الإسلام > القرآن > سور > سورة 43 الزخرف > الآية ٧٩ من سورة الزخرف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 64 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٧٩ من سورة الزخرف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم قال تعالى : ( أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون ) قال مجاهد : أرادوا كيد شر فكدناهم .
وهذا الذي قاله مجاهد كما قال تعالى : ( ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون ) [ النمل : 50 ] ، وذلك لأن المشركين كانوا يتحيلون في رد الحق بالباطل بحيل ومكر يسلكونه ، فكادهم الله ، ورد وبال ذلك عليهم ; ولهذا قال :
القول في تأويل قوله تعالى : أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (79) يقول تعالى ذكره: أم أبرم هؤلاء المشركون من قريش أمرا فأحكموه, يكيدون به الحقّ الذي جئناهم به, فإنا محكمون لهم ما يخزيهم, ويذلهم من النكال.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ ) قال: مجمعون: إن كادوا شرّا كدنا مثله.
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, في قوله: ( أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ ) قال: أم أجمعوا أمرا فإنا مجمعون.
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ ) قال: أم أحكموا أمرا فإنا محكمون لأمرنا.
قوله تعالى : أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون .قال مقاتل : نزلت في تدبيرهم المكر بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في دار الندوة ، حين استقر أمرهم على ما أشار به أبو جهل عليهم أن يبرز من كل قبيلة رجل ليشتركوا في قتله فتضعف المطالبة بدمه ، فنزلت هذه الآية ، وقتل الله جميعهم ببدر .
( أبرموا ) أحكموا .
والإبرام الإحكام .
أبرمت الشيء أحكمته .
وأبرم الفتال إذا أحكم الفتل ، وهو الفتل الثاني ، والأول سحيل ، كما قال [ زهير بن أبي سلمى ] :.
.
.
من سحيل ومبرمفالمعنى : أم أحكموا كيدا فإنا محكمون لهم كيدا ، قاله ابن زيد ومجاهد .
قتادة : أم أجمعوا على التكذيب فإنا مجمعون على الجزاء بالبعث .
الكلبي : أم قضوا أمرا فإنا قاضون عليهم بالعذاب .
و ( أم ) بمعنى بل .
وقيل : ( أم أبرموا ) عطف على قوله : أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون .
وقيل : أي : ولقد جئناكم بالحق فلم تسمعوا ، أم سمعوا فأعرضوا لأنهم في أنفسهم أبرموا أمرا أمنوا به العقاب .
يقول تعالى: أم أبرم المكذبون بالحق المعاندون له {أَمْرًا} أي: كادوا كيدا، ومكروا للحق ولمن جاء بالحق، ليدحضوه، بما موهوا من الباطل المزخرف المزوق، {فَإِنَّا مُبْرِمُونَ} أي: محكمون أمرا، ومدبرون تدبيرا يعلو تدبيرهم، وينقضه ويبطله، وهو ما قيضه الله من الأسباب والأدلة لإحقاق الحق وإبطال الباطل، كما قال تعالى: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ}
( أم أبرموا ) أم أحكموا ( أمرا ) في المكر برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( فإنا مبرمون ) محكمون أمرا في مجازاتهم ، قال مجاهد : إن كادوا شرا كدتهم مثله .
«أم أبرموا» أي كفار مكة: أحكموا «أمراً» في كيد محمد النبي «فإنا مبرمون» محكمون كيدنا في إهلاكهم.
بل أأحْكمَ هؤلاء المشركون أمرًا يكيدون به الحق الذي جئناهم به؟
فإنا مدبِّرون لهم ما يجزيهم من العذاب والنكال.
ثم وبخهم - سبحانه - على مكرهم ، وبين أنه مكر بائر خائب فقال : ( أَمْ أبرموا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ ) .و ( أَمْ ) هنا منقطعة بمعنى بل والهمزة ، والجملة الكريمة كلام مستأنف مسوق لتأنيب المشركين على ما دبروه كيد للرسول - صلى الله عليه وسلم - وللمؤمنين .
والإِبرام : الإِتقان للشئ والإِحكام له ، وأصله الفتل المحكم .
يقال : أبرم فلان الحبل ، إذا أتقن فتله .أى : بل أحكموا كيدهم للنبى - صلى الله عليه - وسلم - ولأصحابه؟
إن كانوا يظنون ذلك فقد خاب ظنهم ، لأن مكرنا أعظم من مكرهم ، وكيدنا يزهق كيدهم .فالمقصود بالآية الكريمة الانتقال من عدم إجابة ندائهم ، إلى تأنيبهم على ما كان منهم فى الدنيا من مكر بالحق وأهله ، وكيف أن هذا المكر السئ كانت نتيجته الخسران لهم .
اعلم أنه تعالى لما ذكر الوعد، أردفه بالوعيد على الترتيب المستمر في القرآن، وفيه مسائل: المسألة الأولى: احتج القاضي على القطع بوعيد الفسق بقوله: ﴿ إِنَّ المجرمين فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خالدون * لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ﴾ ولفظ المجرم يتناول الكافر والفاسق، فوجب كون الكل في عذاب جهنم، وقوله: ﴿ خالدون ﴾ يدل على الخلود، وقوله أيضاً ﴿ لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ ﴾ يدل على الخلود والدوام أيضاً والجواب: أن ما قبل هذه الآية وما بعدها، يدل على أن المراد من لفظ المجرمين هاهنا الكفار، أما ما قبل هذه الآية فلأنه قال: ﴿ يَٰعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلَآ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا بِـَٔايَٰتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ ﴾ فهذا يدل على أن كل من آمن بآيات الله وكانوا مسلمين، فإنهم يدخلون تحت قوله: ﴿ يا عباد لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليوم وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ الذين ءامَنُواْ بئاياتنا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ ﴾ والفاسق من أهل الصلاة آمن بالله تعالى وبآياته وأسلم، فوجب أن يكون داخلاً تحت ذلك الوعد، ووجب أن يكون خارجاً عن هذا الوعيد، وأما ما بعد هذه الآية فهو قوله: ﴿ جئناكم بالحق ولكن أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقّ كارهون ﴾ والمراد بالحق هاهنا إما الإسلام وإما القرآن، والرجل المسلم لا يكره الإسلام ولا القرآن، فثبت أن ما قبل هذه الآية وما بعدها، يدل على أن المراد من المجرمين الكفار، والله أعلم.
المسألة الثانية: أنه تعالى وصف عذاب جهنم في حق المجرمين بصفات ثلاثة أحدهما: الخلود، وقد ذكرنا في مواضع كثيرة أنه عبارة عن طول المكث ولا يفيد الدوام.
وثانيها: قوله: ﴿ لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ ﴾ أي لا يخفف ولا ينقص من قولهم فترت عنه الحمى إذا سكنت ونقص حرها.
وثالثها: قوله: ﴿ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ﴾ والمبلس اليائس الساكت سكوت يائس من فرج، عن الضحاك يجعل المجرم في تابوت من نار، ثم يقفل عليه فيبقى فيه خالداً لا يرى، قال صاحب الكشاف: وقرئ ﴿ وَهُمْ فِيهَا ﴾ أي وهم في النار.
المسألة الثالثة: احتج القاضي بقوله تعالى: ﴿ وَمَا ظلمناهم ولكن كَانُواْ هُمُ الظالمين ﴾ فقال إن كان خلق فيهم الكفر ليدخلهم النار فما الذي نفه بقوله: ﴿ وَمَا ظلمناهم ﴾ وما الذي نسبه إليهم مما نفاه عن نفسه؟
أو ليس لو أثبتناه ظلماً لهم كان لا يزيد على ما يقوله القوم، فإن قالوا ذلك الفعل لم يقع بقدرة الله عزّ وجل فقط، بل إنما وقع بقدرة الله مع قدرة العبد معاً، فلم يكن ذلك ظلماً من الله.
قلنا: عندكم أن القدرة على الظلم موجبة للظلم، وخالق تلك القدرة هو الله تعالى، فكأنه تعالى لما فعل مع خلق الكفر قدرة على الكفر خرج عن أن يكون ظالماً لهم، وذلك محال لأن من يكون ظالماً في فعل، فإذا فعل معه ما يوجب ذلك الفعل يكون بذلك أحق، فيقال للقاضي قدرة العبد هل هي صالحة للطرفين أو هي متعينة لأحد الطرفين؟
فإن كانت صالحة لكلا الطرفين فالترجيح إن وقع لا لمرجع لزم نفي الصانع، وإن افتقر إلى مرجح عاد التقسيم الأول فيه، ولا بد وأن ينتهي إلى داعية مرجحة يخلقها الله في العبد، وإن كانت متعينة لأحد الطرفين فحينئذٍ يلزمك ما أوردته علينا.
واعلم أنه ليس الرجل من يرى وجه الاستدلال فيذكره، إنما الرجل الذي ينظر فيما قبل الكلام وفيما بعده، فإن رآه وارداً على مذهبه بعينه لم يذكره، والله أعلم.
المسألة الرابعة: قرأ ابن مسعود ﴿ يا مال ﴾ بحذف الكاف للترخيم فقيل لابن عباس إن ابن مسعود قرأ (ونادوا يا مال) فقال: ما أشغل أهل النار عن هذا الترخيم!
واجيب عنه بأنه إنما حسن هذا الترخيم لأنه يدل على أنهم بلغوا في الضعف والنحافة إلى حيث لا يمكنهم أن يذكروا من الكلمة إلا بعضها.
المسألة الخامسة: اختلفوا في أن قولهم: ﴿ يامالك لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ﴾ على أي وجه طلبوا فقال بعضهم على التمني، وقال آخرون على وجه الاستغاثة، وإلا فهم عالمون بأنه لا خلاص لهم عن ذلك العقاب، وقيل لا يبعد أن يقال إنهم لشدة ما هم فيه من العذاب نسوا تلك المسألة فذكروه على وجه الطلب.
ثم إنه تعالى بيّن أن مالكاً يقول لهم ﴿ إِنَّكُمْ ماكثون ﴾ وليس في القرآن متى أجابهم، هل أجابهم في الحال أو بمدة طويلة، وإن كان بعد ذلك فهل حصل ذلك الجواب بعد ذلك السؤال بمدة قليلة أو بمدة طويلة، فلا يمتنع أن تؤخر الإجابة استخفافاً بهم وزيادة في غمهم، فعن عبد الله بن عمر بعد أربعين سنة، وعن غيره بعد مائة سنة، وعن ابن عباس بعد ألف سنة، والله أعلم بذلك المقدار.
ثم بيّن تعالى أن مالكاً لما أجابهم بقوله: ﴿ إِنَّكُمْ ماكثون ﴾ ذكر بعده ما هو كالعلة لذلك الجواب فقال: ﴿ لَقَدْ جئناكم بالحق ولكن أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقّ كارهون ﴾ والمراد نفرتهم عن محمد وعن القرآن وشدة بغضهم لقبول الدين الحق، فإن قيل كيف قال: ﴿ وَنَادَوْاْ يامالك ﴾ بعد ما وصفهم بالإبلاس؟
قلنا تلك أزمنة متطاولة وأحقاب ممتدة، فتختلف بهم الأحوال فيسكتون أوقاتاً لغلبة اليأس عليهم ويستغيثون أوقاتاً لشدة ما بهم، روي أنه يلقى على أهل النار الجوع حتى يعدل ما هم فيه من العذاب، فيقولون ادعوا مالكاً فيدعون ﴿ يامالك لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ﴾ ولما ذكر الله تعالى كيفية عذابهم في الآخرة ذكر بعده كيفية مكرهم وفساد باطنهم في الدنيا فقال: ﴿ أَمْ أَبْرَمُواْ أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ ﴾ والمعنى أم أبرموا أي مشركو مكة أمراً من كيدهم ومكرهم برسول الله، فإنا مبرمون كيدنا كما أبرموا كيدهم كقوله تعالى: ﴿ أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فالذين كَفَرُواْ هُمُ المكيدون ﴾ قال مقاتل: نزلت في تدبيرهم في المكر به في دار الندوة، وهو ما ذكره الله تعالى في قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ ﴾ وقد ذكرنا القصة.
ثم قال: ﴿ أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ ونجواهم ﴾ السر ما حدث به الرجل نفسه أو غيره في مكان خال، والنجوى ما تكلموا به فيما بينهم ﴿ بلى ﴾ نسمعها ونطلع عليها ﴿ وَرُسُلُنَا ﴾ يريد الحفظة ﴿ يَكْتُبُونَ ﴾ عليهم تلك الأحوال، وعن يحيى بن معاذ من ستر من الناس ذنوبه وأبداها للذي لا يخفى عليه شيء في السموات فقد جعله أهون الناظرين إليه وهو من علامات النفاق.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَمْ ﴾ أبرم مشركو مكة ﴿ أَمْراً ﴾ من كيدهم ومكرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ فَإِنَّا مُبْرِمُونَ ﴾ كيدنا كما أبرموا كيدهم؛ كقوله تعالى: ﴿ أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فالذين كَفَرُواْ هُمُ المكيدون ﴾ [الطور: 42] ؟
وكانوا يتنادون فيتناجون في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فإن قلت: ما المراد بالسر والنجوى؟
قلت: السر ما حدث به الرجل نفسه أو غيره في مكان خال.
والنجوى: ما تكلموا به فيما بينهم ﴿ بلى ﴾ نسمعهما ونطلع عليهما ﴿ وَرُسُلُنَا ﴾ يريد الحفظة عندهم ﴿ يَكْتُبُونَ ﴾ ذلك.
وعن يحيى بن معاذ الرازي: من ستر من الناس ذنوبه وأبداها للذي لا يخفى عليه شيء في السموات فقد جعله أهون الناظرين إليه، وهو من علامات النفاق.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أمْ أبْرَمُوا أمْرًا ﴾ في تَكْذِيبِ الحَقِّ ورَدِّهِ ولَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى كَراهَتِهِ.
﴿ فَإنّا مُبْرِمُونَ ﴾ أمْرًا في مُجازاتِهِمْ والعُدُولِ عَنِ الخِطابِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ ذَلِكَ أسْوَأُ مِن كَراهَتِهِمْ، أوْ أمْ أحْكَمَ المُشْرِكُونَ أمْرًا مِن كَيْدِهِمْ بِالرَّسُولِ فَإنّا مُبْرِمُونَ كَيْدَنا بِهِمْ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿ أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ ﴾ حَدِيثَ أنْفُسِهِمْ بِذَلِكَ.
﴿ وَنَجْواهُمْ ﴾ وتَناجِيَهم.
﴿ بَلى ﴾ نَسْمَعُهُما.
﴿ وَرُسُلُنا ﴾ والحَفَظَةُ مَعَ ذَلِكَ.
﴿ لَدَيْهِمْ ﴾ مُلازِمَةٌ لَهم.
﴿ يَكْتُبُونَ ﴾ ذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
{أم أبرموا أمرا} أم أحكم مشركوا مكة أمر امن كيدهم ومكرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم {فَإِنَّا مُبْرِمُونَ} كيدنا كما أبرموا كيدهم وكانوا يتنادون فيتاجون في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار الندوة
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ أبْرَمُوا أمْرًا ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ ناعٍ عَلى اَلْمُشْرِكِينَ ما فَعَلُوا مِنَ اَلْكَيْدِ بِرَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، و(أمْ) مُنْقَطِعَةٌ وما فِيها مَعْنى بَلْ لِلِانْتِقالِ مِن تَوْبِيخِ أهْلِ اَلنّارِ إلى حِكايَةِ جِنايَةِ هَؤُلاءِ والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ فَإنْ أُرِيدَ بِالإبْرامِ اَلْأحْكامُ حَقِيقَةً فَهي لِإنْكارِ اَلْوُقُوعِ واسْتِبْعادِهِ، وإنْ أُرِيدَ اَلْأحْكامُ صُورَةً فَهي لِإنْكارِ اَلْواقِعِ واسْتِقْباحِهِ أيْ بَلْ أبْرَمَ مُشْرِكُو مَكَّةَ أمْرًا مِن كَيْدِهِمْ ومَكْرِهِمْ بِرَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿ فَإنّا مُبْرِمُونَ ﴾ كَيْدَنا حَقِيقَةً لا هم أوْ فَإنًّا مُبْرِمُونَ كَيْدَنا بِهِمْ حَقِيقَةً كَما أبْرَمُوا كَيْدَهم صُورَةً كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ ﴾ والآيَةُ إشارَةٌ إلى ما كانَ مِنهم مَن تَدْبِيرِ قَتْلِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ في دارِ اَلنَّدْوَةِ وإلى ما كانَ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ مِن تَدْمِيرِهِمْ، وقِيلَ: هو مِن تَتِمَّةِ اَلْكَلامِ اَلسّابِقِ، والمَعْنى أمْ أبْرَمُوا في تَكْذِيبِ اَلْحَقِّ ورَدِّهِ ولَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى كَراهَتِهِ فَإنّا مُبْرِمُونَ أمْرًا في مُجازاتِهِمْ، فَإنْ كانَ ذاكَ خِطابًا لِأهْلِ اَلنّارِ فَإبْرامُ اَلْأمْرِ في مُجازاتِهِمْ هو تَخْلِيدُهم في اَلنّارِ مُعَذَّبِينَ، وإنْ كانَ خِطابًا لِقُرَيْشٍ فَهو خِذْلانُهم ونَصْرُ اَلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلَيْهِمْ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَإنّا مُبْرِمُونَ أمْرًا في مُجازاتِهِمْ وإظْهارِ أمْرِكَ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ إبْرامَهم لا يُفِيدُهُمْ، ولا يُغْنِي عَنْهم شَيْئًا والعُدُولُ عَنِ اَلْخِطابِ في أكْثَرَكم إلى اَلْغَيْبَةِ في أبْرَمُوا عَلى هَذا اَلْقِيلِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ ذَلِكَ أسْوَأُ مِن كَراهَتِهِمْ ويُؤَيِّدُهُ ما ذُكِرَ أوَّلًا عَلى ما قِيلَ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَنادَوْا يا مالِكُ وذلك أنه لما يشتد عليهم العذاب، يتمنون الموت، ويقولون لخازن جهنم: يَا مَالِك لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ يعني: ادع ربك لقبض أرواحنا، فأجابهم بعد أربعين سنة قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ وروى عطاء بن السائب، عن رجل عن ابن عباس- ما- قال: يجيبهم بعد ألف سنة إِنَّكُمْ ماكِثُونَ ويقال: إنهم ينادون يَا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ فأوحى الله تعالى إلى مالك ليجيبهم، فيقول لهم مالك قَالَ: إنَّكُمْ مَاكِثُونَ.
قوله تعالى: لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ يعني: جاءكم جبريل في الدنيا، بالقرآن والتوحيد وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ يعني: جاحدون.
وهو قوله تعالى: أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً قال مقاتل: وذلك حين اجتمعوا في دار الندوة، ودخل إبليس عليهم، وقد ذكرناه في سورة الأنفال.
فنزل أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ يعني: أجمعوا أمرهم بالشر على النبي فَإِنَّا مُبْرِمُونَ أي: مجمعون أمرنا على ما يكرهون.
وقال الكلبي: وذلك أن ثلاثة نفر، اجتمعوا وقالوا: إنه يقول: بأن ربي يعلم السر.
أترى أنه يعلم مَا نقول بيننا؟
فنزل أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً يعني: أقاموا على المعصية فَإِنَّا مُبْرِمُونَ أي: معذبون عليها.
قال القتبي: أي: أحكموه، والمبرم: المفتول على طاقين.
قوله تعالى: أَمْ يَحْسَبُونَ يعني: بل يظنون.
ويقال: أيظنون، والميم صلة أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ اللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به التوبيخ، ومعناه إن الله تعالى يعلم سرهم ونجواهم.
قال ابن عباس: الذين يتناجون خلف الكعبة، يعني: الذين يقولون: إن الله لا يسمع مقالتنا.
قال الله تعالى: بَلى يعني: نسمع ذلك وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ مقالتهم.
قوله تعالى: قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ يعني: الموحدين من أهل مكة.
قال مقاتل: لما نزلت هذه الآية، وقرئت عليهم فقال النضر بن الحارث: ألا ترونه صدقني.
فقال له الوليد: ما صدقك، ولكنه يقول: ما كان للرحمن ولد.
يعني: إنَّ إن بمعنى ما قال: فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ يعني: الموحدين من أهل مكة.
وقال الكلبي: أنا أول الآنفين أن لله ولداً.
وقال القتبي: إن كان هذا في زعمكم، فأنا أول الموحدين، لأنكم تزعمون أن له ولداً، فأنَّا أوَّلِ الآنفين من ذلك، فلم توحدوه ومن وحد الله، فقد عبده، ومن جعل له ولداً، فليس من العابدين كقوله: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) [الذاريات: 56] أي: ليوحدون ثم نزّه نفسه فقال: <div class="verse-tafsir"
يقول لهم: إِنَّكُمْ ماكِثُونَ «١» .
لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ (٧٨) أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (٧٩) أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠) قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ (٨١) سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٨٢)
وقوله سبحانه: لَقَدْ جِئْناكُمْ يحتملُ أنْ يكونَ مِنْ تَمَامِ قول مالِكٍ لهم، ويحتمل أنْ يكون من قول اللَّه تعالى لقريشٍ، فيكونُ فيه تخويفٌ فصيحٌ بمعنى: انظروا كيف يكون حالكم؟!.
وقوله تعالى: أَمْ/ أَبْرَمُوا أَمْراً أي: أحكموا أمرا في المكر بالنبيّ صلّى الله عليه وسلّم فَإِنَّا مُبْرِمُونَ أي: مُحْكِمُون أمراً في نَصْرِهِ ومجازاتهم، والمراد ب «الرسل» هنا: الحَفَظَةُ من الملائكة يكتبون أعمال العباد، وتَعُدُّ للجزاء يوم القيامة.
«واخْتُلِفَ في قوله تعالى: قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ فقال مجاهد:
المعنى إنْ كان للَّه ولد في قولكم، فأنا أَوَّل مَنْ عَبَدَ اللَّه وَوَحَّدَهُ وكَذَّبكم «٢» ، وقال ابن زيد وغيره: «إن» : نافية بمعنى «ما» فكأَنَّه قال: قل ما كان للرحمن ولد «٣» ، وهنا هو الوقف على هذا التأويل، ثم يبتدىء قوله: فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ قَال أبو حاتم قالت فرقةٌ:
العابِدُونَ في الآية: مِنْ عَبِدَ الرجلُ: إذا أَنِفَ وأنكر، والمعنى: إنْ كان للرحمن ولد في قولكم، فأنا أَوَّلُ الآنفين المُنْكِرِينَ لذلك، وقرأ أبو عبد الرحمن: «فَأَنَا أَوَّلُ الْعَبِدِينَ» قال أبو حاتم: العَبِدُ- بكسر الباء-: الشَّدِيدُ الغضب، وقال أبو عُبَيْدَةَ: معناه: أول الجاحدين «٤» ، والعَرَبُ تقولُ: عَبَدَني حَقِّي، أي: جَحَدَنِي، وباقي الآية تنزيه لله سبحانه، ووعيد للكافرين، ويَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ هو يوم القيامة، هذا قول الجمهور، وقال عِكْرَمَةُ وغيره: هو يوم بَدْرٍ «٥» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ المُجْرِمِينَ ﴾ يَعْنِي الكافِرِينَ، ﴿ لا يُفَتَّرُ ﴾ أيْ: لا يُخَفَّفُ ﴿ عَنْهم وهم فِيهِ ﴾ يَعْنِي في العَذابِ ﴿ مُبْلِسُونَ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: آيِسُونَ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ.
وقَدْ شَرَحْنا هَذا في [الأنْعامِ: ٤٤] ﴿ وَما ظَلَمْناهُمْ ﴾ أيْ: ما عَذَّبْناهم عَلى غَيْرِ ذَنْبٍ ﴿ وَلَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ ﴾ لِأنْفُسِهِمْ بِما جَنَوا عَلَيْها.
قالَ الزَّجّاجُ: والبَصْرِيُّونَ يَقُولُونَ: "هُمْ" هاهُنا فَصْلٌ، كَذَلِكَ يُسَمُّونَها، ويُسَمِّيها الكُوفِيُّونَ: العِمادَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنادَوْا يا مالِكُ ﴾ وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رِضى اللَّهُ عَنْهُ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ يَعْمَرَ: ["يا مالِ"] بِغَيْرِ كافٍ مَعَ كَسْرِ اللّامِ.
قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا يُسَمِّيهِ النَّحْوِيُّونَ: [التَّرْخِيمَ]، ولَكِنِّي أكْرَهُها لِمُخالَفَةِ المُصْحَفِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: يَدْعُونَ مالِكًا خازِنَ النّارِ فَيَقُولُونَ: ﴿ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ ﴾ \[أيْ\]: لِيُمِتْنا؛ والمَعْنى: أنَّهم تَوَسَّلُوا بِهِ لِيَسْألَ اللَّهَ تَعالى لَهُمُ المَوْتَ فَيَسْتَرِيحُوا مِنَ العَذابِ؛ فَيَسْكُتُ عَنْ جَوابِهِمْ مُدَّةً، فِيها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أرْبَعُونَ عامًا، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: ثَلاثُونَ سَنَةً، قالَهُ أنَسٌ.
والثّالِثُ: ألْفُ سَنَةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: مِائَةُ سَنَةٍ، قالَهُ كَعْبٌ.
وَفِي سُكُوتِهِ عَنْ جَوابِهِمْ هَذِهِ المُدَّةَ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ سَكَتَ حَتّى أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أنْ أجِبْهُمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: لِأنَّ بُعْدَ ما بَيْنَ النِّداءِ والجَوابِ أخْزى لَهم وأذَلُّ.
قالَ الماوَرْدِيُّ: فَرَدَّ عَلَيْهِمْ مالِكٌ فَقالَ: ﴿ إنَّكم ماكِثُونَ ﴾ أيْ: مُقِيمُونَ في العَذابِ.
﴿ لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ ﴾ أيْ: أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالتَّوْحِيدِ ﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَكُمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: كُلَّكم ﴿ كارِهُونَ ﴾ لِما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ أبْرَمُوا أمْرًا ﴾ في "أمْ" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها لِلِاسْتِفْهامِ.
والثّانِي: بِمَعْنى "بَلْ" .
والإبْرامُ: الإحْكامُ.
وفي هَذا الأمْرِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: المَكْرُ بِرَسُولِ اللَّهِ لِيَقْتُلُوهُ أوْ يُخْرِجُوهُ حِينَ اجْتَمَعُوا في دارِ النَّدْوَةِ؛ وقَدْ سَبَقَ بَيانُ القِصَّةِ [الأنْفالِ: ٣٠]، قالَهُ الأكْثَرُونَ.
والثّانِي: أنَّهُ إحْكامُ أمْرِهِمْ في تَكْذِيبِهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ: إبْرامُ أمْرِهِمْ يُنْجِيهِمْ مِنَ العَذابِ، قالَهُ الفَرّاءُ.
﴿ فَإنّا مُبْرِمُونَ ﴾ أيْ: مُحْكِمُونَ أمْرًا في مُجازاتِهِمْ.
﴿ أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ ﴾ وهو ما يَسُرُّونَهُ مِن غَيْرِهِمْ ﴿ وَنَجْواهُمْ ﴾ ما يَتَناجَوْنَ بِهِ بَيْنَهم ﴿ بَلى ﴾ والمَعْنى: إنّا نَسْمَعُ ذَلِكَ ﴿ وَرُسُلُنا ﴾ يَعْنِي [مِنَ] الحَفَظَةِ ﴿ لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ ﴾ .
﴿ قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ ﴾ في "إنْ" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى الشَّرْطِ؛ والمَعْنى: إنْ كانَ لَهُ ولَدٌ في قَوْلِكم وعَلى زَعْمِكُمْ، فَعَلى هَذا في قَوْلِهِ: ﴿ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: فَأنا أوَّلُ الجاحِدِينَ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ أعْرابِيَّيْنِ اخْتَصَما إلَيْهِ، فَقالَ أحَدُهُما: إنَّ هَذا كانَتْ لِي في يَدِهِ أرْضٌ، فَعَبَدَنِيها، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اللَّهُ أكْبَرُ، فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ الجاحِدِينَ أنَّ لِلَّهِ ولَدًا.
والثّانِي: فَأنا أوَّلُ مَن عَبْدَ اللَّهَ مُخالِفًا لِقَوْلِكُمْ، هَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: إنْ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ لِلرَّحْمَنِ ولَدًا، فَأنا أوَّلُ المُوَحِّدِينَ.
والثّالِثُ: فَأنا أوَّلُ الآنِفَيْنِ لِلَّهِ مِمّا قُلْتُمْ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، وأبُو عُبَيْدَةَ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: عَبِدْتُ مِن كَذا، أعْبَدُ عَبَدًا، فَأنا عَبِدٌ وعابِدٌ، قالَ الفَرَزْدَقُ: [أُولَئِكَ قَوْمٌ إنْ هَجَوْنِي هَجَوْتُهُمْ] وأعْبَدُ أنْ تُهْجى تَمِيمٌ بِدارِمِ أيْ: آنَفُ.
وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ: وأعْبَدُ أنْ أسُبَّهم بِقَوْمِي ∗∗∗ وأُوثِرُ دارِمًا وبَنِي رَزاحِ والرّابِعُ: أنَّ مَعْنى الآيَةِ: كَما أنِّي لَسْتُ أوَّلَ عابِدٍ لِلَّهِ، فَكَذَلِكَ لَيْسَ لَهُ ولَدٌ؛ وهَذا كَما تَقُولُ: إنْ كُنْتَ كاتِبًا فَأنا حاسِبٌ، أيْ: لَسْتَ كاتِبًا ولا أنا حاسِبٌ؛ حَكى هَذا القَوْلَ الواحِدِيُّ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنْ "إنْ" بِمَعْنى "ما"، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ؛ فَيَكُونُ المَعْنى: ما كانَ لِلرَّحْمَنِ [وَلَدٌ]، فَأنا أوَّلُ مَن عَبَدَ اللَّهَ عَلى يَقِينٍ أنَّهُ لا ولَدَ لَهُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الفاءُ عَلى [هَذا القَوْلِ] بِمَعْنى الواوِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَذَرْهُمْ ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ ﴿ يَخُوضُوا ﴾ في باطِلِهِمْ ﴿ وَيَلْعَبُوا ﴾ في دُنْياهم ﴿ حَتّى يُلاقُوا ﴾ وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وأبُو جَعْفَرٍ: "حَتّى يَلْقَوا" بِفَتْحِ الياءِ والقافِ وسُكُونِ اللّامِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.
والمُرادُ: يُلاقُوا [يَوْمَ] القِيامَةِ وهَذِهِ الآيَةُ [عِنْدَ الجُمْهُورِ] مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ ﴾ ﴿ لا يُفَتَّرُ عنهم وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ ﴾ ﴿ وَما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظالِمِينَ ﴾ ﴿ وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إنَّكم ماكِثُونَ ﴾ ﴿ لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ ﴾ ﴿ أمْ أبْرَمُوا أمْرًا فَإنّا مُبْرِمُونَ ﴾ ﴿ أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهم ونَجْواهم بَلى ورُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ ﴾ ﴿ قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ ﴾ لِما ذَكَرَ اللهُ تَعالى حالَ أهْلِ الجَنَّةِ وما يُقالُ لَهُمْ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ حالِ الكَفَرَةِ مِنَ الخُلُودِ في النارِ والإبْلاسِ، لِيُبَيِّنَ الفَرْقُ ولِتَتَّضِحَ الأُمُورُ الَّتِي مِنها النِذارَةُ، و"المُجْرِمُونَ" في هَذِهِ الآيَةِ: الكُفّارُ، بِدَلِيلِ الخُلُودِ وما تَتَضَمَّنُهُ ألْفاظُ الآيَةِ مِن مُخاطَبَةِ مالِكٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، و"المُبْلِسُ": المُبْعِدُ اليائِسُ مِنَ الخَيْرِ، قالَهُ قَتادَةُ وغَيْرُهُ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "وَهم فِيها مُبْلِسُونَ" أيْ في جَهَنَّمَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما ظَلَمْناهُمْ ﴾ أيْ: ما وضَعْنا العَذابَ فِيمَن لا يَسْتَحِقُّهُ، ولَكِنْ هم ظَلَمُوا في أنْ وضَعُوا العِبادَةَ فِيمَن لا يَسْتَوْجِبُها، ووَضَعُوا الكُفْرَ والتَفْرِيطَ في جَنْبِ اللهِ تَعالى، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "كانُوا هُمُ الظالِمِينَ" ﴾ عَلى الفَصْلِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "كانُوا هُمُ الظالِمُونَ" عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ، وأنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ خَبَرَ "كانَ"، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى عن أهْلِ النارِ أنَّهم يُنادُونَ مالِكَ خازِنَ النارِ، فَيَقُولُونَ -عَلى مَعْنى الرَغْبَةِ الَّتِي هي في صِيغَةِ الأمْرِ-: ﴿ "لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ" ﴾ أيْ: لِيُمِتْنا مُدَّةً حَتّى لا يَتَكَرَّرَ عَذابُنا، «وَقَرَأ النَبِيُّ عَلى المِنبَرِ: "يا مالِكُ " بِالكافِ،» وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، ويَحْيى، والأعْمَشُ: "يا مالُ" بِالتَرْخِيمِ، ورُوِيَتْ عن عَلِيِّ رِضى اللهُ عنهُ، ورَواها أبُو الدَرْداءِ رِضى اللهِ عنهُ عَنِ النَبِيِّ .
و"القَضاءُ" -فِي هَذِهِ الآيَةِ- بِمَعْنى المَوْتِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ ﴾ ، ورُوِيَ في تَفْسِيرِها عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما أنَّ مالِكًا يُقِيمُ بَعْدَ سُؤالِهِمْ ألْفَ سَنَةٍ، وقِيلَ: ثَمانِينَ سَنَةً، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رِضى اللهِ عنهُما: أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ يَقُولُ لَهُمْ: ﴿ إنَّكم ماكِثُونَ ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ جِئْناكُمْ ﴾ الآيَةُ، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ مالِكٍ لِأهْلِ النارِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ "جِئْناكُمْ" ﴾ عَلى حَدِّ ما يُدْخِلُ أحَدٌ -حَمَّلَهُ الرَئِيسُ كِتابَهُ- نَفْسَهُ في فِعْلِ الرَئِيسِ، فَيَقُولُ: غَلَبْناكم وفَعَلْنا بِكم ونَحْوَ هَذا، ثُمَّ يَنْقَطِعُ كَلامُ مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿ "كارِهُونَ"، ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: "لَقَدْ جِئْناكُمْ" مِن قَوْلِ اللهِ تَعالى لِقُرَيْشٍ بِعَقِبِ حِكايَةِ أمْرِ الكُفّارِ مَعَ مالِكٍ، وفي هَذا تَوَعُّدٌ وتَخْوِيفٌ فَصِيحٌ، بِمَعْنى: انْظُرُوا كَيْفَ يَكُونُ حالُكُمْ، ثُمَّ تَتَّصِلُ الآيَةُ -عَلى هَذا- بِما بَعْدَها مِن أمْرِ قُرَيْشٍ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ أبْرَمُوا أمْرًا ﴾ يُرِيدُ: هَلْ أحْكَمُوا أمْرًا مِن أُمُورِ مَكْرِهِمْ وتَدْبِيرِهِمْ عَلى مُحَمَّدٍ كَما فَعَلُوا في اجْتِماعِهِمْ عَلى مَثْلِهِ في دارِ النَدْوَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، و"أمْ" في هَذِهِ الآيَةِ: المُنْقَطِعَةُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "فَإنّا مُبْرِمُونَ"، ﴾ أيْ: فَإنّا مُحْكِمُو نَصْرَهُ وحِمايَتَهُ، والإبْرامُ: أنَّ تَجْمَعَ خَيْطَيْنِ ثُمَّ تَفْتِلُهُما فَتْلًا مُتْقَنًا، والبَرِيمُ: خَيْطٌ فِيهِ لَوْنانِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ يَحْسَبُونَ ﴾ الآيَةُ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: نَزَلَتْ لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ العَرَبِ كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ اللهَ تَعالى لا يَسْمَعُ السَرارَ، ومِنهُ حَدِيثُ الثَقَفِيُّ والقُرَشِيِّينَ الَّذِينَ سَمِعَهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ رِضى اللهُ عنهُ يَقُولُونَ عِنْدَ الكَعْبَةِ: أتُرى اللهُ يَسْمَعُنا؟
فَقالَ أحَدُهُمْ: يَسْمَعُ إذا جَهَرْنا ولا يَسْمَعُ إذا أخْفَيْنا...
الحَدِيثُ، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ يَسْمَعُ -أيْ يُدْرِكُ- السِرَّ والنَجْوى، وأنَّ رُسُلَهُ الحَفَظَةَ مِنَ المَلائِكَةِ يَكْتُبُونَ أعْمالَ البَشَرِ مَعَ ذَلِكَ، وتُعِدُّ لِلْجَزاءِ يَوْمَ القِيامَةِ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ، فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ ﴾ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: العابِدُونَ: هو مِنَ العِبادَةِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في مَعْنى الآيَةِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقالَ قَتادَةُ والسَدِّيُّ والطَبَرِيُّ: المَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ -كَما تَقُولُونَ- فَأنا أوَّلُ مَن يُعْبَدُ عَلى ذَلِكَ، ولَكِنْ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ تَعالى وجَلَّ.
قالَ الطَبَرِيُّ: فَهَذا إلْطافٌ في الخِطابِ، ونَحْوَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنّا أو إيّاكم لَعَلى هُدًى أو في ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَوْلُهُ تَعالى في مُخاطَبَةِ الكُفّارِ: "أيْنَ شُرَكائِيَ".
وقالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: إنْ كانَ لِلَّهِ تَعالى ولَدٌ في قَوْلِكم فَأنا أوَّلُ مَن عَبْدَ اللهِ وحْدَهُ وكَذَّبَكُمْ، وقالَ قَتادَةُ أيْضًا، وزُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وابْنُ زَيْدٍ: "إنْ" نافِيَةٌ بِمَعْنى: "ما"، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: قُلْ ما كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ، وهُنا هو الوَقْفُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ: ﴿ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ ﴾ ، قالَهُ أبُو حاتِمٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: العابِدُونَ: مَن عَبَدَ الرَجُلَ إذا أنِفَ وأنْكَرَ الشَيْءَ، وقالَ الشاعِرُ: مَتى يَشَأْ ذُو الوِدِّ يَصْرِمُ خَلِيلَهُ ∗∗∗ ويَعْبُدُ عَلَيْهِ لا مَحالَةَ ظالِمًا ومِنهُ حَدِيثُ عُثْمانَ وعَلِيِّ رِضى اللهُ عنهُما في المَرْجُومَةِ حِينَ قالَ عَلَيُّ: وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا، قالَ: فَما عَبَدَ عُثْمانُ أنَّ بَعْثَ إلَيْها لِتَرَدٍّ، والمَعْنى: إنْ جَعَلْتُمْ لِلرَّحْمَنِ ولَدًا وكانَ ذَلِكَ في قَوْلِكم فَأنا أوَّلُ الآنِفَيْنِ المُنْكِرَيْنِ لِذَلِكَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَلَدٌ" بِفَتْحِ الواوِ واللامِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ وثّابٍ، وطِلْحَةُ، والأعْمَشُ: "وُلْدٌ" بِضَمِّ الواوِ وسُكُونِ اللامِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "أوَّلُ العَبِدَيْنِ"، وهي عَلى هَذا المَعْنى، قالَ أبُو حاتِمٍ: العَبِدُ -بِكَسْرِ الباءِ-: الشَدِيدُ الغَضَبُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ: أوَّلُ الجاحِدِينَ، والعَرَبُ تَقُولُ: "عَبَدَنِي حَقِّي"، أيْ جَحَدَنِي.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أم ﴾ منقطة للإضراب الانتقالي من حديث إلى حديث مع اتحاد الغرض.
انتقل من حديث ما أُعد لهم من العذاب يوم القيامة ما أُعد لهم من الخزي في الدنيا.
فالجملة عطف على جملة ﴿ هل ينظرون إلا الساعة ﴾ [الزخرف: 66] الخ.
والكلام بعد ﴿ أم ﴾ استفهام حذفت منه أداة الاستفهام وهو استفهام تقريري وتهديد، أي أأبرموا أمراً.
وضمير ﴿ أبرموا ﴾ مراد به المشركون الذين ناوأوا النبي صلى الله عليه وسلم وضمير (إنَّا) ضمير الجلالة.
والفاء في قوله: ﴿ فإنا مبرمون ﴾ للتفريع على ما اقتضاه الاستفهام من تقدير حصول المستفهم عنه فيؤول الكلام إلى معنى الشرط، أي إن أبرموا أمراً من الكيد فإن الله مبرم لهم أمراً من نقض الكيد وإلحاق الأذى بهم، ونظيره وفي معناه قوله: ﴿ أم يريدون كيداً فالذين كفروا هم المكيدون ﴾ [الطور: 42].
وعن مقاتل نزلت هذه الآية في تدبير قريش بالمكر بالنبي صلى الله عليه وسلم في دار الندوة حين استقرّ أمرهم على ما أشار به أبو جهل عليهم أن يبرز من كل قبيلة رجل ليشتركوا في قتل النبي صلى الله عليه وسلم حتى لا يستطيع بنو هاشم المطالبة بدمه، وقَتَل الله جميعهم في بدر.
والإبرام حقيقته: القتل المحكم، وهو هنا مستعار لإحكام التدبير والعزم على ما دبروه.
والمخالفة بين ﴿ أبرموا ﴾ و ﴿ مُبرمون ﴾ لأن إبرامهم واقع، وأما إبرام الله جزاءً لهم فهو توعد بأن الله قدَّر نقض ما أبرموه فإن اسم الفاعل حقيقة في زمن الحال، أي نحن نقدّر لهم الآن أمراً عظيماً، وذلك إيجاد أسباب وقعة بدر التي استؤصلوا فيها.
والأمر: العمل العظيم الخطير، وحذف مفعول ﴿ مبرمون ﴾ لدلالة ما قبله عليه.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَنادَوْا يا مالِكُ ﴾ هَذا نِداءُ أهْلِ النّارِ لِخُزّانِها حِينَ ذاقُوا عَذابَها.
﴿ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ ﴾ أيْ يُمِيتُنا، طَلَبُوا المَوْتَ لِيَسْتَرِيحُوا بِهِ مِن عَذابِ النّارِ.
﴿ قالَ إنَّكم ماكِثُونَ ﴾ أيْ لابِثُونَ في عَذابِها أحْياءً، وفي مُدَّةِ ما بَيْنَ نِدائِهِمْ وجَوابِهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ.
أحَدُها: أرْبَعُونَ سَنَةً، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو.
الثّانِي: ثَمانُونَ سَنَةً، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: مِائَةُ سَنَةٍ، قالَهُ نَوْفٌ.
الرّابِعُ: ألْفُ سَنَةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، لِأنَّ بُعْدَ ما بَيْنَ النِّداءِ والجَوابِ أخْزى لَهم وأذَلُّ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ أمْ أبْرَمُوا أمْرًا فَإنّا مُبْرِمُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أمْ أجْمَعُوا عَلى التَّكْذِيبِ فَإنّا مُجْمِعُونَ عَلى الجَزاءِ بِالبَعْثِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أمْ أحْكَمُوا كَيْدًا فَإنّا مُحْكِمُونَ لَها كَيْدًا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّالِثُ: قَضَوْا أمْرًا فَإنّا قاضُونَ عَلَيْهِمْ بِالعَذابِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
وَقِيلَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في كُفّارِ قُرَيْشٍ حِينَ اجْتَمَعَ وُجُوهُهم في دارِ النَّدْوَةِ يَتَشاوَرُونَ في أمْرِ النَّبِيِّ حَتّى اسْتَقَرَّ رَأْيُهم عَلى ما أشارَ بِهِ أبُو جَهْلٍ عَلَيْهِمْ أنْ يَبْرُزَ مِن كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ لِيَشْتَرِكُوا في قَتْلِهِ فَتَضْعُفُ المُطالَبَةُ بِدَمِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وقَتَلَ اللَّهُ جَمِيعَهم عَلَيْهِمُ اللَّعْنَةُ يَوْمَ بَدْرٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من أحد إلا وله منزل في الجنة، ومنزل في النار، فالكافر يرث المؤمن منزله في النار، والمؤمن يرث الكافر منزله في الجنة، وذلك قوله: ﴿ وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون ﴾ » .
وأخرج هناد بن السري وعبد بن حميد في الزهد، عن عبد الله بن مسعود قال: تجوزون الصراط بعفو الله، وتدخلون الجنة برحمة الله، وتقتسمون المنازل بأعمالكم.
قوله تعالى: ﴿ إن المجرمين ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة في قوله: ﴿ وهم فيه مبلسون ﴾ قال: مستسلمون.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد والبخاري وابن الأنباري في المصاحف وابن مردويه والبيهقي في سننه، عن يعلى بن أمية قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ على المنبر ﴿ ونادوا يا مالك ﴾ .
وأخرج ابن مردويه، عن علي أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ على المنبر ﴿ ونادوا يا مالك ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن الأنباري، عن مجاهد قال: في قراءة عبد الله بن مسعود ﴿ ونادوا يا مالك ﴾ .
وأخرج الطبراني، عن يعلى بن أمية قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ على المنبر ﴿ ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في صفة النار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في البعث والنشور، عن ابن عباس: ﴿ ونادوا يا مالك ﴾ قال: مكث عنهم ألف سنة، ثم يجيبهم ﴿ إنكم ماكثون ﴾ .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: ﴿ أم أبرموا أمراً فإنا مبرمون ﴾ قال: أم أجمعوا أمراً فإنا مجمعون، إن كادوا شراً، كدناهم مثله.
وأخرج ابن جرير، عن محمد بن كعب القرظي قال: بينا ثلاثة بين الكعبة واستارها؛ قرشيان وثقفي، أو ثقفيان وقرشي، فقال واحد منهم: ترون الله يسمع كلامنا؟
فقال واحد: إذا جهرتم سمع، وإذا أسررتم لم يسمع، فنزلت ﴿ أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم ﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ قل إن كان للرحمن ولد ﴾ يقول: لم يكن للرحمن ولد ﴿ فأنا أول العابدين ﴾ قال: الشاهدين.
وأخرج الطستي، عن ابن عباس: إن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل، ﴿ فأنا أول العابدين ﴾ قال: أنا أول متبرئ من أن يكون لله ولد!!!
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم أما سمعت تبعاً وهو يقول؟: وقد علمت فهر بأني ربهم ** طراً ولم تعبد وأخرج عبد بن حميد، عن الحسن وقتادة ﴿ قل إن كان للرحمن ولد ﴾ قالا: ما كان للرحمن ولد ﴿ فأنا أول العابدين ﴾ قال: يقول محمد صلى الله عليه وسلم: «فأنا أول من عبد الله من هذه الأمة» .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير، عن مجاهد ﴿ قل إن كان للرحمن ولد ﴾ في زعمكم ﴿ فأنا أوّل العابدين ﴾ فأنا أول من عبد الله وحده، وكذبكم بما تقولون.
وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد ﴿ قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين ﴾ قال: المؤمنين بالله، فقولوا ما شئتم.
وأخرج ابن جرير، عن قتادة قال: هذه كلمة من كلام العرب: ﴿ إن كان للرحمن ولد ﴾ أي؛ إن ذلك لم يكن.
وأخرج ابن جرير، عن زيد بن أسلم قال: هذا مقول من قول العرب، إن كان هذا الأمر قط، أي ما كان.
وأخرج عبد بن حميد، عن الأعمش أنه كان يقرأ: كل شيء بعد السجدة في مريم ولد، والتي في الزخرف ونوح وسائر، ولد.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير والبيهقي في الأسماء والصفات، عن قتادة في قوله: ﴿ عما يصفون ﴾ قال: عما يكذبون.
وفي قوله: ﴿ وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله ﴾ قال: هو الذي يعبد في السماء، ويعبد في الأرض.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: ﴿ ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة ﴾ قال: عيسى وعزير والملائكة ﴿ إلا من شهد بالحق ﴾ قال: كلمة الإِخلاص ﴿ وهم يعلمون ﴾ إن الله حق، وعيسى وعزير والملائكة- يقول: لا يشفع عيسى وعزير والملائكة، ﴿ إلا من شهد بالحق ﴾ وهو يعلم الحق.
وأخرج عبد بن حميد وعبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة في قوله: ﴿ إلا من شهد بالحق وهم يعلمون ﴾ قال: الملائكة وعيسى وعزير، فإن لهم عند الله شفاعة.
وأخرج البيهقي في الشعب عن مجاهد في الآية قال: ﴿ شهد بالحق ﴾ وهو يعلم أن الله ربه.
وأخرج ابن المنذر، عن ابن عوف قال: سألت إبراهيم، عن الرجل يجد شهادته في الكتاب ويعرف الخط والخاتم ولا يحفظ الدراهم فتلا ﴿ إلا من شهد بالحق وهم يعلمون ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن مجاهد في قوله: ﴿ وقيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون ﴾ قال: هذا قول نبيكم صلى الله عليه وسلم يشكو قومه إلى ربه، وعن ابن مسعود أنه قرأ ﴿ وقال الرسول يا رب ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم أنه قرأ ﴿ وقيله يا رب ﴾ بخفض اللام والهاء.
وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة ﴿ فاصفح عنهم ﴾ قال: نسخ الصفح.
وأخرج ابن أبي شيبة، عن شعيب بن الحجاب قال: كنت مع علي بن عبد الله البارقي، فمر علينا يهودي أو نصراني، فسلم عليه، فقال شعيب: قلت إنه يهودي أو نصراني، فقرأ علي آخر سورة الزخرف ﴿ وقيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون، فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة، عن عون بن عبد الله قال: سئل عمر بن عبد العزيز عن ابتداء أهل الذمة بالسلام، فقال: ترد عليهم ولا تبتدئهم.
قلت: فكيف تقول أنت؟
قال: ما أرى بأساً أن نبدأهم.
قلت: لم؟
قال: لقول الله تعالى ﴿ فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون ﴾ .
قوله تعالى: ﴿ أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا ﴾ الإبرام معناه في اللغة الأحكام.
يقال: أبرمت الأمر، أي أحكمته (١) (٢) قال مقاتل: نزلت في تدبيرهم في المكر به في دار الندوة (٣) (٤) وهو ما ذكر الله في قوله: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ .
وقد ذكرنا القصة (٥) (٦) (١) انظر: اللسان (برم) 12/ 43.
(٢) أخرج ذلك الطبري عن قتادة بهذا اللفض، وأخرجه عن مجاهد بلفظ: (مجمعون) إن كادوا شرًّا كدنا مثله.
انظر: 13/ 100، وانظر: "تفسير مجاهد" ص 595.
(٣) هي دار بمكة أحدثها قصي بن كلاب بن مرة لما تملك مكة وهي دار كانوا يجتمعون فيها للمشاورة، وجعلها بعد وفاته لابنه عبد الدار بن قصي، ولفظه: مأخوذ من الندى والنادي والمنتدى، وهو مجلس القوم الذين يندون حوله، أي: يذهبون قريبًا منه ثم يرجعون، وقد أصبحت دار الإمارة في زمن معاوية بن أبي سفيان.
انظر: "معجم البلدان" 2/ 423.
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 803.
(٥) في سورة الأنفال: آية 30.
(٦) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 420.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَنَادَوْاْ يامالك لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ﴾ المعنى أنهم طلبوا الموت ليستريحوا من العذاب، وروي أن مالكاً يبقى عبد ذلك ألف سنة، وحينئذ يقول لهم: ﴿ إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ ﴾ أي دائمون في النار ﴿ لَقَدْ جِئْنَاكُم بالحق ﴾ الآية كلام الله تعالى لأهل النار، أو من كلام الله لقريش في الدنيا ﴿ أَمْ أبرموا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ ﴾ الضمير لكفار قريش، والمعنى أنهم إن أحكموا كيد النبي صلى الله عليه وسلم فإنا مُحكِمون نصره وحمايته ﴿ أَمْ يَحْسَبُونَ ﴾ الآية: روي أنها نزلت في الأخنس بن شريق والأسود بن عبد يغوث اجتمعا وقال الأخنس: أترى الله يسمع سرنا، فقال الآخر: يسمع نجوانا ولا يسمع سرنا ﴿ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم ﴾ السرّ ما يحدث الإنسان به نفسه أو غيره في خفية، والنجوى: ما تكلموا به فيما بينهم ﴿ بلى ﴾ أي نسمع ورسلنا مع ذلك تكتب ما يقولون، والرسل هنا الملائكة الحافظون للأعمال.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ يا عبادي ﴾ بالياء في الحالين: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو.
وقرأ حماد وأبو بكر بفتح الياء.
الباقون بغير ياء في الحالين ﴿ تشتهيه ﴾ بهاء الضمير: ونافع وأبو جعفر وابن عامر وحفص.
الآخرون: بحذفها ﴿ وإليه يرجعون ﴾ بياء الغيبة: ابن كثير وحمزة وعلي وخلف.
الباقون: بتاء الخطاب.
﴿ وقيله ﴾ بالكسرة: حمزة وعاصم غير المفضل.
الآخرون: بالنصب.
﴿ تعلمون ﴾ على الخطاب: أبو جعفر ونافع وابن عامر.
الوقوف: ﴿ يصدون ﴾ ه ﴿ أم هو ﴾ ط ﴿ جدلاً ﴾ ط ﴿ خصمون ﴾ ه ﴿ إسرائيل ﴾ ه ط ﴿ يخلفون ﴾ ه ﴿ واتبعون ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ الشيطان ﴾ ج للابتداء بان مع اتصال المعنى ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ فيه ﴾ ج لعطف الجملتين مع الفاء ﴿ وأطيعون ﴾ ه ﴿ فاعبدوه ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ من بينهم ﴾ ج للابتداء مع الفاء ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ تحزنون ﴾ ه ج لاحتمال كون ما بعده وصفاً ﴿ مسلمين ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون ﴿ الذين ﴾ إلى آخر الآية مبتدأ وقوله ﴿ ادخلوا ﴾ إلى آخره خبراً، والقول محذوف لا محالة ﴿ تحبرون ﴾ ه ﴿ وأكواب ﴾ ج ﴿ الأعين ﴾ ج للعدول مع العطف ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ تأكلون ﴾ ه ﴿ خالدون ﴾ ه ج لإحتمال ما بعده صفة أو حالاً له لا مستأنفاً ﴿ مبلسون ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون ما بعده مستأنفاً أو حالاً ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ ربك ﴾ ط ﴿ ماكثون ﴾ ه ج ﴿ كارهون ﴾ ه ﴿ مبرمون ﴾ ه ج لأن "أم" يصلح جواب الأولى ويصلح استفهاماً آخر ﴿ ونجواهم ﴾ ط ﴿ يكتبون ﴾ ه ﴿ العابدين ﴾ ه ﴿ يصفون ﴾ ه ﴿ يوعدون ﴾ ه ﴿ وفي الأرض إله ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ بينهما ﴾ ج ﴿ الساعة ﴾ ج ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ يؤفكون ﴾ ه ج فالوقف بناء على قراءة النصب، والوصل بناء على قراءة الجر وسيأتي تمام البحث عن إعرابها ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه لئلا يوهم أن ما بعده من قيل الرسول ﴿ سلام ﴾ ط للابتداء بالتهديد.
قال السجاوندي: من قرأ ﴿ تعلمون ﴾ على الخطاب فوقفه لازم لئلا يصير التهديد داخلاً في الأمر بقوله ﴿ قل ﴾ قلت: لا محذور فيه لأن السلام سلام توديع لا تعظيم.
التفسير : هذا نوع آخر من قبائح أقوال كفرة قريش.
وفي تفسير المثل وجوه للمفسرين: أحدها أن الكفار لما سمعوا أن النصارى يعبدون عيسى قالوا: إذا جاز أن يكون عيسى ابن الله جاز أن تكون الملائكة بنات الله.
وانتصب ﴿ مثلاً ﴾ على أنه مفعول ثانٍ لضرب أي جعل مثلا فالضارب للمثل كافرو ﴿ إذا قومك ﴾ أي المؤمنون ﴿ منه ﴾ أي من المثل أو ضربه ﴿ يصدون ﴾ أي يجزعون ويضجون ﴿ وقالوا ﴾ أي الكفار أهذا خير أم هو يعنون الملائكة خير من عيسى.
وثانيها ما مر في آخر الأنبياء أنه حين نزل ﴿ أنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ﴾ قال ابن الزبعري للنبي : قد علمت أن النصارى يعبدون عيسى وأمه وعزيراً، فإن كان هؤلاء في النار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معهم.
فسكت النبي وخرج القوم وضحكوا وصيحوا فأنزل الله قوله ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ﴾ ونزلت هذه الآية أيضاً.
والمعنى ولما ضرب ابن الزبعري عيسى ابن مريم مثلاً إذا قومك قريش من هذا المثل يصدون بالكسر والضم أي يرتفع لهم جلبة وصياح فرحاً وسروراً بما رأوا من سكوت رسول الله فإن العادة قد جرت بأن أحد الخصمين إذا انقطع أظهر الخصم الآخر الفرح.
﴿ وقالوا آلهتنا ﴾ وهي الأصنام ﴿ خير أم ﴾ عيسى فإذا كان عيسى من حصب النار كان أمر آلهتنا أهون.
وقيل: من قرأ بالضم فمن الصدود أي من أجل هذا المثل يمنعون عن الحق.
وثالثها أنه لما حكى أن النصارى عبدوا المسيح إلهاً وأن مثله عند الله كمثل آدم، قال كفار مكة: إن محمداً يريد أن نتخذه إلهاً كما اتخذ النصارى المسيح إلهاً وضجروا وضجوا وقالوا: آلهتنا خير أم هو يعنون محمداً، وغرضهم أن آلهتهم خير لأنها مما عبدها آباؤهم وأطبقوا عليها فأبطل الله كلامهم بقوله ﴿ ما ضربوه لك إلا جدلاً ﴾ أي لم يضربوا هذا المثل لأجلك إلا للجدال والغلبة دون البحث عن الحق ﴿ بل هم قوم ﴾ من عادتهم الخصومة واللدد.
ثم قرر أمر عيسى بقوله ﴿ إن هو إلا عبد أنعمنا عليه ﴾ بأن خلقناه من غير أب وصيرناه عبرة وحاله عجيبة ﴿ ولو نشاء لجعلنا منكم ﴾ أي بدلاً منكم ﴿ ملائكة في الأرض يخلفون ﴾ يقومون مقامكم.
وقيل: أراد لولدنا منكم يا رجال ملائكة يخلفونكم في الأرض كما يخلفكم أولادكم.
والغرض بيان كمال القدرة وأن كون الملائكة في السموات لا يوجب لهم الإلهية ولا نسباً من الله.
ثم بين مآل حال عيسى بقوله ﴿ وأنه ﴾ يعني عيسى ﴿ لعلم للساعة ﴾ لعلامة من علامات القيامة كما جاء في الحديث " أنا أولى الناس بعيسى ليس بيني وبينه نبي وأنه أول نازل يكسر الصليب ويقتل الخنزير ويقاتل الناس على الإسلام " وقيل: إذا نزل عيسى رفع التكليف.
وقيل: أن عيسى كان يحيي الموتى فعلم بالساعة والبعث.
وقيل: الضمير في ﴿ وإنه ﴾ للقرآن أي القرآن يعلم منه وفيه ثبوت الساعة ﴿ فلا تمترن بها ﴾ فلا تشكن فيها ﴿ واتبعوني ﴾ هذه حكاية قول النبي ، أو المراد واتبعوا رسولي وشرعي والباقي واضح إلى قوله ﴿ هل ينظرون ﴾ وقد مر في آل عمران وفي "مريم".
وقوله ﴿ أن تأتيهم ﴾ بدل من الساعة و ﴿ الأخلاء ﴾ جمع خليل و ﴿ يومئذ ﴾ ظرف ﴿ عدو ﴾ وهو كقوله ﴿ إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ﴾ ولكن خلة المتقين ثابتة لأن المحبة في الله لا تزول.
ومعنى ﴿ تحبرون ﴾ تسرون والحبور السرور، والصحاف جمع صحفة وهي القصعة فيها طعام، والأكواب جمع كوب وهو الإبريق لا عروة له.
وقد يدور في الخلد أن العروة للكوز أمر زائد على مصلحة الشرب وإنما هو لدفع حاجة كتعليق وتعلق وأهل الجنة فيها براء من أمثال ذلك فلهذا كانت أكوازها أكواباً والله أعلم بأسراره.
﴿ وفيها ﴾ أي في الجنة.
قال القفال: جمع بهاتين اللفظتين ما لو اجتمع الخلق كلهم على تفصيله لم يخرجوا عنه.
ثم يقال لهم ﴿ وأنتم فيها خالدون ﴾ إلى آخره.
ثم وصف حال أهل الجرائم من الكفار أو منهم ومن الفساق على اختلاف بين السني والمتعزلي.
ومعنى ﴿ لا يفتر ﴾ لا يخفف من الفتور ومبلسون آيسون ساكتون تحيراً ودهشاً.
ولما أيسوا من فتور العذاب ﴿ نادوا يا مالك ﴾ وهو اسم خازن النار ﴿ ليقض علينا ربك ﴾ أي ليمتنا كقوله ﴿ فقضى عليه ﴾ قال مالك: بعد أربعين عاماً أو بعد مائة أو ألف أو قال الله بدليل قوله ﴿ ولقد جئناكم ﴾ فإنه ظاهر من كلام الله وإن كان يحتمل أن يكون قول الملائكة.
قال أهل التحقيق: سمى خازن النار مالكاً لأن الملك علقة والتعلق من أسباب دخول النار كما سمى خازن الجنة رضواناً لأن الرضا بحكم الله سبب كل راحة وسعادة وصلاح وفلاح.
ثم عاد إلى توبيخ قريش وتجهيلهم والتعجيب من حالهم فقال ﴿ أم أبرموا أمراً ﴾ والإبرام والإحكام والمعنى أنهم كلما أحكموا أمراً في المكر بمحمد فإنا نحكم أمراً في مجازاتهم.
وقال قتادة: أجمعوا على التكذيب وأجمعنا على التعذيب، وذلك أنهم اجتمعوا في دار الندوة وأطبقوا على الاغتيال بمحمد وتناجوا في ذلك فكف عنه شرهم وأوعدهم عليه بأنه يعلم سرهم وهو ما حدّث به الرجل نفسه أو غيره في مكان خالٍ.
ونجواهم وهي ما تكلموا به فيما بينهم على سبيل الخفية أيضاً.
ثم أكد علمه بأن حفظة الأعمال يكتبونه، ثم برهن على نفي الولد عن نفسه فقال لنبيه ﴿ قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين ﴾ وهذه قضية شرطية جزآها ممتنعان إلا أن الملازمة صادقة نظيره قولك: إن كانت الخمسة زوجاً فهي منقسمة بمتساويين.
وهذا على سبيل الفرض والتقدير، وبيان الملازمة أن الولد يجب محبته وخدمته لرضا الوالد وتعظيمه، فلو كان المقدم حاصلاً في الواقع لزم وقوع التالي عادة وإنما ادعى أوليته في العبادة لأن النبي متقدم في كل حكم على أمته خصوصاً فيما يتعلق بالأصول كتعظيم المعبود وتنزيهه، لكن التالي غير واقع فكذا المقدم وهذا الكلام ظاهر الإلزام، واضح الإفحام، قريب من الأفهام، لا حاجة فيه إلى تقريب المرام.
وأما المفسرون الظاهريون لا دراية لهم بالمعقول فقد ذكروا فيه وجوهاً متكلفة منها: إن كان للرحمن ولد في زعمكم فأنا أول الموحدين لله.
ومنها إن كان له ولد في زعمكم فأنا أول الآنفين من أن يكون له ولد.
يقال: عبد بالكسر يعبد بالفتح إذا اشتد أنفه.
ومنها جعل "إن" نافية أي ما كان للرحمن ولد فأنا أول من قال بذلك، ووحد ثم نزه نفسه عما لا يليق بذاته، ثم أمر نبيه أن يتركهم في باطلهم واللعب بدنياهم حتى يلاقوا القيامة.
ثم مدح ذاته بقوله ﴿ وهو الذي في السماء إله ﴾ أي معبود كما مر في قوله ﴿ وهو الله في السموات وفي الأرض ﴾ والتقدير وهو الذي هو في السماء إله إلا أنه حذف الراجع لطول الكلام.
ثم أبطل قول الكفرة إن الأصنام تنفعهم.
وقوله ﴿ إلا من شهد ﴾ استثناء منقطع أي لكن من شهد بالتوحيد عن علم وبصيرة هو الذي يملك الشفاعة، ويجوز أن يكون متصلاً لأن من جملة من يدعونهم الملائكة وعيسى وعزيراً.
وجوز أن تكون اللام محذوفة لأن الشفاعة تقتضي مشفوعاً له أي لمن شهد بالحق وهم المؤمنون قال بعض العلماء ﴿ وهم يعلمون ﴾ دلالة على أن إيمان المقلد وشهادته غير معتبر.
ثم كرر ما ذكر في أول السورة قائلاً ﴿ ولئن سألتهم ﴾ والغرض التعجيب من حالهم أنهم يعترفون بالصانع ثم يجعلون له أنداداً.
وقيل: الضمير في ﴿ سألتهم ﴾ للمعبودين.
من قرأ ﴿ وقيله ﴾ بالنصب فعن الأخفش أنه معطوف على ﴿ سرهم ونجواهم ﴾ أو المراد وقال قيله أي قوله، والضمير للنبي لتقدم ذكره بالكناية في قوله ﴿ قل إن كان ﴾ وعن أبي علي أنه يعود إلى عيسى، وفيه تسلية لمحمد .
ويحتمل أن يكون النصب بالعطف على محل الساعة أي وعنده علم الساعة وعلم قيله كقراءة من قرأ بالجر.
ثم سلى نبيه بأعمال الخلق الحسن معهم إلى أوان النصر وهو ظاهر والله أعلم بالتوفيق.
قوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ أَبْرَمُوۤاْ أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ ﴾ .
ثم يحتمل أن يكون ما ذكر من إبرامهم أمراً ما ذكر في آية أخرى، وهو قوله : ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ إبرامهم أمرا: هو مكرهم الذي مكروا برسول الله فيما ذكر، والله أعلم.
ويحتمل: أن يكون إبرامهم الذي ذكر غير ذلك، وكيفما كان، ففيه وجهان من الدلالة: أحدهما: ليعلموا أن الله - - عالم سميع بما يبرمون فيما بينهم من أمر سرّاً؛ لأنه في ظنهم أن الله لا يعلم ولا يسمع ما يبرمون من الأمر سرّاً، ولذلك قال : ﴿ أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم ﴾ .
والثاني: فيه دلالة إثبات الرسالة؛ لأنهم أبرموا ذلك الأمر فيما بينهم سرّاً، ثم أخبرهم رسول الله بما أبرموا وأحكموا من الأمر؛ ليعرفوا أنه إنما علم ذلك بالله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنَّا مُبْرِمُونَ ﴾ .
يحتمل: فإنا جازون جزاء إبرامهم.
ويحتمل: ﴿ فَإِنَّا مُبْرِمُونَ ﴾ أي: إلينا يرجع تدبير إبرامهم الأمر ومكرهم جميعاً؛ وعلى ذلك قوله: ﴿ فَلِلَّهِ ٱلْمَكْرُ جَمِيعاً ﴾ على هذين الوجهين اللذين ذكرناهما.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم ﴾ .
أي: بل يحسبون على ما ذكرنا: أن حرف الاستفهام منه يخرج على الإيجاب؛ كأنه قال: بل يحسبون؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ بَلَىٰ وَرُسُلُنَا ﴾ .
وقوله: ﴿ بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ ﴾ .
هذا وعيد وتنبيه منه لهم؛ يخبر أن رسله يكتبون ما يسترون ويخفون من المنكر وغيره؛ ليكونوا أبدا على حذر ويقظة، والله أعلم.
وقوله: ﴿ قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ ﴾ له بالتعالي والتنزيه عن الولد، أي: وأنا أول من يعبد الرحمن بالإيمان والتصديق أنه ليس له ولد، على هذا أعبد الله .
والثاني: ما كان للرحمن ولد فأنا أول الآنفين، وهو من عَبِدَ يَعْبِد، أي: أنف يأنف، فيكون هذا تنزيه تَصريحٍ عن الولد، والأول تنزيه له بالكناية، هذا إذا كان معنى قوله: ﴿ قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ ﴾ ما كان للرحمن ولد.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ ﴾ يخرج على التأويل - أيضاً - على وجهين: أحدهما: أي: لو كان للرحمن ولد على زعمكم وعلى ما عندكم فأنا أول من أتبرأ عن أن يكون له ولد، وأدعوكم إلى الرحمن الذي لا ولد له، وهو كقوله - -: ﴿ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ أي: أين شركائي [الذين] تزعمون أنتم أنهم شركاء؟
وقوله : ﴿ وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً ﴾ أي: انظر إلى إلهك الذي هو في زعمك إله.
والثاني: يحتمل أن يقول له: قل: لو كان يجوز أو يحتمل أن يكون له ولد، فأنا أول من أعبده على ذلك، أو أول من أقول أنا بذلك، فإذ لم أقل بذلك وأنا رسول الله، فظهر أنه لا يحتمل ولا يجوز أن يكون له ولد، وهو كقوله - -: ﴿ لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاَّصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ﴾ أي: لو كان يجوز أن يريد الله أن يتخذ ولداً لاصطفى ممن عنده وممن شاء، لا مما هو عندكم ومما تختارون أنتم، لكن لا يحتمل ولا يجوز أن يتخذ ولداً.
وقال بعضهم في قوله - -: ﴿ قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ ﴾ يقول: كما أني لست أول من عبد الله، فكذلك ليس للرحمن ولد؛ كقول الرجل: لو كان ما تقول حقّاً فأنا حمار، معناه: ليس الذي تقوله بحق، كما أني لست بحمار، والله أعلم.
[ثم] نزه نفسه عن الولد، وأنه لا يجوز أن يكون له ولد حيث قال: ﴿ سُبْحَانَ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ أي: رب السماوات، ورب الأرض، ورب من فيهن، ورب العرش.
قال أهل التأويل: أي: رب السرير.
لكن لا يحتمل أن يكون تأويل العرش - هاهنا - السرير، فينسب إلى السرير، فيقال: رب السرير، ويجوز لغيره - أيضاً - أن يقال له: رب السرير، فيثبت المشاركة في النسبة بينه وبين الخلق، إلا أن يقال: إن لذلك السرير عند الخلائق موقعاً وقدراً عظيماً يليق القسم به، وإنه من أعظم المخلوقات وأعجبها، فكان نسبة هذا إلى الله - وتعالى - من باب التعظيم والإجلال له بمنزلة نسبة كل العالم إليه؛ فيكون جائزاً، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون تأويل العرش - هاهنا - هو الملك؛ يقول: سبحان رب السماوات والأرض ورب الملك عما يصفون، ثم قد بينا حكمة ذكر السماوات والأرض على إثر ذكر الولد في غير موضع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ ﴾ هذا - في الظاهر - أمر بتركهم على ما هم عليه من الخوض واللعب وغيره، ومثل هذا مما لا يليق بالحكمة؛ إذ هو حرام في العقل، لكن يخرج على الوعيد، وإن كان صيغته صيغة الأمر، كقوله: ﴿ ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ ﴾ هو في الظاهر وإن كان أمراً فهو في الحقيقة وعيد، فعلى ذلك هذا يخرج على الوعيد.
ويحتمل أن يخرج على ترك المكافأة على ما يصنعون من الاستهزاء بهم، والأنواع من الأذى إلى اليوم الذي يلاقون ويعاينون العذاب حين لا تنفعهم الندامة في الرجوع في ذلك اليوم.
وأصل ذلك أن الله - - قد أوعدهم بمواعيد شديدة، ووعظهم بمواعظ بليغة، فلم تنجع تلك المواعيد فيهم، ولا نفعهم شيء من ذلك.
والثاني: قد بين ما يزيل عنهم الشبه، وما يوجب التعلق به، [و] أوضح لهم طريق الحق والهدى، فلم يسلكوا مسلك طريق الحق، فأوعد لهم بما ذكر في ذلك اليوم ما لا تنفعهم ندامتهم في ذلك الوقت، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمآءِ إِلَـٰهٌ وَفِي ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ ﴾ الإله في اللغة هو المعبود؛ كأنه يقول - والله أعلم -: إنكم تعلمون أن الله - - هو المعبود في السماء، وهو المعبود في الأرض، والأصنام التي تعبدونها أنتم لا يعبدها إلا أنتم، فكيف تركتم عبادة المعبود الذي هو معبود في السماء والأرض، واخترتم عبادة من ليس بمعبود إلا بعبادتكم؟!.
ويحتمل أن يقول: تعلمون أنتم أن الله - وتعالى - هو إله السماء والأرض وإله من فيهما، وأنه خالق ذلك كله؛ لقوله: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ﴾ والأصنام التي تعبدونها لم يفعلوا ذلك، ولا يملكون شيئاً من ذلك، فكيف اتخذتموها آلهة دونه؟!
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ ﴾ ذكر الحكيم والعليم على إثر ذلك يخرج على وجهين: أحدهما: لسؤال الثنوية: أن الله - عز وجل - لا يجوز أن يبسط الرزق ويوسع الدنيا على من يعلم أنه يعاديه ويشتمه، ويعادي أولياءه ويشتمهم؛ لأن في الشاهد من يصنع إلى من يعلم أنه يعاديه معروفاً فليس بحكيم، فعلى ذلك يقولون: إن ذلك ليس من الله - - ولكنه من إله غيره سفيه؛ لأنه وصف نفسه بالحكمة، وأنه يزيل الحكمة.
و[الثاني]: لقول البراهمة في إنكارهم الرسالة أصلا، يقولون: ليس من الحكمة بعث الرسل إلى من يعلم أنه يكذبه ويكذب رسله ولا يقبل رسالته؛ بل يقتله ويعاديه؛ لذلك ينكرون رسالة الرسل، فأخبر - - بقوله: ﴿ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ ﴾ أن إعطائي إياهم ما أعطيتهم وبعثي الرسل إليهم على علم مني بما يكون منهم من التكذيب والعداوة - لا يخرجني عن الحكمة، ويخرج فاعل ذلك في الشاهد عن الحكمة؛ لأن ملوك الأرض إنما يرسلون الرسل ويبعثون الهدايا لمنافع أنفسهم ولحاجتهم، فإذا علموا من المبعوث إليهم الرسل والمصنوع إليهم المعروف ما ذكرنا - خرج من الحكمة، فأما الله - - إنما بعث الرسل لحاجة المبعوث إليهم، ولمنافع أنفسهم، فكذلك ما يعطيهم من الدنيا لمنافع أنفسهم؛ فلم يخرج بذلك من الحكمة؛ لأنه لا تضره معاداة من عاداه، ولا تنفعه موالاة من والاه؛ بل كل ذلك راجع إليهم؛ بل صنع ما يصنع من المعروف إلى من يعلم أنه يعاديه يكون وصفاً له بغاية الكرم والجود، كذلك ما ذكرنا، وبطل قوله الثنوية والبراهمة، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَبَارَكَ ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ﴾ قوله: ﴿ وَتَبَارَكَ ﴾ قال أهل التأويل: أي: وتعاظم عما قالت الملاحدة فيه من الشريك، والولد، والصاحبة، وغير ذلك مما لا يليق به، ولا يجوز؛ فيكون تنزيهاً عن جميع ما قالوا فيه، وهو كحرف ﴿ سُبْحَانَ ﴾ الذي يكون تنزيهاً عما قالوا فيه، والله أعلم.
قال بعض أهل الأدب: ﴿ وَتَبَارَكَ ﴾ هو من البركة، لكن بعض العلماء قالوا: إن هذا التأويل لا يصح؛ لأن قوله: ﴿ وَتَبَارَكَ ﴾ هو من وقوع البركة بنفسه، فهو اسم ملازم، ولا يجوز أن يوصف الله - - بوقوع البركة، لكن عندنا ﴿ وَتَبَارَكَ ﴾ هو تفاعل، والتفاعل هو فعل اثنين؛ فجائز نسبة البركة إليهما على حقيقة وقوعها بأحدهما وهو الخلق للإيصال؛ على ما هو الأصل في مثل هذا، وله نظائر كثيرة.
وأصل تأويل ﴿ وَتَبَارَكَ ﴾ : ما قاله أهل التأويل: وتعاظم عن جميع ما قالت الملاحدة فيه مما لا يليق به من الولد، والشريك، وغير ذلك، لكن هو على التأويل، لا على تحقيق الاسم، فنظيره ما فسروا في قوله [ ]: "وتعال جدُّك" أي: عظمتك، والجد هو في الحقيقة ليس هو اسم العظمة، ولكن هو خروج الأمر على ما يريد ويشاء، ويسميه الناس فيما بينهم بالفارسية: بختا، فسروا الجد بالعظمة؛ لنفاذ مشيئة العظيم، وخروج الأمور على ما يريده ويشاؤه، فعلى ذلك تفسيرهم ﴿ وَتَبَارَكَ ﴾ بما قالوا: وتعاظم على التأويل، لا على تحقيق الاسم؛ إذ هو من البركة، لكن كل من بورك فيه صار متعالياً، فأطلقوا عليه ﴿ وَتَبَارَكَ ﴾ بمعنى: ، لا بمعنى حقيقة الاسم، والله أعلم.
ثم قوله: ﴿ وَتَبَارَكَ ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ﴾ بيان منه وتعليم للخلق ما يجوز النسبة [له] فقال: ﴿ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ، وقال: ﴿ وَلَهُ مَا فِي ٱلْسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ، ونحو ذلك، يبين لهم أن ينسبوا إليه هذا، ولا ينسبوا إليه من الولد، والشريك، والصاحبة ونحو ذلك؛ لأن نسبة الأشياء بكليتها يخرج مخرج الوصف له بالعظمة والجلال، نحو ما ذكرنا من قوله - -: ﴿ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ وقوله: ﴿ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ ، [وقوله:] ﴿ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ، وقوله: ﴿ خَٰلِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ ، ونسبة خاصية الأشياء إليه يخرج مخرج التعظيم والتبجيل لتلك الأشياء، وثم ينظر بعد هذا: فإن كانت تلك الأشياء الخاصة مما يجوز تعظيمها نسبت إليه وأضيفت، نحو قوله: بيت الله، ومساجد الله، ورسول الله، وغير ذلك من الأشياء التي عظمها الله - - ورفع قدرها ومنزلتها عنده، وإن كانت الأشياء مما يستقذر ويستقبح ويسترذل فلا يجوز النسبة إليه والإضافة؛ لما ذكرنا أن نسبتها إليه وإضافتها يخرج مخرج التعظيم لها، وهي ليست بمعظمة، ولكنها مسترذلة مستقذرة؛ فيكون وضع الشيء غير موضعه، وأنه خلاف الحكمة، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ ﴾ يخرج على وجوه: أحدها: أي: عنده علم ساعة: الصعقة؛ كقوله - -: ﴿ وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ...
﴾ الآية [الزمر: 68].
ويحتمل ﴿ وَعِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ ﴾ : الزلزلة؛ كقوله: ﴿ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ﴾ .
ويحتمل: ﴿ وَعِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ ﴾ : الفزع والهول؛ كقوله: ﴿ فَفَزِعَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ...
﴾ الآية [النمل: 87].
ويحتمل: ﴿ وَعِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ ﴾ : القيامة؛ كقوله - -: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ ، ونحو ذلك، والله أعلم.
أخبر أنه لم يطلع الله - عز وجل - على حقيقة ما ذكر أحداً من خلقه.
وقوله: ﴿ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ قد ذكرنا في غير موضع: أن تخصيص ذلك بالرجوع إليه يخرج على وجوه، وإن كانوا في جميع الأحوال راجعين فيه إلى الله - - صائرين إليه: أحدها: لأن المقصود من إنشائهم ذلك - أعني: البعث - كي لا يكون خلقهم عبثاً، على ما ذكرنا غير مرة.
ويحتمل أنه خص ذلك اليوم بالرجوع إليه والمصير والخروج؛ لأنه يومئذ يخلص خروجهم ورجوعهم إليه وانقيادهم له، وقد ذكرناه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَمْلِكُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلشَّفَاعَةَ ﴾ إن قوماً كانوا يعبدون الملائكة؛ رجاء أن يكونوا لهم شفعاء؛ لما عرفوا من خصوصيتهم وفضلهم عند الله - - وذلك معروف في الناس أنهم يخدمون ويكرمون خواص ملوكهم رجاء أن يشفع لهم أولئك الخواص عند الملك إذا نزل بهم بلاء ووقعت لهم حاجة يوماً من الدهر، فعلى ذلك هؤلاء الكفرة كانوا يعبدون الملائكة؛ لما عرفوا من خصوصيتهم وفضل منزلتهم عند الله .
ثم أخبر - عز وجل - عن الملائكة أنهم لا يملكون الشفاعة بقوله: ﴿ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ ﴾ وهو قوله: ﴿ إِلاَّ مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ ، أي: إلا لمن شهد بوحدانية الله - - وألوهيته، لا يشفعون لأولئك، إنما يشفعون لمن ذكر، وإن كانت لهم خصوصية عند الله - - لأن الله - عز وجل - نهى أولئك أن يعبدوا الملائكة ويعظموهم من جهة العبادة؛ لذلك لا يملكون الشفاعة لهم؛ فيكون مثل هذا مثل ملك نهى قومه أن يخدموا أو يعظموا أحداً سواه من خواصه، فإذا فعلوا ذلك وخدموهم وتركوا نهيه لا يملك أولئك الخواص ولا يتجاسرون على طلب الشفاعة عند الملك لأولئك الذين نهاهم الملك أن يخدموهم ويعظموهم دونه، فعلى ذلك الملائكة، لم يجعل لهم شفاعة لأولئك الذين عبدوهم دونه إلا لمن ذكر، وهم: الذين شهدوا بالحق، وقاموا بعبادة الله - - فقد أذن الله لهم بالشفاعة لأولئك، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَلاَ يَمْلِكُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلشَّفَاعَةَ ﴾ أي: لو كانت لهم الشفاعة لكانت لا تنفعهم؛ كقوله - : ﴿ فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِينَ ﴾ أي: لو كانت لهم شفعاء لكانت لا تنفعهم شفاعتهم، ليس أن يكون لهم شفاعة أو شفعاء، وهو كقوله - -: ﴿ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ...
﴾ الآية [المائدة: 36]، وكقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ...
﴾ ؛ فعلى ذلك يحتمل قوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَمْلِكُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلشَّفَاعَةَ ﴾ أي: لا ينفعهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ يخرج قوله: ﴿ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ على وجهين: أحدهما: يرجع إلى الملائكة، فيكون كأنه يقول: ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة وهم يعلمون أنهم لا يملكون الشفاعة.
والثاني: يرجع إلى من شهد بالحق، يكون كأنه يقول: ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون أنهم يشهدون بالحق، والشهادة بالحق ما ذكرنا، يعني: يشهدون على وحدانية الله - - وألوهيته، وأنه هو المستحق بالعبادة دون من عبدوهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ﴾ ، وقال في أول السورة: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ ﴾ ، ثم نعته فقال: ﴿ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ...
﴾ إلى آخر ما ذكر؛ قد أقروا جميعاً: أن الذي خلق السماوات والأرض وخلقهم وما يحتاجون إليه هو الله .
ثم علمهم وعرفانهم بذلك يحتمل وجوهاً: يحتمل: علم حقيقة على التسخير والاضطرار بأن أنشأ الله - - علماً في قلوبهم، فعلموا بذلك حقيقة أن الله - عز وجل -: هو خالق ذلك كله.
ويحتمل علموا علم الاستدلال بالتأمل والنظر؛ إذ من عادة العرب التأمل والنظر في الأشياء، فنظروا وتأملوا، فعرفوا بالاستدلال العقلي أنه كذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ﴾ يقول: فأي شيء يصرفهم ويأفكهم عن القيام بوفاء ما أعطوا بألسنتهم، وتحقيق ما أقروا ونطقوا أن الله خالق ذلك كله، وأن ذلك كله منهم، وجعل ذلك لمن يعلمون أنه [لا] شيء من ذلك منهم، وبعد معرفتهم بذلك، أعني: الأصنام التي يعبدونها، والله الهادي.
وقال أهل التأويل: أي: فأنى يكذبون بعد علمهم ومعرفتهم ذلك في تسميتهم معبودهم: إلهاً، أو شكرهم غير الذي صنع ذلك لهم بالعبادة له دون الله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقِيلِهِ يٰرَبِّ ﴾ قرئ بنصب اللام وكسرها فمن قرأه بالنصب جعله مقطوعاً على قوله: ﴿ أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم ﴾ ونسمع قيله؛ أي: قوله الذي أغفلوه؛ أي: بل نسمع ذلك كله.
ومن قرأه بالكسر عطفه على قوله: ﴿ وَعِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ ﴾ أي: عنده علم الساعة وعلم قيله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰرَبِّ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ ﴾ كأنه على الإضمار، أي: قيل لهم: قل: إن هؤلاء قوم لا يصدقون.
وفيه دلالة إثبات رسالته؛ لأنه أخبر أنهم لا يؤمنون، وقد كان على ما أخبر لم يؤمنوا؛ دل أنه بالله عرف ذلك وعلمه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ ﴾ أي: أعرض ودعهم، ﴿ وَقُلْ سَلاَمٌ ﴾ أي: قل الصواب والحق ﴿ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ يوماً، فهو وعيد لهم.
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَقُلْ سَلاَمٌ ﴾ أي: سلام عليهم، لكنه على المؤمنين، ليس على أولئك الكفرة: ﴿ فسوف تعلمون ﴾ بالتاء يكون لو صرف إلى المؤمنين، وهو كقوله : ﴿ وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَٰمٌ عَلَيْكُمْ ﴾ فيكون كأنه - عز وجل - قال: فسوف تعلمون أيها المؤمنون ما ينزل بأولئك، والله أعلم.
فإن مكروا بالنبي وأعدوا له كيدًا فإنا مُحكِمون لهم تدبيرًا يفوق كيدهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.4bp29"