الآية ٢٥ من سورة نوح

الإسلام > القرآن > سور > سورة 71 نوح > الآية ٢٥ من سورة نوح

مِّمَّا خَطِيٓـَٔـٰتِهِمْ أُغْرِقُوا۟ فَأُدْخِلُوا۟ نَارًۭا فَلَمْ يَجِدُوا۟ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَنصَارًۭا ٢٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 62 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٥ من سورة نوح: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.

تفسير الآية ٢٥ من سورة نوح عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : ( مما خطاياهم ) وقرئ : ( خطيئاتهم ) ) أغرقوا ) أي : من كثرة ذنوبهم وعتوهم وإصرارهم على كفرهم ومخالفتهم رسولهم ( أغرقوا فأدخلوا نارا ) أي : نقلوا من تيار البحار إلى حرارة النار ، ( فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا ) أي : لم يكن لهم معين ولا مغيث ولا مجير ينقذهم من عذاب الله كقوله : ( قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم ) [ هود : 43 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا (25) وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) يعني تعالى ذكره بقوله: (مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ ) من خطيئاتهم (أُغْرِقُوا ) والعرب تجعل " ما " صلة فيما نوى به مذهب الجزاء، كما يقال: أينما تكن أكن، وحيثما تجلس أجلس، ومعنى الكلام: من خطيئاتهم أُغرقوا.

وكان ابن زيد يقول في ذلك ما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: (مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ ) قال: فبخطيئاتهم (أُغْرِقُوا ) فأدخلوا نارا، وكانت الباء ههنا فصلا في كلام العرب.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، قوله: (مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا ) قال: بخطيئاتهم أُغرقوا.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله: (مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ ) فقرأته عامة قرّاء الأمصار غير أبي عمرو (مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ ) بالهمز والتاء ، وقرأ ذلك أبو عمرو ( مِما خَطاياهُمْ ) بالألف بغير همز.

والقول عندنا أنهما قراءتان معروفتان، فبأيتهما قرأ القارئ فهو مصيب.

وقوله: (فَأُدْخِلُوا نَارًا ) جهنم (فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا ) تقتصّ لهم ممن فعل ذلك بهم، ولا تحول بينهم وبين ما فعل بهم.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون الله أنصاراقوله تعالى : مما خطيئاتهم أغرقوا " ما " صلة مؤكدة ; والمعنى من خطاياهم وقال الفراء : المعنى من أجل خطاياهم ; فأدت ما هذا المعنى .

قال : و " ما " تدل على المجازاة .

وقراءة أبي عمرو " خطاياهم " على جمع التكسير ; الواحدة خطية .

وكان الأصل في الجمع خطائي على فعائل ; فلما اجتمعت الهمزتان قلبت الثانية ياء ، لأن قبلها كسرة ثم استثقلت والجمع ثقيل ، وهو معتل مع ذلك ; فقلبت الياء ألفا ثم قلبت الهمزة الأولى ياء لخفائها بين الألفين .

الباقون " خطيئاتهم " على جمع السلامة .

قال أبو عمرو : قوم كفروا ألف سنة فلم يكن لهم إلا خطيات ; يريد أن الخطايا أكثر من الخطيات .

وقال قوم : خطايا وخطيات واحد ; جمعان مستعملان في الكثرة والقلة ; واستدلوا بقوله تعالى : ما نفدت كلمات الله وقال الشاعر :لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى وأسيافنا يقطرن من نجدة دماوقرئ " خطيئاتهم " و " خطياتهم " بقلب الهمزة ياء وإدغامها .

وعن الجحدري وعمرو بن عبيد والأعمش وأبي حيوة وأشهب العقيلي " خطيئتهم " على التوحيد ، والمراد الشرك .فأدخلوا نارا أي بعد إغراقهم .

قال القشيري : وهذا يدل على عذاب القبر .

ومنكروه يقولون : صاروا مستحقين دخول النار ، أو عرض عليهم أماكنهم من النار ; كما قال [ ص: 285 ] تعالى : النار يعرضون عليها غدوا وعشيا .

وقيل : أشاروا إلى ما في الخبر من قوله : ( البحر نار من نار ) .

وروى أبو روق عن الضحاك في قوله تعالى : أغرقوا فأدخلوا نارا قال : يعني عذبوا بالنار في الدنيا مع الغرق في الدنيا في حالة واحدة ; كانوا يغرقون في جانب ويحترقون في الماء من جانب .

ذكره الثعلبي قال : أنشدنا أبو القاسم الحبيبي قال : أنشدنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن رميح قال : أنشدني أبو بكر بن الأنباري :الخلق مجتمع طورا ومفترق والحادثات فنون ذات أطوارلا تعجبن لأضداد إن اجتمعت فالله يجمع بين الماء والنارفلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا أي من يدفع عنهم العذاب .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا } في اليم الذي أحاط بهم { فَأُدْخِلُوا نَارًا } فذهبت أجسادهم في الغرق وأرواحهم للنار والحرق، وهذا كله بسبب خطيئاتهم، التي أتاهم نبيهم نوح ينذرهم عنها، ويخبرهم بشؤمها ومغبتها، فرفضوا ما قال، حتى حل بهم النكال، { فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا } ينصرونهم حين نزل بهم الأمر الأمر، ولا أحد يقدر يعارض القضاء والقدر.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( مما خطيئاتهم ) أي : من خطيئاتهم و " ما " صلة ، وقرأ أبو عمرو : " خطاياهم " وكلاهما جمع خطيئة ( أغرقوا ) بالطوفان ( فأدخلوا نارا ) قال الضحاك : هي في حالة واحدة في الدنيا يغرقون من جانب ويحترقون من جانب ، وقال مقاتل : فأدخلوا نارا في الآخرة ( فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا ) لم يجدوا أحدا يمنعهم من عذاب الله .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«مما» ما صلة «خطاياهم» وفي قراءة خطيئآتهم بالهمز «أُغرقوا» بالطوفان «فأُدْخِلوا نارا» عوقبوا بها عقب الإغراق تحت الماء «فلم يجدوا لهم من دون» أي غير «الله أنصارا» يمنعون عنهم العذاب.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قال نوح: ربِّ إن قومي بالغوا في عصياني وتكذيبي، واتبع الضعفاء منهم الرؤساء الضالين الذين لم تزدهم أموالهم وأولادهم إلا ضلالا في الدنيا وعقابًا في الآخرة، ومكر رؤساء الضلال بتابعيهم من الضعفاء مكرًا عظيمًا، وقالوا لهم: لا تتركوا عبادة آلهتكم إلى عبادة الله وحده، التي يدعو إليها نوح، ولا تتركوا وَدًّا ولا سُواعًا ولا يغوث ويعوق ونَسْرا - وهذه أسماء أصنامهم التي كانوا يعبدونها من دون الله، وكانت أسماء رجال صالحين، لما ماتوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن يقيموا لهم التماثيل والصور؛ لينشطوا- بزعمهم- على الطاعة إذا رأوها، فلما ذهب هؤلاء القوم وطال الأمد، وخَلَفهم غيرهم، وسوس لهم الشيطان بأن أسلافهم كانوا يعبدون التماثيل والصور، ويتوسلون بها، وهذه هي الحكمة من تحريم التماثيل، وتحريم بناء القباب على القبور؛ لأنها تصير مع تطاول الزمن معبودة للجهال.

وقد أضلَّ هؤلاء المتبوعون كثيرًا من الناس بما زيَّنوا لهم من طرق الغَواية والضلال.

ثم قال نوح -عليه السلام-: ولا تزد- يا ربنا- هؤلاء الظالمين لأنفسهم بالكفر والعناد إلا بُعْدا عن الحق.

فبسبب ذنوبهم وإصرارهم على الكفر والطغيان أُغرقوا بالطوفان، وأُدخلوا عقب الإغراق نارًا عظيمة اللهب والإحراق، فلم يجدوا من دون الله مَن ينصرهم، أو يدفع عنهم عذاب الله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - سبحانه - : ( مِّمَّا خطيائاتهم أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً فَلَمْ يَجِدُواْ لَهُمْ مِّن دُونِ الله أَنصَاراً ) كلام معترض بين ضراعات نوح إلى ربه ، والمقصود به التعجيل ببيان سوء عاقبتهم ، والتسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه من قومه .و " من " فى قوله ( مِّمَّا خطيائاتهم ) للتعليل ، و " ما " مزيدة لتأكيد هذا التعليل .والخطيئات جمع خطيئة ، والمراد بها هنا : الإِشراك به - تعالى - وتكذيب نوح - عليه السلام - والسخرية منه ومن المؤمنين .أى : بسبب خطيئاتهم الشنيعة ، وليس بسبب آخر ( أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً ) يصلون سعيرها فى قبورهم إلى يوم الدين ، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى .وهم عندما نزل بهم الطوفان الذى أهلكهم ، وعندما ينزل بهم عذاب الله فى الآخرة .

لن يجدوا أحدا ينصرهم ويدفع عنهم عذابه - تعالى - لامن الأصنام التى تواصوا فيما بينهم بالعكوف على عبادتها ، ولا من غير هذه الأصنام .فالآية الكريمة تعريض بمشركى قريش ، الذين يزعمون أن أصنامهم ستشفع لهم يوم القيامة ، والذين حكى القرآن عنهم قولهم : ( مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى الله زلفى ) والتعبير بالفاء فى قوله : ( أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً فَلَمْ يَجِدُواْ لَهُمْ مِّن دُونِ الله أَنصَاراً ) للإشعار بأن دخولهم النار كان فى أعقاب غرقهم بدون مهلة ، وبأن صراخهم وعويلهم كان بعد نزول العذاب بهم مباشرة ، إلا أنهم لم يجدوا أحدا ، يدفع عنهم شيئا من هذا العذاب الأليم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

ثم إنه تعالى لما حكى كلام نوح عليه السلام قال بعده: ﴿ مّمَّا خطاياهم أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: (ما) صلة كقوله: ﴿ فَبِمَا نَقْضِهِم  ﴾ ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ  ﴾ والمعنى من خطاياهم أي من أجلها وبسببها، وقرأ ابن مسعود: ﴿ من خطيآتهم ما أغرقوا ﴾ فأخر كلمة ما، وعلى هذه القراءة لا تكون ما صلة زائدة لأن ما مع ما بعده في تقرير المصدر.

واعلم أن تقديم قوله: ﴿ مّمَّا خطاياهم ﴾ لبيان أنه لم يكن إغراقهم بالطوفان (فإدخالهم النار) إلا من أجل خطيآتهم، فمن قال من المنجمين: إن ذلك إنما كان بسبب أنه انقضى في ذلك الوقت نصف الدور الأعظم، وما يجري مجرى هذه الكلمات كان مكذباً لصريح هذه الآية فيجب تكفيره.

المسألة الثانية: قرئ ﴿ خطيئاتهم ﴾ بالهمزة وخطياتهم بقلبها ياء وإدغامها و ﴿ خطاياهم ﴾ و ﴿ خطيئاتهم ﴾ بالتوحيد على إرادة الجنس، ويجوز أن يراد به الكفر.

واعلم أن الخطايا والخطيئآت كلاهما جمع خطيئة، إلا أن الأول جمع تكسير والثاني جمع سلامة، وقد تقدم الكلام فيها في [البقرة: 58] عند قوله: ﴿ نَّغْفِرْ لَكُمْ خطاياكم ﴾ وفي [الأعراف: 161] عند قوله: ﴿ خطيئاتكم ﴾ المسألة الثالثة: تمسك أصحابنا في إثبات عذاب القبر بقوله: ﴿ أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً ﴾ وذلك من وجهين: الأول: أن الفاء في قوله: ﴿ فَأُدْخِلُواْ نَاراً ﴾ تدل على أنه حصلت تلك الحالة عقيب الإغراق فلا يمكن حملها على عذاب الآخرة، وإلا بطلت دلالة هذه الفاء الثاني: أنه قال: ﴿ فادخلوا ﴾ على سبيل الإخبار عن الماضي.

وهذا إنما يصدق لو وقع ذلك، قال مقاتل والكلبي: معناه أنهم سيدخلون في الآخرة ناراً ثم عبر عن المستقبل بلفظ الماضي لصحة كونه وصدق الوعد به كقوله: ﴿ ونادى أصحاب النار  ﴾ ﴿ وَنَادَى أصحاب الجنة  ﴾ واعلم أن الذي قالوه ترك للظاهر من غير دليل.

فإن قيل: إنما تركنا هذا الظاهر لدليل، وهو أن من مات في الماء فإنا نشاهده هناك فكيف يمكن أن يقال: إنهم في تلك الساعة أدخلوا ناراً؟

والجواب: هذا الإشكال إنما جاء لاعتقاد أن الإنسان هو مجموع هذا الهيكل، وهذا خطأ لما بينا أن هذا الإنسان هو الذي كان موجوداً من أول عمره، مع أنه كان صغير الجثة في أول عمره، ثم إن أجزاءه دائماً في التحلل والذوبان، ومعلوم أن الباقي غير المتبدل، فهذا الإنسان عبارة عن ذلك الشيء الذي هو باق من أول عمره إلى الآن، فلم لا يجوز أن يقال: إنه وإن بقيت هذه الجثة في الماء إلا أن الله تعالى نقل تلك الأجزاء الأصلية الباقية التي كان الإنسان المعين عبارة عنها إلى النار والعذاب.

ثم قال تعالى: ﴿ فَلَمْ يَجِدُواْ لَهُمْ مّن دُونِ الله أَنصَاراً ﴾ وهذا تعريض بأنهم إنما واظبوا على عبادة تلك الأصنام لتكون دافعة للآفات عنهم جالبة للمنافع إليهم، فلما جاءهم عذاب الله لم ينتفعوا بتلك الأصنام، وما قدرت تلك الأصنام على دفع عذاب الله عنهم، وهو كقوله: ﴿ أَمْ لَهُمْ الِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مّن دُونِنَا  ﴾ واعلم أن هذه الآية حجة على كل من عول على شيء غير الله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

تقديم ﴿ مّمَّا خطيائاتهم ﴾ لبيان أن لم يكن إغراقهم بالطوفان، فإدخالهم النار إلا من أجل خطيئاتهم، وأكد هذا المعنى بزيادة (ما) وفي قراءة ابن مسعود ﴿ من خطيئاتهم ما أغرقوا ﴾ بتأخير الصلة، وكفى بها مزجرة لمرتكب الخطايا، فإن كفر قوم نوح كان واحدة من خطيئاتهم، وإن كانت كبراهنّ، وقد نعيت عليهم سائر خطيئاتهم كما نعى عليهم كفرهم، ولم يفرق بينه وبينهن في استيجاب العذاب، لئلا يتكل المسلم الخاطئ على إسلامه، ويعلم أنّ معه ما يستوجب به العذاب وإن خلا من الخطيئة الكبرى.

وقرئ ﴿ خطيئاتهم ﴾ بالهمزة.

وخطياتهم بقلبها ياء وإدغامها وخطاياهم وخطيئتهم بالتوحيد على إرادة الجنس.

ويجوز أن يراد الكفر ﴿ فَأُدْخِلُواْ نَاراً ﴾ جعل دخولهم النار في الآخرة كأنه متعقب لإغراقهم، لاقترابه، ولأنه كائن لا محالة، فكأنه قد كان.

أو أريد عذاب القبر.

ومن مات في ماء أو في نار أو أكلته السباع والطير: أصابه ما يصيب المقبور من العذاب.

وعن الضحاك: كانوا يغرقون من جانب ويحرقون من جانب.

وتنكير النار إما لتعظيمها، أو لأن الله أعد لهم على حسب خطيئاتهم نوعاً من النار ﴿ فَلَمْ يَجِدُواْ لَهُمْ مِّن دُونِ الله أَنصَاراً ﴾ تعريض بإتخاذهم آلهة من دون الله وأنها غير قادرة على نصرهم، وتهكم بهم، كأنه قال: فلم يجدوا لهم من دون الله آلهة ينصرونهم ويمنعونهم من عذاب الله، كقوله تعالى: ﴿ أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مّن دُونِنَا ﴾ [الأنبياء: 43] .

﴿ دَيَّاراً ﴾ من الأسماء المستعملة في النفي العام، يقال: ما بالدار ديار وديور، كقيام وقيوم؛ وهو فيعال من الدور.

أو من الدار؛ أصله ديوار، ففعل به ما فعل بأصل سيد وميت، ولو كان فعالاً لكان دوّاراً.

فإن قلت: بم علم أن أولادهم يكفرون، وكيف وصفهم بالكفر عند الولادة؟

قلت: لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، فذاقهم وأكلهم وعرف طباعهم وأحوالهم، وكان الرجل منهم ينطلق بابنه إليه، ويقول: أحذر هذا، فإنه كذاب، وإن أبي حذرنيه فيموت الكبير وينشأ الصغير على ذلك؛ وقد أخبره الله عزّ وجل أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن؛ ومعنى ﴿ وَلاَ يَلِدُواْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً ﴾ لا يلدوا إلا من سيفجر ويكفر.

فوصفهم بما يصيرون إليه، كقوله عليه الصلاة والسلام: «من قتل قتيلاً فله سلبه» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَقَدْ أضَلُّوا كَثِيرًا ﴾ الضَّمِيرُ لِلرُّؤَساءِ أوْ لِلْأصْنامِ كَقَوْلِهِ: إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا.

﴿ وَلا تَزِدِ الظّالِمِينَ إلا ضَلالا ﴾ عَطْفٌ عَلى رَبِّ إنَّهم عَصَوْنِي، ولَعَلَّ المَطْلُوبَ هو الضَّلالُ في تَرْوِيجِ مَكْرِهِمْ ومَصالِحِ دُنْياهم لا في أمْرِ دِينِهِمْ، أوِ الضَّياعُ والهَلاكُ كَقَوْلِهِ: إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ وسُعُرٍ.

﴿ مِمّا خَطِيئاتِهِمْ ﴾ مِن أجْلِ خَطِيئاتِهِمْ، و «ما» مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ والتَّفْخِيمِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو «مِمّا خَطاياهُمْ».

﴿ أُغْرِقُوا ﴾ بِالطُّوفانِ.

﴿ فَأُدْخِلُوا نارًا ﴾ المُرادُ عَذابُ القَبْرِ أوْ عَذابُ الآخِرَةِ، والتَّعْقِيبُ لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِما بَيْنَ الإغْراقِ والإدْخالِ، أوْ لِأنَّ المُسَبِّبِ كالمُتَعَقِّبِ لِلسَّبَبِ وإنْ تَراخى عَنْهُ لِفَقْدِ شَرْطٍ أوْ وُجُودِ مانِعٍ، وتَنْكِيرُ النّارِ لِلتَّعْظِيمِ أوْ لِأنَّ المُرادَ نَوْعٌ مِنَ النِّيرانِ.

﴿ فَلَمْ يَجِدُوا لَهم مِن دُونِ اللَّهِ أنْصارًا ﴾ تَعْرِيضٌ لَهم بِاتِّخاذِ آلِهَةٍ مِن دُونِ اللَّهِ لا تَقْدِرُ عَلى نَصْرِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{مّمَّا خطيئاتهم} خطاياهم أبو عمرو أي ذنوبهم {أغرقوا} بالطوفان

{فَأُدْخِلُواْ نَاراً} عظيمة وتقديم مّمَّا خطيئاتهم لبيان أن لم يكن إغراقهم بالطوفان وإدخالهم في النيران إلا من أجل خطيئاتهم وأكد هذا المعنى بزيادة ما وكفى بها مزجة لمرتكب الخطايا فإن كفر قوم نوح كان واحدة من خطيئاتهم وان كانت كبراهين والفاؤ في فادخلوا للايذان بأنهم عذبوا بالاحراق غقيب الإغراق فيكون دليلاً على إثبات عذاب القبر {فَلَمْ يَجِدُواْ لَهُمْ مّن دُونِ الله أَنصَاراً} ينصرونهم ويمنعونهم من عذاب الله

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ مِمّا خَطِيئاتِهِمْ ﴾ أيْ مِن أجْلِ ﴿ خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا ﴾ بِالطُّوفانِ لا مِن أجْلِ أمْرٍ آخَرَ فَمِن تَعْلِيلِيَّةٌ وما زائِدَةٌ بَيْنَ الجارِّ والمَجْرُورِ لِتَعْظِيمِ الخَطايا في كَوْنِها مِن كَبائِرِ ما يُنْهى عَنْهُ ومَن لَمْ يَرَ زِيادَتَها جَعَلَها نَكِرَةً وجَعَلَ ﴿ خَطِيئاتِهِمْ ﴾ بَدَلًا مِنها.

وزَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ (مِن لِابْتِداءِ الغايَةِ وهو كَما تَرى.

وقَرَأ أبُو رَجاءٍ «خَطِيّاتِهِمْ» بِإبْدالِ الهَمْزَةِ ياءً وإدْغامِها في الياءِ.

وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ وعَبِيدٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو «خَطِيئَتِهِمْ» عَلى الإفْرادِ مَهْمُوزًا وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى والأعْرَجُ بِخِلافٍ عَنْهم وأبُو عَمْرٍو «خَطاياهُمْ» جَمْعُ تَكْسِيرٍ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ «مِن خَطِيئاتِهِمْ ما أُغْرِقُوا» بِزِيادَة «ما» بَيْنَ ( خَطِيئاتِهِمْ وأُغْرِقُوا وخَرَّجَ عَلى أنَّها مَصْدَرِيَّةٌ أيْ بِسَبَبِ خَطِيئاتِهِمْ إغْراقِهِمْ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ «غُرِّقُوا» بِالتَّشْدِيدِ بَدَلَ الهَمْزَةِ وكِلاهُما لِلنَّقْلِ ﴿ فَأُدْخِلُوا ﴾ نارًا هي نارُ البَرْزَخِ والمُرادُ عَذابُ القَبْرِ ومَن ماتَ في ماءٍ أوْ نارٍ أوْ أكَلَتْهُ السِّباعُ أوِ الطَّيْرُ مَثَلًا أصابَهُ ما يُصِيبُ المَقْبُورَ مِنَ العَذابِ وقالَ الضَّحّاكُ: كانُوا يُغْرَقُونَ مِن جانِبٍ ويُحْرَقُونَ بِالنّارِ مِن جانِبٍ وأنْشَدَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الخَلْقُ مُجْتَمَعٌ طَوْرًا ومُفْتَرَقُ والحادِثانِ فُنُونٌ ذاتُ أطْوارِ لا تَعْجَبَنَّ لِأضْدادٍ إذا اجْتَمَعَتْ ∗∗∗ فاللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَ الماءِ والنّارِ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها نارُ الآخِرَةِ والتَّعْقِيبُ عَلى الأوَّلِ ظاهِرٌ وهو عَلى هَذا لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِما بَيْنَ الإغْراقِ والإدْخالِ فَكَأنَّهُ شَبَّهَ تَخَلُّلَ ما لا يُعْتَدُّ بِهِ بِعَدَمِ تَخَلُّلِ شَيْءٍ أصْلًا، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ فاءُ التَّعْقِيبِ مُسْتَعارَةً لِلسَّبَبِيَّةِ لِأنَّ المُسَبِّبِ كالمُتَعَقِّبِ لِلسَّبَبِ وإنْ تَراخى عَنْهُ لِفَقْدِ شَرْطٍ أوْ وُجُودِ مانِعٍ وتَنْكِيرُ النّارِ إمّا لِتَعْظِيمِها وتَهْوِيلِها أوْ لِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ أعَدَّ لَهم عَلى حَسَبِ خَطِيئاتِهِمْ نَوْعًا مِنَ النّارِ ولا يَخْفى ما في ﴿ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ﴾ نارًا مِنَ الحُسْنِ الَّذِي لا يُجارى ولِلَّهِ تَعالى دُرُّ التَّنْزِيلِ ﴿ فَلَمْ يَجِدُوا لَهم مِن دُونِ اللَّهِ أنْصارًا ﴾ أيْ فَلَمْ يَجِدْ أحَدُهم واحِدًا مِنَ الأنْصارِ وفِيهِ تَعْرِيضٌ لِاتِّخاذِهِمْ آلِهَةً مِن دُونِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وبِأنَّها غَيْرُ قادِرَةٍ عَلى نَصْرِهِمْ وتَهَكُّمٌ بِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم وعظهم ليعتبروا، فقال عز وجل: أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ؟

يعني: ألم تنظروا فتعتبروا، كيف خلق الله تعالى سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً؟

يعني: مطبقاً بعضها فوق بعض.

وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً يعني: ضياءً لبني آدم.

وإنما قال: فِيهِنَّ أراد به سماء الدنيا، لأنها إحداهن.

وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً يعني: نوراً للخلق ويقال: جَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً يعني: في جميع السموات، لأن إحداهن مضيء لأهل السموات وظهره لأهل الأرض ويقال: وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً يعني: معهن نوراً.

ثم قال عز وجل: وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً يعني: خلقكم في الأرض خلقاً.

ويقال: يعني: خلقكم من الأرض وهو آدم-  - وأنتم من ذريته.

ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها يعني: بعد الموت.

وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً يعني: يخرجكم من الأرض يوم القيامة- قوله تعالى: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً يعني: فراشاً، لِتَسْلُكُوا مِنْها يعني: فتمضوا فيها وتأخذوا فيها سُبُلًا فِجاجاً يعني: طرقاً بين الجبال والرمال ويقال: طرقاً واسعة.

قوله تعالى: قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي فيما أمرتهم من توحيد الله تعالى، وَاتَّبَعُوا يعني: أطاعوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ يعني: أطاعوا من لم يزده ماله يعني: كثرة أمواله وَوَلَدُهُ إِلَّا خَساراً أي: خسراناً في الآخرة.

وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً يعني: مكراً عظيماً ويقال: مكروا مكراً كبيراً يعني: قالوا كلمة الشرك.

والكبير والكبار بمعنى واحد.

وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ يعني: قال بعضهم لبعض: ويقال: قال الرؤساء للسفلة: لا تذرن، يعني: لا تتركوا عبادة آلهتكم.

وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً، فهذه أسماء الأصنام التي كانوا يعبدونها يعني: لا تتركوا عبادة هذه الأصنام- قرأ نافع وُدّاً بضم الواو، والباقون بالنصب، ومعناهما واحد.

وهو اسم الصنم، وقال قتادة: هذه الآلهة كان يعبدها قوم نوح، ثم عبدها العرب بعد ذلك.

وقال القتبي الود صنم، ومنه كانت العرب تسمى «عبد ود» ، وكذلك تسمي «عبد يغوث» .

ثم قال: وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً يعني: هذه الأصنام أضلوا كثيراً من الناس، يعني: ضلوا بهن كثيراً من الناس، كقوله: إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كثيراً من الناس.

ثم قال: وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالًا يعني: خساراً وغبناً.

ثم قال عز وجل: مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا يعني: بشركهم بالله تعالى أُغرقوا في الدنيا.

فَأُدْخِلُوا نَاراً في الآخرة.

قال مقاتل: مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا بخطياتهم وقال القتبي: (بما خطياتهم أغرقوا) يعني: من خطيئاتهم أغرقوا، والميم زيادة.

ثم قال: فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصاراً يعني: أعواناً يمنعونهم من العذاب.

قرأ أبو عمرو خَطاياهُمْ، والباقون خَطِيئاتِهِمْ ومعناهما واحد، وهو جمع خطيئة.

قوله تعالى: وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً يعني: لا تدع على ظهر الارض من الكافرين ديارا، يعني: أحداً منهم ويقال: أصله من الدار يعني: نازلاً بها، ويقال: في الدار أحد وما بها ديار وأصله ديوار، فقلبت الواو ياء ثم شددت وأدغمت الياء في الياء.

ثم قال عز وجل: إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ يعني: إنك إن تتركهم ولم تهلكهم، يدعوا الموحدين إلى الكفر.

وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً يعني: يكون منهم الأولاد، يكفرون ويفجرون بعد البلوغ ويقال: يعني: ولا يلدوا إلا أن يكونوا فجاراً كفاراً.

وهذا كما قال النبي  : «الشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ وَالسَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ» .

ثم قال عز وجل: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً يعني: سفينتي وديني.

وقال الكلبي: وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً يعني: مسجدي.

وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَباراً يعني: لا تزد الكافرين إلا هلاكاً، كقوله: تَبَّرْنا تَتْبِيراً.

وروى عكرمة، عن ابن عباس-  - كان إذا قرأ القرآن في الليل، فمر بآية فيقول لي: يا عكرمة ذكرني عند هذه الآية غداً.

فقرأ ذات ليلة هذه الآية، فقال: يا عكرمة، ذكرني غداً.

فذكرته ذلك، فقال: إن نوحاً دعا بهلاك الكافرين، ودعا للمؤمنين بالمغفرة، وقد استجيب دعاؤه في المؤمنين، فيغفر الله تعالى للمؤمنين والمؤمنات بدعائه، وبهلاك الكافرين فأهلكوا.

وروي عن بعض أصحاب النبيّ  أنه قال: «نَجَاةُ المُؤْمِنِينَ فِي ثَلاَثَةِ أشْيَاءٍ: بِدُعَاءِ نُوْحٍ- عَلَيْهِ السَّلاَمُ- وَبِدُعَاءِ إِسْحَاقَ-  - وَبِشَفَاعَةِ محمّد  » يعني: للمؤمنين والله أعلم.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ووَدًّا ومَا عُطِفَ عليه أسْمَاءُ أصْنَامٍ، ورَوَى البخاريُّ وغيره عن ابن عباس: أنَّها كانتْ أسْمَاء رجالٍ صالحينَ، من قوم نوحٍ فَلَمَّا هَلَكُوا أوْحَى الشيطانُ إلى قومِهم أن انْصِبُوا إلى مجالسِهم التي كانُوا يَجْلِسُونَ أنْصَاباً وَسَمُّوهَا بأسمائهم، فَفَعَلُوا «١» ، فلم تُعْبَدْ حتى إذا هَلَكَ أولئك وتُنُسِّخَ العِلْمُ عُبِدَتْ، قال ابن عباس: ثم صَارَتْ هذه الأوثانُ التي في قَوْمِ نُوحٍ في العَرَبِ بَعْد «٢» ، انتهى.

وقوله: وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً هو إخبارُ نُوحٍ عن الأَشْرَافِ، ثم دَعَا اللَّهَ عليهم ألاَّ يَزِيدَهم إلا ضَلالاً، وقال الحسن: أراد بقوله: وَقَدْ/ أَضَلُّوا الأَصْنَامَ المذكورة «٣» .

وقوله تعالى: مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا ابتداء إخْبَارٍ مِنَ اللَّهِ تعالى لمحمَّد- عليه السلام- و «ما» في قوله: مِمَّا: زائدةٌ فكأَنه قال: مِنْ خطِيئَاتِهِم، وهي لابتداءِ الغَايَةِ، - ص-: مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ من للسببِ، ع «٤» : لابتداءِ الغايةِ و «ما» زائِدة للتَوْكيد، انتهى، فَأُدْخِلُوا نَاراً يعني جَهَنَّمَ، وقول نوح: رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً قال قتادة وغيره: لم يَدْعُ نوحٌ بهذهِ الدعوةِ إلاَّ مِنْ بَعْدِ أنْ أُوحِيَ إليه أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ «٥» [هود: ٣٦] ودَيَّاراً أصْله: دَيْوَارٌ من الدَّوَرانِ، أي: من يجيءُ ويذهب.

وقوله: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ قال ابن عباس: لم يَكْفُرْ لنوحٍ أبٌ مَا بَيْنَه وبين آدم عليه السلام «٦» ، وقرأ أُبيُّ بن كعب «٧» : «ولأَبَوَيَّ» ، وبيتُه المسجدُ فيما قاله ابن

عباس «١» ، وجمهورُ المفسرين، وقال ابن عباس أيضاً: بيتُه شريعتُه ودِينُه استعار لها بَيْتاً كما يقال قُبَّة الإسْلاَمِ وفُسْطَاطُ الدين «٢» ، وقيل: أراد سفينتَه.

وقوله: وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ تعميمٌ بالدعاء لمؤمِني كلِّ أمَّةٍ، وقال بعض العلماء: إن الذي استجاب لنوح ع فأغْرَق بدعوتِه أهْلَ الأرضِ الكفارِ، لجديرٌ أن يستجيبَ له فَيَرْحَمَ بدعوتِهِ المؤْمنينَ، والتَّبَارُ: الهَلاَك.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِمّا خَطِيئاتِهِمْ ﴾ "ما" صِلَةٌ.

والمَعْنى: مِن خَطِيآتِهِمْ: أيْ: مِن أجْلِها، وسَبَبِها.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو "مِمّا خَطاياهُمْ" وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ، والجَحْدَرِيُّ "خَطِيئَتِهِمْ" مِن غَيْرِ ألِفٍ ﴿ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارًا ﴾ قالَ ابْنُ السّائِبِ: المَعْنى: سَيَدْخُلُونَ في الآخِرَةِ نارًا، فَجاءَ لَفْظُ الماضِي بِمَعْنى الِاسْتِقْبالِ، لِأنَّ الوَعْدَ حَقٌّ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

وقالَ الضَّحّاكُ: فَأُدْخِلُوا نارًا في الدُّنْيا، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَغْرَقُونَ مِن جانِبٍ، ويَحْتَرِقُونَ في الماءِ مِن جانِبٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمْ يَجِدُوا لَهم مِن دُونِ اللَّهِ أنْصارًا ﴾ أيْ: لَمْ يَجِدُوا أحَدًا يَمْنَعُهم مِن عَذابِ اللَّهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ دَيّارًا ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: أحَدًا.

يُقالُ: ما بِالمَنازِلِ دَيّارٌ أيْ: ما بِها أحَدٌ، وهو مِنَ الدّارِ، أيْ: لَيْسَ بِها نازِلٌ دارًا.

وقالَ الزَّجّاجُ: أصْلُها: "دَيْوارٌ" فَيْعالٌ، فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً، وأُدْغِمَتْ إحْداهُما في الأُخْرى.

وإنَّما دَعا عَلَيْهِمْ نُوحٌ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أوْحى إلَيْهِ ﴿ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلا مِن قَدْ آمَنَ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُضِلُّوا عِبادَكَ ﴾ وذَلِكَ أنَّ الرَّجُلَ مِنهم كانَ يَنْطَلِقُ بِابْنِهِ إلى نُوحٍ فَيُحَذِّرُهُ تَصْدِيقَهُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَلِدُوا إلا فاجِرًا كَفّارًا ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ نُوحًا أنَّهم لا يَلِدُونَ مُؤْمِنًا، فَلِذَلِكَ عَلِمَ الفاجِرَ الخارِجَ عَنِ الطّاعَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ﴾ قالَ الحَسَنُ: وذَلِكَ أنَّهُما كانا مُؤْمِنَيْنِ.

وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والجَحْدَرِيُّ، والجَوْنِيُّ "وَلِوالِدِي" ساكِنَةَ الياءِ عَلى التَّوْحِيدِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ يَعْمَرَ، والزُّهْرِيُّ، والنَّخَعِيُّ "وَلِوَلَدَيَّ" مِن غَيْرِ ألِفٍ عَلى التَّثْنِيَةِ "وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِي" وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ "بَيْتِيَ" بِفَتْحِ الياءِ.

وفِيهِ ثَلاثَةٌ أقْوالٍ.

أحَدُها: مَنزِلُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: مَسْجِدُهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّالِثُ: سَفِينَتُهُ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ﴾ هَذا عامٌّ في كُلِّ مَن آمَنَ ﴿ وَلا تَزِدِ الظّالِمِينَ ﴾ يَعْنِي: الكافِرِينَ ﴿ إلا تَبارًا ﴾ أيْ: هَلاكًا.

ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَبَّرْنا تَتْبِيرًا  ﴾ .

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ نُوحٌ رَبِّ إنَّهم عَصَوْنِي واتَّبَعُوا مَن لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ ووَلَدُهُ إلا خَسارًا ﴾ ﴿ وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبّارًا ﴾ ﴿ وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكم ولا تَذَرُنَّ ودًّا ولا سُواعًا ولا يَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْرًا ﴾ ﴿ وَقَدْ أضَلُّوا كَثِيرًا ولا تَزِدِ الظالِمِينَ إلا ضَلالا ﴾ ﴿ مِمّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهم مِن دُونِ اللهِ أنْصارًا ﴾ المَعْنى: فَلَمّا لَمْ يُطِيعُوا ويَئِسَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ مِن إيمانِهِمْ قالَ نُوحٌ: رَبِّ إنَّهم عَصَوْنِي واتَّبَعُوا أشْرافَهم وغُواتَهُمْ، فَعَبَّرَ عنهم بِأنَّ أمْوالَهم وأولادَهم زادَتْهم خَسارًا، أيْ خُسْرانًا.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ونافِعٌ - في رِوايَةٍ خارِجَةٍ عنهُ-: "وَوُلْدُهُ" بِضَمِّ الواوِ وسُكُون اللامِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ الزُبَيْرِ، والحَسَنِ، والأعْرَجِ، والنَخْعِيِّ، ومُجاهِدٍ.

وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "وَوَلَدُهُ" بِفَتْحِ الواوِ واللامِ وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ كَبُخْلٍ وبَخَلٍ، وهي قِراءَةُ أبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، والحَسَنِ، وأبِي رَجاءٍ، وابْنِ وثّابٍ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وقَرَأ: "وَوِلْدُهُ" بِكَسْرِ الواوِ والجَحْدَرِيِّ، وزِرٍّ، والحَسَنِ، وابْنِ أبِي إسْحاقَ، وطَلْحَةَ، قالَ أبُو عَمْرٍو: "وُلْدٌ" بِضَمِّ الواوِ وسُكُونِ اللامِ: العَشِيرَةُ والقَوْمُ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ "الوُلْدُ" بِضَمِّ الواوِ جَمْعُ "الوَلَدِ" وذَلِكَ كَخَشَبٍ وخُشُبٍ، وقَدْ قالَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ: يا بَكْرَ آمِنَةَ المُبارَكِ ذِكْرُها ∗∗∗ مِن ولَدِ مُحْصَنَةٍ بِسَعْدِ الأسْعَدِ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "كُبّارًا" بِشَدِّ الباءِ وهو بِناءُ مُبالِغَةٍ نَحْوُ حَسّانَ، قالَ عِيسى: هي لُغَةٌ يَمانِيَةٌ، وعَلَيْها قَوْلُ الشاعِرِ: والمَرْءُ يَلْحَقُهُ بِفِتْيانِ النَدى ∗∗∗ ∗∗∗ خَلْقَ الكَرِيمِ ولَيْسَ بِالوَضّاءِ بِضَمِّ الواوِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وعِيسى ابْنُ عُمَرَ: "كُبارًا" بِتَخْفِيفِ الباءِ، وهو بِناءُ مُبالِغَةٍ إلّا أنَّهُ دُونَ الأوَّلِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، فِيما رَوى عنهُ أبُو الأُخْرِيطِ وهْبُ بْنُ واضِحٍ-: "كِبارًا" بِكَسْرِ الكافِ، قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هو جَمْعٌ كَبِيرٌ، فَكَأنَّهُ جَعَلَ "مَكْرَ" مَكانَ ذُنُوبٍ وأفاعِيلَ ونَحْوِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ ﴾ إخْبارٌ عن تَواصِيهِمْ بِأصْنامِهِمْ عَلى العُمُومِ، وما كانَ مِنها مَشْهُورُ المَكانَةِ، وما كانَ مِنها يَخْتَصُّ بِواحِدٍ مِنَ الناسِ، ثُمَّ أخَذُوا يَنُصُّونَ عَلى المَشْهُورِ مِنَ الأصْنامِ، وهَذِهِ الأصْنامُ رُوِيَ أنَّها أسْماءُ رِجالٍ صالِحِينَ كانُوا في صَدْرِ الدُنْيا، فَلَمّا ماتُوا صَوَّرَهم أهْلُ ذَلِكَ العَصْرِ مِن حَجَرٍ وقالُوا: نَنْظُرُ إلَيْها فَنَذْكُرُ أفْعالَهُمْ، فَهَلَكَ ذَلِكَ الجِيلُ وكَثُرَ تَعْظِيمُ الآخَرِ لِتِلْكَ الحِجارَةِ ثُمَّ كَذَلِكَ حَتّى عُبِدَتْ ثُمَّ انْتَقَلَتْ تِلْكَ الأصْنامُ بِأعْيانِها -وَقِيلَ: بَلِ الأسْماءُ فَقَطْ- إلى قَبائِلَ مِنَ العَرَبِ، فَكانَتْ "وُدُّ" في كَلْبٍ بِدَوْمَةِ الجَنْدَلِ، وكانَتْ "سُواعُ" في هُذَيْلٍ، وكانَتْ "يَغُوثَ" في مُرادٍ، وكانَتْ "يَعُوقَ" في هَمَذانَ، وكانَتْ "نَسْرُ" في ذِي الكُلاعِ مِن حَمِيرٍ.

وَقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ -وَرُوِيَتْ عن عاصِمٍ -: "وُادٍ" بِضَمِّ الواوِ، وقَرَأ الباقُونَ، والأعْمَشُ، والحَسَنُ، وطَلْحَةُ، وشَيْبَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ -بِخِلافٍ عَنِ الثَلاثَةِ-: "وَدًّا" بِفَتْحِ الواوِ، قالَ الشاعِرُ: حَيّاكَ ودَّ فَإنّا لا يَحِلُّ لَنا ∗∗∗ ∗∗∗ لَهْوُ النِساءِ وإنَّ الدِينَ قَدْ عَزَما فَيُقالُ: إنَّهُ أرادَ بِذَلِكَ الصَنَمَ، ويُرْوى بِضَمِّ الواوِ وفَتْحِها.

وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَلا يَغُوثا ويَعُوقا" بِالصَرْفِ، وذَلِكَ وهم لِأنَّ التَعْرِيفَ لازِمٌ ووَزْنُ الفِعْلِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَقَدْ أضَلُّوا كَثِيرًا ﴾ هو إخْبارُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ عنهُمْ، وهو مُنْقَطِعٌ مِمّا حَكاهُ عنهُمْ، والمَعْنى: قَدْ أضَلَّ هَؤُلاءِ القائِلُونَ كَثِيرًا مِنَ الناسِ والأتْباعِ والعَوامِّ، ثُمَّ دَعا عَلَيْهِمْ إلى اللهِ تَعالى بِألّا يَزِيدَهم إلّا ضَلالًا، وذَكَرَ الظالِمِينَ لِتَعُمَّ الدَعْوَةُ كُلَّ مَن جَرى مُجْراهم.

وقالَ الحَسَنُ -فِي كِتابِ النَقّاشِ -: أرادَ بِقَوْلِهِ: "وَقَدْ أضَلُّوا" الأصْنامُ المَذْكُورَةُ، وعَبَّرَ عنها بِضَمِيرِ مَن يَعْقِلُ مِن حَيْثُ يُعامِلُها جُمْهُورُ أهْلِها مُعامَلَةَ مَن يَعْقِلُ ويُسْنَدُ إلَيْها أفْعالُ العَقْلِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "مِمّا خَطِيئاتِهِمْ" ابْتِداءُ إخْبارٍ مِنَ اللهِ تَعالى لِمُحَمَّدٍ  ، أيْ أنَّ دَعْوَةَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ أُجِيبَتْ فَآلَ أمْرُهم إلى هَذا، و"ما" في قَوْلُهُ تَعالى: "مِمّا" زائِدَةٌ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: مِن خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا، وهي لِابْتِداءِ الغايَةِ، وقَرَأ "مِمّا خَطِيئَتِهِمْ" عَلى الإفْرادِ الجَحْدَرِيُّ والحَسَنُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ، والحَسَنُ، وعِيسى، والأعْرَجُ، وقَتادَةُ -بِخِلافٍ عنهُمْ-: "مِمّا خَطاياهُمْ" عَلى تَكْسِيرِ الجَمْعِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأُدْخِلُوا نارًا ﴾ يَعْنِي جَهَنَّمَ، وعَبَّرَ عن ذَلِكَ بِفِعْلِ المُضِيِّ مِن حَيْثُ الأمْرُ مُتَحَقِّقٌ، وقِيلَ: أرادَ عَرْضَهم عَلى النارِ غُدُوًّا وعَشِيًّا عَبَّرَ عنهم بِالإدْخالِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَلَمْ يَجِدُوا" أيْ: لَمْ يَجِدِ المُغْرِقُونَ أحَدًا سِوى اللهِ تَعالى يَنْصُرُهم ويَصْرِفُ عنهم بَأْسَ اللهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جملة معترضة بين مقالات نوح عليه السلام وليست من حكاية قول نوح فهي إخبار من الله تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم بأنه قدر النصر لنوح والعقابَ لمن عَصوْه من قومه قبل أن يسأله نوح استئصالهم فإغراق قوم نوح معلوم للنبيء صلى الله عليه وسلم وإنما قصد إعلامه بسببه.

والغرض من الاعتراض بها التعجيل بتسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما يلاقيه من قومه مما يماثل ما لاقاه نوح من قومه على نحو قوله تعالى: ﴿ ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون ﴾ [إبراهيم: 42].

ويجوز أن تكون متصلة بجملة ﴿ ولا تزد الظالمين إلاّ ضلالاً ﴾ [نوح: 24] على الوجه الثاني المتقدم فيها من أن تكون من كلام الله تعالى الموجه إلى نوح بتقدير: وقلنا لا تزد الظالمين إلاّ ضلالاً، وتكون صيغة المضي في قوله: ﴿ أغرقوا ﴾ مستعملة في تحقق الوَعد لنوح بإغراقهم، وكذلك قوله: وقُدم مما خطيئاتهم} على عامله لإِفادة القصر، أي أغرقوا فأدخلوا ناراً من أجل مجموع خطيئاتهم لا لمجرد استجابة دعوة نوح التي ستذكر عقب هذا ليعلم أن الله لا يُقر عباده على الشرك بعد أن يرسل إليهم رسولاً وإنما تأخر عذابهم إلى ما بعدَ دعوة نوح لإِظهار كرامته عند ربه بين قومه ومسرة له وللمؤمنين معه وتعجيلاً لما يجوز تأخيره.

و (مِن) تعليلية، و(ما) مؤكدة لمعنى التعليل.

وجمع الخطيئات مراد بها الإشراك، وتكذيب الرسول، وأذاه، وأذى المؤمنين معه، والسخرية منه حين توعدهم بالطوفان، وما ينطوي عليه ذلك كله من الجرائم والفواحش.

وقرأ الجمهور ﴿ خطيئاتهم ﴾ بصيغة جمع خطيئة بالهمز.

وقرأه أبو عمرو وحده ﴿ خطاياهم ﴾ جمع خَطيَّة بالياء المشددة مدغمة فيها الياء المنقلبة عن همزةٍ للتخفيف.

وفي قوله: ﴿ أغرقوا فأدخلوا ناراً ﴾ محسن الطباق لأن بين النار والغرق المشعر بالماء تضاداً.

وتفريع ﴿ فلم يجدوا لهم من دون الله أنصاراً ﴾ تعريض بالمشركين من العرب الذين كانوا يزعمون أن الأصنام تشفع لهم وتدفع عنهم الكوارث يعني في الدنيا لأنهم لا يؤمنون بالبعث، أي كما لم تَنصر الأصنام عبدتها من قوم نوح كذلك لا تنصركم أصنامكم.

وضمير ﴿ يجدوا ﴾ عائد إلى ﴿ الظالمين ﴾ من قوله: ﴿ ولا تزد الظالمين إلاّ ضلالاً ﴾ [نوح: 24] وكذلك ضمير ﴿ لهم ﴾ .

والمعنى: فلم يجدوا لأنفسهم أنصاراً دون عذاب الله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا ﴾ اخْتَلَفُوا في سَبَبِ دُعاءِ نُوحٍ عَلى قَوْمِهِ بِهَذا عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلا مَن قَدْ آمَنَ  ﴾ دَعا عَلَيْهِمْ بِهَذا الدُّعاءِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّ رَجُلًا مِن قَوْمِهِ حَمَلَ ولَدَهُ صَغِيرًا عَلى كَتِفِهِ، فَمَرَّ بِنُوحٍ، فَقالَ لِابْنِهِ: احْذِرْ هَذا فَإنَّهُ يُضِلُّكَ فَقالَ: يا أبَتِ أنْزَلَنِي فَأنْزَلَهُ فَرَماهُ فَشَجَّهُ، فَحِينَئِذٍ غَضِبَ نُوحٌ ودَعا عَلَيْهِمْ.

وَفي قَوْلِهِ ﴿ دَيّارًا ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أحَدًا، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: مَن يَسْكُنُ الدِّيارَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

﴿ رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ أباهُ، واسْمُهُ لَمَكُ، وأمَّهُ واسْمُها مِنجَلُ، وكانا مُؤْمِنَيْنِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: أنَّهُ أرادَ أباهُ وجَدَّهُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

﴿ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي صَدِيقِي الدّاخِلِ إلى مَنزِلِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: مَن دَخَلَ مَسْجِدِي، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: مَن دَخَلَ في دِينِي، قالَهُ جُوَيْبِرٌ.

﴿ وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ مِن قَوْمِهِ.

الثّانِي: مِن جَمِيعِ الخَلْقِ إلى قِيامِ السّاعَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

﴿ وَلا تَزِدِ الظّالِمِينَ ﴾ يَعْنِي الكافِرِينَ.

﴿ إلا تَبارًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: هَلاكًا.

الثّانِي: خَسارًا، حَكاهُما السُّدِّيُّ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ والله أنبتكم من الأرض نباتاً ﴾ قال: خلق آدم من أديم الأرض كلها.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ سبلاً فجاجاً ﴾ قال: طرقاً مختلفة.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ سبلاً فجاجاً ﴾ قال: طرقاً مختلفة وأعلاماً.

وأخرج سعيد بن منصور عن إبراهيم النخعي أنه كان يقرأ ﴿ ماله وولده ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور عن الحسن وأبي رجاء أنهما كانا يقرآن ﴿ ماله وولده ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن الأعمش أنه كان يقرأها في نوح والزخرف وما بعد السجدة من مريم ولد وقال: الولد الكبير والولد الواحد.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ ومكروا مكراً كباراً ﴾ قال عظيماً.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس ﴿ ولا تذرن ودّاً ولا سواعاً ولا يغوث ويعوق ونسراً ﴾ قال: هذه أصنام كانت تعبد في زمن نوح.

وأخرج البخاري وابن المنذر وابن مرديه عن ابن عباس قال: صارت الأصنام والأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد، أما ودّ فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع فكانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف عند سبأ وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع، وكانوا أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصاباً وسموها بأسمائهم، ففعلوا فلم تعبد حتى إذ هلك أولئك ونسخ العلم عبدت.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عروة قال: اشتكى آدم عليه السلام وعنده بنوه ود ويغوث ويعوق وسراع ونسر، وكان ود أكبرهم وأبرّهم به.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه عن أبي عثمان قال: رأيت يغوث صنماً من رصاص يحمل على جمل أجرد، فإذا برك قالوا: قد رضي ربكم هذا المنزل.

وأخرج الفاكهي عن عبيد الله بن عبيد بن عمير قال: أول ما حدثت الأصنام على عهد نوح وكانت الأبناء تبرّ الآباء فمات رجل منهم فجزع عليه فجعل لا يصبر عنه فاتخذ مثالاً على صورته، فكلما اشتاق إليه نظره، ثم مات ففعل به كما فعل، ثم تتابعوا على ذلك، فمات الآباء، فقال الأبناء: ما اتخذ هذه آباؤنا إلا أنها كانت آلهتهم فعبدوها.

وأخرج عبد بن حميد عن محمد بن كعب رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا يغوث ويعوق ونسراً وقد أضلوا كثيراً ﴾ قال: كانوا قوماً صالحين بين آدم ونوح فنشأ قوم بعدهم يأخذون كأخذهم في العبادة، فقال لهم إبليس: لو صوّرتم صورهم فكنتم تنظرون إليهم، فصوروا ثم ماتوا فنشأ قوم بعدهم، فقال لهم إبليس: إن الذين كانوا من قبلكم كانوا يعبدوها.

وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن محمد بن كعب القرظي قال: كان لآدم خمسة بنين ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر، فكانوا عبّاداً فمات رجل منهم، فحزنوا عليه حزناً شديداً، فجاءهم الشيطان، فقال: حزنتم على صاحبكم هذا؟

قالوا: نعم، قال: هل لكم أن أصوّر لكم مثله في قبلتكم إذا نظرتم إليه ذكرتموه؟

قالوا: لا نكره أن تجعل لنا في قبلتنا شيئاً نصلي إليه.

قال: فأجعله في مؤخر المسجد.

قالوا: نعم فصوّره لهم حتى مات خمستهم فصوّر صورهم في مؤخر المسجد وأخرج الأشياء حتى تركوا عبادة الله وعبدوا هؤلاء، فبعث الله نوحاً فقالوا: ﴿ لا تذرن وداً ﴾ إلى آخر الآية.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي مطهر قال: ذكروا عند أبي جعفر يزيد بن المهلب فقال: إما أنه قتل في أول أرض عبد فيها غير الله، ثم ذكر وداً قال: وكان ود رجلاً مسلماً وكان محبباً في قومه، فلما مات عسكروا حول قبره في أرض بابل وجزعوا عليه، فلما رأى إبليس جزعهم عليه تشبه في صورة إنسان ثم قال: أرى جزعكم على هذا فهل لكم أن أصور لكم مثله فيكون في ناديكم فتذكرونه به؟

قالوا: نعم، فصوّر لهم مثله، فوضعوه في ناديهم وجعلوا يذكرونه، فلما رأى ما بهم من ذكره قال: هل لكم أن أجعل لكم في منزل كل رجل منكم تمثالاً مثله فيكون في بيته فتذكرونه؟

قالوا: نعم، فصوّر لكل أهل بيت تمثالاً مثله فأقبلوا فجعلوا يذكرونه به.

قال: وأدرك أبناؤهم فجعلوا يرون ما يصنعون به وتناسلوا ودرس أمر ذكرهم إياه حتى اتخذوه إلهاً يعبدونه من دون الله.

قال: وكان أول ما عبد غير الله في الأرض ود الصنم الذي سموه بود.

وخرج عبد بن حميد عن السدي سمع مرة يقول في قول الله: ﴿ ولا يغوث ويعوق ونسراً ﴾ قال: أسماء آلهتهم.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ وولده ﴾ بنصب الواو ﴿ ولا تذرن وداً ﴾ بنصب الواو ﴿ ولا سواعاً ﴾ برفع السين.

وأخرج ابن عساكر عن أبي أمامة قال: لم ينحسر أحد من الخلائق كحسرة آدم ونوح، فأما حسرة آدم فحين أخرج من الجنة، وأما حسرة نوح فحين دعا على قومه فلم يبق شيء إلا غرق إلا ما كان معه في السفينة، فلما رأى الله حزنه أوحى إليه يا نوح لا تتحسر فإن دعوتك وافقت قدري.

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله: ﴿ رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً ﴾ قال: واحداً.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً ﴾ قال: أما والله ما دعا عليهم نوح حتى أوحى الله إليه أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن، فعند ذلك دعا عليهم، ثم دعا دعوة عامة، فقال: ﴿ رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمناً وللمؤمنين والمؤمنات ولا تزد الظالمين إلا تباراً ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ رب اغفر لي ولوالدي ﴾ قال: يعني أباه وجده.

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله: ﴿ ولمن دخل بيتي مؤمناً ﴾ قال: مسجدي.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ ولا تزد الظالمين إلا تباراً ﴾ قال: خساراً.

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَقَالُواْ لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ ﴾ أي وصى بعضهم بعضاً بذلك ﴿ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً ﴾ هذه أسماء أصنامهم، كان قوم نوح يعبدونها، وروي أنها أسماء رجال صالحين كانوا في صدر الدنيا، فلما ماتوا صوَّرهم أهل ذلك العصر من حجارة، وقالوا: ننظر إليها لنتذكر أعمالهم الصالحة، فهلك ذلك الجيل وكثر تعظيمهم من بعدهم لتلك الصور، حتى عبدوها من دون الله، ثم انتقلت تلك الأصنام بأعيانها؛ وقيل: بل الأسماء فقط، إلى قبائل العرب، فكان وَدّاً لكلب بدومة الجندل، وكان سواع لهذيل، وكان يغوث لمراد، وكان يعوق لهمدان، وكان نسراً لذي الكلام من حمير.

وقرئ وَداً بفتح الواو وضمها ووُدّاً وهما لغتان ﴿ وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيراً ﴾ الضمير للرؤساء من قوم نوح، والمعنى أضلوا كثيراً من أتباعهم، وهذا من كلام نوح عليه السلام، وكذلك ﴿ وَلاَ تَزِدِ الظالمين إِلاَّ ضَلاَلاً ﴾ من كلامه، وهو دعاء عليهم.

وقال الزمخشري: إنه معطوف على قوله: ﴿ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي ﴾ [نوح: 21] والتقدير: قال: رب إنهم عصوني، وقال: ﴿ لا تزد الضالمين إلا ضلالاً ﴾ ﴿ مِّمَّا خطيائاتهم أُغْرِقُواْ ﴾ هذا من كلام الله إخباراً عن أمرهم، وما زائدة للتأكيد وإنما قدم هذا المجرور للتأكيد أيضاً ليبين أن إغراقهم وإدخالهم النار، إنما كان بسبب خطاياهم وهي الكفر الكفر وسائر المعاصي ﴿ فَأُدْخِلُواْ نَاراً ﴾ يعني جهنم.

وعبَّر عن ذلك بالفعل الماضي لأن الأمر محقق، وقيل: أراد عرضهم على النار وعبر عنه بالإدخال.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ دعائي إلا ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو ﴿ أني أعلنت ﴾ بالفتح.

أبو عمرو وأبو جعفر ونافع وابن كثير ﴿ وولده ﴾ بالضم والسكون: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف.

الباقون: بفتحتين ﴿ ودا ﴾ بالضم: أبو جعفر ونافع الآخرون: بالفتح ﴿ خطاياهم ﴾ بالتكسير: أبو عمرو ﴿ بيتي ﴾ بالفتح: حفض وهشام.

الوقوف: ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ وأطيعون ﴾ ه ﴿ مسمى ﴾ ط ﴿ لا يؤخر ﴾ م ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ ونهاراً ﴾ ه ﴿ فراراً ﴾ ه ﴿ إستكباراً ﴾ ه ج لأن " ثم " لترتيب الأخبار مع اتحاد القائل ﴿ جهاراً ﴾ ه لا ﴿ أسراراً ﴾ ه لا لعطف مقصود الكلام ﴿ غفاراً ﴾ ه لا لجواب الأمر ﴿ مدراراً ﴾ ه ﴿ أنهاراً ﴾ ه ط لابتداء الإستفهام ﴿ وقاراً ﴾ ه ج لأن ما بعده يحتمل الحال والإستئناف ﴿ أطواراً ﴾ ه ﴿ طباقاً ﴾ ه لا ﴿ سراجاً ﴾ ه لا ﴿ نباتاً ﴾ ه ﴿ إخراجاً ﴾ ه ﴿ بساطاً ﴾ ه ﴿ فجاجاً ﴾ ه ﴿ خساراً ﴾ ه ج للآية مع العطف واتحاد الكلام ﴿ كباراً ﴾ ه لذلك ﴿ ونسراً ﴾ ه ك لأن ما بعده ليس بمعطوف ولكنه حال من فاعل ﴿ قالوا ﴾ وذكر السجا وندي أنه حال من مفعول ﴿ لا تذرن ﴾ وفيه نظر ﴿ كثيراً ﴾ ه ز لأن قوله ﴿ ولا تزد ﴾ لا يصح عطفه ظاهراً ولكنه متصل بما قبله بطريق الحكاية أي قال نوح رب إنهم عصوني وقال لا تزد ﴿ ضلالاً ﴾ ه ﴿ أنصاراً ﴾ ه ﴿ دياراً ﴾ ه ﴿ كفاراً ﴾ ه ﴿ تباراً ﴾ ه.

التفسير: لما حذر الناس أهوال يوم القيامة ذكرهم قصة نوح وما جرى على قومه من الإغراق قبل الأطراف حين عصوا رسولهم و " أن " في ﴿ أن أنذر ﴾ و ﴿ أن اعبدوا ﴾ مفسرة لما في ألإرسال والإنذار من معنى القول.

أو ناصبة والجار محذوف أي أرسلناه بأن قلنا له أنذر أي أرسلناه بالأمر بالإندار.

ثم حكى أنه امتثل الأمر فأمر قومه بعبادة الله قبل الأطراف ويتناول جميع الواجبات والمندوبات ﴿ واتقواه ﴾ ويشتمل على الزجر عن جميع المحظورات وبطاعة نفسه تنبيهاً على أن طاعة الله هي طاعة نبيه، والإلهيات لا تكمل معرفتها إلا بمعرفة النبوات.

ثم وعدهم على العبادة والتقوى والطاعة شيئين: أحدهما دفع مضار الآخرة وهو غفران الذنوب، والثاني وصول منافع الدنيا وهو بتأخير الأجل إلى أقصى الإمكان.

وقد مر في سورة إبراهيم إستدلال من جوز زيادة " من " في الإثبات بنظير هذه الآية.

وما أجيب عنه.

والذي نزيده ههنا ما قيل: إنه لم لا يجوز أن يراد يغفر لكم كل ما كان من ذنوبكم فتكون فائدته عدم المؤاخذة بمجموع الذنوب لا بكل فرد من أفراده لصدق قول القائل لا أطالبك بمجموع ذنوبك لكني أطالبك بهذا الذنب الواحد.

وفي قوله ﴿ يغفر لكم ﴾ معنى لا يؤاخذكم قاله الإمام فخر الدين الرازي وهو شبه مغالطة لأنه يوجب استعمال مقتضى النفي مكان مقتصى الإثبات وبالعكس بتأويل تقدير الإثبات وبالعكس مثلاً اتفقوا على وجوب النصب في قولك " جاءني القوم إلا زيداً " وعلى قوله يمكن رفعه على البدل بتأويل يتخلف القوم إلا زيد وهكذا قولك " جاءني رجل " لا يشمل المجيء سواه.

ولو قلت " ما تخلف رجل " عمّ المجيء كل أحد.

ثم قال: هب أنه يقتضي التبعيض لكنه حق لأن من آمن فإنه يغفر ما تقدم من ذنوبه على إيمانه، أما المتأخر عنه فإنه لا يصير بذلك السبب مغفوراً فثبت أنه لا بد ههنا من حرف التبعيض.

قلت: هذا التأويل جائز في حق هذه الأمة أيضاً فوجب أن يذكر من في سورة الصف أيضاً.

قوله ﴿ إن أجل الله ﴾ إشارة إلى الأجل المسمى وفيه تنبيه على أن الأجل الاختراعي قد يؤخر بتقدير الإيمان والعبادة، وفيه أن وقت الفرصة والإمهال يجب أن يغتنم قبل حلول مالا حيلة فيه، وفي قوله ﴿ لو كنتم تعلمون ﴾ توبيخ على أن إمهالهم في أمور الدنيا بلغ إلى حيث صيرهم شاكين في وقوع الموت.

ثم حكى شكوى نوح إلى ربه بعد أن لم ينجع في قومه طول دعوته.

ومعنى ﴿ ليلاً ونهاراً ﴾ دائباً دائماً من غير توان وفتور.

قوله ﴿ فلم يزدهم دعائي إلا فراراً ﴾ كقوله ﴿ ما زادهم إلا نفوراً  ﴾ قوله ﴿ لتغفر لهم ﴾ ذكر ما هو المقصود وترك ما هو الوسيلة، وأصل الكلام ليؤمنوا فتغفر لهم ذنوبهم السالفة هذا قول جار الله.

ويمكن أن يقال: إنه وعدهم المغفرة على العبادة والتقوى والطاعة فكأنه قال: دعوتهم إلى عبادتك وتقواك وطاعتي لتغفر لهم، وهذا كلام متسق مبني على الأول كما ترى.

ثم ذكر أنهم عاملوه بأشياء منها: جعل الأصابع في الآذان لئلا يسمعوا قوله.

ومنها تغطيهم بثيابهم تأكيداً لعدم سماع الحجة أو لئلا يبصروا وجهه.

ومنها إصرارهم على مذهبهم واستكبارهم عن قبول الحق إستكباراً بالغاً نهايته.

ثم حكى نوح أنه كان لدعوته ثلاث مراتب بدأ تقريع وتغليظ فلم يؤثر.

وانتصب ﴿ جهاراَ ﴾ على المصدر لأنه نوع من الدعوة أو على أنه صفة دعاء محذوف.

والوصف بالمصدر مبالغة على أنه في موضع الحال.

ثم إنه جمع بين الأمرين كما يفعل المجتهد المتحير في التدبير فلم ينفع.

ثم فسر الدعوة بقوله ﴿ فقلت استغفروا ﴾ إلى آخره وفيه أن الاستغفار يوجب زيادة البركة والنماء.

وله وجه معقول وهو أن الله  مفيض الخيرات والبركات بالذات كما قال "سبقت رحمتي غضبي" فكل ما يصل إلى العباد مما يضاد ذلك كالفقر والقحط والآلام والمخاوف فإنها بشؤم معاصيهم، فإذا تابوا واستغفروا زال الشؤم والبلاء وعاد الخير والنماء.

يروى أنهم لما كذبوه بعد طول تكرير الدعوة حبس الله  عنهم القطر وأعقم أرحام نسائهم أربعين سنة أو سبعين.

فوعدهم نوح أنهم إن آمنوا دفع الله عنهم البلاء.

والمدرار الكثير الدريستوي فيه الذكر والمؤنث.

ثم إنه وبخهم بقوله ﴿ مالكم لا ترجون لله وقاراً ﴾ أصل الرجاء الأمل.

والوقار التوقير " فعال " بمعنى " تفعيل " مثل " سراح " بمعنى " تسريح " وقد يستعمل الرجاء بمعنى الخوف فمعناه على هذا مالكم لا تخافون عظمة الله.

وعلى الأول قال جار الله: معناه أي شيء لكم وما بالكم لا تكونون على حال تأملون فيها تعظيم الله إياكم في دار الثواب ﴿ ولله ﴾ بيان أو حال ولو تأخر لكان صلة للوقار أو صفة، ويحتمل أن يكون الوقار فعلاً للقوم وذلك أنهم كانوا يستخفون برسول الله  فحثهم على تعظيمه لأجل الله راجين ثوابه.

وعن ابن عباس أن الوقار هو الثواب من وقر إذا ثبت واستقر قال جار الله: في تقريره أي لا تخافون لله عاقبة حال استقرار الأمور وثبات الثواب والعقاب.

وقال غيره: تم الكلام عند قوله ﴿ مالكم ﴾ ثم استفهم منكراً ﴿ لا ترجون ﴾ أي لا تعتقدون لله ثباتاً وبقاء فإنكم لو رجوتم ذلك لما أقدمتم على الإستخفاف برسوله.

قال الليث: الطور التارة أي خلقكم مرة بع مرة نطفة ثم علقة إلى آخرها.

وقال ابن الإنباري: والطور الحال فيجوز أن يراد الأوصاف المختلفة التي لا شبه بعضها بعضاً، وهذا دليل للتوحيد المأخوذ من الأنفس، ثم أشار إلى دليل الآفاق بقوله ﴿ ألم تروا ﴾ الآية.

ومعنى ﴿ طباقاً ﴾ قد مر في أول " الملك " فلا يلزم منه أن لا يبقى للملائكة مساكن فيها فلعلها متوازية لا متماسة.

وأما على قول من يزعم أن الملائكة روحانية فلا إشكال، قوله ﴿ فيهن ﴾ في حيزه من السموات وشبه الشمس بالسراج لأن نوره ذاتي كهي، أو لأن الليل عبارة عن ظل الأرض والشمس سبب لزواله.

ثم عاد إلى دليل الأنفس بقوله ﴿ والله أنبتكم من الأرض نباتاً ﴾ يحتمل أن يكون من باب التفعيل فيكون مصدراً متعدياً قريباً من لفظ الفعل وأن يكون ثلاثياً لازماً فيكون أبعد، ويجوز أن يراد أنبتكم فنبتم نباتاً.

قال جار الله: استعير الإنبات للإنشاء ليكون أدل على الحدوث.

وفي قوله ﴿ إخراجاً ﴾ تأكيداً أي يخرجكم حقاً ولا محالة.

ثم ذكر دليلاً آخراً فاقياً من حال الأرض.

والفج الطريق الواسع.

ثم إن سائلاً كأنه سأل: ماذا قال نوح بعد هذه الشكوى؟

فبين  أنه  ﴿ قال نوح رب إنهم عصوني ﴾ مكان قوله وأطيعون ﴿ واتبعوا ﴾ رؤساءهم ولم يزدهم ما لهم وولدهم ﴿ إلا خساراً ﴾ في الآخرة كأن التمتع القليل في الدنيا كالعدم.

وولده بالضم لغة في الولد ويجوز أن يكون جمعاً كفلك ﴿ ومكروا ﴾ معطوف على ﴿ لم يزده ﴾ لأن المتبوعين هم الذين مكروا ﴿ وقالوا ﴾ للأتباع ﴿ لا تذرن ﴾ وجمع حملاً على المعنى.

والكبار بالتشديد أكبر من الكبار بالتخفيف ولهذا لم يقرأ مخففاً إلا في الشاذ فكلاهما مبالغة في الكبير.

ولا ريب أن رأس الخيرات هو الإرشاد إلى التوحيد فنقيضه وهو الدعاء إلى الشرك يكون أعظم الكبائر وأفظع أنواع المكر.

وإنما سمي مكراً لأنهم دلسوا عليهم بأنه دين آبائكم وألاباء أعرف من الأبناء.

وبأن هذه الأصنام تعطيكم الخيرات والمنافع وأنها شفعاؤكم.

ثم خصوا الأصنام الخمسة بالذكر لأنها كانت عندهم أكبر قالوا: وقد انتقلت من قوم نوح إلى العرب لأسباب لا يعلمها إلا الله، ولأنها لم تكن مما تعرف بالطوفان، فكان ود لكلب، وسواع لهمدان، ويغوث لمذحج، ويعوق لمراد، ونسر لحمير، وصورته أيضاً كصورة النسر، وأما ود فعلى صورة الرجل، وسواع على صورة امرأة، ويغوث على صورة أسد، ويعوق على صورة فرس، وإنما دعا نوح عليهم بالضلال غضباً عليهم حين عرف بالقرائن المفيدة للجزم أنهم لا يكادون يؤمنون، أو المراد ضلال طريق الجنة، أو ضلال مكرهم المذكور وعدم ترويجه، أو المراد العذاب كقوله ﴿ إن المجرمين في ضلال وسعر  ﴾ وقالت المعتزلة: أراد الخذلان ومنع الألطاف وخص هذا بالضلال دون التبار لموافقة قوله ﴿ وقد أضلوا ﴾ قوله ﴿ مما خطيئاتهم ﴾ " من " للتعليل كقولك " جئتك لأجل كذا " و" ما " صلة للتوكيد.

وسبب تقديم الجار بيان أنه لم يكن إغراقهم بالطوفان فإدخالهم النار إلا من أجل خطاياهم وهي كفرهم المضموم إلى أنواع إيذاء رسول الله  في مدة ألف سنة إلا خمسين عاماً.

وقد يستدل بفاء التعقيب لا سيما وقد دخل على ماضٍ معطوف على مثله على إثبات عذاب القبر.

عن الضحاك: كانوا يغرقون من جانب ويحرقون من جانب هكذا حال من مات من المجرمين في ماء أو ي نار أو في جوف سبع أصابه ما يصيب المقبور من العذاب العقلي وهو ظاهر، والعذاب الجسمي وهو غير بعيد في قدرة الله  .

وتنكير النار للتعظيم أو لأنها نوع نم النار مختص بهم.

وفي قوله ﴿ فلم يجدوا ﴾ تهكم بهم وبآلهتهم قوله ﴿ وقال ﴾ معطوف على مثله ولهذا دخل العاطف كأنه جمع نوح بين ذلك القول وبين هذا.

وإنما وقع مما خطيئاتهم إلى الآية اعتراضاً في البين تنبيهاً على أن خطيئاتهم هي المذكورات في الآية المتقدمة من عصيان رول الله واتباع غيره.

والمكر الكبار والحث على التقليد والإشراك بالله خصوصاً الأصنام الخمسة ﴿ دياراً ﴾ من الأسماء المستعملة في النفي العام.

يقال: ما بالدار ديار وهو " فيعال " من الدور أو من الدار أي نازل دار قاله ابن قتيبة.

فعل به ما فعل بنحو أيام لو كان فعالاً لقيل دواراً، قوله ﴿ إنك إن تذرهم ﴾ إلى آخره.

قال العلماء: عرف ذلك بالوحي كما قال ﴿ إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن  ﴾ وبالتجربة في المدة إليه حالهم واتفق الجمهور على أن صبيانهم لم يغرقوا على وجه العذاب.

قال الحسن: علم الله براءتهم فأهلكهم بغير عذاب ولكن كما يموت أكثر الناس بآجال إختراعية، ومنه الحديث " يهلكون مهلكاً واحداً يصدرون مصادر شتى" " ومن روى أن الله  أعقم أرحام نسائهم أربعين أو سبعين سنة فلا إشكال.

ثم إن نوحاً كأنه تنبه أن دعاءه عليهم كان بسبب الانتقام وبعض حظ النفس فاستغفر الله من ترك الأولى، ثم عقبه بذكر والديه.

وكان إسم أبيه لمك بن متوشلخ.

وإسم أمه شمخا بنت أنوش.

قال عطاء: لم يكن بين نوح وآدم  من آبائه كافر وكان بينه وبين أدم عشرة آباء.

وقيل: أراد بالوالدين آدم وحواء ﴿ ولمن دخل بيتي ﴾ أي منزلي.

وقيل: مسجدي.

وقيل: سفينتي.

وقيل: ديني.

على هذا يكون قوله ﴿ مؤمناً ﴾ احترازاً من المنافق أي دخولاً مع تصديق القلب، ثم عمم دعاء الخير للمؤمنين والمؤمنات ودعاء الشر لأهل الظلم والشرك إلى يوم القيامة.

والتبار الهلاك ويجوز أن يريد بالظالمين قومه فقط والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي ﴾ ، أي: عصوني فيما أمرتهم به أو فيما دعوتهم إليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّبَعُواْ مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَاراً ﴾ : يشبه أن يكون المتبوعون هم الذين كثرت أموالهم وحواشيهم، استتبعوا من دونهم فيتبعوهم ولم يتبعوا نوحا  ، وقد كان نوح -  - يدعوهم إلى اتباعه، فأخبر أنهم لم يتبعوه، وإنما اتبعوا من كثرت أمواله وأولاده وحواشيه؛ فتكون هذه الآية في الأتباع أنهم اتبعوا أجلتهم ورؤساءهم ليس في رؤسائهم، وما تقدم من الآيات في أجلتهم من دعاء نوح -  - إياهم إلى التوحيد وغيره.

ويحتمل أن تكون هذه الآية في الأجلة والضعفة جميعا؛ فيكون قوله  : ﴿ وَٱتَّبَعُواْ ﴾ ، أي: اتبعوا من تقدمهم من أهل الثروة والغناء، والذين وسعت عليهم الدنيا، وبسطت لهم؛ ظنّاً منهم أنهم أحق بالله  ، وأقرب إليه في المنزلة.

والذي حملهم على هذا هو أنهم لا يرون أحدا في الشاهد يترك صلة وليه ويصل عدوه، فيرون أنه إذا بسطت على رؤسائهم الدنيا، [و] وسع الله  عليهم، وضيق على هؤلاء - أن أولئك أقرب منزلة وأعلى حالا، وأنهم هم الأولياء، وهم لا يؤمنون بالآخرة وثوابها، فكانوا يزعمون أنه يوفر الجزاء على الأولياء والمحسنين في الدنيا، وزعموا أن من وسع عليه الدنيا فهو أحق أن يكون وليا لله  حيث وصل إليه الجزاء فيها، فهذا الظن هو الذي حملهم على الاتباع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ خَسَاراً ﴾ ، أي: بوارا وهلاكا لذلك المتبوع، فكانت تلك النعم التي ظنوا أنهم أكرموا بها بصنيعهم سببا لخسارهم.

ثم قوله  : ﴿ وَٱتَّبَعُواْ مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَاراً ﴾ كقوله: ﴿ وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَأَوْلَـٰدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلدُّنْيَا  ﴾ ، ثم قد بينا تأويل شكايته إلى الله  من قومه، فهذه الآية وتلك الآيات في معنى تأويل الشكاية إلى الله  - واحد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَكَرُواْ مَكْراً كُبَّاراً ﴾ .

قال بعضهم: إنهم كانوا يمكرون ما يمكرون بألسنتهم؛ حيث كانوا يدعونهم إلى الكفر والصد عن سبيل الله، فكنى بالمكر عما قالوه بألسنتهم، فكان ذلك ﴿ مَكْراً كُبَّاراً ﴾ ، أي: قولا عظيما.

وجائز أن يكون على حقيقة المكر، وهو أن رؤساءهم مكروا بأتباعهم حيث قالوا: إن هؤلاء لو كانوا أحق بالله  منا، لكانوا هم الذين يوسع عليهم ويضيق علينا، فإذا وسع علينا وضيق عليهم، ثبت أنا نحن الأولياء [والأصفياء] دون غيرنا، وهذا منهم مكر عظيم؛ لأنه يأخذ قلوب أولئك فيصدهم عن سبيل الله  .

وجائز أن يكون مكرهم ما ذكر أنهم كانوا يأتون بأولادهم الصغار إلى نوح  ، ويقولون لهم: إياكم واتباع هذا فإنه ضال مضل، فكان هذا مكرهم بصغارهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُواْ لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً ...

﴾ الآية.

هذه المقالة منهم كانت بعد أن انقادت لهم الأتباع، واتبعتهم إلى ما دعوهم إليه من عبادة الأصنام، فقالوا بعد ذلك: ﴿ لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ ﴾ أي: لا تذرن عبادتها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً ﴾ .

هي أسماء الأصنام التي كانوا يعبدونها.

ثم يحتمل أن يكون الذي بعثهم على عبادة الأصنام ما ذكره أهل التفسير: أن قوم نوح -  - اتخذوا هذه الأصنام أول ما اتخذوها على صورة رجال عباد كانت هذه الأسماء أسماءهم، فسموا الأصنام بأسماء العباد؛ ليعتبروا بها، ويجتهدوا في العبادة إذا نظروا إليها، فلما مضى ذلك القرن الذين اتخذوها عبرة وخلفهم قرن بعدهم، قال لهم الشيطان: إن الذين من قبلكم كانوا يعبدون هذه الأصنام، فعبدوها.

ومنهم من ذكر أن جسد آدم -  - كان عند نوح -  - يترك كل مؤمن في زمانه أن يدخل فينظر إلى جسد آدم  ومن لم يكن مؤمنا لم يدعه أن ينظر إليه، فجاء إبليس إلى الكفار فقال: أيفخر نوح ومن [آمن به] عليكم بجسد آدم وأنتم كلكم ولده؟

فصنع لكل قوم صنما على صورة آدم -  - فكانوا يعبدون تلك الصورة.

ويحتمل أن يكون الذي بعثهم على ذلك هو أنهم لم يروا أنفسهم تصلح لعبادة رب العالمين، كما يرى هؤلاء الذين يخدمون الأجلة في الشاهد لا يطمع كل واحد منهم في خدمة الملوك، ولا يرى نفسه أهلا لخدمتهم، بل يشتغل بخدمة من دونه أولاً؛ على رجاء أن يقربه إلى الملك، فكذلك هؤلاء حسبوا أنهم لا يصلحون لخدمة رب العالمين، فكانوا إذا رأوا شيئا حسنا [كانوا] يظنون أن حسنه لمنزلة له عند الله  لا غير، فكانوا يقبلون على عبادته؛ رجاء أن يقربهم إلى الله  ، فجعلوا الأصنام على أحسن ما قدروا عليه ثم اشتغلوا بخدمتها وعبادتها؛ رجاء أن تقربهم إلى الله  ، كما قال - عز وجل - حكاية عنهم: ﴿ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ ، وقال: ﴿ وَيَقُولُونَ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ ، فجائز أن يكون هذا الحسبان هو الذي حملهم على عبادتها وتعظيم شأنها، والله أعلم أي ذلك كان!

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيراً ﴾ جائز أن يكون أريد به الكبراء أنهم أضلوا كثيرا، أي: دعوا إلى الضلال، وزينوه في قلوبهم فأضلوا سفهاءهم بذلك.

وجائز أن يكون أريد به الأصنام، ولكن حقه إن كان على الأصنام أن يقول: "وقد أضللن كثيرا"؛ كما قال إبراهيم -  -: ﴿ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ  ﴾ ، ولكن الإضلال من فعل الممتحنين، والأصنام ليست لها أفعال، فلما نسب إليها نسبة من [يوجد] منه الفعل، أخرج الخطاب على الوزن الذي يخاطب به من يوجد منه هذا الفعل؛ وهو كقوله  : ﴿ وَكَأِيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا  ﴾ ، فأضاف إلى القرية فعل أهلها، والفعل إذا أضيف إلى الأهل، أضيف بلفظ التذكير، ثم أنث هاهنا؛ لإضافة فعل الأهل إلى القرية، ولو كانت القرية بحيث يكون منها الفعل لكان الخطاب يرتفع عنها بلفظ التأنيث لا بلفظ التذكير، فحيث أضيف إليها فعل أهلها أنث كما يوجب لو كان الفعل متحققا منها.

ثم الأصنام لا يتحقق منه الإضلال، ولكن معنى الإضافة هاهنا هو أنها أنشئت على هيئة لو كانت تلك الهيئة ممن يضل لأضل، وهو كما قلنا في تأويل قوله - عز وجل -: ﴿ وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَزِدِ ٱلظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلاَلاً ﴾ : فهذا يشبه أن يكون بعدما بين له ﴿ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ  ﴾ ، فإذا علم أنهم لا يؤمنون لم يدع لهم بالهدى، ولكن دعا الله  ليزيد في إضلالهم، ويكون الإضلال عبارة عن الهلاك، والضلال: الهلاك، قال الله  : ﴿ وَقَالُوۤاْ أَءِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ أي: هلكنا.

وقوله - عز جل -: ﴿ مِّمَّا خَطِيۤئَاتِهِمْ أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً ﴾ ، فحرف "ما" هاهنا صلة في الكلام، ومعناه: بخطيئاتهم، أو من خطيئاتهم أغرقوا، فأدخلوا نارا في الآخرة؛ إذ أغرقت أبدانهم وأجسادهم وردت أرواحهم إلى النار.

﴿ فَلَمْ يَجِدُواْ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَنصَاراً ﴾ ، أي: لم يجدوا لأنفسهم بعبادتهم من عبدوا من دون الله  أنصاراً من المعبودين؛ لأنهم كانوا يعبدون من يعبدون من دون الله ليقربهم إلى الله، ويكونوا لهم شفعاء وعزّاً، فلم يجدوا الأمر على ما قدروه عند أنفسهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً ﴾ .

قيل: تأويله: لا تذر على الأرض من الكافرين ساكن دار، وإذا لم يبق منهم ساكن دار فقد بادوا جميعا وهلكوا، فكأنه يقول: لا تذر منهم أحدا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ ﴾ .

هذا كلام شنيع في الظاهر من نوح  ؛ لأنه خارج مخرج الإنكار على الله  لو تركهم ولم يهلكهم، وهذا يشبه بقول من قال: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ  ﴾ ، وهذا - أيضا - خارج مخرج التذكير لله  : أنه لو أبقاهم أدى ذلك إلى إضلال العباد، وفيه تقدم بين يدي الله  وذلك عظيم؛ لأنه ليس في شرط الألوهية إهلاك من عمله الإضلال؛ ألا ترى أن إبليس اللعين وأتباعه جل سعيهم في إضلال بني آدم، ثم لم يستأصلوا ولم يهلكوا، بل أبقوا إلى الوقت المعلوم.

ولكن يجوز أن يكون دعا عليهم، بعد أن أذن له بالدعاء عليهم بالهلاك والبوار؛ فيكون الدعاء بالهلاك على تقدم الإذن.

والأصل: إن الرسل - عليهم السلام - بعثوا لدعاء الخلق إلى الإسلام، [وكانوا في دعائهم] راجين الإسلام منهم، خائفين عليهم بدوامهم على الكفر، فلما قيل لنوح -  -: ﴿ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ  ﴾ - وقع له الإياس عن إسلام من تخلف عن الإيمان، فارتفع معنى الدعاء إلى الإسلام، فجائز أن يرد له الإذن بعد ذلك بالدعاء عليهم بالهلاك، فيدعو إذ ذاك.

ثم يكون قوله: ﴿ إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ ﴾ خارجاً مخرج الإشفاق والرحمة على من معه من المؤمنين، وهو أن الذين داموا على الكفر لو أبقوا، خيف منهم أن يضلوا المؤمنين ويغيروهم إلى ملتهم؛ فتكون شفقته على المسلمين داعية له على الدعاء بالهلاك على الكفرة؛ لئلا يتوصلوا إلى الإضلال.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَلِدُوۤاْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً ﴾ وقت بلوغهم المحنة والابتلاء، فحينئذ يوجد منهم الفجور، لا أن يلدوا فجارا كفارا؛ إذ لا صنع لهم في ذلك الوقت، وهو كقوله: ﴿ إِنَّا خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ  ﴾ أي: نبتليه لوقت بلوغه المحنة والابتلاء، لا أن يبتلى وقت ما يشاء.

وفي هذه الآية دلالة أن الكفر قد يقع عليه اسم الفجور؛ لأنه [لو خرج] قوله: ﴿ كَفَّاراً ﴾ مخرج التفسير لقوله: ﴿ فَاجِراً ﴾ استقام أن يحمل تأويل قوله  : ﴿ وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ  ﴾ على الكفرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَّبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً ﴾ هكذا الواجب على المرء في الدعاء والاستغفار أن يبدأ بنفسه، ثم بوالديه، ثم بالمؤمنين.

ثم قوله: ﴿ بَيْتِيَ ﴾ قال بعضهم: أي: في سفينتي.

وقال بعضهم: (في بيتي) أي: في ديني؛ فيكون البيت كناية عن الدين.

وقال بعضهم: إنما هو بيته الذي يسكن فيه؛ لما أطلعه [الله]  أن من دخل بيته مؤمنا لا يعود إلى الكفر.

قال الشيخ - رحمه الله -: ثم إن أرجى الأمور للمؤمنين في الآخرة دعاء الأنبياء والملائكة - عليهم السلام - في الدنيا؛ لأنهم إنما يدعون بعد الإذن لهم [بالدعاء]، فلا يحتمل أن يأذن الله  لهم بالدعاء، ثم لا يجيب دعوتهم.

وذكر عن ابن عباس -  ما - أنه قال: إن نوحاً -  - دعا بدعوتين: أحدهما: للمؤمنين بالاستغفار والتوبة.

والثانية: على الكفار بالبوار والتبار.

وقد أجيبت دعوته فيما دعا على الكفرة؛ فلا يجوز أن يجاب في شر الدعوتين، ثم لا يجاب في خير الدعوتين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَزِدِ ٱلظَّالِمِينَ إِلاَّ تَبَاراً ﴾ قيل: كسرا وذلا وصغارا؛ فإنه مشتق من التبر، وكل مكسور يقال له: تبر؛ فكأنه يقول: اكسر منعة الظالمين وشوكتهم؛ فإن كان التأويل هذا فهو يقع على جميع الظلمة من كان في وقته ومن بعده.

وقيل: التبار: الهلاك؛ فإن كان هذا معناه فهو على ظالمي زمانه؛ إذ لا يجوز للأنبياء - عليهم السلام - أن يدعوا على قوم إلا أن يؤذن لهم بالدعاء عليهم، وإنما جاء الإذن في حق قومه، فأما في حق غيرهم لم يثبت؛ فلا يجوز القول فيه إلا بما تواتر الخبر به عن رسول الله  ، والله أعلم.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

بسبب خطيئاتهم التي ارتكبوها أغْرِقوا بالطوفان في الدنيا، فأُدْخِلوا النار بعد موتهم مباشرة، فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارًا ينقذونهم من الغرق والنار.

<div class="verse-tafsir" id="91.9pnEK"

مزيد من التفاسير لسورة نوح

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 12 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 13.6 / 29.5
الإضاءة 98%
البدر بعد 1 يوم
سبحان الله وبحمده