الآية ٨١ من سورة الزخرف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 43 الزخرف > الآية ٨١ من سورة الزخرف

قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌۭ فَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلْعَـٰبِدِينَ ٨١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 108 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨١ من سورة الزخرف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨١ من سورة الزخرف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : ( قل ) يا محمد : ( إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين ) أي : لو فرض هذا لعبدته على ذلك لأني عبد من عبيده ، مطيع لجميع ما يأمرني به ، ليس عندي استكبار ولا إباء عن عبادته ، فلو فرض كان هذا ، ولكن هذا ممتنع في حقه تعالى ، والشرط لا يلزم منه الوقوع ولا الجواز أيضا ، كما قال تعالى : ( لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله الواحد القهار ) [ الزمر : 4 ] .

[ و ] قال بعض المفسرين في قوله : ( فأنا أول العابدين ) أي : الآنفين .

ومنهم سفيان الثوري ، والبخاري حكاه فقال : ويقال : ( أول العابدين ) الجاحدين ، من عبد يعبد .

وذكر ابن جرير لهذا القول من الشواهد ما رواه عن يونس بن عبد الأعلى ، عن ابن وهب ، حدثني ابن أبي ذئب ، عن أبي قسيط ، عن بعجة بن زيد الجهني ; أن امرأة منهم دخلت على زوجها - وهو رجل منهم أيضا - فولدت له في ستة أشهر ، فذكر ذلك زوجها لعثمان بن عفان - رضي الله عنه - فأمر بها أن ترجم ، فدخل عليه علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - فقال : إن الله يقول في كتابه : ( وحمله وفصاله ثلاثون شهرا ) [ الأحقاف : 15 ] ، وقال ( وفصاله في عامين ) [ لقمان : 14 ] ، قال : فوالله ما عبد عثمان - رضي الله عنه - أن بعث إليها ترد - قال يونس : قال ابن وهب : عبد : استنكف .

[ و ] قال الشاعر : متى ما يشأ ذو الود يصرم خليله ويعبد عليه لا محالة ظالما وهذا القول فيه نظر ; لأنه كيف يلتئم مع الشرط فيكون تقديره : إن كان هذا فأنا ممتنع منه ؟

هذا فيه نظر ، فليتأمل .

اللهم إلا أن يقال : " إن " ليست شرطا ، وإنما هي نافية كما قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله : ( قل إن كان للرحمن ولد ) ، يقول : لم يكن للرحمن ولد فأنا أول الشاهدين .

وقال قتادة : هي كلمة من كلام العرب : ( قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين ) أي : إن ذلك لم يكن فلا ينبغي .

وقال أبو صخر : ( قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين ) أي : فأنا أول من عبده بأن لا ولد له ، وأول من وحده .

وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم .

وقال مجاهد : ( فأنا أول العابدين ) أي : أول من عبده ووحده وكذبكم .

وقال البخاري : ( فأنا أول العابدين ) الآنفين .

وهما لغتان ، رجل عابد وعبد .

والأول أقرب على أنه شرط وجزاء ، ولكن هو ممتنع .

وقال السدي [ في قوله ] ( قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين ) يقول : لو كان له ولد كنت أول من عبده ، بأن له ولدا ، لكن لا ولد له .

وهو اختيار ابن جرير ، ورد قول من زعم أن " إن " نافية .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (81) اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ( قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ ) فقال بعضهم: في معنى ذلك: قل يا محمد إن كان للرحمن ولد في قولكم وزعمكم أيها المشركون, فأنا أوّل المؤمنين بالله في تكذيبكم, والجاحدين ما قلتم من أن له ولدا.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ ) كما تقولون ( فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ ) المؤمنين بالله, فقولوا ما شئتم.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: ( فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ ) قال: قل إن كان لله ولد في قولكم, فأنا أول من عبد الله ووحده وكذّبكم.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: قل ما كان للرحمن ولد, فأنا أول العابدين له بذلك.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ ) يقول: لم يكن للرحمن ولد فأنا أول الشاهدين.

وقال آخرون: بل معنى ذلك نفي, ومعنى إن الجحد, وتأويل ذلك ما كان ذلك, ولا ينبغي أن يكون.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ ) قال قتادة: وهذه كلمة من كلام العرب ( إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ ) : أي إن ذلك لم يكن, ولا ينبغي.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ ) قال: هذا الإنكاف (1) ما كان للرحمن ولد, نكف الله أن يكون له ولد, وإن مثل " ما " إنما هي: ما كان للرحمن ولد, ليس للرحمن ولد, مثل قوله: وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ إنما هي: ما كان مكرهم لتزول منه الجبال, فالذي أنـزل الله من كتابه وقضاه من قضائه أثبت من الجبال, و " إن " هي" ما " إن كان ما كان تقول العرب: إن كان, وما كان الذي تقول.

وفي قوله: ( فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ ) أول من يعبد الله بالإيمان والتصديق أنه ليس للرحمن ولد على هذا أعبد الله.

حدثني ابن عبد الرحيم البرقي, قال: ثنا عمرو بن أبي سلمة, قال: سألت ابن محمد, عن قول الله: ( إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ ) قال: ما كان.

حدثني ابن عبد الرحيم البرقي, قال: ثنا عمرو, قال: سألت زيد بن أسلم, عن قول الله: ( قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ ) قال: هذا قول العرب معروف, إن كان: ما كان, إن كان هذا الأمر قط, ثم قال: وقوله: وإن كان: ما كان.

وقال آخرون: معنى " إن " في هذا الموضع معنى المجازاة, قالوا: وتأويل الكلام: لو كان للرحمن ولد, كنت أوّل من عبده بذلك.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ ) قال: لو كان له ولد كنت أول من عبده بأن له ولدا, ولكن لا ولد له.

وقال آخرون: معنى ذلك: قل إن كان للرحمن ولد, فأنا أوّل الآنفين ذلك, ووجهوا معنى العابدين إلى المنكرين الآبين, من قول العرب: قد عبِد فلان من هذا الأمر إذا أنف منه وغضب وأباه, فهو يعبد عبدا, كما قال الشاعر? ألا هَــوِيَتْ أُمُّ الوَلِيــدِ وأصْبَحَـتْ لِمَـا أبْصَـرَتْ فِـي الـرأس مِنِّي تَعَبَّدُ (2) وكما قال الآخر? مَتـى مـا يَشـأْ ذُو الودّ يَصْرِمْ خَلِيلَهُ وَيَعْبَــدْ عَلَيْــهْ لا محَالَــةَ ظالِمَـا (3) وقد حدثني يونس بن عبد الأعلى, قال: أخبرنا ابن وهب, ثني قال: ابن أبي ذئب, عن أبي قسيط, عن بعجة بن زيد الجهني, أن امرأة منهم دخلت على زوجها, وهو رجل منهم أيضا, فولدت له في ستة أشهر, فذكر ذلك لعثمان بن عفان رضي الله عنه فأمر بها أن تُرجم, فدخل عليه عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: إن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه: وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا وقال: وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ قال: فوالله ما عبِد عثمان أن بعث إليها تردّ.

قال يونس, قال ابن وهب: عبد: استنكف.

وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال: معنى: ( إنْ ) الشرط الذي يقتضي الجزاء على ما ذكرناه عن السديّ, وذلك أن " إن " لا تعدو في هذا الموضع أحد معنيين: إما أن يكون الحرف الذي هو بمعنى الشرط الذي يطلب الجزاء, أو تكون بمعنى الجحد, وهب إذا وجهت إلى الجحد لم يكن للكلام كبير معنى, لأنه يصير بمعنى: قل ما كان للرحمن ولد, وإذا صار بذلك المعنى أوهم أهل الجهل من أهل الشرك بالله أنه إنما نفى بذلك عن الله عزّ وجلّ أن يكون له ولد قبل بعض الأوقات, ثم أحدث له الولد بعد أن لم يكن, مع أنه لو كان ذلك معناه لقدر الذين أمر الله نبيَّهُ محمدا صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أن يقول لهم: ما كان للرحمن ولد, فأنا أول العابدين أن يقولوا له صدقت, وهو كما قلت, ونحن لم نـزعم أنه لم يزل له ولد.

وإنما قلنا: لم يكن له ولد, ثم خلق الجنّ فصاهرهم, فحدث له منهم ولد, كما أخبر الله عنهم أنهم كانوا يقولونه, ولم يكن الله تعالى ذكره ليحتجّ لنبيه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وعلى مكذبيه من الحجة بما يقدرون على الطعن فيه, وإذ كان في توجيهنا " إن " إلى معنى الجحد ما ذكرنا, فالذي هو أشبه المعنيين بها الشرط.

وإذ كان ذلك كذلك, فبينة صحة ما نقول من أن معنى الكلام: قل يا محمد لمشركي قومك الزاعمين أن الملائكة بنات الله: إن كان للرحمن ولد فأنا أول عابديه بذلك منكم, ولكنه لا ولد له, فأنا أعبده بأنه لا ولد له, ولا ينبغي أن يكون له.

وإذا وجه الكلام إلى ما قلنا من هذا الوجه لم يكن على وجه الشكّ, ولكن على وجه الإلطاف من الكلام وحسن الخطاب, كما قال جلّ ثناؤه قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ .

وقد علم أن الحقّ معه, وأن مخالفيه في الضلال المبين.

------------------------ الهوامش: (1) في النهاية لابن الأثير : إنكاف الله من سوء : أي تنزيهه وتقديسه .

وأنكفته : نزهته .

(2) هذا شاهد لم أقف على قائله .

استشهد به المؤلف عند قوله تعالى : ( فأنا أول العابدين ) .

قال أبو عبيدة في تفسير الآية ( مجاز القرآن الورقة 221 ) : مجازها إن كان للرحمن ولد : إن في موضع ( ما ) في قول بعضهم : ما كان للرحمن ولد .

والفاء : مجازها مجاز الواو .

يريد : ما كان وأنا أول العابدين .

وقال آخرون : مجازها : إن كان في قولكم للرحمن ولد ، فأنا أول العابدين : أي الكافرين بذاك ، والجاحدين لما قلتم .

وهو من عبدت تعبد .

ا هـ .

أي من باب علم يعلم .

بمعنى أنف أو غضب أو كره الشيء .

وتعبد في البيت: بمعنى تأنف أو تغضب ، وهو كعبد بمعنى أنف وغضب قال في ( اللسان : عبد ) : وتعبد : كعبد .

(3) وهذا الشاهد أيضا لم أقف على قائله ، وهو بمعنى الشاهد الذي قبله ، استشهد به المؤلف على الآية نفسها ، يريد أن قول الشاعر : يعبد عليه هو مضارع عبد عليه كعلم : إذا غضب عليه .

وفي ( اللسان : عبد ) والعبد ( كسبب) طول الغضب .

قال الفراء : عبد عليه ، وأحن عليه ، أي غضب .

وقال الغنوي : العبد : الحزن والوجد .

قال الفرزدق .

أولَئِـكَ قَـوْمِي إنْ هَجَـوْتِي هَجَـوْتُهُم وَأَعْبَــدُ أنْ أهْجُــو كُلَيْبــا بِـدَارِمِ أعبد : أي آنف .

ا هـ .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدينقوله تعالى : قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين اختلف في معناه ، فقال ابن عباس والحسن والسدي : المعنى ما كان للرحمن ولد ، ف ( إن ) بمعنى ما ، ويكون الكلام على هذا تاما ، ثم تبتدئ : ( فأنا أول العابدين ) أي : الموحدين من أهل مكة على أنه لا ولد له .

والوقف على ( العابدين ) تام .

وقيل : المعنى قل يا محمد إن ثبت لله ولد فأنا أول من يعبد ولده ، ولكن يستحيل أن يكون له ولد ، وهو كما تقول لمن تناظره : إن ثبت بالدليل فأنا أول من يعتقده ، وهذا مبالغة في الاستبعاد ، أي : لا سبيل إلى اعتقاده .

وهذا ترقيق في الكلام ، كقوله : وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين .

والمعنى على هذا : ترقيق في الكلام ، كقوله : وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين .

والمعنى على هذا : فأنا أول العابدين لذلك الولد ، لأن تعظيم الولد تعظيم للوالد .

وقال مجاهد : المعنى إن كان للرحمن ولد فأنا أول من عبده وحده ، على أنه لا ولد له .

وقال السدي أيضا : المعنى لو كان له ولد كنت أول من عبده على أن له ولدا ، ولكن لا ينبغي ذلك .

قال المهدوي : فإن على هذه الأقوال للشرط ، وهو الأجود ، وهو اختيار الطبري ، لأن كونها بمعنى ما يتوهم معه أن المعنى لم يكن له فيما مضى .

وقيل : إن معنى العابدين الآنفين .

وقال بعض العلماء : لو كان كذلك لكان العبدين .

وكذلك قرأ أبو عبد الرحمن واليماني فأنا أول العبدين بغير ألف ، يقال : عبد يعبد عبدا ( بالتحريك ) إذا أنف وغضب فهو عبد ، والاسم العبدة مثل الأنفة ، عن أبي زيد .

قال الفرزدق :أولئك أجلاسي فجئني بمثلهم وأعبد أن أهجو كلبا بدارموينشد أيضا :أولئك ناس إن هجوني هجوتهم وأعبد أن يهجى كليب بدارمقال الجوهري : وقال أبو عمرو وقوله تعالى : ( فأنا أول العابدين ) من الأنف والغضب ، وقال الكسائي والقتبي ، حكاه الماوردي عنهما .

وقال الهروي : وقوله تعالى : ( فأنا أول العابدين ) قيل هو من عبد يعبد ، أي : من الآنفين .

وقال ابن عرفة : إنما يقال عبد يعبد فهو عبد ، وقلما يقال عابد ، والقرآن لا يأتي بالقليل من اللغة ولا الشاذ ، ولكن المعنى فأنا أول من يعبد الله - عز وجل - على أنه واحد لا ولد له .

وروي أن امرأة دخلت على زوجها فولدت منه لستة أشهر ، فذكر ذلك لعثمان - رضي الله عنه - فأمر برجمها ، فقال له علي : قال الله تعالى : وحمله وفصاله ثلاثون شهرا وقال في آية أخرى : وفصاله في عامين فوالله ما عبد عثمان أن [ ص: 111 ] بعث إليها ترد .

قال عبد الله بن وهب : يعني ما استنكف ولا أنف .

وقال ابن الأعرابي فأنا أول العابدين أي : الغضاب الآنفين .

وقيل : فأنا أول العابدين أي : أنا أول من يعبده على الوحدانية مخالفا لكم .

أبو عبيدة : معناه الجاحدين ، وحكى : عبدني حقي أي : جحدني .

وقرأ أهل الكوفة إلا عاصما ( ولد ) بضم الواو وإسكان اللام .

الباقون وعاصم ( ولد ) وقد تقدم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: قل يا أيها الرسول الكريم، للذين جعلوا لله ولدا، وهو الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، ولم يكن له كفوا أحد.

{قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} لذلك الولد، لأنه جزء من والده، وأنا أول الخلق انقيادا للأمور المحبوبة لله، ولكني أول المنكرين لذلك، وأشدهم له نفيا، فعلم بذلك بطلانه، فهذا احتجاج عظيم عند من عرف أحوال الرسل، وأنه إذا علم أنهم أكمل الخلق، وأن كل خير فهم أول الناس سبقا إليه وتكميلا له، وكل شر فهم أول الناس تركا له وإنكارا له وبعدا منه، فلو كان على هذا للرحمن ولد وهو الحق، لكان محمد بن عبد الله، أفضل الرسل أول من عبده، ولم يسبقه إليه المشركون.

ويحتمل أن معنى الآية: لو كان للرحمن ولد، فأنا أول العابدين لله، ومن عبادتي لله، إثبات ما أثبته، ونفي ما نفاه، فهذا من العبادة القولية الاعتقادية، ويلزم من هذا، لو كان حقا، لكنت أول مثبت له، فعلم بذلك بطلان دعوى المشركين وفسادها، عقلا ونقلا.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين ) يعني إن كان للرحمن ولد في قولكم وعلى زعمكم ، فأنا أول من عبده فإنه واحد لا شريك له ولا ولد .

وروي عن ابن عباس : ( إن كان ) أي ما كان للرحمن ولد ، فأنا أول العابدين الشاهدين له بذلك ، جعل : " إن " بمعنى الجحد .

وقال السدي : معناه لو كان للرحمن ولد فأنا أول من عبده بذلك ، ولكن لا ولد له .

وقيل : " العابدين " بمعنى الآنفين ، أي : أنا أول الجاحدين والمنكرين لما قلتم .

ويقال : معناه : أنا أول من غضب للرحمن أن يقال له ولد ، يقال : عبد يعبد إذا أنف وغضب .

وقال قوم : قل ما يقال : عبد فهو عابد ، إنما يقال : فهو عبد .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

قل إن كان للرحمن ولد» فرضاً «فأنا أول العابدين» للولد لكن ثبت أن لا ولد له تعالى فانتفت عبادته.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قل -أيها الرسول- لمشركي قومك الزاعمين أن الملائكة بنات الله: إن كان للرحمن ولد كما تزعمون، فأنا أول العابدين لهذا الولد الذي تزعمونه، ولكن هذا لم يكن ولا يكون، فتقدَّس الله عن الصاحبة والولد.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد هذا التهديد والوعيد لأولئك الكافرين .

.

تأخذ السورة الكريمة فى تلقين الرسول - صلى الله عليه وسلم - الحجة التى يجابههم بها ، وفى تسليته عما أصابه منهم ، وفى الثناء على الله - تعالى - بما هو أهله من تمجيد وتعظيم ، ثم تختتم بهذا النداء الخاشع من الرسول - صلى الله عليه وسلم - لخالقه - عز وجل - فتقول : ( قُلْ إِن كَانَ للرحمن .

.

.

سَلاَمٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ) .و ( إِن ) فى قوله - تعالى - : ( قُلْ إِن كَانَ للرحمن وَلَدٌ .

.

.

