الإسلام > القرآن > سور > سورة 77 المرسلات > الآية ١٢ من سورة المرسلات
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 79 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٢ من سورة المرسلات: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.
ثم قال : ( لأي يوم أجلت ليوم الفصل وما أدراك ما يوم الفصل ويل يومئذ للمكذبين ) يقول تعالى : لأي يوم أجلت الرسل وأرجئ أمرها ؟
حتى تقوم الساعة ، كما قال تعالى : ( فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار ) [ إبراهيم : 47 ، 48 ] وهو يوم الفصل ، كما قال ( ليوم الفصل )
وقوله: ( لأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ ) يقول تعالى ذكره مُعَجِّبًا عباده من هول ذلك اليوم وشدّته: لأيِّ يوم أجِّلت الرسل ووقِّتت، ما أعظمه وأهوله؛ ثم بين ذلك: وأيّ يوم هو؟
فقال: أجلت .
أي أخرت , وهذا تعظيم لذلك اليوم فهو استفهام على التعظيم .
وأجلت للحكم بينها وبين أممها، ولهذا قال:{ لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ } استفهام للتعظيم والتفخيم والتهويل.
"لأي يوم أجلت"، أي أخرجت، وضرب الأجل لجمعهم فعجب العباد من ذلك اليوم.
«لأي يوم» ليوم عظيم «أُجلت» للشهادة على أممهم بالتبليغ.
فإذا النجوم طُمست وذهب ضياؤها، وإذا السماء تصدَّعت، وإذا الجبال تطايرت وتناثرت وصارت هباء تَذْروه الرياح، وإذا الرسل عُيِّن لهم وقت وأجل للفصل بينهم وبين الأمم، يقال: لأيِّ يوم عظيم أخِّرت الرسل؟
أخِّرت ليوم القضاء والفصل بين الخلائق.
وما أعلمك -أيها الإنسان- أيُّ شيء هو يوم الفصل وشدته وهوله؟
هلاك عظيم في ذلك اليوم للمكذبين بهذا اليوم الموعود.
وقوله : ( لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ .
لِيَوْمِ الفصل .
وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الفصل .
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ) تعليل لبلوغ الرسل إلى الوقت الذى كانوا ينتظرونه لأخذ حقوقهم من أقوامهم الظالمين ، والاستفهام للتهويل والتعظيم من شأن هذا اليوم .أى : لأى يوم أخرت الأمور التى كانت متعلقة بالرسل؟
من تعذيب بالكافرين ، وإثابة المتقين .
.
إنها أخرت وأجلت ز
أي أخرت كأنه تعالى يعجب العباد من تعظيم ذلك اليوم فقال: لأي يوم أخرت الأمور المتعلقة بهؤلاء: وهي تعذيب من كذبهم وتعظيم من آمن بهم وظهور ما كانوا يدعون الخلق إلى الإيمان به من الأهوال والعرض والحساب ونشر الدواوين ووضع الموازين.
ثم إنه تعالى بين ذلك فقال: <div class="verse-tafsir"
إن الذي توعدونه من مجيء يوم القيامة لكائن نازل لا ريب فيه، وهو جواب القسم، وعن بعضهم: أن المعنى: ورب المرسلات ﴿ طُمِسَتْ ﴾ محيت ومحقت.
وقيل: ذهب بنورها ومحق ذواتها، موافق لقوله (انتثرت) و(انكدرت) ويجوز أن يمحق نورها ثم تنتثر ممحوقة النور ﴿ فُرِجَتْ ﴾ فتحت فكانت أبواباً.
قال الفارجي: باب الأمير المبهم ﴿ نُسِفَتْ ﴾ كالحب إذا نسف بالمنسف.
نحوه ﴿ وَبُسَّتِ الجبال بَسّاً ﴾ [الواقعة: 5] ، ﴿ وَكَانَتِ الجبال كَثِيباً مَّهِيلاً ﴾ [المزمل: 14] ، وقيل: أخذت بسرعة من أماكنها، من انتسفت الشيء إذا اختطفته وقرئت ﴿ طمست ﴾ وفرجت ونسفت مشدّدة.
قرئ ﴿ أقتت ﴾ ووقتت، بالتشديد والتخفيف فيهما.
والأصل: الواو ومعنى توقيت الرسل: تبيين وقتها الذي يحضرون فيه للشهادة على أممهم.
والتأجيل: من الأجل، كالتوقيت: من الوقت ﴿ لاِيِّ يَوْمٍ أُجّلَتْ (12) ﴾ تعظيم لليوم، وتعجيب من هوله ﴿ لِيَوْمِ الفصل (13) ﴾ بيان ليوم التأجيل، وهو اليوم الذي يفصل فيه بين الخلائق.
والوجه أن يكون معنى وقتت: بلغت ميقاتها الذي كانت تنتظره: وهو يوم القيامة.
وأجلت: أخرت.
فإن قلت: كيف وقع النكرة مبتدأ في قوله: ﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (15) ﴾ ؟
قلت: هو في أصله مصدر منصوب سادّ مسدّ فعله، ولكنه عدل به إلى الرفع للدلالة على معنى ثبات الهلاك ودوامه للمدعو عليه.
ونحوه ﴿ سلام عَلَيْكُمُ ﴾ [الأنعام: 54] ، ويجوز: ويلا، بالنصب؛ ولكنه لم يقرأ به.
يقال: ويلا له ويلا كيلا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإذا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ ﴾ عُيِّنَ لَها وقْتُها الَّذِي يَحْضُرُونَ فِيهِ لِلشَّهادَةِ عَلى الأُمَمِ بِحُصُولِهِ، فَإنَّهُ لا يُتَعَيَّنُ لَهم قَبْلَهُ، أوْ بَلَغَتْ مِيقاتَها الَّذِي كانَتْ تَنْتَظِرُهُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو «وُقِّتَتْ» عَلى الأصْلِ.
﴿ لأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ ﴾ أيْ يُقالُ: لِأيِّ يَوْمٍ أُخِّرَتْ، وضُرِبَ الأجَلُ لِلْجَمْعِ وهو تَعْظِيمٌ لِلْيَوْمِ وتَعْجِيبٌ مِن هَوْلِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ثانِيَ مَفْعُولَيْ أُقِّتَتْ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى أُعْلِمَتْ.
﴿ لِيَوْمِ الفَصْلِ ﴾ بَيانٌ لِيَوْمِ التَّأْجِيلِ.
﴿ وَما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ ﴾ ومِن أيْنَ تَعْلَمُ كُنْهَهُ ولَمْ تَرَ مِثْلَهُ.
﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴾ أيْ بِذَلِكَ، ووَيْلٌ في الأصْلِ مَصْدَرٌ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلِهِ عَدَلَ بِهِ إلى الرَّفْعِ لِلدَّلالَةِ عَلى ثَباتِ الهَلَكِ لِلْمَدْعُوِّ عَلَيْهِ، ويَوْمَئِذٍ ظَرْفُهُ أوْ صِفَتُهُ.
<div class="verse-tafsir"
{لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ} أخرت وأمهلت وفيه تعظيم لليوم وتعجيب من هو له والتأجيل من الأجل كالتوقيت من الوقت
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ لأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ ﴾ قِيلَ مَقُولٌ لِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ هو جَوابُ إذا أيْ يُقالُ ﴿ لأيِّ يَوْمٍ ﴾ إلَخِ وجَعَلَ التَّأْجِيلَ بِمَعْنى التَّأْخِيرِ مِن قَوْلِهِمْ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ في مُقابِلِ الحالِ والضَّمِيرُ لِما يُشْعِرُ بِهِ الكَلامُ والِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّعْجِيبِ مِن هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمَ أيْ إذا كانَ كَذا وكَذا يُقالُ: لِأيِّ يَوْمٍ أُخِّرَتِ الأُمُورُ المُتَعَلِّقَةُ بِالرُّسُلِ مِن تَعْذِيبِ الكَفَرَةِ وإهانَتِهِمْ وتَنْعِيمِ المُؤْمِنِينَ ورِعايَتِهِمْ وظُهُورِ ما كانَتِ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ تَذْكُرُهُ مِنَ الآخِرَةِ وأحْوالِها وفَظاعَةِ أُمُورِها وأهْوالِها.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْأُمُورِ المُشارِ إلَيْها فِيما قَبْلُ مِن طَمْسِ النُّجُومِ وفَرْجِ السَّماءِ ونَسْفِ الجِبالِ وتَأْقِيتِ الرُّسُلِ وأنْ يَكُونَ لِلرُّسُلِ إلّا أنَّ المَعْنى عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ.
وقِيلَ أنْ يَكُونَ القَوْلُ المُقَدَّرُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن مَرْفُوعِ ﴿ أُقِّتَتْ ﴾ أيْ مَقُولًا فِيها ﴿ لأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ ﴾ وأنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ نَفْسُها مِن غَيْرِ تَقْدِيرِ قَوْلٍ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِأُقِّتَتْ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى أُعْلِمَتْ كَأنَّهُ قِيلَ: وإذا الرُّسُلُ أُعْلِمَتْ وقْتَ تَأْجِيلِها أيْ بِمَجِيئِهِ وحُصُولِهِ.
وجَوابُ إذا عَلى الوَجْهَيْنِ قِيلَ قَوْلُهُ تَعالى الآتِي ﴿ ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴾ وجاءَ حَذْفُ الفاءِ في مِثْلِهِ.
وقِيلَ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ أيْ وقَعَ الفَصْلُ أوْ وقَعَ ما تُوعَدُونَ.
واخْتارَ هَذا أبُو حَيّانٍ ويَجُوزُ عَلى احْتِمالِ كَوْنِ الجَوابِ ﴿ ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴾ أوْ تَقْدِيرِ المُقَدَّرِ مُؤَخَّرًا كَوْنُ جُمْلَةِ ﴿ لأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ ﴾ اعْتِراضًا لِتَهْوِيلِ شَأْنِ ذَلِكَ اليَوْمِ.
.
<div class="verse-tafsir"
وهي خمسون آية مكية قوله تعالى: وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً قال الكلبي، ومقاتل يعني: الملائكة أرسلوا بالمعروف.
ويقال: كثرتها لها عرف كعرف الفرس.
وقال أهل اللغة: ويحتمل وجهين، أحدهما: أنها متتابعة بعضها في إثر بعض، وهو مشتق من عرف الفرس.
ووجه آخر: أنه يرسل بالعرف، أي: بالمعروف.
وروى سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن مسلم البطين، عن أبي عبيدة الساعدي قال: سألت عبد الله بن مسعود ما عن قوله: وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً قال: الريح فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً قال: الريح وَالنَّاشِراتِ نَشْراً قال: الريح فَالْفارِقاتِ فَرْقاً قال: حسبك معناه وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً يعني: أرسل الرياح متتابعة كعرف الفرس فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً يعني: الريح الشديدة التي تدر التراب بالبراري، وسمي ريح عاصف وَالنَّاشِراتِ نَشْراً يعني: الريح التي تنشر السحاب.
ويقال النَّاشِراتِ نَشْراً يعني: البعث يوم القيامة، ويقال: الملائكة الذين ينشرون من الكتاب.
فَالْفارِقاتِ فَرْقاً يعني: القرآن فَرَّقَ بين الحق والباطل.
ويقال: هو القبر فرق بين الدنيا والآخرة.
ويقال: آيات القرآن، التي فيها بيان عقوبة الكفار.
فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً يعني: فالمنزلات وحياً، وهم الملائكة عُذْراً أَوْ نُذْراً يعني: أنزل الوحي عذراً من الله تعالى من الظلم، أو نذراً لخلقه من عذابه.
قرأ حمزة، والكسائي، وأبو عمرو، وعاصم في رواية حفص، بضم العين وجزم الذال، أو نذراً بضم النون وجزم الذال.
والباقون بضم الحرفين في كليهما، فمعناهما إنذار، وهو جمع نذر يعني: لإنذار.
ومن قرأ بالجزم فمعناه كذلك، وهو للتخفيف، وإنما نصب عذراً أو نذراً، لأنهما مفعولاً لهما فمعناه فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً للإعذار والإنذار.
ثم قال عز وجل: إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ وهو جواب قسم.
أقسم الله تعالى بهذه الأشياء، إن ما توعدون من أمر الساعة والبعث لواقع.
يعني: لكائن ولنازل.
ثم قال عز وجل: فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ يعني: الموعد الذي يوعدون، في اليوم الذي فيه طمست النجوم، يعني: ذهب ضوءها وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ يعني: انشقت من خوف الرحمن وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ يعني: قلعت من أصولها، حتى سويت بالأرض وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ يعني: جمعت وروى منصور، عن إبراهيم وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ قال: وعدت.
وقال مجاهد أي: أجلت.
قرأ أبو عمرو وقتت بغير همزة، والقرب تقول صلى القوم إحداناً ووحداناً، ومعناهما واحد، يعني: يجعل لها وقتاً واحداً.
وقيل: جمعت لوقتها.
ثم قال: لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ على وجه التعظيم، يعني: لأي يوم أجلت الرسل، ليشهدوا على قومهم.
ثم بين فقال: لِيَوْمِ الْفَصْلِ يعني: أجلها ليوم الفصل وهو يوم القضاء، ويقال: يوم الفصل يعني: يوم يفصل بين الحبيب والحبيبة وبين الرجل وأمه وأبيه وأخيه وَما أَدْراكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ يعني: ما تدري أي يوم القضاء تعظيماً لذلك اليوم وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ يعني: الشدة من العذاب في ذلك اليوم، للذين أنكروا، وجحدوا بيوم القيامة.
<div class="verse-tafsir"
والباطل والحلال والحرام «١» ، وقيل: هي آيات القرآن، وأَمَّا الملقيات ذكراً فهي في قول الجمهور الملائكة، وقال آخرون: هي الرسل، والذكر: الكتب المُنَزَّلَةُ والشرائع ومضمناتها، والمعنى: أَنَّ الذكر يلقى بإعذار وإنذار.
لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥)
وقوله تعالى: إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ هو الجواب الذي وقع عليه القَسَمُ، والإشارة إلى البعث وأحوال القيامة، والطَّمْسُ محو الأثر، فطمس النجوم: ذَهَابُ ضوءها، وفرج السماء: هو بانفطارها وانشقاقها.
وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ أي: جُمِعَتْ لميقاتِ يوم معلوم، وقرأ أبو عمرو وحده «٢» :
«وُقِّتَتْ» والواو هي الأصل لأَنَّها من الوقت، والهمزة بدل قال الفَرَّاءُ: كل واو انضمت وكانت ضمتها لازمة، جاز أنْ تُبْدَلَ منها همزة، انتهى.
وقوله تعالى: لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ تعجيب وتوقيف على عِظَمِ ذلك اليوم وهوله، ثم فسر ذلك بقوله: لِيَوْمِ الْفَصْلِ يعني: بين الخلق في منازعتهم وحسابهم ومنازلهم من جنة أو نار، ومن هذه الآية انتزع القضاة الآجالَ في الحكومات ليقعَ فصل القضاء عند تمامها، ثم عَظَّمَ تعالى يومَ الفصل بقوله: وَما أَدْراكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ على نحو قوله:
وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ [الحاقة: ٣] وغير ذلك، ثم أثبت الويل لِلْمُكَذِّبِينَ، والويل: هو الحرب والحزن على نوائب تحدث بالمرء، ويُرْوَى أَنَّه واد في جهنم.
وقوله عز وجل: أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ ...
الآية، قرأ الجمهور: «نُتْبِعُهُمُ» - بضم العين- على استئناف الخبر، ورُوِيَ عن أبي «١» عمرو: «نُتْبِعْهُمُ» بجزم العين عطفاً على «نهلك» وهي قراءة الأعرج، فَمَنْ قرأ الأولى جعل الأولين الأُمَمَ التي تقدمت قريشاً بأجمعها، ثم أخبر أَنَّهُ يتبع الآخرين من قريش وغيرهم سنن أولئك إذا كفروا وسلكوا سبيلهم، ومَنْ قرأ الثانية جعل الأَوَّلِينَ قومَ نوحٍ وإبراهيمَ ومَنْ كان معهم، والآخرين قوم فرعونَ وكُلَّ مَنْ تأخَّرَ وقَرُبَ من مدّة النبي صلّى الله عليه وسلّم ثم قال: كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ أي: في المستقبل، فيدخل هنا قريش وغيرها، وأَمَّا تكرار قوله تعالى: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ في هذه السورة فقيل: ذلك لمعنى التأكيد فقط، وقيل: بل في كل آية منها ما يقتضي التصديقَ، فجاء الوعيد على التكذيب بذلك الذي في الآية، والماء المهين:
معناه الضعيف، والقرار المكين: الرَّحِمُ وبَطْنُ المرأة، والقدر «٢» المعلوم: هو وقت الولادة [ومعناه] معلوم عند اللَّه، وقرأ نافع والكسائيُّ: «فَقَدَّرْنَا» - بتشديد الدال-، والباقون بتخفيفها، وهما بمعنى من القدرة والقدر ومن التقدير والتوقيت.
ت: وفي كلام ع: تلفيف، وقال غيره: فَقَدَّرْنَا بالتشديد من التقدير وبالتخفيف من القدرة، وهو حسن.
وقوله: الْقادِرُونَ يُرَجِّحُ قراءة الجماعة إلاَّ أَنَّ ابن مسعود رَوَى عنِ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أَنَّهُ فَسَّرَ «القادرون» بالمقدرين، والكِفَاتُ: الستر والوعاء الجامع للشيء بإجماع تقول: كفت الرجلُ شعره إذا جمعه بخرقة، والأرضُ تكفت الأحياءَ على ظهرها، وتكفِتُ الأموات في بطنها، وخَرَجَ الشَّعْبِيُّ إلى جنازة فنظر إلى الجبَّانة فقال: هذه كفات الموتى، ثم نظر إلى البيوت فقال: وهذه كفات الأحياء.
قال/ ع «٣» : ولما كان القبر كفاتاً كالبيت، قُطِعَ من سَرَقَ منه، والرواسي:
الجبال، والشوامخ: المرتفعة، والفرات: الصافي العَذْبُ، والضمير في قوله: انْطَلِقُوا
هو للمُكَذِّبِينَ الذين لهم الويل، ثم بَيَّنَ المُنْطَلَقَ إليه قال عطاء: الظل الذي له ثلاث شعب هو دُخَانُ جهنم «١» ، وقال ابن عباس: هذه المخاطبة تقال يومئذ لِعَبَدَةِ الصليب «٢» إذا اتَّبَعَ كُلُّ أحد ما كان يعبد، فيكون المؤمنون في ظل اللَّه ولا ظل إلاَّ ظله، ويقال لعَبَدَةِ الصليب: انطلقوا إلى ظِلِّ معبودكم، وهو الصليب له ثلاث شعب، ثم نفى تعالى عنه محاسن الظل، والضميرُ في إِنَّها لجهنم تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ أي: مثل القصور من البنيان قاله ابن عباس وجماعة من المفسرين «٣» ، وقال ابن عباس أيضاً: القصر خشب كُنَّا في الجاهلية نَدَّخِرُه للشتاء «٤» ، وقرأ ابن عباس «٥» : «كالْقَصَر» - بفتح الصاد- جمع قَصَرَةِ وهي أعناق النخل والإبل، وقال ابن عباس: جذور النخل «٦» ، واخْتُلِفَ في الجَمَالاَتِ:
فقال جمهور من المفسرين: هي جمع جِمَالٍ كرجال ورِجالات، وقال آخرون: أراد بالصُّفْرِ السود، وقال جمهور الناس: بل الصفر: الفاقعة لأَنَّها أشبه بلون الشَّرَرِ، وقال ابن عباس: الجمالات: حبال السفن، وهي الحبال العظام إذا جُمِعَتْ مستديرةً بعضها إلى بعض «٧» ، وقرأ ابن عباس «٨» : «جُمَالَةً» - بضم الجيم- من الجملة لا من الجمل، ثم
سُورَةُ المُرْسَلاتِ مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ الجُمْهُورِ وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، ومُقاتِلٍ أنَّ فِيها آيَةً مَدَنِيَّةً، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والمُرْسَلاتِ عُرْفًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الرِّياحُ يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا، رَواهُ أبُو العُبَيْدَيْنِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، والعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّها المَلائِكَةُ الَّتِي أُرْسِلَتْ بِالمَعْرُوفِ مِن أمْرِ اللَّهِ ونَهْيِهِ، رَواهُ مَسْرُوقٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وبِهِ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ، ومُقاتِلٌ.
وقالَ الفَرّاءُ: هي المَلائِكَةُ.
فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عُرْفًا ﴾ فَيُقالُ: أُرْسِلَتْ بِالمَعْرُوفِ، ويُقالُ: تَتابَعَتْ كَعُرْفِ الفَرَسِ.
والعَرَبُ تَقُولُ: يَرْكَبُ النّاسُ إلى فُلانٍ عُرْفًا واحِدًا: إذا تَوَجَّهُوا إلَيْهِ فَأكْثَرُوا.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُرِيدُ أنَّ المَلائِكَةَ مُتَتابِعَةٌ بِما تُرْسَلُ بِهِ.
وأصْلُهُ مِن عُرْفِ الفَرَسِ، لِأنَّهُ سَطْرٌ مُسْتَوٍ بَعْضُهُ في إثْرِ بَعْضٍ، فاسْتُعِيرَ لِلْقَوْمِ يَتْبَعُ بَعْضُهم بَعْضًا.
والثّالِثُ: أنَّهُمُ الرُّسُلُ بِما يُعْرَفُونَ بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ أبِي صالِحٍ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.
والرّابِعُ: المَلائِكَةُ والرِّيحُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
قالَ: ومَعْنى "عُرْفًا": يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا.
يُقالُ: جاؤُونِي عُرْفًا.
وفي "العاصِفاتِ" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها الرِّياحُ الشَّدِيدَةُ الهُبُوبِ، قالَهُ الجُمْهُورُ.
والثّانِي: المَلائِكَةُ، قالَهُ مُسْلِمُ بْنُ صُبَيْحٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: تَعْصِفُ بِرُوحِ الكافِرِ.
وفي "النّاشِراتِ" خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الرِّياحُ تَنْشُرُ السَّحابَ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والجُمْهُورُ.
والثّانِي: المَلائِكَةُ تَنْشُرُ الكُتُبَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.
والثّالِثُ: الصُّحُفُ تُنْشَرُ عَلى اللَّهِ تَعالى بِأعْمالِ العِبادِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والرّابِعُ: البَعْثُ لِلْقِيامَةِ تُنْشَرُ فِيهِ الأرْواحُ، قالَهُ الرَّبِيعُ.
والخامِسُ: المَطَرُ يَنْشُرُ النَّباتَ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
وَفِي "الفارِقاتِ" أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: المَلائِكَةُ تَأْتِي بِما يُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.
والثّانِي: آيُ القُرْآنِ فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَلالِ والحَرامِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ كَيْسانَ.
والثّالِثُ: الرِّيحُ تُفَرِّقُ بَيْنَ السَّحابِ فَتُبَدِّدُهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: الرُّسُلُ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.
﴿ فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: المَلائِكَةُ تُلْقِي ما حَمَلَتْ مِنَ الوَحْيِ إلى الأنْبِياءِ، وهَذا مَذْهَبُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والجُمْهُورُ.
والثّانِي: الرُّسُلُ يُلْقُونَ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ إلى الأُمَمِ، قالَهُ قُطْرُبٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عُذْرًا أوْ نُذْرًا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ "عُذْرًا" خَفِيفًا "أوْ نُذُرًا" مُثَقَّلًا.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ، وخَلَفٌ "عُذْرًا أوْ نُذْرًا" خَفِيفَتانِ.
قالَ الفَرّاءُ: وهو مَصْدَرٌ، مُثَقَّلًا كانَ أوْ مُخَفَّفًا.
ونَصْبُهُ عَلى مَعْنى: أُرْسِلَتْ بِما أُرْسِلَتْ بِهِ إعْذارًا مِنَ اللَّهِ وإنْذارًا.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: فالمُلْقِياتِ عُذْرًا أوْ نُذْرًا.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا لِلْإعْذارِ والإنْذارِ.
وهَذِهِ المَذْكُوراتُ مَجْرُوراتٌ بِالقَسَمِ.
وجَوابُ القَسَمِ ﴿ إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ ما تُوعَدُونَ بِهِ مِن أمْرِ السّاعَةِ، والبَعْثِ، والجَزاءِ لَواقِعٌ، أيْ: لَكائِنٌ.
ثُمَّ ذَكَرَ مَتى يَقَعُ فَقالَ تَعالى: ﴿ فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ ﴾ أيْ: مُحِيَ نُورُها ﴿ وَإذا السَّماءُ فُرِجَتْ ﴾ أيْ: شُقَّتْ ﴿ وَإذا الجِبالُ نُسِفَتْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: ذُهِبَ بِها كُلِّها بِسُرْعَةٍ.
يُقالُ: انْتَسَفْتُ الشَّيْءَ: إذا أخَذْتَهُ بِسُرْعَةٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو "وُقِّتَتْ" بِواوٍ مَعَ تَشْدِيدِ القافِ.
ووافَقَهُ أبُو جَعْفَرٍ، إلّا أنَّهُ خَفَّفَ القافَ.
وقَرَأ الباقُونَ: "أُقِّتَتْ" بِألِفٍ مَكانَ الواوِ مَعَ تَشْدِيدِ القافِ.
قالَ الزَّجّاجُ: وُقِّتَتْ وأُقِّتَتْ بِمَعْنًى واحِدٍ.
فَمَن قَرَأ "أُقِّتَتْ" بِالهَمْزِ، فَإنَّهُ أبْدَلَ الهَمْزَةَ مِنَ الواوِ لِانْضِمامِ الواوِ.
وكُلُّ واوٍ انْضَمَّتْ، وكانَتْ ضَمَّتُها لازِمَةً، جازَ أنْ تُبْدَلَ مِنها هَمْزَةٌ.
وقالَ الفَرّاءُ: الواوُ إذا كانَتْ أوَّلَ حَرْفٍ، وضُمَّتْ، هُمِزَتْ تَقُولُ: صَلّى القَوْمُ أُحْدانًا.
وهَذِهِ أُجُوهٌ حِسانٌ.
ومَعْنى "أُقِّتَتْ": جُمِعَتْ لِوَقْتِها يَوْمَ القِيامَةِ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: جُمِعَتْ لِوَقْتٍ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: جُعِلَ لَها وقْتٌ واحِدٌ لِفَصْلِ القَضاءِ بَيْنَ الأُمَّةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ ﴾ أيْ: أُخِّرَتْ.
وضَرْبُ الأجَلِ لِجَمْعِهِمْ، يُعَجِّبُ العِبادَ مِن هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ.
ثُمَّ بَيَّنَهُ فَقالَ تَعالى: ﴿ لِيَوْمِ الفَصْلِ ﴾ وهو يَوْمٌ يَفْصِلُ اللَّهُ تَعالى فِيهِ بَيْنَ الخَلائِقِ.
ثُمَّ عَظَّمَ ذَلِكَ اليَوْمَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ ﴾ ﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴾ بِالبَعْثِ.
ثُمَّ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَمّا فَعَلَ بِالأُمَمِ المُكَذِّبَةِ، فَقالَ: ﴿ ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ ﴾ يَعْنِي بِالعَذابِ في الدُّنْيا حِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهم ﴿ ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ ﴾ والقُرّاءُ عَلى رَفْعِ العَيْنِ في "نُتْبِعُهُمْ"، وقَدْ قَرَأ قَوْمٌ مِنهم أبُو حَيْوَةَ بِإسْكانِ العَيْنِ.
قالَ الفَرّاءُ: "نُتْبِعُهُمْ" مَرْفُوعَةٌ.
ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ "وَسَنُتْبِعُهُمُ الآخَرِينَ: .
ولَوْ جَزَمْتَ عَلى مَعْنى: ألَمْ نَقْدِرْ عَلى إهْلاكِ الأوَّلِينَ وإتْباعِهِمُ الآخَرِينَ كانَ وجْهًا جَيِّدًا.
وقالَ الزَّجّاجُ: الجَزْمُ عَطْفٌ عَلى "نُهْلِكْ"، ويَكُونُ المَعْنى: لِمَن أُهْلِكَ أوَّلًا وآخِرًا.
والرَّفْعُ عَلى مَعْنى: ثُمَّ نُتْبِعُ الأوَّلَ الآخِرَ مِن كُلِّ مُجْرِمٍ.
وقالَ مُقاتِلٌ: ﴿ ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ ﴾ : يَعْنِي"كَفّارَ مَكَّةَ حِينَ كَذَّبُوا بِالنَّبِيِّ .
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الأوَّلُونَ: قَوْمُ نُوحٍ، وعادٍ، وثَمُودَ، والآخَرُونَ: قَوْمُ إبْراهِيمَ، ولُوطٍ، ومَدْيَنَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ ﴿ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ ﴾ يَعْنِي: المُكَذِّبِينَ.
فَإنْ قِيلَ: ما الفائِدَةُ في تَكْرارِ قَوْلِهِ تَعالى: " ويْل يَوْمئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ " ؟
فالجَوابُ: أنَّهُ أرادَ بِكُلِّ آيَةٍ مِنها غَيْرَ ما أرادَ بِالأُخْرى، لِأنَّهُ كُلَّما ذَكَرَ شَيْئًا قالَ: "وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ" بِهَذا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ نَخْلُقْكُمْ ﴾ قَرَأ قالُونُ عَنْ نافِعٍ بِإظْهارِ القافِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِإدْغامِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن ماءٍ مَهِينٍ ﴾ أيْ: ضَعِيفٍ ﴿ فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ ﴾ يَعْنِي: الرَّحِمَ ﴿ إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴾ وهو مُدَّةُ الحَمْلِ ﴿ فَقَدَرْنا ﴾ قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ، والكِسائِيُّ "فَقَدَّرْنا" بِالتَّشْدِيدِ.
وقَرَأ الباقُونَ: بِالتَّخْفِيفِ.
وهَلْ بَيْنَهُما فَرْقٌ؟
.
فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ.
قالَ الفَرّاءُ: تَقُولُ العَرَبُ: قَدَرَ عَلَيْهِ، وقَدَّرَ عَلَيْهِ.
وقَدِ احْتَجَّ مَن قَرَأ بِالتَّخْفِيفِ فَقالَ: لَوْ كانَتْ مُشَدَّدَةً لَقالَ: فَنَعِمَ المُقَدِّرُونَ، فَأجابَ الفَرّاءُ فَقالَ: قَدْ تَجْمَعُ العَرَبُ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ،كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهم رُوَيْدًا ﴾ .
قالَ الشّاعِرُ: وأنْكَرَتْنِي وما كانَ الَّذِي نَكِرَتْ مِنَ الحَوادِثِ إلّا الشَّيْبَ والصَّلَعا يَقُولُ: ما أنْكَرَتْ إلّا ما يَكُونُ في النّاسِ.
والثّانِي: أنَّ المُخَفَّفَةَ مِنَ القُدْرَةِ والمِلْكِ، والمُشَدَّدَةَ مِنَ التَّقْدِيرِ والقَضاءِ.
ثُمَّ بَيَّنَ لَهم صُنْعَهُ لِيَعْتَبِرُوا فَيُوَحِّدُوهُ.
فَقالَ تَعالى: ﴿ ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا ﴾ قالَ اللُّغَوِيُّونَ: الكَفْتُ في اللُّغَةِ: الضَّمُّ.
والمَعْنى: أنَّها تَضُمُّ أهْلَها أحْياءً عَلى ظَهْرِها، وأمْواتًا في بَطْنِها.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: اكْفِتْ هَذا إلَيْكَ، أيْ: ضُمَّهُ.
وكانُوا يُسَمُّونَ بَقِيعَ الغَرْقَدِ: كِفْتَةً، لِأنَّهُ مَقْبَرَةٌ يَضُمُّ المَوْتى.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أحْياءً وأمْواتًا ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: تَكْفِتُهم أحْياءً وأمْواتًا، قالَهُ الجُمْهُورُ.
قالَ الفَرّاءُ: وانْتَصَبَ الأحْياءُ والأمْواتُ بِوُقُوعِ الكِفاتِ عَلَيْهِمْ، كَأنَّكَ قُلْتَ: ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتَ أحْياءٍ وأمْواتٍ، فَإذا نَوَّنْتَ نَصَبْتَ كَما يُقْرَأُ ﴿ أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ﴾ ﴿ يَتِيمًا ﴾ .
وقالَ الأخْفَشُ: انْتَصَبَ عَلى الحالِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المَعْنى: ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ أحْياءً بِالنَّباتِ والعِمارَةِ، وأمْواتًا بِالخَرابِ واليُبْسِ، هَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، وأبِي عُبَيْدَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ ﴾ قَدْ سَبَقَ بَيانُ ﴿ شامِخاتٍ ﴾ أيْ: عالِياتٍ ﴿ وَأسْقَيْناكُمْ ﴾ قَدْ سَبَقَ مَعْنى "أسْقَيْنا"، [الحِجْرِ: ٢٢: والجِنِّ: ١٦] ومَعْنى "الفُراتِ" [الفُرْقانِ: ٥٣، وفاطِرٍ: ١٢] والمَعْنى: إنَّ هَذِهِ الأشْياءَ أعْجَبُ مِنَ البَعْثِ.
ثُمَّ ذَكَرَ ما يُقالُ لَهم في الآخِرَةِ: ﴿ انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴾ في الدُّنْيا، وهو النّارُ ﴿ انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ هَذِهِ الثّانِيَةَ بِكَسْرِ اللّامِ عَلى الأمْرِ.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَأبِي عِمْرانَ، ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِفَتْحِ اللّامِ عَلى الخَبَرِ بِالفِعْلِ الماضِي.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: "والظِّلُّ" هاهُنا: ظِلٌّ مِن دُخانِ نارِ جَهَنَّمَ سَطَعَ، ثُمَّ افْتَرَقَ ثَلاثَ فِرَقٍ، وكَذَلِكَ شَأْنُ الدُّخانِ العَظِيمِ إذا ارْتَفَعَ أنْ يَتَشَعَّبَ، فَيُقالُ لَهُمْ: كُونُوا فِيهِ إلى أنْ يَفْرُغَ مِنَ الحِسابِ، كَما يَكُونُ أوْلِياءُ اللَّهِ في ظِلِّ عَرْشِهِ، أوْ حَيْثُ شاءَ مِنَ الظِّلِّ، ثُمَّ يُؤْمَرُ بِكُلِّ فَرِيقٍ إلى مُسْتَقَرِّهِ مِنَ الجَنَّةِ والنّارِ ﴿ لا ظَلِيلٍ ﴾ أيْ: يُظِلُّكم مِن حَرِّ هَذا اليَوْمِ بَلْ يُدْنِيكم مِن لَهَبِ النّارِ إلى ما هو أشَدُّ عَلَيْكم مِن حَرِّ الشَّمْسِ.
قالَ مُجاهِدٌ: تَكُونُ شُعْبَةً فَوْقَ الإنْسانِ، وشُعْبَةً عَنْ يَمِينِهِ، وشُعْبَةً عَنْ شِمالِهِ، فَتُحِيطُ بِهِ.
وقالَ الضَّحّاكُ: الشُّعَبُ الثَّلاثُ: هي الضَّرِيعُ، والزَّقُّومُ، والغِسْلِينُ.
فَعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ هَذا بَعْدَ دُخُولِ النّارِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ ﴾ أيْ: لا يَدْفَعُ عَنْكم لَهَبَ جَهَنَّمَ.
ثُمَّ وصَفَ النّارَ فَقالَ تَعالى: ﴿ إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ ﴾ ، وهو جَمْعُ شَرَرَةٍ، وهو ما يَتَطايَرُ مِنَ النّارِ مُتَفَرِّقًا ﴿ كالقَصْرِ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِإسْكانِ الصّادِ عَلى أنَّهُ واحِدُ القُصُورِ المَبْنِيَّةِ.
وهَذا المَعْنى في رِوايَةِ ابْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، ومُجاهِدٌ، وأبُو الجَوْزاءِ "كالقَصَرِ" بِفَتْحِ الصّادِ.
وفي أفْرادِ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كُنّا نَرْفَعُ الخَشَبَ [بِقَصَرِ] ثَلاثَةِ أذْرُعٍ أوْ أقَلَّ [فَنَرْفَعُهُ] لِلشِّتاءِ، فَنُسَمِّيهِ: القَصَرُ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مِن فَتْحِ الصّادَ أرادَ: أُصُولَ النَّخْلِ المَقْطُوعَةِ.
المَقْلُوعَةِ قالَ الزَّجّاجُ: أرادَ أعْناقَ الإبِلِ.
وقَرَأ سَعْدُ ابْنُ أبِي وقّاصٍ، وعائِشَةُ، وعِكْرِمَةُ، وأبُو مِجْلَزٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وابْنُ يَعْمَرَ "كالقَصِرِ" بِفَتْحِ القافِ، وكَسْرِ الصّادِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، والنَّخَعِيُّ "كالقُصُرِ" بِرَفْعِ القافِ والصّادِ جَمِيعًا.
وقَرَأ أبُو الدَّرْداءِ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ "كالقِصَرِ" بِكَسْرِ القافِ، وفَتْحِ الصّادِ، وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، وأبُو عِمْرانَ، وأبُو نُهَيْكٍ، ومُعاذٌ القارِئُ "كالقُصْرِ" بِضَمِّ القافِ وإسْكانِ الصّادِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَأنَّهُ جِمالَتٌ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ "جِمالاتٌ" بِألِفٍ، وكَسْرِ الجِيمِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ "جِمالَةٌ" عَلى التَّوْحِيدِ.
وقَرَأ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ "جُمالاتٌ" بِضَمِّ الجِيمِ.
وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وحُمَيْدٌ، وأبُو حَيْوَةَ "جُمالَةٌ" بِرَفْعِ الجِيمِ عَلى التَّوْحِيدِ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ "جِمالاتٌ" بِالكَسْرِ، فَهو جَمْعُ جِمالٍ، كَما تَقُولُ: بُيُوتٌ، وبُيُوتاتٌ، وهو جَمْعُ الجَمْعِ، فالمَعْنى: كَأنَّ الشَّراراتِ كالجِمالاتِ.
ومَن قَرَأ "جُمالاتٌ" بِالضَّمِّ، فَهو جَمْعُ "جُمالَةٍ" ومَن قَرَأ جُمالَةٌ" فَهو جَمْعُ جَمَلٍ وجِمالَةٍ، كَما قِيلَ: حَجَرٌ، وحِجارَةٌ.
وذَكَرٌ، وذِكارَةٌ.
وقُرِئَتْ "جُمالَةٌ" عَلى ما فَسَّرْناهُ في جُمالاتٍ بِالضَّمِّ.
و"الصُّفْرُ" هاهُنا: السُّودُ.
يُقالُ لِلْإبِلِ الَّتِي هي سُودٌ تَضْرِبُ إلى الصُّفْرَةِ: إبِلٌ صُفْرٌ.
وقالَ الفَرّاءُ: الصُّفْرُ: سُودُ الإبِلِ لا يُرى الأسْوَدَ مِنَ الإبِلِ إلّا وهو مُشْرَبٌ صُفْرَةً، فَلِذَلِكَ سَمَّتِ العَرَبُ سُودَ الإبِلِ: صُفْرًا، كَما سَمَّوُا الظِّباءَ: أدَمًا لِما يَعْلُوها مِنَ الظُّلْمَةِ في بَياضِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا في بَعْضِ مَواقِفِ القِيامَةِ.
قالَ عِكْرِمَةُ: تَكَلَّمُوا واخْتَصَمُوا، ثُمَّ خُتِمَ عَلى أفْواهِهِمْ، فَتَكَلَّمَتْ أيْدِيهِمْ، وأرْجُلُهُمْ، فَحِينَئِذٍ لا يَنْطِقُونَ بِحُجَّةٍ تَنْفَعُهم.
وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، والقاسِمُ ابْنُ مُحَمَّدٍ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ "هَذا يَوْمَ لا يَنْطِقُونَ" بِنَصْبِ المِيمِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا يَوْمُ الفَصْلِ ﴾ أيْ: بَيْنَ أهْلِ الجَنَّةِ وأهْلِ النّارِ ﴿ جَمَعْناكُمْ ﴾ يَعْنِي مُكَذِّبِي هَذِهِ الأُمَّةِ ﴿ والأوَّلِينَ ﴾ مِنَ المُكَذِّبِينَ الَّذِينَ كَذَّبُوا أنْبِياءَهم ﴿ فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ ﴾ أثْبَتَ فِيها الياءَ في الحالَيْنِ يَعْقُوبُ أيْ: إنْ قَدَرْتُمْ عَلى حِيلَةٍ، فاحْتالُوا لِأنْفُسِكم.
ثُمَّ ذَكَرَ ما لِلْمُؤْمِنِينَ، فَقالَ تَعالى: ﴿ إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ ﴾ يَعْنِي: ظِلالَ الشَّجَرِ، وظِلالَ أكْنانِ القُصُورِ ﴿ وَعُيُونٍ ﴾ الماءَ، وهَذا قَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ، إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ كُلُوا ﴾ أيْ: ويُقالُ لَهُمْ: كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ في الدُّنْيا بِطاعَةِ اللَّهِ.
ثُمَّ قالَ لِكُفّارِ مَكَّةَ: ﴿ كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلا ﴾ في الدُّنْيا إلى مُنْتَهى آجالِكم ﴿ إنَّكم مُجْرِمُونَ ﴾ أيْ: مُشْرِكُونَ بِاللَّهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ حِينَ يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ يَوْمَ القِيامَةِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ في الدُّنْيا كانُوا إذا قِيلَ لَهُمُ: ارْكَعُوا، أيْ: صَلُّوا ﴿ لا يَرْكَعُونَ ﴾ أيْ: لا يُصَلُّونَ.
وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ مُجاهِدٌ في آخَرِينَ، وهو الأصَحُّ.
وقِيلَ: نَزَلَتْ في ثَقِيفٍ حِينَ أمَرَهم رَسُولُ اللَّهِ بِالصَّلاةِ، فَقالُوا: لا نَحْنِي، فَإنَّها مَسَبَّةٌ عَلَيْنا، فَقالَ: «لا خَيْرَ في دِينٍ لَيْسَ فِيهِ رُكُوعٌ.» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ﴾ أيْ: إنْ لَمْ يُصَدِّقُوا بِهَذا القُرْآنِ، فَبِأيِّ كِتابٍ بَعْدَهُ يُصَدِّقُونَ، ولا كِتابَ بَعْدَهُ: !
تَمَّ - بِعَوْنِ اللَّهِ تَعالى وتَوْفِيقِهِ - الجُزْءُ الثّامِنُ مِن كِتابِ "زادِ المَسِيرِ في عِلْمِ التَّفْسِيرِ لِلْإمامِ ابْنِ الجَوْزِيِّ، ويَلِيهِ الجُزْءُ التّاسِعُ، وأوَّلُهُ تَفْسِيرُ سُورَةِ
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ المُرْسَلاتِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ جُمْهُورِ المفَسِّرِينَ، وحَكى النَقّاشُ أنّهُ قِيلَ: إنَّ فِيها مِنَ المَدَنِيِّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ ﴾ ، عَلى تَأْوِيلِ مَن قالَ إنَّها حِكايَةً عن حالِ المُنافِقِينَ، وإنَّها بِمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيُدْعَوْنَ إلى السُجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ ﴾ ، وقال ابْنُ مَسْعُودٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ السُوَرَةُ ونَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِخَيْبَرَ...
الحَدِيثُ بِطُولِهِ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ والمُرْسَلاتِ عُرْفًا ﴾ ﴿ فالعاصِفاتِ عَصْفًا ﴾ ﴿ والناشِراتِ نَشْرًا ﴾ ﴿ فالفارِقاتِ فَرْقًا ﴾ ﴿ فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا ﴾ ﴿ عُذْرًا أو نُذْرًا ﴾ ﴿ إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ ﴾ ﴿ فَإذا النُجُومُ طُمِسَتْ ﴾ ﴿ وَإذا السَماءُ فُرِجَتْ ﴾ ﴿ وَإذا الجِبالُ نُسِفَتْ ﴾ ﴿ وَإذا الرُسُلُ أُقِّتَتْ ﴾ ﴿ لأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ ﴾ ﴿ لِيَوْمِ الفَصْلِ ﴾ ﴿ وَما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ ﴾ ﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴾ قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: "المُرْسَلاتِ": الرُسُلُ إلى الناسِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: والجَماعاتُ المُرْسَلاتُ، وقالَ أبُو صالِحٍ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ مَسْعُودٍ: المُرْسَلاتِ: المَلائِكَةُ المُرْسَلَةُ بِالوَحْيِ وبِالتَعاقبِ عَلى العِبادِ طَرَفَيِ النَهارِ، وقالَ ابْنُ مسعود أيْضًا وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةَ: المُرْسَلاتِ: الرياح، وقال الحسن بن أبي الحسن: المُرْسَلاتِ: السحاب.
و"عُرْفًا" معناه على القول الأول: عُرْفًا من الله وإفضالًا على عباده ببعثة الرسل عليهم السلام، ومنه قول الشاعر: من يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف بين الله والناس ويحتمل أن يريد بِقَوْلِهِ "عُرْفًا" متتابعة، على التشبيه بتتابع عرف الفرس وأعراف الجبال ونحو ذلك، والعرب تقول: "الناس إلى فلان عرف واحد" إذا توجهوا إليه، ويحتمل أن يريد: بِالعرف، أي بِالحق والأمر بِالمعروف، وهذه الأقوال في "عرفًا" تتجه في قول من قال: في المُرْسَلاتِ هى الملائكة، ومن قال إن المُرْسَلاتِ هى الرياح اتجه في "العرف" أن يقال: التأول على تخصيص الرياح التي هي نعمة بها الأرزاق والنجاة في البحر وغير ذلك مما لا نقمة فيه، ويكون الصنف الآخر من الريح في قَوْلِهِ تَعالى "فالعاصِفاتِ عَصْفًا"، ويحتمل أن يكون "عرفًا" بمعنى: والمُرْسَلاتِ الرياح التي يعرفها الناس ويعهدونها، ثم عقب بذكر الصنف المستنكر الضار وهي العاصفات، ويحتمل أن يريد بِالعرف مع الرياح التتابع كعرف الفرس ونحوه، وتقول العرب: "هب عرف من ريح"، والقول في العرف مع أن المُرْسَلاتِ هي الرياح يطرد على أن المُرْسَلاتِ السحاب، وقرأ عيسى: "عرفا" بضم الراء.
و"العاصف" من الريح الشديدة العاصفة للشجر وغيره.
واختلف الناس في قَوْلِهِ تَعالى: "والناشرات"، فقال مقاتل، والسُدِّيُّ: هي الملائكة تنشر صحف العباد بِالأعمال، وقال ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةَ: هي الرياح تنشر رحمة الله ومطره، وقال بعض المتأولين: الناشِراتِ طوائف الملائكة التى تباشر إخراج الموتى من قبورهم للبعث، فكأنهم يحيونهم، وقال قوم: الناشرات الرمم في بعث يوم القيامه، يقال: نشر الميت، ومنه قول الأعشى: ............
∗∗∗ يا عجبًا للميت الناشرِ وقيل: الناشرات البقاع التى تحيا بِالأمطار، شبهت بِالميت ينشر، وقال أبو صالح: الناشرات الأمطار تحى الأرض.
"فالفارقات"، قال ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأبو صالح، ومُجاهِدٌ، والضَحّاكُ: هى الملائكة تفرق بين الحق والباطل والحلال والحرام، وقال قتاده، والحَسَنُ، وابْنُ كَيْسانَ: الفارقات آيات القران.
وأما "الملقيات ذكرًا" فهى في قول الجمهور: الملائكة، قال مقاتل: جبريل ونحوه، وقال آخرون: هى الرسل عليهم السلام، وقرأ جمهور الناس: "فالملقيات" بسكون اللام، أى تلقيه من عند الله تعالى وبأمره إلى الرسل عليهم السلام وقرأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنه -فيما ذكر المهدوى- "فالملقيات" بفتح اللام وفتح القاف وشدها أى تلقاه من قبل الله تعالى.
وقرأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا "فالملقيات" بفتح اللام وشد القاف وكسرها أى: تلقيه هى للرسل عليهم السلام، و"الذكر" الكتب والشرائع ومضمناتها.
وأختلف القراء في قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عُذْرًا أو نُذْرًا ﴾ ، فقرأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ -فى رواية أبى بكر- وأبُو جَعْفَرٍ، وشيبة بسكون الذال في "عذرا" وضمها في "نذرا"، وقرأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكسائى، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، وإبراهيم التيمى بسكون الذال فيهما، وقرأ طَلْحَةُ، وعيسى، والحَسَنُ -بخلاف- وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وأبُو جَعْفَرٍ وأبُو حَيْوَةَ، والأعْمَشُ عن ابْنُ كَثِيرٍ عن عاصِمٍ بضمها فيها.
وإسكان الذال على أنها مصدران، يقال: عذرا وعذير، ونذر ونذير، كنكير ونكر، وضم الذال يصح معه المصدر ويصح أن يكون جمعا لنذير وعاذر للذين هُما اسم فاعل، والمعنى أن الذكر يلقي بإعذار وإنذار، أو يلقيه معذورون ومنذرون، وأما النصب في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عُذْرًا أو نُذْرًا ﴾ فيصح إذا كانا مصدرين أن يكون ذلك على البدل من "الذكر"، ويصح أن يكون على المفعول للذكر، كأنه تعالى قال: فالمُلْقِياتِ أن يذكر عُذْرًا، ويصح أن يكون "عُذْرًا" مفعولا من أجله، أي تلقي الذكر من أجل الإعذار وأما إذا كان "عُذْرًا أو نُذْرًا" جمعا فالنصب على الحال، وقرأ إبراهيم التيمي: "عذرا ونذرا" بواو بدل "أو".
قَوْلُهُ تَعالى: "إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ"، هذا الذي وقع عليه القسم والإشارة إلى البعث، و"طمس النجوم": إزالة أضوئها واستوائها مع سائر جرم السماء، و"فرج السماء" هو بانفطارها حتى تحدث فيها فروج، و"نسف الجبال" هو بعد التسيير، وقيل: كونها هباء وهو تفريقها بِالريح، وقرأ الجمهور: "أقتت" بِالهمزة وشد القاف، وقرأ بتخفيف القاف مع الهمز عيسى، وخالد، وقرأ أبُو عَمْرٍو وحده "وقتت" بِالواو، وقرأ بها أبو الأشهب، وعيسى، وعمرو بن عبيد، قال عيسى: هي لغة سفلى مضر، وقرأ أبُو جَعْفَرٍ بواو واحدة خفيفة القاف، وهي قراءة ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، وقرأ الحسن بن أبي الحسن: "ووقتت" بواوين، على وزن فوعلت، والمعنى: جعل لها وقت مسطر فجاء وحان، والواو في هذا كله هي الأصل والهمزة بدل.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ ﴾ تعجيب وتوقي على عظم ذلك اليوم وهوله، ثم فَسَّرَ تعالى ذلك الذي عجب منه بقوله: "لِيَوْمِ الفَصْلِ" يعني تعالى: بين الخلق في منازعتهم وحسابهم ومنازلهم من جنة أو نار، وفي هذه الآية انتزع القضاة الآجال في الحكومات ليقع فصل القضاء عند تمامها ثم عظم سبحانه يوم الفصل بقوله: "وَما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ"، على نحو قَوْلُهُ تَعالى: "وَما أدْراكَ ما الحاقَّة" وغير ذلك، ثم أثبت تعالى الويل لِلْمُكَذِّبِينَ في ذلك اليوم، والمعنى: لِلْمُكَذِّبِينَ به في الدنيا وبسائر فصول الشرع، و"الويل": هو الحرب والحزن على نوائب تحدث بِالمرء، ويروى عن النعمان بن بشير، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعمار بن ياسر، أن واديا في جهنم اسمه الويل.
<div class="verse-tafsir"
الفاء للتفريع على قوله: ﴿ إن ما توعدون لواقع ﴾ [المرسلات: 7] لأنه لما أفاد وقوع البعث وكان الخاطبون ينكرونه ويتعللون بعدم التعجيل بوقوعه، بُيّن لهم ما يحصل قبله زيادة في تهويله عليهم.
والإِنذار بأنه مؤخّر إلى أن تحصل تلك الأحداث العظيمة، وفيه كناية رمزية على تحقيق وقوعه لأن الأخبار عن أمارات حلول ما يوعدون يستلزم التحذير من التهاون به، ولذلك ختمت هذه الأخبار بقوله: ﴿ ويل يومئذٍ للمكذبين ﴾ [المرسلات: 19].
وكررت كلمة ﴿ إذَا ﴾ في أوائل الجمل المعطوفة على هذه الجملة بعد حروف العطف مع إغناء حرف العطف عن إعادة ﴿ إذا ﴾ كما في قوله: ﴿ فإذا برق البصر وخَسَف القمر وجُمع الشمس والقمر يقول الإِنسان ﴾ الآية [القيامة: 7 10]، لإِفادة الاهتمام بمضمون كل جملة من هذه الجمل ليكون مضمونها مستقلاً في جعله علامة على وقوع ما يوعدون.
وطَمْسُ النجوم: زوال نورها، وأن نور معظم ما يلوح للناس من النجوم سببه انعكاس أشعة الشمس عليها حين احتجاب ضوء الشمس على الجانب المُظلم من الأرض، فطمس النجوم يقتضي طمس نور الشمس، أي زوَال التهابها بأن تبرد حرارتها، أو بأن تعلو سطحها طبقة رمادية بسبب انفجارات من داخلها، أو بأن تتصادم مع أجرام سماوية أخرى لاختلال نظام الجاذبية فتندك وتتكسر قِطعاً فيزول التهابها.
ومعنى ﴿ فرجت ﴾ تفرّق ما كان ملتحماً من هيكلها، يقال: فرج الباب إذا فتحه.
والفرجة: الفتحة في الجدار ونحوه.
فإذا أريد بالسماء الجنس الصادق بجميع السماوات على طريقة العموم الحقيقي، أو الصادق بسماوات مشهورة على طريقة العموم العرفي وهي السماوات السبع التي يعبر أهل الهيئة عنها بالكواكب السيارة جاز أن يكون فَرج السماوات حدوث أخاديد عظيمة في الكواكب زيادة على طمس نورها.
وإذا أريد بالسماء فرد معين معهود وهي ما نشاهده كالقبة الزرقاء في النهار وهي كرة الهواء، فمعنى ﴿ فرجت ﴾ : فساد عناصر الجو بحيث تصير فيه طرائق مختلفة الألوان تبدو كأنها شقوق في كرة الهواء كما في قوله تعالى: ﴿ إذا السماء انشقت ﴾ [الانشقاق: 1] وكل ذلك مفض إلى انقراض العالم الدنيوي بجميع نظامه ومجموع أجسامه.
والنسف: قلع أجزاء الشيء بعضها عن بعض وتفريقها مثل الهدم.
ونسف الجبال: دكها ومصيرها تراباً مفرقاً، كما قال تعالى: ﴿ وكانت الجبال كثيباً مهيلاً ﴾ [المزمل: 14].
وبناء هذه الأفعال الثلاثة بصيغة المبني للمجهول لأن المقصود الاعتبار بحصول الفعل لا بتعيين فاعله على أنه من المعلوم أن فاعلها هو الله تعالى إذ لا يقدر عليه غيره.
وجُملة ﴿ وإذا الرسل أقتت ﴾ عطف على الجمل المتقدمة فهي تقييد لوقت حادث يحصل وهي مما جُعل مضمونها علامة على وقوع ما يوعدون به فيلزم أن يكون مضمونها مستقبل الحصول وفي نظم هذه الجملة غموض ودقة.
فَأمّا ﴿ أُقتت ﴾ فأصله وُقتت بالواو في أوله، يقال: وَقَّت وَقْتاً، إذا عين وقتاً لعمل ما، مشتقاً من الوقت وهو الزمان، فلما بني للمجهول ضمّت الواو وَهو ضم لازم احترازاً من ضمة ﴿ ولا تَنْسَوُا الفضل بينكم ﴾ [البقرة: 237] لأن ضمة الواو ضمة عارضة، فجاز إبَدالها همزة لأن الضم على الواو ثقيل فعدل عن الواو إلى الهمزة.
وقرأه الجمهور ﴿ أقتت ﴾ بهمزة وتشديد القاف.
وقرأه أبو عمرو وحده بالواو وتشديد القاف، وقرأه أبو جعفر بالواو وتخفيف القاف.
وشأن ﴿ إذا ﴾ أن تكون لمستقبل الزمان فهذا التأقيت للرسل توقيت سيكون في المستقبل، وهو علامَة على أن ما يُوعدون يحصل مع العلامات الأخرى.
ولا خلاف في أن ﴿ أُقِّتَت ﴾ مشتقّ من الوقت كما علمت آنفاً، وأصل اشتقاق هذا الفعل المبني للمجهول أن يكون معناه: جُعِلت وقتاً، وهو أصل إسناد الفعل إلى مرفوعه، وقد يكون بمعنى: وُقِّتَ لها وقتٌ على طريقة الحذف والإِيصال.
وإذ كان ﴿ إذا ﴾ ظرفاً للمستقبل وكان تأجيل الرسل قد حصل قبل نزول هذه الآية، تعيّن تأويل ﴿ أُقِّتَت ﴾ على معنى: حَانَ وقتها، أي الوقت المعيَّن للرسل وهو الوقت الذي أخبرهم الله بأنْ يُنْذِرُوا أممهم بأنَّهُ يحلّ في المستقبل غيرِ المعين، وذلك عليه قوله: ﴿ لأيّ يوم أُجّلت لِيوم الفصل ﴾ فإن التأجيل يفسر التوقيت.
وقد اختلفت أقوال المفسرين الأولين في مَحْمَل معنى هذه الآية فعن ابن عباس ﴿ أُقِّتت ﴾ : جُمعت أي ليوم القيامة قال تعالى: ﴿ يوم يجمع الله الرسل ﴾ [المائدة: 109]، وعن مجاهد والنخعي ﴿ أقتت ﴾ أُجِّلَت.
قال أبو علي الفارسي: أي جعل يوم الدين والفصل لها وقتاً.
قال في «الكشاف»: «والوجه أن يكونَ معنى «وقتت» بلغت ميقاتها الذي كانت تنتظره وهو يوم القيامة» اه.
وهذا صريح في أنه يقال: وُقت بمعنى أُحْضر في الوقت المعيَّن، وسلمه شراح «الكشاف» وهو معنى مغفول عنه في بعض كتب اللغة أو مطوي بخفاء في بعضها.
ويجيء على القولين أن يكون قوله: ﴿ لأي يوم أجّلت ﴾ استئنافاً، وتُجعَل (أيُّ) اسم استفهام مستعمل للتهويل كما درج عليه جمهور المفسرين الذين صرّحوا ولم يُجْمِلُوا، والذي يظهر لي أن تكون (أيٌّ) موصولة دالّة على التعظيم والتهويل وهو ما يعبر عنه بالدّال على معنى الكمال وتكون صفة لموصوف محذوف يدل عليه ما أضيفت إليه (أيٌّ) وتقديره: ليوممِ أيِّ يوممٍ، أي ليوممٍ عظيم.
ويكون معنى ﴿ أقتت ﴾ حضر ميقاتها الذي وُقِّت لها، وهو قول ابن عباس جُمعت، وفي «اللسان» على الفراء: ﴿ أُقتت ﴾ جُمعت لوقتها، وذلك قول الله تعالى: ﴿ يومَ يجمع الله الرسل ﴾ [المائدة: 109] وقوله: ﴿ فكيف إذا جِئْنَا من كل أمة بشهيد وجِئْنَا بك على هؤلاء شهيداً ﴾ [النساء: 41].
ويكون اللام في قوله: ﴿ لأي يوم أُجّلت ﴾ لامَ التعليل، أي جمعت لأجل اليوم الذي أُجّلت إليه.
وجملة ﴿ أُجّلت ﴾ صفة ليوم، وحذف العائد لظهوره، أي أجّلت إليه.
وقوله: ﴿ ليوم الفصل ﴾ بدل من ﴿ لأي يوم أُجِّلت ﴾ بإعادة الحرف الذي جُرَّ بهِ المبدل منه كقوله تعالى: ﴿ تكون لنا عيداً لأولنا وآخرنا ﴾ [المائدة: 114] أي أحضرت الرسل ليوم عظيم هو يوم الفصل.
والظاهر أن المبدل منه والبدل دليلان على جواب (إذا) من قوله ﴿ فإذا النجوم طمست ﴾ الخ، إذ يُعلم أن المعنى إذا حصل جميع ما ذُكر فذلك وقوع ما تُوعدون.
وجملة ﴿ لأي يوم أجِّلت ليوم الفصل ﴾ قد علمت آنفاً الوجه الوجيه في معناها.
ومن المفسرين من جعلها مقول قول محذوف: يقال يومَ القيامة، ولا داعي إليه.
و ﴿ الفصل ﴾ : تمييز الحق من الباطل بالقضاء والجزاءِ إذ بذلك يزول الالتباس والاشتباه والتمويه الذي كان لأهل الضلال في الدنيا فتتضحُ الحقائق على ما هي عليه في الواقع.
وجملة ﴿ وما أدراك ما يوم الفصل ﴾ في موضع الحال من يوم الفصل، والواو واو الحال والرابط لجملة الحال إعادة اسم صاحب الحال عوضاً عن ضميره، مثلُ ﴿ القارعةُ ما القارعةُ ﴾ [القارعة: 1، 2].
والأصل: وما أدراك ما هو، وإنما أُظهر في مقام الإِضمار لتقوية استحضار يوم الفصل قصداً لتهويله.
و ﴿ مَا ﴾ استفهامية مبتدأ و ﴿ أدراك ﴾ خبرٌ، أي أعلمك.
و ﴿ ما يوم الفصل ﴾ استفهام عُلق به فعل ﴿ أدْرَاك ﴾ عن العمل في مفعولين، و ﴿ ما ﴾ الاستفهامية مبتدأ أيضاً و ﴿ يوم الفصل ﴾ خبر عنها والاستفهامان مستعملان في معنى التهويل والتعجيب.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ المُرْسَلاتِ مَكِّيَّةٌ مِن قَوْلِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ وجابِرٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ إلّا آيَةً مِنها، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ ﴾ فَمَدَنِيَّةٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والمُرْسَلاتِ عُرْفًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: المَلائِكَةُ تُرْسَلُ بِالمَعْرُوفِ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ وابْنُ مَسْعُودٍ.
الثّانِي: أنَّهُمُ الرُّسُلُ يُرْسَلُونَ بِما يُعْرَفُونَ بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ، وهَذا قَوْلُ أبِي صالِحٍ.
الثّالِثُ: أنَّها الرِّياحُ تُرْسَلُ بِما عَرَّفَها اللَّهُ تَعالى.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّها السُّحُبُ لِما فِيها مِن نِعْمَةٍ ونِقْمَةٍ عارِفَةٍ بِما أُرْسِلَتْ فِيهِ، ومَن أُرْسِلَتْ إلَيْهِ.
وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنَّها الزَّواجِرُ والمَواعِظُ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿ عُرْفًا ﴾ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مُتَتابِعاتٌ كَعُرْفِ الفَرَسِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
الثّانِي: جارِياتٌ، قالَهُ الحَسَنُ يَعْنِي القُلُوبَ.
الثّالِثُ: مَعْرُوفاتٌ في العُقُولِ.
﴿ فالعاصِفاتِ عَصْفًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الرِّياحُ العَواصِفُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
الثّانِي: المَلائِكَةُ، قالَهُ مُسْلِمُ بْنُ صُبَيْحٍ.
وَيَحْتَمِلُ قَوْلًا ثالِثًا: أنَّها الآياتُ المُهْلِكَةُ كالزَّلازِلِ والخُسُوفِ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿ عَصْفًا ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما تَذْرُوهُ في جَرْيِها.
الثّانِي: ما تُهْلِكُهُ بِشِدَّتِها.
﴿ والنّاشِراتِ نَشْرًا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها الرِّياحُ تَنْشُرُ السَّحابَ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
الثّانِي: أنَّها المَلائِكَةُ تَنْشُرُ الكُتُبَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ أيْضًا.
الثّالِثُ: أنَّهُ المَطَرُ يَنْشُرُ النَّباتَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ أيْضًا.
الرّابِعُ: أنَّهُ البَعْثُ لِلْقِيامَةِ تُنْشَرُ فِيهِ الأرْواحُ، قالَهُ الرَّبِيعُ.
الخامِسُ: أنَّها الصُّحُفُ تُنْشَرُ عَلى اللَّهِ تَعالى بِأعْمالِ العِبادِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
﴿ فالفارِقاتِ فَرْقًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: المَلائِكَةُ الَّتِي تُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: الرُّسُلُ الَّذِينَ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الحَلالِ والحَرامِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.
الثّالِثُ: أنَّها الرِّياحُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الرّابِعُ: القُرْآنُ.
وَفي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ ﴿ فَرْقًا ﴾ عَلى هَذا القَوْلِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَرَّقَهُ آيَةً آيَةً، قالَهُ الرَّبِيعُ.
الثّانِي: فَرَّقَ فِيهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، قالَهُ قَتادَةُ.
﴿ فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: المَلائِكَةُ تُلْقِي ما حَمَلَتْ مِنَ الوَحْيِ والقُرْآنِ إلى مَن أُرْسِلَتْ إلَيْهِ مِنَ الأنْبِياءِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: الرُّسُلُ يُلْقُونَ عَلى أُمَمِهِمْ ما أُنْزِلُ إلَيْهِمْ، قالَهُ قُطْرُبٌ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّها النُّفُوسُ تُلْقِي في الأجْسادِ ما تُرِيدُ مِنَ الأعْمالِ.
﴿ عُذْرًا أوْ نُذْرًا ﴾ يَعْنِي عُذْرًا مِنَ اللَّهِ إلى عِبادِهِ، ونُذْرًا إلَيْهِمْ مِن عَذابِهِ.
وَيَحْتَمِلُ ثانِيًا: عُذْرًا مِنَ اللَّهِ بِالتَّمَكُّنِ، ونُذْرًا بِالتَّحْذِيرِ.
وَفي ما جَعَلَهُ عُذْرًا أوْ نُذْرًا ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: المَلائِكَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: الرُّسُلُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.
الثّالِثُ: القُرْآنُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿ إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ ﴾ هَذا جَوابُ ما تَقَدَّمُ مِنَ القَسَمِ، لِأنَّ في أوَّلِ السُّورَةِ قَسَمًا، أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى إنَّما تُوعَدُونَ عَلى لِسانِ الرَّسُولِ مِنَ القُرْآنِ في أنَّ البَعْثَ والجَزاءَ واقِعٌ بِكم ونازِلٌ عَلَيْكم.
ثُمَّ بَيَّنَ وقْتَ وُقُوعِهِ فَقالَ: ﴿ فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ ﴾ أيْ ذَهَبَ ضَوْؤُها ومُحِيَ نُورُها كَطَمْسِ الكِتابِ.
﴿ وَإذا السَّماءُ فُرِجَتْ ﴾ أيْ فُتِحَتْ وشُقِّقَتْ.
﴿ وَإذا الجِبالُ نُسِفَتْ ﴾ أيْ ذَهَبَتْ، وقالَ الكَلْبِيُّ: سُوِّيَتْ بِالأرْضِ.
﴿ وَإذا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي أُوجِدَتْ، قالَهُ إبْراهِيمُ.
الثّانِي: أُجِّلَتْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: جُمِعَتْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وَقَرَأ أبُو عَمْرٍو (وُقِّتَتْ) ومَعْناها عَرَفَتْ ثَوابَها في ذَلِكَ اليَوْمِ، وتَحْتَمِلُ هَذِهِ القِراءَةُ وجْهًا آخَرَ أنَّها دُعِيَتْ لِلشَّهادَةِ عَلى أُمَمِها.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت سورة المرسلات بمكة.
وأخرج البخاري ومسلم والنسائي وابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «بينما نحن مع النبي صلى الله عليه وسلم في غار بمنى إذ نزلت عليه سورة والمرسلات عرفاً، فإنه يتلوها وإني لألقاها من فيه، وإن فاه لرطب بها إذا وثبت عليه حية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اقتلوها فابتدرناها فذهبت.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وقيت شركم كما وقيتم شرها» .
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «نزلت ﴿ والمرسلات عرفاً ﴾ نحو ليلة الحية.
قالوا وما ليلة الحية؟
قال: خرجت حية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اقتلوها، فتغيبت في حجر.
فقال: دعوها فإن الله وقاها شركم كما وقاكم شرها» .
وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غار فنزلت عليه ﴿ والمرسلات ﴾ فأخذتها من فيه وإن فاه لرطب بها فلا أدري بأيها ختم ﴿ فبأي حديث بعده يؤمنون ﴾ أو ﴿ وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وابن ماجة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن أم الفضل سمعته وهو يقرأ ﴿ والمرسلات عرفاً ﴾ فقالت: يا بني لقد ذكرتني بقراءتك هذه السورة إنها لآخر ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها في المغرب.
وأخرج الطبراني في الأوسط عن عبد العزيز أبي سكين قال: أتيت أنس بن مالك فقلت: أخبرني عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بنا الظهر وقرأ قراءة همساً بالمرسلات والنازعات وعم يتساءلون ونحوها من السور.
أخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن أبي هريرة رضي الله عنه ﴿ والمرسلات عرفاً ﴾ قال: هي الملائكة، أرسلت بالمعروف.
وخرج ابن جرير من طريق مسروق عن ابن مسعود رضي الله عنه ﴿ والمرسلات عرفاً ﴾ قال: الملائكة.
وأخرج ابن مردويه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الرياح ثمان: أربع منها عذاب، وأربع منها رحمة، فالعذاب منها العاصف والصرصر والعقيم والقاصف، والرحمة منها الناشرات والمبشرات والمرسلات والذاريات.
فيرسل الله المرسلات فتثير السحاب، ثم يرسل المبشرات فتلقح السحاب، ثم يرسل الذاريات فتحمل السحاب، فتدر كما تدر اللقحة، ثم تمطر، وهي اللواقح، ثم يرسل الناشرات فتنشر ما أراد» .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق أبيّ العبيدين أنه سأل ابن مسعود ﴿ والمرسلات عرفاً ﴾ قال: الريح ﴿ فالعاصفات عصفاً ﴾ قال: الريح ﴿ والناشرات نشراً ﴾ قال: الريح ﴿ فالفارقات فرقاً ﴾ قال: حسبك.
وأخرج ابن راهويه وابن المنذر وعبد بن حميد والبيهقي في الشعب والحاكم وصححه عن خالد بن عرعرة رضي الله عنه قال: قام رجل إلى عليّ فقال: ما العاصفات عصفاً.
قال: الرياح.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ والمرسلات عرفاً ﴾ قال: الريح ﴿ فالعاصفات عصفاً ﴾ قال: الريح ﴿ فالفارقات فرقاً ﴾ قال: الملائكة ﴿ فالملقيات ذكراً ﴾ قال: الملائكة.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ والمرسلات عرفاً ﴾ قال: الملائكة ﴿ فالفارقات فرقاً ﴾ قال: الملائكة، فرقت بين الحق والباطل ﴿ فالملقيات ذكراً ﴾ قال: الملائكة بالتنزيل.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ والمرسلات عرفاً ﴾ قال: الريح ﴿ فالعاصفات عصفاً ﴾ قال: الريح ﴿ والناشرات نشراً ﴾ قال: الريح.
وأخرج عبد الرزاق وعبد حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ﴿ والمرسلات عرفاً ﴾ قال: هي الريح ﴿ فالعاصفات عصفاً ﴾ قال: هي الريح ﴿ فالفارقات فرقاً ﴾ يعني القرآن ما فرق الله به بين الحق والباطل ﴿ فالملقيات ذكراً ﴾ هي الملائكة تلقي الذكر على الرسل، وتلقيه الرسل على بني آدم عذراً أو نذراً.
قال: عذراً من الله ونذراً منه إلى خلقه.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ والمرسلات عرفاً فالعاصفات عصفاً والناشرات نشراً فالفارقات فرقاً فالملقيات ذكراً ﴾ قال: الملائكة.
وأخرج ابن جرير عن مسروق ﴿ والمرسلات عرفاً ﴾ قال: الملائكة.
وأخرج عبد بن حميد وابن الشيخ في العظمة وابن المنذر عن أبي صالح رضي الله عنه ﴿ والمرسلات عرفاً ﴾ قال: هي الرسل ترسل بالمعروف ﴿ فالعاصفات عصفاً ﴾ قال: الريح ﴿ والناشرات نشراً ﴾ قال: المطر ﴿ فالفارقات فرقاً ﴾ قال: الرسل.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر من وجه آخر عن أبي صالح ﴿ والمرسلات عرفاً ﴾ قال: الملائكة يجيئون بالأعارف ﴿ فالعاصفات عصفاً ﴾ قال: الريح العواصف ﴿ والناشرات نشراً ﴾ قال: الملائكة ينشرون الكتب ﴿ فالفارقات فرقاً ﴾ قال: الملائكة يفرقون بين الحق والباطل ﴿ فالملقيات ذكراً ﴾ قال: الملائكة يجيئون بالقرآن والكتاب عذراً من الله أو نذراً منه إلى الناس وهم الرسل يعذرون وينذرون.
وأخرج ابن الأنباري في الوقف والابتداء والحاكم وصححه وضعفه الذهبي عن زيد بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أنزل القرآن بالتفخيم.
قال عمار بن عبد الملك: كهيئته عذراً ونذراً والصدفين وألا له الخلق والأمر وأشباه هذا في القرآن» .
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك ﴿ فإذا النجوم طمست ﴾ قال: تطمس فيذهب نورها.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن إبراهيم النخعي في قوله: ﴿ وإذا الرسل أقتت ﴾ قال: وعدت.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ أقتت ﴾ قال: أجلت.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس ﴿ أقتت ﴾ قال: جمعت.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ﴿ ليوم الفصل ﴾ قال: يوم يفصل الله فيه بين الناس بأعمالهم إلى الجنة وإلى النار ﴿ وما أدراك ما يوم الفصل ﴾ قال: يعظهم بذلك ﴿ ويل يومئذ للمكذبين ﴾ قال: ويل لهم والله ويلاً طويلاً.
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن ابن مسعود قال: ويل واد في جهنم يسيل فيه صديد أهل النار فجعل للمكذبين والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَإِذَا النجوم طُمِسَتْ ﴾ أي زال ضوؤها وقيل: محيت ﴿ وَإِذَا السمآء فُرِجَتْ ﴾ أي انشقت ﴿ وَإِذَا الجبال نُسِفَتْ ﴾ أي صارت غباراً ﴿ وَإِذَا الرسل أُقِّتَتْ ﴾ أي جعل لها وقت معلوم، فحان ذلك الوقت وجمعت للشهادة على الأمم يوم القيامة، وقرأ أبو عمرو وُقِّتَتْ بالواو وهو الأصل، والهمزة بدل من الواو ﴿ لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ ﴾ هو الأجل كما أن التوقيت من الوقت، وفيه توقيف يراد به تعظيم لذلك اليوم، ثم بينه بقوله: ﴿ لِيَوْمِ الفصل ﴾ أي يفصل فيه بين العباد، ثم عظّمه بقوله: ﴿ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الفصل * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ﴾ تكراره في هذه السورة قيل: إنه تأكيد وقيل: بل في كل آية ما يقتضي التصديق فجاء ويل يومئذ للمذكبين راجعاً إلى ما قبله في كل موضع منها.
<div class="verse-tafsir"
القراءات ﴿ فالملقيات ذكراً ﴾ بتشديد الذال للإدغام: أبو عمرو وحمزة في رواية عنهما ﴿ عذراً ﴾ بضم الذال: الشموني والبرجمي ﴿ أو نذراً ﴾ بالسكون: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد: ﴿ وقتت ﴾ بالتشديد والواو: أبو عمرو ويعقوب.
وبالتخفيف: ويزيد.
وفي رواية بإبدال الواو همزة كقولهم " أجوه " في " وجوه ".
الباقون: بالإبدال وبالتشديد ﴿ ألم نخلقكم ﴾ مظهراً روى النقاش عن ابن ربيعة عن أصحابه والحلواني عن قالون وحفص والنجاري وعن ورش ﴿ فقدرنا ﴾ مشدداً: أبو جعفر عن نافع وعلي، ﴿ انطلقوا إلى ظل ﴾ بفتح اللام: رويس: ﴿ جمالة ﴾ على التوحيد: حمزة وعلي وخلف وحفص ﴿ وجمالات ﴾ بضم الجيم مجموعة: يعقوب.
الآخرون: بالكسر مجموعاً.
الوقوف: ﴿ عرفاً ﴾ ه لا ﴿ عصفاً ﴾ ه لا ﴿ نشراً ﴾ ه لا ﴿ فرقاً ﴾ ه لا ﴿ ذكراً ﴾ ه لا ﴿ نذراً ﴾ ه لا ﴿ لواقع ﴾ ه ط ﴿ طمست ﴾ ه لا ﴿ فرجت ﴾ ه لا ﴿ نسفت ﴾ ه لا ﴿ أقتت ﴾ ه لا بناء على أن عامل " إذا " محذوف أي إذا كانت هذه الأمور يفصل بين الخلق ﴿ أجلت ﴾ ه ط للفصل بين الجواب والسؤال ﴿ الفصل ﴾ ج ﴿ للمكذبين ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ط لأن ما بعده مستأنف أي ثم نحن نتبعهم ﴿ الآخرين ﴾ ه ﴿ بالمجرمين ﴾ ه ﴿ مهين ﴾ ه لا ﴿ معلوم ﴾ ه لا ﴿ فقدرنا ﴾ ه ﴿ القادرون ﴾ ه ﴿ كفاتا ﴾ ه لا ﴿ وأمواتاً ﴾ ه لا ﴿ فراتا ﴾ ه لا ﴿ للمكذبين ﴾ ه ﴿ تكذبون ﴾ ه ج للتكرار مع الآية ووجه الوقف لمن قرأ بفتح اللام أوضح لأنه ابتداء إخبار عن موجب عملهم بما أمروا به ﴿ شعب ﴾ ه لا ﴿ اللهب ﴾ ه ط ﴿ كالقصر ﴾ ه ج لأن ما بعده وصف لشرر لا للقصر ﴿ صفر ﴾ ه ط ﴿ للمكذبين ﴾ ه ﴿ لا ينطقون ﴾ ه لا ﴿ فيعتذرون ﴾ ه ﴿ للمكذبين ﴾ ه ﴿ الفصل ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الإستئناف والحال أي أشير إلى يوم مجموعاً فيه ﴿ والأولين ﴾ ه ﴿ فكيدون ﴾ ه ﴿ للمكذبين ﴾ ه ﴿ يشتهون ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ للمكذبين ﴾ ه ﴿ مجرمون ﴾ ه ﴿ للمكذبين ﴾ ه ﴿ لا يركعون ﴾ ه ﴿ للمكذبين ﴾ ه ﴿ يؤمنون ﴾ ه.
التفسير: الكلمات الخمس في أول هذه السورة يحتمل أن يكون المراد بها جنساً واحداً أو أجناساً مختلفة.
أما الإحتمال الأول فذكروا فيه وجوهاً الأول: أنها الملائكة أقسم رب العزة بطوائف الملائكة الذين أرسلهم بأوامره حال كونهن عرفاً أي متتابعة كشعر العرف.
يقال: جاؤا عرفاً واحداً وهم عليه كعرف الضبع إذا اجتمعوا عليه، ويجوز أن يكون العرف خلاف النكر أي أرسلهن للاحسان والمعروف، فإن هؤلاء الملائكة إن كانوا بعثوا للرحمة فمعنى الإحسان حينئذ ظاهر، وإن كانوا قد بعثوا لأجل العذاب فذلك إن لم يكن معروفاً للكفار فإنه معروف للأنبياء والمؤمنين الذين انتقم الله من الكفار لأجلهم.
ومعنى الفاء في ﴿ فالعاصفات ﴾ أنهن عقيب الأمر عصفن في مضيهن كما عصفت الرياح بدراً إلى امتثال الأمر.
قيل: هو من قولهم " عصفت الحرب بالقوم " أي ذهبت بهم وأهلكتهم.
ويقال " ناقة عصوف " أي عصفت براكبها فمضت كأنها ريح من السرعة فالمراد أنهن حين أرسلن للعذاب طرن بروح الكافر.
ثم أقسم بطوائف من الملائكة نشرن أجنحتهن في الجو عن انحطاطهن بالوحي أو نشرن الشرائع في الأرض.
أو أحيين النفوس الميتة بما أوحين ففرقن بين الحق والباطل فألقين ذكراً إلى الأنبياء ﴿ عذراً ﴾ للمحقين ﴿ أو نذراً ﴾ للمبطلين.
قال الأخفش والزجاج: هما بالسكون مصدران كالشكر والكفر، والضم لغة في كل منهما كالنكر والنكر، والمعنى إعذاراً أو إنذاراً وكل منهما بدل من ﴿ ذكر ﴾ أو مفعول له.
وقال أبو عبيد: بالثقل جمع عذير بمعنى المعذرة وجمع نذير بمعنى الإنذار أو بمعنى العاذر والمنذر فيكونان حالين من الإلقاء أي عاذرين أو منذرين الوجه الثاني أنها الرياح أقسم الله برياح عذاب أرسلهن متتابعة فعصفن عصفاً ورياح رحمة نشرن السحاب في الجو ففرقن بينه كقوله ﴿ ويجعله كسفاً ﴾ فألقين ذكراً إي صرن سبباً في حصول الذكر لأن الإنسان العاقل إذا شاهد تلك الرياح إلتجأ إلى ذكر الله والتضرع إليه فيكون عذراً للذين يعتذرون إلى الله عز وجل بالتوبة والإستغفار، وإنذاراً للذين يغفلون عن الله ويغفلون عن شكره إذ ينسبونها إلى الأنواء.
والوجه الثالث إنها القرآن وآياته أرسلت متتابعة أو بكل معروف وخير فعصفت أي قهرت سائر الملل والأديان والكتب أي إبتدأن بالقهر والنسخ عقيب الإرسال، ونشرن بعد ذلك بالتدريج آثار الحكم وأنوار الهداية في قلوب العالمين ففرقت بين الحق والباطل وألقت الذكر والشرف إلى النبي وأمته كما قال ﴿ وإنه لذكر لك ولقومك ﴾ الرابع أنها طوائف الأنبياء أرسلوا بالوحي المستعقب لكل خير ومفتاحه " لا إله إلا الله" فأخذ أمرهم في العصوف والاشتداد إلى أن بلغ غايته وانتشرت دعوتهم ففرقوا بين المؤمن والكافر، والمقر والجاحد، وألقوا الذكر والتوحيد إلى الناس كافة أو إلى طائفة معينين.
الخامس وهو بالتأويل أشبه أن المرسلات هي الدواعي والإلهامات الربانية أرسلت فأخذت في العصوف والاشتداد بحيث أزالت عن القلب حب ما سوى الله وانبثت آثارها في سائر الأعضاء والجوارح، فلا يسمع إلا بالله ولا يبصر إلا بالله، وكذا البطش والمشي وسائر الحركات والسكنات، ففرقت بين الوجود المجازي وهو وجود سوى الله وبين الوجود الحقيقي وهو البقاء بالله، وألقت الذكر على كل الجوارح فلم يذكر غير الله.
وأما الإحتمال الثاني ففيه وجوه أيضاً أحدها: وهو المنقول عن الزجاج واختاره القاضي أن الثلاث الأول هي الرياح كما في الوجه الثاني من الوجوه المتقدمة، والباقيتان الملائكة كما مر في الوجه الأول منها.
ووجه الجمع بين الرياح والملائكة هو اللطافة وسرعة الحركة.
وثانيها أن الأولين هما الرياح والثلاثة الأخيرة هي الملاكة لأنها تنشر الوحي، ثم يعقبه أثران ظهور الفرق بين أولياء الله وأعدائه ودوران ذكر الله على القلوب والألسن.
وقد يتأيد هذا الوجه بعطف الثانية على الأولى بفاء الوصل المنبيء عن التعقيب والتسبيب.
ثم التنسيق بالواو وعطف الباقيين عليها بالفاء وثالثها أن الأولى ملائكة العذاب والباقية آيات القرآت على منوال ما سبق.
قوله ﴿ إنما توعدون لواقع ﴾ جواب القسم ومعناه على ما قال الكلبي: كل ما توعدون به من الخير والشر لواقع.
والأكثرون يخصونه بمجيء القيامة بدليل ذكر أماراتها بعده وهو قوله ﴿ فإذا النجوم طمست ﴾ أي أزيلت عن أماكنها بالإنتثار وأذهب ضوءها بالإنكدار وقد ورد كل منهما ﴿ وإذا الكواكب انتثرت ﴾ ﴿ وإذا النجوم انكدرت ﴾ فذكروا في وجه الجمع بينهما أنه يجوز أن يمحق نورها ثم تنتثر بمحوق النور.
وفسر الانتثار في الكشاف بمحق الذوات وفيه بعد لأن الانتثار غير الانعدام وإن أراد بالمحق غير هذا فعليه بالبيان قوله ﴿ وإذا السماء فرجت ﴾ أي فتحت السماء فكانت أبوابا ﴿ وإذا الجبال نسفت ﴾ أي سيرت أجزاؤها في الهواء كالحب إذا نسف بالمنسف وقد مر في " طه " في قوله ﴿ ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفاً ﴾ قال مجاهد والزجاج: المراد بأقتت الرسل تعيين الوقت الذي يحضرون فيه للشهادة على أممهم، وكان هذا الوقت مبهماً عليهم قبل ذلك وقريب منه قول جار الله: إن معنى وقتت بلغت ميقاتها الذي كانت تنتظره وهو يوم القيامة.
ثم عجب العباد هول ذلك اليوم فقال ﴿ لأي يوم أجلت ﴾ الأمور المتعلقة بهؤلاء الرسل وهي تعذيب من كذبهم وتعظيم من صدقهم وظهور ما كانوا يوعدون الأمم إليه ويخوفونهم به من العرض والحساب ونشر الدواوين ووضع الموازين.
ثم أجاب بأنهم أجلوا ﴿ ليوم الفصل ﴾ بين الخلائق، ثم عظم ذلك اليوم ثانياً فقال ﴿ وما أدراك ما يوم الفصل ﴾ وأي شيء شدته ومهابته.
ثم عقبه بتهويل ثالث فقال ﴿ ويل يومئذ ﴾ أي يوم إذا كان كذا وكذا من الأهوال ﴿ للمكذبين ﴾ وإعرابه كإعراب ﴿ سلام عليك ﴾ وقد سبق.
وقد كرر هذا التهويل في تسعة مواضع أخر لمزيد التأكيد والتقرير كما مر في سورة الرحمن.
ثم هددهم بقوله ﴿ ألم نهلك الأولين ﴾ كعاد وثمود وغيرهما إلى زمن محمد ﴿ ثم نتبعهم الآخرين ﴾ وهم كفار مكة أهلكهم الله يوم بدر وغيره من المواطن قوله ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك الإهلاك الفظيع ﴿ نفعل ﴾ بكل مجرم.
ثم وبخهم بتعديد النعم وآثار القدرة عليهم فقال ﴿ ألم نخلقكم من ماء مهين ﴾ حقير لا يعبأ به وهو النطفة ﴿ فجعلناهفي قرار مكين ﴾ وهو الرحم وهو أنه يتمكن فيه ما يتكون منه الولد ﴿ إلى قدر معلوم ﴾ أي إلى مقدار معلوم من الزمان المقدر ولهذا قال ﴿ فقدرنا ﴾ بالتشديد ﴿ فنعم القادرون ﴾ أي فنعم المقدرون له نحن.
ومن قرأ بالتخفيف فبمعنى التقدير أيضاً لتتوافق القراءتان.
قال الفراء: قدر وقدّر بالتخيف والتشديد لغتان، ويجوز أن يكون المخفف من القدرة أي فقدرنا على خلقه وتصويره كيف شئنا فنعم أصحاب القدرة نحن حيث خلقناهم في أحسن تقويم.
وفي قوله ﴿ ويل يومئذ للمكذبين ﴾ وتوبيخ وتخويف من وجهين أحدهما: أن النعمة كلما كانت أعظم كان كفرانها أفحش.
والثاني أن القادر على الابداء أقدر على الإعادة فالمنكر لهذا الدليل الواضح يستحق غاية التوبيخ.
ثم عد عليهم نعم الآفاق بعد ذكر الأنفس.
والكفات اسم ما يكفت أي يضم ويجمع، ويجوز أن يكون اسماً لما يكفت به مبيناً للمفعول كالشداد لضمام يشد به رأس القرورة.
وانتصب ﴿ أحياء وأمواتاً ﴾ بفعل مضمر دل عليه هذا الاسم أي تكفت أحياء على ظهرها وأمواتاً في بطنها.
والتنكير للتفخيم أي أحياء وأمواتاً لا تعد ولا تحصى.
وجوز انتصابهما على الحال والضمير الذي هو ذو الحال محذوف للعلم به أي تكفتكم في حال حياتكم وفي حال مماتكم.
وقيل: معنى كونها كفاتاً أنها تجمع ما ينفصل منهم من المستقذرات وقيل: معناه أنه جامعة لما يحتاجون إليه في التعيش.
وقيل: هما راجعان إلى الأرض يعني ما ينبت وما لا ينبت.
والكل بتكلف.
والوجه هو الأول.
وباقي الآية ظاهر مما سلف مراراً.
ثم أخبر عما يقال للمكذبين في قوم الفصل فقال ﴿ انطلقوا ﴾ أي يقال لهم انطلقوا لما كذبتم به من العذاب.
ثم بين ما أجمل بقوله ﴿ انطلقوا ﴾ يروى أن الشمس تقرب يوم القيامة لرؤوس الخلائق وليس عليهم يومئذ لباس فتلفحهم الشمس وتسفعهم وتأخذ بأنفاسهم، ويحمي الله برحمته من يشاء إلى ظل من ظلاله فهناك يقولون ﴿ فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم ﴾ ويقال للمكذبين ﴿ انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون ﴾ من عذاب الله وعقابه ﴿ انطلقوا إلى ظل ﴾ قال الحسن: ما أدري ما هذا الظل ولا سمعت فيه بشيء فقال قوم: سمى النار بالظل مجازاً.
وشعبها الثلاث كونها من فوقهم ومن تحت أرجلهم ومحيطة بهم.
وعن قتادة: هو الدخان شعبة عن يمينهم وأخرى عن يسارهم والثالثة من فوق، تظلم حتى يفرغ من حسابهم والمؤمنون في ظل العرش.
وقال في الكشاف: هو عبارة عن عظم الدخان.
فالدخان العظيم تراه يتفرق ذوائب وقال أهل التأويل: الشعب الثلاث هي القوة الغضبية ومنشؤها القلب في الجانب الأيسر، والشهوية ومنشؤها الكبد في الجانب الأيمن، والشيطانية ومنشؤها الدماغ من فوق، فيتولد من اتباع هذه الثلاثة ثلاثة أنواع من الظلمات.
وقال أبو مسلم: هي الأوصاف الثلاثة التي ذكرها الله عقيبه وهي ﴿ لا ظليل ولا يغني من اللهب أنّها ترمي بشرر كالقصر ﴾ وفيه تهكم بهم وتعريض بأن ظلهم غير ظل المؤمنين أي ذلك الظل غير مانع حر الشمس وغير مغن من حرّ اللهب شيئاً أي لا روح كما قال في الواقعة ﴿ لا بارد ولا كريم ﴾ يقال أغن عني وجهك أي أبعده لأن الغني عن الشيء يباعده كما أن المحتاج إليه يقاربه.
وإنما عدي في الآية بـ " من " لأنه أراد أن ابتداء الإغناء منه، وعن قطرب ان اللهب ههنا هو العطش.
ثم شبه الشرر وهو ما يتطاير من النار متبدداً في كل جهة بالقصر.
والأكثرون على أنه واحد القصور.
وعن سعيد بن جبير ومقاتل والضحاك أنه الغليظ من أصول الشجر العظام الواحدة قصرة كجمرة وجمر.
وروي عن ابن عباس أنه سئل عن القصر فقال: خشب كنا ندخره للشتاء.
ثم زاد في البيان أن أتبعه تشبيهاً آخر قائلاً ﴿ كأنه جمالات صفر ﴾ وهي جمع جمالة بمعنى جمل.
ويجوز أن يكون جمع جمال كرجالات وقال أبو علي: التاء في ﴿ جمالة ﴾ لتأكيد الجمع كحجر وحجارة.
أما الجمالة بالضم فهي قلوس سفن البحر أي حبالها كما مر في قوله ﴿ حتى يلج الجمل في سم الخياط ﴾ وعن علي بن أبي طالب وابن عباس أنها قطع النحاس.
ومعظم أهل اللغة لا يعرفونه.
وقال الفراء: يجوز أن يكون الجمالات بالضم من الشيء المجمل.
يقال: أجملت الحساب وجاء القوم جملة أي مجتمعين: والمعنى أن هذه الشرر ترتفع كأنها شيء مجموع غليظ أصفر والأكثرون على أن المراد بهذه الصفرة سواد يعلوه صفرة.
قال الفراء: لا ترى أسود في الليل إلا وهو مشرب صفرة والشرر إذا تطاير فسقط وفيه بقية من لون النار كأنه أشبه شيء بالجمل الأسود الذي يشوبه شيء من الصفرة.
وقال آخرون: الشرر إنما يسمى شرراً ما دام مرتفعاً وحينئذ يكون ناراً وإذا كان ناراً كان أصفر فاقعاً.
واعلم أنه عز اسمه شبه الشرر في العظم والارتفاع بالقصر ثم شبهه مع ذلك في اللون والكثرة والتابع وسرعة الحركة بالجمالات الصفر.
ثم نقل عن ابن عباس أنه قال: هذا التشبيه إنما ورد على ما هو معتاد في بلاد العرب.
وقصورهم قصيرة السمك جارية مجرى الخيمة.
فسمع أبو العلاء ذلك فشبه الشرر بالطراف وهو الخيمة من الأديم قال: حمراء ساطعة الذوائب في الد *** جى ترمي بكل شرارة كطراف فزعم صاحب الكشاف أنه أراد معارضة المعجز.
قال الإمام فخر الدين الرازي: كان الأولى بصاحب الكشاف أن لا يذكر ذلك لأنه أخذ مقتبساً تابعاً، والمعجز أظهر حالاً وأجل منصباً من أن يتصدى لمعارضته أحد بعد استقرار أمره ويلتفت إلىالمعارض، وإذ قد ذكر صاحب الكشاف ذلك فلنذكر التفاوت بين القرآن وبين كلام أبي العلاء وذلك من وجوه الأول: قيل: إن لون الأديم قريب من لون الشرارة إلا أن الجمالات متحركة كالشرارة دون الخيمة.
الثاني أن القصر موضع الأمن وتشبيه الشرارة به إشارة إلى أن الكافر إنما يعذب بآفة من الموضع الذي يتوقع منه الأمن وهو دينه وملته التي ظن أنه منها على شيء، وليست الخيمة موضع الأمن الكلي الثالث أن الشرر متتابعة كالجمال ولا كذلك الطراف الرابع أن العرب اعتقدوا أن الجمال في ملك الجمال وتمام النعم في حصول النعم.
ففي الآية إشارة إلى أنكم كنتم تعدون الجمال فخذوا هذه الشرارات التي هي كالجمالات وهذا التهكم غير موجود في الشعر.
الخامس أن الإبل إذا نفرت وشردت متتابعة نال من وقع فيما بينهما بلاء شديد.
فتشبيه الشرر بها يفيد كمال الضرر والطراف ليس كذلك.
السادس أن القصر يكون أعظم غالباً من الطراف والجمالات وهي جمع الجمع تكون أكثر عدداً من الطراف والغرض التوكيد فيكون تشبيه القرآن أبلغ في المعنى المقصود.
السابع أن التشبيه بشيئين كالقصر والجمالات في إثبات الوصفين كالعظم والصفرة أقوى في ثبوت الوصفين من التشبيه بشيء واحد للوصفين بعينهما، لأن الأول كالمبين المفصل، والثاني كالمجمل المبهم إذ يحتمل أن يكون وجه التشبيه واحداً منهما فقط.
الثامن أن الإنسان إنما يكون طيب العيش إذا كان وقت الانطلاق راكباً ووقت النزول راقداً في الظل فكأنه قيل في الآية على سبيل التهكم مركوبكم هذه الجمالات من الشرر وظلكم في مثل هذا القصر ولو شبه بالطرف لم يحصل هذا المقصود.
التاسع أن تطاير القصر وهو من اللبن والحجر والخشب في الهواء أغرب من تطاير الخيمة وهي خفيفة الحجم.
العاشر أن سقوط القصر أفظع وأهول من سقوط الطراف هذه خلاصة كلام الإمام في هذا المقام أوردناها لئلا يكون كتابنا خالياً من فوائد تفسيره.
قوله ﴿ هذا يوم لا ينطقون ﴾ يروى أن نافع بن الأزرق سأل ابن عباس عن الجمع بين هذه الآية وبين نحو قوله ﴿ ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ﴾ فأجاب بتغاير الزمانين وتباين الموطنين.
وقال الحسن: أراد لا ينطقون بحجة صحيحة وعذر واضح فكأنهم لم ينطقوا ولم يعتذروا.
قوله ﴿ ولا يؤذن ﴾ إنما لم يقل " فيعتذروا " بسقوط النون للنصب كقوله ﴿ لا يقضي عليهم فيموتوا ﴾ لأنه لو نصب لأوهم أنهم إنما لم يعتذروا لأجل أنهم لم يؤذوا في الإعتذار ولولا المنع لاعتذروا وهذا غير جائز، ولكن المراد أن لا عذر لهم في نفس الأمر كما لا إذن فالفاء لمطلق النسق لا للتسبب.
هذا مع أنه فيه رعاية الفاصلة وهي من جملة الفصاحة اللفظية، ولهذا لم يقرأ في سورة " اقتربت " ﴿ إلى شيء نكر ﴾ لا مثقلاً.
وقريء قوله في آخر " الكهف " و " الطلاق " ﴿ عذاباً نكراً ﴾ بالوجهين قالوا: وإنما لم يؤذن لهم في الاعتذار لأنه أزاح الاعتذار في الدنيا بتقديم الإنذار بدليل قوله ﴿ فالملقيات ذكراً عذراً ونذراً ﴾ ولهذا قال في آخر هذا الأخبار ﴿ ويل يومئذ للمكذبين ﴾ ثم أشار لمزيد التهديد والتوبيخ إلى اليوم المذكور بقوله ﴿ هذا يوم الفصل ﴾ ثم أوضح هذه الجملة بقوله ﴿ جمعناكم ﴾ أيها المتأخرون ﴿ والأولين ﴾ لأن الفصل بين الخلائق لا يجوز إلا بإحضار الكل.
وقد يستدل به على عدم جواز القضاء على الغائب.
ثم عجزهم وحقر أمرهم بقوله ﴿ فإن كان لكم كيد فكيدون ﴾ وقد علم أنه لا حيلة لهم في رفع البلاء عن أنفسهم يومئذ كما كانوا يحتالون في الدنيا يؤذون بذلك أنبياء الله وأولياءه، وهذا التعجيز والتخجيل من جنس العذاب الروحاني فلهذا عقبه بقوله ﴿ ويل يومئذ للمكذبين ﴾ ثم زاد في حسرتهم وغمهم بتعديد ما أعد للمطيعين المتقين من الظلال والعيون والفواكه بدل ظلالهم التي لا روح فيها ولا تغني عن الحر والعطش، استقروا في تلك النعم مقولاً لهم ﴿ كلوا واشربوا ﴾ وهو أمر إكرام لا أمر تكليف وهذا أيضاً من جنس العذاب الروحاني بالنسبة إلى الكافرين حين يرون الذين اتقوا الشرك في النعيم المقيم ولذا أردفه بقوله ﴿ ويل يومئذ للمكذبين ﴾ ثم ذكر أن هذا الويل ثابت لهم في حال ما يقال في الآخرة ﴿ كلوا وتمتعوا ﴾ قال جار الله: هذا في طريقة قول القائل: إخوتي لا تبعدوا أبداً *** وبلى والله قد بعدوا أي كنتم أحقاء في حياتكم بأن يدعى لكم بهذا، وفيه توبيخ وتذكير بحالهم السمجة وبما جنوا على أنفسهم من إيثار المتاع القليل على النعيم المقيم، وعلل ذلك بكونهم مجرمين إيعاداً لكل مجرم، وجوز أن يكون ﴿ كلوا وتمتعوا ﴾ كلاماً مستأنفاً خطاباً للمكذبين في الدنيا.
ثم ذمهم على ترك الخشوع والتواضع لله بقبول وحيه.
وقيل: ما كان على العرب أشد من الركوع والسجود.
يروى أن وفد ثقيف أمرهم رسول الله بالصلاة فقالوا: لا ننحني أي لا نركع ولا نسجد فإنها مسبة علينا.
فقال صلى الله عيله وسلم: لا خير في دين ليس فيه ركوع ولا سجود.
وأنزل الله الآية.
ثم ختم السورة بالتعجب من حال الكفار وإصرارهم على جهالاتهم وضالاتهم بعد القرآن وبياناته وقد مر في أول " الجاثية " نظيره والله أعلم.
قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً * فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً * وٱلنَّاشِرَاتِ نَشْراً * فَٱلْفَارِقَاتِ فَرْقاً * فَٱلْمُلْقِيَٰتِ ذِكْراً ﴾ اختلفوا في تأويلها: فمنهم من حمل تأويل هذا كله على الملاكئة.
ومنهم من صرفها إلى الرياح.
ومنهم من صرف البعض إلى الرياح، والبعض إلى الملائكة.
وجائز أن يجعل هذا كله في الرياح، ويستقيم أن يصرف كله إلى الملائكة، ويستقيم أن يجعل البعض في الملائكة والبعض في الرياح.
فإن كان في الرياح، استقام القسم بها؛ لأن من الرياح رياحا هن مبشرات برحمته، سائقات للنعم إلى عباده؛ كقوله : ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِّن رَّحْمَتِهِ ﴾ .
ومن الرياح رياح [هي] منجيات؛ قال الله : ﴿ هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا ﴾ ؛ فجعل الله الريح سببا لتسيير السفن في البحار، وكام جعل الماء سببا لذلك، وجعل منها مهلكات مذكرات لقوته وسلطانه؛ كما قال - عز وجل -: ﴿ فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفاً مِّنَ ٱلرِّيحِ فَيُغْرِقَكُم ﴾ الآية [الإسراء: 69]، فهي تميتهم وتهلكهم من غير أن يدركوها بأبصارهم، وإن كانت الأبصار هي أول ما يقع بها درك الأشياء، ولو أراد أحد أن يعرف الوجه الذي له صارت المنجيات منجيات، أو يعرف الوجه الذي له صارت الرياح مهلكات، أو مبشرات - لم يقف عليه؛ فصارت الرياح مذكرات للنعم، وفي تذكير النعم إيجاب القول بالبعث، وبكل ما يخبرهم به الرسل؛ لأنهم كانوا ينكرون البعث، ورأوا فيها من لطائف الحكمة وعجائب التدبير ما لا يبلغها تدبيرهم وحكمتهم، فعلموا أن الأمر غير مقدر بعقولهم ولا بحكمتهم؛ فيكون في ذكر ما ذكرنا إزاحة ما اعترض له من الشك والشبه في أمر البعث؛ فأقسم بها - على ما ذكرنا أن القسم جعل لتأكيل ما يقصد إليه باليمين.
فرجعنا إلى قوله: ﴿ وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً ﴾ قيل: هي الرياح المبشرات؛ سميت: عرفا؛ لأن ما تأتى به من النعم معروفة.
وقيل: العرف: المتتابع، وسمي عرف الفرس: عرفا؛ لتتابع بعض الشعر على بعض؛ فجائز أن يكون منصرفا إلى الرياح المبشرة.
وكذلك قوله - -: ﴿ وٱلنَّاشِرَاتِ نَشْراً ﴾ جائز أن يحمل على الرياح، لكن على الرياح المُنْشِرَات، وهي الرياح السهلة الخفيفة؛ لأن النشر مذكور في رياح الرحمة بقوله: (وهو الذي يرسل الرياح نشراً بين يدي رحمته) في بعض القراءات.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً ﴾ هي الرياح الشديدة التي تكسر الأشياء وتقصمها، وهي التي ترسل للإهلاك؛ كقوله : ﴿ فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفاً مِّنَ ٱلرِّيحِ ﴾ .
وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً ﴾ هي اسم الرياح التي لم يظهر أنها أرسلت للهلاك أو للتبشير؛ لأن الرياح التي ترسل للرحمة يظهر أثر رحمتها من ساعتها من إرسال السحاب، وغير ذلك قبل أن تتتابع، وكذلك الرياح التي هي رياح إهلاك يظهر علم الإهلاك من ساعتها، وهو أن تكف قاصفة شديدة قبل أن تتتابع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱلْفَارِقَاتِ فَرْقاً ﴾ .
يحتمل الرياح - أيضا - وأنما سميت: فارقات؛ لأنها تفرق السحاب؛ فيصير البعض في أفق، والبعض في أفق أخرى.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱلْمُلْقِيَٰتِ ذِكْراً ﴾ .
جائز أن يصرف إلى الرياح، وإلقاء ذكرها ما ذكرنا: أنه تظهر بها النعم، وتتذكر، وتبين بها النجاة، ويقع ببعضها الهلاك، فذلك إلقاء ذكرها، والله أعلم.
وإن صرف الكل إلى الملائكة فيحتمل أيضا: فقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً ﴾ ، أي: الملائكة الذين أرسلوا بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً ﴾ ، أي: الملائكة الذين يعصفون أرواح الكفار، أي: يأخذونها على شدة وغضب.
وقوله - عزو جل -: ﴿ وٱلنَّاشِرَاتِ نَشْراً ﴾ جائز أن يكون أريد بها السفرة من الملائكة، سموا: ناشرات؛ لأنهم ينشرون الصحف ويقرءونها.
وجائز أن يراد بها الملائكة الذين يأخذون أرواح المؤمنين على لين ورفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱلْفَارِقَاتِ فَرْقاً ﴾ جائز أن يراد بها الملائكة، وسميت: فارقات؛ لأنهم يفرقون بين الحق والباطل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱلْمُلْقِيَٰتِ ذِكْراً ﴾ هم الملائكة الذين يلقون الذكر على ألسن الرسل، عليهم السلام.
وإن صرف البعض إلى الملائكة والبعض إلى الرياح، فمستقيم أيضا.
فتكون "المرسلات": الذين أ رسلوا بالمعروف والخير.
و"العاصفات" الريح الشديدة، و"الناشرات": الرياح الخفيفة السهلة.
و"الفارقات فرقا" و"الملقيات ذكرا": هم الملائكة.
ويحتمل وجها آخر: أن يراد بقوله: ﴿ وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً ﴾ هم الرسل من البشر الذين بعثوا إلى الخلق، فيما من رسول بعث إلا وهو مرسل بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
وكذلك جائز أن يراد بقوله : ﴿ فَٱلْفَارِقَاتِ فَرْقاً * فَٱلْمُلْقِيَٰتِ ذِكْراً ﴾ هم الرسل؛ لأنهم يفرقون بين الحق والباطل، ويلقون الذكر في مسامع الخلق.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً ﴾ هي الكتب المنزلة من السماء؛ لأنها أرسلت بالمعروف وكل أنواع الخير.
وكذا قوله: ﴿ وٱلنَّاشِرَاتِ نَشْراً ﴾ ، أي: ناشرات للحق والهدى، وكذا قوله - عز وجل -: ﴿ فَٱلْفَارِقَاتِ فَرْقاً ﴾ ؛ لأنها تفرق بين الحق والباطل أيضا.
وكذلك ﴿ فَٱلْمُلْقِيَٰتِ ذِكْراً ﴾ ؛ فإنها سبب لذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ عُذْراً أَوْ نُذْراً ﴾ : أي: عذراً من الله - - وهو أن الله - - أرسل الرسل، وأنزل الكتب، وبين الحجج؛ حتى لم يبق لأحد على الله حجة بعد ذلك، فهذا هو الإعذار.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوْ نُذْراً ﴾ ، أي: أنذرهم، ولم يعجل في إهلاكهم؛ بل بين لهم ما يتقى ويجتنب، وما يندب إليه ويؤتى، فهذا هو الإنذار على تأويل الرياح ما ذكرنا: أنها مذكرات نعم الله ونقمته؛ فيكون في ذلك إيجاب ذكر المنعم والمنتقم؛ فيكون في ذلك إعذار وإنذار، والله أعلم.
وقوله - عزو جل -: ﴿ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَٰقِعٌ ﴾ .
فهذا موضع القسم بما ذكر من المرسلات إلى آخرها.
ثم إن كان الموعود هو البعث؛ فمعناه: إن الذي توعدون به من البعث لكائن، وإن كان على الجزاء والعقاب، فتأويله: إن ما توعدون به من العذاب لنازل بكم؛ فتكون الآية في قوم علم الله - - أنهم لا يؤمنون.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتْ ﴾ .
فكأنه - والله أعلم - لما نزل قوله : ﴿ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَٰقِعٌ ﴾ سألوا رسول الله عن وقت وقوعه متى يكون؟
فنزلت: ﴿ فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتْ ﴾ ، فأشار إلى الأحوال التي تكون يومئذ، لا إلى نفس الوقت، فقوله: ﴿ طُمِسَتْ ﴾ ، أي: ذهب ضوءها ونورها، ثم تناثرت.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ فُرِجَتْ ﴾ : أي: انشقت.
﴿ وَإِذَا ٱلْجِبَالُ نُسِفَتْ ﴾ .
أي: قلعت من أصلها؛ فسويت بالأرض.
وقال الزجاج: نسفت الشيء إذا أخذته على سرعة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقِّتَتْ ﴾ ، وقرئ (وقتت)، وكذلك أصله، لكن الهمزة أبدلت مكان الواو؛ طلبا للتخفيف، وهو من التوقيت، أي: جمعت لوقت.
وقيل: أحضرت الرسل؛ ليشهد كل واحد منهم على قومه الذين بعث إ ليهم؛ كما قال [الله] : ﴿ وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِّنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَىٰ هَـٰؤُلآءِ ﴾ .
وقيل: ﴿ أُقِّتَتْ ﴾ أي: وعد لهم بيان حقيقة ما إليه دعوا من وقوع ما أوعدوا قومهم الذين تركوا إجابتهم من العذاب، ووعد لهم الوصول إلى من آمن بالله وأجاب الرسل فيما دعوهم إليه من الثواب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ ﴾ : ﴿ أُجِّلَتْ ﴾ و ﴿ أُقِّتَتْ ﴾ واحد؛ لأن في التأجيل توقيتا، وفي التوقيت تأجيلا، ثم بين وقت حلول الأجل - أجل العذاب - بقوله - عز وجل -: ﴿ لِيَوْمِ ٱلْفَصْلِ ﴾ ، أي: ليوم الحكم والقضاء، قال الله - -: ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى ﴾ ، وقال: ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ .
فجائز أن تكون الكلمة التي سبقت منه هي تأخير الجزاء إلى يوم البعث؛ فجعل ذلك يوم الجزاء؛ وذلك يكون بالمعاينة، وجعل هذه الدار دار محنة وابتلاء، وذلك يكون بالحجج والبينات؛ فكأنه قال: لولا ما سبق من كلمة [الله - - من تأخير الجزاء العذاب، وإلا كان العذاب واقعا بهم في هذه الدنيا بالتكذيب.
ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن الله - - أخر] الجزاء والعقاب إلى اليوم الذي يجمع فيه الأولين والآخرين، وقدر في هذه الدنيا خلق هذه البشر على التتابع إلى ذلك اليوم؛ إذ ذلك اليوم هو الذي يوجد فيه الجمع، والله أعلم.
وسمى يوم الفصل لهذا أنه يوم القضاء والحكم، ولأنه اليوم الذي يظهر فيه مثوى أهل الشقاء وأهل السعادة، ويفصل بين الأولياء والأعداء ويفصل بين الخصماء، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ ﴾ : أي: لم تكن تدري، فدراك الله ؛ ذكر هذا: إما على التعظيم والتهويل لذلك اليوم، أو على الامتنان على رسوله - - بإطلاعه عليه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ﴾ : في هذا دليل على أن الوعيد المذكور على الإطلاق منصرف إلى أهل التكذيب، ثم لم يذكر ما للمصدقين، وحقه أن يقال: "طوبى للمصدقين"؛ لأن حرف "الويل" يتكلم به عند الوقوع في المهلكة، وحرف "طوبى" يتكلم به في موضع السرور والعطية، فإذا ذكر في أهل التكذيب حرف الهلاك؛ كان من كان بخلاف حالهم مستوجبا للسرور، ولكنه إن لم يذكرها هنا فقد ذكرها في موضع آخر بقوله: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً ﴾ ، وقال - عز وجل -: ﴿ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴾ : تقديم وتأخير.
<div class="verse-tafsir"
ليوم عظيم أخلت للشهادة على أممها.
<div class="verse-tafsir" id="91.k2BVj"