الآية ١٣ من سورة القلم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 68 القلم > الآية ١٣ من سورة القلم

عُتُلٍّۭ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ ١٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 124 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٣ من سورة القلم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٣ من سورة القلم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( عتل بعد ذلك زنيم ) أما العتل : فهو الفظ الغليظ الصحيح ، الجموع المنوع .

وقال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، وعبد الرحمن ، عن سفيان ، عن معبد بن خالد ، عن حارثة بن وهب قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ألا أنبئكم بأهل الجنة ؟

كل ضعيف متضعف لو أقسم على الله لأبره ، ألا أنبئكم بأهل النار ؟

كل عتل جواظ مستكبر " .

وقال وكيع : " كل جواظ جعظري مستكبر " .

أخرجاه في الصحيحين ، وبقية الجماعة إلا أبا داود من حديث سفيان الثوري ، وشعبة ، كلاهما عن معبد بن خالد به .

وقال الإمام أحمد أيضا : حدثنا أبو عبد الرحمن ، حدثنا موسى بن علي ، قال : سمعت أبي يحدث عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال عند ذكر أهل النار : " كل جعظري جواظ مستكبر جماع مناع " .

تفرد به أحمد .

قال أهل اللغة : الجعظري : الفظ الغليظ ، والجواظ : الجموع المنوع .

وقال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، حدثنا عبد الحميد ، عن شهر بن حوشب ، عن عبد الرحمن بن غنم قال : سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن العتل الزنيم ، فقال : " هو الشديد الخلق ، المصحح ، الأكول ، الشروب ، الواجد للطعام والشراب ، الظلوم للناس ، رحيب الجوف " .

وبهذا الإسناد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا يدخل الجنة الجواظ الجعظري ، العتل الزنيم " وقد أرسله أيضا غير واحد من التابعين .

وقال ابن جرير : حدثنا ابن عبد الأعلى ، حدثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن زيد بن أسلم قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " تبكي السماء من عبد أصح الله جسمه ، وأرحب جوفه ، وأعطاه من الدنيا مقضما ، فكان للناس ظلوما .

قال : فذلك العتل الزنيم " .

وهكذا رواه ابن أبي حاتم من طريقين مرسلين ، ونص عليه غير واحد من السلف ، منهم مجاهد ، وعكرمة ، والحسن ، وقتادة ، وغيرهم : أن العتل هو : المصحح الخلق ، الشديد القوي في المأكل والمشرب والمنكح ، وغير ذلك ، وأما الزنيم فقال البخاري : حدثنا محمود ، حدثنا عبيد الله ، عن إسرائيل ، عن أبي حصين ، عن مجاهد ، عن ابن عباس : ( عتل بعد ذلك زنيم ) قال : رجل من قريش له زنمة مثل زنمة الشاة .

ومعنى هذا : أنه كان مشهورا بالشر كشهرة الشاة ذات الزنمة من بين أخواتها .

وإنما الزنيم في لغة العرب : هو الدعي في القوم .

قاله ابن جرير ، وغير واحد من الأئمة ، قال : ومنه قول حسان بن ثابت يعني يذم بعض كفار قريش : وأنت زنيم نيط في آل هاشم كما نيط خلف الراكب القدح الفرد وقال آخر : زنيم ليس يعرف من أبوه بغي الأم ذو حسب لئيم وقال ابن أبي حاتم : حدثنا عمار بن خالد الواسطي ، حدثنا أسباط ، عن هشام ، عن عكرمة ، عن ابن عباس في قوله : ( زنيم ) قال : الدعي الفاحش اللئيم .

ثم قال ابن عباس : زنيم تداعاه الرجال زيادة كما زيد في عرض الأديم الأكارع وقال العوفي ، عن ابن عباس : الزنيم : الدعي .

ويقال : الزنيم : رجل كانت به زنمة يعرف بها .

ويقال : هو الأخنس بن شريق الثقفي حليف بني زهرة .

وزعم أناس من بني زهرة أن الزنيم الأسود بن عبد يغوث الزهري وليس به .

وقال ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن ابن عباس : أنه زعم أن الزنيم الملحق النسب .

وقال ابن أبي حاتم : حدثني يونس ، حدثنا ابن وهب ، حدثني سليمان بن بلال ، عن عبد الرحمن بن حرملة ، عن سعيد بن المسيب ، أنه سمعه يقول في هذه الآية : ( عتل بعد ذلك زنيم ) قال سعيد : هو الملصق بالقوم ، ليس منهم .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا عقبة بن خالد ، عن عامر بن قدامة ، قال : سئل عكرمة ، عن الزنيم ، قال : هو ولد الزنا .

وقال الحكم بن أبان ، عن عكرمة في قوله تعالى : ( عتل بعد ذلك زنيم ) قال : يعرف المؤمن من الكافر مثل الشاة الزنماء .

والزنماء من الشياه : التي في عنقها هنتان معلقتان في حلقها .

وقال الثوري ، عن جابر ، عن الحسن ، عن سعيد بن جبير قال : الزنيم : الذي يعرف بالشر كما تعرف الشاة بزنمتها .

والزنيم : الملصق ، رواه ابن جرير .

وروى أيضا من طريق داود بن أبي هند ، عن عكرمة ، عن ابن عباس أنه قال في الزنيم : قال : نعت فلم يعرف حتى قيل : زنيم .

قال : وكانت له زنمة في عنقه يعرف بها .

وقال آخرون : كان دعيا .

وقال ابن جرير : حدثنا أبو كريب ، حدثنا ابن إدريس ، عن أبيه ، عن أصحاب التفسير قالوا هو الذي تكون له زنمة مثل زنمة الشاة .

وقال الضحاك : كانت له زنمة في أصل أذنه ، ويقال : هو اللئيم الملصق في النسب .

وقال أبو إسحاق : عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : هو المريب الذي يعرف بالشر .

وقال مجاهد : الزنيم الذي يعرف بهذا الوصف كما تعرف الشاة .

وقال أبو رزين : الزنيم علامة الكفر .

وقال عكرمة : الزنيم الذي يعرف باللؤم كما تعرف الشاة بزنمتها .

والأقوال في هذا كثيرة ، وترجع إلى ما قلناه ، وهو أن الزنيم هو : المشهور بالشر ، الذي يعرف به من بين الناس ، وغالبا يكون دعيا ولد زنا ، فإنه في الغالب يتسلط الشيطان عليه ما لا يتسلط على غيره ، كما جاء في الحديث : " لا يدخل الجنة ولد زنا " وفي الحديث الآخر : " ولد الزنا شر الثلاثة إذا عمل بعمل أبويه " .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: (عُتُلٍّ ) يقول: وهو عُتُلّ، والعتلّ: الجافي الشديد في كفره، وكلّ شديد قويّ فالعرب تسميه عُتُلا؛ ومنه قول ذي الإصبع العَْوانّي: والدَّهْرُ يَغْدُو مِعْتَلا جَذَعا (3) وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: (عُتُلٍّ ) العتلّ: العاتل الشديد المنافق.

حدثني إسحاق بن وهب الواسطي، قال: ثنا أبو عامر العَقْدِيُّ، قال: ثنا زهير بن محمد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن وهب الذَّمارِيّ، قال: تبكي السماء والأرض من رجل أتمّ الله خلقه، وأرحب جوفه، وأعطاه مقضما من الدنيا، ثم يكون ظلوما للناس، فذلك العتلّ الزنيم .

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن إدريس، عن ليث، عن أبي الزبير، عن عبيد بن عمير، قال: العتلّ: الأكول الشروب القويّ الشديد، يوضع في الميزان فلا يزن شعيرة، يدفع المَلَكُ من أولئك سبعين ألفا دفعة في جهنم.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن منصور، عن أبي رزين، في قوله: (عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ ) قال: العتلّ: الشديد.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن أبي رزين، في قوله: (عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ ) قال: العتلّ: الصحيح.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني معاوية بن صالح، عن كثير بن الحارث، عن القاسم، مولى معاوية قال: سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العُتُلّ الزنيم، قال: " الفَاحِشُ اللَّئيمُ ".

قال معاوية، وثني عياض بن عبد الله الفهريّ، عن موسى بن عقبة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل ذلك حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله: (عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ ) قال: فاحش الخُلق، لئيم الضريبة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ ) قال: الحسن وقتادة: هو الفاحش اللئيم الضريبة.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن، في قوله: (عُتُلٍّ ) قال: هو الفاحش اللئيم الضريبة.

قال ثنا ابن ثور، عن معمر، عن زيد بن أسلم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " تَبْكي السَّماءُ مِنْ عَبْدٍ أصَحَّ اللهُ جِسْمَهُ، وأرْحَبَ جَوْفَهُ، وأعْطاهُ مِنَ الدُّنْيا مِقْضَما فَكانَ للنَّاس، ظَلُوما، فَذلكَ العُتلُّ الزَّنِيمُ".

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن أبي رزين، قال: العتل: الصحيح الشديد.

حدثني جعفر بن محمد البزوري، قال: ثنا أبو زكريا، وهو يحيى بن مصعب، عن عمر بن نافع، قال: سُئل عكرمة، عن (عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ ) فقال: ذلك الكافر اللئيم.

حدثني عليّ بن الحسن الأزديّ، قال: ثنا يحيى، يعنى: ابن يمان، عن أبي الأشهب، عن الحسن في قوله: (عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ ) قال: الفاحش اللئيم الضريبة.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا معاذ بن هشام، قال: ثني أبي، عن قتادة، قال: العتلّ، الزنيم: الفاحش اللئيم الضريبة.

حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: (عُتُلٍّ ) قال: شديد الأشَر.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول: (عُتُلٍّ ) قال: العتلّ: الشديد (بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ ) ومعنى " بعد " في هذا الموضع معنى مع، وتأويل الكلام: (عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ ) : أي مع العتلّ زنيم.

وقوله: (زَنِيمٍ ) والزنيم في كلام العرب: الملصق بالقوم وليس منهم؛ ومنه قول حسان بن ثابت: وأنْــتَ زَنِيـمٌ نِيـطَ فِـي آلِ هاشِـمٍ كمَـا نِيـطَ خَـلْفَ الرَّاكِب القَدَحُ الفَرْدُ (4) وقال آخر: زَنِيــمٌ لَيْسَ يَعْــرِفُ مَــن أبُـوهُ بَغِـــيُّ الأمّ ذُو حَسَـــبٍ لَئِــيمِ (5) وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس (زَنِيمٍ ) قال: والزنيم: الدعيّ، ويقال: الزنيم: رجل كانت به زنمة يُعرف بها، ويقال: هو الأخنس بن شَرِيق الثَّقَفِيّ حلِيف بني زُهْرة.

وزعم ناس من بني زُهره أن الزنيم هو: الأسود بن عبد يغوث الزُّهريّ، وليس به.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: أخبرنا ابن إدريس، قال: ثنا هشام، عن عكرمة، قال: هو الدعيّ.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني سليمان بن بلال، عن عبد الرحمن بن حرملة، عن سعيد بن المسيب، أنه سمعه يقول في هذه الآية: (عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ ) قال سعيد: هو الملصق بالقوم ليس منهم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن جابر، عن الحسن، عن سعيد بن جبير، قال: الزنيم الذي يعرف بالشرّ، كما تعرف الشاة بزنمتها؛ الملصق.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، وقال آخرون: هو الذي له زَنَمة كزنمة الشاة.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، ثنا داود، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال في الزنيم قال: نعت، فلم يعرف حتى قيل زنيم.

قال: وكانت له زنمة في عنقه يُعرف بها.

وقال آخرون: كان دعيًّا.

حدثني الحسين بن على الصدائي، قال: ثنا عليّ بن عاصم، قال ثنا داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله: (بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ ) قال: نـزل على النبيّ صلى الله عليه وسلم ( وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ قال: فلم نعرفه حتى نـزل على النبي صلى الله عليه وسلم (بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ ) قال: فعرفناه له زنمة كزنمة الشاة.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن إدريس، عن أصحاب التفسير، قالوا: هو الذي يكون له زنمة كزنمة الشاة.

حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: زنيم: يقول: كانت له زنمة في أصل أذنه، يقال: هو اللئيم الملصق في النسب.

وقال آخرون: هو المريب * ذكر من قال ذلك: حدثنا تميم بن المنتصر، قال: ثنا إسحاق، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله: (عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ ) قال: زنيم: المُرِيب الذي يعرف بالشرّ.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن جابر، عن الحسن بن مسلم، عن سعيد بن جبير قال: الزنيم: الذي يعرف بالشرّ.

وقال آخرون: هو الظلوم.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: (زَنِيمٍ ) قال: ظلوم.

وقال آخرون: هو الذي يُعرف بأُبنة.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس أنه قال في الزنيم: الذي يُعرف بأبنة، قال أبو إسحاق: وسمعت الناس في إمرة زياد يقولون: العتلّ: الدعيّ.

وقال آخرون: هو الجِلْف الجافي.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن المثنى، قال: ثني عبد الأعلى، قال: ثنا داود بن أبي هند، قال: سمعت شهر بن حَوْشب يقول: هو الجلف الجافي الأكول الشروب من الحرام.

وقال آخرون: هو علامة الكفر.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كُريب، ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن منصور، عن أبي رزين، قال: الزنيم: علامة الكفر.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن أبي رزين، قال: الزنيم: علامة الكافر.

حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، أنه كان يقول الزنيم يُعرف بهذا الوصف كما تعرف الشاة.

وقال آخرون: هو الذي يعرف باللؤم.

* ذكر من قال ذلك حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن خصيف، عن عكرمة، قال: الزّنيم: الذي يعرف باللؤم، كما تُعرف الشاة بزنمتها.

وقال آخرون: هو الفاجر.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن أبي رزين، في قوله: (عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ ) قال: الزنيم: الفاجر.

----------------- الهوامش : (3) ‌البيت من شواهد أبي عبيدة في مجاز القرآن (الورقة 179) أنشده عند قوله تعالى: ( عتل ) قال: العتل: الفظ الكافر في هذا الموضع، وهو الشديد من كل شيء بعد ذلك؛ قال ذو الإصبع العدواني: " والدهر يغدو معتلا جذعا" أي شديدا ا هـ.

وفي (اللسان: عتل) العتل: هو الشديد الجافي، والفظ الغليظ.

قيل: هو الجافي الخلق، اللئيم الضريبة.

وقيل هو الشديد من الرجال والدواب.

وفي التنزيل: ( عتل بعد ذلك زنيم ) قيل: هو الشديد الخصومة.

ا هـ.

وفي (اللسان: عتل) ورجل معتل (بوزن منبر) بالكسر: قوي.

والجذع: الصغير السن.

(4) البيت من شواهد أبي عبيدة في مجاز القرآن (الورقة 179 من مصورة الجامعة 26390 عن مخطوطة "مراد مثلا" بالآستانة) أنشده عند قول الله تعالى: ( زنيم ) قال: الزنيم: المعلق في القوم ليس منهم، قال حسان بن ثابت: "وأنت زنيم..." البيت.

ويقال للتيس: زنيم، له زنمتان.

ا هـ (5) ليس هذا البيت من شواهد الفراء ولا من شواهد أبي عبيدة، ولم ينسبه المؤلف إلى قائله.

وفي اللسان: الزنيم: المستحلق في قوم ليس منهم، لا يحتاج إليه، فكأنه فيهم زنمة (أي: زنمة العنز المعلقة عند حلقها).

يقول: هو فيهم زنيم، لا يعرفون أباه؛ لأنه دخيل.

وأمه بغي، وحسبه لئيم.

وهو في معنى الشاهد الذي قبله على معنى "الزنيم".

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

عتل بعد ذلك زنيم العتل الجافي الشديد في كفره .

وقال الكلبي والفراء : هو الشديد الخصومة بالباطل .

وقيل : إنه الذي يعتل الناس فيجرهم إلى حبس أو عذاب .

مأخوذ من العتل وهو الجر ; ومنه قوله تعالى : خذوه فاعتلوه .

وفي الصحاح : وعتلت الرجل أعتله وأعتله إذا جذبته جذبا عنيفا .

ورجل معتل ( بالكسر ) .

وقال يصف فرسا :نفرعه فرعا ولسنا نعتلهقال ابن السكيت : عتله وعتنه ، باللام والنون جميعا .

والعتل الغليظ الجافي .

والعتل أيضا : الرمح الغليظ .

ورجل عتل ( بالكسر ) بين العتل ; أي سريع إلى الشر .

ويقال : لا أنعتل معك ; أي لا أبرح مكاني .

وقال عبيد بن عمير : العتل الأكول الشروب القوي الشديد يوضع في الميزان فلا يزن شعيرة ; يدفع الملك من أولئك في جهنم بالدفعة الواحدة سبعين ألفا .

وقال علي بن أبي طالب والحسن : العتل الفاحش السيئ الخلق .

وقال معمر : هو الفاحش اللئيم .

قال الشاعر :بعتل من الرجال زنيم غير ذي نجدة وغير كريم[ ص: 216 ] وفي صحيح مسلم عن حارثة بن وهب سمع النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ألا أخبركم بأهل الجنة .

قالوا : بلى .

قال : كل ضعيف متضعف لو أقسم على الله لأبره .

ألا أخبركم بأهل النار .

قالوا : بلى .

قال : كل عتل جواظ مستكبر .

في رواية عنه : كل جواظ زنيم متكبر " .

الجواظ : قيل هو الجموع المنوع .

وقيل الكثير اللحم المختال في مشيته .

وذكر الماوردي عن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم ، ورواه ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا يدخل الجنة جواظ ولا جعظري ولا العتل الزنيم " .

فقال رجل : ما الجواظ وما الجعظري وما العتل الزنيم ؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الجواظ الذي جمع ومنع .

والجعظري الغليظ .

والعتل الزنيم الشديد الخلق ، الرحيب الجوف ، المصحح الأكول الشروب ، الواجد للطعام ، الظلوم للناس " .

وذكره الثعلبي عن شداد بن أوس : " لا يدخل الجنة جواظ ولا جعظري ولا عتل زنيم " .

سمعتهن من النبي صلى الله عليه وسلم .

قلت : وما الجواظ ؟

قال : الجماع المناع .

قلت : وما الجعظري ؟

قال : الفظ الغليظ .

قلت : وما العتل الزنيم ؟

قال : الرحيب الجوف ، الوثير الخلق ، الأكول الشروب ، الغشوم الظلوم .قلت : فهذا التفسير من النبي صلى الله عليه وسلم في العتل قد أربى على أقوال المفسرين .

ووقع في كتاب أبي داود في تفسير الجواظ أنه الفظ الغليظ .

ذكره من حديث حارثة بن وهب الخزاعي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يدخل الجنة الجواظ ولا الجعظري " .

قال : والجواظ : الفظ [ ص: 217 ] الغليظ .

ففيه تفسيران مرفوعان حسب ما ذكرناه أولا .

وقد قيل : إنه الجافي القلب .

وعن زيد بن أسلم في قوله تعالى : عتل بعد ذلك زنيم قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " تبكي السماء من رجل أصح الله جسمه ، ورحب جوفه ، وأعطاه من الدنيا بعضا ، فكان للناس ظلوما ، فذلك العتل الزنيم .

وتبكي السماء من الشيخ الزاني ما تكاد الأرض تقله " .

والزنيم الملصق بالقوم الدعي ; عن ابن عباس وغيره .

قال الشاعر :زنيم تداعاه الرجال زيادة كما زيد في عرض الأديم الأكارعوعن ابن عباس أيضا أنه رجل من قريش كانت له زنمة كزنمة الشاة .

وروى عنه ابن جبير .

أنه الذي يعرف بالشر كما تعرف الشاة بزنمتها .

وقال عكرمة : هو اللئيم الذي يعرف بلؤمه كما تعرف الشاة بزنمتها .

وقيل : إنه الذي يعرف بالأبنة .

وهو مروي عن ابن عباس أيضا .

وعنه أنه الظلوم .

فهذه ستة أقوال .

وقال مجاهد : زنيم كانت له ستة أصابع في يده ، في كل إبهام له إصبع زائدة .

وعنه أيضا وسعيد بن المسيب وعكرمة : هو ولد الزنا الملحق في النسب بالقوم .

وكان الوليد دعيا في قريش ليس من سنخهم ; ادعاه أبوه بعد ثماني عشرة سنة من مولده .

قال الشاعر :زنيم ليس يعرف من أبوه بغي الأم ذو حسب لئيموقال حسان :وأنت زنيم نيط في آل هاشم كما نيط خلف الراكب القدح الفردقلت : وهذا هو القول الأول بعينه .

وعن علي رضي الله تعالى عنه أنه الذي لا أصل له ; والمعنى واحد .

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا يدخل الجنة ولد زنا ، ولا ولده ، ولا ولد ولده " .

وقال عبد الله بن عمر : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن أولاد الزنا يحشرون يوم القيامة في صورة القردة [ ص: 218 ] والخنازير " .

وقالت ميمونة : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " لا تزال أمتي بخير ما لم يفش فيهم ولد الزنا ، فإذا فشا فيهم ولد الزنا أوشك أن يعمهم الله بعقاب " .

وقال عكرمة : إذا كثر ولد الزنا قحط المطر .قلت : أما الحديث الأول والثاني فما أظن لهما سندا يصح ، وأما حديث ميمونة وما قاله عكرمة ففي صحيح مسلم عن زينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوما فزعا محمرا وجهه يقول : " لا إله إلا الله .

ويل للعرب من شر قد اقترب .

فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه .

وحلق بإصبعيه الإبهام والتي تليها .

قالت : فقلت : يا رسول الله ، أنهلك وفينا الصالحون ؟

قال : نعم ، إذا كثر الخبث " خرجه البخاري .

وكثرة الخبث ظهور الزنا وأولاد الزنا ; كذا فسره العلماء .

وقول عكرمة " قحط المطر " تبيين لما يكون به الهلاك .

وهذا يحتاج إلى توقيف ، وهو أعلم من أين قاله .

ومعظم المفسرين على أن هذا نزل في الوليد بن المغيرة ، وكان يطعم أهل منى حيسا ثلاثة أيام ، وينادي : ألا لا يوقدن أحد تحت برمة ، ألا لا يدخنن أحد بكراع ، ألا ومن أراد الحيس فليأت الوليد بن المغيرة .

وكان ينفق في الحجة الواحدة عشرين ألفا وأكثر .

ولا يعطي المسكين درهما واحدا فقيل : مناع للخير .

وفيه نزل : ويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة .

وقال محمد بن إسحاق : نزلت في الأخنس بن شريق ، لأنه حليف ملحق في بني زهرة ، فلذلك سمي زنيما .

وقال ابن عباس : في هذه الآية نعت ، فلم يعرف حتى قتل فعرف ، وكان له زنمة في عنقه معلقة يعرف بها .

وقال مرة الهمداني : إنما ادعاه أبوه بعد ثماني عشرة سنة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ } أي: غليظ شرس الخلق قاس غير منقاد للحق { زَنِيمٍ } أي: دعي، ليس له أصل و [لا] مادة ينتج منها الخير، بل أخلاقه أقبح الأخلاق، ولا يرجى منه فلاح، له زنمة أي: علامة في الشر، يعرف بها.وحاصل هذا، أن الله تعالى نهى عن طاعة كل حلاف كذاب، خسيس النفس، سيئ الأخلاق، خصوصًا الأخلاق المتضمنة للإعجاب بالنفس، والتكبر على الحق وعلى الخلق، والاحتقار للناس، كالغيبة والنميمة، والطعن فيهم، وكثرة المعاصي.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( عتل ) العتل : الغليظ الجافي .

وقال الحسن : هو الفاحش الخلق السيئ الخلق .

قال الفراء : هو الشديد الخصومة في الباطل وقال الكلبي : هو الشديد في كفره ، وكل شديد عند العرب عتل ، وأصله من العتل وهو الدفع بالعنف .

قال عبيد بن عمير : " العتل " الأكول الشروب القوي الشديد [ في كفره ] لا يزن في الميزان شعيرة ، يدفع الملك من أولئك سبعين ألفا في النار دفعة واحدة ( بعد ذلك ) أي مع ذلك ، يريد مع ما وصفناه به ( زنيم ) وهو الدعي [ الملصق ] بالقوم وليس منهم .

قال عطاء عن ابن عباس : يريد مع [ هذا ] هو دعي في قريش وليس منهم .

قال مرة الهمداني : إنما ادعاه أبوه بعد ثماني عشرة سنة .

وقيل : " الزنيم " الذي له زنمة كزنمة الشاة .

وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية : نعت فلم يعرف حتى قيل زنيم فعرف ، وكانت له زنمة في عنقه يعرف بها .

وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : يعرف بالشر كما تعرف الشاة بزنمتها .

قال ابن قتيبة : لا نعلم أن الله وصف أحدا ولا ذكر من عيوبه ما ذكر من عيوب الوليد بن المغيرة فألحق به عارا لا يفارقه في الدنيا والآخرة .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان الواعظ ، حدثني أبو محمد بن زنجويه بن محمد ، حدثنا علي بن الحسين الهلالي ، حدثنا عبد الله بن الوليد العدني عن سفيان ، حدثني معبد بن خالد القيسي ، عن حارثة بن وهب الخزاعي قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ألا أخبركم بأهل الجنة ؟

كل ضعيف متضعف لو أقسم على الله لأبره ، ألا أخبركم بأهل النار كل عتل جواظ [ مستكبر ] " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«عتل» غليظ جاف «بعد ذلك زنيم» دعيٍّ في قريش، وهو الوليد بن المغيرة ادَّعاه أبوه بعد ثماني عشرة سنة، قال ابن عباس: لا نعلم أن الله وصف أحدا بما وصفه به من العيوب فألحق به عارا لا يفارقه أبدا، وتعلق بزنيم الظرف قبله.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولا تطع -أيها الرسول- كلَّ إنسانٍ كثير الحلف كذاب حقير، مغتاب للناس، يمشي بينهم بالنميمة، وينقل حديث بعضهم إلى بعض على وجه الإفساد بينهم، بخيل بالمال ضنين به عن الحق، شديد المنع للخير، متجاوز حدَّه في العدوان على الناس وتناول المحرمات، كثير الآثام، شديد في كفره، فاحش لئيم، منسوب لغير أبيه.

ومن أجل أنه كان صاحب مال وبنين طغى وتكبر عن الحق، فإذا قرأ عليه أحد آيات القرآن كذَّب بها، وقال: هذا أباطيل الأولين وخرافاتهم.

وهذه الآيات وإن نزلت في بعض المشركين كالوليد بن المغيرة، إلا أن فيها تحذيرًا للمسلم من موافقة من اتصف بهذه الصفات الذميمة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ ) والعتل : هو الجاف الغليظ ، القاسى القلب : الفظ الطبع ، الأكول الشروب .

.

بدون تمييز بين حلال وحرام .

مأخوذ من عتلة يعتُلِه - بكسر التاء وضمها - إذا جره بعنف وغلظة .

.( والزنيم ) هو اللصيق بالقوم دون أن يكون منهم ، وإنما هو دعى فيهم ، حتى لكأنه فيهم كالزنمة ، وهى ما يتدلى من الجلد فى حلق المعز أو الشأة .

.وقيل : الزنيم ، هو الشخص الذى يعرف بالشر واللؤم بين الناس ، كما تعرف الشاة بزنمتها .

أى : بعلامتها .ومعنى : " بعد ذلك " : كمعنى " ثم " أى : ثم هو بعد كل تلك الصفات القبيحة السابقة : جاف غليظ ، ملصق بالقوم ، دعى فيهم .

.

.فهذه تسع صفات ، كل صفة منها قد بلغت النهاية فى القبح والسوء ، ساقها - سبحانه - لذم الوليد بن المغيرة وأشباهه فى الكفر والفجور .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قال الليث: الإدهان اللين والمصانعة والمقاربة في الكلام، قال المبرد: داهن الرجل في دينه وداهن في أمره إذا خان فيه وأظهر خلاف ما يضمر، والمعنى تترك بعض ما أنت عليه مما لا يرضونه مصانعة لهم فيفعلوا مثل ذلك ويتركوا بعض مالا ترضى فتلين لهم ويلينون لك، وروى عطاء عن ابن عباس: لو تكفر فيكفرون.

المسألة الثانية: إنما رفع ﴿ فَيُدْهِنُونَ ﴾ ولم ينصب بإضمار أن وهو جواب التمني لأنه قد عدل به إلى طريق آخر وهو أن جعل خبر مبتدأ محذوف أي فهم يدهنون كقوله: ﴿ فَمَن يُؤْمِن بِرَبّهِ فَلاَ يَخَافُ  ﴾ على معنى ودوا لو تدهن فهم يدهنون حينئذ، قال سيبويه: وزعم هارون وكان من القراء أنها في بعض المصاحف: (ودوا لو تدهن فيدهنوا).

واعلم أنه تعالى لما نهاه عن طاعة المكذبين، وهذا يتناول النهي عن طاعة جميع الكفار إلا أنه أعاد النهي عن طاعة من كان من الكفار موصوفاً بصفات مذمومة وراء الكفر، وتلك الصفات هي هذه: الصفة الأولى: كونه حلافاً، والحلاف من كان كثير الحلف في الحق والباطل، وكفى به مزجرة لمن اعتاد الحلف ومثله قوله: ﴿ وَلاَ تَجْعَلُواْ الله عُرْضَةً لأيمانكم  ﴾ .

الصفة الثانية: كونه مهيناً، قال الزجاج: هو فعيل من المهانة، ثم فيه وجهان: أحدهما: أن المهانة هي القلة والحقارة في الرأي والتمييز والثاني: أنه إنما كان مهيناً لأن المراد الحلاف في الكذب، والكذاب حقير عند الناس.

وأقول: كونه حلافاً يدل على أنه لا يعرف عظمة الله تعالى وجلاله، إذ لو عرف ذلك لما أقدم في كل حين وأوان بسبب كل باطل على الاستشهاد باسمه وصفته ومن لم يكن عالماً بعظمة الله وكان متعلق القلب بطلب الدنيا كان مهيناً، فهذا يدل على أن عزة النفس لا تحصل إلا لمن عرف نفسه بالعبودية، وأن مهانتها لا تحصل إلا لمن غفل عن سر العبودية.

الصفة الثالثة: كونه همازاً وهو العياب الطعان، قال المبرد: هو الذي يهمز الناس أي يذكرهم بالمكروه وأثر ذلك يظهر العيب، وعن الحسن يلوي شدقيه في أقفية الناس وقد استقصينا (القول) فيه في قوله: ﴿ وَيْلٌ لّكُلّ هُمَزَةٍ  ﴾ .

الصفة الرابعة: كونه مشاء بنميم أي يمشي بالنميمة بين الناس ليفسد بينهم، يقال: نم ينم وينم نماً ونميماً ونميمة.

الصفة الخامسة: كونه مناعاً للخير وفيه قولان: أحدهما: أن المراد أنه بخيل والخير المال والثاني: كان يمنع أهله من الخير وهو الإسلام، وهذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة، وكان له عشرة من البنين وكان يقول لهم وما قاربهم لئن تبع دين محمد منكم أحد لا أنفعه بشيء أبداً فمنعهم الإسلام فهو الخير الذي منعهم، وعن ابن عباس أنه أبو جهل وعن مجاهد: الأسود بن عبد يغوث، وعن السدي: الأخنس بن شريق.

الصفة السادسة: كونه معتدياً، قال مقاتل: معناه أنه ظلوم يتعدى الحق ويتجاوزه فيأتي بالظلم ويمكن حمله على جميع الأخلاق الذميمة يعني أنه نهاية في جميع القبائح والفضائح.

الصفة السابعة: كونه أثيماً، وهو مبالغة في الإثم.

الصفة الثامنة: العتل وأقوال المفسرين فيه كثيرة، وهي محصورة في أمرين أحدهما: أنه ذم في الخلق والثاني: أنه ذم في الخلق، وهو مأخوذ من قولك: عتله إذا قاده بعنف وغلظة، ومنه قوله تعالى: ﴿ فاعتلوه  ﴾ أما الذين حملوه على ذم الخلق فقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد قوي ضخم.

وقال مقاتل: واسع البطن، وثيق الخلق وقال الحسن: الفاحش الخلق، اللئيم النفس وقال عبيدة بن عمير: هو الأكول الشروب، القوي الشديد وقال الزجاج: هو الغليظ الجافي.

أما الذين حملوه على ذم الأخلاق، فقالوا: إنه الشديد الخصومة، الفظ العنيف.

الصفة التاسعة: قوله: ﴿ زَنِيمٍ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في الزنيم أقوال: الأول: قال الفراء: الزنيم هو الدعي الملصق بالقوم وليس منهم، قال حسان: وأنت زنيم نيط في آل هاشم *** كما نيط خلف الراكب القدح الفرد والزنمة من كل شيء الزيادة، وزنمت الشاة أيضاً إذا شقت أذنها فاسترخت ويبست وبقيت كالشيء المعلق، فالحاصل أن الزنيم هو ولد الزنا الملحق بالقوم في النسب وليس منهم، وكان الوليد دعياً في قريش وليس من سنخهم ادعاه بعد ثمان عشرة (ليلة) من مولده.

وقيل: بغت أمه ولم يعرف حتى نزلت هذه الآية والقول الثاني: قال الشعبي هو الرجل يعرف بالشر واللؤم كما تعرف الشاة بزنمتها والقول الثالث: روى عن عكرمة عن ابن عباس قال: معنى كونه زنيماً أنه كانت له زنمة في عنقه يعرف بها، وقال مقاتل: كان في أصل أذنه مثل زنمة الشاة.

المسألة الثانية: قول: ﴿ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ معناه أنه بعدما عدَّ له من المثالب والنقائص فهو عتل زنيم وهذا يدل على أن هذين الوصفين وهو كونه عتلاً زنيماً أشد معايبه لأنه إذا كان جافياً غليظ الطبع قسا قلبه واجترأ على كل معصية، ولأن الغالب أن النطفة إذا خبثت خبث الولد، ولهذا قال عليه الصلاة السلام: لا يدخل الجنة ولد الزنا ولا ولده ولا ولد ولده وقيل: هاهنا ﴿ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ نظير ﴿ ثُمَّ ﴾ في قوله: ﴿ ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين ءامَنُواْ  ﴾ وقرأ الحسن (عتل) رفعاً على الذم.

ثم إنه تعالى بعد تعديد هذه الصفات قال: <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ حَلاَّفٍ ﴾ كثير الحلف في الحق والباطل، وكفى به مزجرة لمن اعتاد الحلف.

ومثله قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَجْعَلُواْ الله عرضةلأيمانكم ﴾ [البقرة: 224] .

﴿ مُّهِينٍ ﴾ من المهانة وهي القلة والحقارة، يريد القلة في الرأي والتمييز.

أو أراد الكذاب لأنه حقير عند الناس ﴿ هَمَّازٍ ﴾ عياب طعان.

وعن الحسن.

يلوى شدقيه في أقفية الناس ﴿ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ ﴾ مضرب نقال للحديث من قوم إلى قوم على وجه السعاية والإفساد بينهم.

والنميم والنميمة: السعاية، وأنشدني بعض العرب: تَشَبَّبِي تَشَبُّبَ النَّمِيمَهْ ** تَمْشِي بِهَا زَهْرَا إِلَى تَمِيمَهْ ﴿ مَّنَّاعٍ لّلْخَيْرِ ﴾ بخيل.

والخير: المال.

أو مناع أهه الخير وهو الإسلام، فذكر الممنوع منه دون الممنوع، كأنه قال: مناع من الخير.

قيل: هو الوليد بن المغيرة المخزومي: كان موسراً، وكان له عشرة من البنين، فكان يقول لهم وللحمته: من أسلم منكم منعته رفدي عن ابن عباس.

وعنه: أنه أبو جهل.

وعن مجاهد: الأسود بن عبد يغوث.

وعن السدي: الأخنس بن شريق، أصله في ثقيف وعداده في زهرة، ولذلك قيل: زنيم ﴿ مُعْتَدٍ ﴾ مجاوز في الظلم حده ﴿ أَثِيمٍ ﴾ كثير الآثام ﴿ عُتُلٍّ ﴾ غليظ جاف، من عتله: إذا قاده بعنف وغلظة ﴿ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ بعدما عدّ له من المثالب والنقائص ﴿ زَنِيمٍ ﴾ دعي.

قال حسان: وَأنْتَ زَنِيمٌ نِيطَ فِي ءَالِ هَاشِم ** كَمَا نِيطَ خَلْفَ الرَّاكِبِ الْقَدَحُ الْفَرْدُ وكان الوليد دعيا في قريش ليس من سنخهم، ادعاه أبوه بعد ثمان عشرة من مولده.

وقيل: بغت أمّه ولم يعرف حتى نزلت هذه الآية، جعل جفاءه ودعوته أشد معايبه، لأنه إذا جفا وغلظ طبعه قسا قلبه واجترأ على كل معصية، ولأن الغالب أن النطفة إذا خبثت خبث الناشئ منها.

ومن ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة ولد الزنا ولا ولده ولا ولد ولده» و ﴿ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ نظير (ثم) في قوله: ﴿ ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين ءامَنُواْ ﴾ [البلد: 17] وقرأ الحسن: ﴿ عتل ﴾ رفعاً على الذم وهذه القراءة تقوية لما يدل عليه بعد ذلك.

والزنيم: من الزنمة وهي الهنة من جلد الماعزة تقطع فتخلى معلقة في حلقها، لأنه زيادة معلقة بغير أهله ﴿ أَن كَانَ ذَا مَالٍ ﴾ متعلق بقوله: ﴿ وَلاَ تُطِعْ ﴾ يعني ولا تطعه مع هذه المثالب، لأن كل ذا مال.

أي: ليساره وحظه من الدنيا.

ويجوز أن يتعلق بما بعده على معنى: لكونه متمولاً مستظهراً بالبنين كذب آياتنا ولا يعمل فيه ﴿ قَالَ ﴾ الذي هو جواب إذا، لأن ما بعد الشرط لا يعمل فيما قبله، ولكن ما دلت عليه الجملة من معنى التكذيب.

وقرئ: ﴿ أأن كان ﴾ ؟

على الاستفهام على: إلا لأن كان ذا مال وبنين، كذب.

أو أتطيعه لأن كان ذا مال.

وروى الزبيري عن نافع: إن كان، بالكسر والشرط للمخاطب، أي: لا تطع كل حلاف شارطاً يساره، لأنه إذا أطاع الكافر لغناه فكأنه اشترط في الطاعة الغنى، ونحو صرف الشرط إلى المخاطب صرف الترجي إليه في قوله تعالى: ﴿ لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ ﴾ [طه: 44] الوجه: أكرم موضع في الجسد، والأنف أكرم موضع من الوجه لتقدمه له، ولذلك جعلوه مكان العز والحمية، واشتقوا منه الأنفة.

وقالوا الأنف في الأنف، وحمى أنفه، وفلان شامخ العرنين.

وقالوا في الذليل: جدع أنفه، ورغم أنفه، فعبر بالوسم على الخرطوم عن غاية الإذلال والإهانة، لأن السمة على الوجه شين وإذالة، فكيف بها على أكرم موضع منه، ولقد: وسم العباس أباعره في وجوهها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أكرموا الوجوه» فوسمها في جواعرها وفي لفظ ﴿ الخرطوم ﴾ استخفاف به واستهانة.

وقيل معناه: سنعلمه يوم القيامة بعلامة مشوهة يبين بها عن سائر الكفرة، كما عادى رسول الله صلى الله عليه وسلم عداوة بأن بها عنهم.

وقيل: خطم يوم بدر بالسيف فبقيت سمة على خرطومه.

وقيل: سنشهره بهذه الشتيمة في الدارين جميعاً، فلا تخفى، كما لا تخفى السمة على الخرطوم.

وعن النضر بن شميل: أن الخرطوم الخمر، وأن معناه: سنحده على شربها وهو تعسف.

وقيل للخمر: الخرطوم، كما قيل لها: السلافة.

وهي ما سلف من عصير العنب.

أو لأنها تطير في الخياشيم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ ﴾ كَثِيرِ الحَلِفِ في الحَقِّ والباطِلِ.

﴿ مَهِينٍ ﴾ حَقِيرِ الرَّأْيِ مِنَ المَهانَةِ وهي الحَقارَةُ.

﴿ هَمّازٍ ﴾ عَيّابٍ.

﴿ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ ﴾ نَقّالٍ لِلْحَدِيثِ عَلى وجْهِ السِّعايَةِ.

﴿ مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ ﴾ يَمْنَعُ النّاسَ عَنِ الخَيْرِ مِنَ الإيمانِ والإيقانِ والعَمَلِ الصّالِحِ.

﴿ مُعْتَدٍ ﴾ مُتَجاوِزٍ في الظُّلْمِ.

﴿ أثِيمٍ ﴾ كَثِيرِ الآثامِ.

﴿ عُتُلٍّ ﴾ جافٍ غَلِيظٍ مِن عَتَلَهُ إذا قادَهُ بِعُنْفٍ وغِلْظَةٍ.

﴿ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ بَعْدَ ما عُدَّ مِن مَثالِبِهِ.

﴿ زَنِيمٍ ﴾ دَعِيٍّ مَأْخُوذٍ مِن زَنَمَتَيِ الشّاةِ وهُما المُتَدَلِّيَتانِ مِن أُذُنِها وحَلْقِها، قِيلَ: هو الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ ادَّعاهُ أبُوهُ بَعْدَ ثَمانِيَ عَشْرَةَ مِن مَوْلِدِهِ.

وقِيلَ: الأخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ أصْلُهُ مِن ثَقِيفٍ وعِدادُهُ في زُهْرَةَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{عتل} غليظ جاف {بعد ذلك} بعد ما عد له من المثالب {زَنِيمٍ} دعي وكان الوليد دعياً في قريش ليس من سنخهم ادعاه أبوه بعد ثمان عشر سنة من مولده وقيل بغت أمه ولم يعرف حتى نزلت هذه الآية والنطفة إذا خبثت خبث الناشئ منها رُوي أنه دخل على أمه وقال إن محمداً وصفني بعشر صفات وجدت تسعاً فيّ فأما الزنيم فلا علم لي به فإن أخبرتني بحقيقته وإلا ضربت عنقك فقالت إن أباك عنين وخفت أن يموت فيصل ماله إلى غير ولده فدعوت راعياً إلى نفسي فأنت من ذلك الراعي

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ ﴾ أيْ بَخِيلٍ مُمْسِكٍ مِن مَنَعَ مَعْرُوفَهُ عَنْهُ إذا أمْسَكَهُ فاللّامُ لِلتَّقْوِيَةِ والخَيْرُ عَلى ما قِيلَ المالُ أوْ مَنّاعُ النّاسِ الخَيْرَ وهو الإسْلامُ مِن مَنَعْتَ زِيدا مِنَ الكُفْرِ إذا حَمَلَتْهُ عَلى الكَفِّ، فَذِكْرُ المَمْنُوعِ مِنهُ كَأنَّهُ قِيلَ مَنّاعٌ مِنَ الخَيْرِ دُونَ المَمْنُوعِ وهو النّاسُ عَكْسُ وجْهِ الأوَّلِ والتَّعْمِيمُ هُنالِكَ وعَدَمُ ذِكْرِ المَمْنُوعِ مِنهُ أوْقَعُ ﴿ مُعْتَدٍ ﴾ مُجاوِزٍ في الظُّلْمِ حَدَّهُ ﴿ أثِيمٍ ﴾ كَثِيرٍ الآثامِ وهي الأفْعالُ البَطِيئَةُ عَنِ الثَّوابِ والمُرادُ بِها المَعاصِي والذُّنُوبُ ﴿ عُتُلٍّ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ الشَّدِيدُ الفاتِكِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: الشَّدِيدُ الخُصُومَةِ بِالباطِلِ.

.

وقالَ مُعَمَّرٌ وقَتادَةُ: الفاحِشُ اللَّئِيمُ، وقِيلَ: هو الَّذِي يَعْتَلُ النّاسَ أيْ يَجُرُّهم إلى حَبْسٍ أوْ عَذابٍ بِعُنْفٍ وغِلْظَةٍ، ويُقالُ عَتَنَهُ بِالنُّونِ كَما يُقالُ عَتَلَهُ بِاللّامِ كَما قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ وقَرَأ الحَسَنُ ( عُتُلٌّ) بِالرَّفْعِ عَلى الذَّمِّ ﴿ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ أيِ المَذْكُورِ مِن مَثالِبِهِ وقَبائِحِهِ ( وبَعْدَ ) هُنا كَثُمَّ الدّالَّةِ عَلى التَّفاوُتِ الرُّتْبِيِّ فَتَدُلُّ عَلى أنَّ ما بَعْدُ أعْظَمُ في القَباحَةِ وفي الكَشْفِ أشْعَرَ كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهُ مُتَعَلِّقٍ بِعُتُلٍّ فَلَزِمَ تَبايُنُهُ مِنَ الصِّفاتِ السّابِقَةِ وتَبايُنُ ما بَعْدَهُ أيْضًا لِأنَّهُ في سِلْكِهِ ﴿ زَنِيمٍ ﴾ دَعِيٍّ مُلْحَقٍ بِقَوْمٍ لَيْسَ مِنهم كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والمُرادُ بِهِ ولَدُ الزِّنا كَما جاءَ بِهَذا اللَّفْظِ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وأنْشَدَ الحَسّانُ: زَنِيمٌ تَداعَتْهُ الرِّجالُ زِيادَةً كَمًّا زِيدَ في عَرْضِ الأدِيمِ الأكارِعُ وكَذا جاءَ عَنْ عِكْرِمَةَ وأنْشَدَ: زَنِيمٌ لَيْسَ يَعْرِفُ مَن أبُوهُ ∗∗∗ ( بِغَيُّ ) الأُمِّ ذُو حَسَبٍ لَئِيمٌ مِنَ الزَّنَمَةِ بِفَتَحاتٍ وهي ما يَتَدَلّى مِنَ الجِلْدِ في حَلْقِ المَعْزِ والفِلْقَةُ مِن أُذُنِهِ تُشَقُّ فَتُتْرَكُ مُعَلَّقَةً، وإنَّما كانَ هَذا أشَدَّ المَعايِبِ لِأنَّ الغالِبَ أنَّ النُّطْفَةَ إذا خَبُثَتْ خَبُثَ النّاشِئُ مِنها ومِن ثَمَّ قالَ  : ««فَرْخُ الزِّنا أيْ ولَدُهُ لا يَدْخُلُ الجَنَّةُ»» .

فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلى الغالِبِ فَإنَّهُ في الغالِبِ لِخَباثَةِ نُطْفَتِهِ يَكُونُ خَبِيثًا لا خَيْرَ فِيهِ أصْلًا فَلا يَعْمَلُ عَمَلًا يَدْخُلُ بِهِ الجَنَّةَ.

وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: هَذا خارِجٌ مُخْرَجَ التَّهْدِيدِ والتَّعْرِيضِ بِالزّانِي، وحُمِلَ عَلى أنَّهُ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَعَ السّابِقِينِ لِحَدِيثِ الدّارِمِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: ««لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ عاقٌّ ولا ولَدُ زَنْيَةٍ ولا مَنّانٌ ولا مُدْمِنُ خَمْرٍ»» .

فَإنَّهُ سُلِكَ في قَرْنِ العاقِّ والمَنّانِ ومُدْمِنِ الخَمْرِ ولا ارْتِيابَ أنَّهم عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ لَيْسُوا مِن زُمْرَةِ مَن لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ أبَدًا.

وقِيلَ المُرادُ أنَّهُ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ بِعَمَلِ أبَوَيْهِ إذا ماتَ صَغِيرًا بَلْ يَدْخُلُها بِمَحْضِ فَضْلِ اللَّهِ تَعالى ورَحِمَتِهِ سُبْحانَهُ كَأطْفالِ الكُفّارِ عِنْدَ الجُمْهُورِ.

ورَوى ابْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الزَّنِيمَ هو الَّذِي يُعْرَفُ بِالشَّرِّ كَما تُعْرَفُ الشّاةُ بِالزَّنَمَةِ.

وفي رِوايَةِ ابْنِ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ هو الرَّجُلُ يَمُرُّ عَلى القَوْمِ فَيَقُولُونَ رَجُلُ سُوءٍ والمالُ واحِدٌ وعَنْهُ أيْضًا أنَّهُ المَعْرُوفُ بِالأُبْنَةِ ولا يَخْفى أنَّ المَأْبُونَ مَعْدِنُ الشُّرُورِ بَلْ مَن لَمْ يَصِلْ في ذَلِكَ الأمْرِ الشَّنِيعِ إلى تِلْكَ المَرْتَبَةِ كَذَلِكَ في الأغْلَبِ ولا حاجَةَ إلى كَثْرَةِ الِاسْتِشْهادِ في هَذا البابِ.

وفي قَوْلِ الشّاعِرِ الِاكْتِفاءُ وهُوَ: ولَكَمْ بَذَلْتُ لَكَ المَوَدَّةَ ناصِحًا ∗∗∗ فَغَدَرْتَ تَسْلُكُ في الطَّرِيقِ الأعْوَجِ ولَكَمْ رَجَوْتُكَ لِلْجَمِيلِ وفِعْلِهِ ∗∗∗ يَوْمًا فَنادانِي النَّهْيُ لا تَرْتَجُّ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «نَزَلَ عَلى ( النَّبِيِّ صَلّى ) اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿ ولا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ ﴾ إلَخِ فَلَمْ يُعْرَفْ حَتّى نَزَلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿ زَنِيمٍ ﴾ فَعَرَفْناهُ لَهُ زَنَمَةٌ في عُنُقِهِ كَزَنَمَةِ الشّاةِ»، واسْتَشْكَلَ هَذا بِأنَّ الزَّنِيمَ عَلَيْهِ لَيْسَ صِفَةَ ذَمٍّ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ أعْظَمَ فِيهِ مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي قَبْلَ ذَلِكَ عَلى ما يُفِيدُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، ولا يَكادُ يَحْسُنُ تَعْلِيلُ النَّهْيِ بِهِ عَلى أنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنْ لَيْسَ المُرادُ بِالمَوْصُوفِ بِهَذِهِ الصِّفاتِ شَخْصًا بِعَيْنِهِ لِمَكانِ ﴿ كُلَّ ﴾ ويُحْمَلُ ما جاءَ في الرِّواياتِ مِن أنَّهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيِّ وكانَ دَعِيًّا في قُرَيْشٍ لَيْسَ مِن سَنِخِهِمُ ادَّعاهُ أبُوهُ بَعْدَ ثَمانِي عَشْرَةَ مِن مَوْلِدِهِ، أوِ الحَكَمُ طَرِيدُ رَسُولِ اللَّهِ  ، أوِ الأخْنَسُ بْنُ سَرِيقٍ وكانَ أصْلُهُ مِن ثَقِيفٍ وعَدادُهُ في زَهْرَةَ أوِ الأُسُودُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، أوْ أبُو جَهْلٍ عَلى بَيانِ سَبَبِ النُّزُولِ وقِيلَ في ذَلِكَ أنَّ المُرادَ ذَمُّهُ بِقُبْحِ الخَلْقِ بَعْدَ ذَمِّهِ بِما تَقَدَّمَ وهو كَما تَرى فَتَأمَّلْ فَلَعَلَّكَ تَظْفَرُ بِما يُرِيحُ البالَ ويُزِيحُ الإشْكالَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ يعني: هو عالم بمن أخطأ الطريق عن دينه وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ لدينه.

ثم قال: فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ، وذلك أنهم كانوا يدعونه إلى دين آبائه، فأمره الله تعالى أن يثبت على دينه، فقال: فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ بوحدانية الله تعالى.

وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ قال مجاهد: ودوا لو تركن إليهم، وتترك ما أنت عليه من الحق، فيميلون إليك.

وقال السدي: وَدُّواْ لو تكفر فيكفرون وقال القتبي: ودوا لو تدهن في دينك فيداهنون في أديانهم.

وكانوا أرادوا أن يعبدوا آلهتهم مدة، ويعبدون الله مدة.

ثم قال: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ يعني: كذاباً في دين الله والحلاف: مكثار الحلف، مَهِينٍ ضعيف فاجر.

نزلت في الوليد بن المغيرة.

وقال القتبي: المهين: الحقير الدنيء، وقال الزجاج: وهو فعيل من المهانة، وهي القلة.

ومعناه في هذا الموضع: القلة في الرأي والتمييز.

ثم قال: هَمَّازٍ يعني: الوليد بن المغيرة، طعّان، لعّان، مغتاب، مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ يعني: يمشي بين الناس بالنميمة.

وقال القتبي: هَمَّازٍ يعني: عياب ثم قال: مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ يعني: بخيلاً لا ينتفع بماله لنفسه، وكان ينفق أمواله على غيره.

ويقال: معناه: مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ يعني: التوحيد، ويمنع الناس عن التوحيد.

مُعْتَدٍ يعني: ظلوماً لنفسه أَثِيمٍ يعني: فاجراً.

قوله تعالى: عُتُلٍّ يعني: شديد الخصومة بالباطل، ويقال: عُتُلٍّ يعني: أكول شروب صحيح الجسم رحيب البطن.

بَعْدَ ذلِكَ يعني: مع ذلك زَنِيمٍ يعني: ملصق.

وقال ابن عباس: الزنيم: الدعي الملصق، ويستدل بقول القائل: زَنِيمٌ تَدَاعَاهُ الرِّجَالُ زِيَادَة ...

كَمَا زِيدَ فِي عَرْضِ الأَدِيمِ الأَكَارِعُ ويقال: الزنيم: الشديد الخلق.

وروى شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، يرفعه إلى النبيّ  قال: «لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ جَوَّاظٌ وَلاَ جَعْظَرِيٌّ وَلاَ العُتُلُّ الزَّنِيمُ.

قَالَ: أَمَّا الجَوَّاظُ، فَالَّذِي جَمَعَ وَمَنَعَ وَتَدْعُوهُ لَظَى نَزَاعَة للشَّوَى» ، أَيْ: الشَّدِيدَ الخُلُقِ رَحِيبَ الجَوْفِ.

وَأمَّا الجَعْظَرِيُّ، فَالفَظُّ.

الغَلِيظُ.

وَأَمَّا العُتُلُّ الزَّنِيمُ، صَحِيحٌ أَكُولٌ شَرُوبٌ ظَلُومٌ لِلنَّاسِ.

وَيُقَالُ: الزَّنِيمُ: الدَّعِيُّ وذكر أنه لما نزلت هذه الآية، قال لأمه: إن محمداً لصادق، وأنه قال كذا وكذا، فأقرت والدته له بذلك.

ثم قال: أَنْ كانَ ذَا مالٍ وَبَنِينَ يعني: فلا تطعه وإن كان ذا مال وبنين، يعني: لا تطعه بسبب ماله.

ثم قال: إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا يعني: القرآن قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ يعني: كذبهم وأباطيلهم.

وقال السدي: يعني: أساجيع الأولين.

ثم قال: سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ يعني: سنضربه على الوجه، ويقال: سنسود وجهه يوم القيامة، ويقال: سنسمه على أنفه وقال القتبي: للعرب في هذا مذاهب، يقولون للرجال إذا سبه سبة قبيحة، أو يثني عليه فاحشة: قد وسم ميسم سوء، يريد أنه ألصق به عاراً لا يفارقه، كما أن السمة لا يعفو أثرها.

وقد وصف الله تعالى الوليد بالحلف، والمهانة، والمشي بالنميمة، والبخل، والظلم، والإثم، والدعوى، فألحق به العار لا يفارقه في الدنيا والآخرة.

قال: والذي يدل على هذا، ما روي، عن الشعبي في قوله: عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ يعني: القتل الشديد.

والزنيم: له زنمة من الشر، يعرف بها كما تعرف الشاة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقيل هو: الأخْنَسُ بن شريق، ويؤيد ذلكَ أنه كانَتْ له زَنَمَةٌ في حَلْقِه كَزَنَمَةِ «١» الشَّاةِ، وأيضاً فكانَ من ثَقِيفٍ مُلْصَقاً في قُرَيْشٍ، وقيل: هو أبو جهلٍ، وقيل: هو الأسودُ بن عَبْدِ يَغُوثَ، قال ع «٢» : وظاهرُ اللفظ عمومُ مَنِ اتَّصَفَ بهذهِ الصفاتِ، والمخاطبَةُ بهذا المعنى مستمرة بَاقِيَ الزَّمانِ، لا سيما لولاة الأمور.

وقوله تعالى: مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ قَالَ كثيرٌ مِنَ المفسرينَ: الخيرُ هُنَا المالُ فَوَصَفه بالشُّحِّ، وقال آخرونَ: بل هُوَ عَلى عُمُومهِ في الأموالِ والأَعْمَالِ الصالحاتِ، والمُعْتَدِي المتجاوِزُ لحدودِ الأَشْيَاءِ، والأثِيمُ فَعِيلٌ مِن الإثْمِ، والعُتُلُّ: القويُّ البنيةِ، الغَليظُ الأَعْضَاءِ، القَاسِي القَلْبِ، البَعيدُ الفَهْمِ، الأَكُولُ الشَّرُوبُ، الذي هو بالليلِ جِيفَةٌ وَبِالنَّهارِ حِمَارُ، وكلُّ ما عبر به المفسرونَ عَنه مِنْ خِلاَلِ النقصِ، فَعَنْ هذه الَّتِي ذَكَرْتُ/ تَصْدُرُ، وقد ذكر النقاش أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم فَسَّر العتلَّ بِنَحْوِ هذا، وهذهِ الصفاتُ كثيرةُ التَّلازُمِ، والزَّنِيمُ في كلام العرب:

المُلْصَقُ في القومِ ولَيْسَ منهم ومنه قول حَسَّان: [الطويل]

وَأَنْتَ زَنِيمٌ نِيطَ في آلِ هَاشِمٍ ...

كَمَا نِيطَ خَلْفَ الرَّاكِبِ القَدَحُ الفَرْدُ

فَقَالَ كثيرٌ من المفسرينَ: هو الأخْنَسُ بن شريقٍ، وقال ابن عباس: أرادَ بالزنيم أنَّ له زَنَمَةً في عُنُقِهِ «٣» ، وكان الأَخنسُ بهذه الصفةِ، وقيل: الزّنيم: المريب القبيح الأفعال.

وقوله: سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ معناه: على الأَنْفِ.

قال ابن عبّاس: هو الضّرب

بالسَّيْفِ في وَجْهِهِ وعَلَى أنْفِه «١» ، وَقَدْ حَلَّ ذَلِكَ به يومَ بَدْرٍ، وقيل: ذلك الوَسْمُ هو في الآخرةِ، وقال قتادة وغيره: معناه سَنَفْعَلُ به في الدنيا مِنَ الذَّمِّ لهُ والمَقْتِ والاشْتِهَارِ بالشر، ما يَبْقَى فِيه وَلاَ يَخْفَى به، فيكونُ ذلكَ كالْوَسِمِ عَلَى الأنف «٢» .

وقوله سبحانه: إِنَّا بَلَوْناهُمْ يريد: قريشاً، أي: امتحنّاهم، وأَصْحابَ الْجَنَّةِ فيما ذُكِرَ كانوا إخوةً، وكانَ لأَبِيهم جَنَّةٌ وحَرْثٌ يَغْتَلُّه، فَكَان يُمْسِكُ منه قُوتَه، وَيَتَصَدَّقُ على المساكين بِبَاقِيهِ، وقيل: بلْ كَانَ يَحْمِلُ المساكِينَ مَعَه في وَقْتِ حَصَادِهِ وجَذِّه فَيُجْدِيهم منه، فماتَ الشيخُ، فقال ولدُه: نَحْنُ جَماعَةٌ وفِعْلُ أبينَا كَانَ خطأً فَلْنَذْهَبْ إلى جنَّتِنَا، ولا يَدْخُلَنَّها عَلَيْنَا مِسْكِينٌ، ولا نُعْطِي منها شيئاً، قَال: فَبَيَّتُوا أمْرَهُمْ وَعَزْمَهُمْ، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهَا طائفاً من نارِ أو غيرِ ذلكَ، فاحْتَرَقَتْ، فقيلَ: فأصْبَحَتْ سَودَاء، وقيل: بَيْضَاء كالزَّرْعِ اليَابِسِ المَحْصُودِ، فلما أصْبَحوا إلى جنتهم لم يَرَوْهَا فَحسبوا أنهم قَد أَخْطَؤُوا الطريقَ، ثم تَبَيَّنُوها فعلموا أنَّ اللَّهَ/ أَصَابَهُم فِيها، فتَابوا حينئذٍ فَكَانُوا «٣» مُؤمنِينَ أهْلَ كِتَابٍ، فَشَبَّه اللَّهُ قُرَيْشاً بهم في أنّه امتحنهم بالمصَائِبِ، في دنياهم لعدم اتّباعهم للنبي صلّى الله عليه وسلّم، ثُمَّ التوبةُ مُعَرَّضَةٌ لِمَنْ بَقِيَ منهم.

وقوله تعالى: لَيَصْرِمُنَّها أي: ليجذّنّها، ومُصْبِحِينَ معناه: دَاخِلينَ في الصباح.

وقوله تعالى: وَلا يَسْتَثْنُونَ [أي: لا يَنْثَنُونَ] «٤» عن رأْيِ مَنْعِ المساكين، وقَالَ مجاهد: معناه ولاَ يَقُولُونَ إنْ شَاءَ اللَّه «٥» .

والصَّرِيمُ، قال جماعة: أرادَ بهِ اللَّيْلَ مِنْ حيثُ اسْوَدَّتْ جَنَّتُهم، وقَالَ ابن عباس: الصَّرِيمُ: الرَّمَادُ الأسْوَدُ بِلُغَةِ خُزَيْمَةَ، وقولهم: إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ يَحْتَمِلُ أنْ يكُونَ مِنْ صرام النخلِ، ويحتملُ أنْ يريدَ إنْ كُنْتُمْ أهْلَ عزم وإقْدَامٍ على رأيكم، من قولك سيف صارم «٦» ، ويَتَخافَتُونَ: معناه يَتَكَلَّمُونَ كَلاَماً خَفِيًّا، وكان هذا التخافتُ خَوْفاً مِنْ أنْ يَشْعُرَ بهمُ المساكينُ، وكان لفظُهم الذي يتخافتون به: أَنْ لاَّ يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ ﴾ وذَلِكَ أنَّ رُؤَساءَ أهْلِ مَكَّةَ دَعَوْهُ إلى دِينِ آبائِهِ، فَنَهاهُ اللَّهُ أنْ يُطِيعَهم "وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ" فِيهِ سَبْعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: لَوْ تُرَخِّصُ فَيُرَخِّصُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: لَوْ تُصانِعُهم في دِينِكَ فَيُصانِعُونَ في دِينِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: لَوْ تَكْفُرُ فَيَكْفُرُونَ، قالَهُ عَطِيَّةُ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ.

والرّابِعُ: لَوْ تَلِينُ فَيَلِينُونَ لَكَ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والخامِسُ، لَوْ تُنافِقُ وتُرائِي فَيُنافِقُونَ ويُراؤُونَ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

والسّادِسُ: ودُّوا لَوْ تُداهِنُ في دِينِكَ فَيُداهِنُونَ في أدْيانِهِمْ.

وكانُوا أرادُوهُ عَلى أنْ يَعْبُدَ آلِهَتَهم مُدَّةً، ويَعْبُدُوا اللَّهَ مُدَّةً، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو مِنَ المُداهَنَةِ.

والسّابِعُ: لَوْ تُقارِبُهم فَيُقارِبُونَكَ، قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ ﴾ وهو كَثِيرُ الحَلِفِ بِالباطِلِ ﴿ مَهِينٍ ﴾ وهو الحَقِيرُ.

الدَّنِيءُ ورَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: المَهِينُ: الكَذّابُ.

واخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَ هَذا عَلى ثَلاثَةِ أقْوال.

أحَدُها: أنَّهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: الأخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ، قالَهُ عَطاءٌ، والسُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَمّازٍ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو المُغْتابُ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو العَيّابُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ ﴾ أيْ: يَمْشِي بَيْنَ النّاسِ بِالنَّمِيمَةِ، وهو نَقْلُ الكَلامِ السَّيِّئِ مِن بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ لِيُفْسِدَ بَيْنَهم "مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ" فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ مَنَعَ ولَدَهُ وعَشِيرَتَهُ الإسْلامَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: مَنّاعٌ لِلْحُقُوقِ في مالِهِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُعْتَدٍ ﴾ أيْ: ظَلُومٍ ﴿ أثِيمٍ ﴾ "فاجِرٍ" ﴿ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ أيْ: مَعَ ما وصَفْناهُ بِهِ.

وفي "العُتُلِّ" سَبْعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ العاتِي الشَّدِيدُ المُنافِقُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ المُتَوَفِّرُ الجِسْمِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: الشَّدِيدُ الأشِرُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: القَوِيُّ في كُفْرِهِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والخامِسُ: الأكُولُ الشَّرُوبُ القَوِيُّ الشَّدِيدُ، قالَهُ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ.

والسّادِسُ: الشَّدِيدُ الخُصُومَةِ بِالباطِلِ، قالَهُ الفَرّاءُ.

والسّابِعُ: أنَّهُ الغَلِيظُ الجافِي، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

وَفِي "الزَّنِيمِ" أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الدَّعِيُّ في قُرَيْشٍ ولَيْسَ مِنهُمْ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهَذا مَعْرُوفٌ في اللُّغَةِ أنَّ الزَّنِيمَ: هو المُلْتَصِقُ في القَوْمِ ولَيْسَ مِنهُمْ، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

قالَ حَسّانُ: وأنْتَ زَنِيمٌ نِيطَ في آلِ هاشِمِ كَما نِيطَ خَلْفَ الرّاكِبِ القَدَحُ الفَرْدُ والثّانِي: أنَّهُ الَّذِي يُعْرَفُ بِالشَّرِّ، كَما تُعْرَفُ الشّاةُ بِزَنَمَتِها، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الَّذِي لَهُ زَنَمَةٌ مِثْلُ زَنَمَةِ الشّاةِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نُعِتَ فَلَمْ يَعْرِفْ حَتّى قِيلَ: زَنِيمٌ، فَعَرَفَ، وكانَتْ لَهُ زَنَمَةٌ في عُنُقِهِ يُعْرَفُ بِها.

ولا نَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَلَغَ مِن ذِكْرِ عُيُوبِ أحَدٍ ما بَلَغَهُ مِن ذِكْرِ عُيُوبِ الوَلِيدِ، لِأنَّهُ وصَفَهُ بِالحَلِفِ، والمَهانَةِ، والعَيْبِ لِلنّاسِ، والمَشْيِ بِالنَّمِيمَةِ، والبُخْلِ، والظُّلْمِ، والإثْمِ، والجَفاءِ، والدِّعْوَةِ، فَألْحَقَ بِهِ عارًا لا يُفارِقُهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.

والزَّنَمَتانِ: المُعَلَّقَتانِ عِنْدَ حُلُوقِ المَعْزى.

وقالَ ابْنُ فارِسٍ: يَعْنِي الَّتِي تَتَعَلَّقُ مِن أُذُنِها.

والرّابِعُ: أنَّهُ الظَّلُومُ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "أنْ كانَ" عَلى الخَبَرِ، أيْ: لِأنْ كانَ.

والمَعْنى: لا تُطِعْهُ لِمالِهِ وبَنِيهِ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِهَمْزَتَيْنِ، الأُولى: مُخَفَّفَةٌ.

والثّانِيَةُ: مُلَيَّنَةٌ، وفَصَلَ بَيْنَهُما بِألِفٍ أبُو جَعْفَرٍ.

وقَرَأ حَمْزَةُ: "أأنْ كانَ" بِهَمْزَتَيْنِ مُخَفَّفَتَيْنِ عَلى الِاسْتِفْهامِ، ولَهُ وجْهانِ.

أحَدُهُما: لِأنْ كانَ ذا مالٍ تُطِيعُهُ؟!

والثّانِي: ألِأنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ؟!

"إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا" يَكْفُرُ بِها؟

فَيَقُولُ: "أساطِيرُ الأوَّلِينَ" ذَكَرَ القَوْلَيْنِ الفَرّاءُ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "أنْ كانَ" بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ مَقْصُورَةٍ.

ثُمَّ أوْعَدَهُ فَقالَ تَعالى: ﴿ سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ ﴾ الخُرْطُومُ: الأنْفُ.

وفي هَذِهِ السِّمَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: سَنَسِمُهُ بِالسَّيْفِ، فَنَجْعَلُ ذَلِكَ عَلامَةً عَلى أنْفِهِ ما عاشَ، فَقاتَلَ يَوْمَ بَدْرٍ فَخُطِمَ بِالسَّيْفِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: سَنُلْحِقُ بِهِ شَيْئًا لا يُفارِقُهُ، قالَهُ قَتادَةُ، واخْتارَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: سَنُسَوِّدُ وجْهَهُ.

قالَ الفَرّاءُ: و"الخُرْطُومُ" وإنْ كانَ قَدْ خُصَّ بِالسِّمَةِ، فَإنَّهُ في مَذْهَبِ الوَجْهِ، لِأنَّ بَعْضَ الوَجْهِ يُؤَدِّي عَنِ البَعْضِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: سَنَجْعَلُ لَهُ في الآخِرَةِ العَلَمَ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ أهْلُ النّارِ مِنِ اسْوِدادِ وُجُوهِهِمْ.

وجائِزٌ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنْ يُفْرَدَ بِسِمَةٍ لِمُبالَغَتِهِ في عَداوَتِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ  يَتَبَيَّنُ بِها عَنْ غَيْرِهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أثِيمٍ ﴾ ﴿ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ ﴾ ﴿ أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ ﴾ ﴿ إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ ﴾ ﴿ إنّا بَلَوْناهم كَما بَلَوْنا أصْحابَ الجَنَّةِ إذْ أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ ﴾ ﴿ وَلا يَسْتَثْنُونَ ﴾ ﴿ فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ وهم نائِمُونَ ﴾ ﴿ فَأصْبَحَتْ كالصَرِيمِ ﴾ قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: الخَيْرُ هُنا المالُ، فَوَصَفَهُ بِالشُحِّ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ هو عَلى عُمُومِهِ في المالِ والأفْعالِ الصالِحَةِ، ومَن يُمْنَعُ إيمانَهُ وطاعَتَهُ فَقَدْ مُنِعَ الخَيْرَ، و"المُعْتَدِي": المُتَجاوِزُ لِحُدُودِ الأشْياءِ، و"الأثِيمِ" فَعِيلٌ مِنَ الإثْمِ بِمَعْنى آثِمٍ، وذَلِكَ مِن حَيْثُ أعْمالُهُ قَبِيحَةٌ تُكْسِبُ الإثْمَ.

و"العُتُلُّ": القَوِيُّ البِنْيَةِ، الغَلِيظُ الأعْضاءِ، المُصَحِّحُ، القاسِي القَلْبِ، البَعِيدُ الفَهْمِ، الأكُولُ الشَرُوبُ الَّذِي هو بِاللَيْلِ جِيفَةٌ وبِالنَهارِ حِمارٌ، وكُلُّ ما عَبَّرَ بِهِ المُفَسِّرُونَ عنهُ مِن خِلالِ النَقْصِ فَعن هَذِهِ الَّتِي ذُكِرَتْ تَصْدُرُ، وقَدْ ذَكَرَ النَقّاشُ، أنَّ النَبِيَّ  فَسَّرَ "العُتُلَّ" بِنَحْوِ هَذا، وهَذِهِ الصِفاتُ كَثِيرَةُ التَلازُمِ، والعَتْلُّ: الدَفْعُ بِشِدَّةٍ، ومِنهُ العَتَلَةُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ مَعْناهُ: بَعْدَ ما وصَفْناهُ بِهِ، فَهَذا التَرْتِيبُ إنَّما هو في قَوْلِ الواصِفِ لا في حُصُولِ تِلْكَ الصِفاتِ في المَوْصُوفِ، وإلّا فَكَوْنُهُ عُتُلًّا هو قَبْلَ كَوْنِهِ صاحِبَ خَيْرٍ يَمْنَعُهُ.

و"الزَنِيمُ" في كَلامِ العَرَبِ: المُلْصَقُ في القَوْمِ ولَيْسَ مِنهُمْ، وقَدْ فَسَّرَ بِهِ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما هَذِهِ الآيَةَ، وقالَ مُرَّةُ الهَمْدانِيُّ: إنَّما ادَّعاهُ أبُوهُ بَعْدَ ثَمانِي عَشْرَةَ سَنَةٍ، يَعْنِي الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ: وأنْتَ زَنِيمُ نِيطَ في آلِ هاشِمٍ كَما نِيطَ خَلْفَ الراكِبِ القَدَحُ الفَرْدُ ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ أيْضًا: زَنِيمُ تَداعاهُ الرِجالُ زِيادَةً ∗∗∗ كَما زِيدَ في عَرْضِ الأدِيمِ الأكارِعِ فَقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هَذا هو المُرادُ بِالآيَةِ، وذَلِكَ أنَّ الأخْنَسَ بْنَ شَرِيقٍ كانَ مِن ثَقِيفٍ حَلِيفًا لِقُرَيْشٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أرادَ بِالزَنِيمِ أنَّ لَهُ زَنَمَةً في عُنُقِهِ كَزَنَمَةِ الشاةِ، وهي الهِنَةُ الَّتِي تتَعَلَّقُ في حَلْقِها، وما كُنّا نَعْرِفُ المُشارَ إلَيْهِ حَتّى نَزَلَتْ فَعَرَفْناهُ بِزَنَمَتِهِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ لِلتَّيْسِ زَنِيمٌ؛ إذْ لَهُ زَنَمَتانِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيِّ في صِفَةِ شاتِهِ: "كَأنَّ زَنَمَتَيْها تَتْوا قُلَيْسِيَّةٍ" ورُوِيَ أنَّ الأخْنَسَ بْنَ شَرِيقٍ كانَ بِهَذِهِ الصِفَةِ، كانَ لَهُ زَنَمَةٌ، ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الصِفاتُ لَمْ نَعْرِفْ صاحِبَها حَتّى نَزَلَ "زَنِيمٍ" فَعُرِفَ بِزَنَمَتِهِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الزَنِيمُ: المُرِيبُ، القَبِيحُ الأفْعالِ.

واخْتَلَفَتِ القِراءَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ ﴾ ، فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، وأهْلُ المَدِينَةِ: "أنْ كانَ" عَلى الخَبَرِ، وَقَرَأ حَمْزَةُ: "أأنَّ كانَ" بِهَمْزَتَيْنِ مُخَفَّفَتَيْنِ عَلى الِاسْتِفْهامِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، والحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ: "آنَ كانَ" عَلى الِاسْتِفْهامِ بِتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ الثانِيَةِ، والعامِلُ في "أنْ" فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: كَفَرَ أو جَحَدَ أو عَنَدَ، ويُفَسِّرُ هَذا الفِعْلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا تُتْلى عَلَيْهِ ﴾ الآيَةُ، وجازَ أنْ يَعْمَلَ المَعْنى وهو مُتَأخِّرٌ مِن حَيْثُ كانَ قَوْلُهُ تَعالى: "أنْ كانَ" في مَنزِلَةِ الظَرْفِ؛ إذْ يُقَدَّرُ بِاللامِ، أيْ: لِأنْ كانَ، وقَدْ قالَ فِيهِ بَعْضُ النُحاةِ: إنَّهُ في مَوْضِعِ خَفْضٍ بِاللامِ كَما لَوْ ظَهَرَتْ، فَكَما عَمِلَ المَعْنى في الظَرْفِ المُتَقَدِّمِ فَكَذَلِكَ يَعْمَلُ في هَذا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ  ﴾ ، فالعامِلُ في "إذا" مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ  ﴾ تَبْعَثُونَ، أو نَحْوِهِ مِنَ التَقْدِيرِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ: "يُنْبِئُ" في "إذا" لِأنَّهُ مُضافٌ إلَيْهِ قَدْ أُضِيفَ إذًا إلى الجُمْلَةِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ في "أنْ"، قالَ: لِأنَّها جَوابٌ لِـ"إذا" ولا تَعْمَلُ فِيما قَبْلَها.

وأجازَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ "عُتُلٍّ" وإنْ كانَ قَدْ وُصِفَ، ويَصِحُّ -عَلى هَذا النَظَرِ- أنْ يَعْمَلَ فِيهِ "زَنِيمٍ" لا سِيَّما عَلى قَوْلِ مَن يُفَسِّرُهُ بِالقَبِيحِ الأفْعالِ، ويَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ في "أنْ كانَ" "تُطِيعُهُ" الَّتِي يَقْتَضِيها قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: "وَلا تُطِعْ"، وهَذا عَلى قِراءَةِ الِاسْتِفْهامِ يَبْعُدُ، وإنَّما يَتَّجِهُ: لا تُطِعْهُ لِأجْلِ كَوْنِهِ كَذا، ولَهُ -عَلى كُلِّ وجْهٍ- مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، وتَأمَّلْ.

وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في "الأساطِيرِ" في غَيْرِ ما مَوْضِعٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ ﴾ مَعْناهُ: عَلى الأنْفِ، قالَهُ المُبَرِّدُ، وذَلِكَ أنِ الخُرْطُومِ يُسْتَعارُ في أنْفِ الإنْسانِ، وحَقِيقَتُهُ في مَخاطِمِ السِباعِ، ولَمْ يَقَعِ التَوَعُّدُ في هَذِهِ الآيَةِ بِأنْ يُوسَمَ هَذا الإنْسانُ عَلى أنْفِهِ بِسِمَةٍ حَقِيقَةٍ بَلْ هَذِهِ عِبارَةٌ عن فِعْلٍ يُشْبِهُ الوَسْمَ عَلى الأنْفِ، واخْتَلَفَ الناسُ في ذَلِكَ الفِعْلِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الضَرْبُ بِالسَيْفِ، أيْ يَضْرِبُ في وجْهِهِ، وعَلى أنْفِهِ فَيَجِيءُ ذَلِكَ كالوَسْمِ عَلى الأنْفِ، وحَلَّ بِهِ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ المُبَرِّدُ: ذَلِكَ في عَذابِ الآخِرَةِ في جَهَنَّمَ، وهو تَعْذِيبٌ بِنارٍ عَلى أُنُوفِهِمْ، وقالَ آخَرُونَ: ذَلِكَ في يَوْمِ القِيامَةِ، أيْ يُوسَمُ عَلى أنْفِهِ بِسِمَةٍ يُعْرَفُ بِها كُفْرُهُ وانْحِطاطُ قَدْرِهِ، وقالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: سَيَفْعَلُ بِهِ في الدُنْيا مِنَ الذَمِّ لَهُ والمَقْتِ والإشْهارِ بِالشَرِّ ما يَبْقى فِيهِ ولا يَخْفى بِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ كالوَسْمِ عَلى الأنْفِ ثابِتًا بَيِّنًا، وهَذا المَعْنى كَما تَقُولُ: "سَأُطَوِّقُكَ طَوْقَ الحَمامَةِ" أيْ: أثْبَتَ الأمْرَ بَيِّنًا فِيكِ، ونَحْوُ هَذا أرادَ جَرِيرٌ بِقَوْلِهِ: لَمّا وضَعْتُ عَلى الفَرَزْدَقِ مِيسَمِي ∗∗∗..............

وفِي الوَسْمِ عَلى الأنْفِ تَشْوِيهٌ، فَجاءَتِ اسْتِعارَتُهُ في المَذَمّاتِ بَلِيغَةً جِدًّا، وإذا تَأمَّلْتَ حالَ أبِي جَهْلٍ ونُظَرائِهِ وما ثَبَتَ لَهم في الدُنْيا مِن سُوءِ الأُحْدُوثَةِ رَأيْتَ أنَّهم قَدْ وُسِمُوا عَلى الخُراطِمِ.

قَوْلُهُ تَعالى: "إنّا بَلَوْناهُمْ"، يُرِيدُ تَعالى قُرَيْشًا، أيِ: امْتَحَنّاهُمْ، و"أصْحابَ الجَنَّةِ" -فِيما ذَكَرَ- قَوْمُ إخْوَةٍ، كانَ لِأبِيهِمْ جَنَّةٌ وحَرْثٌ مُغَلٌّ، فَكانَ يُمْسِكُ مِنهُ قُوَّتَهُ ويَتَصَدَّقُ عَلى المَساكِينِ بِباقِيهِ، وقِيلَ: بَلْ كانَ يَحْمِلُ المَساكِينَ مَعَهُ في وقْتِ حَصادِهِ وجَدَهُ فَيَجْذِيهِمْ مِنهُ، فَماتَ الشَيْخُ، فَقالَ ولَدُهُ: نَحْنُ جَماعَةٌ، وفِعْلُ أبِينا كانَ خَطًا، فَلْنَذْهَبْ إلى جَنَّتِنا، ولا يَدْخُلُها عَلَيْنا مِسْكِينٌ ولا نُعْطِي مِنها شَيْئًا، قالَ: فَبَيَّتُوا أمْرَهم وعَزْمَهم عَلى هَذا، فَبَعَثَ اللهُ طائِفًا بِاللَيْلِ مِنَ النارِ أو غَيْرِ ذَلِكَ فاحْتَرَقَتْ، فَقِيلَ: أصْبَحَتْ سَوْداءَ، وقِيلَ: بَيْضاءَ كالزَرْعِ اليابِسِ المَحْصُودِ، فَلَمّا أصْبَحُوا إلى جَنَّتِهِمْ لَمْ يَرْوِها فَحَسِبُوا أنَّهم قَدْ أخْطَئُوا الطَرِيقَ، ثُمَّ تَبَيَّنُوها فَعَلِمُوا أنَّ اللهَ تَعالى أصابَهم فِيها، فَتابُوا حِينَئِذٍ وأنابُوا وكانُوا مُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ، فَشَبَّهَ اللهُ تَعالى قُرَيْشًا بِهِمْ، في أنَّهُ امْتَحَنَهم بِمُحَمَّدٍ  وهَداهُ كَما امْتُحِنَ أُولَئِكَ بِفِعْلِ أبِيهِمْ وبِأوامِرَ شَرْعِهِمْ، فَكَما حَلَّ بِأُولَئِكَ العِقابُ في جَنَّتِهِمْ كَذَلِكَ يَحِلُّ بِهَؤُلاءِ في جَمِيعِ دُنْياهم وحَياتِهِمْ، ثُمَّ التَوْبَةُ مَعْرُوضَةٌ لِمَن بَقِيَ مِنهم كَما تابَ أُولَئِكَ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: السُنُونُ السَبْعُ الَّتِي أصابَتْ قُرَيْشًا هي بِمَثابَةِ ما أصابَ أُولَئِكَ في جَنَّتِهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "لَيَصْرِمُنَّها" أيْ لِيَجِدْنَها، وصَرّامُ النَخْلِ جِدُّ ثَمَرِهِ، وكَذَلِكَ في كُلِّ شَجَرَةٍ، و"مُصْبِحِينَ" مَعْناهُ: إذا دَخَلُوا في الصَباحِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: "وَلا يَسْتَثْنُونَ" مَعْناهُ ولا يَتَوَقَّفُونَ في ذَلِكَ ولا يَنْثَنُونَ عن رَأْيٍ مَنَعَ المَساكِينَ، وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: ولا يَقُولُونَ "إنْ شاءَ اللهُ"، بَلْ عَزَمُوا عَلى ذَلِكَ عَزْمَ مَن يَمْلِكُ أمْرَهُ.

و"الطائِفُ": الأمْرُ الَّذِي يَأْتِي بِاللَيْلِ، ذَكَرَ هَذا التَخْصِيصَ الفَرّاءُ، ويَرُدُّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَيْطانِ  ﴾ ، و"الصَرِيمُ" قالَ الفَرّاءُ ومُنْذِرٌ وجَماعَةٌ: أرادَ بِهِ اللَيْلَ، مِن حَيْثُ اسْوَدَّتْ جُثَثُهُمْ، وقالَ آخَرُونَ: أرادَ بِهِ الصُبْحَ، مِن حَيْثُ ابْيَضَّتْ كالحَصِيدِ، قالَهُ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: و"الصَرِيمُ" يُقالُ لِلَّيْلِ ولِلنَّهارِ مِن حَيْثُ كَلُّ واحِدٍ مِنهُما يَنْصَرِمُ مِن صاحِبِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "الصَرِيمُ" الرَمادُ الأسْوَدُ بِلُغَةِ جُذَيْمَةَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وغَيْرُهُ: الصَرِيمُ: رَمَلْةٌ بِاليَمَنِ مَعْرُوفَةٌ لا تَنْبُتُ، فَشَبَّهَ جُثَثَهم بِها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

ثامنة وتاسعة.

والعُتُل: بضمتين وتشديد اللام اسم وليس بوصف لكنه يتضمن معنى صفةٍ لأنه مشتق من العَتْل بفتح فسكون، وهو الدفع بقوة قال تعالى: ﴿ خذوه فاعْتلُوه إلى سواء الجحيم ﴾ [الدخان: 47] ولم يسمع (عاتل).

ومما يدل على أنه من قبيل الأسماء دون الأوصاف مركب من وصفين في أحوال مختلفة أو من مركب أوصاف في حالين مختلفين.

وفسر العُتل بالشديد الخِلقة الرحيب الجوف، وبالأكول الشروب، وبالغشوم الظلوم، وبالكثير اللّحم المختال، روى الماوردي عن شهر بن حوشب هذا التفسير عن ابن مسعود وعن شداد بن أوس وعن عبد الرحمان بن غَنْم، يزيدُ بعضهم على بعض عن النبي صلى الله عليه وسلم بسند غير قوي، وهو على هذا التفسير إتْباع لصفة ﴿ منّاع للخير ﴾ [القلم: 12] أي يمنع السائل ويدفعه ويُغلظ له على نحو قوله تعالى: ﴿ فذلك الذي يَدعُّ اليتيم ﴾ [الماعون: 2].

ومعنى ﴿ بعد ذلك ﴾ علاوة على ما عُدّد له من الأوصاف هو سيّئ الخِلقة سيِّئ المعاملة، فالبعدية هنا بعدية في الارتقاء في درجات التوصيف المذكور، فمفادها مفاد التراخي الرتبي كقوله تعالى: ﴿ والأرض بعد ذلك دحاها ﴾ [النازعات: 30] على أحد الوجهين فيه.

وعلى تفسير العُتل بالشديد الخِلقة والرحيب الجوف يكون وجه ذكره أن قباحة ذاته مكملة لمعائبه لأن العيب المشاهد أجلب إلى الاشمئزاز وأوغل في النفرة من صاحبه.

وموقع ﴿ بعد ذلك ﴾ موقعَ الجملة المعترضة، والظرفُ خبر لمحذوف تقديره: هو بعد ذلك.

ويجوز اتصال ﴿ بعد ذلك ﴾ بقوله: ﴿ زنيم ﴾ على أنه حال من ﴿ زنيم ﴾ .

والزنيم: اللصيق وهو من يكون دعياً في قومه ليس من صريح نسبهم: إِما بمغمز في نسبه، وإِما بكونه حليفاً في قوم أو مولى، مأخوذ من الزَنَمة بالتحريك وهي قطعة من أذن البعير لا تنزع بل تبقى معلقة بالأذن علامة على كرم البعير.

والزنمتان بضعتان في رقاب المعز.

قيل أريد بالزنيم الوليد بن المغيرة لأنه ادعاه أبوه بعد ثمان عشرة سنة من مولده.

وقيل أريد الأخنس بن شريق لأنه كان من ثقيف فحالف قريشاً وحلّ بينهم، وأيَّا ما كان المراد به فإن المراد به خاص فدخوله في المعطوف على ما أضيف إليه ﴿ كل ﴾ [القلم: 10] إنما هو على فرض وجود أمثال هذا الخاص وهو ضرب من الرمز كما يقال: ما بال أقوام يعملون كذا، ويُراد واحد معين.

قال الخطيم التميمي جاهلي، أو حسان بن ثابت: زنيم تداعاه الرجال زيادةً *** كما زيد في عَرض الأديم الأكارع ويطلق الزنيم على من في نسبه غضاضة من قِبَل الأمهات، ومن ذلك قول حَسان في هجاء أبي سفيان بن حَرب، قبل إسلام أبي سفيان، وكانت أمه مولاةً خلافاً لسائر بني هاشم إذ كانت أمهاتهم من صريح نسب قومهن: وأنتَ زنيم نيطَ في آل هاشم *** كما نِيطَ خلْفَ الراكب القَدَحُ الفَرْدُ وإنَّ سَنام المجد من آل هاشم *** بنُو بنت مخزوم ووالدُكَ العَبْد يريد جدّه أبا أمه وهو مَوهب غلام عبد مناف وكانت أم أبي سفيان سُمية بنت موهب هذا.

والقول في هذا الإِطلاق والمرادِ به مماثل للقول في الإِطلاق الذي قبله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ ودُّوا لَوْ تَكْفُرُ فَيَكْفُرُونَ، قالَهُ السُّدِّيُّ والضَّحّاكُ.

الثّانِي: ودُّوا لَوْ تَضْعُفُ فَيَضْعُفُونَ، قالَهُ أبُو جَعْفَرٍ.

الثّالِثُ: لَوْ تَلِينُ فَيَلِينُونَ، قالَهُ الفَرّاءُ.

الرّابِعُ: لَوْ تَكْذِبُ فَيَكْذِبُونَ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.

الخامِسُ: لَوْ تُرَخِّصُ لَهم فَيُرَخِّصُونَ لَكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

السّادِسُ: أنْ تَذْهَبَ عَنْ هَذا الأمْرِ فَيَذْهَبُونَ مَعَكَ، قالَهُ قَتادَةُ.

وَفي أصْلِ المُداهَنَةِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مُجامَلَةُ العَدُوِّ ومُمايَلَتُهُ، قالَ الشّاعِرُ لَبَعْضُ الغَشْمِ أحُزْمُ أُمُورٍ تَنُوبُكَ مِن مُداهَنَةِ العَدُوِّ.

الثّانِي: أنَّها النِّفاقُ وتَرْكُ المُناصَحَةِ، قالَهُ المُفَضَّلُ، فَهي عَلى هَذا الوَجْهِ مَذْمُومَةٌ، وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ غَيْرُ مَذْمُومَةٍ.

﴿ وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ الكَذّابُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: الضَّعِيفُ القَلْبِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّهُ المِكْثارُ مِنَ الشَّرِّ، قالَهُ قَتادَةُ.

الرّابِعُ: أنَّهُ الذَّلِيلُ بِالباطِلِ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنَّهُ الَّذِي يَهُونُ عَلَيْهِ الحِنْثُ.

وَفي مَن نَزَلَ ذَلِكَ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شُرَيْقٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، عَرَضَ عَلى النَّبِيِّ  مالًا وحَلَفَ أنْ يُعْطِيَهُ إنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

﴿ هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ الفَتّانُ الطَّعّانُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّهُ الَّذِي يَلْوِي شِدْقَيْهِ مِن وراءِ النّاسِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الَّذِي يَهْمِزُهم بِيَدِهِ ويَضْرِبُهم دُونَ لِسانِهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، والأوَّلُ أشْبَهُ لِقَوْلِ الشّاعِرِ تُدْلِي بِوُدٍّ إذا لاقَيْتَنِي كَذِبًا ∗∗∗ وإنْ أغِيبُ فَأنْتَ الهامِزُ اللُّمَزَةُ.

﴿ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الَّذِي يَنْقُلُ الأحادِيثَ مِن بَعْضِ النّاسِ إلى بَعْضٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: هو الَّذِي يَسْعى بِالكَذِبِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ ومَوْلى كَبَيْتِ النَّمْلِ لا خَيْرَ عِنْدَهُ ∗∗∗ لِمَوْلاهُ إلّا سَعْيَةً بِنَمِيمٍ.

وَفِي النَّمِيمِ والنَّمِيمَةِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُما لُغَتانِ، قالَهُ الفَرّاءُ.

الثّانِي: أنَّ النَّمِيمَ جَمْعُ نَمِيمَةٍ.

﴿ مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِلْحُقُوقِ مِن ظُلْمٍ.

الثّانِي: الإسْلامُ يَمْنَعُ النّاسَ مِنهُ.

﴿ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ ﴾ يَعْنِي بَعْدَ كَوْنِهِ ﴿ مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أثِيمٍ ﴾ ، هو عُتُلٌّ زَنِيمٌ، وفِيهِ تِسْعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ العُتُلَّ الفاحِشُ، وهو مَأْثُورٌ عَنِ النَّبِيِّ  : الثّانِي: أنَّهُ القَوِيُّ في كُفْرِهِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الوَفِيرُ الجِسْمِ، قالَهُ الحَسَنُ وأبُو رُزَيْنٍ.

الرّابِعُ: أنَّهُ الجافِي الشَّدِيدُ الخُصُومَةِ بِالباطِلِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الخامِسُ: أنَّهُ الشَّدِيدُ الأسْرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

السّادِسُ: أنَّهُ الباغِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

السّابِعُ: أنَّهُ الَّذِي يَعْتِلُ النّاسَ، أيْ يَجُرُّهم إلى الحَبْسِ أوِ العَذابِ، مَأْخُوذٌ مِنَ العَتْلِ وهو الجَرُّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ  ﴾ .

الثّامِنُ: هو الفاحِشُ اللَّئِيمُ، قالَهُ مَعْمَرٌ، قالَ الشّاعِرُ يَعْتَلِ مِنَ الرِّجالِ زَنِيمٌ ∗∗∗ غَيْرُ ذِي نَجْدَةٍ وغَيْرُ كَرِيمِ.

التّاسِعُ: ما رَواهُ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غُنْمٍ، ورَواهُ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « (لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ جَوّاظٌ ولا جَعْظَرِيٌّ ولا العُتُلُّ الزَّنِيمُ فَقالَ رَجُلٌ: ما الجَوّاظُ وما الجَعْظَرِيُّ وما العُتُلُّ الزَّنِيمُ؟

فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  اَلْجَوّاظُ الَّذِي جَمَعَ ومَنَعَ، والجَعْظَرِيُّ الغَلِيظُ، والعُتُلُّ الزَّنِيمُ الشَّدِيدُ الخَلْقِ الرَّحِيبُ الجَوْفِ، المُصَحِّحُ الأكُولُ الشَّرُوبُ الواجِدُ لِلطَّعامِ، الظَّلُومُ لِلنّاسِ)» .

وأمّا الزَّنِيمُ فَفِيهِ ثَمانِيَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ اللَّيِّنُ، رَواهُ مُوسى بْنُ عَقَبَةَ عَنِ النَّبِيِّ  .

الثّانِي: أنَّهُ الظَّلُومُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ ابْنِ طَلْحَةَ عَنْهُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الفاحِشُ، قالَهُ إبْراهِيمُ.

الرّابِعُ: أنَّهُ الَّذِي لَهُ زَنَمَةٌ كَزَنَمَةِ الشّاةِ، قالَ الضَّحّاكُ: لِأنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ كانَ لَهُ أسْفَلَ مِن أُذُنِهِ زَنَمَةٌ مِثْلُ زَنَمَةِ الشّاةِ، وفِيهِ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شُرَيْقٍ لِأنَّهُ حَلِيفٌ مُلْحَقٌ ولِذَلِكَ سُمِّيَ زَنِيمًا.

الخامِسُ: أنَّهُ ولَدُ الزِّنى، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

السّادِسُ: أنَّهُ الدَّعِيُّ، قالَ الشّاعِرُ زَنِيمٌ تَداعاهُ الرِّجالُ زِيادَةً ∗∗∗ كَما زِيدَ في عَرْضِ الأدِيمِ الأكارِعُ السّابِعُ: أنَّهُ الَّذِي يُعْرَفُ بِالأُبْنَةِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

الثّامِنُ: أنَّهُ عَلامَةُ الكُفْرِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ ﴾ ، قالَهُ أبُو رُزَيْنٍ.

﴿ أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ ﴾ قِيلَ إنَّهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، كانَتْ لَهُ حَدِيقَةٌ بِالطّائِفِ، وكانَ لَهُ اثْنا عَشَرَ ابْنًا، حَكاهُ الضَّحّاكُ.

وَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: المالُ والبَنُونَ حَرْثُ الدُّنْيا، والعَمَلُ الصّالِحُ حَرْثُ الآخِرَةِ.

﴿ إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ.

﴿ قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ يَعْنِي أحادِيثَ الأوَّلِينَ وأباطِيلَهم.

﴿ سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها سِمَةٌ سَوْداءُ تَكُونُ عَلى أنْفِهِ يَوْمَ القِيامَةِ يَتَمَيَّزُ بِها الكافِرُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ  ﴾ .

الثّانِي: أنَّهُ يُضْرَبُ في النّارِ عَلى أنْفِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّالِثُ: أنَّهُ إشْهارٌ ذَكَّرَهُ بِالقَبائِحِ، فَيَصِيرُ مَوْسُومًا بِالذِّكْرِ لا بِالأثَرِ.

الرّابِعُ: هو ما يَبْتَلِيهِ اللَّهُ بِهِ في الدُّنْيا في نَفْسِهِ ومالِهِ ووَلَدِهِ مِن سُوءٍ وذُلٍّ وصَغارٍ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ، واسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الأعْشى: فَدَعْها وما يُغْنِيكَ واعْمُدْ لِغَيْرِها ∗∗∗ بِشِعْرِكَ واغْلِبْ أنْفَ مَن أنْتَ واسْمُ.

وَقالَ المُبَرِّدُ: الخُرْطُومُ هو مِنَ النّاسِ الأنْفُ، ومِنَ البَهائِمِ الشَّفَةُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن مردويه عن أبي عثمان النهدي قال: قال مروان بن الحكم لما بايع الناس ليزيد سنة أبي بكر وعمر، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: إنها ليست بسنة أبي بكر وعمر، ولكنها سنة هرقل، فقال مروان: هذا الذي أنزلت فيه ﴿ والذي قال لوالديه أفٍّ لكما ﴾ قال: فسمعت ذلك عائشة، فقالت: إنها لم تنزل في عبد الرحمن، ولكن نزلت في أبيك ﴿ ولا تطع كل حلاف مهين همّاز مشاء بنميم ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﴿ ولا تطع كل حلاف ﴾ الآية قال: يعني الأسود بن عبد يغوث.

وأخرج عبد بن حميد عن عامر الشعبي ﴿ ولا تطع كل حلاف ﴾ الآية قال: هو رجل من ثقيف يقال له: الأخنس بن شريق.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الحسن في قوله: ﴿ ولا تطع كل حلاف مهين ﴾ يقول: مكثار في الحلف ﴿ مهين ﴾ يقول: ضعيف.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ﴿ ولا تطع كل حلاف مهين ﴾ قال: ضعيف القلب ﴿ عتل ﴾ قال: شديد الأسر ﴿ زنيم ﴾ قال: ملحق في النسب زعم ابن عباس.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ﴿ ولا تطع كل حلاف مهين ﴾ قال: المهين المكثار في الشر ﴿ هماز ﴾ قال: يأكل لحوم الناس ﴿ مناع للخير ﴾ قال: فلا يعطي خيراً ﴿ معتد ﴾ قال: معتد في قوله: متعمد في عمله ﴿ أثيم ﴾ بربه ﴿ عتل ﴾ هو الفاجر اللئيم الضريبة، وذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى يظهر الفحش والتفحش وسوء الجوار وقطيعة الرحم» .

وأخرج عبد بن حميد عن أبي أمامة في قوله: ﴿ عتل بعد ذلك زنيم ﴾ قال: هو الفاحش اللئيم.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن الحسن وأبي العالية مثله.

وأخرج عبد بن حميد وابن عساكر عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿ زنيم ﴾ قال: هو الدعيّ أما سمعت قول الشاعر: زنيم تداعاه الرجال زيادة ** كما زيد في عرض الأديم أكارعه وأخرج ابن الأنباري في الوقف والابتداء عن عكرمة أنه سئل عن الزنيم قال: هو ولد الزنا، وتمثل بقول الشاعر: زنيم ليس يعرف من أبوه ** بغيّ الأم ذو حسب لئيم وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: العتل الزنيم رجل ضخم شديد كانت له زنمة زائدة في يده، وكانت علامته.

وأخرج عبد بن حميد عن شهر بن حوشب قال: العتل الصحيح الأكول الشروب، والزنيم الفاجر.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في قوله: ﴿ عتل بعد ذلك زنيم ﴾ قال: يعرف الكافر من المؤمن مثل الشاة الزنماء، والزنماء التي في حلقها كالمتعلقتين في حلق الشاة.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: الزنيم يعرف بهذا الوصف كما تعرف الشاة الزنماء من التي لا زنمة لها.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن المسيب في قوله: ﴿ عتل بعد ذلك زنيم ﴾ قال: هو الملزق في القوم ليس منهم.

وأخرج عبد بن حميد عن شهر بن حوشب عن ابن عباس قال: ستة لا يدخلون الجنة أبداً: العاق والمدمن والجعشل والجوّاظ والقتات والعتل الزنيم.

فقلت يا ابن عباس: أما اثنتان فقد علمت، فأخبرني بالأربع قال: أما الجعشل فالفظّ الغليظ وأما الجواظ فمن يجمع المال ويمنع، وأما القتات فمن يأكل لحوم الناس، وأما العتل الزنيم فمن يمشي بين الناس بالنميمة.

وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن شهر بن حوشب قال: حدثني عبد الرحمن بن غنم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل الجنة جواظ ولا جعظري ولا العتل الزنيم، فقال له رجل من المسلمين: ما الجوّاظ والجعظري والعتل الزنيم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما الجوّاظ فالذي جمع ومنع، تدعوه ﴿ لظى نزاعة للشوى ﴾ [ المعارج: 16] وأما الجعظري فالفظّ الغليظ، قال الله: ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظّاً غليظ القلب لانفضوا من حولك ﴾ [ آل عمران: 159] ، وأما العتل الزنيم فشديد الخلق رحيب الجوف مصحح شروب واجد للطعام والشراب ظلوم للناس» .

وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد عن عامر أنه سئل عن الزنيم قال: هو الرجل تكون له الزنمة من الشر يعرف بها، وهو رجل من ثقيف يقال له: الأخنس بن شريق.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن الأنباري في الوقف والابتداء عن ابن عباس قال: الزنيم الدعيّ الفاحش اللئيم الملزق، ثم أنشد قول الشاعر: زنيم تداعاه الرجال زيادة ** كما زيد في عرض اللئيم الأكارع وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ ولا تطع كل حلاف مهين ﴾ قال: نزلت في الأخنس بن شريق.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الكلبي مثله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ ولا تطع كل حلاف مهين ﴾ قال: هو الأسود بن عبد يغوث.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم ﴾ فلم يعرف حتى نزل عليه بعد ذلك ﴿ زنيم ﴾ فعرفناه له زنمة كزنمة الشاة.

وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن مردويه عن حارثة بن وهب: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ألا أخبركم بأهل الجنة، كل ضعيف متضعف لو أقسم على الله لأبره، ألا أخبركم بأهل النار، كل عتل جوّاظ جعظري متكبر» .

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذرعن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تبكي السماء من عبد أصح الله جسمه وأرحب جوفه وأعطاه من الدنيا، فكان للناس ظلوماً، فذلك العتل الزنيم» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن القاسم مولى معاوية وموسى بن عقبة قالا: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العتل الزنيم، قال: هو الفاحش اللئيم» .

وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه والديلمي عن أبي الدرداء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ بعد ذلك زنيم ﴾ قال: «العتل كل رحيب الجوف وثيق الخلق أكول شروب جموع للمال منوع له» .

وأخرج الحاكم وصححه وابن مروديه عن عبدالله بن عمر وأنه تلا ﴿ منّاع للخير ﴾ إلى ﴿ زنيم ﴾ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أهل النار كل جعظري جوّاظ مستكبر مناع، وأهل الجنة الضعفاء المغلوبون» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: العتل هو الدعيّ، والزنيم هو المريب الذي يعرف بالشر.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر والخرائطي في مساوي الأخلاق والحاكم، وصححه عن ابن عباس في قوله: ﴿ عتل بعد ذلك زنيم ﴾ قال: هو الرجل يعرف بالشر كما تعرف الشاة بزنمتها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: الزنيم هو الرجل يمر على القوم فيقولون رجل سوء.

وأخرج البخاري والنسائي وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم عن ابن عباس في قوله: ﴿ عتل بعد ذلك زنيم ﴾ قال: رجل من قريش كانت له زنمة زائدة مثل زنمة الشاة يعرف بها.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في الآية قال: نعت فلم يعرف حتى قيل ﴿ زنيم ﴾ وكانت له زنمة في عنقه يعرف بها.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: الزنيم الملحق النسب.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ زنيم ﴾ قال: ظلوم.

وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ زنيم ﴾ قال: ولد الزنا.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم أما سمعت قول الشاعر: زنيم تداعته الرجال زيادة ** كما زيد في عرض الأديم الأكارع وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن علي بن أبي طالب قال: الزنيم هو الهجين الكافر.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ مهين ﴾ قال: الكذاب ﴿ هماز ﴾ يعني الاغتياب ﴿ عتل ﴾ قال: الشديد الفاتك ﴿ زنيم ﴾ الدعيّ وفي قوله: ﴿ سنسمه على الخرطوم ﴾ فقاتل يوم بدر فخطم بالسيف في القتال.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ سنسمه على الخرطوم ﴾ قال: سيما على أنفه لا تفارقه.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ سنسمه على الخرطوم ﴾ قال: سنسمه بسيما لا تفارقه آخر ما عليه.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ أن كان ذا مال وبنين ﴾ بهمزتين يستفهم.

وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن عبدالله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من مات همازاً لمازاً ملقباً للناس كان علامته يوم القيامة أن يسمه الله على الخرطوم من كلا الشدقين» .

قوله: تعالى: ﴿ إنا بلوناهم ﴾ الآيات.

أخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة ﴾ قال: هؤلاء ناس قص الله عليكم حديثهم، وبيّن لكم أمرهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن جريج أن أبا جهل قال يوم بدر: خذوهم أخذاً فاربطوهم في الجبال، ولا تقتلوا منهم أحداً فنزل ﴿ إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة ﴾ يقول: في قدرتهم عليهم كما اقتدر أصحاب الجنة على الجنة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ كما بلونا أصحاب الجنة ﴾ قال: كانوا من أهل الكتاب.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ كما بلونا أصحاب الجنة ﴾ قال: هم ناس من الحبشة كانت لأبيهم جنة، وكان يطعم منها السائلين، فمات أبوهم فقال بنوه: إن كان أبونا لأحمق يطعم المساكين، فأقسموا ليصرمنّها مصبحين وأن لا يطعموا مسكيناً.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة قال: كانت الجنة لشيخ من بني إسرائيل، وكان يمسك قوت سنته، ويتصدق بالفضل، وكان بنوه ينهونه عن الصدقة فلما مات أبوهم غدوا عليها فقالوا لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين ﴿ وغدوا على حرد قادرين ﴾ يقول: على جد من أمرهم.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ كما بلونا أصحاب الجنة ﴾ قال: هي أرض باليمن يقال لها ضر، وإن بينها وبين صنعاء ستة أميال.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي صالح في قوله: ﴿ ولا يستثنون ﴾ قال: كان استثناؤهم سبحان الله.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ فطاف عليها طائف من ربكْ ﴾ قال: هو أمر من الله.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ فطاف عليها طائف من ربك ﴾ قال: عذاب: عنق من النار خرجت من وادي جهنم.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون ﴾ قال: أتاها أمر الله ليلاً ﴿ فأصبحت كالصريم ﴾ قال: كالليل المظلم.

وأخرج عبد بن حميد عن قطر بن ميمون مثله.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إياكم والمعاصي إن العبد ليذنب الذنب فينسى به الباب من العلم، وإن العبد ليذنب الذنب فيحرم به قيام الليل، وإن العبد ليذنب الذنب فيحرم به رزقاً قد كان هيئ له، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون فأصبحت كالصريم ﴾ قد حرموا خير جنتهم بذنبهم» .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ كالصريم ﴾ قال: مثل الليل الأسود.

وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ كالصريم ﴾ قال: الذهب.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم أما سمعت قول الشاعر: غدوت عليه غدوة فوجدته ** قعوداً لديه بالصريم عواذله وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: أن ﴿ اغدوا على حرثكم ﴾ قال: كان عنباً.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ وهم يتخافتون ﴾ قال: الإِسرار والكلام الخفي.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ وهم يتخافتون ﴾ قال: يسرون بينهم أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين ﴿ وغدوا على حرد قادرين ﴾ قال: غدا القوم وهم محردون إلى جنتهم قادرون عليها في أنفسهم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ على حرد قادرين ﴾ يقول: ذو قدرة.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن مجاهد قال: ﴿ وغدوا على حرد قادرين ﴾ قال: غدوا على أمر قد قدروا عليه، وأجمعوا عليه في أنفسهم أن لا يدخل عليهم مسكين.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة في قوله: ﴿ وغدوا على حرد ﴾ قال: غيظ.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن في قوله: ﴿ وغدوا على حرد ﴾ يعني المساكين يجد.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ قالوا إنا لضالون ﴾ قال: أضللنا مكان جنتنا.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ إنا لضالون ﴾ قال: أخطأنا الطريق، ما هذه جنتنا، وفي قوله: ﴿ بل نحن محرومون ﴾ قال: بل حورفنا فحرمناها، وفي قوله: ﴿ قال أوسطهم ﴾ قال: أعدل القوم وأحسن القوم فزعاً وأحسنهم رجعة.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ بل نحن مرومون ﴾ قال: لما تبينوا وعرفوا معالم جنتهم قالوا ﴿ بل نحن محرومون ﴾ محارفون.

وأخرج ابن المنذر عن معمر قال: قلنا لقتادة أمن أهل الجنة هم أم من أهل النار؟

قال: لقد كلفتني تعباً.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ قال أوسطهم ﴾ قال: أعدلهم.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في قوله: ﴿ قال أوسطهم ﴾ يعني أعدلهم، وكل شيء في كتاب الله أوسط فهو أعدل.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ قال أوسطهم ﴾ قال: أعدلهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السري في قوله: ﴿ ألم أقل لكم لولا تسبحون ﴾ قال: كان استثناؤهم في ذلك الزمان التسبيح.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ لولا تسبحون ﴾ قال: لولا تستثنون عند قولهم ليصرمنّها مصبحين ولا يستثنون عند ذلك وكان التسبيح استثناءهم كما نقول نحن إن شاء الله.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ كذلك العذاب ﴾ قال: عقوبة الدنيا ﴿ ولعذاب الآخرة ﴾ قال: عقوبة الآخرة وفي قوله: ﴿ سلهم أيهم بذلك زعيم ﴾ قال: أيهم كفيل بهذا الأمر.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ تدرسون ﴾ قال: تقرؤون، وفي قوله: ﴿ أيمان علينا بالغة ﴾ قال: عهد علينا.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ عُتُلٍّ ﴾ قال الفراء: العتل في هذا الموضع: الشديد الخصومة بالباطل (١) (٢) وقال أبو عبيدة: هو الفظ الكافر، وهو الشديد في كل شيء (٣) وقال المبرد: العتل عند العرب: الجافي الخلق.

ونحسبه -والله أعلم- في هذا الموضع المتجافي عن الحق.

وقال الزجاج: هو في اللغة: الغليظ الجافي (٤) وقال الليث: هو الأكول المنوع (٥) هذا قول أهل اللغة في تفسير العُتل (٦) ﴿ فَاَعْتِلُوهُ ﴾ وقد مر (٧) وقال الفراء في كتاب "المصادر": إنه لعُتُل بَيِّنُ العُتُلَّة، بضم العين والتاء وتشديد اللام.

قال: والعرب تقول: إنك لَعَتِلٌ شديد إلى الشر -بفتح العين وكسر التاء مخففة- بيَّن العتل (٨) أحدهما: أنه ذم في الخَلْق.

والثاني: أنه ذم في الخُلُق.

قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد قوي ضخم (٩) وقال مقاتل: رحيب الجوف وثيق الخلق (١٠) وقال أبو رزين: العتل: الصحيح (١١) وقال مجاهد: هو الشديد الأشر (١٢) وقال عبيد بن عمير (١٣) (١٤) (١٥) وقال الحسن: هو الفاحش الخُلق، اللئيم الضريبة (١٦) قوله تعالى: ﴿ بَعْدَ ذَلكَ ﴾ قال صاحب النظم: (بعد) هاهنا بمنزلة مع على تأويل عتل مع ما وصفناه به (١٧) (١٨) ﴿ زَنِيم ﴾ الزنيم في اللغة: الدعي.

قال أبو عبيدة (١٩) (٢٠) وأنت زنيم نيط في آل هاشم ...

كما نيط خلف الراكب القدح الفرد.

قال: ويقال للتيس: زنيم له زنمتان (٢١) قال المبرد: وإنما أخذ فيما ذكر أبو عبيدة من زنمت (٢٢) (٢٣) (٢٤) وقال ابن عباس في رواية عطاء (٢٥) (٢٦) (٢٧) زنيم تداعاه الرجال زيادة ...

كما زيد في عرض الأديم الأكارع (٢٨) وهذا قول مجاهد، وسعيد بن المسيب، وعكرمة (٢٩) (٣٠) زنيم ليس يعرف من أبوه ...

بغي الأم ذو حسب لئيم (٣١) ويؤكد هذا التفسير ما قال مرة الهمداني (٣٢) (٣٣) قال الشعبي: هو الرجل الذي يعرف بالشر، كما تعرف الشاة بزنمتها (٣٤) وقال سعيد بن جبير: هو الرجل السوء يعرف بالشر، يمر على القوم فيقولون: هذا رجل سوء (٣٥) (٣٦) (٣٧) قال ابن قتيبة: معنى هذا القول أنه قد لحقه (٣٨) (٣٩) (٤٠) (٤١) ﴿ زَنيِمٍ ﴾ قال: وكانت له زنمة في عنقه يعرف بها (٤٢) (٤٣) (١) انظر: "معاني القرآن" 3/ 173.

(٢) في (س): (وهو قول الكلبي) زيادة.

وانظر: "تنوير المقباس" 6/ 118.

(٣) انظر: "مجاز القرآن" 2/ 264.

(٤) انظر: "معاني القرآن" 5/ 206.

(٥) انظر: "اللسان" 2/ 681 (عتل)، و"زاد المسير" 8/ 332.

(٦) في (س): (هذا قول أهل اللغة في تفسير العتل) زيادة.

(٧) عند تفسيره الآية (47) من سورة الدخان.

قال: العتل أن تأخذ بتلابيب الرجل فتعتله، أي: تجره إليك وتذهب به إلى حبس أو بلية وأخذ فلان بزمام الناقة فعتلها، وذلك إذا قبض على أصل الزمام عند الرأس وقادها قودًا عنيفًا.

وقال ابن السكيت: عتلته إلى السجن وعتنته فأنا أعتله وأعتنه، إذا دفعته دفعًا عنيفًا.

(٨) انظر: "اللسان" 2/ 6814 (عتل)، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 232، عن ابن السكيت.

(٩) انظر: "التفسير الكبير" 30/ 84.

(١٠) انظر: "تفسير مقاتل" 163 أ، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 233.

(١١) انظر: "جامع البيان" 29/ 16.

(١٢) انظر: "جامع البيان" 29/ 16، و"زاد المسير" 8/ 332.

(١٣) في (ك): (شعرة).

(١٤) انظر: "التفسير الكبير" 30/ 84.

(١٥) انظر: "المصنف" لابن أبي شيبة 13/ 440، و"الكشف والبيان" 12/ 165 أ، و"حلية الأولياء" 3/ 270، و"زاد المسير" 8/ 332.

(١٦) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 308، و"جامع البيان" 29/ 16، و"الدر" 6/ 251.

والضريبة: الطبيعة أي: اللئيم بطبعه.

(١٧) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 378، و"زاد المسير" 8/ 332.

(١٨) انظر: "تفسير مقاتل" 163 أ.

(١٩) (أبو عبيدة) ساقطة من (ك).

(٢٠) "ديوان حسان" ص 89، و"اللسان" 2/ 53 (زنم)، و"مشاهد الإنصاف على شواهد الكشاف" ص 38، ونيطَ آخر.

والمعنى: أنت زنيم مؤخر في آل هاشم كما يؤخر الراكب القدح خلفه.

(٢١) في (ك): (زمتان) وانظر: "مجاز القرآن" 2/ 265.

(٢٢) في (ك): (زمت).

(٢٣) في (س): (هُنية).

(٢٤) انظر: "الكامل" 3/ 223 - 224.

(٢٥) في (س): (في رواية عطاء) زيادة.

(٢٦) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 378، و"تنوير المقباس" 6/ 118، وهي من طريق الكلبي.

(٢٧) في (ك): (المزلق).

(٢٨) في (س): (الكوارع) والبيت لحسان بن ثابت كما في "ديوانه" ص 491، وفي "اللسان" 2/ 53 (زنم) نسبه للخطيم التميمي.

(٢٩) أخرج ابن أبي حاتم نحوه عن عكرمة عن ابن عباس، ورواه أبو عبيد، والمبرد وغيرهما.

انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 18/ 234، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 404، وعند ابن جرير من طريق العوفي: الزنيم: الدعي.

وعنده بسند صحيح عن ابن عباس أنه قال في الزنيم: الذي يعرف بأبنة.

"جامع البيان" 29/ 17، و"تفسير ابن عباس" مروياته للحميدي 2/ 897.

== والأبنةُ: العيب في الخشب والعود، يقال: ليس في حسب فلان أبنة، كقولك: ليس فيه وصمة "اللسان" 1/ 9 (أبن).

(٣٠) انظر: "جامع البيان" 29/ 17، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 234، و"البحر المحيط" 8/ 310.

(٣١) لم أجد للبيت قائلَّا: وانظر المراجع السابقة.

(٣٢) في (ك): (الهمداني مرة).

(٣٣) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 165 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 378.

(٣٤) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 165 ب، وأخرجه الحاكم في "المستدرك" 2/ 499 عن ابن عباس وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.

(٣٥) انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 688، و"معالم التنزيل" 4/ 378، و"الدر" 6/ 253، عن ابن عباس ونسب تخريجه لابن أبي حاتم.

(٣٦) في (س): (ونحو هذا روى خصيف عن) زيادة.

(٣٧) انظر: "جامع البيان" 29/ 18، و"معالم التنزيل" 4/ 378، عن ابن عباس.

(٣٨) في (ك): (لحقته).

(٣٩) الدِّعوة: بكسر الدال: ادعاء الولد الدَّعيَّ غيرَ أبيه.

وقال ابيت شميل: الدَّعوة في الطعام والدِّعوة في النسب.

"اللسان" 1/ 987 (دعا).

(٤٠) انظر: "تأويل المشكل" ص 159.

(٤١) في (س): (عكرمة) زيادة.

(٤٢) أخرجه ابن جرير بسند صحيح.

"جامع البيان" 29/ 17، و"تفسير ابن عباس" ومروياته للحميدي 2/ 897، وفي البخاري 6/ 198 عن ابن عباس قال: رجل من قريش له زنمة مثل زنمة الشاة.

(٤٣) انظر: "تفسير مقاتل" 163 أ، و"التفسير الكبير" 30/ 85، وقال ابن كثير في "تفسيره" 4/ 405، والأقوال في هذا كثيرة، وترجع إلى ما قلناه، وهو أن الزنيم هو المشهور بالشر، الذي يعرف به من بين الناس، وغالبًا يكون دعيا ولد زنا، فإنه في الغالب يتسلط الشيطان عليه ما لا يتسلط على غيره.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ﴾ المداهنة هي الملاينة والمداراة فيما لا ينبغي، ورُوي أن الكفار قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: لو عبدت آلهتنا لعبدنا إلهك، فنزلت الآية ولم ينتصب فيدهنون في جواب التمني؛ بل رفعه بالعطف على تدهن قاله ابن عطية، وقال الزمخشري: هو خبر مبتدأ محذوف تقديره فهم يدهنون ﴿ حَلاَّفٍ ﴾ كثير الحلف في الحق والباطل ﴿ مَّهِينٍ ﴾ هو الضعيف الرأي والعقل قال ابن عطية: هو من مهن إذا ضعف، فالميم فاء الفعل، وقال الزمخشري: هو من المهانة وهي الذلة والحقارة وقال ابن عباس: المهين الكذاب ﴿ هَمَّازٍ ﴾ هو الذي يعيب الناس ﴿ مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ ﴾ أي كثير المشي بالنميمة، يقال: نميم ونميمة بمعنى واحد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة نمام» ﴿ مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ ﴾ أي شحيح، لأن الخير هنا هو المال.

وقيل: معناه مناع من الخير، أي يمنع الناس من الإسلام، والعمل الصالح ﴿ مُعْتَدٍ ﴾ هو من العدوان وهو الظلم ﴿ أَثِيمٍ ﴾ من الإثم وهو ارتكاب المحرمات ﴿ عُتُلٍّ ﴾ أي غليظ الجسم، قاسي القلب بعيد الفهم، كثير الجهل ﴿ زَنِيمٍ ﴾ أي ولد زنا؛ وقيل: هو الذي في عنقه زنمة كزنمة الشاة التي تتعلق في حلقها، وقيل: معناه مريب قبيح الأفعال.

وقيل: ظلوم، وقيل: لئيم وقوله: ﴿ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ أي بعد ما ذكرنا من عيوبه، فهذا الترتيب في الوصف لا في الزمان، واختلف في الموصوف بهذه الأوصاف الذميمة، فقيل: لم يقصد بها شخص معين، بل كل من اتصف بها، وقيل: المقصود بها الوليد بن المغيرة، لأنه وصفه بأنه ذو مال وبنين، وكذلك كان، وقيل: أبو جهل، وقيل: الأخنس بن شريق، ويؤيد هذا أنه كانت له زنمة في عنقه، قال ابن عباس: عرفناه بزنمته وكان لقيطاً من ثقيف، ويعدُّ في بني زهرة، فيصح وصفه بزنيم على القولين، وقيل: الأسود بن عبد يغوث ﴿ أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ ﴾ في موضع مفعول من أجله يتعلق بقوله: ﴿ لاَ تُطِعْ ﴾ أي لا تطعه بسبب كثرة ماله وبنيه، ويجوز أن يتعلق بما بعده، والمعنى على هذا أنه قال في القرآن أساطير الأولين، لأنه ذو مال وبنين، يتكبر بماله وبنيه، والعامل في ﴿ أن كان ﴾ على هذا فعل من المعنى، ولا يجوز أن يعمل فيه قال الذي هو جواب إذا، لأن ما بعد الشرط لا يعمل فيما قبله، والأول أظهر، وقد تقدم معنى أساطير الأولين ﴿ سَنَسِمُهُ عَلَى الخرطوم ﴾ أصل الخرطوم: أنف السبع ثم استعير للإنسان استخفافاً به، وتقبيحاً له والمعنى نجعل له سمة.

وهي العلامة على الخرطوم، واختلف في هذه السمة قيل: هي الضربة بالسيف يوم بدر، وقيل: علامة من نار تجعل على أنفه في جهنم.

وقيل: علامة تجعل على أنفه يوم القيامة ليعرف بها.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ن والقلم ﴾ مظهراً: يزيد وأبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وابن كثير ونافع وعاصم غير يحيى وحماد وغالب وهو الأصل للوقف.

ووجه الإخفاء نية الوصل ﴿ آن كان ﴾ بهمزتين: حمزة وأبو بكر وحماد ﴿ آن كان ﴾ بقلب الثانية ألفاً، ابن عامر ويزيد ويعقوب الباقون بهمزة واحدة ﴿ يبدلنا ﴾ بالتشديد: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ لما تخيرون ﴾ بتشديد التاء: البزي وابن فليح ﴿ ليزلقونك ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع الآخرون: بالضم من الإزلاق.

الوقوف: ﴿ يسطرون ﴾ ه ط لأن ما بعده جواب القسم ﴿ لمجنون ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح مستأنفاً وعطفاً على جواب القسم ﴿ ممنون ﴾ ه ج لذلك ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ ويبصرون ﴾ ج لأن ما بعد مفعول ﴿ المفتون ﴾ ه ﴿ سبيله ﴾ ط لاتفاق الجملتين ﴿ بالمهتدين ﴾ ه ﴿ المكذبين ﴾ ه ﴿ فيدهنون ﴾ ه ﴿ مهين ﴾ ه لا ﴿ بنميم ﴾ ه لا ﴿ أثيم ﴾ ه لا ﴿ زنيم ﴾ ه ط لمن قرأ ﴿ أن كان ﴾ مستفهماً ﴿ وبنين ﴾ ه ومن قرأ مقصوراً يقف على البنين دون ﴿ زنيم ﴾ ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ الخرطوم ﴾ ه ﴿ الجنة ﴾ ط لاحتمال أن يكون " إذ " ظرفاً ليكون وأن يكون مفعول " أذكر " محذوفاً ﴿ مصبحين ﴾ ه لا لتعلق أن المفسرة ﴿ صارمين ﴾ ه ﴿ يتخافتون ﴾ ه لا ﴿ مسكين ﴾ ه ﴿ قادرين ﴾ ه ﴿ الضالون ﴾ ه لا لعطف " بل " واتحاد المفعول ﴿ محرومون ﴾ ه ﴿ تسبحون ﴾ ه ﴿ ظالمين ﴾ ه ﴿ يتلاومون ﴾ ه ﴿ طاغين ﴾ ه ﴿ راغبون ﴾ ه ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ أكبر ﴾ م ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ النعيم ﴾ ه ﴿ كالمجرمين ﴾ ه ط ﴿ مالكم ﴾ ص وقفة لطيفة لاستفهام آخر ﴿ تحكمون ﴾ ه ج ﴿ تدرسون ﴾ ه ج لأن ما بعده مفعول ﴿ تدرسون ﴾ وإنما كسرت " أن " لدخول اللام في خبرها ﴿ تخيرون ﴾ ه لا لأن " أم " معادل الاستفهام أو بمعنى ألف الاستفهام ﴿ القيامة ﴾ لا لأن " أن " جواب الأيمان ﴿ تحكمون ﴾ ه ﴿ زعيم ﴾ ه لما مر في ﴿ تخيرون ﴾ ﴿ شركاء ﴾ ج للابتداء بأمر التعجيز مع الفاء ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ فلا يستطيعون ﴾ ه لا لأن ما بعده حال ﴿ ذلة ﴾ ط ﴿ سالمون ﴾ ه ﴿ بهذا الحديث ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ج للعطف ﴿ لهم ﴾ ط ﴿ متين ﴾ ه ﴿ مثقلون ﴾ ه ﴿ يكتبون ﴾ ه ﴿ الحوت ﴾ م بناء على أن " إذ " مفعول " اذكر ﴿ مكظوم ﴾ ه ط ﴿ مذموم ﴾ ه ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ لمجنون ﴾ ه لئلا يوهم أن ما بعده مقول الكفار ﴿ للعالمين ﴾ ه.

التفسير: الأقوال المشتركة في فواتح نحو هذه السورة مذكورة.

أما المخصوصة بالمقام فعن ابن عباس ومجاهد ومقاتل والسدى أن النون السمكة أقسم بالحوت الذي على ظهره الأرض وهو في بحر تحت الأرض السفلى، أو بالحوت الذي احتبس يونس في بطنه، أو بالحوت بالذي لطخ سهم نمرود بدمه، اقوال.

عن ابن عباس في رواية الضحاك والحسن وقتادة أن النون هو الدواة.

قال: إذا ما الشوق برّح بي إليهم *** ألقت النون بالدمع السجوم فيكون قسماً بالدواة والقلم العظيم النفع فيهما فإن التفاهم يحصل بالكتابة كما يحصل بالعبارة.

وعن بعض الثقات أن أصحاب السجر يستخرجون من بعض الحيتان شيئاً أسود كالنقس أو أشد سواداً منه يكتبون منه فيكون النون.

وهو الحوت عبارة عن الدواة، ويعضده ما روي ان النبي  قال "أول شيء خلقه الله القلم ثم خلق النون وهو الدواة ثم قال اكتب ما هو كائن من عمل أو أثر أو رزق أو أجل فكتب ما هو كائن وما كان إلى يوم القيامة ثم ختم على القلم فلم ينطق إلى يوم القيامة" وعن معاوية بن قرة مرفوعاً أن النون لوح من نور تكتب الملائكة فيه يأمرهم الله به.

وقيل: نهر في الجنة.

اعترض النحويون على هذه الأقوال كلها أن اللفظ إن كان جنساً لزم الجر والتنوين وكذا إن كان علماً منصرفاً، وإن كان علماً غير منصرف لزم الفتح بتقدير حرف القسم، وقيل: النون آخر حرف من حروف الرحمن فإنه يجتمع من الروحم ون هذا الإسم الخاص.

أما القلم فالأكثرون على أنه جنس أقسم الله  بكل قلم يكتب به في السماء وفي الأرض وقال آخرون: هو القلم المعهود الذي جاء في الخبر أن " أول ما خلق الله القلم " والجوهرة التي وردت في الحديث " أول ما خلق الله جوهرة فنظر إليها بعين الهيبة فذابت وتسخنت فارتفع منها دخان وزبد فخلق من الدخان السماء ومن الزبد الأرض" كلها واحدة ولعلك قد وقفت على تحقيق هذه المعاني في هذا الكتاب.

و" ما " في قوله ﴿ وما يسطرون ﴾ موصولة أو مصدرية والضمير لكل من يسطر أو للحفظة.

وقيل: أراد أصحاب القلم فحذف المضاف قال الزجاج: " أنت " اسم " ما " والخبر ﴿ بمجنون ﴾ وقوله ﴿ بنعمة ربك ﴾ كلام وقع في البين والمعنى انتفى عنك الجنون بواسطة إنعام ربك عليك، أو انتفى عنك الجنون متلبساً بنعمة الله كما لو قلت: أنت عاقل بحمد الله أي ثبت لك العقل حال كونك متلبساً بحمد الله، أو أثبته لك حال كون التباسي بالحمد.

وقال عطاء وابن عباس: يريد بنعمة ربك عليك بالإيمان والنبوة وسائر الأخلاق الفاضلة.

وفيه إشارة إلى أن نعم الله  كانت ظاهرة في حقه من الفصاحة وكمال العقل والاتصاف بكل ملكة وإذا كانت هذه النعمة ظاهرة فوجودها ينافي حصول الجنون وكلام العدى ضرب من الهذيان.

﴿ وإن لك ﴾ على احتمال أعباء النبوة ومشاق تبليغ الرسالة ﴿ لأجراً غير ممنون ﴾ قال الأكثرون: أي غير مقطوع كقوله ﴿ عطاء غير مجذوذ  ﴾ وعن مجاهد ومقاتل والكلبي أنه غير مكدر عليك بسبب المنة.

وقالت المعتزلة: في تقرير هذا الوجه أن له ممنا لأنه ثواب يستوجبه على عمله وليس بتفضل ابتداء، وضعف لأنه يلزم منه التكرار لأن الأجر عندهم شيء ينبىء عن كونه غير ممنون.

الحاصل أنه لا يمنعك نسبتهم إياك إلى الجنون عن الاشتغال بهذا الخطب الجسيم وهو دعاء الخلق إلى الدين القويم فإن لك بسببه ثواباً عظيماً.

﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ والخلق ملكة نفسانية يقدر معها على الإتيان بالفعل الجميل بمواتاة وسهولة، فإذا وصفه مع ذلك بالعظم وهو كونه على الوجه الأجمل والنهج الأفضل لم يكن خلق أحسن منه.

وفيه إشارة إلى أن نعم الله  كانت ظاهرة نفي الجنون عنه ودلالة على تكذيب الحساد لأن المجنون لا خلق له يحمد أو عليه يعتمد، والنبي  كان من حسن الخلق المتشابه بحيث كان مجمع أخلاق سائر الأنبياء وكان يوجد فيه ما كان متفرقاً فيهم، وإليه الإشارة بقوله ﴿ فبهداهم اقتده  ﴾ أي اقتد بكل منهم فيما اختص به من الخلق الكريم وفي قوله ﴿ لعلى ﴾ إشارة إلى أنه مستول على أحسن الأخلاق الفاضلة لا يزعه عنها وازع.

قال سعيد بن هشام: قلت لعائشة: أخبريني عن خلق رسول الله  قالت: كان خلقه القرآن.

وفي روياة: قرأت ﴿ قد أفلح المؤمنون ﴾ \[المؤمنون: 1\] وعن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: ما كان أحد أحسن خلقاً من رسول الله ما دعاه أحد من أصحابه ولا من أهل بيته إلا قال: لبيك، وقال أنس: خدمت رسول الله  عشر سنين فما قال لي في شيء فعلته لمَ فعلته ولا في شيء لم أفعله هلا فعلت، ثم سلى نبيه  وهدد أعداءه بقوله ﴿ فستبصر ﴾ يا محمد ما قدر لك من عز الدارين ﴿ ويبصرون ﴾ في الدنيا بالقتل والسبي كما في بدر أو في الآخرة.

قوله ﴿ بأيكم المفتون ﴾ قال الأخفش وأبو عبيدة وابن قتيبة: الباء صلة والمعنى أيكم المفتون وهو الذي فتن بالجنون.

وقال الفراء والمبرد والحسن والضحاك عن ابن عباس: المفتون مصدر بمعنى المجنون كالمعقول والمجلود.

وقيل: الباء بمعنى " في" وعل هذا يجوز أن يكون الفتون بمعنى المجنون أي في أي الفريقين من يستحق هذا الاسم أو في أيهما الشيطان لأن الشيطان مفتون في دينه.

وكانت العرب تزعم أنه من يخبله الجن فقال الله  سيعلمون غداً بأيهم الشيطان الذي يحصل من مسه الجنون وإختلاط العقل، وفيه تعريض بأبي جهل بن هشام والوليد بن المغيرة وأضرابهما.

ثم أحال كيفية الحال إلى كمال علمه فقال ﴿ إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله ﴾ أي بمن جن ﴿ وهو أعلم بالمهتدين ﴾ وهم العقلاء.

والأظهر أن يراد الضلال في غوائلهم والاهتداء في الدين وفيه وعد ووعيد.

قال المفسرون: إن المشركين أرادوا من النبي أن يعبد الله مدة وآلهتهم مدة وهم يعبدون الله مدة وآلهتهم مدة فأنزل الله  ﴿ فلا تطع المكذبين ﴾ وهو كالنتيجة لما تقدمه لأنه  حين وعده أنصار العز والرفعة في الدارين وأوعد أعداءه بضد ذلك وكان علمه شاملاً بحال الفريقين وجزائهما لم يبق لطاعة الأعداء وجه.

ثم ذكر تمنيهم فقال ﴿ ودوا لو تدهن ﴾ تلين وتصانع ﴿ فيدهنون ﴾ أي فهم يدهنون حينئذ لأن النفاق يجر النفاق أي ودوا ادهانك فهم الآين يدهنون طمعاً في ادهانك.

قال المبرد: أدهن الرجل في دينه وداهن في أمره إذا خان فيه وأظهر خلاف ما يضمر.

ثم حض النبي قائلاً ﴿ ولا تطع كل حلاف مهين ﴾ لأن من أكثر الحلف بالله ولم يعرف قدر المعبود بالحق أذله الله.

وفيه إشارة إلى أن عزة النفس منوطة بتصحيح نسبة العبودية، ومهانة النفس مربوطة بالغفلة عن سر الربوبية.

وأيضاً الحلاف يتفق له الكذب كثيراً والكذب حقير عند الناس.

والهماز الذي يذكرالناس بالمكروه.

وعن الحسن: يلوي شدقيه في أقفية الناس.

﴿ مشاء بنميم ﴾ أي لأجل سعاية.

والنميم مصدر نم ينم ﴿ مناع للخير ﴾ أي للمال أو مناع أهل الخير وهو الإسلام فذكر الممنوع منه دون الممنوع فكأنه قال مناع من الخير ﴿ معتد ﴾ مجاوز في الظلم حده ﴿ أثيم ﴾ كثير الإثم ﴿ عتل ﴾ غليظ في الخلقة جاف في الخليقة.

الزنيم الدعي ومعنى ﴿ بعد ذلك ﴾ التبعيد في الرتبة أي مع الأوصاف المعدودة له هذا الوصف الذي هو أشنعها لأن الغالب أن النطفة إذا خبثت خبث جميع أخلاق الولد.

عن ابن عباس في رواية أنها نزلت في الوليد بن المغيرة المخزومي كان موسراً وله عشر بنين يقول لهم: من أسلم منكم منعته رفدي وفي رواية أخرى ليس من سنخهم ادعاه أبوه بعد ثمان عشرة من مولده ويقال: بغت أمه ولم يعرف حتى نزلت الآية.

وقوله ﴿ أن كان ﴾ بهمزة واحدة تقديره لأن كان أي لا تطع صاحب هذه المثالب لكثرة ماله وولده ومن قرأ بهمزتين فمعناه ألأن كان ﴿ ذا مال ﴾ كذب فمتعلق الجار مدلول.

قوله ﴿ إذا تتلى عليه آياتنا قال ﴾ وذلك أن قال لا يصلح أن يعمل فيه لأن ما بعد الشرط لا يعمل فيما قبله ولا قوله ﴿ يتلى ﴾ لأنه مضاف إليه.

عن مجاهد أنه الأسود بن عبد يغوث وعن السدى: الأخنس بن شريق أصله في ثقيف وعداده في زهرة.

وقيل: كان الوليد دعياً في قريش ﴿ سنسمه على الخرطوم ﴾ أي الأنف وفيه استخفاف به من جهة الوسم ومن جهة التعبير عن أنف الآدمي بالخرطوم الذي هو أنف الحيوانات المنكرة كالخنزير والفيل كما لو عبر عن شفاه الناس بالمشافر، وعن أيديهم وأرجلهم بالأظلاف والحوافر، ثم الأنف أكرم موضع من الوجه ولهذا قيل: الجمال في الأنف وله التقدم ولذلك جعلوه مكان العز والحمية واشتقوا منه الأنفة وقالوا: في الذليل " جدع أنفه ورغم أنفه " والوسم في الأنف إهانة فوق إهانة.

ومتى هذا الوسم؟

منهم من قال في الدنيا فعن ابن عباس خطم يوم بدر بالسيف فبقيت سمته على خرطومه.

وعن النضر بن شميل: الخرطوم الخمر أي سنسمه على شربها.

وسمي الخمر خرطوماً كما قيل لها السلافة وهو ما سلف عن عصير العنب، أو لأنها تطير في الخياشيم وتؤثر فيها.

ومنها من قال في الآخرة نعلمه فعبر عن سواد الوجه كله بسواد الخرطوم.

ومنهم من قال في الدارين أي سنشهره بهذه السمة وهي أنّه ﴿ حلاف ﴾ إلى ﴿ زنيم ﴾ فلا يخفى كما لا تخفى السمة علىالخرطوم.

ولا شك أن هذه الأوصاف الذميمة وتبعاتها بقيت في حق الوليد بن المغيرة في الدنيا والآخرة كالوسم على الأنف والوسم على الجبهة.

ثم بين أنه إنما أعطى رؤساء مكة الآلاء ليواظبوا على شكر نعم الله وإلا صب عليهم بدل الآلاء البلاء ومكان السراء والضراء.

وهذه صورة الابتلاء كما أنه كلف أصحاب الجنة ذات الثمار أن يشكروا ويعطوا الفقراء حقوقهم، يروى أن واحداً من ثقيف وكان مسلماً كان ملك ضيعة فيها نخل وزروع بقرب صنعاء، وكان يجعل منها نصيباً وافراً للفقراء، فلما مات ورثها منه بنوه ثم قالوا: عيالنا كثير والمال قليل فلو فعلنا ما كان يفعل أبونا ضاق علينا ﴿ ليصرمنها ﴾ أي ليقطعن ثمر نخيلها في وقت الصباح ﴿ ولا يستثنون ﴾ أي لا يقولون " إن شاء الله " وأصله من الثني وهو الرد كأن الحالف يرد انعقاد اليمين بالثنيا.

ولعلهم إنما لم يقولوا إن شاء الله لوثوقهم بالتمكن من صرامها.

هذا قول الأكثرين.

وزعم الآخرون أن المراد يصرمون كل ذلك ولا يستثنون للمساكين من جملته ذلك القدر الذي كان يدفع أبوهم إليهم ﴿ فطاف عليها ﴾ عذاب ﴿ طائف من ﴾ حكم ﴿ ربك ﴾ أو بعض من عذاب ربك، والطائف لا يكون إلا ليلاً.

قال الكلبي: أرسل الله عليها ناراً من السماء فاحترقت ﴿ وهم نائمون فأصبحت ﴾ الجنة ﴿ كالصريم ﴾ " فعيل " بمعنى " فاعل " أو معنى " مفعول " والأول قول من قال إنها لما احترقت صارت سوداء كالليل المظلم، أو سمي الليل صريما لأنه يصرم نور البصر فيقطعه أو لأنه يقطع بظلمته عن التصرف، وقيل: النهار يسمى أيضاً صريماً لأن كل واحد من الملوين ينصرم بالآخر فالصريم بمعنى الصارم.

ووجه التشبيه أنها يبست وذهبت خضرتها أو لم يبق منها شيء من قولهم " صرم الإناء " إذا أفرغه.

والثاني وهو الأولى قول من قال إنها لما احترقت كانت شبيهة بالمصرومة في هلاك الثمرة وإن كان أثر الاحتراق مغايراً لأثر الصرم.

وقال الحسن: أي صرم عنها الخير: وقيل: الصريم من الرمل قطعة ضخمة تنصرم عن سائر الرمال وجمعه للصرائم شبهت الجنة وهي محترقة لا ثمر فيها ولا خير بالرملة المنقطعة عن الرمال وهي ما لا تنبت شيئاً ينتفع به.

قال مقاتل: لما أصبحوا قال بعضهم لبعض ﴿ اغدوا على حرثكم ﴾ وعنوا بالحرث الزرع والثمار والأعناب ولذلك قالوا ﴿ صارمين ﴾ لأنهم أرادوا قطع الثمار من هذه الأشجار وضمن الغدو معنى الإقبال فلهذا عدي بعلى أي أقبلوا على حرثكم باكرين، أو عبر عن الغدو لأجل الصرم بالغدو عليه كما قال: غدا عليهم العدو ﴿ يتخافتون ﴾ يتسارون فيما بينهم والنهي عن الدخول للمسكين نهي لأصحاب الجنة عن تمكين المسكين منه كأنهم قالوا فيما بينهم لا تمكنوه من الدخول.

قوله ﴿ وغدوا على حرد ﴾ هو المنع ومنه حاردت السنة إذا منعت خيرها، وحاردت الإبل إذا منعت درها، أي قادرين على منع المساكين لا غير يعني أنهم عزموا على حرمان المساكين مع كونهم قادرين على نفعهم.

وغدوا بحال فقر وذهاب ثمر لا يقدرون فيها إلا على النكد والمنع.

وفيه أنهم طلبوا حرمان الفقراء فعورضوا بنقيض مقصودهم فتعجلوا الحرمان والمسكنة.

ويجوز أن تكون المحاردة للجنة أي غدوا حاصلين على منع الجنة خيرها لا على إصابة النفع منها.

ويجوز أن لا يكون قوله ﴿ على حرد ﴾ صلة ﴿ قادرين ﴾ ولكن الكل يعود إلى قوله ﴿ أن اغدوا على حرثكم ﴾ أي عاقبهم الله بأن حاردت جنتهم فلم يغدوا على حرث وإنما غدوا على حرج وقوله ﴿ قادرين ﴾ يكون من باب عكس الكلام للتهكم أي قادرين على ما عزموا عليه من الصرام وحرمان المساكين.

وقيل: الحرد بالتسكين والتحريك وهو الأكثر بمعنى الغضب أي لم يقدروا إلا على غضب بعضهم على بعض كقوله ﴿ يتلاومون ﴾ وقيل: الحرد القصد والسرعة قطا حراد أي سراع يعني وغدوا على حالة سرعة ونشاط قادرين عند أنفسهم على صرامها ومنع خيرها من المساكين.

وقيل: حرد علم للجنة بعينها والمعنى كما تقدم لأن قوله ﴿ إنا لضالون ﴾ يحتمل أن يراد الضلال عن الطريق كأنهم لما رأوا جنتهم محترقة سبق إلى ذهنهم أنها ليست هي وأنهم ضلوا الطريق، فلما تأملوا وعرفوا أنها هي قالوا ﴿ بل نحن محرومون ﴾ حرمنا خيرها لشؤم عزمنا على البخل ومنع المساكين.

ويحتمل أن يراد الضلال عن الدين لأن منع حق الله نوع من الضلال.

ومعنى بل أنهم اعتقدوا كونهم قادرين على الانتفاع به ومنع الغير منها فقالوا: بل الأمر انقلب علينا فصرنا نحن المحرومين.

﴿ قال أوسطهم ﴾ أي أعدلهم وخيرهم كما مر في قوله ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً  ﴾ .

﴿ ألم أقل لكم لولا تسبحون ﴾ قال الأكثرون: معنى التسبيح ههان الاستثناء لأنه  وبخهم بقوله ﴿ ولا يستثنون ﴾ والاستثناء نوع من التنزيه لأنه لو دخل في الوجود شيء على خلاف مشيئته كان نقصاً في كمال القدرة.

وعن الحسن: هو الصلاة كأنهم يتكاسلون فيها وإلا لنهتهم عن الفحشاء والمنكر.

وقال آخرون: إن أوسطهم كان يقول لهم عند عزمهم على منع حقوق الفقراء: لولا تذكرون الله وتتوبون إليه من هذه العزيمة الخبيثة.

لم يلتفتوا إلى قوله إلا بعد خراب الجنة قائلين ﴿ سبحان ربنا ﴾ عن أن يجري في ملكه شيء على خلاف مشيئته.

قالت المعتزلة: سبحان الله عن الظلم وعن كل قبيح ﴿ إنا كنا ظالمين ﴾ بمنع المعروف وترك الاستثناء.

ومعنى ﴿ يتلاومون ﴾ يلوم بعضهم بعضاً يقول واحد لغيره: أنت أشرت علينا بهذا الرأي ويقول الآخر: أنت خوفتنا بالفقر.

ويقول الثالث: أنت الذي رغبتني في جمع المال.

ثم قالوا جميعاً ﴿ يا ويلنا إنا كنا طاغين ﴾ اعترافاً بالذنب ثم قووا رجاءهم قائلين ﴿ عسى ربنا ﴾ الآية.

سئل قتادة عنهم أهم من أهل الجنة أم من أهل النار؟

فقال: لقد كلفتني تعباً كأنه توقف في المسألة.

وعن مجاهد: إن هذه كانت توبة منهم فأبدلوا خيراً منها.

وعن ابن مسعود: بلغني أنهم أخلصوا وعرف الله منهم الصدق فأبدلهم بها جنة يقال لها الحيوان فيها عنب يحمل البغل منه عنقوداً.

ثم هدد المكلفين بقوله ﴿ كذلك العذاب ﴾ أي مثل ذلك العذاب الذي بلونا به أهل مكة من القحط والقتل وبلونا أصحاب الجنة عذاب الدنيا ﴿ ولعذاب الآخرة ﴾ أشد وأعظم.

ثم مزج وعيد الأشقياء بوعد السعداء قائلاً ﴿ إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم ﴾ ليس فيها إلا النعيم الخالص لا يشوبه منغص كجنان الدنيا.

قال مقاتل: لما نزلت هذه الآية قال كفار مكة للمسلمين: إن الله فضلنا عليكم في الدنيا فنفى الله معتقدهم بقوله ﴿ أفنجعل المسلمين كالمجرمين ﴾ قال القاضي: فيه دليل واضح على أن وصفي المسلم والمجرم متنافيان فلا يكون الفاسق مسلماً.

وأجيب بأنه  لم ينف المماثلة من كل الوجوه لتماثلهما في الجوهرية والجسمية وسائر الأوصاف التي لا تكاد تحصر، فإذن المراد نفي التسوية في أثري الإسلام والإجرام ولا نزاع في ذلك فإن أثر أحدهما وعد وأثر الآخر وعيد أو يكون ثواب المسلم غير المجرم أكثرمن ثواب المسلم المجرم على أن المجرم في الآية يحتمل أن يراد به الكافر الذي ضرب مثل أصحابه الجنة فيه وفي أمثاله نظير الآية ﴿ أم نجعل المتقين كالفجار  ﴾ وقد مر في " ص ".

ثم قال لهم على طريقة الالتفات ﴿ ما لكم كيف تحكمون ﴾ هذا الحكم المعوج وتخير الشيء واختاره إذا أخذ خيره ﴿ أم لكم أيمان علينا ﴾ يقال لفلان علي يمين بكذا إذا ضمنته منه وحلفت له على الوفاء به.

ومعنى ﴿ بالغة ﴾ مؤكدة مغلظة وقوله ﴿ إلى يوم القيامة ﴾ يجوز أن يتعلق ببالغة أي هذه الإيمان في قوتها وكمالها بحيث تنتهي إلى يوم القيامة لم تبطل منها يمين على أن يحصل المقسوم عليه وهو قوله ﴿ إن لكم لما تحكمون ﴾ ثم قال لنبيه  أو لكل من يستأهل الخطاب ﴿ سلهم أيهم بذلك ﴾ الحكم ﴿ زعيم ﴾ أي كفيل بالإستدلال على صحته ﴿ أم لهم ﴾ ناس ﴿ شركاء ﴾ في هذا القول.

والمراد من الآيات أنه ليس لهم دليل عقلي في إثبات مذهبهم ولا نقلي وهو كتاب يدرسون ولا عهد لهم به عند الله ولا زعيم لهم يقوم به ولا لهم من يوافقهم من العقلاء، فدل ذلك على أنه باطل من كل الوجوه.

قوله ﴿ يوم يكشف ﴾ قيل: منصوب بقوله ﴿ فليأتوا ﴾ أي إن كانوا صادقين في أنها شركاء فليأتوا بها يوم القيامة لتنفعهم وتشفع لهم.

وقيل: بإضمار " اذكر" وقيل: التقدير يوم يكشف ﴿ عن ساق ﴾ كان كيت وكيت.

احتجت المشبهة على أن لله ساقاً وأيدوه بما يروى عن ابن مسعود مرفوعاً أنه يتمثل الحق يوم القيامة ثم يقول: هل تعرفون ربكم؟

فيقولون: إذا عرفنا نفسه عرفناه فعند ذلك يكشف الرحمن عن ساقه، فأما المؤمنون فيخرون سجداً، وأما المنافقون فتكون ظهورهم كالطبق الواحد وذلك قوله ﴿ ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون ﴾ حال كونهم ﴿ خاشعة أبصارهم ﴾ يعني يلحقهم ذل بسبب أنهم لم يكونوا مواظبين على خدمة مولاهم في حال السلامة ووجود الأصلاب والمفاصل على هيآتها المؤدية للركوع والسجود.

وقال أهل السنة: الدليل الدال على أنه  منزه عن الجسمية وعن كل صفات الحدوث وسمات الإمكان دل على أن الساق لم يرد بها الجارحة، فأولوه أنه عبارة عن شدة الأمر وعظم الخطب، وأصله في الروع والهزيمة وتشمير المخدرات عن سوقهن ومثله.

" وقامت الحرب بنا على ساق".

ومعناه يوم يشتد الأمر ويتفاقم ولا كشف ثمة ولا ساق كما تقول للأقطع الشحيح " يده مغلولة " ولا يد ثمة ولا غل وإنما هو مثل في البخل، وهكذا في الحديث ومعناه يشتد أمر الرحمن ويتفاقم هوله.

قال في الكشاف: ثم كان من حق الساق أن تعرف على ما ذهب إليه المشبه لأنها ساق مخصوصة معهودة عنده وهي ساق الرحمن.

وإنما جاءت منكرة في التمثيل للدلالة على أنه أمر فظيع هائل: قلت: الإنصاف أن هذا لا يرد على المشبه فإن له أن يقول إنما نكر الساق لأجل التعظيم أي ساق لا يكتنه كنة عظمتها كما يقول غيره.

وقال أبو سعيد الضرير: ساق الشيء أصله الذي به قوامه كساق الشجر وساق الإنسان، فمعنى الآية يوم تظهر حقائق الأشياء، وأصولها.

وقيل: يكشف عن ساق جهنم أو عن ساق العرش أو عن ساق ملك مهيب.

وقال أبو مسلم: هذا في الدنيا لأنه تعالى قال في وصف ذلك اليوم ﴿ ويدعون إلى السجود ﴾ ولا ريب أن يوم القيامة ليس فيه تعبد وتكليف فهو زمان العجز، أو آخر أيام دنياه فإنه في وقت النزع ترى الناس يدعون إلى الصلاة بالجماعة إذا حضرت أوقاتها وهؤلاء لا يستطيعون الصلاة لأنه الوقت الذي لا ينفع نفساً إيمانها.

والتحقيق أن الذي ذكره محتمل إلا أن في تعليله ضعفاً فإنا نوافقه أن يوم القيامة ليس وقت تعبد وتكليف.

ولكن لا مانع من الدعاء إلى السجود للتوبيخ والتفضيح على رؤس الأشهاد.

وقال الجبائي: لما خصص عدم الاستطاعة بالآخرة دل على أنهم كانوا يستطيعون فيبطل هذا قول من قال لا قدرة له على الإيمان، والجمع بين المتنافيين محال فالاستطاعة في الدنيا أيضاً غير حاصلة على قول الجبائي.

والجواب الصحيح عندي أن عدم الاستطاعة في الدنيا لمانع آخر وهو أنه  لم يرد منهم الإيمان وعلم منهم الكفر وقدر لهم ذلك، وعدم الاستطاعة في الآخرة لمانع آخر له من السجود وهو لين المفاصل ومطاوعة الأعصاب وسلامة الفقر.

ثم خوفهم بنوع آخر قائلاً ﴿ فذرني ومن يكذب بهذا الحديث ﴾ وفيه تسلية للنبي  كأنه قال: حسبي مجازياً لمن يكذب بالقرآن فلا تشغل قلبك بشأنه.

وقوله ﴿ سنستدرجهم ﴾ إلى قوله ﴿ مبين ﴾ قد مر في آخر " الأعراف".

وقوله ﴿ أم تسألهم ﴾ إلى ﴿ يكتبون ﴾ قد مر في " الطور".

ثم أمر نبيه  بالصبر ونهاه عن الضجر في أمر التبليغ كحال يونس  وقد تقدم مراراً.

قال بعض العلماء: معنى قوله ﴿ كصاحب الحوت ﴾ أنه كان في ذلك الوقت مكظوماً أي مملوءاً من الغيظ فكأنه قيل: لا تكن مكظوماً أولا يوجد منك ما وجد منه من الضجر والمغاضبة.

وقال جمع من المفسرين: أن الآية نزلت بأحد حين حل بالمؤمنين ما حل فأراد أن يدعو على من انهزم.

وقيل: نزلت حين أراد أن يدعو على ثقيف والنعمة التي تداركت يونس أي التحقت به وسدت خلته هي النبوة أو عبادته السابقة، أو قوله في بطن الحوت " لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين "، وهذه النعمة التوبة بالحقيقة.

وقد اعتمد في جواب لولا على الحال أعني قوله ﴿ وهو مذوم ﴾ والمعنى أن حاله كانت على خلاف الصبر حين نبذ بالعراء أي الفضاء كما مر في "الصافات".

لولا تسبيحه لكانت حاله على الذم.

ويل: أراد لولا هذه النعمة لبقي في بطن الحوت إلى يوم القيامة، ثم نبذ بعراء القيامة أي بعرصتها مذموماً ﴿ فاجتباه ربّه ﴾ بقبول التوبة ﴿ فجعله من الصالحين ﴾ أي من الأنبياء عن ابن عباس: رد الله إليه الوحي وشفعه في نفسه وقومه.

ثم أخبر نبيه  عن حسد قومه وحرصهم على إيقاع المكروه به بعد أن صبره وشجعه فقال ﴿ وإن يكاد ﴾ هي مخففة من الثقيلة واللام دليل عليها.

زلقه وأزلقه بمعنى.

يقال زلق الرأس وأزلقه أي حلقه.

قال جار الله: يعني أنهم من شدة تخوفهم ونظرهم إليك سراً بعيون العداوة والبغضاء يكادون يزلون قدمك أو يهلكونك من قولهم " نظر إليّ نظرا يكاد يصرعني أو يكاد يأكلني " أي لو أمكنه بنظره الصرع أو الأكل لفعله.

ثم بين بقوله ﴿ لما سمعوا الذكر ﴾ أن هذا النظر كان يشتد منهم في حال قراءة النبي  القرآن حسداً على ما أوتي من النبوة.

﴿ ويقولون إنه لمجنون ﴾ حيرة في أمره وتنفيراً عنه مع علمهم بأنه أعقلهم.

ثم قال  ﴿ وما هو ﴾ أي القرآن ﴿ إلا ذكر ﴾ وموعظة ﴿ للعالمين ﴾ وفيه استجهال أن يجنبن من جاء بمثله من الآداب والحكم وأصول كل العلوم والمعارف.

واعلم أن للعقلاء خلافاً في أن الإصابة بالعين هل لها في الجملة حقيقة أم لا؟

وبتقدير كونها حقيقة فهل الآية مفسر بها أم لا؟

أما المقام الأول فقد شرحناه في أول " البقرة " في قوله ﴿ واتبعوا ما تتلوا الشياطين  ﴾ وفي يوسف في قوله ﴿ يا بني لا تدخلوا من باب واحد  ﴾ والذي نقوله ههنا: فمنهم من أنكر ذلك بناء على أن تأثير الجسم في الجسم لا يعقل إلا بواسطة المماسة وهو ضعيف لأن النفوس والأمزجة لها تأثيرات خاصة.

ويروى أنه  قال " العين تدخل الرجل القبر والجمل القدر " وأما المقام الثاني فقد قال بعض المفسرين: كانت العين في بني أسد، وكان الرجل منهم يتجوع ويرتاض وثلاثة أيام فلا يمر به شيء فيقول فيه: لم أر كاليوم مثله إلا عانه.

فالتمس الكفار من بعض من كانت له هذه الصفة أن يقول في رسول الله  فقال: لم أر كاليوم رجلاً مثله.

فعصمه الله  .

طعن الجبائي في هذا التأويل وقال: الإصابة بالعين مقرونة باستحسان الشيء، والقوم كانوا يبغضون النبي  وأجيب بأنهم كانوا يبغضونه من حيث الدين إلا أنهم كانوا يستحسنون مصاحبته بإيراده الأعاجيب من الحجج والبيان وأنواع المعجزات.

وعن الحسن: دواء الإصابة بالعين أن تقرأ هذه الآية وبالله التوفيق.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَييِّكُمُ ٱلْمَفْتُونُ ﴾ .

قال جعفر بن حرب: ﴿ ٱلْمَفْتُونُ ﴾ في هذا الموضع هو المفتون بضلالته، المعجب بخطئه المشغوف بجهله.

وقال الحسن: ﴿ ٱلْمَفْتُونُ ﴾ هو الذي معه الشيطان.

وقيل: ﴿ ٱلْمَفْتُونُ ﴾ من به الفتنة كما يقال: فلان لا معقول له، أي: ليس له عقل.

وقيل: ﴿ ٱلْمَفْتُونُ ﴾ : المعذب؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ هُمْ عَلَى ٱلنَّارِ يُفْتَنُونَ  ﴾ أي: يعذبون؛ فكأنه يقول: ستعلمون أيكم المعذب؟

وأيكم الضال؟

إن حمل على ما ذكر الحسن، وأيكم المغتر إن كان معناه على ما ذكروا أن المفتون من الفتنة.

وجائز أن يكون نسبوه إلى الاغترار فيما كان يدعي من الرسالة، ويزعمون أنه مغتر بها، ويغر بها غيره كما قال المنافقون: ﴿ مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً  ﴾ ، فحق هذا عندنا ألا يتكلف تفسيره؛ لأنه قال: ﴿ فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَييِّكُمُ ٱلْمَفْتُونُ ﴾ ، فذكر هذا جوابا عما وقعت فيه الخصومة، فكانوا يزعمون أن رسول الله  هو المفتون، ورسول الله  يذكر أنهم هم المفتونون، فخرج هذا جوابا عن تلك الخصومة: أنهم وأنت ستبصرون، وقد وقعت الخصومات من أوجه: فمرة كانوا يدعون أنه ساحر، ومرة [كانوا] يدعون أنه مجنون، ومرة بأنه ضال، ومرة أنه مفتر وغيرها من الوجوه، فإذا ثبت أن الآية نزلت في حق الجواب فما لم يعلم بأن الخصومة فيم كانت، لم يعلم إلى ماذا يصرف الجواب، والله أعلم.

ويشبه أن تكون الخصومة الواقعة في الضلال والهدى، فكانوا يدعون أنهم على الهدى، وأنهم بالله أحق وإليه أقرب من رسول الله  ، ورسول الله  يدعي أنهم على الضلال، وأنه على دين الحق والهدى، يدل على ذلك ذكر الضلال والهدى بعد ذكر المفتون، وهو قوله: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ ﴾ .

ثم هذه الآيات كأنها نزلت جوابا من الله  عما كان يحق لمثله الجواب [عن رسول الله  ] ولكن الله  لما امتحن رسوله  بالعفو والإعراض عن المكافأة في الجواب، تولى الله  الجواب عنه بقوله -  - ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ ﴾ ، [أي: قد تعلمون أن ربكم أعلم] ﴿ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ ﴾ ، وسنبين لكم ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تُطِعِ ٱلْمُكَذِّبِينَ ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِماً أَوْ كَفُوراً  ﴾ ، ليس في قوله: ﴿ فَلاَ تُطِعِ ٱلْمُكَذِّبِينَ ﴾ أمر من الله  بأن يطيع المصدقين؛ لأن من صدقه وآمن به [لا يجوز له] أن يتقدم بين يديه فيأمره أو ينهاه عن أمر، ويدعوه إلى الطاعة، بل ينظر إلى أمر رسول الله  ونهيه؛ فيأتمر بأمره، ويطيعه فيما يدعوه إليه، وأما من كذبه، فقد يدعوه إلى طاعته؛ فخص ذكر المكذب عندما نهاه عن طاعته؛ لأن الدعاء إلى الطاعة لا يوجد من المصدق دون أن يتضمن قوله: ﴿ فَلاَ تُطِعِ ٱلْمُكَذِّبِينَ ﴾ أمرا بطاعة المصدق؛ وهو كقوله -  -: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ  ﴾ ، فليس فيه أنه إذا لم يخش الإملاق يسعه قتله، ولكنه خص تلك الحالة؛ لأن تلك الحالة هي التي كانت تحملهم على القتل، ولم يكونوا يقدمون على القتل عند الأمن من الإملاق، وفي هذا دلالة إبطال قول من قال بأن تخصيص الشيء بالذكر يدل على أن الحكم فيما غايره بخلافه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ٱلْمُكَذِّبِينَ ﴾ هم المكذبون بآيات الله  أو بوحدانيته أو برسله أو بالبعث.

ثم يجوز أن يكون هذا الأمر منهم في أول الأحوال؛ فكانوا يطمعون من رسول الله  الإجابة لهم فيما يدعونه إليه؛ إذ كانوا يرجون منه الموافقة لهم بما يبذلون له من المال؛ فيكون النهي راجعاً إلى ذلك [الوقت]، فأما بعدما ظهرت منه الصلابة في الدين والتشمير لأمر الله  فلا يحتمل أن يطيعهم أو يخاف منهم ذلك فينهى عنه.

وجائز أن يكون دعاؤهم رسول الله  ما ذكر من قوله: ﴿ وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ﴾ والمداهنة هي [الملاطفة والملاينة] في القول.

ثم رسول الله  كان يذكر آلهتهم بالسوء ويسفههم بعبادتهم إياها ويسفه أحلامهم ويجهلهم، وهم لم يكونوا يجدون في رسول الله  مطعنا؛ فكانوا ينسبونه إلى الكذب مرة وإلى الجنون ثانيا وإلى السحر ثالثا، وكانوا يتخذونه هزوا إذا رأوه، وكانوا يطعنون فيه من هذه الأوجه بإزاء ما كان رسول الله  يسفههم ويذكر آلهتهم بسوء، مع علمهم أنه ليس بكذاب ولا ساحر ولا كاهن؛ ألا ترى إلى قوله -  -: ﴿ قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ  ﴾ ، فأخبر -  - أنهم ليسوا يكذبونه لما وقفوا منه على الكذب، بل قد كانوا عرفوه بالأمانة والصدق، ولم يكونوا وقفوا منه على كذب قط، وإنما الذي حملهم على التكذيب واتخاذهم إياه هزوا ذكر آلهتهم بسوء، وكذلك قال: ﴿ وَإِذَا رَآكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَهَـٰذَا ٱلَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ  ﴾ ، فكانت معاملتهم هذه مجازاة لرسول الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ﴾ .

يخرج على هذا - إن شاء الله  -: هو أنك لو تركت ذكر آلهتهم بسوء، ولم تسفه أحلامهم؛ لامتنعوا هم أيضاً عما هم عليه من نسبتهم إياكم إلى الجنون والسحر والكذب وغير ذلك، ولكنه كان يذكرهم [بما يذكرهم] وهو في ذلك محق، وهم كانوا يذكرونه بما قالوا بالباطل والزور؛ فيكون قوله: ﴿ فَلاَ تُطِعِ ٱلْمُكَذِّبِينَ ﴾ فيما يدعونك إلى المداهنة، ثم هم لو داهنوا كانوا في مداهنتهم محقين، فإذا تركوا ذلك فقد تركوا الحق الذي كان عليهم، ورسول الله  لو داهنهم، لم يكن في مداهنتهم محقّاً؛ فلذلك نُهِي عن المداهنة.

وقال بعض [أهل التفسير]: ﴿ وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ﴾ ، أي: لو ترفض ما أنت عليه من الدين؛ فيرفضون ما هم عليه من الدين؛ وهذا لا يستقيم؛ لأنه إذا رفض ما هو عليه من الدين كفر، وهم لو تركوا ما هم عليه، صاروا مسلمين، [فيبقى بينهم الاختلاف] الذي لأجله دعوا إلى المداهنة وودوها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ ﴾ .

قيل: إن هذه الآيات نزلت في واحد يشار إليه، وهو الوليد بن المغيرة المخزومي، وفيما يشار إلى واحد لا يطلق فيه لفظة "كل" فيقال: ﴿ وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ ﴾ ، والحلاف المهين ليس إلا واحداً، ولكن معناه: ولا تطع هذا ولا كل من يوجد فيه هذه الصفة، ثم ذكر المرء بقوله: ﴿ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ * هَمَّازٍ مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ * مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ﴾ يخرج مخرج الهجاء والشتم في الشاهد؛ لأن ذكر المرء بما هو عليه من ارتكاب الفواحش والمساوى تهجينٌ [له] وشتم، وجل الله ورسوله [أن يقصدوا إلى شتم إنسان]، فالآية ليست في تثبيت فواحشه، وإنما هي في موضع التوبيخ والزجر عن اتباع مثله، وذلك أنه كان من رؤساء الكفرة، وممن بسطت عليه الدنيا؛ فكان القوم يتبعونه وينقادون له فيما يدعوهم إلى الصد عن سبيل الله، فذكر الله  فيه هذه الأشياء، وأظهرها للخلق؛ ليزهدهم عن اتباعه؛ إذ كل من كانت فيه هذه الأحوال، لم تسْخُ نفس عاقل باتباعه، ولا احتمل طبعه طاعة مثله؛ فلا يتمكن من صد الناس عن سبيل الله  ، فكان في ذكره بالعيوب التي هي فيه زجر الناس عن طاعته؛ فذكرها لإثبات هذا الوجه، لا أن يكون فائدتها تحصيل الشتم والهجاء؛ وكذلك ذكر أبا لهب بالتب والخسار وما هو عليه من الفواحش؛ ليزجر الناس عن اتباعه.

وفي هذه الآيات دلالة نبوة محمد  من الوجه الذي نذكره في سورة "تبت" إن شاء الله  .

ثم قيل: المهين من المهانة، ومن المهنة، ومن [الوهن، وهو الضعف].

ثم قوله: ﴿ هَمَّازٍ مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ * مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ﴾ جائز أن يكون استوجب المهانة؛ لكونه همازا مشاء بالنميم وبمنعه الخير واعتدائه؛ فيكون هذا كله تفسير ﴿ مَّهِينٍ ﴾ ، فإن كان هكذا فقوله: ﴿ مَّهِينٍ ﴾ من المهانة هاهنا.

ثم لا يجوز أن يكون رسول الله  يخشى عليه طاعة من هذا وصفه، وأن يميل قلبه إليه، ولكن النهي لمكان غيره وإن كان هو المشار إليه بالذكر.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ ﴾ تمام الكلام، ويكون قوله: ﴿ هَمَّازٍ مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ ﴾ على الابتداء؛ فكأنه يقول: لا تطع كل حلاف مهين، وكل هماز مشاء بنميم، وكل معتد أثيم، وكل عتل زنيم.

وتفسير الهمز يذكر في [تفسير] سورة الهُمَزَة، إن شاء الله  .

والمشاء بالنميم: هو الذي يسعى في الفرقة بين الإخوان، ويقوم فيما بينهم بالقطيعة.

والمناع للخير: قال بعضهم: إنه كان يمنع أهل الآفاق مَنْ كان بحضرته عن اتباع رسول الله  ، ويقول: إنه ضال مضل، فقيل: مناع للخير؛ لهذا.

ومنهم من ذكر: أنه كان يمنع ولده من الاختلاف إلى مجلس رسول الله  .

وجائز أن يكون منعه للخير هو امتناعه عن أداء [الحقوق التي لله]  الواجبة في ماله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مُعْتَدٍ ﴾ .

أي: معتد حدود الله  ، أو ظالم لنفسه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَثِيمٍ ﴾ .

الأثيم: هو المرتكب لما يأثم به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ ﴾ .

العتل: الفظ الغليظ، والشديد الظلوم.

وقيل: هو الفاحش اللئيم الضريبة.

وقال مجاهد: العتل: الشديد الأشر، أي: الخلق، وقد روي في الخبر عن النبي  أنه قال: "لا يدخل الجنة جواظ ولا جعظري [ولا العتل الزنيم، فقال رجل من المسلمين: يا رسول الله، وما الجواظ] والجعظري والعتل الزنيم؟

فقال رسول الله  : أما الجواظ فالذي جمع ومنع تدعوه لظى نزاعة للشوى، وأما الجعظري: فالفظ الغليظ؛ قال الله  : ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ﴾ ، وأما العتل الزنيم: هو الشديد الخلق، الرحيب الجوف المصحَّح، الأكول الشروب، الواجد للطعام والشراب، الظلوم للناس" ، وأما الزنيم: هو الدعي الملصق بالقوم الملحق في النسب.

واستدلوا على ذلك بقول الشاعر: زَنِيمٌ ليس يُعْرَفُ مَنْ أبوه؟

*** بَغِىُّ الأمِّ ذو حسب لئيم ويقول آخر: زَنِيمٌ تَداعاه الرجال زِيادَة *** كَمَا زِيدَ في عرْض الأدِيم الأكَارعُ ومنهم من قال: إنه كانت به زنمة في أصل أذنه يعرف بها.

ومنهم من يقول: الزنيم: هو العلم في الشر.

ولقائل أن يقول: إذا كان تأويل العتل ما ذكر في الخبر، ومعنى الزنيم: الدعيّ أو ما ذكر من العلامة، فكيف عير بهذه الأشياء، ولم يكن له في ذلك صنع، والمرء إنما يعير بما له فيه صنع لا بما لا صنع له فيه؟!

فيجاب عن هذا من وجهين: أحدهما: ما ذكرنا: أن ذكره بما فيه من العيوب ليس لمكان المذكور نفسه، ولكن لزجر الناس عن اتباعه؛ لأن من اشتمل على العيوب التي ذكرها، وكان مع ذلك عتلا زنيما، فأنفس الخلق تأبى عن اتباعه، ففائدة تعييره بما أنشئ عليها ما ذكرنا من الحكمة لا تعييره.

والثاني: أن ذكر أصله كناية عن سوء فعله؛ ليعلم أن خبث الأصل يدعو الإنسان إلى تعاطي الأفعال الذميمة، وصحة الأصل و [حسنه ونقاوته] يدعو صاحبه إلى محاسن الأخلاق وإلى الأفعال المرضية.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ ﴾ .

فيخبر أن من يتبعه، يتبعه لكثرة أمواله وبنيه؛ وذلك لأن كثرة المال للإنسان مِنْ أحد ما يستدعي قلوب الخلق إلى تعظيمه، فذكر ما فيه من العيوب والمساوى؛ لئلا يستميل قلوب الضعفة إلى نفسه بماله، فيقول: كيف تتبعونه وهو بهذا الوصف الذي وصفه الله  ؟!

ثم أخبر عن معاملته رسول الله  بقوله: ﴿ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ ، ثم قوله: ﴿ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ ، وإن كان عامّاً بظاهره، لكن لم يرد به العموم؛ لأن [قوله:] ﴿ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ  ﴾ ليس في كل الآيات، وإنما هو في الآيات التي هي في حق الإخبار عن الأمم السالفة، وأما إذا تليت عليه الآيات التي فيها دلالة إثبات الرسالة ودلالة التوحيد ودلالة البعث، فقوله فيها ما قال في سورة المدثر: ﴿ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ  إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ قَوْلُ ٱلْبَشَرِ  ﴾ ، وهذا دليل على أنه لا يجب اعتقاد ظاهر العموم ما لم يعلم بيقين، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ سَنَسِمُهُ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ ﴾ .

قيل: شَيْناً لا يفارقه، فجائز أن يكون جعل هذا في الدنيا؛ لكي يعلمه ويذكره من رآه فيجتنب صحبته؛ فهو يصير شينا من هذا الوجه؛ فيخرج هذا مخرج العقوبة لشدة تعنته على رسول الله  وعظيم أذاه له.

وجائز أن يكون هذا في الآخرة، فيجعل الله  في أنفه علما يتبين به، ويمتاز من غيره يوم القيامة؛ زيادة له في العقوبة، كما جعل لآكلي الربا يوم القيامة علما يعرفون به، وذلك قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَٰواْ لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَانُ مِنَ ٱلْمَسِّ  ﴾ .

وجائز أن يكون: نسم خرطومه خصوصا له من بين الكفرة، فيحشره ولا أنف له؛ لأنه ذكر أن سائر الكفرة يحشرون يوم القيامة [عميا وبكما] وصما، ولم يذكر في أنوفهم شيئاً، فجائز أن [يكون] يحشر ولا أنف له، وذلك هو النهاية في القبح، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

غليظ جافٍ، دَعِي في قومه لصِيق.

<div class="verse-tafsir" id="91.PKQBY"

مزيد من التفاسير لسورة القلم

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.4 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 0 يوم
الله أكبر