) يرى بعضهم أنها شرطية ، وأن الكلام مسوق على سبيل الفرض والتقدير .والمعنى : قل - أيها الرسول الكريم - ردا على هؤلاء الكافرين الذين نسبوا الولد إلى الله - تعالى - ، قل لهم : إن كان للرحمن ولد - على سبيل الفرض والتقدير - فأنا أول العابدين لهذا الولد ، ولكن هذا الفرض قد ثبتت استحالته يقينا لا شك معه ، فما أدى إليه ، وما ترتب عليه من نسبتكم الولد إلى الله - تعالى - محال - أيضا - وإذاً فأنا لا أبد إلا الله - تعالى - وحده ، وأنزهه - سبحانه - عن الولد أو الشريك .ومن الآيات الكريمة التى نفت عن الله - عز وجل - الولد قوله - تعالى - : ( بَدِيعُ السماوات والأرض أنى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) وقوله - عز وجل - : ( وَقَالُواْ اتخذ الرحمن وَلَداً لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً تَكَادُ السماوات يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأرض وَتَخِرُّ الجبال هَدّاً أَن دَعَوْا للرحمن وَلَداً وَمَا يَنبَغِي للرحمن أَن يَتَّخِذَ وَلَداً ) ومن المفسرين الذين رجحوا أن تكون ( إِن ) هنا شرطية ، الإِمام ابن جرير ، فقد قال بعض أن ذكر بعض الأقوال فى ذلك : وأولى الأقوال عندنا بالصواب فى ذلك ، قول من قال : معنى ( إِن ) الشرط الذى يقتضى الجزاء .

ومعنى الكلام : قل يا محمد لمشركى قومك ، الزاعمين أن الملائكة بنات الله ، إن كان للرحمن ولد - على سبيل الفرض - فأنا أول العابدين .

ولكنه لا ولد له فأنا أعبده لأنه لا ينبغى أن يكون له ولد .وإذا وجه الكلام إلى ما قلنا من هذا الوجه .

لم يكن على وجه الشك ولكن على الإِلطاف فى الكلام ، وحسن الخطاب ، كما قال - جل ثناؤه - ( وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لعلى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ) وقال الإِمام ابن كثير : يقول - تعالى - : ( قُلْ ) يا محمد ( إِن كَانَ للرحمن وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ العابدين ) .أى : لو فرض هذا لعبدته على ذلك ، لأنى عبد من عبيده ، مطيع لجميع ما أمرنى به ، ليس عندى استكبار ولا إباء عن عبادته ، فلو فرض هذا كان هذا ، ولكن هذا ممتنع فى حقه - تعالى - ، والشرط لا يلزم منه الوقوع ولا الجواز - أيضا - كما قال - تعالى - : ( لَّوْ أَرَادَ الله أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاصطفى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ سُبْحَانَهُ هُوَ الله الواحد القهار ) وقال صاحب الكشاف - رحمه الله - : قوله - تعالى - : ( قُلْ إِن كَانَ للرحمن وَلَدٌ .

.

) وصح ذلك وثبت ببرهان صحيح ..

( فَأَنَاْ أَوَّلُ العابدين ) أى : فأنا أول من يعظم ذلك الولد ، وأسبقكم إلى طاعته .

.وهذا كلام وارد على سبيل الفرض والتمثيل لغرض ، وهو المبالغة فى نفى الولد ، والإِطناب فيه .

.

.

وذلك أنه علق العبادة بكينونة الولد ، وهى محالة فى نفسها ، فكان المعلق بها محالا مثلها .

.ويرى بعض العلماء أن ( إِن ) فى الآية نافية بمعنى ما ، فيكون المعنى : قل - أيها الرسول - لهؤلاء الكافرين : ما كان للرحمن من ولد ، وما صح وما أمكن ذلك ، فهو مستحيل عقلا وشرعا .

.

وما دام الأمر كذلك ، فأنا أول العابدين لله - تعالى - المنزهين له عن الولد والشريك وغيرهما .قال الإِمام القرطبى : قوله - تعالى - : ( قُلْ إِن كَانَ للرحمن وَلَدٌ .

.

.

) اختلف فى معناه .

فقال ابن عباس والحسن والسدى : المعنى : ما كان للرحمن ولد .

( إِن ) بمعنى ما ويكون الكلام على هذا تاما ، ثم تبتدى بقوله - تعالى - ( فَأَنَاْ أَوَّلُ العابدين ) .وقيل المعنى : قل يا محمد ، إن ثبت له ولد ، فأنا أول من يعبد ولده ، ولكن يستحيل أن يكون له ولد ، وهو كما تقول لمن تناظره : إن ثبت ما قلت بالدليل ، فأنا أول من يعتقده ، وهذا مبالغة فى الاستبعاد ، أى : لا سبيل إلى اعتقاده .

.و ( إِن ) على هذا للشرط ، وهو الأجود .وقيل إن معنى ( العابدين ) الآنفين .

وقال بعض العلماء لو كان كذلك لكان العبدين .

.

بغير ألف ، يقال : عبد - بكسر الباء - يعبد عبدا - بفتحها - إذا أنف وغضب فهو عبد ، والاسم العبدة ، مثل الآنفة .

.ويبدو لنا أن الرأيين يؤديان إلى نفى أن يكون لله - تعالى - ولد وإن كان الرأى الأول - وهو أنّ حرف ( إِن ) للشرط - هو المتبادر من معنى الآية وعليه جمهور المفسرين .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

فيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي ﴿ وَلَدَ ﴾ بضم الواو وإسكان اللام والباقون بفتحهما ﴿ فَأَنَاْ أَوَّلُ العابدين ﴾ قرأ نافع ﴿ فَأَنا ﴾ بفتحة طويلة على النون والباقون بلا تطويل.

المسألة الثانية: اعلم أن الناس ظنوا أن قوله: ﴿ قُلْ إِن كَانَ للرحمن وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ العابدين ﴾ لو أجريناه على ظاهره فإنه يقتضي وقوع الشك في إثبات ولد لله تعالى، وذلك محال فلا جرم افتقروا إلى تأويل الآية، وعندي أنه ليس الأمر كذلك وليس في ظاهر اللفظ ما يوجب العدول عن الظاهر، وتقريره أن قوله: ﴿ إِن كَانَ للرحمن وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ العابدين ﴾ قضية شرطية والقضية الشرطية مركبة من قضيتين خبريتين أدخل على إحداهما حرف الشرط وعلى الأخرى حرف الجزاء فحصل بمجموعها قضية واحدة، ومثاله هذه الآية فإن قوله: ﴿ إِن كَانَ للرحمن وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ العابدين ﴾ قضية مركبة من قضيتين: إحداهما: قوله: ﴿ قُلْ إِن كَانَ للرحمن وَلَدٌ ﴾ ، والثانية: قوله: ﴿ فَأَنَاْ أَوَّلُ * العابدين ﴾ ثم أدخل حرف الشرط وهو لفظة إن على لقضية الأولى وحرف الجزاء وهو الفاء على القضية الثانية فحصل من مجموعهما قضية الأولى واحدة، وهو القضية الشرطية، إذ عرفت هذا فنقول القضية الشرطية لا تفيد إلا كون الشرط مستلزماً للجزاء، وليس فيه إشعار بكون الشرط حقاً أو باطلاً أو بكون الجزاء حقاً أو باطلاً، بل نقول القضية الشرطية الحقة قد تكون مركبة من قضيتين حقيتين أو من قضيتين باطلتين أو من شرط باطل وجزاء حق أو من شرط حق وجزاء باطل، فأما القسم الرابع وهو أن تكون القضية الشرطية الحقة مركبة من شرط حق وجزاء باطل فهذا محال.

ولنبين أمثال هذه الأقسام الأربعة، فإذا قلنا إن كان الإنسان حيواناً فالإنسان جسم فهذه شرطية حقة وهي مركبة من قضيتين حقيتين، إحداهما قولنا الإنسان حيوان، والثانية قولنا الإنسان جسم، وإذا قلنا إن كانت الخمسة زوجاً كانت منقسمة بمتساويين فهذه شرطية حقة لكنها مركبة من قولنا الخمسة زوج، ومن قولنا الخمسة منقسمة بمتساويين وهما باطلان، وكونهما باطلين لا يمنع من أن يكون استلزام أحدهما للآخر حقاً، وقد ذكرنا أن القضية الشرطية لا تفيد إلا مجرد الاستلزام وإذا قلنا إن كان الإنسان حجراً فهو جسم، فهذا جسم، فهذا أيضاً حق لكنها مركبة من شرط باطل وهو قولنا الإنسان حجر، ومن جزء حق وهو قولنا الإنسان جسم، وإنما جاز هذا لأن الباطل قد يكون بحيث يلزم من فرض وقوعه وقوع حق، فإنا فرضنا كون الإنسان حجراً وجب كونه جسماً فهذا شرط باطل يستلزم جزءاً حقاً.

وأما القسم الرابع: وهو تركيب قضية شرطية حقة من شرط حق وجزاء باطل، فهذا محال، لأن هذا التركيب يلزم منه كون الحق مستلزماً للباطل وذلك محال بخلاف القسم الثالث فإنه يلزم منه كون الباطل مستلزماً للحق وذلك ليس بمحال، إذا عرفت هذا الأصل فلنرجع إلى الآية فنقول قوله: ﴿ إِن كَانَ للرحمن وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ العابدين ﴾ قضية شرطية حقة من شرط باطل ومن جزاء باطل لأن قولنا كان للرحمن ولد باطل، وقولنا أنا أول العابدين لذلك الولد باطل أيضاً إلا أنا بينا أن كون كل واحد منهما باطلاً لا يمنع من أن يكون استلزام أحدهما للآخر حقاً كما ضربنا من المثال في قولنا إن كانت الخمسة زوجاً كانت منقسمة بمتساويين، فثبت أن هذا الكلام لا امتناع في إجرائه على ظاهره، ويكون المراد منه أنه إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين لذلك الولد، فإن السلطان إذا كان له ولد فكما يجب على عبده أن يخدمه فكذلك يجب عليه أن يخدم ولده، وقد بينا أن هذا التركيب لا يدل على الاعتراف بإثبات ولد أم لا.

ومما يقرب من هذا الباب قوله: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا  ﴾ فهذا الكلام قضية شرطية والشرط هو قولنا ﴿ فِيهِمَا آلِهَةٌ ﴾ والجزاء هو قولنا ﴿ فسدتا ﴾ فالشرط في نفسه باطل والجزاء أيضاً باطل لأن الحق أنه ليس فيهما آلهة، وكلمة لو تفيد الشيء بانتفاء غيره لأنهما ما فسدتا ثم مع كون الشرط باطلاً وكون الجزاء باطلاً كان استلزام ذلك الشرط لهذا الجزاء حقاً فكذا هاهنا، فإن قالوا الفرق أن هاهنا ذكر الله تعالى هذه الشرطية بصيغة لو فقال: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ ﴾ وكلمة لو تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره، وأما في الآية التي نحن في تفسيرها إنما ذكر الله تعالى كلمة إن وهذه الكلمة لا تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره، بل هذه الكلمة تفيد الشك في أنه هل حصل الشرط أم لا، وحصول هذا الشك للرسول غير ممكن، قلنا الفرق الذي ذكرتم صحيح إلا أن مقصودنا بيان أنه لا يلزم من كون الشرطية صادقة كون جزءيها صادقتين أو كاذبتين على ما قررناه أما قوله إن لفظة إن تفيد حصول الشرط هل حصل أم لا، قلنا هذا ممنوع فإن حرف إن حرف الشرط وحرف الشرط لا يفيد إلا كون الشرط مستلزماً للجزار، وأما بيان أن ذلك الشرط معلوم الوقوع أو مشكوك الوقوع، فاللفظ لا دلالة فيه عليه ألبتة، فظهر من المباحث التي لخصناها أن الكلام هاهنا ممكن الإجراء على ظاهره من جميع الوجوه وأنه لا حاجة فيه ألبتة إلى التأويل، والمعنى أنه تعالى قال: ﴿ قُلْ ﴾ يا محمد ﴿ إِن كَانَ للرحمن وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ العابدين ﴾ لذلك الولد وأنا أول الخادمين له، والمقصود من هذا الكلام بيان أنى لا أنكر ولده لأجل العناد والمنازعة فإن بتقدير أن يقوم الدليل على ثبوت هذا الولد كنت مقراً به معترفاً بوجوب خدمته إلا أنه لم يوجد هذا الولد ولم يقم الدليل على ثبوته ألبتة، فكيف أقول به؟

بل الدليل القاطع قائم على عدمه فكيف أقول به وكيف أعترف بوجوده؟

وهذا الكلام ظاهر كامل لا حاجة به ألبتة إلى التأويل والعدول عن الظاهر، فهذا ما عندي في هذا الموضع ونقل عن السدي من المفسرين أنه كان يقول حمل هذه الآية على ظاهرها ممكن ولا حاجة إلى التأويل، والتقرير الذي ذكرناه يدل على أن الذي قاله هو الحق، أما القائلون بأنه لابد من التأويل فقد ذكروا وجوهاً الأول: قال الواحدي كثرت الوجوه في تفسير هذه الآية، والأقوى أن يقال المعنى ﴿ إِن كَانَ للرحمن وَلَدٌ ﴾ في زعمكم ﴿ فَأَنَاْ أَوَّلُ العابدين ﴾ أي الموحدين لله المكذبين لقولكم بإضافة الولد إليه، ولقائل أن يقول إما أن يكون تقدير الكلام: إن يثبت للرحمن ولد في نفس الأمر فأنا أول المنكرين له أو يكون التقدير إن يثبت لكم ادعاء أن للرحمن ولداً فأنا أول المنكرين له، والأول: باطل لأن ثبوت الشيء في نفسه لا يقتضي كون الرسول منكراً له، لأن قوله إن كان الشيء ثابتاً في نفسه فأنا أول المنكرين يقتضي إصراره على الكذب والجهل وذلك لا يليق بالرسول، والثاني: أيضاً باطل لأنهم سواء أثبتوا لله ولداً أو لم يثبتوه له فالرسول منكر لذلك الولد، فلم يكن لزعمهم تأثير في كون الرسول منكراً لذلك الولد فلم يصلح جعل زعمهم إثبات الولد مؤثراً في كون الرسول منكراً للولد.

الوجه الثاني: قالوا معناه: إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين الآنفين من أن يكون له ولد من عبد يعبد إذا اشتدت أنفته فهو عبد وعابد، وقرأ بعضهم (عبدين).

واعلم أن السؤال المذكور قائم هاهنا لأنه إن كان المراد: إن كان للرحمن ولد في نفس الأمر فأنا أول الآنفين من الإقرار به، فهذا يقتضي الإصرار على الجهل والكذب، وإن كان المراد إن كان للرحمن ولد في زعمكم واعتقادكم فأنا أول الآنفين، فهذا التعليق فاسد لأن هذه الأنفة حاصلة سواء حصل ذلك الزعم والاعتقاد أو لم يحصل، وإذا كان الأمر كذلك لم يكن هذا التعليق جائزاً.

والوجه الثالث: قال بعضهم إن كلمة إن هاهنا هي النافية والتقدير ما كان للرحمن ولد فأنا أول الموحدين من أهل مكة أن لا ولد له.

واعلم أن التزام هذه الوجوه البعيدة إنما يكون للضرورة، وقد بينا أنه لا ضرورة ألبتة فلم يجز المصير إليها، والله أعلم.

ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿ سبحان رَبِّ السموات والأرض رَبِّ العرش عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ والمعنى أن إله العالم يجب أن يكون واجب الوجود لذاته، وكل ما كان كذلك فهو فرد مطلق لا يقبل التجزأ بوجه من الوجوه، والولد عبارة عن أن ينفصل عن الشيء جزء من أجزائه فيتولد عن ذلك الجزء شخص مثله، وهذا إنما يعقل فيما تكون ذاته قابلة للتجزئ والتبعيض، وإذا كان ذلك محالاً في حق إله العالم امتنع إثبات الولد له، ولما ذكر هذا البرهان القاطع قال: ﴿ فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ حتى يلاقوا يَوْمَهُمُ الذي يُوعَدُونَ ﴾ والمقصود منه التهديد، يعني قد ذكرت الحجة القاطعة على فساد ما ذكروا وهم لم يلتفتوا إليها لأجل كونهم مستغرقين في طلب المال والجاه والرياسة فاتركهم في ذلك الباطل واللعب حتى يصلوا إلى ذلك اليوم الذي وعدوا فيه بما وعدوا، والمقصود منه التهديد.

ثم قال تعالى: ﴿ وَهُوَ الذي فِي السماء إله وَفِي الأرض إله ﴾ وفيه أبحاث: البحث الأول: قال أبو علي نظرت فيما يرتفع به إله فوجدت ارتفاعه يصح بأن يكون خبر مبتدأ محذوف والتقدير وهو الذي في السماء هو إله.

والبحث الثاني: هذه الآية من أدل الدلائل على أنه تعالى غير مستقر في السماء، لأنه تعالى بيّن بهذه الآية أن نسبته إلى السماء بالإلهية كنسبته إلى الأرض، فلما كان إلهاً للأرض مع أنه غير مستقر فيها فكذلك يجب أن يكون إلهاً للسماء مع أنه لا يكون مستقراً فيها، فإن قيل وأي تعلق لهذا الكلام بنفي الولد عن الله تعالى؟

قلنا تعلقه به أنه تعالى خلق عيسى بمحض كن فيكون من غير واسطة النطفة والأب، فكأنه قيل إن هذا القدر لا يوجب كون عيسى ولداً لله سبحانه، لأن هذا المعنى حاصل في تخليق السموات والأرض وما بينهما من انتفاء حصول الولدية هناك.

ثم قال تعالى: ﴿ وَهُوَ الحكيم العليم ﴾ وقد ذكرنا في سورة الأنعام أن كونه تعالى حكيماً عليماً ينافي حصول الولد له.

ثم قال: ﴿ وَتَبَارَكَ الذي لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِندَهُ عِلْمُ الساعة وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ واعلم أن قوله تبارك إما أن يكون مشتقاً من الثبات والبقاء، وإما أن يكون مشتقاً من كثرة الخير، وعلى التقديرين فكل واحد من هذين الوجهين ينافي كون عيسى عليه السلام ولداً لله تعالى، لأنه إن كان المراد منه الثبات والبقاء فعيسى عليه السلام لم يكن واجب البقاء والدوام، لأنه حدث بعد أن لم يكن، ثم عند النصارى أنه قتل ومات ومن كان كذلك لم يكن بينه وبين الباقي الدائم الأزلي مجانسة ومشابهة، فامتنع كونه ولداً له، وإن كان المراد بالبركة كثرة الخيرات مثل كونه خالقاً للسموات والأرض وما بينهما فعيسى لم يكن كذلك بل كان محتاجاً إلى الطعام وعند النصارى أنه كان خائفاً من اليهود وبالآخرة أخذوه وقتلوه، فالذي هذا صفته كيف يكون ولدً لمن كان خالقاً للسموات والأرض وما بينهما!

وأما قوله: ﴿ وَعِندَهُ عِلْمُ الساعة ﴾ فالمقصود منه أنه لما شرح كمال قدرته فكذلك شرح كمال علمه، والمقصود التنبيه على أن من كان كاملاً في الذات والعلم والقدرة على الحد الذي شرحناه امتنع أن يكون ولده في العجز وعدم الوقوف على أحوال العالم بالحد الذي وصفه النصارى.

ولما أطنب الله تعالى في نفي الولد أردفه ببيان نفي الشركاء فقال: ﴿ وَلاَ يَمْلِكُ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشفاعة إِلاَّ مَن شَهِدَ بالحق وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ ذكر المفسرون في هذه الآية قولين أحدهما: أن الذين يدعون من دونه الملائكة وعيسى وعزير، والمعنى أن الملائكة وعيسى وعزيراً لا يشفعون إلا لمن شهد بالحق، روي أن النصر بن الحرث ونفراً معه قالوا إن كان ما يقول محمد حقاً فنحن نتولى الملائكة فهم أحق بالشفاعة من محمد، فأنزل الله هذه الآية يقول لا يقدر هؤلاء أن يشفعوا لأحد ثم استثنى فقال: ﴿ إِلاَّ مَن شَهِدَ بالحق ﴾ والمعنى على هذا القول هؤلاء لا يشفعون إلا لمن شهد بالحق، فأضمر اللام أو يقال التقدير إلا شفاعة من شهد بالحق فحذف المضاف، وهذ على لغة من يعدي الشفاعة بغير لام، فيقول شفعت فلاناً بمعنى شفعت له كما تقول كلمته وكلمت له ونصحته ونصحت له والقول الثاني: أن الذين يدعون من دونه كل معبود من دون الله، وقوله: ﴿ إِلاَّ مَن شَهِدَ بالحق ﴾ الملائكة وعيسى وعزير، والمعنى أن الأشياء التي عبدها الكفار لا يملكون الشفاعة إلا من شهد بالحق، وهم الملائكة وعيسى وعزير فإن لهم شفاعة عند الله ومنزلة، ومعنى من شهد بالحق من شهد أنه لا إله إلا الله.

ثم قال تعالى: ﴿ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ وهذا القيد يدل على أن الشهادة باللسان فقط لا تفيد ألبتة، واحتج القائلون بأن إيمان المقلد لا ينفع ألبتة، فقالوا بيّن الله تعالى أن الشهادة لا تنفع إلا إذا حصل معها العلم والعلم عبارة عن اليقين الذي لو شكك صاحبه فيه لم يتشكك، وهذا لم يحصل إلا عند الدليل، فثبت أن إيمان المقلد لا ينفع ألبتة.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ الله فأنى يُؤْفَكُونَ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: ظن قوم أن هذه الآية وأمثالها في القرآن تدل على أن القوم مضطرون إلى الاعتراف بوجود الإله للعالم، قال الجبائي وهذا لا يصح لأن قوم فرعون قالوا لا إله لهم غيره، وقوم إبراهيم قالوا: ﴿ وَإِنَّا لَفِي شَكّ مّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ  ﴾ فيقال لهم لا نسلم أن قوم فرعون كانوا منكرين لوجود الإله، والدليل على قولنا قوله تعالى: ﴿ وَجَحَدُواْ بِهَا واستيقنتها أَنفُسُهُمْ ظُلْماً  ﴾ وقال موسى لفرعون ﴿ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السموات والأرض بَصَائِرَ  ﴾ فالقراءة بفتح التاء في علمت تدل على أن فرعون كان عارفاً بالله، وأما قوم إبراهيم حيث قالوا: ﴿ وَإِنَّا لَفِي شَكّ مّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ ﴾ فهو مصروف إلى إثبات القيامة وإثبات التكاليف وإثبات النبوة.

المسألة الثالثة: اعلم أنه تعالى ذكر هذا الكلام في أول هذه السورة وفي آخرها، والمقصود التنبيه على أنهم لما اعتقدوا أن خالق العالم وخالق الحيوانات هو الله تعالى فكيف أقدموا مع هذا الاعتقاد على عبادة أجسام خسيسة وأصنام خبيثة لا تضر ولا تنفع، بل هي جمادات محضة.

وأما قوله: ﴿ فأنى تُؤْفَكُونَ ﴾ معناه لم تكذبون على الله فتقولون إن الله أمرنا بعبادة الأصنام، وقد احتج بعض أصحابنا به على أن إفكهم ليس منهم بل من غيرهم بقوله: ﴿ فأنى تُؤْفَكُونَ ﴾ وأجاب القاضي بأن من يضل في فهم الكلام أو في الطريق يقال له أين يذهب بك، والمراد أين تذهب، وأجاب الأصحاب بأن قول القائل أين يذهب بك ظاهره يدل على أن ذاهباً آخر ذهب به، فصرف الكلام عن حقيقته خلاف الأصل الظاهر، وأيضاً فإن الذي ذهب به هو الذي خلق تلك الداعية في قلبه، وقد ثبت بالبرهان الباهر أن خالق تلك الداعية هو الله تعالى.

ثم قال تعالى: ﴿ وَقِيلِهِ يارب إِنَّ هؤلاء قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ ﴾ وفيه مباحث: الأول: قرأ الأكثرون ﴿ وَقِيلِهِ ﴾ بفتح اللام وقرأ عاصم وحمزة بكسر اللام، قال الواحدي وقرأ أناس من غير السبعة بالرفع، أما الذين قرؤا بالنصب فذكر الأخفش والفراء فيه قولين أحدهما: أنه نصب على المصدر بتقدير وقال قيله وشكا شكواه إلى ربه يعني النبي صلى الله عليه وسلم فانتصب قيله بإضمار قال والثاني: أنه عطف على ما تقدم من قوله: ﴿ أم يحسبون أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ ونجواهم...

وَقِيلِهِ  ﴾ وذكر الزجاج فيه وجهاً ثالثاً: فقال إنه نصب على موضع الساعة لأن قوله: ﴿ وَعِندَهُ عِلْمُ الساعة ﴾ معناه أنه علم الساعة، والتقدير علم الساعة، وقيله، ونظيره قولك عجبت من ضرب زيد وعمراً، وأما القراءة بالجر فقال الأخفش والفراء والزجاج إنه معطوف على الساعة، أي عنده علم الساعة، وعلم قيله يا رب، قال المبرد العطف على المنصوب حسن وإن تباعد المعطوف من المعطوف عليه لأنه يجوز أن يفصل بين المنصوب وعامله والمجرور يجوز ذلك فيه على قبح، وأما القراءة بالرفع ففيها وجهان الأول: أن يكون ﴿ وَقِيلِهِ ﴾ مبتدأ وخبره ما بعده والثاني: أن يكون معطوفاً على علم الساعة على تقدير حذف المضاف معناه وعنده علم الساعة وعلم قيله، قال صاحب الكشاف: هذه الوجوه ليست قوية في المعنى لا سيما وقوع الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بما لا يحسن اعتراضاً، ثم ذكر وجهاً آخر وزعم أنه أقوى مما سبق، وهو أن يكون النصب والجر على إضمار حرف القسم وحذفه والرفع على قولهم أيمن الله وأمانة الله ويمين الله، يكون قوله: ﴿ إِنَّ هَؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ ﴾ جواب القسم كأنه قيل وأقسم بقيله يا رب أو وقيله يا رب قسمي، وأقول هذا الذي ذكره صاحب الكشاف متكلف أيضاً وهاهنا إضمار امتلأ القرآن منه وهو إضمار اذكر، والتقدير واذكر قيله يا رب، وأما القراءة بالجر، فالتقدير واذكر وقت قيله يا رب، وإذا وجب التزام الإضمار فلأن يضمر شيئاً جرت العادة في القرآن بالتزام إضمار أولى من غيره، وعن ابن عباس أنه قال في تفسير قوله: ﴿ وَقِيلِهِ يارب ﴾ المراد وقيل يا رب والهاء زيادة.

البحث الثاني: القيل مصدر كالقول، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «نهى عن قيل وقال».

قال الليث تقول العرب كثر فيه القيل والقال، وروى شمر عن أبي زيد يقال ما أحسن قيلك وقولك وقالك ومقالتك خمسة أوجه.

البحث الثالث: الضمير في قيله لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

البحث الرابع: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ضجر منهم وعرف إصرارهم أخبر عنهم أنهم قوم لا يؤمنون وهو قريب مما حكى الله عن نوح أنه قال: ﴿ رَّبِّ إِنَّهُمْ عصوني واتبعوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَاراً  ﴾ .

ثم إنه تعالى قال له: ﴿ فاصفح عَنْهُمْ ﴾ فأمره بأن يصفح عنهم وفي ضمنه منعه من أن يدعو عليهم بالعذاب، والصفح هو الإعراض.

ثم قال: ﴿ وَقُلْ سلام ﴾ قال سيبويه إنما معناه المتاركة، ونظيره قول إبراهيم لأبيه ﴿ سلام عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِي  ﴾ وكقوله: ﴿ سلام عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي الجاهلين  ﴾ .

قوله: ﴿ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ والمقصود منه التهديد.

وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع وابن عامر تعلمون بالتاء على الخطاب، والباقون بالياء كناية عن قوم لا يؤمنون.

المسألة الثانية: احتج قوم بهذه الآية على أنه يجوز السلام على الكافر، وأقول إن صح هذا الاستدلال فهذا يوجب الاقتصار على مجرد قوله سلام وأن يقال للمؤمن سلام عليكم.

والمقصود التنبيه على التحية التي تذكر للمسلم والكافر.

المسألة الثالثة: قال ابن عباس قوله تعالى: ﴿ فاصفح عَنْهُمْ وَقُلْ سلام ﴾ منسوخ بآية السيف، وعندي أن التزام النسخ في أمثال هذه المواضع مشكل، لأن الأمر لا يفيد الفعل إلا مرة واحدة فإذا أتى به مرة واحدة فقد سقطت دلالة اللفظ، فأي حاجة فيه إلى التزام النسخ، وأيضاً فمثله يمين الفور مشهورة عند الفقهاء وهي دالة على أن اللفظ قد يتقيد بحسب قرينة العرف، وإذا كان الأمر كذلك فلا حاجة فيه إلى التزام النسخ، والله أعلم بالصواب.

قال مولانا المؤلف عليه سحائب الرحمة والرضوان: تمّ تفسير هذه السورة يوم الأحد الحادي عشر من ذي الحجة سنة ثلاث وستمائة والحمد لله أولاً وآخراً وباطناً وظاهراً، والصلاة على ملائكته المقربين والأنبياء والمرسلين خصوصاً على محمد صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه أجمعين أبد الآبدين ودهر الداهرين.

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ قُلْ إِن كَانَ للرحمن وَلَدٌ ﴾ وصح ذلك وثبت ببرهان صحيح توردونه وحجة واضحة تدلون بها ﴿ فَأَنَاْ أَوَّلُ ﴾ من يعظم ذلك الولد وأسبقكم إلى طاعته والانقياد له كما يعظم الرجل ولد الملك لتعظيم أبيه، وهذا كلام وارد على سبيل الفرض والتمثيل لغرض، وهو المبالغة في نفي الولد والإطناب فيه، وأن لا يترك الناطق به شبهة إلا مضمحلة مع الترجمة عن نفسه بثبات القدم في باب التوحيد، وذلك أنه علق العبادة بكينونة الولد وهي محال في نفسها، فكان المعلق بها محالاً مثلها، فهو في صورة إثبات الكينونة والعبادة، وفي معنى نفيهما على أبلغ الوجوه وأقواها.

ونظيره أن يقول العدلى للمجبر، إن كان الله تعالى خالقاً للكفر في القلوب ومعذباً عليه عذاباً سرمداً، فأنا أول من يقول: هو شيطان وليس بإله؛ فمعنى هذا الكلام وما وضع له أسلوبه ونظمه نفي أن يكون الله تعالى خالقاً للكفر، وتنزيهه عن ذلك وتقديسه، ولكن على طريق المبالغة فيه من الوجه الذي ذكرنا، مع الدلالة على سماجة المذهب وضلالة الذاهب إليه، والشهادة القاطعة بإحالته والإفصاح عن نفسه بالبراءة منه، وغاية النفار والاشمئزاز من ارتكابه.

ونحو هذه الطريقة قول سعيد بن جبير رحمه الله للحجاج حين قال له-: أما والله لأبدلنك بالدنيا ناراً تلظى-: لو عرفت أن ذلك إليك ما عبدت إلها غيرك.

وقد تمحل الناس بما أخرجوه به من هذا الأسلوب الشريف المليء بالنكت والفوائد المستقل بإثبات التوحيد على أبلغ وجوهه، فقيل: إن كان للرحمن ولد في زعمكم، فأنا أول العابدين الموحدين لله، المكذبين قولكم بإضافة الولد إليه.

وقيل: إن كان للرحمن ولد في زعمكم فأنا أول الآنفين من أن يكون له ولد من عبد يعبد: إذا اشتد أنفه فهو عبد وعابد.

وقرأ بعضهم: ﴿ العبدين ﴾ وقيل: هي إن النافية، أي: ما كان للرحمن ولد، فأنا أول من قال بذلك وعبد ووحد.

وروي: أنّ النضر بن عبد الدار بن قصي قال: إن الملائكة بنات الله فنزلت، فقال النضر: ألا ترون أنه قد صدقني.

فقال له الوليد بن المغيرة: ما صدقك ولكن قال: ما كان للرحمن ولد فأنا أول الموحدين من أهل مكة: أن لا ولد له.

وقرئ ﴿ ولد ﴾ بضم الواو.

ثم نزه ذاته موصوفة بربوبيته السموات والأرض والعرش عن اتخاذ الولد، ليدل على أنه من صفة الأجسام.

ولو كان جسماً لم يقدر على خلق هذا العالم وتدبير أمره.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ ﴾ مِنكم فَإنَّ النَّبِيَّ  يَكُونُ أعْلَمَ بِاللَّهِ وبِما يَصِحُّ لَهُ وبِما لا يَصِحُّ لَهُ، وأوْلى بِتَعْظِيمِ ما يُوجِبُ تَعْظِيمَهُ ومِن تَعْظِيمِ الوالِدِ تَعْظِيمُ ولَدِهِ، ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ صِحَّةُ كَيْنُونَةِ الوَلَدِ وعِبادَتُهُ لَهُ إذِ المُحالُ قَدْ يَسْتَلْزِمُ المُحالَ بَلِ المُرادُ نَفْيَهُما عَلى أبْلَغِ الوُجُوهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتا ﴾ غَيْرَ أنَّ لَوْ ثَمَّ مُشْعِرَةٌ بِانْتِفاءِ الطَّرَفَيْنِ، وإنْ هاهُنا لا تُشْعِرُ بِهِ ولا بِنَقِيضِهِ فَإنَّها لِمُجَرَّدِ الشَّرِيطَةِ بَلِ الِانْتِفاءُ مَعْلُومٌ لِانْتِفاءِ اللّازِمِ الدّالِّ عَلى انْتِفاءِ مَلْزُومِهِ، والدَّلالَةِ عَلى أنَّ إنْكارَهُ الوَلَدَ لَيْسَ لِعِنادٍ ومِراءٍ بَلْ لَوْ كانَ لَكانَ أوْلى النّاسِ بِالِاعْتِرافِ بِهِ.

وقِيلَ: مَعْناهُ إنْ كانَ لَهُ ولَدٌ في زَعْمِكم فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لِلَّهِ المُوَحِّدِينَ لَهُ أوِ الآنِفِينَ مِنهُ، أوْ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ مِن عَبْدٍ يُعْبَدُ إذا اشْتَدَّ أنَفُهُ، أوْ ما كانَ لَهُ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ المُوَحِّدِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وُلْدٌ بِالضَّمِّ وسُكُونِ اللّامِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قُلْ إِن كَانَ للرحمن وَلَدٌ} وصح ذلك ببرهان {فَأَنَاْ أَوَّلُ العابدين} فأنا أول من يعظم ذلك الولد وأسبقكم إلى طاعته والانقياد إليه كما يعظم لرجل ولد الملك لتعظيم أبيه وهذا كلام وارد على سبيل الفرض والمراد نفي الولد وذلك أنه علق العبادة بكينونة الولد وهي محال في

نفسها فكان المعلق بها محالاً مثلها ونظيره قول سعيد بن جبير للحجاج حين قال له والله لأبدلنك بالدنيا ناراً تلظى لو عرفت أن ذلك إليك ما عبدت إلهاً غيرك وقيل إن كان للرحمن ولد في زعمكم فأنا أول العابدين أي الموحدين لله المكذبين فولكم بإضافة الولد إليه وقيل إن كان للرحمن ولد في زعمكم فأنا أول الآنفين من أن يكون له ولد من عبد يعبد إذا اشتد أنفه فهو عبد وعابد وقرىء العبدين وقيل هي إن النافية أي ما كان للرحمن ولد فأنا أول من قال وعبد ووحد ورُوي أن النضر قال الملائكة بنات الله فنزلت فقال النضر ألا ترون أنه صدقني فقال له الوليد ما صدقك ولكن قال ما كان للرحمن ولد فأنا أول الموحدين من أهل مكة أن لا ولد له وُلْد حمزة وعلي ثم نزه ذاته عن اتخاذ الولد فقال

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قُلْ ﴾ أيْ لِلْكَفَرَةِ تَحْقِيقًا لِلْحَقِّ وتَنْبِيهًا لَهم عَلى أنَّ مُخالَفَتَكَ لَهم بِعَدَمِ عِبادَتِكَ ما يَعْبُدُونَ مِنَ اَلْمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ لَيْسَ لِبُغْضِكَ وعَداوَتِكَ لَهم أوْ لِمَعْبُودِيهِمْ بَلْ إنَّما هو لِجَزْمِكَ بِاسْتِحالَةِ ما نَسَبُوا إلَيْهِمْ وبَنَوْا عَلَيْهِ عِبادَتَهم مِن كَوْنِهِمْ بَناتِ اَللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ ﴾ أيْ لِذَلِكَ اَلْوَلَدِ وكانَ بِمَعْنى صَحَّ كَما يُقالُ ما كانَ لَكَ أنْ تَفْعَلَ كَذا وهو أحَدُ اِسْتِعْمالاتِها، و(أوَّلُ) أفْعَلُ تَفْضِيلٍ والمُفَضَّلُ عَلَيْهِ اَلْمَقُولُ لَهُمْ، وجُوِّزَ اِعْتِبارُ ذَلِكَ مُطْلَقًا، والمُرادُ إظْهارُ اَلرَّغْبَةِ والمُسارَعَةِ، والمُنْساقُ إلى اَلذِّهْنِ اَلْأوَّلُ.

ووَجْهُ اَلْمُلازَمَةِ أنَّهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ أعْلَمُ اَلنّاسِ بِشُؤُونِهِ تَعالى وبِما يَجُوزُ عَلَيْهِ وبِما لا يَجُوزُ وأحْرَصُهم عَلى مُراعاةِ حُقُوقِهِ وما تُوجِبُهُ مِن تَعْظِيمِ ولَدِهِ سُبْحانَهُ فَإنَّ حَقَّ اَلْوالِدِ عَلى شَخْصٍ يُوجِبُ عَلَيْهِ تَعْظِيمَ ولَدِهِ لِما أنَّ تَعْظِيمَ اَلْوَلَدِ تَعْظِيمُ اَلْوالِدِ.

فالمَعْنى إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ وصَحَّ ذَلِكَ وثَبَتَ بِبُرْهانٍ صَحِيحٍ تُورِدُونَهُ وحُجَّةٍ واضِحَةٍ تُدْلُونَ بِها فَأنا أوَّلُ مَن يُعَظِّمُ ذَلِكَ اَلْوَلَدَ وأسْبِقُكم إلى طاعَتِهِ والِانْقِيادِ لَهُ كَما يُعَظِّمُ اَلرَّجُلُ ولَدَ اَلْمَلِكِ لِعِظَمِ أبِيهِ، وهَذا نَفْيٌ لِكَيْنُونَةِ ولَدٍ لَهُ سُبْحانَهُ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وهو اَلطَّرِيقُ اَلْبُرْهانِيُّ والمَذْهَبُ اَلْكَلامِيُّ، فَإنَّهُ في اَلْحَقِيقَةِ قِياسٌ اِسْتِثْنائِيٌّ اِسْتُدِلَّ فِيهِ بِنَفْيِ اَللّازِمِ اَلْبَيِّنِ اِنْتِفاؤُهُ وهو عِبادَتُهُ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِلْوَلَدِ عَلى نَفْيِ اَلْمَلْزُومِ وهو كَيْنُونَةُ اَلْوَلَدِ لَهُ سُبْحانَهُ، وذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتا ﴾ لَكِنَّهُ جِيءَ بِإنْ دُونَ لَوْ لِجَعْلِ ما في حَيِّزِها بِمَنزِلَةِ ما لا قَطْعَ بِعَدَمِهِ عَلى طَرِيقِ اَلْمُساهَلَةِ وإرْخاءِ اَلْعِنانِ لِلتَّبْكِيتِ والإفْحامِ.

وفِي اَلْكَشْفِ أنَّ في اَلْآيَةِ مُبالَغَةً مِن حَيْثُ إنَّهُ جَعَلَ اَلْمُمْكِنَ في نَفْسِهِ أعْنِي عِبادَتَهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ لِما يَدَّعُونَهُ ولَدًا مُحالًا فَهو نَفْيٌ لِعِبادَةِ اَلْوَلَدِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ حَيْثُ جُعِلَ مُسَبَّبًا عَنْ مُحالٍ ثُمَّ نَفى لِلْوَلَدِ كَذَلِكَ مِن طَرِيقٍ آخَرَ وهو أنَّهُ لَمّا لَمْ يَعْبُدْ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ اَلْوَلَدَ مَعَ كَوْنِهِ أوْلى بِعِبادَتِهِ لَوْ كانَ دَلَّ عَلى نَفْيِهِ، ونَحْوُها ذُكِرَ في اَلْآيَةِ مَرْوِيًّا عَنْ قَتادَةَ.

والسُّدِّيِّ.

والطَّبَرِيِّ.

وأخْرَجَ عَبْدُ اَلرَّزّاقِ.

وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ.

وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ اَلْمَعْنى قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ في زَعْمِكم فَأنا أوَّلُ مَن عَبْدَ اَللَّهَ تَعالى وحْدَهُ وكَذَّبَكم بِما تَقُولُونَ فالمُرادُ مِن كَوْنِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ أوَّلَ اَلْعابِدِينَ كَوْنُهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوَّلَ مَن يُنْكِرُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، والمُلازَمَةُ في اَلشُّرْطِيَّةِ بِاعْتِبارِ أنَّ نِسْبَتَهُمُ اَلْوَلَدَ لَهُ تَعالى تَقْتَضِي أنْ يُكَذِّبَهُمُ اَلنَّبِيُّ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأنْ يَكُونَ أوَّلَ مَن يُنْكِرُهُ لِأنَّهُ صاحِبُ اَلدَّعْوَةِ إلى اَلتَّوْحِيدِ، وقَدْ خَفِيَ ذَلِكَ عَلى اَلْإمامِ فَنَفى صِحَّةَ هَذا اَلْوَجْهِ، وتَكَلَّفَ بَعْضُهم فَقالَ: إنْ تُسَبِّبُ اَلْجَزاءَ عَنِ اَلشَّرْطِ عَلَيْهِ بِاعْتِبارِ اَلْأوَّلِيَّةِ في اَلْعِبادَةِ والتَّوْحِيدِ مِن بَيْنِهِمْ فَإنَّهم إذا أطْبَقُوا عَلى ذَلِكَ اَلزَّعْمِ يَكُونُ اَلنَّبِيُّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوَّلَهم في عِبادَةِ اَللَّهِ تَعالى وحْدَهُ لا مَحالَةَ، وقِيلَ: إنِ اَلسَّبَبِيَّةُ بِاعْتِبارِ اَلْإخْبارِ والذِّكْرِ نَحْوُ إنْ تَضْرِبْنِي فَأنا لا أضْرِبُكَ وهو أوْلى مِمّا قَبْلَهُ، والإنْصافُ أنَّ اَلِارْتِباطَ خَفِيٌّ لا يَظْهَرُ إلّا لِمُجاهِدٍ، وحَكى أبُو حاتِمٍ عَنْ جَماعَةٍ ولَمْ يُسَمِّ أحَدًا مِنهم أنَّ ﴿ العابِدِينَ ﴾ مِن عَبِدَ يَعْبَدُ كَفَرِحَ يَفْرَحُ إذا أنِفَ مِنَ اَلشَّيْءِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: وأعْبَدُ إنْ أهْجُوَ كُلَيْبًا بِدارِمِ وقَوْلُ اَلْآخَرِ: مَتى ما يَشَأْ ذُو اَلْوِدِّ يَصْرُمْ خَلِيلَهُ ∗∗∗ ويَعْبَدْ عَلَيْهِ لا مَحالَةَ ظالِما أيْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ اَلْآنِفِينَ مِنَ اَلْوَلَدِ أوْ مِن كَوْنِهِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ ونِسْبَتِهِ لَهُ عَزَّ وجَلَّ.

ورُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أخْرَجَ اَلطَّسْتِيُّ عَنْهُ أنَّ نافِعَ بْنَ اَلْأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ ﴾ فَقالَ: أنا أوَّلُ مَن يَنْفِرُ عَنْ أنْ يَكُونَ لِلَّهِ تَعالى ولَدٌ، وأُيِّدَ ذَلِكَ بِقِراءَةِ اَلسِّلْمِيِّ.

واليَمانِيِّ (اَلْعَبِدِينَ) جَمْعُ عَبِدٍ كَحَذِرٍ وحَذِرِينَ وهو اَلْمَعْرُوفُ في مَعْنى أنِفَ وقَلَّما يُقالُ فِيهِ عابِدٍ، ومِن هُنا ضَعَّفَ اِبْنُ عَرَفَةَ هَذا اَلْوَجْهَ لِما فِيهِ مِنَ اِسْتِعْمالِ ما قَلَّ اِسْتِعْمالُهُ في كَلامِهِمْ، وذَكَرَ اَلْخَلِيلُ في كِتابِ اَلْعَيْنِ أنَّهُ قُرِئَ (اَلْعَبْدِينَ) بِسُكُونِ اَلْباءِ تَخْفِيفَ اَلْعَبِدِينَ بِكَسْرِها، وقالَ أبُو حاتِمٍ: اَلْعَبِدُ بِكَسْرِ اَلْباءِ اَلشَّدِيدُ اَلْغَضَبِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: اَلْعَرَبُ تَقُولُ عَبَدَنِي حَقِّي أيْ جَحَدَنِي، ورُوِيَ عَنِ اَلْحَسَنِ.

وابْنِ زَيْدٍ.

وزُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ وهو رِوايَةٌ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ.

وقَتادَةَ.

والسُّدِّيِّ أيْضًا أنَّ (إنْ) نافِيَةٌ أيْ ما كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ مَن قالَ ذَلِكَ وعَبَدَ ووَحَّدَ، و(كانَ) عَلَيْهِ لِلِاسْتِمْرارِ والمَقْصُودُ اِسْتِمْرارُ اَلنَّفْيِ لا نَفْيُ اَلِاسْتِمْرارِ والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ خِلافُ اَلظّاهِرِ مَعَ خَفاءِ وجْهِ اَلسَّبَبِيَّةِ أوْ حُسْنِها، وزَعَمَ مَكِّيٌّ أنَّهُ لا يَجُوزُ لِإيهامِهِ نَفْيَ اَلْوَلَدِ فِيما مَضى وهو كَما تَرى.

وقَرَأ عَبْدُ اَللَّهِ.

وابْنُ وثّابٍ.

وطَلْحَةُ.

والأعْمَشُ.

وحَمْزَةُ.

والكِسائِيُّ كَما قالَ اَلْقاضِي (وُلْدٌ) بِضَمِّ اَلْواوِ وسُكُونِ اَللّامِ جَمْعُ ولَدٍ بِفَتْحِهِما.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَنادَوْا يا مالِكُ وذلك أنه لما يشتد عليهم العذاب، يتمنون الموت، ويقولون لخازن جهنم: يَا مَالِك لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ يعني: ادع ربك لقبض أرواحنا، فأجابهم بعد أربعين سنة قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ وروى عطاء بن السائب، عن رجل عن ابن عباس-  ما- قال: يجيبهم بعد ألف سنة إِنَّكُمْ ماكِثُونَ ويقال: إنهم ينادون يَا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ فأوحى الله تعالى إلى مالك ليجيبهم، فيقول لهم مالك قَالَ: إنَّكُمْ مَاكِثُونَ.

قوله تعالى: لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ يعني: جاءكم جبريل في الدنيا، بالقرآن والتوحيد وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ يعني: جاحدون.

وهو قوله تعالى: أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً قال مقاتل: وذلك حين اجتمعوا في دار الندوة، ودخل إبليس عليهم، وقد ذكرناه في سورة الأنفال.

فنزل أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ يعني: أجمعوا أمرهم بالشر على النبي  فَإِنَّا مُبْرِمُونَ أي: مجمعون أمرنا على ما يكرهون.

وقال الكلبي: وذلك أن ثلاثة نفر، اجتمعوا وقالوا: إنه يقول: بأن ربي يعلم السر.

أترى أنه يعلم مَا نقول بيننا؟

فنزل أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً يعني: أقاموا على المعصية فَإِنَّا مُبْرِمُونَ أي: معذبون عليها.

قال القتبي: أي: أحكموه، والمبرم: المفتول على طاقين.

قوله تعالى: أَمْ يَحْسَبُونَ يعني: بل يظنون.

ويقال: أيظنون، والميم صلة أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ اللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به التوبيخ، ومعناه إن الله تعالى يعلم سرهم ونجواهم.

قال ابن عباس: الذين يتناجون خلف الكعبة، يعني: الذين يقولون: إن الله لا يسمع مقالتنا.

قال الله تعالى: بَلى يعني: نسمع ذلك وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ مقالتهم.

قوله تعالى: قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ يعني: الموحدين من أهل مكة.

قال مقاتل: لما نزلت هذه الآية، وقرئت عليهم فقال النضر بن الحارث: ألا ترونه صدقني.

فقال له الوليد: ما صدقك، ولكنه يقول: ما كان للرحمن ولد.

يعني: إنَّ إن بمعنى ما قال: فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ يعني: الموحدين من أهل مكة.

وقال الكلبي: أنا أول الآنفين أن لله ولداً.

وقال القتبي: إن كان هذا في زعمكم، فأنا أول الموحدين، لأنكم تزعمون أن له ولداً، فأنَّا أوَّلِ الآنفين من ذلك، فلم توحدوه ومن وحد الله، فقد عبده، ومن جعل له ولداً، فليس من العابدين كقوله: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) [الذاريات: 56] أي: ليوحدون ثم نزّه نفسه فقال: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

يقول لهم: إِنَّكُمْ ماكِثُونَ «١» .

لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ (٧٨) أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (٧٩) أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠) قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ (٨١) سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٨٢)

وقوله سبحانه: لَقَدْ جِئْناكُمْ يحتملُ أنْ يكونَ مِنْ تَمَامِ قول مالِكٍ لهم، ويحتمل أنْ يكون من قول اللَّه تعالى لقريشٍ، فيكونُ فيه تخويفٌ فصيحٌ بمعنى: انظروا كيف يكون حالكم؟!.

وقوله تعالى: أَمْ/ أَبْرَمُوا أَمْراً أي: أحكموا أمرا في المكر بالنبيّ صلّى الله عليه وسلّم فَإِنَّا مُبْرِمُونَ أي: مُحْكِمُون أمراً في نَصْرِهِ ومجازاتهم، والمراد ب «الرسل» هنا: الحَفَظَةُ من الملائكة يكتبون أعمال العباد، وتَعُدُّ للجزاء يوم القيامة.

«واخْتُلِفَ في قوله تعالى: قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ فقال مجاهد:

المعنى إنْ كان للَّه ولد في قولكم، فأنا أَوَّل مَنْ عَبَدَ اللَّه وَوَحَّدَهُ وكَذَّبكم «٢» ، وقال ابن زيد وغيره: «إن» : نافية بمعنى «ما» فكأَنَّه قال: قل ما كان للرحمن ولد «٣» ، وهنا هو الوقف على هذا التأويل، ثم يبتدىء قوله: فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ قَال أبو حاتم قالت فرقةٌ:

العابِدُونَ في الآية: مِنْ عَبِدَ الرجلُ: إذا أَنِفَ وأنكر، والمعنى: إنْ كان للرحمن ولد في قولكم، فأنا أَوَّلُ الآنفين المُنْكِرِينَ لذلك، وقرأ أبو عبد الرحمن: «فَأَنَا أَوَّلُ الْعَبِدِينَ» قال أبو حاتم: العَبِدُ- بكسر الباء-: الشَّدِيدُ الغضب، وقال أبو عُبَيْدَةَ: معناه: أول الجاحدين «٤» ، والعَرَبُ تقولُ: عَبَدَني حَقِّي، أي: جَحَدَنِي، وباقي الآية تنزيه لله سبحانه، ووعيد للكافرين، ويَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ هو يوم القيامة، هذا قول الجمهور، وقال عِكْرَمَةُ وغيره: هو يوم بَدْرٍ «٥» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ المُجْرِمِينَ ﴾ يَعْنِي الكافِرِينَ، ﴿ لا يُفَتَّرُ ﴾ أيْ: لا يُخَفَّفُ ﴿ عَنْهم وهم فِيهِ ﴾ يَعْنِي في العَذابِ ﴿ مُبْلِسُونَ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: آيِسُونَ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ.

وقَدْ شَرَحْنا هَذا في [الأنْعامِ: ٤٤] ﴿ وَما ظَلَمْناهُمْ ﴾ أيْ: ما عَذَّبْناهم عَلى غَيْرِ ذَنْبٍ ﴿ وَلَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ ﴾ لِأنْفُسِهِمْ بِما جَنَوا عَلَيْها.

قالَ الزَّجّاجُ: والبَصْرِيُّونَ يَقُولُونَ: "هُمْ" هاهُنا فَصْلٌ، كَذَلِكَ يُسَمُّونَها، ويُسَمِّيها الكُوفِيُّونَ: العِمادَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنادَوْا يا مالِكُ ﴾ وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رِضى اللَّهُ عَنْهُ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ يَعْمَرَ: ["يا مالِ"] بِغَيْرِ كافٍ مَعَ كَسْرِ اللّامِ.

قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا يُسَمِّيهِ النَّحْوِيُّونَ: [التَّرْخِيمَ]، ولَكِنِّي أكْرَهُها لِمُخالَفَةِ المُصْحَفِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: يَدْعُونَ مالِكًا خازِنَ النّارِ فَيَقُولُونَ: ﴿ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ ﴾ \[أيْ\]: لِيُمِتْنا؛ والمَعْنى: أنَّهم تَوَسَّلُوا بِهِ لِيَسْألَ اللَّهَ تَعالى لَهُمُ المَوْتَ فَيَسْتَرِيحُوا مِنَ العَذابِ؛ فَيَسْكُتُ عَنْ جَوابِهِمْ مُدَّةً، فِيها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أرْبَعُونَ عامًا، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: ثَلاثُونَ سَنَةً، قالَهُ أنَسٌ.

والثّالِثُ: ألْفُ سَنَةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: مِائَةُ سَنَةٍ، قالَهُ كَعْبٌ.

وَفِي سُكُوتِهِ عَنْ جَوابِهِمْ هَذِهِ المُدَّةَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ سَكَتَ حَتّى أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أنْ أجِبْهُمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: لِأنَّ بُعْدَ ما بَيْنَ النِّداءِ والجَوابِ أخْزى لَهم وأذَلُّ.

قالَ الماوَرْدِيُّ: فَرَدَّ عَلَيْهِمْ مالِكٌ فَقالَ: ﴿ إنَّكم ماكِثُونَ ﴾ أيْ: مُقِيمُونَ في العَذابِ.

﴿ لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ ﴾ أيْ: أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالتَّوْحِيدِ ﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَكُمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: كُلَّكم ﴿ كارِهُونَ ﴾ لِما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ  .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ أبْرَمُوا أمْرًا ﴾ في "أمْ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها لِلِاسْتِفْهامِ.

والثّانِي: بِمَعْنى "بَلْ" .

والإبْرامُ: الإحْكامُ.

وفي هَذا الأمْرِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: المَكْرُ بِرَسُولِ اللَّهِ  لِيَقْتُلُوهُ أوْ يُخْرِجُوهُ حِينَ اجْتَمَعُوا في دارِ النَّدْوَةِ؛ وقَدْ سَبَقَ بَيانُ القِصَّةِ [الأنْفالِ: ٣٠]، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

والثّانِي: أنَّهُ إحْكامُ أمْرِهِمْ في تَكْذِيبِهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ: إبْرامُ أمْرِهِمْ يُنْجِيهِمْ مِنَ العَذابِ، قالَهُ الفَرّاءُ.

﴿ فَإنّا مُبْرِمُونَ ﴾ أيْ: مُحْكِمُونَ أمْرًا في مُجازاتِهِمْ.

﴿ أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ ﴾ وهو ما يَسُرُّونَهُ مِن غَيْرِهِمْ ﴿ وَنَجْواهُمْ ﴾ ما يَتَناجَوْنَ بِهِ بَيْنَهم ﴿ بَلى ﴾ والمَعْنى: إنّا نَسْمَعُ ذَلِكَ ﴿ وَرُسُلُنا ﴾ يَعْنِي [مِنَ] الحَفَظَةِ ﴿ لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ ﴾ .

﴿ قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ ﴾ في "إنْ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى الشَّرْطِ؛ والمَعْنى: إنْ كانَ لَهُ ولَدٌ في قَوْلِكم وعَلى زَعْمِكُمْ، فَعَلى هَذا في قَوْلِهِ: ﴿ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: فَأنا أوَّلُ الجاحِدِينَ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ أعْرابِيَّيْنِ اخْتَصَما إلَيْهِ، فَقالَ أحَدُهُما: إنَّ هَذا كانَتْ لِي في يَدِهِ أرْضٌ، فَعَبَدَنِيها، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اللَّهُ أكْبَرُ، فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ الجاحِدِينَ أنَّ لِلَّهِ ولَدًا.

والثّانِي: فَأنا أوَّلُ مَن عَبْدَ اللَّهَ مُخالِفًا لِقَوْلِكُمْ، هَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: إنْ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ لِلرَّحْمَنِ ولَدًا، فَأنا أوَّلُ المُوَحِّدِينَ.

والثّالِثُ: فَأنا أوَّلُ الآنِفَيْنِ لِلَّهِ مِمّا قُلْتُمْ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، وأبُو عُبَيْدَةَ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: عَبِدْتُ مِن كَذا، أعْبَدُ عَبَدًا، فَأنا عَبِدٌ وعابِدٌ، قالَ الفَرَزْدَقُ: [أُولَئِكَ قَوْمٌ إنْ هَجَوْنِي هَجَوْتُهُمْ] وأعْبَدُ أنْ تُهْجى تَمِيمٌ بِدارِمِ أيْ: آنَفُ.

وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ: وأعْبَدُ أنْ أسُبَّهم بِقَوْمِي ∗∗∗ وأُوثِرُ دارِمًا وبَنِي رَزاحِ والرّابِعُ: أنَّ مَعْنى الآيَةِ: كَما أنِّي لَسْتُ أوَّلَ عابِدٍ لِلَّهِ، فَكَذَلِكَ لَيْسَ لَهُ ولَدٌ؛ وهَذا كَما تَقُولُ: إنْ كُنْتَ كاتِبًا فَأنا حاسِبٌ، أيْ: لَسْتَ كاتِبًا ولا أنا حاسِبٌ؛ حَكى هَذا القَوْلَ الواحِدِيُّ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنْ "إنْ" بِمَعْنى "ما"، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ؛ فَيَكُونُ المَعْنى: ما كانَ لِلرَّحْمَنِ [وَلَدٌ]، فَأنا أوَّلُ مَن عَبَدَ اللَّهَ عَلى يَقِينٍ أنَّهُ لا ولَدَ لَهُ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الفاءُ عَلى [هَذا القَوْلِ] بِمَعْنى الواوِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَذَرْهُمْ ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ ﴿ يَخُوضُوا ﴾ في باطِلِهِمْ ﴿ وَيَلْعَبُوا ﴾ في دُنْياهم ﴿ حَتّى يُلاقُوا ﴾ وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وأبُو جَعْفَرٍ: "حَتّى يَلْقَوا" بِفَتْحِ الياءِ والقافِ وسُكُونِ اللّامِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.

والمُرادُ: يُلاقُوا [يَوْمَ] القِيامَةِ وهَذِهِ الآيَةُ [عِنْدَ الجُمْهُورِ] مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ ﴾ ﴿ لا يُفَتَّرُ عنهم وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ ﴾ ﴿ وَما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظالِمِينَ ﴾ ﴿ وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إنَّكم ماكِثُونَ ﴾ ﴿ لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ ﴾ ﴿ أمْ أبْرَمُوا أمْرًا فَإنّا مُبْرِمُونَ ﴾ ﴿ أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهم ونَجْواهم بَلى ورُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ ﴾ ﴿ قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ ﴾ لِما ذَكَرَ اللهُ تَعالى حالَ أهْلِ الجَنَّةِ وما يُقالُ لَهُمْ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ حالِ الكَفَرَةِ مِنَ الخُلُودِ في النارِ والإبْلاسِ، لِيُبَيِّنَ الفَرْقُ ولِتَتَّضِحَ الأُمُورُ الَّتِي مِنها النِذارَةُ، و"المُجْرِمُونَ" في هَذِهِ الآيَةِ: الكُفّارُ، بِدَلِيلِ الخُلُودِ وما تَتَضَمَّنُهُ ألْفاظُ الآيَةِ مِن مُخاطَبَةِ مالِكٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، و"المُبْلِسُ": المُبْعِدُ اليائِسُ مِنَ الخَيْرِ، قالَهُ قَتادَةُ وغَيْرُهُ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "وَهم فِيها مُبْلِسُونَ" أيْ في جَهَنَّمَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما ظَلَمْناهُمْ ﴾ أيْ: ما وضَعْنا العَذابَ فِيمَن لا يَسْتَحِقُّهُ، ولَكِنْ هم ظَلَمُوا في أنْ وضَعُوا العِبادَةَ فِيمَن لا يَسْتَوْجِبُها، ووَضَعُوا الكُفْرَ والتَفْرِيطَ في جَنْبِ اللهِ تَعالى، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "كانُوا هُمُ الظالِمِينَ" ﴾ عَلى الفَصْلِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "كانُوا هُمُ الظالِمُونَ" عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ، وأنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ خَبَرَ "كانَ"، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى عن أهْلِ النارِ أنَّهم يُنادُونَ مالِكَ خازِنَ النارِ، فَيَقُولُونَ -عَلى مَعْنى الرَغْبَةِ الَّتِي هي في صِيغَةِ الأمْرِ-: ﴿ "لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ" ﴾ أيْ: لِيُمِتْنا مُدَّةً حَتّى لا يَتَكَرَّرَ عَذابُنا، «وَقَرَأ النَبِيُّ  عَلى المِنبَرِ: "يا مالِكُ " بِالكافِ،» وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، ويَحْيى، والأعْمَشُ: "يا مالُ" بِالتَرْخِيمِ، ورُوِيَتْ عن عَلِيِّ رِضى اللهُ عنهُ، ورَواها أبُو الدَرْداءِ رِضى اللهِ عنهُ عَنِ النَبِيِّ  .

و"القَضاءُ" -فِي هَذِهِ الآيَةِ- بِمَعْنى المَوْتِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ  ﴾ ، ورُوِيَ في تَفْسِيرِها عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما أنَّ مالِكًا يُقِيمُ بَعْدَ سُؤالِهِمْ ألْفَ سَنَةٍ، وقِيلَ: ثَمانِينَ سَنَةً، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رِضى اللهِ عنهُما: أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ يَقُولُ لَهُمْ: ﴿ إنَّكم ماكِثُونَ ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ جِئْناكُمْ ﴾ الآيَةُ، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ مالِكٍ لِأهْلِ النارِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ "جِئْناكُمْ" ﴾ عَلى حَدِّ ما يُدْخِلُ أحَدٌ -حَمَّلَهُ الرَئِيسُ كِتابَهُ- نَفْسَهُ في فِعْلِ الرَئِيسِ، فَيَقُولُ: غَلَبْناكم وفَعَلْنا بِكم ونَحْوَ هَذا، ثُمَّ يَنْقَطِعُ كَلامُ مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿ "كارِهُونَ"، ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: "لَقَدْ جِئْناكُمْ" مِن قَوْلِ اللهِ تَعالى لِقُرَيْشٍ بِعَقِبِ حِكايَةِ أمْرِ الكُفّارِ مَعَ مالِكٍ، وفي هَذا تَوَعُّدٌ وتَخْوِيفٌ فَصِيحٌ، بِمَعْنى: انْظُرُوا كَيْفَ يَكُونُ حالُكُمْ، ثُمَّ تَتَّصِلُ الآيَةُ -عَلى هَذا- بِما بَعْدَها مِن أمْرِ قُرَيْشٍ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ أبْرَمُوا أمْرًا ﴾ يُرِيدُ: هَلْ أحْكَمُوا أمْرًا مِن أُمُورِ مَكْرِهِمْ وتَدْبِيرِهِمْ عَلى مُحَمَّدٍ  كَما فَعَلُوا في اجْتِماعِهِمْ عَلى مَثْلِهِ في دارِ النَدْوَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، و"أمْ" في هَذِهِ الآيَةِ: المُنْقَطِعَةُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "فَإنّا مُبْرِمُونَ"، ﴾ أيْ: فَإنّا مُحْكِمُو نَصْرَهُ وحِمايَتَهُ، والإبْرامُ: أنَّ تَجْمَعَ خَيْطَيْنِ ثُمَّ تَفْتِلُهُما فَتْلًا مُتْقَنًا، والبَرِيمُ: خَيْطٌ فِيهِ لَوْنانِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ يَحْسَبُونَ ﴾ الآيَةُ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: نَزَلَتْ لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ العَرَبِ كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ اللهَ تَعالى لا يَسْمَعُ السَرارَ، ومِنهُ حَدِيثُ الثَقَفِيُّ والقُرَشِيِّينَ الَّذِينَ سَمِعَهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ رِضى اللهُ عنهُ يَقُولُونَ عِنْدَ الكَعْبَةِ: أتُرى اللهُ يَسْمَعُنا؟

فَقالَ أحَدُهُمْ: يَسْمَعُ إذا جَهَرْنا ولا يَسْمَعُ إذا أخْفَيْنا...

الحَدِيثُ، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ يَسْمَعُ -أيْ يُدْرِكُ- السِرَّ والنَجْوى، وأنَّ رُسُلَهُ الحَفَظَةَ مِنَ المَلائِكَةِ يَكْتُبُونَ أعْمالَ البَشَرِ مَعَ ذَلِكَ، وتُعِدُّ لِلْجَزاءِ يَوْمَ القِيامَةِ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ، فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ ﴾ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: العابِدُونَ: هو مِنَ العِبادَةِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في مَعْنى الآيَةِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقالَ قَتادَةُ والسَدِّيُّ والطَبَرِيُّ: المَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ -كَما تَقُولُونَ- فَأنا أوَّلُ مَن يُعْبَدُ عَلى ذَلِكَ، ولَكِنْ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ تَعالى وجَلَّ.

قالَ الطَبَرِيُّ: فَهَذا إلْطافٌ في الخِطابِ، ونَحْوَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنّا أو إيّاكم لَعَلى هُدًى أو في ضَلالٍ مُبِينٍ  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَوْلُهُ تَعالى في مُخاطَبَةِ الكُفّارِ: "أيْنَ شُرَكائِيَ".

وقالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: إنْ كانَ لِلَّهِ تَعالى ولَدٌ في قَوْلِكم فَأنا أوَّلُ مَن عَبْدَ اللهِ وحْدَهُ وكَذَّبَكُمْ، وقالَ قَتادَةُ أيْضًا، وزُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وابْنُ زَيْدٍ: "إنْ" نافِيَةٌ بِمَعْنى: "ما"، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: قُلْ ما كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ، وهُنا هو الوَقْفُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ: ﴿ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ ﴾ ، قالَهُ أبُو حاتِمٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: العابِدُونَ: مَن عَبَدَ الرَجُلَ إذا أنِفَ وأنْكَرَ الشَيْءَ، وقالَ الشاعِرُ: مَتى يَشَأْ ذُو الوِدِّ يَصْرِمُ خَلِيلَهُ ∗∗∗ ويَعْبُدُ عَلَيْهِ لا مَحالَةَ ظالِمًا ومِنهُ حَدِيثُ عُثْمانَ وعَلِيِّ رِضى اللهُ عنهُما في المَرْجُومَةِ حِينَ قالَ عَلَيُّ: وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا، قالَ: فَما عَبَدَ عُثْمانُ أنَّ بَعْثَ إلَيْها لِتَرَدٍّ، والمَعْنى: إنْ جَعَلْتُمْ لِلرَّحْمَنِ ولَدًا وكانَ ذَلِكَ في قَوْلِكم فَأنا أوَّلُ الآنِفَيْنِ المُنْكِرَيْنِ لِذَلِكَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَلَدٌ" بِفَتْحِ الواوِ واللامِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ وثّابٍ، وطِلْحَةُ، والأعْمَشُ: "وُلْدٌ" بِضَمِّ الواوِ وسُكُونِ اللامِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "أوَّلُ العَبِدَيْنِ"، وهي عَلى هَذا المَعْنى، قالَ أبُو حاتِمٍ: العَبِدُ -بِكَسْرِ الباءِ-: الشَدِيدُ الغَضَبُ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ: أوَّلُ الجاحِدِينَ، والعَرَبُ تَقُولُ: "عَبَدَنِي حَقِّي"، أيْ جَحَدَنِي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما جرى ذكر الذين ظلموا بادعاء بنوة الملائكة في قوله: ﴿ فويلٌ للذين ظلموا من عذاب يوممٍ أليمٍ ﴾ [الزخرف: 65] عَقِب قوله: ﴿ ولما ضُرب ابن مريم مثلاً ﴾ [الزخرف: 57]، وعَقِب قوله قبله ﴿ وجعلوا الملائكة الذين هم عند الرحمن إناثاً ﴾ [الزخرف: 19].

وأعقب بما ينتظرهم من أهوال القيامة وما أُعد للذين انخلعوا عن الإشراك بالإيمان، أمر الله رسوله أن ينتقل من مقام التحذير والتهديد إلى مقام الاحتجاج على انتفاء أن يكون لله ولَد، جمعاً بين الرد على بعض المشركين الذين عبدوا الملائكة، والذين زعموا أن بعض أصنامهم بنات الله مثل اللاتتِ والعُزَّى، فأمره بقوله: ﴿ قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين ﴾ أي قل لهم جدَلا وإفحاماً، ولقَّنه كلاماً يدل على أنه ما كان يعزب عنه أن الله ليس له ولد ولا يخطر بباله أن لله ابناً.

والذين يقول لهم هذا المقول هم المشركون الزاعمون ذلك فهذا غرض الآية على الإجمال لأنها افتتحت بقوله: ﴿ قل إن كان للرحمن ولد ﴾ مع علم السامعين أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يروج عنده ذلك.

ونظم الآية دقيق ومُعضِل، وتحته معاننٍ جمّة: وأولُها وأوْلاها: أنه لو يَعلم أن لله أبناءَ لكان أول من يعبدهم، أي أحق منكم بأن أعبدهم، أي لأنه ليس أقل فهماً من أن يعلم شيئاً ابناً لله ولا يعترف لذلك بالإلهية لأن ابن الله يكون منسلاً من ذات إلهية فلا يكون إلا إلها وأنا أعلم أن الإله يستحق العبادة، فالدليل مركب من مُلاَزَمةٍ شرطية، والشرط فرضيٌّ، والملازمة بين الجواب والشرط مبنية على أن المتكلم عاقل داععٍ إلى الحق والنجاة فلا يرضى لنفسه ما يورطه، وأيضاً لا يرضى لهم إلا ما رضيه لنفسه، وهذا منتهى النصح لهم، وبه يتمّ الاستدلال ويفيد أنه ثابت القدم في توحيد الإله.

ونُفي التعدد بنفي أخص أحوال التعدد وهو التعدد بالأبوة والبنوة كتعدد العائلة، وهو أصل التعدد فينتفي أيضاً تعدد الآلهة الأجانب بدلالة الفحوى.

ونظيره قول سعيد بن جبير للحجاج.

وقد قال له الحجاج حين أراد أن يقتله: لأُبَدِّلَنَّك بالدنيا ناراً تَلظّى فقال سعيد: لو عرفتُ أن ذلك إليك ما عبدتُ إلها غيرك، فنبهه إلى خطئه بأن إدخال النار من خصائص الله تعالى.

والحاصل أن هذا الاستدلال مركب من قضية شرطية أول جُزْأيْها وهو المقدم باطل، وثانيهما وهو التالي باطل أيضاً، لأن بطلان التالي لازم لبطلان المقّدم، كقولك: إن كانت الخمسة زوجاً فهي منقسمة بمتساويين، والاستدلال هنا ببطلان التالي على بطلان المقدم لأن كون النبي صلى الله عليه وسلم عابداً لمزعوم بنوتُه لله أمرٌ منتففٍ بالمشاهدة فإنه لم يزل ناهياً إياهم عن ذلك.

وهذا على وزان الاستدلال في قوله تعالى: ﴿ لو كان فيهما آلهةٌ إلا الله لفسدتا ﴾ [الأنبياء: 22]، إلا أن تلك جعل شرطها بأداة صريحة في الامتناع، وهذه جعل شرطها بأداة غير صريحة في الامتناع.

والنكتة في العدول عن الأداة الصريحة في الامتناع هنا إيهامُهم في بادئ الأمر أن فرضَ الولد لله محل نظرٍ، وليتأتى أن يكون نظم الكلام موجهاً حتى إذا تأملوه وجدوه ينفي أن يكون لله ولد بطريق المذهب الكلامي.

ويدل لهذا ما رواه في «الكشاف» أن النضر بن عبد الدار بن قصي قال: إن الملائكة بنات الله فنزل قوله تعالى: ﴿ قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين ﴾ .

فقال النضر: ألا ترون أنه قد صدَّقني، فقال له الوليد بن المغيرة: ما صدَّقك ولكن قال: ما كان للرحمان ولد فأنا أول الموحدين من أهل مكة.

ورُوي مجمل هذا المعنى عن السدّي فكان في نظم الآية على هذا النظم إيجاز بديع، وإطماع للخصوم بما إن تأملوه استبان وجه الحق فإن أعرضوا بعد ذلك عُد إعراضهم نكوصاً.

وتحتمل الآية وجوهاً أخر من المعاني.

منها: أن يكون المعنى إن كان للرحمان ولد في زعمكم فأنا أول العابدين لله، أي فأنا أول المؤمنين بتكذيبكم، قاله مجاهد، أي بقرينة تذييله بجملة ﴿ سبحان رب السموات والأرض ﴾ الآية.

ومنها، أن يكون حرف ﴿ إنْ ﴾ للنفي دون الشرط، والمعنى: ما كان للرحمان ولد فتفرع عليه: أنا أول العابدين لله، أي أتنزه عن إثبات الشريك له، وهذا عن ابن عباس وَقتادة وزيد بن أسلم وابنه.

ومنها: تأويل ﴿ العابدين ﴾ أنه اسم فاعل من عبد يعبَد من باب فرح، أي أنف وغضب، قاله الكسائي، وطعن فيه نفطويه بأنه إنما يقال في اسم فاعل عبد يَعْبَدُ عَبِد وقلما يقولون: عَابد والقرآن لا يأتي بالقليل من اللّغة.

وقرأ الجمهور ﴿ ولد ﴾ بفتح الواو وفتح اللام.

وقرأه حمزة والكسائي ﴿ وُلْد ﴾ بضم الواو وسكون اللام جمع ولَد.

وجملة ﴿ سبحان رب السموات والأرض رب العرش عما يصفون ﴾ ، يجوز أن تكون تكملة لما أُمر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يقوله، أي قل: إن كان للرحمن ولد على الفرض، والتقدير: مع تنزيه عن تحقق ذلك في نفس الأمر.

فيَكون لهذه الجملة حكم التالي في جزأي القياس الشرطي الاستثنائي.

وليس في ضمير ﴿ يصفون ﴾ التفات لأن تقدير الكلام: قل لهم إن كان للرحمن ولد.

ويجوز أن تكون كلاماً مستأنفاً من جانب الله تعالى لإنشاء تنزيهه عما يقولون فتكون معترضة بين جملة ﴿ قل إن كان للرحمن ولد ﴾ وجملة ﴿ وهو الذي في السماء إله ﴾ [الزخرف: 84].

ولهذه الجملة معنى التذييل لأنها نزهت الله عن جميع ما يصفونه به من نسبَة الولد وغير ذلك.

ووصفه بربوبيةِ أقوى الموجودات وأعمها وأعظمها، لأنه يفيد انتفاء أن يكون له ولد لانتفاء فائدة الولادة، فقد تم خلق العوالم ونظام نمائها ودوامها، وعلم من كونه خالقها أنه غير مسبوق بعدم وإلا لاحتاج إلى خالق يخلُقه، واقتضى عدمُ السبق بعدم أنه لا يلحقه فناء فوجود الولد له يكون عبثاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ لَيْسَ لَهُ ولَدٌ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ ومُجاهِدٌ.

الثّانِي: مَعْناهُ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ، ولَكِنْ لَمْ يَكُنْ ولا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: قُلْ لَمْ يَكُنْ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ وأنا أوَّلُ الشّاهِدِينَ بِأنَّ لَيْسَ لَهُ ولَدٌ.

قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الرّابِعُ: قُلْ ما كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ، وهَذا كَلامٌ تامٌّ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقالَ: فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ أيِ المُوَحِّدِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الخامِسُ: قُلْ إنْ قُلْتُمْ إنَّ لِلرَّحْمَنِ ولَدًا فَأنا أوَّلُ الجاحِدِينَ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ، قالَهُ سُفْيانُ.

السّادِسُ: إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ الآنِفِينَ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ، قالَهُ الكِسائِيُّ وابْنُ قُتَيْبَةَ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ أُولَئِكَ آبائِي فَجِئْنِي بِمِثْلِهِمْ وأعْبُدُ أنْ أهْجُوَ تَمِيمًا بِدارِمِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ ﴾ وهَذا إبْطالٌ أنْ يَكُونَ غَيْرُ اللَّهِ إلَهًا وأنَّ الإلَهَ هو الَّذِي يَكُونُ في السَّماءِ إلَهًا وفي الأرْضِ إلَهًا ولَيْسَتْ هَذِهِ صِفَةٌ لِغَيْرِ اللَّهِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هو الإلَهَ.

وَفي مَعْنى الكَلامِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المُوَحَّدُ في السَّماءِ والأرْضِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: أنَّهُ المَعْبُودُ في السَّماءِ والأرْضِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

﴿ وَهُوَ الحَكِيمُ العَلِيمُ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يَذْكُرُ ذَلِكَ صِفَةً لِتَعْظِيمِهِ.

الثّانِي: أنَّهُ يَذْكُرُهُ تَعْلِيلًا لِإلاهِيَّتِهِ لِأنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ولَيْسَ في الأصْنامِ حَكِيمٌ عَلِيمٌ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفاعَةَ ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: الشَّرِكَةُ ومِنهُ أخَذْتُ الشُّفْعَةَ في البَيْعِ لِاسْتِحَقاقِ الشَّرِيكِ لَها.

وَيَكُونُ مَعْنى الكَلامِ أنَّ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مَعَ اللَّهِ شَرِكَةً يَسْتَحِقُّونَ أنْ يَكُونُوا ِبِها آلِهَةً إلّا أنْ يَشْهَدُوا عِنْدَ اللَّهِ بِالحَقِّ عَلى مَن عَلَيْهِ حَقٌّ أوْ لَهُ حَقٌّ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ بَحْرٍ.

الثّانِي: أنَّ الشَّفاعَةَ اسْتِعْطافُ المَشْفُوعِ إلَيْهِ فِيما يُرْجى، واسْتِصْفاحُهُ فِيما يُخْشى وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.

وَقِيلَ إنَّ سَبَبَ نُزُولِها ما حُكِيَ أنَّ النَّضْرَ بْنَ الحارِثِ ونَفَرًا مِن قُرَيْشٍ قالُوا إنْ كانَ ما يَقُولُهُ مُحَمَّدٌ حَقًّا فَنَحْنُ نَتَوَلّى المَلائِكَةَ، وهم أحَقُّ بِالشَّفاعَةِ لَنا مِنهُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفاعَةَ ﴾ مَعْناهُ الَّذِينَ يَعْبُدُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ وهُمُ المَلائِكَةُ الشَّفاعَةَ لَهم.

وَقالَ قَتادَةُ: هُمُ المَلائِكَةُ وعِيسى وعُزَيْرٌ لِأنَّهم عُبِدُوا مِن دُونِ اللَّهِ.

﴿ إلا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وهم يَعْلَمُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي أنَّ الشَّهادَةَ بِالحَقِّ ِإنِمّا هي لِمَن شَهِدَ في الدُّنْيا بِالحَقِّ وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ فَتَشْفَعُ لَهُمُ المَلائِكَةُ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: أنَّ المَلائِكَةَ لا تَشْفَعُ إلّا لِمَن شَهِدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وهم يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ رَبُّهم.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقِيلِهِ يا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ وهي تُقْرَأُ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ بِالنَّصْبِ والجَرِّ والرَّفْعِ.

فَأمّا الجَرُّ فَهي عَلى قِراءَةِ عاصِمٍ وحَمْزَةَ، وهي في المَعْنى راجِعَةٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ ﴾ وعِلْمُ قِيلِهِ.

وَأمّا الرَّفْعُ فَهو قِراءَةُ الأعْرَجِ، ومَعْناها ابْتِداءٌ، وقِيلُهُ، قِيلَ مُحَمَّدٌ، يا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ.

والقِيلُ هو القَوْلُ.

وَأمّا النَّصْبُ فَهي قِراءَةُ الباقِينَ مِن أئِمَّةِ القُرّاءِ، وفي تَأْوِيلِها أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِمَعْنى إلّا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وقالَ قِيلَهُ يا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ، عَلى وجْهِ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: أنَّها بِمَعْنى أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهم ونَجْواهم وقِيلَهُ يا رَبِّ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّالِثُ: بِمَعْنى وشَكا مُحَمَّدٌ إلى رَبِّهِ قِيلَهُ، ثُمَّ ابْتِداءٌ فَأخْبَرَ ﴿ يا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فاصْفَحْ عَنْهُمْ ﴾ قالَ قَتادَةُ: أمَرَهُ بِالصَّفْحِ عَنْهم، ثُمَّ أمَرَهُ بِقِتالِهِمْ فَصارَ الصَّفْحُ مَنسُوخًا بِالسَّيْفِ.

وَيَحْتَمِلُ الصَّفْحَ عَنْ سَفَهِهِمْ أنْ يُقابِلَهم عَلَيْهِ نَدْبًا لَهُ إلى الحِلْمِ.

﴿ وَقُلْ سَلامٌ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أيْ قُلْ ما تَسْلَمُ بِهِ مِن شَرِّهِمْ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: قُلْ خَيْرًا بَدَلًا مِن شَرِّهِمْ; قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: أيِ احْلُمْ عَنْهُمْ; قالَهُ الحَسَنُ.

الرّابِعُ: أنَّهُ أمَرَهُ بِتَوْدِيعِهِمْ بِالسَّلامِ ولَمْ يَجْعَلْهُ تَحِيَّةً لَهُمْ; حَكاهُ النَّقّاشُ.

الخامِسُ: أنَّهُ عَرَّفَهُ بِذَلِكَ كَيْفَ السَّلامُ عَلَيْهِمْ; رَواهُ شُعَيْبُ بْنُ الحُبابِ.

﴿ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حُلُولَ العَذابِ بِهِمْ.

الثّانِي: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ صِدْقَكَ في إنْذارِهِمْ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من أحد إلا وله منزل في الجنة، ومنزل في النار، فالكافر يرث المؤمن منزله في النار، والمؤمن يرث الكافر منزله في الجنة، وذلك قوله: ﴿ وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون ﴾ » .

وأخرج هناد بن السري وعبد بن حميد في الزهد، عن عبد الله بن مسعود قال: تجوزون الصراط بعفو الله، وتدخلون الجنة برحمة الله، وتقتسمون المنازل بأعمالكم.

قوله تعالى: ﴿ إن المجرمين ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة في قوله: ﴿ وهم فيه مبلسون ﴾ قال: مستسلمون.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد والبخاري وابن الأنباري في المصاحف وابن مردويه والبيهقي في سننه، عن يعلى بن أمية قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ على المنبر ﴿ ونادوا يا مالك ﴾ .

وأخرج ابن مردويه، عن علي أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ على المنبر ﴿ ونادوا يا مالك ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن الأنباري، عن مجاهد قال: في قراءة عبد الله بن مسعود ﴿ ونادوا يا مالك ﴾ .

وأخرج الطبراني، عن يعلى بن أمية قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ على المنبر ﴿ ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في صفة النار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في البعث والنشور، عن ابن عباس: ﴿ ونادوا يا مالك ﴾ قال: مكث عنهم ألف سنة، ثم يجيبهم ﴿ إنكم ماكثون ﴾ .

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: ﴿ أم أبرموا أمراً فإنا مبرمون ﴾ قال: أم أجمعوا أمراً فإنا مجمعون، إن كادوا شراً، كدناهم مثله.

وأخرج ابن جرير، عن محمد بن كعب القرظي قال: بينا ثلاثة بين الكعبة واستارها؛ قرشيان وثقفي، أو ثقفيان وقرشي، فقال واحد منهم: ترون الله يسمع كلامنا؟

فقال واحد: إذا جهرتم سمع، وإذا أسررتم لم يسمع، فنزلت ﴿ أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم ﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ قل إن كان للرحمن ولد ﴾ يقول: لم يكن للرحمن ولد ﴿ فأنا أول العابدين ﴾ قال: الشاهدين.

وأخرج الطستي، عن ابن عباس: إن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل، ﴿ فأنا أول العابدين ﴾ قال: أنا أول متبرئ من أن يكون لله ولد!!!

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم أما سمعت تبعاً وهو يقول؟: وقد علمت فهر بأني ربهم ** طراً ولم تعبد وأخرج عبد بن حميد، عن الحسن وقتادة ﴿ قل إن كان للرحمن ولد ﴾ قالا: ما كان للرحمن ولد ﴿ فأنا أول العابدين ﴾ قال: يقول محمد صلى الله عليه وسلم: «فأنا أول من عبد الله من هذه الأمة» .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير، عن مجاهد ﴿ قل إن كان للرحمن ولد ﴾ في زعمكم ﴿ فأنا أوّل العابدين ﴾ فأنا أول من عبد الله وحده، وكذبكم بما تقولون.

وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد ﴿ قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين ﴾ قال: المؤمنين بالله، فقولوا ما شئتم.

وأخرج ابن جرير، عن قتادة قال: هذه كلمة من كلام العرب: ﴿ إن كان للرحمن ولد ﴾ أي؛ إن ذلك لم يكن.

وأخرج ابن جرير، عن زيد بن أسلم قال: هذا مقول من قول العرب، إن كان هذا الأمر قط، أي ما كان.

وأخرج عبد بن حميد، عن الأعمش أنه كان يقرأ: كل شيء بعد السجدة في مريم ولد، والتي في الزخرف ونوح وسائر، ولد.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير والبيهقي في الأسماء والصفات، عن قتادة في قوله: ﴿ عما يصفون ﴾ قال: عما يكذبون.

وفي قوله: ﴿ وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله ﴾ قال: هو الذي يعبد في السماء، ويعبد في الأرض.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: ﴿ ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة ﴾ قال: عيسى وعزير والملائكة ﴿ إلا من شهد بالحق ﴾ قال: كلمة الإِخلاص ﴿ وهم يعلمون ﴾ إن الله حق، وعيسى وعزير والملائكة- يقول: لا يشفع عيسى وعزير والملائكة، ﴿ إلا من شهد بالحق ﴾ وهو يعلم الحق.

وأخرج عبد بن حميد وعبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة في قوله: ﴿ إلا من شهد بالحق وهم يعلمون ﴾ قال: الملائكة وعيسى وعزير، فإن لهم عند الله شفاعة.

وأخرج البيهقي في الشعب عن مجاهد في الآية قال: ﴿ شهد بالحق ﴾ وهو يعلم أن الله ربه.

وأخرج ابن المنذر، عن ابن عوف قال: سألت إبراهيم، عن الرجل يجد شهادته في الكتاب ويعرف الخط والخاتم ولا يحفظ الدراهم فتلا ﴿ إلا من شهد بالحق وهم يعلمون ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن مجاهد في قوله: ﴿ وقيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون ﴾ قال: هذا قول نبيكم صلى الله عليه وسلم يشكو قومه إلى ربه، وعن ابن مسعود أنه قرأ ﴿ وقال الرسول يا رب ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم أنه قرأ ﴿ وقيله يا رب ﴾ بخفض اللام والهاء.

وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة ﴿ فاصفح عنهم ﴾ قال: نسخ الصفح.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن شعيب بن الحجاب قال: كنت مع علي بن عبد الله البارقي، فمر علينا يهودي أو نصراني، فسلم عليه، فقال شعيب: قلت إنه يهودي أو نصراني، فقرأ علي آخر سورة الزخرف ﴿ وقيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون، فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة، عن عون بن عبد الله قال: سئل عمر بن عبد العزيز عن ابتداء أهل الذمة بالسلام، فقال: ترد عليهم ولا تبتدئهم.

قلت: فكيف تقول أنت؟

قال: ما أرى بأساً أن نبدأهم.

قلت: لم؟

قال: لقول الله تعالى ﴿ فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون ﴾ .

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ ﴾ كثرت الوجوه في هذا التفسير، فالأصح منها، والذي عليه أكثر أهل العلم قول مجاهد، قال: يقول إن كان لله ولد في قولكم، فأنا أول من عبد الله ووحده (١) ﴿ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ  ﴾ أي في قولكم، والله -عز وجل- لا شريك له (٢) ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ  ﴾ أي ليوحدون (٣) (٤) الوجه الثاني: أن يكون ﴿ الْعَابِدِينَ ﴾ من عبد بمعنى غضب، قال ابن عباس: إن كان للرحمن ولد كما تزعمون فأنا أول من غضب للرحمن أن يقال: له ولد (٥) متى ما يَشَأ ذُو الوُدِّ يَصْرِمْ خَلِيلَه ...

وَيعْبَدْ عليه لا محالَة ظَالِما (٦) (٧) وروى أبو عبيد عن الفراء: عَبَدَ عليه وأحِنَ، أي: غضب (٨) وأَعْبَدُ أَنْ أهْجُو كُلَيْبًا بِدَارِم (٩) أي: آنف (١٠) ﴿ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ ﴾ أي الغضاب، وهذا قول أبي عبيدة والمبرد في (العابدين) هاهنا: أنه معنى الآنفين ولكن (إن) عندهم قوله: ﴿ إِنْ كَانَ ﴾ بمعنى: (ما) قالوا: ومعنى الآية: ما كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين أي: الآنفين مما قلتم والمنكرين له.

قال أبو عبيدة: ومجاز الفاء في أنا مجاز الواو (١١) وقال الكسائي: يقال: رجل عابِد وعَبِدُ، وآنِف وأنِفُ.

(١٢) وقال ابن قتيبة: يقال عَبِدتُ من كذا أعبدُ عَبَدًا (١٣) وذهب قوم إلى أن (إن) بمعنى: (ما)، و (العابدين) من العبادة وهو قول الكلبي (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) وفي الآية قول آخر ذكره السدي فقال: قال الله تعالى لمحمد -  -: قل لهم إن كان للرحمن ولد كما تقولون، لكنت أول من يعبده ويطيعه (١٨) وقول آخر في الآية يروى عن ابن عيينة أنه سئل عن هذه الآية فقال: يقول فكما أني لست أول من عبد الله، فكذلك ليس لله ولد (١٩) (٢٠) (١) انظر: "تفسير مجاهد" ص 595، "تفسير الطبري" 13/ 101، "الماوردي" 5/ 240 "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 119.

(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 420.

(٣) انظر: "مشكل القرآن وغريبه" لابن قتيبة 2/ 124.

(٤) انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري (عبد) 2/ 231.

(٥) ذكر ذلك البغوي 7/ 223 ولم يشبه، وانظر: "تفسير الماوردي" 5/ 241، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 120.

(٦) لم أقف على قائل هذا البيت، والشاهد فيه قوله: ويعبد عليه: أي يغضب عليه.

وقد استشهد ابن جرير في "تفسيره" 13/ 102 بالبيت نفسه.

وكذلك استشهد به ابن عطية 14/ 278، وكذلك استشهد به السمين الحلبي في "الدر المصون" 6/ 108 ونسبه محققو "الدر" للمرقش الأصغر.

انظر: "المفضليات" ص 502.

(٧) انظر: "تهذيب اللغة" (عبد) 2/ 238.

(٨) انظر: "اللسان" (عبد) 2/ 275.

(٩) هذا عجز بيت، وصدره: أولئك قوم إن هجوني هجوتهم والشاهد قوله: أعبد.

أي آنف، وقد ورد البيت في "اللسان" (عبد) 3/ 275، وفي "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 206، "المحتسب" لابن جني 2/ 258، "الدر المصون" 6/ 108، "تهذيب اللغة" (عبد) 2/ 238.

(١٠) انظر: "تهذيب اللغة" (عبد) 2/ 238 وهي كذا في الأصل ولعله سقط لفظ (قال).

(١١) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 206.

(١٢) انظر: "تهذيب اللغة" (عبد) 2/ 230، فقد نقل قول الكسائي.

(١٣) انظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 401.

(١٤) انظر: "تهذيب اللغة" (عبد) 2/ 230 فقد نقل قول الكلبي.

(١٥) انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 805.

(١٦) انظر: "الإيضاح" لابن الأنباري 2/ 886.

(١٧) انظر: قول ابن الأنباري بنصه في "تهذيب اللغة" (عبد) 2/ 231، وكذلك قولي الحسن وقتادة.

وانظر: "المكتفى" للداني ص 511.

(١٨) انظر: قول السدي في "تهذيب اللغة" (عبد) 2/ 230، "المكتفي" للداني ص 511.

(١٩) انظر: "تهذيب اللغة" (عبد) 2/ 230، "تفسير الوسيط" 4/ 83.

(٢٠) كذا في الأصل، وفي "الوسيط" 4/ 83 بلفظ (كاتباً) وهو الصواب.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قُلْ إِن كَانَ للرحمن وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ العابدين ﴾ في تأويل أربعة أقوال: الأول أنها احتجاج وردّ على الكفار، على تقدير قولهم، ومعناها لو كان للرحمن ولد كما يقول الكفار لكنت أنا أول من يعبد ذلك الولد؛ كما يعظم خدم الملك ولد الملك لتعظيم والده، ولكن ليس للرحمن ولد، فلست بعابد إلا الله وحده، وهذا نوع من الأدلة يسمى دليل التلازم؛ لأنه علق عبادة الولد بوجوده، ووجوده محال فعبادته محال، القول الثاني إن كان للرحمن ولد فأنا أول من عبد الله وحده، وكذبكم في قولكم أن له ولداً، والعابدين على هذين القولين بمعنى العبادة، القول الثالث أن العابدين بمعنى المنكرين: يقال عَبِد الرجل إذا أنف وتكبر وأنكر الشيء، والمعنى: إن زعمتم أن للرحمن ولداً فأنا أول المنكرين لذلك، وإن على هذه الأقوال الثلاثة شرطية، القول الرابع قال قتادة وابن زيد: إن هنا نافية بمعنى ما كان للرحمن ولد وتم الكلام، ثم ابتدأ قوله: ﴿ فَأَنَاْ أَوَّلُ العابدين ﴾ ، والأول هو الصحيح لأنه طريقة معروفة في البراهين والأدلة، وهو الذي عوَّل عليه الزمخشري، وقال الطبري: هو ملاطفة الخطاب ونحوه قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لعلى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾ [سبأ: 24] وقال ابن عطية منه قوله تعالى في مخاطبة الكفار ﴿ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ﴾ [النحل: 27] يعني شركائي على قولكم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يا عبادي ﴾ بالياء في الحالين: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو.

وقرأ حماد وأبو بكر بفتح الياء.

الباقون بغير ياء في الحالين ﴿ تشتهيه ﴾ بهاء الضمير: ونافع وأبو جعفر وابن عامر وحفص.

الآخرون: بحذفها ﴿ وإليه يرجعون ﴾ بياء الغيبة: ابن كثير وحمزة وعلي وخلف.

الباقون: بتاء الخطاب.

﴿ وقيله ﴾ بالكسرة: حمزة وعاصم غير المفضل.

الآخرون: بالنصب.

﴿ تعلمون ﴾ على الخطاب: أبو جعفر ونافع وابن عامر.

الوقوف: ﴿ يصدون ﴾ ه ﴿ أم هو ﴾ ط ﴿ جدلاً ﴾ ط ﴿ خصمون ﴾ ه ﴿ إسرائيل ﴾ ه ط ﴿ يخلفون ﴾ ه ﴿ واتبعون ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ الشيطان ﴾ ج للابتداء بان مع اتصال المعنى ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ فيه ﴾ ج لعطف الجملتين مع الفاء ﴿ وأطيعون ﴾ ه ﴿ فاعبدوه ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ من بينهم ﴾ ج للابتداء مع الفاء ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ تحزنون ﴾ ه ج لاحتمال كون ما بعده وصفاً ﴿ مسلمين ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون ﴿ الذين ﴾ إلى آخر الآية مبتدأ وقوله ﴿ ادخلوا ﴾ إلى آخره خبراً، والقول محذوف لا محالة ﴿ تحبرون ﴾ ه ﴿ وأكواب ﴾ ج ﴿ الأعين ﴾ ج للعدول مع العطف ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ تأكلون ﴾ ه ﴿ خالدون ﴾ ه ج لإحتمال ما بعده صفة أو حالاً له لا مستأنفاً ﴿ مبلسون ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون ما بعده مستأنفاً أو حالاً ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ ربك ﴾ ط ﴿ ماكثون ﴾ ه ج ﴿ كارهون ﴾ ه ﴿ مبرمون ﴾ ه ج لأن "أم" يصلح جواب الأولى ويصلح استفهاماً آخر ﴿ ونجواهم ﴾ ط ﴿ يكتبون ﴾ ه ﴿ العابدين ﴾ ه ﴿ يصفون ﴾ ه ﴿ يوعدون ﴾ ه ﴿ وفي الأرض إله ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ بينهما ﴾ ج ﴿ الساعة ﴾ ج ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ يؤفكون ﴾ ه ج فالوقف بناء على قراءة النصب، والوصل بناء على قراءة الجر وسيأتي تمام البحث عن إعرابها ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه لئلا يوهم أن ما بعده من قيل الرسول ﴿ سلام ﴾ ط للابتداء بالتهديد.

قال السجاوندي: من قرأ ﴿ تعلمون ﴾ على الخطاب فوقفه لازم لئلا يصير التهديد داخلاً في الأمر بقوله ﴿ قل ﴾ قلت: لا محذور فيه لأن السلام سلام توديع لا تعظيم.

التفسير : هذا نوع آخر من قبائح أقوال كفرة قريش.

وفي تفسير المثل وجوه للمفسرين: أحدها أن الكفار لما سمعوا أن النصارى يعبدون عيسى قالوا: إذا جاز أن يكون عيسى ابن الله جاز أن تكون الملائكة بنات الله.

وانتصب ﴿ مثلاً ﴾ على أنه مفعول ثانٍ لضرب أي جعل مثلا فالضارب للمثل كافرو ﴿ إذا قومك ﴾ أي المؤمنون ﴿ منه ﴾ أي من المثل أو ضربه ﴿ يصدون ﴾ أي يجزعون ويضجون ﴿ وقالوا ﴾ أي الكفار أهذا خير أم هو يعنون الملائكة خير من عيسى.

وثانيها ما مر في آخر الأنبياء أنه حين نزل ﴿ أنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم  ﴾ قال ابن الزبعري للنبي  : قد علمت أن النصارى يعبدون عيسى وأمه وعزيراً، فإن كان هؤلاء في النار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معهم.

فسكت النبي  وخرج القوم وضحكوا وصيحوا فأنزل الله  قوله ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى  ﴾ ونزلت هذه الآية أيضاً.

والمعنى ولما ضرب ابن الزبعري عيسى ابن مريم مثلاً إذا قومك قريش من هذا المثل يصدون بالكسر والضم أي يرتفع لهم جلبة وصياح فرحاً وسروراً بما رأوا من سكوت رسول الله  فإن العادة قد جرت بأن أحد الخصمين إذا انقطع أظهر الخصم الآخر الفرح.

﴿ وقالوا آلهتنا ﴾ وهي الأصنام ﴿ خير أم ﴾ عيسى فإذا كان عيسى من حصب النار كان أمر آلهتنا أهون.

وقيل: من قرأ بالضم فمن الصدود أي من أجل هذا المثل يمنعون عن الحق.

وثالثها أنه  لما حكى أن النصارى عبدوا المسيح إلهاً وأن مثله عند الله كمثل آدم، قال كفار مكة: إن محمداً يريد أن نتخذه إلهاً كما اتخذ النصارى المسيح إلهاً وضجروا وضجوا وقالوا: آلهتنا خير أم هو يعنون محمداً، وغرضهم أن آلهتهم خير لأنها مما عبدها آباؤهم وأطبقوا عليها فأبطل الله  كلامهم بقوله ﴿ ما ضربوه لك إلا جدلاً ﴾ أي لم يضربوا هذا المثل لأجلك إلا للجدال والغلبة دون البحث عن الحق ﴿ بل هم قوم ﴾ من عادتهم الخصومة واللدد.

ثم قرر أمر عيسى  بقوله ﴿ إن هو إلا عبد أنعمنا عليه ﴾ بأن خلقناه من غير أب وصيرناه عبرة وحاله عجيبة ﴿ ولو نشاء لجعلنا منكم ﴾ أي بدلاً منكم ﴿ ملائكة في الأرض يخلفون ﴾ يقومون مقامكم.

وقيل: أراد لولدنا منكم يا رجال ملائكة يخلفونكم في الأرض كما يخلفكم أولادكم.

والغرض بيان كمال القدرة وأن كون الملائكة في السموات لا يوجب لهم الإلهية ولا نسباً من الله.

ثم بين مآل حال عيسى  بقوله ﴿ وأنه ﴾ يعني عيسى ﴿ لعلم للساعة ﴾ لعلامة من علامات القيامة كما جاء في الحديث " أنا أولى الناس بعيسى ليس بيني وبينه نبي وأنه أول نازل يكسر الصليب ويقتل الخنزير ويقاتل الناس على الإسلام " وقيل: إذا نزل عيسى رفع التكليف.

وقيل: أن عيسى كان يحيي الموتى فعلم بالساعة والبعث.

وقيل: الضمير في ﴿ وإنه ﴾ للقرآن أي القرآن يعلم منه وفيه ثبوت الساعة ﴿ فلا تمترن بها ﴾ فلا تشكن فيها ﴿ واتبعوني ﴾ هذه حكاية قول النبي  ، أو المراد واتبعوا رسولي وشرعي والباقي واضح إلى قوله ﴿ هل ينظرون ﴾ وقد مر في آل عمران وفي "مريم".

وقوله ﴿ أن تأتيهم ﴾ بدل من الساعة و ﴿ الأخلاء ﴾ جمع خليل و ﴿ يومئذ ﴾ ظرف ﴿ عدو ﴾ وهو كقوله ﴿ إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا  ﴾ ولكن خلة المتقين ثابتة لأن المحبة في الله لا تزول.

ومعنى ﴿ تحبرون ﴾ تسرون والحبور السرور، والصحاف جمع صحفة وهي القصعة فيها طعام، والأكواب جمع كوب وهو الإبريق لا عروة له.

وقد يدور في الخلد أن العروة للكوز أمر زائد على مصلحة الشرب وإنما هو لدفع حاجة كتعليق وتعلق وأهل الجنة فيها براء من أمثال ذلك فلهذا كانت أكوازها أكواباً والله أعلم بأسراره.

﴿ وفيها ﴾ أي في الجنة.

قال القفال: جمع بهاتين اللفظتين ما لو اجتمع الخلق كلهم على تفصيله لم يخرجوا عنه.

ثم يقال لهم ﴿ وأنتم فيها خالدون ﴾ إلى آخره.

ثم وصف حال أهل الجرائم من الكفار أو منهم ومن الفساق على اختلاف بين السني والمتعزلي.

ومعنى ﴿ لا يفتر ﴾ لا يخفف من الفتور ومبلسون آيسون ساكتون تحيراً ودهشاً.

ولما أيسوا من فتور العذاب ﴿ نادوا يا مالك ﴾ وهو اسم خازن النار ﴿ ليقض علينا ربك ﴾ أي ليمتنا كقوله ﴿ فقضى عليه  ﴾ قال مالك: بعد أربعين عاماً أو بعد مائة أو ألف أو قال الله بدليل قوله ﴿ ولقد جئناكم ﴾ فإنه ظاهر من كلام الله وإن كان يحتمل أن يكون قول الملائكة.

قال أهل التحقيق: سمى خازن النار مالكاً لأن الملك علقة والتعلق من أسباب دخول النار كما سمى خازن الجنة رضواناً لأن الرضا بحكم الله سبب كل راحة وسعادة وصلاح وفلاح.

ثم عاد إلى توبيخ قريش وتجهيلهم والتعجيب من حالهم فقال ﴿ أم أبرموا أمراً ﴾ والإبرام والإحكام والمعنى أنهم كلما أحكموا أمراً في المكر بمحمد  فإنا نحكم أمراً في مجازاتهم.

وقال قتادة: أجمعوا على التكذيب وأجمعنا على التعذيب، وذلك أنهم اجتمعوا في دار الندوة وأطبقوا على الاغتيال بمحمد  وتناجوا في ذلك فكف عنه شرهم وأوعدهم عليه بأنه يعلم سرهم وهو ما حدّث به الرجل نفسه أو غيره في مكان خالٍ.

ونجواهم وهي ما تكلموا به فيما بينهم على سبيل الخفية أيضاً.

ثم أكد علمه بأن حفظة الأعمال يكتبونه، ثم برهن على نفي الولد عن نفسه فقال لنبيه  ﴿ قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين ﴾ وهذه قضية شرطية جزآها ممتنعان إلا أن الملازمة صادقة نظيره قولك: إن كانت الخمسة زوجاً فهي منقسمة بمتساويين.

وهذا على سبيل الفرض والتقدير، وبيان الملازمة أن الولد يجب محبته وخدمته لرضا الوالد وتعظيمه، فلو كان المقدم حاصلاً في الواقع لزم وقوع التالي عادة وإنما ادعى أوليته في العبادة لأن النبي متقدم في كل حكم على أمته خصوصاً فيما يتعلق بالأصول كتعظيم المعبود وتنزيهه، لكن التالي غير واقع فكذا المقدم وهذا الكلام ظاهر الإلزام، واضح الإفحام، قريب من الأفهام، لا حاجة فيه إلى تقريب المرام.

وأما المفسرون الظاهريون لا دراية لهم بالمعقول فقد ذكروا فيه وجوهاً متكلفة منها: إن كان للرحمن ولد في زعمكم فأنا أول الموحدين لله.

ومنها إن كان له ولد في زعمكم فأنا أول الآنفين من أن يكون له ولد.

يقال: عبد بالكسر يعبد بالفتح إذا اشتد أنفه.

ومنها جعل "إن" نافية أي ما كان للرحمن ولد فأنا أول من قال بذلك، ووحد ثم نزه نفسه عما لا يليق بذاته، ثم أمر نبيه أن يتركهم في باطلهم واللعب بدنياهم حتى يلاقوا القيامة.

ثم مدح ذاته بقوله ﴿ وهو الذي في السماء إله ﴾ أي معبود كما مر في قوله ﴿ وهو الله في السموات وفي الأرض  ﴾ والتقدير وهو الذي هو في السماء إله إلا أنه حذف الراجع لطول الكلام.

ثم أبطل قول الكفرة إن الأصنام تنفعهم.

وقوله ﴿ إلا من شهد ﴾ استثناء منقطع أي لكن من شهد بالتوحيد عن علم وبصيرة هو الذي يملك الشفاعة، ويجوز أن يكون متصلاً لأن من جملة من يدعونهم الملائكة وعيسى وعزيراً.

وجوز أن تكون اللام محذوفة لأن الشفاعة تقتضي مشفوعاً له أي لمن شهد بالحق وهم المؤمنون قال بعض العلماء ﴿ وهم يعلمون ﴾ دلالة على أن إيمان المقلد وشهادته غير معتبر.

ثم كرر ما ذكر في أول السورة قائلاً ﴿ ولئن سألتهم ﴾ والغرض التعجيب من حالهم أنهم يعترفون بالصانع ثم يجعلون له أنداداً.

وقيل: الضمير في ﴿ سألتهم ﴾ للمعبودين.

من قرأ ﴿ وقيله ﴾ بالنصب فعن الأخفش أنه معطوف على ﴿ سرهم ونجواهم ﴾ أو المراد وقال قيله أي قوله، والضمير للنبي  لتقدم ذكره بالكناية في قوله ﴿ قل إن كان ﴾ وعن أبي علي أنه يعود إلى عيسى، وفيه تسلية لمحمد  .

ويحتمل أن يكون النصب بالعطف على محل الساعة أي وعنده علم الساعة وعلم قيله كقراءة من قرأ بالجر.

ثم سلى نبيه  بأعمال الخلق الحسن معهم إلى أوان النصر وهو ظاهر والله أعلم بالتوفيق.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ أَبْرَمُوۤاْ أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ ﴾ .

ثم يحتمل أن يكون ما ذكر من إبرامهم أمراً ما ذكر في آية أخرى، وهو قوله  : ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ  ﴾ إبرامهم أمرا: هو مكرهم الذي مكروا برسول الله  فيما ذكر، والله أعلم.

ويحتمل: أن يكون إبرامهم الذي ذكر غير ذلك، وكيفما كان، ففيه وجهان من الدلالة: أحدهما: ليعلموا أن الله -  - عالم سميع بما يبرمون فيما بينهم من أمر سرّاً؛ لأنه في ظنهم أن الله لا يعلم ولا يسمع ما يبرمون من الأمر سرّاً، ولذلك قال  : ﴿ أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم ﴾ .

والثاني: فيه دلالة إثبات الرسالة؛ لأنهم أبرموا ذلك الأمر فيما بينهم سرّاً، ثم أخبرهم رسول الله  بما أبرموا وأحكموا من الأمر؛ ليعرفوا أنه إنما علم ذلك بالله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنَّا مُبْرِمُونَ ﴾ .

يحتمل: فإنا جازون جزاء إبرامهم.

ويحتمل: ﴿ فَإِنَّا مُبْرِمُونَ ﴾ أي: إلينا يرجع تدبير إبرامهم الأمر ومكرهم جميعاً؛ وعلى ذلك قوله: ﴿ فَلِلَّهِ ٱلْمَكْرُ جَمِيعاً  ﴾ على هذين الوجهين اللذين ذكرناهما.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم ﴾ .

أي: بل يحسبون على ما ذكرنا: أن حرف الاستفهام منه يخرج على الإيجاب؛ كأنه قال: بل يحسبون؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ بَلَىٰ وَرُسُلُنَا ﴾ .

وقوله: ﴿ بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ ﴾ .

هذا وعيد وتنبيه منه لهم؛ يخبر أن رسله يكتبون ما يسترون ويخفون من المنكر وغيره؛ ليكونوا أبدا على حذر ويقظة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ ﴾ له بالتعالي والتنزيه عن الولد، أي: وأنا أول من يعبد الرحمن بالإيمان والتصديق أنه ليس له ولد، على هذا أعبد الله  .

والثاني: ما كان للرحمن ولد فأنا أول الآنفين، وهو من عَبِدَ يَعْبِد، أي: أنف يأنف، فيكون هذا تنزيه تَصريحٍ عن الولد، والأول تنزيه له بالكناية، هذا إذا كان معنى قوله: ﴿ قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ ﴾ ما كان للرحمن ولد.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ ﴾ يخرج على التأويل - أيضاً - على وجهين: أحدهما: أي: لو كان للرحمن ولد على زعمكم وعلى ما عندكم فأنا أول من أتبرأ عن أن يكون له ولد، وأدعوكم إلى الرحمن الذي لا ولد له، وهو كقوله -  -: ﴿ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ  ﴾ أي: أين شركائي [الذين] تزعمون أنتم أنهم شركاء؟

وقوله  : ﴿ وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً  ﴾ أي: انظر إلى إلهك الذي هو في زعمك إله.

والثاني: يحتمل أن يقول له: قل: لو كان يجوز أو يحتمل أن يكون له ولد، فأنا أول من أعبده على ذلك، أو أول من أقول أنا بذلك، فإذ لم أقل بذلك وأنا رسول الله، فظهر أنه لا يحتمل ولا يجوز أن يكون له ولد، وهو كقوله -  -: ﴿ لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاَّصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ  ﴾ أي: لو كان يجوز أن يريد الله أن يتخذ ولداً لاصطفى ممن عنده وممن شاء، لا مما هو عندكم ومما تختارون أنتم، لكن لا يحتمل ولا يجوز أن يتخذ ولداً.

وقال بعضهم في قوله -  -: ﴿ قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ ﴾ يقول: كما أني لست أول من عبد الله، فكذلك ليس للرحمن ولد؛ كقول الرجل: لو كان ما تقول حقّاً فأنا حمار، معناه: ليس الذي تقوله بحق، كما أني لست بحمار، والله أعلم.

[ثم] نزه نفسه عن الولد، وأنه لا يجوز أن يكون له ولد حيث قال: ﴿ سُبْحَانَ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ أي: رب السماوات، ورب الأرض، ورب من فيهن، ورب العرش.

قال أهل التأويل: أي: رب السرير.

لكن لا يحتمل أن يكون تأويل العرش - هاهنا - السرير، فينسب إلى السرير، فيقال: رب السرير، ويجوز لغيره - أيضاً - أن يقال له: رب السرير، فيثبت المشاركة في النسبة بينه وبين الخلق، إلا أن يقال: إن لذلك السرير عند الخلائق موقعاً وقدراً عظيماً يليق القسم به، وإنه من أعظم المخلوقات وأعجبها، فكان نسبة هذا إلى الله -  وتعالى - من باب التعظيم والإجلال له بمنزلة نسبة كل العالم إليه؛ فيكون جائزاً، والله أعلم.

ويحتمل أن يكون تأويل العرش - هاهنا - هو الملك؛ يقول: سبحان رب السماوات والأرض ورب الملك عما يصفون، ثم قد بينا حكمة ذكر السماوات والأرض على إثر ذكر الولد في غير موضع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ ﴾ هذا - في الظاهر - أمر بتركهم على ما هم عليه من الخوض واللعب وغيره، ومثل هذا مما لا يليق بالحكمة؛ إذ هو حرام في العقل، لكن يخرج على الوعيد، وإن كان صيغته صيغة الأمر، كقوله: ﴿ ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ  ﴾ هو في الظاهر وإن كان أمراً فهو في الحقيقة وعيد، فعلى ذلك هذا يخرج على الوعيد.

ويحتمل أن يخرج على ترك المكافأة على ما يصنعون من الاستهزاء بهم، والأنواع من الأذى إلى اليوم الذي يلاقون ويعاينون العذاب حين لا تنفعهم الندامة في الرجوع في ذلك اليوم.

وأصل ذلك أن الله -  - قد أوعدهم بمواعيد شديدة، ووعظهم بمواعظ بليغة، فلم تنجع تلك المواعيد فيهم، ولا نفعهم شيء من ذلك.

والثاني: قد بين ما يزيل عنهم الشبه، وما يوجب التعلق به، [و] أوضح لهم طريق الحق والهدى، فلم يسلكوا مسلك طريق الحق، فأوعد لهم بما ذكر في ذلك اليوم ما لا تنفعهم ندامتهم في ذلك الوقت، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمآءِ إِلَـٰهٌ وَفِي ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ ﴾ الإله في اللغة هو المعبود؛ كأنه يقول - والله أعلم -: إنكم تعلمون أن الله -  - هو المعبود في السماء، وهو المعبود في الأرض، والأصنام التي تعبدونها أنتم لا يعبدها إلا أنتم، فكيف تركتم عبادة المعبود الذي هو معبود في السماء والأرض، واخترتم عبادة من ليس بمعبود إلا بعبادتكم؟!.

ويحتمل أن يقول: تعلمون أنتم أن الله -  وتعالى - هو إله السماء والأرض وإله من فيهما، وأنه خالق ذلك كله؛ لقوله: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ  ﴾ والأصنام التي تعبدونها لم يفعلوا ذلك، ولا يملكون شيئاً من ذلك، فكيف اتخذتموها آلهة دونه؟!

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ ﴾ ذكر الحكيم والعليم على إثر ذلك يخرج على وجهين: أحدهما: لسؤال الثنوية: أن الله - عز وجل - لا يجوز أن يبسط الرزق ويوسع الدنيا على من يعلم أنه يعاديه ويشتمه، ويعادي أولياءه ويشتمهم؛ لأن في الشاهد من يصنع إلى من يعلم أنه يعاديه معروفاً فليس بحكيم، فعلى ذلك يقولون: إن ذلك ليس من الله -  - ولكنه من إله غيره سفيه؛ لأنه وصف نفسه بالحكمة، وأنه يزيل الحكمة.

و[الثاني]: لقول البراهمة في إنكارهم الرسالة أصلا، يقولون: ليس من الحكمة بعث الرسل إلى من يعلم أنه يكذبه ويكذب رسله ولا يقبل رسالته؛ بل يقتله ويعاديه؛ لذلك ينكرون رسالة الرسل، فأخبر -  - بقوله: ﴿ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ ﴾ أن إعطائي إياهم ما أعطيتهم وبعثي الرسل إليهم على علم مني بما يكون منهم من التكذيب والعداوة - لا يخرجني عن الحكمة، ويخرج فاعل ذلك في الشاهد عن الحكمة؛ لأن ملوك الأرض إنما يرسلون الرسل ويبعثون الهدايا لمنافع أنفسهم ولحاجتهم، فإذا علموا من المبعوث إليهم الرسل والمصنوع إليهم المعروف ما ذكرنا - خرج من الحكمة، فأما الله -  - إنما بعث الرسل لحاجة المبعوث إليهم، ولمنافع أنفسهم، فكذلك ما يعطيهم من الدنيا لمنافع أنفسهم؛ فلم يخرج بذلك من الحكمة؛ لأنه لا تضره معاداة من عاداه، ولا تنفعه موالاة من والاه؛ بل كل ذلك راجع إليهم؛ بل صنع ما يصنع من المعروف إلى من يعلم أنه يعاديه يكون وصفاً له بغاية الكرم والجود، كذلك ما ذكرنا، وبطل قوله الثنوية والبراهمة، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَبَارَكَ ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ﴾ قوله: ﴿ وَتَبَارَكَ ﴾ قال أهل التأويل: أي:  وتعاظم عما قالت الملاحدة فيه من الشريك، والولد، والصاحبة، وغير ذلك مما لا يليق به، ولا يجوز؛ فيكون تنزيهاً عن جميع ما قالوا فيه، وهو كحرف ﴿ سُبْحَانَ ﴾ الذي يكون تنزيهاً عما قالوا فيه، والله أعلم.

قال بعض أهل الأدب: ﴿ وَتَبَارَكَ ﴾ هو من البركة، لكن بعض العلماء قالوا: إن هذا التأويل لا يصح؛ لأن قوله: ﴿ وَتَبَارَكَ ﴾ هو من وقوع البركة بنفسه، فهو اسم ملازم، ولا يجوز أن يوصف الله -  - بوقوع البركة، لكن عندنا ﴿ وَتَبَارَكَ ﴾ هو تفاعل، والتفاعل هو فعل اثنين؛ فجائز نسبة البركة إليهما على حقيقة وقوعها بأحدهما وهو الخلق للإيصال؛ على ما هو الأصل في مثل هذا، وله نظائر كثيرة.

وأصل تأويل ﴿ وَتَبَارَكَ ﴾ : ما قاله أهل التأويل:  وتعاظم عن جميع ما قالت الملاحدة فيه مما لا يليق به من الولد، والشريك، وغير ذلك، لكن هو على التأويل، لا على تحقيق الاسم، فنظيره ما فسروا في قوله [  ]: "وتعال جدُّك" أي: عظمتك، والجد هو في الحقيقة ليس هو اسم العظمة، ولكن هو خروج الأمر على ما يريد ويشاء، ويسميه الناس فيما بينهم بالفارسية: بختا، فسروا الجد بالعظمة؛ لنفاذ مشيئة العظيم، وخروج الأمور على ما يريده ويشاؤه، فعلى ذلك تفسيرهم ﴿ وَتَبَارَكَ ﴾ بما قالوا:  وتعاظم على التأويل، لا على تحقيق الاسم؛ إذ هو من البركة، لكن كل من بورك فيه صار متعالياً، فأطلقوا عليه ﴿ وَتَبَارَكَ ﴾ بمعنى:  ، لا بمعنى حقيقة الاسم، والله أعلم.

ثم قوله: ﴿ وَتَبَارَكَ ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ﴾ بيان منه وتعليم للخلق ما يجوز النسبة [له] فقال: ﴿ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ، وقال: ﴿ وَلَهُ مَا فِي ٱلْسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ  ﴾ ، ونحو ذلك، يبين لهم أن ينسبوا إليه هذا، ولا ينسبوا إليه من الولد، والشريك، والصاحبة ونحو ذلك؛ لأن نسبة الأشياء بكليتها يخرج مخرج الوصف له بالعظمة والجلال، نحو ما ذكرنا من قوله -  -: ﴿ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ وقوله: ﴿ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ  ﴾ ، [وقوله:] ﴿ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  ﴾ ، وقوله: ﴿ خَٰلِقُ كُلِّ شَيْءٍ  ﴾ ، ونسبة خاصية الأشياء إليه يخرج مخرج التعظيم والتبجيل لتلك الأشياء، وثم ينظر بعد هذا: فإن كانت تلك الأشياء الخاصة مما يجوز تعظيمها نسبت إليه وأضيفت، نحو قوله: بيت الله، ومساجد الله، ورسول الله، وغير ذلك من الأشياء التي عظمها الله -  - ورفع قدرها ومنزلتها عنده، وإن كانت الأشياء مما يستقذر ويستقبح ويسترذل فلا يجوز النسبة إليه والإضافة؛ لما ذكرنا أن نسبتها إليه وإضافتها يخرج مخرج التعظيم لها، وهي ليست بمعظمة، ولكنها مسترذلة مستقذرة؛ فيكون وضع الشيء غير موضعه، وأنه خلاف الحكمة، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ ﴾ يخرج على وجوه: أحدها: أي: عنده علم ساعة: الصعقة؛ كقوله -  -: ﴿ وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ...

﴾ الآية [الزمر: 68].

ويحتمل ﴿ وَعِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ ﴾ : الزلزلة؛ كقوله: ﴿ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ  ﴾ .

ويحتمل: ﴿ وَعِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ ﴾ : الفزع والهول؛ كقوله: ﴿ فَفَزِعَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ...

﴾ الآية [النمل: 87].

ويحتمل: ﴿ وَعِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ ﴾ : القيامة؛ كقوله -  -: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ  ﴾ ، ونحو ذلك، والله أعلم.

أخبر أنه لم يطلع الله - عز وجل - على حقيقة ما ذكر أحداً من خلقه.

وقوله: ﴿ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ قد ذكرنا في غير موضع: أن تخصيص ذلك بالرجوع إليه يخرج على وجوه، وإن كانوا في جميع الأحوال راجعين فيه إلى الله -  - صائرين إليه: أحدها: لأن المقصود من إنشائهم ذلك - أعني: البعث - كي لا يكون خلقهم عبثاً، على ما ذكرنا غير مرة.

ويحتمل أنه خص ذلك اليوم بالرجوع إليه والمصير والخروج؛ لأنه يومئذ يخلص خروجهم ورجوعهم إليه وانقيادهم له، وقد ذكرناه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَمْلِكُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلشَّفَاعَةَ ﴾ إن قوماً كانوا يعبدون الملائكة؛ رجاء أن يكونوا لهم شفعاء؛ لما عرفوا من خصوصيتهم وفضلهم عند الله -  - وذلك معروف في الناس أنهم يخدمون ويكرمون خواص ملوكهم رجاء أن يشفع لهم أولئك الخواص عند الملك إذا نزل بهم بلاء ووقعت لهم حاجة يوماً من الدهر، فعلى ذلك هؤلاء الكفرة كانوا يعبدون الملائكة؛ لما عرفوا من خصوصيتهم وفضل منزلتهم عند الله  .

ثم أخبر - عز وجل - عن الملائكة أنهم لا يملكون الشفاعة بقوله: ﴿ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ  ﴾ وهو قوله: ﴿ إِلاَّ مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ ، أي: إلا لمن شهد بوحدانية الله -  - وألوهيته، لا يشفعون لأولئك، إنما يشفعون لمن ذكر، وإن كانت لهم خصوصية عند الله -  - لأن الله - عز وجل - نهى أولئك أن يعبدوا الملائكة ويعظموهم من جهة العبادة؛ لذلك لا يملكون الشفاعة لهم؛ فيكون مثل هذا مثل ملك نهى قومه أن يخدموا أو يعظموا أحداً سواه من خواصه، فإذا فعلوا ذلك وخدموهم وتركوا نهيه لا يملك أولئك الخواص ولا يتجاسرون على طلب الشفاعة عند الملك لأولئك الذين نهاهم الملك أن يخدموهم ويعظموهم دونه، فعلى ذلك الملائكة، لم يجعل لهم شفاعة لأولئك الذين عبدوهم دونه إلا لمن ذكر، وهم: الذين شهدوا بالحق، وقاموا بعبادة الله -  - فقد أذن الله لهم بالشفاعة لأولئك، والله أعلم.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَلاَ يَمْلِكُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلشَّفَاعَةَ ﴾ أي: لو كانت لهم الشفاعة لكانت لا تنفعهم؛ كقوله -  : ﴿ فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِينَ  ﴾ أي: لو كانت لهم شفعاء لكانت لا تنفعهم شفاعتهم، ليس أن يكون لهم شفاعة أو شفعاء، وهو كقوله -  -: ﴿ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ...

﴾ الآية [المائدة: 36]، وكقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ...

 ﴾ ؛ فعلى ذلك يحتمل قوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَمْلِكُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلشَّفَاعَةَ ﴾ أي: لا ينفعهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ يخرج قوله: ﴿ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ على وجهين: أحدهما: يرجع إلى الملائكة، فيكون كأنه يقول: ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة وهم يعلمون أنهم لا يملكون الشفاعة.

والثاني: يرجع إلى من شهد بالحق، يكون كأنه يقول: ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون أنهم يشهدون بالحق، والشهادة بالحق ما ذكرنا، يعني: يشهدون على وحدانية الله -  - وألوهيته، وأنه هو المستحق بالعبادة دون من عبدوهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ﴾ ، وقال في أول السورة: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ  ﴾ ، ثم نعته فقال: ﴿ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ...

 ﴾ إلى آخر ما ذكر؛ قد أقروا جميعاً: أن الذي خلق السماوات والأرض وخلقهم وما يحتاجون إليه هو الله  .

ثم علمهم وعرفانهم بذلك يحتمل وجوهاً: يحتمل: علم حقيقة على التسخير والاضطرار بأن أنشأ الله -  - علماً في قلوبهم، فعلموا بذلك حقيقة أن الله - عز وجل -: هو خالق ذلك كله.

ويحتمل علموا علم الاستدلال بالتأمل والنظر؛ إذ من عادة العرب التأمل والنظر في الأشياء، فنظروا وتأملوا، فعرفوا بالاستدلال العقلي أنه كذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ﴾ يقول: فأي شيء يصرفهم ويأفكهم عن القيام بوفاء ما أعطوا بألسنتهم، وتحقيق ما أقروا ونطقوا أن الله خالق ذلك كله، وأن ذلك كله منهم، وجعل ذلك لمن يعلمون أنه [لا] شيء من ذلك منهم، وبعد معرفتهم بذلك، أعني: الأصنام التي يعبدونها، والله الهادي.

وقال أهل التأويل: أي: فأنى يكذبون بعد علمهم ومعرفتهم ذلك في تسميتهم معبودهم: إلهاً، أو شكرهم غير الذي صنع ذلك لهم بالعبادة له دون الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقِيلِهِ يٰرَبِّ ﴾ قرئ بنصب اللام وكسرها فمن قرأه بالنصب جعله مقطوعاً على قوله: ﴿ أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم ﴾ ونسمع قيله؛ أي: قوله الذي أغفلوه؛ أي: بل نسمع ذلك كله.

ومن قرأه بالكسر عطفه على قوله: ﴿ وَعِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ ﴾ أي: عنده علم الساعة وعلم قيله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰرَبِّ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ ﴾ كأنه على الإضمار، أي: قيل لهم: قل: إن هؤلاء قوم لا يصدقون.

وفيه دلالة إثبات رسالته؛ لأنه أخبر أنهم لا يؤمنون، وقد كان على ما أخبر لم يؤمنوا؛ دل أنه بالله عرف ذلك وعلمه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ ﴾ أي: أعرض ودعهم، ﴿ وَقُلْ سَلاَمٌ ﴾ أي: قل الصواب والحق ﴿ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ يوماً، فهو وعيد لهم.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَقُلْ سَلاَمٌ ﴾ أي: سلام عليهم، لكنه على المؤمنين، ليس على أولئك الكفرة: ﴿ فسوف تعلمون ﴾ بالتاء يكون لو صرف إلى المؤمنين، وهو كقوله  : ﴿ وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَٰمٌ عَلَيْكُمْ  ﴾ فيكون كأنه - عز وجل - قال: فسوف تعلمون أيها المؤمنون ما ينزل بأولئك، والله أعلم.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قل -أيها الرسول- للذين ينسبون البنات لله، تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرًا: إن كان لله -على سبيل الفرض- ولد فأنا أول العابدين لذلك الولد.

<div class="verse-tafsir" id="91.LMXmL"

مزيد من التفاسير لسورة الزخرف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله