الآية ٢٣ من سورة النجم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 53 النجم > الآية ٢٣ من سورة النجم

إِنْ هِىَ إِلَّآ أَسْمَآءٌۭ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَـٰنٍ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَمَا تَهْوَى ٱلْأَنفُسُ ۖ وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ ٱلْهُدَىٰٓ ٢٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 114 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٣ من سورة النجم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٣ من سورة النجم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال منكرا عليهم فيما ابتدعوه وأحدثوه من الكذب والافتراء والكفر ، من عبادة الأصنام وتسميتها آلهة : ( إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ) أي : من تلقاء أنفسكم ( ما أنزل الله بها من سلطان ) أي : من حجة ، ( إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ) أي : ليس لهم مستند إلا حسن ظنهم بآبائهم الذين سلكوا هذا المسلك الباطل قبلهم ، وإلا حظ نفوسهم في رياستهم وتعظيم آبائهم الأقدمين ، ( ولقد جاءهم من ربهم الهدى ) أي : ولقد أرسل الله إليهم الرسل بالحق المنير والحجة القاطعة ، ومع هذا ما اتبعوا ما جاءوهم به ، ولا انقادوا له .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : إِنْ هِيَ إِلا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (23) يقول تعالى ذكره: ما هذه الأسماء التي سميتموها وهي اللات والعزّى ومناة الثالثة الأخرى, إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم أيها المشركون بالله, وآباؤكم من قبلكم, ما أنـزل الله بها, يعني بهذه الأسماء, يقول: لم يبح الله ذلك لكم, ولا أذن لكم به.

كما حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( مِنْ سُلْطَانٍ ) ...

إلى آخر الآية.

وقوله ( إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ ) يقول تعالى ذكره: ما يتبع هؤلاء المشركون في هذه الأسماء التي سموا بها آلهتهم إلا الظنّ بأنّ ما يقولون حقّ لا اليقين ( وَمَا تَهْوَى الأنْفُسُ ) يقول: وهوى أنفسهم, لأنهم لم يأخذوا ذلك عن وحي جاءهم من الله, ولا عن رسول الله أخبرهم به, وإنما اختراق من قِبل أنفسهم, أو أخذوه عن آبائهم الذين كانوا من الكفر بالله على مثل ما هم عليه منه.

وقوله ( وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى ) يقول: ولقد جاء هؤلاء المشركين بالله من ربهم البيان مما هم منه على غير يقين, وذلك تسميتهم اللات والعزّى ومناة الثالثة بهذه الأسماء وعبادتهم إياها.

يقول: لقد جاءهم من ربهم الهدى في ذلك, والبيان بالوحي الذي أوحيناه إلى محمد صلى الله عليه وسلم أن عبادتها لا تنبغي, وأنه لا تصلح العبادة إلا لله الواحد القهار.

وقال ابن زيد في ذلك ما حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى ) فما انتفعوا به.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إن هي إلا أسماء سميتموها أي ما هي يعني هذه الأوثان إلا أسماء سميتموها يعني نحتموها وسميتموها آلهة .

أنتم وآباؤكم أي قلدتموهم في ذلك .ما أنزل الله بها من سلطان أي ما أنزل الله بها من حجة ولا برهان .إن يتبعون إلا الظن عاد من الخطاب إلى الخبر أي ما يتبع هؤلاء إلا الظن .وما تهوى الأنفس أي تميل إليه .

وقراءة العامة يتبعون بالياء .

وقرأ عيسى بن عمر وأيوب وابن السميفع " تتبعون " بالتاء على الخطاب .

وهي قراءة ابن مسعود وابن عباس .ولقد جاءهم من ربهم الهدى أي : البيان من جهة الرسول أنها ليست بآلهة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ } أي: من حجة وبرهان على صحة مذهبكم، وكل أمر ما أنزل الله به من سلطان، فهو باطل فاسد، لا يتخذ دينا، وهم -في أنفسهم- ليسوا بمتبعين لبرهان، يتيقنون به ما ذهبوا إليه، وإنما دلهم على قولهم، الظن الفاسد، والجهل الكاسد، وما تهواه أنفسهم من الشرك، والبدع الموافقة لأهويتهم، والحال أنه لا موجب لهم يقتضي اتباعهم الظن، من فقد العلم والهدى، ولهذا قال تعالى: { وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى } أي: الذي يرشدهم في باب التوحيد والنبوة، وجميع المطالب التي يحتاج إليها العباد، فكلها قد بينها الله أكمل بيان وأوضحه، وأدله على المقصود، وأقام عليه من الأدلة والبراهين، ما يوجب لهم ولغيرهم اتباعه، فلم يبق لأحد عذر ولا حجة من بعد البيان والبرهان، وإذا كان ما هم عليه، غايته اتباع الظن، ونهايته الشقاء الأبدي والعذاب السرمدي، فالبقاء على هذه الحال، من أسفه السفه، وأظلم الظلم، ومع ذلك يتمنون الأماني، ويغترون بأنفسهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( إن هي ) ما هذه الأصنام ( إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان ) حجة بما تقولون إنها آلهة .

ثم رجع إلى الخبر بعد المخاطبة فقال : ( إن يتبعون إلا الظن ) في قولهم إنها آلهة ( وما تهوى الأنفس ) وما زين لهم الشيطان ( ولقد جاءهم من ربهم الهدى ) البيان بالكتاب والرسول أنها ليست بآلهة ، فإن العبادة لا تصلح إلا لله الواحد القهار .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إن هي» أي ما المذكورات «إلا أسماء سميتموها» أي سميتم بها «أنتم وآباؤكم» أصناما تعبدونها «ما أنزل الله بها» أي بعبادتها «من سلطان» حجة وبرهان «إن» ما «يتبعون» في عبادتها «إلا الظن وما تهوى الأنفس» مما زين لهم الشيطان من أنها تشفع لهم عند الله تعالى «ولقد جاءهم من ربهم الهدى» على لسان النبي صلى الله عليه وسلم بالبرهان القاطع فلم يرجعوا عما هم عليه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أتجعلون لكم الذَّكر الذي ترضونه، وتجعلون لله بزعمكم الأنثى التي لا ترضونها لأنفسكم؟

تلك إذًا قسمة جائرة.

ما هذه الأوثان إلا أسماء ليس لها من أوصاف الكمال شيء، إنما هي أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم بمقتضى أهوائكم الباطلة، ما أنزل الله بها مِن حجة تصدق دعواكم فيها.

ما يتبع هؤلاء المشركون إلا الظن، وهوى أنفسهم المنحرفة عن الفطرة السليمة، ولقد جاءهم من ربهم على لسان النبي صلى الله عليه وسلم، ما فيه هدايتهم، فما انتفعوا به.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين لهم - سبحانه - وجه الحق فى هذه الأصنام فقال : ( إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ الله بِهَا مِن سُلْطَانٍ .

.

) .

أى : ما هذه الأصنام التى عبدتموها من دون الله ، أو توهمتم أنها تشفع لكم عنده - تعالى - .

ما هى إلا أسماء محضة ، ليس فيها شىء أصلا من صفات الألوهية ، وأنتم وآباؤكم سميتموها آلهة من تلقاء أنفسكم ، دون أن يكون معكم على هذه التسمية شىء من الحجة أو الدليل أو البرهان .

.

.فالمضير " هى " يعود إلى اللات والعزى ومناة وغيرها نم الآلهة الباطلة .والمراد بقوله : ( أَسْمَآءٌ ) : أنها ليس لها من الألوهية التى أثبتوها لها سوى اسمها ، وأما معناها وحقيقتها فهى أبعد ما تكون عن ذلك .

.

.وجملة " سميتموها " صفة للأسماء ، والهاء هى المفعول الثانى ، والمفعول الأول محذوف ، والتقدير : إن هى إلا أسماء سميتموها الأصنام ، أى : سميتم بها الأصنام .والمراد بالسلطان : الحجة والدليل ، والمراد بالإنزال : الإخبار بأنها آلهة و " من " مزيدة لتوكيد عدم الإنزال على سبيل القطع والبت .أى : ما أخبر الله - تعالى - عنها بأنها آلهة ، بأى لون من ألوان الإخبار ، ولا توجد حجة من الحجج حتى ولو كانت واهية تشير إلى ألوهيتها .ثم يهمل - سبحانه - خطابهم بعد ذلك ، ويذرهم فى أوهامهم يعمهون ، ويلتفت بالحديث عنهم حتى كأنهم لا وجود لهم ، فيقول : ( إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن وَمَا تَهْوَى الأنفس .

.

) .أى : ما يتبع هؤلاء الجاهلون فى عبادتهم لتلك الآلهة الباطلة ، إلا الظنون الكاذبة ، وإلا ما تشتهيه أنفسهم الأمارة بالسوء ، وتقليد للآباء بدون تفكر أو تدبر .

.فالمراد بالظن هنا : الظن الباطل الذى يقوم على الاعتقاد الفاسد ، كما فى قوله - تعالى - : ( إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ) والتعريف فى قوله - سبحانه - : ( وَمَا تَهْوَى الأنفس ) عوض عن المضاف إليه .

و ( مَا ) موصولة والعائد محذوف .

أى : والذى تهواه أنفسهم التى استحوذ عليها الشيطان .

.وجملة : ( وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الهدى ) حالية من فاعل " يتبعون " ، وجىء بها لزيادة التعجب من حالهم .أى : هم ما يتبعون إلا الظنون وما تهواه أنفسهم المحجوبة عن الحق ، والحال أنه قد جاء إليهم ، ووصل إلى مسامعهم من ربهم ، ما يهديهم إلى الصواب لو كانوا يعقلون .وأكد - سبحانه - هذه الجملة بلام القسم وقد ، لتأكد الخبر ، ولزيادة التعجب من أحوالهم التى بلغت الغاية فى الغرابة .والتعبير بقوله : ( جَآءَهُم ) يشعر بأن الحق قد وصل إليهم بدون عناء منهم ، ولكنهم مع ذلك رفضوه وأعرضوا عنه .والتعريف فى لفظ " الهدى " يدل على كماله وسموه .

أى .

ولقد جاءهم من ربهم الهدى الكامل الذى ينتهى بمن يتبعه إلى الفوز والسعادة .والمراد به : ما جاء به النبى - صلى الله عليه وسلم - من قرآن كريم ومن سنة مطهرة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

ثم قال تعالى: ﴿ إِنْ هِىَ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَءابَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ الله بِهَا مِن سلطان ﴾ وفيه مباحث تدق عن إدراك اللغوي إن يكن عنده من العلوم حظ عظيم، ولنذكر ما قيل فيه أولاً فنقول قيل معناه: إن هي إلا أسماء، أي كونها إناثاً وكونها معبودات أسماء لا مسمى لها فإنها ليست بإناث حقيقة ولا معبودات، وقيل أسماء أي قلتم بعضها عزى ولا عزة لها، وقيل قلتم إنها آلهة وليست بآلهة، والذي نقوله هو أن هذا جواب عن كلامهم، وذلك على ما بينا أنهم قالوا نحن لا نشك في أن الله تعالى لم يلد كما تلد النساء ولم يولد كما تولد الرجال بالمجامعة والإحبال، غير أنا رأينا لفظ الولد مستعملاً عند العرب في المسبب تقول: بنت الجبل وبنت الشفة لما يظهر منهما ويوجد، لكن الملائكة أولاد الله بمعنى أنهم وجدوا بسببه من غير واسطة فقلنا إنهم أولاده، ثم إن الملائكة فيها تاء التأنيث فقلنا هم أولاد مؤنثة، والولد المؤنث بنت، فقلنا لهم بنات الله، أي لا واسطة بينهم وبين الله تعالى في الإيجاد كما تقول الفلاسفة، فقال تعالى: هذه الأسماء استنبطتموها أنتم بهوى أنفسكم وأطلقتم على الله ما يوهم النقص وذلك غير جائز، وقوله تعالى: ﴿ ياحسرتى على مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ الله  ﴾ وقوله (بيده الخير) أسماء موهمة غير أنه تعالى أنزلها، وله أن يسمي نفسه بما اختار وليس لأحد أن يسمى بما يوهم النقص من غير ورود الشرع به، ولنبين التفسير في مسائل: المسألة الأولى: ﴿ هِىَ ﴾ ضمير عائد إلى ماذا؟

نقول الظاهر أنها عائدة إلى أمر معلوم وهو الأسماء كأنه قال ما هذه الأسماء التي وضعتموها أنتم وهو المشهور، ويحتمل أن يقال هي عائدة إلى الأصنام بأنفسها أي ما هذه الأصنام إلا أسماء، وعلى هذا فهو على سبيل المبالغة والتجوز، يقال لتحقير إنسان ما زيد إلا اسم وما الملك إلا اسم إذا لم يكن مشتملاً على صفة تعتبر في الكلام بين الناس، ويؤيد هذا القول قوله تعالى: ﴿ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء  ﴾ أي ما هذه الأصنام إلا أسماء.

المسألة الثانية: ما الفائدة في قوله: ﴿ سَمَّيْتُمُوهَا ﴾ مع أن جميع الأسماء وضعوها أو بعضها هم وضعوها ولم ينكر عليهم؟

نقول المسألة مختلف فيها ولا يتم الذم إلا بقوله تعالى: ﴿ مَّا أَنزَلَ الله بِهَا مِن سلطان ﴾ وبيانه هو أن الأسماء إن أنزلها الله تعالى فلا كلام فيها، وإن وضعها للتفاهم فينبغي أن لا يكون في ضمن تلك الفائدة مفسدة أعظم منها لكن إيهام النقص في صفات الله تعالى أعظم منها، فالله تعالى ما جوّز وضع الأسماء للحقائق إلا حيث تسلم عن المحرم، فلم يوجد في هذه الأسماء دليل نقلي ولا وجه عقلي، لأن ارتكاب المفسدة العظيمة لأجل المنفعة القليلة لا يجوزه العاقل، فإذاً ﴿ مَّا أَنزَلَ الله بِهَا مِن سلطان ﴾ ووضع الاسم لا يكون إلا بدليل نقلي أو عقلي، وهو أنه يقع خالياً عن وجوه المضار الراجحة.

المسألة الثالثة: كيف قال: ﴿ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ ﴾ مع أن هذه الأسامي لأصنامهم كانت قبلهم؟

نقول فيه لطيفة وهي أنهم لو قالوا ما سميناها، وإنما هي موضوعة قبلنا، قيل لهم كل من يطلق هذه الألفاظ فهو كالمبتدئ الواضع، وذلك لأن الواضع الأول لهذه الأسماء لما لم يكن واضعاً بدليل عقلي لم يجب اتباعه فمن يطلق اللفظ لأن فلاناً أطلقه لا يصح منه كما لا يصح أن يقول أضلني الأعمى ولو قاله لقيل له بل أنت أضللت نفسك حيث اتبعت من عرفت أنه لا يصلح للاقتداء به.

المسألة الرابعة: الأسماء لا تسمى، وإنما يسمى بها فكيف قال: ﴿ سَمَّيْتُمُوهَا ﴾ ؟

نقول عنه جوابان: أحدهما: لغوي وهو أن التسمية وضع الاسم فكأنه قال أسماء وضعتموها فاستعمل سميتموها استعمال وضعتموها، ويقال سميته زيداً وسميته يزيد فسميتموها بمعنى سميتم بها وثانيهما: معنوي وهو أنه لو قال أسماء سميتم بها لكان هناك غير الاسم شيء يتعلق به الباء في قوله: ﴿ بِهَا ﴾ لأن قول القائل سميت به يستدعي مفعولاً آخر تقول سميت بزيد ابني أو عبدي أو غير ذلك فيكون قد جعل للأصنام اعتباراً وراء أسمائها، وإذا قال: ﴿ إِنْ هِىَ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا ﴾ أي وضعتموها في أنفسها لا مسميات لها لم يكن ذلك فإن قيل هذا باطل بقوله تعالى: ﴿ وَإِنّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ  ﴾ حيث لم يقل وإني سميتها بمريم ولم يكن ما ذكرت مقصوداً وإلا لكانت مريم غير ملتفت إليها كما قلت في الأصنام؟

نقول بينهما بون عظيم وذلك لأن هناك قال: ﴿ سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ ﴾ فذكر المفعولين فاعتبر حقيقة مريم بقوله: ﴿ سَمَّيْتُهَا ﴾ واسمها بقوله: ﴿ مَرْيَمَ ﴾ وأما هاهنا فقال: ﴿ إِنْ هِىَ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا ﴾ أي ما هناك إلا أسماء موضوعة فلم تعتبر الحقيقة هاهنا واعتبرت في مريم.

المسألة الخامسة: ﴿ مَّا أَنزَلَ الله بِهَا مِن سلطان ﴾ على أي وجه استعملت الباء في قوله: ﴿ بِهَا مِن سلطان ﴾ ؟

نقول كما يستعمل القائل ارتحل فلان بأهله ومتاعه، أي ارتحل ومعه الأهل والمتاع كذا هاهنا.

ثم قال تعالى: ﴿ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن وَمَا تَهْوَى الأنفس وَلَقَدْ جَاءهُم مّن رَّبّهِمُ الهدى ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرئ ﴿ إِن تَتَّبِعُونَ ﴾ بالتاء على الخطاب، وهو ظاهر مناسب لقوله تعالى: ﴿ أَنتُمْ وَءابَاؤُكُمُ ﴾ على المغايبة وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون الخطاب معهم لكنه يكون التفاتاً كأنه قطع الكلام معهم، وقال لنبيه: إنهم لا يتبعون إلا الظن، فلا تلتفت إلى قولهم ثانيهما: أن يكون المراد غيرهم وفيه احتمالان أحدهما: أن يكون المراد آباءهم وتقديره هو أنه لما قال: ﴿ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ ﴾ كأنهم قالوا هذه ليست أسماء وضعناها نحن، وإنما هي كسائر الأسماء تلقيناها ممن قبلنا من آبائنا فقال وسماها آباؤكم وما يتبعون إلا الظن، فإن قيل كان ينبغي أن يكون بصيغة الماضي، نقول وبصيغة المستقبل أيضاً كأنه يفرض الزمان بعد زمان الكلام كما في قوله تعالى: ﴿ وَكَلْبُهُمْ باسط ذِرَاعَيْهِ  ﴾ .

ثانيهما: أن يكون المراد عامة الكفار كأنه قال: إن يتبع الكافرون إلا الظن.

المسألة الثانية: ما معنى الظن وكيف ذمهم به وقد وجب علينا اتباعه في الفقه وقال صلى الله عليه وسلم عن الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي؟

نقول أما الظن فهو خلاف العلم وقد استعمل مجازاً مكان العلم والعلم مكانه، وأصل العلم الظهور ومنه العلم والعالم وقد بينا في تفسير العالمين أن حروف ع ل م في تقاليبها فيها معنى الظهور، ومنها لمع الآل إذا ظهر وميض السراب ولمع الغزال إذا عدا وكذا النعام وفيه الظهور وكذلك علمت، والظن إذا كان في مقابلة العلم ففيه الخفاء ومنه بئر ظنون لا يدري أفيها ماء أم لا، ومنه الظنين المتهم لا يدري ما يظن، نقول يجوز بناء الأمر على الظن الغالب عند العجز عن درك اليقين والاعتقاد ليس كذلك لأن اليقين لم يتعذر علينا وإلى هذا إشارة بقول: ﴿ وَلَقَدْ جَاءهُم مّن رَّبّهِمُ الهدى ﴾ أي اتبعوا الظن، وقد أمكنهم الأخذ باليقين وفي العمل يمتنع ذلك أيضاً.

المسألة الثالثة: ﴿ مَا ﴾ في قوله تعالى: ﴿ وَمَا تَهْوَى الأنفس ﴾ خبرية أو مصدرية؟

نقول فيه وجهان: أحدهما: مصدرية كأنه قال: إن يتبعون إلا الظن وهوى الأنفس، فإن قيل ما الفائدة في العدول عن صريح المصدر إلى الفعل مع زيادة ما وفيه تطويل؟

نقول فيه فائدة، وإنها في أصل الوضع ثم نذكرها هنا فنقول إذا قال القائل أعجبني صنعك يعلم من الصيغة أن الإعجاب من مصدر قد تحقق وكذلك إذا قال أعجبني ما تصنع يعلم أن الإعجاب من مصدر هو فيه فلو قال أعجبني صنعك وله صنع أمس وصنع اليوم لا يعلم أن المعجب أي صنع هو إذا علمت هذا فنقول هاهنا قوله: ﴿ وَمَا تَهْوَى الأنفس ﴾ يعلم منه أن المراد أنهم يتبعون ما تهوى أنفسهم في الحال والاستقبال إشارة إلى أنهم ليسوا بثابتين على ضلال واحد وما هوت أنفسهم في الماضي شيئاً من أنواع العبادة فالتزموا به وداموا عليه بل كل يوم هم يستخرجون عبادة، وإذا انكسرت أصنامهم اليوم أتوا بغيرها غداً ويغيرون وضع عبادتهم بمقتضى شهوتهم اليوم ثانيهما: أنها خبرية تقديره، والذي تشتهيه أنفسهم والفرق بين المصدرية والخبرية أن المتبع على الأول الهوى وعلى الثاني مقتضى الهوى كما إذا قلت أعجبني مصنوعك.

المسألة الرابعة: كيف قال: ﴿ وَمَا تَهْوَى الأنفس ﴾ بلفظ الجمع مع أنهم لا يتبعون ما تهواه كل نفس فإن من النفوس ما لا تهوى ما تهواه غيرها؟

نقول هو من باب مقابلة الجمع بالجمع معناه اتبع كل واحد منهم ما تهواه نفسه يقال خرج الناس بأهليهم أي كل واحد بأهله لا كل واحد بأهل الجمع.

المسألة الخامسة: بيّن لنا معنى الكلام جملة، نقول قوله تعالى: ﴿ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن وَمَا تَهْوَى الأنفس ﴾ أمران مذكوران يحتمل أن يكون ذكرهما لأمرين تقدير بين يتبعون الظن في الاعتقاد ويتبعون ما تهوى الأنفس في العمل والعبادة وكلاهما فاسد، لأن الاعتقاد ينبغي أن يكون مبناه على اليقين، وكيف يجوز اتباع الظن في الأمر العظيم، وكلما كان الأمر أشرف وأخطر كان الاحتياط فيه أوجب وأحذر، وأما العمل فالعبادة مخالفة الهوى فكيف تنبئ على متابعته، ويحتمل أن يكون في أمر واحد على طريقة النزول درجة درجة فقال: ﴿ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن وَمَا تَهْوَى الأنفس ﴾ أي وما دون الظن لأن القرونة تهوى ما لا يظن به خير وقوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ جَاءهُم مّن رَّبّهِمُ الهدى ﴾ إشارة إلى أنهم على حال لا يعتد به لأن اليقين مقدور عليه وتحقق بمجيء الرسل والهدى فيه وجوه ثلاثة الأولى: القرآن الثاني: الرسل الثالث: المعجزات.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ اللات والعزى ومناة ﴾ أصنام كانت لهم، وهي مؤنثات؛ فاللات كانت لثقيف بالطائف.

وقيل: كانت بنخلة تعبدها قريش، وهي فعلة من لوى؛ لأنهم كانوا يلوون عليها ويعكفون للعبادة.

أو يلتوون عليها: أي يطوفون.

وقرئ ﴿ اللات ﴾ بالتشديد.

وزعموا أنه سمي برجل كان يلت عنده السمن بالسويق ويطعمه الحاج.

وعن مجاهد: كان رجل يلت السويق بالطائف، وكانوا يعكفون على قبره، فجعلوه وثناً، والعزى كانت لغطفان وهي سمرة، وأصلها تأنيث الأعز.

وبعث إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد فقطعها، فخرجت منها شيطانة ناشرة شعرها داعية ويلها، واضعة يدها على رأسها، فجعل يضربها بالسيف حتى قتلها وهو يقول: يَا عُزَّ كُفْرَانَكِ لاَ سُبْحَانَك ** إني رَأَيْتُ اللَّهَ قَدْ أَهانَكَ ورجع فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة والسلام تلك العزى ولن تعبد أبداً.

ومناة: صخرة كانت لهذيل وخزاعة.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: لثقيف.

وقرئ: ﴿ ومناءة ﴾ وكأنها سميت مناة لأنّ دماء النسائك كانت تمنى عندها، أي: تراق، ومناءة مفعلة من النوء، كأنهم كانوا يستمطرون عندها الأنواء تبركاً بها.

و ﴿ الأخرى ا ﴾ ذمّ، وهي المتأخرة الوضيعة المقدار، كقوله تعالى: ﴿ وقالت أخراهم لأولاهم ﴾ [الأعراف: 38] أي وضعاؤهم لرؤسائهم وأشرافهم.

ويجوز أن تكون الأوّلية والتقدّم عندهم للات والعزى.

كانوا يقولون إنّ الملائكة وهذه الأصنام بنات الله، وكانوا يعبدونهم ويزعمون أنهم شفعاؤهم عند الله تعالى مع وأدهم البنات، فقيل لهم ﴿ أَلَكُمُ الذكر وَلَهُ الانثى (21) ﴾ ويجوز أن يراد: أنّ اللات والعزى ومناة إناث، وقد جعلتموهنّ لله شركاء، ومن شأنكم أن تحتقروا الإناث وتستنكفوا من أن يولدن لكم وينسبن إليكم، فكيف تجعلون هؤلاء الإناث أنداداً لله وتسمونهنّ آلهة ﴿ قِسْمَةٌ ضيزى ﴾ جائرة، من ضازه يضيزه إذا ضامه، والأصل: ضوزى.

ففعل بها ما فعل ببيض؛ لتسلم الياء.

وقرئ: ﴿ ضئزى ﴾ من ضأزه بالهمز.

وضيزى: بفتح الضاد ﴿ هِىَ ﴾ ضمير الأصنام، أي ما هي ﴿ إِلاَّ أَسْمَاءٌ ﴾ ليس تحتها في الحقيقة مسميات، لأنكم تدعون الإلهية لما هو أبعد شيء منها وأشدّه منافاة لها.

ونحوه قوله تعالى: ﴿ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا ﴾ [يوسف: 40] أو ضمير الأسماء وهي قولهم، اللات والعزى ومناة، وهم يقصدون بهذه الأسماء الآلهة، يعني: ما هذه الأسماء إلا أسماء سميتموها بهواكم وشهوتكم، ليس لكم من الله على صحة تسميتها برهان تتعلقون به.

ومعنى ﴿ سَمَّيْتُمُوهَا ﴾ سميتم بها، يقال: سميته زيداً، وسميته بزيد ﴿ إن يتبعون ﴾ وقرئ بالتاء ﴿ إِلاَّ الظن ﴾ إلا توهم أنّ ما هم عليه حق، وأنّ آلهتهم شفعاؤهم، وما تشتهيه أنفسهم، ويتركون ما جاءهم من الهدى والدليل على أنّ دينهم باطل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنْ هي إلا أسْماءٌ ﴾ الضَّمِيرُ لِلْأصْنامِ أيْ ما هي بِاعْتِبارِ الأُلُوهِيَّةِ إلّا أسْماءٌ تُطْلِقُونَها عَلَيْها لِأنَّهم يَقُولُونَ إنَّها آلِهَةٌ ولَيْسَ فِيها شَيْءٌ مِن مَعْنى الأُلُوهِيَّةِ، أوْ لِلصِّفَةِ الَّتِي تَصِفُونَها بِها مِن كَوْنِها آلِهَةً وبَناتٍ وشُفَعاءَ، أوْ لِلْأسْماءِ المَذْكُورَةِ فَإنَّهم كانُوا يُطْلِقُونَ اللّاتَ عَلَيْها بِاعْتِبارِ اسْتِحْقاقِها لِلْعُكُوفِ عَلى عِبادَتِها، والعُزّى لِعِزَّتِها ومَناةَ لِاعْتِقادِهِمْ أنَّها تَسْتَحِقُّ أنْ يُتَقَرَّبَ إلَيْها بِالقَرابِينِ.

﴿ سَمَّيْتُمُوها ﴾ سَمَّيْتُمْ بِها.

﴿ أنْتُمْ وآباؤُكُمْ ﴾ بِهَواكم.

﴿ ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ ﴾ بُرْهانٍ تَتَعَلَّقُونَ بِهِ.

﴿ إنْ يَتَّبِعُونَ ﴾ وقُرِئَ بِالتّاءِ.

﴿ إلا الظَّنَّ ﴾ إلّا تَوَهُّمَ أنَّ ما هم عَلَيْهِ حَقٌّ تَقْلِيدًا وتَوَهُّمًا باطِلًا.

﴿ وَما تَهْوى الأنْفُسُ ﴾ وما تَشْتَهِيهِ أنْفُسُهم.

﴿ وَلَقَدْ جاءَهم مِن رَبِّهِمُ الهُدى ﴾ الرَّسُولُ أوِ الكِتابُ فَتَرَكُوهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إِنْ هِىَ} ما الأصنام {إِلاَّ أَسْمَاء} ليس تحتها في الحقيقة مسميات لأنكم تدعون الإلهية لما هو ابعد شىء منها واشد منافاة لها {سَمَّيْتُمُوهَا} أي سميتم

بها يقال سميته زيد او سميته يزيد {أنتم وآباؤكم مَّا

أَنزَلَ الله بِهَا مِن سلطان} حجة {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن} إلا توهم أن ماهم عليه حق {وَمَا تَهْوَى الأنفس} وما تشتهيه أنفسهم {وَلَقَدْ جَاءهُم مّن رَّبّهِمُ الهدى} الرسول والكتاب فتركوه ولم يعملوا به

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنْ هِيَ ﴾ الضَّمِيرُ لِلْأصْنامِ أيْ ما الأصْنامُ بِاعْتِبارِ الأُلُوهِيَّةِ الَّتِي تَدَّعُونَها ﴿ إلا أسْماءٌ ﴾ مَحْضَةٌ لَيْسَ فِيها شَيْءٌ ما أصْلًا مِن مَعْنى الأُلُوهِيَّةِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَمَّيْتُمُوها ﴾ صِفَةٌ لِلْأسْماءِ وضَمِيرُها لَها لا لِلْأصْنامِ، والمَعْنى جَعَلْتُمُوها أسْماءً فَإنَّ التَّسْمِيَةَ نِسْبَةٌ بَيْنَ الِاسْمِ والمُسَمّى فَإذا قِيسَتْ إلى الِاسْمِ فَمَعْناها جَعْلُهُ اسْمًا لِلْمُسَمّى وإنْ قِيسَتْ إلى المُسَمّى فَمَعْناها جَعْلُهُ مُسَمًّى لِلِاسْمِ وإنَّما اخْتِيرَ ها هُنا المَعْنى الأوَّلُ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلْمُسَمّى لِتَحْقِيقِ أنَّ تِلْكَ الأصْنامَ الَّتِي يُسَمُّونَها آلِهَةً أسْماءٌ مُجَرَّدَةٌ لَيْسَ لَها مُسَمَّياتٌ قَطْعًا كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلا أسْماءً  ﴾ الآيَةَ لا أنَّ هُناكَ مُسَمَّياتٍ لَكِنَّها لا تَسْتَحِقُّ التَّسْمِيَةَ، وقِيلَ: هي لِلْأسْماءِ الثَّلاثَةِ المَذْكُورَةِ حَيْثُ كانُوا يُطْلِقُونَها عَلى تِلْكَ الأصْنامِ لِاعْتِقادِهِمْ أنَّها تَسْتَحِقُّ العُكُوفَ عَلى عِبادَتِها والإعْزازَ والتَّقَرُّبَ إلَيْها بِالقَرابِينِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَوْ سُلِّمَ دَلالَةُ الأسْماءِ المَذْكُورَةِ عَلى ثُبُوتِ تِلْكَ المَعانِي الخالِصَةِ لِلْأصْنامِ فَلَيْسَ في سَلْبِها عَنْها مَزِيدُ فائِدَةٍ بَلْ إنَّما هي في سَلْبِ الأُلُوهِيَّةِ عَنْها كَما هو زَعْمُهُمُ المَشْهُورُ في حَقِّ جَمِيعِ الأصْنامِ عَلى وجْهٍ بُرْهانِيٍّ فَإنَّ انْتِفاءَ الوَصْفِ بِطَرِيقِ الأوْلَوِيَّةِ أيْ ما هي شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ إلّا أسْماءٌ خالِيَةٌ عَنِ المُسَمَّياتِ وضَعْتُمُوها ﴿ أنْتُمْ وآباؤُكُمْ ﴾ بِمُقْتَضى الأهْواءِ الباطِلَةِ ﴿ ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ ﴾ بِرِهانٍ يَتَعَلَّقُونَ بِهِ ﴿ إنْ يَتَّبِعُونَ ﴾ أيْ ما يَتَّبِعُونَ فِيما ذُكِرَ مِنَ التَّسْمِيَةِ والعَمَلِ بِها ﴿ إلا الظَّنَّ ﴾ إلّا تَوَهُّمَ أنَّ ما هم عَلَيْهِ حَقٌّ تَوَهُّمًا باطِلًا، فالظَّنُّ هَنا مُرادٌ بِهِ التَّوَهُّمُ وشاعَ اسْتِعْمالُهُ فِيهِ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ الرّاغِبِ أنَّ التَّوَهُّمَ مِن أفْرادِ الظَّنِّ ﴿ وما تَهْوى الأنْفُسُ ﴾ أيْ والَّذِي تَشْتَهِيهِ أنْفُسُهُمُ الأمّارَةُ بِالسُّوءِ عَلى أنَّ ما مَوْصُولَةٌ وعائِدَها مُقَدَّرٌ - وألْ - في الأنْفُسِ لِلْعَهْدِ، أوْ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، وجُوِّزَ كَوْنُ ما مَصْدَرِيَّةً وكَذا جُوِّزَ كَوْنُ - ألْ - لِلْجِنْسِ والنَّفْسِ مِن حَيْثُ هي إنَّما تَهْوى غَيْرَ الأفْضَلِ لِأنَّها مَجْبُولَةٌ عَلى حُبِّ المَلاذِّ وإنَّما يَسُوقُها إلى حُسْنِ العاقِبَةِ العَقْلُ، والِالتِفاتُ في ( يَتَّبِعُونَ ) إلى الغَيْبَةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ تَعْدادَ قَبائِحِهِمُ اقْتَضى الإعْراضَ عَنْهم، وحِكايَةَ جِناياتِهِمْ لِغَيْرِهِمْ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ وثّابٍ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ وعِيسى بْنُ عُمَرَ - تَتَّبِعُونَ - بِتاءِ الخِطابِ ﴿ ولَقَدْ جاءَهم مِن رَبِّهِمُ الهُدى ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ ( يَتَّبِعُونَ ) مُقَرِّرَةٌ لِبُطْلانِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ اتِّباعِ الظَّنِّ والهَوى، والمُرادُ بِالهُدى الرَّسُولُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوِ القُرْآنُ العَظِيمُ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى الهادِي أوْ جَعَلَهُ هُدًى مُبالَغَةً أيْ ما يَتَّبِعُونَ إلّا ذَلِكَ، والحالُ لَقَدْ جاءَهم مِن رَبِّهِمْ جَلَّ شَأْنُهُ ما يَنْبَغِي لَهم مَعَهُ تَرْكُهُ واتِّباعُ سَبِيلِ الحَقِّ.

وحاصِلُهُ ( يَتَّبِعُونَ ) ذَلِكَ في حالٍ يُنافِيهِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةً وهي أيْضًا مُؤَكِّدَةٌ لِبُطْلانِ ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى قرأ مجاهد: اللَّاتَ بتشديد التاء.

يقال: كان رجلاً يلت السويق بالزيت، ويطعم الناس.

وقال السدي: كان رجلاً يقوم على آلهتهم، ويلت السويق لهم.

ويقال: كانت حجارة يعبدونها، وينزل عندها رجل يبيع السويق، ويلته، فسميت تلك الحجارة باللات.

وقرأه العامة بغير تشديد.

قال مقاتل: وإنما سمي اللَّاتَ وَالْعُزَّى لأنهم قالوا: هكذا أسماء الملائكة، وهم بناته فنزل أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى وقال قتادة: اللَّاتَ كان لأهل الطائف، وَالْعُزَّى لقريش، ومناة للأنصار.

ويقال: إن المشركين أرادوا أن يجعلوا من آلهتهم من أسماء الحسنى، فأرادوا أن يسموا الواحد منها الله، فجرى على لسانهم اللَّاتَ وأرادوا أن يسموا الواحد منها العزيز، فجرى على لسانهم العزى، وأرادوا أن يسموا الواحد منها المنان فجرى على لسانهم مناة.

ويقال: إن العزى كانت نخلة بالطائف يعبدونها، فبعث النبيّ  خالد بن الوليد حتى قطع تلك النخلة، فخرجت منها امرأة تجر شعرها على الأرض، فأتبعها بفأس، فقتلها، فأخبر بذلك رسول الله  ، فقال: «تِلْكَ العُزَّى قَتَلَهَا فَلاَ تُعْبَدُ العُزَّى أَبَداً» .

ويقال: أول الأصنام كانت اللات، ثم العزَّى ثم مناة.

وهو قوله: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى يعني: أفرأيتم عبادتها تنفعهم في الآخرة.

ثم قال: أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى يعني: بني مدلج، ويعبدون الملائكة، ويقولون: هم بناته فيشفعوا لنا تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى أي: جائزة معوجة.

قرأ ابن كثير: بهمز الألف، والمد.

والباقون: بغير همز، ومعناهما واحد، وهو اسم الصنم.

وقرأ ابن كثير: ضِيزى بالهمزة.

والباقون: بغير همزة، ومعناهما واحد.

يقال: ضازه، يضيزه، إذا نقصه حقه.

يقال: ضزت في الحكم أي جرت.

ثم قال: إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها يعني: الأصنام، أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ بالتقليد مَّا أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ يعني: من عذر، وحجة لكم بما تقولون إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ يعني: ما يعبدون، وما يتبعون إلا الظن، ولا تعرفونها أنها يقيناً آلهة، وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ يعني: يتبعون ما تشتهي أنفسهم، وعبدوه، وتركوا دين الله، وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى يعني: أتاهم الكتاب، والرسول، وبين لهم طريق الهدى.

ثم قال عز وجل: أَمْ لِلْإِنْسانِ مَا تَمَنَّى يعني: ما يتمنى بأن الملائكة تشفع له، فيكون الأمر بتمنيه، فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى يعني: ثواب الآخرة والأولى.

ويقال: أهل السموات، وأهل الأرض كلهم عبيده ويقال: له نفاذ الأمر في الآخرة، والأولى.

ويقال: جميع ما فيها يدل على وحدانيته.

ثم قال: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً يعني: لا تنقطع شفاعتهم، رداً لقولهم: إنهم يشفعون لنا.

ثم استثنى فقال: إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى يعني: من كان معه التوحيد، فيشفع له بإذن الله تعالى.

ثم قال: إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يعني: لا يصدقون بالبعث لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى باسم البنات، وفيه تنبيه للمؤمنين، لكي لا تقولوا مثل مقالتهم، وزجراً للكافرين عن تلك المقالة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى قال الجمهور: أراد سبحانه أَنْ يُعَظِّمَ مَكانَ السدرة، ويُشَرِّفَهُ بِأَنَّ جنة المأوى عندها، قال الحسن «١» : هي الجنة التي وعد بها المؤمنون.

إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى (١٦) ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى (١٧) لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى (١٨) أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى (٢٠)

وقوله سبحانه: إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشى أي: غَشِيَها من أمر اللَّه ما غشيها، فما يستطيع أحد أَنْ يصفَها، وقد ذكر المُفَسِّرُون في وصفها أقوالاً هي تَكَلُّفٌ في الآية لأَنَّ اللَّه تعالى أبهم ذلك، وهم يريدون شرحه، وقد قال صلّى الله عليه وسلّم: «فَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ لاَ أَدْرِي مَا هِيَ» «٢» .

وقوله تعالى: مَا زاغَ الْبَصَرُ قال ابن عباس «٣» : معناه: ما جال هكذا ولا هكذا.

وقوله: وَما طَغى معناه: ولا تجاوز المَرْئِيَّ، وهذا تحقيق للأمر، ونفيٌ لوجوه الريب عنه.

وقوله: لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى قال جماعة: معناه: لقد رأى الكبرى من آياتِ رَبِّهِ، أي: مِمَّا يمكنُ أنْ يراها البشر، وقال آخرون: المعنى: لقد رأى بَعْضاً من آيات رَبِّهِ الكبرى، وقال ابن عباس وابن مسعود «٤» : رأى رفرفاً أخضرَ من الجنة، قد سدّ الأفق.

ت: وزاد الثعلبيُّ: وقيل: المعراج، وما رأى في تلك الليلة في مسراه في عوده وبدئه دليله قوله تعالى: لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا ...

[الإسراء: ١] الآية، قال عِيَاضٌ:

/ وقوله تعالى: لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى انحصرت الأفهام عن تفصيل ما أوحى، وتاهت الأحلامُ في تعيين تلك الآيات الكبرى، وقد اشتملت هذه الآيات على إعلام الله بتزكية جملته ع وعِصْمَتِهَا من الآفات في هذا المسرى، فزكى فؤادَه ولسانَه وجوارِحَه فقلبه بقوله تعالى: مَا كَذَبَ الْفُؤادُ مَا رَأى [النجم: ١١] ، ولسانَهُ- عليه السلام- بقوله تعالى: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى [النجم: ٣] ، وبصرَهُ بقوله تعالى: مَا زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى اهـ.

ولما فرغ من ذكر عظمة اللَّه وقدرته قال على جهة التوقيف: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى ...

الآية، أي: أرأيتم هذه الأوثان وحقارَتَها وبُعْدَهَا عن هذه القدرة والصفات العَلِيَّةِ، واللات: صنم كانتِ العربُ تعظمه، والعُزَّى: صخرة بيضاءُ كانت العرب أيضاً تعبُدُها، وأمَّا مناة: فكانت بالمشلل من قديد، وكانت أعظم هذه الأوثان عندهم، وكانت الأوس والخزرج تهل لها، ووقف تعالى الكُفَّارَ على هذه الأوثان، وعلى قولهم فيها: إنها بنات اللَّه، فكأَنَّه قال: أرأيتم هذه الأوثانَ وقولَكُمْ: هي بناتُ اللَّه أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى ثم قال تعالى على جهة الإنكار: تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى أي: عوجاء قاله مجاهد «١» ، وقيل: جائرة قاله ابن عباس «٢» ، وقال سفيان «٣» : معناه: منقوصة، وقال ابن زيد «٤» :

معناه: مخالفة، والعرب تقول: ضِزْتُهُ حَقَّهُ أَضِيزُهُ بمعنى: منعته، وضِيزَى من هذا التصريف قال أبو حيان «٥» : والثَّالِثَةَ الْأُخْرى صفتان لمناة للتأكيد، قيل: وأُكِّدَتْ بهذين الوصفين لِعَظَمِهَا عندهم، وقال الزمخشري: والأخرى ذَمٌّ، وهي المتأخرة الوضيعة المقدارِ، وتُعُقِّبَ/ بأنَّ أخرى مُؤنث آخر، ولم يُوضَعَا لِلذَّمِ ولا للمدح.

ت: وفي هذا التعقب تعسف، والظاهر أَنَّ الوصفين معاً سِيقَا مَسَاقَ الذَّمِّ لأَنَّ هؤلاءِ الكُفَّارِ لم يكتفوا بضلالهم في اعتقادهم ما لا يجوز في اللات والعزى، إِلى أَنْ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قالَ الزَّجّاجُ: فَلَمّا قَصَّ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الأقاصِيصَ قالَ: ﴿ أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى ﴾ المَعْنى: أخْبِرُونا عَنْ هَذِهِ الآلِهَةِ الَّتِي تَعْبُدُونَها هَلْ لَها مِنَ القُدْرَةِ والعَظَمَةِ الَّتِي وُصِفَ بِها رَبُّ العِزَّةِ شَيْءٌ؟!

فَأمّا "اللّاتُ" فَقَرَأ الجُمْهُورُ بِتَخَفِيفِ التّاءِ، وهو اسْمُ صَنَمٍ كانَ لِثَقِيفٍ اتَّخَذُوهُ مِن دُونِ اللَّهِ، وكانُوا يَشْتَقُّونَ لِأصْنامِهِمْ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، فَقالُوا مِنَ "اللَّهِ": اللّاتُ، ومِنَ "العَزِيزِ": العُزّى.

قالَ أبُو سُلَيْمانَ الخَطّابِيُّ: كانَ المُشْرِكُونَ يَتَعاطَوْنَ "اللَّهَ" اسْمًا لِبَعْضِ أصْنامِهِمْ، فَصَرَفَهُ اللَّهُ إلى اللّاتَ صِيانَةً لِهَذا الِاسْمِ وذَبًّا عَنْهُ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والضَّحّاكُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ يَعْمَرَ، والأعْمَشُ، ووَرْشٌ عَنْ يَعْقُوبَ: "اللّاتَّ" بِتَشْدِيدِ التّاءِ؛ ورَدَ في تَفْسِيرٍ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ أنَّ رَجُلًا كانَ يَلُتُّ السَّوِيقَ لِلْحاجِّ، فَلَمّا ماتَ عَكَفُوا عَلى قَبْرِهِ فَعَبَدُوهُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: زَعَمُوا أنَّ رَجُلًا كانَ يَلُتُّ السَّوِيقَ ويَبِيعُهُ عِنْدَ ذَلِكَ الصَّنَمِ، فَسُمِّيَ الصَّنَمُ: اللّاتَّ.

وكانَ الكِسائِيُّ يَقِفُ عَلَيْهِ بِالهاءِ، فَيَقُولُ: "اللّاهْ"؛ وهَذا قِياسٌ، والأجْوَدُ الوُقُوفُ بِالتّاءِ، لِاتِّباعِ المُصْحَفِ.

وَأمّا "العُزّى" فَفِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها شَجَرَةٌ لَغَطَفانَ كانُوا يَعْبُدُونَها، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: صَنَمٌ لَهُمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

قالَ: وأمّا "مَناةُ" فَهو صَنَمٌ لِهُذَيْلٍ وخُزاعَةَ يَعْبُدُهُ أهْلُ مَكَّةَ.

وقالَ قَتادَةُ: بَلْ كانَتْ لِلْأنْصارِ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كانَتِ اللّاتُ والعُزّى ومَناةُ أصْنامًا مِن حِجارَةٍ في جَوْفِ الكَعْبَةِ يَعْبُدُونَها.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "وَمُناءَةَ" مَمْدُودَةً مَهْمُوزَةً.

فَأمّا قَوْلُهُ: (الثّالِثَةَ) فَإنَّهُ نَعْتٌ لِـ "مَناةَ"، هي ثالِثَةُ الصَّنَمَيْنِ في الذِّكْرِ، "والأُخْرى" نَعْتٌ لَها.

قالَ الثَّعْلَبِيُّ: العَرَبُ لا تَقُولُ لِلثّالِثَةِ: الأُخْرى، وإنَّما الأُخْرى نَعْتٌ لِلثّانِيَةِ؛ فَيَكُونُ في المَعْنى وجْهانِ.

أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ لِوِفاقِ رُؤُوسِ الآيِ، كَقَوْلِهِ ﴿ مَآرِبُ أُخْرى  ﴾ ولَمْ يَقُلْ، أُخَرُ، قالَهُ الخَلِيلُ.

والثّانِي: أنَّ في الآيَةِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا تَقْدِيرُهُ: أفَرَأيْتُمُ اللّاتَ والعُزّى الأُخْرى ومَناةَ الثّالِثَةَ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَكُمُ الذَّكَرُ ﴾ قالَ ابْنُ السّائِبِ: إنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ قالُوا لِلْأصْنامِ والمَلائِكَةِ: بَناتُ اللَّهِ، وكانَ الرَّجُلُ مِنهم إذا بُشِّرَ بِالأُنْثى كَرِهَ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ: ﴿ ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى ﴾ ؟!

يَعْنِي الأصْنامَ وهي [إناثٌ] في أسْمائِها.

﴿ تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى ﴾ قَرَأ عاصِمٌ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ["ضِيزى"] بِكَسْرِ الضّادِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ؛ وافَقَهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ [فِي] كَسْرِ الضّادِ، لَكِنَّهُ هَمَزَ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، ومُعاذٌ القارِئُ: "ضَيْزى" بِفَتْحِ الضّادِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: الضِّيزى في كَلامِ العَرَبِ: النّاقِصَةُ الجائِرَةُ، يُقالُ: ضازَهُ يَضِيزُهُ: إذا نَقَصَهُ حَقَّهُ، ويُقالُ: ضَأزَهُ يَضْأزُهُ بِالهَمْزِ.

وأجْمَعَ النَّحْوِيُّونَ أنَّ أصْلَ ضِيزى: ضُوزى، وحُجَّتُهم أنَّها نُقِلَتْ مِن "فُعْلى" مِن ضُوزى إلى ضِيزى، لِتَسْلَمَ الياءُ، كَما قالُوا: أبْيَضُ وبِيضٌ، وأصْلُهُ: بُوضٌ، فَنُقِلَتِ الضَّمَّةُ إلى الكَسْرَةِ.

وقَرَأْتُ عَلى بَعْضِ العُلَماءِ بِاللُّغَةِ: في "ضِيزى" لُغاتٌ؛ يُقالُ: ضِيزى، وضُوزى، وضُؤْزى، وضَأْزى عَلى "فَعَلى" مَفْتُوحَةً، ولا يَجُوزُ في القُرْآنِ إلّا "ضِيزى" بِياءٍ غَيْرِ مَهْمُوزَةٍ؛ وإنَّما لَمْ يَقُلِ النَّحْوِيُّونَ: إنَّها عَلى أصْلِها لِأنَّهم لا يَعْرِفُونَ في الكَلامِ "فِعْلى" صِفَةً، إنَّما يَعْرِفُونَ الصِّفاتِ عَلى "فَعْلى" بِالفَتْحِ، نَحْوُ سَكْرى وغَضْبى، أوْ بِالضَّمِّ، نَحْوُ حُبْلى وفُضْلى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ هِيَ ﴾ يَعْنِي الأوْثانَ ﴿ إلا أسْماءٌ ﴾ والمَعْنى: إنَّ هَذِهِ الأوْثانَ الَّتِي سَمَّوْها بِهَذِهِ الأسامِي لا مَعْنًى تَحْتَها، لِأنَّها لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، فَهي تَسْمِياتٌ أُلْقِيَتْ عَلى جَماداتٍ، ﴿ ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ ﴾ أيْ: لَمْ يُنْزِلْ كِتابًا فِيهِ حُجَّةٌ بِما يَقُولُونَ: إنَّها آلِهَةٌ.

ثُمَّ رَجَعَ إلى الإخْبارِ عَنْهم بَعْدَ الخِطابِ لَهم فَقالَ: ﴿ إنْ يَتَّبِعُونَ ﴾ في أنَّها آلِهَةٌ، ﴿ إلا الظَّنَّ وما تَهْوى الأنْفُسُ ﴾ وهو ما زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ، ﴿ وَلَقَدْ جاءَهم مِن رَبِّهِمُ الهُدى ﴾ وهو البَيانُ بِالكِتابِ والرَّسُولِ، وهَذا تَعْجِيبٌ مِن حالِهِمْ إذْ لَمْ يَتْرُكُوا عِبادَتَها بَعْدَ وُضُوحِ البَيانِ.

ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ تَمَنِّيَهم شَفاعَتَها فَقالَ: ﴿ أمْ لِلإنْسانِ ﴾ يَعْنِي الكافِرَ ﴿ ما تَمَنّى ﴾ مِن شَفاعَةِ الأصْنامِ ﴿ فَلِلَّهِ الآخِرَةُ والأُولى ﴾ أيْ لا يَمْلِكُ فِيهِما أحَدٌ شَيْئًا إلّا بِإذْنِهِ.

ثُمَّ أكَّدَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿ وَكَمْ مِن مَلَكٍ في السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهم شَيْئًا ﴾ فَجَمَعَ في الكِنايَةِ، لِأنَّ مَعْنى الكَلامِ الجَمْعُ ﴿ إلا مِن بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ ﴾ في الشَّفاعَةِ ﴿ لِمَن يَشاءُ ويَرْضى ﴾ والمَعْنى أنَّهم لا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَن رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى ﴾ ﴿ وَمَناةَ الثالِثَةَ الأُخْرى ﴾ ﴿ ألَكُمُ الذَكَرُ ولَهُ الأُنْثى ﴾ ﴿ تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى ﴾ ﴿ إنْ هي إلا أسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما أنْزَلَ اللهُ بِها مِن سُلْطانٍ إنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَنَّ وما تَهْوى الأنْفُسُ ولَقَدْ جاءَهم مِن رَبِّهِمُ الهُدى ﴾ ﴿ أمْ لِلإنْسانِ ما تَمَنّى ﴾ ﴿ فَلِلَّهِ الآخِرَةُ والأُولى ﴾ ﴿ وَكَمْ مِن مَلَكٍ في السَماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهم شَيْئًا إلا مِن بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَن يَشاءُ ويَرْضى ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "أفَرَأيْتُمُ" مُخاطَبَةٌ لِقُرَيْشٍ، وهي مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ لِأنَّهُ أحالَ عَلى أجْرامٍ مَرْئِيَّةٍ، ولَوْ كانَتْ "رَأى" الَّتِي هي اسْتِفْتاءٌ لَمْ تَتَعَدَّ.

ولَمّا فَرَغَ مِن ذِكْرِ عَظَمَةِ اللهِ وقُدْرَتِهِ قالَ -عَلى جِهَةِ التَوْقِيفِ-: أرَأيْتُمْ هَذِهِ الأوثانَ وحَقارَتَها وبُعْدَها عن هَذِهِ القُدْرَةِ والصِفاتِ العَلِيَّةِ؟

و"اللاتَ" اسْمُ صَنَمٍ كانَتِ العَرَبُ تُعَظِّمُهُ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: كانَ في الكَعْبَةِ، وقالَ قَتادَةُ: كانَ بِالطائِفِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانَ بِنَخْلَةٍ عِنْدَ سُوقِ عُكاظٍ، وقَوْلُ قَتادَةَ أرْجَحُ، يُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وفَرَّتْ ثَقِيفٌ إلى لاتِها بِمُنْقَلَبِ الخائِبِ الخاسِرِ والتاءُ في "اللاتَ" لامُ فِعْلٍ كالباءِ مِن "بابٍ، وقالَ قَوْمٌ هي تاءُ التَأْنِيثِ، والتَصْرِيفُ يَمْنَعُ ذَلِكَ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وأبُو صالِحٍ: "اللاتُ" بِشَدِّ التاءِ، وقالُوا: كانَ هَذا الصَنَمُ حَجَرًا وكانَ عِنْدَهُ رَجُلٌ مِن بِهْزٍ يَلُتُّ سَوِيقَ الحاجِّ عَلى ذَلِكَ الحَجَرِ ويَخْدِمُ الأصْنامَ، فَلَمّا ماتَ عَبَدُوا الحَجَرَ الَّذِي كانَ عِنْدَهُ إجْلالًا لِذَلِكَ الرَجُلِ وسَمَّوْهُ بِاسْمِهِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وابْنِ عامِرٍ.

و"العُزّى" صَخْرَة بَيْضاءُ كانَتِ العَرَبُ أيْضًا تَعْبُدُها وتُعَظِّمُها، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: كانَتْ شُجَيْراتٍ تُعْبَدُ ثُمَّ لَمّا بَلِيَتِ انْتَقَلَ أمْرُها إلى صَخْرَةٍ، و"عُزّى" مُؤَنَّثَةُ "عَزِيزٍ" كَكُبْرى وعُظْمى، وكانَتْ هَذِهِ الأوثانُ تُعَظَّمُ وتُعْبَدُ، الوَثَنُ مِنها قَبِيلَةٌ وتُعَظِّمُهُ، ويَجِيءُ كُلٌّ مِن عَزَّ العَرَبَ فَيُعَظِّمُها بِتَعْظِيمِ حاضِرِها، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرٌ: كانَتِ العُزّى ومَناةُ في الكَعْبَةِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: وكانَتِ العُزّى في الطائِفِ، وقالَ قَتادَةُ: كانَتْ بِنَخْلَةَ، وأمّا مَناةُ فَكانَتْ بِالمُشَلَّلِ مِن قَدِيدٍ، وذَلِكَ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ، وكانَتْ أعْظَمَ هَذِهِ الأوثانِ قَدْرًا، وأكْثَرَها عابِدًا، وكانَتِ الأوسُ والخَزْرَجُ تُهِلُّ لَها، ولِذَلِكَ قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ وَمَناةَ الثالِثَةَ الأُخْرى ﴾ فَأكَّدَها بِهاتَيْنِ الصِفَتَيْنِ، كَما تَقُولُ: رَأيْتُ فُلانًا وفُلانًا، ثُمَّ تَذْكُرُ ثالِثًا أجَلَّ مِنهُما فَتَقُولُ: وفُلانًا الآخَرَ الَّذِي مِن أمْرِهِ وشَأْنِهِ، ولَفْظَةُ "آخَرَ" و"أُخْرى" يُوصَفُ بِهِما الثالِثُ مِنَ المَعْدُوداتِ، وذَلِكَ نَصٌّ في الآيَةِ، ومِنهُ قَوْلُ رَبِيعَةَ بْنَ مُكْدَمٍ: ولَقَدْ شَفَعْتُهُما بِآخِرَ ثالِثٍ وَهُوَ التَأْوِيلُ الصَحِيحُ في قَوْلِ الشاعِرِ: جَعَلْتُ لَها عُودَيْنِ مِن ∗∗∗ نَشَمٍ وآخَرَ مَن ثُمامَهْ وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ وحْدَهُ: "وَمُناءَةَ" بِالهَمْزِ والمَدِّ، وهي لُغَةٌ فِيها، والأوَّلُ أشْهَرُ وهي قِراءَةُ الناسِ، ومِنها قَوْلُ جَرِيرٍ: أزْيَدَ مَناةَ تُوعِدُ بِابْنِ تَيْمٍ ∗∗∗ تَأْمَّلْ أيْنَ تاهَ بِكَ الوَعِيدُ وقَفَ تَعالى الكُفّارَ عَلى هَذِهِ الأوثانِ وعَلى قَوْلِهِمْ فِيها؛ لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: هي بَناتُ اللهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: أرَأيْتُمْ هَذِهِ الأوثانَ وقَوْلُكم هي بَناتُ اللهِ؟

ألَكُمُ الذَكَرُ ولَهُ الأُنْثى؟

أيْ: النَوْعُ المُسْتَحْسَنُ المَحْبُوبُ هو لَكم مَوْجُودٌ فِيكم والمَذْمُومُ المُسْتَثْقَلُ عِنْدَكم هو لَهُ بِزَعْمِكُمْ؟

ثُمَّ قالَ تَعالى -عَلى جِهَةِ الإنْكارِ-: ﴿ تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى ﴾ ، أيْ: عَوْجاءُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقِيلَ "ضِيزى" مَعْناهُ: جائِرَةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، وقالَ سُفْيانُ: مَعْناهُ: مَنقُوصَةٌ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: مُخالِفَةٌ، والعَرَبُ تَقُولُ: "ضِزْتُهُ حَقَّهُ أضِيزُهُ" بِمَعْنى: مَنَعْتُهُ مِنهُ وظَلَمْتُهُ فِيهِ، و"ضِيزى" مِن هَذا التَصْرِيفِ، وأصْلُها فُعْلى بِضَمِّ الفاءِ "ضُوزى" لِأنَّهُ القِياسُ؛ إذْ لا يُوجَدُ في الصِفاتِ فُعْلى بِكَسْرِ الفاءِ، كَذا قالَ سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ، فَإذا كانَ هَذا فَهي "ضُوزى" كَسَرُوا أوَّلَها كَما كُسِرَ أوَّلُ "عَيْنٍ وبَيْضٍ" طَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ؛ إذِ الكَسْرَةُ والياءُ أخَفُّ مِنَ الضَمَّةِ والواوِ، كَما قالُوا: "بُيُوتٌ وعِصِيٌّ" وهي في الأصْلِ فَعُولٌ بِضَمِّ الفاءِ، وتَقُولُ العَرَبُ: "ضِزْتُهُ أضُوزُهُ"، فَكانَ يَلْزَمُ عَلى هَذا التَصْرِيفِ أنْ تَكُونَ "ضُوزى" فُعْلى، وفي جَمِيعِ هَذا نَظَرٌ، وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ: "ضِئْزى" بِالهَمْزِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ كَذِكْرى، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِغَيْرِ هَمْزٍ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ إنْ هي إلا أسْماءٌ ﴾ ، يَعْنِي: تَعالى أنَّ هَذِهِ الأوصافَ - مِن أنَّها إناثٌ، وأنَّها تَعْبَدُ مِن دُونِ اللهِ آلِهَةً ونَحْوَ هَذا- ما هي إلّا أسْماءٌ، أيْ: تَسْمِياتٌ اخْتَرَعْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم لا حَقِيقَةَ لَها، ولا أنْزَلَ اللهُ تَعالى بِها بُرْهًانًا ولا حُجَّةً، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "سُلُطانٌ" بِضَمِّ اللامِ، وقَرَأ هو وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: "إنْ يَتَّبِعُونَ" بِالياءِ عَلى الحِكايَةِ عَنِ الغائِبِ.

و"الظَنَّ": مَيْلُ النَفْسِ إلى أحَدِ مُعْتَقَدَيْنِ مُتَخالِفَيْنِ دُونَ أنْ يَكُونَ مَيْلُها بِحُجَّةٍ ولا بُرْهانٍ، و"هَوى الأنْفُسِ" هو إرادَتُها المَلَذَّةَ لَها، وإنَّما تَجِدُ هَوى النَفْسِ دائِمًا في تَرْكِ الأفْضَلِ لِأنَّها مَجْبُولَةٌ بِطَبْعِها عَلى حُبِّ المُلِذِّ، وإنَّما يَرْدَعُها ويَسُوقُها إلى حُسْنِ العاقِبَةِ العَقْلُ والشَرْعُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ جاءَهم مِن رَبِّهِمُ الهُدى ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ فِيهِ تَوْبِيخٌ لَهُمْ؛ لِأنَّ سَرْدَ القَوْلِ إنَّما هُوَ:"إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الباطِلَ وما تَهْوى الأنْفُسُ أمْ لِلْإنْسانِ ما تَمَنّى"، ثُمَّ اعْتَرَضَ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما تَهْوى الأنْفُسُ ﴾ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ جاءَهم مِن رَبِّهِمُ الهُدى ﴾ ، أيْ: يَفْعَلُونَ هَذِهِ القَبائِحَ والهُدى حاضِرٌ والحالُ هَذِهِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ جاءَهم مِن رَبِّهِمُ الهُدى ﴾ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ.

و"الهُدى" المُشارُ إلَيْهِ هو مُحَمَّدٌ  وشَرْعُهُ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: "وَلَقَدْ جاءَكم مِن رَبِّكُمْ" بِالكافِ فِيهِما، وقالَ الضَحّاكُ عنهُما: إنَّهُما قَرَآ: "وَلَقَدْ جاءَكَ مِن رَبِّكَ".

و"الإنْسانُ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أمْ لِلإنْسانِ ما تَمَنّى ﴾ اسْمُ الجِنْسِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: لَيْسَتِ الأشْياءُ بِالتَمَنِّي والشَهَواتِ، إنَّما الأمْرُ كُلُّهُ لِلَّهِ تَعالى، والأعْمالُ جارِيَةٌ عَلى قانُونِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ، فَلَيْسَ لَكُمْ، أيُّها الكَفَرَةُ مُرادُكم في قَوْلِكُمْ: "هَذِهِ آلِهَتُنا وهي تَشْفَعُ لَنا وتُقَرِّبُنا زُلْفى" ونَحْوُ هَذا.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، والطَبَرِيُّ: الإنْسانُ هُنا هو مُحَمَّدٌ  ، بِمَعْنى أنَّهُ لَمْ يَنَلْ كَرامَتَنا بِتَأْمِيلٍ بَلْ بِفَضْلٍ مِنَ اللهِ تَعالى، أو بِمَعْنى: بَلْ إنَّهُ تَمَنّى كَرامَتَنا فَنالَها؛ إذْ الكُلُّ لِلَّهِ يَهَبُ ما شاءَ، وهَذا ما تَقْتَضِيهِ الآيَةُ وإنْ كانَ اللَفْظُ يَعُمُّهُ.

و"الآخِرَةُ والأُولى" الدارانِ، أيْ: لَهُ كُلُّ أمْرِهِما مَلَكًا ومَقْدُورًا وتَحْتَ سُلْطانِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَمْ مِن مَلَكٍ ﴾ الآيَةُ...

رَدٌّ عَلى قُرَيْشٍ في قَوْلِهِمْ: "الأوثانُ شُفَعاؤُنا"، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: هَذِهِ حالُ المَلائِكَةِ الكِرامِ فَكَيْفَ بِأوثانِكُمْ؟

و"كَمْ" لِلتَّكْثِيرِ، وهي في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ "لا تُغْنِي"، والغِنى:، جَلْبُ النَفْعِ ودَفْعُ الضُرِّ بِحَسَبِ الأمْرِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الغِنى، وجَمْعُ الضَمِيرِ في "شَفاعَتِهِمْ" عَلى مَعْنى "كَمْ" ومَعْنى الآيَةِ أنْ يَأْذَنَ اللهُ تَعالى في أنْ يَشْفَعَ لِشَخْصٍ ما يَرْضى عنهُ كَما أذِنَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ أَفَرَءَيْتُمُ اللات والعزى * ومناة الثالثة الاخرى * أَلَكُمُ الذكر وَلَهُ الانثى * تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضيزى إِنْ هِىَ إِلاَّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أنتُمْ وءابَاؤُكُم مَّا أنزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَان ﴾ .

لما جرى في صفة الوحي ومشاهدة رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام ما دل على شؤون جليلة من عظمة الله تعالى وشرف رسوله صلى الله عليه وسلم وشرف جبريل عليه السلام إذ وصف بصفات الكمال ومنازل العزة كما وصف النبي صلى الله عليه وسلم بالعروج في المنازل العليا، كان ذلك مما يثير موازنة هذه الأحوال الرفيعة بحال أعظم آلهتهم الثلاث في زعمهم وهي: اللاتُ، والعزَّى، ومناةُ التي هي أحجار مقرّها الأرض لا تملك تصرفاً ولا يعرج بها إلى رفعة.

فكان هذا التضاد جامعاً خيالياً يقتضي تعقيب ذكر تلك الأحوال بذكر أحوال هاته.

فانتقل الكلام من غرض إثبات أن النبي صلى الله عليه وسلم موحىً إليه بالقرآن، إلى إبطال عبادة الأصنام، ومناط الإِبطال قوله: ﴿ إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباءكم ما أنزل الله بها من سلطان ﴾ .

فالفاء لتفريع الاستفهام وما بعده على جملة ﴿ أفتمارونه على ما يرى ﴾ [النجم: 12] المفرعة على جملة ﴿ ما كذب الفؤاد ما رأى ﴾ [النجم: 11].

والروية في ﴿ أفرأيتم ﴾ يجوز أن تكون بَصَرية تتعدّى إلى مفعول واحد فلا تطلب مفعولاً ثانياً ويكون الاستفهام تقريرياً تهكمياً، أي كيف ترون اللات والعزّى ومناةَ بالنسبة لما وصف في عظمة الله تعالى وشرف ملائكته وشرف رسوله صلى الله عليه وسلم وهذا تهكم بهم وإبطال لإِلهية تلك الأصنام بطريق الفحوى، ودليله العيان.

وأكثر استعمال «أرأيت» أن تكون للرؤية البصرية على ما اختاره رضيّ الدين.

وتكون جملة ﴿ ألكم الذكر ﴾ الخ استئنافاً وارتقاء في الرد أو بَدلَ اشتمال من جملة ﴿ أفرأيتم اللات والعزى ﴾ لأن مضمونها مما تشتمل عليه مزاعمهم، كانوا يزعمون أن اللات والعزى ومناة بنات الله كما حكى عنهم ابن عطية وصاحب «الكشاف» وسياق الآيات يقتضيه.

ويجوز أن تكون الرؤية علمية، أي أزعمتم اللات والعزى ومناةَ، فحذف المفعول الثاني اختصاراً لدلالة قوله: ﴿ ألكم الذكر وله الأنثى ﴾ عليه، والتقدير: أزعمتموهن بنات الله، أتجعلون له الأنثى وأنتم تبتغون الأبناء الذكور، وتكون جملة ﴿ ألكم الذكر ﴾ الخ بياناً للإِنكار وارتقاء في إبطال مزاعمهم، أي أتجعلون لله البنات خاصة وتغتبطون لأنفسكم بالبنين الذكور.

وجعل صاحب «الكشْف» قوله: ﴿ ألكم الذكر وله الأنثى ﴾ سادًّا مسدَّ المفعول الثاني لفعل «أرأيتم».

وأيضاً لما كان فيما جرى من صفة الوحي ومنازل الزلفى التي حظي بها النبي صلى الله عليه وسلم وعظمة جبريل إشعار بسعة قدرة الله تعالى وعظيم ملكوته مما يسجِّل على المشركين في زعمهم شركاء لله أصناماً مثل اللات والعزى ومناة.

فسادَ زعمهم وسفاهة رأيهم أعقب ذكر دلائل العظمة الإِلهية بإبطال إلهية أصنامهم بأنها أقل من مرتبة الإِلهية إذ تلك أوهام لا حقائق لها ولكن اخترعتها مُخيّلات أهل الشرك ووضعوا لها أسماء ما لها حقائق، ففرّع ﴿ أفرأيتم اللات والعزى ﴾ الخ فيكون الاستفهام تقريرياً إنكاريًّا، والرؤية علميةَ والمفعول الثاني هو قوله: ﴿ إن هي إلا أسماء سميتموها ﴾ .

5 وتكون جملة ﴿ ألكم الذكر وله الأنثى ﴾ الخ معترضة بين المفعولين للارتقاء في الإِنكار، أي وزعمتوهن بنات لله أو وزعمتم الملائكة بنات لله.

وهذه الوجوه غير متنافية فنحملها على أن جميعها مقصود في هذا المقام.

ولك أن تجعل فعل «أرأيتم» (على اعتبار الرؤية علمية) معلّقاً عن العمل لوقوع ﴿ إنْ ﴾ النافية بعده في قوله: ﴿ إن هي إلا أسماء سميتموها ﴾ وتجعل جملة ﴿ ألكم الذكر وله الأنثى ﴾ إلى قوله: ﴿ ضيزى ﴾ اعتراضاً.

واللاتُ: صنم كان لثقيف بالطائف، وكانت قريش وجمهور العرب يعبدونه، وله شهرة عند قريش، وهو صخرة مربعة بنوا عليها بناء.

وقال الفخر: «كان على صورة إنسان، وكان في موضع منارة مسجد الطائف اليسرى» كذا قال القرطبي فلعل المسجد كانت له منارتان.

والألف واللام في أول ﴿ اللات ﴾ زائدتان.

و(ال) الداخلة عليه زائدة ولعل ذلك لأن أصله: لاَتْ، بمعنى معبود، فلما أرادوا جعله علماً على معبود خاص أدخلوا عليه لام تعريف العهد كما في ﴿ الله ﴾ فإن أصله إله.

ويوقف عليه بسكون تائه في الفصحى.

وقرأ الجمهور: ﴿ اللات ﴾ بتخفيف المثناة الفوقية.

وقرأه رويس عن يعقوب بتشديد التاء وذلك لغة في هذا الاسم لأن كثيراً من العرب يقولون: أصل صخرته موضع كان يجلس عليه رجل في الجاهلية يلتّ السويق للحاج فلما مات اتخذوا مكانه معبداً.

و ﴿ العُزى ﴾ : فُعلَي من العِزّ: اسم صنم حجر أبيض عليه بناء وقال الفخر: «كان على صورة نبات» ولعله يعني: أن الصخرة فيها صورة شجر، وكان ببطن نخلة فوق ذات عرق وكان جمهور العرب يعبدونها وخاصة قريش وقد قال أبو سفيان يوم أُحد يخاطب المسلمين «لنا العزى ولا عزى لكم».

وذكر الزمخشري في تفسير سورة الفاتحة أن العرب كانوا إذا شَرعوا في عمل قالوا: بسم اللات باسم العزى.

وأما ﴿ مناة ﴾ فعَلَم مرتجل، وهو مؤنث فحقه أن يكتب بهاء تأنيث في آخره ويوقف عليه بالهاء، ويكون ممنوعاً من الصرف، وفيه لغة بالتاء الأصلية في آخره فيوقف عليه بالتاء ويكون مصروفاً لأن تاء لات مثل باء باب، وأصله: مَنَواة بالتحريك وقد يمد فيقال: منآة وهو ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث.

وقياس الوقف عليه أن يوقف عليه بالهاء، وبعضهم يقف عليه بالتاء تبعاً لخط المصحف، وكان صخرة وقد عبده جمهور العرب وكان موضعه في المشلل حذوَ قديد بين مكة والمدينة، وكان الأوس والخزرج يطوفون حَوله في الحج عوضاً عن الصفا والمروة فلما حج المسلمون وسعَوا بين الصفا والمروة تحرج الأنصار من السعي لأنهم كانوا يسعون بين الصفا والمروة فنزل فيهم قوله تعالى: ﴿ إن الصفا والمروة من شعائر اللَّه فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما كما تقدم عن حديث عائشة في الموطأ ﴾ في سورة البقرة (158).

وقرأ الجمهور ﴿ ومناة ﴾ بتاء بعد الألف.

وقرأه ابن كثير بهمزة بعد الألف على إحدى اللغتين.

والجمهور يقفون عليه بالتاء تبعاً لرسم المصحف فتكون التاء حرفاً من الكلمة غير علامة تأنيث فهي مثل تاء ﴿ اللات ﴾ ويجعلون رسمها في المصحف على غير قياس.

ووصفها بالثالثة لأنها ثالثة في الذّكر وهو صفة كاشفة، ووصفها بالأخرى أيضاً صفة كاشفة لأن كونها ثالثة في الذكر غير المذكورتين قبلها معلوم للسامع، فالحاصل من الصفتين تأكيدٌ ذكرها لأن اللات والعزى عند قريش وعند جمهور العرب أشهر من مناة لبعد مكان مناة عن بلادهم ولأن ترتيب مواقع بيوت هذه الأصنام كذلك، فاللات في أعْلى تهامة بالطائف، والعُزَّى في وسطها بنخلةَ بين مكة والطائف، ومناة بالمُشلل بين مكة والمدينة فهي ثالثة البقاع.

وقال ابن عطية: كانت مناة أعظم هذه الأوثان قدراً وأكثرها عابداً ولذلك قال تعالى: ﴿ الثالثة الأخرى ﴾ فأكدها بهاتين الصفتين.

والأحسن أن قوله: ﴿ الثالثة الأخرى ﴾ جرى على أسلوب العرب إذا أخبروا عن متعدد وكان فيه من يظنّ أنه غير داخل في الخبر لعظمة أو تباعد عن التلبس بمثل ما تلبس به نظراؤه أن يختموا الخبر فيقولوا: «وفلانٌ هو الآخَر» ووجهه هنا أن عُبَّاد مناة كثيرون في قبائل العرب فنبه على أن كثرة عبدتها لا يزيدها قوة على بقية الأصنام في مقام إبطال إلهيتها وكل ذلك جار مجرى التهكم والتسفيه.

وجملة ﴿ ألكم الذكر وله الأنثى ﴾ ارتقاء في الإِبطال والتهكم والتسفيه كما تقدم، وهي مجاراة لاعتقادهم أن تلك الأصنام الثلاثة بنات الله وأن الملائكة بنات الله، أي أجعلتم لله البنات خاصة وأنتم تعلمون أن لكم أولاداً ذكوراً وإناثاً وأنكم تفضلون الذكور وتكرهون الإِناث وقد خصصتم الله بالإِناث دون الذكور والله أولَى بالفضل والكماللِ لو كنتم تعلمون فكان في هذا زيادة تشنيع لكفرهم إذ كان كفراً وسخافة عقل.

وكون العزَّى ومناة عندهم انثتين ظاهر من صيغة اسميهما، وأما اللات فبقطع النظر عن اعتبار التاء في الاسم علامة تأثيث أو أصلاً من الكلمة فهم كانوا يتوهمون اللات أنثى، ولذلك قال أبو بكر رضي الله عنه لعُروة بن مسعود الثقفي يوم الحُديبية «امصُصْ أو اعضُضْ بَظْرَ اللات».

وتقديم المجرورين في ﴿ ألكم الذكر وله الأنثى ﴾ للاهتمام بالاختصاص الذي أفادته اللام اهتماماً في مقام التهكم والتسفيه على أن في تقديم ﴿ وله الأنثى ﴾ «إفادة الاختصاص» أي دون الذكر.

وجملة ﴿ تلك إذا قسمة ضيزى ﴾ تعليل للإنكار والتهكم المفاد من الاستفهام في ﴿ ألكم الذكر وله الأنثى ﴾ ، أي قد جرتُم في القسمة وما عدلتم فأنتم أحقاء بالإِنكار.

والإِشارة ب ﴿ تلك ﴾ إلى المذكور باعتبار الإِخبار عنه بلفظ ﴿ قسمة ﴾ فإنه مؤنث اللفظ.

و ﴿ إذن ﴾ حرف جواب أريد به جواب الاستفهام الإِنكاري، أي ترتب على ما زعمتم أن ذلك قسمة ضِيزى، أي قسمتم قسمة جائرة.

و ﴿ ضيزى ﴾ : وزنه فُعْلى بضم الفاء من ضازة حَقَّه، إذا نقصه، وأصل عين ضاز همزة، يقال: ضَأَزه حقه كمنعه ثم كثر في كلامهم تخفيف الهمزة فقالوا: ضَازهُ بالألف.

ويجوز في مضارعه أن يكون يائي العين أو واويها قال الكسائي: يجوز ضَاز يضِيز، وضَاز يضُوز.

وكأنه يريد أن لك الخيار في المهموز العين إذا خفف أن تُلحقه بالواو أو الياء، لكن الأكثر في كلامهم اعتبار العين ياء فقالوا: ضَازه حقه ضَيْزاً ولم يقولوا ضَوْزاً لأن الضوز لوك التمر في الفم، فأرادوا التفرقة بين المصدرين، وهذا من محاسن الاستعمال وعن المؤرّج السَّدُوسي كرهوا ضم الضاد في ضوزى فقالوا: ضيزى.

كأنه يريد استثقلوا ضم الضاد، أي في أول الكلمة مع أن لهم مندوحة عنه بالزنة الأخرى.

ووزن ﴿ ضيزى ﴾ : فُعْلى اسم تفضيل (مثل كُبْرى وطُوبى) أي شديدة الضيز فلما وقعت الياء الساكنة بعد الضمة حرّكوه بالكسر محافظة على الياء لئلا يقلبوها واواً فتصير ضوزى وهو ما كرهوه كما قال المؤرج.

وهذا كما فعلوا في بيض جمع أبيض ولو اعتبروه تفضيلاً من ضاز يضوز لقالوا: ضُوزى ولكنهم أهملوه.

وقيل: وزن ﴿ ضِيزى ﴾ فِعلى بكسر الفاء على أنه اسم مثل دِفلى وشِعْرى، ويبعِّد هذا أنه مشتق فهو بالوصفية أجدر.

قال سيبويه: لا يوجد فِعلَى بكسر الفاء في الصفات، أو على أنه مصدر مثل ذِكرى وعلى الوجهين كسرته أصلية.

وقرأ الجمهور ﴿ ضيزى ﴾ بياء ساكنة بعد الضاد.

وقرأه ابن كثير بهمزة ساكنة بعد الضاد مراعاة لأصل الفعل كما تقدم آنفاً.

وهذا وسم لهم بالجور زيادة على الكفر لأن التفكير في الجور كفعله فإن تخيلات الإِنسان ومعتقداته عنوان على أفكاره وتصرفاته.

وجملة ﴿ إن هي إلا أسماء سميتموها ﴾ استئناف يكر بالإِبطال على معتقدهم من أصله بعد إبطاله بما هو من لوازمه على مجاراتهم فيه لإِظهار اختلال معتقدهم وفي هذه الجملة احتراس لئلا يتوهم مُتَوَهم إنكار نسبتهم البنات لله إنه إنكار لتخصيصهم الله بالبنات وأن له أولاداً ذكوراً وإناثاً أو أن مصب الإِنكار على زعمهم أنها بنات وليست ببنات فيكون كالإِنكار عليهم في زعمهم الملائكة بنات.

والضمير ﴿ هي ﴾ عائد إلى اللات والعزى ومناةَ.

وَمَا صدق الضمير الذات والحقيقة، أي ليست هذه الأصنام إلا أسماءُ لا مسمّياتتٍ لها ولا حقائق ثابتة وهذا كقوله تعالى: ﴿ ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها ﴾ [يوسف: 40].

والقصر إضافي، أي هي أسماء لا حقائق عاقِلة متصرفة كما تزعمون، وليس القصر حقيقياً لأنّ لهاته الأصنام مسميات وهي الحجارة أو البيوت التي يقصدونها بالعبادة ويجعلون لها سدنة.

وجملة ﴿ ما أنزل الله بها من سلطان ﴾ تعليل لمعنى القصر بطريقة الاكتفاء لأن كونها لا حقائق لها في عالم الشهادة أمر محسوس إذ ليست إلا حجارة.

وأما كونها لا حقائق لها من عالم الغيب فلأن عالم الغيب لا طريق إلى إثبات ما يحتويه إلا بإعلام من عالم الغيب سبحانه، أو بدليل العقل كدلالة العالم على وجود الصانع وبعض صفاته والله لم يخبر أحداً من رسله بأن للأصنام أرواحاً أو ملائكة، مثل ما أخبر عن حقائق الملائكة والجن والشياطين.

والسلطان: الحجة، وإنزالها من الله: الإِخبار بها، وهذا كناية عن انتفاء أن تكون عليها حجة لأن وجود الحجة يستلزم ظهورها، فنفي إنزال الحجة بها من باب: على لاحب لا يهتدي بمناره *** أي لا منار له فيهتدى به.

وعبر عن الإِخبار الموحَى به بفعل (أنزل) لأنه إخبار يَرد من العالم العلوي فشُبّه بإدلاء جسم من أعلى إلى أسفل.

وكذلك عُبّر عن إقامة دلائل الوجود بالإِنزال لأن النظر الفكري من خلق الله فشبه بالإِنزال كقوله: ﴿ هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ﴾ [الفتح: 4]، فاستعمال ﴿ ما أنزل الله بها من سلطان ﴾ من استعمال اللفظ في معنييه المجازيَيْن.

وفي معنى هذه الآية قوله تعالى: ﴿ ويعبدون من دون اللَّه ما لم ينزل به سلطاناً وما ليس لهم به علم ﴾ في سورة الحج (71)، وتقدم في سورة يوسف (40) قوله: ﴿ ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل اللَّه بها من سلطان ﴾ وأكد نفي إنزال السلطان بحرف (من) الزائدة لتوكيد نفي الجنس.

﴿ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن وَمَا تَهْوَى الانفس وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الهُدَى ﴾ .

هذا تحويل عن خطاب المشركين الذي كان ابتداؤه من أول السورة وهو من ضروب الالتفات، وهو استئناف بياني فضمير ﴿ يتبعون ﴾ عائد إلى الذين كان الخطاب موجهاً إليهم.

أعقب نفي أن تكون لهم حجة على الخصائص التي يزعمونها لأصنافهم أو على أن الله سماهم بتلك الأسماء بإثبات أنهم استندوا فيما يزعمونه إلى الأوهام وما تحبه نفوسهم من عبادة الأصنام ومحبة سدنتها ومواكب زيارتها، وغرورهم بأنها تسعى في الوساطة لهم عند الله تعالى بما يرغبونه في حياتهم فتلك أوهام وأمانيَّ محبوبة لهم يعيشون في غرورها.

وجيء بالمضارع في ﴿ يتبعون ﴾ للدلالة على أنهم سيسمرُّون على اتباع الظن وما تهواه نفوسهم وذلك يدل على أنهم اتبعوا ذلك من قبل بدلالة لحن الخطاب أو فحواه.

وأصل الظن الاعتقاد غير الجازم، ويطلق على العلم الجازم إذا كان متعلقاً بالمغيبات كما في قوله تعالى: ﴿ الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم ﴾ في سورة البقرة (46)، وكثر إطلاقه في القرآن على الاعتقاد الباطل كقوله تعالى: ﴿ إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ﴾ في سورة الأنعام (116)، ومنه قول النبي: إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث وهو المراد هنا بقرينة عطف وما تهوى الأنفس } عليه كما عطف ﴿ وإن هم إلا يخرصون ﴾ على نظيره في سورة الأنعام، وهو كناية عن الخطأ باعتبار لزومه له غالباً كما قال تعالى: ﴿ يأيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم ﴾ [الحجرات: 12].

وهذا التفنن في معاني الظن في القرآن يشير إلى وجوب النظر في الأمر المظنون حتى يلحقه المسلم بما يناسبه من حُسن أو ذم على حسب الأدلة، ولذلك استنبط علماؤنا أن الظن لا يغني في إثبات أصول الاعتقاد وأن الظن الصائب تناط به تفاريع الشريعة.

والمراد ب ﴿ ما تهوى الأنفس ﴾ : ما لا باعث عليه إلا الميل الشهواني، دون الأدلة فإن كان الشيء المحبوب قد دلت الأدلة على حقيقته فلا يزيده حُبه إلا قبولاً كما قال النبي صلى الله عليه وسلم «ورجلان تحابَّا في الله اجتمعا عليه وافترقا عليه، ورجل قلبه معلق بالمساجد» وقال: «وجعلت قُرّة عيني في الصلاة».

فمناط الذم في هذه الآية هو قصر اتباعهم على ما تهواه أنفسهم.

ثم إن للظن في المعاملات بين الناس والأخلاق النفسانية أحكاماً ومراتب غير ما له في الديانات أصولها وفروعها، فمنه محمود ومنه مذموم، كما قال تعالى: ﴿ إن بعض الظن إثم ﴾ وقيل: الحزم سوء الظن بالناس.

والتعريف في ﴿ الأنفس ﴾ عوض عن المضاف إليه، أي وما تهواه أنفسهم و ﴿ ما ﴾ موصولة.

وعطف ﴿ وما تهوى الأنفس ﴾ على الظن عطف العلة على المعلول، أي الظن الذي يبعثهم على إتباعه أنه موافق لهداهم وإلفهم.

وجملة ﴿ ولقد جاءهم من ربهم الهدى ﴾ حالية مقررة للتعجيب من حالهم، أي يستمرون على اتباع الظن والهوى في حال أن الله أرسل إليهم رسولاً بالهدى.

ولام القسم لتأكيد الخبر للمبالغة فيما يتضمنه من التعجيب من حالهم كأن المخاطب يشك في أنه جاءهم ما فيه هدى مقنع لهم من جهة استمرارهم على ضلالهم استمراراً لا يظن مثله بعاقل.

والتعبير عن الجلالة بعنوان ﴿ ربهم ﴾ لزيادة التعجيب من تصاممهم عن سماع الهدى مع أنه ممن تجب طاعته فكان ضلالهم مخلوطاً بالعصيان والتمرد على خالقهم.

والتعريف في ﴿ الهدى ﴾ للدلالة على معنى الكمال، أي الهدى الواضح.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى ﴾ أمّا اللّاتَ فَقَدْ كانَ الأعْمَشُ يُشَدِّدُها، وسائِرُ القُرّاءِ عَلى تَخْفِيفِها، فَمَن خَفَّفَها فَلَهم فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ صَنَمًا بِالطّائِفِ زَعَمُوا أنَّ صاحِبَهُ كانَ يَلِتُّ عَلَيْهِ السَّوِيقَ لِأصْحابِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: أنَّهُ صَخْرَةٌ يُلَتُّ عَلَيْها السَّوِيقُ بَيْنَ مَكَّةَ والطّائِفِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

وَأمّا مَن شَدَّدَها فَلَهم فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ رَجُلًا يَلِتُّ السَّوِيقَ عَلى الحَجَرِ فَلا يَشْرَبُ مِنهُ أحَدٌ إلّا سَمِنَ مَعْبُودُهُ، ثُمَّ ماتَ فَقَلَبُوهُ عَلى قَبْرِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّهُ كانَ رَجُلًا يَقُومُ عَلى آلِهَتِهِمْ ويَلِتُّ لَهُمُ السَّوِيقَ بِالطّائِفِ قالَهُ السُّدِّيُّ، وقِيلَ إنَّهُ عامِرُ بْنُ ظِرْبٍ العَدْوانِيُّ ثُمَّ اتَّخَذُوا قَبْرَهُ وثَنًا مَعْبُودًا، قالَ الشّاعِرُ لا تَنْصُرُوا اللّاتَ إنَّ اللَّهَ مُهْلِكُها وكَيْفَ يَنْصُرُكم مَن لَيْسَ يَنْتَصِرُ وَأمّا "العُزّى" فِفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ صَنَمٌ كانُوا يَعْبُدُونَهُ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

الثّانِي: أنَّها شَجَرَةٌ كانَ يُعَلَّقُ عَلَيْها ألْوانُ العِهْنِ تَعْبُدُها سُلَيْمٌ، وغَطَفانُ، وجُشَمُ، قالَ مُقاتِلٌ: وهي سَمُرَةٌ، قالَهُ الكَلْبِيُّ: هي الَّتِي بَعَثَ إلَيْها رَسُولُ اللَّهِ  خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ حَتّى قَطَعَها، وقالَ أبُو صالِحٍ: بَلْ كانَتْ نَخْلَةً يُعَلَّقُ عَلَيْها السُّتُورُ والعِهْنُ.

وَقِيلَ في اللّاتِ والعُزّى قَوْلٌ ثالِثٌ: أنَّهُما كانا بَيْتَيْنِ يَعْبُدُهُما المُشْرِكُونَ في الجاهِلِيَّةِ، فاللّاتُ بَيْتٌ كانَ بِنَخْلَةٍ يَعْبُدُهُ كُفّارُ قُرَيْشٍ، والعُزّى بَيْتٌ كانَ بِالطّائِفِ يَعْبُدُهُ أهْلُ مَكَّةَ والطّائِفُ.

﴿ وَمَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ صَنَمًا بِقُدَيْدٍ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.

الثّانِي: أنَّهُ بَيْتٌ كانَ بِالمَسْلَكِ يَعْبُدُهُ بَنُو كَعْبٍ.

الثّالِثُ: أنَّها أصْنامٌ مِن حِجارَةٍ كانَتْ في الكَعْبَةِ يَعْبُدُونَها.

الرّابِعُ: أنَّهُ وثَنٌ كانُوا يُرِيقُونَ عِنْدَهُ الدِّماءَ يَتَقَرَّبُونَ بِذَلِكَ إلَيْهِ، وبِذَلِكَ سُمِّيَتْ مِنًى لِكَثْرَةِ ما يُراقُ بِها مِنَ الدِّماءِ.

وَإنَّما قالَ: مَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى، لِأنَّها كانَتْ مُرَتَّبَةً عِنْدَ المُشْرِكِينَ في التَّعْظِيمِ بَعْدَ اللّاتِ والعُزّى، ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وأبُو العالِيَةِ الرِّياحِيُّ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى النَّبِيِّ  ﴿ أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى ﴾ الآيَةَ.

ألْقى الشَّيْطانُ عَلى لِسانِهِ تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلا وإنَّ شَفاعَتُهم تُرْتَجى، وفي رِوايَةِ أبِي العالِيَةِ: وشَفاعَتُهم تُرْتَضى ومِثْلُهم لا يُنْسى، فَفَرِحَ المُشْرِكُونَ وقالُوا: قَدْ ذَكَرَ آلِهَتِنا، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَقالَ: أعْرِضْ عَلَيَّ ما جِئْتُكَ بِهِ فَعَرَضَ عَلَيْهِ، فَقالَ: لَمْ آتِكَ أنا بِهَذا وهَذا مِنَ الشَّيْطانِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ ﴾ ﴿ ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى ﴾ حَيْثُ جَعَلُوا المَلائِكَةَ بَناتَ اللَّهِ.

﴿ تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: قِسْمَةٌ عَوْجاءُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: قِسْمَةٌ جائِرَةٌ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: قِسْمَةٌ مَنقُوصَةٌ، قالَهُ سُفْيانُ وأكْثَرُ أهْلِ اللُّغَةِ، قالَ الشّاعِرُ فَإنْ تَنْأى عَنّا نَنْتَقِصْكَ وإنْ تَقُمْ ∗∗∗ فَقَسْمُكَ مَضْئُوزٌ وأنْفُكَ راغِمُ وَمَعْنى مَضْئُوزٌ أيْ مَنقُوصٌ.

الرّابِعُ: قِسْمَةٌ مُخالِفَةٌ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

﴿ أمْ لِلإنْسانِ ما تَمَنّى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِنَ البَنِينِ أنْ يَكُونُوا لَهُ دُونَ البَناتِ.

الثّانِي: مِنَ النُّبُوَّةِ أنْ تَكُونَ فِيهِ دُونَ غَيْرِهِ.

﴿ فَلِلَّهِ الآخِرَةُ والأُولى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي أنَّهُ أقْدَرَ مِن خَلْقِهِ، فَلَوْ جازَ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ - كَما نَسَبَهُ إلَيْهِ المُشْرِكُونَ حِينَ جَعَلُوا لَهُ البَناتَ دُونَ البَنِينَ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا - لَكانَ بِالبَنِينَ أحَقُّ مِنهم.

الثّانِي: أنَّهُ لا يُعْطِي النُّبُوَّةَ مَن تَمَنّاها، وإنَّما يُعْطِيها مَنِ اخْتارَهُ لَها لِأنَّهُ مالِكُ السَّماواتِ والأرْضِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد والبخاري وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس قال: كان اللات رجلاً يلت سويق الحاج، ولفظ عبد بن حميد: يلت السويق يسقيه الحاج.

وأخرج النسائي وابن مردويه عن أبي الطفيل قال: «لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة بعث خالد بن الوليد إلى نخلة، وكان بها العزى فأتاها خالد وكانت على ثلاث سمرات فقطع السمرات وهدم البيت الذي كان عليها، ثم أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: ارجع فإنك لم تصنع شيئاً، فرجع خالد، فلما أبصرته السدنة، وهم حجبتها، امعنوا في الجبل وهم يقولون يا عزى يا عزى، فأتاها خالد فإذا امرأة عريانة ناشرة شعرها تحفن التراب على رأسها، فعممها بالسيف حتى قتلها، ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: تلك العزى» .

وأخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس أن العزى كانت ببطن نخلة وأن اللات كانت بالطائف، وأن مناة كانت بقديد.

وأخرج سعيد بن منصور والفاكهي عن مجاهد قال: كانت اللات رجلاً في الجاهلية على صخرة بالطائف وكان له غنم فكان يأخذ من رسلها ويأخذ من زبيب الطائف والأقط فيجعل منه حيساً ويطعم من يمر من الناس، فلما مات عبدوه وقالوا: هو اللات، وكان يقرأ اللات مشددة.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: كان اللات يلت السويق على الحاج فلا يشرب منه أحداً إلا سمن فعبدوه.

وأخرج الفاكهي عن ابن عباس أن اللات لما مات قال لهم عمرو بن لحي: إنه لم يمت ولكنه دخل الصخرة فعبدوها وبنوا عليها بيتاً.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ أفرأيتم اللات ﴾ قال: كان رجل من ثقيف يلت السويق بالزيت فلما توفي جعلوا قبره وثناً، وزعم الناس أنه عامر بن الظرب أخذ عدواناً.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ أفرأيتم اللات والعزى ﴾ قال: اللات كان يلت السويق بالطائف فاعتكفوا على قبره، والعزى شجرات.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ أفرأيتم اللات والعزى ومناة ﴾ قال: آلهة كانوا يعبدونها، فكان اللات لأهل الطائف وكانت العزى لقريش بسقام شعب ببطن نخلة، وكانت مناة للأنصار بقديد.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي صالح قال: اللات الذي كان يقوم على آلهتهم، وكان يلت لهم السويق، والعزى بنخلة كانوا يعلقون عليها السبور والعهن، ومناة حجر بقديد.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي الجوزاء قال: اللات حجر كان يلت السويق عليه فسمي اللات.

قوله تعالى: ﴿ تلك إذاً قسمة ضيزى ﴾ .

أخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ ضيزى ﴾ قال: جائرة.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول امرئ القيس: ضازت بنو أسد بحكمهم ** إذ يعدلون الرأس بالذنب وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ ضيزى ﴾ قال: منقوصة.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ ضيزى ﴾ قال: جائرة.

وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك مثله.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ ضيزى ﴾ قال: جائرة لا حق فيها.

قوله تعالى: ﴿ أم للإِنسان ما تمنى ﴾ .

وأخرج أحمد والبخاري والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا تمنى أحدكم فلينظر ما تمنى فإنه لا يدري ما يكتب له من أمنيته» .

قوله تعالى: ﴿ وكم من ملك في السماوات ﴾ الآية.

أخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئاً ﴾ قال: لقولهم: إن الغرانقة ليشفعون.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ ﴾ أخبر الله تعالى أن هذه الأصنام سموها بهذه الأسامي لا معاني تحتها، لأنه لا ضر عندها ولا نفع فهي تسميات ألقيت على جمادات.

قوله: ﴿ إِنْ هِيَ ﴾ يعني اللات والعُزّى ومناة.

يقول: ما هي إلا أسماء، أي أنها لا تنبئ عن معنى ﴿ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ ﴾ تسمية باطلة لم يقم بها حجة، وهو قوله: ﴿ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ ﴾ ، ويجوز أن يكون المعنى: ما أنزل الله بعبادتها من سلطان، قال مقاتل: لم ينزل بذلك كتابًا لكم فيه حجة بما تقولون إنها آلهة (١) ثم رجع عن الخطاب إلى الخبر فقال: ﴿ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ﴾ يقول: ما لهم من علم أنها آلهة إلا ظنًا يتبعون في عبادتها الظن وهوى النفس، وهو ما زين لهم الشيطان ﴿ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى ﴾ أي البيان والرشاد بالكتاب والرسول.

وهذا تعجيب من حالهم حيث لم يتركوا عبادتها مع وضوح البيان.

ثم أنكر على الكفار تمنيتهم شفاعة الأصنام فقال: (١) انظر: "تفسير مقاتل" 130 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 251.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ ﴾ الضمير للأوثان، وقد ذكر هذا المعنى في [الأعراف: 71] في قوله: ﴿ أتجادلونني في أَسْمَآءٍ ﴾ ﴿ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن ﴾ يعني أنهم يقولون أقوالاً بغير حجة كقولهم: إن الملائكة بنات الله، وقولهم: إن الأصنام تشفع لهم غير ذلك.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ هوى ﴾ وسائر آياته بالإمالة اللطيفة: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو.

وقرأ حمزة وعلي وخلف بالإمالة المفرطة كما سبق في "طه" ﴿ ما كذب ﴾ بالتشديد: يزيد وهشام ﴿ ما زاغ البصر ﴾ بالإمالة: حمزة ونصير ﴿ ومناة ﴾ بالمد: ابن كثير والشموني ﴿ أفتمرونه ﴾ ثلاثياً: يعقوب وحمزة وعلي وخلف ﴿ ضيزى ﴾ بالهمزة: ابن كثير في رواية ﴿ كبير الأثم ﴾ على التوحيد: حمزة وعلي وخلف والمفضل ﴿ إبراهام ﴾ هشام ﴿ عاداً لولي ﴾ مدغماً غير مهموز: أبو عمرو ويزيد ويعقوب والنجاري عن ورش.

وقرأ إسماعيل والأصبهاني عن ورش وأبو نشيط عن قالوا بإظهار الغنة غير مهموز.

وكذلك روي عن أبي عمرو فعلى مذهبهم إذا وقف القارىء على ﴿ عاد ﴾ ابتدأ ﴿ بلولي ﴾ ولو شاء الولي بتخفيف الهمزة والأول أحسن.

وقرأ قالون غير أبي نشيط بالهمزة وإظهار الغنة، وإذا وقف على ﴿ عاد ﴾ ابتدأ ﴿ لولي ﴾ ولو شاء ﴿ الولي ﴾ والباقون ﴿ عاد الأولى ﴾ بالألف قبل اللام وبعد اللام في الحالين ﴿ وثمود ﴾ في الحالين بغير تنوين: حمزة وعاصم غير ابن غالب والبرجمي والمفضل وسهل ويعقوب ﴿ ربك تمارى ﴾ بتشديد التاء: رويس عن يعقوب.

الوقوف: ﴿ هوى ﴾ ه لا ﴿ غوى ﴾ ه ج للآية مع العطف على جواب القسم ﴿ الهوى ﴾ ه ط ﴿ يوحى ﴾ ه لا ﴿ القوى ﴾ ه لا لذلك ﴿ ذو مرة ﴾ ط لتمام الصفة ﴿ فاستوى ﴾ ه لا لأن الواو للحال ﴿ الأعلى ﴾ ه ط ﴿ فتدلى ﴾ ه لا لأن ما بعده من تمام المقصود ﴿ أو أدنى ﴾ ه ج وإن اتفقت الجملتان لأن ضمير ﴿ فأوحى ﴾ لله لا للنبي ﴿ ما أوحى ﴾ ه ج ﴿ ما رأى ﴾ ه ﴿ أخرى ﴾ ه لا ﴿ المنتهى ﴾ ه ﴿ المأوى ﴾ ه لأن عامل ﴿ إذ زاغ البصر ﴾ فلا وقف على ﴿ ما يغشى ﴾ ﴿ طغى ﴾ ه ﴿ الكبرى ﴾ ه ﴿ والعزى ﴾ ه لا ﴿ الأخرى ﴾ ه ﴿ الأنثى ﴾ ه ﴿ ضيزى ﴾ ه ﴿ سلطان ﴾ ط ﴿ الأنفس ﴾ ج لاحتمال الواو الحال والاستئناف ﴿ الهدى ﴾ ه ط لأن أم ابتداء استفهام إنكار ﴿ ما تمنى ﴾ ه ز لتناهى الاستفهام والوصل أولى للفاء واتصال المعنى ﴿ والأولى ﴾ ه ﴿ ويرضى ﴾ ه ﴿ الأنثى ﴾ ه ﴿ علم ﴾ ط ﴿ إلا الظن ﴾ ه ج لاختلاف الجملتين ﴿ شيئاً ﴾ ط لذلك ﴿ الدنيا ﴾ ه ط ﴿ من العلم ﴾ ط ﴿ اهتدى ﴾ ه ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ بالحسنى ﴾ ه ج لأن ﴿ الذين ﴾ يصلح خبر مبتدأ محذوف وبدلاً من ﴿ الذين أحسنوا ﴾ ﴿ اللمم ﴾ ط ﴿ المغفرة ﴾ ط ﴿ أمهاتكم ﴾ ج ﴿ أنفسكم ﴾ ه ط ﴿ اتقى ﴾ ه ﴿ تولى ﴾ ج ﴿ وأكدى ﴾ ه ﴿ يرى ﴾ ه ﴿ موسى ﴾ ه ﴿ وفى ﴾ ه لا ﴿ أخرى ﴾ ه لا ﴿ سعى ﴾ ه لا ﴿ يرى ﴾ ه ص لوقوع العارض بين المعطوف على أن ﴿ الأوفى ﴾ ه لا ﴿ المنتهى ﴾ ه لا ﴿ وأبكى ﴾ ه لا ﴿ وأحيا ﴾ ه لا ﴿ والأنثى ﴾ ه ﴿ تمنى ﴾ ه ص لما مر ﴿ الأخرى ﴾ ه لا ﴿ وأقنى ﴾ ه لا ﴿ الشعرى ﴾ ه ط ﴿ الأولى ﴾ ه لا ﴿ أبقى ﴾ ه لا ﴿ وأطفى ﴾ ه ط لأن ﴿ المؤتفكة ﴾ منصوب بما بعده ﴿ هوى ﴾ ه لا ﴿ ما غشى ﴾ ه ج لابتداء الاستفهام مع الفاء ﴿ تتمارى ﴾ ه ﴿ الأولى ﴾ ه لا ﴿ الآزقة ﴾ ه للاستئناف والحال ﴿ كاشفةْ ﴾ ه ﴿ تعجبون ﴾ ه لا ﴿ ولا تبكون ﴾ ه لا ﴿ سامدون ﴾ ه لا ﴿ واعبدوا ﴾ ه سجدة.

التفسير: لما ختم السورة المتقدمة بالنجوم خص الأقسام في أول هذه السورة بالنجم, واللام فيه للعهد أو للجنس.

والأول قول من قال: إنه الثريا وهو اسم غالب لها وصورتها في السماء كعنقود عنب.

وأظهر كواكبها سبعة وهي المنزل الثالث من منازل القمر.

قال: إذا طلع النجم عشاء ابتغى الراعي كساء.

وذلك أن الشمس تكون في أول العقرب حينئذ في مقابلتها فتطلع بغروبها.

وعلى الثاني فيه وجوه أحدها.

نجوم السماء وهويها غروبها.

وفائدة هذا القيد أن النجم إذا كان في وسط السماء لم يهتد به الساري لأنه لا يعلم المغرب من المشرق والجنوب من الشمال، فإذا مال إلى الأفق عرف به هذه الجهات والميل إلى أفق المغرب أولى بالذكر من الناظر إليه حينئذ يستدل بغروبها على أفوله في حيز الإمكان فيتم له اهتداء الدين مع اهتداء الدنيا.

وقيل: هويها انتثارها يوم القيامة.

وثانيها النجم هو الذي يرجم به الشياطين وهويها انقضاضها.

وثالثها النجم النبات إذا هوى إذا سقط على الأرض وهو غاية نشوة.

ورابعها النجم أحد نجوم القرآن وقد نزل منجماً في عشرين سنة فيكون كقوله ﴿ والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم  ﴾ وعلى القول الآخر فالثريا أظهر النجوم عند الناظرين وأشهر المنازل للسائرين وأنها تطلع عشاء في وقت إدراك الثمار.

والنبي  تميز من سائر الأنبياء بالمعجزات الباهرات ولا سيما فإنه حين ظهر زال يبس الشوك وحرارة الحمية الجاهلية وإدراك الحكمة ورجم به شياطين الإنس المضلين لعباد الله في أرضه، ونبت بوجوده أصناف الأغذية الروحانية تامة كاملة.

قال جار الله: الضلال نقيض الهدى، والغي نقيض الرشد، والخطاب لقريش.

قلت: هذا صادق من حيث الاستعمال لقوله ﴿ قد تبين الرشد من الغي  ﴾ ﴿ من يضلل الله فلا هادي له  ﴾ إلا أنه ينبغي أن يتبين لافرق بين الضلال والغواية.

والظاهر أن الضلال أعم وهو أن لا يجد السالك إلى مقصده طريقاً أصلاً، والغواية أن لا يكون له إلى المقصد طريق مستقيم ولهذا لا يقال للمؤمن من إنه ضال أو غير مهتد ويقال له إنه غوي غير رشيد.

قال عز من قائل ﴿ فإن آنستم منهم رشداً  ﴾ فكأنه  نفى الأعم أولاً ثم نفى الأخص ليفيد أنه على الجادة غير منحرف عنها أصلاً.

ويحتمل أن يكون قوله ﴿ ما ضل ﴾ نفياً لقولهم هو كاهن أو مجنون لأن الكهانة أيضاً من مسيس الجن.

وقوله ﴿ وما غوى ﴾ نفي لقولهم هو شاعر والشعراء يتبعهم الغاوون.

ويحتمل أن يكون الأول عبارة عند صلاحه في أمور المعاد، والثاني إشارة إلى رشده في أمور المعاش ومنه يعلم أن أقواله كلها على سنن الصواب إلا أنه كان يمكن أن تكون مستنبطة من العقل أو العرف أو العادة، فأسندها الله  إلى طريق أخص وأشرف وهو أن تكون مستندة إلى الوحي فقال بصيغة تفيد الاستمرار ﴿ وما ينطق عن الهوى ﴾ أي ليس كل ما ينطق به ولا بعضه بصادر عن الرأي والتشهي إنما وحي يوحى إليه من الله، واستدل به بعض من لا يرى الاجتهاد للأنبياء عليهم السلام، وأجيب بأن الله  إذا سوغ له الاجتهاد كان لك من قبيل الوحي أيضاً.

وأما من يخص النطق بالقرآن فلا اعتراض عليه.

قال أهل اللغة: الهوى المحبة النفسانية، والتركيب يدل على النزول والسقوط ومنه الهاوية.

ومبة النفس الأمارة لا أصل لها ولا تصدر إلا عن خسة ودناءة، وقوله ﴿ إن هو إلا وحي ﴾ أبلغ مما لو قيل هو "وحي" وهو ظاهر.

وقوله ﴿ يوحى ﴾ لتحقيق الحقيقة كقوله ﴿ ولا طائر يطير بجناحيه  ﴾ فإن الفرس الشديد العدو بما يقال إنه طائر، فإذا قيل يطير بجناحيه زال جواز ذلك المجاز فكذلك ههنا ربما يقال للكلام الصادق الفصيح هو وحي أو سحر حلال.

فلما قيل ﴿ يوحى ﴾ اندفع التجوز.

ثم بين طريق الوحي بقوله ﴿ علمه ﴾ أي الموحي أو محمداً ﴿ شديد القوى ﴾ وهو جبرائيل  أي قواه العلمية والعملية كلها شديدة مدح المعلم ليلزم منه فضيلة المتعلم.

ولو قال "علمه جبرائيل  " لم يفهم منه فضل المتعلم ظاهراً.

وفيه رد على من زعم أنه يعلمه بشر لأن الإنسان خلق ضعيفاً وما أوتي من العلم إلا قليلاً.

وفيه أن جبرائيل  أمين موثوق به من حيث قوته المدركة والحافظة ولو كان مختل الذهن أو الحفظ لم يوثق بروايته، وفيه تسلية للنبي  كيلا يضيق صدره حين علم بواسطة الملك فكأنه قيل له: ليس لك في ذلك نقص لأنه شديد القوى على أنه قال في موضع آخر ﴿ وعلمك ما لم تكن تعلم  ﴾ وأخبر النبي  عن حاله فقال " أدبني ربي فأحسن تأديبي " والمرة القوة.

والظاهر أنها القوة الجسمانية كقوله ﴿ وزاده بسطة في العلم والجسم  ﴾ فمن قوته أنه قلع قريات قوم لوط وقلبها بجناحه، وصاح صيحة بثمود فأصبحوا جاثمين، وكان ينزل إلى الأنبياء ويصعد في لمحة.

ويجوز أن يراد بقوله ﴿ شديد القوى ﴾ قواه الجسمانية وبقوله ﴿ ذو مرة ﴾ القوى العقلية.

والتنكير للتعظيم.

قوله ﴿ فاستوى ﴾ المشهور أن فاعله جبرائيل  أي فاستقام على صورته الحقيقية دون صورة دحية، وذلك أن رسول الله  أحب أن يراه في صورته التي جبل عليها فاستوى له في الأفق الأعلى أي الأشرف وهو الشرقي ﴿ ثم دنا ﴾ جبرائيل من الرسول  على الصورة المعتادة ﴿ فتدلى ﴾ قيل: فيه تقديم وتأخير أي فتعلق عليه في الهواء ثم دنا منه.

وقيل: دنا أي قصد القرب من محمد أو تحرك من المكان الذي كان فيه، فنزل إلى النبي  .

يقال: تدلت الثمرة ودلى رجليه من السرير وقد يقال: الدنو والتدلي بمعنى واحد فلا يفيد إلا التأكيد.

ثم زاد تأكيداً بقوله ﴿ فكان قاب قوسين ﴾ قال أهل العربية.

هو من باب حذف المضافات أي فكان مقدار مسافة قرب جبرائيل  مثل "قاب قوسين".

والقاب والقيب والقاد والقيد والقيس كلها المقدار.

والعرب تقدر الأشياء بالقوس والرمح والسوط والذراع والباع وغيرها.

وفي الحديث " لا صلاة إلى أن ترتفع الشمس مقدار رمحين " وقال  " لقاب قوس أحدكم من الجنة وموضع قده خير من الدنيا وما فيها" والقد السوط.

وقوله ﴿ أو أدنى ﴾ أي في تقديركم كقوله ﴿ مائة ألف أو يزيدون  ﴾ وقال بعضهم: الضمير في ﴿ فاستوى ﴾ لمحمد  وذلك أن تعليم جبرائيل إياه كان قبل كماله واستوائه، فحين تكاملت قواه النظرية والعلمية وصار بالأفق الأعلى أي بالرتبة العليا من المراتب الإنسانية دنا من الأمة فتدلى أي لان لهم ورفق بهم حتى قال ﴿ إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ  ﴾ فكان الفرق بينه وبين جبرائيل قليلاً جداً.

وعلى هذا يمكن أن يكون الرجحان في الكمال للنبي  كما يقول أكثر أهل السنة، أو بالعكس كما تزعم طائفة منهم ومن غيرهم، ويحتمل على هذا القول أن يكون الضمير في ﴿ دنا ﴾ لجبريل والمراد أن النبي  وإن زال عن الصفات البشرية من الشهوة والغضب والجهل وبلغ الأفق الأعلى الإنساني، ولكن نوعيته لم تزل عنه وكذلك جبرائيل.

وإن ترك اللطافة المانعة من الرؤية ونزل إلى الأفق الأدنى من الآفاق الملكية ولكن لم يخرج عن كونه ملكاً فلم يبقى بينهما إلا اختلاف حقيقتهما نظيره ﴿ ولقد رآه بالأفق المبين  ﴾ أي رأى جبرائيل وهو أي محمد بالأفق الفارق بين درجة الإنسان ومنزلة الملك كقول القائل: "رأيت الهلال على السطح" أي وأنا على السطح.

وقد يجعل ذكر القوس عبارة عن معنى آخر هو أن العرب كانوا إذا عاهدوا فيما بينهم طرحوا قوساً أو قوسين لتأكيد العهد بين الاثنين، فأخبر الله  أنه كان بين جبرائيل ومحمد عليه الصلاة والسلام من المحبة وقرب المنزلة مثل ما تعرفونه فيما بينكم عند المعاقدة.

وقيل: الضمير لمحمد  أو لله والمراد قرب المكان بينهما.

وهذا يشبه مذهب المجسمة إلا أن يقال: دنا دنو ألفة ولا دنو زلفة.

دنا دنو إكرام لا دنو أجسام، دنا دنو أنس لا دنو نفس.والقوسان أحدهما صفة الحدوث والأخرى صفة القدم.

أخبر بالقصة إكراماً وكتم الإسرار عظاماً.

قوله ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى ﴾ الضمير في الفعلين إما لله أو لجبرائيل، والمراد بالعبد إما محمد  أو جبريل  فيحصل تقديرات أحدها: فأوحى الله إلى محمد  ما أوحى وفيه تفخيم لشأن الوحي.

وقيل: أوحى إليه الصلاة.

وقيل: أوحى الله إليه أن الجنة محرمة على الأنبياء حتى تدخلها.

وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك.

والظاهر أنها أسرار وحقائق ومعارف لا يعلمها إلا الله ورسوله.

ثانيها فأوحى الله إلى محمد  ما أوحى أولاً جبرائيل يعني أن الوحي كان ينزل عليه أولاً بواسطة جبرائيل وقد ارتفعت الآن تلك الواسطة.

وعلى هذا يحتمل أن يقال "ما" مصدرية أي أوحى إلى محمد  الإيحاء أي العلم بالإيحاء كي يفرق بين الملك والجن.

أو كلمة أنه وحي أو خلق فيه علماً ضرورياً.

ثالثها فأوحى الله إلى عبده جبريل ما أوحى.

رابعها فأوحى الله إلى جبرائيل ما أوحى جبريل إلى محمد  وغيره من الأنبياء قبله.

وفيه إشارة إلى أن جبريل  أمين لم يجن قط في شيء مما أوحى إلى الأنبياء.

خامسها فأوحى جبريل إلى عبد الله محمد  ما أوحى الله إليه.

سادسها فأوحى جبرائيل إلى عبد الله ما أوحى هو.

وفي هذين الوجهين لا يمكن أن يراد بالعبد إلا محمد  .

قوله ﴿ ما كذب الفؤاد ما رأى ﴾ الأشهر أن اللام للعهد وهو فؤاد محمد  أي ما قال فؤاده لما رآه لم أعرفك.

ولو قال ذلك لكان كاذباً لأنه عرفه.

ومن قرأ بالتشديد فظاهر أي صدق فؤاده ما عاينه ولم يشك في ذلك.

وقيل: اللام للجنس والمراد أن جنس الفؤاد لا ينكر ذلك وإن كان الوهم والخيال ينكره.

والمقصود نفي الجواز لا نفي الوقوع كقوله ﴿ لا تدركه الأبصار  ﴾ ﴿ وما ربك بغافل  ﴾ بخلاف قوله ﴿ إن الله لا يضيع أجر المحسنين  ﴾ ﴿ لا يغفر أن يشرك به  ﴾ فإنه لنفس الوقوع.

والظاهر أن فاعل رأى محمد  وقيل: الفؤاد أو البصر أي ما رآه الفؤاد ولم يقل له إنه جن أو شيطان أو لم يكذب الفؤاد ما رآه بصر محمد  .

وما المرئي فيه أقوال: أحدها ما مر وهو أنه رأى جبريل في صورته بالأفق الشرقي.

والثاني الآيات العجيبة الإلهية.

والثالث الرب  والمسألة مبنية على جواز الرؤية وقد تقدم البحث عن ذلك في قوله ﴿ لا تدركه الأبصار  ﴾ ثم على وقوع الرؤية وقد تقدم خلاف الصحابة فيه في حديث معراج النبي  وذلك في أول "سبحان الذي".

ولعل القول الأول أصح.

يروي أنه ما رأى جبريل أحد من الأنبياء في صورته الحقيقية غير محمد  مرتين مرة في الأرض ومرة في السماء، وإليه إشارة بقوله ﴿ أفتمارونه ﴾ من المراء أي أتجادلونه ﴿ على ما يرى ﴾ ومن قرأ ﴿ أفتمرونه ﴾ فمعناه أتغلبونه في المراء يقال: ماريته فمريته.

ولما فيه من معنى الغلبة عدي بـ "على" وقيل: معناه افتجحدونه.

ولا بد من تضمين معنى الغلبة.

﴿ ولقد رآه نزلة أخرى ﴾ أي مرة أخرى فانتصبت على الظرف لأن الفعلة صيغة المرة فكانت النزلة في حكم المرة أي نزل عليه جبريل في صورته تارة أخرى في ليلة المعراج ووجه الاستفهام الإنكاري أنه لما رآه وهو على بسيط الأرض احتمل أن يقال: إنه كان من الجن احتمالاً بعيداً فلما رآه ﴿ عند سدرة المنتهى ﴾ لم يحتمل أن يكون هناك جن ولا إنس فلم يبق للجدال مجال.

أما القائل بالقول الثالث فزعم أن النبي  رأى ربه بقلبه مرتين.

والنزلة إما لله بمعنى الحركة والانتقال عند من يجوز ذلك، أبو بمعنى قرب الرحمة والإفضال، وإما للنبي  لأنه نزل عن متن الهوى ومركب النفس.

وقيل: أراد بالنزلة ضدها وهي العرجة، واختير هذه العبارة ليعلم أن هذه عرجة تتبعها النزلة ليست عرجة لا نزلة لها وهي عرجة الآخرة.

وعلى القول الأول أيضاً يحتمل أن تكون النزلة لمحمد  وذلك أن جبرائيل تخلف عنه في مقام "لو دنوت أنملة لاحترقت" ثم عاد النبي  إليه.

ومعنى أخرى أنه  تردد في أمر الصلاة مراراً فلعله كان ينزل إلى جبرائيل كل مرة لا أقل من نزلتين.

أما السدرة فالأكثرون على أنها شجرة في السماء السابعة: وقيل: في السادسة.

"نبقها كقلال هجر وورقها كآذان الفيلة، يسير الراكب في ظلها سبعين عاماً لا يقطعها" وقد ورد الحديث بذلك.

فعلى هذا ﴿ عند ﴾ ظرف مكان.

ثم إن كان المرئي جبريل فلا إشكال، إن كان هو الله  فكقول القائل "رأيت الهلال على السطح" وقد مر.

وقال بعضهم ﴿ عند ﴾ ظرف زمان كما يقال: صليت عند طلوع الفجر.

والمعنى رآه عند الحيرة القصوى أي في وقت تحارعقول العقلاء فيه ولكنه ما حار ولم يعرض له سدر.

وإضافة سدرة إلى المنتهى إما من إضافة الشيء إلى مكانه كما يقال "أشجار البلدة الفلانية كذا" وأشجار الجنة لا تيبس ولا تخلو من الثمار.

فالمنتهى حينئذ موضع لا يتعداه ملك ولا يعلم ما وراءه أحد وإليه ينتهي أرواح الشهداء.

وإما من إضافة المحل إلى الحال كما يقال "ظرف المداد" أي سدرة هي محل انتهاء الجنة.

وإما من إضافة الملك إلى مالكه كما يقال "دار زيد وأشجار عمرو" فيكون التقدير سدرة المنتهى إليه وهو الله  قال ﴿ وأن إلى ربك المنتهى ﴾ فالإضافة للتشريف "نحو بيت الله وناقة الله".

وقال الحسن: ﴿ جنة المأوى ﴾ هي التي يصير إليها المتقون.

وقيل: يأوي إليها أرواح الشهداء والظاهر أن الضمير في ﴿ عندها ﴾ للسدرة.

وقيل: للنزلة من ذهب إلى أن سدرة المنتهى معناها الحيرة القصوى.

قال ﴿ إذ يغشى السدرة ما يغشى ﴾ معناه ورود حالة على حالة أي طرأ على محمد حين ما يحار العقل ما طرأ من فضل الله ومن رحمته.

والأكثرون قالوا فيه تعظيم وتكثير لما يغشى الشجرة من الخلائق الدالة على عظمة الله وجلاله مما لا يحيط بها الوصف.

وعن رسول الله  " رأيت على كل ورقة من ورقها ملكاً قائماً يسبح الله" وعنه  "يغشاها رفرف من طير خضر" والرفرف كل ما يبسط من أعلى إلى أسفل.

وعن ابن مسعود وغيره: يغشاها فراش أو جراد من ذهب.

والمحققون على أنها أنوار الله  تجلى للسدرة كما تجلى للجبل لكن السدرة كانت أقوى من الجبل، ومحمد  كان أثبت من موسى فلم تضطرب الشجرة ولم يصعق محمد  .

قوله ﴿ ما زاغ البصر ﴾ فيه وجهان: أشهرهما أنه بصر محمد  أي لم يلتفت إلى ما يغشاها.

فإن كان الغاشي هو الفراش أو الجراد من ذهب فمعناه ظاهر ويكون ذلك ابتلاء وامتحاناً لمحمد  بالأمور الدنيوية، وإن كان الغاشي أنوار الله فالمراد أنه لم يلتفت إلى غير المقصود ولم يشتغل بالنور عن ذي النور.

أو المراد ما زاغ البصر بالصعقة بخلاف موسى  .

وفي الأول بيان أدب محمد  ، وفي الثاني بيان مزيته.

وذهب بعضهم إلى أن اللام للجنس أي ما زاغ بصره أصلاً في ذلك الموضع هيبة وإجلالاً.

والظاهر أن الضمير في قوله ﴿ وما طغى ﴾ للبصر أي ما جاوز حده المعين المأمور برؤيته.

ويحتمل أن يكون لمحمد  أي ما زاغ بصره بالميل إلى غير المقصود، وما طغى محمد بسبب الالتفات.

قال بعض العلماء: فيه بيان لوصول محمد  إلى سدرة اليقين الذي لا يقين فوقه إذ لم ير الشيء على خلاف ما هو عليه بخلاف الناظر إلى عين الشمس فإنه إذا نظر إلى شيء آخر رآه أبيض أو أصفر أو أخضر.

قوله ﴿ لقد رأى من آيات ربه الكبرى ﴾ الظاهر أن الكبرى صفة الآيات أي لقد رأى بعض آيات ربه الكبرى.

وذلك البعض إما جبرائيل على صورته، وإما سائر عجائب الملكوت.

ويحتمل أن يكون صفة لمحذوف أي لقد رأى من آيات ربه آية هي الكبرى.

وعلى هذا لا تكون تلك الآية رؤية جبريل لما ورد في الاخبار أن الله ملائكمة أعظم منه كالملك الذي يسمى روحاً.

نعم لو قيل: إنها رؤية الله الأعظم كان له وجه عند من يقول بأنه  رأي الله ليلة المعراج.

وفيه خلاف تقديم.

قوله ﴿ أفرأيتم اللات والعزى ﴾ الخ.

أي عقيب ما سمعتم من عظمة الله  ونفاذ أمره في الملأ الأعلى، وأن الذي سد الأفق ببعض أجنحته تخلف عند سدره المنهتى، هل تنظرون إلى هذه الأصنام مع قلتها وفقرها حتى تعلموا فساد ما ذهبتم إليه وعولتم عليه؟

قال في الكشاف: اللات اسم صنم كان لثقيف بالطائف وأصله "فعلة" من لوى يلوي لأنهم كانوا يلوون عليها ويعكفون للعبادة، أو يتلوون عليها أي يطوفون فكأنه حذفت الياء تخفيفاً وحركت الواو فانقلبت ألفاً.

والوقف عليه بالتاء كيلا يشبه اسم الله: وقيل: أصله اللات بالتشديد وقد قرىء به.

زعموا أنه سمي برجل كان يلت عنده السمن بالزيت ويطعمه الحاج.

وعن مجاهد: كان رجل يلت السويق بالطائف وكانوا يعكفون على قبره فجعلوه وثناً.

والعزى تأنيث الأعز وكان لغطفان وهي شجرة سمرة بعث إليها رسول الله  خالد ابن الوليد فقطعها فخرجت منها شيطانة مكشوفة الرأس ناشرة الشعر تضرب رأسها وتدعو بالويل والثبور فجعل خالد يضربها بالسيف حتى قتلها وهو يقول: يا عز كفرانك لا سبحانك *** إني رأيت الله قد أهانك فرجع إلى النبي  وأخبره بما فعل.

فقال: تلك العزى ولن تعبد أبداً.

وأما مناة فهي صخرة كانت لهذيل وخزاعة كأنها سميت بذلك لأن دماء النسائك كانت تمنى عندها أي تراق.

ومن قرأ بالمد فلعلها "مفعلة" من النوء كأنهم كانوا يستمطرون عندها الأنواء تبركاً بها.

و ﴿ الأخرى ﴾ لا يطلق إلأا إذا كان الأول مشاركاً كالثاني فلا يقال: رأيت رجلاً وامرأة أخرى.

وإنما يقال رأيت رجلاً ورجلاً آخر.

وههنا ليست عزى ثالثة فكيف قال ﴿ ومناة الثالثة الأخرى ﴾ ؟

وأجيب بأن الأخرى صفة ذم لها أي المتأخرة الوضيعة المقدار كقوله { ﴿ وقالت أخراهم لأولاهم  ﴾ أي وضعاؤهم لرؤسائهم.

ويجوز أن تكون الأولية والتقدم عندهم للات والعزى وذلك أن الأول كان على صورة آدمي، والعزى كانت من النبات ومناة من الجماد.

وقيل: في الكلام تقديم وتأخير أي ومناة الأخرى.

الثالثة.

وقيل: إن الأصنام فيها كثرة فإذا أخذنا اللات والعزى مقدمين كانت لهما ثوالت كثيرة هذه ثالثة أخرى.

وقيل: فيه حذف والتقدير أفرأيتم اللات والعزى المعبودتين.

بالباطل ومناة الثالثة المعبودة الأخرى.

ثم إنه  حين وبخهم على الشرك فكأنهم قالوا نحن لا نشك في أن شيئاً منها ليس مثلاً لله  ولكنا صورنا هذه الأشياء على صور الملائكة المعظمين الذين اعترف بهم الأنبياء وقالوا: إنهم يرتقون ويقفون عند سدرة المنتهى، ويرد عليهم الأمر والنهي ويصدر عنهم إلينا فوبخهم على قولهم إن هؤلاء الأصنام التي هي إناث أنداد الله  ، أو على قولهم الملائكة بنات الله فاستفهم منكراً ﴿ ألكم الذكر ﴾ الذي ترغبون فيه ﴿ وله الأنثى ﴾ التي تستنكفون عنها ﴿ تلك ﴾ القسمة ﴿ إذا ﴾ أي إذا صح ما ذكرتم ﴿ قسمة ضيزى ﴾ أي جائرة غير عادلة من ضازه يضيزه إذا ضامه، وهي "فعلى" بالضم، وكان يمكن أن تقلب الياء واواً لتسلم الضمة إلا أنه فعل بالعكس أي قبلت الضمة كسرة لتسلم الياء فإن إبقاء الحرف أولى من إبقاء الحركة.

ومن قرأ بالهمزة فمن ضأزه بالهمزة والمعنى واحد ولكنها "فعلى" بالكسر.

قال بعضهم: إنهم ما قسموا ولم يقولوا لنا البنون وله البنات ولكنهم نسبوا إلى الله البنات وكانوا يكرهونهن، فلزم من هذه النسبة قسمة جائرة، فتقدير الكلام تلك النسبة قسمة غير عادلة إذ العدالة تقتضي أن يكون الشريف للشريف والوضيع للوضيع ﴿ إن هي ﴾ يعني ليس الأصنام أو أسماؤها المذكورات ﴿ إلا أسما سميتموها ﴾ وقد مر في "الأعراف" وفي "يوسف".

قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله: الم يتم بقوله ﴿ ما أنزل الله بها من سلطان ﴾ فإن إطلاق اللاسم على المسمى إنما يجوز إذا لم يتبعه مفسدة دينية.

وههنا يمكن أن يكون مرادهم من قولهم "الملائكة بنات الله" أنهم أولاد الله من حيث إنه لا واسطة بينهم وبينه في الإيجاد كما تقوله الفلاسفة.

والعرب قد تستعمل البنت مكان الولد كما يقال "بنت الجبل وبنت الشفة" لما يظهر منهما بغير واسطة خصوصاً إذا كان في اللفظ تاء التأنيث كالملائكة إلا أنه لم يجز في الشرع إطلاق هذا اللفظ على الملائكة لأنه يوهم النقص في حقه  ثم قال: وهذا بحث يدق عن إدراك اللغوي إن لم يكن عنده من العلوم حظ عظيم.

قلت: هذا البحث الدقيق يوجب أن يكون الذم راجعاً إلى ترك الأدب فقط.

وليس الأمر كذلك فإن الذم إنما توجه إلى المشرك لأنه ادعى الإلهية لما هو أبعد شيء منها.

وما أمكن له على تصحيح دعواه حجة عقلية ولا سمعية.

ومعنى ﴿ ما أنزل الله بها ﴾ أي بسببها وصحتها.

وقال الرازي: الباء للمصاحبه كقول القائل "ارتحل فلان بأهله ومتاعه" أي ارتحل ومعه الأهل والمتاع.

ومن قرأ ﴿ إن تبعون ﴾ على الخطاب فظاهر، ومن قرأ على الغيبة فإما للالتفات، وأما لأن الضمر للآباء وصيغة الاستقبال حكاية الحال الماضية ويحتمل أن يكون المراد عامة الكفار.

قوله ﴿ وما تهوى الأنفس ﴾ يجوز أن تكون "ما" مصدرية، وفائدة العدول عن صريح المصدر إلى العبارة الموجودة أن القاتل إذا قال: أعجبني صنعك.

لم يعلم أن الإعجاب من أمر قد تتحقق أو من أمر هو فيه.

وإذا قال: أعجبني ما تصنع.

شمل الحال والاستقبال.

ويجوز أن تكون "ما" موصولة والفرق أن المتبع في الأول الهوى وفي الثاني مقتضى الهوى.

وقوله ﴿ الأنفس ﴾ من باب مقابلة الجمع بالجمع.

والمعنى اتبع كل واحد منهم ما تهواه نفسه كقولك: خرج الناس بأهلهم أي كل واحد بأهله ولعل الظن يختص بالاعتقاد وهوى النفس بالعمل.

ويجوز أن يكون الظن مقصوداً به كل ماله محمل مرجوح والهوى يراد به ما لا وجه له أصلاً.

ويحتمل أن يراد بالظن ماله محمل راجح أيضاً وهو إن كان واجب العمل به في المسائل الاجتهادية إلا أنه مذموم عند القدرة على اليقين وإلى هذا أشار بقوله ﴿ ولقد جاءهم من ربهم الهدى ﴾ وهو القرآن أو الرسول أو المعجزة، وفي هذه الحالة لا يجوز البناء على الظن بل يجب التعويل على اليقين.

قوله ﴿ أم للإنسان ﴾ أم منقطعة والهمزة فيها للإنكار والمراد تمنيهم شفاعة الآلهة وأن لهم عند الله الحسنى على تقدير البعث إذ تمنى أشرافهم أن يكونوا أنبياء دون محمد  .

قوله ﴿ فالله الآخرة والأولى ﴾ رد عليهم أي هو مالكها فهو المعطي والمانع ولا حكم لأحد عليه.

ومعنى الفاء أنه إذا تقرر أن شيئاً من الأشياء ليس بتمني الإنسان فلا حكم إلا لله.

ثم بين أن الشفاعة عند الله لا تكون إلا برضاه.

وفيه أصناف من المبالغة من جهة أن "كم" للتكثير والعرب تستعمل الكثير وتريد الكل كما قد تستعمل الكل وتريد به الكثير كقوله ﴿ تدمر كل شيء  ﴾ ومن جهة لفظ الملك فإنهم أشرف المخلوقات سوى الأنبياء عند بعض، ومن قبل أنهم في السموات فإن ذلك يدل على علو مرتبتهم ودنو منزلتهم، ومن قبل اجتماعهم المدلول عليه بضمير الجمع في شفاعتهم وإذا كان حالهم هكذا فكيف يكون حال الجمادات؟

وقوله ﴿ لمن يشاء ﴾ أي لمن يريد الشفاعة له ﴿ ويرضى ﴾ أي ويراه أهلاً أن يشفع له فههنا أيضاً أنواع أخر من المبالغة.

الأول توقيف الشفاعة على الإذن.

والثاني تعليقها بالمشيئة فيهم منه أنه بعد أن يؤذن في مطلق الشفاعة يحتاج إلى الأذن في كل مرة معينة.

والثالث رضا الله الشفاعة فقد يشاء ولكن لا يرضاه كقوله ﴿ ولا يرضى لعباده الكفر  ﴾ وهذا عند أهل السنة واضح.

ثم صرح بالتوبيخ على قولهم الملائكة بنات الله فقال ﴿ إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة ﴾ أي كل واحد منهم ﴿ تسمية الأنثى ﴾ لأنهم إذا جعلوا الكل بنات فقد جعلوا كل واحدة بنتاً وبالعكس.

وههنا سؤالان: أحدهما: إن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعم من هؤلاء المسلمين فكان الأولى أن يقال: إن الذين يسمون لا يؤمنون.

وثانيهما أنه كيف يلزم من عدم الإيمان بالآخرة هذه التسمية؟

والجواب عن الأول أن اللام للعهد وبه خرج الجواب عن الثاني أيضاً لأنه بخير عن جميع معهود أنهم يسمون.

ولا يلزم من حمل شيء على شيء أن يكون بينهما ملازمة.

ولو سلم أن اللام للعموم فالمراد بمثل هذا التركيب المبالغة والتوكيد كما تقول: الإنسان زيد.

وعلى هذا فإن أريد بالحمل مجرد الإخبار فلا إشكال وإن أريد الملازمة فمعناه المبالغة أيضاً لأن غاية جهلهم بالآخرة وبالجزاء حملهم على ارتكاب مثل هذا الافتراء على الله، وإلى هذا أشار بقوله ﴿ ما لهم به من علم أن يتبعون إلا الظن ﴾ واعلم أن الإمام فخر الدين الرازي  بحث مع هؤلاء المشركين الذين سموا الملائكة إناثاً بحثاً طويلاً بناء على ظنه بهم أنهم رأوا في لفظ الملائكة تاء فلذلك جعلوه مؤنثاً.

وحاصل ذلك البحث يرجع إلى أن التاء لا يلزم أن تكون للتأنيث فقد تكون لتأكيد الجمع كحجارة وصقورة، أو لغير ذلك من المعاني، ونحن قد أسقطنا تلك البحوث لعدم فائدتها كما نبهناك عليه.

ثم بين الله  قاعدة كلية فقال: ﴿ وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً ﴾ أي كل ما يجب أن يحصل منه المكلف على العلم واليقين فلا ينفع فيه الظن والتخمين، ومن جملته مسائل المبدأ والمعاد التي ينبني البحث فيها على البراهين العقلية والدلائل السمعية، ومن قنع في أمثالها بالوهم والظن لعدم الاستعداد أو لحفظ بعض المنافع الدنيوية وجب الإعراض عنه كما قال ﴿ فأعرض ﴾ أي إذا وقفت على قلة استعدادهم وعدم طلبهم للحق فأعرض يا محمد يا طالب الحق ﴿ عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ﴾ ويجوز أن يكون هذا الإعراض متضمناً للأمر.

بالقتال أي أعرض عن المقال وأقبل على القتال.

وقوله ﴿ ذلك ﴾ أي الذي ذكر من التسمية أو من اعتقاد كون الأصنام شفعاء ﴿ مبلغهم من العلم ﴾ جملة معترضة.

ثم بين علة الإعراض قائلاً ﴿ إن ربك هو أعلم ﴾ إلى آخره، وفيه بيان أنه تعالى يجازي كل فريق بحسب ما يستحقه، وفيه تسلية للنبي  كيلا يتعب نفسه في تحصيل ما ليس يرجى حصوله وهو إيمان أهل العناد الذين قنعوا بالظن بدل العلم ووقفوا لدى الباطل دون الحق.

ثم قرر أنه سوى الملك والملكوت لغرض الجزاء والإثابة.

والحسنى صفة المثوبة والأعمال، وإضافة الكبائر إلى الإثم إضافة النوع إلى الجنس لأن الإثم يشمل الكبائر والصغائر.

واختلف في الكبائر وقد أشبعنا القول القول فيها في سورة النساء في قوله ﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه  ﴾ والفواحش ام تزايد قبحه من الكبائر كأنها مع كبر مقدار عقابها قبيحة في الصورة كالشرك بالله.

والمراد باللمم الصغائر، والتركيب يدل على القلة ومنه اللمم المس من الجنون وألم بالمكان إذا قل لبثه فيه قال: ألمت فحيث ثم قامت فودعت *** وإلا صفة كأنه قيل: كبائر الإثم وفواحشه غير اللمم، أو استثناء منقطع لأن اللمم ليس من الفواحش.

عن أبي سعيد الخدري: اللمم هي النظرة والغمزة والقبلة.عن السدي: الخطرة من الذنب.

وعن الكلبي: كل ذنب لم يذكر الله عز وجل عليه حداً ولا عذاباً.

وعن عطاء: هي ما تعتاده النفس حيناً بعد حين.

قال جار الله: معنى قوله ﴿ إن ربك واسع المغفرة ﴾ أنه يكفر الصغائر باجتناب الكبائر ويكفر الكبائر بالتوبة.

وأقول: فيه إشارة إلى أن اللمم ما لا يمكن فيه الاجتناب عنه لكل الناس أو لأكثرهم فالعفو عن ذلك يحتاج إلى سعة وكثرة، بل فيه بشارة أنه  يغفر الذنوب جميعاً سوى الشرك لأن غفران اللمم لا يوجب الوصف بسعة المغفرة وإنما يوجب ذلك أن لو غفر معها الكبائر.

وقوله ﴿ هو أعلم بكم ﴾ إلى آخره.

دليل على وجوب وقوع الغفران لأنه إذا كان عالماً بأصلهم وفرعهم كان عالماً بضعفهم ونقصهم فلا يؤاخذهم بما يصدر عنهم على مقتضى جبلتهم وطبعهم.

فكل شيء يرجع إلى الأصل والأرض بطبعها تميل إلى الأسفل.

والجنين أوله نطفة مذرة وآخره الاغتذاء بدماء قذرة، وإذا كان مبدأ حاله هكذا وهو في أوسط أمره متصف بالظلم والجهل والعاقبة غير معلومه وجب عليه أن لا يزكي نفسه فإن الله تعالى أعلم بالزكي والتقي أولاً وآخراً باطناً وظاهراً، وما أحسن نسق هذه الجمل.

وقد أبعد بعض أهل النظم فقال لما ذكر أنه أعلم بمن ضل كان للكافر أن يقول: كيف يعلم الله أموراً نعلمها في البيت الخالي وفي جوف الليل المظلم؟

فأجاب الله  بأنا نعلم ما هو أخفى من ذلك وهو أحوالكم وقت كونكم أجنة.

وقوله ﴿ في بطون أمهاتكم ﴾ للتأكيد فإنه إذا خرج من بطن الأم يدعى سقطاً أو ولداً.

وقيل: أراد أن الضال والمهتدي حصلا على ما هما عليه بتقدير الله وبأنه كتب عليهما في رحم أمهما أنه ضال أو مهتد.

وقيل: فيه تقرير الجزاء وتحقيق الجزاء وتحقيق الحشر فإن العالم بأحوال المكلف وهو جنين القادر على إنشائه من الأرض أول مرة، عالم بأجزائه بعد التفرق، قادر على جمعه بعد التمزق.

والعامل في "إذ" هو "اذكر" أو ما يدل عليه ﴿ أعلم ﴾ أي يعلمكم وقت الإنشاء.

والخطاب للموجودين وقت نزول الآية وللآخرين بالتبعية.

ويجوز أن يكون الإنشاء من الأرض إشارة إلى خلق أبينا آدم.

وقوله ﴿ وإذ أنتم ﴾ يكون خطاباً لنا.

قوله ﴿ أفرأيت الذي تولى ﴾ قال بعض المفسرين: نزل في الوليد بن المغيرة جلس عند رسول الله  وسمع وعظه وأثرت الحكمة فيه تأثيراً قوياً فقال له رجل: لم تترك دين آبائك؟

قال: أخاف.

ثم قال له: لا تخف وأعطني كذا وأنا أتحمل عنك أوزارك فأعطاه ما ألزمه وتولى عن الوعظ واستماع كلام النبي  وقال بعضهم: نزل في عثمان بن عفان كان يعطي ماله عطاء فقال له أخوه من أمه عبد الله بن سعد بن أبي سرح.

ويوشك أن يفنى مالك فأمسك فقال له عثمان: إن لي ذنوباً وخطايا وإني أرجو أن يغفر الله لي بسبب العطاء.

فقال عبد الله: أعطني ناقتك برحلها وأنا أتحمل عنك ذنوبك كلها فأعطاه وأشهد عليه وأمسك عن الإعطاء ومعنى تولي ترك المركز يوم أحد فعاد عثمان إلى خير من ذلك.

يقال: أكدى الحافر إذا لقيته كدية وهي أرض صلبة كالصخرة ونحوه "أجبل الحافر وأجبل الشاعر" إذا أفحم.

ثم وبخه بأنه لا يعلم الغيب فكيف يعلم أن أوزاره محمولة عنه؟

وقيل: نزلت في أهل الكتاب وذلك أنه لما بين حال المشركين المعاندين شرع في قصة هؤلاء والمعنى: أفرأيت الذي تولى أي صار متولياً لكتاب الله وأعطى قليلاً من الزمان حق الله فيه، ولما بلغ عصر محمد  أمسك عن العمل به.

قالوا: يؤيد هذا التفسير قوله ﴿ أم لم ينبأ بما في صحف موسى ﴾ عينها أو جنسها وهو ما نبأهم به نبينا  .

وجمع الصحف إما لأن موسى له صحيفة وإبراهيم له صحيفة فذكر التثنية بصيغة الجمع، وإما لأن كل واحد منهما له صحف لقوله تعالى ﴿ وألقى الألواح  ﴾ وكل لوح صحيفة.

وتقديم صحف موسى إما لأنها أقرب وأشهر وأكثر وإما لأنه رتب وصف إبراهيم عليه، وإما لحسن رعاية الفاصلة وقد راعى في آخر "سبح اسم ربك" هذا المعنى مع ترتيب الوجود.

والتشديد في قوله ﴿ وفي ﴾ للمبالغة في الوفاء، أو لأنه بمعنى وفر وأتم كقوله ﴿ فأتمهن  ﴾ وأطلق الفعل ليتناول كل وفاء وتوفية من ذلك تبليغه الرسالة واستقلاله بأعباء النبوة والصبر على ذبح الولد وعلى نار نمرود وقيامه بأضيافه بنفسه.

يروى أنه كان يخرج كل يوم فيمشي فرسخاً يطلب ضيفاً فإن وافقه أكرمه وإلا نوى الصوم.

وعن عطاء بن السائب: عهد أن لا يسأل مخلوقاً فلما رمي في النار قال له جبريل وميكائيل: ألك حاجة؟

فقال: أما إليكم فلا.

قالا: فسل الله.

قال: حسبي من سؤالي علمه بحالي.

وروي في الكشاف عن النبي  وفي عمله كل يوم بأربع ركعات في صدر النهار وهي صلاة الفجر والضحى.

وروي "ألا أخبركم لم سمى الله خليله الذي وفى؟

كان يقول إذا أصبح وإذا أمسى فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون إلى حين تظهرون" وعن الهزيل بن شرحبيل كان بين نوح وإبراهيم  يؤخذ الرجل بجريرة غيره ويقتل الزوج بامرأته والعبد بسيده، وأول من خالفهم إبراهيم فلهذا قال  ﴿ ألا تزر وازرة ﴾ وهي مخففة من الثقيلة ولهذا لم ينصب الفعل وضمير الشأن محذوف ومحله الجر بدلاً مما في صحف موسى، أو الرفع كأن قائلاً قال: وما في صحف موسى وإبراهيم؟

فقيل: هو أنه لا تزر نفس من شأنها أن تزر وزر نفس أخرى إذا لم تحمل التي يتوقع منها ذلك فغيرها أولى بأن لا تحمل.ثم عطف على قوله ﴿ ألا تزر ﴾ قوله ﴿ وأن ليس ﴾ وحكمه حكم ما يتلوه من المعطوفات فيما مر.

وفيه مباحث: الأول الإنسان عام وقيل: هو الكافر.

وأورد عليه أن الله  قال ﴿ ليس للإنسان ﴾ ولو أراد الكافر لقال "ليس على الإنسان" وهذا بالحقيقة غير وارد فإن اللام قد تستعمل في مثل هذا المعنى قال  ﴿ وإن أسأتم فلها  ﴾ وورد على الأول أن الدعاء والصدقة والحج ينفع الميت كما ورد في الأخبار، وأيضاً قال  ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها  ﴾ والأضعاف فوق ما سعى.

وأجاب بعضهم بأن قوله ﴿ ليس للإنسان إلا ما سعى ﴾ كان في شرع من تقدم ثم إنه  نسخه في شريعتنا وجعل للإنسان ما سعى وما لم يسع.

وقال المحققون: إن سعي غيره وكذا الأضعاف لما لم ينفعه إلا مبنياً على سعي نفسه وهو أن يكون مؤمناً صالحاً كان سعي غيره كأنه سعي نفسه.

والثاني "ما" مصدرية والمضاف محذوف أي الأثواب أو جزاء سعيه.

ويجوز أن تكون موصولة أي إلا الجزاء الذي سعى فيه.

الثالث في صيغة المضي إشارة إلى أنه لا يفيد الإنسان إلا الذي قد حصل فيه ووجد، وأما مجرد النية مع التواني والتراخي فذلك مما لا اعتماد عليه ولعل ذلك من مكايد الشيطان يمنيه ويعده إلى أن يحل اوجل بغتة.

قوله ﴿ وأن سعيه سوف يرى ﴾ إن كان من الرؤية فكقوله ﴿ اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله  ﴾ وإن كان من الإراءة فالفائدة في إراءته وعرضه عليه أن يفرح به هو ويحزن الكافر والله قادر على إعادة كل معدوم عرضاً كان أو جوهراً، والمراد أن يريه الله إياه على صورة جميلة إن كان عملاً صالحاً وبالضد إن كان بالضد.

ويجوز أن يكون مجازاً عن الثواب كما يقال "سترى إحسانك عند الملك" أي جزاءه إلا أن القول الأول أقوى لقوله ﴿ ثم يجزاه الجزاء الأوفى ﴾ اللهم إلا أن يراد تراخي الرتبة والفائدة تعود إلى الوصف بالأوفى وهو الرؤية التي هي أوفى من كل وافٍ أي يجزى العبد بسعيه الجزاء الأتم.

وجوز أن يكون الضمير للجزاء ثم فسره بقوله ﴿ الجزاء الأوفى ﴾ وأبدل عنه كقوله ﴿ وأسروا النجوى الذين ظلموا  ﴾ ومن لطائف الآية أنه قال في حق المسيء ﴿ لا تزر وارزة وزر أخرى ﴾ ولا يلزم منه أن يبقى الوزر على المذنب بل يجوز أن يسقط عنه بالمحو والعفو، ولو قال "كل وازرة تزر وزر نفسها" لم يكن بد من بقاء وزرها عليها.

وقال في حق المحسن "ليس له ما سعى" ولم يقل "ليس له ما لم يسع" إذا العبارة الثانية لا يلزمها أن له ما سعى، والعبارة الأولى يلزمها ذلك لأنها في قوة كلامين إثبات ونفي والحاصل أنه قال هي حق المسيء بعبارة لا تقطع رجاءه، وفي حق المحسن بعبارة توجب رجاءه كل ذلك لأن رحمته سبقت غضبه.

قوله ﴿ وأن إلى ربك المنتهى ﴾ المشهور أن فيه بيان المعاد كقوله عز من قائل ﴿ وإلى الله المصير  ﴾ أي للناس بين يدي الله وقوف وفيه بيان وقت الجزاء.

وقد يقال: المراد به التوحيد وهو تأويل أهل العرفان.

والحكماء يستدلون به على وجود الصانع فإن الممكن لا بد أن ينتهي إلى الواجب.

وقيل: أراد أن البحث والإدراك ينتهي عنده كما قيل: إذا بلغ الكلام إلى الله فأمسكوا.

وعن أنس أن النبي  قال "إذا ذكر الرب فانتهوا" والخطاب عام لكل سامع مكلف وفيه تهديد للمسيء ووعد للمحسن: وقيل: الخطاب للنبي  وفيه تسلية له.

ثم بين غاية قدرته وهي إيجاده الضدين الضحك والبكاء والإماتة والإحياء في شخص واحد، وكذا الذكورة والأنوثة في مادة واحدة هي النطفة نطفت إذا تمنى تدفق في الرحم.

يقال: منى وأمنى.

وقال الأخفش: تخلق والمنى والتقدير وفيه إبطال قول الطبيعيين أن مبدأ الضحك قوة التعجب، ومبدأ الكباء رقة القلب، وإن الحياة مستندة إلى الطبيعة كالنبات، والموت أمر ضروري وهو تداعي الأجزاء العنصرية إلى الانفكاك بعد اجتماعها على سبيل الاتفاق أو لاقتضاء سبب سماوي من اتصال أو انفصال وذلك أن انتهاء كل ممكن إلى الواجب واجب.

قوله ﴿ أمات وأحيي ﴾ إما لأجل الفاصلة أو لأنه اعتبر حالة كون الإنسان نطفة ميتة.

قال الأطباء: الذكر أسخن وأجف والأنثى أبرد وأرطب.

وقالوا في نبات شعر الرجل: إن الشعور تتكون من بخار دخاني منجذب إلى المسام فإذا كانت المسام في غاية الرطوبة والتحلل كما في مزاج الصبي والمرأة، لا ينبت الشعر لخروج تلك الأدخنة من المسام الرطبة بسهولة قبل أن يتكون شعراً.

وإذا كانت في غاية اليبوسة والتكاثف لم ينبت لعسر خروجه من المخرج الضيق وإنما يندفع كثرة تلك الأبخرة إلى الرأس حتى رأس المرأة والصبي لأنه مخلوق كقبة فوق الأبخرة والأدخنة فيتصاعد إليها.

وأما في الرجل فيندفع إلى صدره كثيراً لحرارة القلب.

وإلى آلات التناسل لحرارة الشهوة، وإلى اللحيين لكثرة الحرارة بسبب الأكل والكلام ومع حرارة الأبخرة، ومن شأن الحرارة جذب الرطوبة كجذب السراج الزيت.

هذا أقوى ما قالوا في هذا الباب.

ويرد عليه أنه ما السبب لتلازم شعر اللحية وآلة التناسل فإنها لو قطعت لم تنبت اللحية، ولو سلم التلازم من حيث إن حرارة الخصيان تقل بسبب قطع آلة الشهوة فلا بد أن يعترفوا بانتهاء جميع الممكنات إلى الواجب بالذات.

واعلم أنه  في هذه الآية وسط الفصل بين الاسم والخبر حيث كان توهم الحملية فيه أكثر وترك الفصل حيث لم يكن كذلك.

ففي آيات الضحك والبكاء والإماتة والإحياء وسط الفصل للتوهمات المذكورة حتى قال نمرود ﴿ أنا أحي وأميت  ﴾ وأما خلق الذكر والأنثى فلم يتوهم أحد أنه بفعل المخلوقين فلم يؤكد بالفصل وعلى هذا القياس قوله ﴿ وأن عليه النشأة الأخرى ﴾ ظاهرة وجوب وقوع الحشر في الحكمة الإلهية للمجازاة على الإحسان والإساءة وقال في التفسير الكبير: هو كقوله ﴿ ثم أنشأناه خلقاًً آخر ﴾ \[المؤمنون: 14\] أي بعد خلقته ذكراً وأنثى نفخ فيه الروح الإنساني ثم أغناه بلبن الأم وبنفقة الأب في صغره، ثم أقناه بالكسب بعد كبره أي أعطاه القنية وهي المال الذي تأثلته وعزمت أن لا تخرجه من يدك، وبالجملة فالإغناء بكل ما تدفع به الحاجة والإقناء بما زاد عليه.

وإنما وسط الفصل لأن كثيراً من الناس يزعم أن الفقر والغنى بكسب الإنسان واجتهاده، فمن كسب استغنى ومن كسل افتقر.

وذهب بعضهم إلى أنه بالبخت أو النجوم فقال رداً عليهم ﴿ وأنه هو رب الشعرى ﴾ وهما شعريان شامية ويمانية وهذه أنورهما.

وخصت بالذكر لأن أبا كبشة أحد أجداد رسول الله  من قبل أمه قال: لا أرى شمساً ولا قمراً ولا نجماً تقطع السماء عرضاً غيرها فليس شيء مثلها فعبدها وعبدتها خزاعة فخالفوا قريشاً في عبادة الأوثان.

وكانت قريش يقولون لرسول الله  "أبو كبشة" تشبيهاً له لمخالفته إياهم في دينهم.

وحين ذكر أنه أغنى وأقنى وذلك كان بفضل المولى لا بعطاء الشعرى، ذكرهم حال الأقدمين الهلكى.

وعاد الأولى قوم هود والأخرى، إرم ميزوا عن قوم كانوا بمكة.

وقيل: أراد التقدم في الدنيا وأنهم كانوا أشرافاً قوله ﴿ وثمود ﴾ عطف على ﴿ عاد ﴾ أي ما رحم عليهم.

ومن المفسرين من قال فما أبقى أي ما ترك أحداً منهم كقول ﴿ فهل ترى لهم من باقية  ﴾ وبه تمسك الحجاج على من زعم أن ثقيفاً من ثمود.

وإنما وصف قوم نوح بأنهم كانوا هم أظلم وأطغى فبالغ بتوسيط الفصل وبناء التفضيل لأن نوحاً  كان أول الرسل إلى أهل الأرض، وكان قومه أول من سن التكذيب وإيذاء النبي والبادي أظلم.

ومن سن سنة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها.

ولأنهم كانوا مجاوزين حد الاعتدال يضربون نبيهم حتى لم يربه حراك وينفرون عنه الناس ويخوفون صبيانهم وما نجع فيهم وعظه ألف سنة إلا خمسين عاماً.

وليس قوله ﴿ أنهم كانوا ﴾ تعليلاً للإهلاك حتى يرد عليه أن غيرهم من الظالمين والطاغين لا يلزم أن يهلكوا وإنما هي جملة معترضة بياناً لشدة طغيانهم وفرط ظلمهم.

﴿ والمؤتفكة ﴾ يعني قريات قوم لوط لأنها ائتفكت بأهلها أي انقلبت وقد مر في هود ﴿ أهوى ﴾ أي رفعها إلى السماء على جناح جبريل فأسقطها إلى الأرض ﴿ فغشاها ما غشي ﴾ من الحجار المسومة وفيه تهويل وتفخيم لما صب عليهم من العذاب.

وجوز أن يكون "ما" فاعلاً كقوله ﴿ والسماء وما بناها  ﴾ هذا كله حكاية ما في الصحف إلا فيمن قرأ ﴿ وإن إلى ربك المنتهي ﴾ بالكسر على الابتداء وكذا ما بعده أما قوله ﴿ فبأي آلاء ربك تتمارى ﴾ فقد قيل: هو أيضاً مما في الصحف وقيل: هو ابتداء كلام، والخطاب لكل سامع ولرسول الله  كقوله ﴿ لئن أشركت ليحبطن عملك  ﴾ والمراد أنه لم يبق فيها إمكان الشك، وقد عد نعماً ونقماً وجعل كلها آلاء لأن النقم أيضاً نعم إن أراد أن يعتبر.

ويحتمل أن يقال لما عد نعمه على الإنسان من خلقه وإغنائه وإقنائه.

ثم ذكر أنه أهلك من كفر بها، وبخ الإنسان على جحد شيء من نعمة فيصيبه مثل ما أصاب المتمارين: أو يقال: لما حكى الإهلاك قال للشاك: أنت ما أصابك الذي أصابهم وذلك بحفظ الله إياك فبأي آلاء ربك تتمارى وسيجيء له مزيد بيان في سورة الرحمن ﴿ هذا ﴾ القرآن أو الرسول ﴿ نذير ﴾ أي إنذار أو منذر من جنس الإنذارات أو المنذرين.

وقال ﴿ الأولى ﴾ على تأويل الجماعة.

وحين فرغ من بيان التوحيد والرسالة ختم السورة بذكر اقتراب الحشر فقال ﴿ أزفت الآزفة ﴾ أي قربت الموصوفة بالقرب في قوله ﴿ اقترب للناس حسابهم  ﴾ ﴿ وما يدريك لعل الساعة قريب  ﴾ وفيه تنبيه على أن قرب الساعة يزداد كل يوم وأنها تكاد تقوم ﴿ ليس لها من دون الله ﴾ نفس ﴿ كاشفة ﴾ تكشف عن وقت مجيئها أو تقدر على كشفها ودفعها إذا وقعت، ولا يلزم من قدرة الله على دفعها وجوب وقوع الدفع فإن كل مقدور لا يلزم أن يكون واقعاً.

والتاء في ﴿ كاشفة ﴾ للتأنيث كما مر، أو للمبالغة أي لا أحد يكشف حقيقتها، أو هي مصدر كالعافية، و"من" زائدة والتقدير ليس لها كاشفة دون الله، ويحتمل أن يراد لها في الوجود نفس تكشف عنها من غير الله بل إنما يكشفها من عند الله ومن قبل علمه وإخباره.

ثم وبخهم على التعجب من القرآن ومن حديث القيامة وضحكهم من استهزاء وإنكاراً.

وفي قوله ﴿ ولا تبكون ﴾ إلى آخره تنبيه على أن البكاء والخشوع وحضور القلب حق عليهم عند سماع القرآن كما قال ﴿ إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكياً  ﴾ والسمود الغفلة وقد يكون مع اللهو.

وعن مجاهد: كانوا يمرون بالنبي  غضاباً مبرطمين.

وقال: البرطمة الإعراض ثم إنهم كانوا أنصفوا من أنفسهم وقالوا: لا نعجب ولا نضحك ولا نسمد بل نبكي ونخشع فلا جرم قال ﴿ فاسجدوا ﴾ أي إذا اعترفتم لله بالعبودية فاخضعوا له وأقيموا وظائف العبادة.

وقد مر في سورة الحج في قوله ﴿ ألقى الشيطان في أمنيته ﴾ {الآية: 52] أن رسول الله  قرأ هذه السورة في الصلاة ثم سجد فسجد معه المؤمنون والمشركون والجن والإنس وذكرنا سببه.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتَ وَٱلْعُزَّىٰ * وَمَنَاةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ ...

﴾ الآية.

يخرج تأويل هذه الآية على وجوه، وإلا ليس في هذا الموضع لظاهر قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَنَاةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ ﴾ - جوابٌ، ولا لقوله: ﴿ أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنْثَىٰ ﴾ .

أحدها: أن يقول: أهؤلاء الذين تبعدونهم - من اللات والعزى ومناة - أخبروكم، وقالوا لكم: إنه اصطفى لنفسه البنات، ولكن البنين، وأن الملائكة بنات الله، ونحوه؟

أخذتم ذلك منها أو ممن أخذتم ذلك، وأنتم قوم لا تؤمنون بالرسل والكتب؟

وقد عرفوا أنها لم تخبرهم بذلك، فيذكر بذلك سفههم، ويقول: ﴿ أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتَ وَٱلْعُزَّىٰ * وَمَنَاةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ ﴾ التي سميتموها: آلهة، وعبدتموها دون الله، ونسبتكم النبات إليه، والبنين إلى أنفسكم، ثم لم يذكر جوابها: أنه مَنْ أمرهم بذلك؟

ومن اختار لهم ذلك؟

أو ممن أخذوا ذلك؟

ثم قال: ﴿ إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ...

﴾ الآية؛ كأنه يقول والله أعلم: إنكم سميتموها: آلهة، واخترتم لأنفسكم البنين وله البنات بلا سلطان ولا حجة لكم، إنما هي أسماء سيمتموها أنتم وآباؤكم بلا حجة ولا سلطان، إنما هو هى النفس والظن.

ويحتمل أن يقول: ﴿ أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتَ وَٱلْعُزَّىٰ * وَمَنَاةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ ﴾ ، أمروكم بصرف شكر ما أنعم الله  عليكم، وقبول ما وهب لكم من البنات؛ على ما أخبر أنها من مواهب الله بقوله  : ﴿ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ  ﴾ ويرد مواهبه: ودفنها حيات، ودسها في التراب، ويصرف العبادة إلى غير المنعم، وقسمة البنين لأنفسكم والبنات له.

ثم أخبر، وقال: ﴿ تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ ﴾ أي: تلك قسمة جوز وظلم؛ أي: صرف شكر المنعم إلى غير المنعم، وتوجيه العبادة [إلى] من لا يستحقها، ورد مواهبه.

على هذه الوجوه يشبه أن تخرج الآية، وإلا فلا ندري بظاهرها: ما تأويلها؟

وما جواب هذا الحرف؟

والله أعلم.

ثم قوله: ﴿ ٱللاَّتَ ﴾ قرأ مجاهد وغيره مشددة التاء، فقالوا: هو رجل كان يقوم على آلهتهم، ويلت لها السويق بالزيت، وفيطعمه الناس.

وروى ابن الجوزي عن ابن عباس -  - قال: "كان يلت السويق للحاج".

ومن قرأه مخفف التاء جعله اسم الصنم؛ مثل: العزى، ومناة، وهي آلهة كانوا يعبدونها؛ ذكر قتادة في تفسيره: كان اللات بالطائف، والعزى ببطن نخلة، ومناة بقديد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ ﴾ .

قال القتبي: هي في الأصل "ضَيْزَى" على وزن "فَعْلَى"، فكسرت الضاد للياء، وليس في النعوت "فِعْلى"؛ أي: قسمة جائزة.

وقال أبو عوسجة: ﴿ ضِيزَىٰ ﴾ أي: غير منصفة، والضيز في الأصل: الجور.

وقال أبو عبيدة: ناقصة.

وقال بعض الناس: إن النبي  لما تلا قوله  : ﴿ أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتَ وَٱلْعُزَّىٰ * وَمَنَاةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ ﴾ ألقى الشيطان على لسانه: "تلك الغرانيق العلا، [وإن] شفاعتهن لترتجى، ومثلهن لا تنسى".

ثم قال بعضهم: الغرانيق العلا: الملائكة.

وقال بعضهم: الأصنام التي يعبدونها على رجاء الشفاعة لهم بقوله: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ .

لكن لا يحتمل أن يقول النبي  ، أو يجري على لسانه ما ذكر، والله  - قال: ﴿ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلأَقَاوِيلِ  لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ  ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ  فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ  ﴾ ولو جاز أن يجري على لسانه، لتوهم منه التقول، وذلك بعيد، وقال في آية آخرى: ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ  ﴾ ، ولو جاز ذلك، لجاز أن يجري الله الكذب على لسانه؛ فلا يكون فيمن وجد من الحرج في قضائه ماذكر، وهو الكفر؛ دل أن ما ذكروه فاسد، فإن ثبت ما ذكر: أنه جرى على لسانه تلك الكلمات، أو ألقى الشيطان في قمه يريد بذلك: الغرانيق العلا شفاعتهن لترتجى عندهم وفي زعمهم، وهو كقول موسى -  -: ﴿ وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً  ﴾ أي: إلى إلهك الذي هو عندك إله، وإلا لا يحتمل أن يكون موسى -  - يسمي المجل: إلها، وكقوله -  -: ﴿ فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ  ﴾ أي: إلى آلهة عندهم، وقوله - عز وجل -: ﴿ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ  ﴾ أنها شركائي، فقد ذكرنا هذا على التمام في سورة الحج في قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَانُ فِيۤ أُمْنِيَّتِهِ ...

﴾ الآية [الحج: 52]، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ﴾ .

أي: ما أنزل الله على تسميتكم الأصنام: آلهة، وعبادتكم إياها، ونسبتكم البنين إلى أنفسكم والبنات إلى الله  - من حجة وبرهان، إنما هو من هوى النفس والظن، وذلك قوله -  -: ﴿ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ ﴾ في قولهم: الملائكة بنات الله، أو قولهم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ ، وتسميتهم الأصنام: آلهة، وظنوا أن آباءهم كانوا على الحق، واستدلوا على حقيقة ما كانوا عليه من الدين؛ حيث تركهم وما اختاروا ولم يهلكهم، وقالوا: لو كانوا على باطل ما تركهم على ذلك، واستدلوا بذلك - أيضاً - على رضاء منهم بذلك، وأمره إياهم؛ كما أخبر عنهم بقوله: ﴿ وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا  ﴾ هذا ظنهم بالله  .

وقوله: ﴿ وَمَا تَهْوَى ٱلأَنفُسُ ﴾ ، أي: يتبعون هوى النفس، فالنس ما تعرف [إلا] المنافع الحاضرة والمضار الحاضرة، فأما ما غاب عنها فلا يعرف، وإنما يعرف ذلك بالتفكر والنظر، وهي لا تعرف؛ لما تكره النظر والتفكر، ولا ترغب في الشدائد، ولا فيما يثقل عليها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ ٱلْهُدَىٰ ﴾ .

أي: جاءهم من ربهم ما لو تفكروا ونظروا لاهتدوا، ولو اتبعوا الحق والهدى، لعرفوه.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ليست هذه الأصنام إلا أسماء فارغة من المعنى، فلا حظ لها في صفات الألوهية، سميتموها أنتم وآباؤكم من تلقاء أنفسكم، ما أنزل الله بها من برهان، لا يتبع المشركون في اعتقادهم إلا الظن وما تهواه أنفسهم مما زيّنه الشيطان في قلوبهم، ولقد جاءهم من ربهم الهدى على لسان نبيه  ، فما اهتدوا به.

<div class="verse-tafsir" id="91.44rXe"

مزيد من التفاسير لسورة النجم

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.2 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 1 يوم
الحمد لله