الإسلام > القرآن > سور > سورة 68 القلم > الآية ٣٥ من سورة القلم
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 76 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣٥ من سورة القلم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم قال : ( أفنجعل المسلمين كالمجرمين ) ؟
أي : أفنساوي بين هؤلاء وهؤلاء في الجزاء ؟
كلا ورب الأرض والسماء ; ولهذا قال
وقوله: (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ) يقول تعالى ذكره: أفنجعل أيها الناس في كرامتي ونعمتي في الآخرة الذين خضعوا لي بالطاعة، وذلوا لي بالعبودية، وخشعوا لأمري ونهيي، كالمجرمين الذي اكتسبوا المآثم، وركبوا المعاصي، وخالفوا أمري ونهيي؟
كَلا ما الله بفاعل ذلك.
فقال : أفنجعل المسلمين كالمجرمين أي كالكفار .
وقال ابن عباس وغيره : قالت كفار مكة : إنا نعطى في الآخرة خيرا مما تعطون ; فنزلت أفنجعل المسلمين كالمجرمين .
وأن حكمته تعالى لا تقتضي أن يجعل المسلمين القانتين لربهم، المنقادين لأوامره، المتبعين لمراضيه كالمجرمين الذين أوضعوا في معاصيه، والكفر بآياته، ومعاندة رسله، ومحاربة أوليائه،
فقال المشركون : إنا نعطى في الآخرة أفضل مما تعطون فقال الله تكذيبا لهم : ( أفنجعل المسلمين كالمجرمين)
«أفنجعل المسلمين كالمجرمين» أي تابعين لهم في العطاء.
أفنجعل الخاضعين لله بالطاعة كالكافرين؟
ما لكم كيف حكمتم هذا الحكم الجائر، فساويتم بينهم في الثواب؟
والاستفهام فى قوله : ( أَفَنَجْعَلُ المسلمين كالمجرمين ) للنفى والإِنكار .
والفاء للعطف على مقدر يقتضيه الكلام .أى : أنحيف فى أحكامنا فنجعل الذين أخلصوا لنا العبادة .
كالذين أشركوا معنا آلهة أخرى؟
أو نجعل الذين أسلموا وجوههم لنا ، كالذين فسقوا عن أمرنا؟كلا ، لن نجعل هؤلاء كهؤلاء ، فإن عدالتنا تقتضى التفريق بينهم .قال الجمل : لما نزلت هذه الآية وهى قوله : ( إِنَّ لِّلْمُتَّقِينَ .
.
.
) قال كفار مكة للمسلمين إن الله فضلنا عليكم فى الدنيا ، فلابد وأن يفضلنا عليكم فى الآخرة ، فإذا لم يحصل التفضيل ، فلا أقل من المساواة فأجابهم الله - تعالى - بقوله : ( أَفَنَجْعَلُ المسلمين كالمجرمين ) .
ومعنى الكلام أن التسوية بين المطيع والعاصي غير جائزة، وفي الآية مسائل.
المسألة الأولى: قال القاضي: فيه دليل واضح على أن وصف الإنسان بأنه مسلم ومجرم كالمتنافي، فالفاسق لما كان مجرماً وجب أن لا يكون مسلماً والجواب: أنه تعالى أنكر جعل المسلم مثلاً للمجرم، ولا شك أنه ليس المراد إنكار المماثلة في جميع الأمور، فإنهما يتماثلان في الجوهرية والجسمية والحدوث والحيوانية، وغيرها من الأمور الكثيرة، بل المراد إنكار استوائهما في الإسلام والجرم، أو في آثار هذين الأمرين، أو المراد إنكار أن يكون أثر إسلام المسلم مساوياً لأثر جرم المجرم عند الله، وهذا مسلم لا نزاع فيه، فمن أين يدل على أن الشخص الواحد يمتنع أن يجتمع فيه كونه مسلماً ومجرماً؟.
المسألة الثانية: قال الجبائي: دلت الآية على أن المجرم لا يكون ألبتة في الجنة، لأنه تعالى أنكر حصول التسوية بينهما، ولو حصلا في الجنة، لحصلت التسوية بينهما في الثواب، بل لعله يكون ثواب المجرم أزيد من ثواب المسلم إذا كان المجرم أطول عمراً من المسلم، وكانت طاعاته غير محبطة الجواب: هذا ضعيف لأنا بينا أن الآية لا تمنع من حصول التسوية في شيء أصلاً بل تمنع من حصول التسوية في درجة الثواب، ولعلهما يستويان فيه بل يكون ثواب المسلم الذي لم يعص أكثر من ثواب من عصى، على أنا نقول: لم لا يجوز أن يكون المراد من المجرمين هم الكفار الذين حكى الله عنهم هذه الواقعة وذلك لأن حمل الجمع المحلى بالألف واللام على المعهود السابق مشهور في اللغة والعرف.
المسألة الثالثة: أن الله تعالى استنكر التسوية بين المسلمين والمجرمين في الثواب، فدل هذا على أنه يقبح عقلاً ما يحكى عن أهل السنة أنه يجوز أن يدخل الكفار في الجنة والمطيعين في النار والجواب: أنه تعالى استنكر ذلك بحكم الفضل والإحسان، لا أن ذلك بسبب أن أحداً يستحق عليه شيئاً.
واعلم أنه تعالى لما قال على سبيل الاستبعاد: ﴿ أَفَنَجْعَلُ المسلمين كالمجرمين ﴾ قرر هذا الاستبعاد بأن قال على طريقة الالتفات: ﴿ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ هذا الحكم المعوج ثم قال: <div class="verse-tafsir"
كان صناديد قريش يرون وفور حظهم من الدنيا وقلة حظوظ المسلمين منها، فإذا سمعوا بحديث الآخرة وما وعد الله المسلمين قالوا: إن صح أنا نبعث كما يزعم محمد ومن معه لم تكن حالهم وحالنا إلا مثل ما هي في الدنيا، وإلا لم يزيدوا علينا ولم يفضلونا، وأقصى أمرهم أن يساوونا، فقيل: أنحيف في الحكم فنجعل المسلمين كالكافرين.
ثم قيل لهم على طريقة الالتفات ﴿ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36) ﴾ هذا الحكم الأعوج؟
كأنّ أمر الجزاء مفوّض إليكم حتى تحكموا فيه بما شئتم ﴿ أَمْ لَكُمْ كتاب ﴾ من السماء ﴿ تَدْرُسُونَ ﴾ في ذلك الكتاب أنّ ما تختارونه وتشتهونه لكم، كقوله تعالى: ﴿ أَمْ لَكُمْ سلطان مُّبِينٌ (156) ﴾ فأتوا بكتابكم والأصل تدرسون أنّ لكم ما تخيرون، بفتح أنّ؛ لأنه مدروس؛ فلما جاءت اللام كسرت.
ويجوز أن تكون حكاية للدروس، كما هو، كقوله: ﴿ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الأخرين (78) سلام على نُوحٍ فِي العالمين (79) ﴾ [الصافات: 78- 79].
وتخير الشيء واختاره: أخذ خيره، ونحوه: تنخله وانتخله: إذا أخذ منخوله.
لفلان عليّ يمين بكذا: إذا ضمنته منه وحلفت له على الوفاء به، يعني: أم ضمنا منكم وأقسمنا لكم بأيمان مغلظة متناهية في التوكيد فإن قلت: بم يتعلق ﴿ إلى يَوْمِ القيامة ﴾ ؟
قلت: بالقدر في الظرف، أي: هي ثابتة لكم علينا إلى يوم القيامة لا تخرج عن عهدتها إلا يومئذٍ إذا حكمناكم وأعطيناكم ما تحكمون.
ويجوز أن يتعلق ببالغة، على أنها تبلغ ذلكم اليوم وتنتهي إليه وافرة لم تبطل منها يمين إلى أن يحصل المقسم عليه من التحكيم.
وقرأ الحسن ﴿ بالغة ﴾ بالنصب على الحال من الضمير في الظرف ﴿ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ ﴾ جواب القسم؛ لأنّ معنى ﴿ أَمْ لَكُمْ أيمان عَلَيْنَا ﴾ أم أقسمنا لكم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ أيْ في الآخِرَةِ، أوْ في جِوارِ القُدْسِ.
﴿ جَنّاتِ النَّعِيمِ ﴾ جَنّاتٍ لَيْسَ فِيها إلّا التَّنَعُّمُ الخالِصُ.
﴿ أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ ﴾ إنْكارٌ لِقَوْلِ الكَفَرَةِ، فَإنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: إنْ صَحَّ أنّا نُبْعَثُ كَما يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ ومَن مَعَهُ لَمْ يَفْضُلُونا بَلْ نَكُونُ أحْسَنَ حالًا مِنهم كَما نَحْنُ عَلَيْهِ في الدُّنْيا.
﴿ ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ التِفاتٌ فِيهِ تَعَجُّبٌ مِن حُكْمِهِمْ واسْتِبْعادٌ لَهُ، وإشْعارٌ بِأنَّهُ صادِرٌ مِنِ اخْتِلالِ فِكْرٍ واعْوِجاجِ رَأْيٍ.
<div class="verse-tafsir"
{أَفَنَجْعَلُ المسلمين كالمجرمين} استفهام إنكار على قولهم لو كان مايقول محمد حقاً فنحن نعطي في الآخرة خيراً مما يعطي هو ومن معه كم في الدنيا فقيل لهم نحيف في الحكم فنجعل المسلمين كالكافرين ثم قيل هم على طريقة الالتفات
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ ﴾ تَقْرِيرٌ لِما قَبْلَهُ مِن فَوْزِ المُتَّقِينَ ورَدٌّ لِما يَقُولُهُ الكَفَرَةُ عِنْدَ سَماعِهِمْ بِحَدِيثِ الآخِرَةِ وما وعَدَ اللَّهُ تَعالى إنْ صَحَّ أنّا نُبْعَثُ كَما يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ ومَن مَعَهُ لَمْ يَكُنْ حالُنا وحالُهم إلّا مِثْلَ ما هي في الدُّنْيا ( وإلّا ) لَمْ يَزِيدُوا عَلَيْنا ولَمْ يَفْضِلُونا، وأقْصى أمْرِهِمْ أنْ يُساوُونا والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والفاءُ لِلْعَطْفِ والعَطْفُ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقالُ أيْ فَيَحِيفُ في الحُكْمِ الحَكَمُ فَيَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالكافِرِينَ ثُمَّ قِيلَ لَهم بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ لِتَأْكِيدِ الرَّدِّ وتَشْدِيدِهِ ﴿ ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ تَعَجُّبًا مِن حُكْمِهِمْ واسْتِبْعادًا لَهُ وإيذانًا بِأنَّهُ لا يَصْدُرُ مِن عاقِلٍ إذْ مَعْنى ما ( لَكم ) أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَكم مِن خَلَلِ الفِكْرِ وفَسادِ الرَّأْيِ.
<div class="verse-tafsir"
فقال عز وجل: إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يعني: في الآخرة جَنَّاتِ النَّعِيمِ.
فلما ذكر الله تعالى نعيم الجنة، قال عتبة بن ربيعة: إن كان كما يقول محمد ، فإن لنا في الآخرة أكثر ما للمسلمين، لأن فضلنا وشرفنا أكثر، فنزل: أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ يعني: لا يكون حال المسلمين في الهوان والذل كالمشركين.
مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ يعني: وَيْحَكم كيف تقضون بالجَوْر؟
أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ؟
يعني: ألكم كتاب تقرؤون فيه؟
إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ يعني: في الكتاب مما تتمنون.
أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ؟
يعني: ألكم عهد عندنا وثيق؟
إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ.
يعني: في يوم القيامة.
إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ يعني: ما تقضون لأنفسكم في الآخرة؟.
قوله تعالى: سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ يعني: أيهم كفيل لهم بذلك؟
ثم قال: أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ؟
يعني: شهداء يشهدون أن الذي قالوا لهم حق.
فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إِنْ كانُوا صادِقِينَ يعني: يشهدون أن لهم في الآخرة ما للمسلمين، فهذا كله لفظ الاستفهام، والمراد به الزجر واليأس، يعني: ليس لهم ذلك.
قوله تعالى: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ يعني: اذكر ذلك اليوم.
ويقال: معناه إن الثواب والعقاب.
الذي ذكر، في يوم يكشف عن ساق.
قال ابن عباس: يعني: يظهر قيام الساعة.
وروى سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن ابن عباس قال: عَنْ ساقٍ يعني: عن أمر عظيم، وقال مجاهد: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ عن بلاء عظيم، وقال قتادة: يكشف الأمر عن شدة الأمر.
وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ قال الفقيه: حدثنا الخليل بن أحمد حدثنا ابن منيع: حدثنا هدبة حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن عمارة القرشي، عن أبي بردة بن أبي موسى قال: حدثنا أبي قال: سمعت رسول الله يقول: «إذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ مُثِّلَ لِكُلِّ قَوْمٍ ما كانوا يعبدون في الدُّنْيَا، فَذَهَبَ كُلُّ قَوْمٍ إلَى مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ فِي الدُّنْيَا، وَيَبْقَى أَهْلُ التَّوْحِيدِ فِيُقَالُ لَهُمْ: كِيْفَ بَقِيْتُمْ، وَقَدْ ذَهَبَ النَّاسُ؟
فَيَقُولُونَ: إنَّ لَنَا رَبّاً كُنّا نَعْبُدُهُ فِي الدُّنْيَا وَلَمْ نَرَهُ قَالَ أَوَ تَعْرِفُونَهُ إِذَا رَأَيْتُمُوهُ؟
فَيَقُولُونَ: نَعَمْ.
فَيُقَالُ لَهُمْ: وَكَيْفَ تَعْرِفُونَه وَلَمْ تَرَوْهُ؟
قَالُوا: لا شَبَهَ لَهُ.
فَيُكْشفُ لَهُمُ الحِجَابُ، فَيَنْظُرُونَ إلَى الله تَعَالَى، فَيَخرُّونَ لَهُ سُجّداً، وَيَبْقَى أقْوَامٌ ظُهُورُهُمْ مِثْلَ صِيَاصِي البَقَرِ، فَيُرِيدُونَ السُّجُودَ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ.
فَيَقُولُ الله تَعَالَى عِبَادِي ارْفَعُوا رُؤُوسَكُمْ، قَدْ جَعَلْتُ بَدَلَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْكُمْ رَجُلاً مِنَ اليَهُودِ والنَّصَارَى فِي النَّارِ» .
قال أبو بردة: فحدثت بهذا الحديث عمر بن عبد العزيز، فقال: والله الذي لا إله إلا هو، أحدثك أبوك بهذا الحديث؟
فحلفت له ثلاثة أيمان، فقال عمر: ما سمعت في أهل التوحيد حديثاً هو أحب إلي من هذا الحديث.
وقال القتبي: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ هذا من الاستعارة، فسمى الشدة ساقاً، لأن الرجل إذا وقع في الشدة، شمَّر عن ساقه، فاستعيرت في موضع الشدة.
ويقال: يكشف ما كان خفياً.
ويقال: يبدؤون عن أمر شديد، وهو عذاب عظيم يوم القيامة.
ثم قال عز وجل: خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ يعني: ذليلة أبصارهم، تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ يعني: تغشاهم وتعلوهم كآبة وكشوف وسواد وذلك أن المسلمين، إذا رفعوا رؤوسهم من السجود، صارت وجوههم بيضاء كالثلج.
فلما نظر اليهود والنصارى والمنافقون، وهم عجزوا عن السجود، حزنوا واغتموا فسودت وجوههم.
ثم بَيَّنَ المعنى الذي عجزهم عن السجود، فقال: وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ يعني: يدعون إلى السجود في الدنيا وهم أصحاء معافون، فلم يسجدوا.
<div class="verse-tafsir"
وقوله: عَلى حَرْدٍ يَحْتَمِلُ أنْ يريدَ عَلى مَنْعٍ، من قولهم: حَارَدَتِ الإبِلُ إذا قَلَّتْ ألبانُها فمنَعتْهَا، وحَارَدَتِ السنةُ إذا كَانَتْ شَهْبَاء لاَ غَلَّةَ لها، ويحتملُ أن يريدَ بالحَرْدِ الغَضَبَ، يقال حَرَدَ الرجلُ حَرْداً إذَا غَضِبَ، قال البخاريّ قَالَ قتادة: عَلى حَرْدٍ [أي:
على جدٍّ] «١» في أنفسهم، انتهى «٢» .
وقوله تعالى: قادِرِينَ يحتملُ أن يكون من القُدْرَةِ، أي: قادرون في زعمهِم ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن التَّقْدِيرِ الذي هو تَضْيِيقٌ، كأنّهم قَدْ قَدَرُوا عَلَى المسَاكِينِ، أي ضَيَّقُوا عليهم، فَلَمَّا رَأَوْها أي: مُحْتَرِقَةً قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ طريقَ جَنَّتِنَا فَلَما تَحقَّقُوها/ عَلِمُوا أَنها قَدْ أصيبتْ فقالوا: بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ أي: قَدْ حُرِمْنَا غَلَّتَها وبَرَكَتها، فقال لهم أعدلهُم قَوْلاً وعَقْلاً وخُلُقاً وهو الأوسَط أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ قِيلَ هي عبارةٌ عَنْ تعظيمِ اللَّهِ والعَمَلِ بطاعتهِ سبحانَه، فَبادَرَ القَوْمُ عَنْدَ ذَلِكَ وَتَابُوا وسبَّحُوا، واعترفُوا بظلمِهم في اعتقادهم مَنْعَ الفقراءِ، ولاَمَ بعضُهم بَعْضاً واعترفوا بأنهم طَغَوا، أي: تَعَدَّوْا مَا يَلْزَم مِنْ مُوَاسَاةِ المساكينِ، ثم انصرفوا إلى رَجَاءِ اللَّه سبحانَه وانتظارِ الفَضْلِ من لَدُنْهُ في أن يُبْدِلَهُمْ، بِسَبَبِ تَوْبَتِهم، وإنابتِهم خَيْراً من تلك الجنة، قال الثعلبي: قال ابن مسعود: بلغني أن القومَ لما أخلصوا وعلم الله صدقهم أبدلهم الله- عز وجل- بها جنةً يقال لها الحَيَوَانُ، فيها عِنَبٌ يَحْمِلُ البغلُ العنقُودَ منها «٣» ، وعن أبي خالد اليماني أَنه رأَى تلكَ الجنةَ ورَأَى كُلَّ عُنْقُودٍ منها كالرَّجُلِ الأسْوَدِ القائِم، انتهى،، وقدرةُ اللَّه أعْظَمُ فلا يُسْتَغْرَبُ هذا إنْ صَحّ سنده.
وقوله سبحانه: كَذلِكَ الْعَذابُ أي: كَفِعْلِنَا بأهْلِ الجنةِ نَفْعَلُ بِمَنْ تعدَّى حدودَنا.
وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ أي: أعْظَم مما أصَابَهُمْ، إنْ لَمْ يتوبوا في الدنيا.
ثم أخْبَر تعالى ب إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ فَرُوِيَ أنه لما نزلت هذه الآيةُ قَالَتْ قريشٌ: إنْ كَانَ ثَمَّ جَنَّاتِ نعيمٍ فَلَنَا فِيها أكْبَرُ الحَظِّ، فنزلتْ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ الآية تَوْبِيخاً لهم.
أَمْ لَكُمْ كِتابٌ مُنَزَّلٌ من عندِ اللَّهِ تَدْرُسُونَ فيه أنَّ لَكُمْ مَا تَخْتَارُونَ مِنَ النعيمِ، ف إِنَّ معمولة ل تَدْرُسُونَ وكُسِرَتِ الهمزَةُ مِنْ إِنَّ لدخولِ اللامِ في الخبرِ، وهي في معنى (أن) - بفتح الألِف- وقرىء شاذاً «١» : «أنَّ لَكُمْ» بالفتح، وقرأ الأعرج «٢» : «أنّ/ لَكُمْ فِيهِ» على الاستفهام، ثم خَاطَب تعالى الكفارَ بقولهِ: أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ كأنه يقُولُ هل أقْسَمْنَا لكم قَسَماً فهو عَهْدٌ لكم بأنَّا نُنَعِّمُكُمْ في يومِ القيامة، وما بعدَه، وقرأ الأعرج «٣» : «آن لكم لما تحكمون» على الاستفهامِ، أيضاً.
سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ أي: ضَامِنٌ ت: قال الهروي: وقوله: أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ أي مُؤكَّدَة، انتهى.
وقوله تعالى: فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ قيل: هو استدعاءٌ وتوقيفٌ في الدنيا، أي:
لِيُحْضِرُوهُم حَتَّى يُرَى هلْ هُمْ بحالِ مَنْ يَضُرُّ وينفعُ أم لا؟
وقيلَ: هو استدعاءٌ وتوقيف على أن يأتوا بهم يومَ القيامةِ يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وقرأ ابن عباس «٤» : «تُكْشَفُ» - بضم التاء- على مَعْنَى: تُكْشَفُ القيامةُ والشدةُ والحالُ الحاضرة، وقرأ ابن عباس «٥» أيضاً:
«تَكْشِفُ» - بفتح التاء- على أنَّ القيامةَ هي الكاشِفَةُ، وهذه القراءة مفسِّرَة لقراءَةِ الجماعةِ، فما وَرَدَ في الحديثِ والآيةِ مِنْ كَشْفِ الساقِ فهو عبارة عَنْ شدةِ الهول.
وقوله- جلت عظمته-: وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ وفي الحديثِ الصحيحِ: «فَيَخِرُّونَ للَّهِ سُجّداً أجْمَعونَ ولا يبقى أحَدٌ كَانَ يسجدُ في الدنيا رياءً ولا سمعةً ولاَ نِفَاقاً إلا صَارَ ظهرُهُ طَبَقاً وَاحِداً كُلَّما أرَادَ أنْ يسجد خرّ على قفاه» «٦» ، الحديث، وفي
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا بَلَوْناهُمْ ﴾ يَعْنِي: أهْلَ مَكَّةَ، أيِ: ابْتَلَيْناهم بِالجُوعِ، والقَحْطِ ﴿ كَما بَلَوْنا أصْحابَ الجَنَّةِ ﴾ حِينَ هَلَكَتْ جَنَّتُهم.
وَهَذِهِ الإشارَةُ إلى قِصَّتِهِمْ ذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ أنَّ رَجُلًا كانَ بِناحِيَةِ اليَمَنِ لَهُ بُسْتانٌ، وكانَ مُؤْمِنًا.
وذَلِكَ بَعْدَ عِيسى بْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وكانَ يَأْخُذُ مِنهُ قَدْرَ قُوتِهِ، وكانَ يَتَصَدَّقُ بِالباقِي.
وقِيلَ: كانَ يَتْرُكُ لِلْمَساكِينِ ما تَعَدّاهُ المِنجَلُ، وما يَسْقُطُ مِن رُؤُوسِ النَّخْلِ، وما يَنْتَثِرُ عِنْدَ الدِّراسِ، فَكانَ يَجْتَمِعُ مِن هَذا شَيْءٌ كَثِيرٌ، فَماتَ الرَّجُلُ عَنْ ثَلاثِ بَنِينَ، فَقالُوا: واللَّهِ إنَّ المالَ لَقَلِيلٌ، وإنَّ العِيالَ لَكَثِيرٌ، وإنَّما كانَ أبُونا يَفْعَلُ هَذا إذْ كانَ المالُ كَثِيرًا، والعِيالُ قَلِيلًا، وأمّا الآنُ فَلا نَسْتَطِيعُ أنْ نَفْعَلَ هَذا.
فَعَزَمُوا عَلى حِرْمانِ المَساكِينِ، وتَحالَفُوا بَيْنَهم لَيَغْدُنَّ قَبْلَ خُرُوجِ النّاسِ، فَلْيَصْرِمُنَّ نَخْلَهُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ أقْسَمُوا ﴾ أيْ: حَلَفُوا ﴿ لَيَصْرِمُنَّها ﴾ أيْ: لَيَقْطَعُنَّ نَخْلَهم ﴿ مُصْبِحِينَ ﴾ أيْ: في أوَّلِ الصَّباحِ.
وقَدْ بَقِيَتْ مِنَ اللَّيْلِ ظُلْمَةٌ لِئَلّا يَبْقى لِلْمَساكِينِ شَيْءٌ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا يَسْتَثْنُونَ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: لا يَقُولُونَ: إنْ شاءَ اللَّهُ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.
والثّانِي: لا يَسْتَثْنُونَ حَقَّ المَساكِينِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ ﴿ فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ ﴾ أيْ: مِن أمْرِ رَبِّكَ.
قالَ الفَرّاءُ: الطّائِفُ لا يَكُونُ إلّا بِاللَّيْلِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْها نارًا بِاللَّيْلِ، فاحْتَرَقَتْ، فَصارَتْ سَوْداءَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأصْبَحَتْ كالصَّرِيمِ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: كالرَّمادِ الأسْوَدِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: كاللَّيْلِ المُسْوَدِّ، قالَهُ الفَرّاءُ.
وكَذَلِكَ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أصْبَحَتْ سَوْداءَ كاللَّيْلِ مُحْتَرِقَةً.
واللَّيْلُ: هو الصَّرِيمُ، والصُّبْحُ أيْضًا: صَرِيمٌ، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَنْصَرِمُ عَنْ صاحِبِهِ.
والثّالِثُ: أصْبَحَتْ وقَدْ ذَهَبَ ما فِيها مِنَ الثَّمَرِ، فَكَأنَّهُ قَدْ صُرِمَ، أيْ: قُطِعَ، وجُذَّ حَكاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ أيْضًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ ﴾ أيْ: نادى بَعْضُهم بَعْضًا لَمّا أصْبَحُوا "أنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ" يَعْنِي: الثِّمارَ والزُّرُوعَ والأعْنابَ ﴿ إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ ﴾ أيْ: قاطِعِينَ لِلنَّخْلِ، ﴿ فانْطَلَقُوا ﴾ أيْ: ذَهَبُوا إلى جَنَّتِهِمْ ﴿ وَهم يَتَخافَتُونَ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يَتَسارَرُونَ بِـ "أنْ لا يُدْخَلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ وغَدَوْا عَلى حَرْدٍ" فِيهِ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ.
أحَدُهُما: عَلى قُدْرَةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: عَلى فاقَةٍ، قالَهُ الحَسَنُ في رِوايَةٍ.
والثّالِثُ: عَلى جِدٍّ، قالَهُ الحَسَنُ في رِوايَةٍ، وقَتادَةُ، وأبُو العالِيَةِ، والفَرّاءُ، ومُقاتِلٌ.
والرّابِعُ: عَلى أمْرٍ مُجْمَعٍ قَدْ أسَّسُوهُ بَيْنَهُمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ.
والخامِسُ: أنَّ الحَرْدَ: اسْمُ الجَنَّةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والسّادِسُ: أنَّهُ الحَنَقُ والغَضَبُ عَلى المَساكِينِ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ، وسُفْيانُ.
وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ: أُسُودُ شَرًى لاقَتْ أُسُودَ خَفِيَّةٍ تَساقَوْا عَلى حَرْدٍ دِماءَ الأساوِدِ والسّابِعُ: أنَّهُ المَنعُ مَأْخُوذٌ مِن حارَدَتِ السَّنَةُ فَلَيْسَ فِيها مَطَرٌ، وحارَدَتِ النّاقَةُ فَلَيْسَ لَها لَبَنٌ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: والثّامِنُ: أنَّهُ القَصْدُ.
يُقالُ: حَرَدْتُ حَرْدَكَ، أيْ: قَصَدْتُ قَصْدَكَ، حَكاهُ الفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
وأنْشَدُوا: قَدْ جاءَ سَيْلٌ كانَ مِن أمْرِ اللَّهِ ∗∗∗ يَحْرُدُ حَرْدَ الجَنَّةِ المُغِلَّهْ أيْ: يَقْصِدُ قَصْدَها.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وفِيها لُغَتانِ: حَرَدٌ، وحَرْدٌ، كَما يُقالُ: الدَّرَكُ، والدَّرْكُ، وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قادِرِينَ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: قادِرِينَ عَلى جَنَّتِهِمْ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: قادِرِينَ عَلى المَساكِينِ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.
والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: مَنَعُوا وهم قادِرُونَ، أيْ: واجِدُونَ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
قالُوا: ﴿ فَلَمّا رَأوْها ﴾ مُحْتَرِقَةً ﴿ قالُوا إنّا لَضالُّونَ ﴾ أيْ: قَدْ ضَلَلْنا طَرِيقَ جَنَّتِنا، فَلَيْسَتْ هَذِهِ.
ثُمَّ عَلِمُوا أنَّها عُقُوبَةٌ، فَقالُوا: ﴿ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ﴾ أيْ: حُرِمْنا ثَمَرَ جَنَّتِنا بِمَنعِنا المِسْكِينَ ﴿ قالَ أوْسَطُهُمْ ﴾ أيْ: أعْدَلُهُمْ، وأفْضَلُهم ﴿ لَوْلا ﴾ أيْ: هَلّا ﴿ تُسَبِّحُونَ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: هَلّا تَسْتَثْنُونَ عِنْدَ قَوْلِكُمْ: ﴿ لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ ﴾ قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ والجُمْهُورُ.
والمَعْنى: هَلّا قُلْتُمْ: إنْ شاءَ اللَّهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: وإنَّما قِيلَ لِلِاسْتِثْناءِ: تَسْبِيحٌ، لِأنَّ التَّسْبِيحَ في اللُّغَةِ: تَنْزِيهُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَنِ السُّوءِ.
والِاسْتِثْناءُ تَعْظِيمٌ لِلَّهِ، وإقْرارٌ بِأنَّهُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَفْعَلَ فِعْلًا إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ اسْتِثْناؤُهم قَوْلَ: "سُبْحانَ اللَّهِ "قالَهُ أبُو صالِحٍ.
والثّالِثُ: هَلّا تُسَبِّحُونَ اللَّهَ وتَشْكُرُونَهُ عَلى ما أعْطاكُمْ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا ﴾ فَنَزَّهُوهُ أنْ يَكُونَ ظالِمًا فِيما صَنَعَ، وأقَرُّوا عَلى أنْفُسِهِمْ بِالظُّلْمِ فَقالُوا: ﴿ إنّا كُنّا ظالِمِينَ ﴾ بِمَنعِنا المَساكِينَ "فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ" أيْ: يَلُومُ بَعْضُهم بَعْضًا في مَنعِ المَساكِينِ حُقُوقَهم.
يَقُولُ هَذا لِهَذا: أنْتَ أشَرْتَ عَلَيْنا، ويَقُولُ الآخَرُ: أنْتَ فَعَلْتَ، ثُمَّ نادَوْا عَلى أنْفُسِهِمْ بِالوَيْلِ، فَقالُوا: ﴿ يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ ﴾ حِينَ لَمْ نَصْنَعْ ما صَنَعَ آباؤُنا، ثُمَّ رَجَعُوا إلى اللَّهِ تَعالى فَسَألُوهُ أنْ يُبَدِّلَهم خَيْرًا مِنها، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ عَسى رَبُّنا أنْ يُبْدِلَنا خَيْرًا مِنها ﴾ .
وقَرَأ قَوْمٌ: "يُبْدِلَنا" بِالتَّخْفِيفِ، وهُما لُغَتانِ.
وفَرَّقَ قَوْمٌ بَيْنَهُما، فَقالُوا: التَّبْدِيلُ: تَغْيِيرُ حالِ الشَّيْءِ وصِفَتِهِ والعَيْنُ باقِيَةٌ.
والإبْدالُ: إزالَةُ الشَّيْءِ ووَضْعُ غَيْرِهِ مَكانَهُ.
ونُقِلَ أنَّ القَوْمَ أخْلَصُوا، فَبَدَّلَهُمُ اللَّهُ جَنَّةً العُنْقُودُ مِنها وِقْرُ بَغْلٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ العَذابُ ﴾ ما فَعَلْنا بِهِمْ نَفْعَلُ بِمَن تَعَدّى حُدُودَنا.
وها هُنا انْتَهَتْ قِصَّةُ أهْلِ الجَنَّةِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَلَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ يَعْنِي: المُشْرِكِينَ.
ثُمَّ ذَكَرَ ما لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَهُ بِما بَعْدَ هَذا فَقالَ المُشْرِكُونَ: إنّا لَنُعْطى في الآخِرَةِ أفْضَلَ مِمّا تُعْطَوْنَ، فَقالَ تَعالى مُكَذِّبًا لَهم ﴿ أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هَذِهِ ألِفُ الِاسْتِفْهامِ مَجازُها ها هُنا مَجازُ التَّوْبِيخِ، والتَّقْرِيرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ أيْ: كَيْفَ تَقْضُونَ بِالجَوْرِ ﴿ أمْ لَكم كِتابٌ ﴾ أُنْزِلَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴿ فِيهِ ﴾ هَذا ﴿ تَدْرُسُونَ ﴾ أيْ: تَقْرَؤُونَ ما فِيهِ ﴿ إنَّ لَكُمْ ﴾ في ذَلِكَ الكِتابِ ﴿ لَما تَخَيَّرُونَ ﴾ أيْ: ما تَخْتارُونَ وتَشْتَهُونَ.
وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وأبُو عِمْرانَ: أنَّ لَكم بِفَتْحِ الهَمْزَةِ.
وهَذا تَقْرِيعٌ لَهُمْ، وتَوْبِيخٌ عَلى ما يَتَمَنَّوْنَ مِنَ الباطِلِ "سَلْهم أيُّهم بِذَلِكَ زَعِيمٌ" ﴿ أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ ﴾ أيْ: ألَكم عُهُودٌ عَلى اللَّهِ تَعالى حَلَفَ لَكم عَلى ما تَدَّعُونَ بِأيْمانٍ بالِغَةٍ، أيْ: مُؤَكَّدَةٍ.
وكُلُّ شَيْءٍ مُتَناهٍ في الجَوْدَةِ والصِّحَّةِ فَهو بالِغٌ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: بالِغَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، أيْ: تَبْلُغُ تِلْكَ الأيْمانُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ في لُزُومِها وتَوْكِيدِها "إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ" لِأنْفُسِكم بِهِ مِنَ الخَيْرِ والكَرامَةِ عِنْدَ اللَّهُ تَعالى.
قالَ الفَرّاءُ: والقُرّاءُ عَلى رَفْعِ بالِغَة إلّا الحَسَنَ فَإنَّهُ نَصَبَها عَلى مَذْهَبِ المَصْدَرِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حَقًّا ﴾ .
ومَعْنى الآيَةِ: هَلْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ بِأنَّ لَكم ما تَحْكُمُونَ؟!
.
فَلَمّا كانَتِ اللّامُ في جَوابِ "إنَّ" كَسَرَتْها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَلْهم أيُّهم بِذَلِكَ زَعِيمٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ الكَفِيلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ.
والمَعْنى: أيَهُمُّ كَفَلَ بِأنَّ لَهم في الآخِرَةِ ما لِلْمُسْلِمِينَ مِنَ الخَيْرِ.
والثّانِي: أنَّهُ الرَّسُولُ، قالَهُ الحَسَنُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ لَهم شُرَكاءُ ﴾ يَعْنِي: الأصْنامَ الَّتِي جَعَلُوها شُرَكاءَ لِلَّهِ تَعالى، والمَعْنى: ألَهُمَ أرْبابٌ يَفْعَلُونَ بِهِمْ هَذا الَّذِي زَعَمُوا.
وقِيلَ: يَشْهَدُونَ لَهم بِصِدْقِ ما ادَّعَوْا "فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إنْ كانُوا صادِقِينَ" في أنَّها شُرَكاءُ اللَّهِ.
وإنَّما أُضِيفَ الشُّرَكاءُ إلَيْهِمْ لِادِّعائِهِمْ أنَّهم شُرَكاءُ اللَّهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ ﴾ ﴿ قالُوا يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ ﴾ ﴿ عَسى رَبُّنا أنْ يُبْدِلَنا خَيْرًا مِنها إنّا إلى رَبُّنا راغِبُونَ ﴾ ﴿ كَذَلِكَ العَذابُ ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ إنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتِ النَعِيمِ ﴾ ﴿ أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ ﴾ ﴿ ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ ﴿ أمْ لَكم كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ ﴾ ﴿ إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ ﴾ "يَتَلاوَمُونَ" مَعْناهُ: يَجْعَلُ كُلُّ واحِدٍ اللَوْمَ في حَيِّزِ صاحِبِهِ ويُبَرِّئُ نَفْسَهُ، ثُمَّ أجْمَعُوا عَلى أنَّهم طَغَوْا، أيْ تَعُدُّوا ما يَلْزَمُ مِن مُواساةِ المَساكِينِ ثُمَّ انْصَرَفُوا إلى رَجاءِ اللهِ تَعالى وانْتِظارِ الفَرَجِ مِن لَدُنْهُ في أنْ يُبَدِّلَهم بِسَبَبِ تَوْبَتِهِمْ خَيْرًا مِن تِلْكَ الجَنَّةِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ "يُبْدِلَنا" بِسُكُونِ الباءِ وتَخْفِيفِ الدالِّ، وكَذَلِكَ قَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشُ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو بِالتَثْقِيلِ وفَتْحِ الباءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "كَذَلِكَ العَذابُ" ابْتِداءُ مُخاطَبَةِ لِلنَّبِيِّ في أمْرِ قُرَيْشٍ، والإشارَةُ بـ "ذَلِكَ" إلى العَذابِ الَّذِي نَزَلَ بِالجَنَّةِ أيْ: كذَلِكَ العَذابُ هو العَذابُ الَّذِي يَنْزِلُ بِقُرَيْشٍ بَغْتَةً، ثُمَّ عَذابُ الآخِرَةِ أشُدُّ عَلَيْهِمْ مِن عَذابِ الدُنْيا، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: العَذابُ النازِلُ بِقُرَيْشٍ المُماثِلُ لِأمْرِ الجَنَّةِ هو الجَدْبُ الَّذِي أصابَهم سَبْعَ سِنِينَ حَتّى رَأوُا الدُخانَ وأكَلُوا الجُلُودَ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى: أنّ المُتَّقِينَ لَهم عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتِ النَعِيمِ، فَرُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَتْ قُرَيْشٌ: إنْ كانَتْ ثُمَّ جَنّاتُ نَعِيمٍ فَلَنا فِيها أكْبَرُ الحَظِّ، فَنَزَلَتْ: ﴿ أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ ﴾ ، وهَذا عَلى جِهَةِ التَوْقِيفِ والتَوْبِيخِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما لَكُمْ ﴾ تَوْبِيخٌ آخَرُ، ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، جُمْلَةٌ مُنْحازَةٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ جُمْلَةٌ مُنْحازَةٌ كَذَلِكَ، و"كَيْفَ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بـ "تَحْكُمُونَ".
وقَوْلُهُ تَعالى: "أمْ" هي المَقَدَّرَةُ بِـ "بَلْ وألِفِ الِاسْتِفْهامِ"، و"كِتابٌ" مَعْناهُ: مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ ﴾ ، قالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: هو اسْتِئْنافُ قَوْلٍ عَلى مَعْنى: إنْ كانَ لَكم كِتابٌ فَلَكم فِيهِ مُتَخَيِّرٌ، وقالَ آخَرُونَ: "إنَّ" مَعْمُولَةٌ لـِ "تَدْرُسُونَ"، أيْ: في الكِتابِ: إنَّ لَكم ما تَخْتارُونَ مِنَ النَعِيمِ، وكُسِرَتِ الألِفُ مِن "إنَّ" لِدُخُولِ اللامِ في الخَبَرِ، وهي في مَعْنى: "أنْ" بِفَتْحِ الألِفِ، وقَرَأ طَلْحَةُ، والضَحّاكُ: "أنَّ لَكُمْ" بِفَتْحِ الألِفِ، وقَرَأ الأعْرَجُ: "أئِنَّ لَكُمْ" عَلى الِاسْتِفْهامِ.
<div class="verse-tafsir"
فاء التفريع تقتضي أن هذا الكلام متفرع على ما قبله من استحقاق المتقين جنات النعيم، ومقابلته بتهديد المشركين بعذاب الدّنيا والآخرة، ولكن ذلك غير مصرح فيه بما يناسب أن يتفرع عليه هذا الإنكار والتوبيخ فتعيَّن تقدير إنكار من المعرض بهم ليتوجه إليهم هذا الاستفهام المفرع، وهو ما أشرنا إليه آنفاً من توقع أو وقوعَ سؤال.
والاستفهام وما بعده من التوبيخ، والتخطئة، والتهكم على إدلالهم الكاذب، مؤذن بأن ما أنكر عليهم ووبخوا عليه وسُفهوا على اعتقاده كان حديثاً قد جرى في نواديهم أو استسخروا به على المسلمين في معرض جحود أن يكون بَعث، وفرضهم أنه على تقدير وقوع البعث والجزاء لا يكون للمسلمين مزية وفضل عند وقوعه.
وعن مقاتل لما نزلت آية ﴿ إن للمتقين عند ربّهم جنات النعيم ﴾ [القلم: 34] قالت قريش: إن كان ثمة جنة نعيم فلنا فيها مثل حظنا وحظهم في الدّنيا، وعن ابن عباس أنهم قالوا: إنا نعطى يومئذٍ خيراً مما تُعطون فنزل قوله: ﴿ أفنجعل المسلمين كالمجرمين ﴾ الآية.
والهمزة للاستفهام الإِنكاري، فرع إنكار التساوي بين المسلمين والكافرين على ما سبق من اختلاف جزاء الفريقين فالإِنكار متسلط على ما دار بين المشركين من القول عند نزول الآية السابقة أو عند نزول ما سبقها من آي القرآن التي قابلت بين جزاء المؤمنين وجزاء المشركين كما يقتضيه صريحاً قوله: ﴿ ما لكم كيف تحكمون ﴾ إلى قوله: ﴿ إن لكم لما تحكمون ﴾ [القلم: 39].
وإنكار جعل الفريقين متشابهين كناية عن إعطاء المسلمين جزاء الخير في الآخرة وحرمان المشركين منه، لأن نفي التساوي وارد في معنى التضاد في الخير والشر في القرآن وكلام العرب قال تعالى: ﴿ أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون ﴾ [السجدة: 18]، وقال: ﴿ لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة ﴾ [الحشر: 20]، وقال: ﴿ أم نجعل الذين ءامنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار ﴾ [ص: 28] وقال السموأل أو الحارثي: سَلي إن جَهِلْتتِ الناسَ عنّا وعنهمُ *** فليس سواءً عالم وجهول وإذا انتفى أن يكون للمشركين حظ في جزاء الخير انتفى ما قالوه من أنهم أفضل حظاً في الآخرة من المسلمين كما هو حالهم في الدّنيا بطريق فحوى الخطاب.
وقوله: ﴿ أفنجعل المسلمين كالمجرمين ﴾ كلام موجه إلى المشركين وهم المقصود ب ﴿ المجرمين، ﴾ عُبر عنهم بطريق الإِظهار دون ضمير الخطاب لما في وصف ﴿ المجرمين ﴾ من المقابلة ليكون في الوصفين إيماء إلى سبب نفي المماثلة بين الفريقين.
فلذلك لم يكن ضمير الخطاب في قوله: ﴿ ما لكم كيف تحكمون ﴾ التفاتاً عن ضمائر الغيبة من قوله: ﴿ ودُّوا لو تدهن فيدهنون ﴾ [القلم: 9] وقوله ﴿ إنا بلوناهم ﴾ [القلم: 17].
وإنما تغير الضمير إلى ضمير الخطاب تبعاً لتغير توجيه الكلام، لأن شرط الالتفات أن يتغير الضمير في سياق واحد.
و ﴿ ما لكم ﴾ استفهام إنكاري لحالة حكمهم، ف ﴿ ما لكم ﴾ مبتدأ وخبر وقد تقدم في قوله تعالى: ﴿ قالوا وما لنا أن لا نقاتل في سبيل الله ﴾ في سورة البقرة (246).
وكيف تحكمون } استفهام إنكاري ثان في موضع الحال من ضمير ﴿ لكم، ﴾ أي انتفى أن يكون لكم شيء في حال حكمكم، أي فإن ثبت لهم كان منكراً باعتبار حالة حكمهم.
والمعنى: لا تحكمون أنكم مساوون للمسلمين في جزاء الآخرة أو مفضلون عليهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ ﴾ والبالِغَةُ المُؤَكَّدَةُ بِاللَّهِ.
﴿ إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ أنَّنا لا نُعَذِّبُكم في الدُّنْيا إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
﴿ سَلْهم أيُّهم بِذَلِكَ زَعِيمٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الزَّعِيمَ الكَفِيلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّهُ الرَّسُولُ، قالَهُ الحَسَنُ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّهُ القَيِّمُ بِالأمْرِ لِتَقَدُّمِهِ ورِئاسَتِهِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن مردويه عن أبي عثمان النهدي قال: قال مروان بن الحكم لما بايع الناس ليزيد سنة أبي بكر وعمر، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: إنها ليست بسنة أبي بكر وعمر، ولكنها سنة هرقل، فقال مروان: هذا الذي أنزلت فيه ﴿ والذي قال لوالديه أفٍّ لكما ﴾ قال: فسمعت ذلك عائشة، فقالت: إنها لم تنزل في عبد الرحمن، ولكن نزلت في أبيك ﴿ ولا تطع كل حلاف مهين همّاز مشاء بنميم ﴾ .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﴿ ولا تطع كل حلاف ﴾ الآية قال: يعني الأسود بن عبد يغوث.
وأخرج عبد بن حميد عن عامر الشعبي ﴿ ولا تطع كل حلاف ﴾ الآية قال: هو رجل من ثقيف يقال له: الأخنس بن شريق.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الحسن في قوله: ﴿ ولا تطع كل حلاف مهين ﴾ يقول: مكثار في الحلف ﴿ مهين ﴾ يقول: ضعيف.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ﴿ ولا تطع كل حلاف مهين ﴾ قال: ضعيف القلب ﴿ عتل ﴾ قال: شديد الأسر ﴿ زنيم ﴾ قال: ملحق في النسب زعم ابن عباس.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ﴿ ولا تطع كل حلاف مهين ﴾ قال: المهين المكثار في الشر ﴿ هماز ﴾ قال: يأكل لحوم الناس ﴿ مناع للخير ﴾ قال: فلا يعطي خيراً ﴿ معتد ﴾ قال: معتد في قوله: متعمد في عمله ﴿ أثيم ﴾ بربه ﴿ عتل ﴾ هو الفاجر اللئيم الضريبة، وذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى يظهر الفحش والتفحش وسوء الجوار وقطيعة الرحم» .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي أمامة في قوله: ﴿ عتل بعد ذلك زنيم ﴾ قال: هو الفاحش اللئيم.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن الحسن وأبي العالية مثله.
وأخرج عبد بن حميد وابن عساكر عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿ زنيم ﴾ قال: هو الدعيّ أما سمعت قول الشاعر: زنيم تداعاه الرجال زيادة ** كما زيد في عرض الأديم أكارعه وأخرج ابن الأنباري في الوقف والابتداء عن عكرمة أنه سئل عن الزنيم قال: هو ولد الزنا، وتمثل بقول الشاعر: زنيم ليس يعرف من أبوه ** بغيّ الأم ذو حسب لئيم وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: العتل الزنيم رجل ضخم شديد كانت له زنمة زائدة في يده، وكانت علامته.
وأخرج عبد بن حميد عن شهر بن حوشب قال: العتل الصحيح الأكول الشروب، والزنيم الفاجر.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في قوله: ﴿ عتل بعد ذلك زنيم ﴾ قال: يعرف الكافر من المؤمن مثل الشاة الزنماء، والزنماء التي في حلقها كالمتعلقتين في حلق الشاة.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: الزنيم يعرف بهذا الوصف كما تعرف الشاة الزنماء من التي لا زنمة لها.
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن المسيب في قوله: ﴿ عتل بعد ذلك زنيم ﴾ قال: هو الملزق في القوم ليس منهم.
وأخرج عبد بن حميد عن شهر بن حوشب عن ابن عباس قال: ستة لا يدخلون الجنة أبداً: العاق والمدمن والجعشل والجوّاظ والقتات والعتل الزنيم.
فقلت يا ابن عباس: أما اثنتان فقد علمت، فأخبرني بالأربع قال: أما الجعشل فالفظّ الغليظ وأما الجواظ فمن يجمع المال ويمنع، وأما القتات فمن يأكل لحوم الناس، وأما العتل الزنيم فمن يمشي بين الناس بالنميمة.
وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن شهر بن حوشب قال: حدثني عبد الرحمن بن غنم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل الجنة جواظ ولا جعظري ولا العتل الزنيم، فقال له رجل من المسلمين: ما الجوّاظ والجعظري والعتل الزنيم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما الجوّاظ فالذي جمع ومنع، تدعوه ﴿ لظى نزاعة للشوى ﴾ [ المعارج: 16] وأما الجعظري فالفظّ الغليظ، قال الله: ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظّاً غليظ القلب لانفضوا من حولك ﴾ [ آل عمران: 159] ، وأما العتل الزنيم فشديد الخلق رحيب الجوف مصحح شروب واجد للطعام والشراب ظلوم للناس» .
وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد عن عامر أنه سئل عن الزنيم قال: هو الرجل تكون له الزنمة من الشر يعرف بها، وهو رجل من ثقيف يقال له: الأخنس بن شريق.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن الأنباري في الوقف والابتداء عن ابن عباس قال: الزنيم الدعيّ الفاحش اللئيم الملزق، ثم أنشد قول الشاعر: زنيم تداعاه الرجال زيادة ** كما زيد في عرض اللئيم الأكارع وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ ولا تطع كل حلاف مهين ﴾ قال: نزلت في الأخنس بن شريق.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الكلبي مثله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ ولا تطع كل حلاف مهين ﴾ قال: هو الأسود بن عبد يغوث.
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم ﴾ فلم يعرف حتى نزل عليه بعد ذلك ﴿ زنيم ﴾ فعرفناه له زنمة كزنمة الشاة.
وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن مردويه عن حارثة بن وهب: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ألا أخبركم بأهل الجنة، كل ضعيف متضعف لو أقسم على الله لأبره، ألا أخبركم بأهل النار، كل عتل جوّاظ جعظري متكبر» .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذرعن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تبكي السماء من عبد أصح الله جسمه وأرحب جوفه وأعطاه من الدنيا، فكان للناس ظلوماً، فذلك العتل الزنيم» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن القاسم مولى معاوية وموسى بن عقبة قالا: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العتل الزنيم، قال: هو الفاحش اللئيم» .
وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه والديلمي عن أبي الدرداء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ بعد ذلك زنيم ﴾ قال: «العتل كل رحيب الجوف وثيق الخلق أكول شروب جموع للمال منوع له» .
وأخرج الحاكم وصححه وابن مروديه عن عبدالله بن عمر وأنه تلا ﴿ منّاع للخير ﴾ إلى ﴿ زنيم ﴾ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أهل النار كل جعظري جوّاظ مستكبر مناع، وأهل الجنة الضعفاء المغلوبون» .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: العتل هو الدعيّ، والزنيم هو المريب الذي يعرف بالشر.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر والخرائطي في مساوي الأخلاق والحاكم، وصححه عن ابن عباس في قوله: ﴿ عتل بعد ذلك زنيم ﴾ قال: هو الرجل يعرف بالشر كما تعرف الشاة بزنمتها.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: الزنيم هو الرجل يمر على القوم فيقولون رجل سوء.
وأخرج البخاري والنسائي وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم عن ابن عباس في قوله: ﴿ عتل بعد ذلك زنيم ﴾ قال: رجل من قريش كانت له زنمة زائدة مثل زنمة الشاة يعرف بها.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في الآية قال: نعت فلم يعرف حتى قيل ﴿ زنيم ﴾ وكانت له زنمة في عنقه يعرف بها.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: الزنيم الملحق النسب.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ زنيم ﴾ قال: ظلوم.
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ زنيم ﴾ قال: ولد الزنا.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم أما سمعت قول الشاعر: زنيم تداعته الرجال زيادة ** كما زيد في عرض الأديم الأكارع وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن علي بن أبي طالب قال: الزنيم هو الهجين الكافر.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ مهين ﴾ قال: الكذاب ﴿ هماز ﴾ يعني الاغتياب ﴿ عتل ﴾ قال: الشديد الفاتك ﴿ زنيم ﴾ الدعيّ وفي قوله: ﴿ سنسمه على الخرطوم ﴾ فقاتل يوم بدر فخطم بالسيف في القتال.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ سنسمه على الخرطوم ﴾ قال: سيما على أنفه لا تفارقه.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ سنسمه على الخرطوم ﴾ قال: سنسمه بسيما لا تفارقه آخر ما عليه.
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ أن كان ذا مال وبنين ﴾ بهمزتين يستفهم.
وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن عبدالله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من مات همازاً لمازاً ملقباً للناس كان علامته يوم القيامة أن يسمه الله على الخرطوم من كلا الشدقين» .
قوله: تعالى: ﴿ إنا بلوناهم ﴾ الآيات.
أخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة ﴾ قال: هؤلاء ناس قص الله عليكم حديثهم، وبيّن لكم أمرهم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن جريج أن أبا جهل قال يوم بدر: خذوهم أخذاً فاربطوهم في الجبال، ولا تقتلوا منهم أحداً فنزل ﴿ إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة ﴾ يقول: في قدرتهم عليهم كما اقتدر أصحاب الجنة على الجنة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ كما بلونا أصحاب الجنة ﴾ قال: كانوا من أهل الكتاب.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ كما بلونا أصحاب الجنة ﴾ قال: هم ناس من الحبشة كانت لأبيهم جنة، وكان يطعم منها السائلين، فمات أبوهم فقال بنوه: إن كان أبونا لأحمق يطعم المساكين، فأقسموا ليصرمنّها مصبحين وأن لا يطعموا مسكيناً.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة قال: كانت الجنة لشيخ من بني إسرائيل، وكان يمسك قوت سنته، ويتصدق بالفضل، وكان بنوه ينهونه عن الصدقة فلما مات أبوهم غدوا عليها فقالوا لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين ﴿ وغدوا على حرد قادرين ﴾ يقول: على جد من أمرهم.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ كما بلونا أصحاب الجنة ﴾ قال: هي أرض باليمن يقال لها ضر، وإن بينها وبين صنعاء ستة أميال.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي صالح في قوله: ﴿ ولا يستثنون ﴾ قال: كان استثناؤهم سبحان الله.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ فطاف عليها طائف من ربكْ ﴾ قال: هو أمر من الله.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ فطاف عليها طائف من ربك ﴾ قال: عذاب: عنق من النار خرجت من وادي جهنم.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون ﴾ قال: أتاها أمر الله ليلاً ﴿ فأصبحت كالصريم ﴾ قال: كالليل المظلم.
وأخرج عبد بن حميد عن قطر بن ميمون مثله.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إياكم والمعاصي إن العبد ليذنب الذنب فينسى به الباب من العلم، وإن العبد ليذنب الذنب فيحرم به قيام الليل، وإن العبد ليذنب الذنب فيحرم به رزقاً قد كان هيئ له، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون فأصبحت كالصريم ﴾ قد حرموا خير جنتهم بذنبهم» .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ كالصريم ﴾ قال: مثل الليل الأسود.
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ كالصريم ﴾ قال: الذهب.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم أما سمعت قول الشاعر: غدوت عليه غدوة فوجدته ** قعوداً لديه بالصريم عواذله وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: أن ﴿ اغدوا على حرثكم ﴾ قال: كان عنباً.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ وهم يتخافتون ﴾ قال: الإِسرار والكلام الخفي.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ وهم يتخافتون ﴾ قال: يسرون بينهم أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين ﴿ وغدوا على حرد قادرين ﴾ قال: غدا القوم وهم محردون إلى جنتهم قادرون عليها في أنفسهم.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ على حرد قادرين ﴾ يقول: ذو قدرة.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن مجاهد قال: ﴿ وغدوا على حرد قادرين ﴾ قال: غدوا على أمر قد قدروا عليه، وأجمعوا عليه في أنفسهم أن لا يدخل عليهم مسكين.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة في قوله: ﴿ وغدوا على حرد ﴾ قال: غيظ.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن في قوله: ﴿ وغدوا على حرد ﴾ يعني المساكين يجد.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ قالوا إنا لضالون ﴾ قال: أضللنا مكان جنتنا.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ إنا لضالون ﴾ قال: أخطأنا الطريق، ما هذه جنتنا، وفي قوله: ﴿ بل نحن محرومون ﴾ قال: بل حورفنا فحرمناها، وفي قوله: ﴿ قال أوسطهم ﴾ قال: أعدل القوم وأحسن القوم فزعاً وأحسنهم رجعة.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ بل نحن مرومون ﴾ قال: لما تبينوا وعرفوا معالم جنتهم قالوا ﴿ بل نحن محرومون ﴾ محارفون.
وأخرج ابن المنذر عن معمر قال: قلنا لقتادة أمن أهل الجنة هم أم من أهل النار؟
قال: لقد كلفتني تعباً.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ قال أوسطهم ﴾ قال: أعدلهم.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في قوله: ﴿ قال أوسطهم ﴾ يعني أعدلهم، وكل شيء في كتاب الله أوسط فهو أعدل.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ قال أوسطهم ﴾ قال: أعدلهم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السري في قوله: ﴿ ألم أقل لكم لولا تسبحون ﴾ قال: كان استثناؤهم في ذلك الزمان التسبيح.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ لولا تسبحون ﴾ قال: لولا تستثنون عند قولهم ليصرمنّها مصبحين ولا يستثنون عند ذلك وكان التسبيح استثناءهم كما نقول نحن إن شاء الله.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ كذلك العذاب ﴾ قال: عقوبة الدنيا ﴿ ولعذاب الآخرة ﴾ قال: عقوبة الآخرة وفي قوله: ﴿ سلهم أيهم بذلك زعيم ﴾ قال: أيهم كفيل بهذا الأمر.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ تدرسون ﴾ قال: تقرؤون، وفي قوله: ﴿ أيمان علينا بالغة ﴾ قال: عهد علينا.
<div class="verse-tafsir"
ثم أخبر بما عنده للمتقين فقال: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (34)﴾ قال مقاتل: لما نزلت هذه الآية قال كفار مكة للمسلمين: إنا نعطى في الآخرة أفضل مما تعطون.
فأنزل الله تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35)﴾ (١) ﴿ أَمْ لَكُمْ ﴾ بل ألكم ﴿ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ ﴾ تقرؤون ﴿ إِنَّ لَكُمْ ﴾ في ذلك الكتاب ﴿ لَمَا تَخَيَّرُونَ ﴾ تختارون وتشتهون.
أي: أعندكم كتاب من الله بهذا و ﴿ إِنَّ لَكُمْ ﴾ في موضع نصب بـ ﴿ تَدْرُسُونَ ﴾ وكسر إن لمكان اللام في (لَمَا) (٢) (١) انظر: "تفسير مقاتل" 163/ ب، و"التفسير الكبير" 30/ 91، و"غرائب القرآن" 29/ 21.
(٢) انظر "معاني القرآن" للفراء 3/ 176، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 489.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَفَنَجْعَلُ المسلمين كالمجرمين ﴾ الهمزة للإنكار أي كيف يُسوِّي الله بين المسلمين والمجرمين؟
بل يجازي كل أحد بعمله، والمراد بالمجرمين هنا الكفار ﴿ مَا لَكُمْ ﴾ توبيخ للكفار وما مبتدأ و ﴿ لَكُمْ ﴾ خبره، وتم الكلام هنا فينبغي أن يوقف عليه ﴿ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ توبيخ آخر، أي كيف تحكمون بأهوائكم وتقولون ما ليس لكم به علم؟
﴿ إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ ﴾ هذه الجملة معمول ﴿ تَدْرُسُونَ ﴾ ، وكان أصل إن الفتح وكسرت لأجل اللام التي في خبرها.
و ﴿ تَخَيَّرُونَ ﴾ معناه تختارون لأنفسكم، ومعنى الآية: هل لكم كتاب، من عند الله تدرسون فيه أن لكم ما تختارونه لأنفسكم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ن والقلم ﴾ مظهراً: يزيد وأبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وابن كثير ونافع وعاصم غير يحيى وحماد وغالب وهو الأصل للوقف.
ووجه الإخفاء نية الوصل ﴿ آن كان ﴾ بهمزتين: حمزة وأبو بكر وحماد ﴿ آن كان ﴾ بقلب الثانية ألفاً، ابن عامر ويزيد ويعقوب الباقون بهمزة واحدة ﴿ يبدلنا ﴾ بالتشديد: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ لما تخيرون ﴾ بتشديد التاء: البزي وابن فليح ﴿ ليزلقونك ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع الآخرون: بالضم من الإزلاق.
الوقوف: ﴿ يسطرون ﴾ ه ط لأن ما بعده جواب القسم ﴿ لمجنون ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح مستأنفاً وعطفاً على جواب القسم ﴿ ممنون ﴾ ه ج لذلك ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ ويبصرون ﴾ ج لأن ما بعد مفعول ﴿ المفتون ﴾ ه ﴿ سبيله ﴾ ط لاتفاق الجملتين ﴿ بالمهتدين ﴾ ه ﴿ المكذبين ﴾ ه ﴿ فيدهنون ﴾ ه ﴿ مهين ﴾ ه لا ﴿ بنميم ﴾ ه لا ﴿ أثيم ﴾ ه لا ﴿ زنيم ﴾ ه ط لمن قرأ ﴿ أن كان ﴾ مستفهماً ﴿ وبنين ﴾ ه ومن قرأ مقصوراً يقف على البنين دون ﴿ زنيم ﴾ ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ الخرطوم ﴾ ه ﴿ الجنة ﴾ ط لاحتمال أن يكون " إذ " ظرفاً ليكون وأن يكون مفعول " أذكر " محذوفاً ﴿ مصبحين ﴾ ه لا لتعلق أن المفسرة ﴿ صارمين ﴾ ه ﴿ يتخافتون ﴾ ه لا ﴿ مسكين ﴾ ه ﴿ قادرين ﴾ ه ﴿ الضالون ﴾ ه لا لعطف " بل " واتحاد المفعول ﴿ محرومون ﴾ ه ﴿ تسبحون ﴾ ه ﴿ ظالمين ﴾ ه ﴿ يتلاومون ﴾ ه ﴿ طاغين ﴾ ه ﴿ راغبون ﴾ ه ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ أكبر ﴾ م ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ النعيم ﴾ ه ﴿ كالمجرمين ﴾ ه ط ﴿ مالكم ﴾ ص وقفة لطيفة لاستفهام آخر ﴿ تحكمون ﴾ ه ج ﴿ تدرسون ﴾ ه ج لأن ما بعده مفعول ﴿ تدرسون ﴾ وإنما كسرت " أن " لدخول اللام في خبرها ﴿ تخيرون ﴾ ه لا لأن " أم " معادل الاستفهام أو بمعنى ألف الاستفهام ﴿ القيامة ﴾ لا لأن " أن " جواب الأيمان ﴿ تحكمون ﴾ ه ﴿ زعيم ﴾ ه لما مر في ﴿ تخيرون ﴾ ﴿ شركاء ﴾ ج للابتداء بأمر التعجيز مع الفاء ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ فلا يستطيعون ﴾ ه لا لأن ما بعده حال ﴿ ذلة ﴾ ط ﴿ سالمون ﴾ ه ﴿ بهذا الحديث ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ج للعطف ﴿ لهم ﴾ ط ﴿ متين ﴾ ه ﴿ مثقلون ﴾ ه ﴿ يكتبون ﴾ ه ﴿ الحوت ﴾ م بناء على أن " إذ " مفعول " اذكر ﴿ مكظوم ﴾ ه ط ﴿ مذموم ﴾ ه ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ لمجنون ﴾ ه لئلا يوهم أن ما بعده مقول الكفار ﴿ للعالمين ﴾ ه.
التفسير: الأقوال المشتركة في فواتح نحو هذه السورة مذكورة.
أما المخصوصة بالمقام فعن ابن عباس ومجاهد ومقاتل والسدى أن النون السمكة أقسم بالحوت الذي على ظهره الأرض وهو في بحر تحت الأرض السفلى، أو بالحوت الذي احتبس يونس في بطنه، أو بالحوت بالذي لطخ سهم نمرود بدمه، اقوال.
عن ابن عباس في رواية الضحاك والحسن وقتادة أن النون هو الدواة.
قال: إذا ما الشوق برّح بي إليهم *** ألقت النون بالدمع السجوم فيكون قسماً بالدواة والقلم العظيم النفع فيهما فإن التفاهم يحصل بالكتابة كما يحصل بالعبارة.
وعن بعض الثقات أن أصحاب السجر يستخرجون من بعض الحيتان شيئاً أسود كالنقس أو أشد سواداً منه يكتبون منه فيكون النون.
وهو الحوت عبارة عن الدواة، ويعضده ما روي ان النبي قال "أول شيء خلقه الله القلم ثم خلق النون وهو الدواة ثم قال اكتب ما هو كائن من عمل أو أثر أو رزق أو أجل فكتب ما هو كائن وما كان إلى يوم القيامة ثم ختم على القلم فلم ينطق إلى يوم القيامة" وعن معاوية بن قرة مرفوعاً أن النون لوح من نور تكتب الملائكة فيه يأمرهم الله به.
وقيل: نهر في الجنة.
اعترض النحويون على هذه الأقوال كلها أن اللفظ إن كان جنساً لزم الجر والتنوين وكذا إن كان علماً منصرفاً، وإن كان علماً غير منصرف لزم الفتح بتقدير حرف القسم، وقيل: النون آخر حرف من حروف الرحمن فإنه يجتمع من الروحم ون هذا الإسم الخاص.
أما القلم فالأكثرون على أنه جنس أقسم الله بكل قلم يكتب به في السماء وفي الأرض وقال آخرون: هو القلم المعهود الذي جاء في الخبر أن " أول ما خلق الله القلم " والجوهرة التي وردت في الحديث " أول ما خلق الله جوهرة فنظر إليها بعين الهيبة فذابت وتسخنت فارتفع منها دخان وزبد فخلق من الدخان السماء ومن الزبد الأرض" كلها واحدة ولعلك قد وقفت على تحقيق هذه المعاني في هذا الكتاب.
و" ما " في قوله ﴿ وما يسطرون ﴾ موصولة أو مصدرية والضمير لكل من يسطر أو للحفظة.
وقيل: أراد أصحاب القلم فحذف المضاف قال الزجاج: " أنت " اسم " ما " والخبر ﴿ بمجنون ﴾ وقوله ﴿ بنعمة ربك ﴾ كلام وقع في البين والمعنى انتفى عنك الجنون بواسطة إنعام ربك عليك، أو انتفى عنك الجنون متلبساً بنعمة الله كما لو قلت: أنت عاقل بحمد الله أي ثبت لك العقل حال كونك متلبساً بحمد الله، أو أثبته لك حال كون التباسي بالحمد.
وقال عطاء وابن عباس: يريد بنعمة ربك عليك بالإيمان والنبوة وسائر الأخلاق الفاضلة.
وفيه إشارة إلى أن نعم الله كانت ظاهرة في حقه من الفصاحة وكمال العقل والاتصاف بكل ملكة وإذا كانت هذه النعمة ظاهرة فوجودها ينافي حصول الجنون وكلام العدى ضرب من الهذيان.
﴿ وإن لك ﴾ على احتمال أعباء النبوة ومشاق تبليغ الرسالة ﴿ لأجراً غير ممنون ﴾ قال الأكثرون: أي غير مقطوع كقوله ﴿ عطاء غير مجذوذ ﴾ وعن مجاهد ومقاتل والكلبي أنه غير مكدر عليك بسبب المنة.
وقالت المعتزلة: في تقرير هذا الوجه أن له ممنا لأنه ثواب يستوجبه على عمله وليس بتفضل ابتداء، وضعف لأنه يلزم منه التكرار لأن الأجر عندهم شيء ينبىء عن كونه غير ممنون.
الحاصل أنه لا يمنعك نسبتهم إياك إلى الجنون عن الاشتغال بهذا الخطب الجسيم وهو دعاء الخلق إلى الدين القويم فإن لك بسببه ثواباً عظيماً.
﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ والخلق ملكة نفسانية يقدر معها على الإتيان بالفعل الجميل بمواتاة وسهولة، فإذا وصفه مع ذلك بالعظم وهو كونه على الوجه الأجمل والنهج الأفضل لم يكن خلق أحسن منه.
وفيه إشارة إلى أن نعم الله كانت ظاهرة نفي الجنون عنه ودلالة على تكذيب الحساد لأن المجنون لا خلق له يحمد أو عليه يعتمد، والنبي كان من حسن الخلق المتشابه بحيث كان مجمع أخلاق سائر الأنبياء وكان يوجد فيه ما كان متفرقاً فيهم، وإليه الإشارة بقوله ﴿ فبهداهم اقتده ﴾ أي اقتد بكل منهم فيما اختص به من الخلق الكريم وفي قوله ﴿ لعلى ﴾ إشارة إلى أنه مستول على أحسن الأخلاق الفاضلة لا يزعه عنها وازع.
قال سعيد بن هشام: قلت لعائشة: أخبريني عن خلق رسول الله قالت: كان خلقه القرآن.
وفي روياة: قرأت ﴿ قد أفلح المؤمنون ﴾ \[المؤمنون: 1\] وعن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: ما كان أحد أحسن خلقاً من رسول الله ما دعاه أحد من أصحابه ولا من أهل بيته إلا قال: لبيك، وقال أنس: خدمت رسول الله عشر سنين فما قال لي في شيء فعلته لمَ فعلته ولا في شيء لم أفعله هلا فعلت، ثم سلى نبيه وهدد أعداءه بقوله ﴿ فستبصر ﴾ يا محمد ما قدر لك من عز الدارين ﴿ ويبصرون ﴾ في الدنيا بالقتل والسبي كما في بدر أو في الآخرة.
قوله ﴿ بأيكم المفتون ﴾ قال الأخفش وأبو عبيدة وابن قتيبة: الباء صلة والمعنى أيكم المفتون وهو الذي فتن بالجنون.
وقال الفراء والمبرد والحسن والضحاك عن ابن عباس: المفتون مصدر بمعنى المجنون كالمعقول والمجلود.
وقيل: الباء بمعنى " في" وعل هذا يجوز أن يكون الفتون بمعنى المجنون أي في أي الفريقين من يستحق هذا الاسم أو في أيهما الشيطان لأن الشيطان مفتون في دينه.
وكانت العرب تزعم أنه من يخبله الجن فقال الله سيعلمون غداً بأيهم الشيطان الذي يحصل من مسه الجنون وإختلاط العقل، وفيه تعريض بأبي جهل بن هشام والوليد بن المغيرة وأضرابهما.
ثم أحال كيفية الحال إلى كمال علمه فقال ﴿ إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله ﴾ أي بمن جن ﴿ وهو أعلم بالمهتدين ﴾ وهم العقلاء.
والأظهر أن يراد الضلال في غوائلهم والاهتداء في الدين وفيه وعد ووعيد.
قال المفسرون: إن المشركين أرادوا من النبي أن يعبد الله مدة وآلهتهم مدة وهم يعبدون الله مدة وآلهتهم مدة فأنزل الله ﴿ فلا تطع المكذبين ﴾ وهو كالنتيجة لما تقدمه لأنه حين وعده أنصار العز والرفعة في الدارين وأوعد أعداءه بضد ذلك وكان علمه شاملاً بحال الفريقين وجزائهما لم يبق لطاعة الأعداء وجه.
ثم ذكر تمنيهم فقال ﴿ ودوا لو تدهن ﴾ تلين وتصانع ﴿ فيدهنون ﴾ أي فهم يدهنون حينئذ لأن النفاق يجر النفاق أي ودوا ادهانك فهم الآين يدهنون طمعاً في ادهانك.
قال المبرد: أدهن الرجل في دينه وداهن في أمره إذا خان فيه وأظهر خلاف ما يضمر.
ثم حض النبي قائلاً ﴿ ولا تطع كل حلاف مهين ﴾ لأن من أكثر الحلف بالله ولم يعرف قدر المعبود بالحق أذله الله.
وفيه إشارة إلى أن عزة النفس منوطة بتصحيح نسبة العبودية، ومهانة النفس مربوطة بالغفلة عن سر الربوبية.
وأيضاً الحلاف يتفق له الكذب كثيراً والكذب حقير عند الناس.
والهماز الذي يذكرالناس بالمكروه.
وعن الحسن: يلوي شدقيه في أقفية الناس.
﴿ مشاء بنميم ﴾ أي لأجل سعاية.
والنميم مصدر نم ينم ﴿ مناع للخير ﴾ أي للمال أو مناع أهل الخير وهو الإسلام فذكر الممنوع منه دون الممنوع فكأنه قال مناع من الخير ﴿ معتد ﴾ مجاوز في الظلم حده ﴿ أثيم ﴾ كثير الإثم ﴿ عتل ﴾ غليظ في الخلقة جاف في الخليقة.
الزنيم الدعي ومعنى ﴿ بعد ذلك ﴾ التبعيد في الرتبة أي مع الأوصاف المعدودة له هذا الوصف الذي هو أشنعها لأن الغالب أن النطفة إذا خبثت خبث جميع أخلاق الولد.
عن ابن عباس في رواية أنها نزلت في الوليد بن المغيرة المخزومي كان موسراً وله عشر بنين يقول لهم: من أسلم منكم منعته رفدي وفي رواية أخرى ليس من سنخهم ادعاه أبوه بعد ثمان عشرة من مولده ويقال: بغت أمه ولم يعرف حتى نزلت الآية.
وقوله ﴿ أن كان ﴾ بهمزة واحدة تقديره لأن كان أي لا تطع صاحب هذه المثالب لكثرة ماله وولده ومن قرأ بهمزتين فمعناه ألأن كان ﴿ ذا مال ﴾ كذب فمتعلق الجار مدلول.
قوله ﴿ إذا تتلى عليه آياتنا قال ﴾ وذلك أن قال لا يصلح أن يعمل فيه لأن ما بعد الشرط لا يعمل فيما قبله ولا قوله ﴿ يتلى ﴾ لأنه مضاف إليه.
عن مجاهد أنه الأسود بن عبد يغوث وعن السدى: الأخنس بن شريق أصله في ثقيف وعداده في زهرة.
وقيل: كان الوليد دعياً في قريش ﴿ سنسمه على الخرطوم ﴾ أي الأنف وفيه استخفاف به من جهة الوسم ومن جهة التعبير عن أنف الآدمي بالخرطوم الذي هو أنف الحيوانات المنكرة كالخنزير والفيل كما لو عبر عن شفاه الناس بالمشافر، وعن أيديهم وأرجلهم بالأظلاف والحوافر، ثم الأنف أكرم موضع من الوجه ولهذا قيل: الجمال في الأنف وله التقدم ولذلك جعلوه مكان العز والحمية واشتقوا منه الأنفة وقالوا: في الذليل " جدع أنفه ورغم أنفه " والوسم في الأنف إهانة فوق إهانة.
ومتى هذا الوسم؟
منهم من قال في الدنيا فعن ابن عباس خطم يوم بدر بالسيف فبقيت سمته على خرطومه.
وعن النضر بن شميل: الخرطوم الخمر أي سنسمه على شربها.
وسمي الخمر خرطوماً كما قيل لها السلافة وهو ما سلف عن عصير العنب، أو لأنها تطير في الخياشيم وتؤثر فيها.
ومنها من قال في الآخرة نعلمه فعبر عن سواد الوجه كله بسواد الخرطوم.
ومنهم من قال في الدارين أي سنشهره بهذه السمة وهي أنّه ﴿ حلاف ﴾ إلى ﴿ زنيم ﴾ فلا يخفى كما لا تخفى السمة علىالخرطوم.
ولا شك أن هذه الأوصاف الذميمة وتبعاتها بقيت في حق الوليد بن المغيرة في الدنيا والآخرة كالوسم على الأنف والوسم على الجبهة.
ثم بين أنه إنما أعطى رؤساء مكة الآلاء ليواظبوا على شكر نعم الله وإلا صب عليهم بدل الآلاء البلاء ومكان السراء والضراء.
وهذه صورة الابتلاء كما أنه كلف أصحاب الجنة ذات الثمار أن يشكروا ويعطوا الفقراء حقوقهم، يروى أن واحداً من ثقيف وكان مسلماً كان ملك ضيعة فيها نخل وزروع بقرب صنعاء، وكان يجعل منها نصيباً وافراً للفقراء، فلما مات ورثها منه بنوه ثم قالوا: عيالنا كثير والمال قليل فلو فعلنا ما كان يفعل أبونا ضاق علينا ﴿ ليصرمنها ﴾ أي ليقطعن ثمر نخيلها في وقت الصباح ﴿ ولا يستثنون ﴾ أي لا يقولون " إن شاء الله " وأصله من الثني وهو الرد كأن الحالف يرد انعقاد اليمين بالثنيا.
ولعلهم إنما لم يقولوا إن شاء الله لوثوقهم بالتمكن من صرامها.
هذا قول الأكثرين.
وزعم الآخرون أن المراد يصرمون كل ذلك ولا يستثنون للمساكين من جملته ذلك القدر الذي كان يدفع أبوهم إليهم ﴿ فطاف عليها ﴾ عذاب ﴿ طائف من ﴾ حكم ﴿ ربك ﴾ أو بعض من عذاب ربك، والطائف لا يكون إلا ليلاً.
قال الكلبي: أرسل الله عليها ناراً من السماء فاحترقت ﴿ وهم نائمون فأصبحت ﴾ الجنة ﴿ كالصريم ﴾ " فعيل " بمعنى " فاعل " أو معنى " مفعول " والأول قول من قال إنها لما احترقت صارت سوداء كالليل المظلم، أو سمي الليل صريما لأنه يصرم نور البصر فيقطعه أو لأنه يقطع بظلمته عن التصرف، وقيل: النهار يسمى أيضاً صريماً لأن كل واحد من الملوين ينصرم بالآخر فالصريم بمعنى الصارم.
ووجه التشبيه أنها يبست وذهبت خضرتها أو لم يبق منها شيء من قولهم " صرم الإناء " إذا أفرغه.
والثاني وهو الأولى قول من قال إنها لما احترقت كانت شبيهة بالمصرومة في هلاك الثمرة وإن كان أثر الاحتراق مغايراً لأثر الصرم.
وقال الحسن: أي صرم عنها الخير: وقيل: الصريم من الرمل قطعة ضخمة تنصرم عن سائر الرمال وجمعه للصرائم شبهت الجنة وهي محترقة لا ثمر فيها ولا خير بالرملة المنقطعة عن الرمال وهي ما لا تنبت شيئاً ينتفع به.
قال مقاتل: لما أصبحوا قال بعضهم لبعض ﴿ اغدوا على حرثكم ﴾ وعنوا بالحرث الزرع والثمار والأعناب ولذلك قالوا ﴿ صارمين ﴾ لأنهم أرادوا قطع الثمار من هذه الأشجار وضمن الغدو معنى الإقبال فلهذا عدي بعلى أي أقبلوا على حرثكم باكرين، أو عبر عن الغدو لأجل الصرم بالغدو عليه كما قال: غدا عليهم العدو ﴿ يتخافتون ﴾ يتسارون فيما بينهم والنهي عن الدخول للمسكين نهي لأصحاب الجنة عن تمكين المسكين منه كأنهم قالوا فيما بينهم لا تمكنوه من الدخول.
قوله ﴿ وغدوا على حرد ﴾ هو المنع ومنه حاردت السنة إذا منعت خيرها، وحاردت الإبل إذا منعت درها، أي قادرين على منع المساكين لا غير يعني أنهم عزموا على حرمان المساكين مع كونهم قادرين على نفعهم.
وغدوا بحال فقر وذهاب ثمر لا يقدرون فيها إلا على النكد والمنع.
وفيه أنهم طلبوا حرمان الفقراء فعورضوا بنقيض مقصودهم فتعجلوا الحرمان والمسكنة.
ويجوز أن تكون المحاردة للجنة أي غدوا حاصلين على منع الجنة خيرها لا على إصابة النفع منها.
ويجوز أن لا يكون قوله ﴿ على حرد ﴾ صلة ﴿ قادرين ﴾ ولكن الكل يعود إلى قوله ﴿ أن اغدوا على حرثكم ﴾ أي عاقبهم الله بأن حاردت جنتهم فلم يغدوا على حرث وإنما غدوا على حرج وقوله ﴿ قادرين ﴾ يكون من باب عكس الكلام للتهكم أي قادرين على ما عزموا عليه من الصرام وحرمان المساكين.
وقيل: الحرد بالتسكين والتحريك وهو الأكثر بمعنى الغضب أي لم يقدروا إلا على غضب بعضهم على بعض كقوله ﴿ يتلاومون ﴾ وقيل: الحرد القصد والسرعة قطا حراد أي سراع يعني وغدوا على حالة سرعة ونشاط قادرين عند أنفسهم على صرامها ومنع خيرها من المساكين.
وقيل: حرد علم للجنة بعينها والمعنى كما تقدم لأن قوله ﴿ إنا لضالون ﴾ يحتمل أن يراد الضلال عن الطريق كأنهم لما رأوا جنتهم محترقة سبق إلى ذهنهم أنها ليست هي وأنهم ضلوا الطريق، فلما تأملوا وعرفوا أنها هي قالوا ﴿ بل نحن محرومون ﴾ حرمنا خيرها لشؤم عزمنا على البخل ومنع المساكين.
ويحتمل أن يراد الضلال عن الدين لأن منع حق الله نوع من الضلال.
ومعنى بل أنهم اعتقدوا كونهم قادرين على الانتفاع به ومنع الغير منها فقالوا: بل الأمر انقلب علينا فصرنا نحن المحرومين.
﴿ قال أوسطهم ﴾ أي أعدلهم وخيرهم كما مر في قوله ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً ﴾ .
﴿ ألم أقل لكم لولا تسبحون ﴾ قال الأكثرون: معنى التسبيح ههان الاستثناء لأنه وبخهم بقوله ﴿ ولا يستثنون ﴾ والاستثناء نوع من التنزيه لأنه لو دخل في الوجود شيء على خلاف مشيئته كان نقصاً في كمال القدرة.
وعن الحسن: هو الصلاة كأنهم يتكاسلون فيها وإلا لنهتهم عن الفحشاء والمنكر.
وقال آخرون: إن أوسطهم كان يقول لهم عند عزمهم على منع حقوق الفقراء: لولا تذكرون الله وتتوبون إليه من هذه العزيمة الخبيثة.
لم يلتفتوا إلى قوله إلا بعد خراب الجنة قائلين ﴿ سبحان ربنا ﴾ عن أن يجري في ملكه شيء على خلاف مشيئته.
قالت المعتزلة: سبحان الله عن الظلم وعن كل قبيح ﴿ إنا كنا ظالمين ﴾ بمنع المعروف وترك الاستثناء.
ومعنى ﴿ يتلاومون ﴾ يلوم بعضهم بعضاً يقول واحد لغيره: أنت أشرت علينا بهذا الرأي ويقول الآخر: أنت خوفتنا بالفقر.
ويقول الثالث: أنت الذي رغبتني في جمع المال.
ثم قالوا جميعاً ﴿ يا ويلنا إنا كنا طاغين ﴾ اعترافاً بالذنب ثم قووا رجاءهم قائلين ﴿ عسى ربنا ﴾ الآية.
سئل قتادة عنهم أهم من أهل الجنة أم من أهل النار؟
فقال: لقد كلفتني تعباً كأنه توقف في المسألة.
وعن مجاهد: إن هذه كانت توبة منهم فأبدلوا خيراً منها.
وعن ابن مسعود: بلغني أنهم أخلصوا وعرف الله منهم الصدق فأبدلهم بها جنة يقال لها الحيوان فيها عنب يحمل البغل منه عنقوداً.
ثم هدد المكلفين بقوله ﴿ كذلك العذاب ﴾ أي مثل ذلك العذاب الذي بلونا به أهل مكة من القحط والقتل وبلونا أصحاب الجنة عذاب الدنيا ﴿ ولعذاب الآخرة ﴾ أشد وأعظم.
ثم مزج وعيد الأشقياء بوعد السعداء قائلاً ﴿ إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم ﴾ ليس فيها إلا النعيم الخالص لا يشوبه منغص كجنان الدنيا.
قال مقاتل: لما نزلت هذه الآية قال كفار مكة للمسلمين: إن الله فضلنا عليكم في الدنيا فنفى الله معتقدهم بقوله ﴿ أفنجعل المسلمين كالمجرمين ﴾ قال القاضي: فيه دليل واضح على أن وصفي المسلم والمجرم متنافيان فلا يكون الفاسق مسلماً.
وأجيب بأنه لم ينف المماثلة من كل الوجوه لتماثلهما في الجوهرية والجسمية وسائر الأوصاف التي لا تكاد تحصر، فإذن المراد نفي التسوية في أثري الإسلام والإجرام ولا نزاع في ذلك فإن أثر أحدهما وعد وأثر الآخر وعيد أو يكون ثواب المسلم غير المجرم أكثرمن ثواب المسلم المجرم على أن المجرم في الآية يحتمل أن يراد به الكافر الذي ضرب مثل أصحابه الجنة فيه وفي أمثاله نظير الآية ﴿ أم نجعل المتقين كالفجار ﴾ وقد مر في " ص ".
ثم قال لهم على طريقة الالتفات ﴿ ما لكم كيف تحكمون ﴾ هذا الحكم المعوج وتخير الشيء واختاره إذا أخذ خيره ﴿ أم لكم أيمان علينا ﴾ يقال لفلان علي يمين بكذا إذا ضمنته منه وحلفت له على الوفاء به.
ومعنى ﴿ بالغة ﴾ مؤكدة مغلظة وقوله ﴿ إلى يوم القيامة ﴾ يجوز أن يتعلق ببالغة أي هذه الإيمان في قوتها وكمالها بحيث تنتهي إلى يوم القيامة لم تبطل منها يمين على أن يحصل المقسوم عليه وهو قوله ﴿ إن لكم لما تحكمون ﴾ ثم قال لنبيه أو لكل من يستأهل الخطاب ﴿ سلهم أيهم بذلك ﴾ الحكم ﴿ زعيم ﴾ أي كفيل بالإستدلال على صحته ﴿ أم لهم ﴾ ناس ﴿ شركاء ﴾ في هذا القول.
والمراد من الآيات أنه ليس لهم دليل عقلي في إثبات مذهبهم ولا نقلي وهو كتاب يدرسون ولا عهد لهم به عند الله ولا زعيم لهم يقوم به ولا لهم من يوافقهم من العقلاء، فدل ذلك على أنه باطل من كل الوجوه.
قوله ﴿ يوم يكشف ﴾ قيل: منصوب بقوله ﴿ فليأتوا ﴾ أي إن كانوا صادقين في أنها شركاء فليأتوا بها يوم القيامة لتنفعهم وتشفع لهم.
وقيل: بإضمار " اذكر" وقيل: التقدير يوم يكشف ﴿ عن ساق ﴾ كان كيت وكيت.
احتجت المشبهة على أن لله ساقاً وأيدوه بما يروى عن ابن مسعود مرفوعاً أنه يتمثل الحق يوم القيامة ثم يقول: هل تعرفون ربكم؟
فيقولون: إذا عرفنا نفسه عرفناه فعند ذلك يكشف الرحمن عن ساقه، فأما المؤمنون فيخرون سجداً، وأما المنافقون فتكون ظهورهم كالطبق الواحد وذلك قوله ﴿ ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون ﴾ حال كونهم ﴿ خاشعة أبصارهم ﴾ يعني يلحقهم ذل بسبب أنهم لم يكونوا مواظبين على خدمة مولاهم في حال السلامة ووجود الأصلاب والمفاصل على هيآتها المؤدية للركوع والسجود.
وقال أهل السنة: الدليل الدال على أنه منزه عن الجسمية وعن كل صفات الحدوث وسمات الإمكان دل على أن الساق لم يرد بها الجارحة، فأولوه أنه عبارة عن شدة الأمر وعظم الخطب، وأصله في الروع والهزيمة وتشمير المخدرات عن سوقهن ومثله.
" وقامت الحرب بنا على ساق".
ومعناه يوم يشتد الأمر ويتفاقم ولا كشف ثمة ولا ساق كما تقول للأقطع الشحيح " يده مغلولة " ولا يد ثمة ولا غل وإنما هو مثل في البخل، وهكذا في الحديث ومعناه يشتد أمر الرحمن ويتفاقم هوله.
قال في الكشاف: ثم كان من حق الساق أن تعرف على ما ذهب إليه المشبه لأنها ساق مخصوصة معهودة عنده وهي ساق الرحمن.
وإنما جاءت منكرة في التمثيل للدلالة على أنه أمر فظيع هائل: قلت: الإنصاف أن هذا لا يرد على المشبه فإن له أن يقول إنما نكر الساق لأجل التعظيم أي ساق لا يكتنه كنة عظمتها كما يقول غيره.
وقال أبو سعيد الضرير: ساق الشيء أصله الذي به قوامه كساق الشجر وساق الإنسان، فمعنى الآية يوم تظهر حقائق الأشياء، وأصولها.
وقيل: يكشف عن ساق جهنم أو عن ساق العرش أو عن ساق ملك مهيب.
وقال أبو مسلم: هذا في الدنيا لأنه تعالى قال في وصف ذلك اليوم ﴿ ويدعون إلى السجود ﴾ ولا ريب أن يوم القيامة ليس فيه تعبد وتكليف فهو زمان العجز، أو آخر أيام دنياه فإنه في وقت النزع ترى الناس يدعون إلى الصلاة بالجماعة إذا حضرت أوقاتها وهؤلاء لا يستطيعون الصلاة لأنه الوقت الذي لا ينفع نفساً إيمانها.
والتحقيق أن الذي ذكره محتمل إلا أن في تعليله ضعفاً فإنا نوافقه أن يوم القيامة ليس وقت تعبد وتكليف.
ولكن لا مانع من الدعاء إلى السجود للتوبيخ والتفضيح على رؤس الأشهاد.
وقال الجبائي: لما خصص عدم الاستطاعة بالآخرة دل على أنهم كانوا يستطيعون فيبطل هذا قول من قال لا قدرة له على الإيمان، والجمع بين المتنافيين محال فالاستطاعة في الدنيا أيضاً غير حاصلة على قول الجبائي.
والجواب الصحيح عندي أن عدم الاستطاعة في الدنيا لمانع آخر وهو أنه لم يرد منهم الإيمان وعلم منهم الكفر وقدر لهم ذلك، وعدم الاستطاعة في الآخرة لمانع آخر له من السجود وهو لين المفاصل ومطاوعة الأعصاب وسلامة الفقر.
ثم خوفهم بنوع آخر قائلاً ﴿ فذرني ومن يكذب بهذا الحديث ﴾ وفيه تسلية للنبي كأنه قال: حسبي مجازياً لمن يكذب بالقرآن فلا تشغل قلبك بشأنه.
وقوله ﴿ سنستدرجهم ﴾ إلى قوله ﴿ مبين ﴾ قد مر في آخر " الأعراف".
وقوله ﴿ أم تسألهم ﴾ إلى ﴿ يكتبون ﴾ قد مر في " الطور".
ثم أمر نبيه بالصبر ونهاه عن الضجر في أمر التبليغ كحال يونس وقد تقدم مراراً.
قال بعض العلماء: معنى قوله ﴿ كصاحب الحوت ﴾ أنه كان في ذلك الوقت مكظوماً أي مملوءاً من الغيظ فكأنه قيل: لا تكن مكظوماً أولا يوجد منك ما وجد منه من الضجر والمغاضبة.
وقال جمع من المفسرين: أن الآية نزلت بأحد حين حل بالمؤمنين ما حل فأراد أن يدعو على من انهزم.
وقيل: نزلت حين أراد أن يدعو على ثقيف والنعمة التي تداركت يونس أي التحقت به وسدت خلته هي النبوة أو عبادته السابقة، أو قوله في بطن الحوت " لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين "، وهذه النعمة التوبة بالحقيقة.
وقد اعتمد في جواب لولا على الحال أعني قوله ﴿ وهو مذوم ﴾ والمعنى أن حاله كانت على خلاف الصبر حين نبذ بالعراء أي الفضاء كما مر في "الصافات".
لولا تسبيحه لكانت حاله على الذم.
ويل: أراد لولا هذه النعمة لبقي في بطن الحوت إلى يوم القيامة، ثم نبذ بعراء القيامة أي بعرصتها مذموماً ﴿ فاجتباه ربّه ﴾ بقبول التوبة ﴿ فجعله من الصالحين ﴾ أي من الأنبياء عن ابن عباس: رد الله إليه الوحي وشفعه في نفسه وقومه.
ثم أخبر نبيه عن حسد قومه وحرصهم على إيقاع المكروه به بعد أن صبره وشجعه فقال ﴿ وإن يكاد ﴾ هي مخففة من الثقيلة واللام دليل عليها.
زلقه وأزلقه بمعنى.
يقال زلق الرأس وأزلقه أي حلقه.
قال جار الله: يعني أنهم من شدة تخوفهم ونظرهم إليك سراً بعيون العداوة والبغضاء يكادون يزلون قدمك أو يهلكونك من قولهم " نظر إليّ نظرا يكاد يصرعني أو يكاد يأكلني " أي لو أمكنه بنظره الصرع أو الأكل لفعله.
ثم بين بقوله ﴿ لما سمعوا الذكر ﴾ أن هذا النظر كان يشتد منهم في حال قراءة النبي القرآن حسداً على ما أوتي من النبوة.
﴿ ويقولون إنه لمجنون ﴾ حيرة في أمره وتنفيراً عنه مع علمهم بأنه أعقلهم.
ثم قال ﴿ وما هو ﴾ أي القرآن ﴿ إلا ذكر ﴾ وموعظة ﴿ للعالمين ﴾ وفيه استجهال أن يجنبن من جاء بمثله من الآداب والحكم وأصول كل العلوم والمعارف.
واعلم أن للعقلاء خلافاً في أن الإصابة بالعين هل لها في الجملة حقيقة أم لا؟
وبتقدير كونها حقيقة فهل الآية مفسر بها أم لا؟
أما المقام الأول فقد شرحناه في أول " البقرة " في قوله ﴿ واتبعوا ما تتلوا الشياطين ﴾ وفي يوسف في قوله ﴿ يا بني لا تدخلوا من باب واحد ﴾ والذي نقوله ههنا: فمنهم من أنكر ذلك بناء على أن تأثير الجسم في الجسم لا يعقل إلا بواسطة المماسة وهو ضعيف لأن النفوس والأمزجة لها تأثيرات خاصة.
ويروى أنه قال " العين تدخل الرجل القبر والجمل القدر " وأما المقام الثاني فقد قال بعض المفسرين: كانت العين في بني أسد، وكان الرجل منهم يتجوع ويرتاض وثلاثة أيام فلا يمر به شيء فيقول فيه: لم أر كاليوم مثله إلا عانه.
فالتمس الكفار من بعض من كانت له هذه الصفة أن يقول في رسول الله فقال: لم أر كاليوم رجلاً مثله.
فعصمه الله .
طعن الجبائي في هذا التأويل وقال: الإصابة بالعين مقرونة باستحسان الشيء، والقوم كانوا يبغضون النبي وأجيب بأنهم كانوا يبغضونه من حيث الدين إلا أنهم كانوا يستحسنون مصاحبته بإيراده الأعاجيب من الحجج والبيان وأنواع المعجزات.
وعن الحسن: دواء الإصابة بالعين أن تقرأ هذه الآية وبالله التوفيق.
قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ لِّلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ ﴾ .
فيه ترغيب لمن لزم التقوى، وهو الإسلام.
وقوله: ﴿ أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ .
أي: أفنجعل من جعل كل شيء سوى الله لله سالماً لا يشرك فيه أحدا، كالذي أجرم فجعل في كل شيء سالمٍ لله شركاء في العبادة والتسمية.
أو بين الله أنه ولي المؤمنين وعدو المجرمين، فيقول: أفيزعم أعدائي أن أسوي بينهم وبين الأخيار، والجمع بينهم، لا يفعل ذلك؛ لأن فيه تضييع الحكمة؛ لأن الحكمة توجب التفرقة بين العدو والولي، وفي الجمع بينهما تضييعها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ .
في أن أجعل عدوي بمنزلة وليي أو وليي بمنزلة عدوي، أو أي شيء حملكم على حكمكم هذا ولم يأتكم بهذا الحكم كتاب ولا معقول يوجب ذلك، فكيف تطمعون ذلك.
أو كيف تحكمون بالجور على ربكم؛ لأن من الجور أن يجمع بين الولي [والعدو] في دار الكرامة.
ثم قوله: ﴿ أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ .
يستقيم أن يجعل هذا جوابا للفريقين: لمن ينكر البعث، ولمن يزعم أنه شريك أهل الإسلام في الدار الآخرة فيما يكرمون من النعيم.
فمن أنكر البعث، فالاحتجاج عليه بهذه الآية هو أن العقل يوجب التفرقة بين الولي وبين العدو [والكفور] والشكور، فأنتم إذا أنكرتم البعث، فقد زعمتم على [الله أنه] يجعل المسلمين كالمجرمين والكفور كالشكور والعدو كالولي، ومن فعل هذا فهو سفيه لا يصلح أن يكون حكيما، ففي إنكار البعث تحقيق السفه وإثبات الجور؛ لأن من الجور أن يجمع بين الولي وبين العدو في الجزاء.
ومن ادعى الوجه الآخر، وهو التسوية بين الفريقين؛ لما تساويا في منافع الدنيا ومضارها وفي لذاتها وشدائدها وبلياتها، فعلى ذلك يكون أمرهم في الآخرة.
فجوابهم في ذلك أن الدنيا هي دار يظهر فيها العدو من الولي والشكور من الكفور، والآخرة دار جزاء العداوة والولاية.
فجائز أن يقع فيما فيه ظهور الولاية والعداوة اتفاق، ولا يجوز وقوع الاتفاق فيما فيه الجزاء؛ لأن الجزاء لعداوة سبقت ولولاية سبقت، والحكمة توجب التفرقة بين الجزاءين؛ فلا يجوز أن يجعل المسلم فيه كالمجرم؛ لما فيه من تضييع الحكمة، وليس قبل المحنة معنى يوجب التفرقة بينهما في المحنة [فجاز أن يقع بينهما الاتفاق في ذلك، ولأنه لو كان يفرق بينهما في الدنيا، لكانت المحنة تخرج عن حدها، والدنيا هي دار المحنة]، وإنما قلنا: إن فيه إخراج المحنة عن حدها؛ لأن المحنة تكون على الرجاء والخوف، والرغبة والرهبة، فلو فرق بين [العدو والولي] في الدنيا؛ فوسع على الأولياء، وضيق على الأعداء لوقع اختيار وجه الولاية على الضرورة؛ لأن من علم أنه يضيق عليه إذا اختار وجه العداوة؛ ويتعجل عليه العذاب، ترك ذلك الوجه، ومال إلى الولاية؛ فيرتفع وجه المحنة؛ فلذلك جاز أن يجمع بين الولي والعدو في دار المحنة؛ ليبقى وجه المحنة بحاله، ولم يجز أن يجمع بينهما في الآخرة؛ لأنها دار جزاء، والعقل يوجب تفرقة جزائهما، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ ، في أحكم الحكماء بالسفه؛ حيث تزعمون أنه يجمع بين الولي والعدو في الجزاء، وذلك من أعلام السفه.
أو كيف تحكمون في أحكم الحاكمين وأعدل العادلين بالجور؛ إذ تزعمون أنه يجمع بين الفريقين في دار الكرامة، ومن الجور أن يجمع بينهما، وهم كانوا يقرون أن الله - - أحكم الحاكمين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ ﴾ .
فحاجهم أولاً بما توجبه الحكمة، وهو أنكم تعلمون أن الحكمة توجب التفرقة بينهما، فإن كنتم تدعون الجمع فيما بينهما بالحكمة، فأنتم تعلمون أن الحكمة توجب التفرقة بينهما، وإن كنتم تدعون ذلك من كتاب الله - - فأي كتاب من عند الله جاءكم فيوجب التسوية بينكم وبين الأولياء؟!
وأي رسول أخبركم أنكم تساوون الأولياء في نعيم الآخرة؟!.
ثم وجه المحاجة بالكتاب هو أن مشركي العرب لم يكونوا يؤمنون بالكتاب ولا بالرسل، ولو كانوا يؤمنون بهما، لكانوا يقدرون أن يقولوا: إن لنا كتاباً درسناه، فوجدنا فيه ما نذكر وندعي، ورسول قد أخبرنا بذلك، ولكنهم إذا كانوا لا يؤمنون بهما صار هذا الوجه الذي ذكره الله - - نفي حجة لازمة عليهم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ ﴾ .
أي: وفي ذلك الكتاب تجدون أن لكم فيه لما تخيرون.
وقوله: ﴿ أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ ﴾ .
وهذا أيضاً صلة الأول، أي: هل شهدتم الله أقسم لكم أنه هكذا كما تحكمون؛ وهذا كقوله : ﴿ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ ﴾ وقوله: ﴿ إِذْ وَصَّٰكُمُ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا ﴾ ، فأخذهم بالمقايسة أولاً؛ وهو كقوله : ﴿ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنْثَيَيْنِ ﴾ ، فلما لم يتهيأ لهم تثبيت ذلك بالقياس والمعقول، احتج عليهم بقوله: ﴿ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ وَصَّٰكُمُ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا ﴾ ، وقد عرفوا أنهم لم يشهدوا، وما ادعوه لا ثبات له إلا من الوجوه التي ذكرها، وإذا لم يثبتوا بشيء من ذلك تبين عندهم فساد دعواهم، فهذا أيضاً مثله، وهو أنه سألهم عن إيراد الحجة: إما من جهة الحكمة، أو من جهة الكتاب، أو من جهة الشهادة، فإذا لم يثبت لهم واحد من هذه الأوجه فبأي وجه يشهدون على الله أنه يفعل ذلك.
وقوله: ﴿ بَالِغَةٌ ﴾ أي: وكيدة، أو بلغت إليكم عن الله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ زَعِيمٌ ﴾ .
يقول [: فإن هم تعنتوا] مع هذا كله في أن يدوموا على دعواهم من غير حجة تشهد لهم، فسلهم - أي: اطلبهم - بالزعيم، أي: من يكفل لهم أن الأمر كما يزعمون.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ إِن كَانُواْ صَادِقِينَ ﴾ .
أي: شركاء يشفعون لهم يوم القيامة.
وقال بعضهم: أم لهم شهداء ممن عندهم كتاب يشهدون لهم بما يذكرون.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ ﴾ .
أي: يكشف عن موضع الوعيد بالشدائد والأهوال، والساق: الشدة، وسمي الساق: ساقاً لهذا؛ لأن الناس شدتهم في سوقهم؛ إذ بها يحملون الأحمال؛ فكنى بالساق عن الشدة.
وقيل: أيضاً - بأنهم كانوا إذا ابتلوا بشدة وبلاء كشفوا عن أسوقهم، فكنى بذكره عن الشدة، لا أن يراد بذكر الساق تحقيق الساق، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ ﴾ .
يحتمل أن يكون هذا على دعاء الحال، ويحتمل أن يكون على دعاء الأمر: فأما دعاء الحال فهو أن من عادات الخلق أنه إذا اشتد بهم الأمر وضاق فزعوا إلى السجود، فجائز أن يكون ما حل بهم من الأهوال والشدائد يدعوهم إلى السجود، فيهمون بذلك فلا يستطيعون؛ فيكون قوله: ﴿ وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ ﴾ ، أي: تدعوهم الحالة إلى السجود؛ فهذا دعاء الحال، وجائز أن يؤمروا بالسجود، ويمتحنوا به.
ثم إن كان التأويل على الأمر فيحتمل أن يكون ذلك يوم القيامة، وجائز أن يكون وقت الموت.
وإن كان على دعاء الحال فذلك يكون عند الموت.
ثم الأمر بالسجود يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون على حقيقة الفعل، ويحتمل أن يكون على الاستسلام والخضوع؛ إذ السجود في الحقيقة هو الخضوع والاستسلام، وكل سجود ذكر في القرآن وأريد به عين السجود، فليس يجب بتلاوته السجود.
وكل ما أريد منه الاستسلام والخضوع فهو الذي يجب بتلاوته السجود.
ثم إن ذكر في أهل الكفر فإنما يراد منهم الاستسلام بالاعتقاد ليس بعين الفعل، وأهل الإسلام قد وجد منهم الاستسلام بالاعتقاد، فيلزمهم أن يستسلموا من جهة الفعل، فجائز أن يكون هذا لما عاين الشدائد والأفزاع، استسلم لله - - وخضع له؛ فلم يقبل ذلك منه؛ لأن تلك الدار دار جزاء، وليست بدار محنة.
والثاني: [أن السجود هو بذل] النفس لما طلب منه طائعاً، وإذا أشرف المرء على الموت طلب منه في ذلك الوقت بذل روحه لا بذل نفسه، فإذا كان كافراً بالله - - اشتد عليه بذل روحه؛ لما يعلم أن مصيره إذا قبض إلى العذاب، وكره ذلك أشد الكراهة، كما قال - - "من كره لقاء الله، كره الله لقاءه، ومن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه" ، فسئل رسول الله عن ذلك، فقال: "ذلك عند الموت" ؛ فهو لما يرى من المكروه يحل به بعد الموت يكره قبض روحه، فيكون قوله: ﴿ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ ﴾ إن كان المراد من قوله: ﴿ وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ ﴾ عند الموت [على ذلك]، والمؤمن إذا رأى ما أعدّ له من الكرامات ود أن يقبض روحه سريعاً ليصل إلى الكرامات، وإن كان هذا بعد البعث، وأريد من السجود تحقيقه، ففيه تذكير لهم أنهم لم يكونوا يمتحنون في الدنيا بالسجود؛ لمنفعة تصل إلى الله أو لحاجة له إلى ذلك، وإنما امتحنوا بالسجود؛ لمكان أنفسهم، إذ لو كان الامتحان لمنفعة تنال الله ، لما كانوا يمنعون عنه في القيامة، والله أعلم.
وقال كثير من أهل الكلام: لا يجوز أن يمتحنهم الله بعد البعث بالسجود؛ إذ تلك [الدار] ليست بدار محنة، وإنما الأمر بالسجود يخرج مخرج التوبيخ؛ وكذلك زعم جعفر بن حرب أن هذا على التوبيخ، يقال للرجل إذا كان مكثراً فذهب ماله ولم يؤد الزكاة، ولا حج في حال يسره - يراد به التوبيخ -: حج الآن وزَكِّ الآن، ليس يراد به إيجاد الفعل، ولكن يريد به تذكيره وتوبيخه؛ فهذا الذي قالوه يحتمل.
ويحتمل أن يمتحنوا بالسجود للوجوه التي ذكرنا، وهو أن يظهر عند الممتحنين أن منافع سجودهم راجعة إليهم لا إلى الله - -.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ ﴾ فجائز أن يكون هذا على نفي استطاعة الأحوال والأسباب أو لا يستطيعون للأشغال التي حلت بهم والأفزاع التي ابتلوا بها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ وَهُمْ سَٰلِمُونَ ﴾ .
ففيه أن الفرائض إنما تجب عند سلامة الأسباب، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
أفنجعل المسلمين كالكفار في الجزاء كما يزعم المشركون من أهل مكة؟!
<div class="verse-tafsir" id="91.VgvXy"