الآية ٢٢ من سورة الإنسان

الإسلام > القرآن > سور > سورة 76 الإنسان > الآية ٢٢ من سورة الإنسان

إِنَّ هَـٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَآءًۭ وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا ٢٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 113 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٢ من سورة الإنسان: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٢ من سورة الإنسان عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا ) أي : يقال لهم ذلك تكريما لهم وإحسانا إليهم كقوله : ( كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية ) [ الحاقة : 24 ] وكقوله : ( ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون ) [ الأعراف : 43 ] وقوله : ( وكان سعيكم مشكورا ) أي : جزاكم الله على القليل بالكثير .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( إِنَّا نَحْنُ نـزلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنـزيلا ) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: إنا نحن نـزلنا عليك يا محمد هذا القرآن تنـزيلا ابتلاء منا واختبارا.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إن هذا كان لكم جزاء أي يقال لهم : إنما هذا جزاء لكم أي ثواب .

وكان سعيكم أي عملكم مشكورا أي من قبل الله ، وشكره للعبد قبول طاعته ، وثناؤه عليه ، وإثابته إياه .

وروى سعيد عن قتادة قال : غفر لهم الذنب وشكر لهم الحسنى .

وقال مجاهد : مشكورا أي مقبولا والمعنى متقارب ; فإنه سبحانه إذا قبل العمل شكره ، فإذا شكره أثاب عليه بالجزيل ; إذ هو سبحانه ذو الفضل العظيم .

روي عن ابن عمر : أن رجلا حبشيا قال : يا رسول الله !

فضلتم علينا بالصور والألوان والنبوة ، أفرأيت إن آمنت بما آمنت به ، وعملت بما عملت ، أكائن أنا معك في الجنة ؟

قال : " نعم والذي نفسي بيده إنه ليرى بياض الأسود في الجنة وضياؤه من مسيرة ألف عام " ثم قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " من قال لا إله إلا الله كان له بها عند الله عهد ، ومن قال سبحان الله والحمد لله كان له بها عند الله مائة ألف حسنة وأربعة وعشرون ألف حسنة " ، فقال الرجل : كيف نهلك بعدها يا رسول الله ؟

فقال : " إن الرجل ليأتي يوم القيامة بالعمل لو وضعه على جبل لأثقله .

فتجيء النعمة من نعم الله فتكاد أن تستنفد ذلك كله إلا أن يلطف الله برحمته " .قال : ثم نزلت هل أتى على الإنسان حين من الدهر إلى قوله : وملكا كبيرا قال الحبشي : يا رسول الله !

وإن عيني لترى ما ترى عيناك في الجنة ؟

فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " نعم " فبكى الحبشي حتى فاضت نفسه .

وقال ابن عمر : فلقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدليه في حفرته ويقول : إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا قلنا : [ ص: 130 ] يا رسول الله وما هو ؟

قال : " والذي نفسي بيده لقد أوقفه الله ثم قال أي عبدي لأبيضن وجهك ولأبوئنك من الجنة حيث شئت ، فنعم أجر العاملين " .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ إِنَّ هَذَا } الجزاء الجزيل والعطاء الجميل { كَانَ لَكُمْ جَزَاءً } على ما أسلفتموه من الأعمال، { وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا } أي: القليل منه، يجعل الله لكم به من النعيم المقيم ما لا يمكن حصره.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

"إن هذا كان لكم جزاءً وكان سعيكم مشكوراً"، أي ما وصف من نعيم الجنة كان لكم جزاء بأعمالكم، وكان سعيكم عملكم في الدنيا بطاعة الله مشكوراً، قال عطاء: شكرتم عليه فأثيبكم أفضل الثواب.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إن هذا» النعيم «كان لكم جزاءً وكان سعيكم مشكورا».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ويقال لهم: إن هذا أُعِدَّ لكم مقابل أعمالكم الصالحة، وكان عملكم في الدنيا عند الله مرضيًا مقبولا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ختم - سبحانه - هذا العطاء الواسع العظيم ، ببيان ما ستقوله الملائكة لهؤلاء الأبرار على سبيل التكريم والتشريف ، فقال : ( إِنَّ هذا كَانَ لَكُمْ جَزَآءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً ) .وهذه الآية الكريمة مقول لقول محذوف ، والقائل هو الله - تعالى - أو ملائكته بأمره - سبحانه - وإذنه ، أى : سقاهم ربهم شرابا طهورا فى الآخرة ، ويقال لهم عند تمتعهم بكل هذا النعيم ، ( إِنَّ هذا ) النعيم الذى تعيشون فيه ( كَانَ لَكُمْ جَزَآءً ) على إيمانكم وعملكم الصالح فى الدنيا .( وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً ) أى : مرضيا ومقبولا عند خالقكم ، فازدادو - أيها الأبرار - سرورا على سروركم ، وبهجة على بهجتكم .وبعد هذا التفصيل لما أعده الله - تعالى - لعباده الأخيار من أصناف النعيم ، المتعلق بمأكلهم ، ومشربهم .

.

أخذت السورة الكريمة .

فى أواخرها - فى تثبيت النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه .

وفى دعوته صلى الله عليه وسلم إلى المداومة على التحلى بفضيلة الصبر ، وإلى الإِكثار من ذكره - تعالى - وأنذرت الكافرين والفاسقين إذا ما استمروا فى ضلالهم .

فقال - تعالى - :( فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ .

.

.

) .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن في الآية وجهين: الأول: قال ابن عباس المعنى أنه يقال لأهل الجنة بعد دخولهم فيها، ومشاهدتهم لنعيمها: إن هذا كان لكم جزاء قد أعده الله تعالى لكم إلى هذا الوقت، فهو كله لكم بأعمالكم على قلة أعمالكم، كما قال حاكياً عن الملائكة: إنهم يقولون لأهل الجنة: ﴿ سلام عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عقبى الدار  ﴾ وقال: ﴿ كُلُواْ واشربوا هَنِيئَاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأيام الخالية  ﴾ والغرض من ذكر هذا الكلام أن يزداد سرورهم، فإنه يقال للمعاقب: هذا بعملك الرديء فيزداد غمه وألم قلبه، ويقال للمثاب: هذا بطاعتك، فيكون ذلك تهنئة له وزيادة في سروره، والقائل بهذا التفسير جعل القول مضمراً، أي ويقال لهم: هذا الكلام الوجه الثاني: أن يكون ذلك إخباراً من الله تعالى لعباده في الدنيا، فكأنه تعالى شرح جواب أهل الجنة، أن هذا كان في علمي وحكمي جزاء لكم يا معاشر عبادي، لكم خلقتها، ولأجلكم أعددتها، وبقي في الآية سؤالان: السؤال الأول: إذا كان فعل العبد خلقاً لله، فكيف يعقل أن يكون فعل الله جزاء على فعل الله؟

الجواب: الجزء هو الكافي، وذلك لا ينافي كونه فعلاً لله تعالى.

السؤال الثاني: كون سعي العبد مشكوراً لله يقتضي كون الله شاكراً له والجواب: كون الله تعالى شاكراً للعبد محال إلا على وجه المجاز، وهو من ثلاثة أوجه: الأول: قال القاضي: إن الثواب مقابل لعلمهم، كما أن الشكر مقابل للنعم الثاني: قال القفال: إنه مشهور في كلام الناس، أن يقولوا: للراضي بالقليل والمثني به إنه شكور، فيحتمل أن يكون شكر الله لعباده هو رضاه عنهم بالقليل من الطاعات، وإعطاؤه إياهم عليه ثواباً كثيراً الوجه الثالث: أن منتهى درجة العبد أن يكون راضياً من ربه مرضياً لربه على ما قال: ﴿ يَٰٓأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ  ٱرْجِعِىٓ إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً  ﴾ وكونها راضية من ربه، أقل درجة من كونها مرضية لربه، فقوله: ﴿ إِنَّ هذا كَانَ لَكُمْ جَزَاء ﴾ إشارة إلى الأمر الذي به تصير النفس راضية من ربه وقوله: ﴿ وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً ﴾ إشارة إلى كونها مرضية لربه، ولما كانت هذه الحال أعلى المقامات وآخر الدرجات لا جرم وقع الختم عليها في ذكر مراتب أحوال الأبرار والصديقين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ ولقاهم نَضْرَةً وَسُرُوراً ﴾ أي: أعطاهم بدل عبوس الفجار وحزنهم نضرة في الوجوه وسروراً في القلوب، وهذا يدل على أنّ اليوم موصوف بعبوس أهله ﴿ بِمَا صَبَرُواْ ﴾ بصبرهم على الإيثار.

وعن ابن عباس رضي الله عنه: أنّ الحسن والحسين مرضا، فعادهما رسول الله صلى الله عليه وسلم في ناس معه؛ فقالوا: يا أبا الحسن، لو نذرت على ولدك، فنذر عليّ وفاطمة وفضة جارية لهما إن برآ مما بهما: أن يصوموا ثلاثة أيام، فشفيا وما معهم شيء، فاستقرض عليّ من شمعون الخيبري اليهودي ثلاث أصوع من شعير، فطحنت فاطمة صاعاً واختبزت خمسة أقراص على عددهم، فوضعوها بين أيديهم ليفطروا فوقف عليهم سائل فقال: السلام عليكم أهل بيت محمد، مسكين من مساكين المسلمين، أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنة، فآثروه وباتوا لم يذوقوا إلا الماء، وأصبحوا صياماً؛ فلما أمسوا ووضعوا الطعام بين أيديهم وقف عليهم يتيم، فآثروه؛ ووقف عليهم أسير في الثالثة، ففعلوا مثل ذلك؛ فلما أصبحوا أخد علي رضي الله عنه بيد الحسن والحسين وأقبلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أبصرهم وهم يرتعشون كالفراخ من شدّة الجوع قال: ماأشد ما يسوءني ما أرى بكم، وقام فانطلق، معهم فرأى فاطمة في محرابها قد التصق ظهرها ببطنها وغارت عيناها.

فساءه ذلك، فنزل جبريل وقال: خذها يا محمد هنأك اللَّه في أهل بيتك فأقرأه السورة.

فإن قلت: ما معنى ذكر الحرير مع الجنة؟

قلت: المعنى وجزاهم بصبرهم على الإيثار وما يؤدّي إليه من الجوع والعرى بستانا فيه مأكل هنيّ، ﴿ وحريراً ﴾ فيه ملبس بهيّ.

يعني: أن هواءها معتدل، لا حرّ شمس يحمي ولا شدّة برد تؤذي.

وفي الحديث: «هواء الجنة سجسج، لا حرّ ولا قرّ» وقيل: الزمهرير القمر.

وعن ثعلب: أنه في لغة طيئ.

وأنشد: وَلَيْلَةٍ ظَلاَمُهَا قَدِ اعتَكَرْ ** قَطَعْتُهَا وَالزَّمْهَرِيرُ مَا زَهَرْ والمعنى: أن الجنة ضياء فلا يحتاج فيها شمس وقمر.

فإن قلت: ﴿ وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظلالها ﴾ علام عطفت؟

قلت: على الجملة التي قبلها؛ لأنها في موضع الحال من المجزيين؛ وهذه حال مثلها عنهم لرجوع الضمير منها إليهم في عليهم، إلا أنها اسم مفرد، وتلك جملة في حكم مفرد تقديره: غير رائين فيها شمساً ولا زمهريراً، ودانية عليهم ظلالها؛ ودخلت الواو للدلالة على أن الأمرين مجتمعان لهم، كأنه قيل: وجزاهم جنة جامعين فيها بين البعد عن الحرّ والقرّ ودنوّ الظلال عليهم وقرئ ﴿ ودانية ﴾ بالرفع، على أن ظلالها مبتدأ، ودانية خبر، والجملة في موضع الحال؛ والمعنى: لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً، والحال أن ظلالها دانية عليهم؛ ويجوز أن تجعل ﴿ مُتَّكِئِينَ ﴾ و ﴿ لاَ يَرَوْنَ ﴾ و ﴿ ودَانِيَةً ﴾ كلها صفات لجنة.

ويجوز أن يكون ﴿ وَدَانِيَةً ﴾ معطوفة على جنة، أي: وجنة أخرى دانية عليهم ظلالها، على أنها وعدوا جنتين، كقوله ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ ﴾ [الرحمن: 46] ، لأنهم وصفوا بالخوف: ﴿ إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبّنَا ﴾ [الإنسان: 10] ، فإن قلت: فعلام عطف ﴿ وَذُلِّلَتْ ﴾ ؟

قلت: هي- إذا رفعت ﴿ وَدَانِيَةً ﴾ - جملة فعلية معطوفة على جملة ابتدائية، وإذا نصبتها على الحال، فهي حال من دانية، أي: تدنو ظلالها عليهم في حال تذليل قطوفها لهم.

أو معطوفة عليها على: ودانية عليهم ظلالها، ومذللة قطوفها؛ وإذا نصبت ﴿ وَدَانِيَةً ﴾ على الوصف، فهي صفة مثلها؛ ألا ترى أنك لو قلت: جنة ذللت قطوفها: كان صحيحاً؛ وتذليل القطوف: أن تجعل ذللا لا تمتنع على قطافها كيف شاؤا.

أو تجعل ذليلة لهم خاضعة متقاصرة، من قولهم: حائط ذليل إذا كان قصيراً ﴿ قَوارِيرَ قَوارِيرَ ﴾ قرئا غير منونين، وبتنوين الأول،، وبتنوينهما.

وهذا التنوين بدل من ألف الإطلاق، لأنه فاصلة؛ وفي الثاني لإتباعه الأوّل، ومعنى قوارير من ﴿ فِضَّةٍ ﴾ أنها مخلوقة من فضة، وهي مع بياض الفضة وحسنها في صفاء القوارير وشفيفها.

فإن قلت: ما معنى ﴿ كانت ﴾ ؟

قلت هو من- يكون- في قوله: ﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [البقرة: 117] أي: تكوّنت قوارير، بتكون الله تفخيماً لتلك الخلقة العجيبة الشأن، الجامعة بين صفتي الجوهرين المتباينين.

ومنه كان في قوله: ﴿ كان مزاجها كافوراً ﴾ .

وقرئ ﴿ قوارير من فضة ﴾ بالرفع على: هي قوارير ﴿ قَدَّرُوهَا ﴾ صفة لقوارير من فضة.

ومعنى تقديرهم لها: أنهم قدروها في أنفسهم أن تكون على مقادير وأشكال على حسب شهواتهم، فجاءت كما قدّروا.

وقيل: الضمير للطائفين بها، دل عليهم قوله: ﴿ وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ ﴾ [الإنسان: 15] ، على أنهم قدروا شرابها على قدر الرّي، وهو ألذ للشارب لكونه على مقدار حاجته لا يفضل عنها ولا يعجز.

وعن مجاهد: لا تفيض ولا تغيض.

وقرئ: ﴿ قدّروها ﴾ على البناء للمفعول.

ووجهه أن يكون من قدر، منقولا من قدر.

تقول: قدرت الشيء وقدرنيه فلان: إذا جعلك قادراً له.

ومعناه: جعلوا قادرين له كما شاؤا.

وأطلق لهم أن يقدروا على حسب ما اشتهوا، سميت العين زنجبيلاً لطعم الزنجبيل فيها، والعرب تستلذه وتستطيبه.

قال الأعشى: كَأَنَّ الْقَرَنْفُلَ وَالزَّنْجَبِيلَ ** بَاتَا بِفِيهَا وَأَرْياً مَشُورَا وقال المسيب بن علس.

وَكَأَنَّ طَعْمَ الزَّنْجَبِيلِ بِه ** إذْ ذُقْتُهُ وَسُلاَفَةَ الْخَمْرِ و ﴿ سَلْسَبِيلاً ﴾ لسلاسة انحدارها في الحلق وسهولة مساغها، يعني: أنها في طعم الزنجبيل وليس فيها لذعه، ولكن نقيض اللذع وهو السلاسة.

يقال: شراب سلسل وسلسال وسلسبيل، وقد زيدت الباء في التركيب حتى صارت الكلمة خماسية.

ودلت على غاية السلاسة.

قال الزجاج: السلسبيل في اللغة: صفة لماكان في غاية السلاسة.

وقرئ ﴿ سلسبيل ﴾ على منع الصرف، لاجتماع العلمية والتأنيث: وقد عزوا إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن معناه سل سبيلا إليها، وهذا غير مستقيم على ظاهره.

إلا أن يراد أن جملة قول القائل: سل سبيلاً، جعلت علما للعين، كما قيل: تأبط شراً؛ وذرّى حباً؛ وسميت بذلك لأنه لا يشرب منها إلا من سأل إليها سبيلاً بالعمل الصالح، وهو مع استقامته في العربية تكلف وابتداع؛ وعزوُه إلى مثل علي رضي الله عنه أبدع وفي شعر بعض المحدثين: سَلْ سَبِيلاً فِيهَا إلَى رَاحَةِ النَّفْ ** سِ بِرَاحٍ كَأَنَّهَا سَلْسَبِيلُ و ﴿ عَيْناً ﴾ بدل من ﴿ زَنجَبِيلاً ﴾ وقيل: تمزج كأسهم بالزنجبيل بعينه.

أو يخلق الله طعمه فيها.

و ﴿ عَيْناً ﴾ على هذا القول: مبدلة من ﴿ كَأْساً ﴾ كأنه قيل: ويسقون فيها كأساً كأس عين.

أو منصوبة على الاختصاص.

شبهوا في حسنهم وصفاء ألوانهم وانبثاثهم في مجالسهم ومنازلهم باللؤلؤ المنثور وعن المأمون: أنه ليلة زفت إليه بوران بنت الحسن بن سهل وهو على بساط منسوج من ذهب وقد نثرت عليه نساء دار الخلافة اللؤلؤ.

فنظر إليه منثوراً على ذلك البساط، فاستحسن المنظر وقال: لله درّ أبي نواس، وكأنه أبصر هذا حيث يقول: كَأَنَّ صُغْرَى وَكُبْرَى مِنْ فَوَاقِعِهَا ** حَصْبَاءُ دُرٍّ عَلَى أَرْضٍ مِنَ الذَّهَبِ وقيل: شبهوا باللؤلؤ الرطب إذا نثر من صدفه، لأنه أحسن وأكثر ماء ﴿ رَأَيْتَ ﴾ ليس له مفعول ظاهر ولا مقدر ليشيع ويعم، كأنه قيل: وإذا أوجدت الرؤية، ثم ومعناه: أن بصر الرائي أينما وقع لم يتعلق إدراكه إلا بنعيم كثير وملك كبير و ﴿ ثَمَّ ﴾ في موضع النصب على الظرف، يعني في الجنة ومن قال: معناه: (ما ثم) فقد أخطأ، لأن (ثم) صلة لما، ولا يجوز إسقاط الموصول وترك الصلة ﴿ كَبِيراً ﴾ واسعاً وهنيئاً.

يروى: أن أدنى أهل الجنة منزلة ينظر في ملكه مسيرة ألف عام، يرى أقصاه كما يرى أدناه.

وقيل لا زوال له.

وقيل: إذا أرادوا شيأ كان.

وقيل: يسلم عليهم الملائكة ويستأذنون عليهم قرئ ﴿ عاليهم ﴾ بالسكون، على أنه مبتدأ خبره ﴿ ثِيَابُ سُندُسٍ ﴾ أي ما يعلوهم من لباسهم ثياب سندس.

وعاليهم بالنصب، على أنه حال من الضمير في ﴿ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ ﴾ أو في ﴿ حَسِبْتَهُمْ ﴾ أي يطوف عليهم ولدان عالياً للمطوف عليهم ثياب.

أو حسبتهم لؤلؤاً عالياً لهم ثياب.

ويجوز أن يراد: رأيت أهل نعيم وملك عاليهم ثياب.

وعاليتهم: بالرفع والنصب على ذلك.

وعليهم.

وخضر وإستبرق: بالرفع، حملا على الثياب بالجرّ على السندس.

وقرئ ﴿ وإستبرق ﴾ نصباً في موضع الجر على منع الصرف لأنه أعجمي، وهو غلط لأنه نكرة يدخله حرف التعريف؛ تقول: الإستبرق، إلا أن يزعم ابن محيصن أنه قد يجعل علماً لهذا الضرب من الثياب.

وقرئ ﴿ واستبرق ﴾ ، بوصل الهمزة والفتح: على أنه مسمى باستفعل من البريق، وليس بصحيح أيضاً: لأنه معرب مشهور تعريبه، وأنّ أصله: استبره ﴿ وحلوا ﴾ عطف على ﴿ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ ﴾ .

فإن قلت: ذكر هاهنا أنّ أساورهم من فضة، وفي موضع آخر أنها من ذهب.

قلت: هب أنه قيل وحلوا أساور من ذهب ومن فضة، وهذا صحيح لا إشكال فيه، على أنهم يسورون بالجنسين: إما على المعاقبة، وإما على الجمع، كما تزاوج نساء الدنيا بين أنواع الحلي وتجمع بينها، وما أحسن بالمعصم أن يكون فيه سواران: سوار من ذهب، وسوار من فضة ﴿ شَرَاباً طَهُوراً ﴾ ليس برجس كخمر الدنيا؛ لأنّ كونها رجساً بالشرع لا بالعقل، وليست الدار دار تكليف.

أو لأنه لم يعصر فتمسه الأيدي الوضرة، وتدوسه الأقدام الدنسة، ولم يجعل في الدنان والأباريق التي لم يعن بتنظيفها.

أو لأنه لا يؤول إلى النجاسة لأنه يرشح عرقاً من أبدانهم له ريح كريح المسك.

أي: يقال لأهل الجنة ﴿ إِنَّ هذا ﴾ وهذا إشارة إلى ما تقدّم من عطاء الله لهم: ما جوزيتم به على أعمالكم وشكر به سعيكم، والشكر مجاز.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ عالِيَهم ثِيابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ ﴾ يَعْلُوهم ثِيابُ الحَرِيرِ الخُضْرُ ما رَقَّ مِنها وما غَلُظَ، ونَصَبَهُ عَلى الحالِ مِن هم في عالِيَهم أوْ حَسِبْتَهُمْ، أوْ مُلْكًا عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ وأهْلَ مُلْكٍ كَبِيرٍ عالِيَهُمْ، وقَرَأ نافِعٌ عالِيهِمْ وحَمْزَةُ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ ثِيابُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ خُضْرٍ بِالجَرِّ حَمْلًا عَلى سُنْدُسٍ بِالمَعْنى فَإنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، وإسْتَبْرَقٌ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى ثِيابُ، وقَرَأهُما حَفْصٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالرَّفْعِ، وقُرِئَ وإسْتَبْرَقٌ بِوَصْلِ الهَمْزَةِ والفَتْحِ عَلى أنَّهُ إسْتَفْعَلٌ مِنَ البَرِيقِ جُعِلَ عَلَمًا لِهَذا النَّوْعِ مِنَ الثِّيابِ.

﴿ وَحُلُّوا أساوِرَ مِن فِضَّةٍ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ ﴾ ولا يُخالِفُهُ قَوْلُهُ ﴿ أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ﴾ لِإمْكانِ الجَمْعِ والمُعاقَبَةِ والتَّبْعِيضِ، فَإنَّ حُلِيَّ أهْلِ الجَنَّةِ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ أعْمالِهِمْ، فَلَعَلَّهُ تَعالى يُفِيضُ عَلَيْهِمْ جَزاءً لِما عَمِلُوهُ بِأيْدِيهِمْ حُلِيًّا وأنْوارًا تَتَفاوَتُ تَفاوُتَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في عالِيَهم بِإضْمارِ قَدْ، وعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا لِلْخَدَمِ وذَلِكَ لِلْمَخْدُومِينَ.

﴿ وَسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا ﴾ يُرِيدُ بِهِ نَوْعًا آخَرَ يَفُوقُ عَلى النَّوْعَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ ولِذَلِكَ أسْنَدَ سَقْيَهُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ووَصَفَهُ بِالطَّهُورِيَّةِ فَإنَّهُ يُطَهِّرُ شارِبَهُ عَنِ المَيْلِ إلى اللَّذّاتِ الحِسِّيَّةِ والرُّكُونِ إلى ما سِوى الحَقِّ، فَيَتَجَرَّدُ لِمُطالَعَةِ جَمالِهِ مُلْتَذًّا بِلِقائِهِ باقِيًا بِبَقائِهِ، وهي مُنْتَهى دَرَجاتِ الصِّدِّيقِينَ ولِذَلِكَ خَتَمَ بِها ثَوابَ الأبْرارِ.

﴿ إنَّ هَذا كانَ لَكم جَزاءً ﴾ عَلى إضْمارِ القَوْلِ والإشارَةِ إلى ما عَدَّ مِن ثَوابِهِمْ.

﴿ وَكانَ سَعْيُكم مَشْكُورًا ﴾ مُجازًى عَلَيْهِ غَيْرَ مُضَيَّعٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إِنَّ هَذَا} النعيم {كَانَ لَكُمْ جَزَاءً} لأعمالكم {وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً} محموداً مقبولاً مرضياً عندنا حيث قلتم للمسكين واليتيم والأسير لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنَّ هَذا ﴾ الَّذِي ذَكَرَ مِن فُنُونِ الكَراماتِ الجَلِيلَةِ الشَّأْنِ ﴿ كانَ لَكم جَزاءً ﴾ بِمُقابَلَةِ أعْمالِكُمُ الصّالِحَةِ الَّتِي اقْتَضاها حُسْنُ اسْتِعْدادِكم واخْتِيارِكُمْ، والظّاهِرُ أنَّ المَجِيءَ بِالفِعْلِ لِلتَّحْقِيقِ والدَّوامِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ كانَ في عِلْمِي وحُكْمِي وكَذا في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وكانَ سَعْيُكم مَشْكُورًا ﴾ أيْ مَرْضِيًّا مَقْبُولًا أوْ مُجازًى عَلَيْهِ غَيْرَ مُضَيَّعٍ، والكَلامُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَلى إضْمارِ القَوْلِ أيْ ويُقالُ لَهم بَعْدَ دُخُولِهِمُ الجَنَّةَ ومُشاهَدَتِهِمْ ما أعَدَّ لَهم إنَّ هَذا إلَخِ والغَرَضُ أنْ يَزْدادَ سُرُورُهم فَإنَّهُ يُقالُ لِلْمُعاقَبِ هَذا بِعَمَلِكَ الرَّدِيءِ فَيَزْدادُ غَمُّهُ ولِلْمُثابِ هَذا بِطاعَتِكَ وعَمَلِكَ الحَسَنِ فَيَزْدادُ سُرُورُهُ ويَكُونُ ذَلِكَ تَهْنِئَةً لَهُ ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ خِطابًا مِنَ اللَّهِ تَعالى في الدُّنْيا كَأنَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ شَرَحَ ثَوابَ أهْلِ الجَنَّةِ قالَ: إنَّ هَذا كانَ في عِلْمِي وحُكْمِي جَزاءً لَكم يا مَعْشَرَ عِبادِي وكانَ سَعْيُكم مَشْكُورًا، وقِيلَ: وهو لا يُغْنِي عَنِ الإضْمارِ لِيَرْتَبِطَ بِما قَبْلَهُ وقَدْ ذَكَرَ سُبْحانَهُ مِنَ الجَزاءِ ما تَهُشُّ لَهُ الألْبابُ وأعْقَبَهُ جَلَّ وعَلا بِما يَدُلُّ عَلى الرِّضا الَّذِي هو أعْلى وأغْلى لَدى الأحْبابِ: إذا كُنْتَ عَنِّي يا مُنى القَلْبِ راضِيًا أرى كُلَّ مَن في الكَوْنِ لِي يَتَبَسَّمُ ورُوِيَ مِن طُرُقٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قَرَأ هَذِهِ السُّورَةَ وقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ وعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنَ الحَبَشَةِ أسْوَدُ، فَلَمّا بَلَغَ صِفَةَ الجِنانِ زَفَرَ زَفْرَةً خَرَجَتْ نَفْسُهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : أخْرَجَ نَفْسَ صاحِبِكُمُ الشَّوْقُ إلى الجَنَّةِ» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ وهي كيزان مدققة الرأس، لا عرى لها كانَتْ قَوارِيرَا قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ يعني: في صفاء القارورة، وبياض الفضة.

وروي عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لو أخذت فضة من فضة الدنيا، فضربتها حتى جعلتها مثل جناح الذباب لم تر الماء من ورائه، ولكن قوارير الجنة من فضة في صفاء القوارير، كبياض الفضة.

قرأ نافع، وعاصم، والكسائي سلاسلاً وقواريراً، كلهن بإثبات الألف والتنوين.

وقرأ حمزة بإسقاط الألف كلها، وكان أبو عمرو يثبت الألف في الأولى من قوارير، ولا يثبتها في الثانية.

قال أبو عبيد: رأيت في مصحف عثمان،  الذي قال له مصحف الإمام قوارير بالألف، والثانية كان بالألف، فحكت ورأيت أثرها بيناً هناك، وأما السلاسل فرأيتها قد رست.

وقال بعض أهل اللغة: الأجود في العربية، أن لا ينصر فيه سلاسل وقوارير، لأن كل جمع يأتي بعد ألفه حرفان أو ثلاثة، أوسطها ساكن، فإنه لا ينصرف، فأما من صرفه ونون، فإنه رده إلى الأصل في الازدواج إذا وقعت الألف بغير تنوين ثم قال: قَدَّرُوها تَقْدِيراً يعني: على قدر كف الخدم، ويقال: على قدر كف المخدوم ولا يحجز، ويقال: على قدر ما يحتاجون إليه ويريدونه.

ويقال: على مقدار الذي لا يزيد ولا ينقص ليكون الري لشربهم وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً يعني: خمراً وشراباً كانَ مِزاجُها يعني: خلطها زَنْجَبِيلًا عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا وقال القتبي: والزنجبيل اسم العين، وكذلك السلسبيل ويقال: إن السلسبيل اللبن والزنجبيل طعمه، والعرب تضرب به المثل.

وقال مقاتل: إنما سمي السلسبيل، لأنها تسيل عليهم في الطريق وفي منازلهم، وقال أبو صالح: بلغني أن السلسبيل شديد الجرية.

وقال بعضهم: معناه كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا عيناً فيها تسمى سلسبيلاً يعني: عيناً تسمى الزنجبيل وتم الكلام ثم قال: سلسبيلاً يعني: سل الله تعالى السبيل إليها.

قوله تعالى: وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ يعني: لا يكبرون، ويكونون على سن واحدة إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً قال قتادة: كثرتهم وحسنهم، كاللؤلؤ المنثور وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً يعني: إذا رأيت هناك ما في الجنة، رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً يعني: على رؤوسهم التيجان، كما يكون على رأس ملك من الملوك.

ويقال: وَمُلْكاً كَبِيراً يعني: لا يدخل رسول رب العزة، إلا بإذنهم.

ثم قال عز وجل: عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ يعني: على ظهورهم ثياب سندس.

قرأ نافع، وحمزة بجزم الياء وكسر الهاء.

والباقون بنصب الياء وضم الهاء.

فمن قرأ بالجزم، فمعناه الذي يعلوهم، وهو اسم فاعل، من علا يعلو.

ومن قرأ بالنصب نصبه على الظرف، كما قال: فوقهم ثياب.

وروي عن ابن مسعود، أنه قرأ عاليتهم ثياب، يعني: الوجه الأعلى.

ثم قال: ثياب سندس، خضر بالكسر وَإِسْتَبْرَقٌ قرأ نافع، وعاصم في رواية حفص، خضر واستبرق كلاهما بالضم.

والباقون كلاهما بالكسر، فمن قرأ بالضم، لأنه نعت الثياب.

يعني: ثياباً خضراً.

ومن قرأ بالكسر، فهو نعت للسندس، ومن قرأ واستبرق بالضم، فهو نسق على الثياب.

ومعناه: عليهم سندس واستبرق، ومن قرأ بالكسر، يكون عليهم ثياب من هذين النوعين.

ثم قال عز وجل: وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وهو جمع السوار وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً يعني: الذي سقاهم خدمهم.

ويقال: الذين يشربون من قبل أن يدخلوا الجنة.

ثم قال: إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً يعني: الذي وصف لكم في الجنة، ثواباً لأعمالكم وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً يعني: عملكم مقبولاً.

يعني: يبشرون بهذا إذا أرادوا أن يدخلوا الجنة.

ثم قال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا يعني: أنزلنا عليك القرآن تنزيلاً، يعني: إنزالاً فالمصدر للتأكيد.

ثم قال عز وجل: فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ يعني: استقم على أمر الله تعالى ونهيه.

ويقال: اصبر على أذى الكفار.

وقال: على تبليغ الرسالة وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً آثماً يعني: فاجراً وهو الوليد بن المغيرة، أو كفوراً يعني: ولا كفوراً، وهو عتبة بن ربيعة.

قال للنبي  : إن فعلت هذا لأجل المال، فارجع حتى أدفع إليك من المال، ما تصير به أكثر مالاً من أهل مكة.

فنزلت هذه الآية وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً.

ثم قال عز وجل: وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ يعني: صلِ باسم ربك بُكْرَةً وَأَصِيلًا يعني: بكرة وعشياً يعني: صلاة الفجر، وصلاة الظهر والعصر وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ يعني: فصلِّ لله المغرب والعشاء وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا يعني: بعد المكتوبة، فهذا للنبي  خاصة.

ويقال له ولأصحابه: وهذا أمر استحباب، لا أمر وجوب.

ثم قال عز وجل: إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ يعني: يختارون الدنيا وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يعني: يتركون العمل لما هو أمامهم يَوْماً ثَقِيلًا يعني: ليوم ثقيل وقال مجاهد: وراءهم يعني: خلفهم.

قوله تعالى: نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ يعني: قوينا خلقهم ليطيعوني، فلم يطيعوني.

ويقال: شددنا مفاصلهم بالعصب، والعروق والجلد، لكي لا ينقطع المفاصل وقت تحريكها.

ويقال: شددنا أسرهم، أي: قبلهم ودبرهم، لكي لا يسيل البول والغائط، إلا عند الحاجة وَإِذا شِئْنا يعني: إذا أردنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلًا يعني: أي نخلق خلقاً أمثل منهم، وأطوع لله إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ يعني: هذه السورة عظة لكم.

ويقال: هذه الآيات فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا يعني: فمن شاء أن يتعظ فليتعظ، فقد بينا له الطريق.

ثم قال عز وجل: وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ يعني: إلا أن يشاء لكم فيوفقكم.

يعني: إن جاهدتم فيوفقكم كقوله: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ [العنكبوت: 69] الآية.

قرأ ابن كثير، وأبو عمرو وَمَا يشاؤن بالياء على معنى الخبر عنهم.

والباقون بالتاء على معنى المخاطبة.

ثم قال عز وجل: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً يعني: كان عليماً قبل خلقكم، من يتخذ السبيل، ولم يشرك ويوحد حَكِيماً حكم بالبداية لمن كان أهلاً لذلك.

قوله تعالى: يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ يعني: يكرم بالإسلام من كان أهلاً لذلك.

ويقال: يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِى رحمته، يعني: في نعمته وهي الجنة، في رحمته وفضله وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً يعني: يدخل الظالمين في عذاب أليم.

ويقال: يعذب الظالمين.

وقرئ في الشاذ والظالمون، وقراءة العامة والظالمين بالنصب.

ومعناه: ويعذب الظالمين، ويكون لهم عذاباً أليماً، تفسيراً لهذا المضمر.

والله أعلم.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا «عيناً» بدل من «كأس» أو من «عين» على القول الثاني، وسَلْسَبِيلًا قيل: هو اسم بمعنى/ السَّلِسُ المنقاد الجرية، وقال مجاهد:

حديدة الجرية «١» ، وقال آخرون: سَلْسَبِيلًا صفة لقوله: عَيْناً وتُسَمَّى بمعنى تُوْصَفُ وتشهر، وكونه مصروفاً مما يؤكد كونه صفة للعين لا اسماً.

وقوله تعالى: حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً قال الإمام الفخر «٢» : وفي كيفية التشبيه وجوه:

أحدها: أَنَّهُم شُبِّهُوا في حسنهم، وصفاء ألوانهم، وانبثاثهم في مجالسهم ومنازلهم في أنواع الخدمة- باللؤلؤ المنثورِ، ولو كانوا صفًّا لَشُبِّهُوا باللؤلؤ المنظوم أَلاَ ترى أَنَّهُ تعالى قال: وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ فإذا كانوا يطوفون كانوا متناثرين.

الثاني: أَنَّ هذا من التشبيه العجيب لأَنَّ اللؤلؤ إذا كان متفرقاً يكون أحسنَ في المنظر لوقوع شعاع بعضه على بعض.

الثالث: أَنَّهم شُبِّهُوا باللؤلؤ الرطب إذا نثر من صدفه لأَنَّه أحسن وأجمل، انتهى.

وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً (٢٠) عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً (٢١) إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً (٢٢)

وقوله تعالى: وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ قال الفَرَّاءُ: التقدير: وَإِذا رأيت ما ثَمَّ رأيت نعيماً، فحُذِفَتْ «ما» وكُرِّرَتِ الرؤية مبالغةً وَمُلْكاً كَبِيراً: وهو أَنَّ أدناهم منزلةً ينظر في ملكه مسيرة ألف عام، يرى أَقصاه كما يرى أدناه، وخرَّجَهُ الترمذيُّ، وفي التِّرْمِذِيِّ أيضاً من رواية أبي سعيدٍ الخدريِّ قال: قال رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم: «أدنى أَهْلِ الجَنَّةِ الَّذِي لَهُ ثَمَانُونَ أَلْفَ خَادِمٍ وَاثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ زَوْجَةً، وَتُنْصَبُ لَهُ قُبَّةٌ مِنْ لُؤلُؤٍ وَزَبَرْجَدٍ وَيَاقُوتٍ كَمَا بَيْنَ الجَابِيَةِ إلى صَنْعَاءَ» «٣» انتهى، وقال سفيان: الملك الكبير هو استئذان الملائكة، وتسليمهم عليهم،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ( إنّا أعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سُلاسِلًا ) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، "سَلاسِلَ" بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، ووَقَفُوا بِألِفٍ.

ووَقَفَ أبُو عَمْرٍو بِألِفٍ.

قالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ النَّحْوِيُّ: "سَلاسِلُ" و"قَوارِيرُ" أصْلُهُ أنْ لا يَنْصَرِفَ، ومَن صَرَفَهُ مِنَ القُرّاءِ، فَإنَّها لُغَةٌ لِبَعْضِ العَرَبِ.

وقِيلَ: إنَّما صَرَفَهَ لِأنَّهُ وقَعَ في المُصْحَفِ بِالألِفِ، فَصَرَفَهُ لِاتِّباعِ خَطِّ المُصْحَفِ.

قالَ مُقاتِلٌ: السَّلاسِلُ في أعْناقِهِمْ، والأغْلالُ في أيْدِيهِمْ.

وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى "السَّعِيرِ" في [النِّساءِ: ١٠] .

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ إنَّ الأبْرارَ ﴾ واحِدُهم بَرٌّ، وبارٌّ، وهُمُ الصّادِقُونَ.

وقِيلَ: المُطِيعُونَ.

وقالَ الحَسَنُ: هُمُ الَّذِينَ لا يُؤْذُونَ الذَّرَّ ﴿ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ ﴾ أيْ: مِن إناءٍ فِيهِ شَرابٌ ﴿ كانَ مِزاجُها ﴾ يَعْنِي: مِزاجَ الكَأْسِ ﴿ كافُورًا ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الكافُورُ المَعْرُوفُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ، فَعَلى هَذا في المُرادِ "بِالكافُورِ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: بَرْدُهُ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: رِيحُهُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: طَعْمُهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّانِي أنَّهُ اسْمُ عَيْنٍ في الجَنَّةِ، قالَهُ عَطاءٌ، وابْنُ السّائِبِ.

والثّالِثُ أنَّ المَعْنى: مِزاجُها كالكافُورِ لِطِيبِ رِيحِهِ، أجازَهُ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَيْنًا ﴾ قالَ الفَرّاءُ: هي المُفَسِّرَةُ لِلْكافُورِ، وقالَ الأخْفَشُ: هي مَنصُوبَةٌ عَلى مَعْنى: أعْنِي عَيْنًا.

وقالَ الزَّجّاجُ: الأجْوَدُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: مِن عَيْنٍ، "يَشْرَبُ بِها" فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: يَشْرَبُ مِنها.

