينبغي أن يكون تلبسهم بلباس التقوى وتزينهم باستعداد الزاد للدار الأخرى.
ثم خصص أن البنات التي نسبن إليه من أي جنس من بعدما عمم في قوله ﴿ مما يخلق ﴾ فقال ﴿ وجعلوا ﴾ أي سموا ﴿ الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً ﴾ وفي إثبات العبودية لهم نفي الجزئية عنهم كما مر آنفاً.
وقوله ﴿ أشهدوا خلقهم ﴾ كقوله ﴿ ما أشهدتم خلق السموات والأرض ﴾ وفيه تهكم بهم لأنه لم يدل على ذلك عقل ولا نقل صحيح فلم يبق إلا الإخبار عن المشاهدة يعني مشاهدتهم خلق الله إياهم أو مشاهدة صور الملائكة.
ثم أوعدهم بقوله ﴿ ستكتب شهادتهم ﴾ على أنوثية الملائكة ﴿ ويسئلون ﴾ ثم حكى نوعا آخر من كفرهم وشبهاتهم وهو أنهم ﴿ قالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ﴾ أي الملائكة والأصنام نظير ما مر في آخر الأنعام { ﴿ سيقول الذين أشركوا ﴾ واستدلال المعتزلة به ظاهر لأنه ذمهم بقوله ﴿ ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون ﴾ أجاب الزجاج عنه بأن قوله ﴿ ما لهم بذلك من علم ﴾ عائد إلى قولهم الملائكة بنات الله، والمراد لو شاء الرحمن ما أمرنا بعبادتهم كقولهم { ﴿ والله أمرنا بهم ﴾ فلهذا أنكر الله عليهم قاله الواحدي في بسيطه.
وقيل: قالوها استهزاء، وزيفه جار الله بأنه لا يتمشى في أقوالهم المتقدمة وإلا كانوا صادقين مؤمنين.
وجعل هذا الأخير وحده مقولاً على وجه الهزء دون ما قبله تعويج لكتاب الله.
وتمام البحث بين الفريقين مذكور في " الأنعام " وإنما قال في الجاثية ﴿ إن هم إلا يظنون ﴾ لأن هذا كذب محض وهناك خلطوا الصدق بالكذب، صدقوا في قولهم ﴿ نموت ونحيى ﴾ وكذبوا في قولهم ﴿ وما يهلكنا إلا الدهر ﴾ وكانوا شاكين في أمر البعث، ثم زاد في الإنكار عليهم بقوله ﴿ أم آتيناهم كتاباً من قبله ﴾ أي من قبل القرآن أو الرسول ﴿ فهم به مستمسكون ﴾ ثم أضرب عن ذلك وأخبر أنه لا مستند لهم في عقائدهم وأقوالهم الفاسدة الا التقليد.
والأمة الدين والطريقة التي تؤم أي تقصد.
ثم سلى نبيه بأن هذا دأب أسلافهم وداء قديم في جهال بني آدم.
وإنما قال أولاً ﴿ مهتدون ﴾ وبعده ﴿ مقتدون ﴾ لأن العرب كانوا يخاصمون رسول الله ويزعمون الاهتداء، ولعل الأمم قبلهم لم يزعموا إلا الاقتداء بالآباء دون الاهتداء.
ثم أخبر أن النذير ﴿ قال ﴾ أو أمر النذير أو محمداً أن يقول ﴿ أو لو جئتكم ﴾ أي أتتبعون آباءكم ولو جئتكم بدين أهدى من دين آبائكم فاصروا على التكذيب ولم يقبلوا فانتقم الله منهم.
ثم بين بقصة إبراهيم أن القول بالتقليد يوجب المنع من التقليد، وذلك أن إبراهيم كان أشرف آباء العرب وأنه ترك دين الآباء لأجل الدليل، فلو كانوا مقلدين لآبائهم وجب أن يتبعوه في الاعتماد على الدليل لا على مجرد التقليد.
والبراء بالفتح مصدر أي ذو براء.
وقوله ﴿ إلا الذي فطرني ﴾ قيل: متصل، وكان فيهم من يعبد الله مع الأصنام.
وقيل: منقطع بمعنى لكن، ويحتمل أن يكون مجروراً بدلاً من ما أي إلا من الذي وجوز في الكشاف أن تكون "إلا" صفة بمعنى غير و "ما" موصوفة تقديره إنني براء من آلهة تعبدونها غير الذي فطرني ﴿ فإنه سيهدين ﴾ أي يثبتني على الهداية أو يرشدني إلى طريق الجنة، ولا ريب أن قوله ﴿ إنني براء مما تعبدون ﴾ بمنزلة لا إله وقوله ﴿ إلا الذي فطرني ﴾ بمثابة " إلا الله " وهي كلمة التوحيد فلذلك أنّث الضمير في قوله ﴿ وجعلها ﴾ أي وجعل إبراهيم أو الله ﴿ كلمة ﴾ التوحيد ﴿ باقية في عقبه ﴾ فلا يزال في ذريته من يوحد الله عز وجل ويدعو إلى توحيده نظيره ﴿ ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب ﴾ ﴿ لعلهم ﴾ أي لعل من أشرك منهم يرجع إلى التوحيد أو عن الشرك بدعاء الموحدين منهم.
ثم أضرب عن رجاء الرجوع منهم إلى أن تمتيعهم بالعمر وسعة الرزق صار سبباً لعظم كفرهم وشدة عنادهم.
قال جار الله: أراد بل اشتغلوا عن التوحيد ﴿ حتى جاءهم الحق ﴾ وهو القرآن ﴿ ورسول مبين ﴾ الرسالة واضحها فخيل بهذه الغاية أنهم تنبهوا عندها من غفلتهم لاقتضائها التنبيه.
ثم ابتدأ قصتهم عند مجيء الحق قائلاً ﴿ ولما جاءهم الحق ﴾ جاؤا بما هو شر من غفلتهم وهو أن ضموا إلى شركهم معاندة الحق ومكابرة الرسول وإنكار القرآن والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا ﴾ .
قال عامة أهل التأويل: أي: الكفرة جعلوا لله - - من عباده أنثى، أي: بنتاً.
وقال الزجاج: ﴿ جُزْءًا ﴾ أي: بنتاً، وقال: إن الجزء عند بعض العرب البنت؛ لأن الكفرة قد اختلف أنواع كفرهم، وهم مختلفون في كفرهم؛ يقول الثنوية بالاثنين، يقولون: إن الله - - هو خالق الخيرات، وخالق الشرور غيره؛ على حسب ما اختلفوا في ذلك الغير ما هو؟
فهؤلاء الثنوية جعلوا لله - - من عباده جزءاً وهو الخيرات، ولم يجعلوا له الجزء الآخر، ومشركو العرب جعلوا له فيما رزقهم جزءاً لله - - وجزءاً لشركائهم؛ حيث قال: ﴿ وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَٰمِ نَصِيباً فَقَالُواْ هَـٰذَا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـٰذَا لِشُرَكَآئِنَا ﴾ ، فهؤلاء جعلوا له جزءاً مما رزقهم، وهو الظاهر، وفريق آخر جعلوا له جزءاً من عباده وهو الإناث، ولم يجعلوا لله البنين، كقوله - -: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَاتِ ﴾ فجعل الجزء له على ما ذكر أظهر مما ذكره أهل التأويل وصرفوه إليه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلإنسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ ﴾ أي: كفور لنعمه ﴿ مُّبِينٌ ﴾ أي: يبين كفرانه.
وقوله - عز وجل - ﴿ أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُم بِٱلْبَنِينَ ﴾ هو على الإضمار؛ كأنه يقول: أم يقولون: اتخذ مما يخلق بنات لنفسه وأصفاكم بالبنين، وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ ٱلْكَذِبَ ﴾ .
ثم قوله - -: ﴿ أَمِ ٱتَّخَذَ ﴾ أي: قالوا: بل اتخذ مما يخلق بنات.
يذكر في هذه الآيات سفه أهل مكة وشدة تعنتهم؛ لأنهم قوم لا يؤمنون بالرسل، وما ذكروا من اتخاذ الولد، وما ادعوا بأن الملائكة بنات الله، وما أقروا حين سئلوا: من خلق السماوات والأرض؟
أن الله هو خالق ذلك كله مما لا سبيل إلى معرفة ما قالوا وادعوا إلا بالرسل، وهم ينكرون الرسل، فكيف ادعوا ما ادعوا وهم ينكرون خبرهم؛ لأن من ادعى ولداً لغائب لا يعلمه إلا بخبر صادق، وكذلك معرفة الملائكة إنما هو بخبر يأتيهم، ثم هم ينكرون الأخبار والرسل؛ فتتناقض دعواهم وتضمحل، على ما ذكرنا.
ثم أخبر عنهم ما يظهرون من الحزن عندما يولد لهم من الإناث، وما يلحقهم من الكراهة في ذلك بقوله - -: ﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـٰنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ .
ثم قوله: ﴿ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـٰنِ مَثَلاً ﴾ أي: شبهاً بالخلق، وأنه يخرج على وجهين: أحدهما: بما جعلوا له ولداً، والولد هو شبيه الوالد؛ فكان في إثبات الولد إثبات المثل والشبيه.
والثاني: في إثبات الولد له إثبات المشابهة بينه وبين جميع الخلق؛ لأن الخلق لا يخلو إما أن يكون مولوداً من آخر أو يولد آخر منه، وإما أن يكون له شريك فيما يملكه، أو يكون هو شريك غيره، فيكون البعض شبيهاً بالبعض، فمن أثبت لله شريكاً وولداً فقد جعله شبيهاً بالخلق؛ ولهذا تبرأ الله - - من الولد والشريك تبرؤاً واحداً بقوله - -: ﴿ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ ﴾ نفى الولد والشريك عن نفسه نفياً واحداً وبراءة واحدة، والله الموفق.
وقوله: ﴿ أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُم بِٱلْبَنِينَ ﴾ يحتمل أن يكون تفسيراً لقوله: ﴿ وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ ، وعلى ذلك قول أهل التأويل: إنهم جعلوا هذه تفسيراً للأولى.
وجائز أن يكون لا على التفسير للأولى، ولكن على الابتداء في قوم آخرين سواهم، على ما ذكرنا نحن من التأويل، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي ٱلْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: هي الأصنام التي عبدوها، حلّوها وزينوها بأنواع الزينة والحليّ، يقول - والله أعلم -: ولو حلي بالحليّ وزين بالزينة وهو لا يملك نفعاً، ولا ضرّاً، ولا تكلما، ولا خصومة، ولا شيئاً من ذلك، ولا يلتفت إليه، ولا يكترث له، لولا تلك الحلي والزينة التي بها في جعل العبادة له كمن منه خلق ما ذكر من السماوات والأرض وما فيها من المنافع، أي: ليس هذا بسواء لذلك، يذكر سفههم في اختيارهم الأصنام التي هذا وصفها في العبادة على عبادة الله الذي منه كل شيء؛ يصبر رسوله على أذاهم وتكذيبهم إياه وسوء معاملتهم معه، والله أعلم.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي ٱلْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ ﴾ هي الإناث؛ يقول - والله أعلم -: إن الأنثى ضعيفة، قليلة الحيلة، وهي عند الخصومة والمحاورة غير مبينة؛ يصف عجزهن وضعفهن ونقصانهنّ، يقول - والله أعلم -: كيف نسبوا إلى الله - عز وجل - ما هو أضعف وأعجز وأنقص فيما ذكر، وقد اتقوا هم منها، واختاروا لأنفسهم ما هو أكمل وأقوى وهم الذكور، وهو صلة قوله - عز وجل -: ﴿ أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُم بِٱلْبَنِينَ...
﴾ إلى آخر ما ذكر، وكل حرف مما تقدم ذكره من قوله: ﴿ وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا ﴾ ونحو ذلك.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي ٱلْحِلْيَةِ ﴾ يحتمل أن يرجع إلى معنى آخر غير المعنى فيما ذكر من الآيات، وكل حرف من هذه الحروف يرجع إلى فريق غير الفريق الآخر؛ لأنهم كانوا في المذاهب مختلفين متفرقين.
وجائز أن يرجع الكل إلى معنى واحد، والله أعلم.
وفي هذه الآيات ما ذكرنا من الوجوه من تصبير رسول الله على أذى القوم، ومن بيان سفه أولئك، ومن التحذير لما تأخر منهم، والله أعلم.
وقال القتبي: ﴿ أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي ٱلْحِلْيَةِ ﴾ أي: يرى في الحلي، وهي البنات، يريد جعلهم بنات لله - - وهم إذا كان لأحدهم بنت ﴿ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ ؛ أي: حزين، والخصام جمع: خصيم ﴿ غَيْرُ مُبِينٍ ﴾ أي: غير مبين الحجة.
وقال أبو عوسجة: ﴿ أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي ٱلْحِلْيَةِ ﴾ أي: ينشأ؛ كما يقال: ينشأ الصبي ينشأ، أي: يشب ويرتفع، والخصام: المخاصمة.
وقال أبو معاذ: ﴿ يُنَشَّأُ فِي ٱلْحِلْيَةِ ﴾ - والله أعلم -: البنت، ويقرأ ﴿ يُنَشَّأُ ﴾ بالتشديد، و ﴿ يُنْشَأُ ﴾ بالتخفيف، وهما لغتان، وقرأ بعضهم: ﴿ يَنْشَأُ في الحلية ﴾ ، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ ﴾ .
فإن قيل: كيف سفههم في جعلهم عباد الرحمن إناثاً، وقد جعل الله من عباده إناثاً، لماذا عاتبهم على ذلك؟
قيل: عن هذا وجهان: أحدهما: إنما سفههم وعاتبهم؛ لشهادتهم على الله - وتعالى - أنه جعل الملائكة إناثاً، وهم لم يشاهدوها، ولا يؤمنون بالرسل - عليهم السلام - حتى يقع لهم العلم والخبر بذلك بقول الرسل، والله أعلم.
والثاني: أن الله - - وصف ملائكته بأنهم لا يفترون عن عبادته، وأنهم لا يستحسرون، وأنهم مطيعون لله - - على الدوام بحيث لا يرد منهم عصيان طرفة عين؛ على ما نطق بذلك الكتاب، فهم إذا قالوا: إنهم إناث، وصفوهم بالضعف والعجز، فلا يتهيأ لهنّ القيام بما ذكر، والله أعلم.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً ﴾ ، وقوله: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَاتِ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ ﴾ - ليس على حقيقة الجعل، ولكن على الوصف له والقول؛ أي: قالوا: إن الملائكة بنات الله، ووصفوا لهم بما ذكر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ ﴾ تعلق المعتزلة بظاهر هذه الآية في أن الله - - لم يشأ الكفر من الكافر، وإنما شاء الإيمان، فإن الكفار ادعوا أن الله - - شاء منهم الكفر، وما شاء منهم ترك عبادة الأصنام؛ حيث قالوا: ﴿ لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ ﴾ أي: لو شاء منا ترك عبادة الأصنام لتركناها، ولكن شاء منا عبادة الأصنام، والله - - رد عليهم قولهم واعتقادهم فقال: ﴿ مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ﴾ ، أي: ما هم إلا يكذبون.
وعندنا الآية تخرج على وجوه: أحدها: أنهم في قولهم: ﴿ لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ ﴾ صدقة؛ فإن معناه: لو شاء منهم تركهم عبادة الأصنام ما عبدوها، ولكن شاء أن يعبدوها فعبدوها؛ فيكون هذا منهم إخباراً عن المخبر به على ما هو؛ فيكون صدقاً.
ثم قوله - : ﴿ مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ﴾ يحتمل: إنما سماهم كذلك لما قالت المعتزلة: إنهم ادعوا وأخبروا أن الكفر بمشيئة الله - - وأنه شاء منهم الكفر دون الإيمان، فالله - - شاء منهم الإيمان دون الكفر، فقد أخبروا على خلاف المخبر به؛ فيكونون كاذبين.
ويحتمل أنهم قالوا ذلك وفي قلوبهم بخلاف ما أخبروا، وهو أن الكفر ليس مما شاء الله - - وإنما شاء الإيمان كما تقوله المعتزلة، ولكن يقولون ذلك ردّاً على المسلمين الذين يدعونهم إلى الإيمان والرجوع عن الكفر: إنه إذا كان شاء منا الكفر دون الإيمان كيف نؤمن ونترك الكفر؟
والإخبار عما هو به وإن كان صدقاً، ولكن إذا كان في قلب المخبر واعتقاده خلاف ذلك فيكون ذلك الإخبار في نفسه صدقاً، لكن من حيث إنه إخبار عما في الضمير يكون كذباً، وهذا كقول الله - -: ﴿ إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ﴾ وهم في قولهم: ﴿ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ ﴾ صدقه، لكن في إخبارهم عما في ضميرهم كذبة؛ لما لا يوافق ظاهر كلامهم حقيقة ما في قلوبهم، فيرجع تكذيب الله - - إياهم لكذب قلوبهم، وإن كانوا في نفس قولهم: ﴿ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ ﴾ صدقة، وإذا احتمل الوجهين فلا تكون الآية حجة لهم مع الاحتمال، وعلى الوجهين جميعاً يكونون كاذبين؛ لذلك قال: ﴿ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ﴾ ، والله أعلم.
والثاني: أنهم وإن كانوا صادقين في ذلك فهم ربما قالوا ذلك على الاستهزاء والسخرية، لا على الجد؛ فيكون قصدهم تلبيس الصدق على الناس ورده، كقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَقُولُ ٱلإِنسَانُ أَءِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً ﴾ ، وهذا القول من هذا الإنسان حق وصدق، لكن إنما قال ذلك استهزاء منه وإنكاراً للبعث؛ ألا ترى أن الله - - وعظه على ذلك وذكره، حيث قال: ﴿ أَوَلاَ يَذْكُرُ ٱلإِنسَٰنُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً ﴾ فعلى ذلك قول أولئك وإن كان في الظاهر صدقاً فهم إنما قالوا ذلك استهزاء وسخرية على سبيل الإنكار وتلبيس الحق؛ فيكون إخبارهم من هذا الوجه ولهذا الغرض خرصاً وكذباً، والله أعلم.
