الإسلام > القرآن > سور > سورة 51 الذاريات > الآية ٤٢ من سورة الذاريات
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 58 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤٢ من سورة الذاريات: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.
ولهذا قال : ( ما تذر من شيء أتت عليه ) أي : مما تفسده الريح ( إلا جعلته كالرميم ) أي : كالشيء الهالك البالي .
وقد قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو عبيد الله ابن أخي ابن وهب ، حدثنا عمي عبد الله بن وهب ، حدثني عبد الله - يعني : ابن عياش - القتباني ، حدثني عبد الله بن سليمان ، عن دراج ، عن عيسى بن هلال الصدفي ، عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " الريح مسخرة من الثانية - يعني من الأرض الثانية - فلما أراد الله أن يهلك عادا أمر خازن الريح أن يرسل عليهم ريحا تهلك عادا ، قال : أي رب ، أرسل عليهم [ من ] الريح قدر منخر الثور ؟
قال له الجبار : لا إذا تكفأ الأرض ومن عليها ، ولكن أرسل [ عليهم ] بقدر خاتم .
فهي التي يقول الله في كتابه : ( ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم ) هذا الحديث رفعه منكر ، والأقرب أن يكون موقوفا على عبد الله بن عمرو ، من زاملتيه اللتين أصابهما يوم اليرموك ، والله أعلم .
قال سعيد بن المسيب وغيره في قوله : ( إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم ) قالوا : هي الجنوب .
وقد ثبت في الصحيح من رواية شعبة ، عن الحكم ، عن مجاهد ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " نصرت بالصبا ، وأهلكت عاد بالدبور " .
وقوله : ( مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ ) والرميم في كلام العرب: ما يبس من نبات الأرض وديس.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: وإن اختلفت ألفاظهم بالعبارة عنه حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله ( مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ ) قال: كالشيء الهالك.
حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله ( كَالرَّمِيمِ ) قال: كالشيء الهالك.
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( كَالرَّمِيمِ ) : رميم الشجر.
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, في قوله ( إِلا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ ) قال: كرميم الشجر.
قوله تعالى : ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم أي كالشيء الهشيم ; يقال للنبت إذا يبس وتفتت : رميم وهشيم .
قال ابن عباس : كالشيء الهالك البالي ; وقاله مجاهد : ومنه قول الشاعر جرير : [ ص: 48 ]تركتني حين كف الدهر من بصري وإذ بقيت كعظم الرمة الباليوقال قتادة : إنه الذي ديس من يابس النبات .
وقال أبو العالية والسدي : كالتراب المدقوق .
قطرب : الرميم الرماد .
وقال يمان : ما رمته الماشية من الكلإ بمرمتها .
ويقال للشفة المرمة والمقمة بالكسر ، والمرمة بالفتح لغة فيه .
وأصل الكلمة من رم العظم إذا بلي ; تقول منه : رم العظم يرم بالكسر رمة فهو رميم ، قال الشاعر :ورأى عواقب خلف ذاك مذمة تبقى عليه والعظام رميموالرمة بالكسر العظام البالية والجمع رمم ورمام .
ونظير هذه الآية : تدمر كل شيء حسب ما تقدم .
{ مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ } أي: كالرميم البالية، فالذي أهلكهم على قوتهم وبطشهم، دليل على [كمال] قوته واقتداره، الذي لا يعجزه شيء، المنتقم ممن عصاه.
( ما تذر من شيء أتت عليه ) من أنفسهم وأنعامهم وأموالهم ( إلا جعلته كالرميم ) كالشيء الهالك البالي ، وهو نبات الأرض إذا يبس وديس .
قال مجاهد : كالتبن اليابس .
قال قتادة : كرميم الشجر .
قال أبو العالية : كالتراب المدقوق .
وقيل : أصله من العظم البالي .
«ما تذر من شيء» نفس أو مال «أتت عليه إلا جعلته كالرميم» كالبالي المتفتت.
وفي شأن عاد وإهلاكهم آيات وعبر لمن تأمل، إذ أرسلنا عليهم الريح التي لا بركة فيها ولا تأتي بخير، ما تَدَعُ شيئًا مرَّت عليه إلا صيَّرته كالشيء البالي.
ثم وصف - سبحانه - هذه الريح التى توهموا أنها تحمل لهم الخير ، بينما هى تحمل لهم الهلاك ، وصفها بقوله : ( مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ ) أى : ما تترك من شىء مرت عليه .( إِلاَّ جَعَلَتْهُ كالرميم ) أى : إلا جعلته كالشىء الميت الذى رم وتحول إلى فتات مأخوذ من رم الشىء إذا تفتت وتهشم .
ويقال للنبات إذا يبس وتفتت : رميم وهشيم .كما يقال للعظم إذا تكسر وبَلِىَ : رميم .
ومنه قوله - تعالى - : ( قَالَ مَن يُحيِي العظام وَهِيَ رَمِيمٌ ).
وفيه مباحث: الأول: في إعرابه وفيه وجهان.
أحدهما: نصب على أنه صفة الريح بعد صفة العقيم ذكر الواحدي أنه وصف فإن قيل كيف يكون وصفاً والمعرفة لا توصف بالجمل وما تذر جملة ولا يوصف بها إلا النكرات؟
نقول الجواب فيه من وجهين.
أحدهما: أنه يكون بإعادة الريح تقديراً كأنه يقول: وأرسلنا عليهم الريح العقيم ريحاً ما تذر.
ثانيهما: هو أن المعرف نكرة لأن تلك الريح منكرة كأنه يقول: وأرسلنا الريح التي لم تكن من الرياح التي تقع ولا وقع مثلها فهي لشدتها منكرة، ولهذا أكثر ما ذكرها في القرآن ذكرها منكرة ووصفها بالجملة من جملتها قوله تعالى: ﴿ بَلْ هُوَ مَا استعجلتم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ وقوله: ﴿ وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَٰنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى ٱلْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ﴾ إلى غير ذلك.
الوجه الثاني: وهو الأصح أنه نصب على الحال تقول جاءني ما يفهم شيئاً فعلمته وفهمته أي حاله كذا، فإن قيل لم تكن حال الإرسال ما تذر والحال ينبغي أن يكون موجوداً مع ذي الحال وقت الفعل فلا يجوز أن يقال جاءني زيد أمس راكباً غداً، والريح بعدما أرست بزمان صارت ما تذر شيئاً نقول المراد به البيان بالصلاحية أي أرسلناها وهي على قوة وصلاحية أن لا تذر، نقول لمن جاء وأقام عندك أياماً ثم سألك شيئاً، جئتني سائلاً أي قبل السؤال بالصلاحية والإمكان، هذا إن قلنا إنه نصب وهو المشهور، ويحتمل أنه رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره هي ما تذر.
البحث الثاني: ﴿ مَا تَذَرُ ﴾ للنفي حال التكلم يقال ما يخرج زيد أي الآن، وإذا أردت المستقبل تقول لا يخرج أو لن يخرج، وأما الماضي تقول ما خرج ولم يخرج، والريح حالة الكلام مع النبي صلى الله عليه وسلم كانت ما تركت شيئاً إلا جعلته كالرميم فكيف قال بلفظ الحالة ﴿ مَا تَذَرُ ﴾ نقول الحكاية مقدرة على أنها محكية حال الوقوع، ولهذا قال تعالى: ﴿ وَكَلْبُهُمْ باسط ذِرَاعَيْهِ بالوصيد ﴾ مع أن اسم الفاعل الماضي لا يعمل وإنما يعمل ما كان منه بمعنى الحال والاستقبال.
البحث الثالث: هل في قوله تعالى: ﴿ مَا تَذَرُ مِن شَيء أَتَتْ عَلَيْهِ ﴾ مبالغة ودخول تخصيص كما في قوله تعالى: ﴿ تُدَمّرُ كُلَّ شَيء بِأَمْرِ رَبّهَا ﴾ نقول هو كما وقع لأن قوله: ﴿ أَتَتْ عَلَيْهِ ﴾ وصف لقوله: ﴿ شَئ ﴾ كأنه قال كل شيء أتت عليه أو كل شيء تأتي عليه جعلته كالرميم ولا يدخل فيه السموات لأنها ما أتت عليها وإنما يدخل فيه الأجسام التي تهب عليها الرياح، فإن قيل فالجبال والصخور أتت عليها وما جعلتها كالرميم؟
نقول المراد أتت عليه قصداً وهو عاد وأبنيتهم وعروشهم وذلك لأنها كانت مأمورة بأمر من عند الله فكأنها كانت قاصدة إياهم فما تركت شيئاً من تلك الأشياء إلا جعلته كالرميم مع أن الصر الريح الباردة والمكرر لا ينفك عن المعنى الذي في اللفظ من غير تكرير، تقول حث وحثحث وفيه ما في حث نقول فيه قولان.
أحدهما: أنها كانت باردة فكانت في أيام العجوز وهي ثمانية أيام من آخر شباط وأول آذار، والريح الباردة من شدة بردها تحرق الأشجار والثمار وغيرهما وتسودهما.
والثاني: أنها كانت حارة والصر هو الشديد لا البارد وبالشدة فسّر قوله تعالى: ﴿ فِى صَرَّةٍ ﴾ أي في شدة من الحر.
البحث الرابع: في قوله تعالى: ﴿ مَا تَذَرُ مِن شَيء أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كالرميم ﴾ لأن في قوله تعالى: ﴿ مَا تَذَرُ ﴾ نفي الترك مع إثبات الإتيان فكأنه تعالى قال تأتي على أشياء وما تتركها غير محرقة وقول القائل: ما أتى على شيء إلا جعله كذا يكون نفي الإتيان عما لم يجعله كذلك.
<div class="verse-tafsir"
﴿ العقيم ﴾ التي لا خير فيها من إنشاء مطر أو إلقاح شجر، وهي ريح الهلاك.
واختلف فيها: فعن علي رضي الله عنه: النكباء.
وعن ابن عباس: الدبور.
وعن ابن المسيب: الجنوب.
الرميم: كل ما رم أي بلى وتفتت من عظم أو نبات أو غير ذلك.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَفِي عادٍ إذْ أرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ العَقِيمَ ﴾ سَمّاها عَقِيمًا لِأنَّها أهْلَكَتْهم وقَطَعَتْ دابِرَهُمْ، أوْ لِأنَّها لَمْ تَتَضَمَّنْ مَنفَعَةً، وهي الدَّبُورُ أوِ الجَنُوبُ أوِ النَّكْباءُ.
﴿ ما تَذَرُ مِن شَيْءٍ أتَتْ ﴾ مَرَّتْ.
﴿ عَلَيْهِ إلا جَعَلَتْهُ كالرَّمِيمِ ﴾ كالرَّمادِ مِنَ الرَّمِّ وهو البِلى والتَّفَتُّتُ.
<div class="verse-tafsir"
{مَا تَذَرُ مِن شَىْء أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كالرميم} هو كل ما رم أي بلي وتفتت من عظم أو نبات أو غير ذلك والمعنى ما تترك من شيء هبت عليه من أنفسهم وأنعامهم وأموالهم إلا اهلكته
﴿ ما تَذَرُ مِن شَيْءٍ ﴾ ما تَدَعُ شَيْئًا ﴿ أتَتْ عَلَيْهِ ﴾ جَرَتْ عَلَيْهِ ﴿ إلا جَعَلَتْهُ كالرَّمِيمِ ﴾ الشَّيْءُ البالِي مِن عَظْمٍ، أوْ نَباتٍ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِن ( رَمَّ ) الشَّيْءُ بَلِيَ، ويُقالُ لِلْبالِيِ: رُمامٌ كَغُرابٍ، وأُرَمٌ أيْضًا لَكِنْ قالَ الرّاغِبُ يُخْتَصُّ الرُّمُّ بِالفُتاتِ مِنَ الخَشَبِ والتِّبْنِ، والرِّمَّةُ بِالكَسْرِ تُخْتَصُّ بِالعَظْمِ البالِي، والرُّمَّةُ بِالضَّمِّ بِالحَبْلِ البالِي، وفَسَّرَهُ السُّدِّيُّ هُنا بِالتُّرابِ، وقَتادَةُ بِالهَشِيمِ، وقُطْرُبُ بِالرَّمادِ، وفَسَّرَهُ ابْنُ عِيسى بِالمُنْسَحِقِ الَّذِي لا يُرَمُّ أيْ لا يُصْلَحُ كَأنَّهُ جَعَلَ الهَمْزَةَ في أُرَمٍ لِلسَّلْبِ، والجُمْلَةُ بَعْدَ ( إلّا ) حالِيَّةٌ.
والشَّيْءُ هُنا عامٌ مَخْصُوصٌ أيْ مِن شَيْءٍ أرادَ اللَّهُ تَعالى تَدْمِيرَهُ وإهْلاكَهُ مِن ناسٍ.
أوْ دِيارٍ.
أوْ شَجَرٍ.
أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، رُوِيَ أنَّ الرِّيحَ كانَتْ تَمُرُّ بِالنّاسِ فِيهِمُ الرَّجُلُ مِن عادٍ فَتَنْتَزِعُهُ مِن بَيْنِهِمْ وتُهْلِكُهُ <div class="verse-tafsir"
ثم قال: وَفِي مُوسى عطف على قوله وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [الذاريات: 21] وَفِي مُوسى إِذْ أَرْسَلْناهُ إِلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ يعني: حجة بينة، وهي اليد، والعصا فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ يعني: أعرض عنه فرعون بجموعه.
يعني: مع جموعه وجنوده.
ويقال: فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ يعني: أعرض بجانبه وَقالَ ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ يعني: عاقبناه، وجموعه نَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِ قال الكلبي يعني: أغرقناهم في البحر وقال مقاتل يعني: في النيل هُوَ مُلِيمٌ يعني: يلوم نفسه، ويلومه الناس.
وقال: لِيمٌ أي: مذنب.
وقال أهل اللغة: ألام الرجل، إذا أتى بذنب يلام عليه.
ثم قال: وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ يعني: سلطنا عليهم الريح الشديد، وإنما سميت عقيماً، لأنها لا تأتي على شيء إلا جعلته كالرميم لا خير فيه.
ويقال: سميت عقيماً لأنها لا تلقح الأشجار، ولا تثير السحاب، وهي الدبور.
وروى شهر بن حوشب عن ابن عباس- ما- قال: ما أنزل الله قطرة من ماء إلا بمثقال، ولا أنزل سفرة من ريح إلا بمكيال، إلا قوم نوح طغى على خزانة الماء، فلم يكن لهم عليه سبيل، وعتت الريح يوم عاد على خزانها، فلم يكن لهم عليها سبيل وروى عكرمة عن ابن عباس قال: العقيم الذي لا منفعة لها.
ثم قال: مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ يعني: ما تترك من شيء هو لهم، ولا منهم، أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ يعني: مرت عليه إلا جعلته كالرماد.
ويقال: الرميم: الورق الجاف، المتحطم، مثل الهشيم المحتظر، كما قال كهشيم المحتظر، بعد ما كانوا كنخل متقصر.
وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ما أرسل على عاد من الريح، إلا مثل خاتمي هذا.
يعني: إن الريح العقيم تحت الأرض، فأخرج منها مثل ما يخرج من ثقب الخاتم، فأهلكهم.
ثم قال: وَفِي ثَمُودَ يعني: قوم صالح إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ يعني: قال لهم نبيهم صالح- - عيشوا إلى منتهى آجالكم، ولا تعصوا أمر الله فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ يعني: تركوا طاعة ربهم فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ يعني: العذاب.
قرأ الكسائي: فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بغير ألف، وجزم العين.
والباقون: بألف.
وهي الصيحة التي أهلكتهم بالصعقة، قوله من قولك: صعقتهم الصاعقة.
يعني: أهلكتهم.
وروي عن ابن عمر- ما- أنه قرأ صعقة مثل الكسائي.
وَهُمْ يَنْظُرُونَ يعني: ظهرت النار من تحت أرجلهم، وهم يرونها بأعينهم.
ويقال: سمعوا الصيحة، وهم ينظرون متحيرون.
فَمَا اسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ يعني: ما استطاعوا أن يقوموا لعذاب الله تعالى، حتى أهلكوا.
وَما كانُوا مُنْتَصِرِينَ يعني: ممتنعين من العذاب.
ثم قال: وَقَوْمَ نُوحٍ وقرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وقوم نوح: بكسر الميم.
يعني: في قوم نوح كما قال: وفي ثمود.
والباقون: بالنصب.
يعني: وأهلكنا قوم نوح.
ويقال: معناه فأخذناه، وأخذنا مِنْ قَبْلُ هؤلاء الذين سميناهم إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ يعني: قوم نوح من قبل.
يعني: عاصين.
قوله عز وجل: وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ يعني: خلقناها بقوة، وقدرة وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ يعني: نحن قادرون على أن نوسعها كما نريد.
ويقال: وَالسَّماءَ صار نصباً لنزع الخافض.
ومعناه وفي السماء [الزخرف: 84] .
آية.
ثم قال عز وجل: وَالْأَرْضَ فَرَشْناها يعني: وفي الأرض آية، بسطناها مسيرة خمسمائة عام من تحت الكعبة فَنِعْمَ الْماهِدُونَ يعني: نعم الماهدون نحن.
ويقال: في قوله: وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ يعني: نحن جعلنا بينهما، وبين الأرض سعة.
ثم قال عز وجل: وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ يعني: صنفين، الذكر والأنثى، والأحمر والأبيض، والليل والنهار، والدنيا والآخرة، والشمس والقمر، والشتاء والصيف.
لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ يعني: تتعظون فيما خلق الله، فتوحدوه.
قوله عز وجل: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ يعني: توبوا إلى الله من ذنوبكم.
ويقال: معناه فَفِرُّوا من الله إِلَى اللَّهِ أو فَفِرُّوا من عذاب الله، إلى رحمة الله، أو فَفِرُّوا من معصيته، إلى طاعته.
ومن الذنوب إلى التوبة.
إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ يعني: مخوفاً من عذاب الله تعالى بالنار وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ يعني: لا تقولوا له شريكاً، وولداً إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ يعني: فإن فعلتم، فإني لكم مخوف من عذابه، فلم يقبلوا قوله، وقالوا: هذا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ.
يقول الله تعالى تعزية لنبيه : كَذلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ يعني: هكذا ما أتى في الأمم الخالية من رسول، إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ كقول كفار مكة للنبي أَتَواصَوْا بِهِ يعني: توافقوا، وتواطؤوا فيما بينهم.
وأوصى الأول الآخر أن يقولوا ذلك.
ويقال: توافقوا، وتواطؤوا به كل قوم، وجعلوا كلمتهم واحدة أن يقولوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ.
قال الله عزّ وجلّ: بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ يعني: عاتين في معصية الله تعالى.
<div class="verse-tafsir"
والصَّرَّةُ: الصيحة «١» كذا فسره ابن عباس وجماعة، قال الطبريُّ عن بعضهم «٢» : قَالَتْ:
«أَوَّهْ» بِصِيَاحٍ وتَعَجُّبٍ وقال النَّحَّاسُ: فِي صَرَّةٍ في جماعة نسوة.
وقوله: فَصَكَّتْ وَجْهَها: معناه: ضربْت وَجْهَهَا استهوالاً لما سمعت، وقال سفيان وغيره: ضَرَبَتْ بِكَفِّهَا جبهتها «٣» ، وهذا مُسْتَعْمَلٌ في الناس حَتَّى الآن، وقولهم:
كَذلِكَ قالَ رَبُّكِ أي: كقولنا الذي أخبرناك.
وقوله تعالى: حِجارَةً مِنْ طِينٍ بيانٌ يخرج عن مُعْتَادِ حجارة البرَد التي هي من ماء، ويُرْوَى أَنَّه طين طُبِخَ في نار جَهَنَّمَ حَتَّى صار حجارة كالآجر، ومُسَوَّمَةً نعت لحجارة، ثم أخبر تعالى أَنَّه أخرج بأمره مَنْ كان في قرية «لوط» مِنَ المؤمنين، منجياً لهم، وأعاد الضمير على القرية، / وإنْ لم يجرِ لها قبل ذلك ذكر لشهرة أمرها، قال المفسرون:
لاَ فَرْقَ بين تقدُّمِ ذكر المؤمنين وتأخُّرِهِ وإِنَّمَا هما وصفانِ ذَكَرَهُمْ أَوَّلاً بأحدهما، ثم آخراً بالثَّاني، قيل: فالآية دالَّةٌ على أَنَّ الإيمان هو الإسلام، قال ع «٤» : ويظهر لي أَنَّ في المعنى زيادة تحسن التقديم للإيمان وذلك أَنَّهُ ذكره مع الإخراج من القرية، كأَنَّهُ يقول:
نفذ أمرنا بإخراج كُلِّ مؤمن، ولا يُشْتَرَطُ فيه أنْ يكون عاملاً بالطاعات بلِ التصديق باللَّه فقط، ثم لما ذكر حال الموجودين ذكرهم بالصفة التي كانوا عليها، وهي الكاملةُ التصديق والأعمالِ، والبيتُ من المسلمين هو بيتُ لوط ع وكان هو وابنتاه، وفي كتاب الثعلبيِّ: وقيل: لوط وأهل بيته ثلاثةَ عَشَرَ، وهلكت امرأتُه فيمن هلك، وهذه القصة ذُكِرَتْ على جهة ضرب المثل لقريش، وتحذيراً أنْ يصيبهم مثلُ ما أصاب هؤلاء.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفِي عادٍ ﴾ أيْ: في إهْلاكِهِمْ آيَةٌ أيْضًا ﴿ إذْ أرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ العَقِيمَ ﴾ وهي الَّتِي لا خَيْرَ فِيها ولا بِرْكَةَ، لا تُلْقِحُ شَجَرًا ولا تَحْمِلُ مَطَرًا، وإنَّما هي لِلْإهْلاكِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: هي الجَنُوبُ.
﴿ ما تَذَرُ مِن شَيْءٍ أتَتْ عَلَيْهِ ﴾ أيْ: مِن أنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ ﴿ إلا جَعَلَتْهُ كالرَّمِيمِ ﴾ أيْ: كالشَّيْءِ الهالِكِ البالِي.
قالَ الفَرّاءُ: الرَّمِيمُ: نَباتُ الأرْضِ إذا يَبِسَ ودِيسَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: الرَّمِيمُ: الوَرَقُ الجافُّ المُتَحَطِّمُ مِثْلُ الهَشِيمِ.
﴿ وَفِي ثَمُودَ ﴾ آيَةٌ أيْضًا ﴿ إذْ قِيلَ لَهم تَمَتَّعُوا حَتّى حِينٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ قِيلَ لَهُمْ: تَمَتَّعُوا في الدُّنْيا إلى وقْتِ انْقِضاءِ آجالِكم تَهَدُّدًا لَهم.
والثّانِي: أنَّ صالِحًا قالَ لَهم بَعْدَ عَقْرِ النّاقَةِ: تَمَتَّعُوا ثَلاثَةَ أيّامٍ؛ فَكانَ الحِينُ وقْتَ فَناءِ آجالِهِمْ، ﴿ فَعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: عَصَوْا أمْرَهُ ﴿ فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ ﴾ يَعْنِي: العَذابَ، وهو المَوْتُ مِن صَيْحَةِ جِبْرِيلَ.
وَقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ: "الصَّعْقَةُ" [بِسُكُونِ العَيْنِ مِن غَيْرِ ألِفٍ]؛ وهي الصَّوْتُ الَّذِي يَكُونُ عَنِ الصّاعِقَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم يَنْظُرُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: يَرَوْنَ ذَلِكَ عِيانًا.
والثّانِي: وهم يَنْتَظِرُونَ العَذابَ، فَأتاهم صَيْحَةٌ يَوْمَ السَّبْتِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما اسْتَطاعُوا مِن قِيامٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: ما اسْتَطاعُوا نُهُوضًا مِن تِلْكَ الصَّرْعَةِ.
والثّانِي: ما أطاقُوا ثُبُوتًا لِعَذابِ اللَّهِ ﴿ وَما كانُوا مُنْتَصِرِينَ ﴾ أيْ: مُمْتَنِعِينَ مِنَ العَذابِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو إلّا عَبْدَ الوارِثِ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِخَفْضِ المِيمِ، ورَوى عَبْدُ الوارِثِ، رَفْعَ المِيمِ، والباقُونَ بِنَصْبِها.
قالَ الزَّجّاجُ: مَن خَفَضَ القَوْمَ فالمَعْنى: وفي قَوْمِ نُوحٍ آيَةٌ، ومَن نَصَبَ فَهو عَطْفٌ عَلى مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ ﴾ فَإنَّ مَعْناهُ: أهْلَكْناهُمْ، فَيَكُونُ المَعْنى: وأهْلَكَنا قَوْمَ نُوحٍ، والأحْسَنُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿ فَأخَذْناهُ وجُنُودَهُ فَنَبَذْناهم في اليَمِّ ﴾ لِأنَّ المَعْنى: أغْرَقْناهُ، وأغْرَقْنا قَوْمَ نُوحٍ.
﴿ والسَّماءَ بَنَيْناها ﴾ المَعْنى: وبَنَيْنا السَّماءَ بَنَيْناها (بِأيْدٍ) أيْ: بِقُوَّةٍ، وكَذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وسائِرُ المُفَسِّرِينَ واللُّغَوِيِّينَ: ﴿ بِأيْدٍ ﴾ أيْ: بِقُوَّةٍ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَإنّا لَمُوسِعُونَ ﴾ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: لَمُوسِعُونَ الرِّزْقَ بِالمَطَرِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي لَمُوسِعُونَ السَّماءَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: لَقادِرُونَ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
والرّابِعُ: لَمُوسِعُونَ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والخامِسُ: لَذُو سَعَةٍ لا يَضِيقُ عَمّا يُرِيدُ حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والأرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الماهِدُونَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هَذا عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ فَرَشْناها ﴾ ، فالمَعْنى فَرَشْنا الأرْضَ فَرَشْناها ﴿ فَنِعْمَ الماهِدُونَ ﴾ أيْ: فَنِعْمَ الماهِدُونَ نَحْنُ.
قالَ مُقاتِلٌ: ﴿ فَرَشْناها ﴾ أيْ: بَسَطْناها مَسِيرَةَ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، وهَذا بَعِيدٌ، وقَدْ قالَ قَتادَةُ: الأرْضُ عِشْرُونَ ألْفَ فَرْسَخٍ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ ﴾ أيْ: صِنْفَيْنِ ونَوْعَيْنِ كالذَّكَرِ والأُنْثى، والبَرِّ والبَحْرِ واللَّيْلِ والنَّهارِ، والحُلْوِ والمُرِّ، والنُّورِ والظُّلْمَةِ، وأشْباهِ ذَلِكَ ﴿ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ ﴾ فَتَعْلَمُوا أنَّ خالِقَ الأزْواجِ واحِدٌ.
﴿ فَفِرُّوا إلى اللَّهِ ﴾ بِالتَّوْبَةِ مِن ذُنُوبِكُمْ؛ والمَعْنى: اهْرَبُوا مِمّا يُوجِبُ العِقابَ مِنَ الكُفْرِ والعِصْيانِ إلى ما يُوجِبُ الثَّوابَ مِنَ الطّاعَةِ والإيمانِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ العَذابَ الألِيمَ ﴾ ﴿ وَفِي مُوسى إذْ أرْسَلْناهُ إلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ فَتَوَلّى بِرُكْنِهِ وقالَ ساحِرٌ أو مَجْنُونٌ ﴾ ﴿ فَأخَذْناهُ وجُنُودَهُ فَنَبَذْناهم في اليَمِّ وهو مُلِيمٌ ﴾ ﴿ وَفِي عادٍ إذْ أرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِيحَ العَقِيمَ ﴾ ﴿ ما تَذَرُ مِن شَيْءٍ أتَتْ عَلَيْهِ إلا جَعَلَتْهُ كالرَمِيمِ ﴾ ﴿ وَفِي ثَمُودَ إذْ قِيلَ لَهم تَمَتَّعُوا حَتّى حِينٍ ﴾ ﴿ فَعَتَوْا عن أمْرِ رَبِّهِمْ فَأخَذَتْهُمُ الصاعِقَةُ وهم يَنْظُرُونَ ﴾ المَعْنى: وتَرَكْنا في القَرْيَةِ المَذْكُورَةِ -وَهِيَ سَدُومُ- أثَرًا مِنَ العَذابِ باقِيًا مُؤَرَّخًا لا يَفْنى ذِكْرُهُ، فَهو آيَةٌ -أيْ: عَلامَةٌ- عَلى قُدْرَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وانْتِقامِهِ مِنَ الكَفَرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وتَرَكْنا في أمْرِها، كَما قالَ: ﴿ لَقَدْ كانَ في يُوسُفَ وإخْوَتِهِ آياتٌ لِلسّائِلِينَ ﴾ وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: تَرَكَ فِيها حَجَرًا مَنضُودًا كَثِيرًا جِدًّا، و( الَّذِينَ يَخافُونَ العَذابَ ) هُمُ العارِفُونَ بِاللهِ تَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَفِي مُوسى" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: "فِيها"، أيْ: وتَرَكْنا في مُوسى وقِصَّتِهِ أثَرًا أيْضًا هو آيَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى قَبْلُ: ﴿ وَفِي الأرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ ﴾ ، وفِرْعَوْنُ هو صاحِبُ مِصْرَ، و"السُلْطانُ" في هَذِهِ الآيَةِ: الحُجَّةُ، و"تَوَلّى" مَعْناهُ أعْرَضَ وأدْبَرَ عن أمْرِ اللهِ تَعالى، و"رُكْنِهِ": سُلْطانُهُ وجُنْدُهُ وشِدَّةُ أمْرِهِ، وهو الأمْرُ الَّذِي يَرْكَنُ فِرْعَوْنُ إلَيْهِ ويَسْنِدُ في شَدائِدِهِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: "بِرُكْنِهِ": بِجُمُوعِهِ، وقالَ قَتادَةُ: بِقَوْمِهِ، وقَوْلُ فِرْعَوْنَ في مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ: "ساحِرٌ أو مَجْنُونٌ" هو تَقْسِيمُ ظَنٍّ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ أحَدَ هَذَيْنِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "أو" هُنا بِمَعْنى "الواوِ"، واسْتَشْهَدَ بِبَيْتِ جَرِيرٍ: أثَعْلَبَةَ الفَوارِسِ أو رِياحًا عَدَلْتَ بِهِمْ طُهَيَّةَ والخِشابا؟
والخِشابُ: بُيُوتٌ في بَنِي تَمِيمٍ، وقَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ ضَعِيفٌ لا داعِيَةَ إلَيْهِ في هَذا المَوْضِعِ، "وَنَبَذْناهُمْ" مَعْناهُ: طَرَحْناهم و"اليَمُّ": البَحْرُ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "فَنَبَذْناهُ"، و"المُلِيمُ": الَّذِي أتى مِنَ المَعاصِي ونَحْوِها ما يُلامُ عَلَيْهِ، وقالَ أُمِّيَّةُ بْنُ أبِي الصَلْتِ: .........................
∗∗∗ ومَن يَخْذُلْ أخاهُ فَقَدْ ألاما وَقَوْلُهُ تَعالى: "وَفِي عادٍ" عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: "وَفِي مُوسى".
وعادٍ هي قَبِيلَةُ هُودٍ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، و"العَقِيمَ" مَعْناهُ: الَّتِي لا بَرَكَةَ فِيها، لا تُلَقِّحُ شَجَرًا ولا تَسُوقُ مَطَرًا، وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: كانَتْ رِيحُ الجَنُوبِ، ورُوِيَ عن عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: كانَتْ نَكْباءَ، وهَذا عِنْدِي لا يَصِحُّ عن عَلِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ لِأنَّهُ يُرادُّ قَوْلَ النَبِيِّ : « "نُصِرْتُ بِالصَبا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَبُّورِ"،» و"تَذَرُ" مَعْناهُ: تَدَعُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن شَيْءٍ أتَتْ عَلَيْهِ ﴾ يَعْنِي مِمّا أذِنَ اللهُ تَعالى لَها في إهْلاكِهِ، و"الرَمِيمُ": الفانِي المُتَقَطِّعُ يَبِسًا أو قِدَمًا مِنَ الأشْجارِ والوَرَقِ والحِبالِ أوِ العِظامِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ ﴾ ، أيْ في قِوامِ الرَمادِ، ورُوِيَ حَدِيثٌ: « "إنَّ تِلْكَ الرِيحَ كانَتْ تَهُبُّ عَلى الناسِ فِيهِمُ العادِيَّ وغَيْرُهُ، فَتَنْتَزِعُ العادِيَّ مِن بَيْنِ الناسِ وتَذْهَبُ بِهِ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفِي ثَمُودَ إذْ قِيلَ لَهم تَمَتَّعُوا حَتّى حِينٍ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ: قِيلَ لَهم في أوَّلِ بَعْثِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَلامُ: آمِنُوا وأطِيعُوا فَتَمَتَّعُوا مَتاعًا حَسَنًا إلى آجالِكُمْ، وهو "الحِينُ" عَلى هَذا، وهو قَوْلُ الحَسَنِ حَكاهُ عَنِ الرُمّانِيِّ، ويَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: "فَعَتَوْا" مُرَتَّبًا لَفْظًا في الآيَةِ ومَعْنى في الوُجُودِ مُتَأخِّرًا عَنِ القَوْلِ لَهم "تَمَتَّعُوا"، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: إذْ قِيلَ لَهم بَعْدَ عَقْرِ الناقَةِ: ﴿ تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ ﴾ ، وهي "الحِينُ" عَلى هَذا التَأْوِيلِ، وهو قَوْلُ الفَرّاءِ، ويَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: "فَعَتَوْا" غَيْرُ مُرَتَّبِ المَعْنى في وُجُودِهِ، لِأنَّ عُتُوَّهم كانَ قَبْلَ أنْ يُقالَ لَهُمْ: "تَمَتَّعُوا"، وكَأنَّ المَعْنى: فَكانَ مِن أمْرِهِمْ قَبْلَ هَذِهِ المَقالَةِ أنَّ عُتُوًّا، وهو السَبَبُ في أنْ قِيلَ لَهم ذَلِكَ وعُذِّبُوا.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "الصاعِقَةُ"، وقَرَأ الكِسائِيُّ، وهي قِراءَةُ عُمَرَ وعُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُما-: "الصَعْقَةُ"، وَهِيَ -عَلى القِراءَتَيْنِ- الصَيْحَةُ العَظِيمَةُ، ومِنهُ يُقالُ لِلْوَقْعَةِ الشَدِيدَةِ مِنَ الرَعْدِ: صاعِقَةٌ، وهي الَّتِي تَكُونُ مَعَها النارُ الَّتِي يُرْوى في الحَدِيثِ أنَّها مِنَ المِخْراقِ الَّذِي بِيَدِ مَلِكٍ يَسُوقُ السَحابَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَهم يَنْظُرُونَ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: فَجْأةً وهم يُبْصِرُونَ بِعُيُونِهِمْ حالَهُمْ، وهَذا قَوْلُ الطَبَرِيِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: وهم يَنْظُرُونَ ذَلِكَ في تِلْكَ الأيّامِ الثَلاثَةِ الَّتِي أُعْلِمُوا بِهِ فِيها ورَأوا عَلاماتِهِ في تَلَوُّنِهِمْ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ حَسَبَ تَقَدُّمِ تَفْسِيرِهِ، وانْتِظارُهُمُ العَذابَ هو أشَدُّ مِنَ العَذابِ.
<div class="verse-tafsir"
نظم هذه الآية مثل نظم قوله: ﴿ وفي موسى إذ أرسلناه إلى فرعون ﴾ [الذاريات: 38] انتقل إلى العبرة بأمة من الأمم العربية وهم عاد وهم أشهر العرب البائدة.
و ﴿ الريح العقيم ﴾ هي: الخليّة من المنافع التي تُرجى لها الرياح من إثارة السحاب وسوقه، ومن إلقاح الأشجار بنقل غبرة الذكر من ثمار إلى الإِناث من أشجارها، أي الريح التي لا نفع فيها، أي هي ضارّة.
وهذا الوصف لما كان مشتقاً مما هو من خصائص الإِناث كان مستغنياً عن لحاق هاء التأنيث لأنها يُؤتى بها للفرق بين الصنفين.
والعرب يكرهون العقم في مواشيهم، أي ريح كالناقة العقيم لا تثمر نسلاً ولا دَرًّا، فوصف الريح بالعقيم تشبيه بليغ في الشؤم، قال تعالى: ﴿ أو يأتيهم عذاب يوم عقيم ﴾ [الحج: 55].
وجملة ﴿ ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم ﴾ صفة ثانية، أو حال، فهو ارتقاء في مضرة هذا الريح فإنه لا ينفع وأنه يضر أضراراً عظيمة.
وصيغ ﴿ تذر ﴾ : بصيغة المضارع لاستحضار الحالة العجيبة.
و ﴿ شيء ﴾ في معنى المفعول ل ﴿ تذر ﴾ فإن (مِن) لتأكيد النفي والنكرة المجرورة ب (من) هذه نص في نفي الجنس ولذلك كانت عامة، إلا أن هذا العموم مخصص بدليل العقل لأن الريح إنما تُبلي الأشياء التي تمر عليها إذا كان شأنها أن يتطرق إليها البِلى، فإن الريح لا تُبلي الجبال ولا البحار ولا الأودية وهي تمر عليها وإنما تُبلي الديار والأشجار والناس والبهائم، ومثله قوله تعالى: ﴿ تدمر كل شيء بأمر ربها ﴾ [الأحقاف: 25].
وجملة ﴿ جعلته كالرميم ﴾ في موضع الحال من ضمير ﴿ الريح ﴾ مستثناة من عموم أحوال ﴿ شيء ﴾ يبين المعرف، أي ما تذر من شيء أتت عليه في حال من أحوال تدميرها إلا في حال قد جعلته كالرميم.
والرميم: العظم الذي بلِي.
يقال: رَمَّ العظم، إذ بَلى، أي جعلتْه مفتتاً.
والمعنى: وفي عاد آية للذين يخافون العذاب الأليم إذ أرسل الله عليهم الريح.
والمراد: أن الآية كائنة في أسباب إرسال الريح عليهم وهي أسباب تكذيبهم هوداً وإشراكهم بالله وقالوا: ﴿ من أشد منا قوة ﴾ [فصلت: 15]، فيحذر من مثل ما حلّ بهم أهل الإِيمان.
وأما الذين لا يخافون العذاب الأليم من أهل الشرك فهم مصرّون على كفرهم كما أصرت عاد فيوشك أن يحلّ بهم من جنس ما حلّ بعاد.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَتَوَلّى ﴾ يَعْنِي فِرْعَوْنُ، وفي تَوَلِّيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أدْبَرَ.
الثّانِي: أقْبَلَ، وهو مِنَ الأضْدادِ.
﴿ بِرُكْنِهِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِجُمُوعِهِ وأجْنادِهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: بِقُوَّتِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومِنهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ فَما أوْهى مِراسُ الحَرْبِ رُكْنِي ولَكِنْ ما تَقادَمَ مِن زَمانِي.
الثّالِثُ: بِجانِبِهِ، قالَهُ الأخْفَشُ.
الرّابِعُ: بِمَيْلِهِ عَنِ الحَقِّ وعِنادِهِ بِالكُفْرِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وَيَحْتَمِلُ خامِسًا بِمالِهِ لِأنَّهُ يَرْكُنُ إلَيْهِ ويَتَقَوّى بِهِ.
﴿ وَفِي عادٍ إذْ أرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ العَقِيمَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ العَقِيمَ هي الرِّيحُ الَّتِي لا تَلْقَحُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: هي الَّتِي لا تُنْبِتْ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: هي الَّتِي لَيْسَ فِيها رَحْمَةٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الرّابِعُ: هي الَّتِي لَيْسَ فِيها مَنفَعَةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وَفِي الرِّيحِ الَّتِي هي عَقِيمٌ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: الجَنُوبُ، رَوى ابْنُ أبِي ذِئْبٍ عَنِ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أنَّ النَّبِيَّ قالَ: « (الرِّيحُ العَقِيمُ الجَنُوبُ» ).
الثّانِي الدَّبُورُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: « (نُصِرْتُ بِالصَّبا وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُورِ)» الثّالِثُ: هي رَيِحُ الصَّبا، رَواهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ.
﴿ إلا جَعَلَتْهُ كالرَّمِيمِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الرَّمِيمَ التُّرابَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: أنَّهُ الَّذِي دِيسَ مِن يابِسِ النَّباتِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ.
الثّالِثُ أنَّ الرَّمِيمَ: الرَّمادُ، قالَهُ قُطْرُبٌ.
الرّابِعُ: أنَّهُ الشَّيْءُ البالِي الهالِكُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ ؎ تَرَكَتْنِي حِينَ كَفَّ الدَّهْرُ مِن بَصَرِي ∗∗∗ وإذْ بَقَيْتُ كَعَظْمِ الرُّمَّةِ البالِي <div class="verse-tafsir"
أخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ الريح العقيم ﴾ قال: الشديدة التي لا تلقح شيئاً.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم ﴾ قال: الريح العقيم التي لا تلقح الشجر ولا تثير السحاب، وفي قوله: ﴿ إلا جعلته كالرميم ﴾ قال: كالشيء الهالك.
وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ الريح العقيم ﴾ قال: ريح لا بركة فيها ولا منفعة ولا ينزل منها غيث ولا يلقح منها شجر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الريح مسجنة في الأرض الثانية، فلما أراد الله أن يهلك عاداً أمر خازن الريح أن يرسل عليهم ريحاً تهلك عاداً، قال: أي رب أرسل عليهم من الريح قدر منخر ثور، قال له الجبار.
لا إذا تكفأ الأرض ومن عليها، ولكن أرسل عليهم بقدر خاتم، فهي التي قال الله: ﴿ ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم ﴾ » .
وأخرج الفريابي وابن المنذر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: ﴿ الريح العقيم ﴾ النكباء.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه قال: ﴿ الريح العقيم ﴾ الجنوب.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه قال: ﴿ الريح العقيم ﴾ الصبا التي لا تلقح شيئاً، وفي قوله: ﴿ كالرميم ﴾ قال: الشيء الهالك.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه قال: ﴿ الريح العقيم ﴾ التي لا تنبت وفي قوله: ﴿ إلا جعلته كالرميم ﴾ قال: كرميم الشجر.
وأخرج أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن مردويه «عن رجل من ربيعة قال: قدمت المدينة فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرت عنده وافد عاد فقلت: أعوذ بالله أن أكون مثل وافد عاد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما وافد عاد؟
فقلت: على الخبير سقطت، إن عاداً لما أقحطت بعثت قيلاً فنزل على بكر بن معاوية فسقاه الخمر وغنته الجرادتان، ثم خرج يريد جبال مهرة، فقال: اللهم إني لم آتك لمريض فأداويه ولا لأسير فأفاديه، فاسْق عبدك ما كنت مسقيه واسق معه بكر بن معاوية يشكر له الخمر الذي سقاه، فرفع له سحابات فقيل له: اختر إحداهن فاختار السوداء منهن، فقيل له: خذها رماداً ومدداً لا تذر من عاد أحداً، وذكر أنه لم يرسل عليهم من الريح إلا قدر هذه الحلقة يعني حلقة الخاتم، ثم قرأه ﴿ وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم ﴾ » .
وأخرج البيهقي في سننه عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين ﴾ قال: ثلاثة أيام.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فعتوا ﴾ قال: علواً وفي قوله: ﴿ فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون ﴾ قال: فجأة.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فعتوا ﴾ قال: علواً وفي قوله: ﴿ فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون ﴾ قال: فجأة.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فما استطاعوا من قيام ﴾ قال: من نهوض.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ فما استطاعوا من قيام ﴾ قال: لم يستطيعوا أن ينهضوا بعقوبة الله إذ نزلت بهم، وفي قوله: ﴿ وما كانوا منتصرين ﴾ قال: لم يستطيعوا امتناعاً من أمر الله.
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ والسماء بنيناها بأييد ﴾ قال: بقوة.
وأخرج آدم بن أبي اياس والبيهقي عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ والسماء بنيناها بأييد ﴾ قال: يعني بقوة.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإنا لموسعون ﴾ قال: لنخلق سماء مثلها وفي قوله: ﴿ والأرض فرشناها فنعم الماهدون ﴾ قال: الفارشون.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومن كل شيء خلقنا زوجين ﴾ قال: الكفر والإِيمان، والشقاء والسعادة، والهدى والضلالة، والليل والنهار، والسماء والأرض، والجن والإِنس، والبر والبحر، والشمس والقمر، وبكرة وعشية، ونحو هذا كله.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ أتواصوا به ﴾ قال: هل أوصى الأول الآخر منهم بالتكذيب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ ﴾ قال مقاتل: من أنفسهم وأنعامهم وأموالهم (١) ﴿ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ ﴾ كالشيء الهالك البالي.
وذكر تفسير الرميم عند قوله: ﴿ وَهِيَ رَمِيمٌ ﴾ [[عند تفسيره لآية [الحجر: 78] ومما قال: قال أبو عبيدة: الرميم مثل الرمة.
يقال رم العظيم وهو يرم رمًّا وهو رميم.
وقال ابن الأعرابي: رمت عظامه وأرمت إذا بليت.
وقال أبو عبيدة: الروم الرفات.]] قال الفراء: الرميم نبات الأرض إذا يبس وديس (٢) وقال أبو إسحاق: هو الورق الجاف المتحطم (٣) (١) انظر: "تفسير مقاتل" 127 أ، "معالم التنزيل" 4/ 233.
(٢) انظر: "معاني القرآن" 3/ 88.
(٣) انظر: "معاني القرآن" 5/ 57 <div class="verse-tafsir"
﴿ الريح العقيم ﴾ وصفها بالعقم، لأنها لا بركة فيها من إنشاء المطر أو إلقاح الشجر ﴿ كالرميم ﴾ أي الفاني المنقطع، والعموم هنا يراد به الخصوص فيما أذن للريح أن تهلكه.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ والذاريات ذرواً ﴾ بإدغام التاء في الذال: حمزة وأبو عمرو ﴿ ومثل ما ﴾ بالضم: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص.
الباقون: ﴿ مثل ﴾ بالفتح على البناء لإضافته إلى غير متمكن، أو على أنه لحق حقاً مثل نطقكم ﴿ سلم ﴾ بكسر السين وسكون اللام: حمزة علي وخلف والمفضل ﴿ والصعقة ﴾ بسكون العين للمرة: علي ﴿ وقوم نوح ﴾ بالجر: أبو عمرو وعلي وخلف الوقوف: ﴿ ذرواً ﴾ ط ﴿ وقراً ﴾ ه لا ﴿ يسراً ﴾ ه لا ﴿ أمراً ﴾ ه ط ﴿ لصادق ﴾ ه لا ﴿ لواقع ﴾ ه ﴿ الحبك ﴾ ه لا ﴿ مختلف ﴾ ه لا ﴿ أفك ﴾ ه ط ﴿ الخراصون ﴾ ه لا ﴿ ساهون ﴾ ه لا لأن ﴿ يسألون ﴾ صلة بعد صلة، ﴿ الدين ﴾ ه ط بناء على أن عامل يوم منتظر أي يقال لهم ذوقوا ﴿ يفتنون ﴾ ه ﴿ فتنتكم ﴾ ط ﴿ تستعجلون ﴾ ه ﴿ وعيون ﴾ ه لا ﴿ ربهم ﴾ ط ﴿ محسنين ﴾ ه ط ﴿ يهجعون ﴾ ه ﴿ يستغفرون ﴾ ه ﴿ والمحروم ﴾ ه ﴿ للموقنين ﴾ ه ط للعطف ﴿ أنفسكم ﴾ ط ﴿ تبصرون ﴾ ه ﴿ توعدون ﴾ ه ﴿ تنطقون ﴾ ه ﴿ المكرمين ﴾ ه م لأن عامل "إذ" محذوف وهو "اذكر" ولو وصل لأوهم أنه ظرف للإتيان ﴿ سلاماً ﴾ ط ﴿ سلام ﴾ ج ﴿ لحق ﴾ المحذوف مع اتحاد القائل أي أنتم قوم ﴿ منكرون ﴾ ه ﴿ سمين ﴾ ه لا للعطف ﴿ تأكلون ﴾ ه للآية مع العطف ﴿ خيفة ﴾ ط ﴿ لا تخف ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ عقيم ﴾ ه ﴿ كذلك ﴾ لا للتعلق بما بعده ﴿ ربك ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ المرسلون ﴾ ه ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ طين ﴾ ه ﴿ للمفسرين ﴾ ه ﴿ المؤمنين ﴾ ه ج للآية مع العطف بالفاء واتصال المعنى ﴿ المسلمين ﴾ ه ط كذلك ﴿ الأليم ﴾ ه لتناهي القصة وحكم العربية ولوصل للعطف على قوله ﴿ وفي الأرض آيات ﴾ ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ مجنون ﴾ ه ﴿ مليم ﴾ ه كما مر ﴿ العقيم ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال أي غير تاركته ﴿ كالرميم ﴾ ه ﴿ حين ﴾ ه ﴿ ينظرون ﴾ ه ﴿ منتصرين ﴾ ه لا على القراءتين فيما بعده للعطف أي وفي قوم نوح أو وأخذنا قوم نوح ولو قدر واذكر قوم نوح فالوقف ﴿ قبل ﴾ ج ﴿ فاسقين ﴾ ه ﴿ لموسعون ﴾ ه ﴿ الماهدون ﴾ ه ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ إلى الله ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه للآية مع العطف ﴿ آخر ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ أو مجنون ﴾ ه ﴿ أتواصوا به ﴾ ج لأن " بل " للإضراب معنى مع العطف لفظاً ﴿ طاغون ﴾ ه ﴿ بملوم ﴾ ه لا للآية مع اتفاق الجملتين ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ ليعبدون ﴾ ه ﴿ يطعمون ﴾ ه ﴿ المتين ﴾ ه ﴿ يستعجلون ﴾ ه ﴿ يوعدون ﴾ ه.
التفسير: لما بين في آخر السورة أنهم بعد إيراد البراهين الساطعة عليهم مصرون على إنكار الحشر، ولهذا سلى نبيه بقوله ﴿ نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار ﴾ لم يبق إلا توكيد الدعوى بالإيمان فلذلك افتتح بذلك.
عن علي كرم الله وجهه أنه قال علىالمنبر: سلوني قبل أن تفقدوني وإن لا تسألوني لا تسألوا بعدي مثلي.
فقال ابن الكواء فقال: ما الذاريات؟
قال: الرياح.
وقد مر في الكهف في قوله ﴿ تذروه الرياح ﴾ قال: فالحاملات وقراً؟
قال : السحاب لأنها تحمل المطر.
وإنما لم يقل أوقاراً باعتبار جنس المطر وهو واحد.
قال: فالجاريات يسراً؟
قال : الفلك والمراد جريان اليسر.
قال: فالمقسمات أمراً؟
قال : الملائكة لأنها تقسم الأمور من الأمطار والأرزاق وغيرها، أو تفعل التقسيم مأمورة بذلك فيكون مصدراً في موضع الحال.
ومعنى الفاء فيها ظاهر لأنه أقسم بالرياح فبالسحاب الذي تسوقه فبالفلك التي تجريها بهبوباتها كأن ماء البحر أو مدده من السحاب فلذلك أخر.
ثم أقسم بالملائكة التي تقسم الأرزاق بإذن الله من الأمطار وتجارات البحر.
وقيل: إن الأوصاف الأربعة كلها للرياح لأنها تذروا التراب وغيره أولاً، ثم تنشىء السحاب وتحمله.
ولا ريب أن السحاب حمل ثقيل ولا سيما إذا كان فيه مطر ثم تجري - أعني الرياح - في الجو جرياً سهلاً في نفسها أي لا يصعب عليها الجري أو بالنسبة إلينا بخلاف الصرصر والعاصف ونحوها فتبسط السحاب في السماء ثم تقسم الأمطار في الأقطار بتصريف السحاب, وقد روعي في ذكر وهذه الأوصاف لطيفة فإن الحشر يتم إمكانه بها لأن أجزاء بدن المكلف إن كانت في الأرض فتميز الريح بينهما بالذرو، وإن كانت في الهواء فتحملها بالنقل، وإن كانت في البحر فتخرجها بإنشاء السحاب منها إذ الذي قدر على إجراء السفن في البحار يقدر على إخراج تلك الأجزاء منها إلى البر.
وبعد ذلك تقسم الملائكة أرواح الخلائق على أجسادها بإذن الله .
وقيل: المقسمات الكواكب السبعة.
وجواب القسم ﴿ إن ما توعدون ﴾ و "ما" مصدرية أو موصولة ﴿ لصادق ﴾ في نفسه كما يقال "خبر صادق" أو "ذو صدق" كعيشة راضية.
ثم صرح بالموعود قائلاً ﴿ وإن الدين ﴾ أي الجزاء ﴿ لواقع ﴾ أي حاصل.
وحين أقسم على صدق موعوده أقسم على جهلهم وعنادهم، والحبك الطرائق كطرائق الرمل، والماء إذا ضربته الريح ويقال: إن خلقة السماء كذلك واحدها حباك، وقال الحسن: حبكها نجومها لأنها تزينها كما تزين الموشيّ يكون بطرائق الوشي.
وقيل: حبكها صفاقتها وإحكامها يقال للثوب الصفيق "ما أحسن حبكه".
وعلى القول الأول يكون بين القسم والمقسم عليه مناسبة لأن القول المختلف له أيضاً طرائق، قال الضحاك: قول الكفرة لا يكون مستوياً وإنما هو متناقض مختلف ولهذا قالوا للرسول شاعر مجنون، وللقرآن مثل ذلك، وعن قتادة: أراد منكم مصدّق ومكذب ومقر ومنكر.
والضمير في ﴿ يؤفك عنه ﴾ للقرآن أو النبي أي يصرف عنه من صرف الصرف الذي لا صرف بعده لأنه غاية ونهاية.
ويمكن أن يقال: يصرف عنه من صرف في سابق علم الله، ويجوز أن يكون الضمير للموعود أقسم بالذاريات وغيرها أن وقوعه حق، ثم أقسم بالسماء أنهم مختلفون في وقوعه يؤفك عن الإقرار به من هو عديم الاستعداد، مغمور في الجهل والعناد.
وجوّز جار الله أن يرجع الضمير إلى ﴿ قول مختلف ﴾ ويكون "عن" كما قوله ينهون عن أكل وعن شرب *** أي يتناهون في السمن من كثرة الأكل والشرب وحقيقته يصدر تناهيهم في السمن من الأكل والشرب وكذلك يصدر إفكهم عن القول المختلف.
ثم دعا عليهم بقوله ﴿ قتل الخرّاصون ﴾ أي الكذابون المقدرون ما لا يصح وهم المعهودون وأعم فيشملهم شمولاً أولياً.
ولا يراد بهذا الدعاء وقوع القتل بعينه بل اللعن وما يوجب الهلاك بأي وجه كان.
وقد لا يراد إلا تقبيح حال المدعو كقوله ﴿ قتل الإنسان ما أكفره ﴾ والغمرة كل ما يغمر الإنسان أي إنهم في جهل يغمرهم غافلون عما أمروا به ﴿ أيان يوم الدين ﴾ أي متى وقوعه؟
ثم أجاب بقوله ﴿ يوم هم ﴾ أي يقع في ذلك اليوم.
ومعنى ﴿ يفتنون ﴾ يحرقون ويعذبون.
ثم وبخهم وتهكم بهم قائلاً ﴿ ذوقوا ﴾ إلى آخره.
وحين حكى حال الفاجر الشقي أراد أن يبين حال المؤمن التقي فقال ﴿ إن المتقين في جنات وعيون ﴾ أي في جنات فيه عيون حال كونهم ﴿ آخذين ما آتاهم ربهم ﴾ قال جار الله: قابلين لكل ما أعطاهم راضين به لا كمن يأخذ شيئاً على سخط وكراهية.
وقال غيره: أراد أنهم يأخذونه شيئاً فشيئاً ولا يستوفون ذلك بكماله لامتناع استيفاء ما لا نهاية له.
وقيل: الأخذ بمعنى التملك يقال: بكم أخذت هذا كأنهم اشتروها بأنفسهم وأموالهم.
قال: إن فيض الله لا ينقطع أصلاً وإنما يصل إلى كل مكلف بقدر ما استعد له، فكلما ازداد قبولاً ازداد تأثراً من الفيض والأخذ في هذا المقام لعله إشارة إلى كمال قبولهم للفيوض الإلهية، وذلك لما أسلفوا من حسن العبادة ووفور الطاعة ولهذا علله بقوله ﴿ إنهم كانوا قبل ذلك محسنين ﴾ أي في الدنيا وظهر عليهم بعد قطع التعلق آثار الإحسان ونتيجته.
وقوله ﴿ ما آتاهم ﴾ على المضي لتحقق الإيتاء مثل { ﴿ ونادى ﴾ ﴿ وسيق ﴾ وقال أهل العرفان: ما آتاهم في الأزل يأخذون نتائجه في الأبد.
ثم فسر إحسانهم بقوله ﴿ كانوا قليلاً من الليل يهجعون ﴾ "ما" صلة أي كانوا ينامون في طائفة قليلة من الليل أو يهجعون هجوعاً قليلاً.
وجوز أن تكون ما مصدرية أو موصولة.
وارتفع "ما" مع الفعل على أنه فاعل قليلاً من الليل هجوعهم أو الذي يهجعون فيه.
وفيه أصناف من المبالغة من جهة لفظ الهجوع وهو النوم اليسير، ومن جهة لفظ القلة، ومن جهة التقييد بالليل لأنه وقت الاستراحة فقلة النوم فيه أغرب منها في النهار، ومن جهة ما المزيدة على قول.
ولا يجوز أن تكون "ما" نافية لان ما بعدها لا يعمل فيما قبلها.
وصفهم بأنهم يحيون أكثر الليل متهجدين فإذا أسحروا أخذوا في الاستغفار وكأنهم باتوا في معصية الملك الجبار.
وهذا سيرة الكريم يأتي بأبلغ وجوه الكرم.
ثم يستقله ويعتذر، واللئيم بالعكس يأتي بأقل شيء ثم يمن به ويستكثر.
ومثله المطيع يأتي بغاية مجهوده من الخدمة ثم ينسب نفسه إلى التقصير فيستغفر.
ويمكن أن يقال: إنهم يستغفرون من الهجوع كأنهم أرادوا أن يقوموا على إحياء الليل كله.
ويجوز أن يكون الاستغفار بمعنى الصلاة لقوله بعده ﴿ في أموالهم حق ﴾ فيكون كقوله ﴿ يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ﴾ ووجه أغرب وهو أن يكون السين في استغفر مثله في استحصد الزرع أي حان أن يحصد فكأن وقت السحر وهو الأولى بحصول المغفرة.
قال جار الله: في قوله ﴿ هم يستغفرون ﴾ إشارة إلى أنهم هو المستغفرون الأحقاء بالاستغفار دون المصرين.
وقيل: إبراز الضمير لدفع وهم من يظن أن التقدير وبالأسحار قليلاً يستغفرون على قياس الفعل السابق.
وحيث ذكر جدهم في التعظيم لأمر الله أردفه بذكر شفقتهم على خلق الله.
والمشهور في الحق أنه القدر الذي علم إخراجه من المال شرعاً وهو الزكاة قيل: إنه على هذا لم يكن صفة مدح لأن كل مسلم كذلك بل كل كافر وذلك إذا قلنا إنه مخاطب بالفروع إلا أنه إذا علم سقط عنه.
وأجيب بأن السائل من له الطلب شرعاً.
والمحروم من الحرمة وهو الذي منع الطلب فكأنه قيل: في أموالهم حق للطالب - وهو الزكاة - ولغير الطالب وهو الصدقة المتطوع بها التي تتعلق بفرض صاحب المال وإقراره وليس عليه فيها مطالبة.
ويمكن أن يقال: أراد في أموالهم حق في اعتقادهم وسيرتهم كأنهم أوجبوا على أنفسهم أن يعطوا من المال حقاً معلوماً وإن لم يوجبه الشرع.
وفي السائل والمحروم وجوه أحدها ما مر.
الثاني السائل هو الناطق والمحروم كل ذي روح غيره من الحيوان كما قال " "لكل كبد حرى أجر" الثالث وهو الأظهر أن السائل هو الذي يستجدي والمرحوم الذي يحسب غنياً فيحرم الصدقة لتعففه قال : " ليس المسكين الذي ترده الأكلة والأكلتان والتمرة والتمرتان قالوا: فما هو قال: الذي لا يجد ولا يتصدق عليه " وتقديم السائل على ترتيب الواقع لأنه يعرف حاله بمقاله فيسد خلته، وأما المحروم فلا تندفع حاجته إلا بعد الاستكشاف والبحث.
وقيل: المحروم الذي لا يمنى له مال.
وقيل: هو المنقوص الحظ الذي لا يكاد يكسب.
ثم أكد وقوع الحشر والدلالة على قدرته بقوله ﴿ وفي الأرض آيات ﴾ كقوله ﴿ ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة ﴾ إلى قوله ﴿ إن الذي أحياها لمحي الموتى ﴾ ومن عجائب الأرض ما هي في جرمها من الاستدارة والألوان المختلفة وطبقاتها المتباينة، ومنها ما عليها وفيها من الجبال والمواليد الثلاثة، ومنها ما هي واردة عليها من فوقها كالمطر وغيره.
وخص الآيات الأرضية بالذكر لقربها من الحواس، وخص كونها آيات بالمؤمنين لأنهم هم المنتفعون بذلك، ومن لم يتأمل في المصنوعات لم يزد يقينه بالصانع.
ثم استدل بالأنفس فقال ﴿ وفي أنفسكم ﴾ آيات.
وذلك أن الإنسان عالم صغير فيه تشابه من العالم الكبير وقد مر تقرير ذلك مراراً.
وقيل: هي الأرواح أي وفي نفوسكم التي بها حياتكم آيات.
قال أهل النظم: هذه الآية مؤكدة لما قبلها فإن من وقف على هذه الآيات الباهرة تبين له جلال الله وعظمته فيتقيه ويعبده ويستغفره من تقصيره ولا يهجع إلا قليلاً، وهكذا من عرف أن رزقه في السماء لم يبخل بماله ويعطيه السائل والمحروم.
وعن الحسن أنه كان إذا رأى السحاب قال لأصحابه: فيه رزقكم يعني المطر ولكنكم تحرمونه.
﴿ وما توعدون ﴾ هي الجنة فوق السماء السابعة وتحت العرش.
وقيل: إن أرزاقكم في الدنيا وما توعدون في العقبى كلها مقدرة مكتوبة في السماء.
ثم أنتج من الأخبار السالفة من أول السورة إلى ههنا حقيقة القرآن أو النبي أو الموعود، وأقسم عليه برب السماء الأرض ترقياً من الأدنى وهي المربوبات كالذاريات وغيرها إلى الرب .
و"ما" مزيدة بنص الخليل حكاه جار الله يقال في الأمر الظاهر غاية الظهور أن هذا الحق أنك ترى وتسمع مثل ما أنك ههنا.
قال الأصمعي: أقبلت خارجاً من البصرة فطلع أعرابي على قعود فقال: من الرجل؟
قلت: من بني أصمع.
قال: من أين أقبلت؟
قلت: من موضع يتلى فيه كلام الرحمن.
فقال: اتل علي فتلوت ﴿ والذاريات ﴾ فلما بلغت قوله ﴿ وفي السماء رزقكم ﴾ فقال: حسبك.
فقام إلى ناقته فنحرها ووزعها على الناس وعمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما وولى.
فلام حججت مع الرشيد طفقت أطوف فإذا أنا بمن يهتف بي بصوت رقيق، فالتفت فإذا أنا بالأعرابي قد نحل واصفر فسلم علي واستقرأ السورة، فلما بلغت الآية صاح وقال: وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً ثم قال: فهل غير هذا؟
فقرأت ﴿ فورب السماء والأرض إنه لحق ﴾ فصاح فقال: يا سبحان الله من ذا الذي أغضب الجليل حتى حلف لم يصدقوه بقوله حتى ألجؤه إلى اليمين قالها ثلاثاً وخرجت معها نفسه.
ثم سلى نبيه بقصة إبراهيم وغيرها قد مرت في "هود" و "الحجر" وفي قوله ﴿ هل أتاك ﴾ تفخيم لشأن الحديث.
والضيف واحد.
وجمع والمكرمون إما باعتبار إكرامه إياهم حتى خدمهم بنفسه وبامرأته، أو لأنهم أهل الإكرام عند الله كقوله ﴿ بل عباد مكرمون ﴾ وجوز أن يكون نصب ﴿ إذا دخلوا ﴾ بالمكرمين إذا فسر بإكرام إبراهيم أو بما في ضيف من معنى الفعل.
قال المفسرون: أنكرهم للسلام الذي هو علم الإسلام أو أراد تعرف حالهم لأنهم لم يكونوا من معارفه ﴿ فراغ إلى أهله ﴾ فذهب إليهم في خفية من ضيوفه وهو نوع أدب للمضيف كيلا يستحيوا منه ولا يبادروا بالاعتذار والمنع من الضيافة.
وفي قوله ﴿ فقربه إليهم ﴾ دلالة على أن نقل الطعام إلى الضيف أولى من العكس لئلا يتشوش المكان عليهم.
﴿ قال ألا تأكلون ﴾ سلوك لطريقة الاستئناف ولهذا حذف الفاء خلاف ما في "الصافات" وقد مر.
والاستفهام لإنكار ترك الأكل أو للحث عليه ﴿ فأوجس ﴾ فأضمر وقد تقدم سائر الأبحاث في "هود" وفي "الصافات".
واعلم أنه ذكر في "هود" أنه لما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وقال ههنا ﴿ سلام قوم منكرون ﴾ ولا تنافي بين الحديثين لأنه أنكرهم أولاً بالسلام الذي لم يكن من عادة تلك الشريعة، ثم زاد إنكاره حين رآهم لا يأكلون الطعام فذكر أحد الإنكارين في تلك السورة والآخر في هذه.
قوله ﴿ فأقبلت امرأته في صرة ﴾ أي في صيحة ومنه صرير القلم.
قال الحسن: كانت في زاوية تنظر إليهم فوجدت حرارة الدم فأقبلت إلى بيتها صارة فلطمت وجهها من الحياء والتعجب كعادة النسوان ﴿ وقالت ﴾ أنا ﴿ عجوز ﴾ فأجابت الملائكة ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك الذي قلنا وأخبرنا به ﴿ قال ربك ﴾ فلا تستبعدي.
وروي أن جبرائيل قال لها: انظري إلى سقف بيتك فنظرت فإذا جذوعه مورقة مثمرة فحينئذ أحس إبراهيم صلوات الرحمن عليه بأنهم ملائكة.
﴿ قال فما خطبكم ﴾ شأنكم وطلبكم؟
فأجابوا بأنهم أرسلوا إلى قوم لوط ليرسلوا عليهم السجيل كما قصصنا في "هود".
والضمير في قوله ﴿ فيها ﴾ للقرية وإن لم يجر لها ذكر لأنه معلوم، قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن الإيمان والإسلام واحد.
وقال غيرهم: المسلم أعم من المؤمن وإطلاق العام على الخاص مما لا منع فيه ولا يدل على اتحادهما وهذا كقوله القائل من في البيت من الناس؟
فيقول له: ما في البيت من الحيوان أحد غير زيد.
فيكون مخبراً له بخلو البيت عن كل إنسان غير زيد.
وقوله ﴿ وتركنا فيها آية ﴾ كقوله في "العنكبوت" ﴿ ولقد تركنا منها آية بينة ﴾ أي علامة يعتبر بها الخائفون دون القاسية قلوبهم وهي الحجارة المسومة أو ماء أسود.
قوله ﴿ وفي موسى ﴾ قيل: الأقرب أن يكون معطوفاً على قوله ﴿ وتركنا فيها ﴾ أي وجعلنا في موسى آية.
قال جار الله: هو كقوله من قال: علفتها تبنا وماء بارداً *** ويمكن أن يقال: إن قصة موسى أيضاً آية متروكة باقية على وجه الدهر فلا حاجة إلى هذا التكلف.
قوله ﴿ فتولى بركنه ﴾ كقوله ﴿ ونأى بجانبه ﴾ وقيل: الباء للمصاحبة.
والركن القوم أي فازور وأعرض مع ما كان يتقوى به من جنوده وملكه.
وقيل: ركنه هامان وزيره قال العلماء: وصفه فرعون بالمليم مع أنه وصف يونس النبي به كما مر في "الصافات" لا يوجب اشتراكهما في استحقاق الملامة، لأن موجبات اللوم تختلف.
فراكب الكبيرة ملوم على قدرها، ومقترف الصغيرة ملوم بحسبها، وبينهما بون، العقيم ريح لا خير فيها من إنشاء مطر أو إلقاح شجر.
والرميم ما رم وتفتت.
قال في الكشاف: ﴿ تمتعوا حتى حين ﴾ تفسيره في قوله ﴿ تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ﴾ قلت: هذا سهو منه فإن قوله ﴿ فعتوا عن أمر ربهم ﴾ لا يطابقه إذ العتو لم يترتب على هذا الأمر لحصوله قبله.
وإنما الصواب أن يكون التمتع المأمور به في هذه الآية هو الذي في قصة قوم يونس ﴿ فآمنوا فمتعناهم إلى حين ﴾ فكأن قوم ثمود أمروا أن يؤمنوا كي يمهلوا إلى انقضاء آجالهم الطبيعية والأمر أمر تكليف لا تكوين ﴿ فعتوا عن أمر ربهم ﴾ بالإصرار على كفرهم.
فقيل: على سبيل التكوين تمتعوا في داركم ثلاثة أيام وكان ذلك علامة العذاب والصاعقة النازلة نفسها ﴿ وهم ينظرون ﴾ أي كانت نهاراً يعاينونها أو كانوا منتظرين لها إذ قيل لهم تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ﴿ فما استطاعوا من قيام ﴾ عبارة عن جثومهم كما مر مراراً ﴿ وما كانوا منتصرين ﴾ ممتنعين من العذاب وقصة نوح واضحة وقد مر إعرابه في الوقوف.
ثم عاد إلى دلائل القدرة فقال ﴿ والسماء بنيناها بأيد ﴾ وفي لفظ البناء إشارة إلى كونها محكمة البنيان.
وفي قوله ﴿ بأيد ﴾ أي بقوة تأكيد لذلك.
وفي قوله ﴿ وأنا لموسعون ﴾ مزيد تأكيد والمعنى لقادرون من الوسع الطاقة والموسع القوي على الإنفاق ومنه قال الحسن: أراد إنا لموسعون الرزق بالمطر.
وقيل: جعلنا بين السماء وبين الأرض سعة.
وإنما أطلق الفرش على الأرض ولم يطلق البناء لأنها محل التغييرات كالبساط يفرش ويطوى ﴿ ومن كل شيء ﴾ من الحيوان ﴿ خلقنا زوجين ﴾ ذكراً وأنثى.
وعدد الحسن أشياء كالسماء والأرض والليل والنهار والشمس والقمر والبر والبحر والموت والحياة.
قال: كل اثنين منها زوج والله فرد لا مثل له.
وقد يدور في الخلد أن الآية إشارة إلى أن كل ما سوى الله فإنه مركب نوع تركيب لا أقل من الوجود والإمكان أوالجنس والفصل أو المادة والصورة ولذلك قال ﴿ لعلكم تذكرون ﴾ له إرادة ترقيكم من المركب إلى البسيط ومن الممكن إلى الواجب ومن المصنوع.
وإذا عرفتم الله ﴿ ففروا إلى الله ﴾ أي التجؤا إليه ولا تعبدوا غيره أمر بالإقبال عليه وبالإعراض عما سواه.
وكرر قوله ﴿ إني لكم منه نذير مبين ﴾ للتأكيد.
وبعد توضيح البيانات وذكر القصص وتقرير الدلائل سلى رسول الله بقوله ﴿ كذلك ﴾ أي الأمر مثل الذي تقرر من تكذيب الرسل وإصرار الكفرة على الإنكار والسب.
ثم فسر ما أجمله بقوله ﴿ ما أتى ﴾ إلى آخره وقوله ﴿ أتواصوا به ﴾ استفهام على سبيل التعجب من تطابق آرائهم على تكذيب أنبيائهم.
ثم أضرب عن ذلك لأن تطابق المتقدم والمتأخر على أمر واحد غير ممكن فنبه على جلية الحال قائلاً ﴿ بل هم قوم طاغون ﴾ يعني أن اشتراك علة التكذيب وهو الطغيان أشركهم في المعلول ﴿ فتول عنهم ﴾ فإن تكذيبهم لا يوجب ترك الدعوة العامة ﴿ فما أنت بملوم ﴾ على إعراضك عنهم بعد التبليغ لأنك قد بذلت مجهودك واستفرغت وسعك ﴿ وذكر ﴾ مع ذلك ﴿ فإن الذكرى تنفع المؤمنين ﴾ أراد أن الإعراض عن طائفة معلومة لعدم قابليتهم لا يوجب ترك البعض الآخر.
ثم بين الغاية من خلق الثقلين وهي العبادة.
وللمعتزلة فيه دليل ظاهر على أن أفعاله الله معللة بغرض.
وقال أهل السنة: إن العبادة المعرفة والإخلاص له في ذلك فإن المعرفة أيضاً غاية صحيحة، وإنما الخلاص عن الإشكال بما سلف مراراً أن استتباع الغاية لا يوجب كون الفعل معللاً بها، وإذا لم يكن الفعل معللاً بذلك فقد يكون الفعل، وتتخلف الغاية لمانع كعدم قابلية ونحوه.
ثم ذكر أنه خلقهم ليربحوا عليه لا ليربح هو عليهم.
والمتين الشديد القوة.
ثم هدد مشركي مكة وأضرابهم بقوله ﴿ فإن للذين ظلموا ذنوباً ﴾ أي نصيباً من العذاب ﴿ مثل ذنوب أصحابهم ﴾ المهلكين، والذنوب في الأصل الدلو العظيمة قال أهل البيان: وهذا تمثيل وأصله من تقسيم الماء يكون لهذا دلو ولهذا دلو.
واليوم الموعود القيامة أو يوم بدر.
قوله - عز وجل -: ﴿ وَفِي مُوسَىٰ إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ﴾ .
فيما ذكر من قصة موسى، ولوط، وقصة إبراهيم، وقصة هود، وثمود، وهذه الأشياء تفسير لقوله -: ﴿ وَفِي ٱلأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ ﴾ ، ثم الآيات في الأرض من وجهين: أحدهما: فيما خلق في الأرض من الخلائق.
والثاني: فيما في الأرض من أنباء السلف وأخبارهم من مكذبي الرسل ومصدقيهم، أي: في هلاك من هلك من مكذبيهم، ونجاة من نجا من مصدقيهم آيات لمن ذكر، فهذه الأنباء والقصص التي ذكرت هاهنا تفسير لقوله: ﴿ وَفِي ٱلأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتَوَلَّىٰ بِرُكْنِهِ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أي: فتولى هو وركنه، وهم جنوده وقومه عن اتباع موسى - - وما يدعوهم إليه.
والثاني: فتولى هو بقوة ركنه، وهم قومه، أي: تولى عن الحق واتباع موسى - - بقوة قومه ومعونتهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ﴾ .
سماه: ساحراً بما أتى من الآيات المعجزة، وقومه إنما يعرفون وصف السحر على هذا الوجه، فسماه بذلك وإن أبقى هو أن مثل ذلك الفعل لا يكون سحراً؛ تمويها على قومه، وسماه مجنوناً، لما خاطر بنفسه بمخالفته، مع علمه أن همته القتل لمن خالفه في دينه وملكه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ ﴾ .
وهذا يدل على أني تأويل قوله : ﴿ فَتَوَلَّىٰ بِرُكْنِهِ ﴾ أي: تولى هو، وتولى قومه وجنوده.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي ٱلْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ مُلِيمٌ ﴾ ، أي: يلام عليه.
وقال بعضهم: ﴿ مُلِيمٌ ﴾ أي: هو مذموم.
وقال القتبي: هو مذنب.
ثم دل قوله : ﴿ فَنَبَذْنَاهُمْ ﴾ على أن الله في أفعال العباد صنعا؛ حيث أضاف ذلك إلى نفسه، وهم الذين دخلوا في اليم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا ﴾ .
أي: في أمر عاد بينة وآية وعبرة للمؤمنين؛ كقوله : ﴿ وَفِي ٱلأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ ﴾ ، أي: أهلكوا بالريح، وقد بلغ من عتوهم أن قالوا: ﴿ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ﴾ ، فأذلهم الله حتى خضعوا لأضعف شيء، وأخافهم منه، نهي الأصنام التي عبدوها، حتى خوفوه وقالوا: ﴿ إِن نَّقُولُ إِلاَّ ٱعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوۤءٍ ﴾ وذلك غاية الذل والهوان، أن خافوا من أضعف شيء وأعجزه، بعدما بلغ من عتوهم وتمردهم أن قالوا: ﴿ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ﴾ .
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ ﴾ .
قال أبو عوسجة: تفسيرها ما ذكر في الآية: ﴿ مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَٱلرَّمِيمِ ﴾ .
وقال غيره: العقيم هو الذي لا خير فيه ولا بركة؛ أي: عقمت عن الخيرات؛ ولذلك يقال للمرأة التي لا تلد، والرجل الذي لا يولد له: العقيم؛ لما أنه ليس منهما منفعة الولد ولا بركته؛ فعلى ذلك الريح العقيم، أي: لا منفعة فيها ولا بركة؛ فأما للمؤمنين، فهي نافعة - أيضاً - حيث أهلكت أعداءهم ولم تهلكهم، وفي ذلك تطهير الأرض عن نجاسة الكفر.
وفي الخبر عن رسول الله أنه قال: "نصرت بالصَّبا، وأهلكت عاد بالدبور" وقيل: ﴿ ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ ﴾ : هي الدبور، وهي التي لا تلقح الأشجار والسحاب والنبات.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَٱلرَّمِيمِ ﴾ .
أي: ما تذر من شيء أنت عليه، وأمرت هي بأهلاكه، وأذن لها بذلك، إلا جعلته كالرميم؛ ألا ترى أنها أتت على أشياء لم تلهكها، وقد سلم - - وقومه من المؤمنين، وإلى أنهم لما رأوها من بعد قالوا: ﴿ هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا ﴾ ، فقال هود - - ﴿ بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ ، وما ذكر ﴿ فَأْصْبَحُواْ لاَ يُرَىٰ إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ ﴾ ، أخبر أنها قد أبقت مساكنهم، وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا ﴾ ، أي: تدمر كل شيء أمرت وأذن لها بالتدمير؛ ليعلم أنها كانت تعمل بالأمر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُواْ حَتَّىٰ حِينٍ ﴾ .
أي: وفي أمر ثمود وإهلاكهم أيضاً آية وحجة للمؤمنين.
ثم ذكر عتوهم وتمردهم ﴿ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُواْ حَتَّىٰ حِينٍ ﴾ ، وهو الثلاثة أيام التي ذكرت في آية أخرى، فقال: ﴿ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ذٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ﴾ يخبر أن كان قد بلغ عتوهم أن قد أجابوا ثلاثة أيام لنزول العذا بهم، فلم يمنعهم ذلك عن عتوهم، ولم ينجع فيهم، وقومك يا محمد؛ حيث لم نذكر لعذابهم وقتا ولا أجلا أحق ألا ينجع فيهما ما توعدهم به، ولا ينفعهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ ﴾ .
أي: عما أمروا بطاعة ربهم، والعتو: هو البلوغ في البأس والقساوة غايته؛ كقوله : ﴿ وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً ﴾ أي: بائسا.
قوله - عز وجل -: ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنظُرُونَ ﴾ .
أي: إلى الصاعقة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا ٱسْتَطَاعُواْ مِن قِيَامٍ وَمَا كَانُواْ مُنتَصِرِينَ ﴾ ، هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أي: ما استطاعوا في الانتصار لعذاب الله والقيام له والثاني: ما استطاعوا من دفع العذاب عن أنفسهم، لا بأنفسهم، ولا بغيرهم، ﴿ وَمَا كَانُواْ مُنتَصِرِينَ ﴾ بالأنصار والأعوان، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ ﴾ .
أي: من أمر نوح - - من قبل هؤلاء وإهلاكهم آية بينة وحجة للمؤمنين؛ على ما ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ ﴾ ظاهر.
<div class="verse-tafsir"
ما تترك من نفس أو مال أو غيرهما أتت عليه إلا دمرته، وتركته كالبالي المتفتت.
<div class="verse-tafsir" id="91.PmwPe"