الإسلام > القرآن > سور > سورة 51 الذاريات > الآية ١٧ من سورة الذاريات
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 115 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٧ من سورة الذاريات: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.
( كانوا قليلا من الليل ما يهجعون ) ، اختلف المفسرون في ذلك على قولين : أحدهما : أن " ما " نافية ، تقديره : كانوا قليلا من الليل لا يهجعونه .
قال ابن عباس : لم تكن تمضي عليهم ليلة إلا يأخذون منها ولو شيئا .
وقال قتادة ، عن مطرف بن عبد الله : قل ليلة تأتي عليهم لا يصلون فيها لله عز وجل ، إما من أولها وإما من أوسطها .
وقال مجاهد : قل ما يرقدون ليلة حتى الصباح لا يتهجدون .
وكذا قال قتادة .
وقال أنس بن مالك ، وأبو العالية : كانوا يصلون بين المغرب والعشاء .
وقال أبو جعفر الباقر ، كانوا لا ينامون حتى يصلوا العتمة .
والقول الثاني : أن " ما " مصدرية ، تقديره : كانوا قليلا من الليل هجوعهم ونومهم .
واختاره ابن جرير .
وقال الحسن البصري : ( كانوا قليلا من الليل ما يهجعون ) : كابدوا قيام الليل ، فلا ينامون من الليل إلا أقله ، ونشطوا فمدوا إلى السحر حتى كان الاستغفار بسحر .
وقال قتادة : قال الأحنف بن قيس : ( كانوا قليلا من الليل ما يهجعون ) : كانوا لا ينامون إلا قليلا ثم يقول : لست من أهل هذه الآية .
وقال الحسن البصري : كان الأحنف بن قيس يقول : عرضت عملي على عمل أهل الجنة ، فإذا قوم قد باينونا بونا بعيدا ، إذا قوم لا نبلغ أعمالهم ، كانوا قليلا من الليل ما يهجعون .
وعرضت عملي على عمل أهل النار فإذا قوم لا خير فيهم يكذبون بكتاب الله وبرسل الله ، يكذبون بالبعث بعد الموت ، فوجدت من خيرنا منزلة قوما خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا .
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : قال رجل من بني تميم لأبي : يا أبا أسامة ، صفة لا أجدها فينا ، ذكر الله قوما فقال : ( كانوا قليلا من الليل ما يهجعون ) ، ونحن والله قليلا من الليل ما نقوم .
فقال له أبي : طوبى لمن رقد إذا نعس ، واتقى الله إذا استيقظ .
وقال عبد الله بن سلام : لما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة ، انجفل الناس إليه ، فكنت فيمن انجفل .
فلما رأيت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه رجل كذاب ، فكان أول ما سمعته يقول : " يا أيها الناس ، أطعموا الطعام ، وصلوا الأرحام ، وأفشوا السلام ، وصلوا بالليل والناس نيام ، تدخلوا الجنة بسلام " .
وقال الإمام أحمد : حدثنا حسن بن موسى ، حدثنا ابن لهيعة ، حدثني حيي بن عبد الله ، عن أبي عبد الرحمن الحبلي ، عن عبد الله بن عمرو ; أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها ، وباطنها من ظاهرها " .
فقال أبو موسى الأشعري : لمن هي يا رسول الله ؟
قال : " لمن ألان الكلام ، وأطعم الطعام ، وبات لله قائما والناس نيام " .
وقال معمر في قوله : ( كانوا قليلا من الليل ما يهجعون ) : كان الزهري والحسن يقولان : كانوا كثيرا من الليل ما يصلون .
وقال ابن عباس ، وإبراهيم النخعي : ( كانوا قليلا من الليل ما يهجعون ) : ما ينامون .
وقال الضحاك : ( إنهم كانوا قبل ذلك محسنين كانوا قليلا ) ثم ابتدأ فقال : ( من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون ) .
القول في تأويل قوله تعالى : كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) اختلف أهل التأويل في تأويل قوله ( كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ) قال بعضهم: معناه كانوا قليلا من الليل لا يهجعون, وقالوا: " مَا " بمعنى الجحد.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار وابن المثنى, قالا ثنا يحيى بن سعيد وابن أبي عديّ, عن سعيد بن أبي عروبة, عن قتادة, عن أنس بن مالك ( كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ) قال: يتيقظون يصلون ما بين هاتين الصلاتين, ما بين المغرب والعشاء.
حدثني زريق بن الشحب, قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, عن أنس, بنحوه.
حدثنا ابن بشار وابن المثنى, قالا ثنا أبو داود, قال: ثنا بكير بن أبي السمط, عن قتادة, عن محمد بن عليّ, في قوله ( كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ) قال: كانوا لا ينامون حتى يصلوا العتمة.
قالا ثنا محمد بن جعفر, قال: ثنا شعبة, عن قتادة, عن مطرف, في قوله ( كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ) قال: قلّ ليلة أتت عليهم إلا صلوا فيها.
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قال: قال مطرف بن عبد الله في قوله : ( كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ) قل ليلة تأتي عليهم لا يصلون فيها لله.
إما من أوّلها, وإما من وسطها.
حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا ابن يمان, قال: ثنا ابن أبي ليلى, عن المنهال, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس ( كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ) قال لم يكن يمضي عليهم ليلة إلا يأخذون منها ولو شيئا.
قال: ثنا ابن يمان, عن أبي جعفر الرازي, عن الربيع بن أنس, عن أبي العالية, قال: كانوا يصيبون فيها حظا.
حدثني عليّ بن سعيد الكنديّ, قال: ثنا حفص بن عاصم, عن أبي العالية, في قوله ( كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ) قال: لا ينامون بين المغرب والعشاء.
حدثنا ابن حُميد, قال: ثنا حكام ومهران, عن أبي جعفر, عن الربيع ( كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ) قال: كانوا يصيبون من الليل حظا.
حدثني يعقوب, قال: ثنا ابن علية, عن سعيد بن أبي عروبة, عن مطرّف, في قوله ( كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ) قال: قلّ ليلة أتت عليهم هجعوها كلها.
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة ( كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ) قال: كان لهم قليل من الليل ما يهجعون, كانوا يصلونه.
حدثني يعقوب, قال: ثنا ابن علية, قال: سمعت ابن أبي نجيح, يقول في قوله ( كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ) قال: كانوا قليلا ما ينامون ليلة حتى الصباح.
حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله ( كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ) قال: قليل ما يرقدون ليلة حتى الصباح لا يتهجدون.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: كانوا قليلا من الليل يهجعون, ووجهوا " مَا "- التي في قوله ( مَا يَهْجَعُونَ ) إلى أنها صلة.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن المثنى, قال: ثنا محمد بن جعفر, قال: ثنا شعبة, عن قتادة, في قوله ( كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ) قال: قال الحسن: كابدوا قيام الليل.
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قال: كان الحسن يقول: لا ينامون منه إلا قليلا.
حدثني يعقوب بن إبراهيم, قال: ثنا ابن علية, عن بعض أصحابنا, عن الحسن, في قوله ( كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ) قال: لا ينامون من الليل إلا أقله.
حدثنا ابن بشار, قال: ثنا عبد الوهاب, قال: ثنا عوف, عن سعيد بن أبي الحسن, في قوله ( كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ) قال: قلَّ ليلة أتت عليهم هجوعا.
حدثنا ابن بشار, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قال: قال الأحنف بن قيس, في قوله ( كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ) قال: كانوا لا ينامون إلا قليلا.
حدثنا ابن بشار, قال: ثنا أبو داود, قال: ثنا الحكم بن عطية, عن قتادة, قال: قال الأحنف بن قَيس, وقرأ هذه الآية ( كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ) قال: لست من أهل هذه الآية.
حدثنا ابن بشار, قال: ثنا ابن أبي عديّ, عن سعيد, عن قتادة, عن الحسن, في قوله ( كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ) قال: قيام الليل.
حدثنا أبو كُريب, قال: ثنا ابن يمان, عن سفيان, عن يونس, عن الحسن, قال: نشطوا فمدّوا إلى السحر.
حدثنا ابن حُميد, قال: ثنا مهران, عن سفيان, عن يونس بن عبيد, عن الحسن, قال: مدّوا في الصلاة ونشطوا, حتى كان الاستغفار بسحر.
قال: ثنا مهران, عن سعيد بن أبي عروبة, عن قتادة, عن الحسن قال: كانوا لا ينامون من الليل إلا قليلا.
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, في قوله ( كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ) قال: كان الحسن والزهري يقولان: كانوا كثيرا من الليل ما يصلون.
وقد يجوز أن تكون " مَا " .
على هذا التأويل في موضع رفع, ويكون تأويل الكلام: كانوا قليلا من الليل هجوعهم; وأما من جعل " مَا " صلة, فإنه لا موضع لها; ويكون تأويل الكلام على مذهبه كانوا يهجعون قليل الليل, وإذا كانت " مَا " صلة كان القليل منصوبا بيهجعون.
حدثنا ابن حُميد, قال: ثنا جرير, عن منصور, عن إبراهيم ( كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ) قال: ما ينامون.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: كانوا يصلون العتمة, وعلى هذا التأويل ( مَا ) في معنى الجحد.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار وابن المثنى, قالا ثنا محمد بن جعفر, قال: ثنا شعبة, عن قتادة, في قوله ( كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ) قال: قال رجل من أهل مكة: سماه قتادة, قال: صلاة العتمة.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: كان هؤلاء المحسنون قبل أن تفرض عليهم الفرائض قليلا من الناس, وقالوا الكلام بعد قوله إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ كانوا قليلا مستأنف بقوله ( مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ) فالواجب أن تكون " مَا " على هذا التأويل بمعنى الجحد.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حُميد, قال: ثنا يحيى بن واضح, قال: ثنا عبيد, عن الضحاك, في قوله ( كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ) يقول: إن المحسنين كانوا قليلا ثم ابتدئ فقيل ( مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) كما قال وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ ثم قال : وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ .
حدثنا ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن الزبير, عن الضحاك بن مزاحم ( كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ) قال: كانوا من الناس قليلا.
حدثنا أبو كريب, قال: ثنا ابن يمان, عن سفيان, عن الزبير بن عديّ, عن الضحاك بن مزاحم, في قوله ( كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ) قال: كانوا قليلا من الناس من يفعل ذلك.
حدثنا ابن حُميد, قال: ثنا مهران, عن سفيان, عن الزبير بن عديّ, عن الضحاك بن مزاحم ( كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ) قال: كانوا قليلا من الناس إذ ذاك.
حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ) قال الله إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ...
إلى مُحْسِنِينَ كانوا قليلا يقول: المحسنون كانوا قليلا هذه مفصولة, ثم استأنف فقال ( مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ) .
وأما قوله ( يَهْجَعُونَ ) فإنه يعني: ينامون, والهجوع: النوم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس ( كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ) يقول: ينامون.
حدثنا ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن منصور, عن إبراهيم ( كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ) قال: ينامون.
حدثنا ابن حُميد, قال: ثنا مهران, عن سفيان, عن منصور, عن إبراهيم, مثله.
حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ, يقول: ثنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ) الهجوع: النوم.
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ) قال: كانوا قليلا ما ينامون من الليل, قال: ذاك الهجع.
قال: والعرب تقول: إذا سافرت اهجع بنا قليلا.
قال: وقال رجل من بني تميم لأبي: يا أبا أسامة صفة لا أجدها فينا, ذكر الله تبارك وتعالى قوما فقال : ( كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ) ونحن والله قليلا من الليل ما نقوم; قال: فقال أبي طُوبى لمن رقد إذا نعس; وألقى الله إذا استيقظ.
وأولى الأقوال بالصحة في تأويل قوله ( كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ) قول من قال: كانوا قليلا من الليل هجوعهم, لأن الله تبارك وتعالى وصفهم بذلك مدحا لهم, وأثنى عليهم به, فوصفهم بكثرة العمل, وسهر الليل, ومكابدته فيما يقربهم منه ويرضيه عنهم أولى وأشبه من وصفهم من قلة العمل, وكثرة النوم, مع أن الذي اخترنا في ذلك هو أغلب المعاني على ظاهر التنـزيل.
قوله تعالى : كانوا قليلا من الليل ما يهجعونقوله تعالى : كانوا قليلا من الليل ما يهجعون معنى يهجعون ينامون ; والهجوع النوم ليلا ، والتهجاع النومة الخفيفة ; قال أبو قيس بن الأسلت :قد حصت البيضة رأسي فما أطعم نوما غير تهجاعوقال عمرو بن معدي كرب يتشوق أخته وكان أسرها الصمة أبو دريد بن الصمة :أمن ريحانة الداعي السميع يؤرقني وأصحابي هجوعيقال : هجع يهجع هجوعا ، وهبغ يهبغ هبوغا بالغين المعجمة إذا نام ; قاله الجوهري .
واختلف في " ما " فقيل : صلة زائدة - قاله إبراهيم النخعي - والتقدير كانوا قليلا من الليل [ ص: 35 ] يهجعون ; أي ينامون قليلا من الليل ويصلون أكثره .
قال عطاء : وهذا لما أمروا بقيام الليل .
وكان أبو ذر يحتجز ويأخذ العصا فيعتمد عليها حتى نزلت الرخصة قم الليل إلا قليلا الآية .
وقيل : ليس " ما " صلة بل الوقف عند قوله : قليلا ثم يبتدئ من الليل ما يهجعون ف " ما " للنفي وهو نفي النوم عنهم البتة .
قال الحسن : كانوا لا ينامون من الليل إلا أقله وربما نشطوا فجدوا إلى السحر .
روي عن يعقوب الحضرمي أنه قال : اختلفوا في تفسير هذه الآية فقال بعضهم : كانوا قليلا معناه كان عددهم يسيرا ثم ابتدأ فقال : من الليل ما يهجعون على معنى من الليل يهجعون ; قال ابن الأنباري : وهذا فاسد ; لأن الآية إنما تدل على قلة نومهم لا على قلة عددهم ، وبعد فلو ابتدأنا من الليل ما يهجعون على معنى من الليل يهجعون لم يكن في هذا مدح لهم ; لأن الناس كلهم يهجعون من الليل إلا أن تكون ما جحدا .
قلت : وعلى ما تأوله بعض الناس - وهو قول الضحاك - من أن عددهم كان يسيرا يكون الكلام متصلا بما قبل من قوله : إنهم كانوا قبل ذلك محسنين أي كان المحسنون قليلا ، ثم استأنف فقال : من الليل ما يهجعون وعلى التأويل الأول ، والثاني يكون : كانوا قليلا من الليل خطابا مستأنفا بعد تمام ما تقدمه ويكون الوقف على ما يهجعون ، وكذلك إن جعلت قليلا خبر كان وترفع " ما " بقليل ; كأنه قال : كانوا قليلا من الليل هجوعهم .
ف " ما " يجوز أن تكون نافية ، ويجوز أن تكون مع الفعل مصدرا ، ويجوز أن تكون رفعا على البدل من اسم كان ، التقدير كان هجوعهم قليلا من الليل ، وانتصاب قوله : قليلا إن قدرت " ما " زائدة مؤكدة ب " يهجعون " على تقدير كانوا وقتا قليلا أو هجوعا قليلا يهجعون ، وإن لم تقدر " ما " زائدة كان قوله : " قليلا " خبر كان ولم يجز نصبه ب " يهجعون " ; لأنه إذا قدر نصبه ب " يهجعون " مع تقدير " ما " مصدرا قدمت الصلة على الموصول .
وقال أنس وقتادة في تأويل الآية : أي كانوا يصلون بين العشاءين : المغرب والعشاء .
أبو العالية : كانوا لا ينامون بين العشاءين .
وقاله ابن وهب .
وقال مجاهد : نزلت في الأنصار كانوا يصلون العشاءين في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ثم يمضون إلى قباء .
وقال محمد بن علي بن الحسين : كانوا لا ينامون حتى يصلوا العتمة .
قال الحسن : كأنه عد هجوعهم قليلا في جنب يقظتهم للصلاة .
وقال ابن عباس ومطرف : قل ليلة لا تأتي عليهم إلا يصلون لله فيها إما من أولها وإما من وسطها .روي عن بعض المتهجدين أنه أتاه آت في منامه فأنشده :وكيف تنام الليل عين قريرة ولم تدر في أي المجالس تنزلوروي عن رجل من الأزد أنه قال : كنت لا أنام الليل فنمت في آخر الليل ، فإذا أنا بشابين أحسن ما رأيت ومعهما حلل ، فوقفا على كل مصل وكسواه حلة ، ثم انتهيا إلى النيام فلم يكسواهم ، فقلت لهما : اكسواني من حللكما هذه ; فقالا لي : إنها ليست حلة لباس إنما هي رضوان الله يحل على كل مصل .
ويروى عن أبي خلاد أنه قال : حدثني صاحب لي قال : فبينا أنا نائم ذات ليلة إذ مثلت لي القيامة ، فنظرت إلى أقوام من إخواني قد أضاءت وجوههم ، وأشرقت ألوانهم ، وعليهم الحلل من دون الخلائق ، فقلت : ما بال هؤلاء مكتسون والناس عراة ، ووجوههم مشرقة ووجوه الناس مغبرة !
فقال لي قائل : الذين رأيتهم مكتسون فهم المصلون بين الأذان والإقامة ، والذين وجوههم مشرقة فأصحاب السهر والتهجد ، قال : ورأيت أقواما على نجائب ، فقلت : ما بال هؤلاء ركبانا والناس مشاة حفاة ؟
فقال لي : هؤلاء الذين قاموا على أقدامهم تقربا لله تعالى فأعطاهم الله بذلك خير الثواب ; قال : فصحت في منامي : واها للعابدين ، ما أشرف مقامهم !
ثم استيقظت من منامي وأنا خائف .
{ كَانُوا } أي: المحسنون { قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ } أي: كان هجوعهم أي: نومهم بالليل، قليلاً، وأما أكثر الليل، فإنهم قانتون لربهم، ما بين صلاة، وقراءة، وذكر، ودعاء، وتضرع.
( كانوا قليلا من الليل ما يهجعون ) والهجوع النوم بالليل دون النهار ، " وما " صلة ، والمعنى : كانوا يهجعون قليلا من الليل ، أي يصلون أكثر الليل .
وقيل : معناه كان الليل الذي ينامون فيه كله قليلا وهذا معنى قول سعيد بن جبير عن ابن عباس ، يعني : كانوا قل ليلة تمر بهم إلا صلوا فيها شيئا ، إما من أولها أو من أوسطها .
قال أنس بن مالك : كانوا يصلون ما بين المغرب والعشاء .
وقال محمد بن علي : كانوا لا ينامون حتى يصلوا العتمة .
قال مطرف بن عبد الله بن الشخير : قل ليلة أتت عليهم هجعوها كلها .
قال مجاهد : كانوا لا ينامون كل الليل .
ووقف بعضهم على قوله : " قليلا " أي : كانوا من الناس قليلا ثم ابتدأ : " من الليل ما يهجعون " ، وجعله جحدا أي : لا ينامون بالليل البتة ، بل يقومون للصلاة والعبادة ، وهو قول الضحاك ومقاتل .
«كانوا قليلا من الليل ما يهجعون» ينامون، وما زائدة ويهجعون خبر كان وقليلا ظرف، أي ينامون في زمن يسير من الليل ويصلون أكثره.
كان هؤلاء المحسنون قليلا من الليل ما ينامون، يُصَلُّون لربهم قانتين له، وفي أواخر الليل قبيل الفجر يستغفرون الله من ذنوبهم.
ثم بين - سبحانه - مظاهر إحسانهم فقال : ( كَانُواْ قَلِيلاً مِّن الليل مَا يَهْجَعُونَ ) أى كانوا ينامون من الليل وقتا قليلا ، أما أكثره فكانوا يقضونه فى العبادة والطاعة .والهجوع : النوم ليلا ، وقيده بعضهم بالنوم القليل ، إذ الهجعة هى النومة الخفيفة ، تقول : أتيت فلانا بعد هجعة ، أى بعد نومة قليلة .عن الحسن قال : كانوا لا ينامون من الليل إلا أقله ، كابدوا قيام الليل .
كالتفسير لكونهم محسنين، تقول حاتم كان سخياً كان يبذل موجوده ولا يترك مجهوده، وفيه مباحث: الأول: ﴿ قليلاً ﴾ منصوب على الظرف تقديره يهجعون قليلاً تقول قام بعض الليل فتنصب بعض على الظرف وخبر كان هو قوله: ﴿ يَهْجَعُونَ ﴾ و(ما) زائدة هذا هو المشهور وفيه وجه آخر وهو أن يقال كانوا قليلاً، معناه نفي النوم عنهم وهذا منقول عن الضحاك ومقاتل، وأنكر الزمخشري كون ما نافية، وقال: لا يجوز أن تكون نافية لأن بعد ما لا يعمل فيما قبلها لا تقول زيداً ما ضربت ويجوز أن يعمل ما بعد لم فيما تقول زيداً لم أضرب، وسبب ذلك هو أن الفعل المتعدي إنما يفعل في النفي حملاً له على الإثبات لأنك إذا قلت ضرب زيد عمراً ثبت تعلق فعله بعمرو فإذا قلت ما ضربه لم يوجد منه فعل حتى يتعلق به ويتعدى إليه لكن المنفي محمول على الإثبات، فإذا ثبت هذا فالنفي بالنسبة إلى الإثبات كاسم الفاعل بالنسبة إلى الفعل فإنه يعمل عمل الفعل، لكن اسم الفاعل إذا كان بمعنى الماضي لا يعمل، فلا تقول زيد ضارب عمراً أمس، وتقول: زيد ضارب عمراً غداً واليوم والآن، لأن الماضي لم يبق موجوداً ولا متوقع الوجود فلا يتعلق بالمفعول حقيقة لكن الفعل لقوته يعمل واسم الفاعل لضعفه لم يعمل، إذا عرفت هذا فنقول ما ضرب للنفي في المضي فاجتمع فيه النفي والمضي فضعف، وأما لم أضرب وإن كان يقلب المستقبل إلى الماضي لكن الصيغة صيغة المستقبل فوجد فيه ما يوجد في قول القائل زيد ضارب عمراً غداً فاعمل هذا بيان قوله غير أن القائل بذلك القول يقول: ﴿ قَلِيلاً ﴾ ليس منصوباً بقوله: ﴿ يَهْجَعُونَ ﴾ وإنما ذلك خبر كانوا أي كانوا قليلين، ثم قال: ﴿ وَمِنَ اليل مَا يَهْجَعُونَ ﴾ أي ما يهجعون أصلاً بل يحيون الليل جميعه ومن يكون لبيان الجنس لا للتبعيض، وهذا الوجه حينئذ فيه معنى قوله تعالى: ﴿ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم ﴾ وذلك لأنا ذكرنا أن قوله: ﴿ إِنَّ المتقين ﴾ فيه معنى الذين آمنوا، وقوله: ﴿ مُحْسِنِينَ ﴾ فيه معنى الذين عملوا الصالحات، وقوله: ﴿ كَانُواْ قَلِيلاً ﴾ فيه معنى قوله تعالى: ﴿ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ ﴾ .
البحث الثاني: على القول المشهور وهو أن ما زائدة يحتمل أن يكون قليلاً صفة مصدر تقديره يهجعون هجوعاً قليلاً.
البحث الثالث: يمكن أن يقال: ﴿ قَلِيلاً ﴾ منصوب على أنه خبر كان و(ما) مصدرية تقديره كان هجوعهم من الليل قليلاً فيكون فاعل ﴿ كانوا ﴾ هو الهجوع، ويكون ذلك من باب بدل الاشتمال لأن هجوعهم متصل بهم فكأنه قال كان هجوعهم قليلاً كما يقال: كان زيد خلقه حسناً، فلا يحتاج إلى القول بزيادة، واعلم أن النحاة لا يقولون فيه إنه بدل فيفرقون بين قول القائل زيد حسن وجهه أو الوجه وبين قوله زيد وجهه حسن فيقولون في الأول صفة وفي الثاني بدل ونحن حيث قلنا إنه من باب بدل الاشتمال أردنا به معنى لا اصطلاحاً، وإلا فقليلاً عند التقديم ليس في النحو مثله عند التأخير حتى قولك فلان قليل هجوعه ليس ببدل، وفلان هجوعه قليل بدل، وعلى هذا يمكن أن تكون ما موصولة معناه كان ما يهجعون فيه قليلاً من الليل، هذا ما يتعلق باللفظ، أما ما يتعلق بالمعنى فنقول تقديم قليلاً في الذكر ليس لمجرد السجع حتى يقع يهجعون ويستغفرون في أواخر الآيات، بل فيه فائدتان.
الأولى: هي أن الهجوع راحة لهم، وكان المقصود بيان اجتهادهم وتحملهم السهر لله تعالى فلو قال كانوا يهجعون كان المذكور أولاً راحتهم ثم يصفه بالقلة وربما يغفل الإنسان السامع عما بعد الكلام فيقول إحسانهم وكونهم محسنين بسبب أنهم يهجعون وإذا قدم قوله: ﴿ قَلِيلاً ﴾ يكون السابق إلى الفهم قلة الهجوع، وهذه الفائدة من يراعيها يقول فلان قليل الهجوع ولا يقول هجوعه قليل، لأن الغرض بيان قلة الهجوع لا بيان الهجوع بوصف القلة أو الكثرة، فإن الهجوع لو لم يكن لكان نفي القلة أولى ولا كذلك قلة الهجوع لأنها لو لم تكن لكان بدلها الكثرة في الظاهر.
الفائدة الثانية: في قوله تعالى: ﴿ مِّنَ اليل ﴾ وذلك لأن النوم القليل بالنهار قد يوجد من كل أحد، وأما الليل فهو زمان النوم لا يسهره في الطاعة إلا متعبد مقبل، فإن قيل الهجوع لا يكون إلا بالليل والنوم نهاراً، لا يقال له الهجوع قلنا ذكر الأمر العام وإرادة التخصيص حسن فنقول: رأيت حيواناً ناطقاً فصيحاً، وذكر الخاص وإرادة العام لا يحسن إلا في بعض المواضع فلا نقول رأيت فصيحاً ناطقاً حيواناً، إذا عرفت هذا فنقول في قوله تعالى: ﴿ كَانُواْ قَلِيلاً مّن اليل ﴾ ذكر أمراً هو كالعام يحتمل أن يكون بعده: كانوا من الليل يسبحون ويستغفرون أو يسهرون أو غير ذلك، فإذا قال يهجعون فكأنه خصص ذلك العام المحتمل له ولغيره فلا إشكال فيه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ءَاخِذِينَ مآ ءاتاهم رَبُّهُمْ ﴾ قابلين لكل ما أعطاهم راضين به، يعني أنه ليس فيما آتاهم إلا ما هو ملتقي بالقبول مرضي غير مسخوط، لأن جميعه حسن طيب.
ومنه قوله تعالى: ﴿ وَيَأْخُذُ الصدقات ﴾ [التوبة: 104] أي يقبلها ويرضاها ﴿ مُحْسِنِينَ ﴾ قد أحسنوا أعمالهم، وتفسير إحسانهم ما بعده ﴿ مَا ﴾ مزيدة.
والمعنى: كانوا يهجعون في طائفة قليلة من الليل إن جعلت قليلاً ظرفاً، ولك أن تجعله صفة للمصدر، أي: كانوا يهجعون هجوعاً قليلاً.
ويجوز أن تكون ﴿ مَا ﴾ مصدرية أو موصولة؛ على: كانوا قليلاً من الليل هجوعهم، أو ما يهجعون فيه، وارتفاعه بقليلاً على الفاعلية.
وفيه مبالغات لفظ الهجوع، وهو الفرار من النوم.
قال: قَدْ حَصَتِ الْبَيْضَةُ رَأْسِي فَمَا ** أَطْعَمُ نَوْماً غَيْرَ تَهْجَاعِ وقوله: ﴿ قَلِيلاً ﴾ و ﴿ مِّنَ اليل ﴾ لأن الليل وقت السبات والراحة، وزيادة ﴿ مَا ﴾ المؤكدة لذلك: وصفهم بأنهم يحيون الليل متهجدين، فإذا أسحروا أخذوا في الاستغفار، كأنهم أسلفوا في ليلهم الجرائم.
وقوله: ﴿ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ فيه أنهم هم المستغفرون الأحقاء بالاستغفار دون المصرّين، فكأنهم المختصون به لاستدامتهم له وإطنابهم فيه.
فإن قلت: هل يجوز أن تكون ما نافية كما قال بعضهم، وأن يكون المعنى: أنهم لا يهجعون من الليل قليلاً، ويحيونه كله؟
قلت: لا، لأن ما النافية لا يعمل ما بعدها فيما قبلها.
تقول: زيداً لم أضرب، ولا تقول: زيداً ما ضربت: السائل: الذي يستجدي ﴿ والمحروم ﴾ الذي يحسب غنياً فيحرم الصدقة لتعففه.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس المسكين الذي تردّه الأكلة والأكلتان واللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان» قالوا: فما هو؟
قال: «الذي لا يجد ولا يتصدق عليه» وقيل: الذي لا ينمى له مال.
وقيل: المحارف الذي لا يكاد يكسب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ ﴾ ﴿ آخِذِينَ ما آتاهم رَبُّهُمْ ﴾ قابِلِينَ لِما أعْطاهم راضِينَ بِهِ، ومَعْناهُ أنَّ كُلَّ ما آتاهم حَسَنٌ مَرْضِيٌّ مُتَلَقًّى بِالقَبُولِ.
﴿ إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ ﴾ قَدْ أحْسَنُوا أعْمالَهم وهو تَعْلِيلٌ لِاسْتِحْقاقِهِمْ ذَلِكَ.
﴿ كانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ ﴾ تَفْسِيرٌ لِإحْسانِهِمْ وما مَزِيدَةٌ أيْ يَهْجَعُونَ في طائِفَةٍ مِنَ اللَّيْلِ، أوْ يَهْجَعُونَ هُجُوعًا قَلِيلًا أوْ مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ أيْ في قَلِيلٍ مِنَ اللَّيْلِ هُجُوعُهُمْ، أوْ ما يَهْجَعُونَ فِيهِ ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ نافِيَةً لِأنَّ ما بَعْدَها لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها.
وفِيهِ مُبالَغاتٌ لِتَقْلِيلِ نَوْمِهِمْ واسْتِراحَتِهِمْ ذَكَرَ القَلِيلَ واللَّيْلَ الَّذِي هو وقْتُ السُّباتِ، والهُجُوعَ الَّذِي هو الفِرارُ مِنَ النَّوْمِ وزِيادَةُ ما.
﴿ وَبِالأسْحارِ هم يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ أيْ أنَّهم مَعَ قِلَّةِ هُجُوعِهِمْ وكَثْرَةِ تَهَجُّدِهِمْ إذا أسْحَرُوا أخَذُوا في الِاسْتِغْفارِ كَأنَّهم أسْلَفُوا في لَيْلِهِمُ الجَرائِمَ، وفي بِناءِ الفِعْلِ عَلى الضَّمِيرِ إشْعارٌ بِأنَّهم أحِقّاءُ بِذَلِكَ لِوُفُورِ عِلْمِهِمْ بِاللَّهِ وخَشْيَتِهِمْ مِنهُ.
﴿ وَفِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ ﴾ نَصِيبٌ يَسْتَوْجِبُونَهُ عَلى أنْفُسِهِمْ تَقَرُّبًا إلى اللَّهِ وإشْفاقًا عَلى النّاسِ.
﴿ لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ ﴾ لِلْمُسْتَجْدِي والمُتَعَفِّفِ الَّذِي يُظَنُّ غَنِيًّا فَيُحْرَمُ الصَّدَقَةَ.
<div class="verse-tafsir"
كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧)
{كانوا قليلا من الليل ما يهجعون} ينامون وما مزيدة للتوكيد ويهجعون خبر كا ن والمعنى كانوا يهجعون في طائفة قليلة من الليل ومصدرية والتقدير كانوا قليلاً من الليل هجوعهم فيرتفع هجوعهم لكونه بدلاً من الواو في كَانُواْ لا بقليلا لانه صار موصوفا بقوله من الليل خرج من شبه الفعل وعمله باعتبار المشابهة أي كان هجوعهم قليلاً من الليل ولا يجوز أن تكون ما نافية على معنى أنهم لا يهجعون من الليل قليلاً ويحيونه كله لأن ما النافية لا يعمل ما بعدها فيما قبلها لا تقول زيداً ما ضربت
﴿ إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ ﴾ لا يُبَلِّغُ كَنْهُها ولا يُقادِرُ قَدْرُها ﴿ آخِذِينَ ما آتاهم رَبُّهُمْ ﴾ أيْ قابِلَيْنَ لِكُلِّ ما أعْطاهم عَزَّ وجَلَّ راضِينَ بِهِ عَلى مَعْنى إنَّ كُلَّ ما آتاهم حَسَنٌ مُرْضِيٌّ يُتَلَقّى بِحُسْنِ القَبُولِ، والعُمُومُ مَأْخُوذٌ مِن شُيُوعِ ما وإطْلاقِهِ في مَعْرِضِ المَدْحِ وإظْهارِ مَنِّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ، واعْتِبارِ الرِّضا لِأنَّ الأخْذَ قَبُولٌ عَنْ قَصْدٍ، ونُصِبَ ﴿ آخِذِينَ ﴾ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في الصَّرْفِ ﴿ إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ ﴾ في الدُّنْيا ﴿ مُحْسِنِينَ ﴾ أيْ لِأعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ آتِينَ بِها عَلى ما يَنْبَغِي فَلِذَلِكَ اسْتُحِقُّوا ما اسْتُحِقُّوا مِنَ الفَوْزِ العَظِيمِ، وفُسِّرَ إحْسانُهم بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ كانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ ﴾ إلَخْ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ في مَحَلِّ رَفْعِ بَدَلٍ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ ﴾ حُصِلَ بِها تَفْسِيرٌ، أوْ أنَّها جُمْلَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ مُفَسَّرَةٌ كَسائِرِ الجُمَلِ التَّفْسِيرِيَّةِ، وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَفِي الآيَةِ: ﴿ آخِذِينَ ما آتاهم رَبُّهُمْ ﴾ مِنَ الفَرائِضِ ﴿ إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ ﴾ أيْ كانُوا قَبْلُ تُنَزَّلُ الفَرائِضُ يَعْمَلُونَ، ولا أظُنُّ صِحَّةَ نِسْبَتِهِ لِذَلِكَ الخَبَرِ، ولا يَكادُ تُجْعَلُ جُمْلَةً ( كانُوا ) إلَخْ عَلَيْهِ تَفْسِيرًا إذا صُحَّ ما نُقِلَ عَنْهُ في تَفْسِيرِها، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
والهُجُوعُ - النَّوْمُ، وقَيْدَهُ الرّاغِبُ بِقَوْلِهِ: لَيْلًا، وغَيْرُهُ بِالقَلِيلِ، وما إمّا مَزِيدَةٌ - فَقَلِيلًا - مَعْمُولُ الفِعْلِ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ - هُجُوعًا قَلِيلًا - ( ومِنَ اللَّيْلِ ) صِفَةٌ، أوْ لَغْوٌ مُتَعَلِّقٍ - بِيَهْجَعُونَ - ( ومِن ) لِلِابْتِداءِ، وجُمْلَةُ ( يَهْجَعُونَ ) خَبَرُ - كانَ - أوْ ( قَلِيلًا ) صِفَةٌ لِظَرْفٍ مَحْذُوفٍ - أيْ زَمانًا قَلِيلًا - ( ومِنَ اللَّيْلِ ) صِفَةٌ عَلى نَحْوِ - قَلِيلٌ مِنَ المالِ عِنْدِي - وإمّا مَوْصُولَةٌ عائِدُها مَحْذُوفٌ فَهي فاعِلٌ ( قَلِيلًا ) وهو خَبَرُ - كانَ - ( ومِنَ اللَّيْلِ ) حالٌ مِنَ المَوْصُولِ مُقَدَّمٌ كَأنَّهُ قِيلَ: كانُوا قَدْ قَلَّ المِقْدارُ الَّذِي يَهْجَعُونَ فِيهِ كائِنًا ذَلِكَ المِقْدارُ ( مِنَ اللَّيْلِ ) وإمّا مَصْدَرِيَّةٌ فالمَصْدَرُ فاعِلُ ( قَلِيلًا ) وهو خَبَرُ كانَ أيْضًا، ( ومِنَ اللَّيْلِ ) بَيانُ لا مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ لِأنَّ مَعْمُولَ المَصْدَرِ لا يَتَقَدَّمُ، أوْ حالٌ مِنَ المَصْدَرِ، ( ومِنَ ) للِابْتِداءِ كَذا في الكَشْفِ فَهُما مِنَ الكَشّافِ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ ( مِنَ ) عَلى زِيادَةِ - ما - بِمَعْنى في كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ ﴾ واعْتَرَضَ ابْنُ المُنِيرِ احْتِمالَ مَصْدَرِيَّتِها بِأنَّهُ لا يُجَوَّزُ في ( مِنَ اللَّيْلِ ) كَوْنُهُ صِفَةً، أوْ بَيانًا - لِلْقَلِيلِ - لِأنَّهُ فِيهِ واقِعٌ عَلى الهُجُوعِ ولا صِلَةِ المَصْدَرِ لِتَقَدُّمِهِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ بَيانٌ لِلزَّمانِ المُبْهَمِ وحَكى الطَّيْبِيُّ أنَّهُ إمّا مَنصُوبٌ عَلى التَّبْيِينِ أوْ مُتَعَلَّقٌ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ( يَهْجَعُونَ ) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ما ( يَهْجَعُونَ ) عَلى ذَلِكَ الِاحْتِمالِ بَدَلًا مِنَ اسْمِ كانَ فَكَأنَّهُ قِيلَ: كانَ هُجُوعُهم قَلِيلًا وهو بَعِيدٌ، وجُوِّزَ في ما أنْ تَكُونَ نافِيَةً، ( وقَلِيلًا ) مَنصُوبُ - بِيَهْجَعُونَ - والمَعْنى - كانُوا لا يَهْجَعُونَ مِنَ اللَّيْلِ قَلِيلًا ويُحْيُونَهُ كُلَّهُ - ورَواهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةِ وأبُو نَصْرٍ عَنْ مُجاهِدٍ، ورَدَّهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِأنَّ ما النّافِيَةَ لا يُعْمَلُ ما بَعْدَها فِيما قَبْلَها لِأنَّ لَها صَدْرَ الكَلامِ ولَيْسَ فِيها التَّصَرُّفُ الَّذِي في أخَواتِها كَلا فَإنَّها قَدْ تَكُونُ كَجُزْءٍ مِمّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ نَحْوَ - عُوتِبَ بِلا جُرْمٍ - ولَمْ ولَنْ - لِاخْتِصاصِهِما بِالفِعْلِ كالجُزْءِ مِنهُ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مَنعَ العَمَلِ هو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ، وفي شَرْحِ الهادِيِّ أنَّ بَعْضَ النُّحاةِ أجازَهُ مُطْلَقًا، وبَعْضَهم أجازَهُ في الظَّرْفِ خاصَّةً لِلتَّوَسُّعِ فِيهِ، واسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ونَحْنُ عَنْ فَضْلِكَ ما اسْتَغْنَيْنا نَعَمْ يُرَدُّ عَلى ذَلِكَ أنَّ فِيهِ كَما في الِانْتِصافِ خَلَلًا مِن حَيْثُ المَعْنى فَإنْ طُلِبَ قِيامُ اللَّيْلِ غَيْرُ مُسْتَثْنى مِنهُ جُزْءٌ لِلْهُجُوعِ وإنْ قَلَّ غَيْرُ ثابِتٍ في الشَّرْعِ ولا مَعْهُودٍ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُدَّعَيَ أنَّ مَن ذَهَبَ إلى ذَلِكَ يَقُولُ: بِأنَّهُ كانَ ثابِتًا في الشَّرْعِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَطاءٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: كانَ ذَلِكَ إذْ أُمِرُوا بِقِيامِ اللَّيْلِ كُلِهِ فَكانَ أبُو ذَرٍّ يَعْتَمِدُ عَلى العَصا فَمَكَثُوا شَهْرَيْنِ ثُمَّ نَزَلَتِ الرُّخْصَةُ ﴿ فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ ﴾ وقالَ الضَّحّاكُ: ﴿ كانُوا قَلِيلا ﴾ في عَدَدِهِمْ، وتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ ( قَلِيلًا ) ثُمَّ ابْتُدِأ ﴿ مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ ﴾ عَلى أنَّ ما نافِيَةٌ وفِيهِ ما تَقَدَّمَ مَعَ زِيادَةِ تَفْكِيكِ الكَلامِ، ولَعَلَّ أظْهَرَ الأوْجُهِ زِيادَةُ ما ونُصِبَ ( قَلِيلًا ) عَلى الظَّرْفِيَّةِ، ( ومِنَ اللَّيْلِ ) صِفَةٌ قِيلَ: وفي الكَلامِ مُبالَغاتُ لَفْظِ الهُجُوعِ بِناءً عَلى أنَّهُ القَلِيلُ مِنَ النَّوْمِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ( قَلِيلًا ومِنَ اللَّيْلِ ) لِأنَّ اللَّيْلَ وقْتُ السُّباتِ والرّاحَةِ وزِيادَةُ ما لِأنَّها تُؤَكِّدُ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ فَتُؤَكِّدُ القِلَّةَ وتُحَقِّقُها بِاعْتِبارِ كَوْنِها قَيْدًا فِيها.
والغَرَضُ مِنَ الآيَةِ أنَّهم يُكابِدُونَ العِبادَةَ في أوْقاتِ الرّاحَةِ وسُكُونِ النَّفْسِ ولا يَسْتَرِيحُونَ مِن مَشاقِّ النَّهارِ إلّا قَلِيلًا، قالَ الحَسَنُ: كابَدُوا قِيامَ اللَّيْلِ لا يَنامُونَ مِنهُ إلّا قَلِيلًا، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةِ هَجَعُوا قَلِيلًا ثُمَّ قامُوا، وفَسَّرَ أنَسُ ابْنُ مالِكٍ الآيَةَ - كَما رَواهُ جَماعَةٌ عَنْهُ وصَحَّحَهُ الحاكِمُ - فَقالَ: كانُوا يُصَلُّونَ بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ وهي لا تَدُلُّ عَلى الِاقْتِصارِ عَلى ذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ يعني: لعن الكاذبون الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ ساهُونَ يعني: في جهالة وعمي وغفلة عن أمر الآخرة، ساهون يعني: لاهين عن الإيمان، وعن أمر الله تعالى يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ يعني: أي أوان يوم الحساب استهزاء منهم به، فأخبر الله تعالى عن ذلك اليوم فقال: يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ يعني: بالنار يحرقون، ويعذبون.
ويقول لهم الخزنة: ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ يعني: هذا العذاب الذي كنتم به تستهزءون.
يعني: تستعجلون على وجه الاستهزاء.
ثم بيّن ثواب المتقين فقال عز وجل: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ يعني: في بساتين، وأنهار.
قوله تعالى: آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ يعني: قابضين ما أعطاهم ربهم من الثواب إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ في الدنيا مُحْسِنِينَ بأعمالهم.
قرأ عاصم: آخِذِينَ نصب على الحال، ومعنى فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ في حال آخذين ما آتاهم ربهم.
ثم قال: كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ يعني: قليل من الليل ما ينامون.
وقال بعضهم: كانوا قليلاً.
ثم الكلام يعني: مثل هؤلاء المتقين كانُوا قَلِيلًا.
ثم أخبر عن أعمالهم، فقال: مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ يعني: لا ينامون بالليل، كقوله: وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً (64) [الفرقان: 64] .
وقال الضحاك: كانوا من النائمين.
وقال الحسن: لا ينامون إلا قليلاً.
وقال الربيع بن أنس: لا ينامون بالليل إلا قليلاً وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ يعني: يصلون عند السحر.
ويقال: يصلون بالليل، ويستغفرون عند السَّحَر عن ذنوبهم وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ يعني: نصيب للفقراء لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ السائل: المسكين الذي يسأل الناس.
والمحروم المُتَعَفِّفُ الَّذِي لا يَسْألُ الناس.
ويقال: المحروم المحترف الذي لا يبلغ عيشه.
وقال الشعبي: أعياني أن أعلم من المحروم.
روى سفيان عن ابن إسحاق، عن قيس، قال: سألت ابن عباس: من السائل والمحروم؟
فقال: السائل: الذي يسأل.
والمحروم: المحارب الذي ليس له سهم في الغنيمة، وهكذا قال إبراهيم النخعي، ومجاهد، والربيع بن أنس.
وروى عكرمة عن ابن عباس قال: المحروم: الفقير الذي إذا خرج إلى الناس استعف، ولم يعرف مكانه، ولا يسأل الناس فيعطونه.
وقال الزجاج: المحروم الذي لا ينمو له مال.
ويقال: هي بالفارسية بي دولة يعني: لا إقبال له.
قوله: وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ يعني: فيمن أهلك قبلهم، لهم عبرة.
ويقال: فيها علامة وحدانية الله تعالى، كأنه قال جعلت جميع الأشياء مرآتك، لتنظر إليها، وترى ما فيها، ومراد النظر في المرآة، رؤية من لم يَرَ فكأنه قال: وانظر في آيات صنعي، لتعلم أفي صانع كمل الأشياء؟
فإذا نظرت إلى النقش، والنقش يدل إلى نقاشه وإذا نظرت إلى النفس وعجائب تركيبها يدل على خالقها، وإذا نظرت في الأرض فمختلف الأشياء عليها يدل إلى ربها، وهي البحار، والجبال، والأنهار، والأثمار.
وَفِي أَنْفُسِكُمْ يعني: وعلامة وحدانيته في أنفسكم أَفَلا تُبْصِرُونَ يعني: تتفكرون في خلق أنفسكم، كيف خلقكم وهو قادر على أن يبعثكم.
قوله عز وجل: وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ يعني: من السماء يأتي سبب رزقكم، وهو المطر.
ويقال: وعلى خالق السماء رزقكم وَما تُوعَدُونَ يعني: ما توعدون من الثواب، والعقاب، والخير، والشر.
قال مجاهد: وَما تُوعَدُونَ يعني: الجنة، والنار.
وهكذا قال الضحاك.
<div class="verse-tafsir"
أي: لعنهم اللَّه، انتهى، وقد تقدَّم للشيخ عند قوله تعالى: عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ [الفتح:
٦] قال: كُلُّ ما كان بلفظ دعاء من جهة الله عز وجل، فَإنَّما هو بمعنى إيجاب الشيء لأنَّ اللَّه تعالى لا يدعو على مخلوقاته، انتهى بلفظِهِ، وظاهِرُهُ مخالف لما هنا، وسيبينه في «سورة البروج» ، والخَرَّاصُ: المُخَمِّنُ القائل بِظَنِّهِ، والإشارة إلى مكذّبي النبي صلّى الله عليه وسلّم، والغَمْرَةُ: ما يَغْشَى الإنسانَ ويغطيه كغمرة الماء، وساهُونَ معناه: عن وجوه النظر.
وقوله تعالى: يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ أي: يوم الجزاء، وذلك منهم على جهة الاستهزاء.
يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (١٤) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦) كانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ (١٧)
وقوله: يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ قال الزَّجَّاجُ «١» : التقدير: هو كائن يومَ هم على النار يفتنون، ويُفْتَنُونَ معناه: يُحْرَقُونَ ويُعَذَّبُون في النار قاله ابن عبّاس والناس «٢» ، وفتنت الذهب أحرقته، وذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ أي: حرقكم وعذابكم قاله قتادة وغيره «٣» .
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ...
الآية، روى الترمذيّ عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «لاَ يَبْلُغُ الْعَبْدُ أَنْ يَكُونَ مِنَ المُتَّقِينَ، حتى يَدَعَ مَا لاَ بَأْسَ بِهِ حَذَراً لِمَا بِهِ البَأْسُ» قال أبو عيسى: هذا حديث حسن «٤» ، انتهى، وقوله سبحانه في المتقين: آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ أي: مُحَصِّلِينَ ما أعطاهم رَبُّهم سبحانه من جناته، ورضوانه، وأنواع كراماته إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ: يريد في الدنيا مُحْسِنِينَ: بالطاعات] والعمل الصالح.
سُورَةُ الذّارِياتِ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والذّارِياتِ ذَرْوًا ﴾ يَعْنِي الرِّياحَ، يُقالُ: ذَرَتِ الرِّيحُ التُّرابَ تَذْرُوهُ ذَرْوًا: إذا فَرَّقَتْهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: ذَرَتْ فَهي ذارِيَةٌ، وأذْرَتْ فَهي مُذْرِيَةٌ بِمَعْنًى واحِدٍ.
﴿ والذّارِياتِ ﴾ ، مَجْرُورَةٌ عَلى القَسَمِ، المَعْنى: أحْلِفُ بِالذّارِياتِ وهَذِهِ الأشْياءِ، والجَوابُ ﴿ إنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ ﴾ قالَ قَوْمٌ: المَعْنى: ورَبِّ الذّارِياتِ، ورَبِّ الجارِياتِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فالحامِلاتِ وِقْرًا ﴾ يَعْنِي السَّحابَ الَّتِي تَحْمِلُ وِقْرَها مِنَ الماءِ.
﴿ فالجارِياتِ يُسْرًا ﴾ يَعْنِي السُّفُنَ تَجْرِي مُيَسَّرَةً في [الماءِ] جَرْيًا سَهْلًا.
﴿ فالمُقَسِّماتِ أمْرًا ﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ تُقَسِّمُ الأُمُورَ عَلى ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ.
قالَ ابْنُ السّائِبِ: والمُقَسِّماتُ أرْبَعَةٌ، جِبْرِيلُ، وهو صاحِبُ الوَحْيِ والغِلْظَةِ، ومِيكائِيلُ، وهو صاحِبُ الرِّزْقِ والرَّحْمَةِ، وإسْرافِيلُ، وهو صاحِبُ الصُّورِ واللَّوْحِ، وعِزْرائِيلُ، وهو قابِضُ الأرْواحِ.
وإنَّما أقْسَمَ بِهَذِهِ الأشْياءِ لِما فِيها مِنَ الدَّلالَةِ عَلى صُنْعِهِ وقُدْرَتِهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ المُقْسَمَ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿ إنَّما تُوعَدُونَ ﴾ أيْ: مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿ لَصادِقٌ ﴾ أيْ: لَحَقٌّ.
﴿ وَإنَّ الدِّينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: الحِسابُ.
والثّانِي: الجَزاءُ ﴿ لَواقِعٌ ﴾ أيْ: لَكائِنٌ.
ثُمَّ ذَكَرَ قِسْمًا آخَرَ فَقالَ: ﴿ والسَّماءِ ذاتِ الحُبُكِ ﴾ وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وأبُو رَزِينٍ: "الحِبِكِ" بِكَسْرِ الحاءِ والباءِ جَمِيعًا.
وقَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، والشَّعْبِيُّ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو حَيْوَةَ: "الحِبْكِ" بِكَسْرِ الحاءِ وإسْكانِ الباءِ.
وقَرَأ أُبَيُّ ابْنُ كَعْبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "الحُبْكِ" بِرَفْعِ الحاءِ وإسْكانِ الباءِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعِكْرِمَةُ: "الحَبَكِ" بِفَتْحِ الحاءِ و الباءِ جَمِيعًا.
وَقَرَأ أبُو الدَّرْداءِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: [ "الحَبِكِ"] بِفَتْحِ الحاءِ وكَسْرِ الباءِ.
ثُمَّ في مَعْنى ﴿ الحُبُكِ ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: ذاتُ الخَلْقِ الحَسَنِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وبِهِ قالَ قَتادَةُ.
والثّانِي: البُنْيانُ المُتْقَنُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: ذاتُ الزِّينَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
وقالَ الحَسَنُ: حُبُكُها: نُجُومُها.
والرّابِعُ: ذاتُ الطَّرائِقِ، قالَهُ الضَّحّاكُ واللُّغَوِيُّونَ.
وقالَ الفَرّاءُ: الحُبُكُ: تَكَسُّرُ كُلِّ شَيْءٍ كالرَّمْلِ إذا مَرَّتْ بِهِ الرِّيحُ السّاكِنَةُ، والماءِ القائِمِ إذا مَرَّتْ بِهِ الرِّيحُ، والشَّعْرَةُ الجَعْدَةُ تَكَسُّرُها حُبُكٌ، وواحِدُ الحُبُكِ: حِباكٌ وحَبِيكَةٌ وقالَ الزَّجّاجُ: أهْلُ اللُّغَةِ يَقُولُونَ: الحُبُكُ: الطَّرائِقُ الحَسَنَةُ، والمَحْبُوكُ في اللُّغَةِ: ما أُجِيدَ عَمَلُهُ، وكُلُّ ما تَراهُ مِنَ الطَّرائِقِ في الماءِ وفي الرَّمْلِ إذا أصابَتْهُ الرِّيحُ فَهو حُبُكٌ.
ورُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أنَّهُ قالَ: هَذِهِ هي السَّماءُ السّابِعَةُ.
ثُمَّ ذَكَرَ جَوابَ القَسَمِ الثّانِي، قالَ: ﴿ إنَّكُمْ ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ ﴿ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ ﴾ في أمْرِ مُحَمَّدٍ ، بَعْضُكم يَقُولُ: شاعِرٌ، وبَعْضُكم يَقُولُ: مَجْنُونٌ.
وفي القُرْآنِ [بَعْضُكُمْ] يَقُولُ: سِحْرٌ، وبَعْضُكم يَقُولُ: كَهانَةٌ ورَجَزٌ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
﴿ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَن أُفِكَ ﴾ أيْ: يُصْرَفُ عَنِ الإيمانِ [بِهِ] مَن صُرِفَ [فَحُرِمَهُ] .
[والهاءُ في "عَنْهُ" عائِدَةٌ إلى القُرْآنِ.
وقِيلَ: يُصْرَفُ عَنْ هَذا القَوْلُ، أيْ: مِن أجْلِهِ وسَبَبِهِ عَنِ الإيمانِ مَن صُرِفَ] .
وقَرَأ قَتادَةُ: "مَن أفَكَ" بِفَتْحِ الألِفِ والفاءِ.
وقَرَأ عَمْرُو بْنُ دِينارٍ: "مَن أفِكَ" بِفَتْحِ الألِفِ وكَسْرِ الفاءِ.
﴿ قُتِلَ الخَرّاصُونَ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: يَعْنِي [لُعِنَ] الكَذّابُونَ الَّذِينَ قالُوا: إنَّ النَّبِيَّ ساحِرٌ وكَذّابٌ وشاعِرٌ، خَرَصُوا ما لا عِلْمَ لَهم بِهِ.
وفي رِوايَةِ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُمُ الكَهَنَةُ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: والقَتْلُ إذْ أُخْبِرَ عَنِ اللَّهِ بِهِ فَهو بِمَعْنى اللَّعْنَةِ، لِأنَّ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ فَهو بِمَنزِلَةِ المَقْتُولِ الهالِكِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ هم في غَمْرَةٍ ﴾ أيْ: في عَمًى وجَهالَةٍ بِأمْرِ الآخِرَةِ ﴿ ساهُونَ ﴾ أيْ: غافِلُونَ.
والسَّهْوُ: الغَفْلَةُ عَنِ الشَّيْءِ وذَهابُ القَلْبِ عَنْهُ.
﴿ يَسْألُونَ أيّانَ يَوْمُ الدِّينِ ﴾ أيْ: يَقُولُونَ: يا مُحَمَّدُ مَتّى يَوْمُ الجَزاءِ؟!
تَكْذِيبًا مِنهم واسْتِهْزاءً.
ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ ذَلِكَ اليَوْمِ، فَقالَ: يَوْمَ ﴿ هم عَلى النّارِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: "اليَوْمَ" مَنصُوبٌ عَلى مَعْنى: يَقَعُ الجَزاءُ يَوْمَ هم عَلى النّارِ ﴿ يُفْتَنُونَ ﴾ أيْ: يُحْرَقُونَ ويُعَذَّبُونَ، ومِن ذَلِكَ يُقالُ لِلْحِجارَةِ السُّودِ الَّتِي كَأنَّها قَدْ أُحْرِقَتْ بِالنّارِ: الفَتِينُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذُوقُوا ﴾ المَعْنى: يُقالُ لَهُمْ: ذُوقُوا ﴿ فِتْنَتَكُمْ ﴾ وفِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: تَكْذِيبُكُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: حَرِيقُكُمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ها هُنا تَمَّ الكَلامُ، ثُمَّ ائْتُنِفَ، فَقالَ: ﴿ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنِي الَّذِي كُنْتُمْ تَسْتَعْجِلُونَهُ في الدُّنْيا اسْتِهْزاءً.
ثُمَّ ذَكَرَ ما وعَدَ اللَّهُ لِأهْلِ الجَنَّةِ فَقالَ: ﴿ إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ ﴾ وقَدْ سَبَقَ شَرْحُ هَذا [البَقَرَةِ: ٢٥، الحِجْرِ ٤٥] .
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ آخِذِينَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، فالمَعْنى: فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ في حالِ أخْذِ ﴿ ما آتاهم رَبُّهُمْ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: أيْ: ما أعْطاهُمُ اللَّهُ مِنَ الكَرامَةِ ﴿ إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ ﴾ في أعْمالِهِمْ.
وفي الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ: ﴿ آخِذِينَ ما آتاهم رَبُّهُمْ ﴾ أيْ: عامِلِينَ بِما أمَرَهم بِهِ مِنَ الفَرائِضِ ﴿ إنَّهم كانُوا قَبْلَ ﴾ أنْ تُفْرَضَ الفَرائِضُ عَلَيْهِمْ، ﴿ مُحْسِنِينَ ﴾ أيْ: مُطِيعِينَ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ مُسْلِمٍ البَطِينِ.
ثُمَّ ذَكَرَ إحْسانَهم فَقالَ: ﴿ كانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ ﴾ والهُجُوعُ: النَّوْمُ بِاللَّيْلِ دُونَ النَّهارِ.
وَفِي "ما" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: النَّفْيُ.
ثُمَّ في المَعْنى قَوْلانِ.
أحَدُهُما: كانُوا يَسْهَرُونَ قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ.
قالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، وأبُو العالِيَةِ: هو ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعَشاءِ.
والثّانِي: كانُوا ما يَنامُونَ قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ.
واخْتارَ قَوْمٌ الوَقْفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ قَلِيلا ﴾ عَلى مَعْنى: كانُوا مِنَ النّاسِ قَلِيلًا، ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿ مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ ﴾ عَلى مَعْنى نَفْيِ النَّوْمِ عَنْهُمُ البَتَّةَ، وهَذا مَذْهَبُ الضَّحّاكِ، ومُقاتِلٍ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنْ "ما" بِمَعْنى الَّذِي، فالمَعْنى: كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ الَّذِي يَهْجَعُونَهُ، وهَذا مَذْهَبُ الحَسَنِ، والأحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، والزُّهْرِيِّ.
وعَلى هَذا يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" زائِدَةً.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبِالأسْحارِ هم يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ وقَدْ شَرَحْناهُ في [آلِ عِمْرانَ: ١٧] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ ﴾ أيْ: نَصِيبٌ، وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ ما يَصِلُونَ بِهِ رَحِمًا، أوْ يُقْرُونَ بِهِ ضَيْفًا، أوْ يَحْمِلُونَ بِهِ كَلًّا، أوْ يُعِينُونَ بِهِ مَحْرُومًا، ولَيْسَ بِالزَّكاةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ الزَّكاةُ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ سِيرِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِلسّائِلِ ﴾ وهو الطّالِبُ.
وَفِي " المَحْرُوم " ثَمانِيَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ سَهْمٌ في فَيْءِ المُسْلِمِينَ، وهو المُحارَفُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وقالَ إبْراهِيمُ: هو الَّذِي لا سَهْمَ لَهُ في الغَنِيمَةِ.
والثّانِي: أنَّهُ الَّذِي لا يُنَمّى لَهُ شَيْءٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وكَذَلِكَ قالَ عَطاءٌ: هو المَحْرُومُ في الرِّزْقِ والتِّجارَةِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ المُسْلِمُ الفَقِيرُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ.
والرّابِعُ: أنَّهُ المُتَعَفِّفُ الَّذِي لا يَسْألُ شَيْئًا، قالَهُ قَتادَةُ، والزُّهْرِيُّ.
والخامِسُ: أنَّهُ الَّذِي يَجِيءُ بَعْدَ الغَنِيمَةِ، ولَيْسَ لَهُ فِيها سَهْمٌ، قالَهُ الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الحَنَفِيَّةِ.
والسّادِسُ: أنَّهُ المُصابُ ثَمَرَتُهُ وزَرْعُهُ أوْ نَسْلُ ماشِيَتِهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والسّابِعُ: أنَّهُ المَمْلُوكُ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
والثّامِنُ: أنَّهُ الكَلْبُ، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ.
وكانَ الشَّعْبِيُّ يَقُولُ: أعْيانِي أنْ أعْلَمَ ما المَحْرُومُ؟
.
وأظْهَرُ الأقْوالِ قَوْلُ قَتادَةَ والزُّهْرِيِّ، لِأنَّهُ قَرَنَهُ بِالسّائِلِ، والمُتَعَفِّفُ لا يَسْألُ - ولا يَكادُ النّاسُ يُعْطُونَ مَن لا يَسْألُ - ثُمَّ يَتَحَفَّظُ بِالتَّعَفُّفِ مِن ظُهُورِ أثَرِ الفاقَةِ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ مَحْرُومًا مِن قِبَلِ نَفْسِهِ حِينَ لَمْ يَسْألْ، ومِن قِبَلِ النّاسِ حِينَ لا يُعْطُونَهُ، وإنَّما يَفْطِنُ لَهُ مُتَيَقِّظٌ.
وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ الزَّكاةِ، ولا يَصِحُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفِي الأرْضِ آياتٌ ﴾ كالجِبالِ والأنْهارِ والأشْجارِ والثِّمارِ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿ لِلْمُوقِنِينَ ﴾ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ الَّذِينَ يَعْرِفُونَهُ بِصُنْعِهِ.
﴿ وَفِي أنْفُسِكُمْ ﴾ آياتٌ إذْ كُنْتُمْ نُطَفًا، ثُمَّ عِظامًا، ثُمَّ عَلَقًا ثُمَّ مُضَغًا، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أحْوالِ الِاخْتِلافِ، ثُمَّ اخْتِلافُ الصُّوَرِ والألْوانِ والطَّبائِعِ، وتَقْوِيمُ الأدَواتِ، والسَّمْعُ والبَصَرُ والعَقْلُ، وتَسْهِيلُ سَبِيلِ الحَدَثِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ العَجائِبِ المُودَعَةِ في ابْنِ آدَمَ.
وتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ وَفِي أنْفُسِكُمْ ﴾ ، ثُمَّ قالَ: ﴿ أفَلا تُبْصِرُونَ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: أفَلا تُبْصِرُونَ كَيْفَ خَلَقَكم فَتَعْرِفُوا قُدْرَتَهُ عَلى البَعْثِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وحُمَيْدٌ، وَأبُو حُصَيْنٍ الأُسْدِيُّ: "أرْزاقُكُمْ" بَراءٍ ساكِنَةٍ وبِألِفٍ بَيْنَ الزّايِ والقافِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والضَّحّاكُ، وأبُو نُهَيْكٍ: "رازِقُكُمْ" بِفَتْحِ الرّاءِ وكَسْرِ الزّايِ وبِألِفٍ بَيْنَهُما.
وعَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ كَهاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ.
وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ المَطَرُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ولَيْثٌ عَنْ مُجاهِدٍ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.
والثّانِي: الجَنَّةُ، رَواهُ ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ عَنْ مُجاهِدٍ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَ ما تُوعِدُونَ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ الخَيْرُ والشَّرُّ كِلاهُما يَأْتِي مِنَ السَّماءِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنُ أبِي نُجَيْحٍ عَنْ مُجاهِدٍ.
والثّانِي: الجَنَّةُ، رَواهُ لَيْثٌ عَنْ مُجاهِدٍ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: في هَذِهِ الآيَةِ مُضْمَرٌ مَجازُهُ: عِنْدَ مَن في السَّماءِ رِزْقُكُمْ، وعِنْدَهُ ما تُوعَدُونَ، والعَرَبُ تُضْمِرُ، قالَ نابِغَةُ [ذُبْيانَ]: كَأنَّكَ مِن جِمالِ بَنِي أُقَيْشٍ يُقَعْقَعُ خَلْفَ رِجْلَيْهِ بِشَنِّ أرادَ: كَأنَّكَ جَمَلٌ مِن جِمالِ بَنِي أُقَيْشٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ لَحَقٌّ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: يَعْنِي ما ذَكَرَهُ مِن أمْرِ الآياتِ والرِّزْقِ وما تُوعَدُونَ وأمْرِ النَّبِيِّ .
﴿ مِثْلَ ما أنَّكم تَنْطِقُونَ ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "مِثْلُ" بِرَفْعِ اللّامِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِنَصْبِ اللّامِ.
قالَ الزَّجّاجُ: فَمَن رَفَعَ "مِثْلُ" فَهي مِن صِفَةِ الحَقِّ، والمَعْنى: إنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلُ نُطْقِكُمْ؛ ومَن نَصَبَ فَعَلى ضَرْبَيْنِ.
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، إلّا أنَّهُ لَمّا أُضِيفَ إلى "أنْ" فُتِحَ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى التَّأْكِيدِ، عَلى مَعْنى: إنَّهُ لَحَقٌّ حَقًّا مِثْلَ نُطْقِكُمْ، وهَذا الكَلامُ كَما تَقُولُ: إنَّهُ لَحَقٌّ كَما أنَّكَ تَتَكَلَّمُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ كانُوا قَلِيلا مِنَ اللَيْلِ ما يَهْجَعُونَ ﴾ ﴿ وَبِالأسْحارِ هم يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ ﴿ وَفِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ ﴾ ﴿ وَفِي الأرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ ﴾ ﴿ وَفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ ﴾ ﴿ وَفِي السَماءِ رِزْقُكم وما تُوعَدُونَ ﴾ ﴿ فَوَرَبِّ السَماءِ والأرْضِ إنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أنَّكم تَنْطِقُونَ ﴾ ﴿ هَلْ أتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْراهِيمَ المُكْرَمِينَ ﴾ ﴿ إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ ﴾ ﴿ فَراغَ إلى أهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ ﴾ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كانُوا قَلِيلا مِنَ اللَيْلِ ما يَهْجَعُونَ ﴾ أنَّ نَوْمَهم كانَ قَلِيلًا لِاشْتِغالِهِمْ بِالصَلاةِ والعِبادَةِ، فالمُرادُ مِن كُلِّ لَيْلَةٍ، و"الهُجُوعُ": النَوْمُ، وقالَ الأحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ: "لَسْتُ مِن أهْلِ هَذِهِ الآيَةِ"، وهَذا إنْصافٌ مِنهُ، وقِيلَ لِبَعْضِ التابِعِينَ: مَدَحَ اللهُ تَعالى امْرَأً رَقَدَ، إذا نَعِسَ، وأطاعَ رَبَّهُ إذا اسْتَيْقَظَ، وفَسَّرَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ هَذِهِ الآيَةَ بِأنَّهم كانُوا يَنْتَفِلُونَ بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ، وقالَ الرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمٍ: المَعْنى: كانُوا يُصِيبُونَ مِنَ اللَيْلِ حَظًّا، وقالَ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: قَلَّ لَيْلَةَ أتَتْ عَلَيْهِمْ هُجُعُوها كُلُّها، وقالَهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ ومُجاهِدٌ: فالمُرادُ عِنْدَ هَؤُلاءِ بِقَوْلِهِ تَعالى: "مِنَ الَّيْلِ" أيْ: مِنَ اللَيالِي، وظاهِرُ الآيَةِ عِنْدِي أنَّهم كانُوا يَقُومُونَ الأكْثَرَ مِن لَيْلِهِمْ، أيْ: مِن كُلِّ لَيْلَةٍ، وقَدْ قالَ الحَسَنُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: كابَدُوا قِيامَ اللَيْلِ، لا يَنامُونَ مِنهُ إلّا قَلِيلًا.
وأمّا إعْرابُ الآيَةِ فَقالَ الضَحّاكُ في كِتابِ الطَبَرِيِّ ما يَقْتَضِي أنَّ المَعْنى: كانُوا قَلِيلًا في عَدَدِهِمْ، وتَمَّ خَبَرُ "كانَ"، ثُمَّ ابْتَدَأ "مِنَ اللَيْلِ ما يَهْجَعُونَ"، فـَ "ما" نافِيَةٌ، و"قَلِيلًا" وقْفٌ حَسَنٌ.
وقالَ بَعْضُ النُحاةِ: "ما" زائِدَةٌ، و"قَلِيلًا" مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ لِـ "يَهْجَعُونَ"، وقالَ جُمْهُورُ النَحْوِيِّينَ: "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، و"قَلِيلًا" خَبَرُ "كانَ"، والمَعْنى: كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَيْلِ هُجُوعُهُمْ، و"الهُجُوعُ" مُرْتَفِعٌ بِـ "قَلِيلًا" عَلى أنَّهُ فاعِلٌ، وعَلى هَذا الإعْرابِ يَجِيءُ قَوْلُ الحَسَنِ وغَيْرِهِ -وَهُوَ الظاهِرُ عِنْدِي- أنَّ المُرادَ: كانَ هُجُوعُهم مِنَ اللَيْلِ قَلِيلًا، وفَسَّرَ ابْنُ عُمَرَ والضِحّاكُ "يَسْتَغْفِرُونَ" بـِ "يَصِلُونَ"، وقالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ: يَدَّعُونَ في طَلَبِ المَغْفِرَةِ، والأسْحارُ مَظِنَّةُ الِاسْتِغْفارِ، ويُرْوى أنَّ أبْوابَ الجَنَّةِ تُفْتَحُ فَجْرَ كُلِّ يَوْمٍ، وفي قِصَّةِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ في قَوْلِهِ: ﴿ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي ﴾ أنَّهُ أخَّرَ الِاسْتِغْفارَ لَهم إلى السِحْرِ، قالَ أبُو زَيْدٍ في كِتابِ الطَبَرِيِّ: السِحْرُ السُدْسُ الآخِيرُ مِنَ اللَيْلِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ ﴾ ، الصَحِيحُ أنَّها مُحْكَمَةٌ، وأنَّ هَذا الحَقَّ هو عَلى وجْهِ النَدْبِ لا عَلى وجْهِ الفَرْضِ، و"مَعْلُومٌ" يُرادُ بِهِ: مُتَعارَفٌ، وكَذَلِكَ قِيامُ اللَيْلِ الَّذِي مَدَحَ بِهِ لَيْسَ مِنَ الفَرائِضِ، وأكْثَرُ ما تَقَعُ الفَرِيضَةُ بِفِعْلِ المَندُوباتِ.
وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: هي الزَكاةُ المَفْرُوضَةُ، وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ السُورَةَ مَكِّيَّةٌ وفَرْضُ الزَكاةِ بِالمَدِينَةِ، وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: كانَ هَذا ثُمَّ نُسِخَ بِالزَكاةِ، وهَذا غَيْرُ قَوِيٍّ، وما شَرَعَ اللهُ تَعالى وجَلَّ بِمَكَّةَ قَبْلَ الهِجْرَةِ شَيْئًا مِن أخْذِ الأمْوالِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "المَحْرُومِ" اخْتِلافًا هو عِنْدِي تَخْلِيطٌ مِنَ المُتَأخِّرِينَ؛ إذِ المَعْنى واحِدٌ، وإنَّما عَبَّرَ عُلَماءُ السَلَفِ في ذَلِكَ العِباراتِ عَلى جِهَةِ المُثُلاتِ فَجَعَلَها المُتَأخِّرُونَ أقْوالًا، وحَصَرَها مَكِّيٌّ ثَمانِيَةً، و"المَحْرُومِ" هو الَّذِي تَبْعُدُ عنهُ مُمَكِّناتُ الرِزْقِ بَعْدَ قُرْبِها مِنهُ فَيَنالُهُ حِرْمانٌ وفاقَةٌ، وهو مَعَ ذَلِكَ لا يُسْألُ، فَهَذا هو الَّذِي لَهُ حَقٌّ في أمْوالِ الأغْنِياءِ كَما لِلسّائِلِ حَقٌّ، قالَ الشَعْبِيُّ: أعْيانِي أنْ أعْلَمَ ما "المَحْرُومِ"، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَحْرُومُ: المُحارِبُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ في الإسْلامِ سَهْمُ مالٍ، فَهو ذُو الحِرْفَةِ المَحْدُودِ، وقالَ أبُو قُلابَةَ: جاءَ سَيْلٌ بِاليَمامَةِ فَذَهَبَ بِمالِ رَجُلٍ، فَقالَ رَجُلٌ مِن أصْحابِ النَبِيِّ : هَذا المَحْرُومُ، وقالَ زَيْدٌ: هو الَّذِي أُصِيبَ ثَمَرَتُهُ، وقالَ غَيْرُهُ: هو الَّذِي ماتَتْ ماشِيَتُهُ، وقالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هو الكَلْبُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ يَكُونُ الكَلْبُ مَحْرُومًا في بَعْضِ الأوقاتِ والحالاتِ، ألّا تَرى إلى الَّذِي يَأْكُلُ الثَرى مِنَ العَطَشِ..
الحَدِيثُ؛ إلى غَيْرِ هَذا مِنَ الأقْوالِ الَّتِي إنَّما ذَكَرَتْ مِثالًا، كَأنَّهُ يَقُولُ: الَّذِي أُصِيبَتْ ثَمَرَتُهُ مِنَ المَحْرُومِينَ، والمَعْنى الجامِعُ لِهَذِهِ الأقْوالِ أنَّهُ الَّذِي لا مالَ لَهُ لِحِرْمانٍ أصابَهُ، وإلّا فالَّذِي تُصابُ ثَمَرَتُهُ ولَهُ مالٌ كَثِيرٌ غَيْرُها فَلَيْسَ في هَذِهِ الآيَةِ بِإجْماعٍ.
وبَعْدَ هَذا مُقَدَّرٌ مِنَ الكَلامِ تَقْدِيرُهُ: فَكُونُوا مِثْلَهم أيُّها الناسُ وعَلى طَرِيقِهِمْ فَإنَّ النَظَرَ المُؤَدِّيَ إلى ذَلِكَ مُتَّجِهٌ فَفي الأرْضِ آياتٌ لِمَنِ اعْتَبَرَ وأيْقَنَ، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى لَطائِفِ الحِكْمَةِ وعَجائِبِ الخِلْقَةِ الَّتِي في الأرَضِينَ والجِبالِ والمَعادِنِ والعُيُونِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَرَأ قَتادَةُ: "آيَةً" عَلى الإفْرادِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَفِي أنْفُسِكُمْ" إحالَةٌ عَلى النَظَرِ في شَخْصِ الإنْسانِ، فَإنَّهُ أكْثَرُ المَخْلُوقاتِ الَّتِي لَدَيْنا عِبْرَةٌ لِما جَعَلَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى فِيهِ -مَعَ كَوْنِهِ مِن تُرابٍ- مِن لَطائِفِ الحَواسِّ، ومِن أمْرِ النَفْسِ وحَياتِها ونُطْقِها، واتِّصالِ هَذا الجُزْءِ مِنها بِالعَقْلِ، ومِن هَيْئَةِ الأعْضاءِ واسْتِعْدادِها لِتَنْفَعَ أو تَحْمِلَ أو تُعِينَ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّما القَلْبُ مُضْغَةٌ في جَوْفِ ابْنِ آدَمَ جَعَلَ اللهُ فِيهِ العَقْلَ، أفَيَدْرِي أحَدٌ ما ذاكَ العَقْلُ؟
وما صِفَتُهُ؟
وكَيْفَ هُوَ؟
وقالَ الرُمّانِيُّ: النَفْسُ خاصَّةً الشَيْءُ الَّتِي لَوْ بَطَلَ ما سِواها مِمّا لَيْسَتْ مُضَمَّنَةً بِهِ لَمْ تُبْطِلْ، وهَذا تَعَمُّقٌ لا أحْمَدُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "أفَلا تُبْصِرُونَ" تَوْقِيفٌ وتَوْبِيخٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفِي السَماءِ رِزْقُكُمْ ﴾ ، قالَ الضَحّاكُ، ومُجاهِدٌ: وابْنُ جُبَيْرٍ: أرادَ تَعالى المَطَرَ والثَلْجَ، وقالَ الضَحّاكُ، ومُجاهِدٌ: أرادَ القَضاءَ والقَدَرَ، أيْ: الرِزْقَ عِنْدَ اللهِ تَعالى يَأْتِي بِهِ كَيْفَ يَشاءُ، لا رَبَّ غَيْرَهُ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "وَفِي السَماءِ رازِقُكُمْ".
و"تُوعَدُونَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الوَعْدِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الوَعِيدِ، والكُلُّ في السَماءِ، قالَ الضَحّاكُ: المُرادُ: مِنَ الجَنَّةِ والنارِ، وقالَ مُجاهِدٌ: مِنَ الخَيْرِ والشَرِّ، وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: المُرادُ الساعَةُ، ثُمَّ أقْسَمَ تَعالى بِنَفْسِهِ عَلى صِحَّةِ هَذا القَوْلِ والخَبَرِ، وشَبَّهَهُ في اليَقِينِ بِهِ بِالنُطْقِ مِنَ الإنْسانِ، وهو عِنْدُهُ في غايَةِ الوُضُوحِ ولا يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ فِيهِ مِنَ اللَبْسِ ما يَقَعُ في الرُؤْيَةِ والسَمْعِ، بَلِ النُطْقُ أشَدُّ تَخَلُّصًا مِن هَذِهِ.
واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: "مِثْلَ ما"، -فَقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ - في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -: "مَثَلٌ" بِالرَفْعِ، ورُوِيَتْ عَنِ الحَسَنِ، وابْنِ أبِي إسْحاقَ، والأعْمَشِ -بِخِلافٍ عنهُمْ-، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وأهْلُ المَدِينَةِ، وجُلُّ الناسِ: "مُثُلَ" بِالنَصْبِ، فَوَجْهُ الأُولى الرَفْعُ عَلى النَعْتِ لـِ "حَقَّ"، وجازَ نَعْتُ النَكِرَةِ بِهَذا الَّذِي قَدْ أُضِيفَ إلى المَعْرِفَةِ مِن حَيْثُ كانَ "مِثْلُ" شائِعًا عامًّا لِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، فَهو لا تَعْرِفُهُ الإضافَةُ إلى مَعْرِفَةٍ؛ لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: "رَأيْتُ مِثْلَ زَيْدٍ" فَلَمْ تَعْرِفْ شَيْئًا لِأنَّ وُجُوهَ المُماثَلَةِ كَثِيرَةٌ، فَلَمّا بَقِيَ الشِياعُ جَرى عَلَيْهِ حُكْمُ النَكِرَةِ فَنُعِتَتْ بِهِ النَكِرَةُ، و"ما" زائِدَةٌ تُعْطِي تَأْكِيدًا، وإضافَةُ "مِثْلُ" قَدْ بَنى لِما أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ وهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الصِفَةِ لـِ"حَقَّ"، ولَحِقَهُ البَناءُ لِأنَّ المُضافَ إلَيْهِ قَدْ يُكْسِبُ المُضافَ بَعْضَ صِفاتِهِ كالتَأْنِيثِ في قَوْلِهِ: .....................شَرِقَتْ صَدْرُ القَناةِ....
وكالتَعْرِيفِ في "غُلامِ زَيْدٍ" إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ويَجْرِي "مِثْلَ" حِينَئِذٍ مَجْرى "عَذابِ يَوْمِئِذٍ" عَلى قِراءَةِ مَن فَتَحَ المِيمَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: عَلى حِينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِبا ∗∗∗..................
وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: لَمْ يَمْنَعِ الشُرْبَ مِنها غَيْرُ أنْ هَتَفَتْ ∗∗∗.....................
فَـ "غَيْرُ" فاعِلَةٌ ولَكِنَّهُ فَتَحَها.
والوَجْهُ الثانِي -وَهُوَ قَوْلُ المازِنِيِّ- إنَّ "مِثْلَ" بُنِيَ لِكَوْنِهِ مَعَ "ما" شَيْئًا واحِدًا، وتَجِيءُ -عَلى هَذا- في مِضْمارٍ: "وَيْحَما، وأيْنَما"، ومِنهُ قَوْلُ حُمَيْدِ بْنِ ثَوْرٍ: ألا هَيَّما مِمّا لَقِيتُ وهَيَّما ∗∗∗ ووَيْحٌ لِمَن لَمْ يَدْرِ ما هُنَّ ويْحَما فَلَوْلا البِناءُ وجَبَ أنْ يَكُونَ مُنَوَّنًا، وكَذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: ...................
∗∗∗ فَأكْرِمْ بِنا خالًا وأكْرِمْ بِنا ابْنَما والوَجْهُ الثالِثُ أنْ تُنْصَبَ "مِثْلَ" عَلى الحالِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "لَحَقٌّ" وهي حالٌ مِن نَكِرَةٍ، وفِيهِ خِلافٌ، ولَكِنْ جَوَّزَ ذَلِكَ الجَرْمِيُّ، وأمّا غَيْرُهُ فَيَراهُ حالًا مِنَ الذِكْرِ المَرْفُوعِ في قَوْلِهِ تَعالى: "لَحَقٌّ"؛ لِأنَّ التَقْدِيرَ لَحَقٌّ هُوَ، وفي هَذا نَظَرٌ، و"النُطْقُ" في هَذِهِ الآيَةِ: الكَلامُ بِالحُرُوفِ والأصْواتِ في تَرْتِيبِ المَعانِي، ورُوِيَ أنَّ بَعْضَ العَرَبِ الفُصَحاءِ سَمِعَ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: مَن أحْوَجَ الكِرِيمَ إلى أنْ يَحْلِفَ؟
والحِكايَةُ وقَعَتْ في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ و"سُبُلُ الخَيْراتِ" مُتَمِّمَةٌ عَنِ الأصْمَعِيِّ، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ: « "قاتَلَ اللهُ قَوْمًا أقْسَمَ لَهم رَبُّهم بِنَفْسِهِ فَلَمْ يُصَدِّقُوهُ"»، ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قالَ: « "لَوْ فَرَّ أحَدُكم مِن رِزْقِهِ لِتَبِعَهُ كَما يَتْبَعُهُ المَوْتُ"،» وأحادِيثُ الرِزْقِ والأشْعارِ فِيهِ كَثِيرَةٌ.
قَوْلُهُ: "هَلْ أتاكَ" تَقْرِيرٌ لِتَجْتَمِعَ نَفْسُ المُخاطَبِ، وهَذا كَما تَبْدَأُ المَرْءَ إذا أرَدْتَ أنْ تُحَدِّثَهُ بِعَجِيبٍ فَتُقَرِّرَهُ: هَلْ سَمِعَ مِنكَ أمْ لا؟
فَكَأنَّهُ تَقْتَضِي مِنهُ أنْ يَقُولَ: لا، ويَسْتَطْعِمُكَ الحَدِيثَ.
و"ضَيْفِ" اسْمُ جِنْسٍ يَقَعُ لِلْجَمِيعِ والواحِدِ، ورُوِيَ أنَّ أضْيافَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ هَؤُلاءِ هم جِبْرِيلُ ومِكائِيلُ وإسْرافِيلُ وأتْباعٌ لَهم مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَلامُ، وجَعَلَهم تَعالى مُكَرَّمِينَ إمّا لِأنَّهم عِنْدَهُ كَذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وإمّا مِن حَيْثُ أكْرَمَهم إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ وخَدَمَهم هو وسارَّةُ وذَبَحَ لَهُمُ العِجْلَ، وقِيلَ: مِن حَيْثُ رَفَعَ مَجالِسَهم.
و"سَلامًا" مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ، كَأنَّهم قالُوا: نُسَلِّمُ سَلامًا، أو سَلَّمْتُ سَلامًا، ويَتَّجِهُ فِيهِ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ "قالُوا" عَلى أنْ يَجْعَلَ "سَلامًا" بِمَنزِلَةِ "قَوْلًا"، ويَكُونُ المَعْنى حِينَئِذٍ أنَّهم قالُوا تَحِيَّةً وقَوْلًا مَعْناهُ سَلامًا، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، و"سَلامٌ" مُرْتَفِعٌ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ، أيْ أمْرِي سَلامٌ، أو واجِبٌ لَكم سَلامٌ، أو عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ كَأنَّهُ قالَ: سَلامٌ عَلَيْكُمْ، وإبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ قَدْ حَيّا بِأحْسَنِ؛ لِأنَّ قَوْلَهم دُعاءٌ وقَوْلُهُ واجِبٌ قَدْ تَحَصَّلَ لَهم.
وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، والنَخْعِيُّ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وطَلْحَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ: "قالَ سِلْمٌ" بِكَسْرِ السِينِ وسُكُونِ اللامِ، والمَعْنى: نَحْنُ سَلامٌ، أو أنْتُمْ سَلامٌ وقَوْلُهُ تَعالى: "قَوْمٌ مُنْكَرُونَ" مَعْناهُ: لا نُمَيِّزُهم ولا عَهْدَ لَنا بِهِمْ، وهَذا أيْضًا عَلى تَقْدِيرِ: أنْتُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: أنْكَرَ سَلامَهم في تِلْكَ الأرْضِ وذَلِكَ الزَمَنِ.
و"راغَ" مَعْناهُ: مَضى أثْناءَ حَدِيثِهِ مُخْفِيًا زَوالَهُ مُسْتَعْجِلًا كَأنَّهُ لَمْ يُرِدْ أنْ يُفارِقَهم فَمَضى إلى ناحِيَةٍ مِن دارِهِ مُسْتَعْجِلًا ورَجَعَ لِحِينِهِ، وهَذا تَشْبِيهٌ بِالرَوَغانِ المَعْرُوفِ؛ لِأنَّ الرائِغَ يُوهِمُ أنَّهُ لَمْ يَزَلْ، و"العِجْلُ" هو الَّذِي حَنَذَهُ لَهُمْ، وحَسْبُكَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَلامُ أوقَفَ لِلضِّيافَةِ أوقافًا تُمْضِيها الأُمَمُ عَلى اخْتِلافِ أدْيانِها وأجْناسِها.
<div class="verse-tafsir"
اعتراض قَابل به حال المؤمنين في يوم الدين جرى على عادة القرآن في اتباع النِّذارة بالبشارة، والترهيب بالترغيب.
وقوله: ﴿ إن المتقين في جنات وعيون ﴾ نظير قوله في سورة الدخان (51، 52) ﴿ إن المتقين في مقام أمين في جنات وعيون ﴾ وجمع ﴿ جنات ﴾ باعتبار جمع المتقين وهي جنات كثيرة مختلفة وفي الحديث: «إنها لِجِنان كثيرة، وإنه لفي الفردوس» وتنكير ﴿ جنات ﴾ للتعظيم.
ومعنى ﴿ آخذين ما آتاهم ربهم ﴾ : أنهم قابلون ما أعطاهم، أي راضون به فالأخذ مستعمل في صريحه وكنايته كناية رمزية عن كون ما يؤتَوْنه أكمل في جنسه لأن مدارك الجماعات تختلف في الاستجادة حتى تبلغ نهاية الجودة فيستوي الناس في استجادته، وهي كناية تلويحية.
وأيضاً فالأخذ مستعمل في حقيقته ومجازه لأن ما يؤتيهم الله بعضهم مما يُتناول باليد كالفواكه والشراب والرياحين، وبعضه لا يتناول باليد كالمناظِر الجميلة والأصوات الرقيقة والكرامة والرضوان وذلك أكثر من الأول.
فإطلاق الأخذ على ذلك استعارة بتشبيه المعقول بالمحسوس كقوله تعالى: ﴿ خُذوا ما آتيناكم بقوة ﴾ في سورة البقرة (63)، وقوله: ﴿ وأمرْ قَومَك يأخذوا بأحسنها ﴾ في سورة الأعراف (145).
فاجتمع في لفظ ﴿ آخذين ﴾ كنايتان ومجاز.
روى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم «أن الله تعالى يقول: يا أهل الجنة.
فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخيرُ في يديك.
فيقول: هل رضيتم؟
فيقولون: وما لنا لا نرضى يا ربنا وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك فيقول: ألا أعطيكم أفضلَ من ذلك فيقولون: وأي شيء أفضل من ذلك؟
فيقول: أحُلّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً».
وفي إيثار التعبير عن الجلالة بوصف (ربّ) مضاففٍ إلى ضمير المتقين معنى من اختصاصهم بالكرامة والإيماء إلى أن سبب ما آتاهم هو إيمانهم بربوبيته المختصة بهم وهي المطابقة لصفات الله تعالى في نفس الأمر.
وجملة ﴿ إنهم كانوا قبل ذلك محسنين ﴾ تعليل لجملة ﴿ إن المتقين في جنات وعيون ﴾ ، أي كان ذلك جزاء لهم عن إحسانهم كما قيل للمشركين ﴿ ذوقوا فتنتكم ﴾ [الذاريات: 14].
والمحسنون: فاعلو الحسنات وهي الطاعات.
وفائدة الظرف في قوله: ﴿ قبلَ ذلك ﴾ أن يؤتى بالإشارة إلى ما ذكر من الجنات والعيون وما آتاهم ربهم مما لا عين رأتْ ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فيحصل بسبب تلك الإشارة تعظيم شأن المشار إليه، ثم يفاد بقوله ﴿ قبل ذلك ﴾ ، أي قبل التنعم به أنهم كانوا محسنين، أي عاملين الحسنات كما فسره قوله: ﴿ كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون ﴾ الآية.
فالمعنى: أنهم كانوا في الدنيا مطيعين لله تعالى واثقين بوعده ولم يروه.
وجملة ﴿ كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون ﴾ بدل من جملة ﴿ كانوا قبل ذلك محسنين ﴾ بدل بعض من كل لأن هذه الخصال الثلاث هي بعض من الإحسان في العمل.
وهذا كالمثال لأعظم إحسانهم فإن ما ذكر من أعمالهم دال على شدة طاعتهم لله ابتغاء مرضاته ببذل أشد ما يبذل على النفس وهو شيئان أولهما: راحة النفس في وقت اشتداد حاجتها إلى الراحة وهو الليل كله وخاصة آخره، إذ يكون فيه قائم الليل قد تعب واشتد طلبه للراحة.
وثانيهما: المال الذي تشحّ به النفوس غالباً، وقد تضمنت هذه الأعمال الأربعة أصلَي إصلاح النفس وإصلاح الناس.
وذلك جماع ما يرمي إليه التكليف من الأعمال فإن صلاح النفس تزكية الباطن والظاهر ففي قيام الليل إشارة إلى تزكية النفس باستجلاب رضى الله تعالى.
وفي الاستغفار تزكية الظاهر بالأقوال الطيبة الجالبة لمرضاة الله عز وجل.
وفي جعلهم الحق في أموالهم للسائلين نفع ظاهر للمحتاج المظهر لحاجته.
وفي جعلهم الحق للمَحروم نفع المحتاج المتعفّف عن إظهار حاجته الصابر على شدة الاحتياج.
وحرف ﴿ ما ﴾ في قوله: ﴿ قليلاً من الليل ما يهجعون ﴾ مزيد للتأكيد.
وشاعت زيادة ﴿ ما ﴾ بعد اسم (قليل) و(كثير) وبعد فعل (قل) و(كثر) و(طال).
والمعنى: كانوا يهجعون قليلاً من الليل.
وليست ﴿ ما ﴾ نافية.
والهجوع: النوم الخفيف وهو الغِرار.
ودلت الآية على أنهم كانوا يهجعون قليلاً من الليل وذلك اقتداء بأمر الله تعالى نبيئه صلى الله عليه وسلم بقوله: ﴿ قم الليل إلا قليلاً نصفه أو انقص منه قليلاً أو زد عليه ﴾ [المزمل: 2 4] وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرهم بذلك كما في حديث عبد الله بن عَمرو بن العاص «أن رسول الله قال له: لم أُخْبَر أنك تقوم الليل وتصوم النهار قال: نعم.
قال: لا تفعل إنك إن فعلت ذلك نفِهت النفس وهَجمت العين.
وقال له: قم ونَم، فإن لنفسك عليك حقاً ولأهلك عليك حقاً».
وقد اشتملت هذه الجملة على خصائص من البلاغة: أولاها: فعل الكون في قوله: ﴿ كانوا ﴾ الدال على أن خبرها سُنَّة متقررة.
الثاني: العدول عن أن يقال: كانوا يقيمون الليل، أو كانوا يُصَلُّون في جوف الليل، إلى قوله: ﴿ قليلاً من الليل ما يهجعون ﴾ لأن في ذكر الهجوع تذكيراً بالحالة التي تميل إليها النفوس فتغلبها وتصرفها عن ذكر الله تعالى وهو من قبيل قوله تعالى: ﴿ تتجافى جنوبهم عن المضاجع ﴾ [السجدة: 16]، فكان في الآية إطناب اقتضاه تصوير تلك الحالة، والبليغ قد يورد في كلامه ما لا تتوقف عليه استفادة المعنى إذا كان يرمي بذلك إلى تحصيل صور الألفاظ المزيدة.
الثالث: التصريح بقوله: ﴿ من الليل ﴾ للتذكير بأنهم تركوا النوم في الوقت الذي من شأنه استدعاء النفوس للنوم فيه زيادةً في تصوير جلال قيامهم الليل وإلا فإن قوله: ﴿ كانوا قليلاً ما يهجعون ﴾ يفيد أنه من الليل.
الرابع: تقييد الهجوع بالقليل للإشارة إلى أنهم لا يستكملون منتهى حقيقة الهجوع بل يأخذون منه قليلاً.
وهذه الخصوصية فاتت أبا قيس بن الأسلت في قوله: قد حَصت البيضة راسِي فمَا *** أطعَم نوماً غير تَهْجاع الخامس: المبالغة في تقليل هجوعهم لإفادة أنه أقل ما يُهجَهُه الهاجع.
وانتصب ﴿ قليلاً ﴾ على الظرف لأنه وُصف بالزمان بقوله: ﴿ من الليل ﴾ .
والتقدير: زمناً قليلاً من الليل، والعامل في الظرف ﴿ يَهجعون ﴾ .
و ﴿ من الليل ﴾ تبعيض.
ثم أتبع ذلك بأنهم يستغفرون في السحر، أي فإذا آذن الليل بالانصرام سألوا الله أن يغفر لهم بعد أن قدّموا من التهجد ما يرجون أن يزلفهم إلى رضى الله تعالى.
وهذا دل على أن هجوعهم الذي يكون في خلال الليل قبل السحر.
فأما في السحر فهم يتهجدون، ولذلك فسر ابن عمر ومجاهد الاستغفار بالصلاة في السحر.
وهذا نظير قوله تعالى: ﴿ والمستغفرين بالأسحار ﴾ [آل عمران: 17]، وليس المقصود طلب الغفران بمجرد اللسان ولو كان المستغفر في مضجعه إذ لا تظهر حينئذٍ مزية لتقييد الاستغفار بالكون في الأسحار.
والأسحار: جمع سحر وهو آخر الليل.
وخص هذا الوقت لكونه يكثر فيه أن يغلب النوم على الإنسان فيه فصلاتهم واستغفارهم فيه أعجب من صلاتهم في أجزاء الليل الأخرى.
وجَمْع الأسحار باعتبار تكرر قيامهم في كل سحر.
وتقديم ﴿ بالأسحار ﴾ على ﴿ يستغفرون ﴾ للاهتمام به كما علمت.
وصيغ استغفارهم بأسلوب إظهار اسم المسند إليه دُون ضميره لقصد إظهار الاعتناء بهم وليقع الإخبار عن المسند إليه بالمسند الفعلي فيفيد تقوّي الخبر لأنه من الندّرة بحيث يقتضي التقوية لأن الاستغفار في السحر يشقّ على من يقوم الليل لأن ذلك وقت إعيائه.
فهذا الإسناد على طريقة قولهم: هو يعطي الجزيل.
وحق السائل والمحروم: هو النصيب الذي يعطُونه إياهما، أطلق عليه لفظ الحق، إمّا لأن الله أوجب على المسلمين الصدقة بما تيسَّر قبل أن يفرض عليهم الزكاة فإن الزكاة فرضت بعد الهجرة فصارت الصدقة حقا للسائل والمحروم، أو لأنهم ألزموا ذلك أنفسهم حتى صار كالحق للسائل والمحروم.
وبذلك يتأوَّل قول من قال: إن هذا الحق هو الزكاة.
والسائل: الفقير المظهر فقره فهو يسأل الناس، والمحروم: الفقير الذي لا يُعطَى الصدقة لظن الناس أنه غير محتاج من تعففه عن إظهار الفقر، وهو الصنف الذي قال الله تعالى في شأنهم ﴿ يحسبهم الجاهلُ أغنياء من التعفّف ﴾ [البقرة: 273] وقال النبي صلى الله عليه وسلم «ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان والأكلة والأكلتان ولكن المسكين الذي ليس له غنى ويستحيي ولا يسأل الناس إلحافاً».
وإطلاق اسم المحروم ليس حقيقة لأنه لم يَسأل الناس ويحرموه ولكن لما كان مآل أمره إلى ما يؤول إليه أمر المحروم أطلق عليه لفظ المحروم تشبيهاً به في أنه لا تصل إليه ممكنات الرزق بعد قربها منه فكأنه ناله حرمان.
والمقصود من هذه الاستعارة ترقيق النفوس عليه وحثّ الناس على البحث عنه ليضعوا صدقاتهم في موضع يحب الله وضعها فيه ونظيرها في سورة المعارج.
قال ابن عطية: واختلف الناس في ﴿ المحروم ﴾ اختلافاً هو عندي تخليط من المتأخرين إذ المعنى واحد عبر علماء السلف في ذلك بعبارات على جهة المثالات فجعلها المتأخرون أقوالاً.
قلت ذكر القرطبي أحد عشر قولاً كلها أمثلة لمعنى الحرمان، وهي متفاوتة في القرب من سياق الآية فما صلح منها لأن يكون مثالاً للغرض قُبل وما لم يصلح فهو مردود، مثل تفسير من فسر المحروم بالكلب.
وفي «تفسير ابن عطية» عن الشعبي: أعياني أن أعلم ما المحروم.
وزاد القرطبي في رواية عن الشعبي قال: لي اليوم سبعون سنة منذ احتملت أسأل عن المحروم فما أنا اليوم بأعلم مني فيه يومئذٍ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ آخِذِينَ ما آتاهم رَبُّهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِنَ الفَرائِضِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: مِنَ الثَّوابِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
﴿ إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ ﴾ أيْ قَبْلَ الفَرائِضِ مُحْسِنِينَ بِالإجابَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ مُحْسِنِينَ بِالفَرائِضِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
﴿ كانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: راجِعْ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿ إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ ﴾ ﴿ كانُوا قَلِيلا ﴾ بِمَعْنى أنَّ المُحْسِنِينَ كانُوا قَلِيلًا، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ: مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ مُسْتَأْنَفٌ بَعْدَ تَمامِ ما تَقَدَّمَهُ، ابْتِداؤُهُ كانُوا قَلِيلًا، الآيَةَ.
والهُجُوعُ: النَّوْمُ، قالَ الشّاعِرُ أزالَكم الوَسْمِي أحْدَثَ رَوْضَهُ بِلَيْلٍ وأحْداقُ الأنامِ هُجُوعٌ وَفِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها ﴿ كانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ ﴾ أيْ يَسْتَيْقِظُونَ فِيهِ فَيُصَلُّونَ ولا يَنامُونَ إلّا قَلِيلًا، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: أنَّ مِنهم قَلِيلًا ما يَهْجَعُونَ لِلصَّلاةِ في اللَّيْلِ وإنْ كانَ أكْثَرُهم هُجُوعًا، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: أنَّهم كانُوا في قَلِيلٍ مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ حَتّى يُصَلُّوا صَلاةَ المَغْرِبِ وعِشاءِ الآخِرَةِ، قالَهُ أبُو مالِكٍ.
الرّابِعُ: أنَّهم كانُوا قَلِيلًا يَهْجَعُونَ، وما: صِلَةٌ زائِدَةٌ، وهَذا لَمّا كانَ قِيامُ اللَّيْلِ فَرْضًا.
وَكانَ أبُو ذَرٍّ يَحْتَجِنُ يِأْخُذُ العَصا فَيَعْتَمِدُ عَلَيْها حَتّى نَزَلَتِ الرُّخْصَةُ ﴿ قُمِ اللَّيْلَ إلا قَلِيلا ﴾ ﴿ وَبِالأسْحارِ هم يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: وبِالأسْحارِ هم يُصَلُّونَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: أنَّهم كانُوا يُؤَخِّرُونَ الِاسْتِغْفارَ مِن ذُنُوبِهِمْ إلى السَّحَرِ لِيَسْتَغْفِرُوا فِيهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
قالَ ابْنُ زَيْدٍ: وهو الوَقْتُ الَّذِي أخَّرَ يَعْقُوبُ الِاسْتِغْفارَ لِبَنِيهِ حَتّى اسْتَغْفَرَ لَهم فِيهِ حِينَ قالَ لَهم ﴿ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي ﴾ .
قالَ ابْنُ زَيْدٍ: والسَّحَرُ السُّدُسُ الأخِيرُ مِنَ اللَّيْلِ.
وَقِيلَ إنَّما سُمِّيَ سَحَرًا لِاشْتِباهِهِ بَيْنَ النُّورِ والظُّلْمَةِ.
﴿ وَفِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها الزَّكاةُ، قالَهُ ابْنُ سِيرِينَ وقَتادَةُ وابْنُ أبِي مَرْيَمَ.
الثّانِي: أنَّهُ حَقٌّ سِوى الزَّكاةِ تَصِلُ لَهُ رَحِمًا أوْ تُقْرِي بِهِ ضَيْفًا أوْ تَحْمِلُ بِهِ كَلًّا أوْ تُغْنِي بِهِ مَحْرُومًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿ لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ ﴾ أمّا السّائِلُ فَهو مَن يَسْألُ النّاسَ لِفاقَتِهِ، وأمّا المَحْرُومُ، فَفِيهِ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: المُتَعَفِّفُ الَّذِي يَسْألُ النّاسَ شَيْئًا ولا يَعْلَمُ بِحاجَتِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّهُ الَّذِي يَجِيءُ بَعْدَ الغَنِيمَةِ ولَيْسَ لَهُ فِيها سَهْمٌ، قالَهُ الحَسَنُ ومُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ.
وَرُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ بَعَثَ سَرِيَّةً فَأصابُوا وغَنِمُوا، فَجاءَ قَوْمٌ بَعْدَما فَرَغُوا فَنَزَلَتِ الآيَةُ.
» الثّالِثُ: أنَّهُ مَن لَيْسَ لَهُ سَهْمٌ في الإسْلامِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الرّابِعُ: المُحارِفُ الَّذِي لا يَكادُ يَتَيَسَّرُ لَهُ مَكْسَبُهُ، وهَذا قَوْلُ عائِشَةَ.
الخامِسُ: أنَّهُ الَّذِي يَطْلُبُ الدُّنْيا وتُدْبِرُ عَنْهُ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
السّادِسُ: أنَّهُ المُصابُ بِثَمَرِهِ وزَرْعِهِ يُعِينُهُ مَن لَمْ يُصَبْ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ: السّابِعُ: أنَّهُ المَمْلُوكُ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حُمَيْدٍ.
الثّامِنُ: أنَّهُ الكَلْبُ، رُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ كانَ في طَرِيقِ مَكَّةَ فَجاءَ كَلْبٌ فاحْتَزَّ عُمَرُ كَتِفَ شاةٍ فَرَمى بِها إلَيْهِ وقالَ: يَقُولُونَ إنَّهُ المَحْرُومُ.
وَيَحْتَمِلُ تاسِعًا: أنَّهُ مَن وجَبَتْ نَفَقَتُهُ مِن ذَوِي الأنْسابِ لِأنَّهُ قَدْ حُرِمَ كَسْبَ نَفْسِهِ، حَتّى وجَبَتْ نَفَقَتُهُ في مالِ غَيْرِهِ.
﴿ وَفِي الأرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ ﴾ يَعْنِي عِظاتٍ لِلْمُعْتَبِرِينَ مِن أهْلِ اليَقِينِ وفِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: ما فِيها مِنَ الجِبالِ والبِحارِ والأنْهارِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: مَن أهْلَكَ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ وأبادَ مِنَ القُرُونِ الخالِيَةِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
﴿ وَفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ سَبِيلُ الغائِطِ والبَوْلِ، قالَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ ومُجاهِدٌ.
الثّانِي: تَسْوِيَةُ مَفاصِلِ أيْدِيكم وأرْجُلِكم وجَوارِحِكم دَلِيلٌ عَلى أنَّكم خُلِقْتُمْ لِعِبادَتِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: في خَلْقِكم مِن تُرابٍ ثُمَّ إذا أنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الرّابِعُ: في حِياتِكم ومَوْتِكم وفِيما يَدْخُلُ ويَخْرُجُ مِن طَعامِكم، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الخامِسُ: في الكِبَرِ بَعْدَ الشَّبابِ، والضَّعْفِ بَعْدَ القُوَّةِ، والشَّيْبِ بَعْدَ السَّوادِ، قالَهُ الحَسَنُ.
وَيَحْتَمِلُ سادِسًا: أنَّهُ نَجْحُ العاجِزُ وحِرْمانُ الحازِمُ.
﴿ وَفِي السَّماءِ رِزْقُكم وما تُوعَدُونَ ﴾ ﴿ وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: ما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ مِن مَطَرٍ وثَلْجٍ يَنْبُتُ بِهِ الزَّرْعُ ويَحْيا بِهِ الخَلْقُ فَهو رِزْقٌ لَهم مِنَ السَّماءِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والضَّحّاكُ.
الثّانِي: يَعْنِي أنَّ مِن عِنْدِ اللَّهِ الَّذِي في السَّماءِ رِزْقُكم.
وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثالِثًا: وفي السَّماءِ تَقْدِيرُ رِزْقِكم وما قَسَمَهُ لَكم مَكْتُوبٌ في أُمِّ الكِتابِ.
وَأمّا قَوْلُهُ ﴿ وَما تُوعَدُونَ ﴾ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: مِن جَنَّةٍ ونارٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: مِن أمْرِ السّاعَةِ، قالَهُ الرَّبِيعُ.
﴿ فَوَرَبِّ السَّماءِ والأرْضِ إنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أنَّكم تَنْطِقُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ مِن دِينٍ وبَلَّغَهُ مِن رِسالَةٍ.
الثّانِي: ما عَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ في هَذِهِ السُّورَةِ مِن آياتِهِ وذَكَرَهُ مِن عِظاتِهِ.
قالَ الحَسَنُ: بَلَغَنِي أنَّ رَسُولَ اللَّهِ قالَ: « (قاتَلَ اللَّهُ أقْوامًا أقْسَمَ لَهم رَبُّهم [بِنَفْسِهِ] ثُمَّ لَمْ يُصَدِّقُوهُ» .
وقَدْ كانَ قِسُّ بْنُ ساعِدَةَ في جاهِلِيَّتِهِ يُنَبِّهُ بِعَقْلِهِ عَلى هَذِهِ العِبَرِ فاتَّعَظَ واعْتَبَرَ، فَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: « (رَأيْتُهُ عَلى جَمَلٍ لَهُ بِعُكاظٍ وهو يَقُولُ: أيُّها النّاسُ اسْمَعُوا وعُوا، مَن عاشَ ماتَ، ومَن ماتَ فاتَ، وكُلُّ ما هو آتٍ آتٍ، ما لِي أرى النّاسَ يَذْهَبُونَ فَلا يَرْجِعُونَ؟
أرَضُوا بِالإقامَةِ فَأقامُوا؟
أمْ تُرِكُوا فَنامُوا؟
إنَّ في السَّماءِ لَخَبَرًا، وإنَّ في الأرْضِ لَعِبَرًا، سَقْفٌ مَرْفُوعٌ، ولَيْلٌ مَوْضُوعٌ، وبِحارٌ تَثُورُ، ونُجُومٌ تَحُورُ ثُمَّ تَغُورُ، أُقْسِمُ بِاللَّهِ قَسَمًا ما آثِمٌ فِيهِ، إنَّ لِلَّهِ دِينًا هو أرْضى مِن دِينٍ أنْتُمْ عَلَيْهِ.
ثُمَّ تَكَلَّمَ بِأبْياتِ شِعْرٍ ما أدْرِي ما هي فَقالَ أبُو بَكْرٍ: كُنْتُ حاضِرًا إذْ ذاكَ والأبْياتُ عِنْدِي وأنْشَدَ في الذّاهِبِينَ الأوَّلِينَ ∗∗∗ مِنَ القُرُونِ لَنا بَصائِرُ ∗∗∗ لَمّا رَأيْتُ مَوارِدًا ∗∗∗ لِلْمَوْتِ لَيْسَ لَها مَصادِرُ ∗∗∗ ورَأيْتُ قَوْمِي نَحْوَها ∗∗∗ يِمَضْيِ الأكابِرُ والأصاغِرُ ∗∗∗ لا يَرْجِعُ الماضِي إلَيَّ ∗∗∗ ولا مِنَ الباقِينَ غابِرُ ∗∗∗ أيْقَنْتُ أنِّي لامِحًا ∗∗∗ لَهُ حَيْثُ صارَ القَوْمُ صائِرُ فَقالَ النَّبِيُّ : (يُبْعَثُ يَوْمَ القِيامَةِ أُمَّةً وحْدَهُ)» .
ونَحْنُ نَسْألُ اللَّهَ تَعالى مَعَ زاجِرِ العَقْلِ ورادِعِ السَّمْعِ أنْ يَصْرِفَ نَوازِعَ الهَوى ومَواقِعَ البَلْوى.
فَلا عُذْرَ مَعَ الإنْذارِ، ولا دالَّةَ مَعَ الِاعْتِبارِ، وأنْ تَفْقَهَنَّ الرُّشْدَ تُدْرِكْ فَوْزًا مِنهُ وتَكْرُمَةً.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور والحارث بن أبي أسامة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف والحاكم وصححه البيهقي في شعب الإِيمان من طرق عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله: ﴿ والذاريات ذرواً ﴾ قال: الرياح ﴿ فالحاملات وقراً ﴾ قال: السحاب ﴿ فالجاريات يسراً ﴾ قال: السفن ﴿ فالمقسمات أمراً ﴾ قال: الملائكة.
وأخرج البزار والدارقطني في الأفراد وابن مردويه وابن عساكر عن سعيد بن المسيب قال: جاء صبيغ التميمي إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: أخبرني عن ﴿ والذاريات ذرواً ﴾ قال: هي الرياح، ولولا أني سمعت رسول يقوله ما قلته، قال: فأخبرني عن ﴿ فالحاملات وقراً ﴾ قال: هي السحاب، ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله ما قلته، قال: فأخبرني عن ﴿ فالجاريات يسراً ﴾ قال: هي السفن، ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله ما قلته.
قال: فأخبرني عن ﴿ فالمقسمات أمراً ﴾ قال: هن الملائكة، ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله ما قلته، ثم أمر به فضرب مائة وجعل في بيت، فلما برأ دعاه، فضرب مائة أخرى، وحمله على قتب وكتب إلى أبي موسى الأشعري إمنع الناس من مجالسته، فلم يزالوا كذلك حتى أتى أبا موسى فحلف له بالأيمان المغلظة ما يجد في نفسه مما كان يجد شيئاً، فكتب في ذلك إلى عمر، فكتب عمر: ما إخاله إلا وقد صدق، فحل بينه وبين مجالسة الناس.
وأخرج الفريابي عن الحسن قال: سأل صبيغ التميمي عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن ﴿ والذاريات ذرواً ﴾ وعن ﴿ والمرسلات عرفاً ﴾ وعن ﴿ والنازعات غرقاً ﴾ فقال عمر رضي الله عنه: إكشف رأسك فإذا له ضفيرتان، فقال: والله لو وجدتك محلوقاً لضربت عنقك.
ثم كتب إلى أبي موسى الأشعري أن لا يجالسه مسلم ولا يكلمه.
وأخرج الفريابي وابن المنذر عن سعيد بن جبير قال: سألت ابن عباس رضي الله عنهما عن ﴿ والذاريات ذرواً ﴾ فقال: الرياح ﴿ فالحاملات وقراً ﴾ قال: السحاب ﴿ فالجاريات يسراً ﴾ قال: السفن.
وأخرج ابن جرير وابن نصر وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون ﴾ يقول: قليلاً ما كانوا ينامون.
وأخرج أبو داود وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أنس رضي الله عنه في قوله: ﴿ كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون ﴾ قال: كانوا يصلون بين المغرب والعشاء وكذلك ﴿ تتجافى جنوبهم ﴾ [ البقرة: 264] .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن أبي العالية في قوله: ﴿ كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون ﴾ قال: لا ينامون عن العشاء الآخرة.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن نصر وابن المنذر عن عطاء في قوله: ﴿ كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون ﴾ قال: ذلك إذ أمروا بقيام الليل، وكان أبو ذر يعتمد على العصا فمكثوا شهرين ثم نزلت الرخصة ﴿ فاقرأوا ما تيسر منه ﴾ [ المائدة: 90] .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الضحاك في الآية قال: كانوا قليلاً من الناس الذين يفعلون ذلك إذ ذاك.
وأخرج ابن أبي شيبة عن الضحاك في الآية، قال: المتقين هم القليل كانوا من الناس قليلاً.
وأخرج ابن جرير ومحمد بن نصر عن الضحاك في قوله: ﴿ كانوا قليلاً ﴾ يقول: المحسنون كانوا قليلاً، هذه مفصولة، ثم استأنف فقال: ﴿ من الليل ما يهجعون ﴾ الهجوع النوم.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن نصر عن مجاهد رضي الله عنه في الآية قال: كانوا لا ينامون الليل كله.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون ﴾ قال: كان الحسن يقول: كانوا قليلاً من الليل ما ينامون، وكان مطرف بن عبد الله يقول: كانوا قلّ ليلة لا يصيبون منها، وكان محمد بن علي يقول: لا ينامون حتى يصلوا العتمة.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن مردويه من طريق الحسن عن عبد الله بن رواحة رضي الله عنه في قوله: ﴿ كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون ﴾ قال: هجعوا قليلاً ثم مدوها إلى السحر.
وأخرج ابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن آخر الليل في التهجد أحب إليَّ من أوّله، لأن الله يقول ﴿ وبالأسحار هم يستغفرون ﴾ » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما «عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ وبالأسحار هم يستغفرون ﴾ قال: يصلون» .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن نصر وابن جرير وابن المنذر عن الحسن في الآية قال: صلوا فلما كان السحر استغفروا.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وفي أموالهم حق ﴾ قال: سوى الزكاة يصل بها رحماً أو يقري بها ضيفاً أو يعين بها محروماً.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ وفي أموالهم حق ﴾ قال: سوى الزكاة.
وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم قال: كانوا يرون في أموالهم حقاً سوى الزكاة.
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه سئل عن السائل والمحروم قال: السائل الذي يسأل الناس والمحروم الذي ليس له سهم في المسلمين.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن الحسن بن محمد بن الحنفية قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فأصابوا وغنموا، فجاء قوم بعد ما فرغوا فنزلت ﴿ وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: المحروم هو المحارف الذي يطلب الدنيا وتدبر عنه، ولا يسأل الناس فأمر الله المؤمنين برفده.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عروة قال: سألت عائشة رضي الله عنها عن المحروم في هذه الآية فقالت: هو المحارف الذي لا يكاد يتيسر له مكسبه.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: المحروم المحارف الذي ليس له في الإِسلام سهم.
وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد رضي الله عنه قال: المحروم الذي ليس في الغنيمة شيء.
وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم مثله.
وأخرج ابن المنذر عن أبي قلابة قال: كان رجل باليمامة فجاء السيل فذهبت بماله، فقال رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: هذا المحروم فأعطوه.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه قال: السائل الذي يسأل بكفه، والمحروم المتعفف.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية قال: المحروم المحارف.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال: المحروم المحارف الذي لا يثبت له مال.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الضحاك قال: المحروم الذي لا ينمو له مال في قضاء الله.
وأخرج عبد بن حميد عن عامر قال: هو المحارف، وتلا هذه الآية ﴿ إنا لمغرمون بل نحن محرومون ﴾ [ الواقعة: 66- 67] قال: هلكت ثماركم وحرموا بركة أرضهم.
وأخرج عبد بن حميد عن قزعة أن رجلاً سأل ابن عمر رضي الله عنهما عن قوله: ﴿ وفي أموالهم حق معلوم ﴾ قال: هي الزكاة وفي سوى ذلك حقوق.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ للسائل والمحروم ﴾ قال: السائل الذي يسأل بكفه، والمحروم المحارف.
وأخرج عبد بن حميد عن الشعبي قال: أعياني أعلم ما المحروم.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي بشر قال: سألت سعيد بن جبير عن المحروم فلم يقل فيه شيئاً، وسألت عطاء فقال: هو المحدود، وزعم أن المحدود المحارف.
وأخرج ابن جرير وابن حبان وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان ولا الأكلة والأكلتان، قالوا: فمن المسكين؟
قال: الذي ليس له ما يغنيه ولا يُعْلم مكانه فَيُتَصَدَّقَ عليه فذلك المحروم» .
وأخرج العسكري في المواعظ وابن مردويه «عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أنس ويل للأغنياء من الفقراء يوم القيامة، يقولون: ربنا ظلمونا حقوقنا التي فرضت لنا عليهم، فيقول: وعزتي وجلالي لأقربنكم ولأباعدنهم، قال: وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم ﴾ » .
وأخرج البيهقي في سننه عن فاطمة بنت قيس أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية ﴿ وفي أموالهم حق معلوم ﴾ قال: إن في المال حقاً سوى الزكاة، وتلا هذه الآية ﴿ ليس البر أن تولوا وجوهكم ﴾ إلى قوله: ﴿ وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة ﴾ والله سبحانه وتعالى أعلم.
<div class="verse-tafsir"
ثم ذكر إحسانهم فقال: ﴿ كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ﴾ والهجع معناه النوم بالليل دون النهار، ومنه يقال: لقيته بعد هجعة.
أي بعد نومه من الليل (١) (٢) (٣) (٤) (٥) وقال مطرف بن الشِّخِّير: قل ليلة أتت عليهم هجعوها كلها (٦) وقال مجاهد: كانوا لا ينامون كل الليل (٧) ﴿ مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ﴾ وهذا على نفي النوم عنهم البتة.
وهو قول مقاتل والضحاك قالا: كانوا قليلاً (٨) - وصدقوه فذكرهم الله في غير موضع من القرآن (٩) أحدهما: أن ﴿ مَا ﴾ في هذه الآية ما المصدر، ويكون التقدير: كانوا قليلاً من الليل هجوعهم.
وهذا الوجه ذكره أبو إسحاق والفراء، وكذلك الوجه الأول (١٠) ﴿ قَلِيلًا ﴾ (١١) والآخر: أن (ما) بمعني الذي والتقدير: كانوا قليلاً من الليل الذي يهجعون.
وهذا قول الكلبي.
قال: كانوا قليلاً من الليل الذي يناموا (١٢) (١٣) (١) انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 129، "اللسان" 3/ 774 (هجع).
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 84، "معاني القرآن" للزجاج 5/ 53.
(٣) في (ك): (وعلى هذا التأويل قال عطاء) مكررة.
(٤) انظر: "المصنف" لابن أبي شيبة 2/ 238، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 36، "الدر" 6/ 113، ونسب تخريجه لابن أبي شيبة وابن المنذر وابن نصر.
(٥) انظر: "جامع البيان" 26/ 122، "الوسيط" 4/ 175، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 233، "المستدرك" 2/ 467 وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
(٦) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 243، "جامع البيان" 26/ 122، "المصنف" 2/ 238، "معالم التنزيل" 4/ 23.
(٧) انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 617، "جامع البيان" 26/ 122، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 233، "المصنف" 13/ 568.
(٨) انظر: "جامع البيان" 26/ 123، "المصنف" 2/ 239، "الوسيط" 4/ 175، "التفسير الكبير" 28/ 202، وفي "تفسير مقاتل" 126 ب قال بقلة نومهم، والله أعلم.
وهذا القول رده بعض العلماء لما فيه من تفكيك للنظم، وتقدم معمول العامل المنفي بـ (ما) على عامله لا يجوز عند البصريين.
انظر: "الكشاف" 4/ 28، "البحر المحيط" 8/ 135، "فتح القدير" 5/ 84.
(٩) انظر: "الوسيط" 4/ 175.
(١٠) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 84، "معاني القرآن" للزجاج 5/ 53.
(١١) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 36، وما ذكره القرطبي هو نقل يعقوب له لا اختياره.
ثم قال: قال ابن الأنباري: وهذا فاسد؛ لأن الآية إنما تدل على قلة نومهم، لا على قلة عددهم.
قلت: مراد المؤلف - رحمه الله أن يعقوب اختار == الوجه الأول وهو المتقدم على هذا الوجه، حيث قال: ووجه آخر وهو الوقف على قوله ﴿ قَلِيلًا ﴾ .
وانظر "القطع والائتناف" ص680 - 681.
(١٢) انظر: "جامع البيان" 26/ 123، واختار ابن جرير حيث قال: لأن الله تبارك وتعالى وصفهم بذلك مدحًا لهم وأثني عليهم به، فوصفهم بكثرة العمل وسهر الليل ومكابدته فيما يقربهم منه ويرضيه عنهم، أولي وأشبه من وصفهم من قلة العمل وكثرة النوم، مع أن الذي اخترنا في ذلك هو أغلب المعاني على ظاهر التنزيل.
(١٣) لم أقف عليه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ كَانُواْ قَلِيلاً مِّن الليل مَا يَهْجَعُونَ ﴾ الهجوع النوم.
وفي معنى الآية قولان: أحدهما: وهو الصحيح: أنهم كانوا ينامون قليلاً من الليل، ويقطعون أكثر الليل بالسهر في الصلاة والتضرع والدعاء، والآخر: أنهم كانوا لا ينامون بالليل قليلاً ولا كثيراً ويختلف الإعراب باختلاف المعنيين؛ فأما على القول الأول ففي الإعراب أربعة أوجه: الأول أن يكون قليلاً خبر كانوا وما يهجعون فاعل بقليلاً، لأن قليلاً صفة مشبهة باسم الفاعل، وتكون ما مصدرية، والتقدير: كانوا قليلاً هجوعهم من الليل، والثاني: مثل هذا إلا أن ما موصولة والتقدير: كانوا قليلاً الذين يهجعون فيه من الليل، والثالث: أن تكون ما زائدة، وقليلاً ظرف، والعامل فيه يهجعون، والتقدير: كانوا يهجعون وقتاً قليلاً من الليل، والرابع: مثل هذا إلا أن قليلاً صفة لمصدر محذوف، والتقدير: كانوا يهجعون هجوعاً قليلاً، وأما على القول الثاني في الإعراب وجهان: أحدهما أن تكون ما نافية، وقليلاً ظرف، والعامل فيه يهجعون، والتقدير: كانوا ما يهجعون قليلاً من الليل، والآخر أن تكون ما نافية، وقليلاً خبر كان، والمعنى كانوا قليلاً في الناس، ثم ابتدأ بقوله: ﴿ مِّن الليل مَا يَهْجَعُونَ ﴾ وكلا الوجهين باطل عند أهل العربية، لأن ما نافية لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، فظهر ضعف هذا المعنى لبطلان إعرابه.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ والذاريات ذرواً ﴾ بإدغام التاء في الذال: حمزة وأبو عمرو ﴿ ومثل ما ﴾ بالضم: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص.
الباقون: ﴿ مثل ﴾ بالفتح على البناء لإضافته إلى غير متمكن، أو على أنه لحق حقاً مثل نطقكم ﴿ سلم ﴾ بكسر السين وسكون اللام: حمزة علي وخلف والمفضل ﴿ والصعقة ﴾ بسكون العين للمرة: علي ﴿ وقوم نوح ﴾ بالجر: أبو عمرو وعلي وخلف الوقوف: ﴿ ذرواً ﴾ ط ﴿ وقراً ﴾ ه لا ﴿ يسراً ﴾ ه لا ﴿ أمراً ﴾ ه ط ﴿ لصادق ﴾ ه لا ﴿ لواقع ﴾ ه ﴿ الحبك ﴾ ه لا ﴿ مختلف ﴾ ه لا ﴿ أفك ﴾ ه ط ﴿ الخراصون ﴾ ه لا ﴿ ساهون ﴾ ه لا لأن ﴿ يسألون ﴾ صلة بعد صلة، ﴿ الدين ﴾ ه ط بناء على أن عامل يوم منتظر أي يقال لهم ذوقوا ﴿ يفتنون ﴾ ه ﴿ فتنتكم ﴾ ط ﴿ تستعجلون ﴾ ه ﴿ وعيون ﴾ ه لا ﴿ ربهم ﴾ ط ﴿ محسنين ﴾ ه ط ﴿ يهجعون ﴾ ه ﴿ يستغفرون ﴾ ه ﴿ والمحروم ﴾ ه ﴿ للموقنين ﴾ ه ط للعطف ﴿ أنفسكم ﴾ ط ﴿ تبصرون ﴾ ه ﴿ توعدون ﴾ ه ﴿ تنطقون ﴾ ه ﴿ المكرمين ﴾ ه م لأن عامل "إذ" محذوف وهو "اذكر" ولو وصل لأوهم أنه ظرف للإتيان ﴿ سلاماً ﴾ ط ﴿ سلام ﴾ ج ﴿ لحق ﴾ المحذوف مع اتحاد القائل أي أنتم قوم ﴿ منكرون ﴾ ه ﴿ سمين ﴾ ه لا للعطف ﴿ تأكلون ﴾ ه للآية مع العطف ﴿ خيفة ﴾ ط ﴿ لا تخف ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ عقيم ﴾ ه ﴿ كذلك ﴾ لا للتعلق بما بعده ﴿ ربك ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ المرسلون ﴾ ه ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ طين ﴾ ه ﴿ للمفسرين ﴾ ه ﴿ المؤمنين ﴾ ه ج للآية مع العطف بالفاء واتصال المعنى ﴿ المسلمين ﴾ ه ط كذلك ﴿ الأليم ﴾ ه لتناهي القصة وحكم العربية ولوصل للعطف على قوله ﴿ وفي الأرض آيات ﴾ ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ مجنون ﴾ ه ﴿ مليم ﴾ ه كما مر ﴿ العقيم ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال أي غير تاركته ﴿ كالرميم ﴾ ه ﴿ حين ﴾ ه ﴿ ينظرون ﴾ ه ﴿ منتصرين ﴾ ه لا على القراءتين فيما بعده للعطف أي وفي قوم نوح أو وأخذنا قوم نوح ولو قدر واذكر قوم نوح فالوقف ﴿ قبل ﴾ ج ﴿ فاسقين ﴾ ه ﴿ لموسعون ﴾ ه ﴿ الماهدون ﴾ ه ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ إلى الله ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه للآية مع العطف ﴿ آخر ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ أو مجنون ﴾ ه ﴿ أتواصوا به ﴾ ج لأن " بل " للإضراب معنى مع العطف لفظاً ﴿ طاغون ﴾ ه ﴿ بملوم ﴾ ه لا للآية مع اتفاق الجملتين ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ ليعبدون ﴾ ه ﴿ يطعمون ﴾ ه ﴿ المتين ﴾ ه ﴿ يستعجلون ﴾ ه ﴿ يوعدون ﴾ ه.
التفسير: لما بين في آخر السورة أنهم بعد إيراد البراهين الساطعة عليهم مصرون على إنكار الحشر، ولهذا سلى نبيه بقوله ﴿ نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار ﴾ لم يبق إلا توكيد الدعوى بالإيمان فلذلك افتتح بذلك.
عن علي كرم الله وجهه أنه قال علىالمنبر: سلوني قبل أن تفقدوني وإن لا تسألوني لا تسألوا بعدي مثلي.
فقال ابن الكواء فقال: ما الذاريات؟
قال: الرياح.
وقد مر في الكهف في قوله ﴿ تذروه الرياح ﴾ قال: فالحاملات وقراً؟
قال : السحاب لأنها تحمل المطر.
وإنما لم يقل أوقاراً باعتبار جنس المطر وهو واحد.
قال: فالجاريات يسراً؟
قال : الفلك والمراد جريان اليسر.
قال: فالمقسمات أمراً؟
قال : الملائكة لأنها تقسم الأمور من الأمطار والأرزاق وغيرها، أو تفعل التقسيم مأمورة بذلك فيكون مصدراً في موضع الحال.
ومعنى الفاء فيها ظاهر لأنه أقسم بالرياح فبالسحاب الذي تسوقه فبالفلك التي تجريها بهبوباتها كأن ماء البحر أو مدده من السحاب فلذلك أخر.
ثم أقسم بالملائكة التي تقسم الأرزاق بإذن الله من الأمطار وتجارات البحر.
وقيل: إن الأوصاف الأربعة كلها للرياح لأنها تذروا التراب وغيره أولاً، ثم تنشىء السحاب وتحمله.
ولا ريب أن السحاب حمل ثقيل ولا سيما إذا كان فيه مطر ثم تجري - أعني الرياح - في الجو جرياً سهلاً في نفسها أي لا يصعب عليها الجري أو بالنسبة إلينا بخلاف الصرصر والعاصف ونحوها فتبسط السحاب في السماء ثم تقسم الأمطار في الأقطار بتصريف السحاب, وقد روعي في ذكر وهذه الأوصاف لطيفة فإن الحشر يتم إمكانه بها لأن أجزاء بدن المكلف إن كانت في الأرض فتميز الريح بينهما بالذرو، وإن كانت في الهواء فتحملها بالنقل، وإن كانت في البحر فتخرجها بإنشاء السحاب منها إذ الذي قدر على إجراء السفن في البحار يقدر على إخراج تلك الأجزاء منها إلى البر.
وبعد ذلك تقسم الملائكة أرواح الخلائق على أجسادها بإذن الله .
وقيل: المقسمات الكواكب السبعة.
وجواب القسم ﴿ إن ما توعدون ﴾ و "ما" مصدرية أو موصولة ﴿ لصادق ﴾ في نفسه كما يقال "خبر صادق" أو "ذو صدق" كعيشة راضية.
ثم صرح بالموعود قائلاً ﴿ وإن الدين ﴾ أي الجزاء ﴿ لواقع ﴾ أي حاصل.
وحين أقسم على صدق موعوده أقسم على جهلهم وعنادهم، والحبك الطرائق كطرائق الرمل، والماء إذا ضربته الريح ويقال: إن خلقة السماء كذلك واحدها حباك، وقال الحسن: حبكها نجومها لأنها تزينها كما تزين الموشيّ يكون بطرائق الوشي.
وقيل: حبكها صفاقتها وإحكامها يقال للثوب الصفيق "ما أحسن حبكه".
وعلى القول الأول يكون بين القسم والمقسم عليه مناسبة لأن القول المختلف له أيضاً طرائق، قال الضحاك: قول الكفرة لا يكون مستوياً وإنما هو متناقض مختلف ولهذا قالوا للرسول شاعر مجنون، وللقرآن مثل ذلك، وعن قتادة: أراد منكم مصدّق ومكذب ومقر ومنكر.
والضمير في ﴿ يؤفك عنه ﴾ للقرآن أو النبي أي يصرف عنه من صرف الصرف الذي لا صرف بعده لأنه غاية ونهاية.
ويمكن أن يقال: يصرف عنه من صرف في سابق علم الله، ويجوز أن يكون الضمير للموعود أقسم بالذاريات وغيرها أن وقوعه حق، ثم أقسم بالسماء أنهم مختلفون في وقوعه يؤفك عن الإقرار به من هو عديم الاستعداد، مغمور في الجهل والعناد.
وجوّز جار الله أن يرجع الضمير إلى ﴿ قول مختلف ﴾ ويكون "عن" كما قوله ينهون عن أكل وعن شرب *** أي يتناهون في السمن من كثرة الأكل والشرب وحقيقته يصدر تناهيهم في السمن من الأكل والشرب وكذلك يصدر إفكهم عن القول المختلف.
ثم دعا عليهم بقوله ﴿ قتل الخرّاصون ﴾ أي الكذابون المقدرون ما لا يصح وهم المعهودون وأعم فيشملهم شمولاً أولياً.
ولا يراد بهذا الدعاء وقوع القتل بعينه بل اللعن وما يوجب الهلاك بأي وجه كان.
وقد لا يراد إلا تقبيح حال المدعو كقوله ﴿ قتل الإنسان ما أكفره ﴾ والغمرة كل ما يغمر الإنسان أي إنهم في جهل يغمرهم غافلون عما أمروا به ﴿ أيان يوم الدين ﴾ أي متى وقوعه؟
ثم أجاب بقوله ﴿ يوم هم ﴾ أي يقع في ذلك اليوم.
ومعنى ﴿ يفتنون ﴾ يحرقون ويعذبون.
ثم وبخهم وتهكم بهم قائلاً ﴿ ذوقوا ﴾ إلى آخره.
وحين حكى حال الفاجر الشقي أراد أن يبين حال المؤمن التقي فقال ﴿ إن المتقين في جنات وعيون ﴾ أي في جنات فيه عيون حال كونهم ﴿ آخذين ما آتاهم ربهم ﴾ قال جار الله: قابلين لكل ما أعطاهم راضين به لا كمن يأخذ شيئاً على سخط وكراهية.
وقال غيره: أراد أنهم يأخذونه شيئاً فشيئاً ولا يستوفون ذلك بكماله لامتناع استيفاء ما لا نهاية له.
وقيل: الأخذ بمعنى التملك يقال: بكم أخذت هذا كأنهم اشتروها بأنفسهم وأموالهم.
قال: إن فيض الله لا ينقطع أصلاً وإنما يصل إلى كل مكلف بقدر ما استعد له، فكلما ازداد قبولاً ازداد تأثراً من الفيض والأخذ في هذا المقام لعله إشارة إلى كمال قبولهم للفيوض الإلهية، وذلك لما أسلفوا من حسن العبادة ووفور الطاعة ولهذا علله بقوله ﴿ إنهم كانوا قبل ذلك محسنين ﴾ أي في الدنيا وظهر عليهم بعد قطع التعلق آثار الإحسان ونتيجته.
وقوله ﴿ ما آتاهم ﴾ على المضي لتحقق الإيتاء مثل { ﴿ ونادى ﴾ ﴿ وسيق ﴾ وقال أهل العرفان: ما آتاهم في الأزل يأخذون نتائجه في الأبد.
ثم فسر إحسانهم بقوله ﴿ كانوا قليلاً من الليل يهجعون ﴾ "ما" صلة أي كانوا ينامون في طائفة قليلة من الليل أو يهجعون هجوعاً قليلاً.
وجوز أن تكون ما مصدرية أو موصولة.
وارتفع "ما" مع الفعل على أنه فاعل قليلاً من الليل هجوعهم أو الذي يهجعون فيه.
وفيه أصناف من المبالغة من جهة لفظ الهجوع وهو النوم اليسير، ومن جهة لفظ القلة، ومن جهة التقييد بالليل لأنه وقت الاستراحة فقلة النوم فيه أغرب منها في النهار، ومن جهة ما المزيدة على قول.
ولا يجوز أن تكون "ما" نافية لان ما بعدها لا يعمل فيما قبلها.
وصفهم بأنهم يحيون أكثر الليل متهجدين فإذا أسحروا أخذوا في الاستغفار وكأنهم باتوا في معصية الملك الجبار.
وهذا سيرة الكريم يأتي بأبلغ وجوه الكرم.
ثم يستقله ويعتذر، واللئيم بالعكس يأتي بأقل شيء ثم يمن به ويستكثر.
ومثله المطيع يأتي بغاية مجهوده من الخدمة ثم ينسب نفسه إلى التقصير فيستغفر.
ويمكن أن يقال: إنهم يستغفرون من الهجوع كأنهم أرادوا أن يقوموا على إحياء الليل كله.
ويجوز أن يكون الاستغفار بمعنى الصلاة لقوله بعده ﴿ في أموالهم حق ﴾ فيكون كقوله ﴿ يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ﴾ ووجه أغرب وهو أن يكون السين في استغفر مثله في استحصد الزرع أي حان أن يحصد فكأن وقت السحر وهو الأولى بحصول المغفرة.
قال جار الله: في قوله ﴿ هم يستغفرون ﴾ إشارة إلى أنهم هو المستغفرون الأحقاء بالاستغفار دون المصرين.
وقيل: إبراز الضمير لدفع وهم من يظن أن التقدير وبالأسحار قليلاً يستغفرون على قياس الفعل السابق.
وحيث ذكر جدهم في التعظيم لأمر الله أردفه بذكر شفقتهم على خلق الله.
والمشهور في الحق أنه القدر الذي علم إخراجه من المال شرعاً وهو الزكاة قيل: إنه على هذا لم يكن صفة مدح لأن كل مسلم كذلك بل كل كافر وذلك إذا قلنا إنه مخاطب بالفروع إلا أنه إذا علم سقط عنه.
وأجيب بأن السائل من له الطلب شرعاً.
والمحروم من الحرمة وهو الذي منع الطلب فكأنه قيل: في أموالهم حق للطالب - وهو الزكاة - ولغير الطالب وهو الصدقة المتطوع بها التي تتعلق بفرض صاحب المال وإقراره وليس عليه فيها مطالبة.
ويمكن أن يقال: أراد في أموالهم حق في اعتقادهم وسيرتهم كأنهم أوجبوا على أنفسهم أن يعطوا من المال حقاً معلوماً وإن لم يوجبه الشرع.
وفي السائل والمحروم وجوه أحدها ما مر.
الثاني السائل هو الناطق والمحروم كل ذي روح غيره من الحيوان كما قال " "لكل كبد حرى أجر" الثالث وهو الأظهر أن السائل هو الذي يستجدي والمرحوم الذي يحسب غنياً فيحرم الصدقة لتعففه قال : " ليس المسكين الذي ترده الأكلة والأكلتان والتمرة والتمرتان قالوا: فما هو قال: الذي لا يجد ولا يتصدق عليه " وتقديم السائل على ترتيب الواقع لأنه يعرف حاله بمقاله فيسد خلته، وأما المحروم فلا تندفع حاجته إلا بعد الاستكشاف والبحث.
وقيل: المحروم الذي لا يمنى له مال.
وقيل: هو المنقوص الحظ الذي لا يكاد يكسب.
ثم أكد وقوع الحشر والدلالة على قدرته بقوله ﴿ وفي الأرض آيات ﴾ كقوله ﴿ ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة ﴾ إلى قوله ﴿ إن الذي أحياها لمحي الموتى ﴾ ومن عجائب الأرض ما هي في جرمها من الاستدارة والألوان المختلفة وطبقاتها المتباينة، ومنها ما عليها وفيها من الجبال والمواليد الثلاثة، ومنها ما هي واردة عليها من فوقها كالمطر وغيره.
وخص الآيات الأرضية بالذكر لقربها من الحواس، وخص كونها آيات بالمؤمنين لأنهم هم المنتفعون بذلك، ومن لم يتأمل في المصنوعات لم يزد يقينه بالصانع.
ثم استدل بالأنفس فقال ﴿ وفي أنفسكم ﴾ آيات.
وذلك أن الإنسان عالم صغير فيه تشابه من العالم الكبير وقد مر تقرير ذلك مراراً.
وقيل: هي الأرواح أي وفي نفوسكم التي بها حياتكم آيات.
قال أهل النظم: هذه الآية مؤكدة لما قبلها فإن من وقف على هذه الآيات الباهرة تبين له جلال الله وعظمته فيتقيه ويعبده ويستغفره من تقصيره ولا يهجع إلا قليلاً، وهكذا من عرف أن رزقه في السماء لم يبخل بماله ويعطيه السائل والمحروم.
وعن الحسن أنه كان إذا رأى السحاب قال لأصحابه: فيه رزقكم يعني المطر ولكنكم تحرمونه.
﴿ وما توعدون ﴾ هي الجنة فوق السماء السابعة وتحت العرش.
وقيل: إن أرزاقكم في الدنيا وما توعدون في العقبى كلها مقدرة مكتوبة في السماء.
ثم أنتج من الأخبار السالفة من أول السورة إلى ههنا حقيقة القرآن أو النبي أو الموعود، وأقسم عليه برب السماء الأرض ترقياً من الأدنى وهي المربوبات كالذاريات وغيرها إلى الرب .
و"ما" مزيدة بنص الخليل حكاه جار الله يقال في الأمر الظاهر غاية الظهور أن هذا الحق أنك ترى وتسمع مثل ما أنك ههنا.
قال الأصمعي: أقبلت خارجاً من البصرة فطلع أعرابي على قعود فقال: من الرجل؟
قلت: من بني أصمع.
قال: من أين أقبلت؟
قلت: من موضع يتلى فيه كلام الرحمن.
فقال: اتل علي فتلوت ﴿ والذاريات ﴾ فلما بلغت قوله ﴿ وفي السماء رزقكم ﴾ فقال: حسبك.
فقام إلى ناقته فنحرها ووزعها على الناس وعمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما وولى.
فلام حججت مع الرشيد طفقت أطوف فإذا أنا بمن يهتف بي بصوت رقيق، فالتفت فإذا أنا بالأعرابي قد نحل واصفر فسلم علي واستقرأ السورة، فلما بلغت الآية صاح وقال: وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً ثم قال: فهل غير هذا؟
فقرأت ﴿ فورب السماء والأرض إنه لحق ﴾ فصاح فقال: يا سبحان الله من ذا الذي أغضب الجليل حتى حلف لم يصدقوه بقوله حتى ألجؤه إلى اليمين قالها ثلاثاً وخرجت معها نفسه.
ثم سلى نبيه بقصة إبراهيم وغيرها قد مرت في "هود" و "الحجر" وفي قوله ﴿ هل أتاك ﴾ تفخيم لشأن الحديث.
والضيف واحد.
وجمع والمكرمون إما باعتبار إكرامه إياهم حتى خدمهم بنفسه وبامرأته، أو لأنهم أهل الإكرام عند الله كقوله ﴿ بل عباد مكرمون ﴾ وجوز أن يكون نصب ﴿ إذا دخلوا ﴾ بالمكرمين إذا فسر بإكرام إبراهيم أو بما في ضيف من معنى الفعل.
قال المفسرون: أنكرهم للسلام الذي هو علم الإسلام أو أراد تعرف حالهم لأنهم لم يكونوا من معارفه ﴿ فراغ إلى أهله ﴾ فذهب إليهم في خفية من ضيوفه وهو نوع أدب للمضيف كيلا يستحيوا منه ولا يبادروا بالاعتذار والمنع من الضيافة.
وفي قوله ﴿ فقربه إليهم ﴾ دلالة على أن نقل الطعام إلى الضيف أولى من العكس لئلا يتشوش المكان عليهم.
﴿ قال ألا تأكلون ﴾ سلوك لطريقة الاستئناف ولهذا حذف الفاء خلاف ما في "الصافات" وقد مر.
والاستفهام لإنكار ترك الأكل أو للحث عليه ﴿ فأوجس ﴾ فأضمر وقد تقدم سائر الأبحاث في "هود" وفي "الصافات".
واعلم أنه ذكر في "هود" أنه لما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وقال ههنا ﴿ سلام قوم منكرون ﴾ ولا تنافي بين الحديثين لأنه أنكرهم أولاً بالسلام الذي لم يكن من عادة تلك الشريعة، ثم زاد إنكاره حين رآهم لا يأكلون الطعام فذكر أحد الإنكارين في تلك السورة والآخر في هذه.
قوله ﴿ فأقبلت امرأته في صرة ﴾ أي في صيحة ومنه صرير القلم.
قال الحسن: كانت في زاوية تنظر إليهم فوجدت حرارة الدم فأقبلت إلى بيتها صارة فلطمت وجهها من الحياء والتعجب كعادة النسوان ﴿ وقالت ﴾ أنا ﴿ عجوز ﴾ فأجابت الملائكة ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك الذي قلنا وأخبرنا به ﴿ قال ربك ﴾ فلا تستبعدي.
وروي أن جبرائيل قال لها: انظري إلى سقف بيتك فنظرت فإذا جذوعه مورقة مثمرة فحينئذ أحس إبراهيم صلوات الرحمن عليه بأنهم ملائكة.
﴿ قال فما خطبكم ﴾ شأنكم وطلبكم؟
فأجابوا بأنهم أرسلوا إلى قوم لوط ليرسلوا عليهم السجيل كما قصصنا في "هود".
والضمير في قوله ﴿ فيها ﴾ للقرية وإن لم يجر لها ذكر لأنه معلوم، قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن الإيمان والإسلام واحد.
وقال غيرهم: المسلم أعم من المؤمن وإطلاق العام على الخاص مما لا منع فيه ولا يدل على اتحادهما وهذا كقوله القائل من في البيت من الناس؟
فيقول له: ما في البيت من الحيوان أحد غير زيد.
فيكون مخبراً له بخلو البيت عن كل إنسان غير زيد.
وقوله ﴿ وتركنا فيها آية ﴾ كقوله في "العنكبوت" ﴿ ولقد تركنا منها آية بينة ﴾ أي علامة يعتبر بها الخائفون دون القاسية قلوبهم وهي الحجارة المسومة أو ماء أسود.
قوله ﴿ وفي موسى ﴾ قيل: الأقرب أن يكون معطوفاً على قوله ﴿ وتركنا فيها ﴾ أي وجعلنا في موسى آية.
قال جار الله: هو كقوله من قال: علفتها تبنا وماء بارداً *** ويمكن أن يقال: إن قصة موسى أيضاً آية متروكة باقية على وجه الدهر فلا حاجة إلى هذا التكلف.
قوله ﴿ فتولى بركنه ﴾ كقوله ﴿ ونأى بجانبه ﴾ وقيل: الباء للمصاحبة.
والركن القوم أي فازور وأعرض مع ما كان يتقوى به من جنوده وملكه.
وقيل: ركنه هامان وزيره قال العلماء: وصفه فرعون بالمليم مع أنه وصف يونس النبي به كما مر في "الصافات" لا يوجب اشتراكهما في استحقاق الملامة، لأن موجبات اللوم تختلف.
فراكب الكبيرة ملوم على قدرها، ومقترف الصغيرة ملوم بحسبها، وبينهما بون، العقيم ريح لا خير فيها من إنشاء مطر أو إلقاح شجر.
والرميم ما رم وتفتت.
قال في الكشاف: ﴿ تمتعوا حتى حين ﴾ تفسيره في قوله ﴿ تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ﴾ قلت: هذا سهو منه فإن قوله ﴿ فعتوا عن أمر ربهم ﴾ لا يطابقه إذ العتو لم يترتب على هذا الأمر لحصوله قبله.
وإنما الصواب أن يكون التمتع المأمور به في هذه الآية هو الذي في قصة قوم يونس ﴿ فآمنوا فمتعناهم إلى حين ﴾ فكأن قوم ثمود أمروا أن يؤمنوا كي يمهلوا إلى انقضاء آجالهم الطبيعية والأمر أمر تكليف لا تكوين ﴿ فعتوا عن أمر ربهم ﴾ بالإصرار على كفرهم.
فقيل: على سبيل التكوين تمتعوا في داركم ثلاثة أيام وكان ذلك علامة العذاب والصاعقة النازلة نفسها ﴿ وهم ينظرون ﴾ أي كانت نهاراً يعاينونها أو كانوا منتظرين لها إذ قيل لهم تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ﴿ فما استطاعوا من قيام ﴾ عبارة عن جثومهم كما مر مراراً ﴿ وما كانوا منتصرين ﴾ ممتنعين من العذاب وقصة نوح واضحة وقد مر إعرابه في الوقوف.
ثم عاد إلى دلائل القدرة فقال ﴿ والسماء بنيناها بأيد ﴾ وفي لفظ البناء إشارة إلى كونها محكمة البنيان.
وفي قوله ﴿ بأيد ﴾ أي بقوة تأكيد لذلك.
وفي قوله ﴿ وأنا لموسعون ﴾ مزيد تأكيد والمعنى لقادرون من الوسع الطاقة والموسع القوي على الإنفاق ومنه قال الحسن: أراد إنا لموسعون الرزق بالمطر.
وقيل: جعلنا بين السماء وبين الأرض سعة.
وإنما أطلق الفرش على الأرض ولم يطلق البناء لأنها محل التغييرات كالبساط يفرش ويطوى ﴿ ومن كل شيء ﴾ من الحيوان ﴿ خلقنا زوجين ﴾ ذكراً وأنثى.
وعدد الحسن أشياء كالسماء والأرض والليل والنهار والشمس والقمر والبر والبحر والموت والحياة.
قال: كل اثنين منها زوج والله فرد لا مثل له.
وقد يدور في الخلد أن الآية إشارة إلى أن كل ما سوى الله فإنه مركب نوع تركيب لا أقل من الوجود والإمكان أوالجنس والفصل أو المادة والصورة ولذلك قال ﴿ لعلكم تذكرون ﴾ له إرادة ترقيكم من المركب إلى البسيط ومن الممكن إلى الواجب ومن المصنوع.
وإذا عرفتم الله ﴿ ففروا إلى الله ﴾ أي التجؤا إليه ولا تعبدوا غيره أمر بالإقبال عليه وبالإعراض عما سواه.
وكرر قوله ﴿ إني لكم منه نذير مبين ﴾ للتأكيد.
وبعد توضيح البيانات وذكر القصص وتقرير الدلائل سلى رسول الله بقوله ﴿ كذلك ﴾ أي الأمر مثل الذي تقرر من تكذيب الرسل وإصرار الكفرة على الإنكار والسب.
ثم فسر ما أجمله بقوله ﴿ ما أتى ﴾ إلى آخره وقوله ﴿ أتواصوا به ﴾ استفهام على سبيل التعجب من تطابق آرائهم على تكذيب أنبيائهم.
ثم أضرب عن ذلك لأن تطابق المتقدم والمتأخر على أمر واحد غير ممكن فنبه على جلية الحال قائلاً ﴿ بل هم قوم طاغون ﴾ يعني أن اشتراك علة التكذيب وهو الطغيان أشركهم في المعلول ﴿ فتول عنهم ﴾ فإن تكذيبهم لا يوجب ترك الدعوة العامة ﴿ فما أنت بملوم ﴾ على إعراضك عنهم بعد التبليغ لأنك قد بذلت مجهودك واستفرغت وسعك ﴿ وذكر ﴾ مع ذلك ﴿ فإن الذكرى تنفع المؤمنين ﴾ أراد أن الإعراض عن طائفة معلومة لعدم قابليتهم لا يوجب ترك البعض الآخر.
ثم بين الغاية من خلق الثقلين وهي العبادة.
وللمعتزلة فيه دليل ظاهر على أن أفعاله الله معللة بغرض.
وقال أهل السنة: إن العبادة المعرفة والإخلاص له في ذلك فإن المعرفة أيضاً غاية صحيحة، وإنما الخلاص عن الإشكال بما سلف مراراً أن استتباع الغاية لا يوجب كون الفعل معللاً بها، وإذا لم يكن الفعل معللاً بذلك فقد يكون الفعل، وتتخلف الغاية لمانع كعدم قابلية ونحوه.
ثم ذكر أنه خلقهم ليربحوا عليه لا ليربح هو عليهم.
والمتين الشديد القوة.
ثم هدد مشركي مكة وأضرابهم بقوله ﴿ فإن للذين ظلموا ذنوباً ﴾ أي نصيباً من العذاب ﴿ مثل ذنوب أصحابهم ﴾ المهلكين، والذنوب في الأصل الدلو العظيمة قال أهل البيان: وهذا تمثيل وأصله من تقسيم الماء يكون لهذا دلو ولهذا دلو.
واليوم الموعود القيامة أو يوم بدر.
قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ﴾ ، والإشكال: كيف ذكر أن المتقين في جنات وعيون، وهم يكونون في جنات، ويكونون في العيون بحيث يرونها، وتقع عليها أبصارهم، وينتفعون بها؟
وهو كقوله : ﴿ يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ ﴾ ، وإنما هم يلبسون السندس، فأما الاستبرق فهو البسط، وغير ذلك من الانتفاع به؛ فعلى ذلك ما ذكر من كون المتقين في جنات وعيون، يكونون في الجنة، وينتفعون بالعيون، والله أعلم.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ ، أي: الذين اتقوا الشرك والكفر.
ويحتمل: الذين اتقوا مخالفة الله على الإطلاق: عملا، وقولا، وفعلا، واعتقادا.
ويحتمل: أي: الذين اتقوا المهالك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أي: قابلين ما آتاهم ربهم في الدنيا من القدرة والقوة والمال بحق الله ، والقيام بشكره، والعبادة له، والاستعمال في طاعته؛ لذلك قال: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ ﴾ أي: قبلوا ذلك بحق الإحسان، فاستعملوها في حق الله والقيام بطاعته.
وعلى هذا التأويل كأنه على التقيدم والتأخير: إن المتقين في جنات وعيون؛ إنهم كانوا قبل ذلك محسنين، آخذين ما آتاهم ربهم، أي: إنما نالوا الجنة؛ لما أنهم كانوا في الدنيا كذلك.
والثاني: ما قاله أهل التأويل: آخذين ما آتاهم ربهم في الآخرة، أي: راضين بما أعطاهم الله من النعيم في الجنة، وهو كقوله : ﴿ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ﴾ ، وعلى هذا يخرج تأويلهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ ﴾ في الدنيا.
ثم نعت إحسانهم فقال - عز وجل -: ﴿ كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِٱلأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ .
قال أهل التأويل جميعا: أي: يصلون.
وإنما حملوه عليها؛ لأن الاستغفار طلب المغفرة، وذلك مرة بالصلاة، ومرة باللسان، ومرة بدفع المال.
ويحتمل حقيقة الاستغفار أيضا، وإنما مدحهم بذلك؛ لأن أرجى وقت الاستغفار وقت السحر؛ لما روي من ابن عمر - ما - أنه قال لنافع: "إذا كان وقت السحر فأعلمني به".
فكان هو يصلي إلى وقت السحر، ثم يدعو ويستغفر في ذلك الوقت.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ ﴾ قال بعضهم: إن الآية في الزكاة، لكن هذا لا يحتمل؛ لأن السورة مكية، ولم يكن بمكة الصدقة المفروضة؛ إلا أن يقال: إن السورة مكية إلا هذه الآيات إن ثبت.
وجائز أن يكون ذلك الحق ليس هو المفروض، ولكن حق سوى الفرض.
وقيل: إن الآية نزلت في قوم خاص جعلوا على أنفسهم ألا يردوا سائلا ولا محروماً ولا يمنعوا أموالهم من أحد؛ فمدحهم بذلك؛ ألا ترى أن ذكر الحق للسائل والمحروم؛ وقد بين مصارف الزكاة للأصناف الثمانية بقوله : ﴿ إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَاكِينِ...
﴾ إلى قوله : ﴿ فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ .
ثم اختلف في تأويل المحروم والسائل: قال عامة أهل التأويل: المحروم: هو الذي لا سهم له في الغنيمة والفيء بألا يحضر وقت قسمة الغنيمة؛ فلا ينال شيئاً منها ويحرم عن ذلك.
وقال بعضهم: المحروم: الذي هلك زرعه وكرمه ببلاء اصابه، يحرم عن ذلك، كما وصفهم في سورة الواقعة: ﴿ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ﴾ فلما حرموا زرعهم وصفوا بذلك.
وقيل: المحروم: الذي لا يعلم حرفة، وهو [لا يملك] كسبا، وهو محارف أيضا.
وقيل: المحروم: المتعفف الذي به فقر، لكنه لا يسأل الناس شيئا، والسائل: الطواف.
وعندنا: الفقراء ثلاثة: السائل الذي يطوف، ويسأل الناس.
والمعتر: الذي يعتر الناس، ويظهر حاجته للناس، ويتعرض للسؤال، ولا يسأل صريحا.
والمحروم: هو الذي يستر فقره وحاجته عن الناس، لا يسألهم، ولا يعتر لذلك.
ثم جائز أن يكون سماه: محروما، أي: حرم المكاسب وأسباب العيش من التجارة والحرفة وغيرهما.
وجائز أن تكون [له] المكاسب والأسباب، لكنه محروم عن إنزال المكاسب والأرباح في التجارة، يكتسب، ويعمل بتلك الأسباب، لكنه محارف، لا يرزق منها شيء، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفِي ٱلأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ ﴾ ، هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أي: في الأرض آيات ينتفع بها الموقنون، وهم المؤمنون الذي علموا الآيات بطريق الإيقان.
ويحتمل: في الأرض آيات يعلم الموقنون حقيقة أنها آيات، فأما غيرهم فلا، والله أعلم.
ثم يحتمل آيات الأرض: آيات التوحيد، وآيات البعث، وآيات القدرة، وغير ذلك؛ على ما ذكرنا: أنه خلق على وجه الأرض من الدواب، والأشجار، ومن النبات، وأنواع الثمار من غير أن عرف الخلق كيفية وجودها وماهيتها، وأنه لم يخلق مثلها للفناء خاصة؛ فتكون آيات؛ لما ذكرنا.
وقيل: في خلق الأرض آيات، وهو أن خلقها، وكانت تميد بأهلها، ثم أرساها بالجبال؛ حتى استقرت، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ ﴾ .
صلة قوله: ﴿ وَفِي ٱلأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ ﴾ أي: وفي أنفسكم - أيضاً - آيات ﴿ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ ﴾ أي: آيات الوحدانية والربوبية وآيات البعث وآية وجوب الشكر والعبادة والامتحان.
أما الآيات الربوبية، فهى أن الله أنشأ هذا البشر من نطفة، ثم قلب تلك النطفة علقة، ثم العلقة مضغة ثم المضغة عظاماً ولحما، ثم ركب فيها الجوارح في ظلمات ثلاث، ما رأى المصالح له في الاستواء والصحة، سليمة عن الآفات، غير متفاوتة، فدل أنه فعل واحد، لا عدد، وأن له القدرة الذاتية والعلم الذاتي لا المستفاد، وأن ما قبلهم من حال إلى حال، وما ركب فيهم [من] الجوارح التي بها يقبضون، وبها يأخذون، وبها يدفعون ويسلمون، وبها يبصرون ويسمعون، وبها يمشون، لم يفعلهم بهم؛ ليتركهم سدى ويهملهم ولا يمتحنهم، ولا يأمرهم، ولا ينهاهم، وأنه حيث سخر جميع الخلائق من السماء والأرض وما بينهما ما سخر إلا ليمتحنهم، وليستأذي منهم شكر ذلك كله.
وفيه آية البعث؛ لأنه لا يحتمل أن يكون منهم ما ذكرنا ثم لا يبعثهم؛ ليثاب المحسن منهم ويعاقب المسيء، ويجازي كلا بقدر عمله؛ إذ لو لم يكن، لكان خلقه إياهم عبثا باطلا؛ على ما ذكرنا في غير موضع.
وقيل: ﴿ وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ ﴾ أي: في خلق أنفسكم، ﴿ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ ﴾ أنه كيف سوى أنفكسم على أحسن الصور، وأحسن التقويم بعد أن كان أصلها وجوهرها من ماء، وكذلك أصل جواهر الأنعام والبهائم من نطفة أيضاً، ثم ركبكم على صور صالحة لمنافعكم، وركبكم على أحسن الصور، ثم جعل فيكم من العقل والسمع والبصر ما يدرك بها حقائق الأشياء المحسوسة والمعانى الحكيمة؛ لتتأملوا في ذلك كله؛ فتكون آية الوحدانية آية إلزام الشكر والعبادة له، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ﴾ .
قال أبو بكر الأصم: ﴿ وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ﴾ أي: في السماء رزقكم وما توعدون من الخير والشر.
وقال الحسن وغيره: ﴿ وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ ﴾ أي: المطر الذي ينزل منها في الأرض، فنبت فيها بذلك المطر من أنواع الأرزاق من الحبوب، والثمار، والفواكه، وغيرها؛ كل ذلك سببه من السماء؛ لذلك أضيف إليها، والله أعلم.
وجائز أن يكون ما ذكر من أرزاقنا أنها في السماء: المطر وجميع ما سخر لنا فيها من الشمس والقمر والملائكة؛ حيث جعل صلاح ما في الأرض جميعاً من الأرزاق والأغذية بتلك الأشياء التي في السماء من الإنضاج بالشمس والقمر، وحفظ الأرزاق والأمطار بالملائكة؛ فإنهم جعلوا موكلين ممتحنين بذلك؛ حيث قال - -: ﴿ فَٱلْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً ﴾ هي الملائكة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا تُوعَدُونَ ﴾ كل موعود: مرغوب أو مرهوب من السماء، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَوَرَبِّ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ إِنَّهُ لَحَقٌّ ﴾ أي: الساعة القيامة.
ويحتمل ﴿ إِنَّهُ لَحَقٌّ ﴾ أي: حميع ما جاء به محمد .
وقوله - عز وجل -: ﴿ مِّثْلَ مَآ أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ ﴾ .
يحتمل أن يقول - والله أعلم -: كما أنكم لا تشكون فيما تنطقون؛ فعلى ذلك لا تشكون في أمر الساعة وقيامها وكونها؛ كما يقال: هذا ظاهر بين كالنهار.
وقال الزجاج: ﴿ إِنَّهُ لَحَقٌّ ﴾ ، أي: لحق مثل حضوركم ونعلقكم ومثل النهار، أو كلام نحوه.
ويحتمل أن يقول: إن من قدر على إنطاق هذه الألسن وتكليمها حتى يفهم منها حاجتهم، وهي قطعة، وليس فيها شيء من آثار النطق والكلام؛ إذ يكون مثله للبهائم ثم لا يفهم منه ذلك، ولا يكون منه النطق - قدر على البعث والإعادة؛ إذ هذا في الأعجوبة أكثر وأعظم من ذاك، والله الموفق.
<div class="verse-tafsir"
كانوا يصلّون من الليل، لا ينامون إلا زمنًا قليلًا.
<div class="verse-tafsir" id="91.5w2ke"