والثالث: غرضهم بذلك الاحتجاج على المسلمين في توعيدهم بالعذاب بسبب العناد والكفران كيف نعذب وإنما باشرنا الكفر بمشيئته، ولو شاء أن نترك العبادة للأصنام تركنا فإذا كان شاء منا الكفر حتى كفرنا لماذا عاقبنا؟
فأبطل احتجاجهم بقوله - -: ﴿ مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ﴾ أي: هم جاهلون في الاحتجاج بهذا، كاذبون في أنهم باشروا الكفر بسبب مشيئة الله - - إياهم الكفر، ولكن لسوء اختيارهم، وأسباب حاملة لهم على ذلك، وأصله: أن لا أحد من العصاة والفسقة والكفرة يفعل وعنده أن الله - - شاء ذلك منهم، فإذا كان وقت فعله لا يفعل ما يفعل؛ لأن الله شاء ذلك منه لم يكن له هذا الاحتجاج والقول الذي قالوا: والله الموفق.
والرابع: يحتمل أنهم يقولون: ﴿ لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ ﴾ ، وقولهم: ﴿ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا ﴾ أي: لو أمرنا الله - - بترك عبادتنا أولئك الأصنام ما عبدناهم، لكن أمرنا أن نعبدهم، كانوا يدعون أنما يعبدون لأمر من الله - - كقوله: ﴿ وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ﴾ .
أو أرادوا بالمشيئة: الرضا؛ يقولون: لولا أن الله - - قد رضي بذلك عنّا وعن آبائنا، وإلا ما تركنا وهم على ذلك؛ فاستدلوا بتركهم على ما اختاروا على أن الله - - قد رضي بذلك عنهم، فردّ الله - وتعالى - بقوله: ﴿ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ﴾ وبقوله: ﴿ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ...
﴾ الآية [الأعراف: 28]، وقد ذكرناه على الاستقصاء في قوله - -: ﴿ سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا...
﴾ الآية [الأنعام: 148]، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ ﴾ أي: لم نؤتهم كتاباً ليكون لهم العلم بذلك؛ يسفههم في قولهم؛ لأنهم قوم لا يؤمنون ولا يصدقون.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ قَالُوۤاْ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّهْتَدُونَ ﴾ إنهم قوم ينكرون [الرسل] ويكذبونهم بعلة أنهم بشر، ثم اقتدوا بآبائهم واتبعوهم وهم بشر أيضاً، فهذا تناقض في القول؛ يذكر سفههم وتناقضهم في القول.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ ﴾ يصبّر رسوله على ما قال هؤلاء: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ ﴾ : أنّه ليس ببديع من هؤلاء؛ بل قال أوائلهم لرسلهم على ما قال قومك؛ يصبره ويعزيه، ويذكر سفههم في اتباعهم إياهم واقتدائهم بهم وهم بشر، فيقول: فإذا كنتم لا محالة تتبعون البشر فاتبعوا أمر [من] هم أهدى من آبائكم، وهم الرسل، وهو ما قال - عز وجل -: ﴿ قَٰلَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَآءَكُمْ ﴾ فقالوا عند ذلك: ﴿ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ﴾ عناداً وتعنتاً منهم.
وقال بعضهم: أي: قل يا محمد: ﴿ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ ﴾ أي: إن جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم من الدين، أفتتبعونني فيما جئتكم؟
فردوا عليه وقالوا: ﴿ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ ﴾ هذا وعيد.
ثم قال بعضهم: ﴿ فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ ﴾ يقول: هو رجوع إلى ذكر الأمم الخالية، فقال: فانتقمنا منهم بالعذاب الذي نزل.
ويحتمل أن يكون قوله - -: ﴿ فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ ﴾ وذلك جائز.
وقوله: ﴿ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ ﴾ يحتمل: مكذبي الرسل.
ويحتمل: مكذبي العذاب.
<div class="verse-tafsir"
فانتقمنا من الأمم التي كذبت بالرسل من قبلك فأهلكناهم، فتأمل كيف كانت نهاية المكذبين برسلهم، فقد كانت نهاية أليمة.
<div class="verse-tafsir" id="91.wdN3z"