الآية ٥٩ من سورة الذاريات

الإسلام > القرآن > سور > سورة 51 الذاريات > الآية ٥٩ من سورة الذاريات

فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ذَنُوبًۭا مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَـٰبِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ ٥٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 66 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٩ من سورة الذاريات: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.

تفسير الآية ٥٩ من سورة الذاريات عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( فإن للذين ظلموا ذنوبا ) أي : نصيبا من العذاب ، ( مثل ذنوب أصحابهم فلا يستعجلون ) أي : فلا يستعجلون ذلك ، فإنه واقع [ بهم ] لا محالة .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله ( فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ ) يقول تعالى ذكره: فإن للذين أشركوا بالله من قريش وغيرهم ذنوبا, وهي الدلو العظيمة, وهو السجل أيضا إذا مُلئت أو قاربت الملء, وإنما أريد بالذنوب في هذا الموضع: الحظّ والنصيب; ومنه قول علقمة بن عبدة: وفـي كُـلّ قَـوْمٍ قَـدْ خَـبَطْتَ بنعمَة فَحُــقَّ لِشَـأس مِـنْ نَـدَاكَ ذَنُـوبُ (4) أي نصيب, وأصله ما ذكرت; ومنه قول الراجز: لَنَـــا ذَنُــوبٌ ولَكُــمْ ذَنُــوبُ فـــإن أبَيَتُـــمْ فَلَنَــا الْقَلِيــبُ (5) ومعنى الكلام: فإن للذين ظلموا من عذاب الله نصيبا وحظا نازلا بهم, مثل نصيب أصحابهم الذين مضوا من قبلهم من الأمم, على منهاجهم من العذاب, فلا يستعجلون به.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله ( فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا ) يقول: دلوا.

حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله ( فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ ) قال: يقول للذين ظلموا عذابا مثل عذاب أصحابهم فلا يستعجلون.

حدثنا ابن بشار, قال: ثنا محمد بن جعفر, قال: ثنا شعبة, عن أبي بشر, عن سعيد بن جبير ( ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ ) فلا يستعجلون: سجلا من العذاب.

قال: ثنا عفان بن مسلم, قال: ثنا شهاب بن سُريعة, عن الحسن, في قوله ( ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ ) قال: دلوا مثل دلو أصحابهم.

حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( ذَنُوبا ) قال: سجلا.

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله ( فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا ) : سجلا من عذاب الله.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثني محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة, قوله ( فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ ) قال: عذابا مثل عذاب أصحابهم.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ ) قال: يقول ذنوبا من العذاب, قال: يقول لهم سجل من عذاب الله, وقد فعل هذا بأصحابهم من قبلهم, فلهم عذاب مثل عذاب أصحابهم فلا يستعجلون.

حدثنا ابن حُميد, قال: ثنا مهران, عن سفيان, عن منصور, عن إبراهيم ( ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ ) قال: طَرَفا من العذاب.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فإن للذين ظلموا أي كفروا من أهل مكة ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم أي نصيبا من العذاب مثل نصيب الكفار من الأمم السالفة .

وقال ابن الأعرابي : يقال يوم ذنوب أي طويل الشر لا ينقضي .

وأصل الذنوب في اللغة الدلو العظيمة ، وكانوا يستقون الماء فيقسمون ذلك على الأنصباء فقيل للذنوب نصيب من هذا ; قال الراجز :لنا ذنوب ولكم ذنوب فإن أبيتم فلنا القليبوقال علقمة :وفي كل يوم قد خبطت بنعمة فحق لشأس من نداك ذنوبوقال آخر :لعمرك والمنايا طارقات لكل بني أب منها ذنوبالجوهري : والذنوب الفرس الطويل الذنب ، والذنوب النصيب ، والذنوب لحم أسفل المتن ، والذنوب الدلو الملأى ماء .

وقال ابن السكيت : فيها ماء قريب من الملء يؤنث ويذكر ، ولا يقال لها وهي فارغة ذنوب ، والجمع في أدنى العدد أذنبة والكثير ذنائب ، مثل [ ص: 54 ] قلوص وقلائص .فلا يستعجلون أي فلا يستعجلون نزول العذاب بهم ; لأنهم قالوا : يا محمد فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: وإن للذين ظلموا وكذبوا محمدًا صلى الله عليه وسلم، من العذاب والنكال { ذَنُوبًا } أي: نصيبًا وقسطًا، مثل ما فعل بأصحابهم من أهل الظلم والتكذيب.{ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ } بالعذاب، فإن سنة الله في الأمم واحدة، فكل مكذب يدوم على تكذيبه من غير توبة وإنابة، فإنه لا بد أن يقع عليه العذاب، ولو تأخر عنه مدة، ولهذا توعدهم الله بيوم القيامة

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فإن للذين ظلموا ) كفروا من أهل مكة ( ذنوبا ) نصيبا من العذاب ( مثل ذنوب أصحابهم ) مثل نصيب أصحابهم الذين هلكوا من قوم نوح وعاد وثمود ، وأصل " الذنوب " في اللغة : الدلو العظيمة المملوءة ماء ، ثم استعمل في الحظ والنصيب ( فلا يستعجلون ) بالعذاب يعني أنهم أخروا إلى يوم القيامة .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فإن للذين ظلموا» أنفسهم بالكفر من أهل مكة وغيرهم «ذنوبا» نصيبا من العذاب «مثل ذنوب» نصيب «أصحابهم» الهالكين قبلهم «فلا يستعجلون» بالعذاب إن أخرتهم إلى يوم القيامة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فإن للذين ظلموا بتكذيبهم الرسول محمدًا صلى الله عليه وسلم نصيبًا من عذاب الله نازلا بهم مثل نصيب أصحابهم الذين مضَوْا من قبلهم، فلا يستعجلون بالعذاب، فهو آتيهم لا محالة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة الظالمين فقال : ( فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذَنُوباً مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلاَ يَسْتَعْجِلُونِ ) .والذَّنُوب فى الأصل : الدلو العظيمة المملوءة ماء ، ولا يقال لها ذنوب إذا كانت فارغة .

وجمعها ذَنَائِب ، كقلوص وقلائص ، وكانوا يستسقون الماء فيقسمونه بينهم على الأنصباء .

فيكون لهذا ذنوب ، ولهذا ذنوب .

فالمراد بالذنوب هنا : النصيب ، والمعنى : فإن للذين ظلموا أنفسهم بعبادتهم لغير الله ، وبظلمهم لغيرهم ، نصيبا من العذاب ، مثل نصيب نظرائهم فى الظلم والكفر ، فلا يستعجلون عذابى ، فإنه نازل بهم فى الوقت الذى أريد .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وهو مناسب لما قبله وذلك لأنه تعالى بيّن أن من يضع نفسه في موضع عبادة غير الله يكون وضع الشيء في غير موضعه فيكون ظالماً، فقال إذا ثبت أن الإنس مخلوقون للعبادة فإن الذين ظلموا بعبادة الغير لهم هلاك مثل هلاك من تقدم، وذلك لأن الشيء إذا خرج عن الانتفاع المطلوب منه، لا يحفظ وإن كان في موضع يخلي المكان عنه، ألا ترى أن الدابة التي لا يبقى منتفعاً بها بالموت أو بمرض يخلي عنها الإصطبل، والطعام الذي يتعفن يبدد ويفرغ منه الإناء، فكذلك الكافر إذا ظلم، ووضع نفسه في غير موضعه، خرج عن الانتفاع فحسن إخلاء المكان عنه وحق نزول الهلاك به، وفي التفسير مسائل: المسألة الأولى: فيما يتعلق به الفاء، وقد ذكرنا لك في وجه التعلق.

المسألة الثانية: ما مناسبة الذنوب؟

نقول العذاب مصبوب عليهم، كأنه قال تعالى نصب من فوق رؤوسهم ذنوباً كذنوب صب فوق رؤوس أولئك، ووجه آخر وهو أن العرب يستقون من الآبار على النوبة ذنوباً فذنوباً وذلك وقت عيشهم الطيب، فكأنه تعالى قال: ﴿ فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ﴾ من الدنيا وطيباتها ﴿ ذَنُوباً ﴾ أي ملاء، ولا يكون لهم في الآخرة من نصيب، كما كان عليه حال أصحابهم استقوا ذبوباً وتركوها، وعلى هذا فالذنوب ليس بعذاب ولا هلاك، وإنما هو رغد العيش وهو أليق بالعربية، وقوله تعالى: ﴿ فَلاَ يَسْتَعْجِلُونِ ﴾ فإن الرزق ما لم يفرغ لا يأتي الأجل.

ثم أعاد ما ذكر في أول السورة فقال: ﴿ فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن يَوْمِهِمُ الذي يُوعَدُونَ ﴾ .

والحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

الذنوب: الدلو العظيمة، وهذا تمثيل، أصله في السقاة يتقسمون الماء فيكون لهذا ذنوب ولهذا ذنوب.

قال: لَنَا ذَنُوبٌ وَلَكُمْ ذَنُوب ** فَإِنْ أَبَيْتُمْ فَلَنَا الْقَلِيبُ ولما قال عمرو بن شاس: وَفِي كُلِّ حَيٍّ قَدْ خَبَطْتَ بِنِعْمَةٍ ** فَحُقَّ لشَاسٍ مِنْ نَدَاكَ ذَنُوبُ قال الملك: نعم وأذنبة.

والمعنى: فإنّ الذين ظلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتكذيب من أهل مكة لهم نصيب من عذاب الله مثل نصيب أصحابهم ونظرائهم من القرون.

وعن قتادة: سجلاً من عذاب الله مثل سجل أصحابهم ﴿ مِن يَوْمِهِمُ ﴾ من يوم القيامة.

وقيل: من يوم بدر.

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة والذاريات أعطاه الله عشر حسنات بعدد كل ريح هبت وجرت في الدنيا» .

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا ﴾ أيْ لِلَّذِينِ ظَلَمُوا رَسُولَ اللَّهِ  بِالتَّكْذِيبِ نَصِيبًا مِنَ العَذابِ.

﴿ مِثْلَ ذَنُوبِ أصْحابِهِمْ ﴾ مِثْلَ نَصِيبِ نُظَرائِهِمْ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ، وهو مَأْخُوذٌ مِن مُقاسَمَةِ السُّقاةِ الماءَ بِالدِّلاءِ، فَإنَّ الذُّنُوبَ هو الدَّلْوُ العَظِيمُ المَمْلُوءُ.

﴿ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ ﴾ جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ: مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.

﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ﴾ مِن يَوْمِ القِيامَةِ أوْ يَوْمِ بَدْرٍ.

عَنِ النَّبِيِّ  : «مَن قَرَأ سُورَةَ والذّارِياتِ أعْطاهُ اللَّهُ عَشْرَ حَسَناتٍ بِعَدَدِ كُلِّ رِيحٍ هَبَّتْ وجَرَتْ في الدُّنْيا».»

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ} رسول الله بالتكذيب من أهل مكة {ذَنُوباً مّثْلَ ذَنُوبِ أصحابهم} نصيباً من عذاب الله مثل نصيب أصحابهم ونظرائهم من القرون المهلكة قال الزجاج الذنوب في اللغة النصيب {فَلاَ يَسْتَعْجِلُونِ} نزول العذاب وهذا جواب النضر واصابه حين استعجلوا العذاب

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ أيْ إذا ثَبَتَ أنَّ اللَّهَ تَعالى ما خَلَقَ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ وأنَّهُ سُبْحانَهُ ما يُرِيدُ مِنهم مَن رِزْقٍ إلى آخَرِ ما تَقَدَّمَ فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِاشْتِغالِهِمْ بِغَيْرِ ما خُلِقُوا لَهُ مِنَ العِبادَةِ وإشْراكِهِمْ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وتَكْذِيبِهِمْ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهم أهْلُ مَكَّةَ وأضْرابُهم مِن كُفّارِ العَرَبِ ﴿ ذَنُوبًا ﴾ أيْ نَصِيبًا مِنَ العَذابِ ﴿ مِثْلَ ذَنُوبِ ﴾ أيْ نَصِيبِ ﴿ أصْحابِهِمْ ﴾ أيْ نُظَرائِهِمْ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ، وأصْلُ الذُّنُوبِ الدَّلْوُ العَظِيمَةُ المُمْتَلِئَةُ ماءً، أوِ القَرِيبَةُ مِنَ الِامْتِلاءِ، قالَ الجَوْهَرِيُّ: ولا يُقالُ لَها ذُنُوبٌ وهي فارِغَةٌ، وهي تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ وجَمْعُها أذْنِبَةٌ وذَنائِبُ فاسْتُعِيرَتْ لِلنَّصِيبِ مُطْلَقًا شَرًّا كانَ كالنَّصِيبِ مِنَ العَذابِ في الآيَةِ أوْ خَيَّرا كَما في العَطاءِ في قَوْلِ عَلْقَمَةِ بْنِ عَبَدَةِ التَّمِيمِيِّ يَمْدَحُ الحارِثَ بْنَ أبِي شَمِرِ الغَسّانِيِّ وكانَ أسِرَ أخاهُ شَأْسًا يَوْمَ عَيْنِ أباغِ: وفِي كُلِّ حَيٍّ قَدْ خَبَطْتَ بِنِعْمَةِ فَحُقَّ لِشَأْسٍ مِن نَداكَ ذَنُوبُ يُرْوى أنَّ الحارِثَ لَمّا سَمِعَ هَذا البَيْتَ قالَ نَعَمْ وأذْنِبَةً ومِنِ اسْتِعْمالِها في النَّصِيبِ قَوْلُ الآخَرُ: لَعَمْرِكَ والمَنايا طارِقاتٌ ∗∗∗ لِكُلِّ بَنِي أبٍ مِنها ذَنُوبُ وهُوَ اسْتِعْمالٌ شائِعٌ، وفي الكَشّافِ هَذا تَمْثِيلُ أصْلِهِ في السُّقاةِ يَقْتَسِمُونَ الماءَ فَيَكُونَ لِهَذا ذَنُوبٌ ولِهَذا ذَنُوبٌ قالَ الرّاجِزُ: إنّا إذا نازَلَنا غَرِيبُ ∗∗∗ لَهُ ذَنُوبٌ ولَنا ذَنُوبٌ وإنْ أبَيْتُمْ فَلَنا القَلِيبُ ﴿ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ ﴾ أيْ لا يَطْلُبُوا مِنِّي أنْ أُعَجِّلَ في الإتْيانِ بِهِ يُقالُ اسْتَعْجَلَهُ أيْ حَثَّهُ عَلى العَجَلَةِ وطَلَبَها مِنهُ، ويُقالُ: اسْتَعْجَلْتُ كَذا إنْ طَلَبْتُ وُقُوعَهُ بِالعَجَلَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ  ﴾ وهو عَلى ما في الإرْشادِ جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ: ( مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) [يُونُسُ: 48، الأنْبِياءُ: 38، النَّمْلُ: 71، سَبَأُ: 29، يَسُ: 48، المُلْكُ: 25] <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يعني: فأعرض عنهم يا محمد، بعد ما بلغت الرسالة، وأعذرت، فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ يعني: لا تلام على ذلك، لأنك قد فعلت ما عليك وَذَكِّرْ يعني: عظ أصحابك بالقرآن فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ يعني: المصدقين تنفعهم العظة.

ويقال: فعظ أهل مكة، فإن الذكرى تنفع المؤمنين.

يعني: من قدر لهم الإيمان.

ثم قال عز وجل: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ يعني: ما خلقتهم، إلا أمرتهم بالعبادة، فلو أنهم خلقوا للعبادة لما عصوا طرفة عين.

وقال مجاهد: يعني: ما خلقتهم إلا لآمرهم، وأنهاهم.

ويقال: إِلَّا لِيَعْبُدُونِ يعني: إلا ليوحدون، وهم المؤمنون، وهم خلقوا للتوحيد والعبادة، وخلق بعضهم لجهنم، كما قال: وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ [الأعراف: 179] فقد خلق كل صنف للأمر، والنهي الذي يصلح له.

ثم قال: مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ يعني: ما خلقتهم، لأن يرزقوا أنفسهم وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ يعني: لا أكلفهم أن يطعموا أحداً من خلقي.

وأصل هذا أن الخلق عباد الله، وعياله.

فمن أطعم عيال رجل ورزقهم، فقد رزقه إذا كان رزقهم عليه.

ثم قال: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ يعني: الرَّزَّاقُ لجميع خلقه ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ يعني: ذُو الْقُوَّةِ على أعدائه، الشديد العقوبة لهم، والمتين في اللغة: الشديد القوي قرأَ الأعمش: ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ بكسر النون، جعله من نعت القوة.

وقراءة العامة بالضم، ومعناه: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ وهو ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ.

قوله عز وجل: فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا يعني: أشركوا وهم مشركو مكة ذَنُوباً يعني: نصيباً من العذاب مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ يعني: مثل نصيب أصحاب من عذاب الذين مضوا، وأصل الذنوب في اللغة هو الدلو الكبير، فكيف عنه، لأنه تتابع.

يعني: مثل عذاب الذين أهلكوا نحو قوم عاد، وثمود، وغيرهم.

فَلا يَسْتَعْجِلُونِ يعني: بالعذاب، لأن النضر بن الحارث كان يستعجل بالعذاب، فأمهله إلى يوم بدر، ثم قتل في ذلك اليوم، وصار إلى النار.

قوله عز وجل: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ يعني: مِنْ عَذَابِ يَوْمِ القيامة.

والويل: الشدة من العذاب.

يقال: الويل وادٍ في جهنم.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حِينَ سَمِعَ ذَلِكَ: أَلاَ تَضُمُّ إلَيْهَا أُخْتَهَا؟

فَقَالَ الرَّجُلُ: اللَّهُمَّ، ارْزُقْنِي شَوْقَ الصَّادِقِينَ إلَى مَا شَوَّقْتَهُمْ إلَيْهِ» وفيه: «فَذَهَبُوا يَنْظُرُونَ، فَإذَا هو الخضر ع» ، انتهى مختصراً «١» .

وقوله تعالى: كَذلِكَ أي: سيرة الأمم كذلك قال عياض: فهذه الآية ونظائرها تسلية للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، عزّاه الله- عز وجل- بما أخبر به عن الأُمَمِ السالفة ومقالها لأنبيائها، وأَنَّه ليس أَوَّلَ مَنْ لَقِيَ ذلك، انتهى من «الشفا» .

وقوله سبحانه: أَتَواصَوْا بِهِ توقيف وتعجيب من توارد نفوس الكَفَرَةِ في تكذيب الأنبياء على تَفَرُّقِ أَزمانهم، أي: لم يتواصوا، لكنَّهُم فعلوا فعلاً كأَنَّهُ فعل مَنْ تواصى، والعِلَّةُ في ذلك أَنَّ جميعهم طاغٍ، والطاغي المستعلي في الأرض، المُفْسِدُ.

وقوله تعالى: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ أي: عنِ الحرص المُفْرِطِ عليهم، وذَهَابِ النفس حَسَرَاتٍ، ولستَ بملوم إذ قد بَلَّغْتَ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى: نافعة للمؤمنين، ولمن قضي له أن يكون منهم.

وقوله سبحانه: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ قال ابن عباس وعليٌّ «٢» :

المعنى: ما خلقت الجن والإنس إلاَّ لآمرهم بعبادتي، وليقرُّوا لي بالعبودِيَّةِ، وقال زيد بن أسلمَ»

وسفيان: هذا خاصٌّ، والمراد: ما خلقت الطائعين من الجن والإنس إلاَّ لعبادتي، ويؤَيِّدُ هذا التأويلَ أنّ ابن عبّاس روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: أَنَّهُ قَرَأَ: «وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ» ، وقال ابن عباس أيضاً «٤» : معنى لِيَعْبُدُونِ: ليتذللوا لي ولقدرتي، وإنْ لم يكن ذلك على قوانينِ شرع، وعلى هذا التأويل فجميعهم من مؤمن

وكافر متذلّل لله عز وجل أَلاَ تراهم عند القحوط والأمراض وغيرِ ذلك كيف يخضعون للَّه ويتذللون؟!.

ت: قال الفخر «١» : فإنْ قيل: ما العبادة التي خلق اللَّه الجن والإنسَ لها؟

قلنا:

التعظيم لأمر اللَّه، والشفقةُ على خلق اللَّه فإنَّ هذين النوعينِ لم يَخْلُ شرعٌ منهما، وأَمَّا خصوص العبادات فالشرائع مختلفة فيها: بالوضع والهيئة، والقِلَّةِ والكَثْرَةِ، والزَّمان والمكان، والشَّرَائِطِ والأركان، انتهى، ونقل الثعلبيُّ وغيره «٢» عن مجاهد: إِلَّا لِيَعْبُدُونِ أي: ليعرفوني، قال صاحب «الكَلِمِ الفارقية» : المعرفة باللَّه تملأ القلبَ مَهَابَةً ومخافَةً، والعينَ عَبْرَةً وعِبْرةً وحياءً وخَجْلَةً، والصَّدْرَ خُشُوعاً وَحُرْمَةً، والجوارحَ استكانةً وذِلَّةً وطاعةً وخدمةً، واللسانَ ذكراً وحمداً، والسمعَ إصغاءً وتفهّما، والخواطر في مواقف المناجاة خموداً، والوساوِسَ اضمحلالاً، انتهى.

وقوله سبحانه: مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ أي: أنْ يرزقوا أنفسهم ولا غيرهم.

وقوله: أَنْ يُطْعِمُونِ أي: أنْ يطعموا خَلْقِيَ قاله ابن عباس «٣» ، ويحتمل أن يريد: / أن ينفعوني، والْمَتِينُ: الشديد.

ت: ورُوِّينَا في «كتاب التِّرْمِذِيِّ» عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: يَا بْنَ آدَمَ، تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي أَمْلأْ صَدْرَكَ غِنًى، وأَسُدَّ فَقْرَكَ، وَإلاَّ تَفْعَلْ مَلأْتُ يَدَكَ شُغْلاً، وَلَمْ أَسُدَّ فَقْرَكَ» ، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، ورُوِّينَا فيه عن أنس قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ، جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ في قَلْبِهِ، وَجَمَعَ لَهْ شَمْلَهُ، وأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ، جَعَل اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إلاَّ مَا قُدِّرَ لَهُ» «٤» انتهى.

وقوله سبحانه: فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا: يريد أهل مكّة، والذّنوب: الحظّ والنصيب،

وأصله من الدَّلْوِ وذلك أَنَّ الذَّنُوبَ هو مِلْءُ الدَّلْوِ من الماء، وكذا قال أبو حيان «١» :

ذَنُوباً، أي: نصيبا، انتهى، وأَصْحابِهِمْ: يُرَادُ بهم مَنْ تقدم من الأمم المُعَذَّبَةِ، وباقي الآية وعيد بيّن.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أتَواصَوْا بِهِ ﴾ أيْ: أوْصى أوَّلُهم آخِرَهم بِالتَّكْذِيبِ؟!

وهَذا اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أتَواطَؤُوا عَلَيْهِ فَأخَذَهُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ؟!

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ ﴾ أيْ: يَحْمِلُهُمُ الطُّغْيانُ فِيما أُعْطُوا مِنَ الدُّنْيا عَلى التَّكْذِيبِ؛ والمُشارُ إلَيْهِمْ أهْلُ مَكَّةَ.

﴿ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ﴾ فَقَدْ بَلَّغْتَهم ﴿ فَما أنْتَ ﴾ عَلَيْهِمْ ﴿ بِمَلُومٍ ﴾ لِأنَّكَ قَدْ أدَّيْتَ الرِّسالَةَ.

ومَذْهَبُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ، ولَهم في ناسِخِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ قَوْلُهُ: ﴿ وَذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ ﴾ والثّانِي: آيَةُ السَّيْفِ.

وفي قَوْلِهِ: ﴿ وَذَكِّرْ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: عِظْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: ذَكِّرْهم بِأيّامِ اللَّهِ وعَذابِهِ ورَحْمَتِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ ﴾ أثْبَتَ الياءَ في "يَعْبُدُونِ" و"يُطْعِمُونِ" و"لا يَسْتَعْجِلُونَ" في الحالَيْنِ يَعْقُوبٌ.

واخْتَلَفُوا في هَذِهِ الآيَةِ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: إلّا لِآمُرَهم أنْ يَعْبُدُونِي، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ.

والثّانِي: إلّا لِيُقِرُّوا بِالعُبُودِيَّةِ طَوْعًا وكَرْهًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ وبَيانُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿ وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ  ﴾ .

والثّالِثُ: أنَّهُ خاصٌّ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ.

قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: ما خَلَقْتُ مَن يَعْبُدُنِي إلّا لِيَعْبُدَنِي.

وقالَ الضَّحّاكُ، والفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: هَذا خاصٌّ لِأهْلِ طاعَتِهِ، وهَذا اخْتِيارُ القاضِي أبِي يَعْلى فَإنَّهُ قالَ: مَعْنى هَذا الخُصُوصُ لا العُمُومُ، لِأنَّ البُلْهَ والأطْفالَ والمَجانِينَ لا يَدْخُلُونَ تَحْتَ الخِطابِ وإنْ كانُوا مِنَ الإنْسِ، فَكَذَلِكَ الكَفّارُ يَخْرُجُونَ مِن هَذا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ  ﴾ ، فَمَن خُلِقَ لِلشَّقاءِ ولِجَهَنَّمَ، لَمْ يُخْلَقْ لِلْعِبادَةِ.

والرّابِعُ: إلّا لِيَخْضَعُوا إلَيَّ ويَتَذَلَّلُوا.

ومَعْنى العِبادَةِ في اللُّغَةِ: الذُّلُّ والِانْقِيادُ.

وكُلُّ الخَلْقِ خاضِعٌ ذَلِيلٌ لِقَضاءِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لا يَمْلِكُ خُرُوجًا عَمّا قَضاهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، هَذا مَذْهَبُ جَماعَةٍ مِن أهْلِ المَعانِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ ﴾ أيْ: ما أُرِيدُ أنْ يَرْزُقُوا أنْفُسَهم ﴿ وَما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ ﴾ أيْ: أنْ يُطْعِمُوا أحَدًا مِن خَلْقِي، لِأنِّي أنا الرَّزّاقُ.

وإنَّما أسْنَدَ الإطْعامَ إلى نَفْسِهِ، لِأنَّ الخَلْقَ عِيالُ اللَّهِ، ومَن أطْعَمَ عِيالَ أحَدٍ فَقَدْ أطْعَمَهُ.

وقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّهُ قالَ: « "يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ: يا ابْنَ آدَمَ: اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي"، أيْ: لَمْ تُطْعِمْ عَبْدِي.» فَأمّا "الرَّزّاقُ" فَقَرَأ الضَّحّاكُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "الرّازِقُ" بِوَزْنِ "العالِمِ" .

قالَ الخَطّابِيُّ: هو المُتَكَفِّلُ بِالرِّزْقِ القائِمُ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما يُقِيمُها مِن قُوتِها.

و ﴿ المَتِينُ ﴾ الشَّدِيدُ القُوَّةِ الَّذِي لا تَنْقَطِعُ قُوَّتُهُ ولا يَلْحَقُهُ في أفْعالِهِ مَشَقَّةٌ.

وقَدْ رَوى قُتَيْبَةَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ قَرَأ: "المَتِينِ" بِكَسْرِ النُّونِ وكَذا قَرَأ أبُو رَزِينٍ وقَتادَةُ، وأبُو العالِيَةِ، والأعْمَشُ، قالَ الزَّجّاجُ: ﴿ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ ﴾ أيْ: ذُو الِاقْتِدارِ الشَّدِيدِ، ومَن رَفَعَ "المَتِينَ" فَهو صِفَةُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ومَن خَفَضَهُ جَعَلَهُ صِفَةً لِلْقُوَّةِ، لِأنَّ تَأْنِيثَ القُوَّةِ كَتَأْنِيثِ المَوْعِظَةِ، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿ فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ يَعْنِي مُشْرِكِي مَكَّةَ (ذَنُوبًا) أيْ: نَصِيبًا مِنَ العَذابِ ﴿ مِثْلَ ذَنُوبِ أصْحابِهِمْ ﴾ الَّذِينَ أُهْلِكُوا، كَقَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودٍ.

قالَ الفَرّاءُ: الذَّنُوبُ في كَلامِ العَرَبِ: الدَّلْوُ العَظِيمَةُ، ولَكِنَّ العَرَبَ تَذْهَبُ بِها إلى النَّصِيبِ والحَظِّ، قالَ الشّاعِرُ: لَنا ذَنُوبٌ ولَكم ذَنُوبُ فَإنْ أبَيْتُمْ فَلَنا القَلِيبُ والذَّنُوبُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، أصْلُ الذَّنُوبِ: الدَّلْوُ العَظِيمَةُ، وكانُوا يَسْتَقُونَ، فَيَكُونُ لِكُلِّ واحِدٍ ذَنُوبٌ، فَجُعِلَ "الذَّنُوبُ" مَكانَ "الحَظِّ والنَّصِيبِ" .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ ﴾ أيْ: بِالعَذابِ إنْ أُخِّرُوا إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وهو يَوْمُهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ، ويُقالُ: هو يَوْمُ بَدْرٍ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أتَواصَوْا بِهِ بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ ﴾ ﴿ فَتَوَلَّ عنهم فَما أنْتَ بِمَلُومٍ ﴾ ﴿ وَذَكِّرْ فَإنَّ الذِكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ ﴾ ﴿ ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ ﴾ ﴿ إنَّ اللهَ هو الرَزّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ ﴾ ﴿ فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ ﴾ ﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "أتَواصَوْا بِهِ" تَوْقِيفٌ وتَعْجِيبٌ مِن تَوارُدِ نُفُوسِ الكَفَرَةِ في تَكْذِيبِ الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ عَلى تَفَرُّقِ أزْمانِهِمْ، أيْ: إنَّهم لَمْ يَتَواصَوْا لَكِنَّهم فَعَلُوا فِعْلًا كَأنَّهُ فِعْلُ مَن يَتَواصى، والعِلَّةُ في ذَلِكَ أنْ جَمِيعَهم طاغٍ، والطاغِي: المُسْتَعْلِي في الأرْضِ المُفْسِدُ العاتِي عَلى اللهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: "فَتَوَلَّ عنهُمْ" أيْ: عَنِ الحِرْصِ المُفْرِطِ عَلَيْهِمْ وذَهابِ اليَقِينِ حَسَراتٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ: فَقَوْلٌ عَنِ التَعَبِ المُفْرِطِ في دُعائِهِمْ وضَمِّهِمْ إلى الإسْلامِ، فَلَسْتَ بِمُصَيْطِرٍ عَلَيْهِمْ ولَسْتَ بِمَلُومٍ إذْ قَدْ بَلَّغْتَ، فَنَحِّ نَفْسَكَ عَنِ الحُزْنِ عَلَيْهِمْ وذَكِّرْ فَقَطْ فَإنَّ الذِكْرى نافِعَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولِمَن قُضِيَ لَهُ أنْ يَكُونَ مِنهم في ثانِي حالٍ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ فَلا نَسْخَ في الآيَةِ إلّا في مَعْنى المُوادَعَةِ الَّتِي فِيها: فَإنَّ آيَةَ السَيْفِ نَسَخَتْ جَمِيعَ المُوادَعاتِ، ورَوى قَتادَةُ -وَذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ - عن عَلِيٍّ رِضى الله تَعالى عنهُ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ ﴿ فَتَوَلَّ عنهم فَما أنْتَ بِمَلُومٍ ﴾ حَزِنَ المُسْلِمُونَ وظَنُّوا أنَّهُ مَرَّ بِالتَوالِي عَنِ الجَمِيعِ وأنَّ الوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ، حَتّى نَزَلَتْ ﴿ وَذَكِّرْ فَإنَّ الذِكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ ﴾ فَسُّرُّوا بِذَلِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ ﴾ ، اخْتَلَفَ الناسُ في مَعْناهُ مَعَ إجْماعِ أهْلِ السُنَّةِ عَلى أنَّ اللهَ تَعالى لَمْ يُرِدْ أنْ تَقَعَ العِبادَةُ مِنَ الجَمِيعِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَوْ أرادَ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ أنْ يَقَعَ الأمْرُ بِخِلافِ إرادَتِهِ، فَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: المَعْنى: ما خُلِقَتِ الجِنُّ والإنْسُ إلّا لِأمْرِهِمْ بِعِبادَتِي ولِيُقِرُّوا لِي بِالعُبُودِيَّةِ، فَعَبَّرَ عن ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: "لِيَعْبُدُونِ"؛ إذِ العِبادَةُ هي مَضْمُونُ الأمْرِ، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وسُفْيانُ: المَعْنى خاصٌّ، والمُرادُ وما خَلَقْتُ الطائِعِينَ مِنَ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِعِبادَتِي، ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما رَوى عَنِ النَبِيِّ  «أنَّهُ قَرَأ: "وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ مِنَ المُؤْمِنِينَ إلّا لِيَعْبُدُونِي"،» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا مَعْنى "لِيَعْبُدُونِ"؛ لِيَتَذَلَّلُوا لِي ولِقُدْرَتِي وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلى قَوانِينِ الشَرْعِ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ فَجَمِيعُ الجِنِّ والإنْسِ عابِدٌ مُتَذَلِّلٌ، والكُفّارُ كَذَلِكَ، ألا تَراهم عِنْدَ القُحُوطِ والأمْراضِ وغَيْرِ ذَلِكَ؟

وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا مُعَدِّينَ لِيَعْبُدُونِي، وكَأنَّ الآيَةَ تَعْدِيدُ نِعْمَةٍ، أيْ: خُلِقَتْ لَهم حَواسَّ وعُقُولًا وأجْسامًا مُنْقادَةً لِحَقِّ العِبادَةِ وهَذا كَما تَقُولُ: البَقَرُ مَخْلُوقٌ لِلْحَرْثِ، والخَيْلُ لِلْحَرْبِ، وقَدْ يَكُونُ مِنها ما لا يَحْرُثُ وما لا يُحارِبُ بِهِ أصْلًا، فالمَعْنى أنَّ الإعْدادَ في خَلْقِ هَؤُلاءِ إنَّما هو لِلْعِبادَةِ، لَكِنَّ بَعْضَهم تَكْسَّبَ صَرْفَ نَفْسِهِ عن ذَلِكَ، ويُؤَيِّدُ هَذا المَنزِعَ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ"،» وقَوْلُهُ: « "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ"...الحَدِيثُ.» وقَوْلُهُ تَعالى: "مِن رِزْقٍ" أيْ أنْ يَرْزُقُوا أنْفُسَهم ولا غَيْرَهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ يُطْعِمُونِ ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنْ يُطْعِمُوا خَلْقِي، فَأُضِيفَ إلى الضَمِيرِ عَلى جِهَةِ التَجَوُّزِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وإمّا أنْ يَكُونَ الإطْعامُ هُنا بِمَعْنى النَفْعِ عَلى العُمُومِ، كَما تَقُولُ: أعْطَيْتُ فُلانًا كَذا وكَذا طُعْمَةً، وأنْتَ قَدْ أعْطَيْتُهُ عَرَضًا أو بَلَدًا يُجِيبُهُ، ونَحْوُ هَذا، عَلى الجَمِيعِ.

وقَرَأ الجَمِيعُ: "إنَّ اللهَ هو الرَزّاقُ"، ورَوى أبُو إسْحاقَ السَبِيعِيُّ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ، قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «أقَرَأنِي رَسُولُ اللهِ  "إنِّي أنا الرَزّاقُ"،» وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "المَتِينُ" بِالرَفْعِ، إمّا عَلى أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أو صِفَةٌ لِـ "الرَزّاقُ"، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ: "المَتِينِ" بِالخَفْضِ عَلى النَعْتِ لِـ "القُوَّةِ"، وجازَ ذَلِكَ مِن حَيْثُ تَأْنِيثُ "القُوَّةِ" غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، فَكَأنَّهُ قالَ: ذُو الأيْدِ والحَبْلِ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ  ﴾ ، وجَوَّزَ أبُو الفَتْحِ أنْ يَكُونَ خَفْضُ "المَتِينِ" عَلى الجَوازِ و" المَتِينُ": الشَدِيدُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ ، يُرِيدُ تَعالى أهْلَ مَكَّةَ، وهَذِهِ آيَةُ وعِيدٍ صُراحٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "فَإنَّ لِلَّذِينِ كَفَرُوا"، و"الذُنُوبُ": الحَظُّ والنَصِيبُ، وأصْلُهُ مِنَ الدَلْوِ، وذَلِكَ أنَّ الذُنُوبَ هو مِلْءُ الدَلْوِ مِنَ الماءِ، وقِيلَ: الذُنُوبُ: الدَلْوُ العَظِيمَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: إنّا إذا نازَلَنا غَرِيبٌ لَهُ ذُنُوبٌ ولَنا ذُنُوبُ فَإنْ أبَيْتُمْ فَلَنا القَلِيبُ وهُوَ السِجِلُّ، ومِنهُ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدَةَ: وفي كُلِّ حَيٍّ يَوْمٍ قَدْ خَبَطْتَ بِنِعْمَةٍ ∗∗∗ فَحُقَّ لِشَأْسٍ مِن نَداكَ ذُنُوبُ فَرَوى أنَّ المَلِكَ لَمّا سَمِعَ هَذا البَيْتَ قالَ: نَعَمْ وأذْنُبُ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ: لا تَبْعَدَنَّ رَبِيعَةَ بْنَ مُكَدَّمٍ ∗∗∗ وسَقى الغَوادِي قَبْرَهُ بِذُنُوبِ و"أصْحابُهُمْ" يُرادُ بِهِ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأُمَمِ المُعَذَّبَةِ، قَوْلُهُ تَعالى: "فَلا يَسْتَعْجِلُونَ" تَحْقِيقٌ لِلْأمْرِ، بِمَعْنى: هو نازِلٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ في وقْتِهِ المَعْلُومِ، فَلا يَسْتَعْجِلُوهُ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: "فَلا تَسْتَعْجِلُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وبِهِ قَرَأتْ فِرْقَةٌ، والباقُونَ بِالياءِ.

ثُمَّ أوجَبَ تَعالى لَهُمُ الوَيْلَ مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي يَأْتِي فِيهِ عَذابُهُمْ، و"الوَيْلُ": الشَقاءُ والهَمُّ، ورُوِيَ أنَّ في جَهَنَّمَ وادِيًا يُسَمّى ويْلًا، والطَبَرِيُّ يَذْهَبُ أبَدًا إلى أنَّ التَوَعُّدَ إنَّما هو بِهِ، وذَلِكَ في هَذا المَوْضِعِ قَلَقٌ، لِأنَّ هَذا الوَيْلَ إنَّما هو مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي هو في الدُنْيا، و"مِن" لِابْتِداءِ الغايَةِ، وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هَذا التَوَعُّدُ هو بِيَوْمِ القِيامَةِ، وقالَ آخَرُونَ -ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ -: هو يَوْمُ بَدْرٍ، وفي "يُوعَدُونَ" ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى الكَلامِ، التَقْدِيرُ: يُوعِدُونَ بِهِ، أو يُوعِدُونَهُ.

تَمَّ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الذارِياتِ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تفريع على جملة ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ﴾ [الذاريات: 56] باعتبار أن المقصود من سياقه إبطال عبادتهم غير الله، أي فإذا لم يفردني المشركون بالعبادة فإن لهم ذَنوباً مثل ذَنوب أصحابهم، وهو يلمح إلى ما تقدم من ذكر ما عوقبت به الأمم السالفة من قوله: ﴿ قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين ﴾ إلى قوله: ﴿ إنهم كانوا قوماً فاسقين ﴾ [الذاريات: 32 46].

والمعنى: فإذ ماثلهم الذين ظلموا فإن لهم نصيباً عظيماً من العذاب مثل نصيب أولئك.

والذين ظلموا: الذين أشركوا من العرب، والظلم: الشرك بالله.

والذنوب بفتح الذال: الدلو العظيمة يستقي بها السُّقاة على القليب كما ورد في حديث الرؤيا " ثم أخذها أبو بكر ففزع ذنوباً أو ذنوبين " ولا تسمى ذنوباً إلا إذا كانت ملأى.

والكلام تمثيل لهيئة تساوي حظ الذين ظلموا من العرب بحُظوظ الذين ظلموا من الأمم السالفة بهيئة الذين يستقون من قليب واحد إذ يتساوون في أنصبائهم من الماء، وهو من تشبيه المعقول بالمحسوس، وأطلق على الأمم الماضية اسم وصف أصحاب الذين ظلموا باعتبار الهيئة المشبه بها إذ هي هيئة جماعات الوِرد يكونون متصاحبين.

وهذا التمثيل قابل للتوزيع بأنه يشبّه المشركون بجماعة وردت على الماء، وتُشبه الأمم الماضية بجماعة سبقتهم للماء، ويُشبه نصيب كل جماعة بالدلو التي يأخذونها من الماء.

قال علقمة بن عَبْدة يمدح الملكَ الحارثَ بن أبي شَمِر، ويشفع عنده لأخيه شأسٍ بن عبدة وكان قد وقع في أسره مع بني تميم يوم عَين أباغ: وفي كل حي قد خَبَطْتَ بَنعمة *** فحُقَّ لشَأْسسٍ من نَداك ذَنوب فلما سمعه الملك قال: «نعم وأَذنبة» وأطلق له أخاه شأس بن عبدة ومن معه من أسرى تميم، وهذا تسلية للنبيء صلى الله عليه وسلم والمقصود: أن يسمعه المشركون فهو تعريض، وبهذا الاعتبار أكد الخبر ب (إنَّ) لأنهم كانوا مكذبين بالوعيد، ولذلك فرع على التأكيد قوله: ﴿ فلا يستعجلون ﴾ لأنهم كانوا يستعجلون بالعذاب استهزاء وإشعاراً بأنه وعد مكذوب فهم في الواقع يستعجلون الله تعالى بوعيده.

وعدّي الاستعجال إلى ضمير الجلالة وهم إنما استعجلوه النبي صلى الله عليه وسلم لإِظهار أن النبي صلى الله عليه وسلم مخبر عن الله تعالى توبيخاً لهم وإنذاراً بالوعيد.

وحذفت ياء المتكلم للتخفيف.

والنهي مستعمل في التهكم إظهاراً لغضب الله عليهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ وَذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: فَذَكِّرْ بِالعِظَةِ فَإنَّ الوَعْظَ يَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: وذَكِّرْ بِالثَّوابِ والعِقابِ فَإنَّ الرَّغْبَةَ والرَّهْبَةَ تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ.

﴿ وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: إلّا لِيُقِرُّوا بِالعُبُودِيَّةِ طَوْعًا أوْ كَرْهًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: إلّا لِآمُرُهم وأنْهاهم، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: إلّا لِأجْبِلَهم عَلى الشَّقاءِ والسَّعادَةِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

الرّابِعُ: إلّا لِيَعْرِفُونِي، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الخامِسُ: إلّا لِلْعِبادَةِ، وهو الظّاهِرُ، وبِهِ قالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.

﴿ ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ما أُرِيدُ أنْ يَرْزُقُوا عِبادِي ولا أنْ يُطْعِمُوهم.

الثّانِي: ما أنْفُسُهم، قالَهُ أبُو الجَوْزاءِ.

الثّالِثُ: ما أُرِيدُ مِنهم مَعُونَةً ولا فَضْلًا.

﴿ فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أصْحابِهِمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: عَذابًا مِثْلَ عَذابِ أصْحابِهِمْ، قالَهُ عَطاءٌ.

الثّانِي: يَعْنِي سَبِيلًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: يَعْنِي بِالذَّنُوبِ الدَّلْوَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، قالَ الشّاعِرُ لَنا ذَنُوبٌ ولَكم ذَنُوبٌ فَإنْ أبَيْتُمْ فَلَنا القَلِيبُ وَلا يُسَمّى الذَّنُوبُ دَلْوًا حَتّى يَكُونَ فِيهِ ماءٌ.

الرّابِعُ: يَعْنِي بِالذَّنُوبِ النَّصِيبَ، قالَ الشّاعِرُ وفي كُلِّ يَوْمٍ قَدْ خَبَطْتَ بِنِعْمَةٍ ∗∗∗ فَحُقَّ لِشاسٍ مِن نَداكَ ذَنُوبُ وَيَعْنِي بِأصْحابِهِمْ مِن كَذَّبَ بِالرُّسُلِ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ لِيَعْتَبِرُوا بِهَلاكِهِمْ.

﴿ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ ﴾ أيْ فَلا يَسْتَعْجِلُوا نُزُولَ العَذابِ بِهِمْ لِأنَّهم قالُوا: يا مُحَمَّدُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا الآيَةَ، فَنَزَلَ بِهِمْ يَوْمُ بَدْرٍ، ما حَقَّقَ اللَّهُ وعْدَهُ، وعَجَّلَ بِهِ انْتِقامَهُ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

وأخرج أبو داود في ناسخه وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فتول عنهم فما أنت بملوم ﴾ قال: أمره الله أن يتولى عنهم ليعذبهم وعذر محمداً صلى الله عليه وسلم ثم قال: ﴿ وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ﴾ فنسختها.

وأخرج اسحق بن راهويه وأحمد بن منيع والهيثم بن كليب في أسانيدهم وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان والضياء في المختارة من طريق مجاهد عن علي قال: لما نزلت ﴿ فتول عنهم فما أنت بملوم ﴾ لم يبق منا أحد إلا أيقن بالهلكة إذ أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتولي عنا، فنزلت ﴿ وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ﴾ فطابت أنفسنا.

وأخرج ابن راهويه وابن مردويه عن عليّ رضي الله عنه في قوله: ﴿ فتول عنهم فما أنت بملوم ﴾ قال: ما نزلت علينا آية كانت أشد علينا منها ولا أعظم علينا منها، فقلنا: ما هذا إلا من سخطة أو مقت، حتى نزلت ﴿ وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ﴾ قال: ذكر بالقرآن.

وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فتول عنهم فما أنت بملوم ﴾ قال: ذكر لنا أنها لما نزلت اشتد على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأوا أن الوحي قد انقطع، وأن العذاب قد حضر، فأنزل الله بعد ذلك ﴿ وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فتول عنهم فما أنت بملوم ﴾ قال: فأعرض عنهم، فقيل له: ﴿ وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ﴾ فوعظهم.

وأخرج ابن المنذر عن سلمان بن حبيب المحاربي قال: من وجد للذكرى في قلبه موقعاً فليعلم أنه مؤمن قال الله: ﴿ وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وما خلقت الجن والإِنس إلا ليعبدون ﴾ قال: ليقروا بالعبودية طوعاً أو كرهاً.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وما خلقت الجن والإِنس إلا ليعبدون ﴾ قال: على ما خلقتهم عليه من طاعتي ومعصيتي وشقوتي وسعادتي.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن زيد بن أسلم رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما خلقت الجن والإِنس إلا ليعبدون ﴾ قال: ما جبلوا عليه من الشقاء والسعادة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي الجوزاء في الآية قال: أنا أرزقهم وأنا أطعمهم، ما خلقتهم إلا ليعبدون.

وأخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله: ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى، وأسد فقرك، وإلاّ تفعل ملأت صدرك شغلاً ولم أسد فقرك» .

وأخرج الطبراني في مسند الشاميين والحاكم في التاريخ والبيهقي في شعب الإِيمان والديلمي في مسند الفردوس عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله إني والجن والإِنس في نبأ عظيم أخلق ويعبد غيري وأرزق ويشكر غيري» .

وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن الأنباري في المصاحف وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ إني أنا الرزاق ذو القوّة المتين ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ المتين ﴾ يقول: الشديد.

قوله تعالى: ﴿ فإن للذين ظلموا ذنوباً ﴾ الآية.

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ ذنوباً ﴾ قال: دلواً.

وأخرج الفريابي وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ذنوباً مثل ذنوب أصحابهم ﴾ قال: سجلا من العذاب مثل عذاب أصحابهم.

وأخرج الخرائطي في مساوي الأخلاق عن طلحة بن عمرو في قوله: ﴿ ذنوباً مثل ذنوب أصحابهم ﴾ قال: عذاباً مثل عذاب أصحابهم، والله تعالى أعلم.

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ قال مقاتل: يعني مشركي مكة (١) ﴿ ذَنُوبًا ﴾ الذَّنوب في كلام العرب: الدلو العظيم.

أنشد الفراء: إنَّا إذا نَازَعَنَا سَرَيْت ...

لنا ذَنُوبٌ من نَدَاك ذنوب (٢) وأنشد المبرد لعلقمة بن عبدة: وفي كلِّ حَيٍّ قد خَبَطْتَ بنِعْمَةٍ ...

فحُقَّ لِشَأسٍ من نَداك ذَنُوبُ (٣) قال ابن قتيبة: كانوا يستقون فيكون لكل واحد ذنوب، فحمل الذنوب مكان الحظ والنصيب (٤) (٥) (٦) وقال مجاهد: سجلاً.

وقال إبراهيم: طرفًا (٧) قوله تعالى: ﴿ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ ﴾ أي بالعذاب، يعني أنهم أخِّروا إلى يوم القيامة، يدل على ذلك قوله: (١) انظر: "تفسير مقاتل" 128 أ.

(٢) البيت لرؤبة.

انظر: "ديوانه" ص 132، "أمالي ابن الشجري" 2/ 181، "شرح المفصل" 5/ 48، "المفضليات" 696، "تهذيب اللغة" 14/ 438، "اللسان" 1/ 1079 (ذنب).

(٣) البيت في "ديوان علقمة" ص 48، الكتاب 4/ 471، "شرح المفصل" 5/ 48، "المفضليات" ص 396، "المذكر والمؤنث" ص 337، "الإيضاح في شرح المفصل" 2/ 516، "المصنف" 2/ 332، وشأس هو أخو علقمة.

والبيت من قصيدة يمدح بها الحارث بن شمر الغساني.

(٤) انظر: "تأويل المشكل" 150، "تفسير غريب القرآن" 423.

(٥) انظر: "معاني القرآن" 5/ 59.

(٦) انظر: "تفسير مقاتل" 128 أ، "تفسير عبد الرزاق" 2/ 245.

وهو المروي عن ابن عباس.

انظر: "تنوير المقباس" 5/ 279، "جامع البيان" 27/ 9.

(٧) انظر: "جامع البيان" 27/ 9.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذَنُوباً ﴾ الذنوب النصيب، ويريد به هنا نصيباً من العذاب، وأصل الذنوب الدَلْو، والمراد بالذين ظلموا كفار قريش، وبأصحابهم من تقدم من الكفر ﴿ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن يَوْمِهِمُ الذي يُوعَدُونَ ﴾ يحتمل أن يريد يوم القيامة أو يوم هلاكهم ببدر، والأول أرجح لقوله في المعارج ﴿ ذَلِكَ اليوم الذي كَانُواْ يُوعَدُونَ ﴾ [المعارج: 44] يعني يوم القيامة.

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ والذاريات ذرواً ﴾ بإدغام التاء في الذال: حمزة وأبو عمرو ﴿ ومثل ما ﴾ بالضم: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص.

الباقون: ﴿ مثل ﴾ بالفتح على البناء لإضافته إلى غير متمكن، أو على أنه لحق حقاً مثل نطقكم ﴿ سلم ﴾ بكسر السين وسكون اللام: حمزة علي وخلف والمفضل ﴿ والصعقة ﴾ بسكون العين للمرة: علي ﴿ وقوم نوح ﴾ بالجر: أبو عمرو وعلي وخلف الوقوف: ﴿ ذرواً ﴾ ط ﴿ وقراً ﴾ ه لا ﴿ يسراً ﴾ ه لا ﴿ أمراً ﴾ ه ط ﴿ لصادق ﴾ ه لا ﴿ لواقع ﴾ ه ﴿ الحبك ﴾ ه لا ﴿ مختلف ﴾ ه لا ﴿ أفك ﴾ ه ط ﴿ الخراصون ﴾ ه لا ﴿ ساهون ﴾ ه لا لأن ﴿ يسألون ﴾ صلة بعد صلة، ﴿ الدين ﴾ ه ط بناء على أن عامل يوم منتظر أي يقال لهم ذوقوا ﴿ يفتنون ﴾ ه ﴿ فتنتكم ﴾ ط ﴿ تستعجلون ﴾ ه ﴿ وعيون ﴾ ه لا ﴿ ربهم ﴾ ط ﴿ محسنين ﴾ ه ط ﴿ يهجعون ﴾ ه ﴿ يستغفرون ﴾ ه ﴿ والمحروم ﴾ ه ﴿ للموقنين ﴾ ه ط للعطف ﴿ أنفسكم ﴾ ط ﴿ تبصرون ﴾ ه ﴿ توعدون ﴾ ه ﴿ تنطقون ﴾ ه ﴿ المكرمين ﴾ ه م لأن عامل "إذ" محذوف وهو "اذكر" ولو وصل لأوهم أنه ظرف للإتيان ﴿ سلاماً ﴾ ط ﴿ سلام ﴾ ج ﴿ لحق ﴾ المحذوف مع اتحاد القائل أي أنتم قوم ﴿ منكرون ﴾ ه ﴿ سمين ﴾ ه لا للعطف ﴿ تأكلون ﴾ ه للآية مع العطف ﴿ خيفة ﴾ ط ﴿ لا تخف ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ عقيم ﴾ ه ﴿ كذلك ﴾ لا للتعلق بما بعده ﴿ ربك ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ المرسلون ﴾ ه ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ طين ﴾ ه ﴿ للمفسرين ﴾ ه ﴿ المؤمنين ﴾ ه ج للآية مع العطف بالفاء واتصال المعنى ﴿ المسلمين ﴾ ه ط كذلك ﴿ الأليم ﴾ ه لتناهي القصة وحكم العربية ولوصل للعطف على قوله ﴿ وفي الأرض آيات ﴾ ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ مجنون ﴾ ه ﴿ مليم ﴾ ه كما مر ﴿ العقيم ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال أي غير تاركته ﴿ كالرميم ﴾ ه ﴿ حين ﴾ ه ﴿ ينظرون ﴾ ه ﴿ منتصرين ﴾ ه لا على القراءتين فيما بعده للعطف أي وفي قوم نوح أو وأخذنا قوم نوح ولو قدر واذكر قوم نوح فالوقف ﴿ قبل ﴾ ج ﴿ فاسقين ﴾ ه ﴿ لموسعون ﴾ ه ﴿ الماهدون ﴾ ه ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ إلى الله ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه للآية مع العطف ﴿ آخر ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ أو مجنون ﴾ ه ﴿ أتواصوا به ﴾ ج لأن " بل " للإضراب معنى مع العطف لفظاً ﴿ طاغون ﴾ ه ﴿ بملوم ﴾ ه لا للآية مع اتفاق الجملتين ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ ليعبدون ﴾ ه ﴿ يطعمون ﴾ ه ﴿ المتين ﴾ ه ﴿ يستعجلون ﴾ ه ﴿ يوعدون ﴾ ه.

التفسير: لما بين في آخر السورة أنهم بعد إيراد البراهين الساطعة عليهم مصرون على إنكار الحشر، ولهذا سلى نبيه  بقوله ﴿ نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار  ﴾ لم يبق إلا توكيد الدعوى بالإيمان فلذلك افتتح بذلك.

عن علي كرم الله وجهه أنه قال علىالمنبر: سلوني قبل أن تفقدوني وإن لا تسألوني لا تسألوا بعدي مثلي.

فقال ابن الكواء فقال: ما الذاريات؟

قال: الرياح.

وقد مر في الكهف في قوله ﴿ تذروه الرياح  ﴾ قال: فالحاملات وقراً؟

قال  : السحاب لأنها تحمل المطر.

وإنما لم يقل أوقاراً باعتبار جنس المطر وهو واحد.

قال: فالجاريات يسراً؟

قال  : الفلك والمراد جريان اليسر.

قال: فالمقسمات أمراً؟

قال  : الملائكة لأنها تقسم الأمور من الأمطار والأرزاق وغيرها، أو تفعل التقسيم مأمورة بذلك فيكون مصدراً في موضع الحال.

ومعنى الفاء فيها ظاهر لأنه  أقسم بالرياح فبالسحاب الذي تسوقه فبالفلك التي تجريها بهبوباتها كأن ماء البحر أو مدده من السحاب فلذلك أخر.

ثم أقسم بالملائكة التي تقسم الأرزاق بإذن الله من الأمطار وتجارات البحر.

وقيل: إن الأوصاف الأربعة كلها للرياح لأنها تذروا التراب وغيره أولاً، ثم تنشىء السحاب وتحمله.

ولا ريب أن السحاب حمل ثقيل ولا سيما إذا كان فيه مطر ثم تجري - أعني الرياح - في الجو جرياً سهلاً في نفسها أي لا يصعب عليها الجري أو بالنسبة إلينا بخلاف الصرصر والعاصف ونحوها فتبسط السحاب في السماء ثم تقسم الأمطار في الأقطار بتصريف السحاب, وقد روعي في ذكر وهذه الأوصاف لطيفة فإن الحشر يتم إمكانه بها لأن أجزاء بدن المكلف إن كانت في الأرض فتميز الريح بينهما بالذرو، وإن كانت في الهواء فتحملها بالنقل، وإن كانت في البحر فتخرجها بإنشاء السحاب منها إذ الذي قدر على إجراء السفن في البحار يقدر على إخراج تلك الأجزاء منها إلى البر.

وبعد ذلك تقسم الملائكة أرواح الخلائق على أجسادها بإذن الله  .

وقيل: المقسمات الكواكب السبعة.

وجواب القسم ﴿ إن ما توعدون ﴾ و "ما" مصدرية أو موصولة ﴿ لصادق ﴾ في نفسه كما يقال "خبر صادق" أو "ذو صدق" كعيشة راضية.

ثم صرح بالموعود قائلاً ﴿ وإن الدين ﴾ أي الجزاء ﴿ لواقع ﴾ أي حاصل.

وحين أقسم على صدق موعوده أقسم على جهلهم وعنادهم، والحبك الطرائق كطرائق الرمل، والماء إذا ضربته الريح ويقال: إن خلقة السماء كذلك واحدها حباك، وقال الحسن: حبكها نجومها لأنها تزينها كما تزين الموشيّ يكون بطرائق الوشي.

وقيل: حبكها صفاقتها وإحكامها يقال للثوب الصفيق "ما أحسن حبكه".

وعلى القول الأول يكون بين القسم والمقسم عليه مناسبة لأن القول المختلف له أيضاً طرائق، قال الضحاك: قول الكفرة لا يكون مستوياً وإنما هو متناقض مختلف ولهذا قالوا للرسول شاعر مجنون، وللقرآن مثل ذلك، وعن قتادة: أراد منكم مصدّق ومكذب ومقر ومنكر.

والضمير في ﴿ يؤفك عنه ﴾ للقرآن أو النبي أي يصرف عنه من صرف الصرف الذي لا صرف بعده لأنه غاية ونهاية.

ويمكن أن يقال: يصرف عنه من صرف في سابق علم الله، ويجوز أن يكون الضمير للموعود أقسم بالذاريات وغيرها أن وقوعه حق، ثم أقسم بالسماء أنهم مختلفون في وقوعه يؤفك عن الإقرار به من هو عديم الاستعداد، مغمور في الجهل والعناد.

وجوّز جار الله أن يرجع الضمير إلى ﴿ قول مختلف ﴾ ويكون "عن" كما قوله ينهون عن أكل وعن شرب *** أي يتناهون في السمن من كثرة الأكل والشرب وحقيقته يصدر تناهيهم في السمن من الأكل والشرب وكذلك يصدر إفكهم عن القول المختلف.

ثم دعا عليهم بقوله ﴿ قتل الخرّاصون ﴾ أي الكذابون المقدرون ما لا يصح وهم المعهودون وأعم فيشملهم شمولاً أولياً.

ولا يراد بهذا الدعاء وقوع القتل بعينه بل اللعن وما يوجب الهلاك بأي وجه كان.

وقد لا يراد إلا تقبيح حال المدعو كقوله ﴿ قتل الإنسان ما أكفره ﴾ والغمرة كل ما يغمر الإنسان أي إنهم في جهل يغمرهم غافلون عما أمروا به ﴿ أيان يوم الدين ﴾ أي متى وقوعه؟

ثم أجاب بقوله ﴿ يوم هم ﴾ أي يقع في ذلك اليوم.

ومعنى ﴿ يفتنون ﴾ يحرقون ويعذبون.

ثم وبخهم وتهكم بهم قائلاً ﴿ ذوقوا ﴾ إلى آخره.

وحين حكى حال الفاجر الشقي أراد أن يبين حال المؤمن التقي فقال ﴿ إن المتقين في جنات وعيون ﴾ أي في جنات فيه عيون حال كونهم ﴿ آخذين ما آتاهم ربهم ﴾ قال جار الله: قابلين لكل ما أعطاهم راضين به لا كمن يأخذ شيئاً على سخط وكراهية.

وقال غيره: أراد أنهم يأخذونه شيئاً فشيئاً ولا يستوفون ذلك بكماله لامتناع استيفاء ما لا نهاية له.

وقيل: الأخذ بمعنى التملك يقال: بكم أخذت هذا كأنهم اشتروها بأنفسهم وأموالهم.

قال: إن فيض الله  لا ينقطع أصلاً وإنما يصل إلى كل مكلف بقدر ما استعد له، فكلما ازداد قبولاً ازداد تأثراً من الفيض والأخذ في هذا المقام لعله إشارة إلى كمال قبولهم للفيوض الإلهية، وذلك لما أسلفوا من حسن العبادة ووفور الطاعة ولهذا علله بقوله ﴿ إنهم كانوا قبل ذلك محسنين ﴾ أي في الدنيا وظهر عليهم بعد قطع التعلق آثار الإحسان ونتيجته.

وقوله ﴿ ما آتاهم ﴾ على المضي لتحقق الإيتاء مثل { ﴿ ونادى  ﴾ ﴿ وسيق  ﴾ وقال أهل العرفان: ما آتاهم في الأزل يأخذون نتائجه في الأبد.

ثم فسر إحسانهم بقوله ﴿ كانوا قليلاً من الليل يهجعون ﴾ "ما" صلة أي كانوا ينامون في طائفة قليلة من الليل أو يهجعون هجوعاً قليلاً.

وجوز أن تكون ما مصدرية أو موصولة.

وارتفع "ما" مع الفعل على أنه فاعل قليلاً من الليل هجوعهم أو الذي يهجعون فيه.

وفيه أصناف من المبالغة من جهة لفظ الهجوع وهو النوم اليسير، ومن جهة لفظ القلة، ومن جهة التقييد بالليل لأنه وقت الاستراحة فقلة النوم فيه أغرب منها في النهار، ومن جهة ما المزيدة على قول.

ولا يجوز أن تكون "ما" نافية لان ما بعدها لا يعمل فيما قبلها.

وصفهم بأنهم يحيون أكثر الليل متهجدين فإذا أسحروا أخذوا في الاستغفار وكأنهم باتوا في معصية الملك الجبار.

وهذا سيرة الكريم يأتي بأبلغ وجوه الكرم.

ثم يستقله ويعتذر، واللئيم بالعكس يأتي بأقل شيء ثم يمن به ويستكثر.

ومثله المطيع يأتي بغاية مجهوده من الخدمة ثم ينسب نفسه إلى التقصير فيستغفر.

ويمكن أن يقال: إنهم يستغفرون من الهجوع كأنهم أرادوا أن يقوموا على إحياء الليل كله.

ويجوز أن يكون الاستغفار بمعنى الصلاة لقوله بعده ﴿ في أموالهم حق ﴾ فيكون كقوله ﴿ يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة  ﴾ ووجه أغرب وهو أن يكون السين في استغفر مثله في استحصد الزرع أي حان أن يحصد فكأن وقت السحر وهو الأولى بحصول المغفرة.

قال جار الله: في قوله ﴿ هم يستغفرون ﴾ إشارة إلى أنهم هو المستغفرون الأحقاء بالاستغفار دون المصرين.

وقيل: إبراز الضمير لدفع وهم من يظن أن التقدير وبالأسحار قليلاً يستغفرون على قياس الفعل السابق.

وحيث ذكر جدهم في التعظيم لأمر الله أردفه بذكر شفقتهم على خلق الله.

والمشهور في الحق أنه القدر الذي علم إخراجه من المال شرعاً وهو الزكاة قيل: إنه على هذا لم يكن صفة مدح لأن كل مسلم كذلك بل كل كافر وذلك إذا قلنا إنه مخاطب بالفروع إلا أنه إذا علم سقط عنه.

وأجيب بأن السائل من له الطلب شرعاً.

والمحروم من الحرمة وهو الذي منع الطلب فكأنه قيل: في أموالهم حق للطالب - وهو الزكاة - ولغير الطالب وهو الصدقة المتطوع بها التي تتعلق بفرض صاحب المال وإقراره وليس عليه فيها مطالبة.

ويمكن أن يقال: أراد في أموالهم حق في اعتقادهم وسيرتهم كأنهم أوجبوا على أنفسهم أن يعطوا من المال حقاً معلوماً وإن لم يوجبه الشرع.

وفي السائل والمحروم وجوه أحدها ما مر.

الثاني السائل هو الناطق والمحروم كل ذي روح غيره من الحيوان كما قال  " "لكل كبد حرى أجر" الثالث وهو الأظهر أن السائل هو الذي يستجدي والمرحوم الذي يحسب غنياً فيحرم الصدقة لتعففه قال  : " ليس المسكين الذي ترده الأكلة والأكلتان والتمرة والتمرتان قالوا: فما هو قال: الذي لا يجد ولا يتصدق عليه " وتقديم السائل على ترتيب الواقع لأنه يعرف حاله بمقاله فيسد خلته، وأما المحروم فلا تندفع حاجته إلا بعد الاستكشاف والبحث.

وقيل: المحروم الذي لا يمنى له مال.

وقيل: هو المنقوص الحظ الذي لا يكاد يكسب.

ثم أكد وقوع الحشر والدلالة على قدرته بقوله ﴿ وفي الأرض آيات ﴾ كقوله ﴿ ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة  ﴾ إلى قوله ﴿ إن الذي أحياها لمحي الموتى  ﴾ ومن عجائب الأرض ما هي في جرمها من الاستدارة والألوان المختلفة وطبقاتها المتباينة، ومنها ما عليها وفيها من الجبال والمواليد الثلاثة، ومنها ما هي واردة عليها من فوقها كالمطر وغيره.

وخص الآيات الأرضية بالذكر لقربها من الحواس، وخص كونها آيات بالمؤمنين لأنهم هم المنتفعون بذلك، ومن لم يتأمل في المصنوعات لم يزد يقينه بالصانع.

ثم استدل بالأنفس فقال ﴿ وفي أنفسكم ﴾ آيات.

وذلك أن الإنسان عالم صغير فيه تشابه من العالم الكبير وقد مر تقرير ذلك مراراً.

وقيل: هي الأرواح أي وفي نفوسكم التي بها حياتكم آيات.

قال أهل النظم: هذه الآية مؤكدة لما قبلها فإن من وقف على هذه الآيات الباهرة تبين له جلال الله وعظمته فيتقيه ويعبده ويستغفره من تقصيره ولا يهجع إلا قليلاً، وهكذا من عرف أن رزقه في السماء لم يبخل بماله ويعطيه السائل والمحروم.

وعن الحسن أنه كان إذا رأى السحاب قال لأصحابه: فيه رزقكم يعني المطر ولكنكم تحرمونه.

﴿ وما توعدون ﴾ هي الجنة فوق السماء السابعة وتحت العرش.

وقيل: إن أرزاقكم في الدنيا وما توعدون في العقبى كلها مقدرة مكتوبة في السماء.

ثم أنتج من الأخبار السالفة من أول السورة إلى ههنا حقيقة القرآن أو النبي أو الموعود، وأقسم عليه برب السماء الأرض ترقياً من الأدنى وهي المربوبات كالذاريات وغيرها إلى الرب  .

و"ما" مزيدة بنص الخليل حكاه جار الله يقال في الأمر الظاهر غاية الظهور أن هذا الحق أنك ترى وتسمع مثل ما أنك ههنا.

قال الأصمعي: أقبلت خارجاً من البصرة فطلع أعرابي على قعود فقال: من الرجل؟

قلت: من بني أصمع.

قال: من أين أقبلت؟

قلت: من موضع يتلى فيه كلام الرحمن.

فقال: اتل علي فتلوت ﴿ والذاريات ﴾ فلما بلغت قوله ﴿ وفي السماء رزقكم ﴾ فقال: حسبك.

فقام إلى ناقته فنحرها ووزعها على الناس وعمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما وولى.

فلام حججت مع الرشيد طفقت أطوف فإذا أنا بمن يهتف بي بصوت رقيق، فالتفت فإذا أنا بالأعرابي قد نحل واصفر فسلم علي واستقرأ السورة، فلما بلغت الآية صاح وقال: وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً ثم قال: فهل غير هذا؟

فقرأت ﴿ فورب السماء والأرض إنه لحق ﴾ فصاح فقال: يا سبحان الله من ذا الذي أغضب الجليل حتى حلف لم يصدقوه بقوله حتى ألجؤه إلى اليمين قالها ثلاثاً وخرجت معها نفسه.

ثم سلى نبيه  بقصة إبراهيم وغيرها قد مرت في "هود" و "الحجر" وفي قوله ﴿ هل أتاك ﴾ تفخيم لشأن الحديث.

والضيف واحد.

وجمع والمكرمون إما باعتبار إكرامه إياهم حتى خدمهم بنفسه وبامرأته، أو لأنهم أهل الإكرام عند الله كقوله ﴿ بل عباد مكرمون  ﴾ وجوز أن يكون نصب ﴿ إذا دخلوا ﴾ بالمكرمين إذا فسر بإكرام إبراهيم أو بما في ضيف من معنى الفعل.

قال المفسرون: أنكرهم للسلام الذي هو علم الإسلام أو أراد تعرف حالهم لأنهم لم يكونوا من معارفه ﴿ فراغ إلى أهله ﴾ فذهب إليهم في خفية من ضيوفه وهو نوع أدب للمضيف كيلا يستحيوا منه ولا يبادروا بالاعتذار والمنع من الضيافة.

وفي قوله ﴿ فقربه إليهم ﴾ دلالة على أن نقل الطعام إلى الضيف أولى من العكس لئلا يتشوش المكان عليهم.

﴿ قال ألا تأكلون ﴾ سلوك لطريقة الاستئناف ولهذا حذف الفاء خلاف ما في "الصافات" وقد مر.

والاستفهام لإنكار ترك الأكل أو للحث عليه ﴿ فأوجس ﴾ فأضمر وقد تقدم سائر الأبحاث في "هود" وفي "الصافات".

واعلم أنه  ذكر في "هود" أنه لما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وقال ههنا ﴿ سلام قوم منكرون ﴾ ولا تنافي بين الحديثين لأنه أنكرهم أولاً بالسلام الذي لم يكن من عادة تلك الشريعة، ثم زاد إنكاره حين رآهم لا يأكلون الطعام فذكر أحد الإنكارين في تلك السورة والآخر في هذه.

قوله ﴿ فأقبلت امرأته في صرة ﴾ أي في صيحة ومنه صرير القلم.

قال الحسن: كانت في زاوية تنظر إليهم فوجدت حرارة الدم فأقبلت إلى بيتها صارة فلطمت وجهها من الحياء والتعجب كعادة النسوان ﴿ وقالت ﴾ أنا ﴿ عجوز ﴾ فأجابت الملائكة ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك الذي قلنا وأخبرنا به ﴿ قال ربك ﴾ فلا تستبعدي.

وروي أن جبرائيل قال لها: انظري إلى سقف بيتك فنظرت فإذا جذوعه مورقة مثمرة فحينئذ أحس إبراهيم صلوات الرحمن عليه بأنهم ملائكة.

﴿ قال فما خطبكم ﴾ شأنكم وطلبكم؟

فأجابوا بأنهم أرسلوا إلى قوم لوط ليرسلوا عليهم السجيل كما قصصنا في "هود".

والضمير في قوله ﴿ فيها ﴾ للقرية وإن لم يجر لها ذكر لأنه معلوم، قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن الإيمان والإسلام واحد.

وقال غيرهم: المسلم أعم من المؤمن وإطلاق العام على الخاص مما لا منع فيه ولا يدل على اتحادهما وهذا كقوله القائل من في البيت من الناس؟

فيقول له: ما في البيت من الحيوان أحد غير زيد.

فيكون مخبراً له بخلو البيت عن كل إنسان غير زيد.

وقوله ﴿ وتركنا فيها آية ﴾ كقوله في "العنكبوت" ﴿ ولقد تركنا منها آية بينة  ﴾ أي علامة يعتبر بها الخائفون دون القاسية قلوبهم وهي الحجارة المسومة أو ماء أسود.

قوله ﴿ وفي موسى ﴾ قيل: الأقرب أن يكون معطوفاً على قوله ﴿ وتركنا فيها ﴾ أي وجعلنا في موسى آية.

قال جار الله: هو كقوله من قال: علفتها تبنا وماء بارداً *** ويمكن أن يقال: إن قصة موسى أيضاً آية متروكة باقية على وجه الدهر فلا حاجة إلى هذا التكلف.

قوله ﴿ فتولى بركنه ﴾ كقوله ﴿ ونأى بجانبه  ﴾ وقيل: الباء للمصاحبة.

والركن القوم أي فازور وأعرض مع ما كان يتقوى به من جنوده وملكه.

وقيل: ركنه هامان وزيره قال العلماء: وصفه فرعون بالمليم مع أنه وصف يونس النبي به  كما مر في "الصافات" لا يوجب اشتراكهما في استحقاق الملامة، لأن موجبات اللوم تختلف.

فراكب الكبيرة ملوم على قدرها، ومقترف الصغيرة ملوم بحسبها، وبينهما بون، العقيم ريح لا خير فيها من إنشاء مطر أو إلقاح شجر.

والرميم ما رم وتفتت.

قال في الكشاف: ﴿ تمتعوا حتى حين ﴾ تفسيره في قوله ﴿ تمتعوا في داركم ثلاثة أيام  ﴾ قلت: هذا سهو منه فإن قوله ﴿ فعتوا عن أمر ربهم ﴾ لا يطابقه إذ العتو لم يترتب على هذا الأمر لحصوله قبله.

وإنما الصواب أن يكون التمتع المأمور به في هذه الآية هو الذي في قصة قوم يونس ﴿ فآمنوا فمتعناهم إلى حين  ﴾ فكأن قوم ثمود أمروا أن يؤمنوا كي يمهلوا إلى انقضاء آجالهم الطبيعية والأمر أمر تكليف لا تكوين ﴿ فعتوا عن أمر ربهم ﴾ بالإصرار على كفرهم.

فقيل: على سبيل التكوين تمتعوا في داركم ثلاثة أيام وكان ذلك علامة العذاب والصاعقة النازلة نفسها ﴿ وهم ينظرون ﴾ أي كانت نهاراً يعاينونها أو كانوا منتظرين لها إذ قيل لهم تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ﴿ فما استطاعوا من قيام ﴾ عبارة عن جثومهم كما مر مراراً ﴿ وما كانوا منتصرين ﴾ ممتنعين من العذاب وقصة نوح واضحة وقد مر إعرابه في الوقوف.

ثم عاد إلى دلائل القدرة فقال ﴿ والسماء بنيناها بأيد ﴾ وفي لفظ البناء إشارة إلى كونها محكمة البنيان.

وفي قوله ﴿ بأيد ﴾ أي بقوة تأكيد لذلك.

وفي قوله ﴿ وأنا لموسعون ﴾ مزيد تأكيد والمعنى لقادرون من الوسع الطاقة والموسع القوي على الإنفاق ومنه قال الحسن: أراد إنا لموسعون الرزق بالمطر.

وقيل: جعلنا بين السماء وبين الأرض سعة.

وإنما أطلق الفرش على الأرض ولم يطلق البناء لأنها محل التغييرات كالبساط يفرش ويطوى ﴿ ومن كل شيء ﴾ من الحيوان ﴿ خلقنا زوجين ﴾ ذكراً وأنثى.

وعدد الحسن أشياء كالسماء والأرض والليل والنهار والشمس والقمر والبر والبحر والموت والحياة.

قال: كل اثنين منها زوج والله  فرد لا مثل له.

وقد يدور في الخلد أن الآية إشارة إلى أن كل ما سوى الله  فإنه مركب نوع تركيب لا أقل من الوجود والإمكان أوالجنس والفصل أو المادة والصورة ولذلك قال ﴿ لعلكم تذكرون ﴾ له إرادة ترقيكم من المركب إلى البسيط ومن الممكن إلى الواجب ومن المصنوع.

وإذا عرفتم الله ﴿ ففروا إلى الله ﴾ أي التجؤا إليه ولا تعبدوا غيره أمر بالإقبال عليه وبالإعراض عما سواه.

وكرر قوله ﴿ إني لكم منه نذير مبين ﴾ للتأكيد.

وبعد توضيح البيانات وذكر القصص وتقرير الدلائل سلى رسول الله  بقوله ﴿ كذلك ﴾ أي الأمر مثل الذي تقرر من تكذيب الرسل وإصرار الكفرة على الإنكار والسب.

ثم فسر ما أجمله بقوله ﴿ ما أتى ﴾ إلى آخره وقوله ﴿ أتواصوا به ﴾ استفهام على سبيل التعجب من تطابق آرائهم على تكذيب أنبيائهم.

ثم أضرب عن ذلك لأن تطابق المتقدم والمتأخر على أمر واحد غير ممكن فنبه على جلية الحال قائلاً ﴿ بل هم قوم طاغون ﴾ يعني أن اشتراك علة التكذيب وهو الطغيان أشركهم في المعلول ﴿ فتول عنهم ﴾ فإن تكذيبهم لا يوجب ترك الدعوة العامة ﴿ فما أنت بملوم ﴾ على إعراضك عنهم بعد التبليغ لأنك قد بذلت مجهودك واستفرغت وسعك ﴿ وذكر ﴾ مع ذلك ﴿ فإن الذكرى تنفع المؤمنين ﴾ أراد أن الإعراض عن طائفة معلومة لعدم قابليتهم لا يوجب ترك البعض الآخر.

ثم بين الغاية من خلق الثقلين وهي العبادة.

وللمعتزلة فيه دليل ظاهر على أن أفعاله الله معللة بغرض.

وقال أهل السنة: إن العبادة المعرفة والإخلاص له في ذلك فإن المعرفة أيضاً غاية صحيحة، وإنما الخلاص عن الإشكال بما سلف مراراً أن استتباع الغاية لا يوجب كون الفعل معللاً بها، وإذا لم يكن الفعل معللاً بذلك فقد يكون الفعل، وتتخلف الغاية لمانع كعدم قابلية ونحوه.

ثم ذكر أنه خلقهم ليربحوا عليه لا ليربح هو عليهم.

والمتين الشديد القوة.

ثم هدد مشركي مكة وأضرابهم بقوله ﴿ فإن للذين ظلموا ذنوباً ﴾ أي نصيباً من العذاب ﴿ مثل ذنوب أصحابهم ﴾ المهلكين، والذنوب في الأصل الدلو العظيمة قال أهل البيان: وهذا تمثيل وأصله من تقسيم الماء يكون لهذا دلو ولهذا دلو.

واليوم الموعود القيامة أو يوم بدر.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴾ .

إن كان المراد من ذكر العبادة: حقيقة العبادة فيخرج تأويله على وجهين: أحدهما: جواباً لمن لا يرى الجن والإنس يؤمرون بالعبادة ويمتحنون بها، فقال: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴾ ، أي: خلقهم على معرفة المحاسن والمساوئ، والتمييز بين ما يؤتى وما يتقى بما ركب فيهم من أسباب التمييز والمعرفة، لا يتركهم سدى مهملين؛ بل لامتحانهم بالعبادة، والقيام بشكر ما أنعمت عليهم من أنواع النعم؛ إذ الحكمة توجب ذلك، وتدفع تركهم سدى هملا، والله أعلم.

والثاني: خرج جوابا لمن يرى العبادة دونه جائزا؛ لقولهم: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ فقال: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴾ ، لم أخلقهم لعبادة غيري، أو لآمرهم بعبادتي، لا لآمرهم بعبادة غيري؛ كما قاله بعض لكفرة بقولهم: ﴿ وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا  ﴾ ؛ رذّاً ونقضا لاعتقادهم، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴾ على حقيقة ا لعبادة؛ لوجهين: أحدهما: على حقيقة فعل العبادة، وعلى هذا الوجه لم تكن الآية معمولا بها على العموم، بل على الخصوص، وهم المؤمنون من الجن والإنس دون الكفرة منهم؛ فإنه لا يجوز أن يخلق الكفرة الذين علم منهم: أنهم لا يؤمنون للعبادة؛ إذ خلقه عن اختيار وإرادة، فإذا خلقهم وأراد منهم العبادة لابد أن توجد منهم، وقد علم منهم أنه لا توجد؛ فيصير كأنه أراد تجهيل نفسه، وهذا محال؛ فدل أن المراد منه الخصوص، وقد خص منه البعض بلا خلاف؛ فإن الصغار والمجانين قد خصوا، بأنه لا يتحقق منهم العبادة؛ فجائز أن يخص منه الكفرة الذي علم منهم أنهم لا يؤمنون، والله أعلم.

ويحتمل أن المراد منه الأمر بالعبادة، أي: ما خلقتهم إلا لأمرهم بالعبادة والتوحيد.

وهذا التأويل أقرب إلى العمل بالعموم؛ فإنه يدخل فيه العقلاء من الجن والإنس دون الصغار والمجانين.

ويجوز أن يأمر بشيء ولا يريد تحصيل المأمور به، وصيرورة المأمور مطيعاً له؛ بل يريد أن يصير عاصيا فيدخل النار، بخلاف إذا خلقه للعبادة وأرادها منه لا يجوز ألا توجد، وحقيقة هذا تعرف في كتاب التوحيد: أنه خلق الإيمان والعبادة؛ إن علم منه أنه يعبد ويختار العبادة له، فأما من علم منه اختيار الضلال والغواية، وصرف العبادة إلى غيره، فإنه خلقه على ما علم منه أنه يختار ويفعل؛ لقوله  : ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ...

﴾ الآية [الأعراف: 179].

وقال قائلون: لم يرد بقوله تعال: ﴿ لِيَعْبُدُونِ ﴾ حقيقة العبادة التي هي فعل العبد على وجه الاختيار، ولكن معناه: وما خلقت الجن والإنس إلا وقد جعلت في كل أحد منهم دلالة وحدانيتي ودلالة صرف العبادة إليَّ، والقيام بالشكر لي فيما أنعمت عليهم من أنواع النعم ما لو تأملوا فيها ونظروا، تدلهم على ما ذكرنا من العلم بالحدانية لي، والقيام بالعبادة والشكر، والله أعلم.

وعلى هذا التأويل تكون الآية عامة، لا خصوص فيها؛ لأن خلقة كل أحد منهم على أي وصف كان دلالة ما ذكرنا، والله الموفق.

ويحتمل أيضاً: وما خلقت الجن و الإنس إلا على خلقة تصلح للمحنة بالأمر والنهي، والوعد والوعيد، ولتحقيق فعل ذلك بما ركب فيهم العقل، وجعل مفاصلهم لينة، قابلة الأفعال، تصلح للخدمة: من الركوع، والسجود، والقيام، والقعود، ونحوها، على خلاف غير هؤلاء من المخلوقات؛ فإنها خلقت على خلقة تصلح لمنافع الممتحنين، لا على وجه يصلح للمحنة، والله أعلم.

ثم في العبادة خصوصية معنى، ليس ذلك في الطاعة والخدمة، وغير ذلك من الأفعال؛ كقوله  : ﴿ مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ  ﴾ ؛ حيث لم يجز العبادة لغيره، وأجاز الطاعة والخدمة، والتعظيم، وغير ذلك من الأفعال؛ كقوله: ﴿ مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ  ﴾ دل أن في العبادة معنى ليس ذلك المعنى في غيره؛ لذلك وقعت الخصوصية له؛ ولذلك خص نفسه بتسمية: الإله، لم يجز التسمية به لغيره؛ إذ الإله عندهم: معبود ، فكل معبود عندهم يسمونه: إلها، وذلك كما خص نفسه بتسمية: الرحمن، لم يجعل ذلك لغيره، وجاز تسمية غيره: رحيما؛ لما أن في أسم الرحمن زيادة معنى ليس في الرحيم، وكذا خص نفسه بتسميته: خالقا، ولم يجز هذا الاسم لغيره؛ لما أن في الخالق معنى، ليس ذلك المعنى في الفاعل وغيره، فكذلك هذا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: ما أريد منهم أن يرزقوا أنفسهم، ولا أن يطعموا أحدا من خلفي، إنما عليَّ رزقهم وإطعامهم؛ كقوله  : ﴿ وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا  ﴾ .

ويحتمل: ما أريد منهم أن يرزقوا من لا يقوم بأسباب الرزق وأن يطعموهم؛ إذ ذلك عليَّ، وإنما أريد منهم العبادة.

أو الأمر بالعبادة على الوجه الذي ذكرنا؛ لأنهم لم ينشئوا لأولئك الذين لم يجعل لهم المكاسب وأسباب الرزق من الدواب؛ بل هن أنشئن لأجلهم رزقاً ومتعة، والله أعلم.

ويحتمل أن يكون على الإضمار؛ على ما قال بعضهم، أي: قل يا محمد: ما أريد منكم فيما أدعوكم إليه من أجر، وما أريد أن تطعمون؛ فيثقل علكيم الإيمان.

ويحتمل: ﴿ مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ ﴾ ؛ أخبار أنه لم يخلقهم لحاجة له في خلقهم من الرزق والإطعام منهم؛ لما أقام من دلالات نبوته عن الحوائج، وعن الرزق الطعام، وإنما خلقهم للأمر، والنهي، والامتحان - رجعت منافع ذلك إليهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلْقُوَّةِ ٱلْمَتِينُ ﴾ ، هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أن الأسباب والمكاسب التي بها يرزقون، ويصلون إلى الانتفاع بها، هي فعل الله  وله فيها صنع، صار بذلك رازقاً، لولا ذلك لم يصلوا إلى ذلك.

وإن كان الخلق هم الذين يكسبون ويعملون تلك الأسباب والمكاسب، فلما أضيف إليه الرزق؛ لما أنشأ فعل تلك الأسباب والمكاسب منهم، والله أعلم؛ فيكون في هذا دليل على أن لله  صنعا في أفعال العبد وهو الخلق والإنشاء؛ حيث سمى نفسه؛ رازقا، وهم يرزقون بتلك المكاسب والأسباب، وأكثر أرزاقهم بأفعالهم، دل أن له فيها صنعا؛ حتى تصح إضافة ذلك إليه وتسميته: رازقاً، ولا يجوز هذا الأسم لغيره، والله أعلم.

والثاني: يحتمل الإضافة إليه؛ لأنه يرزقهم بما جعل في تلك الأسباب والمكاسب من اللطف لا بأنفس الأسباب؛ لأنهم يزرعون ويطرحون البذر فيها، فيهلك ذلك [البذر] فيها، وكذلك يسقون الأرض، ويهلك ذلك الماء فيها.

ثم إن الله  جعل بلطفه ورحمته في ذلك من اللطف ما يصير ذلك رزقا لهم بعد ذهاب عينه والقوة التي جعلت فيه، وكذلك ما جعل ذلك من الصلاح، والنضج، والطبخ، وما يرجع إلى الإصلاح لذلك، والأكل، والمضغ، والإبتلاع، ونحو ذلك، ليس في ذلك إلا امتلاء البطن، وفي ذلك فساد، فجعل فيه م نالقوة ما ينتشر في البدن والأطراف قوة؛ فيبقون بتلك القوة فيهم الحياةوالبقاء، لا بنفس الرزق، وهو ما وصف الله  : ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلْقُوَّةِ ٱلْمَتِينُ ﴾ بتلك القوة يحبون، وبها يبقون.

ثم قوله  : ﴿ ٱلْمَتِينُ ﴾ قبل: المتين هو وصف ونعت لتلك القوة، فيجوز وصف تلك القوة المتانة، فأما الله -  وتعالى - لا يوصف أنه متين، وهو كقوله  : ﴿ ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ  ﴾ ، وصف العرش بالمجيد، والعرش غيره؛ فعلى ذلك القوة التي جعل فيها ما ذكرنا غيره يجوز أن توصف بما ذكرنا من المتانة، وهي القوة التي لا يملكها ا ل خلق، ولا يدركون ذلك اللطف الذي جعل في ذلك، والله أعلم.

وقال بعضهم: ﴿ ذُو ٱلْقُوَّةِ ٱلْمَتِينُ ﴾ أي: ذو البطش الشديد فيما أهلك الأمم الخالية، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذَنُوباً مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلاَ يَسْتَعْجِلُونِ ﴾ ، كأنهم استعملوا نزول العذاب، فنزلت هذه الآية على أثر سؤال العذاب؛ كقوله  : ﴿ سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ  ﴾ ، وقوله  : ﴿ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ  ﴾ ، فقال عند ذلك: ﴿ فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذَنُوباً مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ ﴾ ، أي: لهم نصيب من ذلك العذاب مثل نصيب أوائلهم من العذاب؛ فيكون على التمثيل، كما يقال: حذو النعل بالنعل، وحذو القذة بالقذة، ويقال: صاع بصاع، وكيل بكيل؛ أي: يكال عليه مثل ما كيل لغيره، ونحو ذلك من الأمثال التي تضرب؛ فعلى ذلك ما ذكرنا من الذنوب، والله أعلم.

وكذلك ذكر عن الأصم قال: ذكر الذنوب، وهو الدلو العظيم الذي كانوا يقتسمون به المياه، وكان من عادة العرب: أنهم يجمعون فيرسلون دلاءهم في البئر، فكان كل واحد منهم يأخذ حظه ونصيبه من الماء، فيقول لأهل مكة: لا تستعجلوا،؛ فإن لكم نصيبا من ذلك العذاب كما كان لأولئك؛ كالدلاء التي تكون في البئر، فيأخذ كل واحد منهم نصيبه.

وكذلك قال القتبي وأبو عوسجة: الذنوب - الحظ والنصيب.

وعن ابن عباس -  -: سمي ذلك العذاب: ذنوبا؛ لما يتبع بعضهم بعضا، والله أعلم.

فيقول: يتبع العذاب لهؤلاء كما يتبع لأولئك؛ كالدلاء يتبع بعضها بعضا، والله أعلم.

وقوله : ﴿ فَلاَ يَسْتَعْجِلُونِ ﴾ أي: قد يبلغون وقته فلا يستعجلون العذاب، وهو الوقت الذي يسألون الرجوع كما أخبر - عز وجل -: ﴿ رَبِّ ٱرْجِعُونِ ﴾ \[المؤمنون: 99\].

وقوله: ﴿ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن يَوْمِهِمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ ﴾ يوم القيامة، ولكن لم يبين ذلك اليوم ما هو؟

فيحتمل ما قالوا، ويحتمل غيره، والويل قد ذكرنا تأويله في تقدم.

فإن قيل: كيف خوف الله  هذه الأمة بما أنزل عليى الأمم الخالية من الاستئصال والإهلاك، وقد عافى هذه الأمة عن هذا وأمنهم منه؟

قيل: إنما خوفهم بما ذكر؛ لأن المعنى الذي استوجب أولئك الاستئصال والإهلاك به يحتمل أن يتحقق ذلك في هؤلاء.

وقد يحتمل ألا يكون، فالتخويف صحيح لهؤلاء بهم، وإنما يكون مثل هذا التخويف في أول الأمر، ثم إن الله بفضله ورحمته عفا عنهم بفضل النبي  ورحمته؛ كقوله: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ  ﴾ .

ويحتمل أن يكون العفو لهم عن ذلك بالتأخير عنهم إلى وقت، وهو وقت قبض أرواحهم وخروجهم من الدنيا، وفي ذلك الوقت يعاقبون بأنواع العذاب، وينزل بهم ما نزل بأولئك، لا أنهم عفا عن ذلك أصلا.

ويحتمل أن يكون ينزل بهم ذلك في الآخرة، وذلك كله فضل منه ورحمة، والله أعلم.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فإن للذين ظلموا أنفسهم بتكذيبك -أيها الرسول- نصيبًا من العذاب مثل نصيب أصحابهم السابقين، له أجل محدد، فلا يطلبوا مني تعجيله قبل أجله.

<div class="verse-tafsir" id="91.6p04B"

مزيد من التفاسير لسورة الذاريات

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله