الإسلام > القرآن > سور > سورة 46 الأحقاف > الآية ٦ من سورة الأحقاف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 51 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٦ من سورة الأحقاف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين ) ، كقوله تعالى : ( واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا ) [ مريم : 81 ، 82 ] أي : سيخونونهم أحوج ما يكونون إليهم ، وقال الخليل : ( إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين ) [ العنكبوت : 25 ] .
القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (6) يقول تعالى ذكره: وإذا جُمع الناس يوم القيامة لموقف الحساب, كانت هذه الآلهة التي يدعونها في الدنيا لهم أعداء, لأنهم يتبرءون منهم ( وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ ) يقول تعالى ذكره: وكانت آلهتهم التي يعبدونها في الدنيا بعبادتهم جاحدين, لأنهم يقولون يوم القيامة: ما أمرناهم بعبادتنا, ولا شعرنا بعبادتهم إيانا, تبرأنا إليك منهم يا ربنا.
قوله تعالى : وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين.قوله تعالى : وإذا حشر الناس يريد يوم القيامة .
كانوا لهم أعداء أي هؤلاء المعبودون أعداء الكفار يوم القيامة .
فالملائكة أعداء الكفار ، والجن والشياطين يتبرءون غدا من عبدتهم ، ويلعن بعضهم بعضا .
ويجوز أن تكون الأصنام للكفار الذين عبدوها أعداء ، على تقدير خلق الحياة لها ، دليله قوله تعالى : تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون وقيل : عادوا معبوداتهم لأنهم كانوا سبب هلاكهم ، وجحد المعبودون عبادتهم ، وهو قوله : وكانوا بعبادتهم كافرين
{ وَإِذَا حُشرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً } يلعن بعضهم بعضا ويتبرأ بعضهم من بعض { وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ }
( وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين ) جاحدين ، بيانه قوله : " تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون " ( القصص - 63 ) .
«وإذا حشر الناس كانوا» أي الأصنام «لهم» لعابديهم «أعداءً وكانوا بعبادتهم» بعبادة عابديهم «كافرين» جاحدين.
وإذا حُشر الناس يوم القيامة للحساب والجزاء كانت الآلهة التي يدعونها في الدنيا لهم أعداء، تلعنهم وتتبرأ منهم، وتنكر علمها بعبادتهم إياها.
ثم بين ما يكون بين العابدين من عداوة يوم القيامة فقال : ( وَإِذَا حُشِرَ الناس كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَآءً وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ ) .أى : وإذا جمع الله - تعالى - الناس للحساب والجزاء يوم القيامة ، صار الكفار مع من بعدوهم من دون الله أعداء ، يلعن بعضهم بعضا ، ( وَكَانُواْ ) أى : المعبودن ( بِعِبَادَتِهِمْ ) أى بعبادة الكفر إياهم ( كَافِرِينَ ) أى : جاحدين مكذبين .وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ( واتخذوا مِن دُونِ الله آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً ) .وقوله - سبحانه - : ( وَقَالَ إِنَّمَا اتخذتم مِّن دُونِ الله أَوْثَاناً مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الحياة الدنيا ثُمَّ يَوْمَ القيامة يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْوَاكُمُ النار وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ ) .
اعلم أنه تعالى بيّن فيما سبق أن القول بعبادة الأصنام قول باطل، من حيث إنها لا قدرة لها ألبتة على الخلق والفعل والإيجاد والإعدام والنفع والضر، فأردفه بدليل آخر يدل على بطلان ذلك المذهب، وهي أنها جمادات فلا تسمع دعاء الداعين، ولا تعم حاجات المحتاجين، وبالجملة فالدليل الأول كان إشارة إلى نفي العلم من كل الوجوه، وإذا انتفى العلم والقدرة من كل الوجوه لم تبق عبادة معلومة ببديهة العقل فقوله: ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُواْ مِن دُونِ الله ﴾ استفهام على سبيل الإنكار والمعنى أنه لا أمراً أبعد عن الحق، وأقرب إلى الجهل ممن يدعوا من دون الله الأصنام، فيتخذها آلهة ويعبدها وهي إذا دعيت لا تسمع، ولا تصح منها الإجابة لا في الحال ولا بعد ذلك اليوم إلى يوم القيامة، وإنما جعل ذلك غاية لأن يوم القيامة قد قيل إنه تعالى يحييها وتقع بينها وبين من يعبدها مخاطبة فلذلك جعله تعالى حداً، وإذا قامت القيامة وحشر الناس فهذه الأصنام تعادي هؤلاء العابدين، واختلفوا فيه فالأكثرون على أنه تعالى يحيي هذه الأصنام يوم القيامة وهي تظهر عداوة هؤلاء العابدين وتتبرأ منهم، وقال بعضهم بل المراد عبدة الملائكة وعيسى فإنهم في يوم القيامة يظهرون عداوة هؤلاء العابدين فإن قيل ما المراد بقوله تعالى: ﴿ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غافلون ﴾ وكيف يعقل وصف الأصنام وهي جمادات بالغفلة؟
وأيضاً كيف جاز وصف الأصنام بما لا يليق إلا بالعقلاء؟
وهي لفظة من وقوله: ﴿ هُمْ غافلون ﴾ قلنا إنهم لما عبدوها ونزلوها منزلة من يضر وينفع صح أن يقال فيها إنها بمنزلة الغافل الذي لا يسمع ولا يجيب.
وهذا هو الجواب أيضاً عن قوله إن لفظة من ولفظة ﴿ هُمْ ﴾ كيف يليق بها، وأيضاً يجوز أن يريد كل معبود من دون الله من الملائكة وعيسى وعزير والأصنام إلا أنه غلب غير الأوثان على الأوثان.
واعلم أنه تعالى لما تكلم في تقرير التوحيد ونفي الأضداد والأنداد تكلم في النبوة وبيّن أن محمداً صلى الله عليه وسلم كلما عرض عليهم نوعاً من أنواع المعجزات زعموا أنه سحر فقال وإذا تتلى عليهم الآيات البينة وعرضت عليهم المعجزات الظاهرة سموها بالسحر، ولما بيّن أنهم يسمون المعجزة بالسحر بيّن أنهم متى سمعوا القرآن قالوا إن محمداً افتراه واختلقه من عند نفسه، ومعنى الهمزة في أم للإنكار والتعجب كأنه قيل دع هذا واسمع القول المنكر العجيب، ثم إنه تعالى بيّن بطلان شبهتهم فقال إن افتريته على سبيل الفرض، فإن الله تعالى يعاجلني بعقوبة بطلان ذلك الافتراء وأنتم لا تقدرون على دفعه عن معاجلتي بالعقوبة فكيف أقدم على هذه الفرية، وأعرض نفسي لعقابه؟
يقال فلان لا يملك نفسه إذا غضب ولا يملك عنانه إذا صمم، ومثله: ﴿ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ الله شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ المسيح ابن مَرْيَمَ ﴾ ، ﴿ وَمَن يُرِدِ الله فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ الله شَيْئاً ﴾ ومن قوله صلى الله عليه وسلم: «لا أملك لكم من الله شيئاً».
ثم قال تعالى: ﴿ هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ ﴾ أي تندفعون فيه من القدح في وحي الله تعالى والطعن في آياته وتسميته سحراً تارة وفرية أخرى ﴿ كفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾ يشهد لي بالصدق ويشهد عليكم بالكذب والجحود، ومعنى ذكر العلم والشهادة وعيد لهم على إقامتهم في الطعن والشتم.
ثم قال: ﴿ وَهُوَ الغفور الرحيم ﴾ بمن رجع عن الكفر وتاب واستعان بحكم الله عليهم مع عظم ما ارتكبوه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ بينات ﴾ جمع بينة: وهي الحجة والشاهد.
أو واضحات مبينات.
واللام في ﴿ لِلْحَقِّ ﴾ مثلها في قوله: ﴿ وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْراً ﴾ [الأحقاف: 11] أي لأجل الحق ولأجل الذين آمنوا.
والمراد بالحق: الآيات، وبالذين كفروا: المتلو عليهم، فوضع الظاهران موضع الضميرين؛ للتسجيل عليهم بالكفر، وللمتلوّ بالحق ﴿ لَمَّا جَآءَهُمْ ﴾ أي: بادهوه بالجحود ساعة أتاهم، وأوّل ما سمعوه من غير إجالة فكر ولا إعادة نظر.
ومن عنادهم وظلمهم: أنهم سموه سحراً مبيناً ظاهراً أمره في البطلان لا شبهة فيه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ ﴾ إنْكارُ أنْ يَكُونَ أحَدٌ أضَلَّ مِنَ المُشْرِكِينَ حَيْثُ تَرَكُوا عِبادَةَ السَّمِيعِ البَصِيرِ المُجِيبِ القادِرِ الخَبِيرِ إلى عِبادَةِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهم لَوْ سَمِعَ دُعاءَهُمْ، فَضْلًا أنْ يَعْلَمَ سَرائِرَهم ويُراعِيَ مَصالِحَهم.
﴿ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴾ ما دامَتِ الدُّنْيا.
﴿ وَهم عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ ﴾ لِأنَّهم إمّا جَماداتٌ وإمّا عِبادٌ مُسَخَّرُونَ مُشْتَغِلُونَ بِأحْوالِهِمْ.
﴿ وَإذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهم أعْداءً ﴾ يَضُرُّونَهم ولا يَنْفَعُونَهم.
﴿ وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ ﴾ مُكَذِّبِينَ بِلِسانِ الحالِ أوِ المَقالِ.
وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْعابِدِينَ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ ﴾ <div class="verse-tafsir"
{وَإِذَا حُشِرَ الناس كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَآءً} أي الأصنام لعبدتها {وَكَانُواْ} أي الأصنام {بِعِبَادَتِهِمْ} بعبادة عبدتهم {كافرين} يقولون ما دعوناهم إلى عبادتنا ومعنى الاستفهام في مَنْ أَضَلَّ إنكار أن يكون في الضلال كلهم أبلغ ضلالة من عبدة لأوثان حيث يتركون دعاء السميع المجيب القادر على كل شيء ويدعون من دونه جماد إلا يستجيب لهم ولا قدرة له على استجابة أحد منهم ما دامت الدنيا وإلى أن تقوم القيامة وإذا قامت القيامة وحشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا عليهم ضداً فليسوا في الدارين إلا على نكد ومضرة لا تتولاهم في الدنيا بالاستجابة وفي الآخرة تعاديهم وتجحد عبادتهم ولما أسند إليهم ما يسند إلى أولي العلم من الاستجابة والغفلة قيل من وهم ووصفهم بترك الاستجابة والغفلة طريقه طريق التهكم بها وبعبدتها او نحوه قوله تعالى ان تدعوهم لا يسمعوا د عاءكم وَلَوْ سَمِعُواْ مَا استجابوا لَكُمْ وَيَوْمَ القيامة يكفرون بشرككم
﴿ وإذا حُشِرَ النّاسُ ﴾ عِنْدَ قِيامِ القِيامَةِ ﴿ كانُوا ﴾ أيِ المَعْبُودُونَ ﴿ لَهُمْ ﴾ أيِ العابِدِينَ ﴿ أعْداءً ﴾ شَدِيدِي العَداوَةِ ﴿ وكانُوا ﴾ أيِ المَعْبُودُونَ أيْضًا ﴿ بِعِبادَتِهِمْ ﴾ أيْ بِعِبادَةِ الكَفَرَةِ إيّاهم ﴿ كافِرِينَ ﴾ مُكَذِّبِينَ، والأمْرُ ظاهِرٌ في ذَوِي العُقُولِ.
وأمّا في الأصْنامِ فَقَدْ رُوِيَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَخْلُقُ لَها إدْراكًا ويَنْطِقُها فَتَتَبَرَّأُ عَنْ عِبادَتِهِمْ وكَذا تَكُونُ أعْداءً لَهُمْ، وجُوِّزَ كَوْنُ تَكْذِيبِ الأصْنامِ بِلِسانِ الحالِ لِظُهُورِ أنَّهم لا يَصْلُحُونَ لِلْعِبادَةِ وأنَّهم لا نَفْعَ لَهم كَما تَوَهَّمُوهُ أوَّلًا حَيْثُ قالُوا: ﴿ ما نَعْبُدُهم إلا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ ﴾ ورَجَوُا الشَّفاعَةَ مِنهم.
وفُسِّرَتِ العَداوَةُ بِالضُّرِّ عَلى أنَّها مَجازٌ مُرْسَلٌ عَنْهُ فَمَعْنى ﴿ كانُوا لَهم أعْداءً ﴾ كانُوا لَهم ضارِّينَ، وما ذَكَرْناهُ في بَيانِ الضَّمائِرِ هو الظّاهِرُ، وقِيلَ: ضَمِيرُ (هُمُ) المَرْفُوعُ البارِزُ والمُسْتَتِرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وهم عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ ﴾ لِلْكَفَرَةِ الدّاعِينَ وضَمِيرُ ﴿ دُعائِهِمْ ﴾ لَهم أوْ لِلْمَعْبُودِينَ، والمَعْنى أنَّ الكُفّارَ عَنْ ضَلالِهِمْ بِأنَّهم يَدْعُونَ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهم غافِلُونَ لا يَتَأمَّلُونَ ما عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ، وفِيهِ مِنِ ارْتِكابِ خِلافِ الظّاهِرِ ما فِيهِ، وفي الضَّمائِرِ بَعْدَ نَحْوِ ذَلِكَ، والمَعْنى إذا حُشِرَ النّاسُ كانَ الكُفّارُ أعْداءً لِآلِهَتِهِمُ الباطِلَةِ لِما يَرَوْنَ مِن تَرَتُّبِ العَذابِ عَلى عِبادَتِهِمْ إيّاها وكانُوا لِذَلِكَ مُنْكِرِينَ أنَّهم عَبَدُوا غَيْرَ اللَّهِ تَعالى كَما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهم يَقُولُونَ: ﴿ واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ ﴾ وتُعِقِّبَ بِأنَّ السِّياقَ لِبَيانِ حالِ الآلِهَةِ مَعَهم لا عَكْسِهِ، ولِأنَّ كُفْرَهم حِينَئِذٍ إنْكارٌ لِعِبادَتِهِمْ وتَسْمِيَتُهُ كُفْرًا خِلافُ الظّاهِرِ <div class="verse-tafsir"
قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني: ما تعبدون من الأصنام.
قال القتبي: ما هاهنا في موضع الجمع، يعني: الذين يدعون من الآلهة أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ يعني: أخبروني ما الذي خلقوا من الأرض، كالذي خلق الله تعالى، إن كانوا آلهة أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ يعني: أم لهم نصيب ودعوة في السموات.
يعني: في خلق السموات.
ثم قال ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أي: بحجة لعبادتكم الأصنام في كتاب الله.
ويقال ائتوني بحجة من الله ومن الأنبياء من قبل هذا يعني: مِن قَبْلِ هذا القرآن، الذي أتيتكم به، فيه بيان ما تقولون أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ يعني: رواية تروونها من الأنبياء، والعلماء إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أن الله تعالى، أمَركم بعبادة الأوثان.
قرأ الحسن، وأبو عبد الرحمن السلمي، أَوْ أَثَرَةٍ مِنْ عِلْمٍ.
قال القتبي: هو اسم مبني على فعلة من ذلك، والأول فعالة، والأثرة التذكرة، ومنه يقال: فلان يأثر الحديث أي: يرويه.
وقال قتادة: أَوْ أَثَارَةٍ، يعني: خاصة من علم، ويقال: أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ يؤثر عن الأنبياء والعلماء.
فلما قال لهم ذلك سكتوا.
قوله تعالى وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني: من أشد كفراً ممن يعبد من دون الله آلهة مَنْ لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ يعني: لا يجيبه وإن دعاه إلى يوم القيامة وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ يعني: عن عبادتهم.
ثم بين إجابتهم وحالهم يوم القيامة، فقال تعالى: وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ يعني: إلى البعث كانُوا لَهُمْ أَعْداءً يعني: صارت الآلهة أعداء لمن عبدهم وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ يعني: جاحدين، ويتبرءون منهم وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ يعني: تقرأ عليهم آياتنا واضحات، فيها الحلال والحرام.
ويقال: بينات فيها دلائل واضحات قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ يعني: للقرآن لَمَّا جاءَهُمْ هذا سِحْرٌ مُبِينٌ أي: حين جاءهم هذا سحر بين.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال: أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ يعني: أو عِلْمٍ يؤْثَرُ، أي: يروى ويُنْقَلُ، وإنْ لم يكن مكتوباً، انتهى.
وقوله: أَوْ أَثارَةٍ معناه: أو بَقِيَّةٍ قديمةٍ من عِلْمِ أحد العلماءِ، تقتضي عبادة الأصنام، و «الأثارة» البَقِيَّةُ من الشيء، وقال الحسنُ: المعنى: من عِلْمٍ تستَخْرِجُونَهُ فتثيرونه «١» ، وقال مجاهدٌ: المعنى: هل مِنْ أَحَدٍ يأثر علماً في ذلك «٢» ، وقال القرطبيُّ: هو الإسناد ومنه/ قول الأعشى: من [السريع]
إنَّ الَّذِي فِيهِ تَمَارَيْتُمَا ...
بُيِّنَ لِلسَّامِعِ وَالآثِرِ «٣»
أي: وللمُسْنِدِ عن غيره، وقال ابن عباس «٤» : الأثارة: الخَطُّ في التراب، وذلك شيْءٌ كانَتِ العَرَبُ تفعله، والضمير في قوله: وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ هو للأصنام في قول جماعة، ويحتمل أن يكون لعبدتها.
وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ (٦) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئاً هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٨) قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ وَما أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٩)
وقوله سبحانه: وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَصْفُ ما يكون يومَ القيامةِ بَيْنَ الكُفَّار وأصنامهم من التَّبَرِّي والمُنَاكَرَةِ، وقد بُيِّنَ ذلك في غير هذه الآية.
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا أي: آيات القرآن، قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ يعني: القرآن هذا سِحْرٌ مُبِينٌ أي: يُفَرِّقُ بين المرءِ وَبَنِيهِ.
وقوله سبحانه: قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئاً المعنى: إن افتريته،
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ ﴾ يَعْنِي الأصْنامَ ﴿ وَهم عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ ﴾ لِأنَّها جَمادٌ لا تَسْمَعُ، فَإذا قامَتِ القِيامَةُ صارَتِ الآلِهَةُ أعْداءً لِعابِدِيها في الدُّنْيا.
ثُمَّ ذَكَرَ [بِما] بَعْدَ هَذا أنَّهم يُسَمُّونَ القُرْآنَ سِحْرًا وأنَّ مُحَمَّدًا افْتَراهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ﴾ أيْ: لا تَقْدِرُونَ عَلى أنْ تَرُدُّوا عَنِّي عَذابَهُ، أيْ: فَكَيْفَ أفْتَرِي مِن أجْلِكم وأنْتُمْ لا تَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِ عَذابِهِ عَنِّي؟!
﴿ هُوَ أعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ ﴾ أيْ: بِما تَقُولُونَ في القُرْآنِ وتَخُوضُونَ فِيهِ مِنَ التَّكْذِيبِ والقَوْلِ بِأنَّهُ سِحْرٌ ﴿ كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ ﴾ أنَّ القُرْآنَ جاءَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴿ وَهُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ في تَأْخِيرِ العَذابِ عَنْكم.
وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّما ذَكَرَ هاهُنا الغُفْرانَ والرَّحْمَةَ لِيُعْلِمَهم أنَّ مَن أتى ما أتَيْتُمْ ثُمَّ تابَ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى غَفُورٌ لَهُ رَحِيمٌ بِهِ.
<div class="verse-tafsir"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الأحْقافِ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ، لَمْ يَخْتَلِفْ فِيها إلّا في آيَتَيْنِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللهِ ﴾ الآيَةُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُسُلِ ﴾ الآيَةُ، فَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هاتانِ آيَتانِ مَدَنِيَّتانِ وُضِعَتا في سُورَةٍ مَكِّيَّةٍ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ حم ﴾ ﴿ تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ ﴾ ﴿ ما خَلَقْنا السَماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ ﴾ ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِن الأرْضِ أمْ لَهم شِرْكٌ في السَماواتِ ائْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا أو أثارَةٍ مِن عِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ ﴿ وَمَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللهِ مِن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وهم عن دُعائِهِمْ غافِلُونَ ﴾ ﴿ وَإذا حُشِرَ الناسُ كانُوا لَهم أعْداءً وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ الَّتِي في أوائِلِ السُوَرِ، و ﴿ "تَنْزِيلُ": ﴾ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، أو خَبَرُ ابْتِداءٍ مُضْمَرٌ، و ﴿ "الكِتابِ": ﴾ القُرْآنُ، و"العِزَّةُ" و"الإحْكامُ": صِفَتانِ مُقْتَضِيَتانِ أنَّ مَن هُما لَهُ غالَبَ كُلُّ مَن حادَّهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما خَلَقْنا السَماواتِ ﴾ الآيَةُ مَوْعِظَةٌ وزَجْرٌ، أيْ: فاشْهَدُوا أيُّها الناسُ وانْظُرُوا ما يُرادُ بِكم ولِمَ خُلِقْتُمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ "إلا بِالحَقِّ" ﴾ مَعْناهُ: غَلا بِالواجِبِ الحَسَنِ الَّذِي قَدْ حَقَّ أنْ يَكُونَ، وبِـ"أجَلٍ مُسَمًّى": وقَّتْناهُ وجَعَلْناهُ مَوْعِدًا لِفَسادِ هَذِهِ البِنْيَةِ، وذَلِكَ هو يَوْمُ القِيامَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ ﴾ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، والمَعْنى: عَنِ الإنْذارِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" بِمَعْنى الَّذِي، والتَقْدِيرُ: عن ذِكْرِ الَّذِي أُنْذِرُوا بِهِ والتَحَفُّظُ مِنهُ، أو نَحْوُ هَذا.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ "أرَأيْتُمْ" وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ مُتَعَدِّيَةً، و"ما" مُفَعْوِلَةً بِها، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُنَبِّهَةً لا تَتَعَدّى، وتَكُونُ "ما" اسْتِفْهامًا عَلى مَعْنى التَوْبِيخِ.
و ﴿ "تَدْعُونَ" ﴾ مَعْناهُ: تَعْبُدُونَ، قالَ الفَرّاءُ: وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "مَن تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ"، وقَوْلُهُ تَعالى: "مِنَ الأرْضِ": "مِن": لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّ كُلَّ ما عَلى وجْهِ الأرْضِ مِن حَيَوانٍ ونَحْوِهِ فَهو مِنَ الأرْضِ، ثُمَّ وقَّفَهم عَلى السَماواتِ، هَلْ لَهم فِيها شِرْكٌ؟
ثُمَّ اسْتَدْعى تَعالى مِنهم كِتابًا مُنَزَّلًا قَبْلَ القُرْآنِ يَتَضَمَّنُ عِبادَةَ صَنَمٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أو أثارَةٍ مِن عِلْمٍ ﴾ مَعْناهُ: أو بَقِيَّةٌ قَدِيمَةٌ مِن عِلْمِ أحَدِ العُلَماءِ يَقْتَضِي عِبادَةَ الأصْنامِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "أو أثارَةٍ" ﴾ عَلى المَصْدَرِ، كالشَجاعَةِ والسَماحَةِ، وهي البَقِيَّةُ مِنَ الشَيْءِ كَأنَّها أثَرُهُ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: المَعْنى: مِن عِلْمٍ تَسْتَخْرِجُونَهُ فَتُثِيرُونَهُ، وقالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: هَلْ مِن أحَدٍ يَأْثِرُ عِلْمًا في ذَلِكَ، وقالَ القُرَظِيُّ: هو الإسْنادُ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الأعْشى: إنَّ الَّذِي فِيهِ تَمارَيْتُما ∗∗∗ بَيِّنٌ لِلسّامِعِ والآثِرِ أيْ: ولِلْمُسْنَدِ عن غَيْرِهِ، ومِنهُ قَوْلُ عَمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "فَما خَلَّفْتَ بِها ذاكِرًا ولا آثِرًا"، وقالَ أبُو سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَحْمَنِ، وقَتادَةُ: المَعْنى: وخاصَّةً مِن عِلْمٍ، فاشْتِقاقُها مِنَ الأثَرَةِ، كَأنَّها قَدْ آثَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِها مَن هي عِنْدَهُ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: المُرادُ بِ "الأثارَةِ": الخَطُّ في التُرابِ، وذَلِكَ شَيْءٌ كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ وتَتَكَهَّنُ بِهِ وتَزْجُرُ، وهَذا مِنَ البَقِيَّةِ والأثَرِ، ورُوِيَ «عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ سُئِلَ عن ذَلِكَ، فَقالَ: "كانَ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ يَخُطُّهُ، فَمَن وافَقَ خَطَّهُ فَذاكَ"»، وظاهِرُ الحَدِيثِ يُقَوِّي أمْرَ الخَطِّ في التُرابِ، وأنَّهُ شَيْءٌ لَهُ وجْهٌ إذا وُفِّقَ أحَدٌ إلَيْهِ، وهَكَذا تَأوَّلَهُ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ مَعْناهُ الإنْكارُ، أيْ: أنَّهُ كانَ مِن فِعْلِ نَبِيٍّ قَدْ ذَهَبَ، وذَهَبَ الوَحْيُ إلَيْهِ والإلْهامُ في ذَلِكَ، ثُمَّ قالَ: « "فَمَن وافَقَ خَطَّهُ"» عَلى جِهَةِ الإبْعادِ، أيْ: إنَّ ذَلِكَ لا يُمْكِنُ مِمَّنْ لَيْسَ بِنَبِيٍّ مُيَسِّرٍ لِذَلِكَ، وهَذا كَما يَسْألُكَ أحَدٌ فَيَقُولُ: أيَطِيرُ الإنْسانُ؟
فَتَقُولُ: إنَّما يَطِيرُ الطائِرُ، فَمَن كانَ لَهُ مِنَ الناسِ جَناحانِ طارَ، أيْ: أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ.
والأثارَةُ تُسْتَعْمَلُ في بَقِيَّةِ الشَرَفِ، فَيُقالُ: إنْ لِبَنِي فُلانٍ أثارَةٌ مِن شَرَفٍ، إذا كانَتْ عِنْدَهم شَواهِدُ قِدَمِهِ، وتُسْتَعْمَلُ في غَيْرِ ذَلِكَ، كَقَوْلِ الراعِي: وذاتِ أثارَةٍ أكَلَتْ عَلَيْهِ ∗∗∗ ∗∗∗ نَباتًا في أكِمَّتِهِ فَفارا يُرِيدُ: الأثارَةُ مِنَ الشَحْمِ، أيِ: البَقِيَّةُ.
وقَرَأ عَبْدُ الرَحْمَنِ السِلْمِيُّ -فِيما حَكى الطَبَرِيُّ -: "أو أثَرَةً" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والثاءِ والراءِ دُونَ ألِفٍ، وحَكاها أبُو الفَتْحِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، وعِكْرِمَةَ، وعَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، والأعْمَشِ، وهي واحِدَةٌ جَمْعُها أثَرٍ كَقَتَرَةٍ وقَتَرٍ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ أنَّ عِكْرِمَةَ قَرَأ: "أو مِيراثٍ مِن عِلْمٍ"، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والسِلْمِيُّ -فِيما حَكى أبُو الفَتْحِ-: "أثْرَةً" بِسُكُونِ الثاءِ، وهي الفِعْلَةُ الواحِدَةُ مِمّا يُؤْثَرُ، أيْ: قَدْ قَنَعْتُ لَكم بِحُجَّةٍ واحِدَةٍ وتَخَيُّرٍ واحِدٍ وأثَرٍ واحِدٍ يَشْهَدُ بِصِحَّةِ قَوْلِكُمْ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثاءِ، وهَذِهِ كُلُّها بِمَعْنى: هَلْ عِنْدَكم شَيْءٌ خَصَّكُمُ اللهُ بِهِ مَن عِلْمٍ وآثَرَكم بِهِ؟
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن أضَلُّ ﴾ الآيَةُ تَوْبِيخٌ لِعَبَدَةِ الأصْنامِ، أيْ: لا أحَدَ أضَلُّ مِمَّنْ هَذِهِ صِبْغَتُهُ، وجاءَتِ الكِناياتُ في هَذِهِ الآيَةِ عَنِ الأصْنامِ كَما تَجِيءُ عَمَّنْ يَعْقِلُ، وذَلِكَ أنَّ الكُفّارَ قَدْ أنْزَلُوها مَنزِلَةَ الآلِهَةِ وبِالمَحَلِّ الَّذِي دَوَّنَهُ البَشَرُ، فَخُوطِبُوا عَلى نَحْوِ مُعْتَقَدِهِمْ فِيها، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "ما لا يَسْتَجِيبُ"، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وَهم عن دُعائِهِمْ ﴾ هو لِلْأصْنامِ في قَوْلِ جَماعَةٍ، ووَصَفَ الأصْنامَ بِالغَفْلَةِ مِن حَيْثُ عامَلَهم مُعامَلَةَ مَن يَعْقِلُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَهم عن دُعائِهِمْ ﴾ وفي ﴿ "غافِلُونَ" ﴾ لِلْكُفّارِ، أيْ: ضَلالُهم بِأنَّهم يَدْعُونَ مَن لا يَسْتَجِيبُ فَلا يَتَأمَّلُونَ ما عَلَيْهِمْ في دُعائِهِمْ مَن هَذِهِ صِفَتُهُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كانُوا لَهم أعْداءً ﴾ وصْفٌ لِما يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ بَيْنَ الكُفّارِ وأصْنامِهِمْ مِنَ التَبَرِّي والمُناكَرَةِ، وقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عنهُمْ: ﴿ تَبَرَّأْنا إلَيْكَ ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
اعتراض في أثناء تلقين الاحتجاج، فلما أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يحاجّهم بالدليل وجّه الخطاب إليه تعجيباً من حالهم وضلالهم لأن قوله: ﴿ وإذا حُشر الناس كانوا لهم أعداء ﴾ الخ لا يناسب إلا أن يكون من جانب الله.
و ﴿ مَن ﴾ استفهامية، والاستفهام إنكار وتعجيب.
والمعنى: لا أحد أشدّ ضلالاً وأعجب حالاً ممن يدعون من دون الله من لا يستجيب له دعاءه فهو أقصى حد من الضلالة.
ووجه ذلك أنهم ضلوا عن دلائل الوحدانية وادّعوا لله شركاء بلا دليل واختاروا الشركاء من حجارة وهي أبعد الموجودات عن قبول صفات الخلق والتكوين والتصرف ثم يدعونها في نوائبهم وهم يشاهدون أنها لا تسمع ولا تبصر ولا تجيب ثم سمعوا آيات القرآن توضح لهم الذكرى بنقائص آلهتهم، فلم يعتبروا بها وزعموا أنها سحر ظاهر فكان ضلالهم أقصى حد في الضلال.
و ﴿ من لا يستجيب ﴾ الأصنام عُبّر عن الأصنام باسم الموصول المختص بالعقلاء معاملة للجماد معاملة العقلاء إذْ أسند إليها ما يسند إلى أولي العلم من الغفلة، ولأنه شاع في كلام العرب إجراؤها مجرى العقلاء فكثرت في القرآن مجاراة استعمالهم في ذلك، ومثلُ هذا جعل ضمائر جمع العقلاء في قوله: ﴿ وهم ﴾ وقوله: ﴿ غافلون ﴾ وهي عائدة إلى ﴿ من لا يستجيب ﴾ .
وجَعْلُ يوم القيامة غايةً لانتفاء الاستجابة.
كنايةٌ عن استغراق مدة بقاء الدنيا.
وعبر عن نهاية الحياة الدنيا ب ﴿ يوم القيامة ﴾ لأن الموَاجه بالخبر هو الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنون كما علمت وهم يثبتون يوم القيامة.
وضميرا ﴿ كانوا ﴾ في الموضعين يجوز أن يَعودا إلى ﴿ ممن يدعو من دون الله ﴾ فإن المشركين يعادُون أصنامهم يوم القيامة إذ يجدونها من أسباب شقائهم.
ويجوز أن يعودا إلى ﴿ من لا يستجيب له ﴾ فإن الأصنام يجوز أن تعطى حياة يومئذٍ فتنطق بالتبرّي عن عُبادها ومن عبادتهم إياها، قال تعالى: ﴿ ويوم القيامة يكفرون بشرككم ﴾ [فاطر: 14] وقال: ﴿ ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلّوا السبيل قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ولكن متعتهم وآباءهم حتى نَسُوا الذكر وكانوا قوماً بُوراً فقد كذبوكم بما تقولون ﴾ [الفرقان: 17 19].
ويجوز أن يكون قوله: ﴿ كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين ﴾ جارياً على التشبيه البليغ لمشابهتها للأعداء والمنكرين للعبادة في دلالتها على ما يفضي إلى شقائهم وكذبهم كقوله تعالى: ﴿ وما زادوهم غير تتبيب ﴾ [هود: 101].
وعطف جملة ﴿ وإذا حشر الناس ﴾ الخ على ما قبلها لمناسبة ذكر يوم القيامة.
ومن بديع تفنن القرآن توزيع معاد الضمائر في هذه الآية مع تماثلها في اللفظ وهذا يتدرج في محسِّن الجمع مع التفريق وأدق.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ الأحْقافِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجَمِيعِ إلّا رِوايَةً تَشِذُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ أنَّها كَذَلِكَ إلّا آيَةً مِنها مَدَنِيَّةً وهي ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴾ وقالَ الكَلْبِيُّ: بَلْ هي ﴿ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ ﴾ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ حم ﴾ ﴿ تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ قُضِيَ نُزُولُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ، قالَهُ النَّقّاشُ.
الثّانِي: هَذا الكِتابُ يَعْنِي القُرْآنَ تَنْزِيلٌ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ، قالَهُ الحَسَنُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: إلّا بِالصِّدْقِ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.
الثّانِي: إلّا بِالعَدْلِ، وهو مَأْثُورٌ.
الثّالِثُ: إلّا لِلْحَقِّ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الرّابِعُ: إلّا لِلْبَعْثِ، قالَهُ يَحْيى.
﴿ وَأجَلٍ مُسَمًّى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أجَلُ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّهُ الأجَلُ المَقْدُورُ لِكُلِّ مَخْلُوقٍ، وهو مُحْتَمَلٌ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ ﴾ قَرَأ الحَسَنُ وطائِفَةٌ مَعَهُ ﴿ أوْ أثارَةٍ ﴾ وفي تَأْوِيلِ ﴿ أوْ أثارَةٍ ﴾ وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: رِوايَةٌ مِن عِلْمٍ، قالَهُ يَحْيى.
الثّانِي: بَقِيَّةٌ، قالَهُ أبُو بَكْرِ بْنُ عَيّاشٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ وذاتِ أثارَةٍ أكَلَتْ عَلَيْها نَباتًا في أكِمَّتِهِ قَفارًا أيْ بَقِيَّةٍ مِن شَحْمٍ.
الثّالِثُ: أوْ عِلْمٌ تُأْثِرُونَهُ عَنْ غَيْرِكم، قالَهُ مُجاهِدٌ.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أوِ اجْتِهادٌ بِعِلْمٍ، لِأنَّ أثارَةَ العِلْمِ الِاجْتِهادُ.
وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أوْ مُناظَرَةٌ بِعِلْمٍ لِأنَّ المُناظِرَ في العِلْمِ مُثِيرٌ لِمَعانِيهِ.
وَمَن قَرَأ ﴿ أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ ﴾ فَفي تَأْوِيلِهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ الخَطُّ، وقَدْ رَواهُ ابْنُ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ .
الثّانِي: مِيراثٌ مِن عِلْمٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الثّالِثُ: خاصَّةٌ مِن عِلْمٍ، قالَهُ قَتادَةُ.
الرّابِعُ: أوْ بَقِيَّةٌ مِن عَلِمٍ، قالَهُ عَطِيَّةُ.
الخامِسُ: أثَرَةٌ يَسْتَخْرِجُهُ فَيُثِيرُهُ، قالَهُ الحَسَنُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج أحمد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن ابن عباس «عن النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ أو أثارة من علم ﴾ قال: الخط» .
وأخرج الفريابي، وعبد بن حميد، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والخطيب من طريق أبي سلمة عن ابن عباس ﴿ أو أثارة من علم ﴾ قال: هذا الخط.
وأخرج سعيد بن منصور من طريق صفوان بن سليم عن عطاء بن يسار قال: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخط فقال: علمه نبي ومن كان وافقه علم.
قال: صفوان: فحدثت به أبا سلمة بن عبد الرحمن فقال: سألت ابن عباس فقال: ﴿ أو أثارة من علم ﴾ » .
وأخرج عبد بن حميد، وابن مردويه عن أبي هريرة قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كان نبي من الأنبياء يخط فمن صادف مثل خطه علم» .
وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ أو أثارة من علم ﴾ قال: حسن خط.
وأخرج الطبراني في الأوسط، والحاكم من طريق الشعبي عن ابن عباس ﴿ أو أثارة من علم ﴾ قال: جودة الخط.
وأخرج ابن جرير من طريق أبي سلمة عن ابن عباس في قوله: ﴿ أو أثارة من علم ﴾ قال: خط كان تخطه العرب في الأرض.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ أو أثارة من علم ﴾ قال: أو خاصة من علم.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ أو أثارة من علم ﴾ يقول: بينة من الأمر.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ أو أثارة من علم ﴾ قال: أحد يأثر علماً وفي قوله: ﴿ هو أعلم بما تفيضون فيه ﴾ قال: تقولون.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ ﴾ ، وهذا كقوله: ﴿ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا ﴾ وقد مر.
قال ابن عباس: يريد الملائكة وعيسى وعزير وكل ما عبد من دون الله أعداء لمن عبدهم (١) ﴿ وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ ﴾ ؛ لأنهم يقولون: ما دعوناهم إلى عبادتنا وتبرؤوا من عبادتهم كما قال: ﴿ تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ ﴾ .
(١) لم أقف عليه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِذَا حُشِرَ الناس كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَآءً ﴾ أي كان الأصنام أعداء للذين عبدوها ﴿ وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ ﴾ الضمير في كانوا للأصنام: أي تتبرأ الأصنام من الذين عبدوها، وإنما ذكر الأصنام بضمائر مثل ضمائر العقلاء لأنه أسند إليهم ما يسند إلى العقلاء، من الاستجابة والغفلة والعداوة.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ لتنذر ﴾ على الخطاب: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وسهل ويعقوب.
الباقون: على الغيبة.
والضمير للكتاب ﴿ إحساناً ﴾ : حمزة وعلي وخلف وعاصم.
الباقون: ﴿ حسناً ﴾ ﴿ كرهاً ﴾ في الموضعين بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وجبلة وهشام.
الباقون: بالضم وفصله يعقوب.
الآخرون ﴿ وفصاله ﴾ ﴿ أوزعني أن ﴾ بالفتح: إبن كثير غير القوّاس والنجاري عن ورش وقالون غير الحلواني ﴿ نتقبل ﴾ بالنون ﴿ أحسن ﴾ بالنصب ﴿ ونتجاوز ﴾ بالنون: حمزة وعلي وخلف وحفص.
الآخرون بياء الغيبة مبنياً للمفعول في الفعلين ﴿ أحسن ﴾ بالرفع ﴿ أف ﴾ بالكسر والتنوين: أبو جعفر ونافع وحفص والمفضل.
وقرأ ابن كثير بالفتح من غير تنوين.
الباقون: بالكسر ولا تنوين ﴿ أتعدانني أن ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وقرأ هشام مدغمة النون ﴿ وليوفيهم ﴾ بالياء: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم.
الباقون: بالنون ﴿ أءذهبتم ﴾ بتحقيق الهمزتين: ابن ذكوان ﴿ آذهبتم ﴾ بالمدّ: ابن كثير ويزيد وسهل ويعقوب وهشام.
الباقون: بهمزة واحدة.
الوقوف: ﴿ حم ﴾ ه كوفي ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ مسمى ﴾ ط ﴿ معرضون ﴾ ه ﴿ السموات ﴾ ه لانتهاء الاستفهام إلى الخطاب ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ غافلون ﴾ ه ﴿ كافرين ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه لأن "أم" تتضمن استفهام إنكار ﴿ افتراه ﴾ ط ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ وبينكم ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ بكم ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ط ﴿ واستكبرتم ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ إليه ﴾ ط ﴿ قديم ﴾ ه ﴿ ورحمة ﴾ ط ﴿ للمحسنين ﴾ ه ﴿ يحزنون ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ج لأن ﴿ جزاء ﴾ يصلح مفعولاً له ومفعول فعل محذوف أي يجزون جزاء ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ إحساناً ﴾ ط ﴿ ووضعته كرهاً ﴾ ط ﴿ شهراً ﴾ ط ﴿ سنة ﴾ لا لأن ما بعده جواب "إذا" ﴿ ذرّيتي ﴾ ط للابتداء بإن مع اتحاد الكلام ﴿ المسلمين ﴾ ه ﴿ الجنة ﴾ ط لأن التقدير وعد لله وعداً صدقاً وهو مصدر مؤكد لأن قوله ﴿ نتقبل ﴾ في معنى الوعد ﴿ يوعدون ﴾ ه ﴿ الأوّلين ﴾ ه ﴿ والإنس ﴾ ط ﴿ خاسرين ﴾ ه ﴿ عملوا ﴾ ج لأن الواو تكون مقحمة ويتصل اللام بما قبله وقد يكون المعلل محذوفاً كأنه قيل: وليوفيهم أعمالهم قدّر جزاءهم على مقادير أعمالهم ﴿ لا يظلمون ﴾ ه ط لتقدير القول وهو العامل في يوم ﴿ بها ﴾ ج لابتداء التهديد مع الفاء ﴿ تفسقون ﴾ ه.
التفسير: إنما كرر تنزيل الكتاب لأنه بمنزلة عنوان الكتب ثم ذكر ما أنزل فقال ﴿ ما خلقنا ﴾ إلى قوله ﴿ وأجل مسمى ﴾ وقد مر في أوّل "الروم" أنه الوقت الذي عينه لإفناء الدنيا.
وحين بين الدليل على وجود الإله ووقوع الحشر فرع عليه الردّ على عبدة الأوثان بقوله ﴿ قل أرأيتم ﴾ وقد مر في "فاطر".
والمراد أنهم لا يستحقون العبادة أصلاً لأنهم ما خلقوا شيئاً في هذا العالم لا في الأرض ولا في السماء، ولم يدل وحي من الله على عبادتهم لأن هذا القرآن ناطق بالتوحيد وإبطال الشرك وما من كتاب قبله إلا هو ناطق بمثل ذلك.
فقوله ﴿ ائتوني ﴾ من باب إرخاء العنان وتوسيع المجال على الخصم أي إن كنتم في شك مما قلت فقد أمهلتكم حتى تأتوني بعد الاستقراء ﴿ بكتاب ﴾ فيه شيء من ذلك ﴿ أو أثارة من علم ﴾ قال الواحدي: كلام أهل اللغة في تفسير هذا الحرف يدور على ثلاثة أوجه: أحدها البقية من قولهم "سمنت الناقة على إثارة من شحم" أي على بقية شحم كانت بها من شحم ذاهب.
والثاني أنه من الأثر بمعن الرواية.
والثالث من الأثر بمعنى العلامة والمراد ما بقي أو روي عن أسلافهم ويعدّونه علماً.
عن ابن عباس مرفوعاً أنه الخط.
قال: كان نبي من الأنبياء يخط فمن صادف مثل خطه علم علمه.
ثم زاد في تبكيتهم وتوبيخهم بقوله ﴿ ومن أضل ﴾ الآية.
وبالجملة فالدليل الأوّل دل على نفي القدرة عنهم من كل الوجوه، وهذا الدليل دل على نفي العلم عنهم من كل الوجوه، فإذا انتفى العلم والقدرة عن الجسم لم يكن إلا جماداً وعبادة الجماد محض الضلال.
وقوله ﴿ إلى يوم القيامة ﴾ تأبيد على عادة العرب، ويحتمل أن يكون توقيتاً بدليل قوله ﴿ وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء ﴾ وهذا التبري والتخاطب نوع من الاستجابة.
ثم قرر غاية عنادهم بقوله ﴿ وإذا تتلى ﴾ ثم عجب من حالهم بقوله ﴿ أم يقولون افتراه ﴾ الآية أي إن كذبت على الله كما زعمتم عاجلني بالعقوبة فلا تقدرون على دفع عذابه عني فأي فائدة لي في الافتراء.
ثم فوّض أمرهم إلى الله قائلاً ﴿ هو أعلم بما تفيضون ﴾ أي تتدفعون فيه من القدح في الوحي، وتسميته سحراً تارة وافتراء أخرى وفي قوله ﴿ وهو الغفور الرحيم ﴾ إشارة إلى أنهم لو رجعوا إلى الحق وتابوا عن الشرك قبل الله توبتهم، وفيه إشعار بحلم الله عنهم مع عظم ما ارتكبوه.
ثم أراد أن يزيل شبهتهم بنوع آخر من البيان فقال ﴿ قل ما كنت بدعاً ﴾ هو بمعنى البديع كالخف بمعنى الخفيف أي لست بأوّل رسول أرسله الله ولا جئتكم بأمر بديع لم يكن إلى مثله سابق.
وفيه إن اقتراح الآيات الغريبة فيه غير موجه لأنه لا يتبع إلا الوحيوما هو إلا نذير وليس إليه أن يأتي بكل ما يقترح عليه، وفيه أنه غير عالم بالمغيبات إلا بطريق الوحي فلا وجه لاستدعاء الغيوب عنه سواء تتعلق بأحوال الدنيا أو بأحوال الآخرة من الأحكام والتكاليف وما يؤل أمر المكلفين إليه، وفيه أنه لا وجه لتعييره بالفقر وبأكل الطعام والمشي في الأسواق والرسل كلهم أو جلهم كانوا كذلك.
قال ابن عباس في رواية الكلبي: لما أشتدّ البلاء على أصحاب رسول الله رأى في المنام أنه يهاجر إلى أرض ذات نخل وشجر فقصها على أصحابه فاستبشروا بذلك، ثم إنهم مكثوا برهة من الدهر لا يرون أثر ذلك فقالوا: يا رسول الله ما رأينا الذي قلت ومتى تهاجر؟
فسكت رسول الله وأنزل الله الآية.
وعنه في رواية أخرى أنه لما نزلت هذه الآية فرح المشركون والمنافقون واليهود وقالوا: كيف نتبع نبياً لا يدري ما يفعل به ولا بأمته، فأنزل الله ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ﴾ إلى قوله ﴿ فوزاً عظيماً ﴾ فبين الله ما يفعل به وبأمته ونسخت هذه الآية.
والأصح عند العلماء أنه لا حاجة إلى التزام النسخ، فإن الدراية المفصلة غير حاصلة، وعلى تقدير حصولها فإنه لم ينف إلا الدراية من قبل نفسه، وما نفي الدراية من جهة الوحي.
وقوله ﴿ ولا بكم ﴾ في حيز النفي ولا أدري ما يفعل بكم.
و "ما" موصولة أو استفهامية، ومحل الأولى نصب، والثانية رفع.
ثم قرر أنه لا أظلم منهم فقال ﴿ قل أرأيتم ﴾ الآية.
وقد مر نظيره في آخر "حم السجدة" إلا أنه زاد ههنا حديث الشاهد وفيه أقوال: أحدها أنه عبد الله بن سلام لما قدم رسول الله المدينة نظر إلى وجهه وتأمله فتحقق أنه النبي المنتظر فآمن به.
وعن سعد بن أبي وقاص: ما سمعت رسول الله يقول لأحد يمشي على الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام وفيه نزل ﴿ وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله ﴾ على مثل القرآن.
والمعنى وهو ما في التوراة من المعاني المطابقة للقرآن من التوحيد والمعاد.
وعلى هذا فقوله ﴿ على مثله ﴾ يتعلق بشاهد أي ويشهد على صحة القرآن.
ويجوز أن يعود الضمير في ﴿ مثله ﴾ إلى المذكور وهو كونه من عند الله، فيكون الجار متعلقاً بـ ﴿ شهد ﴾ قال جار الله: الواو الأخيرة عاطفة ﴿ لاستكبرتم ﴾ على ﴿ شهد ﴾ وأما الواو في ﴿ وشهد ﴾ فقد عطفت جملة قوله ﴿ وشهد ﴾ إلى آخره على جملة قوله ﴿ كان من عند الله وكفرتم به ﴾ والمعنى أخبروني إن اجتمع كون القرآن من عند الله مع كفركم به واجتمع شهادة أعلم بني إسرائيل على نزول مثله وإيمانه به مع استكباركم عنه، ألستم أضل الناس وأظلمهم؟
يدل على هذا الجواب المحذوف قوله ﴿ إن الله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ قلت: هذا كلام حسن.
ويجوز أن يكون قوله ﴿ واستكبرتم ﴾ معطوفاً على قوله ﴿ فآمن ﴾ .
ويجوز أن يكون الواو في ﴿ وشهد ﴾ للحال بإضمار "قد".
قال: وقد جعل الإيمان في قوله ﴿ فآمن ﴾ مسبباً عن الشهادة لأنه لما علم أن مثله أنزل على موسى وأنصف من نفسه اعترف بصحته وآمن.
القول الثاني ما ذكر الشعبي في جماعة أن السورة مكية وقد أسلم ابن سلام بالمدينة، فالشاهد هو موسى وشهادته هو ما في التوراة من بعث محمد وإيمانه تصديقه ذلك.
القول الثالث أن الشاهد ليس شخصياً معيناً وتقدير الكلام لو أن رجلاً منصفاً عارفاً بالتوراة أقر بذلك واعترف به ثم آمن بمحمد واستكبرتم أنتم، ألم تكونوا ظالمين ضالين؟
والمقصود أنه ثبت بالمعجزات القاهرة أن هذا الكتاب هو من عند الله، وثبت بشهادة الثقات أن التوراة مشتملة على البشارة بمقدم النبي ، ومع ثبوت هذين الأمرين كيف يليق بالعاقل إنكار نبوته؟
ثم ذكر شبهة أخرى لهم وهي أنهم قالوا ﴿ للذين آمنوا ﴾ أي لأجلهم وفي حقهم ﴿ لو كان ﴾ ما أتى به محمد ﴿ خيراً ما سبقونا إليه ﴾ وقيل: اللام كما في قولك "قلت له".
وضعف بأنه لو كان كذلك لقيل ما سبقتمونا إليه.
وأجيب بأنه وارد على طريقة الالتفات، أو المراد أن الكفار لما سمعوا أن جماعة آمنوا برسول الله خاطبوا جماعة من المؤمنين الحاضرين بأنه لو كان هذا الدين خيراً لما سبقنا إليه أولئك الغائبون.
قال المفسرون: لما أسلمت جهينة ومزينة وأسلم وغفار قالت بنو عامر وغطفان وأسد وأشجع: لو كان ما دخل فيه هؤلاء من الدين خيراً ما سبقونا إليه، ونحن أرفع منهم حالاً وأكثر مالاً وهؤلاء رعاة الغنم.
وقيل: قاله أغنياء قريش للفقراء المؤمنين كعمار وصهيب وابن مسعود.
وقيل: هم اليهود قالوه عند إسلام عبد الله بن سلام وأصحابه.
والعامل في قوله ﴿ وإذ لم يهتدوا به ﴾ محذوف وهو ظهر عنادهم وذلك أن "إذ" للمضي، والسين للاستقبال وبينهما تدافع.
والإفك القديم كقولهم أساطير الأوّلين.
وقيل: كذب ككذب عيسى قوله ﴿ ومن قبله كتاب موسى ﴾ خبر ومبتدأ وقوله ﴿ إماماً ﴾ أي قدوة يؤتم به في أصول شرائع الله، نصب على الحال كقولك "في الدار زيد قائماً".
وقوله ﴿ لساناً عربياً ﴾ حال من ضمير الكتاب في ﴿ مصدّق ﴾ أي لما بين يديه وهو العامل فيه ويجوز أن يكون حالاً من ﴿ كتاب ﴾ لأنه موصوف والعامل معنى الإشارة.
وجوز أن يكون مفعولاً ﴿ لصدّق ﴾ على حذف المضاف أي يصدّق ذا لسان عربي هو الرسول.
قوله ﴿ وبشرى ﴾ معطوف على محل ﴿ لتنذر ﴾ لأنه مفعول له.
وحين قرر دلائل التوحيد والنبوة وذكر شبه المنكرين مع أجوبتها، أراد أن يذكر طريقة المحقين فقال ﴿ إن الذين قالوا ﴾ الآية.
وقد مر في "حم السجدة" إلا أنه رفع واسطة الملائكة ههنا من البين.
ثم إن أعظم أنواع الاستقامة كان هو الشفقة على خلق الله ولا سيما على الوالدين فلذلك قال ﴿ ووصينا ﴾ الآية.
وقد مرّ في "الروم" و "لقمان".
والكره بالضم، والفتح المشقة أي ذات كره أو حملاً ذاكره.
والفصل والفصال كالفطم والفطام بناء ومعنى، والمقصود بيان مدّة الرضاع.
ولما كان منتهياً بالفصال صح التعبير عن آخر الرضاع بالفصال، والفائدة فيه الدلالة على الرضاع التام المنتهي بالفصال.
وقد يستدل من هذه الآية ومن قوله { ﴿ والوالدت يرضعن أولادهن حولين كاملين ﴾ أن مدة الحمل ستة أشهر.
وعن عمر أن امرأة ولدت لستة أشهر فرفعت إليه فأمر برجمها، فأخبر علياً رضى الله عنه بذلك فمنعه محتجاً بالآية فصدّقه عمر وقال: لولا عليّ لهلك عمر.
قال جالينوس: إني كنت شديد الفحص عن مقادير أزمنة الحمل فرأيت امرأة ولدت في المائة والأربع والثمانين ليلة.
وزعم أبو علي بن سينا أنه شاهد ذلك.
وذكر أهل التجارب قاعدة كلية قالوا: إن لتكوّن الجنين زماناً مقدّراً، فإذا تضاعف ذلك الزمان تحرك الجنين، ثم إذا انضاف إلى المجموع مثلاه انفصل الجنين.
وعلى هذا فلو تمت خلقة الجنين في ثلاثين يوماً فإذا أتى عليه مثل ذلك أي تصير مدة علوقه ستين تحرك، فإذا انضاف إلى هذا المقدار مثلاه وهو مائة وعشرون وصار المبلغ مائة وثمانين انفصل، ولو تمت خلقته في خمسة وثلاثين يوماً تحرك في سبعين وانفصل في مائتين وعشرة وهو سبعة أشهر، ولو تمت خلقته في أربعين تحرك في ثمانين وانفصل في مائتين وأربعين وهو ثمانية أشهر، وقلما يعيش هذا المولود إلا في بلاد معينة مثل مصر، وقد مرّ هذا المعنى في هذا الكتاب.
ولو تمت في خمسة وأربعين تحرك في تسعين وأنفصل في مائتين وسبعين وهي تسعة أشهر وهو الأكثر، أما أكثر مدّة الحمل فليس يعرف له دليل من القرآن.
وذكر أبو علي بن سينا في كتاب الحيوان من الشفاء في الفصل السادس من المقالة التاسعة، أن امرأة ولدت بعد الرابع من سني الحمل ولداً قد نبتت أسنانه وعاش.
وعن أرسطا طاليس أن زمان الولادة لكل الحيوان مضبوط سوى الإنسان.
هذا وقد روى الواحدي في البسيط عن عكرمة أنه قال: إذا حملت تسعة أشهر أرضعته أحداً وعشرين شهراً.
وعلى هذا قوله ﴿ حتى إذا بلغ أشدّه ﴾ أكثر المفسرين كما مر في آخر "الأنعام" وأوّل "يوسف" و "القصص".
على أن وقت الأشد هو زمان الوصول إلى آخر سن النشوء والنماء وهو ثلاث وثلاثون سنة تقريباً، وإن في الأربعين يتم الشباب وتأخذ القوى الطبيعية والحيوانية في الانتفاص، والقوّة العقلية والنطقية في الاستكمال، وهذا أحد ما يدل على أن النفس غير البدن ومن جملة الكمال أنه حينئذ يقول ﴿ رب أوزعني ﴾ أي ألهمني ووفقني كما مر في "النمل".
قال علماء المعاني: قوله ﴿ في ذرّيتي ﴾ كقوله "يجرح في عراقيبها نصلي" فكأنه سأل أن يجعل ذرّيته موقعاً للصلاح ومظنة له.
وقوله ﴿ أحسن ما عملوا ﴾ إما بمعنى الحسن أو المراد الواجب والندب دون المباح.
وقوله ﴿ في أصحاب الجنة ﴾ في موضع الحال أي معدودين فيهم.
عن ابن عباس وجم غفير من المفسرين أن الآية نزلت في أبي بكر الصدّيق، وفيه أبيه أبي قحافة وأمه أم الخير، وفي أولاده واستجابة دعائه فيهم، ولم يكن أحد من الصحابة المهاجرين والأنصار أسلم هو ووالداه وبنوه وبناته غير أبي بكر.
قالوا: ومما يؤيد هذا القول أنه حكى عن ذلك الإنسان أنه قال بعد أربعين سنة رب أوزعني الخ.
ومعلوم أنه ليس كل إنسان قد يقول هذا القول.
والأظهر أن هذا عام لهذا الجنس، وأن الإنسان قد يقول هذا القول ولا أقل من أن يكون وارداً على طريقة الإرشاد والتعليم.
سلمنا ولكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
قوله ﴿ والذي قال ﴾ مبتدأ خبره ﴿ أولئك ﴾ والمراد بالذي جنس القائل فلذلك أورد الخبر مجموعاً.
ويجوز أن يكون الخبر عاماً في القائل وفي أمثاله فيندرج فيه القائل.
وقيل: تقديره واذكر الذي ومن القائل.
عن الحسن وقتادة: هو الكافر العاق لوالديه المكذب بالبعث.
وذهب السدّي إلى أن الآية نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر قبل إسلامه وأنه كان يقول ﴿ لوالديه أف لكما ﴾ وهي كلمة تضجر وتبرم كما مر في "سبحان" و "الأنبياء" ﴿ أتعدانني أن أخرج ﴾ من القبر ﴿ وقد خلت القرون من قبلي ﴾ فلم يرجع أحدهم ﴿ وهما ﴾ يعني أبويه ﴿ يستغيثان الله ﴾ أي بالله فحذف الجار وأوصل الفعل والمراد يسألانه أن يوفقه للإيمان ويقولان له ﴿ ويلك آمن ﴾ بالله وبالبعث.
والمراد بالدعاء عليه الحث والتحريض على الإيمان لا حقيقة الهلاك.
قال السدّي: فاستجاب الله دعوة أبي بكر فيه فأسلم وحسن إسلامه ولما أسلم نزل فيه ﴿ ولكل درجات مما عملوا ﴾ وأكثر المفسرين ينكرون هذا القول لأنه قال فيه ﴿ أولئك الذين حق عليهم القول ﴾ كائنين ﴿ في أمم ﴾ إلى آخره.
وأن عبد الرحمن لم يبق كافراً بل كان من سادات المسلمين.
وروي عن عائشة إنكاره إيضاً.
وذلك أنه حين كتب معاوية إلى مروان بن الحكم ابن أبي العاص بأن يبايع الناس ليزيد، ردّ عليه عبد الرحمن وقال مروان: يا أيها الناس هو الذي قال الله فيه ﴿ والذي قال لوالديه ﴾ فسمعت عائشة فغضبت وقالت: والله ما هو به ولكن الله لعن أباك وأنت في صلبه.
ثم ميز حال المؤمن من حال الكافر بقوله ﴿ ولكل ﴾ أي من الجنسين ﴿ درجات ﴾ من جزاء ما عملوا فغلب أهل الدرجات على أهل الدركات، أو الدرجات هي المراتب متصاعدة أو متنازلة، والباقي واضح مما مرّ.
والاستكبار عن قبول الحق ذنب القلب، والفسق عمل الجوارح، والأوّل أولى بالتقديم لعظم موقعه.
وقد يحتج بالآية على أن الكفار مخاطبون بالفروع.
قال مؤلف الكتاب: والأشياء الطيبة اللذيذة غير منهي عنها لقوله ﴿ قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ﴾ ولكن التقشف وترك التكلف دأب الصالحين لئلا يشتغل بغير المهم عن المهم، ولأن ما عدا الضروري لا حصر له وقد يجر بعضه بعضاً إلى أن يقع المرء في حدّ البعد عن الله.
وفي الحديث أن رسول الله دخل على أهل الصفة وهم يرقعون ثيابهم بالأدم ما يجدون لها رقاعاً فقال: " أنتم اليوم خير أم يوم يغدو أحدكم في حلة ويروح في أخرى ويغدى عليه بجفنة ويراح عليه بأخرى ويستر البيت كما تستر الكعبة؟
قالوا: نحن يومئذ خير.
قال: بل أنتم اليوم خير." وعن عمر لو شئت لكنت أطيبكم طعاماً وأحسنكم لباساً ولكنني أستبقي طيباتي لأن الله وصف قوماً فقال ﴿ أذهبتم طيباتكم ﴾ وعنه أن رجلاً دعاه إلى طعام فأكل ثم قدّم شيئاً حلوا فامتنع وقال: رأيت الله نعى على قوم شهواتهم فقال ﴿ أذهبتم ﴾ الآية.
فقال الرجل: اقرأ يا أمير المؤمنين ما قبلها ﴿ ويوم يعرض الذين كفروا ﴾ ولست منهم فأكل وسرّه ما سمع.
والتحقيق أن المراد هو أنه ما كتب للكافر حظ من الطيبات إلا الذي أصابه في دنياه، وليس في الآية إن كل من أصاب الطيبات في الدنيا فإنه لا يكون له منها حظ في الآخرة والله أعلم بالصواب.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ حـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ ﴾ قد ذكرنا تأويله فيما تقدم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ ﴾ .
قوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ ﴾ أي: [ما] خلق السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق الذي صار [به] إنشاء ذلك وخلقه حكمة؛ لأنه لو كان الأمر على ما ظن أولئك الكفرة وتوهموا بأن لا بعث ولا جزاء من ثواب وعقاب كان إنشاء ما ذكر من السماوات والأرض وخلق ذلك كله - عبثاً باطلا على ما تقدم ذكره في غير موضع، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَمَّآ أُنذِرُواْ مُعْرِضُونَ ﴾ يحتمل ﴿ عَمَّآ أُنذِرُواْ مُعْرِضُونَ ﴾ وجوها: أحدها: أي: بما ألزمهم من النظر والتفكر فيما ذكر من خلق السماوات والأرض، وما أنشأ فيهما من المنافع، وجعل ذلك لهم آية، لم يفعل ذلك كله عبثاً باطلا، ولكن لعاقبة تقصد، ولأمر يراد؛ إذ عرفوا بعقولهم: أنه لا يجوز خلق الخلق على أن يهملوا ويتركوا سدى لا يؤمرون، ولا ينهون، ولا يمتحنون، فأعرضوا عما ألزمهم من النظر والتفكر في ذلك فهم معرضون إعراض ترك النظر والتفكر، والله أعلم.
والثاني: ما أنذروا بما نزل بمن تقدمهم من مكذبي الرسل، عليهم السلام.
والثالث: بما أنذر وأوعد لهم من العذاب في الآخرة، فهم معرضون عن ذلك كله، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَـٰذَآ أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ يحتمل أن يكون ما ذكر كله موصولا بعضه ببعض.
ويحتمل أن يكون بعضه مفصولا عن بعض.
فإن كان على الوصل، فكأنه يقول: أرأيتم ما تعبدون من دون الله من الأصنام وتدعونها آلهة: هل خلقوا مما لكم من المنافع، ومما به حياتكم وقوامكم ومعاشكم مما يخرج [من] الأرض، أو هل ينزلون لكم من المنافع التي جعلت لكم في السماء من الأمطار وغيرها.
أو هل أتاكم كتاب من عند الله فيه أنه أمركم بعبادة من تعبدونه ﴿ أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ ﴾ هو يخرج على وجهين: أحدهما: أو جاءكم من الحكماء الأولين المتقدمين كتاب أو قول فيه الأمر بذلك، واستخرجتم من العلوم ذلك؛ ففعلتم به؟
يقول - والله أعلم -: إن الأسباب التي تحمل الناس على العبادة والخدمة لهم هذه الوجوه: إما منافع تتصل بهم منهم مما به قوامهم ومعاشهم وحياتهم وإما كتاب من الله - - فيه حجة لهم، وأمر لهم في ذلك، أو كتاب من الحكماء والرسل يأمرون لهم، وهم قوم لا يؤمنون بالرسل، ولا بالكتاب، وليست لهم علوم مستخرجة من العلوم، يقول: ليس لكم [شيء] مما ذكر من الأسباب والعلوم فبم عبدتموها؟
وكيف اخترتم عبادتها على عبادة من عرفتم أن ما به قوامكم وحياتكم منه؟!
والله أعلم.
وإن كان مفصولا من بعض فيكون كأنه يقول: ﴿ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأَرْضِ ﴾ من المنافع وغيرها، ﴿ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ ﴾ فيما ذكر؟
فإن قالوا: قد خلقوا ما ذكر، ولهم شرك فيما ذكر، فقل لهم ﴿ ٱئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَـٰذَآ ﴾ من كتاب الحكماء أو العلوم المستخرجة من العلوم ﴿ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ أنهم خلقوا ما ذكرتم، أو لهم شرك فيما ذكر - والله أعلم - وقد علموا أنهم لا يقدرون أن يرونه ما ذكر؛ لما لم يكن لهم من هذه الأسباب شيء؛ إذ هي أسباب العلم، وقد عجزوا عن ذلك كله.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ ﴾ قال بعضهم: أو خاصة من علم.
وقال بعضهم: أو بقية من علم أوائلهم؛ وهو قول القتبي؛ أي: بقية من علم يؤثر عن الأولين، ويقرأ ﴿ أثرة ﴾ و ﴿ إثارة ﴾ ، وأصله ما ذكرنا من الوجهين: أحدهما: كتاب الحكماء والرسل.
والثاني: العلوم المستخرجة من سائر العلوم.
وقال بعضهم: ﴿ أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ ﴾ هو الخط؛ وهو قول ابن عباس، .
وذكر عن النبي قال: "كان نبي من الأنبياء - عليهم السلام - يخط، فمن صادف مثل خطه علم" وقال أبو عوسجة: ﴿ أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ ﴾ أي: قديم من علم، قال: ذا الأثارة: الشحم القديم.
وقيل: ﴿ أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ ﴾ أي: رواية عن الأنبياء عليهم السلام.
ثم ذكر سفههم وبين نهاية تعنتهم، وهو قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ ؛ لأنه لا يملك إجابته ولا يحتمل ذلك.
والثاني: لا يستجيب له إلى يوم القيامة، ثم إذا جاء به يوم القيامة أجابه باللعن والتبري، كقوله - -: ﴿ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ ﴾ ، وقوله - -: ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ ﴾ ، وغير ذلك من الآيات التي فيها ذكر تبرى بعضهم من بعض، ولعن بعضهم بعضاً، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ غَافِلُونَ ﴾ لم يكن منهم لهم أمر بذلك ولا دعاء ولا شيء من ذلك، كقوله - -: ﴿ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَآءً وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ ﴾ هو ما ذكرنا أنه يصير بعضهم لبعض أعداء يتبرءون منهم، ويلعنونهم، ويكفرون بعبادتهم.
<div class="verse-tafsir"
ومع كونها لا تنفعهم في الدنيا فإنهم إذا حُشِروا يوم القيامة يكونون أعداء لمن كانوا يعبدونهم، ويتبرؤون منهم، وينكرون أنهم كانوا على علم بعبادتهم إياهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.pGg48"