والثّانِي: يَشْرَبُها، والباءُ صِلَةٌ.

والثّالِثُ: يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ الخَمْرَ يَمْزُجُونَها بِها.

وفي هَذِهِ العَيْنِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها الكافُورُ الَّذِي سَبَقَ ذِكْرُهُ.

والثّانِي: التَّسْنِيمُ، "وَعِبادُ اللَّهِ" ها هُنا: أوْلِياؤُهُ ﴿ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيرًا ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: يَقُودُونَها إلى حَيْثُ شاؤُوا مِنَ الجَنَّةِ.

قالَ الفَرّاءُ: حَيْثُ ما أحَبَّ الرَّجُلُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَجَّرَها لِنَفْسِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُوفُونَ بِالنَّذْرِ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: فِيهِ إضْمارُ "كانُوا" يُوفُونَ بِالنَّذْرِ.

وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ إذا نَذَرُوا في طاعَةِ اللَّهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ.

والثّانِي: يُوفُونَ بِما فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ.

ومَعْنى "النَّذْرِ" في اللُّغَةِ: الإيجابُ.

فالمَعْنى: يُوفُونَ بِالواجِبِ عَلَيْهِمْ ﴿ وَيَخافُونَ يَوْمًا كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فاشِيًا.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فاشِيًا مُنْتَشِرًا.

يُقالُ: اسْتَطارَ الحَرِيقُ: إذا انْتَشَرَ، واسْتَطارَ الفَجْرُ إذا انْتَشَرَ الضَّوْءُ.

وانْشُدُوا لِلْأعْشى: فَبانَتْ وقَدْ أسْأرَتْ في الفُؤا دِ صَدْعًا عَلى نَأْيِها مُسْتَطِيرًا وَقالَ مُقاتِلٌ: كانَ شَرُّهُ فاشِيًا في السَّمَواتِ، فانْشَقَّتْ، وتَناثَرَتِ الكَواكِبُ، وفَزِعَتِ المَلائِكَةُ، وكُوِّرَتِ الشَّمْسُ والقَمَرُ في الأرْضِ، ونُسِفَتِ الجِبالُ، وغارَتِ المِياهُ، وتَكَسَّرَ كُلُّ شَيْءٍ عَلى وجْهِ الأرْضِ مِن جَبَلِ، وبِناءٍ، وفَشا شَرُّ يَوْمِ القِيامَةِ فِيها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: نَزَلَتْ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ.

آجَرَ نَفْسَهُ لِيَسْقِيَ نَخْلًا بِشَيْءٍ مِن شَعِيرٍ لَيْلَةً حَتّى أصْبَحَ.

فَلَمّا قَبَضَ الشَّعِيرَ طَحَنَ ثُلُثَهُ، وأصْلَحُوا مِنهُ شَيْئًا يَأْكُلُونَهُ، فَلَمّا اسْتَوى أتى مِسْكِينٌ، فَأخْرَجُوهُ إلَيْهِ، ثُمَّ عَمِلَ الثُّلُثَ الثّانِيَ، فَلَمّا تَمَّ أتى يَتِيمٌ، فَأطْعَمُوهُ، ثُمَّ عَمِلَ الثُّلُثَ الباقِيَ، فَلَمّا اسْتَوى جاءَ أسِيرٌ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَأطْعَمُوهُ وطَوَوْا يَوْمَهم ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في أبِي الدَّحْداحِ الأنْصارِيِّ صامَ يَوْمًا، فَلَمّا أرادَ أنْ يُفْطِرَ جاءَ مِسْكِينٌ، ويَتِيمٌ، وأسِيرٌ، فَأطْعَمَهم ثَلاثَةَ أرْغِفَةٍ، وبَقِيَ لَهُ ولِأهْلِهِ رَغِيفٌ واحِدٌ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَفِي هاءِ الكِنايَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَلى حُبِّهِ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: تَرْجِعُ إلى الطَّعامِ، فَكَأنَّهم كانُوا يُؤْثِرُونَ وهم مُحْتاجُونَ إلَيْهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، والزَّجّاجِ، والجُمْهُورِ.

والثّانِي: تَرْجِعُ إلى اللَّهِ تَعالى، قالَهُ الدّارانِيُّ.

وقَدْ سَبَقَ مَعْنى "المِسْكِينِ واليَتِيمِ" [البَقَرَةِ: ٨٣] .

وفي الأسِيرِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ المَسْجُونُ مِن أهْلِ القِبْلَةِ، قالَهُ عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: أنَّهُ الأسِيرُ المُشْرِكُ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.

والثّالِثُ: المَرْأةُ، قالَهُ أبُو حَمْزَةَ الثَّمالِيُّ.

والرّابِعُ: العَبْدُ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

* فَصْلٌ وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ الآيَةَ تَضَمَّنَتْ مَدْحَهم عَلى إطْعامِ الأسِيرِ المُشْرِكِ.

قالَ: وهَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.

ولَيْسَ هَذا القَوْلُ بِشَيْءٍ، فَإنَّ في إطْعامِ الأسِيرِ المُشْرِكِ ثَوابًا، وهَذا مَحْمُولٌ عَلى صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ.

فَأمّا الفَرْضُ فَلا يَجُوزُ صَرْفُهُ إلى الكُفّارِ، ذَكَرَهُ القاضِي أبُو يَعْلى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ ﴾ أيْ: لِطَلَبِ ثَوابِ اللَّهِ.

قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ: أما إنَّهم ما تَكَلَّمُوا بِهَذا، ولَكِنْ عَلِمَهُ اللَّهُ مِن قُلُوبِهِمْ، فَأثْنى بِهِ عَلَيْهِمْ لِيَرْغَبَ في ذَلِكَ راغِبٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ﴾ أيْ: بِالفِعْلِ ﴿ وَلا شُكُورًا ﴾ بِالقَوْلِ ﴿ إنّا نَخافُ مِن رَبِّنا يَوْمًا ﴾ أيْ: ما في يَوْمٍ ﴿ عَبُوسًا ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: تَعْبَسُ فِيهِ الوُجُوهُ، فَجَعَلَهُ مِن صِفَةِ اليَوْمِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ  ﴾ ، أرادَ عاصِفِ الرِّيحِ.

فَأمّا "القَمْطَرِيرُ" فَرَوى ابْنُ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ الطَّوِيلُ.

ورَوى عَنْهُ العَوْفِيُّ أنَّهُ قالَ: هو الَّذِي يَقْبِضُ فِيهِ الرَّجُلُ ما بَيْنَ عَيْنَيْهِ.

فَعَلى هَذا يَكُونُ اليَوْمُ مَوْصُوفًا بِما يَجْرِي فِيهِ، كَما قُلْنا في "العَبُوسِ" لِأنَّ اليَوْمَ لا يُوصَفُ بِتَقْبِيضِ ما بَيْنَ العَيْنَيْنِ.

وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: "القَمْطَرِيرُ" الَّذِي يُقَلِّصُ الوُجُوهَ، ويَقْبِضُ الحَياةَ، وما بَيْنَ الأعْيُنِ مِن شِدَّتِهِ.

وقالَ الفَرّاءُ: هو الشَّدِيدُ.

يُقالُ: يَوْمٌ قَمْطَرِيرٌ، ويَوْمٌ قُماطِرُ.

وأنْشَدَنِي بَعْضُهُمْ: بَنِي عَمِّنا هَلْ تَذْكُرُونَ بَلاءَنا ∗∗∗ عَلَيْكم إذا ما كانَ يَوْمٌ قُماطِرُ وَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العَبُوسُ، والقَمْطَرِيرُ، والقُماطِرُ، والعَصِيبُ، والعَصَبْصَبُ: أشَدُّ ما يَكُونُ مِنَ الأيّامِ، وأطْوَلُهُ في البَلاءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ اليَوْمِ ﴾ بِطاعَتِهِمْ في الدُّنْيا ﴿ وَلَقّاهم نَضْرَةً ﴾ أيْ: حُسْنًا وبَياضًا في الوُجُوهِ ﴿ وَسُرُورًا ﴾ لا انْقِطاعَ لَهُ.

وقالَ الحَسَنُ: النُّضْرَةُ في الوُجُوهِ، والسُّرُورُ في القُلُوبِ ﴿ وَجَزاهم بِما صَبَرُوا ﴾ عَلى طاعَتِهِ، وعَنْ مَعْصِيَتِهِ ﴿ جَنَّةً وحَرِيرًا ﴾ وهو لِباسُ أهْلِ الجَنَّةِ ﴿ مُتَّكِئِينَ فِيها ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، أيْ جَزاهم جَنَّةً في حالِ اتِّكائِهِمْ فِيها.

وَقَدْ شَرَحْنا هَذا في [الكَهْفِ: ٣١] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا ﴾ فَيُؤْذِيهِمْ حَرُّها ولا ﴿ زَمْهَرِيرًا ﴾ وهو البَرْدُ الشَّدِيدُ.

والمَعْنى: لا يَجِدُونَ فِيها الحَرَّ والبَرْدَ.

وحُكِيَ عَنْ ثَعْلَبٍ أنَّهُ قالَ: الزَّمْهَرِيرُ: القَمَرُ، وأنْشَدَ: ولَيْلَةٍ ظَلامُها قَدِ اعْتَكَرْ ∗∗∗ قَطَعْتُها والزَّمْهَرِيرُ ما زَهَرْ أيْ: لَمْ يَطْلُعِ القَمَرُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَدانِيَةً ﴾ قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: وجَزاهم جَنَّةً، ﴿ وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها ﴾ ، أيْ: قَرِيبَةً مِنهم ظِلالُ أشْجارِها ﴿ وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا هَمَّ أنْ يَتَناوَلَ مِن ثِمارِها تَدَلَّتْ إلَيْهِ حَتّى يَتَناوَلَ ما يُرِيدُ.

وقالَ غَيْرُهُ: قُرِّبَتْ إلَيْهِمْ مُذَلَّلَةً كَيْفَ شاؤُوا، فَهم يَتَناوَلُونَها قِيامًا، وقُعُودًا، ومُضْطَجِعِينَ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُطُوفُها دانِيَةٌ  ﴾ .

فَأمّا "الأكْوابُ" فَقَدْ شَرَحْناها في [الزُّخْرُفِ: ٧١] ﴿ كانَتْ قَوارِيرا ﴾ أيْ: تِلْكَ الأكْوابُ هي قَوارِيرُ، ولَكِنَّها مِن فِضَّةٍ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَوْ ضَرَبْتَ فِضَّةَ الدُّنْيا حَتّى جَعَلْتَها مِثْلَ جَناحِ الذُّبابِ، لَمْ يُرَ الماءُ مِن ورائِها، وقَوارِيرُ الجَنَّةِ مِن فِضَّةٍ في صَفاءِ القارُورَةِ.

وقالَ الفَرّاءُ: وابْنُ قُتَيْبَةَ: هَذا عَلى التَّشْبِيهِ، المَعْنى: كَأنَّها مِن فِضَّةٍ، أيْ: لَها بَياضٌ كَبَياضِ الفِضَّةِ وصَفاءٌ كَصَفاءِ القَوارِيرِ.

وكانَ نافِعٌ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ يَقْرَؤُونَ "قَوارِيرًا قَوارِيرًا" فَيَصِلُونَهُما جَمِيعًا بِالتَّنْوِينِ.

ويَقِفُونَ عَلَيْهِما بِالألِفِ.

وكانَ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ يَصِلانِهِما جَمِيعًا بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، ويَقِفانِ عَلَيْهِما بِغَيْرِ ألِفٍ.

وكانَ ابْنُ كَثِيرٍ يَصِلُ الأوَّلَ بِالتَّنْوِينِ، ويَقِفُ عَلَيْهِ بِالألْفِ، ويَصِلُ الثّانِي بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، ويَقِفُ بِغَيْرِ ألِفٍ.

ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ "سَلاسِلَ" و"قَوارِيرَ قَوارِيرَ" يَصِلُ الثَّلاثَةَ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، ويَقِفُ عَلى الثَّلاثَةِ بِالألِفِ.

وكانَ أبُو عَمْرٍو يَقْرَأُ الأوَّلَ "قَوارِيرا" فَيَقِفُ عَلَيْهِ بِالألْفِ، ويَصِلُ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ.

وقالَ الزَّجّاجُ: الِاخْتِيارُ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ أنْ لا يُصْرَفَ "قَوارِيرَ" لِأنَّ كُلَّ جَمْعٍ يَأْتِي بَعْدَ ألِفِهِ حَرْفانِ لا يَنْصَرِفُ.

ومَن قَرَأ "قَوارِيرًا" يَصْرِفُ الأوَّلَ عَلّامَةَ رَأْسِ آيَةٍ، وتَرَكَ صَرْفَ الثّانِي لِأنَّهُ لَيْسَ بِآخِرِ آيَةٍ.

ومَن صَرَفَ الثّانِيَ: أتْبَعَ اللَّفْظَ اللَّفْظَ، لِأنَّ العَرَبَ رُبَّما قَلَبَتْ إعْرابَ الشَّيْءِ لِتُتْبِعَ اللَّفْظَ اللَّفْظَ، كَما قالُوا: جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ.

وإنَّما الخَرِبُ مِن نَعْتِ الجُحْرِ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ قَدَّرُوها تَقْدِيرًا ﴾ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وأبُو عِمْرانَ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ يَعْمَرَ "قُدِّرُوها" بِرَفْعِ القافِ، وكَسْرِ الدّالِ، وتَشْدِيدِها.

وقَرَأ حُمَيْدٌ، وعَمْرُو بْنُ دِينارٍ ﴿ قَدَّرُوها ﴾ بِفَتْحِ القافِ، والدّالِ، وتَخْفِيفِها.

ثُمَّ في مَعْنى الآيَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: قَدَّرُوها في أنْفُسِهِمْ، فَجاءَتْ عَلى ما قَدَّرُوا، قالَهُ الحَسَنُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: جُعِلَ الإناءُ عَلى قَدْرِ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ ويُرِيدُونَهُ عَلى تَقْدِيرِهِمْ.

والثّانِي: قَدَّرُوها عَلى مِقْدارٍ لا يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وقالَ غَيْرُهُ: قُدِّرَ الكَأْسُ عَلى قَدْرِ رِيِّهِمْ، لا يَزِيدُ عَنْ رِيِّهِمْ فَيُثْقِلُ الكَفَّ، ولا يَنْقُصُ مِنهُ فَيَطْلُبُ الزِّيادَةَ، وهَذا ألَذُّ الشَّرابِ.

فَعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ الضَّمِيرُ في "قَدَّرُوا" لِلسُّقاةِ والخَدَمِ.

وعَلى الأوَّلِ لِلشّارِبِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُسْقَوْنَ فِيها ﴾ يَعْنِي في الجَنَّةِ ﴿ كَأْسًا كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلا ﴾ والعَرَبُ تَضْرِبُ المَثَلَ بِالزَّنْجَبِيلِ والخَمْرِ مَمْزُوجَيْنِ.

قالَ المُسَيَّبُ بْنُ عَلَسٍ يَصِفُ فَمَ امْرَأةٍ: فَكَأنَّ طَعْمَ الزَّنْجَبِيلِ بِهِ ∗∗∗ إذْ ذُقْتَهُ وسُلافَةُ الخَمْرِ وَقالَ آخَرُ: كَأنَّ القَرَنْفُلَ والزَّنْجَبِي ∗∗∗ لـَ باتا بِفِيها وأرْيًا مُشارا الأرْيُ: العَسَلُ.

والمُشارُ: المُسْتَخْرَجُ مِن بُيُوتِ النَّحْلِ.

قالَ مُجاهِدٌ: والزَّنْجَبِيلُ: اسْمُ العَيْنِ الَّتِي مِنها شَرابُ الأبْرارِ.

وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ قالَ: الزَّنْجَبِيلُ مُعَرَّبٌ.

وقالَ الدَّيْنُورِيُّ: يَنْبُتُ في أرْيافِ عَمّانَ، وهي عُرُوقٌ تَسْرِي في الأرْضِ، ولَيْسَ بِشَجَرَةٍ تُؤْكَلُ رُطَبًا، وأجْوَدُ ما يُحْمَلُ مِن بِلادِ الصِّينِ.

قالَ الزَّجّاجُ: وجائِزٌ أنْ يَكُونَ فِيها طَعْمُ الزَّنْجَبِيلِ، والكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ السّابِقِ في الكافُورِ.

وقِيلَ: شَرابُ الجَنَّةِ عَلى بَرْدِ الكافُورِ، وطَعْمِ الزَّنْجَبِيلِ، ورِيحِ المِسْكِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَيْنًا فِيها ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: يُسْقَوْنَ عَيْنًا.

وسَلْسَبِيلٌ: اسْمُ العَيْنِ، إلّا أنَّهُ صُرِفَ لِأنَّهُ رَأْسُ آيَةٍ.

وهو في اللُّغَةِ: صِفَةٌ لِما كانَ في غايَةِ السَّلاسَةِ.

فَكَأنَّ العَيْنَ وُصِفَتْ وسُمِّيَتْ بِصِفَتِها.

وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ قالَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تُسَمّى سَلْسَبِيلا ﴾ قِيلَ: هو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ نَكِرَةٌ، فَلِذَلِكَ انْصَرَفَ.

وقِيلَ: هو اسْمٌ مَعْرِفَةٌ، إلّا أنَّهُ أُجْرِيَ، لِأنَّهُ رَأْسُ آيَةٍ.

وعَنْ مُجاهِدٍ قالَ: حَدِيدَةُ الجَرْيَةِ.

وقِيلَ: سَلْسَبِيلٌ: سَلِسٌ ماؤُها، مُسْتَقِيدٌ لَهم.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: السَّلْسَبِيلُ صِفَةٌ لِلْماءِ، لِسَلَسِهِ وسُهُولَةِ مَدْخَلِهِ في الحَلْقِ.

يُقالُ: شَرابٌ سَلْسَلٌ، وسَلْسالٌ، وسَلْسَبِيلٌ.

وحَكى الماوَرْدِيُّ: أنَّ عَلِيًّا قالَ: المَعْنى: سَلْ سَبِيلًا إلَيْها، ولا يَصِحُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ ﴾ قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [الواقِعَةِ: ١٧] ﴿ إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا ﴾ أيْ: في بَياضِ اللُّؤْلُؤِ وحُسْنِهِ، واللُّؤْلُؤُ إذا نُثِرَ مِنَ الخَيْطِ عَلى البِساطِ كانَ أحْسَنَ مِنهُ مَنظَرًا.

وإنَّما شُبِّهُوا بِاللُّؤْلُؤِ المَنثُورِ، لِانْتِشارِهِمْ في الخِدْمَةِ.

ولَوْ كانُوا صَفًّا لَشَبَّهُوهُ بِالمَنظُومِ.

﴿ وَإذا رَأيْتَ ثَمَّ ﴾ يَعْنِي: الجَنَّةَ ﴿ رَأيْتَ نَعِيمًا ﴾ لا يُوصَفُ ﴿ وَمُلْكًا كَبِيرًا ﴾ أيْ: عَظِيمًا واسِعًا لا يُرِيدُونَ شَيْئًا إلّا قَدَرُوا عَلَيْهِ، ولا يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ مَلَكٌ إلّا بِاسْتِئْذانٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عالِيَهُمْ ﴾ قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ، وحَمْزَةُ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ بِإسْكانِ الياءِ، وكَسْرِ الهاءِ.

وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ، إلّا أنَّ الجُعْفِيَّ عَنْ أبِي بَكْرٍ قَرَأ "عالِيَتُهُمْ" بِزِيادَةِ تاءٍ مَضْمُومَةٍ.

وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ "عَلَيْهِمْ" بِفَتْحِ اللّامِ، وإسْكانِ الياءِ مِن غَيْرِ تاءٍ، ولا ألِفٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: فَأمّا تَفْسِيرُ إعْرابِ "عالِيهِمْ" بِإسْكانِ الياءِ، فَيَكُونُ رَفْعُهُ بِالِابْتِداءِ، ويَكُونُ الخَبَرُ"ثِيابُ سُنْدُسٍ" وأمّا "عالِيَهُمْ" بِفَتْحِ الياءِ، فَنَصْبُهُ عَلى الحالِ مِن شَيْئَيْنِ، أحَدُهُما: مِنَ الهاءِ والمِيمِ، والمَعْنى: يَطُوفُ عَلى الأبْرارِ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ عالِيًا لِلْأبْرارِ ثِيابُ سُنْدُسٍ، لِأنَّهُ وصَفَ أحْوالَهم في الجَنَّةِ، فَيَكُونُ المَعْنى: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ في هَذِهِ الحالِ هَؤُلاءِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الوِلْدانِ.

المَعْنى: إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا في حالِ عُلُوِّ الثِّيابِ.

وأمّا "عالِيَتُهُمْ" فَقَدْ قُرِئَتْ بِالرَّفْعِ وبِالنَّصْبِ، وهُما وجْهانِ جَيِّدانِ في العَرَبِيَّةِ، إلّا أنَّهُما يُخالِفانِ المُصْحَفَ، فَلا أرى القِراءَةَ بِهِما، وتَفْسِيرُها كَتَفْسِيرِ ﴿ "عالِيَهُمْ" .

﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثِيابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو "خُضْرٌ" رَفْعًا "وَإسْتَبْرَقٍ" خَفْضًا.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ "خُضْرٍ" خَفْضًا "وَإسْتَبْرَقٌ" رَفْعًا.

وقَرَأ نافِعٌ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ "خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ" كِلاهُما بِالرَّفْعِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ "خُضَرٍ وإسْتَبْرَقٍ" كِلاهُما بِالخَفْضِ.

قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ "خُضْرٌ" بِالرَّفْعِ، فَهو نَعْتُ الثِّيابِ، ولَفْظُ الثِّيابِ لَفْظُ الجَمْعِ، ومَن قَرَأ "خُضْرٍ" فَهو مِن نَعْتِ السُّنْدُسِ، والسُّنْدُسُ في المَعْنى راجِعٌ إلى الثِّيابِ.

ومَن قَرَأ "وَإسْتَبْرَقٌ" فَهو نَسَقٌ عَلى "ثِيابٍ" المَعْنى: وعَلَيْهِمْ إسْتَبْرَقٌ.

ومَن خَفَضَ، عَطَفَهُ عَلى السُّنْدُسِ، فَيَكُونُ المَعْنى: عَلَيْهِمْ ثِيابٌ مِن هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ.

وقَدْ بَيَّنّا في [الكَهْفِ ٣١] مَعْنى السُّنْدُسِ، والإسْتَبْرَقِ، والأساوِرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لا يُحْدِثُونَ ولا يَبُولُونَ عَنْ شُرْبِ خَمْرِ الجَنَّةِ، قالَهُ عَطِيَّةُ.

والثّانِي: لِأنَّ خَمْرَ الجَنَّةِ طاهِرَةٌ، ولَيْسَتْ بِنَجِسَةٍ كَخَمْرِ الدُّنْيا، قالَهُ الفَرّاءُ.

وقالَ أبُو قُلابَةَ: يُؤْتَوْنَ بَعْدَ الطَّعامِ بِالشَّرابِ الطَّهُورِ فَيَشْرَبُونَ فَتَضْمُرُ بِذَلِكَ بُطُونُهُمْ، ويَفِيضُ مِن جُلُودِهِمْ عَرَقٌ مِثْلُ رِيحِ المِسْكِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ هَذا ﴾ يَعْنِي: ما وصَفَ مِن نَعِيمِ الجَنَّةِ "كانَ لَكم جَزاءً" بِأعْمالِكم "وَكانَ سَعْيُكُمْ" أيْ: عَمَلُكم في الدُّنْيا بِطاعَتِهِ "مَشْكُورًا" قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ: شَكَرْتُكم عَلَيْهِ، وأُثِيبُكم أفْضَلَ الثَّوابِ ﴿ إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ تَنْزِيلا ﴾ أيْ: فَصَّلْناهُ في الإنْزالِ، فَلَمْ نُنْزِلْهُ جُمْلَةً واحِدَةً ﴿ فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ﴾ وقَدْ سَبَقَ بَيانُهُ في مَواضِعَ [الطَّوْرِ: ٤٨،والقَلَمِ: ٤٨] .

والمُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ: هَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، ولا يَصِحُّ، ﴿ وَلا تُطِعْ مِنهُمْ ﴾ أيْ: مِن مُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ ﴿ آثِمًا أوْ كَفُورًا ﴾ "أوْ" بِمَعْنى الواوِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوِ الحَوايا  ﴾ .

وقَدْ سَبَقَ هَذا.

ولِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِالآثِمِ والكَفُورِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُما صِفَتانِ لِأبِي جَهْلٍ.

والثّانِي: أنَّ الآثِمَ: عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، والكَفُورُ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ.

والثّالِثُ: الآثِمُ: الوَلِيدُ.

والكَفُورُ: عُتْبَةُ، وذَلِكَ أنَّهُما قالا لَهُ: ارْجِعْ عَنْ هَذا الأمْرِ ونَحْنُ نُرْضِيكَ بِالمالِ والتَّزْوِيجِ.

"واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ" أيِ: اذْكُرْهُ بِالتَّوْحِيدِ في الصَّلاةِ "بُكْرَةً" يَعْنِي: الفَجْرَ "وَأصِيلًا" يَعْنِي: العَصْرَ.

وبَعْضُهم يَقُولُ: صَلاةُ الظُّهْرِ والعَصْرِ ﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فاسْجُدْ لَهُ ﴾ يَعْنِي: المَغْرِبَ والعَشاءَ.

﴿ وَسَبِّحْهُ لَيْلا طَوِيلا ﴾ وهِيَ: صَلاةُ اللَّيْلِ، كانَتْ فَرِيضَةً عَلَيْهِ، وهي لِأُمَّتِهِ تَطَوُّعٌ "إنَّ هَؤُلاءِ" يَعْنِي: كُفّارَ مَكَّةَ ﴿ يُحِبُّونَ العاجِلَةَ ﴾ أيِ: الدّارَ العاجِلَةَ، وهي الدُّنْيا ﴿ وَيَذَرُونَ وراءَهُمْ ﴾ أيْ: أمامَهم ﴿ يَوْمًا ثَقِيلا ﴾ أيْ: عَسِيرًا شَدِيدًا.

والمَعْنى: أنَّهم يَتْرُكُونَ الإيمانَ بِهِ، والعَمَلَ لَهُ.

ثُمَّ ذَكَرَ قُدْرَتَهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿ نَحْنُ خَلَقْناهم وشَدَدْنا أسْرَهُمْ ﴾ أيْ: خَلْقَهُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: امْرَأةٌ حَسَنَةُ الأسْرِ، أيْ: حَسَنَةُ الخَلْقِ، كَأنَّها أُسِرَتْ، أيْ: شُدَّتْ.

وأصْلُ هَذا مِنَ الإسارِ، وهُوَ: القَدُّ.

[الَّذِي تُشَدُّ بِهِ الأقْتابُ] يُقالُ: ما أحْسَنَ ما أسَرَ قَتَبَهُ، أيْ: ما أحْسَنَ ما شَدَّهُ [بِالقَدِّ] .

ورُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: مَفاصِلُهم.

وعَنِ الحَسَنِ قالَ: أوْصالُهم بَعْضُها إلى بَعْضٍ بِالعُرُوقِ والعَصَبِ "وَإذا شِئْنا بَدَّلْنا أمْثالَهُمْ" أيْ: إنْ شِئْنا أهْلَكْناهم وأتَيْنا بِأشْباهِهِمْ، فَجَعَلْناهم بَدَلًا مِنهم ﴿ إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ ﴾ قَدْ شَرَحْنا الآيَةَ في [المُزَّمِّلِ: ١٩] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما تَشاءُونَ ﴾ إيجادَ السَّبِيلِ ﴿ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ﴾ ذَلِكَ لَكم.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، "وَما يَشاؤُونَ" بِالياءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: الرَّحْمَةُ ها هُنا: الجَنَّةُ ﴿ والظّالِمِينَ ﴾ المُشْرِكُونَ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: نَصْبُ "الظّالِمِينَ" بِالجِوارِ.

المَعْنى: ولا يُدْخِلُ الظّالِمِينَ في رَحْمَتِهِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّما نُصِبَ "الظّالِمِينَ" لِأنَّ قَبْلَهُ مَنصُوبًا.

المَعْنى: يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ، ويُعَذِّبُ الظّالِمِينَ، ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أعَدَّ لَهُمْ ﴾ تَفْسِيرًا لِهَذا المُضْمَرِ، وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ "والظّالِمُونَ" رَفْعًا.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ عالِيَهم ثِيابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ وحُلُّوا أساوِرَ مِن فِضَّةٍ وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا ﴾ ﴿ إنَّ هَذا كانَ لَكم جَزاءً وكانَ سَعْيُكم مَشْكُورًا ﴾ ﴿ إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ تَنْزِيلا ﴾ ﴿ فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أو كَفُورًا ﴾ ﴿ واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وأصِيلا ﴾ ﴿ وَمِنَ اللَيْلِ فاسْجُدْ لَهُ وسَبِّحْهُ لَيْلا طَوِيلا ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، وأبانُ عن عاصِمٍ: "عالِيَهُمْ" عَلى الرَفْعِ لِلِابْتِداءِ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، وابْنِ عَبّاسٍ بِخِلافٍ عنهُ-، وقَرَأ الباقُونَ وعاصِمٌ: "عالِيَهُمْ" بِالنَصْبِ عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيهِ "لَقّاهُمْ" أو "جَزاهُمْ"، وهي قِراءَةُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، والجَحْدَرِيِّ، وأهْلِ مَكَّةَ.

وقَرَأ الأعْمَشُ، وطَلْحَةُ: "عالِيَتُهُمْ"، وكَذَلِكَ هي في مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ، وقَرَأ أيْضًا الأعْمَشُ: "عالِيَتَهُمْ" بِالنَصْبِ عَلى الحالِ، وقَدْ يَجُوزُ في النَصْبِ في القِراءَتَيْنِ أنْ تَكُونَ عَلى الظَرْفِ؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى: فَوْقَهُمْ، وقَرَأتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: "عَلَتْهُمْ" بِتاءِ فِعْلٍ ماضٍ، وقَرَأ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ سِيرِينَ، وأبُو حَيْوَةَ: "عَلَيْهِمْ" بِالياءِ.

و"السُنْدُسُ" رَقِيقُ الدِيباجِ والمُرْتَفَعُ مِنهُ، وقِيلَ: "السُنْدُسُ" هو الحَرِيرُ الأخْضَرُ، و"الإسْتَبْرَقُ" والدِمْقَسُ هُما الأبْيَضُ، والأُرْجُوانُ هو الأحْمَرُ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ" بِالخَفْضِ فِيهِما، وهى قِراءَةُ الأعْمَشِ، وطَلْحَةَ، ورُوِيَتْ عَنِ الحَسَنِ، وابْنِ عُمَرَ -بِخِلافٍ عنهُما-، عَلى أنْ "خُضْرًا" نَعْتٌ لِلسُّنْدُسِ، وجائِزٌ جَمْعَ صِفَةِ اسْمِ الجِنْسِ إذا كانَ اسْمًا مُفْرَدًا كَما قالُوا: "أهْلَكَ الناسَ الدِينارُ الصِفْرُ والدِرْهَمُ البِيضُ"، وفي هَذا قُبْحٌ، والعَرَبُ تُفْرِدُ اسْمَ الجِنْسِ وهو جَمْعٌ أحْيانًا فَيَقُولُونَ: "هُوَ حَصًى أبْيَضُ"، وفي القُرْآنِ: ﴿ مِنَ الشَجَرِ الأخْضَرِ  ﴾ ، و"نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ" فَكَيْفَ بِأنْ لا يُفْرَدَ هَذا الَّذِي هو صِفَةٌ لِواحِدٍ في مَعْنى جَمْعٍ.

"وَإسْتَبْرَقٍ" في هَذِهِ القِراءَةِ عَطْفٌ عَلى سُنْدُسٍ، وقَرَأ نافِعٌ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، والحَسَنُ، وعِيسى: "خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ" بِالرَفْعِ فِيهِما، "خُضْرٌ" نَعْتْ لـِ "ثِيابُ"، و"إسْتَبْرَقٍ" عَطْفٌ عَلى "ثِيابٍ"، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ أيْضًا "خُضْرٌ" رَفْعًا و"إسْتَبْرَقٍ" خَفْضًا، و"خُضْرٍ" صِفَةٌ لـ "ثِيابٍ" و"إسْتَبْرَقٍ" عُطِفَ عَلى "سُنْدُسٍ"، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - "خُضْرٍ" خَفْضًا "وَإسْتَبْرَقٍ" رَفْعًا، فَخَفَضَ "خُضْرٍ" عَلى ما تَقَدَّمَ أوَّلًا، "وَإسْتَبْرَقٍ" عَطْفٌ عَلى "ثِيابٍ"، و"الإسْتَبْرَقُ" غَلِيظُ الدِيباجِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "وَإسْتَبْرَقٌ" مَوْصُولَةُ الألِفِ مَفْتُوحَةُ القافِ، كَأنَّهُ مِثالُ الماضِي مِن بَرْقٍ وإسْتَبْرَقٍ كَعَجِبَ واسْتَعْجَبَ، قالَ أبُو حاتِمٍ: لا يَجُوزُ، والصَوابُ أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ لا يَنْبَغِي أنْ يَحْمِلَ ضَمِيرًا، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ دُخُولُ اللامِ المُعَرَّفَةِ عَلَيْهِ، والصَوابُ فِيهِ قَطْعُ الألِفِ وإجْراؤُهُ عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ "عَلَيْهِمْ ثِيابٌ" بِالرَفْعِ "سُنْدُسٌ خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ" رَفْعًا في الثَلاثَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وَحُلُّوا" أيْ: جَعَلَ لَهم حُلِيَّ، و"أساوِرَ" جَمْعُ أسْوِرَةٍ، وأسْوِرَةٌ جَمْعُ سَوارٍ، وهي مِن حُلِيِّ الذِراعِ.

قَوْلُهُ تَعالى: "شَرابًا طَهُورًا"، قالَ أبُو قُلابَةَ، والنَخْعِيُّ: مَعْناهُ لا يَصِيرُ بَوْلًا بَلْ يَكُونُ رَشْحًا مِنَ الأبْدانِ أطْيَبَ مِنَ المِسْكِ، وهُنا مَحْذُوفٌ يَقْتَضِيهِ القَوْلُ تَقْدِيرُهُ: يَقُولُ اللهُ تَعالى لَهم والمَلائِكَةُ عنهُ: ﴿ إنَّ هَذا كانَ لَكم جَزاءً ﴾ الآيَةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ ﴾ الآيَةُ...

تَثْبِيتٌ لِمُحَمَّدٍ  ، وتَقْوِيَةٌ لِنَفْسِهِ عَلى أفْعالِ قُرَيْشٍ وأحْوالِهِمْ، و"حَكَمَ رَبُّهُ" تَعالى أنْ يُبَلِّغَ ويُكافِحَ ويَتَحَمَّلَ المَشَقَّةَ ويَصْبِرَ عَلى الأذى لِيَعْرِفَ اللهَ تَعالى إلَيْهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ آثِمًا أو كَفُورًا ﴾ هو تَخْيِيرٌ في أنْ يَعْرِفَ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ لا يُطِيعَهُ بِأيِّ وصْفٍ كانَ مِن هَذَيْنَ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم فَهو آثِمٌ وهو كَفُورٌ، ولَمْ تَكُنِ الأُمَّةُ حِينَئِذٍ مِنَ الكَثْرَةِ بِحَيْثُ يَقَعُ الإثْمُ عَلى العاصِي، واللَفْظُ أيْضًا يَقْتَضِي نَهْيَ الإمامِ عن طاعَةِ آثِمٍ مِنَ العُصاةِ أو كَفُورٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "أو" بِمَعْنًى "الواوِ" ولَيْسَ في هَذا تَخْيِيرٌ.

ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِذِكْرِ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ دَأْبًا بُكْرَةً وأصِيلًا، ومِنَ اللَيْلِ بِالسُجُودِ والتَسْبِيحِ الَّذِي هو الصَلاةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ قَوْلَ: "سُبْحانَ اللهِ"، وذَهَبَ قَوْمٌ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إشارَةٌ إلى الصَلَواتِ الخَمْسِ، مِنهُمُ ابْنُ حَبِيبٍ وغَيْرُهُ، فالبَكْرَةُ: صَلاةُ الصُبْحِ، والأصِيلُ الظَهْرُ والعَصْرُ، ومِنَ اللَيْلِ: المَغْرِبُ والعَشاءُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: كانَ هَذا فَرْضًا ونُسِخَ فَلا فَرْضَ إلّا الخَمْسَةُ، وقالَ قَوْمٌ، هو مَحْكَمٌ عَلى جِهَةِ النَدْبِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا الكلام مقول قول محذوف قرينته الخطاب إذ ليس يصلح لهذا الخطاب مما تقدم من الكلام إلاّ أن يكون المخاطَبون هم الأبرارَ الموصوفَ نعيمهم.

والقول المحذوف يقدر فعلاً في موضع الحال من ضمير الغائب في ﴿ سقاهم ﴾ [الإنسان: 21]، نحو: يُقال لهم، أو يَقول لهم ربهم، أو يقدر اسماً هو حال من ذلك الضمير نحو: مَقولاً لهم هذا اللفظ، أو قائلاً لهم هذا اللفظ.

والإِشارة إلى ما يكون حاضراً لديهم من ألوان النعيم الموصوف فيما مضى من الآيات.

والمقصود من ذلك الثناء عليهم بما أسلفوا من تقوى الله وتكرمتهم بذلك وتنشيط أنفسهم بأن ما أنعم به عليهم هو حق لهم جزاء على عملهم.

وإقحام فعل ﴿ كان ﴾ للدلالة على تحقيق كونه جزاء لا منًّا عليهم بما لم يستحقوا، فإن من تمام الإِكرام عند الكرام أن يُتبعوا كرامتهم بقول ينشط له المكرَم ويزيل عنه ما يعرض من خجل ونحوه، أي هو جزاء حقاً لا مبالغة في ذلك.

وعطف على ذلك قوله: ﴿ وكان سعيكم مشكوراً ﴾ علاوة على إيناسهم بأن ما أغدق عليهم كان جزاء لهم على ما فعلوا بأن سعيهم الذي كان النعيمُ جزاء عليه، هو سعي مشكور، أي مشكور ساعِيه، فأسند المشكور إلى السعي على طريقة المجاز العقلي مثل قولهم: سَيْل مُفْعَم.

ولك أن تجعل ﴿ مشكوراً ﴾ مفعولاً حقيقة عقلية لكن على طريقة الحذف والإِيصال، أي مشكوراً عليه.

وإقحام فعل ﴿ كان ﴾ كإقحام نظيره آنفاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ ﴾ وفِيها مَعَ ما قَدَّمْناهُ مِن تَفْسِيرِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الأسِرَّةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّها كُلُّ ما يُتَّكَأُ عَلَيْهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

﴿ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا ولا زَمْهَرِيرًا ﴾ أمّا المُرادُ بِالشَّمْسِ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم في ضِياءٍ مُسْتَدِيمٍ لا يَحْتاجُونَ فِيهِ إلى ضِياءٍ، فَيَكُونُ عَدَمُ الشَّمْسِ مُبالَغَةً في وصْفِ الضِّياءِ.

الثّانِي: أنَّهم لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا فَيَتَأذَّوْنَ بِحَرِّها، فَيَكُونُ عَدَمُها نَفْيًا لِأذاها.

وَفي الزَّمْهَرِيرِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ البَرْدُ الشَّدِيدُ، قالَ عِكْرِمَةُ لِأنَّهم لا يَرَوْنَ في الجَنَّةِ حَرًّا ولا بَرْدًا.

الثّانِي: أنَّهُ لَوْنٌ في العَذابِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

الثّالِثُ: أنَّهُ مِن هَذا المَوْضِعِ القَمَرُ، قالَهُ ثَعْلَبٌ وأنْشَدَ ولَيْلَةٌ ظَلامُها قَدِ اعْتَكَرْ قَطَعْتُها والزَّمْهَرِيرُ ما ظَهَرْ وَرُوِيَ ما زَهَرْ، ومَعْناهُ أنَّهم في ضِياءٍ مُسْتَدِيمٍ لا لَيْلَ فِيهِ ولا نَهارَ، لِأنَّ ضَوْءَ النَّهارِ بِالشَّمْسِ، وضَوْءَ اللَّيْلِ بِالقَمَرِ.

﴿ وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لا يَرُدُّ أيْدِيَهم عَنْها شَوْكٌ ولا بُعْدٌ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّهُ إذا قامَ ارْتَفَعَتْ، وإذا قَعَدَ نَزَلَتْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنْ يَكُونَ تَذْلِيلُ قُطُوفِها أنْ تَبْرُزَ لَهم مِن أكْمامِها وتَخْلُصَ مِن نَواها.

﴿ وَأكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرا ﴾ ﴿ قَوارِيرا مِن فِضَّةٍ ﴾ أمّا الأكْوابُ فَقَدْ ذَكَرْنا ما هي مِن جُمْلَةِ الأوانِي.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قَوارِيرا مِن فِضَّةٍ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها مِن فِضَّةٍ مِن صَفاءِ القَوارِيرِ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.

الثّانِي: أنَّها مِن قَوارِيرَ في بَياضِ الفِضَّةِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.

وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قَوارِيرُ كُلِّ أرْضٍ مِن تُرْبَتِها، وأرْضُ الجَنَّةِ الفِضَّةُ فَلِذَلِكَ كانَتْ قَوارِيرُها فِضَّةً.

﴿ قَدَّرُوها تَقْدِيرًا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم قَدَّرُوها في أنْفُسِهِمْ فَجاءَتْ عَلى ما قَدَّرُوها، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: عَلى قَدْرِ مَلْءِ الكَفِّ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: عَلى مِقْدارٍ لا تَزِيدُ فَتَفِيضُ، ولا تَنْقُصُ فَتَغِيضُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: عَلى قَدْرِ رِيِّهِمْ وكِفايَتِهِمْ، لِأنَّهُ ألَذُّ وأشْهى، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الخامِسُ: قُدِّرَتْ لَهم وقَدَّرُوا لَها سَواءٌ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.

﴿ وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْسًا كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: تُمْزَجُ بِالزَّنْجَبِيلِ، وهو مِمّا تَسْتَطِيبُهُ العَرَبُ لِأنَّهُ يَحْذُو اللِّسانَ ويَهْضِمُ المَأْكُولَ، قالَهُ السُّدِّيُّ وابْنُ أبِي نَجِيحٍ.

الثّانِي: أنَّ الزَّنْجَبِيلَ اسْمٌ لِلْعَيْنِ الَّتِي فِيها مِزاجُ شَرابِ الأبْرارِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّ الزَّنْجَبِيلَ طَعْمٌ مِن طَعُومِ الخَمْرِ يَعْقُبُ الشُّرْبَ مِنهُ لَذَّةٌ، حَكاهُ ابْنُ شَجَرَةَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: وكَأنَّ طَعْمَ الزَّنْجَبِيلِ بِهِ ∗∗∗ إذْ ذُقْتُهُ وسُلافَةَ الخَمْرِ ﴿ عَيْنًا فِيها تُسَمّى سَلْسَبِيلا ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ اسْمٌ لَها، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّانِي: مَعْناهُ سَلْ سَبِيلًا إلَيْها، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

الثّالِثُ: يَعْنِي سَلْسَلَةَ السَّبِيلِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: سَلْسَلَةٌ يُصَرِّفُونَها حَيْثُ شاءُوا، قالَهُ قَتادَةُ.

الخامِسُ: أنَّها تَنْسَلُّ في حُلُوقِهِمُ انْسِلالًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

السّادِسُ: أنَّها الجَدِيدَةُ الجَرْيِ، قالَهُ مُجاهِدٌ أيْضًا، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ يَسْقُونَ مَن ورَدَ البَرِيصَ عَلَيْهِمْ ∗∗∗ كَأْسًا تُصَفِّقُ بِالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ وَقالَ مُقاتِلٌ: إنَّما سُمِّيَتِ السَّلْسَبِيلَ لِأنَّها تَنْسَلُّ عَلَيْهِمْ في مَجالِسِهِمْ وغُرَفِهِمْ وطُرُقِهِمْ.

﴿ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مُخَلَّدُونَ لا يَمُوتُونَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: صِغارٌ لا يَكْبُرُونَ وشَبابٌ لا يَهْرَمُونَ، قالَهُ الضَّحّاكُ والحَسَنُ.

الثّالِثُ: أيْ مُسَوَّرُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، قالَ الشّاعِرُ ومُخَلَّداتٍ بِاللُّجَيْنِ كَأنَّما ∗∗∗ أعْجازُهُنَّ أقاوِزُ الكُثْبانِ.

﴿ إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُها: أنَّهم مُشَبَّهُونَ بِاللُّؤْلُؤِ المَنثُورِ لِكَثْرَتِهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: لِصَفاءِ ألْوانِهِمْ وحُسْنِ مَنظَرِهِمْ وهو مَعْنى قَوْلِ سُفْيانَ.

﴿ وَإذا رَأيْتَ ثَمَّ ﴾ يَعْنِي الجَنَّةَ.

﴿ رَأيْتَ نَعِيمًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يُرِيدُ كَثْرَةَ النِّعْمَةِ.

الثّانِي: كَثْرَةُ النَّعِيمِ.

﴿ وَمُلْكًا كَبِيرًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِسِعَتِهِ وكَثْرَتِهِ.

الثّانِي: لِاسْتِئْذانِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ وتَحِيَّتِهِمْ بِالسَّلامِ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّهم لا يُرِيدُونَ شَيْئًا إلّا قَدَرُوا عَلَيْهِ.

﴿ وَسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ وصَفَهُ بِذَلِكَ لِأنَّهم لا يَبُولُونَ مِنهُ ولا يُحْدِثُونَ عَنْهُ، قالَهُ عَطِيَّةُ، قالَ إبْراهِيمُ التَّمِيمِيُّ: هو عَرَقٌ يَفِيضُ مِن أعْضائِهِمْ مِثْلَ رِيحِ المِسْكِ.

الثّانِي: لِأنَّ خَمْرَ الجَنَّةِ طاهِرَةٌ، وخَمْرَ الدُّنْيا نَجِسَةٌ، فَلِذَلِكَ وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِالطَّهُورِ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

الثّالِثُ: أنَّ أنْهارَ الجَنَّةِ لَيْسَ فِيها نَجِسٌ كَما يَكُونُ في أنْهارِ الدُّنْيا وأرْضِها حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في شعب الإِيمان عن مجاهد في قوله: ﴿ ويطعمون الطعام على حبه ﴾ قال: وهم يشتهونه ﴿ وأسيراً ﴾ قال: هو المسجون ﴿ إنما نطعمكم لوجه الله ﴾ الآية، قال: لم يقل القوم ذلك حين أطعموهم، ولكن علم الله من قلوبهم فأثنى عليه به ليرغب فيه راغب.

وأخرج سعيد بن المنصور وابن أبي شيبة وابن مردويه عن الحسن قال: كان الأسارى مشركين يوم نزلت هذه الآية ﴿ ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في الآية، قال: لقد أمر الله بالأسارى أن يحسن إليهم، وأنهم يومئذ لمشركون، فوالله لأخوك المسلم أعظم عليك حرمة وحقاً.

وأخرج أبو عبيد في غريب الحديث والبيهقي في شعب الإِيمان في قوله: ﴿ وأسيراً ﴾ قال: لم يكن الأسير على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من المشركين.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في الآية، قال: لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يأسر أهل الإِسلام، ولكنها نزلت في أسارى أهل الشرك كانوا يأسرونهم في الفداء، فنزلت فيهم، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بالإِصلاح لهم.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ وأسيراً ﴾ قال: هو المشرك.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في قوله: ﴿ وأسيراً ﴾ قال: ما أسرت العرب من الهند وغيرهم، فإذا حبسوا فعليكم أن تطعموهم وتسقوهم حتى يقتلوا أو يفدوا.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي رزين قال: كنت مع شقيق بن سلمة فمر عليه أسارى من المشركين فأمرني أن أتصدق عليهم، ثم تلا هذه الآية ﴿ ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير وعطاء ﴿ ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً ﴾ قالا: من أهل القبلة وغيرهم.

وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم عن أبي سعيد «عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله: ﴿ مسكيناً ﴾ قال: فقيراً ﴿ ويتيماً ﴾ قال: لا أب له ﴿ وأسيراً ﴾ قال: المملوك والمسجون» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ ويطعمون الطعام على حبه ﴾ الآية، قال: نزلت هذه الآية في علي بن أبي طالب وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن سعد عن أم الأسود سرية الربيع بن خيثم قالت: كان الربيع يعجبه السكر يأكله، فإذا جاء السائل ناوله فقلت: ما يصنع بالسكر الخبز له خير، قال: إني سمعت الله يقول: ﴿ ويطعمون الطعام على حبه ﴾ .

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ يوماً عبوساً ﴾ قال: ضيقاً ﴿ قمطريراً ﴾ قال: طويلاً.

وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك «عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ يوماً عبوساً قمطريراً ﴾ قال: يقبض ما بين الأبصار» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر من طرق ابن عباس قال: القمطرير الرجل المنقبض ما بين عينيه ووجهه.

وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ يوماً عبوساً قمطريراً ﴾ قال: الذي ينقبض وجهه من شدة الوجع.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر وهو يقول: ولا يوم الحسار وكان يوماً ** عبوساً في الشدائد قمطريراً قال: أخبرني عن قوله: ﴿ ولا زمهريراً ﴾ قال: كذلك أهل الجنة لا يصيبهم حر الشمس فيؤذيهم، ولا البرد.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الأعشى وهو يقول: برهوهة الخلق مثل العتيق ** لم تر شمساً ولا زمهريراً وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة ﴿ يوماً عبوساً قمطريراً ﴾ قال: يوماً تقبض فيه الحياة من شدته.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ يوماً ﴾ قال: يوم القيامة ﴿ عبوساً ﴾ قال: العابس الشفتين ﴿ قمطريراً ﴾ قال: تقبض الوجوه بالسوء، وفي لفظ انقباض ما بين عينيه ووجهه.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ﴿ ولقاهم نضرة وسروراً ﴾ قال: نضرة في وجوههم وسروراً في صدورهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن ﴿ ولقاهم نضرة ﴾ قال: في الوجوه ﴿ وسروراً ﴾ قال: في الصدور والقلوب.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ ولقاهم نضرة وسروراً ﴾ قال: نضرة في وجوههم وسروراً في قلوبهم ﴿ وجزاهم بما صبروا جنة وحريراً ﴾ قال: الصبر صبران صبر على طاعة الله وصبر عن معصية الله ﴿ متكئين فيها على الأرائك ﴾ قال: كنا نحدث أنها الحجال على السرر ﴿ لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً ﴾ قال: علم الله تبارك وتعالى أن شدة الحر تؤذي، وأن شدة البرد تؤذي، فوقاهم الله عذابهما جميعاً.

قال: وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم حدث أن جهنم اشتكت إلى ربها فنفسها في كل عام نفسين، فشدة الحر من حرها، وشدة البرد من زمهريرها.

وأخرج عبد الرزاق وابن مردويه عن الزهري في قوله: ﴿ لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً ﴾ قال: حدثني أبو سلمة عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اشتكت النار إلى ربها، فقالت: يا رب أكل بعضي بعضاً فنفسني، فجعل لها في كل عام نفسين نفساً في الشتاء، ونفساً في الصيف.

فشدة البرد الذي تجدون من زمهرير جهنم، وشدة الحر الذي تجدون من حر جهنم» .

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي وابن مردويه من طرق عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اشتكت النار إلى ربها فقالت: رب أكل بعضي بعضاً، فجعل لها نفسين نفساً في الشتاء، ونفساً في الصيف، فشدة ما تجدونه من البرد من زمهريرها، وشدة ما تجدونه في الصيف من الحر من سمومها» .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ ولا زمهريراً ﴾ قال: برداً مقطعاً.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة قال: الزمهرير هو البرد الشديد.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: الزمهرير إنما هو لون من العذاب، إن الله تعالى قال: ﴿ لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً ﴾ .

وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن أبي سعيد الخدري أو أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا كان يوم حار ألقى الله سمعه وبصره إلى أهل السماء وأهل الأرض، فإذا قال العبد لا إله إلا الله ما أشد حر هذا اليوم!

اللهم أجرني من حر جهنم، قال الله عز وجل لجهنم إن عبداً من عبيدي استجار بيّ منك، وإني أشهدك أني قد أجرته، وإذا كان يوم شديد البرد ألقى الله سمعه وبصره إلى أهل السماء وأهل الأرض، فإذا قال العبد: لا إله إلا الله، ما أشد برد هذا اليوم اللهم أجرني من زمهرير جهنم قال الله لجهنم: إن عبداً من عبيدي استجارني من زمهريرك، وإني أشهدك أني قد أجرته.

فقالوا وما زمهرير جهنم؟

قال كعب: بيت يلقى فيه الكافر فيتميز من شدة بردها بعضه من بعض» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال: الجنة سجسج لا قر فيها ولا حر.

أخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وهناد بن السري وعبد بن حميد وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث عن البراء بن عازب في وقوله: ﴿ ودانية عليهم ظلالهاً ﴾ قال: قريبة ﴿ وذللت قطوفها تذليلاً ﴾ قال: إن أهل الجنة يأكلون من ثمار الجنة قياماً وقعوداً ومضطجعين وعلى أي حال شاؤوا، وفي لفظ قال: ذللت لهم فيتناولون منها كيف شاؤوا.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ﴿ وذللت قطوفها تذليلاً ﴾ قال: إن قعدوا نالوها.

وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك ﴿ وذللت قطوفها تذليلاً ﴾ قال: أدنيت منهم يتناولونها وهم متكئون.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ وذللت قطوفها تذليلاً ﴾ قال: أدنيت منهم يتناولونها إن قام ارتفعت بقدره، وإن قعد تدلت حتى ينالها، وإن اضطجع تدلت حتى ينالها، فذلك تذليلها.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن مسعود قال: يقول غلمان أهل الجنة من أين نقطف لك؟

من أين نسقيك؟.

وأخرج ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور وابن المنذر والبيهقي عن مجاهد قال: أرض الجنة ورق، وترابها مسك، وأصول شجرها ذهب وورق، وأفنانها اللؤلؤ والزبرجد والورق والثمار بين ذلك، فمن أكل قائماً لم يؤذه ومن أكل مضطجعاً لم يؤذه، ومن أكل جالساً لم يؤذه ﴿ وذللت قطوفها تذليلاً ﴾ وفي لفظ إن قام ارتفعت بقدره، وإن قعد تدلت حتى ينالها، وإن اضطجع تدلت حتى ينالها فذلك تذليلها.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ ويطاف عليهم بآنية من فضة ﴾ الآية، قال: صفاء القوارير في بياض الفضة ﴿ قدروها تقديراً ﴾ قال: قدرت على قدر رأي القوم.

وأخرج عبد بن حميد عن الشعبي أنه كان يقرأ ﴿ قدرها ﴾ برفع القاف.

وأخرج عن الحسن أنه قرأها بنصب القاف.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي في البعث من طريق العوفي عن ابن عباس قال: آنية من فضة وصفاؤها كصفاء القوارير ﴿ قدروها تقديراً ﴾ قال: قدرت للكف.

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور والبيهقي في البعث من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: لو أخذت فضة من فضة الدنيا فضربتها حتى جعلتها مثل جناح الذباب لم ير الماء عن ورائها، ولكن قوارير الجنة بياض الفضة في صفاء القوارير.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ليس في الجنة شيء إلا قد أعطيتم في الدنيا شبهه إلا ﴿ قوارير من فضة ﴾ .

وأخرج ابن المنذر عن قتادة قال: لو اجتمع أهل الدنيا على أن يعملوا إناء من فضة يرى ما فيه من خلفه كما يرى في القوارير ما قدروا عليه.

وأخرج الفريابي من طريق مجاهد عن ابن عباس في قوله: ﴿ قدروها تقديراً ﴾ قال: أتوا بها على قدرهم، لا يفضلون شيئاً ولا يشتهون بعدها شيئاً.

وأخرج ابن أبي شيبة وهناد وعبد بن حميد عن مجاهد قال: الآنية الأقداح، والأكواب الكوكبات، وتقديرها أنها ليست بالملأى التي تفيض، ولا ناقصة بقدر.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس ﴿ قدروها تقديراً ﴾ قال: قدرتها السقاة.

وأخرج عبد بن حميد عن الشعبي في قوله: ﴿ قوارير من فضة ﴾ قال: صفاؤها صفاء القوارير وهي من فضة.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ﴿ كان مزاجها زنجبيلاً ﴾ قال: يمزج لهم بالزنجبيل.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ كان مزاجها زنجبيلاً ﴾ قال: يأثر لهم ما كانوا يشربون في الدنيا فيجيء إليهم بذلك.

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أربع عيون في الجنة عينان تجريان من تحت العرش إحداهما التي ذكر الله ﴿ يفجرونها تفجيراً ﴾ والأخرى الزنجبيل، وعينان نضاختان من فوق إحداهما التي ذكر الله سلسبيلاً والأخرى التسنيم» .

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وهناد وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي عن مجاهد في قوله: ﴿ عيناً فيها تسمى سلسبيلاً ﴾ قال: حديدة الجرية.

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك ﴿ عيناً فيها تسمى سلسبيلاً ﴾ قال: عين الخمرة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ﴿ تسمى سلسبيلاً ﴾ قال: تجري سلسلة السبيل.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ عيناً فيها تسمى سلسبيلاً ﴾ قال: سلسلة فيها يصرفونها حيث شاؤوا، وفي قوله: ﴿ حسبتهم لؤلؤاً منثوراً ﴾ قال: من حسنهم.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال: بينا المؤمن على فراشه إذ أبصر شيئاً يسير نحوه، فجعل يقول: لؤلؤ فإذا ولدان مخلدون كما وصفهم الله، وهي الآية ﴿ إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤاً منثوراً ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا أولهم خروجاً إذا خرجوا، وأنا قائدهم إذا وفدوا، وأنا خطيبهم إذا أنصتوا، وأنا مستشفعهم إذا جلسوا، وأنا مبشرهم إذا أيسوا، الكرامة والمفاتيح بيدي، ولواء الحمد بيدي، وآدم ومن دونه تحت لوائي، ولا فخر، يطوف عليهم ألف خادم كأنهم بيض مكنون أو لؤلؤ منثور» .

وأخرج ابن المبارك وهناد وعبد بن حميد والبيهقي في البعث عن ابن عمرو رضي الله عنه قال: إن أدنى أهل الجنة منزلاً من يسعى عليه ألف خادم كل واحد على عمل ليس عليه صاحبه.

وأخرج الحاكم والبيهقي في البعث عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه ذكر ركب أهل الجنة ثم تلا ﴿ وإذا رأيت ثم رأيت نعيماً وملكاً كبيراً ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير والبيهقي عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإذا رأيت ثم رأيت نعيماً وملكاً كبيراً ﴾ قال: هو استئذان الملائكة لا تدخل عليهم إلا بإذن.

وأخرج ابن جرير عن سفيان في قوله: ﴿ وملكاً كبيراً ﴾ قال: بلغنا أنه استئذان الملائكة عليهم.

وأخرج ابن وهب عن الحسن البصري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أدنى أهل الجنة منزلة الذي يركب في ألف ألف من خدمة من الولدان المخلدين، على خيل من ياقوت أحمر، لها أجنحة من ذهب ﴿ وإذا رأيت ثم رأيت نعيماً وملكاً كبيراً ﴾ » .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة قال: «دخل عمر بن الخطاب رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو راقد على حصير من جريد قد أثر في جنبه، فبكى عمر، فقال: ما يبكيك؟

فقال: ذكرت كسرى وملكه وقيصر وملكه وصاحب الحبشة وملكه، وأنت رسول الله على حصير من جريد، فقال: أما ترضى أن لهم الدنيا ولنا الآخرة؟

فأنزل الله: ﴿ وإذا رأيت ثم رأيت نعيماً وملكاً كبيراً ﴾ » .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي الجوزاء أنه كان يقرأ ﴿ عاليهم ثياب سندس خضر ﴾ قال: علت الخضرة أكثر ثياب أهلها الخضرة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ شراباً طهوراً ﴾ قال: ما ذكر الله من الأشربة.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ شراباً طهوراً ﴾ قال: ما ذكر الله من الأشربة.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن أبي قلابة رضي الله عنه ﴿ وسقاهم ربهم شراباً طهوراً ﴾ قال: إذا أكلوا أو شربوا ما شاء الله من الطعام والشراب دعوا الشراب الطهور فيشربون، فيطهرهم فيكون ما أكلوا وشربوا جشاء بريح مسك يفيض من جلودهم، ويضمر لذلك بطونهم.

وأخرج هناد وعبد بن حميد وابن المنذر عن إبراهيم التيمي في هذه الآية ﴿ وسقاهم ربهم شراباً طهوراً ﴾ قال: عرق يفيض من أعراضهم مثل ريح المسك.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن إبراهيم التيمي قال: بلغني أنه يقسم للرجل من أهل الجنة شهوة مائة رجل من أهل الدنيا، وأكلهم ونهمتهم، فإذا أكل سقي شراباً طهوراً يخرج من جلده رشحاً كرشح المسك ثم تعود شهوته.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وكان سعيكم مشكوراً ﴾ فقال: لقد شكر الله سعياً قليلاً.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ ﴾ مفعول رأيت محذوف ليكون الكلام على الاطلاق في كل ما يرى فيها، وثم ظرف مكان، وقال الفراء: تقديره إذا رأيت ما ثم فما مفعوله ثم حذفت، قال الزمخشري: وهذا خطاب لأن ثمَّ صلة لما، ولا يجوز حذف الموصول وترك الصلة ﴿ وَمُلْكاً كَبِيراً ﴾ يعني كثرة ما أعطاهم الله، حتى إذا أدنى أهل الجنة منزلة له مثل الدنيا وعشرة أمثاله معه، حسما ورد في الحديث وقيل: أراد أن الملائكة تسلم عليهم، وتستأذن عليهم، فهم بذلك كالملوك ﴿ عَالِيَهُمْ ﴾ بسكون الياء مبتدأ خبره ﴿ ثِيَابُ سُندُسٍ ﴾ أي ما يعلوهم من الثياب ثيابُ سندس، وقُرئ عالِيَهم بالنصب على الحال، من الضمير في يطوف عليهم أو في حسبتهم.

وقال ابن عطية: العامل فيه لقَّاهم أو جزاهم، وقال أيضاً يجوز أن ينتصب على الظرف لأن معناه فوقاهم، وقد ذكرنا معنى السندس والإستبرق وقرئ ﴿ خُضْرٌ ﴾ بالخفض صفة لسندس وبالرفع صفة لثياب ﴿ وَإِسْتَبْرَقٌ ﴾ بالرفع عطف على ثياب، وبالخفض عطف على سندس ﴿ وحلوا ﴾ وزنه فعلوا معناه جعل لهم حلي ﴿ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ ﴾ ذكرنا الأساور في الكهف، فإن قيل: كيف قال هنا أساور من فضة، وفي موضع أساور من ذهب؟

فالجواب: أن ذلك يختلف باختلاف درجات أهل الجنة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما» فلعل الذهب للمقربين، والفضة لأهل اليمين، ويتحمل أن يكون أهل الجنة لهم أساور من فضة ومن ذهب معاً ﴿ شَرَاباً طَهُوراً ﴾ أي ليس بنجس كحمر الدنيا.

وقيل معناه: أنه لم تعصره الأقدام، وقيل معناه لا يصير بولاً ﴿ إِنَّ هذا كَانَ لَكُمْ جَزَآءً ﴾ أي يقال لهم هذا يقوله الله تعالى والملائكة ﴿ آثِماً أَوْ كَفُوراً ﴾ أو هنا للتنويع، فالمعنى لا تطع النوعين، فاعلاً للإثم ولا كفوراً، وقيل: هي بمعنى الواو أي جامعاً للوصفين لأن هذه حالة الكفار، ورُوي أنه الآية نزلت في أبي جهل، وقيل: أن الآثم عتبة بن ربيعة، والكفور الوليد بن المغيرة، والأحسن أنها على العموم، لأن لفظها عام، وإن كان سبب نزولها خاصاً ﴿ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ﴾ هذا أمر بذكر الله في كل وقت، وقيل: إشارة إلى الصلوات الخمس، فالبكرة صلاة الصبح، والأصيل الظهر والعصر، ومن الليل المغرب والعشاء.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ سلاسلاً ﴾ بالتنوين والوقف بالألف: أبو جعفر ونافع وعلي وأبو بكر وحماد وهشام ﴿ سلاسل ﴾ في الحالين: ابن كثير وحمزة وخلف وسهل ويعقوب يصلون بغير ألف ويقفون بالألف ﴿ قوارير قوارير ﴾ غير مصروفين في الحالين: حمزة ويعقوب كلاهما بالتنوين والوقف بالألف والثاني بغير الألف في الحالين.

الباقون كلاهما بغير تنوين والوقف على الأول بالألف.

﴿ لؤلؤاً ﴾ بالواو في الأول: شجاع ويزيد وأبو بكر وحماد.

الآخرون: بهمزتين.

﴿ عاليهم ﴾ بسكون الياء وكسر الهاء: أبو جعفر ونافع وحمزة والمفضل الباقون: بفتح الياء وضم الهاء ﴿ خضر واستبرق ﴾ بالرفع فيهما ﴿ وإستبرق ﴾ بالخفص: ابن كثير والمفضل وأبو بكر وحماد.

الآخرون: بالخفض فيهما ﴿ وما يشاؤن ﴾ على الغيبة: ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو.

الوقوف: ﴿ مذكوراً ﴾ ه ﴿ أمشاج ﴾ لا قد قيل يوقف عليه لئلا يوهم أن ﴿ نبتليه ﴾ صفة له لأنه حال من ﴿ خلقنا ﴾ أي خلقناه مريدين ابتلاءه والوهم المذكور زائل لأن ضمير المفعول في ﴿ نبتليه ﴾ واحد والأمشاخ جمع.

﴿ بصيراً ﴾ ه ﴿ كفوراً ﴾ ه ﴿ سعيراً ﴾ ه ﴿ كافوراً ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون ﴿ عيناً ﴾ بدلاً ﴿ تفجيراً ﴾ ه ﴿ مستطيراً ﴾ ه ﴿ شكوراً ﴾ ه ﴿ قمطريراً ﴾ ه ﴿ سروراً ﴾ ه ج ﴿ على الأرائك ﴾ ط لاحتمال ما بعده الحال والإستئناف ﴿ زمهريراً ﴾ ه ج لما يعرف في التفسير ﴿ تذليلاً ﴾ ه ﴿ كانت قوارير ﴾ ه لا وقيل: بوقف عليه وليس به لأن الثانية بدل من الأولى ﴿ تقديراً ﴾ ه ﴿ زنجبيلاً ﴾ ه ج لما مر في ﴿ كافوراً ﴾ ﴿ سلسبيلاً ﴾ ه ج ﴿ مخلدون ﴾ ه بناء على أن ﴿ حسبتهم ﴾ صفة الولدان والظرف عارض ﴿ منثوراً ﴾ ه ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ واستبرق ﴾ ك لاختلاف الجملتين مع أن وجه الحال في الواو واضح أي وقد حلوا ﴿ فضة ﴾ ج لأن الواو ويحتمل الحال والإستئناف وهذا أولى لإفراد هذه النعمة العظيمة عن سائر النعم ﴿ طهوراً ﴾ ه ط ﴿ مشكوراً ﴾ ه ﴿ تنزيلاً ﴾ ه ج للآية مع الفاء ﴿ أو كفوراً ﴾ ه ﴿ أصيلاً ﴾ ه ج لما ذكرنا ﴿ طويلاً ﴾ ه ﴿ ثقيلاً ﴾ ه ﴿ أسرهم ﴾ ج ﴿ تبديلاً ﴾ ه ﴿ تذكرة ﴾ ج ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ أن يشاء الله ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه والوصل أوجه بناء على أن الجملة صفة ﴿ في رحمته ﴾ ط ﴿ أليماً ﴾ ه.

التفسير: اتفقوا على أن " هل " ههنا وفي " الغاشية " بمعنى " قد " وهذا ما ذهب إليه سيبويه قال: وإنما تفيد معنى الاستفهام حيث تفيده لتقدير الهمزة، وإنما حذفت الهمزة لكثرة الاستعمال والدليل على تقدير الهمزة، وإنما حذفت الهمزة لكثرة الاستعمال والدليل على تقدير الهمزة، جواز إظهارها مع " هل " كقوله: سائل فوارس يربوع بشدتنا *** أهل رأونا بسفح القاع ذي الأكم؟

ويربوع أبو حي من تميم، ومعنى الآية أقد أتى.

فالإستفهام يفيد التقرير وقد تفيد التقريب فيكون حاصله أنه ﴿ أتى على الإنسان ﴾ قبل زمان قريب ﴿ حين من الدهر ﴾ وهو طائفة من الزمان غير محدود.

وعن ابن عباس وابن مسعود أن الإنسان ههنا آدم والحين محدود وذلك أنه مكث أربعين سنة طيناً إلى أن نفخ فيه الروح فصار شيئاً مذكوراً بعد أن كان كالمنسي وفي رواية عنه قال: أقام من طين أربعين سنة، ومن صلصال أربعين.

ثم من حمأ مسنون أربعين، ثم خلقه بعد مائة وعشرين وإطلاق الإنسان عليه قبل نفخ الروح فيه من باب إطلاق الخمر على العصير.

ويجوز أن يراد قد أتى على هذا الذي هو الآن إنسان بالفعل زمان لم يكن هو فيه إنساناً إلا بالقوّة وهذا صادق على آدم كما قلنا، وعلى بنيه أيضاً عند الأكثرين.

ولعل هذه الآية كالتقدمة والتوطئة للتي تعقبها، وكالتأكيد لخاتمة السورة المتقدمة.

وقوله ﴿ لم يكن ﴾ محله رفع على أنه نعت ﴿ حين ﴾ أو نصب على الحال من الإنسان لأنه في تقدير المفعول ويروى أن الصديق لما سمع هذه الآية قال: أيتها تمت أي ليت تلك الحالة تمت وهي كونه غير مذكور لم يخلق ولم يكلف.

وقيل: الإنسان آدم كما ذكرنا ولكن الحين هو الستة الأيام التي خلق الله فيها السموات والأرض ثم فرغ لخلق آدم في عصر يوم الجمعة.

وقيل: الإنسان عام والحين مدة فترة الرسل وقيل: الحين مدة لبثه في بطن أمه.

قال ابن الأعرابي وطائفة من أهل اللغة: الأمشاج جمع مشيج وأمشاج فوصف المفرد بها جميعاً نحو برمة أعشار للقدر المتكسرة قطعاً، وثوب أكياش للذي فتل غزله مرتين.

يقال عليك بالثوب الأكياش فإنه من لباس الأكياس.

والمعنى من نطفة قد امتزج فيها الماآن ماء الرجل.

وهو أبيض غليظ - وماء المرأة - وهو أصفر رقيق - والأول يخرج من الصلب، والثاني يخرج من الترائب، فما كان من عصب وعظم فيمن نطفة الرجل، وما كان من لحم ودم فمن ماء المرأة.

عن ابن مسعود: هي عروق النطفة.

وقال الحسن: أي مزجت بدم الحيض الذي فيه غذاء الجنين، وعن قتادة: هي أطوارها نطفة ثم علقة ثم مضغة وذهب إلى أنها العناصر وبالجملة فإنها عبارة عن انتقال النطفة من حال إلى حال ولهذا فسر الإبتلاء بعضهم بهذا الإنتقال ومنه قول ابن عباس ﴿ نبتليه ﴾ أي نصرفه في بطن أمه نطفة ثم علقة.

والأظهر أن حاصل المعنى خلقناه من أمشاج لا للعبث بل للإبتلاء والإمتحان.

ثم ذكر أنه أعطاه ما يصح معه الابتلاء وهو السمع والبصر اللذان هما أشرف الحواس ولهذا خصا بالذكر.

وفيه إشارة إلى أن الحواس السليمة أسباب كلية لتحصيل الكمالات النفسية فمن فقد حساً فقد علماً.

وقيل: في الآية تقديم وتأخير، ونبتليه معناه لنبتليه كقولك لرجل: جئتك أقضي حقك أي لأقضي حقك.

والمعنى جعلناه سميعاً بصيراً لنبتليه.

ثم أخبر أنه بعد أن ركبه وأعطاه الحواس الظاهرة والباطنة أوضح له بواسطة أن آتاه العقل السليم سبيل الهدى والضلالة.

فقوله ﴿ شاكر أو كفوراً ﴾ حالان من مفعول ﴿ هدينا ﴾ أي مكناه وأقدرناه في هاتين الحالتين وقيل: تقديره هديناه السبيل فيكون إما شاكراً أو كفوراً.

وفيه جهة الوعيد أي فإن شاء فليكفر وإن شاء فليشكر فإنا أعتدنا للكافرين كذا وللشاكرين كذا.

وجوز أهل العربية أن يكونا حالين من السبيل على الإسناد المجازي لأن وصف السبيل بالشكر والكفر مجاز، وهذه الأقاويل تناسب أصول المعتزلة.

أما الذي اختاره الفراء وهو مطابق لمذهب أهل السنة أن تكون " إما " في هذه الآية كما في قوله ﴿ وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم  ﴾ والمعنى هديناه السبيل ثم جعلناه تارة شاكراً تارة كفوراً.

والمراد بالشكراً لإقرار بالله وبالكفر إنكاره حتى لا يكون بين الفريقين واسطة.

ويجز أن يريد بالشاكر المطيع وبأهل الكفر كل من سواه كان كفرانه مطلقاً وهو الكافر بالله، أو ببعض المعاصي وهو الفاسق.

قوله ﴿ سلاسل ﴾ من قرأه بالتنوين فإنه صرفه لمناسبة.

قال الأخفش: سمعنا من العرب صرف جميع مالا يصرف وهذه لغة الشعراء اضطروا إليه في الشعر فجرت ألسنتهم بذلك في النثر أيضاً.

وقيل: إنه مختص بهذه الجموع لأنها أشبهت الآحاد لهذا جاز " صواحبات يوسف".

وجوز في الكشاف أن يكون هذا التنوين بدلاً من حرف الإطلاق ويجري الوصل مجرى الوقف، ومثله ﴿ قوارير ﴾ فيمن قرأ بالتنوين، والاعتاد الإعداد، والسلاسل للأرجل والأغلال للأيدي والأبرار جمع برّ وبار.

عن الحسن: هم الذين لا يؤذون الذّر ﴿ من كأس ﴾ أي إناء فيه الشراب.

وقال ابن عباس ومقاتل: هو الخمر بعينها، والمزاج ما يمزج به، والكافور إسم عين في الجنة ماؤها في بياض الكافور ورائحته وبرده ولكن لا يكون فيه طعم الكافور ولا مضرته، والمضاف محذوف ماء كافور.

والحاصل أن ذلك الشراب يكون ممزوجاً بماء هذا العين قيل: " كان " زائدة والأظهر أنها مفيدة ولكناه مسلوبة الدلالة على المضي كقوله ﴿ وكان الله عليماً حكيماً  ﴾ عن قتادة: يمزج لهم بالكافور ويختم لهم بالمسك.

وقيل: يخلق فيه رائحة الكافور وبياضه وبرده فكأنها مزجت بالكافور.

قال جار الله: فقوله ﴿ عيناً ﴾ على هذين القولين بدل من محل ﴿ كأس ﴾ على تقدير حذف مضاف كأنه قال: يشربون خمراً خمر عين، أو نصب على الإختصاص.

ولا خلاف بين العلماء أن عباد الله في الآية مختص بالمؤمنين الأبرار فغلب على ظنهم أن العباد المضاف إلى اسم الله  مخصوص في إصطلاح القرآن بالأخيار، وعلى هذا يسقط إستدلال المعتزلة بقوله ﴿ ولا يرضى لعباده الكفر  ﴾ كما مر في أول الزمر.

وإنما قال أولاً ﴿ يشربون من كأس ﴾ وآخراً ﴿ يشرب بها ﴾ لأن الكأس هي مبدأ شربهم وأما العين فإنما يمزجون بها شرابهم فالباء بمعنى " مع " مثل " شربت الماء بالعسل" ﴿ يفجرونها ﴾ يجرونها حيث شاؤا من منازلهم ﴿ تفجيراً ﴾ سهلاً " قال مؤلف الكتاب": لا يبعد أن يكون الخمر عبارة عن العلوم اللدنية الحاصلة بالذوق والمكاشفة.

والكافور عبارة عن المعارف الحاصلة بواسطة البدنية، ومزاجها تركيبها على الوجه الموصل إلى تحصيل لذات وكمالات أخر، وتفجرها إشارة إلى اتصالها إلى أهلها من النفوس المستعدة لذلك.

قال أهل النظم: حين وصف سعادة الأبرار كان لسائل أن يسأل: ما لهم يرزقون ذلك؟

فأجاب بقوله ﴿ يوفون بالنذر ﴾ وفيه أن الذي وفى بما أوجبه على نفسه لوجه الله كان بما أوجبه الله عليهأوفى.

ذكر الواحدي في البسيط والزمخشري في الكشاف وكذا الإمامية أطبقوا على أن السورة نزلت في أهل بيت النبي  ولا سيما في هذه الآي.

يروى عن ابن عباس أن الحسن والحسين مرضاً فعادهما رسول الله  في ناس معه فقال: يا أبا الحسن لو نذرت على ولدك فنذر علي وفاطمة وفضة جارية لهما إن أبرأهما الله يصوموا ثلاثة أيام فشفيا وما معهما شيء، فاستقرض علي من شمعون الخيبري اليهودي ثلاث أصوع من شعير فطحنت فاطمة منها صاعاً واختبزت خمسة أقراص على عددهم، فوضعوها بين أيديهم ليفطروا فوقف عليهم سائل فقال: السلام عليكم يا أهل محمد، مسكين من مساكين المسلمين أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنة فآثروه وباتوا ولم يذوقوا إلا الماء وأصبحوا صياماً.

فلما أمسوا ووضعوا الطعام بين أيديهم وقف عليهم يتيم فآثروه.

ووقف عليهم في الثالثة أسير ففعلوا مثل ذلك.

فلما أصبحوا أخذ علي  بيد الحسن والحسين إلى رسول الله  فلما أبصرهم وهم يرتعشون كالفراخ من شدة الجوع قال: ما أشد ما يسوءني ما أرى بكم.

وقام وانطلق معهم فرأى فاطمة في محرابها قد لصق ظهرها ببطنها وغارت عيناها فساءه ذلك فنزل جبرائيل وقال: خذها يا محمد هنأك الله في أهل بيتك فاقرأه السورة.

ويروى أن السائل في اللياللي جبرائيل أراد بذلك ابتلاءهم بإذن الله  .

ووصفهم الله  بالخوف من أهوال القيامة في موضعين أولاً في قوله ﴿ ويخافون يوماً كان شره مستطيراً ﴾ أي مكروهه مستطيراً فاشياً منتشراً من استطار الحريق، ومنه الفجر المستطير وأصله منطار.والغرض أنه تسع مكاره ذلك اليوم جميع المكلفين حتى الأنبياء يقولون: نفيس إلا نبينا محمد فإنه يقول " أمتي أمتي " والسموات يتفطرن والكواكب ينتثرن إلى غير ذلك من المكاره والأهوال.

ولا ينافي هذا أمن المسلمين في الآخرة على قال ﴿ لا يحزنهم الفزع الأكبر  ﴾ وثانياً في قوله ﴿ إنا نخاف من ربنا يوماً عبوساً ﴾ وإذا كان حال أهل بيت النبي  أو حال الأبرار على العموم في الخوف من الله إلى هذه الغاية فغيرهم أولى بالخوف.

وأما الضمير في ﴿ حبه ﴾ فللطعام أي مع اشتهائه والحاجة إليه كقوله ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون  ﴾ ﴿ ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة  ﴾ وقال الفضيل بن عياض: أي على حب الله عز وجل نظير الآية قوله ﴿ وآتى المال على حبه  ﴾ وعنى المسكين واليتيم قد عرف مراراً، وأما الأسير فعن سعيد بن جبير وعطاء: هو الأسير من أهل القبلة.

وعن أبي سعيد الخدري: هو المملوك والمسجون.

وسمى رسول الله  الغريم أسيراً فقال "غريمك أسيرك فأحسن أسيرك" وقد سمى الزوجة أسيراً فقال "اتقوا الله في النساء فإنهن عوان عندكم" أي أسراء.عنالحسن: كان رسول الله  يؤتى بالأسير فيدفعه إلى بعض المسلمين فيقول: أحسن إليه فيكون عنده اليومين والثلاثة فيؤثره على نفسه.

وعند عامة العلماء يجوز الإحسان إلى الكفار في دار الإسلام ولا تصرف إليهم الواجبات.

والإحسان إليهم في الحال إلى أن يرى الإمام فيهم ما يرى من قتل أو من أو فداء أو إسترقاق، لا ينافي احتمال حكم الإمام عليهم بالقتل في المآل لأن سد خلتهم بالإطعام واجب على الفور وذلك يحتمل التراخي كما في حق من يلزمه القصاص ولم يكن له مال.

ثم هذا الإطعام يجب أولاً على الإمام فإن لم يفعله وجب على المسلمين.

قال قتادة: كان أسيرهم يومئذ المشرك فأخوك المسلم أحق أن تطعمه.

ثم الإطعام ليس بواجب على التعيين ولكن الواجب مواساتهم بأي وجه كان.

وإنما عبر عن ذلك بالإطعام لأن سبب النزول كان كذلك، ولأن المقصود الأعظم من أنواع الإحسان الطعام الذي به قوام البدن.

يقال: أكل فلان مال فلان إذا أتلفه بأي وجه كان، وإن لم يكن بالأكل نفسه.

قوله ﴿ إنما نطعمكم لوجه الله ﴾ لرضاه خاصة.

ولا بد من إضمار القول.

ثم إن هذا القول يجوز أن يكون منهم باللسان منعاً للسائل عن المجازاة بمثله، أو بالشكر ليقع إطعامهم خالصاً لله.

ويجوز أن يكون بنطق الحال.

قال مجاهد: إما إنهم ما تكلموا بذلك ولكن الله علم ذلك منهم فكشف عن نيتهم وأثنى عليهم.

وفيه تنبيه على ما ينبغي أن يكون عليه المطعم بل كل عامل من إخلاص عمله لله.

عن عائشة  ا أنها كانت تبعث بالصدقة إلى هل بيت ثم تسأل الرسول ما قالوا فإن ذكر دعاء دعت لهم بمثله ليبقى ثواب الصدقة لها خالصاً.

والشكور مصدر كالكفور ولو فتحت أولهما عاد المعنى مبالغة في شاكر وكافر.

قوله ﴿ إنا نخاف ﴾ ظاهرة أنه تعليل للإطعام ويجوز أن يكون تعليلاً لعدم إرادة المجازاة.

ووصف اليوم بالعبوس مجاز وذلك بطريقين أحدهما: أن يشبه في ضرره وشدته بالأسد العبوس أو بالشجاع الباسل.

والثاني أن يوصف بصفة أهله من الأشقياء.

يروى أن الكافر يعبس يومئذ حتى يسيل من بين عينيه عرق مثل القطران.

والقمطرير أشد ما يكون من الأيام وأطوله بلاء وأصله الشديد العبوس الذي يجمع ما بين عينيه.

والتركيب يدل على الجمع ومنه القمطر خريطة يجمع فيه الكتب، واقمطرت الناقة إذا رفعت ذنبها وجمعت قطريها وزمت بأنفها قاله الزجاج: فأصله من القطر وجعل الميم زائدة والظاهر أنها أصلية.

وحين أخبر عن أعمال الأبرار وإخلاصهم ذكر ما سيجزيهم على ذلك وأكد تحقيق الوعد بأن عبر عنه بصيغة الماض قائلاً ﴿ فوقاهم الله شر ذلك اليوم ﴾ أي مكروهه فإن كل ما يشق على النفس وتكرهه فهو شر بالإضافة إليها، وإن كان خيراً في نفس الأمر مشتملاً على الحكم والفوائد كالقصاص وسائر الحدود ﴿ ولقاهم ﴾ أعطاهم ﴿ نضرة ﴾ في الوجوه ﴿ سروراً ﴾ في القلوب بدل عبوس الكفرة وحزنهم ﴿ وجزاهم بما صبروا ﴾ على التكاليف أو الإيثار المؤدي إلى إفناء المال المستتبع للجزع ﴿ جنة وحريراً ﴾ أي بستاناً فيه مأكل هنيّ ولباساً له منظر بهيّ قال الأخفش والزجاج ﴿ متكئين ﴾ نصب على الحال من مفعول ﴿ جزاهم ﴾ وقيل: على المدح.

وقيل: حال من الجنة.

وضعف لأنه يستدعي إبراز الضمير بأن يقال: متكئين فيها هم.

والزمهرير شدة البرد.

والأظهر أن الميم والهاء أصليتان لعدم النظير لو جعل أحدهما زائداً، والمعنى أن هواءها معتدل.

وفي الحديث " "هواء الجنة سجسج لا حر ولا قر " وعن ثعلب أن الزمهرير هو القمر بلغة طير واشتقاقه من الزهر، والمراد أن الجنة لضيائها لا تحتاج إلى شمس ولا قمر.

قوله ﴿ ودانية ﴾ ذكر الأخفش والكسائي والفراء والزجاج أنه معطوف على ﴿ متكئين ﴾ كما تقول في الدار عبد الله متكئاً ومرسلة عليه الحجال، وإن جعلنا قوله ﴿ لا يرون ﴾ حالاً صارت الأحوال ثلاثاً والتقدير.

وجزاهم متكئين فيها على الأرائك غير رائين فهيا هواء مؤذياً ودانية عليهم الظلال.

ودخلت الواو في الثالثة للدلالة على الإجتماع كأنه قيل: وجزاهم جنة متكئين فيها على الأرائك جامعين فيها بين البعد عن الحر والرد وبين الدنو من الظلال.

ويجوز أن يكون ﴿ دانية ﴾ معطوفاً على ﴿ جنة ﴾ لأنهم وصفوا بالخوف.

وقد قال  ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان  ﴾ والتقدير: وجزاهم جنة أخرى دانية عليهم ظلالها.

وقوله ﴿ لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً ﴾ من باب " علفتها تبناً وماء بارداً " وذلك لأن الزمهرير لا يرى أي ولا ينالون زمهريراً وإن أريد بالشمس نكاية شعاعها وحرها فمعنى لا يرون لا ينالون، ولا يخفى أن هذا الظل ليس بالمعنى المصطلح في الدنيا وهو الضوء النوراني فإنه لا شمس هناك، فمعنى دنو الظلال أن أشجار الجنة خلقت بحيث لو كان هناك شمس لكانت تلك الأشجار قريبة الظلال على أهل الجنة وقد أكد هذا المعنى بقوله ﴿ وذللت قطوفها تذليلاً ﴾ أي لا تمتنع على قطافها كيف شاؤا.

وقال ابن قتيبة: ذللت أي أدنيت من قولهم " حائط ذليل " إذا كان قصيراً قال البراء ابن عازب: من أكل قائماً لم يؤذه، ومن أكل جالساً ومضجعاً أمكنه.

وحين وصف طعامكم ولباسهم ومسكنهم واعتدال هوائه وكيفية جلوسهم فيه أخبر عن شرابهم وقد ذكر الأواني.

ومعنى ﴿ قوارير من فضة ﴾ أن جنس الآنية من الفضة إلا أن تلك الفضة في صفاء القوارير وشفافتها حتى يرى باطنها من ظاهرها، وإذا كانت قوارير الدنيا وأصلها من الحجر في غاية الصفاء والرقة بحيث تحكي ما في جوفها فما ظنك بقوارير الجنة وأصلها من الفضة؟

ومعنى كانت كما مر في قوله ﴿ كان مزاجها كافوراً ﴾ وقال في الكشاف: هو من قوله ﴿ كن فيكون  ﴾ أي تكونت قوارير بتكوين الله والمراد تفخيم تلك الخلقة العجيبة الجامعة بين صفتي الجوهرين المتباينين.

والضمير في ﴿ قدروها ﴾ إما لأهل الجنّة أي إنها جاءت كما قدروا في أنفسهم حسب شهوتهم وحاجتهم، وإما للطائفين أي قدروا شرابها على مقدار ري كل أحد من غير زيادة ونقصان.

وقريب منه قول مجاهد: لا تنقص ولا تفيض.

وقال الربيع بن أنس: إن تلك الأواني تكون مقدار ملء الكف لم تعظم فيثقل حملها.

قوله ﴿ ويسقون فيها كأساً ﴾ أي في الجنة إناء مملوأ من الخمر، ويجوز أن يكون الضمير للأواني، والكأس الخمر نفسها والعرب تحت طعم الزنجبيل في المشروب وتستلذه ولذلك وصف الله مشروبهم في الآخرة بذلك.

قال ابن عباس: وكل ما ذكر الله في القرآن مما في الجنة فليس منه في الدنيا إلا الاسم.

أما السلسبيل فقد قال ابن الأعرابي: لم أسمعه إلا في القرآن.

وقال الأكثرون اشتقاقه من السلاسة.

يقال شراب سلسل وسلسال وسلسبيل أي عذب سهل المساغ فكأن الباء واللام زيدتا للمبالغة حتى صارت الكلمة خماسية.

ويرد عليه أن الباء ليست من حروف الزيادة.

قال الزجاج: السلسبيل في اللغة صفة لما كان في غاية السلاسة.

والفائدة في تسميتها بالسلسبيل بعد تسميتها بالزنجبيل هي أنها في طعم الزنجبيل ولذته ولكن ليس فيها اللذاع الذي هو مناف للسلاسلة.

وقد نسب إلى علي بن أبي طالب  أن معناه سل سبيلاً إليها.

ووجه أن صحت الرواية بأنها حينئذ جملة سميت بها مثل " تأبط شراً " وسبب التسمية في الأصل أنه لا يشرب منها إلا من سأل إليها سبيلاً بالإيمان والعمل الصالح.

وفي بعض شعر المتأخرين: سل سبيلاً فيها إلى راحة النف *** س براح كأنها سلسبيل والظاهر منع صرفه للعملية والتأنيث ولكن لم يقرأ به إلا في الشواذ والمتواترة التنوين، ووجهه ما مر في ﴿ سلاسلاً ﴾ على أن رعاية المشاكلة أولى لكونه رأس آية.

ثم وصف خدمهم بقوله ﴿ ويطوف عليهم ولدان مخلدون ﴾ ويجوز أن يكون هذا بياناً للطائفين في قوله ﴿ ويطاف عليهم بآنية ﴾ وقد صرح به في الواقعة وزاد ههنا أن شبههم في حسنهم وصفائهم وبقائهم وتفرقهم في المجلس لأصناف الخدمة باللؤلؤ المنثور.

يحكى أن المأمون ليلة زفت إليه بوران بنت الحسن بن سهل وهو على بساط منسوج من ذهب وقد نثرت عليه نساء دار الخلافة اللؤلؤ، فنظر إليه منثوراً على ذلك البساط فاستحسن المنظر وقال: لله دّر أبي نواس كأنه شاهد مجلسنا هذا حيث قال البيت: كأن صغرى وكبرى من فواقعها *** حصباء در على أرض من الذهب وقيل: شبهوا باللؤلؤ الرطب إذا نثر من صدفه لأنه أحسن وأكثر ماء، ثم أجمل نعيمهم لأنه مما لا يحصر ولا يخطر ببال أحد ما دام في الدنيا فخاطب نبيه  أو كل راء قائلاً ﴿ وإذا رأيت ﴾ قال الفراء: مفعوله وهو الموصول مضمر تقديره ما ﴿ ثم ﴾ كقوله ﴿ لقد تقطع بينكم  ﴾ يريد ما بينكم.

وأنكر الزجاج وغيره حذف الموصول والإكتفاء بالصلة.

والذي اختاره أصحاب المعاني أن يكون المفعول متروكاً ليشيع ويعم.

والمعنى أن الرائي أينما وجد الرؤية لمي تعلق إدراكه إلا بنعيم ﴿ وملكاً كبيراً ﴾ أي واسعاً هنيئاً.

و " ثم " ظرف مكان أشير به إلى الجنة.

روي أن أدنى أهل الجنة منزلة ينظر في ملكه مسيرة ألف عام.

وقيل: الملك الكبير هو الذي لا زوال له.

وقيل: هو أنه إذا أراد شيءاً كان.

ومنهم من حمله على التعظيم وهو أن يأتي الرسول بكرامة من الكسوة والطعام والشراب والتحف إلى ولي الله وهو في منزله فيستأذن عليه ولا يدخل عليه رسول رب العزة وإن كان من الملائكة المقربين إلا بعد الإستئذان قاله الكلبي: وقال أهل العرفان: الملك الكبير هو اللذات الحقيقية والمعارف الإلهية والأسرار الربانية التي تستحقر عندها اللذات البدنية.

وعن علي أنه قرأ ﴿ ملكاً كبيراً ﴾ بفتح الميم وكسر اللام هو الله.

من قرأ ﴿ عاليهم ﴾ بسكون الياء فعلى أنه مبتدأ ﴿ وثياب سندس ﴾ خبر أي ما يعلوهم من لباسهم ثياب سندس ومن قرأ بالنصب فعلى أنه ظرف بمعنى فوق فيكون خبراً مقدماً.

ويجوز أن يكون نصباً على الحال من ضمير الأبرار أي ولقاهم نضرة وسروراً.

حال ما يكون عاليهم ثياب سندس.

أو يطوف عليهم أي على الأبرار ولدان حال ما يكون عاليهم ثياب سندس.

ويحتمل أن يكون العامل ﴿ رأيت ﴾ والمضاف محذوف والتقدير رأيت أهل نعيم وملك عاليهم ثياب سندس.

من قرأ ﴿ خضر ﴾ بالرفع فظاهر، ومن قرأ بالجر فعلى الجوار أو على أنه صفة سندس بالإستقلال لأنه جنس فكان في معنى الجمع كما يقال: أهلك الناس الدينار الصفر والدرهم البيض.

وأما الرفع في ﴿ إستبرق ﴾ فللعطف على ثياب، والجر للعطف على سندس.

وكلاهما ظاهر.

قوله ﴿ وحلوا أساور من فضة ﴾ إن كان الضمير للولدان فلا إشكال لأن أساور المخدومين تكون من ذهب كما قال  في مواضع ﴿ يحلون فيها من أساور من ذهب  ﴾ وأساور الخدام من فضة.

وإن كان الضمير للأبرار فلا إشكال أيضاً فلعلهم يسورون بالجنسين إما على المعاقبة وإما على الجمع.

وما أحسن بالمعصم أن يكون فيه سواران سوار من ذهب وسوار من فضة.

وأيضاً فالطباع مختلفة فرب إنسان يكون إستحسانه لبياض الفضة، ورب إنسان يكون إستحسانه لصفرة الذهب فالله  يعطي كل أحد بفضله ما تكون رغبته فيه أتم.

وقال بعض أهل التأويل: أساور اليد أعمالها وأكسابها التي صارت ملكات نورانية بها يتوسل إلى جوار الحضرة الصمدية كما أن الذهب والفضة في الدنيا وسائل إلى تحصيل المطالب العاجلة.

ثم ختم جزاء الأبرار بقوله ﴿ وسقاهم ربهم شراباً طهوراً ﴾ هو إما مبالغة طاهر والمراد أنها ليست بنجسة كخمور الدنيا ولا مستقذرة طبعاً لمساس الأيدي الوضرة والأقدام النجسة والدنسة، ولا تؤل إلى النجاسة ولكنها ترشح عرقاً من أبدانهم له ريح كريح المسك.

وإما مبالغة مطهر.

قال أبو قلابة: يؤتون بالطعام والشراب ممزوجاً بالكافور والزنجبيل فإذا كان ذلك سقوا هذا الشراب فتظهر بذلك بطونهم ويفيض عرق من جلودهم كريح المسك.

وذكر أصحاب التأويل أن الأنوار الفائضة من العالم العلوي متفاوتة في الصفاء والقوة والتأثير فبعضها كافورية طبعها البرد واليبس ويكون صاحبها في الدنيا في مقام الخوف والبكاء والقبض، وبعضها زنجبيلياً على طبع الحر واليبس ويكون صاحبها قليل الالتفات إلى ما سوى الله قليل المبالاة بالجسمانيات، ثم لا يزالالروح الإنساني ينتقل من نوع إلى نوع ومن مقام إلى مقام إلى أن ينتهي إلى حضرة نور الأنوار فيضمحل في نور تجليه سائر الأنوار، وهذا آخر سير الصديقين ومنتهى درجاتهم في الارتقاء إلى مدراج الكمال، فلهذا أضاف السقي إلى ذاته قائلاً ﴿ وسقاهم ربهم ﴾ ثم ختم وعدهم بقوله ﴿ إن هذا كان لكم جزاء ﴾ عن ابن عباس أن هذا المعنى إنما يقال لهم بعد دخولهم الجنة، فالقول مقدر والغرض إعلامهم أن كل ما تقدم من أصناف العطاء إنما هو جزاء أعمالهم والغرض إذاقة لذة الآخرة فإن سرورهم يزيد بذلك.

وقال آخرون: إنه ابتداء خبر من الله  لعباده في الدنيا ليعلموا في دار التكليف أن هذه الأشياء معدة في الآخرة لمن بر وأطاع.

واعلم أنه  بين في أول السورة أن الإنسان وجد بعد العدم، ثم ذكر أنه خلقه من أمشاج وهي العناصر والأخلاط والماآن ماء الرجل وماء المرأة، والأطوار المتعاقبة على النطفة أو النفس أو البدن، وعلى جميع التقادير فلذلك يدل على كونه فاعلاً مختاراً صانعاً حكيماً.

ثم أخبر أنه ما خلقه لأجل العبث ماطلاً باطلاً ولكنه خلقه للابتلاء والامتحان وأعطاه كل ما هو محتاج إليه من العقل والحواس، ثم إن مآل أمره بالجبر أو بالقدر إلى الشكر أو الكفر، أما الكفر فله السلاسل والأغلال، وأما الشاكر فله النعيم والظلال.

واختصر في العقاب وأطنب في ذكر الثواب إشارة إلى أن رحمته سبقت غضبه.

وحين فرغ من شرح أحوال الآخرة بدأ بكيفية صدور القرآن الذي منه تعليم هذه العلوم والحقائق فقال ﴿ إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلاً ﴾ وفيه أنواع من المبالغة من قبل إيقاع الضمير اسماً لأن " ثم " تكريره ومن جهة ذكر المصدر بعد الفعل ومن جهة لفظ التنزيل دون الإنزال لأن تنزيل القرآن منجماً مفرقاً أقرب إلى تسلية النبي  وتثبيت فؤاده، وحيث سلى قلبه أمره بالصبر على أذى الكفار إلى أوان تنزيل آية القتال ونهاه عن طاعة كل آثم منهم وخصوصاً الكفور فإن الكفر أعظم الآثام قال النحويون: كلمة أو مفيدة لأحد الشيئين أو الأشياء، فأورد عليه أنه يلزم في الآية أنه لا يجوز طاعة الآثم والكفور إذا تخالفا.

أما إذا توافقا فإنه يجوز طاعتهما إذ لا يبعد أن يقول السيد لعبده إذا أمرك أحد هذين الرجلين فخالفه.

أما إذا توافقا فلا تخالفهما.

والجواب أنه لا ريب أن قولك " لا تضرب زيداً أن أو عمراً" معناه في الأظهر لا تضرب زيداً ولا عمراً.ويحتمل احتمالاً مرجوحاً " لا تضرب أحدهما واضرب الآخر" إلا أن هذا الاحتمال مدفوع في الآية لقرينة الإثم والكفر فإن أحدهما إذا كان منهياً عنه فكلاهما معاً أولى لأن زيادة الشرِّ شرٌّ.

ولهذا قال الفراء: لا تطع واحداً منهما سواء كان آثماً أو كفوراً.

ولو كان العطف بالواو كان نصاً في النهي عن طاعتهما معاً، ولا يلزم منه النهي عن طاعة كل منهما على الإنفراد.

وقد خص بعض المفسرين فقال: الآثم هو عتبة لأنه كان متعاطياً لأنواع الفسوق.

والكفور هو الوليد لأنه كان شديد الشكيمة في الكفر.

يروى أن عتبة بن ربيعة قال للنبي  : اردع عن هذا الأمر حتى أزوجك ولدي فإني من أجمل قريش ولداً.

وقال الوليد: أنا أعطيك من المال حتى ترضى فإني من أكثرهم مالاً.

فقرأ عليهم رسول الله من أول " حم السجدة " إلى قوله ﴿ فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود ﴾ فانصرفا عنه.

وقال أحدهما: ظننت أن الكعبة ستقع.

وقال الحسن: الآثم هو المنافق، والكفور مشركو العرب، أمره بالصبر على التكاليف مطلقاً.

ثم قسمها إلى نهي وأمر على هذا الترتيب لأن التخلية مقدمة على التحلية.

أما النهي فقد مر، وأما الأمر فأوله ذكر اله ولا سيما في الصلاة أول النهار وآخره وهو المراد بقوله ﴿ بكرة وأصيلاً ﴾ ويشمل صلوات الفجر والظهر والعصر وأول الليل وهو المراد بقوله ﴿ ومن الليل فاسجد له ﴾ أي وفي بعض الليل فصل له يعني صلاة المغرب والعشاء وأوسطه وهو المعنى بقوله ﴿ وسبحه ﴾ أي وتهجد له طويلاً من الليل ثلثيه أو نصفه أو ثلثه كما مر في " المزمل".

ثم شرع في توبيخ المتمردين عن طاعته مستحقراً إياهم قائلاً ﴿ إن هؤلاء يحبون ﴾ الدار ﴿ العاجلة ﴾ ونعيمها الزائل ﴿ ويذرون وراءهم يوماً ثقيلاً ﴾ أي شديداً كقوله ﴿ ثقلت في السموات والأرض  ﴾ ثم بين كمال قدرته قائلاً ﴿ نحن خلقناهم وشددنا أسرهم ﴾ أي ربطهم وتوثيقهم ومنه أسر الرجل إذا أوثق بالقدر وبه سمى القد أسراً.

والمعنى ركبناهم تركيباً محكماً وتقنا مفاصلهم بالأعصاب والربط والأوتار حسب ما يحتاجون إليه في التصرف لوجوه الحوائج ﴿ وإذا شئنا ﴾ أهلكناهم بالنفخة و ﴿ بدلنا أمثالهم ﴾ في شدة الأسر عند النفخة الثانية.

وقال جار الله: قيل معناه بدلنا غيرهم ممن يطيع وحقه أن يجيء بأن لا بإذا كقوله ﴿ وأن تتولوا يستبدل قوماً غيركم  ﴾ ممن يطيع ﴿ إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد  ﴾ قال الإمام فخر الدين الرازي: هذا الكلام كأنه طعن في لفظ القرآن وهو ضعيف لأن كل واحد من " إذا" " وإن " حرف الشرط.

قلت: ما ذكره جار الله ليس طعناً في القرآن وإنما هو طعن في نفس ذلك القول بناء على أن " إذا" لا تستعمل إلا فيما كان مقطوع الوقوع كالإماتة بالنفخة الأولى والإحياء في النشأة الأخرى.

أما الإهلاك على سبيل الإستئصال فذلك غير مقطوع به فلهذا ألا يحسن تفسير اللفظ به وتعين التفسير الأول، والمبادرة بالإعتراض قبل الفهم التام ليس من دأب العلماء المتقين فعجب من مثله ذلك.

قوله ﴿ إن هذه تذكرة ﴾ قد مر في " المزمل " والمقصود من إعادته أن هذه السورة بما فيها من الترتيب الأنيق تبصرة للمتأملين المتخذين إلى كرامة الله سبيلاً بالطاعة والانقياد، وفيه دليل للقدري.

وفي قوله ﴿ وما تشاؤن إلا أن يشاء الله ﴾ إلى آخر السورة دليل للجبري والتوفيق بينهما مفوض إلى فهم أهل التوفيق وقدمنا فيه التحقيق.

وانتصب ﴿ الظالمين ﴾ بفعل يفسره معنى أعد أو وعدت ونحوهما أوعد، وبالله التوفيق وإليه المصير والمآب.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً ﴾ : فمنهم من ذكر أن الكافور شيء أعده الله  لأهل كرامته، لم يطلع عباده على ذلك في الدنيا.

ومنهم من ذكر أن الكافور شيء جرى ذكره في الكتب المتقدمة، فذكر كذلك في القرآن.

ومنهم من قال: إنه عين من عيون الجنة.

ومنهم من صرفه إلى الكافور المعروف.

لكن قيل: إنه كناية عن طيب الشراب.

وقيل: إنه كناية عن برودة الشراب؛ لأنه ذكر أن ذكر ذلك الشراب في طبعه كالكافور؛ لأن ألذ الشراب عند الناس البارد منه، لا أن يكون في نفسه باردا.

وذكروا أن الكأس لا تسمى: كأسا حتى يكون فيها خمر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ ﴾ .

ومعناه: منها، لا أن يقع شربهم بها.

وسميت العين: عينا؛ لوقوع العين عليها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً ﴾ : فيه إخبار أن ماء العيون جارية يفجرونها من حيث شاءوا.

ثم المراد من ذكر العباد هاهنا هم الذين أطاعوا الله -  - وقاموا بوفاء ما عليهم، وهم الذين قال الله  : ﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ ﴾ : النذر هو العهد؛ فجائز أن يكون أراد به الوفاء بكل ما أوجب الله  من الفراض والحقوق؛ فتكون فرائضه عهده؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ  ﴾ .

وجائز أن يكون أراد بالنذر ما أوجبوا على أنفسهم من القرب سوى ما أوجبها الله  عليهم؛ فيكون فيه إخبار أنهم قاموا بأداء الفرائض، وتقربوا إلى الله  مع ذلك بقرب أخر؛ فاستوجبوا المدح بوفائهم بما أوجبوا على أنفسهم.

وقال: ﴿ ٱبتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ رِضْوَانِ ٱللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا  ﴾ ، فلحقهم الذم؛ لما لم يقوموا برعاية حقه، ليس بإيجابهم على أنفسهم ما لم يوجبه الله  عليهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً ﴾ قيل: استطار شر ذلك اليوم، فملأ السماوات والأرضين وكل شيء؛ حتى انشقت السماوات، وتناثرت النجوم، وبست الجبال.

ومعناه: أن هول ذلك اليوم قد عم وفشا في أهل السماوات والأرض؛ حتى خافوا على أنفسهم.

وقيل: سمي: مستطيرا، أي: طويلا، ويقال: استطار الرجل؛ إ ذا اشتد غضبه، واستطار الأمر؛ أي: اشتد؛ فمسي؛ مستطيرا، أي: شديدا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً ﴾ : فالحب يتوجه إلى معانٍ: يتوجه إلى الإيثار مرة، وإلى ميل النفس وركون القلب أخرى، ومرة يعبر به عن الشهوة، فالمراد من الحب هاهنا: الشهوة؛ فيكون قوله - عز وجل -: ﴿ عَلَىٰ حُبِّهِ ﴾ ، أي: على شهوتهم وحاجتهم إليه.

وقيل: ويطعمون في حال عزة الطعام.

وقيل: أي: يطعمون الطعام على حبهم لها وحرصهم عليها، ليس أن يطعموا عند الإياس من الحياة، على ما روي في الخبر عن النبي  أنه قال: "أفضل الصدقة أن تتصدق وأنت صحيح شحيح، تأمل العيش، وتخشى الفقر" وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ ﴾ : [قيل: إنهم لم يتكلموا بهذا اللفظ، أعني: ﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ ﴾ ] ﴿ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً ﴾ الآية، ولكن علم الله  ذلك من قلوبهم؛ فأثنى عليهم بذلك؛ ليرغب في ذلك الراغبون؛ ألا ترى أنهم كانوا يطعمون الأسارى، ولا يطمع من الأسارى المجازاة والشكر؛ ليعلم أنهم لم يقصدوا بها إلا وجه الله  والتقرب إليه، والمجازاة: هي المكافأة لما أُسدي إليه، والشكر: هو الثناء عليه والبشر عنه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً ﴾ : فمنهم من جعل هذا نعتا لذلك اليوم؛ فيكون معناه: أن هذا اليوم - وهو يوم القيامة - من بين سائر الأيام كالإنسان العبوس من بين غيره.

ومنهم من صرفه إلى الخلائق؛ فيكون معنى قوله  : ﴿ يَوْماً عَبُوساً ﴾ ، أي: يوما تعبس فيه وجوه الخلائق؛ لا أن يكون اليوم بنفسه عبوسا، وهو كقوله  : ﴿ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً  ﴾ ، أي: يبصر فيه، وتقول العرب: "ما زال الطريق يمر منذ اليوم"؛ عكلى معنى يمر الناس فيه؛ فيرجع هذا إلى وصف ما يكون عليه ذلك اليوم، على ما ذكرنا: أن الله  ذكر اليوم بالأحوال التي يكون عليها حال ذلك اليوم، فمرة قال: ﴿ وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ  ﴾ ، ومرة قال: ﴿ يَوْمَ يَكُونُ ٱلنَّاسُ كَٱلْفَرَاشِ ٱلْمَبْثُوثِ  ﴾ ، وغير ذلك من الآيات.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَمْطَرِيراً ﴾ ، قيل: شديدا.

وقيل: القمطرير: الذي يقبض الوجه بالبسور والعبوسة، ويزوي ما بين العينين.

وقيل: القمطرير: المشوه على أهل النار.

وقيل: القمطرير: هيك كلمة من كتب الأولين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَوَقَٰهُمُ ٱللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ ٱلْيَومِ ﴾ : جائز أن يتكون الوقاية منصرفة إلى الموعود في ذلك اليوم من العقوبة والنكال، لا أن يكونوا وقوا من هول ذلك اليوم فلا يرون الجحيم ولا أهوالها.

وجائز أن يكون وقاهم عما كانوا يخافون من التبعة لدى الحساب، كقوله: ﴿ إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ  ﴾ ؛ فكأنهم يخافون على أنفسهم المناقشة في الحساب، فإذا رأوا سيئاتهم مغفورة، وحسناتهم متقبلة، سروا بذلك، ووقوا شره.

وجائز أن يكونوا أُومنوا من أهوال القيامة وأفزاعها حين نشروا من القبور، وبلغتهم الملائكة بالبشارة، كما قال: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً ﴾ : فالسرور عبارة عن انتفاء الحزن عنهم، والنضرة: أثر كل نعيم.

وقيل: نضرة في وجوههم، وسرورا في قلوبهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُواْ ﴾ ، أي: على الطاعات، وصبروا عن معاصي الله  .

﴿ جَنَّةً وَحَرِيراً ﴾ : أي: جزاهم جنة، وجزاهم حريرا، فذكر الحرير؛ لأن الجنان إنما تذكر في موضع التطرب والتنعم بالمآكل والمشارب دون التنعم باللباس؛ فوعد لهم اللباس من الحرير، مع ما جزاهم الجنة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَىٰ ٱلأَرَائِكِ ﴾ ، يذكر تفسيرها بعد هذا، إن شاء الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلاَ زَمْهَرِيراً ﴾ : لأنه لا شمس فيها ولا زمهرير؛ بل يكون ظلها دائما ممدودا؛ فجائز أن يكون المراد منه: أن ضياء الجنة ليس بالشمس، ولكن بما خلقت مضيئة؛ لأن الشمس في الدنيا يقع بها الضياء؛ فيكون ضياء النهار بالشمس.

وذكر أنهم لا يرون فيها الزمهرير؛ ليعلم أن لذاذة شراب الجنة وبرودته بالخلقة، لا أن تكون برودته بتغير يقع في الأحوال على ما يكون عليه شراب أهل الدنيا.

أو يكون ذكر هذا؛ ليعلموا أنهم لا يؤذون بحَرٍّ ولا برد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلاَلُهَا ﴾ : جائز أن يراد به: أنها دانية من هؤلاء الذين سبق نعتهم، وهم الأبرار، كقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ  ﴾ .

أو ذكر أن ظلالها دانية؛ لأنها لو لم تكن دانية، لكان لا يقع لهم بها انتفاع.

وقيل: هي ظلال غصون الأشجار قريبا منهم؛ لأن الجنة نورا يتلألأ؛ فيقع بالأشجار ظلال؛ على ما جاء في الخبر "أنه لو ألقي سوار من الجنة في الدنيا، لأضاءت الدنيا، ويغلب ضوءها الشمس" ، ويجوز ذلك؛ فتقع الأشجار فيها ظلال؛ كما يشتهونه في الدنيا ليس ذلك على شمس [ولا] قمر.

وقوله - عز وجل - ﴿ وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً ﴾ : جائز أن يكون أريد بالتذليل: التليين، أي: لينت؛ فلا يرد أيديهم عنها شوك.

وقيل: إن أشجارها ليست بطوال لا تنال ثمارها إلا بعد عناء وكد؛ بل قريبة من أربابها، يقال: حائط ذليل؛ إذ لم يكن عاليا في السماء.

وقيل: ذللت، أي: سويت الأشجار، لا يتفاوت بعضها بعضاً؛ يقول أهل المدينة إذا استوت عذوق النخلة: تذللت النخلة.

وقيل: ذللت، أي: سخرت؛ والتذليل: التسخير، فيتناولون منها كيف شاءوا: إن شاءوا تناولوها وهم قيام، وإن شاءوا تناولوها وهم جلوس، أو نيام على الفرش.

وجائز أن يكون تسخيرها على ما ذكر عن بعض المتقدمين: أن شجر الجنة عروقها من فوق، وفروعها من أسفل، والثمار بين ذلك.

وقوله - عزو جل -: ﴿ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ ﴾ .

فتأويل الأكواب يذكر في سورة: ﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْغَاشِيَةِ  ﴾ .

ثم أخبر أن تلك الأكواب قوارير من فضة، قيل: هي من فضة، ولها صفاء القوارير، يرى ما فيها من الشراب من خارجها؛ لصفائها.

ثم الآنية من الفضة في أعين أهلها أرفع وأشرف من الإناء المتخذ من التراب؛ فكذلك الصفاء الذي يكون بالفضة أبلغ وأرفع في أعين أهلها من الصفاء الذي يقع بالقوارير.

﴿ قَوَارِيرَاْ مِن فِضَّةٍ ﴾ على الأصل المعهود: أنه لا ينصرف، وقرئ قوله: ﴿ قَوَارِيرَاْ ﴾ على الوقف عليه موافقا لآخر سائر الآيات، وقرئ (قواريراً)، بالتنوين عند الوصل أيضا؛ لأنه رأس الآية.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً ﴾ : أي: جعلت على قدر ربهم.

وقيل: يسقون على القدر الذي قدروه في أنفسهم، وحدثت به أنفسهم؛ فلا يقدرون في قلوبهم مقداراً إلا أتوا بها على ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً ﴾ : منهم من زعم أن العرب كانوا إذا أعجبهم شراب نعتوه، وقالوا: كالزنجبيل؛ فخرجت البشارة من الوجه الذي ترغب في مثله الأنفس.

ومنهم من ذكر أن الزنجبيل والسلسبيل واحد، وهما اسم العين.

ومنهم من ذكر السلسبيل، أي: سل سبيلا إلى تلك العين.

وقال قتادة: أي: سلسلة السبيل، مستعذَب ماؤها.

وقيلأ: سلسبيلا: شديد الجرية.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ ﴾ : ذكر الولد لا أن يكون فيها وِلاَدٌ؛ ولكنهم أنشئوا ولدنا، فيخلدون كذلك، لا يكبرون، ولا يهرمون.

وجائز أن يكون الولدان ولدان الكفرة الذين ماتوا في الدنيا صغارا؛ فلا يكون لهم في الجنة آباء؛ ليرفعوا إلى درجة الآباء؛ فيجعلهم الله  خدما لأهل الجنة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً ﴾ : منهم من يقول: إن اله  شبه حسنهم بحسن اللؤلؤ المنثور؛ إذ أحسن ما يكون اللؤلؤ إذا كان منثورا؛ فجائز أن يكون هؤلاء الولدان فضلوا في الحسن على سائر الجواهر التي تكون في الجنة؛ كما فضل الدر في الدنيا على سائر الجواهر.

ومنهم من يقول: إنهم ما لم يطوفوا فمن رآهم حسبهم لؤلؤا منثورا، وإذا طافوا، وتحركوا، فحينئذ يعلمون أنهم ولدان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً ﴾ : قيل: هما اللذان لا نعت لهما ولا وصف.

وقيل: المُلْك: استئذان الملائكة عليهم، وملوك الدنيا وإن علت رتبتهم لم يملكوا الاحتجاب من دخول الملائكة عليهم بغير استئذان، والملك: هو الذي له نفاذ الأمور.

وجائز أن يكون ذكر النعيم والملك الكبير على معنى أنه لا ينقطع عنهم؛ بل إذا رأيتهم أبدا رأيتهم في نعيم وملك كبير.

وقوله - عز وجل -: ﴿ عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ ﴾ : جائز أن يكون أراد بالعالي ما علا من المكان الذي هم فيه، فيخبر أن في أعلى أماكنهم ثبابَ خضرْ من سندس كما هو في المكان الذي أسفل موضع جلوسهم؛ لأنهم يكونون على الأرائك والأحجال؛ فيكون ما تحت الأحجال والأرائك من الأماكن زرابي مبثوثة؛ ونمارق مصفوفة، ويكون عاليها كذلك.

فإن كان على هذا، فلا فرق بين أن يكون فرش ذلك المكان من حرير وديباج غليظ - إن أريد بالإستبرق الديباج الغليظ - وبين أن يكون ديباج رقيق؛ إذ كل ذلك مما يرغب في مثله، والله أعلم.

وقيل: ﴿ عَالِيَهُمْ ﴾ ، أي: أعلى ثيابهم سندس خضر وإستبرق.

وقال بعضهم: عالي أنفسهم ثياب سندس.

ومنهم من صرف السندس إلى اللباس والإستبرق إلى ما بسط؛ لأن الديباج الغليظ مما لا ترغب الأنفس إلى لبس مثله؛ فجمع بين ما يلبس وبين ما يفرش، وبيَّنَ الفعل في أحدهما، ولم يذكر في الآخر.

ومنهم من قال: ﴿ عَالِيَهُمْ ﴾ هم الولدان يطوفون من أعاليهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَحُلُّوۤاْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ ﴾ : بشرهم بالأساور من فضة؛ لأن الفضة مستحسنة بنفسها؛ لبياضها، والذهب استحسانه لقدره وعزته، ليس لنفسه؛ لأنه أصفر، والأعين لا تستحسن هذا اللون؛ فجرت البشارة بالفضة لا بالذهب.

وقال بعضهم: يحلى الرجال بأسورة من فضة؛ على ما أبيح لهم التحلي بخاتم الفضة في الدنيا، وتحلي النساء بأساور الذهب على ما أبيح لهن التحلي بخاتم الذهب في الدنيا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً ﴾ : قيل: هو الخمر تطهر من الآفات ومن كل مكروه، وتطهر قلوبهم من الغل؛ فيعمل ذلك الشراب في تطهيز الظاهر والباطن، وشراب الدنيا يطهر ظاهر البدن، وباطن البدن ينجس الشراب.

وروي عن النبي  أنه قال: "إن الرجل من أهل الجنة ليعطى قوة مائة رجل في الأكل والشرب والجماع" ، فقال يهودي: إن الذي يأكل ويشرب يكون له الحاجة؛ فقال رسول الله  : "حاجة أحدهم عرق يفيض من جسده؛ فتضمر لذلك بطنه" والأصل أنك قد ترى الطعام الذي يطعمه الإنسان في الدنيا تبقى قوته في البدن حتى يظهر ذلك في كل جارحة من جوارحه، وكذلك شهوته تبقى فيها، ثم يخرج الثفل منها والفضل؛ فجائز أن يرفع الله  عن ذلك الطعام الفضل الذي يزابل البدن؛ فيكون طعامهمه ذلك لطيف الذي يبقى في النفس.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَآءً ﴾ : فجائز أن يكون هذه البشارة خرجت لأهلها في الدنيا.

وجائز أن تكون لهم في الآخرة: أن هذا الذي أكرمتم به من الكرامات جزاء لعملكم وسعيكم في الدنيا.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ويقال لهم تكريمًا لهم: إن هذا النعيم الَّذي أعطيتموه كان ثوابًا لكم على أعمالكم الصالحة، وكان عملكم مقبولًا عند الله.

<div class="verse-tafsir" id="91.3l4Ld"

مزيد من التفاسير لسورة الإنسان

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد