الآية ١٠ من سورة القلم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 68 القلم > الآية ١٠ من سورة القلم

وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍۢ مَّهِينٍ ١٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 98 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٠ من سورة القلم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٠ من سورة القلم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال تعالى : ( ولا تطع كل حلاف مهين ) وذلك أن الكاذب لضعفه ومهانته إنما يتقي بأيمانه الكاذبة التي يجترئ بها على أسماء الله تعالى ، واستعمالها في كل وقت في غير محلها .

قال ابن عباس : المهين الكاذب .

وقال مجاهد : هو الضعيف القلب .

قال الحسن : كل حلاف : مكابر ، مهين : ضعيف .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ ) ولا تطع يا محمد كلّ ذي إكثار للحلف بالباطل؛( مَهِين ) : وهو الضعيف.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

غير أن بعضهم وجَّه معنى المهين إلى الكذّاب، وأحسبه فعل ذلك لأنه رأى أنه إذا وصف بالمهانة فإنما وصف بها لمهانة نفسه كانت عليه، وكذلك صفة الكذوب، إنما يكذب لمهانة نفسه عليه.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ( وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ ) والمهين: الكذاب.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ( حَلافٍ مَهِينٍ ) قال: ضعيف.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ ) وهو المكثار في الشرّ.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن، في قوله: ( كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ ) يقول: كلّ مكثار في الحلف مهين ضعيف.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن سعيد، عن الحسن وقتادة: ( وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ ) قال: هو المكثار في الشرّ.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

يعني الأخنس بن شريق ; في قول الشعبي والسدي وابن إسحاق .

وقيل : الأسود بن عبد يغوث ، أو عبد الرحمن بن الأسود ; قاله مجاهد .

وقيل : الوليد بن المغيرة ، عرض على النبي صلى الله عليه وسلم مالا وحلف أن يعطيه إن رجع عن دينه ; قاله مقاتل .

وقال ابن عباس : هو أبو جهل بن هشام .

والحلاف : الكثير الحلف .

والمهين : الضعيف القلب ; عن مجاهد .

ابن عباس : الكذاب .

والكذاب مهين .

وقيل : المكثار في الشر ; قاله الحسن وقتادة .

وقال الكلبي : المهين الفاجر العاجز .

وقيل : معناه الحقير عند الله .

وقال ابن شجرة : إنه الذليل .

الرماني : المهين الوضيع لإكثاره من القبيح .

وهو فعيل من المهانة بمعنى القلة .

وهي هنا القلة في الرأي والتمييز .

أو هو فعيل بمعنى مفعل ; والمعنى مهان .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ } أي: كثير الحلف، فإنه لا يكون كذلك إلا وهو كذاب، ولا يكون كذابًا إلا وهو { مُهِينٌ } أي: خسيس النفس، ناقص الهمة، ليس له همة في الخير، بل إرادته في شهوات نفسه الخسيسة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ولا تطع كل حلاف مهين ) كثير الحلف بالباطل .

قال [ مقاتل : يعني ] الوليد بن المغيرة .

وقيل : الأسود بن عبد يغوث .

وقال عطاء : الأخنس بن شريق ( مهين ) ضعيف حقير .

قيل : هو فعيل من المهانة وهي قلة الرأي والتمييز .

وقال ابن عباس : كذاب .

وهو قريب من الأول لأن الإنسان إنما يكذب لمهانة نفسه عليه .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولا تطع كل حلاف» كثير الحلف بالباطل «مهين» حقير.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولا تطع -أيها الرسول- كلَّ إنسانٍ كثير الحلف كذاب حقير، مغتاب للناس، يمشي بينهم بالنميمة، وينقل حديث بعضهم إلى بعض على وجه الإفساد بينهم، بخيل بالمال ضنين به عن الحق، شديد المنع للخير، متجاوز حدَّه في العدوان على الناس وتناول المحرمات، كثير الآثام، شديد في كفره، فاحش لئيم، منسوب لغير أبيه.

ومن أجل أنه كان صاحب مال وبنين طغى وتكبر عن الحق، فإذا قرأ عليه أحد آيات القرآن كذَّب بها، وقال: هذا أباطيل الأولين وخرافاتهم.

وهذه الآيات وإن نزلت في بعض المشركين كالوليد بن المغيرة، إلا أن فيها تحذيرًا للمسلم من موافقة من اتصف بهذه الصفات الذميمة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم يكرر - سبحانه - النهى للنبى صلى الله عليه وسلم عن طاعة كل حلاف مهين .

هماز مشاء بنميم .

.فيقول : ( وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ .

هَمَّازٍ مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ .

مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ .

عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ ) .وقد ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآيات الكريمة ، نزلت فى الوليد بن المغيرة .

.

وقيل : إنها نزلت فى الأخنس بن شريق .

.والآيات الكريمة يشمل النهى فيها كل من هذه صفاته ، ويدخل فيها الوليد بن المغيرة ، والأخنس بن شريف .

.

دخولا أوليا .أى : ولا تطع - أيها الرسول الكريم - كل من كان كثير الحلف بالباطل ، وكل من كان مهينا ، أى : حقير ذليلا وضيعا .

من المهانة ، وهى القلة فى الرأى والتمييز .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قال الليث: الإدهان اللين والمصانعة والمقاربة في الكلام، قال المبرد: داهن الرجل في دينه وداهن في أمره إذا خان فيه وأظهر خلاف ما يضمر، والمعنى تترك بعض ما أنت عليه مما لا يرضونه مصانعة لهم فيفعلوا مثل ذلك ويتركوا بعض مالا ترضى فتلين لهم ويلينون لك، وروى عطاء عن ابن عباس: لو تكفر فيكفرون.

المسألة الثانية: إنما رفع ﴿ فَيُدْهِنُونَ ﴾ ولم ينصب بإضمار أن وهو جواب التمني لأنه قد عدل به إلى طريق آخر وهو أن جعل خبر مبتدأ محذوف أي فهم يدهنون كقوله: ﴿ فَمَن يُؤْمِن بِرَبّهِ فَلاَ يَخَافُ  ﴾ على معنى ودوا لو تدهن فهم يدهنون حينئذ، قال سيبويه: وزعم هارون وكان من القراء أنها في بعض المصاحف: (ودوا لو تدهن فيدهنوا).

واعلم أنه تعالى لما نهاه عن طاعة المكذبين، وهذا يتناول النهي عن طاعة جميع الكفار إلا أنه أعاد النهي عن طاعة من كان من الكفار موصوفاً بصفات مذمومة وراء الكفر، وتلك الصفات هي هذه: الصفة الأولى: كونه حلافاً، والحلاف من كان كثير الحلف في الحق والباطل، وكفى به مزجرة لمن اعتاد الحلف ومثله قوله: ﴿ وَلاَ تَجْعَلُواْ الله عُرْضَةً لأيمانكم  ﴾ .

الصفة الثانية: كونه مهيناً، قال الزجاج: هو فعيل من المهانة، ثم فيه وجهان: أحدهما: أن المهانة هي القلة والحقارة في الرأي والتمييز والثاني: أنه إنما كان مهيناً لأن المراد الحلاف في الكذب، والكذاب حقير عند الناس.

وأقول: كونه حلافاً يدل على أنه لا يعرف عظمة الله تعالى وجلاله، إذ لو عرف ذلك لما أقدم في كل حين وأوان بسبب كل باطل على الاستشهاد باسمه وصفته ومن لم يكن عالماً بعظمة الله وكان متعلق القلب بطلب الدنيا كان مهيناً، فهذا يدل على أن عزة النفس لا تحصل إلا لمن عرف نفسه بالعبودية، وأن مهانتها لا تحصل إلا لمن غفل عن سر العبودية.

الصفة الثالثة: كونه همازاً وهو العياب الطعان، قال المبرد: هو الذي يهمز الناس أي يذكرهم بالمكروه وأثر ذلك يظهر العيب، وعن الحسن يلوي شدقيه في أقفية الناس وقد استقصينا (القول) فيه في قوله: ﴿ وَيْلٌ لّكُلّ هُمَزَةٍ  ﴾ .

الصفة الرابعة: كونه مشاء بنميم أي يمشي بالنميمة بين الناس ليفسد بينهم، يقال: نم ينم وينم نماً ونميماً ونميمة.

الصفة الخامسة: كونه مناعاً للخير وفيه قولان: أحدهما: أن المراد أنه بخيل والخير المال والثاني: كان يمنع أهله من الخير وهو الإسلام، وهذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة، وكان له عشرة من البنين وكان يقول لهم وما قاربهم لئن تبع دين محمد منكم أحد لا أنفعه بشيء أبداً فمنعهم الإسلام فهو الخير الذي منعهم، وعن ابن عباس أنه أبو جهل وعن مجاهد: الأسود بن عبد يغوث، وعن السدي: الأخنس بن شريق.

الصفة السادسة: كونه معتدياً، قال مقاتل: معناه أنه ظلوم يتعدى الحق ويتجاوزه فيأتي بالظلم ويمكن حمله على جميع الأخلاق الذميمة يعني أنه نهاية في جميع القبائح والفضائح.

الصفة السابعة: كونه أثيماً، وهو مبالغة في الإثم.

الصفة الثامنة: العتل وأقوال المفسرين فيه كثيرة، وهي محصورة في أمرين أحدهما: أنه ذم في الخلق والثاني: أنه ذم في الخلق، وهو مأخوذ من قولك: عتله إذا قاده بعنف وغلظة، ومنه قوله تعالى: ﴿ فاعتلوه  ﴾ أما الذين حملوه على ذم الخلق فقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد قوي ضخم.

وقال مقاتل: واسع البطن، وثيق الخلق وقال الحسن: الفاحش الخلق، اللئيم النفس وقال عبيدة بن عمير: هو الأكول الشروب، القوي الشديد وقال الزجاج: هو الغليظ الجافي.

أما الذين حملوه على ذم الأخلاق، فقالوا: إنه الشديد الخصومة، الفظ العنيف.

الصفة التاسعة: قوله: ﴿ زَنِيمٍ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في الزنيم أقوال: الأول: قال الفراء: الزنيم هو الدعي الملصق بالقوم وليس منهم، قال حسان: وأنت زنيم نيط في آل هاشم *** كما نيط خلف الراكب القدح الفرد والزنمة من كل شيء الزيادة، وزنمت الشاة أيضاً إذا شقت أذنها فاسترخت ويبست وبقيت كالشيء المعلق، فالحاصل أن الزنيم هو ولد الزنا الملحق بالقوم في النسب وليس منهم، وكان الوليد دعياً في قريش وليس من سنخهم ادعاه بعد ثمان عشرة (ليلة) من مولده.

وقيل: بغت أمه ولم يعرف حتى نزلت هذه الآية والقول الثاني: قال الشعبي هو الرجل يعرف بالشر واللؤم كما تعرف الشاة بزنمتها والقول الثالث: روى عن عكرمة عن ابن عباس قال: معنى كونه زنيماً أنه كانت له زنمة في عنقه يعرف بها، وقال مقاتل: كان في أصل أذنه مثل زنمة الشاة.

المسألة الثانية: قول: ﴿ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ معناه أنه بعدما عدَّ له من المثالب والنقائص فهو عتل زنيم وهذا يدل على أن هذين الوصفين وهو كونه عتلاً زنيماً أشد معايبه لأنه إذا كان جافياً غليظ الطبع قسا قلبه واجترأ على كل معصية، ولأن الغالب أن النطفة إذا خبثت خبث الولد، ولهذا قال عليه الصلاة السلام: لا يدخل الجنة ولد الزنا ولا ولده ولا ولد ولده وقيل: هاهنا ﴿ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ نظير ﴿ ثُمَّ ﴾ في قوله: ﴿ ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين ءامَنُواْ  ﴾ وقرأ الحسن (عتل) رفعاً على الذم.

ثم إنه تعالى بعد تعديد هذه الصفات قال: <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ حَلاَّفٍ ﴾ كثير الحلف في الحق والباطل، وكفى به مزجرة لمن اعتاد الحلف.

ومثله قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَجْعَلُواْ الله عرضةلأيمانكم ﴾ [البقرة: 224] .

﴿ مُّهِينٍ ﴾ من المهانة وهي القلة والحقارة، يريد القلة في الرأي والتمييز.

أو أراد الكذاب لأنه حقير عند الناس ﴿ هَمَّازٍ ﴾ عياب طعان.

وعن الحسن.

يلوى شدقيه في أقفية الناس ﴿ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ ﴾ مضرب نقال للحديث من قوم إلى قوم على وجه السعاية والإفساد بينهم.

والنميم والنميمة: السعاية، وأنشدني بعض العرب: تَشَبَّبِي تَشَبُّبَ النَّمِيمَهْ ** تَمْشِي بِهَا زَهْرَا إِلَى تَمِيمَهْ ﴿ مَّنَّاعٍ لّلْخَيْرِ ﴾ بخيل.

والخير: المال.

أو مناع أهه الخير وهو الإسلام، فذكر الممنوع منه دون الممنوع، كأنه قال: مناع من الخير.

قيل: هو الوليد بن المغيرة المخزومي: كان موسراً، وكان له عشرة من البنين، فكان يقول لهم وللحمته: من أسلم منكم منعته رفدي عن ابن عباس.

وعنه: أنه أبو جهل.

وعن مجاهد: الأسود بن عبد يغوث.

وعن السدي: الأخنس بن شريق، أصله في ثقيف وعداده في زهرة، ولذلك قيل: زنيم ﴿ مُعْتَدٍ ﴾ مجاوز في الظلم حده ﴿ أَثِيمٍ ﴾ كثير الآثام ﴿ عُتُلٍّ ﴾ غليظ جاف، من عتله: إذا قاده بعنف وغلظة ﴿ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ بعدما عدّ له من المثالب والنقائص ﴿ زَنِيمٍ ﴾ دعي.

قال حسان: وَأنْتَ زَنِيمٌ نِيطَ فِي ءَالِ هَاشِم ** كَمَا نِيطَ خَلْفَ الرَّاكِبِ الْقَدَحُ الْفَرْدُ وكان الوليد دعيا في قريش ليس من سنخهم، ادعاه أبوه بعد ثمان عشرة من مولده.

وقيل: بغت أمّه ولم يعرف حتى نزلت هذه الآية، جعل جفاءه ودعوته أشد معايبه، لأنه إذا جفا وغلظ طبعه قسا قلبه واجترأ على كل معصية، ولأن الغالب أن النطفة إذا خبثت خبث الناشئ منها.

ومن ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة ولد الزنا ولا ولده ولا ولد ولده» و ﴿ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ نظير (ثم) في قوله: ﴿ ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين ءامَنُواْ ﴾ [البلد: 17] وقرأ الحسن: ﴿ عتل ﴾ رفعاً على الذم وهذه القراءة تقوية لما يدل عليه بعد ذلك.

والزنيم: من الزنمة وهي الهنة من جلد الماعزة تقطع فتخلى معلقة في حلقها، لأنه زيادة معلقة بغير أهله ﴿ أَن كَانَ ذَا مَالٍ ﴾ متعلق بقوله: ﴿ وَلاَ تُطِعْ ﴾ يعني ولا تطعه مع هذه المثالب، لأن كل ذا مال.

أي: ليساره وحظه من الدنيا.

ويجوز أن يتعلق بما بعده على معنى: لكونه متمولاً مستظهراً بالبنين كذب آياتنا ولا يعمل فيه ﴿ قَالَ ﴾ الذي هو جواب إذا، لأن ما بعد الشرط لا يعمل فيما قبله، ولكن ما دلت عليه الجملة من معنى التكذيب.

وقرئ: ﴿ أأن كان ﴾ ؟

على الاستفهام على: إلا لأن كان ذا مال وبنين، كذب.

أو أتطيعه لأن كان ذا مال.

وروى الزبيري عن نافع: إن كان، بالكسر والشرط للمخاطب، أي: لا تطع كل حلاف شارطاً يساره، لأنه إذا أطاع الكافر لغناه فكأنه اشترط في الطاعة الغنى، ونحو صرف الشرط إلى المخاطب صرف الترجي إليه في قوله تعالى: ﴿ لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ ﴾ [طه: 44] الوجه: أكرم موضع في الجسد، والأنف أكرم موضع من الوجه لتقدمه له، ولذلك جعلوه مكان العز والحمية، واشتقوا منه الأنفة.

وقالوا الأنف في الأنف، وحمى أنفه، وفلان شامخ العرنين.

وقالوا في الذليل: جدع أنفه، ورغم أنفه، فعبر بالوسم على الخرطوم عن غاية الإذلال والإهانة، لأن السمة على الوجه شين وإذالة، فكيف بها على أكرم موضع منه، ولقد: وسم العباس أباعره في وجوهها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أكرموا الوجوه» فوسمها في جواعرها وفي لفظ ﴿ الخرطوم ﴾ استخفاف به واستهانة.

وقيل معناه: سنعلمه يوم القيامة بعلامة مشوهة يبين بها عن سائر الكفرة، كما عادى رسول الله صلى الله عليه وسلم عداوة بأن بها عنهم.

وقيل: خطم يوم بدر بالسيف فبقيت سمة على خرطومه.

وقيل: سنشهره بهذه الشتيمة في الدارين جميعاً، فلا تخفى، كما لا تخفى السمة على الخرطوم.

وعن النضر بن شميل: أن الخرطوم الخمر، وأن معناه: سنحده على شربها وهو تعسف.

وقيل للخمر: الخرطوم، كما قيل لها: السلافة.

وهي ما سلف من عصير العنب.

أو لأنها تطير في الخياشيم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ ﴾ كَثِيرِ الحَلِفِ في الحَقِّ والباطِلِ.

﴿ مَهِينٍ ﴾ حَقِيرِ الرَّأْيِ مِنَ المَهانَةِ وهي الحَقارَةُ.

﴿ هَمّازٍ ﴾ عَيّابٍ.

﴿ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ ﴾ نَقّالٍ لِلْحَدِيثِ عَلى وجْهِ السِّعايَةِ.

﴿ مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ ﴾ يَمْنَعُ النّاسَ عَنِ الخَيْرِ مِنَ الإيمانِ والإيقانِ والعَمَلِ الصّالِحِ.

﴿ مُعْتَدٍ ﴾ مُتَجاوِزٍ في الظُّلْمِ.

﴿ أثِيمٍ ﴾ كَثِيرِ الآثامِ.

﴿ عُتُلٍّ ﴾ جافٍ غَلِيظٍ مِن عَتَلَهُ إذا قادَهُ بِعُنْفٍ وغِلْظَةٍ.

﴿ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ بَعْدَ ما عُدَّ مِن مَثالِبِهِ.

﴿ زَنِيمٍ ﴾ دَعِيٍّ مَأْخُوذٍ مِن زَنَمَتَيِ الشّاةِ وهُما المُتَدَلِّيَتانِ مِن أُذُنِها وحَلْقِها، قِيلَ: هو الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ ادَّعاهُ أبُوهُ بَعْدَ ثَمانِيَ عَشْرَةَ مِن مَوْلِدِهِ.

وقِيلَ: الأخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ أصْلُهُ مِن ثَقِيفٍ وعِدادُهُ في زُهْرَةَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ولا تطع كل حلاف} عشير الحلف في الحق والباطل وكفى به مزجرة لمن اعتاد الحلف {مَّّهِينٍ} حقير في الرأي والتمييز من المهانة وهي القلة والحقارة أو كذاب لأنه حقير عند الناس

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ ﴾ كَثِيرِ الحَلِفِ في الحَقِّ والباطِلِ وكَفى بِهَذا مَزْجَرَةً لِمَنِ اعْتادَ الحَلِفَ لِأنَّهُ جَعَلَ فاتِحَةَ المَثالِبِ وأساسَ الباقِي، وهو يَدُلُّ عَلى عَدَمِ اسْتِشْعارِ عَظَمَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وهو أُمُّ كُلِّ شَرٍّ عَقْدًا وعَمَلًا، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ كَثْرَةَ الحَلِفِ مَذْمُومَةٌ ولَوْ في الحَقِّ لِما فِيها مِنَ الجُرْأةِ عَلى اسْمِهِ جَلَّ شَأْنُهُ، وهَذا النَّهْيُ لِلتَّهْيِيجِ والإلْهابِ أيْضًا أيْ دُمْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِن عَدَمِ طاعَةِ كُلِّ حَلّافٍ ﴿ مَهِينٍ ﴾ حَقِيرِ الرَّأْيِ والتَّدْبِيرِ.

وقالَ الرُّمّانِيُّ: المَهِينُ الوَضِيعُ لِإكْثارِهِ مِنَ القَبِيحِ مِنَ المَهانَةِ وهي القِلَّةُ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: هو المِكْثارُ في الشَّرِّ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ الكَذّابُ ﴿ هَمّازٍ ﴾ عَيّابٍ طَعّانٍ قالَ أبُو حَيّانٍ: هو مِنَ الهَمْزِ وأصْلُهُ في اللُّغَةِ الضَّرْبُ طَعْنًا بِاليَدِ أوْ بِالعَصا ونَحْوِها، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلَّذِي يَنالُ بِلِسانِهِ قالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ وبِعَيْنِهِ وإشارَتِهِ ( مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ نَقّالٍ ) لِلْحَدِيثِ مِن قَوْمٍ إلى قَوْمٍ عَلى وجْهِ الإفْسادِ بَيْنَهُمْ، فَإنَّ النَّمِيمَ والنَّمِيمَةَ مَصْدَرانِ بِمَعْنى السِّعايَةِ والإفْسادِ.

وقِيلَ: النَّمِيمُ جَمْعُ نَمِيمَةٍ يُرِيدُونَ بِهِ الجِنْسَ وأصْلُ النَّمِيمَةِ الهَمْسُ والحَرَكَةُ الخَفِيفَةُ، ومِنهُ أسْكَتَ اللَّهُ تَعالى نامَّتَهُ أيْ ما يَنِمُّ عَلَيْهِ مِن حَرَكَتِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ يعني: هو عالم بمن أخطأ الطريق عن دينه وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ لدينه.

ثم قال: فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ، وذلك أنهم كانوا يدعونه إلى دين آبائه، فأمره الله تعالى أن يثبت على دينه، فقال: فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ بوحدانية الله تعالى.

وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ قال مجاهد: ودوا لو تركن إليهم، وتترك ما أنت عليه من الحق، فيميلون إليك.

وقال السدي: وَدُّواْ لو تكفر فيكفرون وقال القتبي: ودوا لو تدهن في دينك فيداهنون في أديانهم.

وكانوا أرادوا أن يعبدوا آلهتهم مدة، ويعبدون الله مدة.

ثم قال: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ يعني: كذاباً في دين الله والحلاف: مكثار الحلف، مَهِينٍ ضعيف فاجر.

نزلت في الوليد بن المغيرة.

وقال القتبي: المهين: الحقير الدنيء، وقال الزجاج: وهو فعيل من المهانة، وهي القلة.

ومعناه في هذا الموضع: القلة في الرأي والتمييز.

ثم قال: هَمَّازٍ يعني: الوليد بن المغيرة، طعّان، لعّان، مغتاب، مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ يعني: يمشي بين الناس بالنميمة.

وقال القتبي: هَمَّازٍ يعني: عياب ثم قال: مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ يعني: بخيلاً لا ينتفع بماله لنفسه، وكان ينفق أمواله على غيره.

ويقال: معناه: مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ يعني: التوحيد، ويمنع الناس عن التوحيد.

مُعْتَدٍ يعني: ظلوماً لنفسه أَثِيمٍ يعني: فاجراً.

قوله تعالى: عُتُلٍّ يعني: شديد الخصومة بالباطل، ويقال: عُتُلٍّ يعني: أكول شروب صحيح الجسم رحيب البطن.

بَعْدَ ذلِكَ يعني: مع ذلك زَنِيمٍ يعني: ملصق.

وقال ابن عباس: الزنيم: الدعي الملصق، ويستدل بقول القائل: زَنِيمٌ تَدَاعَاهُ الرِّجَالُ زِيَادَة ...

كَمَا زِيدَ فِي عَرْضِ الأَدِيمِ الأَكَارِعُ ويقال: الزنيم: الشديد الخلق.

وروى شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، يرفعه إلى النبيّ  قال: «لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ جَوَّاظٌ وَلاَ جَعْظَرِيٌّ وَلاَ العُتُلُّ الزَّنِيمُ.

قَالَ: أَمَّا الجَوَّاظُ، فَالَّذِي جَمَعَ وَمَنَعَ وَتَدْعُوهُ لَظَى نَزَاعَة للشَّوَى» ، أَيْ: الشَّدِيدَ الخُلُقِ رَحِيبَ الجَوْفِ.

وَأمَّا الجَعْظَرِيُّ، فَالفَظُّ.

الغَلِيظُ.

وَأَمَّا العُتُلُّ الزَّنِيمُ، صَحِيحٌ أَكُولٌ شَرُوبٌ ظَلُومٌ لِلنَّاسِ.

وَيُقَالُ: الزَّنِيمُ: الدَّعِيُّ وذكر أنه لما نزلت هذه الآية، قال لأمه: إن محمداً لصادق، وأنه قال كذا وكذا، فأقرت والدته له بذلك.

ثم قال: أَنْ كانَ ذَا مالٍ وَبَنِينَ يعني: فلا تطعه وإن كان ذا مال وبنين، يعني: لا تطعه بسبب ماله.

ثم قال: إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا يعني: القرآن قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ يعني: كذبهم وأباطيلهم.

وقال السدي: يعني: أساجيع الأولين.

ثم قال: سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ يعني: سنضربه على الوجه، ويقال: سنسود وجهه يوم القيامة، ويقال: سنسمه على أنفه وقال القتبي: للعرب في هذا مذاهب، يقولون للرجال إذا سبه سبة قبيحة، أو يثني عليه فاحشة: قد وسم ميسم سوء، يريد أنه ألصق به عاراً لا يفارقه، كما أن السمة لا يعفو أثرها.

وقد وصف الله تعالى الوليد بالحلف، والمهانة، والمشي بالنميمة، والبخل، والظلم، والإثم، والدعوى، فألحق به العار لا يفارقه في الدنيا والآخرة.

قال: والذي يدل على هذا، ما روي، عن الشعبي في قوله: عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ يعني: القتل الشديد.

والزنيم: له زنمة من الشر، يعرف بها كما تعرف الشاة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

خير كلّه، وقال ع: «إنَّ المؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ قَائِمِ اللَّيْلِ، صَائِمِ النَّهَارِ» وَجَاءَ في حُسْنِ الخُلُقِ آثارٌ كثيرةٌ مَنَعَنَا مِنْ جَلْبِها خَشْيَةُ الإطَالةِ، وقد رَوَى الترمذيُّ عَنْ أبي هريرةَ قال: «سئل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الجَنَّةَ؟

فقَال: تَقْوَى اللَّهِ وحُسْنُ الخُلُقِ، وسُئِلَ عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ/ النَّارَ؟

فَقَالَ: الفَمُ وَالْفَرْجُ» «١» ، قَالَ أبو عيسى:

هذَا حديثٌ صحيحٌ غَرِيبٌ، انتهى، ورَوى الترمذيّ عن أبي الدرداء أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «مَا مِنْ شَيْءٍ أَثْقَلَ في مِيزَانِ المُؤْمِنِ يَوْمَ القِيَامَةِ من خُلُقٍ حَسَنٍ، وإنَّ اللَّهَ لَيَبْغَضُ الفَاحِشَ البَذِيَّ» «٢» ، قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ، انتهى، قَال أبو عمر في «التمهيد» :

قال الله- عز وجل- لنبيه صلّى الله عليه وسلّم: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ قَال المفسرونَ: كان خلقُهُ مَا قَالَ اللَّهُ سبحانَه: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ [الأعراف: ١٩٩] انتهى.

وقَوْلهُ تعالى: فَسَتُبْصِرُ أي: أنْتَ وأمَّتكَ، وَيُبْصِرُونَ أي: هم، بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ قال الأخفش: والعاملُ في الجملةِ المسْتَفْهَمُ عَنْها الإبصَارُ، وأمّا البَاءُ فقال أبو عبيدةَ معمر وقتادةُ: هي زائدةٌ والمعنى: أيكم المفتونُ «٣» ، قال الثعلبيّ: المفْتُونُ المَجْنُونُ الذي فَتَنَهُ الشيطانُ، انتهى.

وقوله تعالى: فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ يعني: قريشاً، وذلك أنهم قَالُوا في بعضِ الأوْقَاتِ للنبي صلّى الله عليه وسلّم: لَوْ عَبَدْتَ آلهتَنَا وعَظَّمْتَها لَعَبَدْنَا إلهك وعظمناه، وودّوا أن يداهنهم النبي صلّى الله عليه وسلّم ويميلَ إلى مَا قالوا، فَيمِيلُوا هُمْ أيضاً إلى قَولهِ ودِينِهِ، والإدْهَانُ الملايَنَةُ فيما لاَ

يَحِلُّ، والمُدَارَاةُ الملاينة فيما يحل.

وقوله: فَيُدْهِنُونَ معطوفٌ وليس بجَوابٍ، لأنَّه لَوْ كَانَ لَنُصِبَ، والحلاّفُ المردِّد لِحَلفِهِ الذي قد كثرَ منه، والمُهينُ الضَّعِيفُ الرأيِ، والعَقْلِ قاله مجاهد «١» ، وقال ابن عباس: المهينُ الكذَّابُ «٢» ، والهمَّازُ الذي يَقَعُ في النّاسِ بلسَانِه «٣» ، قال منذر بن سعيد:

وبعَيْنِهِ وإشارَتِه، / والنَّمِيمُ مَصْدَرٌ كالنَّمِيمَةِ، وهو نَقْلَ مَا يَسْمَعُ مما يسوءُ ويُحَرِّشُ النفوسَ، قال أبو عمر بن عبد البر في كتابهِ المسمّى ب «بهجة المجالس» قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ كَفَّ عَنْ أعْرَاضِ المُسْلِمِينَ لِسَانَه أقَالَه اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ عَثَرَتَه» «٤» ، وقال- عليه الصَّلاةُ والسّلام-:

«شراركم أيّها الناس المشّاءون بالنَّمِيمَةِ، المُفَرِّقُونَ بَيْنَ الأَحِبَّةِ، البَاغُونَ لأَهْلِ البِرِّ العثرات» «٥» انتهى، وروى حذيفة أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَتَّاتٌ» «٦» ، وهو النَّمَّامُ، وذَهَبَ كثيرٌ مِنَ المفسِّرِينَ إلى أنَّ هذهِ الأوْصَافَ هي أجْنَاس لَمْ يُرَدْ بها رجلٌ بعينهِ، وقالت طائفة: بَلْ نزلت في معيَّنٍ، واختلفوا فيه، فقال بعضهم: هو الوليدُ بن المغيرة،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ ﴾ وذَلِكَ أنَّ رُؤَساءَ أهْلِ مَكَّةَ دَعَوْهُ إلى دِينِ آبائِهِ، فَنَهاهُ اللَّهُ أنْ يُطِيعَهم "وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ" فِيهِ سَبْعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: لَوْ تُرَخِّصُ فَيُرَخِّصُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: لَوْ تُصانِعُهم في دِينِكَ فَيُصانِعُونَ في دِينِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: لَوْ تَكْفُرُ فَيَكْفُرُونَ، قالَهُ عَطِيَّةُ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ.

والرّابِعُ: لَوْ تَلِينُ فَيَلِينُونَ لَكَ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والخامِسُ، لَوْ تُنافِقُ وتُرائِي فَيُنافِقُونَ ويُراؤُونَ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

والسّادِسُ: ودُّوا لَوْ تُداهِنُ في دِينِكَ فَيُداهِنُونَ في أدْيانِهِمْ.

وكانُوا أرادُوهُ عَلى أنْ يَعْبُدَ آلِهَتَهم مُدَّةً، ويَعْبُدُوا اللَّهَ مُدَّةً، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو مِنَ المُداهَنَةِ.

والسّابِعُ: لَوْ تُقارِبُهم فَيُقارِبُونَكَ، قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ ﴾ وهو كَثِيرُ الحَلِفِ بِالباطِلِ ﴿ مَهِينٍ ﴾ وهو الحَقِيرُ.

الدَّنِيءُ ورَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: المَهِينُ: الكَذّابُ.

واخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَ هَذا عَلى ثَلاثَةِ أقْوال.

أحَدُها: أنَّهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: الأخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ، قالَهُ عَطاءٌ، والسُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَمّازٍ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو المُغْتابُ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو العَيّابُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ ﴾ أيْ: يَمْشِي بَيْنَ النّاسِ بِالنَّمِيمَةِ، وهو نَقْلُ الكَلامِ السَّيِّئِ مِن بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ لِيُفْسِدَ بَيْنَهم "مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ" فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ مَنَعَ ولَدَهُ وعَشِيرَتَهُ الإسْلامَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: مَنّاعٌ لِلْحُقُوقِ في مالِهِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُعْتَدٍ ﴾ أيْ: ظَلُومٍ ﴿ أثِيمٍ ﴾ "فاجِرٍ" ﴿ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ أيْ: مَعَ ما وصَفْناهُ بِهِ.

وفي "العُتُلِّ" سَبْعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ العاتِي الشَّدِيدُ المُنافِقُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ المُتَوَفِّرُ الجِسْمِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: الشَّدِيدُ الأشِرُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: القَوِيُّ في كُفْرِهِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والخامِسُ: الأكُولُ الشَّرُوبُ القَوِيُّ الشَّدِيدُ، قالَهُ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ.

والسّادِسُ: الشَّدِيدُ الخُصُومَةِ بِالباطِلِ، قالَهُ الفَرّاءُ.

والسّابِعُ: أنَّهُ الغَلِيظُ الجافِي، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

وَفِي "الزَّنِيمِ" أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الدَّعِيُّ في قُرَيْشٍ ولَيْسَ مِنهُمْ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهَذا مَعْرُوفٌ في اللُّغَةِ أنَّ الزَّنِيمَ: هو المُلْتَصِقُ في القَوْمِ ولَيْسَ مِنهُمْ، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

قالَ حَسّانُ: وأنْتَ زَنِيمٌ نِيطَ في آلِ هاشِمِ كَما نِيطَ خَلْفَ الرّاكِبِ القَدَحُ الفَرْدُ والثّانِي: أنَّهُ الَّذِي يُعْرَفُ بِالشَّرِّ، كَما تُعْرَفُ الشّاةُ بِزَنَمَتِها، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الَّذِي لَهُ زَنَمَةٌ مِثْلُ زَنَمَةِ الشّاةِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نُعِتَ فَلَمْ يَعْرِفْ حَتّى قِيلَ: زَنِيمٌ، فَعَرَفَ، وكانَتْ لَهُ زَنَمَةٌ في عُنُقِهِ يُعْرَفُ بِها.

ولا نَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَلَغَ مِن ذِكْرِ عُيُوبِ أحَدٍ ما بَلَغَهُ مِن ذِكْرِ عُيُوبِ الوَلِيدِ، لِأنَّهُ وصَفَهُ بِالحَلِفِ، والمَهانَةِ، والعَيْبِ لِلنّاسِ، والمَشْيِ بِالنَّمِيمَةِ، والبُخْلِ، والظُّلْمِ، والإثْمِ، والجَفاءِ، والدِّعْوَةِ، فَألْحَقَ بِهِ عارًا لا يُفارِقُهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.

والزَّنَمَتانِ: المُعَلَّقَتانِ عِنْدَ حُلُوقِ المَعْزى.

وقالَ ابْنُ فارِسٍ: يَعْنِي الَّتِي تَتَعَلَّقُ مِن أُذُنِها.

والرّابِعُ: أنَّهُ الظَّلُومُ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "أنْ كانَ" عَلى الخَبَرِ، أيْ: لِأنْ كانَ.

والمَعْنى: لا تُطِعْهُ لِمالِهِ وبَنِيهِ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِهَمْزَتَيْنِ، الأُولى: مُخَفَّفَةٌ.

والثّانِيَةُ: مُلَيَّنَةٌ، وفَصَلَ بَيْنَهُما بِألِفٍ أبُو جَعْفَرٍ.

وقَرَأ حَمْزَةُ: "أأنْ كانَ" بِهَمْزَتَيْنِ مُخَفَّفَتَيْنِ عَلى الِاسْتِفْهامِ، ولَهُ وجْهانِ.

أحَدُهُما: لِأنْ كانَ ذا مالٍ تُطِيعُهُ؟!

والثّانِي: ألِأنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ؟!

"إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا" يَكْفُرُ بِها؟

فَيَقُولُ: "أساطِيرُ الأوَّلِينَ" ذَكَرَ القَوْلَيْنِ الفَرّاءُ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "أنْ كانَ" بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ مَقْصُورَةٍ.

ثُمَّ أوْعَدَهُ فَقالَ تَعالى: ﴿ سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ ﴾ الخُرْطُومُ: الأنْفُ.

وفي هَذِهِ السِّمَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: سَنَسِمُهُ بِالسَّيْفِ، فَنَجْعَلُ ذَلِكَ عَلامَةً عَلى أنْفِهِ ما عاشَ، فَقاتَلَ يَوْمَ بَدْرٍ فَخُطِمَ بِالسَّيْفِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: سَنُلْحِقُ بِهِ شَيْئًا لا يُفارِقُهُ، قالَهُ قَتادَةُ، واخْتارَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: سَنُسَوِّدُ وجْهَهُ.

قالَ الفَرّاءُ: و"الخُرْطُومُ" وإنْ كانَ قَدْ خُصَّ بِالسِّمَةِ، فَإنَّهُ في مَذْهَبِ الوَجْهِ، لِأنَّ بَعْضَ الوَجْهِ يُؤَدِّي عَنِ البَعْضِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: سَنَجْعَلُ لَهُ في الآخِرَةِ العَلَمَ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ أهْلُ النّارِ مِنِ اسْوِدادِ وُجُوهِهِمْ.

وجائِزٌ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنْ يُفْرَدَ بِسِمَةٍ لِمُبالَغَتِهِ في عَداوَتِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ  يَتَبَيَّنُ بِها عَنْ غَيْرِهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ [سُورَةِ القَلَمِ] وهِيَ مَكِّيَّةٌ، ولا خِلافَ فِيها بَيْنَ أحَدٍ مِن أهْلِ التَأْوِيلِ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ن والقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ ﴾ ﴿ ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴾ ﴿ وَإنَّ لَكَ لأجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ ﴾ ﴿ وَإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ ﴿ فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ ﴾ ﴿ بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ ﴾ ﴿ إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عن سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ ﴾ ﴿ فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ ﴾ ﴿ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ﴾ ﴿ وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ ﴾ ﴿ هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ ﴾ "ن" حَرْفٌ مَقَطَّعٌ في قَوْلِ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، فَيَدْخُلُهُ مِنَ الِاخْتِلافِ ما يَدْخُلُ أوائِلَ السُورِ، ويَخْتَصُّ هَذا المَوْضِعُ مِنَ الأقْوالِ بِأنْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: "ن" اسْمُ الحُوتِ الأعْظَمِ الَّذِي عَلَيْهِ الأرْضُونَ السَبْعُ فِيما يُرْوى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ والضَحّاكُ: "ن" اسْمٌ لِلدَّواةِ، فَهَذا إمّا أنْ يَكُونَ لُغَةً لِبَعْضِ العَرَبِ أو تَكُونُ لَفْظَةً أعْجَمِيَّةً، قالَ الشاعِرُ: إذا ما الشَوْقُ بَرَّحَ بِي إلَيْهِمْ..

ألْقَتِ النُونُ بِالدَمْعِ السُجُومِ فَمَن قالَ بِأنَّهُ اسْمُ الحُوتِ جَعَلَ "القَلَمَ" القَلَمَ الَّذِي خَلَقَهُ اللهُ تَعالى وأمَرَهُ فَكَتَبَ الكائِناتِ، وجَعَلَ الضَمِيرَ في "يَسْطُرُونَ" لِلْمَلائِكَةِ، ومَن قالَ بِأنَّ"ن" اسْمٌ لِلدَّواةِ جَعَلَ "القَلَمَ" هو المُتَعارَفُ بِأيْدِي الناسِ، نَصَّ ذَلِكَ ابْنُ عَبّاسٍ، وجَعَلَ الضَمِيرَ في ﴿ يَسْطُرُونَ ﴾ لِلنّاسِ، فَجاءَ القَسَمُ -عَلى هَذا- بِمَجْمُوعِ أمْرِ الكِتابِ الَّذِي هو قِوامٌ لِلْعُلُومِ والمَعارِفِ وأُمُورِ الدُنْيا والآخِرَةِ، فَإنَّ القَلَمَ أخُو اللِسانِ ومَطِيَّةُ الفَطِنَةِ ونِعْمَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى عامَّةٌ، ورَوى مُعاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ أنَّ النَبِيَّ  قالَ: « "ن لَوْحٌ مِن نُورٍ"،» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وغَيْرُهُ: "ن" حَرْفٌ مِن حُرُوفِ الرَحْمَنِ، وقالُوا: إنَّهُ تَقَطَّعَ في القُرْآنِ إلى "الر" و"حم" و"ن".

وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِخِلافٍ-: "نُونَ" بِالنُصْبِ، والمَعْنى: اذْكُرْ نُونَ، وهَذا يَقْوى مَعَ أنْ يَكُونُ اسْمًا لِلسُّورَةِ، فَهو مُؤَنَّثٌ سُمِّيَ بِهِ مُؤَنَّثٌ، فَفِيهِ تَأْنِيثٌ وتَعْرِيفٌ ولِذَلِكَ لَمْ يَنْصَرِفْ، وانْصَرَفَ "نُوحٌ" لِأنَّ الخِفَّةَ بِكَوْنِهِ عَلى ثَلاثَةِ أحْرُفٍ غَلَبَتْ عَلى عِلَّةِ العُجْمَةِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، والحَسَنُ: "نُونِ" بِكَسْرِ النُونِ، وهَذا كَما تَقُولُ في القَسَمِ: اللهُ، وكَما قالُوا: "جَيْرِ"، وقِيلَ: كُسِرَتْ لِاجْتِماعِ الساكِنِينَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "نُونْ" بِسُكُونِ النُونِ، وهَذا عَلى أنَّهُ حَرْفٌ مُنْفَصِلٌ فَحَقُّهُ الوُقُوفُ عَلَيْهِ، وقَرَأ قَوْمٌ مِنهُمُ الكِسائِيُّ: "ن والقَلَمِ" بِالإدْغامِ دُونَ غُنَّةٍ، وقَرَأ آخَرُونَ بِإدْغامٍ وبِغُنَّةٍ، وقَرَأ الكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ بِالإخْفاءِ بَيْنَ الإدْغامِ والإظْهارِ، و"يَسْطُرُونَ" مَعْناهُ: يَكْتُبُونَ سُطُورًا، فَإنْ أرادَ اللهُ تَعالى المَلائِكَةَ فَهو كَتْبُ الأعْمالِ وما يُؤْمَرُونَ بِهِ، وإنْ أرادَ تَعالى بَنِي آدَمَ، فَهي الكُتُبُ المُنَزَّلَةُ والعُلُومُ وما جَرى مَجْراها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴾ هو جَوابُ القَسَمِ، و"ما" هاهُنا عامِلَةٌ لَها اسْمٌ وخَبَرٌ، وكَذَلِكَ هي مَتى دَخَلَتِ الباءُ في الخَبَرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "بِنِعْمَةِ رَبِّكَ" اعْتِراضٌ، كَما تقُولُ لْإنْسانٍ: أنْتَ -بِحَمْدِ اللهِ- فاضِلٌ.

وسَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ قُرَيْشًا رَمَتْ رَسُولَ اللهِ  بِالجُنُونِ، وهو سَتْرُ العَقْلِ، بِمَعْنى أنَّ كَلامَهُ خَطَأٌ كَكَلامِ المَجْنُونِ، فَنَفى اللهُ تَعالى ذَلِكَ عنهُ، وأخْبَرَهُ بِأنَّ لَهُ الأجْرَ، وبِأنَّهُ عَلى الخُلُقِ العَظِيمِ تَشْرِيفًا لَهُ ومَدْحًا.

واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى "مَمْنُونٍ"، فَقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: هو الواهِنُ المُنْقَطِعُ، يُقالُ: "حَبْلٌ مَمْنُون"، أيْ: ضَعِيفٌ، وقالَ آخَرُونَ: مَعْناهُ: غَيْرُ مَمْنُونٍ عَلَيْكَ، أيْ: لا يُكَدِّرُهُ مَن بِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: غَيْرُ مُسَرَّدٍ ولا مَحْسُوبٍ مُحَصِّلٍ، أيْ: بِغَيْرِ حِسابٍ، «وَسُئِلَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها عن خُلُقِ رَسُولِ اللهِ  فَقالَتْ: "خَلَقَهُ القُرْآنُ"» أى آدابُهُ وأوامِرُهُ، وقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: الخُلُقُ العَظِيمُ أدَبُ القُرْآنِ، وعَبَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما عَنِ الخُلُقِ بِالدِينِ والشَرْعِ، وذَلِكَ لا مَحالَةَ رَأْسُ الخُلُقِ ووَكِيدُهُ، أما إنّ الظاهِرَ مِنَ الآيَةِ أنَّ الخَلْقَ هو الَّذِي يُضادُّ مَقْصِدَ الكُفّارِ في قَوْلِهِمْ: "مَجْنُونٌ" أيْ: غَيْرُ مُحَصَّلٍ لِما يَقُولُ، وإنَّما مَدْحُهُ تَعالى بِكَرَمِ السَجِيَّةِ وبَراعَةِ القَرِيحَةِ والمَلَكَةِ الجَمِيلَةِ وجَوْدَةِ الضَرائِبِ، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكارِمَ الأخْلاقِ"،» وقالَ جُنَيْدُ: "سُمِّيَ خُلُقُهُ عَظِيمًا إذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ هِمَّةً سِوى اللهُ تَعالى، عاشَرَ الخَلْقَ بِخُلُقِهِ وزايَلَهم بِقَلْبِهِ، فَكانَ ظاهِرُهُ مَعَ الخَلْقِ وباطِنُهُ مَعَ الحَقِّ"، وفي وصِيَّةِ بَعْضِ الحُكَماءِ" "عَلَيْكَ بِالتَخَلُّقِ مَعَ الخَلْقِ، وبِالصِدْقِ مَعَ الحَقِّ، وحُسْنِ الخَلْقِ خَيْرٌ كُلُّهُ"، وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "إنَّ المُؤْمِنَ لَيُدْرِكَ بِحُسْنِ خَلْقِهِ دَرَجَةَ قائِمِ اللَيْلِ صائِمِ النَهارِ"،» وقالَ: « "ما شَيْءٌ أثْقَلُ في المِيزانِ مِن خُلُقٍ حَسَنٍ"،» وَقالَ: « "أحَبَّكم إلى اللهِ أحْسَنُكم أخْلاقًا"،» والعَدْلُ والإحْسانُ والعَفْوُ والصِلَةُ مِنَ الخُلُقِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "فَسَتُبْصِرُ" أيْ: أنْتِ وأُمَّتُكِ، و"يُبْصِرُونَ" أيْ: هُمْ، واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: "بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ" فَقالَ أبُو عُثْمانَ المازِنِيُّ: الكَلامُ تامٌّ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَيُبْصِرُونَ"، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ تَعالى: "بِأييِّكُمُ المَفْتُونُ"، وقالَ الأخْفَشُ: بَلِ الإبْصارُ عامِلٌ في الجُمْلَةِ المُسْتَفْهَمِ عنها، في مَعْناها، وأمّا الباءُ فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ، وقَتادَةَ: هي زائِدَةٌ، والمَعْنى: أيُّكُمُ المَفْتُونُ؟

وقالَ الحَسَنُ، والضَحّاكُ: "المَفْتُونُ" بِمَعْنى الفِتْنَةِ، كَما قالُوا: "ما لَهُ مَعْقُولٌ" أيْ: عَقْلٌ، وكَما قالُوا: "اقْبَلْ مَيْسُورَهِ ودَعْ مَعْسُورَهُ"، فالمَعْنى: بِأيِّكُمُ هي الفِتْنَةُ والفَسادُ الَّذِي سَمَّوْهُ جُنُونًا؟

وقالَ آخَرُونَ: المَعْنى: بِأيِّكُمُ فُتِنَ المَفْتُونُ؟

وقالَ الأخْفَشُ، المَعْنى: بِأيِّكُمُ فِتْنَةُ المَفْتُونِ؟

ثُمَّ حُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، وقالَ مُجاهِدٌ، والفَرّاءُ: الباءُ بِمَعْنى "فِي" أيْ: في أيِّ فَرِيقٍ مِنكُمُ النَوْعُ المَفْتُونُ؟

وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ قَلِيلُ التَكَلُّفِ، ولا نَقُولُ إنَّ حَرْفًا بِمَعْنى حَرْفٍ، بَلْ نَقُولُ: إنَّ هَذا المَعْنى يَتَوَصَّلُ إلَيْهِ بـ "فِي" وبِالباءِ أيْضًا.

وقَرَأ ابْنُ أبى عَبْلَةَ: "فِي أيِّكُمُ المَفْتُونُ".

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عن سَبِيلِهِ ﴾ الآيَةُ، وعِيدٌ، والعامِلُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ بِمَن ضَلَّ ﴾ هو "أعْلَمُ"، وقَدْ قَوّاهُ حَرْفُ الجَرِّ فَلا يَحْتاجُ إلى إضْمارِ فِعْلٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ ﴾ يُرِيدُ قُرَيْشًا، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا في بَعْضِ الأوقاتِ لِرَسُولِ اللهِ  : لَوْ عَبَدْتَ آلِهَتَنا وعَظَّمْتَها لَعَبَدْنا إلَهَكَ وعَظَّمْناهُ، ووَدُّوا أنْ يُداهِنَهم رَسُولُ اللهِ  ويَمِيلُ إلى ما قالُوا فَيَمِيلُوا هم أيْضًا إلى قَوْلِهِ ودِينِهِ، و"الِادِّهانُ": المُلايَنَةُ فِيما لا يَحِلُّ، والمُداراةُ: المُلايَنَةُ فِيما يَحِلُّ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَيُدْهِنُونَ" مَعْطُوفٌ ولَيْسَ بِجَوابٍ؛ لِأنَّهُ كانَ لَنُصِبَ.

و"الحَلّافُ": المُرَدِّدُ لِحَلِفِهِ الَّذِي قَدْ كَثُرَ مِنهُ، و"المَهِينُ": الضَعِيفُ العَقْلِ والرَأْيِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وهو مِن "مَهِنَ" إذا ضَعُفَ، والمِيمُ فاءُ الفِعْلِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَهِينُ: الكَذّابُ.

و"الهَمّازُ": الَّذِي يَقَعُ في الناسِ، وأصْلُ الهَمْزِ في اللُغَةِ الضَرْبُ طَعْنًا بِاليَدِ أو بِالعَصا أو نَحْوِهِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلَّذِي يَنالُ بِلِسانِهِ، قالَ مُنْذِرٌ: وبِعَيْنِهِ وإشارَتِهِ، وسُمِّيَتِ الهَمْزَةَ لِأنَّ في النُطْقِ بِها حِدَّةً وعَجَلَةً فَشُبِّهَتْ بِالهَمْزِ بِاليَدِ، وقِيلَ لِبَعْضِ الأعْرابِ: أتَهْمِزُ الفَأْرَةَ؟

قالَ: الهِرَّةُ تَهْمِزُها، وقِيلَ لِآخَرَ: أتَهْمِزُ إسْرائِيلَ؟

فَقالَ: إنِّي إذًا لَرَجُلُ سُوءٍ.

و"النَمِيمُ" مَصْدَرٌ كالنَمِيمَةِ، وهو نَقْلُ ما يَسْمَعُ مِمّا يَسُوءُ ويَحْرِشُ النُفُوسَ، ورَوى حُذَيْفَةُ أنَّ النَبِيَّ  قالَ: « "لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَتّاتٌ"،» وهو النَمّامُ، وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذِهِ الأوصافَ هي أجْناسٌ لَمْ يُرَدْ بِها رَجُلٌ بِعَيْنِهِ، وقالَتْ طائِفَةٌ: بَلْ نَزَلَتْ في مُعَيَّنٍ، واخْتُلِفَ فِيهِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: هو الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةَ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ غِناهُ وأنَّهُ أشْهَرُهم بِالمالِ والبَنِينَ، وقالَ الشَعْبِيُّ وغَيْرُهُ: هو الأخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّهُ كانَتْ لَهُ هِنَةٌ في حَلْقِهِ كَزَنَمَةَ الشاةِ، وأيْضًا فَكانَ مِن ثَقِيفٍ مُلْصَقًا في قُرَيْشٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ: هو أبُو جَهْلٍ، وذَكَرَ النِقّاشُ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وقالَ مُجاهِدٌ: هو الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، وظاهِرُ اللَفْظَةِ عُمُومُ مَن بِهَذِهِ الصِفَّةِ، والمُخاطَبَةُ بِهَذا المَعْنى مُسْتَمِرَّةٌ باقِي الزَمانِ لا سِيَّما لِوُلاةِ الأُمُورِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

إعادة فعل النهي عن الطاعة لمن هذه صفاتهم للاهتمام بهذا الأدب فلم يُكتفَ بدخول أصحاب هذه الأوصاف في عموم المكذبين، ولا بتخصيصهم بالذكر بمجرد عطف الخاص على العام بأن يقال: ولا كلَّ خلاف، بل جيء في جانبهم بصيغة نهي أخرى مماثلة للأولى.

وليفيد تسليط الوعيد الخاص وهو في مضمون قوله: ﴿ سَنَسِمُهُ على الخرطوم ﴾ [القلم: 16] على أصحاب هذه الصفات الخاصة زيادة على وعيد المكذبين.

وقريب منه قول الحارث بن همام الشيباني: أيا ابنَ زيَّابَةَ إِنْ تلْقَنِي *** لاَ تلْقَنِي في النعَم العازب وتَلْقَنِي يَشْتَدُّ بي أجرد *** مُستقدِمُ البِرْكة كالراكب فلم يكتف بعطفٍ: ب (بل) أو (لكنْ) بأن يقول: بل تلقني يشتد بي أجرد، أو لكن تلقني يشتد بي أجرد، وعَدَل عن ذلك فأعاد فعل (تلقني).

وكلمة ﴿ كلَّ ﴾ موضوعة لإفادة الشمول والإِحاطة لأفراد الاسم الذي تضاف هي إليه، فهي هنا تفيد النهي العام عن طاعة كل فرد من أفراد أصحاب هذه الصفات التي أضيف إليها ﴿ كلّ ﴾ بالمباشرة وبالنعوت.

وقد وقعت كلمة ﴿ كلَّ ﴾ معمولة للفعل الداخلة عليه أداة النهي ولا يفهم منه أن النهي منصب إلى طاعة من اجتمعت فيه هذه الصفات بحيث لو أطاع بعض أصحاب هذه الصفات لم يكن مخالفاً للنهي إذ لا يخطر ذلك بالبال ولا يجري على أساليب الاستعمال، بل المراد النهي عن طاعة كل موصوف بخصلة من هذه الخصال بَلْهَ من اجتمع له عِدَّةٌ منها.

وفي هذا ما يبطل ما أصَّلَه الشيخ عبد القاهر في «دلائل الإِعجاز» من الفرق بين أن تقع ﴿ كلَّ ﴾ في حيز النفي، أي أو النهي فتفيد ثبوت الفعل أو الوصف لبعض مما أضيفت إليه ﴿ كلَّ ﴾ إن كانت ﴿ كلَّ ﴾ مسنداً إليها، أو تفيد تعلق الفعل أو الوصف ببعض ما أضيفت إليه ﴿ كل ﴾ إن كانت معمولة للمنفيِّ أو المنهيّ عنه، وبين أن تقع ﴿ كلّ ﴾ في غَير حَيّزِ النفي، وجعَلَ رفْع لفظ (كلُّه) في قول أبي النجم: قد أَصْبَحَتْ أُم الخيار تدّعي *** عليّ ذنباً كلُّه لم أصْنَع متعيناً، لأنه لو نصبه لأفاد تنصله من أن يكون صنع مجموع ما ادعته عليه من الذنوب، فيصدق بأنه صنع بعض تلك الذنوب وهو لم يقصد ذلك كما صرحَ بإبطاله العلامةُ التفتزاني في «المطول»، واستشهد للإِبطال بقوله تعالى: ﴿ والله لا يُحب كلّ كفار أثيم ﴾ [البقرة: 276] وقوله: ﴿ ولا تطع كل حلاف مهين ﴾ .

وأجريت على المنهي عن الإِطاعة بهذه الصفات الذميمة، لأن أصحابها ليسوا أهلاً لأن يطاعوا إذ لا ثقة بهم ولا يأمرون إلاّ بسوء.

قال جمع من المفسرين المراد بالحَلاّف المَهين: الوليد بن المغيرة، وقال بعضهم: الأخنس بن شَريق، وقال آخرون: الأسودُ بن عبد يغوث، ومن المفسرين من قال المراد: أبو جهل، وإنما عنوا أن المراد التعريض بواحد من هؤلاء، وإلاّ فإن لفظ ﴿ كلّ ﴾ المفيدَ للعموم لا يسمح بأن يراد النهي عن واحد معين، أما هؤلاء فلعل أربعتهم اشتركوا في معظم هذه الأوصاف فهم ممن أريد بالنهي عن إطاعته ومن كان على شاكلتهم من أمثالهم.

وليس المراد مَن جَمَع هذه الخلال بل من كانت له واحدة منها، والصفة الكبيرة منها هي التكذيب بالقرآن التي خُتم بها قوله: ﴿ إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين ﴾ [القلم: 15]، لكن الذي قال في القرآن إنه ﴿ أساطير الأولين ﴾ [القلم: 15] هو الوليد بن المغيرة، فهو الذي اختلق هذا البهتان في قصة معلومة، فلما تلقف الآخَرون منه هذا البهتان وأُعجبوا به أخذوا يقولونه فكان جميعهم ممن يقوله ولذلك أسند الله إليهم هذا القول في آية ﴿ وقالوا أساطير الأولين ﴾ [الفرقان: 5].

وذُكرت عشر خلال من مذامّهم التي تخلقوا بها: الأولى: ﴿ حَلاَّف ﴾ ، والحَلاف: المكثر من الأيْمَان على وُعودِه وأخباره، وأحسب أنه أريد به الكناية عن عدم المبالاة بالكذب وبالأيمان الفاجرة فجعلت صيغة المبالغة كناية عن تعمد الحنث، وإلاَّ لم يكن ذمه بهذه المثابة، ومن المفسرين من جعل ﴿ مَهين ﴾ قيداً ل ﴿ حلافٍ ﴾ على جَعْل النهي عن طاعة صاحب الوصفين مجتمعين.

هذه خصلة ثانية وليست قيداً لصفة ﴿ حَلاّف ﴾ .

والمهين: بفتح الميم فَعيل من مَهُن بمعنى حَقُرَ وذَلّ، فهو صفة مشبهة، وفعله مَهُنَ بضم الهاء، وميمه أصلية وياؤه زائدة، وهو فعيل بمعنى فاعل، أي لا تطع الفاجر الحقير.

وقد يكون ﴿ مهين ﴾ هنا بمعنى ضعيف الرأي والتمييز، وكل ذلك من المهانة.

و ﴿ مهين ﴾ : نعت ل ﴿ حَلاف ﴾ ، وكذلك بقية الصفات إلى ﴿ زنيم ﴾ [القلم: 13] فهو نعت مستقل، وبعضهم جعله قيداً ل ﴿ حَلاّف ﴾ وفَسر المهين بالكذاب أي في حلفه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ ودُّوا لَوْ تَكْفُرُ فَيَكْفُرُونَ، قالَهُ السُّدِّيُّ والضَّحّاكُ.

الثّانِي: ودُّوا لَوْ تَضْعُفُ فَيَضْعُفُونَ، قالَهُ أبُو جَعْفَرٍ.

الثّالِثُ: لَوْ تَلِينُ فَيَلِينُونَ، قالَهُ الفَرّاءُ.

الرّابِعُ: لَوْ تَكْذِبُ فَيَكْذِبُونَ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.

الخامِسُ: لَوْ تُرَخِّصُ لَهم فَيُرَخِّصُونَ لَكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

السّادِسُ: أنْ تَذْهَبَ عَنْ هَذا الأمْرِ فَيَذْهَبُونَ مَعَكَ، قالَهُ قَتادَةُ.

وَفي أصْلِ المُداهَنَةِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مُجامَلَةُ العَدُوِّ ومُمايَلَتُهُ، قالَ الشّاعِرُ لَبَعْضُ الغَشْمِ أحُزْمُ أُمُورٍ تَنُوبُكَ مِن مُداهَنَةِ العَدُوِّ.

الثّانِي: أنَّها النِّفاقُ وتَرْكُ المُناصَحَةِ، قالَهُ المُفَضَّلُ، فَهي عَلى هَذا الوَجْهِ مَذْمُومَةٌ، وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ غَيْرُ مَذْمُومَةٍ.

﴿ وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ الكَذّابُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: الضَّعِيفُ القَلْبِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّهُ المِكْثارُ مِنَ الشَّرِّ، قالَهُ قَتادَةُ.

الرّابِعُ: أنَّهُ الذَّلِيلُ بِالباطِلِ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنَّهُ الَّذِي يَهُونُ عَلَيْهِ الحِنْثُ.

وَفي مَن نَزَلَ ذَلِكَ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شُرَيْقٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، عَرَضَ عَلى النَّبِيِّ  مالًا وحَلَفَ أنْ يُعْطِيَهُ إنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

﴿ هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ الفَتّانُ الطَّعّانُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّهُ الَّذِي يَلْوِي شِدْقَيْهِ مِن وراءِ النّاسِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الَّذِي يَهْمِزُهم بِيَدِهِ ويَضْرِبُهم دُونَ لِسانِهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، والأوَّلُ أشْبَهُ لِقَوْلِ الشّاعِرِ تُدْلِي بِوُدٍّ إذا لاقَيْتَنِي كَذِبًا ∗∗∗ وإنْ أغِيبُ فَأنْتَ الهامِزُ اللُّمَزَةُ.

﴿ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الَّذِي يَنْقُلُ الأحادِيثَ مِن بَعْضِ النّاسِ إلى بَعْضٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: هو الَّذِي يَسْعى بِالكَذِبِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ ومَوْلى كَبَيْتِ النَّمْلِ لا خَيْرَ عِنْدَهُ ∗∗∗ لِمَوْلاهُ إلّا سَعْيَةً بِنَمِيمٍ.

وَفِي النَّمِيمِ والنَّمِيمَةِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُما لُغَتانِ، قالَهُ الفَرّاءُ.

الثّانِي: أنَّ النَّمِيمَ جَمْعُ نَمِيمَةٍ.

﴿ مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِلْحُقُوقِ مِن ظُلْمٍ.

الثّانِي: الإسْلامُ يَمْنَعُ النّاسَ مِنهُ.

﴿ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ ﴾ يَعْنِي بَعْدَ كَوْنِهِ ﴿ مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أثِيمٍ ﴾ ، هو عُتُلٌّ زَنِيمٌ، وفِيهِ تِسْعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ العُتُلَّ الفاحِشُ، وهو مَأْثُورٌ عَنِ النَّبِيِّ  : الثّانِي: أنَّهُ القَوِيُّ في كُفْرِهِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الوَفِيرُ الجِسْمِ، قالَهُ الحَسَنُ وأبُو رُزَيْنٍ.

الرّابِعُ: أنَّهُ الجافِي الشَّدِيدُ الخُصُومَةِ بِالباطِلِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الخامِسُ: أنَّهُ الشَّدِيدُ الأسْرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

السّادِسُ: أنَّهُ الباغِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

السّابِعُ: أنَّهُ الَّذِي يَعْتِلُ النّاسَ، أيْ يَجُرُّهم إلى الحَبْسِ أوِ العَذابِ، مَأْخُوذٌ مِنَ العَتْلِ وهو الجَرُّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ  ﴾ .

الثّامِنُ: هو الفاحِشُ اللَّئِيمُ، قالَهُ مَعْمَرٌ، قالَ الشّاعِرُ يَعْتَلِ مِنَ الرِّجالِ زَنِيمٌ ∗∗∗ غَيْرُ ذِي نَجْدَةٍ وغَيْرُ كَرِيمِ.

التّاسِعُ: ما رَواهُ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غُنْمٍ، ورَواهُ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « (لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ جَوّاظٌ ولا جَعْظَرِيٌّ ولا العُتُلُّ الزَّنِيمُ فَقالَ رَجُلٌ: ما الجَوّاظُ وما الجَعْظَرِيُّ وما العُتُلُّ الزَّنِيمُ؟

فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  اَلْجَوّاظُ الَّذِي جَمَعَ ومَنَعَ، والجَعْظَرِيُّ الغَلِيظُ، والعُتُلُّ الزَّنِيمُ الشَّدِيدُ الخَلْقِ الرَّحِيبُ الجَوْفِ، المُصَحِّحُ الأكُولُ الشَّرُوبُ الواجِدُ لِلطَّعامِ، الظَّلُومُ لِلنّاسِ)» .

وأمّا الزَّنِيمُ فَفِيهِ ثَمانِيَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ اللَّيِّنُ، رَواهُ مُوسى بْنُ عَقَبَةَ عَنِ النَّبِيِّ  .

الثّانِي: أنَّهُ الظَّلُومُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ ابْنِ طَلْحَةَ عَنْهُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الفاحِشُ، قالَهُ إبْراهِيمُ.

الرّابِعُ: أنَّهُ الَّذِي لَهُ زَنَمَةٌ كَزَنَمَةِ الشّاةِ، قالَ الضَّحّاكُ: لِأنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ كانَ لَهُ أسْفَلَ مِن أُذُنِهِ زَنَمَةٌ مِثْلُ زَنَمَةِ الشّاةِ، وفِيهِ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شُرَيْقٍ لِأنَّهُ حَلِيفٌ مُلْحَقٌ ولِذَلِكَ سُمِّيَ زَنِيمًا.

الخامِسُ: أنَّهُ ولَدُ الزِّنى، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

السّادِسُ: أنَّهُ الدَّعِيُّ، قالَ الشّاعِرُ زَنِيمٌ تَداعاهُ الرِّجالُ زِيادَةً ∗∗∗ كَما زِيدَ في عَرْضِ الأدِيمِ الأكارِعُ السّابِعُ: أنَّهُ الَّذِي يُعْرَفُ بِالأُبْنَةِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

الثّامِنُ: أنَّهُ عَلامَةُ الكُفْرِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ ﴾ ، قالَهُ أبُو رُزَيْنٍ.

﴿ أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ ﴾ قِيلَ إنَّهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، كانَتْ لَهُ حَدِيقَةٌ بِالطّائِفِ، وكانَ لَهُ اثْنا عَشَرَ ابْنًا، حَكاهُ الضَّحّاكُ.

وَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: المالُ والبَنُونَ حَرْثُ الدُّنْيا، والعَمَلُ الصّالِحُ حَرْثُ الآخِرَةِ.

﴿ إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ.

﴿ قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ يَعْنِي أحادِيثَ الأوَّلِينَ وأباطِيلَهم.

﴿ سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها سِمَةٌ سَوْداءُ تَكُونُ عَلى أنْفِهِ يَوْمَ القِيامَةِ يَتَمَيَّزُ بِها الكافِرُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ  ﴾ .

الثّانِي: أنَّهُ يُضْرَبُ في النّارِ عَلى أنْفِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّالِثُ: أنَّهُ إشْهارٌ ذَكَّرَهُ بِالقَبائِحِ، فَيَصِيرُ مَوْسُومًا بِالذِّكْرِ لا بِالأثَرِ.

الرّابِعُ: هو ما يَبْتَلِيهِ اللَّهُ بِهِ في الدُّنْيا في نَفْسِهِ ومالِهِ ووَلَدِهِ مِن سُوءٍ وذُلٍّ وصَغارٍ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ، واسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الأعْشى: فَدَعْها وما يُغْنِيكَ واعْمُدْ لِغَيْرِها ∗∗∗ بِشِعْرِكَ واغْلِبْ أنْفَ مَن أنْتَ واسْمُ.

وَقالَ المُبَرِّدُ: الخُرْطُومُ هو مِنَ النّاسِ الأنْفُ، ومِنَ البَهائِمِ الشَّفَةُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن مردويه عن أبي عثمان النهدي قال: قال مروان بن الحكم لما بايع الناس ليزيد سنة أبي بكر وعمر، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: إنها ليست بسنة أبي بكر وعمر، ولكنها سنة هرقل، فقال مروان: هذا الذي أنزلت فيه ﴿ والذي قال لوالديه أفٍّ لكما ﴾ قال: فسمعت ذلك عائشة، فقالت: إنها لم تنزل في عبد الرحمن، ولكن نزلت في أبيك ﴿ ولا تطع كل حلاف مهين همّاز مشاء بنميم ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﴿ ولا تطع كل حلاف ﴾ الآية قال: يعني الأسود بن عبد يغوث.

وأخرج عبد بن حميد عن عامر الشعبي ﴿ ولا تطع كل حلاف ﴾ الآية قال: هو رجل من ثقيف يقال له: الأخنس بن شريق.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الحسن في قوله: ﴿ ولا تطع كل حلاف مهين ﴾ يقول: مكثار في الحلف ﴿ مهين ﴾ يقول: ضعيف.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ﴿ ولا تطع كل حلاف مهين ﴾ قال: ضعيف القلب ﴿ عتل ﴾ قال: شديد الأسر ﴿ زنيم ﴾ قال: ملحق في النسب زعم ابن عباس.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ﴿ ولا تطع كل حلاف مهين ﴾ قال: المهين المكثار في الشر ﴿ هماز ﴾ قال: يأكل لحوم الناس ﴿ مناع للخير ﴾ قال: فلا يعطي خيراً ﴿ معتد ﴾ قال: معتد في قوله: متعمد في عمله ﴿ أثيم ﴾ بربه ﴿ عتل ﴾ هو الفاجر اللئيم الضريبة، وذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى يظهر الفحش والتفحش وسوء الجوار وقطيعة الرحم» .

وأخرج عبد بن حميد عن أبي أمامة في قوله: ﴿ عتل بعد ذلك زنيم ﴾ قال: هو الفاحش اللئيم.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن الحسن وأبي العالية مثله.

وأخرج عبد بن حميد وابن عساكر عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿ زنيم ﴾ قال: هو الدعيّ أما سمعت قول الشاعر: زنيم تداعاه الرجال زيادة ** كما زيد في عرض الأديم أكارعه وأخرج ابن الأنباري في الوقف والابتداء عن عكرمة أنه سئل عن الزنيم قال: هو ولد الزنا، وتمثل بقول الشاعر: زنيم ليس يعرف من أبوه ** بغيّ الأم ذو حسب لئيم وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: العتل الزنيم رجل ضخم شديد كانت له زنمة زائدة في يده، وكانت علامته.

وأخرج عبد بن حميد عن شهر بن حوشب قال: العتل الصحيح الأكول الشروب، والزنيم الفاجر.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في قوله: ﴿ عتل بعد ذلك زنيم ﴾ قال: يعرف الكافر من المؤمن مثل الشاة الزنماء، والزنماء التي في حلقها كالمتعلقتين في حلق الشاة.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: الزنيم يعرف بهذا الوصف كما تعرف الشاة الزنماء من التي لا زنمة لها.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن المسيب في قوله: ﴿ عتل بعد ذلك زنيم ﴾ قال: هو الملزق في القوم ليس منهم.

وأخرج عبد بن حميد عن شهر بن حوشب عن ابن عباس قال: ستة لا يدخلون الجنة أبداً: العاق والمدمن والجعشل والجوّاظ والقتات والعتل الزنيم.

فقلت يا ابن عباس: أما اثنتان فقد علمت، فأخبرني بالأربع قال: أما الجعشل فالفظّ الغليظ وأما الجواظ فمن يجمع المال ويمنع، وأما القتات فمن يأكل لحوم الناس، وأما العتل الزنيم فمن يمشي بين الناس بالنميمة.

وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن شهر بن حوشب قال: حدثني عبد الرحمن بن غنم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل الجنة جواظ ولا جعظري ولا العتل الزنيم، فقال له رجل من المسلمين: ما الجوّاظ والجعظري والعتل الزنيم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما الجوّاظ فالذي جمع ومنع، تدعوه ﴿ لظى نزاعة للشوى ﴾ [ المعارج: 16] وأما الجعظري فالفظّ الغليظ، قال الله: ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظّاً غليظ القلب لانفضوا من حولك ﴾ [ آل عمران: 159] ، وأما العتل الزنيم فشديد الخلق رحيب الجوف مصحح شروب واجد للطعام والشراب ظلوم للناس» .

وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد عن عامر أنه سئل عن الزنيم قال: هو الرجل تكون له الزنمة من الشر يعرف بها، وهو رجل من ثقيف يقال له: الأخنس بن شريق.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن الأنباري في الوقف والابتداء عن ابن عباس قال: الزنيم الدعيّ الفاحش اللئيم الملزق، ثم أنشد قول الشاعر: زنيم تداعاه الرجال زيادة ** كما زيد في عرض اللئيم الأكارع وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ ولا تطع كل حلاف مهين ﴾ قال: نزلت في الأخنس بن شريق.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الكلبي مثله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ ولا تطع كل حلاف مهين ﴾ قال: هو الأسود بن عبد يغوث.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم ﴾ فلم يعرف حتى نزل عليه بعد ذلك ﴿ زنيم ﴾ فعرفناه له زنمة كزنمة الشاة.

وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن مردويه عن حارثة بن وهب: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ألا أخبركم بأهل الجنة، كل ضعيف متضعف لو أقسم على الله لأبره، ألا أخبركم بأهل النار، كل عتل جوّاظ جعظري متكبر» .

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذرعن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تبكي السماء من عبد أصح الله جسمه وأرحب جوفه وأعطاه من الدنيا، فكان للناس ظلوماً، فذلك العتل الزنيم» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن القاسم مولى معاوية وموسى بن عقبة قالا: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العتل الزنيم، قال: هو الفاحش اللئيم» .

وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه والديلمي عن أبي الدرداء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ بعد ذلك زنيم ﴾ قال: «العتل كل رحيب الجوف وثيق الخلق أكول شروب جموع للمال منوع له» .

وأخرج الحاكم وصححه وابن مروديه عن عبدالله بن عمر وأنه تلا ﴿ منّاع للخير ﴾ إلى ﴿ زنيم ﴾ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أهل النار كل جعظري جوّاظ مستكبر مناع، وأهل الجنة الضعفاء المغلوبون» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: العتل هو الدعيّ، والزنيم هو المريب الذي يعرف بالشر.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر والخرائطي في مساوي الأخلاق والحاكم، وصححه عن ابن عباس في قوله: ﴿ عتل بعد ذلك زنيم ﴾ قال: هو الرجل يعرف بالشر كما تعرف الشاة بزنمتها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: الزنيم هو الرجل يمر على القوم فيقولون رجل سوء.

وأخرج البخاري والنسائي وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم عن ابن عباس في قوله: ﴿ عتل بعد ذلك زنيم ﴾ قال: رجل من قريش كانت له زنمة زائدة مثل زنمة الشاة يعرف بها.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في الآية قال: نعت فلم يعرف حتى قيل ﴿ زنيم ﴾ وكانت له زنمة في عنقه يعرف بها.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: الزنيم الملحق النسب.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ زنيم ﴾ قال: ظلوم.

وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ زنيم ﴾ قال: ولد الزنا.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم أما سمعت قول الشاعر: زنيم تداعته الرجال زيادة ** كما زيد في عرض الأديم الأكارع وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن علي بن أبي طالب قال: الزنيم هو الهجين الكافر.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ مهين ﴾ قال: الكذاب ﴿ هماز ﴾ يعني الاغتياب ﴿ عتل ﴾ قال: الشديد الفاتك ﴿ زنيم ﴾ الدعيّ وفي قوله: ﴿ سنسمه على الخرطوم ﴾ فقاتل يوم بدر فخطم بالسيف في القتال.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ سنسمه على الخرطوم ﴾ قال: سيما على أنفه لا تفارقه.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ سنسمه على الخرطوم ﴾ قال: سنسمه بسيما لا تفارقه آخر ما عليه.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ أن كان ذا مال وبنين ﴾ بهمزتين يستفهم.

وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن عبدالله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من مات همازاً لمازاً ملقباً للناس كان علامته يوم القيامة أن يسمه الله على الخرطوم من كلا الشدقين» .

قوله: تعالى: ﴿ إنا بلوناهم ﴾ الآيات.

أخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة ﴾ قال: هؤلاء ناس قص الله عليكم حديثهم، وبيّن لكم أمرهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن جريج أن أبا جهل قال يوم بدر: خذوهم أخذاً فاربطوهم في الجبال، ولا تقتلوا منهم أحداً فنزل ﴿ إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة ﴾ يقول: في قدرتهم عليهم كما اقتدر أصحاب الجنة على الجنة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ كما بلونا أصحاب الجنة ﴾ قال: كانوا من أهل الكتاب.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ كما بلونا أصحاب الجنة ﴾ قال: هم ناس من الحبشة كانت لأبيهم جنة، وكان يطعم منها السائلين، فمات أبوهم فقال بنوه: إن كان أبونا لأحمق يطعم المساكين، فأقسموا ليصرمنّها مصبحين وأن لا يطعموا مسكيناً.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة قال: كانت الجنة لشيخ من بني إسرائيل، وكان يمسك قوت سنته، ويتصدق بالفضل، وكان بنوه ينهونه عن الصدقة فلما مات أبوهم غدوا عليها فقالوا لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين ﴿ وغدوا على حرد قادرين ﴾ يقول: على جد من أمرهم.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ كما بلونا أصحاب الجنة ﴾ قال: هي أرض باليمن يقال لها ضر، وإن بينها وبين صنعاء ستة أميال.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي صالح في قوله: ﴿ ولا يستثنون ﴾ قال: كان استثناؤهم سبحان الله.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ فطاف عليها طائف من ربكْ ﴾ قال: هو أمر من الله.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ فطاف عليها طائف من ربك ﴾ قال: عذاب: عنق من النار خرجت من وادي جهنم.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون ﴾ قال: أتاها أمر الله ليلاً ﴿ فأصبحت كالصريم ﴾ قال: كالليل المظلم.

وأخرج عبد بن حميد عن قطر بن ميمون مثله.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إياكم والمعاصي إن العبد ليذنب الذنب فينسى به الباب من العلم، وإن العبد ليذنب الذنب فيحرم به قيام الليل، وإن العبد ليذنب الذنب فيحرم به رزقاً قد كان هيئ له، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون فأصبحت كالصريم ﴾ قد حرموا خير جنتهم بذنبهم» .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ كالصريم ﴾ قال: مثل الليل الأسود.

وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ كالصريم ﴾ قال: الذهب.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم أما سمعت قول الشاعر: غدوت عليه غدوة فوجدته ** قعوداً لديه بالصريم عواذله وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: أن ﴿ اغدوا على حرثكم ﴾ قال: كان عنباً.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ وهم يتخافتون ﴾ قال: الإِسرار والكلام الخفي.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ وهم يتخافتون ﴾ قال: يسرون بينهم أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين ﴿ وغدوا على حرد قادرين ﴾ قال: غدا القوم وهم محردون إلى جنتهم قادرون عليها في أنفسهم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ على حرد قادرين ﴾ يقول: ذو قدرة.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن مجاهد قال: ﴿ وغدوا على حرد قادرين ﴾ قال: غدوا على أمر قد قدروا عليه، وأجمعوا عليه في أنفسهم أن لا يدخل عليهم مسكين.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة في قوله: ﴿ وغدوا على حرد ﴾ قال: غيظ.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن في قوله: ﴿ وغدوا على حرد ﴾ يعني المساكين يجد.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ قالوا إنا لضالون ﴾ قال: أضللنا مكان جنتنا.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ إنا لضالون ﴾ قال: أخطأنا الطريق، ما هذه جنتنا، وفي قوله: ﴿ بل نحن محرومون ﴾ قال: بل حورفنا فحرمناها، وفي قوله: ﴿ قال أوسطهم ﴾ قال: أعدل القوم وأحسن القوم فزعاً وأحسنهم رجعة.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ بل نحن مرومون ﴾ قال: لما تبينوا وعرفوا معالم جنتهم قالوا ﴿ بل نحن محرومون ﴾ محارفون.

وأخرج ابن المنذر عن معمر قال: قلنا لقتادة أمن أهل الجنة هم أم من أهل النار؟

قال: لقد كلفتني تعباً.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ قال أوسطهم ﴾ قال: أعدلهم.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في قوله: ﴿ قال أوسطهم ﴾ يعني أعدلهم، وكل شيء في كتاب الله أوسط فهو أعدل.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ قال أوسطهم ﴾ قال: أعدلهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السري في قوله: ﴿ ألم أقل لكم لولا تسبحون ﴾ قال: كان استثناؤهم في ذلك الزمان التسبيح.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ لولا تسبحون ﴾ قال: لولا تستثنون عند قولهم ليصرمنّها مصبحين ولا يستثنون عند ذلك وكان التسبيح استثناءهم كما نقول نحن إن شاء الله.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ كذلك العذاب ﴾ قال: عقوبة الدنيا ﴿ ولعذاب الآخرة ﴾ قال: عقوبة الآخرة وفي قوله: ﴿ سلهم أيهم بذلك زعيم ﴾ قال: أيهم كفيل بهذا الأمر.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ تدرسون ﴾ قال: تقرؤون، وفي قوله: ﴿ أيمان علينا بالغة ﴾ قال: عهد علينا.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ ﴾ : كثير الحلف بالباطل، ﴿ مَهِينٌ ﴾ قال مجاهد ومقاتل: ضعيف القلب (١) قال الزجاج: هو فعيل من المهانة وهي القلة، ومعناه هاهنا القلة في الرأي والتمييز (٢) وقال الحسن وقتادة: المهين: المكثار من الشر (٣) (٤) وقال ابن عباس في رواية عطاء (٥) (٦) وقال مقاتل: نزلت في الوليد بن المغيرة حين عرض على النبي -  - المال ليرجع عن دينه (٧) (١) انظر: "تفسير مقاتل" 163 أ، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 231، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 403.

(٢) انظر: "معاني القرآن" 5/ 205.

(٣) انظر: "جامع البيان" 29/ 15، و"الكشف والبيان" 12/ 165 أ.

(٤) انظر: "التفسير الكبير" 30/ 83، و"الجامع لأحكام القرآن" 28/ 231.

(٥) في (س): (في رواية عطاء) زيادة.

(٦) في (س): (والكلبي) زيادة.

انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 308، و"جامع البيان" 29/ 15، و"معالم التنزيل" 4/ 377، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 231، ذكروا هذا القول دون نسبة لابن عباس، وإنما قصروه على عطاء والكلبي والسدي.

(٧) انظر: "تفسير مقاتل" 163 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 377.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ﴾ المداهنة هي الملاينة والمداراة فيما لا ينبغي، ورُوي أن الكفار قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: لو عبدت آلهتنا لعبدنا إلهك، فنزلت الآية ولم ينتصب فيدهنون في جواب التمني؛ بل رفعه بالعطف على تدهن قاله ابن عطية، وقال الزمخشري: هو خبر مبتدأ محذوف تقديره فهم يدهنون ﴿ حَلاَّفٍ ﴾ كثير الحلف في الحق والباطل ﴿ مَّهِينٍ ﴾ هو الضعيف الرأي والعقل قال ابن عطية: هو من مهن إذا ضعف، فالميم فاء الفعل، وقال الزمخشري: هو من المهانة وهي الذلة والحقارة وقال ابن عباس: المهين الكذاب ﴿ هَمَّازٍ ﴾ هو الذي يعيب الناس ﴿ مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ ﴾ أي كثير المشي بالنميمة، يقال: نميم ونميمة بمعنى واحد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة نمام» ﴿ مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ ﴾ أي شحيح، لأن الخير هنا هو المال.

وقيل: معناه مناع من الخير، أي يمنع الناس من الإسلام، والعمل الصالح ﴿ مُعْتَدٍ ﴾ هو من العدوان وهو الظلم ﴿ أَثِيمٍ ﴾ من الإثم وهو ارتكاب المحرمات ﴿ عُتُلٍّ ﴾ أي غليظ الجسم، قاسي القلب بعيد الفهم، كثير الجهل ﴿ زَنِيمٍ ﴾ أي ولد زنا؛ وقيل: هو الذي في عنقه زنمة كزنمة الشاة التي تتعلق في حلقها، وقيل: معناه مريب قبيح الأفعال.

وقيل: ظلوم، وقيل: لئيم وقوله: ﴿ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ أي بعد ما ذكرنا من عيوبه، فهذا الترتيب في الوصف لا في الزمان، واختلف في الموصوف بهذه الأوصاف الذميمة، فقيل: لم يقصد بها شخص معين، بل كل من اتصف بها، وقيل: المقصود بها الوليد بن المغيرة، لأنه وصفه بأنه ذو مال وبنين، وكذلك كان، وقيل: أبو جهل، وقيل: الأخنس بن شريق، ويؤيد هذا أنه كانت له زنمة في عنقه، قال ابن عباس: عرفناه بزنمته وكان لقيطاً من ثقيف، ويعدُّ في بني زهرة، فيصح وصفه بزنيم على القولين، وقيل: الأسود بن عبد يغوث ﴿ أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ ﴾ في موضع مفعول من أجله يتعلق بقوله: ﴿ لاَ تُطِعْ ﴾ أي لا تطعه بسبب كثرة ماله وبنيه، ويجوز أن يتعلق بما بعده، والمعنى على هذا أنه قال في القرآن أساطير الأولين، لأنه ذو مال وبنين، يتكبر بماله وبنيه، والعامل في ﴿ أن كان ﴾ على هذا فعل من المعنى، ولا يجوز أن يعمل فيه قال الذي هو جواب إذا، لأن ما بعد الشرط لا يعمل فيما قبله، والأول أظهر، وقد تقدم معنى أساطير الأولين ﴿ سَنَسِمُهُ عَلَى الخرطوم ﴾ أصل الخرطوم: أنف السبع ثم استعير للإنسان استخفافاً به، وتقبيحاً له والمعنى نجعل له سمة.

وهي العلامة على الخرطوم، واختلف في هذه السمة قيل: هي الضربة بالسيف يوم بدر، وقيل: علامة من نار تجعل على أنفه في جهنم.

وقيل: علامة تجعل على أنفه يوم القيامة ليعرف بها.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ن والقلم ﴾ مظهراً: يزيد وأبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وابن كثير ونافع وعاصم غير يحيى وحماد وغالب وهو الأصل للوقف.

ووجه الإخفاء نية الوصل ﴿ آن كان ﴾ بهمزتين: حمزة وأبو بكر وحماد ﴿ آن كان ﴾ بقلب الثانية ألفاً، ابن عامر ويزيد ويعقوب الباقون بهمزة واحدة ﴿ يبدلنا ﴾ بالتشديد: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ لما تخيرون ﴾ بتشديد التاء: البزي وابن فليح ﴿ ليزلقونك ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع الآخرون: بالضم من الإزلاق.

الوقوف: ﴿ يسطرون ﴾ ه ط لأن ما بعده جواب القسم ﴿ لمجنون ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح مستأنفاً وعطفاً على جواب القسم ﴿ ممنون ﴾ ه ج لذلك ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ ويبصرون ﴾ ج لأن ما بعد مفعول ﴿ المفتون ﴾ ه ﴿ سبيله ﴾ ط لاتفاق الجملتين ﴿ بالمهتدين ﴾ ه ﴿ المكذبين ﴾ ه ﴿ فيدهنون ﴾ ه ﴿ مهين ﴾ ه لا ﴿ بنميم ﴾ ه لا ﴿ أثيم ﴾ ه لا ﴿ زنيم ﴾ ه ط لمن قرأ ﴿ أن كان ﴾ مستفهماً ﴿ وبنين ﴾ ه ومن قرأ مقصوراً يقف على البنين دون ﴿ زنيم ﴾ ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ الخرطوم ﴾ ه ﴿ الجنة ﴾ ط لاحتمال أن يكون " إذ " ظرفاً ليكون وأن يكون مفعول " أذكر " محذوفاً ﴿ مصبحين ﴾ ه لا لتعلق أن المفسرة ﴿ صارمين ﴾ ه ﴿ يتخافتون ﴾ ه لا ﴿ مسكين ﴾ ه ﴿ قادرين ﴾ ه ﴿ الضالون ﴾ ه لا لعطف " بل " واتحاد المفعول ﴿ محرومون ﴾ ه ﴿ تسبحون ﴾ ه ﴿ ظالمين ﴾ ه ﴿ يتلاومون ﴾ ه ﴿ طاغين ﴾ ه ﴿ راغبون ﴾ ه ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ أكبر ﴾ م ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ النعيم ﴾ ه ﴿ كالمجرمين ﴾ ه ط ﴿ مالكم ﴾ ص وقفة لطيفة لاستفهام آخر ﴿ تحكمون ﴾ ه ج ﴿ تدرسون ﴾ ه ج لأن ما بعده مفعول ﴿ تدرسون ﴾ وإنما كسرت " أن " لدخول اللام في خبرها ﴿ تخيرون ﴾ ه لا لأن " أم " معادل الاستفهام أو بمعنى ألف الاستفهام ﴿ القيامة ﴾ لا لأن " أن " جواب الأيمان ﴿ تحكمون ﴾ ه ﴿ زعيم ﴾ ه لما مر في ﴿ تخيرون ﴾ ﴿ شركاء ﴾ ج للابتداء بأمر التعجيز مع الفاء ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ فلا يستطيعون ﴾ ه لا لأن ما بعده حال ﴿ ذلة ﴾ ط ﴿ سالمون ﴾ ه ﴿ بهذا الحديث ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ج للعطف ﴿ لهم ﴾ ط ﴿ متين ﴾ ه ﴿ مثقلون ﴾ ه ﴿ يكتبون ﴾ ه ﴿ الحوت ﴾ م بناء على أن " إذ " مفعول " اذكر ﴿ مكظوم ﴾ ه ط ﴿ مذموم ﴾ ه ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ لمجنون ﴾ ه لئلا يوهم أن ما بعده مقول الكفار ﴿ للعالمين ﴾ ه.

التفسير: الأقوال المشتركة في فواتح نحو هذه السورة مذكورة.

أما المخصوصة بالمقام فعن ابن عباس ومجاهد ومقاتل والسدى أن النون السمكة أقسم بالحوت الذي على ظهره الأرض وهو في بحر تحت الأرض السفلى، أو بالحوت الذي احتبس يونس في بطنه، أو بالحوت بالذي لطخ سهم نمرود بدمه، اقوال.

عن ابن عباس في رواية الضحاك والحسن وقتادة أن النون هو الدواة.

قال: إذا ما الشوق برّح بي إليهم *** ألقت النون بالدمع السجوم فيكون قسماً بالدواة والقلم العظيم النفع فيهما فإن التفاهم يحصل بالكتابة كما يحصل بالعبارة.

وعن بعض الثقات أن أصحاب السجر يستخرجون من بعض الحيتان شيئاً أسود كالنقس أو أشد سواداً منه يكتبون منه فيكون النون.

وهو الحوت عبارة عن الدواة، ويعضده ما روي ان النبي  قال "أول شيء خلقه الله القلم ثم خلق النون وهو الدواة ثم قال اكتب ما هو كائن من عمل أو أثر أو رزق أو أجل فكتب ما هو كائن وما كان إلى يوم القيامة ثم ختم على القلم فلم ينطق إلى يوم القيامة" وعن معاوية بن قرة مرفوعاً أن النون لوح من نور تكتب الملائكة فيه يأمرهم الله به.

وقيل: نهر في الجنة.

اعترض النحويون على هذه الأقوال كلها أن اللفظ إن كان جنساً لزم الجر والتنوين وكذا إن كان علماً منصرفاً، وإن كان علماً غير منصرف لزم الفتح بتقدير حرف القسم، وقيل: النون آخر حرف من حروف الرحمن فإنه يجتمع من الروحم ون هذا الإسم الخاص.

أما القلم فالأكثرون على أنه جنس أقسم الله  بكل قلم يكتب به في السماء وفي الأرض وقال آخرون: هو القلم المعهود الذي جاء في الخبر أن " أول ما خلق الله القلم " والجوهرة التي وردت في الحديث " أول ما خلق الله جوهرة فنظر إليها بعين الهيبة فذابت وتسخنت فارتفع منها دخان وزبد فخلق من الدخان السماء ومن الزبد الأرض" كلها واحدة ولعلك قد وقفت على تحقيق هذه المعاني في هذا الكتاب.

و" ما " في قوله ﴿ وما يسطرون ﴾ موصولة أو مصدرية والضمير لكل من يسطر أو للحفظة.

وقيل: أراد أصحاب القلم فحذف المضاف قال الزجاج: " أنت " اسم " ما " والخبر ﴿ بمجنون ﴾ وقوله ﴿ بنعمة ربك ﴾ كلام وقع في البين والمعنى انتفى عنك الجنون بواسطة إنعام ربك عليك، أو انتفى عنك الجنون متلبساً بنعمة الله كما لو قلت: أنت عاقل بحمد الله أي ثبت لك العقل حال كونك متلبساً بحمد الله، أو أثبته لك حال كون التباسي بالحمد.

وقال عطاء وابن عباس: يريد بنعمة ربك عليك بالإيمان والنبوة وسائر الأخلاق الفاضلة.

وفيه إشارة إلى أن نعم الله  كانت ظاهرة في حقه من الفصاحة وكمال العقل والاتصاف بكل ملكة وإذا كانت هذه النعمة ظاهرة فوجودها ينافي حصول الجنون وكلام العدى ضرب من الهذيان.

﴿ وإن لك ﴾ على احتمال أعباء النبوة ومشاق تبليغ الرسالة ﴿ لأجراً غير ممنون ﴾ قال الأكثرون: أي غير مقطوع كقوله ﴿ عطاء غير مجذوذ  ﴾ وعن مجاهد ومقاتل والكلبي أنه غير مكدر عليك بسبب المنة.

وقالت المعتزلة: في تقرير هذا الوجه أن له ممنا لأنه ثواب يستوجبه على عمله وليس بتفضل ابتداء، وضعف لأنه يلزم منه التكرار لأن الأجر عندهم شيء ينبىء عن كونه غير ممنون.

الحاصل أنه لا يمنعك نسبتهم إياك إلى الجنون عن الاشتغال بهذا الخطب الجسيم وهو دعاء الخلق إلى الدين القويم فإن لك بسببه ثواباً عظيماً.

﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ والخلق ملكة نفسانية يقدر معها على الإتيان بالفعل الجميل بمواتاة وسهولة، فإذا وصفه مع ذلك بالعظم وهو كونه على الوجه الأجمل والنهج الأفضل لم يكن خلق أحسن منه.

وفيه إشارة إلى أن نعم الله  كانت ظاهرة نفي الجنون عنه ودلالة على تكذيب الحساد لأن المجنون لا خلق له يحمد أو عليه يعتمد، والنبي  كان من حسن الخلق المتشابه بحيث كان مجمع أخلاق سائر الأنبياء وكان يوجد فيه ما كان متفرقاً فيهم، وإليه الإشارة بقوله ﴿ فبهداهم اقتده  ﴾ أي اقتد بكل منهم فيما اختص به من الخلق الكريم وفي قوله ﴿ لعلى ﴾ إشارة إلى أنه مستول على أحسن الأخلاق الفاضلة لا يزعه عنها وازع.

قال سعيد بن هشام: قلت لعائشة: أخبريني عن خلق رسول الله  قالت: كان خلقه القرآن.

وفي روياة: قرأت ﴿ قد أفلح المؤمنون ﴾ \[المؤمنون: 1\] وعن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: ما كان أحد أحسن خلقاً من رسول الله ما دعاه أحد من أصحابه ولا من أهل بيته إلا قال: لبيك، وقال أنس: خدمت رسول الله  عشر سنين فما قال لي في شيء فعلته لمَ فعلته ولا في شيء لم أفعله هلا فعلت، ثم سلى نبيه  وهدد أعداءه بقوله ﴿ فستبصر ﴾ يا محمد ما قدر لك من عز الدارين ﴿ ويبصرون ﴾ في الدنيا بالقتل والسبي كما في بدر أو في الآخرة.

قوله ﴿ بأيكم المفتون ﴾ قال الأخفش وأبو عبيدة وابن قتيبة: الباء صلة والمعنى أيكم المفتون وهو الذي فتن بالجنون.

وقال الفراء والمبرد والحسن والضحاك عن ابن عباس: المفتون مصدر بمعنى المجنون كالمعقول والمجلود.

وقيل: الباء بمعنى " في" وعل هذا يجوز أن يكون الفتون بمعنى المجنون أي في أي الفريقين من يستحق هذا الاسم أو في أيهما الشيطان لأن الشيطان مفتون في دينه.

وكانت العرب تزعم أنه من يخبله الجن فقال الله  سيعلمون غداً بأيهم الشيطان الذي يحصل من مسه الجنون وإختلاط العقل، وفيه تعريض بأبي جهل بن هشام والوليد بن المغيرة وأضرابهما.

ثم أحال كيفية الحال إلى كمال علمه فقال ﴿ إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله ﴾ أي بمن جن ﴿ وهو أعلم بالمهتدين ﴾ وهم العقلاء.

والأظهر أن يراد الضلال في غوائلهم والاهتداء في الدين وفيه وعد ووعيد.

قال المفسرون: إن المشركين أرادوا من النبي أن يعبد الله مدة وآلهتهم مدة وهم يعبدون الله مدة وآلهتهم مدة فأنزل الله  ﴿ فلا تطع المكذبين ﴾ وهو كالنتيجة لما تقدمه لأنه  حين وعده أنصار العز والرفعة في الدارين وأوعد أعداءه بضد ذلك وكان علمه شاملاً بحال الفريقين وجزائهما لم يبق لطاعة الأعداء وجه.

ثم ذكر تمنيهم فقال ﴿ ودوا لو تدهن ﴾ تلين وتصانع ﴿ فيدهنون ﴾ أي فهم يدهنون حينئذ لأن النفاق يجر النفاق أي ودوا ادهانك فهم الآين يدهنون طمعاً في ادهانك.

قال المبرد: أدهن الرجل في دينه وداهن في أمره إذا خان فيه وأظهر خلاف ما يضمر.

ثم حض النبي قائلاً ﴿ ولا تطع كل حلاف مهين ﴾ لأن من أكثر الحلف بالله ولم يعرف قدر المعبود بالحق أذله الله.

وفيه إشارة إلى أن عزة النفس منوطة بتصحيح نسبة العبودية، ومهانة النفس مربوطة بالغفلة عن سر الربوبية.

وأيضاً الحلاف يتفق له الكذب كثيراً والكذب حقير عند الناس.

والهماز الذي يذكرالناس بالمكروه.

وعن الحسن: يلوي شدقيه في أقفية الناس.

﴿ مشاء بنميم ﴾ أي لأجل سعاية.

والنميم مصدر نم ينم ﴿ مناع للخير ﴾ أي للمال أو مناع أهل الخير وهو الإسلام فذكر الممنوع منه دون الممنوع فكأنه قال مناع من الخير ﴿ معتد ﴾ مجاوز في الظلم حده ﴿ أثيم ﴾ كثير الإثم ﴿ عتل ﴾ غليظ في الخلقة جاف في الخليقة.

الزنيم الدعي ومعنى ﴿ بعد ذلك ﴾ التبعيد في الرتبة أي مع الأوصاف المعدودة له هذا الوصف الذي هو أشنعها لأن الغالب أن النطفة إذا خبثت خبث جميع أخلاق الولد.

عن ابن عباس في رواية أنها نزلت في الوليد بن المغيرة المخزومي كان موسراً وله عشر بنين يقول لهم: من أسلم منكم منعته رفدي وفي رواية أخرى ليس من سنخهم ادعاه أبوه بعد ثمان عشرة من مولده ويقال: بغت أمه ولم يعرف حتى نزلت الآية.

وقوله ﴿ أن كان ﴾ بهمزة واحدة تقديره لأن كان أي لا تطع صاحب هذه المثالب لكثرة ماله وولده ومن قرأ بهمزتين فمعناه ألأن كان ﴿ ذا مال ﴾ كذب فمتعلق الجار مدلول.

قوله ﴿ إذا تتلى عليه آياتنا قال ﴾ وذلك أن قال لا يصلح أن يعمل فيه لأن ما بعد الشرط لا يعمل فيما قبله ولا قوله ﴿ يتلى ﴾ لأنه مضاف إليه.

عن مجاهد أنه الأسود بن عبد يغوث وعن السدى: الأخنس بن شريق أصله في ثقيف وعداده في زهرة.

وقيل: كان الوليد دعياً في قريش ﴿ سنسمه على الخرطوم ﴾ أي الأنف وفيه استخفاف به من جهة الوسم ومن جهة التعبير عن أنف الآدمي بالخرطوم الذي هو أنف الحيوانات المنكرة كالخنزير والفيل كما لو عبر عن شفاه الناس بالمشافر، وعن أيديهم وأرجلهم بالأظلاف والحوافر، ثم الأنف أكرم موضع من الوجه ولهذا قيل: الجمال في الأنف وله التقدم ولذلك جعلوه مكان العز والحمية واشتقوا منه الأنفة وقالوا: في الذليل " جدع أنفه ورغم أنفه " والوسم في الأنف إهانة فوق إهانة.

ومتى هذا الوسم؟

منهم من قال في الدنيا فعن ابن عباس خطم يوم بدر بالسيف فبقيت سمته على خرطومه.

وعن النضر بن شميل: الخرطوم الخمر أي سنسمه على شربها.

وسمي الخمر خرطوماً كما قيل لها السلافة وهو ما سلف عن عصير العنب، أو لأنها تطير في الخياشيم وتؤثر فيها.

ومنها من قال في الآخرة نعلمه فعبر عن سواد الوجه كله بسواد الخرطوم.

ومنهم من قال في الدارين أي سنشهره بهذه السمة وهي أنّه ﴿ حلاف ﴾ إلى ﴿ زنيم ﴾ فلا يخفى كما لا تخفى السمة علىالخرطوم.

ولا شك أن هذه الأوصاف الذميمة وتبعاتها بقيت في حق الوليد بن المغيرة في الدنيا والآخرة كالوسم على الأنف والوسم على الجبهة.

ثم بين أنه إنما أعطى رؤساء مكة الآلاء ليواظبوا على شكر نعم الله وإلا صب عليهم بدل الآلاء البلاء ومكان السراء والضراء.

وهذه صورة الابتلاء كما أنه كلف أصحاب الجنة ذات الثمار أن يشكروا ويعطوا الفقراء حقوقهم، يروى أن واحداً من ثقيف وكان مسلماً كان ملك ضيعة فيها نخل وزروع بقرب صنعاء، وكان يجعل منها نصيباً وافراً للفقراء، فلما مات ورثها منه بنوه ثم قالوا: عيالنا كثير والمال قليل فلو فعلنا ما كان يفعل أبونا ضاق علينا ﴿ ليصرمنها ﴾ أي ليقطعن ثمر نخيلها في وقت الصباح ﴿ ولا يستثنون ﴾ أي لا يقولون " إن شاء الله " وأصله من الثني وهو الرد كأن الحالف يرد انعقاد اليمين بالثنيا.

ولعلهم إنما لم يقولوا إن شاء الله لوثوقهم بالتمكن من صرامها.

هذا قول الأكثرين.

وزعم الآخرون أن المراد يصرمون كل ذلك ولا يستثنون للمساكين من جملته ذلك القدر الذي كان يدفع أبوهم إليهم ﴿ فطاف عليها ﴾ عذاب ﴿ طائف من ﴾ حكم ﴿ ربك ﴾ أو بعض من عذاب ربك، والطائف لا يكون إلا ليلاً.

قال الكلبي: أرسل الله عليها ناراً من السماء فاحترقت ﴿ وهم نائمون فأصبحت ﴾ الجنة ﴿ كالصريم ﴾ " فعيل " بمعنى " فاعل " أو معنى " مفعول " والأول قول من قال إنها لما احترقت صارت سوداء كالليل المظلم، أو سمي الليل صريما لأنه يصرم نور البصر فيقطعه أو لأنه يقطع بظلمته عن التصرف، وقيل: النهار يسمى أيضاً صريماً لأن كل واحد من الملوين ينصرم بالآخر فالصريم بمعنى الصارم.

ووجه التشبيه أنها يبست وذهبت خضرتها أو لم يبق منها شيء من قولهم " صرم الإناء " إذا أفرغه.

والثاني وهو الأولى قول من قال إنها لما احترقت كانت شبيهة بالمصرومة في هلاك الثمرة وإن كان أثر الاحتراق مغايراً لأثر الصرم.

وقال الحسن: أي صرم عنها الخير: وقيل: الصريم من الرمل قطعة ضخمة تنصرم عن سائر الرمال وجمعه للصرائم شبهت الجنة وهي محترقة لا ثمر فيها ولا خير بالرملة المنقطعة عن الرمال وهي ما لا تنبت شيئاً ينتفع به.

قال مقاتل: لما أصبحوا قال بعضهم لبعض ﴿ اغدوا على حرثكم ﴾ وعنوا بالحرث الزرع والثمار والأعناب ولذلك قالوا ﴿ صارمين ﴾ لأنهم أرادوا قطع الثمار من هذه الأشجار وضمن الغدو معنى الإقبال فلهذا عدي بعلى أي أقبلوا على حرثكم باكرين، أو عبر عن الغدو لأجل الصرم بالغدو عليه كما قال: غدا عليهم العدو ﴿ يتخافتون ﴾ يتسارون فيما بينهم والنهي عن الدخول للمسكين نهي لأصحاب الجنة عن تمكين المسكين منه كأنهم قالوا فيما بينهم لا تمكنوه من الدخول.

قوله ﴿ وغدوا على حرد ﴾ هو المنع ومنه حاردت السنة إذا منعت خيرها، وحاردت الإبل إذا منعت درها، أي قادرين على منع المساكين لا غير يعني أنهم عزموا على حرمان المساكين مع كونهم قادرين على نفعهم.

وغدوا بحال فقر وذهاب ثمر لا يقدرون فيها إلا على النكد والمنع.

وفيه أنهم طلبوا حرمان الفقراء فعورضوا بنقيض مقصودهم فتعجلوا الحرمان والمسكنة.

ويجوز أن تكون المحاردة للجنة أي غدوا حاصلين على منع الجنة خيرها لا على إصابة النفع منها.

ويجوز أن لا يكون قوله ﴿ على حرد ﴾ صلة ﴿ قادرين ﴾ ولكن الكل يعود إلى قوله ﴿ أن اغدوا على حرثكم ﴾ أي عاقبهم الله بأن حاردت جنتهم فلم يغدوا على حرث وإنما غدوا على حرج وقوله ﴿ قادرين ﴾ يكون من باب عكس الكلام للتهكم أي قادرين على ما عزموا عليه من الصرام وحرمان المساكين.

وقيل: الحرد بالتسكين والتحريك وهو الأكثر بمعنى الغضب أي لم يقدروا إلا على غضب بعضهم على بعض كقوله ﴿ يتلاومون ﴾ وقيل: الحرد القصد والسرعة قطا حراد أي سراع يعني وغدوا على حالة سرعة ونشاط قادرين عند أنفسهم على صرامها ومنع خيرها من المساكين.

وقيل: حرد علم للجنة بعينها والمعنى كما تقدم لأن قوله ﴿ إنا لضالون ﴾ يحتمل أن يراد الضلال عن الطريق كأنهم لما رأوا جنتهم محترقة سبق إلى ذهنهم أنها ليست هي وأنهم ضلوا الطريق، فلما تأملوا وعرفوا أنها هي قالوا ﴿ بل نحن محرومون ﴾ حرمنا خيرها لشؤم عزمنا على البخل ومنع المساكين.

ويحتمل أن يراد الضلال عن الدين لأن منع حق الله نوع من الضلال.

ومعنى بل أنهم اعتقدوا كونهم قادرين على الانتفاع به ومنع الغير منها فقالوا: بل الأمر انقلب علينا فصرنا نحن المحرومين.

﴿ قال أوسطهم ﴾ أي أعدلهم وخيرهم كما مر في قوله ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً  ﴾ .

﴿ ألم أقل لكم لولا تسبحون ﴾ قال الأكثرون: معنى التسبيح ههان الاستثناء لأنه  وبخهم بقوله ﴿ ولا يستثنون ﴾ والاستثناء نوع من التنزيه لأنه لو دخل في الوجود شيء على خلاف مشيئته كان نقصاً في كمال القدرة.

وعن الحسن: هو الصلاة كأنهم يتكاسلون فيها وإلا لنهتهم عن الفحشاء والمنكر.

وقال آخرون: إن أوسطهم كان يقول لهم عند عزمهم على منع حقوق الفقراء: لولا تذكرون الله وتتوبون إليه من هذه العزيمة الخبيثة.

لم يلتفتوا إلى قوله إلا بعد خراب الجنة قائلين ﴿ سبحان ربنا ﴾ عن أن يجري في ملكه شيء على خلاف مشيئته.

قالت المعتزلة: سبحان الله عن الظلم وعن كل قبيح ﴿ إنا كنا ظالمين ﴾ بمنع المعروف وترك الاستثناء.

ومعنى ﴿ يتلاومون ﴾ يلوم بعضهم بعضاً يقول واحد لغيره: أنت أشرت علينا بهذا الرأي ويقول الآخر: أنت خوفتنا بالفقر.

ويقول الثالث: أنت الذي رغبتني في جمع المال.

ثم قالوا جميعاً ﴿ يا ويلنا إنا كنا طاغين ﴾ اعترافاً بالذنب ثم قووا رجاءهم قائلين ﴿ عسى ربنا ﴾ الآية.

سئل قتادة عنهم أهم من أهل الجنة أم من أهل النار؟

فقال: لقد كلفتني تعباً كأنه توقف في المسألة.

وعن مجاهد: إن هذه كانت توبة منهم فأبدلوا خيراً منها.

وعن ابن مسعود: بلغني أنهم أخلصوا وعرف الله منهم الصدق فأبدلهم بها جنة يقال لها الحيوان فيها عنب يحمل البغل منه عنقوداً.

ثم هدد المكلفين بقوله ﴿ كذلك العذاب ﴾ أي مثل ذلك العذاب الذي بلونا به أهل مكة من القحط والقتل وبلونا أصحاب الجنة عذاب الدنيا ﴿ ولعذاب الآخرة ﴾ أشد وأعظم.

ثم مزج وعيد الأشقياء بوعد السعداء قائلاً ﴿ إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم ﴾ ليس فيها إلا النعيم الخالص لا يشوبه منغص كجنان الدنيا.

قال مقاتل: لما نزلت هذه الآية قال كفار مكة للمسلمين: إن الله فضلنا عليكم في الدنيا فنفى الله معتقدهم بقوله ﴿ أفنجعل المسلمين كالمجرمين ﴾ قال القاضي: فيه دليل واضح على أن وصفي المسلم والمجرم متنافيان فلا يكون الفاسق مسلماً.

وأجيب بأنه  لم ينف المماثلة من كل الوجوه لتماثلهما في الجوهرية والجسمية وسائر الأوصاف التي لا تكاد تحصر، فإذن المراد نفي التسوية في أثري الإسلام والإجرام ولا نزاع في ذلك فإن أثر أحدهما وعد وأثر الآخر وعيد أو يكون ثواب المسلم غير المجرم أكثرمن ثواب المسلم المجرم على أن المجرم في الآية يحتمل أن يراد به الكافر الذي ضرب مثل أصحابه الجنة فيه وفي أمثاله نظير الآية ﴿ أم نجعل المتقين كالفجار  ﴾ وقد مر في " ص ".

ثم قال لهم على طريقة الالتفات ﴿ ما لكم كيف تحكمون ﴾ هذا الحكم المعوج وتخير الشيء واختاره إذا أخذ خيره ﴿ أم لكم أيمان علينا ﴾ يقال لفلان علي يمين بكذا إذا ضمنته منه وحلفت له على الوفاء به.

ومعنى ﴿ بالغة ﴾ مؤكدة مغلظة وقوله ﴿ إلى يوم القيامة ﴾ يجوز أن يتعلق ببالغة أي هذه الإيمان في قوتها وكمالها بحيث تنتهي إلى يوم القيامة لم تبطل منها يمين على أن يحصل المقسوم عليه وهو قوله ﴿ إن لكم لما تحكمون ﴾ ثم قال لنبيه  أو لكل من يستأهل الخطاب ﴿ سلهم أيهم بذلك ﴾ الحكم ﴿ زعيم ﴾ أي كفيل بالإستدلال على صحته ﴿ أم لهم ﴾ ناس ﴿ شركاء ﴾ في هذا القول.

والمراد من الآيات أنه ليس لهم دليل عقلي في إثبات مذهبهم ولا نقلي وهو كتاب يدرسون ولا عهد لهم به عند الله ولا زعيم لهم يقوم به ولا لهم من يوافقهم من العقلاء، فدل ذلك على أنه باطل من كل الوجوه.

قوله ﴿ يوم يكشف ﴾ قيل: منصوب بقوله ﴿ فليأتوا ﴾ أي إن كانوا صادقين في أنها شركاء فليأتوا بها يوم القيامة لتنفعهم وتشفع لهم.

وقيل: بإضمار " اذكر" وقيل: التقدير يوم يكشف ﴿ عن ساق ﴾ كان كيت وكيت.

احتجت المشبهة على أن لله ساقاً وأيدوه بما يروى عن ابن مسعود مرفوعاً أنه يتمثل الحق يوم القيامة ثم يقول: هل تعرفون ربكم؟

فيقولون: إذا عرفنا نفسه عرفناه فعند ذلك يكشف الرحمن عن ساقه، فأما المؤمنون فيخرون سجداً، وأما المنافقون فتكون ظهورهم كالطبق الواحد وذلك قوله ﴿ ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون ﴾ حال كونهم ﴿ خاشعة أبصارهم ﴾ يعني يلحقهم ذل بسبب أنهم لم يكونوا مواظبين على خدمة مولاهم في حال السلامة ووجود الأصلاب والمفاصل على هيآتها المؤدية للركوع والسجود.

وقال أهل السنة: الدليل الدال على أنه  منزه عن الجسمية وعن كل صفات الحدوث وسمات الإمكان دل على أن الساق لم يرد بها الجارحة، فأولوه أنه عبارة عن شدة الأمر وعظم الخطب، وأصله في الروع والهزيمة وتشمير المخدرات عن سوقهن ومثله.

" وقامت الحرب بنا على ساق".

ومعناه يوم يشتد الأمر ويتفاقم ولا كشف ثمة ولا ساق كما تقول للأقطع الشحيح " يده مغلولة " ولا يد ثمة ولا غل وإنما هو مثل في البخل، وهكذا في الحديث ومعناه يشتد أمر الرحمن ويتفاقم هوله.

قال في الكشاف: ثم كان من حق الساق أن تعرف على ما ذهب إليه المشبه لأنها ساق مخصوصة معهودة عنده وهي ساق الرحمن.

وإنما جاءت منكرة في التمثيل للدلالة على أنه أمر فظيع هائل: قلت: الإنصاف أن هذا لا يرد على المشبه فإن له أن يقول إنما نكر الساق لأجل التعظيم أي ساق لا يكتنه كنة عظمتها كما يقول غيره.

وقال أبو سعيد الضرير: ساق الشيء أصله الذي به قوامه كساق الشجر وساق الإنسان، فمعنى الآية يوم تظهر حقائق الأشياء، وأصولها.

وقيل: يكشف عن ساق جهنم أو عن ساق العرش أو عن ساق ملك مهيب.

وقال أبو مسلم: هذا في الدنيا لأنه تعالى قال في وصف ذلك اليوم ﴿ ويدعون إلى السجود ﴾ ولا ريب أن يوم القيامة ليس فيه تعبد وتكليف فهو زمان العجز، أو آخر أيام دنياه فإنه في وقت النزع ترى الناس يدعون إلى الصلاة بالجماعة إذا حضرت أوقاتها وهؤلاء لا يستطيعون الصلاة لأنه الوقت الذي لا ينفع نفساً إيمانها.

والتحقيق أن الذي ذكره محتمل إلا أن في تعليله ضعفاً فإنا نوافقه أن يوم القيامة ليس وقت تعبد وتكليف.

ولكن لا مانع من الدعاء إلى السجود للتوبيخ والتفضيح على رؤس الأشهاد.

وقال الجبائي: لما خصص عدم الاستطاعة بالآخرة دل على أنهم كانوا يستطيعون فيبطل هذا قول من قال لا قدرة له على الإيمان، والجمع بين المتنافيين محال فالاستطاعة في الدنيا أيضاً غير حاصلة على قول الجبائي.

والجواب الصحيح عندي أن عدم الاستطاعة في الدنيا لمانع آخر وهو أنه  لم يرد منهم الإيمان وعلم منهم الكفر وقدر لهم ذلك، وعدم الاستطاعة في الآخرة لمانع آخر له من السجود وهو لين المفاصل ومطاوعة الأعصاب وسلامة الفقر.

ثم خوفهم بنوع آخر قائلاً ﴿ فذرني ومن يكذب بهذا الحديث ﴾ وفيه تسلية للنبي  كأنه قال: حسبي مجازياً لمن يكذب بالقرآن فلا تشغل قلبك بشأنه.

وقوله ﴿ سنستدرجهم ﴾ إلى قوله ﴿ مبين ﴾ قد مر في آخر " الأعراف".

وقوله ﴿ أم تسألهم ﴾ إلى ﴿ يكتبون ﴾ قد مر في " الطور".

ثم أمر نبيه  بالصبر ونهاه عن الضجر في أمر التبليغ كحال يونس  وقد تقدم مراراً.

قال بعض العلماء: معنى قوله ﴿ كصاحب الحوت ﴾ أنه كان في ذلك الوقت مكظوماً أي مملوءاً من الغيظ فكأنه قيل: لا تكن مكظوماً أولا يوجد منك ما وجد منه من الضجر والمغاضبة.

وقال جمع من المفسرين: أن الآية نزلت بأحد حين حل بالمؤمنين ما حل فأراد أن يدعو على من انهزم.

وقيل: نزلت حين أراد أن يدعو على ثقيف والنعمة التي تداركت يونس أي التحقت به وسدت خلته هي النبوة أو عبادته السابقة، أو قوله في بطن الحوت " لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين "، وهذه النعمة التوبة بالحقيقة.

وقد اعتمد في جواب لولا على الحال أعني قوله ﴿ وهو مذوم ﴾ والمعنى أن حاله كانت على خلاف الصبر حين نبذ بالعراء أي الفضاء كما مر في "الصافات".

لولا تسبيحه لكانت حاله على الذم.

ويل: أراد لولا هذه النعمة لبقي في بطن الحوت إلى يوم القيامة، ثم نبذ بعراء القيامة أي بعرصتها مذموماً ﴿ فاجتباه ربّه ﴾ بقبول التوبة ﴿ فجعله من الصالحين ﴾ أي من الأنبياء عن ابن عباس: رد الله إليه الوحي وشفعه في نفسه وقومه.

ثم أخبر نبيه  عن حسد قومه وحرصهم على إيقاع المكروه به بعد أن صبره وشجعه فقال ﴿ وإن يكاد ﴾ هي مخففة من الثقيلة واللام دليل عليها.

زلقه وأزلقه بمعنى.

يقال زلق الرأس وأزلقه أي حلقه.

قال جار الله: يعني أنهم من شدة تخوفهم ونظرهم إليك سراً بعيون العداوة والبغضاء يكادون يزلون قدمك أو يهلكونك من قولهم " نظر إليّ نظرا يكاد يصرعني أو يكاد يأكلني " أي لو أمكنه بنظره الصرع أو الأكل لفعله.

ثم بين بقوله ﴿ لما سمعوا الذكر ﴾ أن هذا النظر كان يشتد منهم في حال قراءة النبي  القرآن حسداً على ما أوتي من النبوة.

﴿ ويقولون إنه لمجنون ﴾ حيرة في أمره وتنفيراً عنه مع علمهم بأنه أعقلهم.

ثم قال  ﴿ وما هو ﴾ أي القرآن ﴿ إلا ذكر ﴾ وموعظة ﴿ للعالمين ﴾ وفيه استجهال أن يجنبن من جاء بمثله من الآداب والحكم وأصول كل العلوم والمعارف.

واعلم أن للعقلاء خلافاً في أن الإصابة بالعين هل لها في الجملة حقيقة أم لا؟

وبتقدير كونها حقيقة فهل الآية مفسر بها أم لا؟

أما المقام الأول فقد شرحناه في أول " البقرة " في قوله ﴿ واتبعوا ما تتلوا الشياطين  ﴾ وفي يوسف في قوله ﴿ يا بني لا تدخلوا من باب واحد  ﴾ والذي نقوله ههنا: فمنهم من أنكر ذلك بناء على أن تأثير الجسم في الجسم لا يعقل إلا بواسطة المماسة وهو ضعيف لأن النفوس والأمزجة لها تأثيرات خاصة.

ويروى أنه  قال " العين تدخل الرجل القبر والجمل القدر " وأما المقام الثاني فقد قال بعض المفسرين: كانت العين في بني أسد، وكان الرجل منهم يتجوع ويرتاض وثلاثة أيام فلا يمر به شيء فيقول فيه: لم أر كاليوم مثله إلا عانه.

فالتمس الكفار من بعض من كانت له هذه الصفة أن يقول في رسول الله  فقال: لم أر كاليوم رجلاً مثله.

فعصمه الله  .

طعن الجبائي في هذا التأويل وقال: الإصابة بالعين مقرونة باستحسان الشيء، والقوم كانوا يبغضون النبي  وأجيب بأنهم كانوا يبغضونه من حيث الدين إلا أنهم كانوا يستحسنون مصاحبته بإيراده الأعاجيب من الحجج والبيان وأنواع المعجزات.

وعن الحسن: دواء الإصابة بالعين أن تقرأ هذه الآية وبالله التوفيق.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَييِّكُمُ ٱلْمَفْتُونُ ﴾ .

قال جعفر بن حرب: ﴿ ٱلْمَفْتُونُ ﴾ في هذا الموضع هو المفتون بضلالته، المعجب بخطئه المشغوف بجهله.

وقال الحسن: ﴿ ٱلْمَفْتُونُ ﴾ هو الذي معه الشيطان.

وقيل: ﴿ ٱلْمَفْتُونُ ﴾ من به الفتنة كما يقال: فلان لا معقول له، أي: ليس له عقل.

وقيل: ﴿ ٱلْمَفْتُونُ ﴾ : المعذب؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ هُمْ عَلَى ٱلنَّارِ يُفْتَنُونَ  ﴾ أي: يعذبون؛ فكأنه يقول: ستعلمون أيكم المعذب؟

وأيكم الضال؟

إن حمل على ما ذكر الحسن، وأيكم المغتر إن كان معناه على ما ذكروا أن المفتون من الفتنة.

وجائز أن يكون نسبوه إلى الاغترار فيما كان يدعي من الرسالة، ويزعمون أنه مغتر بها، ويغر بها غيره كما قال المنافقون: ﴿ مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً  ﴾ ، فحق هذا عندنا ألا يتكلف تفسيره؛ لأنه قال: ﴿ فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَييِّكُمُ ٱلْمَفْتُونُ ﴾ ، فذكر هذا جوابا عما وقعت فيه الخصومة، فكانوا يزعمون أن رسول الله  هو المفتون، ورسول الله  يذكر أنهم هم المفتونون، فخرج هذا جوابا عن تلك الخصومة: أنهم وأنت ستبصرون، وقد وقعت الخصومات من أوجه: فمرة كانوا يدعون أنه ساحر، ومرة [كانوا] يدعون أنه مجنون، ومرة بأنه ضال، ومرة أنه مفتر وغيرها من الوجوه، فإذا ثبت أن الآية نزلت في حق الجواب فما لم يعلم بأن الخصومة فيم كانت، لم يعلم إلى ماذا يصرف الجواب، والله أعلم.

ويشبه أن تكون الخصومة الواقعة في الضلال والهدى، فكانوا يدعون أنهم على الهدى، وأنهم بالله أحق وإليه أقرب من رسول الله  ، ورسول الله  يدعي أنهم على الضلال، وأنه على دين الحق والهدى، يدل على ذلك ذكر الضلال والهدى بعد ذكر المفتون، وهو قوله: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ ﴾ .

ثم هذه الآيات كأنها نزلت جوابا من الله  عما كان يحق لمثله الجواب [عن رسول الله  ] ولكن الله  لما امتحن رسوله  بالعفو والإعراض عن المكافأة في الجواب، تولى الله  الجواب عنه بقوله -  - ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ ﴾ ، [أي: قد تعلمون أن ربكم أعلم] ﴿ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ ﴾ ، وسنبين لكم ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تُطِعِ ٱلْمُكَذِّبِينَ ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِماً أَوْ كَفُوراً  ﴾ ، ليس في قوله: ﴿ فَلاَ تُطِعِ ٱلْمُكَذِّبِينَ ﴾ أمر من الله  بأن يطيع المصدقين؛ لأن من صدقه وآمن به [لا يجوز له] أن يتقدم بين يديه فيأمره أو ينهاه عن أمر، ويدعوه إلى الطاعة، بل ينظر إلى أمر رسول الله  ونهيه؛ فيأتمر بأمره، ويطيعه فيما يدعوه إليه، وأما من كذبه، فقد يدعوه إلى طاعته؛ فخص ذكر المكذب عندما نهاه عن طاعته؛ لأن الدعاء إلى الطاعة لا يوجد من المصدق دون أن يتضمن قوله: ﴿ فَلاَ تُطِعِ ٱلْمُكَذِّبِينَ ﴾ أمرا بطاعة المصدق؛ وهو كقوله -  -: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ  ﴾ ، فليس فيه أنه إذا لم يخش الإملاق يسعه قتله، ولكنه خص تلك الحالة؛ لأن تلك الحالة هي التي كانت تحملهم على القتل، ولم يكونوا يقدمون على القتل عند الأمن من الإملاق، وفي هذا دلالة إبطال قول من قال بأن تخصيص الشيء بالذكر يدل على أن الحكم فيما غايره بخلافه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ٱلْمُكَذِّبِينَ ﴾ هم المكذبون بآيات الله  أو بوحدانيته أو برسله أو بالبعث.

ثم يجوز أن يكون هذا الأمر منهم في أول الأحوال؛ فكانوا يطمعون من رسول الله  الإجابة لهم فيما يدعونه إليه؛ إذ كانوا يرجون منه الموافقة لهم بما يبذلون له من المال؛ فيكون النهي راجعاً إلى ذلك [الوقت]، فأما بعدما ظهرت منه الصلابة في الدين والتشمير لأمر الله  فلا يحتمل أن يطيعهم أو يخاف منهم ذلك فينهى عنه.

وجائز أن يكون دعاؤهم رسول الله  ما ذكر من قوله: ﴿ وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ﴾ والمداهنة هي [الملاطفة والملاينة] في القول.

ثم رسول الله  كان يذكر آلهتهم بالسوء ويسفههم بعبادتهم إياها ويسفه أحلامهم ويجهلهم، وهم لم يكونوا يجدون في رسول الله  مطعنا؛ فكانوا ينسبونه إلى الكذب مرة وإلى الجنون ثانيا وإلى السحر ثالثا، وكانوا يتخذونه هزوا إذا رأوه، وكانوا يطعنون فيه من هذه الأوجه بإزاء ما كان رسول الله  يسفههم ويذكر آلهتهم بسوء، مع علمهم أنه ليس بكذاب ولا ساحر ولا كاهن؛ ألا ترى إلى قوله -  -: ﴿ قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ  ﴾ ، فأخبر -  - أنهم ليسوا يكذبونه لما وقفوا منه على الكذب، بل قد كانوا عرفوه بالأمانة والصدق، ولم يكونوا وقفوا منه على كذب قط، وإنما الذي حملهم على التكذيب واتخاذهم إياه هزوا ذكر آلهتهم بسوء، وكذلك قال: ﴿ وَإِذَا رَآكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَهَـٰذَا ٱلَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ  ﴾ ، فكانت معاملتهم هذه مجازاة لرسول الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ﴾ .

يخرج على هذا - إن شاء الله  -: هو أنك لو تركت ذكر آلهتهم بسوء، ولم تسفه أحلامهم؛ لامتنعوا هم أيضاً عما هم عليه من نسبتهم إياكم إلى الجنون والسحر والكذب وغير ذلك، ولكنه كان يذكرهم [بما يذكرهم] وهو في ذلك محق، وهم كانوا يذكرونه بما قالوا بالباطل والزور؛ فيكون قوله: ﴿ فَلاَ تُطِعِ ٱلْمُكَذِّبِينَ ﴾ فيما يدعونك إلى المداهنة، ثم هم لو داهنوا كانوا في مداهنتهم محقين، فإذا تركوا ذلك فقد تركوا الحق الذي كان عليهم، ورسول الله  لو داهنهم، لم يكن في مداهنتهم محقّاً؛ فلذلك نُهِي عن المداهنة.

وقال بعض [أهل التفسير]: ﴿ وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ﴾ ، أي: لو ترفض ما أنت عليه من الدين؛ فيرفضون ما هم عليه من الدين؛ وهذا لا يستقيم؛ لأنه إذا رفض ما هو عليه من الدين كفر، وهم لو تركوا ما هم عليه، صاروا مسلمين، [فيبقى بينهم الاختلاف] الذي لأجله دعوا إلى المداهنة وودوها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ ﴾ .

قيل: إن هذه الآيات نزلت في واحد يشار إليه، وهو الوليد بن المغيرة المخزومي، وفيما يشار إلى واحد لا يطلق فيه لفظة "كل" فيقال: ﴿ وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ ﴾ ، والحلاف المهين ليس إلا واحداً، ولكن معناه: ولا تطع هذا ولا كل من يوجد فيه هذه الصفة، ثم ذكر المرء بقوله: ﴿ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ * هَمَّازٍ مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ * مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ﴾ يخرج مخرج الهجاء والشتم في الشاهد؛ لأن ذكر المرء بما هو عليه من ارتكاب الفواحش والمساوى تهجينٌ [له] وشتم، وجل الله ورسوله [أن يقصدوا إلى شتم إنسان]، فالآية ليست في تثبيت فواحشه، وإنما هي في موضع التوبيخ والزجر عن اتباع مثله، وذلك أنه كان من رؤساء الكفرة، وممن بسطت عليه الدنيا؛ فكان القوم يتبعونه وينقادون له فيما يدعوهم إلى الصد عن سبيل الله، فذكر الله  فيه هذه الأشياء، وأظهرها للخلق؛ ليزهدهم عن اتباعه؛ إذ كل من كانت فيه هذه الأحوال، لم تسْخُ نفس عاقل باتباعه، ولا احتمل طبعه طاعة مثله؛ فلا يتمكن من صد الناس عن سبيل الله  ، فكان في ذكره بالعيوب التي هي فيه زجر الناس عن طاعته؛ فذكرها لإثبات هذا الوجه، لا أن يكون فائدتها تحصيل الشتم والهجاء؛ وكذلك ذكر أبا لهب بالتب والخسار وما هو عليه من الفواحش؛ ليزجر الناس عن اتباعه.

وفي هذه الآيات دلالة نبوة محمد  من الوجه الذي نذكره في سورة "تبت" إن شاء الله  .

ثم قيل: المهين من المهانة، ومن المهنة، ومن [الوهن، وهو الضعف].

ثم قوله: ﴿ هَمَّازٍ مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ * مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ﴾ جائز أن يكون استوجب المهانة؛ لكونه همازا مشاء بالنميم وبمنعه الخير واعتدائه؛ فيكون هذا كله تفسير ﴿ مَّهِينٍ ﴾ ، فإن كان هكذا فقوله: ﴿ مَّهِينٍ ﴾ من المهانة هاهنا.

ثم لا يجوز أن يكون رسول الله  يخشى عليه طاعة من هذا وصفه، وأن يميل قلبه إليه، ولكن النهي لمكان غيره وإن كان هو المشار إليه بالذكر.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ ﴾ تمام الكلام، ويكون قوله: ﴿ هَمَّازٍ مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ ﴾ على الابتداء؛ فكأنه يقول: لا تطع كل حلاف مهين، وكل هماز مشاء بنميم، وكل معتد أثيم، وكل عتل زنيم.

وتفسير الهمز يذكر في [تفسير] سورة الهُمَزَة، إن شاء الله  .

والمشاء بالنميم: هو الذي يسعى في الفرقة بين الإخوان، ويقوم فيما بينهم بالقطيعة.

والمناع للخير: قال بعضهم: إنه كان يمنع أهل الآفاق مَنْ كان بحضرته عن اتباع رسول الله  ، ويقول: إنه ضال مضل، فقيل: مناع للخير؛ لهذا.

ومنهم من ذكر: أنه كان يمنع ولده من الاختلاف إلى مجلس رسول الله  .

وجائز أن يكون منعه للخير هو امتناعه عن أداء [الحقوق التي لله]  الواجبة في ماله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مُعْتَدٍ ﴾ .

أي: معتد حدود الله  ، أو ظالم لنفسه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَثِيمٍ ﴾ .

الأثيم: هو المرتكب لما يأثم به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ ﴾ .

العتل: الفظ الغليظ، والشديد الظلوم.

وقيل: هو الفاحش اللئيم الضريبة.

وقال مجاهد: العتل: الشديد الأشر، أي: الخلق، وقد روي في الخبر عن النبي  أنه قال: "لا يدخل الجنة جواظ ولا جعظري [ولا العتل الزنيم، فقال رجل من المسلمين: يا رسول الله، وما الجواظ] والجعظري والعتل الزنيم؟

فقال رسول الله  : أما الجواظ فالذي جمع ومنع تدعوه لظى نزاعة للشوى، وأما الجعظري: فالفظ الغليظ؛ قال الله  : ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ﴾ ، وأما العتل الزنيم: هو الشديد الخلق، الرحيب الجوف المصحَّح، الأكول الشروب، الواجد للطعام والشراب، الظلوم للناس" ، وأما الزنيم: هو الدعي الملصق بالقوم الملحق في النسب.

واستدلوا على ذلك بقول الشاعر: زَنِيمٌ ليس يُعْرَفُ مَنْ أبوه؟

*** بَغِىُّ الأمِّ ذو حسب لئيم ويقول آخر: زَنِيمٌ تَداعاه الرجال زِيادَة *** كَمَا زِيدَ في عرْض الأدِيم الأكَارعُ ومنهم من قال: إنه كانت به زنمة في أصل أذنه يعرف بها.

ومنهم من يقول: الزنيم: هو العلم في الشر.

ولقائل أن يقول: إذا كان تأويل العتل ما ذكر في الخبر، ومعنى الزنيم: الدعيّ أو ما ذكر من العلامة، فكيف عير بهذه الأشياء، ولم يكن له في ذلك صنع، والمرء إنما يعير بما له فيه صنع لا بما لا صنع له فيه؟!

فيجاب عن هذا من وجهين: أحدهما: ما ذكرنا: أن ذكره بما فيه من العيوب ليس لمكان المذكور نفسه، ولكن لزجر الناس عن اتباعه؛ لأن من اشتمل على العيوب التي ذكرها، وكان مع ذلك عتلا زنيما، فأنفس الخلق تأبى عن اتباعه، ففائدة تعييره بما أنشئ عليها ما ذكرنا من الحكمة لا تعييره.

والثاني: أن ذكر أصله كناية عن سوء فعله؛ ليعلم أن خبث الأصل يدعو الإنسان إلى تعاطي الأفعال الذميمة، وصحة الأصل و [حسنه ونقاوته] يدعو صاحبه إلى محاسن الأخلاق وإلى الأفعال المرضية.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ ﴾ .

فيخبر أن من يتبعه، يتبعه لكثرة أمواله وبنيه؛ وذلك لأن كثرة المال للإنسان مِنْ أحد ما يستدعي قلوب الخلق إلى تعظيمه، فذكر ما فيه من العيوب والمساوى؛ لئلا يستميل قلوب الضعفة إلى نفسه بماله، فيقول: كيف تتبعونه وهو بهذا الوصف الذي وصفه الله  ؟!

ثم أخبر عن معاملته رسول الله  بقوله: ﴿ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ ، ثم قوله: ﴿ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ ، وإن كان عامّاً بظاهره، لكن لم يرد به العموم؛ لأن [قوله:] ﴿ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ  ﴾ ليس في كل الآيات، وإنما هو في الآيات التي هي في حق الإخبار عن الأمم السالفة، وأما إذا تليت عليه الآيات التي فيها دلالة إثبات الرسالة ودلالة التوحيد ودلالة البعث، فقوله فيها ما قال في سورة المدثر: ﴿ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ  إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ قَوْلُ ٱلْبَشَرِ  ﴾ ، وهذا دليل على أنه لا يجب اعتقاد ظاهر العموم ما لم يعلم بيقين، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ سَنَسِمُهُ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ ﴾ .

قيل: شَيْناً لا يفارقه، فجائز أن يكون جعل هذا في الدنيا؛ لكي يعلمه ويذكره من رآه فيجتنب صحبته؛ فهو يصير شينا من هذا الوجه؛ فيخرج هذا مخرج العقوبة لشدة تعنته على رسول الله  وعظيم أذاه له.

وجائز أن يكون هذا في الآخرة، فيجعل الله  في أنفه علما يتبين به، ويمتاز من غيره يوم القيامة؛ زيادة له في العقوبة، كما جعل لآكلي الربا يوم القيامة علما يعرفون به، وذلك قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَٰواْ لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَانُ مِنَ ٱلْمَسِّ  ﴾ .

وجائز أن يكون: نسم خرطومه خصوصا له من بين الكفرة، فيحشره ولا أنف له؛ لأنه ذكر أن سائر الكفرة يحشرون يوم القيامة [عميا وبكما] وصما، ولم يذكر في أنوفهم شيئاً، فجائز أن [يكون] يحشر ولا أنف له، وذلك هو النهاية في القبح، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولا تطع كل كثير الحلف بالباطل، حقير.

<div class="verse-tafsir" id="91.ZgWel"

مزيد من التفاسير لسورة القلم

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله