الآية ٤٣ من سورة القلم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 68 القلم > الآية ٤٣ من سورة القلم

خَـٰشِعَةً أَبْصَـٰرُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌۭ ۖ وَقَدْ كَانُوا۟ يُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ وَهُمْ سَـٰلِمُونَ ٤٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 95 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٣ من سورة القلم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٣ من سورة القلم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ) أي : في الدار الآخرة بإجرامهم ، وتكبرهم في الدنيا ، فعوقبوا بنقيض ما كانوا عليه .

ولما دعوا إلى السجود في الدنيا فامتنعوا منه مع صحتهم ، وسلامتهم كذلك عوقبوا بعدم قدرتهم عليه في الآخرة ، إذا تجلى الرب عز وجل ، فيسجد له المؤمنون ، لا يستطيع أحد من الكافرين ولا المنافقين أن يسجد ، بل يعود ظهر أحدهم طبقا واحدا ، كلما أراد أحدهم أن يسجد خر لقفاه ، عكس السجود ، كما كانوا في الدنيا ، بخلاف ما عليه المؤمنون .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (43) وقوله: ( خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ) يقول: تغشاهم ذلة من عذاب الله.

( وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ ) يقول: وقد كانوا في الدينا يدعونهم إلى السجود له، وهم سالمون، لا يمنعهم من ذلك مانع، ولا يحول بينه وبينهم حائل.

وقد قيل: السجود في هذا الموضع: الصلاة المكتوبة.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم التيمي ( وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ ) قال: إلى الصلاة المكتوبة.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن أبي سنان، عن سعيد بن جبير ( وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ ) قال: يَسْمَعُ المنادي إلى الصلاة المكتوبة فلا يجيبه.

قال ثنا مهران، عن سفيان، عن أبيه، عن إبراهيم التيميّ: ( وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ ) قال: الصلاة المكتوبة.

وبنحو الذي قلنا في قوله: وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ ...

الآية، قال أهل التأويل * ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ( وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ ) قال: هم الكفار كانوا يدعون في الدنيا وهم آمنون، فاليوم يدعوهم وهم خائفون، ثم أخبر الله سبحانه أنه حال بين أهل الشرك وبين طاعته في الدنيا والآخرة، فأما في الدنيا فإنه قال: مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ وأما في الآخرة فإنه قال: فلا يستطيعون خاشعة أبصارهم .

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ ذلكم والله يوم القيامة.

ذُكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: " يُؤْذَنُ للْمُؤْمِنينَ يَوْمُ القِيامَةِ فِي السُّجُودِ، فَيَسْجُدُ المؤمِنُونَ وَبَينَ كلِّ مُؤْمَنْينِ مُنَافِقٌ، فَيَقْسُو ظَهْرُ المُنَافِق عَنِ السُّجُودِ، وَيَجْعَلُ اللهُ سُجُودَ المُؤْمِنينَ عَلَيْهِمْ تَوْبيخا وَذُلا وَصَغارًا، وَنَدَامَةً وَحَسْرَةً".

وقوله: ( وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ ) أي في الدنيا( وَهُمْ سَالِمُونَ ) أي في الدنيا.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: بلغني أنه يُؤْذَن للمؤمنين يوم القيامة في السجود بين كل مؤمنين منافق، يسجد المؤمنون، ولا يستطيع المنافق أن يسجد؛ وأحسبه قال: تقسو ظهورهم، ويكون سجود المؤمنين توبيخا عليهم، قال: ( وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ ).

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

خاشعة أبصارهم أي ذليلة متواضعة ; ونصبها على الحال ." ترهقهم ذلة " وذلك أن المؤمنين يرفعون رءوسهم ووجوههم أشد بياضا من الثلج .

وتسود وجوه المنافقين والكافرين حتى ترجع أشد سوادا من القار .قلت : معنى حديث أبي موسى وابن مسعود ثابت في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري وغيره .قوله تعالى : وقد كانوا يدعون إلى السجود أي في الدنيا ." وهم سالمون " معافون أصحاء .

قال إبراهيم التيمي : أي يدعون بالأذان والإقامة فيأبونه .

وقال سعيد بن جبير : كانوا يسمعون حي على الفلاح فلا يجيبون .

وقال كعب الأحبار : والله ما نزلت هذه الآية إلا في [ ص: 232 ] الذين يتخلفون عن الجماعات .

وقيل : أي بالتكليف الموجه عليهم في الشرع ; والمعنى متقارب .

وقد مضى في سورة " البقرة " الكلام في وجوب صلاة الجماعة .

وكان الربيع بن خيثم قد فلج وكان يهادى بين الرجلين إلى المسجد ; فقيل : يا أبا يزيد ، لو صليت في بيتك لكانت لك رخصة .

فقال : من سمع حي على الفلاح فليجب ولو حبوا .

وقيل لسعيد بن المسيب : إن طارقا يريد قتلك فتغيب .

فقال : أبحيث لا يقدر الله علي ؟

فقيل له : اجلس في بيتك .

فقال : أسمع حي على الفلاح ، فلا أجيب !

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

لا يستطيعون الانحناء، وهذا الجزاء ما جنس عملهم، فإنهم كانوا يدعون في الدنيا إلى السجود لله وتوحيده وعبادته وهم سالمون، لا علة فيهم، فيستكبرون عن ذلك ويأبون، فلا تسأل يومئذ عن حالهم وسوء مآلهم، فإن الله قد سخط عليهم، وحقت عليهم كلمة العذاب، وتقطعت أسبابهم، ولم تنفعهم الندامة ولا الاعتذار يوم القيامة، ففي هذا ما يزعج القلوب عن المقام على المعاصي، و[يوجب] التدارك مدة الإمكان.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( خاشعة أبصارهم ) وذلك أن المؤمنين يرفعون رءوسهم من السجود ووجوههم أشد بياضا من الثلج وتسود وجوه الكافرين والمنافقين ( ترهقهم ذلة ) يغشاهم ذل الندامة والحسرة ( وقد كانوا يدعون إلى السجود ) قال إبراهيم التيمي : يعني إلى الصلاة المكتوبة بالأذان والإقامة وقال سعيد بن جبير : كانوا يسمعون حي على الفلاح فلا يجيبون ( وهم سالمون ) أصحاء فلا يأتونه قال كعب الأحبار : والله ما نزلت هذه الآية إلا عن الذين يتخلفون عن الجماعات .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«خاشعة» حال من ضمير يدعون، أي ذليلة «أبصارهم» لا يرفعونها «ترهقهم» تغشاهم «ذلة وقد كانوا يدعوْن» في الدنيا «إلى السجود وهم سالمون» فلا يأتون به بأن لا يصلوا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

منكسرة أبصارهم لا يرفعونها، تغشاهم ذلة شديدة مِن عذاب الله، وقد كانوا في الدنيا يُدْعَون إلى الصلاة لله وعبادته، وهم أصحَّاء قادرون عليها فلا يسجدون؛ تعظُّمًا واستكبارًا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله : ( خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ .

.

.

) حال من فاعل ( يدعون ) وخشوع الأبصار : كناية عن الذلة والخوف الشديد ، ونسب الخشوع إلى الأبصار ، لظهور أثره فيها .أى : هم يدعون إلى السجود فلا يستطيعون ذلك .

لأنه - تعالى - سلب منهم القدرة عليه ، ثم يساقون إلى النار ، حالة كونهم ذليلة أبصارهم ، منخفضة رءوسهم .

.( تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ) أى : تغشاهم وتعلوهم ذلة وانكسار .

.( وَقَدْ كَانُواْ ) فى الدنيا ( يُدْعَوْنَ إِلَى السجود ) لله - تعالى - ( وَهُمْ سَالِمُونَ ) أى : قادرون على السجود له - تعالى - ، ومتمكنون من ذلك أقوى تمكن .

.

، ولكنهم كانوا يعرضون عمن يدعوهم إلى إخلاص العبادة لله - تعالى - ، ويستهزئون به .

.قال الإِمام انب كثير ما ملخصه : قوله : ( يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ .

.

.

) يعنى يوم القيامة وما يكون فيه من الأهوال ، والزلازل ، والبلايا ، والامتحان ، والأمور العظام .

.روى البخارى عن أبى سعيد الخدرى قال : سمعت النبى صلى الله عليه وسلم يقول : يكشف ربنا عن ساقه ، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة ، ويبقى من كان يسجد فى الدنيا رياء وسمعة ، فيذهب ليسجد فيعود ظهره ، طبقا واحدا - أى : يصير ظهره كالشئ الصلب فلا يقدر على السجود- .وعن ابن عباس قال : ( يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ ) : وهو يوم كرب وشدة .

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

فقال: ﴿ يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: يوم منصوب بماذا؟

فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه منصوب، بقوله: ﴿ فَلْيَأْتُواْ ﴾ في قوله: ﴿ فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَائِهِمْ  ﴾ وذلك أن ذلك اليوم يوم شديد، فكأنه تعالى قال: إن كانوا صادقين في أنها شركاء فليأتوا بها يوم القيامة، لتنفعهم ونشفع لهم.

وثانيها: أنه منصوب بإضمار اذكر.

وثالثها: أن يكون التقدير يوم يكشف عن ساق، كان كيت وكيت فحذف للتهويل البليغ، وأن ثم من الكوائن مالا يوصف لعظمته.

المسألة الثانية: هذا اليوم الذي يكشف فيه عن ساق، أهو يوم القيامة أو في الدنيا؟

فيه قولان: الأول: وهو الذي عليه الجمهور، أنه يوم القيامة، ثم في تفسير الساق وجوه: الأول: أنه الشدة، وروي أنه سئل ابن عباس عن هذه الآية، فقال: إذا خفي عليكم شيء من القرآن فابتغوه في الشعر، فإنه ديوان العرب، أما سمعتم قول الشاعر: سن لنا قومك ضرب الأعناق *** وقامت الحرب بنا على ساق ثم قال: وهو كرب وشدة وروى مجاهد عنه قال: هو أشد ساعة في القيامة، وأنشد أهل اللغة أبياتاً كثيرة (منها): فإن شمرت لك عن ساقها *** فدنها ربيع ولا تسأم ومنها: كشفت لكم عن ساقها *** وبدا من الشر الصراح وقال جرير: ألا رب سام الطرف من آل مازن *** إذا شمرت عن ساقها الحرب شمرا وقال آخر: في سنة قد شمرت عن ساقها *** حمراء تبرى اللحم عن عراقها وقال آخر: قد شمرت عن ساقها فشدوا *** وجدت الحرب بكم فجدوا ثم قال ابن قتيبة أصل هذا أن الرجل إذاوقع في أمر عظيم يحتاج إلى الجد فيه، يشمر عن ساقه، فلا جرم يقال في موضع الشدة: كشف عن ساقه، واعلم أن هذا اعتراف من أهل اللغة بأن استعمال الساق في الشدة مجاز، وأجمع العلماء على أنه لا يجوز صرف الكلام إلى المجاز إلا بعد تعذر حمله على الحقيقة، فإذا أقمنا الدلائل القاطعة على أنه تعالى، يستحيل أن يكون جسماً، فحينئذ يجب صرف اللفظ إلى المجاز، واعلم أن صاحب الكشاف أورد هذا التأويل في معرض آخر، فقال: الكشف عن الساق مثل في شدة الأمر، فمعنى قوله: ﴿ يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ ﴾ يوم يشتد الأمر ويتفاقم، ولا كشف ثم، ولا ساق، كما تقول للأقطع الشحيح: يده مغلولة، ولا يد ثم ولا غل وإنما هو مثل في البخل، ثم أخذ يعظم علم البيان ويقول لولاه: لما وقفنا على هذه الأسرار وأقول: إما أن يدعى أنه صرف اللفظ عن ظاهره بغير دليل، أو يقول: إنه لا يجوز ذلك إلا بعد امتناع حمله على الحقيقة، والأول باطل بإجماع المسلمين، ولأنا إن جوزنا ذلك انفتحت أبواب تأويلات الفلاسفة في أمر المعاد فإنهم يقولون في قوله: ﴿ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار  ﴾ ليس هناك لا أنهار ولا أشجار، وإنما هو مثل للذة والسعادة، ويقولون في قوله: ﴿ اركعوا واسجدوا  ﴾ ليس هناك لا سجود ولا ركوع.

وإنما هو مثل للتعظيم، ومعلوم أن ذلك يفضي إلى رفع الشرائع وفساد الدين، وأما إن قال: بأنه لا يصار إلى هذا التأويل إلا بعد قيام الدلالة على أنه لا يجوز حمله على ظاهره، فهذا هو الذي لم يزل كل أحد من المتكلمين (إلا) قال به وعول عليه، فأين هذه الدقائق، التي استبد هو بمعرفتها والاطلاع عليها بواسطة علم البيان، فرحم الله أمراً عرف قدره، وما تجاوز طوره القول الثاني: وهو قول أبي سعيد الضرير: ﴿ يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ ﴾ ، أي عن أصل الأمر، وساق الشيء أصله الذي به قوامه كساق الشجر، وساق الإنسان، أي يظهر يوم القيامة حقائق الأشياء وأصولها القول الثالث: يوم يكشف عن ساق جهنم، أو عن ساق العرش، أو عن ساق ملك مهيب عظيم، واللفظ لا يدل إلا على ساق، فأما أن ذلك الساق ساق أي شيء هو فليس في اللفظ ما يدل عليه والقول الرابع: وهو اختيار المشبهة، أنه ساق الله، تعالى الله عنه روى عن ابن مسعود عنه عليه الصلاة والسلام: أنه تعالى يتمثل للخلق يوم القيامة حين يمر المسلمون، فيقول: من تعبدون؟

فيقولون: نعبد الله فيشهدهم مرتين أو ثلاثاً ثم يقول: هل تعرفون ربكم، فيقولون: سبحانه إذا عرفنا نفسه عرفناه، فعند ذلك يكشف عن ساق، فلا يبقى مؤمن إلا خر ساجداً، ويبقى المنافقون ظهورهم كالطبق الواحد كأنما فيها السفافيد واعلم أن هذا القول باطل لوجوه: أحدها: أن الدلائل دلت على أن كل جسم محدث، لأن كل جسم متناه، وكل متناه محدث ولأن كل جسم فإنه لا ينفك عن الحركة والسكون، وكل ما كان كذلك فهو محدث، ولأن كل جسم ممكن، وكل ممكن محدث.

وثانيها: أنه لو كان المراد ذلك لكان من حق الساق أن يعرف، لأنها ساق مخصوصة معهودة عنده وهي ساق الرحمن، أما لو حملناه على الشدة، ففائدة التنكير الدلالة على التعظيم، كأنه قيل: يوم يكشف عن شدة، وأي شدة، أي شدة لا يمكن وصفها.

وثالثها: أن التعريف لا يحصل بالكشف عن الساق، وإنما يحصل بكشف الوجه القول الثاني: أن قوله: ﴿ يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ ﴾ ليس المراد منه يوم القيامة، بل هو في الدنيا، وهذا قول أبي مسلم قال: أنه لا يمكن حمله على يوم القيامة لأنه تعالى قال في وصف هذا اليوم: ﴿ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السجود ﴾ ويوم القيامة ليس فيه تعبد ولا تكليف، بل المراد منه، إما آخر أيام الرجل في دنياه كقوله تعالى: ﴿ يَوْمَ يَرَوْنَ الملئكة لاَ بشرى  ﴾ ثم إنه يرى الناس يدعون إلى الصلوات إذا حضرت أوقاتها، وهو لا يستطيع الصلاة لأنه الوقت الذي لا ينفع نفساً إيمانها، وإما حال الهرم والمرض والعجز وقد كانوا قبل ذلك اليوم يدعون إلى السجود وهم سالمون مما بهم الآن، إما من الشدة النازلة بهم من هول ما عاينوا عند الموت أو من العجز والهرم، ونظير هذه الآية قوله: ﴿ فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ الحلقوم  ﴾ واعلم أنه لا نزاع في أنه يمكن حمل اللفظ على ما قاله أبو مسلم، فأما قوله: إنه لا يمكن حمله على القيامة بسبب أن الأمر بالسجود حاصل هاهنا، والتكاليف زائلة يوم القيامة فجوابه أن ذلك لا يكون على سبيل التكليف، بل على سبيل التقريع والتخجيل، فلم قلتم: إن ذلك غير جائز.

المسألة الثالثة: قرئ: ﴿ يَوْم نكشف ﴾ بالنون و ﴿ تكشف ﴾ بالتاء المنقوطة من فوق على البناء للفاعل والمفعول جميعاً والفعل للساعة أو للحال، أي يوم يشتد الحال أو الساعة، كما تقول: كشف الحرب عن ساقها على المجاز.

وقرئ (تكشف) بالتاء المضمومة وكسر الشين من أكشف إذا دخل في الكشف، ومنه أكشف الرجل فهو مكشف إذا انقلبت شفته العليا.

قوله تعالى: ﴿ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السجود فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ خاشعة أبصارهم تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى السجود وَهُمْ سالمون ﴾ .

اعلم أنا بينا أنهم لا يدعون إلى السجود تعبداً وتكليفاً، ولكن توبيخاً وتعنيفاً على تركهم السجود في الدنيا، ثم إنه تعالى حال ما يدعوهم إلى السجود يسلب عنهم القدرة على السجود، ويحول بينهم وبين الاستطاعة حتى تزداد حسرتهم وندامتهم على ما فرطوا فيه، حين دعوا إلى السجود وهم سالمو الأطراف والمفاصل.

قال الجبائي: لما خصص عدم الاستطاعة بالآخرة دل ذلك على أنهم في الدنيا كانوا يستطيعون، فبطل بهذا قول من قال: الكافر لا قدرة له على الإيمان، وإن القدرة على الإيمان لا تحصل إلا حال وجود الإيمان والجواب: عنه أن علم الله بأنه لا يؤمن مناف لوجود الإيمان والجمع بين المتنافيين محال، فالاستطاعة في الدنيا أيضاً غير حاصلة على قول الجبائي.

أما قوله: ﴿ خاشعة أبصارهم ﴾ فهو حال من قوله: ﴿ لاَ يَسْتَطِيعُونَ...

تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ﴾ يعني يلحقهم ذل بسبب أنهم ما كانوا مواظبين على خدمة مولاهم مثل العبد الذي أعرض عنه مولاه، فإنه يكون ذليلاً فيما بين الناس، وقوله: ﴿ وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى السجود وَهُمْ سالمون ﴾ يعني حين كانوا يدعون إلى الصلوات بالأذان والإقامة وكانوا سالمين قادرين على الصلاة، وفي هذا وعيد لمن قعد عن الجماعة ولم يجب المؤذن إلى إقامة الصلاة في الجماعة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

الكشف عن الساق والإبداء عن الخدام: مثل في شدة الأمر وصعوبة الخطب، وأصله في الروع والهزيمة وتشمير المخدرات عن سوقهنّ في الهرب، وإبداء خدامهن عند ذلك.

قال حاتم: أَخُو الْحَرْبِ إنْ غَضَّتْ بِهِ الْحَرْبُ عَضَّهَا ** وَإنْ شَمَّرَتْ عَنْ سَاقِهَا الْحَرْبُ شَمَّرَا وقال ابن الرقيات: تُذْهِلُ الشَّيْخَ عَنْ بَنِيهِ وَتُبْدِي ** عَنْ خِدَامِ الْعَقِيلَةِ الْعَذْرَاءِ فمعنى ﴿ يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ ﴾ في معنى: يوم يشتدّ الأمر ويتفاقم، ولا كشف ثم ولا ساق، كماتقول للأقطع الشحيح: يده مغلولة، ولا يد ثم ولا غل؛ وإنما هو مثل في البخل.

وأما من شبه فلضيق عطنه وقلة نظره في علم البيان، والذي غرّه منه حديث ابن مسعود رضي الله عنه: «يكشف الرحمن عن ساقه؛ فأمّا المؤمنون فيخرّون سجداً، وأما المنافقون فتكون ظهورهم طبقاً طبقاً كأنّ فيها سفافيد» ومعناه: يشتد أمر الرحمن ويتفاقم هوله، وهو الفزع الأكبر يوم القيامة، ثم كان من حق الساق أن تعرف على ما ذهب إليه المشبه، لأنها ساق مخصوصة معهودة عنده وهي ساق الرحمن.

فإن قلت: فلم جاءت منكرة في التمثيل؟

قلت: للدلالة على أنه أمر مبهم في الشدة منكر خارج عن المألوف، كقوله: ﴿ يَوْمَ يَدْعُو الداع إلى شَيْء نُّكُرٍ ﴾ [القمر: 6] كأنه قيل: يوم يقع أمر فظيع هائل؛ ويحكى هذا التشبيه عن مقاتل: وعن أبي عبيدة: خرج من خراسان رجلان، أحدهما: شبه حتى مثل، وهو مقاتل بن سليمان، والآخر نفي حتى عطل وهو جهم بن صفوان؛ ومن أحس بعظم مضارّ فقد هذا العلم علم مقدار عظم منافعه.

وقرئ: ﴿ يوم نكشف ﴾ بالنون.

وتكشف بالتاء على البناء للفاعل والمفعول جميعاً، والفعل للساعة أو للحال، أي: يوم تشتدّ الحال أو الساعة، كما تقول: كشفت الحرب عن ساقها، على المجاز.

وقرئ: ﴿ تكشف ﴾ بالتاء المضمومة وكسر الشين، من أكشف: إذا دخل في الكشف.

ومنه.

أكشف الرجل فهو مكشف، إذا انقلبت شفته العليا.

وناصب الظرف: فليأتوا.

أو إضمار (اذكر) أو يوم يكشف عن ساق كان كيت وكيت، فحذف للتهويل البليغ.

وإن ثم من الكوائن ما لا يوصف لعظمه.

عن ابن مسعود رضي الله عنه: تعقم أصلابهم واحداً، أي ترد عظاماً بلا مفاصل لا تنثني عند الرفع والخفض.

وفي الحديث: وتبقى أصلابهم طبقا واحدا، أيّ، فقارة واحدة.

فإن قلت: لم يدعون إلى السجود ولا تكليف؟

قلت: لا يدعون إليه تعبداً وتكليفاً، ولكن توبيخاً وتعنيفاً على تركهم السجود في الدنيا، مع إعقام أصلابهم والحيلولة بينهم وبين الاستطاعة تحسيراً لهم وتنديماً على ما فرّطوا فيه حين دعوا إلى السجود، وهم سالمون الأصلاب والمفاصل يمكنون مزاحو العلل فيما تعبدوا به.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ ﴾ يَوْمَ يَشْتَدُّ الأمْرُ ويَصْعُبُ الخَطْبُ وكَشْفُ السّاقِ مَثَلٌ في ذَلِكَ، وأصْلُهُ تَشْمِيرُ المُخَدِّراتِ عَنْ سُوقِهِنَّ في الهَرَبِ.

قالَ حاتِمٌ.

أخُو الحَرْبِ إنْ عَضَّتْ بِهِ الحَرْبُ عَضَّها ∗∗∗ وإنْ شَمَّرَتْ عَنْ ساقِها الحَرْبُ شَمَّرا أوْ يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ أصْلِ الأمْرِ وحَقِيقَتِهِ بِحَيْثُ يَصِيرُ عِيانًا مُسْتَعارٌ مِن ساقِ الشَّجَرِ وساقِ الإنْسانِ، وتَنْكِيرُهُ لِلتَّهْوِيلِ أوْ لِلتَّعْظِيمِ.

وقُرِئَ «تَكْشِفُ» و «تُكْشَفُ» بِالتّاءِ عَلى بِناءِ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ والفِعْلُ لِلسّاعَةِ أوِ الحالِ.

﴿ وَيُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ ﴾ تَوْبِيخًا عَلى تَرْكِهِمُ السُّجُودَ إنْ كانَ اليَوْمُ يَوْمَ القِيامَةِ، أوْ يُدْعَوْنَ إلى الصَّلَواتِ لِأوْقاتِها إنْ كانَ وقْتَ النَّزْعِ.

﴿ فَلا يَسْتَطِيعُونَ ﴾ لِذَهابِ وقْتِهِ أوْ زَوالِ القُدْرَةِ عَلَيْهِ.

﴿ خاشِعَةً أبْصارُهم تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ ﴾ تَلْحَقُهم ذِلَّةٌ.

﴿ وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ ﴾ في الدُّنْيا أوْ زَمانِ الصِّحَّةِ.

﴿ وَهم سالِمُونَ ﴾ مُتَمَكِّنُونَ مِنهُ مُزاحُو العِلَلِ فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{خاشعة} ذليلة حال من الضمير في يُدْعَونَ {أبصارهم} أي يدعون في حال خشوع أبصارهم {تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ} يغشاهم صغار {وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ} على ألسن الرسل {إِلَى السجود} في الدنيا {وَهُمْ سالمون} أي وهم أصحاء فلا يسجدون فلذلك منعوا عن السجود ثَمَّ

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ خاشِعَةً أبْصارُهُمْ ﴾ حالٌ مِن مَرْفُوعٍ ﴿ يُدْعَوْنَ ﴾ عَلى أنَّ أبْصارَهم مُرْتَفِعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ ونْسْبَةُ الخُشُوعِ إلى الأبْصارِ لِظُهُورِ أثَرِهِ فِيها (تَرْهَقُهم ) تَلْحَقُهم وتَغْشاهم (ذِلَّةٌ) شَدِيدَةٌ ﴿ وقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ ﴾ في الدُّنْيا والإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، أوْ لِأنَّ المُرادَ بِهِ الصَّلَواتُ المَكْتُوبَةُ كَما قالَ النَّخْعِيُّ والشَّعْبِيُّ أوْ جَمِيعُ الطّاعاتِ كَما قِيلَ.

والدَّعْوَةُ دَعْوَةُ التَّكْلِيفِ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ: كانُوا يَسْمَعُونَ الأذانَ والنِّداءَ لِلصَّلاةِ فَلا يُجِيبُونَ ﴿ وهم سالِمُونَ ﴾ مُتَمَكِّنُونَ مِنهُ أقْوى تَمَكُّنٍ أيْ فَلا يُجِيبُونَ إلَيْهِ ويَأْبَوْنَهُ وتَرَكَ ذِكْرَ هَذا ثِقَةً بِظُهُورِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

فقال عز وجل: إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يعني: في الآخرة جَنَّاتِ النَّعِيمِ.

فلما ذكر الله تعالى نعيم الجنة، قال عتبة بن ربيعة: إن كان كما يقول محمد  ، فإن لنا في الآخرة أكثر ما للمسلمين، لأن فضلنا وشرفنا أكثر، فنزل: أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ يعني: لا يكون حال المسلمين في الهوان والذل كالمشركين.

مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ يعني: وَيْحَكم كيف تقضون بالجَوْر؟

أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ؟

يعني: ألكم كتاب تقرؤون فيه؟

إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ يعني: في الكتاب مما تتمنون.

أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ؟

يعني: ألكم عهد عندنا وثيق؟

إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ.

يعني: في يوم القيامة.

إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ يعني: ما تقضون لأنفسكم في الآخرة؟.

قوله تعالى: سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ يعني: أيهم كفيل لهم بذلك؟

ثم قال: أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ؟

يعني: شهداء يشهدون أن الذي قالوا لهم حق.

فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إِنْ كانُوا صادِقِينَ يعني: يشهدون أن لهم في الآخرة ما للمسلمين، فهذا كله لفظ الاستفهام، والمراد به الزجر واليأس، يعني: ليس لهم ذلك.

قوله تعالى: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ يعني: اذكر ذلك اليوم.

ويقال: معناه إن الثواب والعقاب.

الذي ذكر، في يوم يكشف عن ساق.

قال ابن عباس: يعني: يظهر قيام الساعة.

وروى سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن ابن عباس قال: عَنْ ساقٍ يعني: عن أمر عظيم، وقال مجاهد: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ عن بلاء عظيم، وقال قتادة: يكشف الأمر عن شدة الأمر.

وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ قال الفقيه: حدثنا الخليل بن أحمد حدثنا ابن منيع: حدثنا هدبة حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن عمارة القرشي، عن أبي بردة بن أبي موسى قال: حدثنا أبي قال: سمعت رسول الله  يقول: «إذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ مُثِّلَ لِكُلِّ قَوْمٍ ما كانوا يعبدون في الدُّنْيَا، فَذَهَبَ كُلُّ قَوْمٍ إلَى مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ فِي الدُّنْيَا، وَيَبْقَى أَهْلُ التَّوْحِيدِ فِيُقَالُ لَهُمْ: كِيْفَ بَقِيْتُمْ، وَقَدْ ذَهَبَ النَّاسُ؟

فَيَقُولُونَ: إنَّ لَنَا رَبّاً كُنّا نَعْبُدُهُ فِي الدُّنْيَا وَلَمْ نَرَهُ قَالَ أَوَ تَعْرِفُونَهُ إِذَا رَأَيْتُمُوهُ؟

فَيَقُولُونَ: نَعَمْ.

فَيُقَالُ لَهُمْ: وَكَيْفَ تَعْرِفُونَه وَلَمْ تَرَوْهُ؟

قَالُوا: لا شَبَهَ لَهُ.

فَيُكْشفُ لَهُمُ الحِجَابُ، فَيَنْظُرُونَ إلَى الله تَعَالَى، فَيَخرُّونَ لَهُ سُجّداً، وَيَبْقَى أقْوَامٌ ظُهُورُهُمْ مِثْلَ صِيَاصِي البَقَرِ، فَيُرِيدُونَ السُّجُودَ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ.

فَيَقُولُ الله تَعَالَى عِبَادِي ارْفَعُوا رُؤُوسَكُمْ، قَدْ جَعَلْتُ بَدَلَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْكُمْ رَجُلاً مِنَ اليَهُودِ والنَّصَارَى فِي النَّارِ» .

قال أبو بردة: فحدثت بهذا الحديث عمر بن عبد العزيز، فقال: والله الذي لا إله إلا هو، أحدثك أبوك بهذا الحديث؟

فحلفت له ثلاثة أيمان، فقال عمر: ما سمعت في أهل التوحيد حديثاً هو أحب إلي من هذا الحديث.

وقال القتبي: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ هذا من الاستعارة، فسمى الشدة ساقاً، لأن الرجل إذا وقع في الشدة، شمَّر عن ساقه، فاستعيرت في موضع الشدة.

ويقال: يكشف ما كان خفياً.

ويقال: يبدؤون عن أمر شديد، وهو عذاب عظيم يوم القيامة.

ثم قال عز وجل: خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ يعني: ذليلة أبصارهم، تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ يعني: تغشاهم وتعلوهم كآبة وكشوف وسواد وذلك أن المسلمين، إذا رفعوا رؤوسهم من السجود، صارت وجوههم بيضاء كالثلج.

فلما نظر اليهود والنصارى والمنافقون، وهم عجزوا عن السجود، حزنوا واغتموا فسودت وجوههم.

ثم بَيَّنَ المعنى الذي عجزهم عن السجود، فقال: وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ يعني: يدعون إلى السجود في الدنيا وهم أصحاء معافون، فلم يسجدوا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله: عَلى حَرْدٍ يَحْتَمِلُ أنْ يريدَ عَلى مَنْعٍ، من قولهم: حَارَدَتِ الإبِلُ إذا قَلَّتْ ألبانُها فمنَعتْهَا، وحَارَدَتِ السنةُ إذا كَانَتْ شَهْبَاء لاَ غَلَّةَ لها، ويحتملُ أن يريدَ بالحَرْدِ الغَضَبَ، يقال حَرَدَ الرجلُ حَرْداً إذَا غَضِبَ، قال البخاريّ قَالَ قتادة: عَلى حَرْدٍ [أي:

على جدٍّ] «١» في أنفسهم، انتهى «٢» .

وقوله تعالى: قادِرِينَ يحتملُ أن يكون من القُدْرَةِ، أي: قادرون في زعمهِم ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن التَّقْدِيرِ الذي هو تَضْيِيقٌ، كأنّهم قَدْ قَدَرُوا عَلَى المسَاكِينِ، أي ضَيَّقُوا عليهم، فَلَمَّا رَأَوْها أي: مُحْتَرِقَةً قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ طريقَ جَنَّتِنَا فَلَما تَحقَّقُوها/ عَلِمُوا أَنها قَدْ أصيبتْ فقالوا: بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ أي: قَدْ حُرِمْنَا غَلَّتَها وبَرَكَتها، فقال لهم أعدلهُم قَوْلاً وعَقْلاً وخُلُقاً وهو الأوسَط أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ قِيلَ هي عبارةٌ عَنْ تعظيمِ اللَّهِ والعَمَلِ بطاعتهِ سبحانَه، فَبادَرَ القَوْمُ عَنْدَ ذَلِكَ وَتَابُوا وسبَّحُوا، واعترفُوا بظلمِهم في اعتقادهم مَنْعَ الفقراءِ، ولاَمَ بعضُهم بَعْضاً واعترفوا بأنهم طَغَوا، أي: تَعَدَّوْا مَا يَلْزَم مِنْ مُوَاسَاةِ المساكينِ، ثم انصرفوا إلى رَجَاءِ اللَّه سبحانَه وانتظارِ الفَضْلِ من لَدُنْهُ في أن يُبْدِلَهُمْ، بِسَبَبِ تَوْبَتِهم، وإنابتِهم خَيْراً من تلك الجنة، قال الثعلبي: قال ابن مسعود: بلغني أن القومَ لما أخلصوا وعلم الله صدقهم أبدلهم الله- عز وجل- بها جنةً يقال لها الحَيَوَانُ، فيها عِنَبٌ يَحْمِلُ البغلُ العنقُودَ منها «٣» ، وعن أبي خالد اليماني أَنه رأَى تلكَ الجنةَ ورَأَى كُلَّ عُنْقُودٍ منها كالرَّجُلِ الأسْوَدِ القائِم، انتهى،، وقدرةُ اللَّه أعْظَمُ فلا يُسْتَغْرَبُ هذا إنْ صَحّ سنده.

وقوله سبحانه: كَذلِكَ الْعَذابُ أي: كَفِعْلِنَا بأهْلِ الجنةِ نَفْعَلُ بِمَنْ تعدَّى حدودَنا.

وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ أي: أعْظَم مما أصَابَهُمْ، إنْ لَمْ يتوبوا في الدنيا.

ثم أخْبَر تعالى ب إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ فَرُوِيَ أنه لما نزلت هذه الآيةُ قَالَتْ قريشٌ: إنْ كَانَ ثَمَّ جَنَّاتِ نعيمٍ فَلَنَا فِيها أكْبَرُ الحَظِّ، فنزلتْ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ الآية تَوْبِيخاً لهم.

أَمْ لَكُمْ كِتابٌ مُنَزَّلٌ من عندِ اللَّهِ تَدْرُسُونَ فيه أنَّ لَكُمْ مَا تَخْتَارُونَ مِنَ النعيمِ، ف إِنَّ معمولة ل تَدْرُسُونَ وكُسِرَتِ الهمزَةُ مِنْ إِنَّ لدخولِ اللامِ في الخبرِ، وهي في معنى (أن) - بفتح الألِف- وقرىء شاذاً «١» : «أنَّ لَكُمْ» بالفتح، وقرأ الأعرج «٢» : «أنّ/ لَكُمْ فِيهِ» على الاستفهام، ثم خَاطَب تعالى الكفارَ بقولهِ: أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ كأنه يقُولُ هل أقْسَمْنَا لكم قَسَماً فهو عَهْدٌ لكم بأنَّا نُنَعِّمُكُمْ في يومِ القيامة، وما بعدَه، وقرأ الأعرج «٣» : «آن لكم لما تحكمون» على الاستفهامِ، أيضاً.

سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ أي: ضَامِنٌ ت: قال الهروي: وقوله: أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ أي مُؤكَّدَة، انتهى.

وقوله تعالى: فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ قيل: هو استدعاءٌ وتوقيفٌ في الدنيا، أي:

لِيُحْضِرُوهُم حَتَّى يُرَى هلْ هُمْ بحالِ مَنْ يَضُرُّ وينفعُ أم لا؟

وقيلَ: هو استدعاءٌ وتوقيف على أن يأتوا بهم يومَ القيامةِ يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وقرأ ابن عباس «٤» : «تُكْشَفُ» - بضم التاء- على مَعْنَى: تُكْشَفُ القيامةُ والشدةُ والحالُ الحاضرة، وقرأ ابن عباس «٥» أيضاً:

«تَكْشِفُ» - بفتح التاء- على أنَّ القيامةَ هي الكاشِفَةُ، وهذه القراءة مفسِّرَة لقراءَةِ الجماعةِ، فما وَرَدَ في الحديثِ والآيةِ مِنْ كَشْفِ الساقِ فهو عبارة عَنْ شدةِ الهول.

وقوله- جلت عظمته-: وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ وفي الحديثِ الصحيحِ: «فَيَخِرُّونَ للَّهِ سُجّداً أجْمَعونَ ولا يبقى أحَدٌ كَانَ يسجدُ في الدنيا رياءً ولا سمعةً ولاَ نِفَاقاً إلا صَارَ ظهرُهُ طَبَقاً وَاحِداً كُلَّما أرَادَ أنْ يسجد خرّ على قفاه» «٦» ، الحديث، وفي

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

﴿ يَوْمَ يُكْشَفُ ﴾ المَعْنى: فَلْيَأْتُوا بِها يَوْمَ يُكْشَفُ ﴿ عَنْ ساقٍ.

﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: "يُكْشَفُ" بِضَمِّ الياءِ، وفَتْحِ الشِّينِ.

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وأبُو الجَوْزاءِ، بِفَتْحِ الياءِ، وبِكَسْرِ الشِّينِ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ: "تَكْشِفُ" بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ، وكَسْرِ الشِّينِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وابْنُ يَعْمَرَ، والضَّحّاكُ: "نَكْشِفُ" بِنُونٍ مَفْتُوحَةٍ مَعَ كَسْرِ الشِّينِ.

وهَذا اليَوْمُ هو يَوْمُ القِيامَةِ.

وقَدْ رَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ ﴾ قالَ: يُكْشَفُ عَنْ شِدَّةٍ، وأنْشَدَ: وقامَتِ الحَرْبُ بِنا عَلى ساقْ وَهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وأصْلُ هَذا أنَّ الرَّجُلَ إذا وقَعَ في أمْرٍ عَظِيمٍ يَحْتاجُ إلى مُعاناتِهِ والجِدِّ فِيهِ، شَمَّرَ عَنْ ساقِهِ، فاسْتُعِيرَتِ السّاقُ في مَوْضِعِ الشِّدَّةِ، هَذا قَوْلُ الفَرّاءُ، وأبِي عُبَيْدَةَ، واللُّغَوِيِّينَ.

وقَدْ أُضِيفَ هَذا الأمْرُ إلى اللَّهِ تَعالى.

فَرُوِيَ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ "يَكْشِفُ عَنْ ساقِهِ"،» وهَذا إضافَةٌ إلَيْهِ، لِأنَّ الكُلَّ لَهُ وفِعْلُهُ.

وقالَ أبُو عُمَرَ الزّاهِدُ: يُرادُ بِها النَّفْسُ، ومِنهُ قَوْلُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أُقاتِلُهم ولَوْ تَلِفَتْ ساقِي، أيْ: نَفْسِي.

فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى يَتَجَلّى لَهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ ﴾ يَعْنِي: المُنافِقِينَ ﴿ فَلا يَسْتَطِيعُونَ ﴾ كَأنَّ في ظُهُورِهِمْ سَفافِيدَ الحَدِيدِ.

قالَ النَّقّاشُ: ولَيْسَ ذَلِكَ بِتَكْلِيفٍ لَهم أنْ يَسْجُدُوا، وهم عَجَزَةٌ، ولَكِنَّهُ تَوْبِيخٌ لَهم بِتَرْكِهِمُ السُّجُودَ ﴿ خاشِعَةً أبْصارُهُمْ ﴾ أيْ: خاضِعَةً ﴿ تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ ﴾ أيْ: تَغْشاهم ﴿ وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ ﴾ يَعْنِي: بِالأذانِ في دارِ الدُّنْيا، ويُؤْمَرُونَ بِالصَّلاةِ المَكْتُوبَةِ ﴿ وَهم سالِمُونَ ﴾ أيْ: مُعافَوْنَ لَيْسَ في أصْلابِهِمْ مِثْلُ سَفافِيدِ الحَدِيدِ.

وفي هَذا وعِيدٌ لِمَن تَرَكَ صَلاةَ الجَماعَةِ.

وكانَ كَعْبٌ يَقُولُ: واللَّهِ ما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ إلّا في الَّذِينَ يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الجَماعاتِ ﴿ فَذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ بِهَذا الحَدِيثِ ﴾ يَعْنِي: القُرْآنَ.

والمَعْنى: خَلِّ بَيْنِي وبَيْنَهُ.

قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: لا تُشْغِلْ قَلْبَكَ بِهِ، كِلْهُ إلَيَّ فَأنا أكْفِيكَ أمْرَهُ.

وذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذا القَدْرَ مِنَ الآيَةِ إلى قَوْلِهِ: "الحَدِيثِ" مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.

وما بَعْدَ هَذا مُفَسَّرٌ في [الأعْرافِ: ١٨٢ .

١٨٣] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أمْ تَسْألُهم أجْرًا ﴾ فَإنَّها مُفَسَّرَةٌ والَّتِي قَبْلَها في [الطُّورِ: ٤٠،٣٩] .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ ﴾ ﴿ سَلْهم أيُّهم بِذَلِكَ زَعِيمٌ ﴾ ﴿ أمْ لَهم شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إنْ كانُوا صادِقِينَ ﴾ ﴿ يَوْمَ يُكْشَفُ عن ساقٍ ويُدْعَوْنَ إلى السُجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ ﴾ ﴿ خاشِعَةً أبْصارُهم تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ وقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُجُودِ وهم سالِمُونَ ﴾ ﴿ فَذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ بِهَذا الحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴾ مُخاطَبَةٌ لِلْكُفّارِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: هَلْ أقْسَمْنا لَكم قَسَمًا فَهو عَهْدٌ لَكم بِأنّا نُنَعِّمُكم في يَوْمِ القِيامَةِ وما بَعْدَهُ؟

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "بالِغَةٌ" بِالرَفْعِ عَلى الصِفَةِ لِـ "أيْمانٌ"، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "بالِغَةً" بِالنَصْبِ عَلى الحالِ، وهي حالٌ مِن نَكِرَةٍ مُخَصَّصَةٍ بِقَوْلِهِ تَعالى: "عَلَيْنا"، وقَرَأ الأعْرَجُ: "أئِنَّ لَكُمْ"، وكَذَلِكَ في الَّتِي تَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ  ﴾ .

ثُمَّ أمَرَ اللهُ تَعالى مُحَمَّدًا  -عَلى جِهَةِ إقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ- أنْ يَسْألَهم عَنِ الزَعِيمِ لَهم بِذَلِكَ مَن هُوَ؟

والزَعِيمُ: الضامِنُ لِلْأمْرِ والقائِمُ بِهِ.

ثُمَّ وقَّفَهم تَعالى عَلى أمْرِ الشُرَكاءِ عَسى أنْ يَظُنُّوا أنَّهم يَنْفَعُونَهم في شَيْءٍ مِن هَذا، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "أمْ لَهم شِرْكٌ فَلْيَأْتُوا بِشِرْكِهِمْ" بِكَسْرِ الشِينِ دُونَ ألِفٍ، والمُرادُ بِذَلِكَ -عَلى القِراءَتَيْنِ- الأصْنامُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ ﴾ قِيلَ: هو اسْتِدْعاءٌ وتَوْقِيفٌ في الدُنْيا، أيْ: لِيَحْضُرُوهم حَتّى نَرى هَلْ هم بِحالِ مَن يَضُرُّ ويَنْفَعُ أمْ لا، وقِيلَ: هو اسْتِدْعاءٌ وتَوْقِيفٌ عَلى أنْ يَأْتُوا بِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، يَوْمَ يُكْشَفُ عن ساقٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يُكْشَفُ عن ساقٍ ﴾ ، قالَ مُجاهِدٌ: هي أوَّلُ ساعَةٍ مِنَ القِيامَةِ، وهي أفْظَعُها، وتَظاهُرُ حَدِيثٍ عَنِ النَبِيِّ  « "أنَّهُ يُنادِي مُنادٍ يَوْمَ القِيامَةِ: لِيَتْبَعَ كُلُّ أحَدٍ ما كانَ يَعْبُدُ، قالَ: فَيَتَّبِعُ مَن كانَ يَعْبُدُ الشَمْسَ الشَمْسَ، ويَتَّبِعُ مَن كانَ يَعْبُدُ القَمَرَ القَمَرَ، وكَذَلِكَ كَلُّ عابِدٍ لِكُلِّ مَعْبُودٍ، ثُمَّ تَبْقى هَذِهِ الأُمَّةُ وغَبَراتُ أهْلِ الكِتابِ مَعَهم مُنافِقُوهم وكَثِيرٌ مِنَ الكَفَرَةِ، فَيُقالُ لَهُمْ: ما شَأْنُكُمْ؟

لِمَ تَقِفُونَ وقَدْ ذَهَبَ الناسُ؟

فَيَقُولُونَ: نَنْتَظِرُ رَبَّنا، قالَ: فَيَجِيئُهُمُ اللهُ في غَيْرِ الصُورَةِ الَّتِي عَرِفُوهُ بِها، فَيَقُولُ: أنا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللهِ مِنكَ، قالَ: فَيَقُولُ: أتَعْرِفُونَهُ بِعَلامَةٍ تَرَوْنَها؟

فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَكْشِفُ لَهم عن ساقٍ، فَيَقُولُونَ نَعَمْ أنْتَ رَبُّنا، ويَخِرُّونَ لِلسُّجُودِ، فَيَسْجُدُ كُلُّ مُؤْمِنٍ وتَرْجِعُ أصْلابُ المُنافِقِينَ والكُفّارِ كَصَياصِي البَقَرِ عَظْمًا واحِدًا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سُجُودًا".» هَكَذا هو الحَدِيثُ وإنِ اخْتَلَفَتْ مِنهُ ألْفاظٌ بِزِيادَةٍ ونُقْصانٍ، وعَلى كُلِّ وَجْهٍ مِمّا ذَكَرْتُهُ فِيهِ كَشْفُ الساقِ وما في الآيَةِ أيْضًا مِن ذَلِكَ فَإنَّما هو عِبارَةٌ عن شِدَّةِ الهَوْلِ وعِظَمِ القُدْرَةِ الَّتِي يَرى اللهُ تَعالى ذَلِكَ اليَوْمَ، حَتّى يَقَعَ العِلْمُ أنَّ تِلْكَ القُدْرَةَ إنَّما هي لِلَّهِ تَعالى وحْدَهُ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ في صِفَةِ الحَرْبِ: كَشَفَتْ لَهم عن ساقِها وبَدا عَنِ الشَرِّ البَراحُ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: قَدْ شَمَّرَتْ عن ساقِها فَشَدُّوا ∗∗∗...............

وقَوْلُ الآخَرِ: في سَنَةٍ قَدْ كَشَفَتْ عن ساقِها ∗∗∗ حَمْراءَ تَبْرِي اللَحْمَ عن عِراقِها وَأصْلُ ذَلِكَ أنَّهُ مَن أرادَ الجِدَّ في أمْرٍ يُحاوِلُهُ فَإنَّهُ يَكْشِفُ عن ساقِهِ تَشْمِيرًا وجِدًّا، وقَدْ مَدَحَ الشُعَراءُ بِهَذا المَعْنى، فَمِنهُ قَوْلُ دُرَيْدٍ: كَمِيشُ الإزارِ خارِجٌ نِصْفُ ساقِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ صَبُورٌ عَلى الأعْداءِ طَلّاعُ أنْجَدُ وعَلى هَذا مَن أرادَ الجِدَّ والتَشْمِيرَ في طاعَةِ اللهِ تَعالى، قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "إزْرَةُ المُؤْمِنِ إلى أنْصافِ ساقِهِ".» وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يُكْشَفُ" بِضَمِّ الياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "يَكْشِفُ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الشِينِ عَلى مَعْنى: يَكْشِفُ اللهُ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "تَكْشِفُ" بِفَتْحِ التاءِ عَلى أنَّ القِيامَةَ هى الكاشِفَةُ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: "تُكْشَفُ" بِضَمِّ التاءِ عَلى مَعْنى: تُكْشَفُ القِيامَةُ والشِدَّةُ الحالُ الحاضِرَةُ، وحَكى الأخْفَشُ عنهُ أنَّهُ قَرَأ: "نَكْشِفُ" بِالنُونِ مَفْتُوحَةً وكَسْرِ الشِينِ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُدْعَوْنَ ﴾ ظاهِرُهُ أنَّ ثَمَّ دُعاءٌ إلى سُجُودٍ، وهَذا يَرُدُّهُ ما قَدْ تَقَرَّرَ في الشَرْعِ مِن أنَّ الآخِرَةَ لَيْسَتْ بِدارِ عَمَلٍ، وأنَّها لا تَكْلِيفَ فِيها، فَإذا كانَ هَذا فَإنَّما الداعِي ما يَرَوْنَهُ مِن سُجُودِ المُؤْمِنِينَ فَيُرِيدُونَ هم أنْ يَسْجُدُوا عِنْدَ ذَلِكَ فَلا يَسْتَطِيعُونَ، وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ العُلَماءِ إلى أنَّهم يُدْعَوْنَ إلى السُجُودِ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ، وخَرَجَ بَعْضُ الناسِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا يَسْتَطِيعُونَ ﴾ أنَّهم كانُوا يَسْتَطِيعُونَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وذَلِكَ غَيْرُ لازِمٍ، وَعَقِيدَةُ الأشْعَرِيَّةِ أنَّ الِاسْتِطاعَةَ إنَّما تَكُونُ مَعَ التَلَبُّسِ بِالفِعْلِ لا قَبْلَهُ، وهَذا القَدْرُ كافٍ مِن هَذِهِ المَسْألَةِ هاهُنا.

و"خاشِعَةً" نُصِبَ عَلى الحالِ، وجَوارِحُهم كُلُّها خاشِعَةٌ، أيْ: ذَلِيلَةٌ، ولَكِنَّهُ تَعالى خَصَّ الأبْصارَ بِالذِكْرِ لِأنَّ الخُشُوعَ فِيها أبْيَنُ مِنهُ في كُلِّ جارِحَةٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ ﴾ مَعْناهُ: تُزْعِجُ نُفُوسَهم وتَظْهَرُ عَلَيْهِمْ ظُهُورًا يُخْزِيهِمْ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُجُودِ ﴾ يُرِيدُ في دارِ الدُنْيا وهم سالِمُونَ مِمّا نالَ عِظامُ ظُهُورِهِمْ مِنَ الِاتِّصالِ والعُتُوِّ، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: السُجُودُ هُنا عِبارَةٌ عن جَمِيعِ الطاعاتِ، وخَصَّ السُجُودَ بِالذِكْرِ مِن حَيْثُ هو عِظَمُ الطاعاتِ، ومِن حَيْثُ بِهِ وقَعَ امْتِحانُهم في الآخِرَةِ، وقالَ إبْراهِيمُ التَيْمِيُّ، والشَعْبِيُّ: أرادَ بِالسُجُودِ الصَلَواتِ المَكْتُوبَةَ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: المَعْنى: كانُوا يَسْمَعُونَ النِداءَ لِلصَّلاةِ و"حَيَّ عَلى الفَلاحِ" فَلا يُجِيبُونَ، وفَلَجَ الرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمٍ فَكانَ يُهادِي بَيْنَ رَجُلَيْنِ إلى المَسْجِدِ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّكَ لَمَعْذُورٌ، فَقالَ: مَن سَمِعَ "حَيَّ عَلى الفَلاحِ" فَلْيُجِبْ ولَوْ حَبْوًا،وَقِيلَ لِابْنِ المُسَيِّبِ: إنَّ طارِقًا يُرِيدُ قَتْلَكَ فاجْلِسْ في بَيْتِكَ، فَقالَ: أسْمَعُ "حَيَّ عَلى الفَلاحِ" فَلا أُجِيبُ؟

واللهِ لا فَعَلْتُ.

وهَذا كُلُّهُ قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ بِهَذا الحَدِيثِ ﴾ وعِيدٌ، ولَمْ يَكُنْ ثَمَّ مانِعٌ ولَكِنَّهُ كَما تَقُولُ: "دَعْنِي مَعَ فُلانٍ"، أيْ: سَأُعاقِبُهُ، و"مَن" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَطْفًا عَلى الضَمِيرِ فِي: "ذَرْنِي"، أو نُصِبَ عَلى المَفْعُولِ مَعَهُ، و"الحَدِيثُ" المُشارُ إلَيْهِ هو القُرْآنُ المُخْبِرُ بِهَذِهِ الغُيُوبِ.

و"الِاسْتِدْراجُ" هو الحَمْلُ مِن رُتْبَةٍ إلى رُتْبَةٍ حَتّى يَصِيرَ المَحْمُولُ إلى شَرٍّ، وإنَّما يُسْتَعْمَلُ الِاسْتِدْراجُ في الشَرِّ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الدُرْجِ، قالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: تُسْبَغُ عَلَيْهِمُ النِعَمُ، ويَمْنَعُونَ الشُكْرَ، وقالَ غَيْرُهُ: كُلَّما زادُوا ذَنْبًا زِيدُوا نِعْمَةً، وفي مَعْنى الِاسْتِدْراجِ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "إنَّ اللهَ تَعالى يُمْلِي لِلظّالِمِ حَتّى إذا أخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ"،» وقالَ الحَسَنُ: "كَمْ مِن مُسْتَدْرِجٍ بِالإحْسانِ إلَيْهِ ومَغْرُورٍ بِالسَتْرِ عَلَيْهِ".

و"أُمْلِي لَهُمْ" مَعْناهُ: أُؤَخِّرُهم مِلاوَةً مِنَ الزَمانِ، وهي البُرْهَةُ والقِطْعَةُ، يُقالُ: مُلاوَةٌ بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِها وكَسْرِها، و"الكَيْدُ" عِبارَةٌ عَنِ العُقُوبَةِ الَّتِي تَحِلُّ بِالكَفّارِ مِن حَيْثُ هي عَلى كَيْدٍ مِنهُمْ، فَسَمّى العُقُوبَةَ بِاسْمِ الذَنْبِ، و"المَتِينُ": القَوِيُّ الَّذِي لَهُ مَتانَةٌ، ومِنهُ المَتْنُ: الظَهْرُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

يجوز أن يكون ﴿ يوم يُكشف ﴾ متعلقاً بقوله: ﴿ فليأتوا بشركائهم ﴾ [القلم: 41]، أي فليأتوا بالمزعومين يومَ القيامة، وهذا من حُسن التخلص إلى ذكر أهوال القيامة عليهم.

ويجوز أن يكون استئنافاً متعلقاً بمحذوف تقديره: اذكُرْ يوم يُكشف عن ساق ويُدعون إلى السجود الخ للتذكير بأهوال ذلك اليوم.

وعلى كلا الوجهين في تعلق ﴿ يوم ﴾ فالمراد باليوم يوم القيامة.

والكشف عن ساق: مثَل لشدة الحال وصعوبة الخطب والهول، وأصله أن المرء إذا هلع أن يسرع في المشي ويشمر ثيابه فيكشف عن ساقه كما يقال: شمر عن ساعد الجد، وأيضاً كانوا في الروع والهزيمة تشمر الحرائر عن سوقهن في الهرب أو في العمل فتنكشف سوقهن بحيث يشغلهن هول الأمر عن الاحتراز من إبداء ما لا تبدينه عادةً، فيقال: كشفت عن ساقها أو شَمَّرت عن ساقها، أو أبْدت عن ساقها، قال عبد الله بن قيس الرقيات: كيف نوْمي على الفراش ولما *** تشملْ الشامَ غارةٌ شَعْواء تُذهل الشيخ عن بنيه وتبدي *** عن خِدَام العقيلة العذراء وفي حديث غزوة أحد قال أنس بن مالك: «انهزم الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم ولقد رأيت عائشة وأم سليم وأنهما لمشمّرتان أرى خَدَم سوقهمَا تنقلان القِرَب على متُونهما ثم تُفْرِغَانها في أفواه القوم ثم ترجعان فتملآنها» الخ، فإذا قالوا: كشف المرء عن ساقه فهو كناية عن هول أصابه وإن لم يكن كشف ساقه.

وإذا قالوا: كشف الأمر عن ساق، فقد مثلوه بالمرأة المروعة، وكذلك كشفت الحرب عن ساقها، كل ذلك تمثيل إذ ليس ثمة ساق قال حاتم: فتى الحرب عضّت به لحرب الحرب عضها *** وإن شمرت عن سَاقها الحرب شمَّرا وقال جد طرفة من الحماسة: كشفتْ لهم عن ساقها *** وبدا من الشر البَواح وقرأ ابن عباس ﴿ يوم تَكشف ﴾ بمثناة فوقية وبصيغة البناء للفاعل على تقدير تكشف الشدة عن ساقها أو تكشف القيامة، وقريب من هذا قولهم: قامت الحرب على ساق.

والمعنى: يوم تبلغ أحوال الناس منتهى الشدة والروْع، قال ابن عباس: يكشف عن ساق: عن كرب وشدة، وهي أشد ساعة في يوم القيامة.

وروى عبد بن حميد وغيره عن عكرمة عن ابن عباس أنه سئل عن هذا، فقال: «إذا خفي عليكم شيء من القرآن فابتغوه في الشعر فإنه ديوان العرب»، أما سمعتم قول الشاعر: صبراً عَنَاقُ إنه لشِرْباقْ *** فقد سنّ لي قومُككِ ضربَ الأعناقْ وقامت الحرب بنا على ساق *** وقال مجاهد: ﴿ يكشف عن ساق ﴾ : شدّة الأمر.

وجملة ﴿ ويُدْعون ﴾ ليس عائداً إلى المشركين مثل ضمير ﴿ إِنا بلوناهم ﴾ [القلم: 17] إذ لا يساعد قوله: ﴿ وقد كانوا يدعون إلى السجود ﴾ فإن المشركين لم يكونوا في الدنيا يُدْعَون إلى السجود.

فالوجه أن يكون عائداً إلى غير مذكور، أي ويُدعَى مدعوون فيكون تعريضاً بالمنافقين بأنهم يحشرون مع المسلمين ويمتحن الناس بدعائهم إلى السجود ليتميز المؤمنون الخُلص عن غيرهم تَميز تشريف فلا يستطيع المنافقون السجود فيفتضح كفرهم، قال القرطبي عن قيس بن السكن عن عبد الله بن مسعود: فمن كان يعبد الله مخلصاً يخِرُّ ساجداً له ويبقى المنافقون لا يستطيعون كأنَّ في ظهورهم السفافيد اه.

فيكون قوله تعالى: ﴿ ويدعون إلى السجود ﴾ إدماجاً لذكر بعض ما يحصل من أحوال ذلك اليوم.

وفي «صحيح مسلم» من حديث الرؤية وحديث الشفاعة عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " فيُكشف عن ساق فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلاّ أذن الله له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد رياء إلاّ جعل الله ظهره طبقَة واحدة كلما أراد أن يسجد خرّ على قفاه " الحديث، فيصلح ذلك تفسيراً لهذه الآية.

وقد اتبع فريق من المفسرين هذه الرواية وقالوا: يكشِف الله عن ساقه، أي عن مثل الرِجْل ليراها الناس ثم قالوا هذا من المتشابه، على أنه روي عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: ﴿ عن ساقِ ﴾ قال يكشف عن نور عظيم يَخرون له سجداً.

ورُويت أخبار أخرى ضعيفة لا جدوى في ذكرها.

و ﴿ السجود ﴾ الذي يُدعون إليه: سجودُ الضراعة والخضوع لأجل الخلاص من أهوال الموقف.

وعدم استطاعتهم السجود لسلب الله منهم الاستطاعة على السجود ليعلموا أنهم لا رجاء لهم في النجاة.

والذي يدعوهم إلى السجود الملائكة الموكلون بالمحشر بأمر الله تعالى كقوله تعالى: ﴿ مهطعين إلى الداعي ﴾ [القمر: 68]، أو يدعو بعضهم بعضاً بإلهام من الله تعالى، وهو نظير الدعوة إلى الشفاعة في الأثر المروي «فيقول بعضهم لبعض: لو استشفعنا إلى ربّنا حتى يريحنا من موقفنا هذا».

وخشوع الأبصار: هيئة النظر بالعين بذلة وخَوف، استعير له وصف ﴿ خاشعة ﴾ لأن الخاشع يكون مطأطئا مختفياً.

و ﴿ ترهقهم ﴾ : تحل بهم وتقترب منهم بحرص على التمكن منهم، رَهِقَ من باب فَرِح قال تعالى: ﴿ تَرْهَقُها قَتَرة ﴾ [عبس: 41].

وجملة ﴿ ترهقهم ذلة ﴾ حال ثانية من ضمير وجملة وقد كانوا يُدْعَوْن إلى السجود وهم سالمون} معترضة بين ما قبلها وما تفرع عنها، أي كانوا في الدّنيا يُدعون إلى السجود لله وحده وهم سالمون من مثل الحالة التي هم عليها في يوم الحشر.

والواو للحال وللاعتراض.

وجملة ﴿ وهم سالمون ﴾ حال من ضمير ﴿ يُدعون ﴾ أي وهم قادرون لا علة تعوقهم عنه في أجسادهم.

والسلامة: انتفاء العلل والأمراض بخلاف حالهم يوم القيامة فإنهم مُلْجَأُون لعدم السجود.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: عَنْ ساقِ الآخِرَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: السّاقُ الغِطاءُ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ في سَنَةٍ قَدْ كَشَفَتْ عَنْ ساقِها حَمْراءَ تَبْرِي اللَّحْمَ عَنْ عِراقِها الثّالِثُ: أنَّهُ الكَرْبُ والشِّدَّةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ كَشَفَتْ لَهم عَنْ ساقِها ∗∗∗ وبَدا مِنَ الشَّرِّ الصُّراحِ الرّابِعُ: هو إقْبالُ الآخِرَةِ وذَهابُ الدُّنْيا، قالَ الضَّحّاكُ: لِأنَّهُ أوَّلُ الشَّدائِدِ، كَما قالَ الرّاجِزُ قَدْ كَشَفَتْ عَنْ ساقِها فَشُدُّوا ∗∗∗ وجَدَّتِ الحَرْبُ بِكم فَجُدُّوا فَأمّا ما رُوِيَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَكْشِفُ عَنْ ساقِهِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ التَّبْعِيضِ والأعْضاءِ وأنْ يَنْكَشِفَ أوْ يَتَغَطّى، ومَعْناهُ أنَّهُ يَكْشِفُ عَنِ العَظِيمِ مِن أمْرِهِ، وقِيلَ يَكْشِفُ عَنْ نُورِهِ.

وَفي هَذا اليَوْمِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ يَوْمُ الكِبَرِ والهَرَمِ والعَجْزِ عَنِ العَمَلِ.

الثّانِي: أنَّهُ يَوْمُ حُضُورِ المُنْيَةِ والمُعايَنَةِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ.

﴿ وَيُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ ﴾ فَمِن قالَ في هَذا اليَوْمِ إنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ جَعَلَ الأمْرَ بِهَذا السُّجُودِ عَلى وجْهِ التَّكْلِيفِ.

وَمَن جَعَلَهُ في الدُّنْيا فَلَهم في الأمْرِ بِهَذا السُّجُودِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَكْلِيفٌ.

الثّانِي: تَنَدُّمٌ وتَوْبِيخٌ لِلْعَجْزِ عَنْهُ، وكانَ ابْنُ بَحْرٍ يَذْهَبُ إلى أنَّ هَذا الدُّعاءَ إلى السُّجُودِ إنَّما كانَ في وقْتِ الِاسْتِطاعَةِ، فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا بَعْدَ العَجْزِ أنْ يَسْتَدْرِكُوا ما تَرَكُوا.

﴿ فَذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ بِهَذا الحَدِيثِ ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: يَعْنِي القُرْآنَ.

وَيَحْتَمِلُ آخَرَ أيْ بِيَوْمِ القِيامَةِ.

﴿ سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: سَنَأْخُذُهم عَلى غَفْلَةٍ وهم لا يَعْرِفُونَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: نَتْبَعُ النِّعْمَةَ السَّيِّئَةَ ونُنْسِيهِمُ التَّوْبَةَ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: نَأْخُذُهم مِن حَيْثُ دَرَجُوا ودَبُّوا، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

الرّابِعُ: هو تَدْرِيجُهم إلى العَذابِ بِإدْنائِهِمْ مِنهُ قَلِيلًا بَعْدَ قَلِيلٍ حَتّى يُلاقِيَهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، لِأنَّهم لَوْ عَلِمُوا وقْتَ أخْذِهِمْ بِالعَذابِ ما ارْتَكَبُوا المَعاصِيَ وأيْقَنُوا بِآمالِهِمْ.

الخامِسُ: ما رَواهُ إبْراهِيمُ بْنُ حَمّادٍ، قالَ الحَسَنُ: كَمْ مِن مُسْتَدْرَجٍ بِالإحْسانِ إلَيْهِ، وكَمْ مِن مَغْبُونٍ بِالثَّناءِ عَلَيْهِ، وكَمْ مِن مَغْرُورٍ بِالسَّتْرِ عَلَيْهِ.

والِاسْتِدْراجُ: النَّقْلُ مِن حالٍ إلى حالٍ كالتَّدَرُّجِ، ومِنهُ قِيلَ دَرَجَةٌ وهي مَنزِلَةٌ بَعْدَ مَنزِلَةٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج البخاري وابن المنذر وابن مردويه عن أبي سعيد سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة، فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقاً واحداً» .

وأخرج ابن مندة في الرد على الجهمية عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ﴿ يوم يكشف عن ساق ﴾ قال: يكشف الله عز وجل عن ساقه» وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن منده عن ابن مسعود في قوله: ﴿ يوم يكشف عن ساق ﴾ قال: عن ساقيه تبارك وتعالى.

قال ابن منده: لعله في قراءة ابن مسعود ﴿ يكشف ﴾ بفتح الياء وكسر الشين.

وأخرج أبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات وضعفه وابن عساكر عن أبي موسى «عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ يوم يكشف عن ساق ﴾ قال: عن نور عظيم فيخرون له سجداً» .

وأخرج الفريابي وسعيد بن مصور وابن منده والبيهقي في الأسماء والصفات من من طريق إبراهيم النخعي في قوله: ﴿ يوم يكشف عن ساق ﴾ قال: قال ابن عباس يكشف عن أمر عظيم، ثم قال: قد قامت الحرب على ساق، قال: وقال ابن مسعود: يكشف عن ساقه فيسجد كل مؤمن ويعصو ظهر الكافر فيصير عظماً واحداً.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات من طريق عكرمة عن ابن عباس أنه سئل عن قوله: ﴿ يوم يكشف عن ساق ﴾ قال: إذا خفي عليكم شيء من القرآن فابتغوه في الشعر فإنه ديوان العرب أما سمعتم قول الشاعر: أصبر عناق أنه شر باق ** قد سن لي قومك ضرب الأعناق وقامت الحرب بنا على ساق قال ابن عباس: هذا يوم كرب وشدة.

وأخرج الطستي في مسائلة عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ يوم يكشف عن ساق ﴾ قال: عن شدة الآخرة قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت قول الشاعر: قد قامت الحرب بنا على ساق وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس ﴿ يوم يكشف عن ساق ﴾ قال: هو الأمر الشديد المفظع من الهول يوم القيامة.

وأخرج ابن مندة عن ابن عباس في قوله: ﴿ يوم يكشف عن ساق ﴾ قال: عن شدة الآخرة.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن منده عن مجاهد في قوله: ﴿ يوم يكشف عن ساق ﴾ قال: عن شدة الأمر وجده قال: وكان ابن عباس يقول: هي أشد ساعة تكون يوم القيامة.

وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس أنه قرأ ﴿ يوم يكشف عن ساق ﴾ قال: يريد القيامة والساعة لشدتها.

وأخرج البيهقي عن ابن عباس في قوله: ﴿ يوم يكشف عن ساق ﴾ قال: حين يكشف الأمر وتبدو الأعمال، وكشفه دخول الآخرة وكشف الأمر عنه.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن منده من طريق عمرو بن دينار قال: كان ابن عباس يقرأ ﴿ يوم تكشف عن ساق ﴾ بفتح التاء، قال أبو حاتم السجستاني: أي تكشف الآخرة عن ساقها يستبين منها ما كان غائباً.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ يوم يكشف عن ساق ﴾ بالياء ورفع الياء.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في الأسماء والصفات عن عكرمة أنه سئل عن قوله: ﴿ يوم يكشف عن ساق ﴾ قال: إن العرب كانوا إذا اشتد القتال فيهم والحرب، وعظم الأمر فيهم قالوا لشدة ذلك: قد كشفت الحرب عن ساق، فذكر الله شدة ذلك اليوم بما يعرفون.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن سعيد بن جبير أنه سئل عن قوله: ﴿ يوم يكشف عن ساق ﴾ فغضب غضباً شديداً وقال: إن أقواماً يزعمون أن الله يكشف عن ساقه، وإنما يكشف عن الأمر الشديد.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون ﴾ قال: هم الكفار كانوا يدعون في الدنيا وهم آمنون فاليوم يدعون وهم خائفون، ثم أخبر الله سبحانه أنه حال بين أهل الشرك وبين طاعته في الدنيا والآخرة، فأما في الدنيا، فإنه قال: ما كانوا يستطيعون السمع وهي طاعته، وما كانوا يبصرون وأما الآخرة فإنه قال: لا يستطيعون خاشعة أبصارهم.

وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في الآية قال: أخبرنا أن بين كل مؤمنين منافقاً يوم القيامة، فيسجد المؤمنان وتقسو ظهور المنافقين، فلا يستطيعون السجود ويزدادون لسجود المؤمنين توبيخاً وحسرة وندامة.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ يوم يكشف عن ساق ﴾ قال: عن بلاء عظيم.

وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم النخعي ﴿ يوم يكشف عن ساق ﴾ قال: عن أمر عظيم الشدة.

وأخرج عبد بن حميد عن الربيع بن أنس ﴿ يوم يكشف عن ساق ﴾ قال: عن الغطاء، فيقع من كان آمن به في الدنيا، فيسجدون له، ويدعى الآخرون إلى السجود فلا يستطيعون، لأنهم لم يكونوا آمنوا به في الدنيا، ولا يبصرونه ولا يستطيعون السجود وهم سالمون في الدنيا.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ يوم يكشف عن ساق ﴾ قال: أمر فظيع جليل، ﴿ ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون ﴾ قال: ذلكم يوم القيامة ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «يؤذن للمؤمنين يوم القيامة في السجود فيسجد المؤمنون وبين كل مؤمنين منافق، فيتعسر ظهر المنافق عن السجود، ويجعل الله سجود المؤمنين عليهم توبيخاً وصغاراً وذلاً وندامة وحسرة» وفي قوله: ﴿ وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون ﴾ قال: في الصلوات.

وأخرج ابن مردويه عن كعب الحبر قال: والذي أنزل التوراة على موسى والإِنجيل على عيسى والزبور على داود والفرقان على محمد أنزلت هذه الآيات في الصلوات المكتوبات حيث ينادي بهن ﴿ يوم يكشف عن ساق ﴾ إلى قوله: ﴿ وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون ﴾ الصلوات الخمس إذا نودي بها.

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ وقد كانوا يدعون إلى السجود ﴾ قال: الصلوات في الجماعات.

وأخرج البيهقي عن ابن عباس في قوله: ﴿ وقد كانوا يدعون إلى السجود ﴾ قال: الرجل يسمع الأذان فلا يجيب الصلاة.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يجمع الله الخلائق يوم القيامة ثم ينادي مناد: من كان يعبد شيئاً فليتبعه، فيتبع كل قوم ما كانوا يعبدون، ويبقى المسلمون وأهل الكتاب، فيقال لليهود: ما كنتم تعبدون؟

فيقولون الله وموسى، فيقال لهم: لستم من موسى وليس موسى منكم، فيصرف بهم ذات الشمال، ثم يقال للنصارى: ما كنتم تعبدون؟

فيقولون الله وعيسى.

فيقال لهم: لستم من عيسى وليس عيسى منكم، ثم يصرف بهم ذات الشمال، ويبقى المسلمون فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟

فيقولون: الله، فيقال لهم: هل تعرفونه؟

فيقولون: إن عرّفنا نفسه عرفناه، فعند ذلك يؤذن لهم في السجود بين كل مؤمنين منافق، فتقصم ظهورهم عن السجود، ثم قرأ هذه الآية ﴿ ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون ﴾ » .

وأخرج إسحاق بن راهويه في مسنده وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا والطبراني والآجري في الشريعة والدارقطني في الرؤية والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يجمع الله الناس يوم القيامة، وينزل الله في ظلل من الغمام فينادي منادٍ يا أيها الناس ألم ترضوا من ربكم الذي خلقكم وصوّركم ورزقكم أن يولي كل إنسان منكم ما كان يعبد في الدنيا ويتولى أليس ذلك من ربكم عدلاً؟

قالوا: بلى، قال: فينطلق كل إنسان منكم إلى ما كان يعبد في الدنيا ويتمثل لهم ما كانوا يعبدون في الدنيا، فيتمثل لمن كان يعبد عيسى شيطان عيسى، ويتمثل لمن كان يعبد عزيراً شيطان عزير، حتى يمثل لهم الشجرة والعود والحجر ويبقى أهل الإِسلام جثوماً فيتمثل لهم الرب عز وجل، فيقول لهم: ما لكم لم تنطلقوا كما انطلق الناس؟

فيقولون: إن لنا ربّاً ما رأيناه بعد، فيقول: فبم تعرفون ربكم إن رأيتموه؟

قالوا: بيننا وبينه علامة إن رأيناه عرفناه.

قال: وما هي؟

قال: ﴿ يكشف عن ساق ﴾ فيكشف عند ذلك عن ساق فيخر كل من كان يسجد طائعاً ساجداً، ويبقى قوم ظهورهم كصياصي البقر يريدون السجود فلا يستطيعون، ثم يؤمرون فيرفعوا رؤوسهم، فيعطون نورهم على قدر أعمالهم، فمنهم من يعطى نوره مثل الجبل بين يديه، ومنهم من يعطى نوره فوق ذلك، ومنهم من يعطى نوره مثل النخلة بيمينه، ومنهم من يعطى نوره دون ذلك بيمينه، حتى يكون آخر ذلك من يعطى نوره على إبهام قدميه يضيء مرة ويطفأ مرة، فإذا أضاء قدم قدمه، وإذا طفئ قام، فيمر ويمرون على الصراط والصراط كحدّ السيف دحض مزلة، فيقال لهم: انجوا على قدر نوركم، فمنهم من يمر كانقضاض الكوكب، ومنهم من يمر كالطرف، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كشد الرجل ويرمل رملاً، يمرون على قدر أعمالهم حتى يمر الذي نوره على إبهام قدمه يجر يداً ويعلق يداً، ويجر رجلاً ويعلق رجلاً، وتصيب جوانبه النار، فيخلصون فإذا خلصوا قالوا: الحمد لله الذي نجانا منك بعد الذي أراناك.

لقد أعطانا الله ما لم يعط أحداً، فينطلقون إلى ضحضاح عند باب الجنة، فيغتسلون فيعود إليهم ريح أهل الجنة، وألوانهم، ويرون من خلل باب الجنة وهو يصفق منزلاً في أدنى الجنة فيقولون: ربنا أعطنا ذلك المنزل، فيقول لهم: أتسألون الجنة وقد نجيتكم من النار، فيقولون: ربنا أعطنا، حل بيننا وبين النار، هذا الباب لا نسمع حسيسها، فيقول لهم: لعلكم إن أُعْطِيتُمُوهُ أن تسألوا غيره، فيقولون: لا وعزتك لا نسأل غيره، وأي منزل يكون أحسن منه؟

قال: فيدخلون الجنة ويرفع لهم منزل أمام ذلك كان الذي رأوا قبل ذلك حلم عنده فيقولون: ربنا أعطنا ذلك المنزل، فيقول: لعلكم إن أعطيتكموه أن تسألوا غيره، فيقولون: لا وعزتك لا نسأل غيره، وأي منزل أحسن منه؟

فيعطونه، ثم يرفع لهم أمام ذلك منزل آخر كان الذي رأوا قبل ذلك حلم عند هذا الذي رأوا فيقولون: ربنا أعطنا ذلك المنزل، فيقول: لعلكم إن أعطيتكموه أن تسألوا غيره، فيقولون: لا وعزتك لا نسأل غيره وأي منزل أحسن منه؟

ثم يسكتون فيقولون لهم: ما لكم لا تسألون فيقولون: ربنا قد سألناك حتى استحينا، فيقال لهم: ألم ترضوا أن أعطيكم مثل الدنيا منذ يوم خلقتها إلى يوم أفنيتها وعشرة أضعافها؟

فيقولون: أتستهزئ بنا وأنت رب العالمين؟» قال مسروق: فما بلغ عبد الله هذا المكان من الحديث إلا ضحك، وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدثه مراراً فما بلغ هذا المكان من الحديث إلا ضحك حتى تبدو لهواته، ويبدو آخر ضرس من أضراسه، يقول: الأسنان.

قال: «فيقول لا ولكني على ذلك قادر فاسألوني.

قالوا: ربنا ألحقنا بالناس.

فيقال لهم: الحقوا الناس، فينطلقون يرملون في الجنة حتى يبدو الرجل منهم في الجنة قصر درة مجوّف فيخر ساجداً، فيقال له: ارفع رأسك، فيرفع رأسه فيقول: رأيت ربي، فيقال له: إنما ذلك منزل من منازلك فينطلق ويستقبله رجل فيتهيأ للسجود فيقال له: ما لك؟

فيقول: رأيت ملكاً، فيقال له: إنما ذلك قهرمان من قهارمتك عبد من عبيدك فيأتيه فيقول: إنما أنا قهرمان من قهارمتك على هذا القصر تحت يدي ألف قهرمان، كلهم على ما أنا عليه، فينطلق به عند ذلك حتى يفتح له القصر، وهي درة مجوّفة سقائفها وأغلاقها وأبوابها ومفاتيحها منها.

قال: فيفتح له القصر فتستقبله جوهرة خضراء مبطنة بحمراء سبعون ذراعاً فيها ستون باباً، كل باب يفضي إلى جوهرة على غير لون صاحبتها، في كل جوهرة سرر وأدراج ونصائف، وقال: وصائف، فيدخل، فإذا هو بحوراء عيناء عليها سبعون حلةٍ يرى مخ ساقها من وراء حللها كبدها مرآته وكبده مرآتها إذا أعرض عنها إعراضة ازدادت في عينه سبعين ضعفاً عما كانت قبل ذلك، وإذا أعرضت عنه إعراضة ازداد في عينها سبعين ضعفاً عما كان قبل ذلك، فتقول: لقد ازددت في عيني سبعين ضعفاً ويقول لها مثل ذلك.

قال: فيشرف على ملكه مد بصره مسيرة مائة عام» ، قال: فقال عمر بن الخطاب عند ذلك: ألا تسمع يا كعب ما يحدثنا به ابن أم عبد عن أدنى أهل الجنة ما له، فكيف بأعلاهم؟

قال: يا أمير المؤمنين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، إن الله كان فوق العرش والماء فخلق لنفسه داراً بيده فزينها بما شاء وجعل فيها ما شاء من الثمرات والشراب، ثم أطبقها فلم يرها أحد من خلقه منذ خلقها جبريل ولا غيره من الملائكة، ثم قرأ كعب ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين ﴾ [ السجدة: 17] الآية، وخلق دون ذلك جنتين فزينهما بما شاء وجعل فيهما ما ذكر من الحرير والسندس والاستبرق، وأراهما من شاء من خلقه من الملائكة، فمن كان كتابه في عليين نزل تلك الدار، فإذا ركب الرجل من أهل عليين في ملكه لم يبقِ خيمة من خيام الجنة إلاّ دخلها من ضوء وجهه حتى إنهم ليستنشقون ريحه ويقولون: واهاً وهذه الريح الطيبة، ويقولون: لقد أشرف علينا اليوم رجل من أهل عليين، فقال عمر: ويحك يا كعب إن هذه القلوب قد استرسلت فاقبضها فقال كعب: يا أمير المؤمنين إن لجهنم زفرة ما من ملك ولا نبي إلاّ يخر لركبته حتى يقول إبراهيم خليل الله؛ رب نفسي نفسي، وحتى لو كان لك عمل سبعين نبياً إلى عملك لظننت أن لن تنجو منها.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في البعث والنشور عن ابن مسعود أنه ذكر عنده الدجال فقال: يفترق ثلاث فرق تتبعه فرقة تتبعه، وفرقة تلحق بأرض آبائها منابت الشيخ، وفرقة تأخذ شط الفرات فيقاتلها ويقاتلونه حتى يجتمع المؤمنون بقرى الشام، فيبعثون إليه طليعة فيهم فارس على فرس أشقر أو أبلق فيقتلون لا يرجع إليهم شيء، ثم ن المسيح ينزل فيقتله ثم يخرج يأجوج ومأجوج فيموجون في الأرض، فيفسدون فيها، ثم قرأ عبد الله ﴿ وهم من كل حدب ينسلون ﴾ [ الأنبياء: 96] ثم يبعث الله عليهم دابة مثل هذه النغفة، فتدخل في أسماعهم ومناخرهم، فيموتون منها، فتنتن الأرض منهم، فيجأر أهل الأرض إلى الله فيرسل الله ماء فيطهرها منهم ثم يبعث ريحاً فيها زمهرير باردة فلا تدع على وجه الأرض [ 7] إلا كفئت بتلك الريح ثم تقوم الساعة على شرار الناس، ثم يقوم ملك الصور بين السماء والأرض فينفخ فيه، فلا يبقى خلق الله في السموات والأرض إلا مات إلا من شاء ربك، ثم يكون بين النفختين ما شاء الله أن يكون، فليس من ابن آدم خلق إلا وفي الأرض منه شيء ثم يرسل الله ماء من تحت العرش منياً كمني الرجال، فتنبت جسمانهم ولحمانهم من ذلك الماء كما تنبت الأرض من الثرى، ثم قرأ عبد الله ﴿ الله الذي يرسل الرياح فتثير سحاباً فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور ﴾ [ الروم: 48] ثم يقوم ملك بالصور بين السماء والأرض فينفخ فيه، فتنطلق كل نفس إلى جسدها حتى تدخل فيه، فيقومون فيجيئون مجيئة رجل واحد قياماً لرب العالمين، ثم يتمثل الله للخلق فيلقاهم، فليس أحد من الخلق يعبد من دون الله شيئاً إلا هو متبع له يتبعه، فيلقى اليهود فيقول: ما تعبدون؟

فيقولون: نعبد عزيراً، فيقول: هل يسركم الماء؟

قالوا: نعم، فيريهم جهنم كهيئة السراب، ثم قرأ عبد الله ﴿ وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضاً ﴾ [ الكهف: 100] ثم يلقى النصارى فيقولون ما كنتم تعبدون؟

قالوا: المسيح فيقول: هل يسركم الماء؟

قالوا: نعم، فيريهم جهنم كهيئة السراب، وكذلك كل من يعبد من دون الله شيئاً، ثم قرأ عبد الله ﴿ وقفوهم إنهم مسؤولون ﴾ [ الصافات: 24] حتى يمر المسلمون فيلقاهم فيقول: من تعبدون؟

فيقولون: نعبد الله، ولا نشرك به شيئاً، فينتهرهم مرة أو مرتين من تعبدون؟

فيقولون: نعبد الله، ولا نشرك به شيئاً، فيقول: هل تعرفون ربكم؟

فيقولون: سبحان الله إذا تعرف لنا عرفناه، فعند ذلك ﴿ يكشف عن ساق ﴾ فلا يبقى مؤمن إلاّ خر لله ساجداً، ويبقى المنافقون ظهورهم طبق واحد كأنما فيها السفافيد، فيقولون: «ربنا فيقول: قد كنتم تدعون إلى السجود وأنتم سالمون» ثم يؤمر بالصراط فيضرب على جهنم، فتمر الناس بأعمالهم يمر أوائلهم كلمح البصر أو كلمح البرق، ثم كمر الريح ثم كمر الطير ثم كأسرع البهائم، ثم كذلك يجيء الرجل سعياً حتى يجيء الرجل مشياً حتى يجيء آخرهم رجل يتكفأ على بطنه، فيقول: يا رب أبطأت بي، فيقول: إنما أبطأ بك عملك ثم يأذن الله في الشفاعة فيكون أول شافع جبريل، ثم إبراهيم خليل الله، ثم موسى، أو قال عيسى، ثم يقوم نبيكم صلى الله عليه وسلم رابعاً لا يشفع أحد بعده فيما يشفع فيه، وهو المقام المحمود الذي وعده الله ﴿ عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً ﴾ [ الاسراء: 79] فليس من نفس إلا تنظر إلى بيت في الجنة وبيت في النار وهو يوم الحسرة، فيرى أهل النار البيت الذي في الجنة، فيقال: لو عملتم، ويرى أهل الجنة البيت الذي في النار فيقال: لولا أن منّ الله عليكم ثم يشفع الملائكة والنبيون والشهداء والصالحون والمؤمنون، فيشفعهم الله، ثم يقول: أنا أرحم الراحمين، فيخرج من النار أكثر مما أخرج من جميع الخلق برحمته، حتى ما يترك فيها أحداً فيه خير، ثم قرأ عبد الله يا أيها الكفار ﴿ ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ﴾ [ المدثر: 42] إلى قوله: ﴿ وكنا نكذب بيوم الدين ﴾ [ المدثر: 46] قال: ترون في هؤلاء أحداً فيه خير لا وما يترك فيها أحداً فيه خير، فإذا أراد الله أن لا يخرج منها أحداً غير وجوههم وألوانهم فيجيء الرجل من المؤمنين فيشفع، فيقال له: من عرف أحداً فيخرجه فيجيء الرجل فينظر فلا يعرف أحداً، فيقول الرجل للرجل: يا فلان أنا فلان، فيقول: ما أعرفك، فيقولون: ﴿ ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون ﴾ [ المؤمنون: 107] فيقول: ﴿ اخسئوا فيها ولا تكلمون ﴾ [ المؤمنون: 108] فإذا قال ذلك أطبقت عليهم، فلم يخرج منهم بشر.

أخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ ولا تكن كصاحب الحوت ﴾ قال: تغاضب كما غاضب يونس.

وأخرج عبد الرزاق وأحمد في الزهد وابن المنذر عن قتادة ﴿ ولا تكن كصاحب الحوت ﴾ قال: لا تعجل كما عجل، ولا تغاضب كما غاضب.

وأخرج الحاكم عن وهب قال: كان في خلق يونس ضيق فلما حملت عليه أثقال النبوة تفسخ منها تفسخ الربع، فقذفها من يديه وهرب، قال تعالى لنبيه ﴿ ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم ﴾ .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وهو مكظوم ﴾ قال: مغموم وفي قوله: ﴿ وهو مذموم ﴾ قال: مليم.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ وهو مكظوم ﴾ قال: مغموم.

قوله تعالى: ﴿ وإن يكاد الذين كفروا ﴾ الآية.

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ ليزلقونك بأبصارهم ﴾ قال: ينفذونك بأبصارهم.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ ليزلقونك بأبصارهم ﴾ لينفذونك بأبصارهم.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ ليزلقونك بأبصارهم ﴾ قال: لينفذونك بأبصارهم معاداة لكتاب الله ولذكر الله.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه عن عطاء قال: كان ابن عباس يقرأ ﴿ وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم ﴾ قال: يقول: ينفذونك بأبصارهم من شدة النظر إليك، قال ابن عباس: فكيف يقولون أزلق السهم أو زهق السهم.

وأخرج أبو عبيدة في فضائله وابن جرير عن ابن مسعود أنه قرأ ﴿ ليزهقونك بأبصارهم ﴾ .

وأخرج البخاري عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «العين حق» .

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «العين تدخل الرجل القبر والجمل القدر» .

وأخرج البزار عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أكثر من يموت من أمتي بعد قضاء الله وقدره بالعين» .

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى السجود وَهُمْ سَالِمُونَ ﴾ أي قد كانوا في الدنيا يُدعون إلى السجود فيمتنعون منه، وهم سالمون في أعضائهم قادرون عليه.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ن والقلم ﴾ مظهراً: يزيد وأبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وابن كثير ونافع وعاصم غير يحيى وحماد وغالب وهو الأصل للوقف.

ووجه الإخفاء نية الوصل ﴿ آن كان ﴾ بهمزتين: حمزة وأبو بكر وحماد ﴿ آن كان ﴾ بقلب الثانية ألفاً، ابن عامر ويزيد ويعقوب الباقون بهمزة واحدة ﴿ يبدلنا ﴾ بالتشديد: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ لما تخيرون ﴾ بتشديد التاء: البزي وابن فليح ﴿ ليزلقونك ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع الآخرون: بالضم من الإزلاق.

الوقوف: ﴿ يسطرون ﴾ ه ط لأن ما بعده جواب القسم ﴿ لمجنون ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح مستأنفاً وعطفاً على جواب القسم ﴿ ممنون ﴾ ه ج لذلك ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ ويبصرون ﴾ ج لأن ما بعد مفعول ﴿ المفتون ﴾ ه ﴿ سبيله ﴾ ط لاتفاق الجملتين ﴿ بالمهتدين ﴾ ه ﴿ المكذبين ﴾ ه ﴿ فيدهنون ﴾ ه ﴿ مهين ﴾ ه لا ﴿ بنميم ﴾ ه لا ﴿ أثيم ﴾ ه لا ﴿ زنيم ﴾ ه ط لمن قرأ ﴿ أن كان ﴾ مستفهماً ﴿ وبنين ﴾ ه ومن قرأ مقصوراً يقف على البنين دون ﴿ زنيم ﴾ ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ الخرطوم ﴾ ه ﴿ الجنة ﴾ ط لاحتمال أن يكون " إذ " ظرفاً ليكون وأن يكون مفعول " أذكر " محذوفاً ﴿ مصبحين ﴾ ه لا لتعلق أن المفسرة ﴿ صارمين ﴾ ه ﴿ يتخافتون ﴾ ه لا ﴿ مسكين ﴾ ه ﴿ قادرين ﴾ ه ﴿ الضالون ﴾ ه لا لعطف " بل " واتحاد المفعول ﴿ محرومون ﴾ ه ﴿ تسبحون ﴾ ه ﴿ ظالمين ﴾ ه ﴿ يتلاومون ﴾ ه ﴿ طاغين ﴾ ه ﴿ راغبون ﴾ ه ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ أكبر ﴾ م ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ النعيم ﴾ ه ﴿ كالمجرمين ﴾ ه ط ﴿ مالكم ﴾ ص وقفة لطيفة لاستفهام آخر ﴿ تحكمون ﴾ ه ج ﴿ تدرسون ﴾ ه ج لأن ما بعده مفعول ﴿ تدرسون ﴾ وإنما كسرت " أن " لدخول اللام في خبرها ﴿ تخيرون ﴾ ه لا لأن " أم " معادل الاستفهام أو بمعنى ألف الاستفهام ﴿ القيامة ﴾ لا لأن " أن " جواب الأيمان ﴿ تحكمون ﴾ ه ﴿ زعيم ﴾ ه لما مر في ﴿ تخيرون ﴾ ﴿ شركاء ﴾ ج للابتداء بأمر التعجيز مع الفاء ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ فلا يستطيعون ﴾ ه لا لأن ما بعده حال ﴿ ذلة ﴾ ط ﴿ سالمون ﴾ ه ﴿ بهذا الحديث ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ج للعطف ﴿ لهم ﴾ ط ﴿ متين ﴾ ه ﴿ مثقلون ﴾ ه ﴿ يكتبون ﴾ ه ﴿ الحوت ﴾ م بناء على أن " إذ " مفعول " اذكر ﴿ مكظوم ﴾ ه ط ﴿ مذموم ﴾ ه ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ لمجنون ﴾ ه لئلا يوهم أن ما بعده مقول الكفار ﴿ للعالمين ﴾ ه.

التفسير: الأقوال المشتركة في فواتح نحو هذه السورة مذكورة.

أما المخصوصة بالمقام فعن ابن عباس ومجاهد ومقاتل والسدى أن النون السمكة أقسم بالحوت الذي على ظهره الأرض وهو في بحر تحت الأرض السفلى، أو بالحوت الذي احتبس يونس في بطنه، أو بالحوت بالذي لطخ سهم نمرود بدمه، اقوال.

عن ابن عباس في رواية الضحاك والحسن وقتادة أن النون هو الدواة.

قال: إذا ما الشوق برّح بي إليهم *** ألقت النون بالدمع السجوم فيكون قسماً بالدواة والقلم العظيم النفع فيهما فإن التفاهم يحصل بالكتابة كما يحصل بالعبارة.

وعن بعض الثقات أن أصحاب السجر يستخرجون من بعض الحيتان شيئاً أسود كالنقس أو أشد سواداً منه يكتبون منه فيكون النون.

وهو الحوت عبارة عن الدواة، ويعضده ما روي ان النبي  قال "أول شيء خلقه الله القلم ثم خلق النون وهو الدواة ثم قال اكتب ما هو كائن من عمل أو أثر أو رزق أو أجل فكتب ما هو كائن وما كان إلى يوم القيامة ثم ختم على القلم فلم ينطق إلى يوم القيامة" وعن معاوية بن قرة مرفوعاً أن النون لوح من نور تكتب الملائكة فيه يأمرهم الله به.

وقيل: نهر في الجنة.

اعترض النحويون على هذه الأقوال كلها أن اللفظ إن كان جنساً لزم الجر والتنوين وكذا إن كان علماً منصرفاً، وإن كان علماً غير منصرف لزم الفتح بتقدير حرف القسم، وقيل: النون آخر حرف من حروف الرحمن فإنه يجتمع من الروحم ون هذا الإسم الخاص.

أما القلم فالأكثرون على أنه جنس أقسم الله  بكل قلم يكتب به في السماء وفي الأرض وقال آخرون: هو القلم المعهود الذي جاء في الخبر أن " أول ما خلق الله القلم " والجوهرة التي وردت في الحديث " أول ما خلق الله جوهرة فنظر إليها بعين الهيبة فذابت وتسخنت فارتفع منها دخان وزبد فخلق من الدخان السماء ومن الزبد الأرض" كلها واحدة ولعلك قد وقفت على تحقيق هذه المعاني في هذا الكتاب.

و" ما " في قوله ﴿ وما يسطرون ﴾ موصولة أو مصدرية والضمير لكل من يسطر أو للحفظة.

وقيل: أراد أصحاب القلم فحذف المضاف قال الزجاج: " أنت " اسم " ما " والخبر ﴿ بمجنون ﴾ وقوله ﴿ بنعمة ربك ﴾ كلام وقع في البين والمعنى انتفى عنك الجنون بواسطة إنعام ربك عليك، أو انتفى عنك الجنون متلبساً بنعمة الله كما لو قلت: أنت عاقل بحمد الله أي ثبت لك العقل حال كونك متلبساً بحمد الله، أو أثبته لك حال كون التباسي بالحمد.

وقال عطاء وابن عباس: يريد بنعمة ربك عليك بالإيمان والنبوة وسائر الأخلاق الفاضلة.

وفيه إشارة إلى أن نعم الله  كانت ظاهرة في حقه من الفصاحة وكمال العقل والاتصاف بكل ملكة وإذا كانت هذه النعمة ظاهرة فوجودها ينافي حصول الجنون وكلام العدى ضرب من الهذيان.

﴿ وإن لك ﴾ على احتمال أعباء النبوة ومشاق تبليغ الرسالة ﴿ لأجراً غير ممنون ﴾ قال الأكثرون: أي غير مقطوع كقوله ﴿ عطاء غير مجذوذ  ﴾ وعن مجاهد ومقاتل والكلبي أنه غير مكدر عليك بسبب المنة.

وقالت المعتزلة: في تقرير هذا الوجه أن له ممنا لأنه ثواب يستوجبه على عمله وليس بتفضل ابتداء، وضعف لأنه يلزم منه التكرار لأن الأجر عندهم شيء ينبىء عن كونه غير ممنون.

الحاصل أنه لا يمنعك نسبتهم إياك إلى الجنون عن الاشتغال بهذا الخطب الجسيم وهو دعاء الخلق إلى الدين القويم فإن لك بسببه ثواباً عظيماً.

﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ والخلق ملكة نفسانية يقدر معها على الإتيان بالفعل الجميل بمواتاة وسهولة، فإذا وصفه مع ذلك بالعظم وهو كونه على الوجه الأجمل والنهج الأفضل لم يكن خلق أحسن منه.

وفيه إشارة إلى أن نعم الله  كانت ظاهرة نفي الجنون عنه ودلالة على تكذيب الحساد لأن المجنون لا خلق له يحمد أو عليه يعتمد، والنبي  كان من حسن الخلق المتشابه بحيث كان مجمع أخلاق سائر الأنبياء وكان يوجد فيه ما كان متفرقاً فيهم، وإليه الإشارة بقوله ﴿ فبهداهم اقتده  ﴾ أي اقتد بكل منهم فيما اختص به من الخلق الكريم وفي قوله ﴿ لعلى ﴾ إشارة إلى أنه مستول على أحسن الأخلاق الفاضلة لا يزعه عنها وازع.

قال سعيد بن هشام: قلت لعائشة: أخبريني عن خلق رسول الله  قالت: كان خلقه القرآن.

وفي روياة: قرأت ﴿ قد أفلح المؤمنون ﴾ \[المؤمنون: 1\] وعن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: ما كان أحد أحسن خلقاً من رسول الله ما دعاه أحد من أصحابه ولا من أهل بيته إلا قال: لبيك، وقال أنس: خدمت رسول الله  عشر سنين فما قال لي في شيء فعلته لمَ فعلته ولا في شيء لم أفعله هلا فعلت، ثم سلى نبيه  وهدد أعداءه بقوله ﴿ فستبصر ﴾ يا محمد ما قدر لك من عز الدارين ﴿ ويبصرون ﴾ في الدنيا بالقتل والسبي كما في بدر أو في الآخرة.

قوله ﴿ بأيكم المفتون ﴾ قال الأخفش وأبو عبيدة وابن قتيبة: الباء صلة والمعنى أيكم المفتون وهو الذي فتن بالجنون.

وقال الفراء والمبرد والحسن والضحاك عن ابن عباس: المفتون مصدر بمعنى المجنون كالمعقول والمجلود.

وقيل: الباء بمعنى " في" وعل هذا يجوز أن يكون الفتون بمعنى المجنون أي في أي الفريقين من يستحق هذا الاسم أو في أيهما الشيطان لأن الشيطان مفتون في دينه.

وكانت العرب تزعم أنه من يخبله الجن فقال الله  سيعلمون غداً بأيهم الشيطان الذي يحصل من مسه الجنون وإختلاط العقل، وفيه تعريض بأبي جهل بن هشام والوليد بن المغيرة وأضرابهما.

ثم أحال كيفية الحال إلى كمال علمه فقال ﴿ إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله ﴾ أي بمن جن ﴿ وهو أعلم بالمهتدين ﴾ وهم العقلاء.

والأظهر أن يراد الضلال في غوائلهم والاهتداء في الدين وفيه وعد ووعيد.

قال المفسرون: إن المشركين أرادوا من النبي أن يعبد الله مدة وآلهتهم مدة وهم يعبدون الله مدة وآلهتهم مدة فأنزل الله  ﴿ فلا تطع المكذبين ﴾ وهو كالنتيجة لما تقدمه لأنه  حين وعده أنصار العز والرفعة في الدارين وأوعد أعداءه بضد ذلك وكان علمه شاملاً بحال الفريقين وجزائهما لم يبق لطاعة الأعداء وجه.

ثم ذكر تمنيهم فقال ﴿ ودوا لو تدهن ﴾ تلين وتصانع ﴿ فيدهنون ﴾ أي فهم يدهنون حينئذ لأن النفاق يجر النفاق أي ودوا ادهانك فهم الآين يدهنون طمعاً في ادهانك.

قال المبرد: أدهن الرجل في دينه وداهن في أمره إذا خان فيه وأظهر خلاف ما يضمر.

ثم حض النبي قائلاً ﴿ ولا تطع كل حلاف مهين ﴾ لأن من أكثر الحلف بالله ولم يعرف قدر المعبود بالحق أذله الله.

وفيه إشارة إلى أن عزة النفس منوطة بتصحيح نسبة العبودية، ومهانة النفس مربوطة بالغفلة عن سر الربوبية.

وأيضاً الحلاف يتفق له الكذب كثيراً والكذب حقير عند الناس.

والهماز الذي يذكرالناس بالمكروه.

وعن الحسن: يلوي شدقيه في أقفية الناس.

﴿ مشاء بنميم ﴾ أي لأجل سعاية.

والنميم مصدر نم ينم ﴿ مناع للخير ﴾ أي للمال أو مناع أهل الخير وهو الإسلام فذكر الممنوع منه دون الممنوع فكأنه قال مناع من الخير ﴿ معتد ﴾ مجاوز في الظلم حده ﴿ أثيم ﴾ كثير الإثم ﴿ عتل ﴾ غليظ في الخلقة جاف في الخليقة.

الزنيم الدعي ومعنى ﴿ بعد ذلك ﴾ التبعيد في الرتبة أي مع الأوصاف المعدودة له هذا الوصف الذي هو أشنعها لأن الغالب أن النطفة إذا خبثت خبث جميع أخلاق الولد.

عن ابن عباس في رواية أنها نزلت في الوليد بن المغيرة المخزومي كان موسراً وله عشر بنين يقول لهم: من أسلم منكم منعته رفدي وفي رواية أخرى ليس من سنخهم ادعاه أبوه بعد ثمان عشرة من مولده ويقال: بغت أمه ولم يعرف حتى نزلت الآية.

وقوله ﴿ أن كان ﴾ بهمزة واحدة تقديره لأن كان أي لا تطع صاحب هذه المثالب لكثرة ماله وولده ومن قرأ بهمزتين فمعناه ألأن كان ﴿ ذا مال ﴾ كذب فمتعلق الجار مدلول.

قوله ﴿ إذا تتلى عليه آياتنا قال ﴾ وذلك أن قال لا يصلح أن يعمل فيه لأن ما بعد الشرط لا يعمل فيما قبله ولا قوله ﴿ يتلى ﴾ لأنه مضاف إليه.

عن مجاهد أنه الأسود بن عبد يغوث وعن السدى: الأخنس بن شريق أصله في ثقيف وعداده في زهرة.

وقيل: كان الوليد دعياً في قريش ﴿ سنسمه على الخرطوم ﴾ أي الأنف وفيه استخفاف به من جهة الوسم ومن جهة التعبير عن أنف الآدمي بالخرطوم الذي هو أنف الحيوانات المنكرة كالخنزير والفيل كما لو عبر عن شفاه الناس بالمشافر، وعن أيديهم وأرجلهم بالأظلاف والحوافر، ثم الأنف أكرم موضع من الوجه ولهذا قيل: الجمال في الأنف وله التقدم ولذلك جعلوه مكان العز والحمية واشتقوا منه الأنفة وقالوا: في الذليل " جدع أنفه ورغم أنفه " والوسم في الأنف إهانة فوق إهانة.

ومتى هذا الوسم؟

منهم من قال في الدنيا فعن ابن عباس خطم يوم بدر بالسيف فبقيت سمته على خرطومه.

وعن النضر بن شميل: الخرطوم الخمر أي سنسمه على شربها.

وسمي الخمر خرطوماً كما قيل لها السلافة وهو ما سلف عن عصير العنب، أو لأنها تطير في الخياشيم وتؤثر فيها.

ومنها من قال في الآخرة نعلمه فعبر عن سواد الوجه كله بسواد الخرطوم.

ومنهم من قال في الدارين أي سنشهره بهذه السمة وهي أنّه ﴿ حلاف ﴾ إلى ﴿ زنيم ﴾ فلا يخفى كما لا تخفى السمة علىالخرطوم.

ولا شك أن هذه الأوصاف الذميمة وتبعاتها بقيت في حق الوليد بن المغيرة في الدنيا والآخرة كالوسم على الأنف والوسم على الجبهة.

ثم بين أنه إنما أعطى رؤساء مكة الآلاء ليواظبوا على شكر نعم الله وإلا صب عليهم بدل الآلاء البلاء ومكان السراء والضراء.

وهذه صورة الابتلاء كما أنه كلف أصحاب الجنة ذات الثمار أن يشكروا ويعطوا الفقراء حقوقهم، يروى أن واحداً من ثقيف وكان مسلماً كان ملك ضيعة فيها نخل وزروع بقرب صنعاء، وكان يجعل منها نصيباً وافراً للفقراء، فلما مات ورثها منه بنوه ثم قالوا: عيالنا كثير والمال قليل فلو فعلنا ما كان يفعل أبونا ضاق علينا ﴿ ليصرمنها ﴾ أي ليقطعن ثمر نخيلها في وقت الصباح ﴿ ولا يستثنون ﴾ أي لا يقولون " إن شاء الله " وأصله من الثني وهو الرد كأن الحالف يرد انعقاد اليمين بالثنيا.

ولعلهم إنما لم يقولوا إن شاء الله لوثوقهم بالتمكن من صرامها.

هذا قول الأكثرين.

وزعم الآخرون أن المراد يصرمون كل ذلك ولا يستثنون للمساكين من جملته ذلك القدر الذي كان يدفع أبوهم إليهم ﴿ فطاف عليها ﴾ عذاب ﴿ طائف من ﴾ حكم ﴿ ربك ﴾ أو بعض من عذاب ربك، والطائف لا يكون إلا ليلاً.

قال الكلبي: أرسل الله عليها ناراً من السماء فاحترقت ﴿ وهم نائمون فأصبحت ﴾ الجنة ﴿ كالصريم ﴾ " فعيل " بمعنى " فاعل " أو معنى " مفعول " والأول قول من قال إنها لما احترقت صارت سوداء كالليل المظلم، أو سمي الليل صريما لأنه يصرم نور البصر فيقطعه أو لأنه يقطع بظلمته عن التصرف، وقيل: النهار يسمى أيضاً صريماً لأن كل واحد من الملوين ينصرم بالآخر فالصريم بمعنى الصارم.

ووجه التشبيه أنها يبست وذهبت خضرتها أو لم يبق منها شيء من قولهم " صرم الإناء " إذا أفرغه.

والثاني وهو الأولى قول من قال إنها لما احترقت كانت شبيهة بالمصرومة في هلاك الثمرة وإن كان أثر الاحتراق مغايراً لأثر الصرم.

وقال الحسن: أي صرم عنها الخير: وقيل: الصريم من الرمل قطعة ضخمة تنصرم عن سائر الرمال وجمعه للصرائم شبهت الجنة وهي محترقة لا ثمر فيها ولا خير بالرملة المنقطعة عن الرمال وهي ما لا تنبت شيئاً ينتفع به.

قال مقاتل: لما أصبحوا قال بعضهم لبعض ﴿ اغدوا على حرثكم ﴾ وعنوا بالحرث الزرع والثمار والأعناب ولذلك قالوا ﴿ صارمين ﴾ لأنهم أرادوا قطع الثمار من هذه الأشجار وضمن الغدو معنى الإقبال فلهذا عدي بعلى أي أقبلوا على حرثكم باكرين، أو عبر عن الغدو لأجل الصرم بالغدو عليه كما قال: غدا عليهم العدو ﴿ يتخافتون ﴾ يتسارون فيما بينهم والنهي عن الدخول للمسكين نهي لأصحاب الجنة عن تمكين المسكين منه كأنهم قالوا فيما بينهم لا تمكنوه من الدخول.

قوله ﴿ وغدوا على حرد ﴾ هو المنع ومنه حاردت السنة إذا منعت خيرها، وحاردت الإبل إذا منعت درها، أي قادرين على منع المساكين لا غير يعني أنهم عزموا على حرمان المساكين مع كونهم قادرين على نفعهم.

وغدوا بحال فقر وذهاب ثمر لا يقدرون فيها إلا على النكد والمنع.

وفيه أنهم طلبوا حرمان الفقراء فعورضوا بنقيض مقصودهم فتعجلوا الحرمان والمسكنة.

ويجوز أن تكون المحاردة للجنة أي غدوا حاصلين على منع الجنة خيرها لا على إصابة النفع منها.

ويجوز أن لا يكون قوله ﴿ على حرد ﴾ صلة ﴿ قادرين ﴾ ولكن الكل يعود إلى قوله ﴿ أن اغدوا على حرثكم ﴾ أي عاقبهم الله بأن حاردت جنتهم فلم يغدوا على حرث وإنما غدوا على حرج وقوله ﴿ قادرين ﴾ يكون من باب عكس الكلام للتهكم أي قادرين على ما عزموا عليه من الصرام وحرمان المساكين.

وقيل: الحرد بالتسكين والتحريك وهو الأكثر بمعنى الغضب أي لم يقدروا إلا على غضب بعضهم على بعض كقوله ﴿ يتلاومون ﴾ وقيل: الحرد القصد والسرعة قطا حراد أي سراع يعني وغدوا على حالة سرعة ونشاط قادرين عند أنفسهم على صرامها ومنع خيرها من المساكين.

وقيل: حرد علم للجنة بعينها والمعنى كما تقدم لأن قوله ﴿ إنا لضالون ﴾ يحتمل أن يراد الضلال عن الطريق كأنهم لما رأوا جنتهم محترقة سبق إلى ذهنهم أنها ليست هي وأنهم ضلوا الطريق، فلما تأملوا وعرفوا أنها هي قالوا ﴿ بل نحن محرومون ﴾ حرمنا خيرها لشؤم عزمنا على البخل ومنع المساكين.

ويحتمل أن يراد الضلال عن الدين لأن منع حق الله نوع من الضلال.

ومعنى بل أنهم اعتقدوا كونهم قادرين على الانتفاع به ومنع الغير منها فقالوا: بل الأمر انقلب علينا فصرنا نحن المحرومين.

﴿ قال أوسطهم ﴾ أي أعدلهم وخيرهم كما مر في قوله ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً  ﴾ .

﴿ ألم أقل لكم لولا تسبحون ﴾ قال الأكثرون: معنى التسبيح ههان الاستثناء لأنه  وبخهم بقوله ﴿ ولا يستثنون ﴾ والاستثناء نوع من التنزيه لأنه لو دخل في الوجود شيء على خلاف مشيئته كان نقصاً في كمال القدرة.

وعن الحسن: هو الصلاة كأنهم يتكاسلون فيها وإلا لنهتهم عن الفحشاء والمنكر.

وقال آخرون: إن أوسطهم كان يقول لهم عند عزمهم على منع حقوق الفقراء: لولا تذكرون الله وتتوبون إليه من هذه العزيمة الخبيثة.

لم يلتفتوا إلى قوله إلا بعد خراب الجنة قائلين ﴿ سبحان ربنا ﴾ عن أن يجري في ملكه شيء على خلاف مشيئته.

قالت المعتزلة: سبحان الله عن الظلم وعن كل قبيح ﴿ إنا كنا ظالمين ﴾ بمنع المعروف وترك الاستثناء.

ومعنى ﴿ يتلاومون ﴾ يلوم بعضهم بعضاً يقول واحد لغيره: أنت أشرت علينا بهذا الرأي ويقول الآخر: أنت خوفتنا بالفقر.

ويقول الثالث: أنت الذي رغبتني في جمع المال.

ثم قالوا جميعاً ﴿ يا ويلنا إنا كنا طاغين ﴾ اعترافاً بالذنب ثم قووا رجاءهم قائلين ﴿ عسى ربنا ﴾ الآية.

سئل قتادة عنهم أهم من أهل الجنة أم من أهل النار؟

فقال: لقد كلفتني تعباً كأنه توقف في المسألة.

وعن مجاهد: إن هذه كانت توبة منهم فأبدلوا خيراً منها.

وعن ابن مسعود: بلغني أنهم أخلصوا وعرف الله منهم الصدق فأبدلهم بها جنة يقال لها الحيوان فيها عنب يحمل البغل منه عنقوداً.

ثم هدد المكلفين بقوله ﴿ كذلك العذاب ﴾ أي مثل ذلك العذاب الذي بلونا به أهل مكة من القحط والقتل وبلونا أصحاب الجنة عذاب الدنيا ﴿ ولعذاب الآخرة ﴾ أشد وأعظم.

ثم مزج وعيد الأشقياء بوعد السعداء قائلاً ﴿ إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم ﴾ ليس فيها إلا النعيم الخالص لا يشوبه منغص كجنان الدنيا.

قال مقاتل: لما نزلت هذه الآية قال كفار مكة للمسلمين: إن الله فضلنا عليكم في الدنيا فنفى الله معتقدهم بقوله ﴿ أفنجعل المسلمين كالمجرمين ﴾ قال القاضي: فيه دليل واضح على أن وصفي المسلم والمجرم متنافيان فلا يكون الفاسق مسلماً.

وأجيب بأنه  لم ينف المماثلة من كل الوجوه لتماثلهما في الجوهرية والجسمية وسائر الأوصاف التي لا تكاد تحصر، فإذن المراد نفي التسوية في أثري الإسلام والإجرام ولا نزاع في ذلك فإن أثر أحدهما وعد وأثر الآخر وعيد أو يكون ثواب المسلم غير المجرم أكثرمن ثواب المسلم المجرم على أن المجرم في الآية يحتمل أن يراد به الكافر الذي ضرب مثل أصحابه الجنة فيه وفي أمثاله نظير الآية ﴿ أم نجعل المتقين كالفجار  ﴾ وقد مر في " ص ".

ثم قال لهم على طريقة الالتفات ﴿ ما لكم كيف تحكمون ﴾ هذا الحكم المعوج وتخير الشيء واختاره إذا أخذ خيره ﴿ أم لكم أيمان علينا ﴾ يقال لفلان علي يمين بكذا إذا ضمنته منه وحلفت له على الوفاء به.

ومعنى ﴿ بالغة ﴾ مؤكدة مغلظة وقوله ﴿ إلى يوم القيامة ﴾ يجوز أن يتعلق ببالغة أي هذه الإيمان في قوتها وكمالها بحيث تنتهي إلى يوم القيامة لم تبطل منها يمين على أن يحصل المقسوم عليه وهو قوله ﴿ إن لكم لما تحكمون ﴾ ثم قال لنبيه  أو لكل من يستأهل الخطاب ﴿ سلهم أيهم بذلك ﴾ الحكم ﴿ زعيم ﴾ أي كفيل بالإستدلال على صحته ﴿ أم لهم ﴾ ناس ﴿ شركاء ﴾ في هذا القول.

والمراد من الآيات أنه ليس لهم دليل عقلي في إثبات مذهبهم ولا نقلي وهو كتاب يدرسون ولا عهد لهم به عند الله ولا زعيم لهم يقوم به ولا لهم من يوافقهم من العقلاء، فدل ذلك على أنه باطل من كل الوجوه.

قوله ﴿ يوم يكشف ﴾ قيل: منصوب بقوله ﴿ فليأتوا ﴾ أي إن كانوا صادقين في أنها شركاء فليأتوا بها يوم القيامة لتنفعهم وتشفع لهم.

وقيل: بإضمار " اذكر" وقيل: التقدير يوم يكشف ﴿ عن ساق ﴾ كان كيت وكيت.

احتجت المشبهة على أن لله ساقاً وأيدوه بما يروى عن ابن مسعود مرفوعاً أنه يتمثل الحق يوم القيامة ثم يقول: هل تعرفون ربكم؟

فيقولون: إذا عرفنا نفسه عرفناه فعند ذلك يكشف الرحمن عن ساقه، فأما المؤمنون فيخرون سجداً، وأما المنافقون فتكون ظهورهم كالطبق الواحد وذلك قوله ﴿ ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون ﴾ حال كونهم ﴿ خاشعة أبصارهم ﴾ يعني يلحقهم ذل بسبب أنهم لم يكونوا مواظبين على خدمة مولاهم في حال السلامة ووجود الأصلاب والمفاصل على هيآتها المؤدية للركوع والسجود.

وقال أهل السنة: الدليل الدال على أنه  منزه عن الجسمية وعن كل صفات الحدوث وسمات الإمكان دل على أن الساق لم يرد بها الجارحة، فأولوه أنه عبارة عن شدة الأمر وعظم الخطب، وأصله في الروع والهزيمة وتشمير المخدرات عن سوقهن ومثله.

" وقامت الحرب بنا على ساق".

ومعناه يوم يشتد الأمر ويتفاقم ولا كشف ثمة ولا ساق كما تقول للأقطع الشحيح " يده مغلولة " ولا يد ثمة ولا غل وإنما هو مثل في البخل، وهكذا في الحديث ومعناه يشتد أمر الرحمن ويتفاقم هوله.

قال في الكشاف: ثم كان من حق الساق أن تعرف على ما ذهب إليه المشبه لأنها ساق مخصوصة معهودة عنده وهي ساق الرحمن.

وإنما جاءت منكرة في التمثيل للدلالة على أنه أمر فظيع هائل: قلت: الإنصاف أن هذا لا يرد على المشبه فإن له أن يقول إنما نكر الساق لأجل التعظيم أي ساق لا يكتنه كنة عظمتها كما يقول غيره.

وقال أبو سعيد الضرير: ساق الشيء أصله الذي به قوامه كساق الشجر وساق الإنسان، فمعنى الآية يوم تظهر حقائق الأشياء، وأصولها.

وقيل: يكشف عن ساق جهنم أو عن ساق العرش أو عن ساق ملك مهيب.

وقال أبو مسلم: هذا في الدنيا لأنه تعالى قال في وصف ذلك اليوم ﴿ ويدعون إلى السجود ﴾ ولا ريب أن يوم القيامة ليس فيه تعبد وتكليف فهو زمان العجز، أو آخر أيام دنياه فإنه في وقت النزع ترى الناس يدعون إلى الصلاة بالجماعة إذا حضرت أوقاتها وهؤلاء لا يستطيعون الصلاة لأنه الوقت الذي لا ينفع نفساً إيمانها.

والتحقيق أن الذي ذكره محتمل إلا أن في تعليله ضعفاً فإنا نوافقه أن يوم القيامة ليس وقت تعبد وتكليف.

ولكن لا مانع من الدعاء إلى السجود للتوبيخ والتفضيح على رؤس الأشهاد.

وقال الجبائي: لما خصص عدم الاستطاعة بالآخرة دل على أنهم كانوا يستطيعون فيبطل هذا قول من قال لا قدرة له على الإيمان، والجمع بين المتنافيين محال فالاستطاعة في الدنيا أيضاً غير حاصلة على قول الجبائي.

والجواب الصحيح عندي أن عدم الاستطاعة في الدنيا لمانع آخر وهو أنه  لم يرد منهم الإيمان وعلم منهم الكفر وقدر لهم ذلك، وعدم الاستطاعة في الآخرة لمانع آخر له من السجود وهو لين المفاصل ومطاوعة الأعصاب وسلامة الفقر.

ثم خوفهم بنوع آخر قائلاً ﴿ فذرني ومن يكذب بهذا الحديث ﴾ وفيه تسلية للنبي  كأنه قال: حسبي مجازياً لمن يكذب بالقرآن فلا تشغل قلبك بشأنه.

وقوله ﴿ سنستدرجهم ﴾ إلى قوله ﴿ مبين ﴾ قد مر في آخر " الأعراف".

وقوله ﴿ أم تسألهم ﴾ إلى ﴿ يكتبون ﴾ قد مر في " الطور".

ثم أمر نبيه  بالصبر ونهاه عن الضجر في أمر التبليغ كحال يونس  وقد تقدم مراراً.

قال بعض العلماء: معنى قوله ﴿ كصاحب الحوت ﴾ أنه كان في ذلك الوقت مكظوماً أي مملوءاً من الغيظ فكأنه قيل: لا تكن مكظوماً أولا يوجد منك ما وجد منه من الضجر والمغاضبة.

وقال جمع من المفسرين: أن الآية نزلت بأحد حين حل بالمؤمنين ما حل فأراد أن يدعو على من انهزم.

وقيل: نزلت حين أراد أن يدعو على ثقيف والنعمة التي تداركت يونس أي التحقت به وسدت خلته هي النبوة أو عبادته السابقة، أو قوله في بطن الحوت " لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين "، وهذه النعمة التوبة بالحقيقة.

وقد اعتمد في جواب لولا على الحال أعني قوله ﴿ وهو مذوم ﴾ والمعنى أن حاله كانت على خلاف الصبر حين نبذ بالعراء أي الفضاء كما مر في "الصافات".

لولا تسبيحه لكانت حاله على الذم.

ويل: أراد لولا هذه النعمة لبقي في بطن الحوت إلى يوم القيامة، ثم نبذ بعراء القيامة أي بعرصتها مذموماً ﴿ فاجتباه ربّه ﴾ بقبول التوبة ﴿ فجعله من الصالحين ﴾ أي من الأنبياء عن ابن عباس: رد الله إليه الوحي وشفعه في نفسه وقومه.

ثم أخبر نبيه  عن حسد قومه وحرصهم على إيقاع المكروه به بعد أن صبره وشجعه فقال ﴿ وإن يكاد ﴾ هي مخففة من الثقيلة واللام دليل عليها.

زلقه وأزلقه بمعنى.

يقال زلق الرأس وأزلقه أي حلقه.

قال جار الله: يعني أنهم من شدة تخوفهم ونظرهم إليك سراً بعيون العداوة والبغضاء يكادون يزلون قدمك أو يهلكونك من قولهم " نظر إليّ نظرا يكاد يصرعني أو يكاد يأكلني " أي لو أمكنه بنظره الصرع أو الأكل لفعله.

ثم بين بقوله ﴿ لما سمعوا الذكر ﴾ أن هذا النظر كان يشتد منهم في حال قراءة النبي  القرآن حسداً على ما أوتي من النبوة.

﴿ ويقولون إنه لمجنون ﴾ حيرة في أمره وتنفيراً عنه مع علمهم بأنه أعقلهم.

ثم قال  ﴿ وما هو ﴾ أي القرآن ﴿ إلا ذكر ﴾ وموعظة ﴿ للعالمين ﴾ وفيه استجهال أن يجنبن من جاء بمثله من الآداب والحكم وأصول كل العلوم والمعارف.

واعلم أن للعقلاء خلافاً في أن الإصابة بالعين هل لها في الجملة حقيقة أم لا؟

وبتقدير كونها حقيقة فهل الآية مفسر بها أم لا؟

أما المقام الأول فقد شرحناه في أول " البقرة " في قوله ﴿ واتبعوا ما تتلوا الشياطين  ﴾ وفي يوسف في قوله ﴿ يا بني لا تدخلوا من باب واحد  ﴾ والذي نقوله ههنا: فمنهم من أنكر ذلك بناء على أن تأثير الجسم في الجسم لا يعقل إلا بواسطة المماسة وهو ضعيف لأن النفوس والأمزجة لها تأثيرات خاصة.

ويروى أنه  قال " العين تدخل الرجل القبر والجمل القدر " وأما المقام الثاني فقد قال بعض المفسرين: كانت العين في بني أسد، وكان الرجل منهم يتجوع ويرتاض وثلاثة أيام فلا يمر به شيء فيقول فيه: لم أر كاليوم مثله إلا عانه.

فالتمس الكفار من بعض من كانت له هذه الصفة أن يقول في رسول الله  فقال: لم أر كاليوم رجلاً مثله.

فعصمه الله  .

طعن الجبائي في هذا التأويل وقال: الإصابة بالعين مقرونة باستحسان الشيء، والقوم كانوا يبغضون النبي  وأجيب بأنهم كانوا يبغضونه من حيث الدين إلا أنهم كانوا يستحسنون مصاحبته بإيراده الأعاجيب من الحجج والبيان وأنواع المعجزات.

وعن الحسن: دواء الإصابة بالعين أن تقرأ هذه الآية وبالله التوفيق.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ لِّلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ ﴾ .

فيه ترغيب لمن لزم التقوى، وهو الإسلام.

وقوله: ﴿ أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ .

أي: أفنجعل من جعل كل شيء سوى الله  لله سالماً لا يشرك فيه أحدا، كالذي أجرم فجعل في كل شيء سالمٍ لله شركاء في العبادة والتسمية.

أو بين الله  أنه ولي المؤمنين وعدو المجرمين، فيقول: أفيزعم أعدائي أن أسوي بينهم وبين الأخيار، والجمع بينهم، لا يفعل ذلك؛ لأن فيه تضييع الحكمة؛ لأن الحكمة توجب التفرقة بين العدو والولي، وفي الجمع بينهما تضييعها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ .

في أن أجعل عدوي بمنزلة وليي أو وليي بمنزلة عدوي، أو أي شيء حملكم على حكمكم هذا ولم يأتكم بهذا الحكم كتاب ولا معقول يوجب ذلك، فكيف تطمعون ذلك.

أو كيف تحكمون بالجور على ربكم؛ لأن من الجور أن يجمع بين الولي [والعدو] في دار الكرامة.

ثم قوله: ﴿ أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ .

يستقيم أن يجعل هذا جوابا للفريقين: لمن ينكر البعث، ولمن يزعم أنه شريك أهل الإسلام في الدار الآخرة فيما يكرمون من النعيم.

فمن أنكر البعث، فالاحتجاج عليه بهذه الآية هو أن العقل يوجب التفرقة بين الولي وبين العدو [والكفور] والشكور، فأنتم إذا أنكرتم البعث، فقد زعمتم على [الله  أنه] يجعل المسلمين كالمجرمين والكفور كالشكور والعدو كالولي، ومن فعل هذا فهو سفيه لا يصلح أن يكون حكيما، ففي إنكار البعث تحقيق السفه وإثبات الجور؛ لأن من الجور أن يجمع بين الولي وبين العدو في الجزاء.

ومن ادعى الوجه الآخر، وهو التسوية بين الفريقين؛ لما تساويا في منافع الدنيا ومضارها وفي لذاتها وشدائدها وبلياتها، فعلى ذلك يكون أمرهم في الآخرة.

فجوابهم في ذلك أن الدنيا هي دار يظهر فيها العدو من الولي والشكور من الكفور، والآخرة دار جزاء العداوة والولاية.

فجائز أن يقع فيما فيه ظهور الولاية والعداوة اتفاق، ولا يجوز وقوع الاتفاق فيما فيه الجزاء؛ لأن الجزاء لعداوة سبقت ولولاية سبقت، والحكمة توجب التفرقة بين الجزاءين؛ فلا يجوز أن يجعل المسلم فيه كالمجرم؛ لما فيه من تضييع الحكمة، وليس قبل المحنة معنى يوجب التفرقة بينهما في المحنة [فجاز أن يقع بينهما الاتفاق في ذلك، ولأنه لو كان يفرق بينهما في الدنيا، لكانت المحنة تخرج عن حدها، والدنيا هي دار المحنة]، وإنما قلنا: إن فيه إخراج المحنة عن حدها؛ لأن المحنة تكون على الرجاء والخوف، والرغبة والرهبة، فلو فرق بين [العدو والولي] في الدنيا؛ فوسع على الأولياء، وضيق على الأعداء لوقع اختيار وجه الولاية على الضرورة؛ لأن من علم أنه يضيق عليه إذا اختار وجه العداوة؛ ويتعجل عليه العذاب، ترك ذلك الوجه، ومال إلى الولاية؛ فيرتفع وجه المحنة؛ فلذلك جاز أن يجمع بين الولي والعدو في دار المحنة؛ ليبقى وجه المحنة بحاله، ولم يجز أن يجمع بينهما في الآخرة؛ لأنها دار جزاء، والعقل يوجب تفرقة جزائهما، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ ، في أحكم الحكماء بالسفه؛ حيث تزعمون أنه يجمع بين الولي والعدو في الجزاء، وذلك من أعلام السفه.

أو كيف تحكمون في أحكم الحاكمين وأعدل العادلين بالجور؛ إذ تزعمون أنه يجمع بين الفريقين في دار الكرامة، ومن الجور أن يجمع بينهما، وهم كانوا يقرون أن الله -  - أحكم الحاكمين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ ﴾ .

فحاجهم أولاً بما توجبه الحكمة، وهو أنكم تعلمون أن الحكمة توجب التفرقة بينهما، فإن كنتم تدعون الجمع فيما بينهما بالحكمة، فأنتم تعلمون أن الحكمة توجب التفرقة بينهما، وإن كنتم تدعون ذلك من كتاب الله -  - فأي كتاب من عند الله جاءكم فيوجب التسوية بينكم وبين الأولياء؟!

وأي رسول أخبركم أنكم تساوون الأولياء في نعيم الآخرة؟!.

ثم وجه المحاجة بالكتاب هو أن مشركي العرب لم يكونوا يؤمنون بالكتاب ولا بالرسل، ولو كانوا يؤمنون بهما، لكانوا يقدرون أن يقولوا: إن لنا كتاباً درسناه، فوجدنا فيه ما نذكر وندعي، ورسول  قد أخبرنا بذلك، ولكنهم إذا كانوا لا يؤمنون بهما صار هذا الوجه الذي ذكره الله -  - نفي حجة لازمة عليهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ ﴾ .

أي: وفي ذلك الكتاب تجدون أن لكم فيه لما تخيرون.

وقوله: ﴿ أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ ﴾ .

وهذا أيضاً صلة الأول، أي: هل شهدتم الله  أقسم لكم أنه هكذا كما تحكمون؛ وهذا كقوله  : ﴿ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ  ﴾ وقوله: ﴿ إِذْ وَصَّٰكُمُ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا  ﴾ ، فأخذهم بالمقايسة أولاً؛ وهو كقوله  : ﴿ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنْثَيَيْنِ  ﴾ ، فلما لم يتهيأ لهم تثبيت ذلك بالقياس والمعقول، احتج عليهم بقوله: ﴿ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ وَصَّٰكُمُ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا  ﴾ ، وقد عرفوا أنهم لم يشهدوا، وما ادعوه لا ثبات له إلا من الوجوه التي ذكرها، وإذا لم يثبتوا بشيء من ذلك تبين عندهم فساد دعواهم، فهذا أيضاً مثله، وهو أنه سألهم عن إيراد الحجة: إما من جهة الحكمة، أو من جهة الكتاب، أو من جهة الشهادة، فإذا لم يثبت لهم واحد من هذه الأوجه فبأي وجه يشهدون على الله  أنه يفعل ذلك.

وقوله: ﴿ بَالِغَةٌ ﴾ أي: وكيدة، أو بلغت إليكم عن الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ زَعِيمٌ ﴾ .

يقول [: فإن هم تعنتوا] مع هذا كله في أن يدوموا على دعواهم من غير حجة تشهد لهم، فسلهم - أي: اطلبهم - بالزعيم، أي: من يكفل لهم أن الأمر كما يزعمون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ إِن كَانُواْ صَادِقِينَ ﴾ .

أي: شركاء يشفعون لهم يوم القيامة.

وقال بعضهم: أم لهم شهداء ممن عندهم كتاب يشهدون لهم بما يذكرون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ ﴾ .

أي: يكشف عن موضع الوعيد بالشدائد والأهوال، والساق: الشدة، وسمي الساق: ساقاً لهذا؛ لأن الناس شدتهم في سوقهم؛ إذ بها يحملون الأحمال؛ فكنى بالساق عن الشدة.

وقيل: أيضاً - بأنهم كانوا إذا ابتلوا بشدة وبلاء كشفوا عن أسوقهم، فكنى بذكره عن الشدة، لا أن يراد بذكر الساق تحقيق الساق، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ ﴾ .

يحتمل أن يكون هذا على دعاء الحال، ويحتمل أن يكون على دعاء الأمر: فأما دعاء الحال فهو أن من عادات الخلق أنه إذا اشتد بهم الأمر وضاق فزعوا إلى السجود، فجائز أن يكون ما حل بهم من الأهوال والشدائد يدعوهم إلى السجود، فيهمون بذلك فلا يستطيعون؛ فيكون قوله: ﴿ وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ ﴾ ، أي: تدعوهم الحالة إلى السجود؛ فهذا دعاء الحال، وجائز أن يؤمروا بالسجود، ويمتحنوا به.

ثم إن كان التأويل على الأمر فيحتمل أن يكون ذلك يوم القيامة، وجائز أن يكون وقت الموت.

وإن كان على دعاء الحال فذلك يكون عند الموت.

ثم الأمر بالسجود يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون على حقيقة الفعل، ويحتمل أن يكون على الاستسلام والخضوع؛ إذ السجود في الحقيقة هو الخضوع والاستسلام، وكل سجود ذكر في القرآن وأريد به عين السجود، فليس يجب بتلاوته السجود.

وكل ما أريد منه الاستسلام والخضوع فهو الذي يجب بتلاوته السجود.

ثم إن ذكر في أهل الكفر فإنما يراد منهم الاستسلام بالاعتقاد ليس بعين الفعل، وأهل الإسلام قد وجد منهم الاستسلام بالاعتقاد، فيلزمهم أن يستسلموا من جهة الفعل، فجائز أن يكون هذا لما عاين الشدائد والأفزاع، استسلم لله -  - وخضع له؛ فلم يقبل ذلك منه؛ لأن تلك الدار دار جزاء، وليست بدار محنة.

والثاني: [أن السجود هو بذل] النفس لما طلب منه طائعاً، وإذا أشرف المرء على الموت طلب منه في ذلك الوقت بذل روحه لا بذل نفسه، فإذا كان كافراً بالله -  - اشتد عليه بذل روحه؛ لما يعلم أن مصيره إذا قبض إلى العذاب، وكره ذلك أشد الكراهة، كما قال -  - "من كره لقاء الله، كره الله لقاءه، ومن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه" ، فسئل رسول الله  عن ذلك، فقال: "ذلك عند الموت" ؛ فهو لما يرى من المكروه يحل به بعد الموت يكره قبض روحه، فيكون قوله: ﴿ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ ﴾ إن كان المراد من قوله: ﴿ وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ ﴾ عند الموت [على ذلك]، والمؤمن إذا رأى ما أعدّ له من الكرامات ود أن يقبض روحه سريعاً ليصل إلى الكرامات، وإن كان هذا بعد البعث، وأريد من السجود تحقيقه، ففيه تذكير لهم أنهم لم يكونوا يمتحنون في الدنيا بالسجود؛ لمنفعة تصل إلى الله  أو لحاجة له إلى ذلك، وإنما امتحنوا بالسجود؛ لمكان أنفسهم، إذ لو كان الامتحان لمنفعة تنال الله  ، لما كانوا يمنعون عنه في القيامة، والله أعلم.

وقال كثير من أهل الكلام: لا يجوز أن يمتحنهم الله  بعد البعث بالسجود؛ إذ تلك [الدار] ليست بدار محنة، وإنما الأمر بالسجود يخرج مخرج التوبيخ؛ وكذلك زعم جعفر بن حرب أن هذا على التوبيخ، يقال للرجل إذا كان مكثراً فذهب ماله ولم يؤد الزكاة، ولا حج في حال يسره - يراد به التوبيخ -: حج الآن وزَكِّ الآن، ليس يراد به إيجاد الفعل، ولكن يريد به تذكيره وتوبيخه؛ فهذا الذي قالوه يحتمل.

ويحتمل أن يمتحنوا بالسجود للوجوه التي ذكرنا، وهو أن يظهر عند الممتحنين أن منافع سجودهم راجعة إليهم لا إلى الله -  -.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ ﴾ فجائز أن يكون هذا على نفي استطاعة الأحوال والأسباب أو لا يستطيعون للأشغال التي حلت بهم والأفزاع التي ابتلوا بها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ وَهُمْ سَٰلِمُونَ ﴾ .

ففيه أن الفرائض إنما تجب عند سلامة الأسباب، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ذليلة أبصارهم، تغشاهم ذلّة وندامة، وقد كانوا في الدنيا يُطلَبُ منهم أن يسجدوا لله وهم في معافاة مما هم فيه اليوم.

<div class="verse-tafsir" id="91.ddY04"

مزيد من التفاسير لسورة القلم

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل