الإسلام > القرآن > سور > سورة 77 المرسلات > الآية ١٩ من سورة المرسلات
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 68 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٩ من سورة المرسلات: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.
أي ويل لمن تأمل هذه المخلوقات الدالة على عظمة خالقها ثم بعد هذا يستمر على تكذيبه وكفره.
( وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ) بأخبار الله التي ذكرناها في هذه الآية، الجاحدين قُدرته على ما يشاء.
أي عذاب وخزي لمن كذب بالله وبرسله وكتبه وبيوم الفصل فهو وعيد .وكرره في هذه السورة عند كل آية لمن كذب ; لأنه قسمه بينهم على قدر تكذيبهم , فإن لكل مكذب بشيء عذابا سوى تكذيبه بشيء آخر , ورب شيء كذب به هو أعظم جرما من تكذيبه بغيره ; لأنه أقبح في تكذيبه , وأعظم في الرد على الله , فإنما يقسم له من الويل على قدر ذلك , وعلى قدر وفاقه وهو قوله : " جزاء وفاقا " .[ النبأ : 26 ] .وروي عن النعمان بن بشير قال : ويل : واد في جهنم فيه ألوان العذاب .وقاله ابن عباس وغيره .قال ابن عباس : إذا خبت جهنم أخذ من جمره فألقي عليها فيأكل بعضها بعضا .وروي أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : [ عرضت علي جهنم فلم أر فيها واديا أعظم من الويل ] وروي أنه مجمع ما يسيل من قيح أهل النار وصديدهم , وإنما يسيل الشيء فيما سفل من الأرض وانفطر , وقد علم العباد في الدنيا أن شر المواضع في الدنيا ما استنقع فيها مياه الأدناس والأقذار والغسالات من الجيف وماء الحمامات ; فذكر أن ذلك الوادي .مستنقع صديد أهل الكفر والشرك ; ليعلم ذوو العقول أنه لا شيء أقذر منه قذارة , ولا أنتن منه نتنا , ولا أشد منه مرارة , ولا أشد سوادا منه ; ثم وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بما تضمن من العذاب , وأنه أعظم واد في جهنم , فذكره الله تعالى في وعيده في هذه السورة .
{ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ } بعدما شاهدوا من الآيات البينات، والعقوبات والمثلات.
"ويل يومئذ للمكذبين".
«ويل يومئذ للمكذبين» تأكيد.
هلاك وعذاب شديد يوم القيامة لكل مكذِّب بأن الله هو الإله الحق وحده لا شريك له، والنبوةِ والبعث والحساب.
ثم كرر - سبحانه - التهديد والوعيد لهم ، لعلهم يرتدعون أو يتعظون فقال : ( وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ) .
اعلم أن المقصود من هذه الصورة تخويف الكفار وتحذيرهم عن الكفر.
فالنوع الأول: من التخويف أنه أقسم على أن اليوم الذي يوعدون به، وهو يوم الفصل واقع ثم هول فقال: ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الفصل ﴾ ثم زاد في التهويل فقال: ﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ ﴾ .
والنوع الثاني من التخويف: ما ذكر في هذه الآية.
وهو أنه أهلك الكفرة المتقدمين بسبب كفرهم.
فإذا كان الكفر حاصلاً في هؤلاء المتأخرين، فلابد وأن يهلكهم أيضاً ثم قال: ﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ ﴾ كأنه يقول، أما الدنيا فحاصلهم الهلاك، وأما الآخرة فالعذاب الشديد وإليه الإشارة بقوله: ﴿ خَسِرَ الدنيا والأخرة ذلك هُوَ الخسران المبين ﴾ وفي الآية سؤالان الأول: ما المراد من الأولين والآخرين؟
الجواب: فيه قولان: الأول: أنه أهلك الأولين من قوم نوح وعاد وثمود ثم أتبعهم الآخرين قوم شعيب ولوط وموسى كذلك نفعل بالمجرمين وهم كفار قريش، وهذا القول ضعيف لأن قوله: ﴿ نُتْبِعُهُمُ الأخرين ﴾ بلفظ المضارع فهو يتناول الحال والاستقبال ولا يتناول الماضي ألبتة القول الثاني: أن المراد بالأولين جميع الكفار الذين كانوا قبل محمد صلى الله عليه وسلم، وقوله: ﴿ ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الأخرين ﴾ على الاستئناف على معنى سنفعل ذلك ونتبع الأول الآخر، ويدل على الاستئناف قراءة عبدالله ﴿ سنتبعهم ﴾ ، فإن قيل: قرأ الأعرج ثم نتبعهم بالجزم وذلك يدل على الاشتراك في ألم، وحينئذ يكون المراد به الماضي لا المستقبل، قلنا: القراءة الثابتة بالتواتر نتبعهم بحركة العين، وذلك يقتضي المستقبل، فلو اقتضت القراءة بالجزم أن يكون المراد هو الماضي لوقع التنافي بين القراءتين، وإنه غير جائز.
فعلمنا أن تسكين العين ليس للجزم للتخفيف كما روي في بيت امرئ القيس: واليوم أشرب غير مستحقب *** ثم إنه تعالى لما بين أنه يفعل بهؤلاء المتأخرين مثل ما يفعل بأولئك المتقدمين قال: ﴿ كَذَلِكَ نَفْعَلُ بالمجرمين ﴾ أي هذا الإهلاك إنما نفعله بهم لكونهم مجرمين، فلا جرم في جميع المجرمين، لأن عموم العلة يقتضي عموم الحكم.
ثم قال تعالى: ﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ ﴾ أي هؤلاء وإن أهلكوا وعذبوا في الدنيا، فالمصيبة العظمى والطامة الكبرى معدة لهم يوم القيامة.
السؤال الثاني: المراد من الإهلاك في قوله: ﴿ أَلَمْ نُهْلِكِ الأولين ﴾ هو مطلق الإماتة أو الإماتة بالعذاب؟
فإن كان ذلك هو الأول لم يكن تخويفاً للكفار، لأن ذلك أمر حاصل للمؤمن والكافر، فلا يصلح تحذيراً للكافر، وإن كان المراد هو الثاني وهو الإماتة بالعذاب، فقوله: ﴿ ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الأخرين كَذَلِكَ نَفْعَلُ بالمجرمين ﴾ يقتضي أن يكون الله قد فعل بكفار قريش مثل ذلك، ومن المعلوم أنه لم يوجد ذلك، وأيضاً فلأنه تعالى قال: ﴿ وَمَا كَانَ الله لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ﴾ الجواب: لم لا يجوز أن يكون المراد منه الإماتة بالتعذيب، وقد وقع ذلك في حق قريش وهو يوم بدر؟
سلمنا ذلك، فلم لا يجوز أن يكون المراد من الإهلاك معنى ثالثاً مغايراً للأمرين اللذين ذكروهما وهو الإماتة المستعقبة للذم واللعن؟
فكأنه قيل: إن أولئك المتقدمين لحرصهم على الدنيا عاندوا الأنبياء وخاصموهم، ثم ماتوا فقد فاتتهم الدنيا وبقي اللعن عليهم في الدنيا والعقوبة الأخروية دائماً سرمداً، فهكذا يكون حال هؤلاء الكفار الموجودين ومعلوم أن مثل هذا الكلام من أعظم وجوه الزجر.
<div class="verse-tafsir"
قرأ قتادة ﴿ نهلك ﴾ ، بفتح النون، من هلكه بمعنى أهلكه، قال الحجاج: وَمَهْمَهٍ هَالِكِ مَنْ تَعَرَّجَا ﴿ ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ ﴾ بالرفع على الاستئناف، وهو وعيد لأهل مكة يريد: ثم نفعل بأمثالهم من الآخرين مثل ما فعلنا بالأولين، ونسلك بهم سبيلهم لأنهم كذبوا مثل تكذيبهم، ويقويها قراءة ابن مسعود ﴿ ثم سنتبعهم ﴾ وقرئ بالجزم للعطف على نهلك.
ومعناه: أنه أهلك الأولين من قوم نوح وعاد وثمود، ثم أتبعهم الآخرين من قوم شعيب ولوط وموسى ﴿ كَذَلِكَ ﴾ مثل ذلك الفعل الشنيع ﴿ نَفْعَلُ ﴾ بكل من أجرم إنذاراً وتحذيراً من عاقبة الجرم وسوء أثره.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ ﴾ كَقَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ، وقُرِئَ «نُهَلِّكِ» مِن هَلَّكَهُ بِمَعْنى أهْلَكَهُ.
﴿ ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ ﴾ أيْ ثُمَّ نَحْنُ نُتْبِعُهم نُظَراءَهم كَكَفّارِ مَكَّةَ، وقُرِئَ بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى نُهْلِكِ فَيَكُونُ الآخِرِينَ المُتَأخِّرِينَ مِنَ المُهْلِكِينَ كَقَوْمِ لُوطٍ وشُعَيْبٍ ومُوسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
﴿ كَذَلِكَ ﴾ مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ.
﴿ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ ﴾ بِكُلِّ مَن أجْرَمَ.
﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴾ بِآياتِ اللَّهِ وأنْبِيائِهِ فَلَيْسَ تَكْرِيرًا، وكَذا إنْ أُطْلِقَ التَّكْذِيبُ أوْ عُلِّقَ في المَوْضِعَيْنِ بِواحِدٍ، لِأنَّ ال ويْلٌ الأوَّلُ لِعَذابِ الآخِرَةِ وهَذا لِلْإهْلاكِ في الدُّنْيا، مَعَ أنَّ التَّكْرِيرَ لِلتَّوْكِيدِ حَسَنٌ شائِعٌ في كَلامِ العَرَبِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذِّبِينَ} بما أوعدنا
﴿ ويْلٌ يَوْمَئِذٍ ﴾ أيْ يَوْمَ إذْ أهْلَكْناهم ﴿ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴾ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى وأنْبِيائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ولَيْسَ فِيهِ تَكْرِيرٌ لِما أنَّ الوَيْلَ الأوَّلَ لِعَذابِ الآخِرَةِ وهَذا لِعَذابِ الدُّنْيا.
وقِيلَ: لا تَكْرِيرَ لِاخْتِلافِ مُتَعَلِّقِ المُكَذِّبِينَ في المَوْضِعَيْنِ بِأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقَةُ هُنا ماسَمِعْتَ وفِيما تَقَدَّمَ يَوْمَ الفَصْلِ ونَحْوَهُ وكَذا يُقالُ فِيما بَعْدُ.
وجُوِّزَ اعْتِبارُ الِاتِّحادِ، والتَّأْكِيدُ أمْرٌ حَسَنٌ لا ضَيْرَ فِيهِ ﴿ ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ ﴾ مِن نُطْفَةٍ قَذِرَةٍ مَهِينَةٍ ولَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى نَجاسَةِ المَنِيِّ ﴿ فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ ﴾ هو الرَّحِمُ ﴿ إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴾ أيْ مِقْدارٍ مَعْلُومٍ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مِنَ الوَقْتِ قَدَّرَهُ سُبْحانَهُ لِلْوِلادَةِ تِسْعَةَ أشْهُرٍ أوْ أقَلَّ مِنها أوْ أكْثَرَ ﴿ فَقَدَرْنا ﴾ أيْ فَقَدَّرْنا ذَلِكَ تَقْدِيرًا ﴿ فَنِعْمَ القادِرُونَ ﴾ أيْ فَنِعْمَ المُقَدِّرُونَ لَهُ نَحْنُ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى فَقَدَرْنا عَلى ذَلِكَ فَنِعْمَ القادِرُونَ عَلَيْهِ نَحْنُ والأوَّلُ أْوْلى لِقِراءَةِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ونافِعٍ والكِسائِيِّ (فَقَدَّرْنا) بِالتَّشْدِيدِ ولِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ﴾ ولِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴾ فَزادَهُ تَفْخِيمًا بِأنْ جُعِلَتِ الغايَةُ مَقْصُودَةً بِنَفْسِها، فَقِيلَ: فَقَدَّرْنا ذَلِكَ تَقْدِيرًا أيْ تَقْدِيرًا دالًّا عَلى كَمالِ القُدْرَةِ وكَمالِ الرَّحْمَةِ عَلى أنَّ حَدِيثَ القُدْرَةِ قَدْ تَمَّ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ ألَمْ نَخْلُقْكُمْ ﴾ وقَوْلُ الطِّيبِيِّ في تَرْجِيحِ الثّانِي إثْباتُ القُدْرَةِ أوْلى لِأنَّ الكَلامَ مَعَ المُنْكِرِينَ لا وجْهَ لَهُ إذْ لا أحَدَ يُنْكِرُ هَذِهِ القُدْرَةَ ولَوْ سَلَّمَ فَقَدْ قَرَّرُوا بِها بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ ألَمْ نَخْلُقْكُمْ ﴾ فَتَأمَّلْ.
.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ يعني: ألم يهلك الله تعالى من كان قبلهم بتكذيبهم لأنبيائهم ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ يعني: نهلك الآخرين يعني: إن كذبوا رسلهم كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ يعني: هكذا يفعل الله بالكفار وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ يعني: الذين كذبوا رسلهم ثم قال: أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ يعني: من نطفة، وهو ماء ضعيف فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ يعني: في رحم الأم.
إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ يعني: إلى وقت معروف، وهو وقت الخروج من البطن.
فَقَدَرْنا يعني: فخلقنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ يعني: نعم الخالق، وهو أحسن الخالقين.
قرأ نافع، والكسائي فَقَدَرْنا بتشديد الدال المهملة، والباقون بالتخفيف، ومعناهما واحد.
يقال: قدرت كذا وكذا، وقد يعني: خلقه في بطن الأم نطفة، ثم علقة ثم مضغة.
يعني: قدرنا خلقه قصيراً وطويلاً، فنعم القادرون.
يعني: فنعم ما قدر الله تعالى خلقهم، ثم أخبرهم بصنعه ليعتبروا، فيؤمنوا بالبعث، وعرفوا الخلق الأول فقال: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ يعني: الشدة من العذاب لمن رأى الخلق الأول، فأنكر الخلق الثاني.
ويقال: فنعم القادرون، يعني: نعم المقدرون.
ويقال: نعم المالكون.
ثم قال عز وجل: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً يعني: أوعية للخلق.
ويقال: موضع القرار، ويقال: بيوتاً ومنزلاً أَحْياءً وَأَمْواتاً يعني: ظهرها منازل الأحياء، وبطنها منازل الأموات.
وقال الأخفش: يعني: أوعية للأحياء والأموات.
وقال الشعبي: بطنها لأمواتكم، وظهرها لأحيائكم.
ويقال: يعني: نظمكم فيها، والكفت الضم وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ يعني: الجبال الثقال: شامِخاتٍ يعني: عاليات طوالاً وَأَسْقَيْناكُمْ مَّاء فُراتاً يعني: ماءً عذباً من السماء، ومن الأرض وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ يعني: ويل لمن عاين هذه الأشياء، وأنكر وحدانية الله تعالى والبعث.
ثم قال عز وجل: انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ يعني: يوم الفصل.
يقال لهؤلاء الذين أنكروا البعث، انطلقوا إلى ما كنتم تكذبون، يعني: انطلقوا إلى العذاب.
ثم قال عز وجل: انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ لاَّ ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ وذلك أنه يخرج عنق من النار، فيحيط الكفار مثل السرادق، ثم يخرج من دخان جهنم ظل أسود، فيفرق فيهم ثلاث فرق رؤوسهم، فإذا فرغ من عرضهم قيل لهم انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ لاَّ ظَلِيلٍ ينفعهم وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ يعني: السرادق من لهب النار.
وقال القتبي: وذلك أن الشمس تدنو من رؤوسهم، يعني: رؤوس الخلق أجمع، وليس عليهم يومئذ لباس، ولا لهم أكنان.
ينجي الله تعالى برحمته من يشاء إلى ظل من ظله.
ثم قال للمكذبين: انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون من عذاب الله وعقابه، انطلقوا إلى ظل، أي: دخان من نار جهنم قد يسطع.
ثم افترق ثلاث فرق، فيكونون فيه، إلى أن يفرغ من الحساب، كما يكون أوليائه في ظله.
ثم يؤمر لكل فريق إلى مستقره الجنة، أو إلى النار.
ثم وصف الظل فقال لاَّ ظَلِيلٍ يعني: لا يظلكم من حر هذا اليوم، بل يزيدكم من لهب النار، إلى ما هو أشد عليكم من حر الشمس وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ وهذا مثل قوله وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (43) [الواقعة: 43] وهو الدخان وهو سرادق أهل النار، كما ذكر المفسرون.
<div class="verse-tafsir"
والباطل والحلال والحرام «١» ، وقيل: هي آيات القرآن، وأَمَّا الملقيات ذكراً فهي في قول الجمهور الملائكة، وقال آخرون: هي الرسل، والذكر: الكتب المُنَزَّلَةُ والشرائع ومضمناتها، والمعنى: أَنَّ الذكر يلقى بإعذار وإنذار.
لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥)
وقوله تعالى: إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ هو الجواب الذي وقع عليه القَسَمُ، والإشارة إلى البعث وأحوال القيامة، والطَّمْسُ محو الأثر، فطمس النجوم: ذَهَابُ ضوءها، وفرج السماء: هو بانفطارها وانشقاقها.
وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ أي: جُمِعَتْ لميقاتِ يوم معلوم، وقرأ أبو عمرو وحده «٢» :
«وُقِّتَتْ» والواو هي الأصل لأَنَّها من الوقت، والهمزة بدل قال الفَرَّاءُ: كل واو انضمت وكانت ضمتها لازمة، جاز أنْ تُبْدَلَ منها همزة، انتهى.
وقوله تعالى: لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ تعجيب وتوقيف على عِظَمِ ذلك اليوم وهوله، ثم فسر ذلك بقوله: لِيَوْمِ الْفَصْلِ يعني: بين الخلق في منازعتهم وحسابهم ومنازلهم من جنة أو نار، ومن هذه الآية انتزع القضاة الآجالَ في الحكومات ليقعَ فصل القضاء عند تمامها، ثم عَظَّمَ تعالى يومَ الفصل بقوله: وَما أَدْراكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ على نحو قوله:
وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ [الحاقة: ٣] وغير ذلك، ثم أثبت الويل لِلْمُكَذِّبِينَ، والويل: هو الحرب والحزن على نوائب تحدث بالمرء، ويُرْوَى أَنَّه واد في جهنم.
وقوله عز وجل: أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ ...
الآية، قرأ الجمهور: «نُتْبِعُهُمُ» - بضم العين- على استئناف الخبر، ورُوِيَ عن أبي «١» عمرو: «نُتْبِعْهُمُ» بجزم العين عطفاً على «نهلك» وهي قراءة الأعرج، فَمَنْ قرأ الأولى جعل الأولين الأُمَمَ التي تقدمت قريشاً بأجمعها، ثم أخبر أَنَّهُ يتبع الآخرين من قريش وغيرهم سنن أولئك إذا كفروا وسلكوا سبيلهم، ومَنْ قرأ الثانية جعل الأَوَّلِينَ قومَ نوحٍ وإبراهيمَ ومَنْ كان معهم، والآخرين قوم فرعونَ وكُلَّ مَنْ تأخَّرَ وقَرُبَ من مدّة النبي صلّى الله عليه وسلّم ثم قال: كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ أي: في المستقبل، فيدخل هنا قريش وغيرها، وأَمَّا تكرار قوله تعالى: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ في هذه السورة فقيل: ذلك لمعنى التأكيد فقط، وقيل: بل في كل آية منها ما يقتضي التصديقَ، فجاء الوعيد على التكذيب بذلك الذي في الآية، والماء المهين:
معناه الضعيف، والقرار المكين: الرَّحِمُ وبَطْنُ المرأة، والقدر «٢» المعلوم: هو وقت الولادة [ومعناه] معلوم عند اللَّه، وقرأ نافع والكسائيُّ: «فَقَدَّرْنَا» - بتشديد الدال-، والباقون بتخفيفها، وهما بمعنى من القدرة والقدر ومن التقدير والتوقيت.
ت: وفي كلام ع: تلفيف، وقال غيره: فَقَدَّرْنَا بالتشديد من التقدير وبالتخفيف من القدرة، وهو حسن.
وقوله: الْقادِرُونَ يُرَجِّحُ قراءة الجماعة إلاَّ أَنَّ ابن مسعود رَوَى عنِ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أَنَّهُ فَسَّرَ «القادرون» بالمقدرين، والكِفَاتُ: الستر والوعاء الجامع للشيء بإجماع تقول: كفت الرجلُ شعره إذا جمعه بخرقة، والأرضُ تكفت الأحياءَ على ظهرها، وتكفِتُ الأموات في بطنها، وخَرَجَ الشَّعْبِيُّ إلى جنازة فنظر إلى الجبَّانة فقال: هذه كفات الموتى، ثم نظر إلى البيوت فقال: وهذه كفات الأحياء.
قال/ ع «٣» : ولما كان القبر كفاتاً كالبيت، قُطِعَ من سَرَقَ منه، والرواسي:
الجبال، والشوامخ: المرتفعة، والفرات: الصافي العَذْبُ، والضمير في قوله: انْطَلِقُوا
هو للمُكَذِّبِينَ الذين لهم الويل، ثم بَيَّنَ المُنْطَلَقَ إليه قال عطاء: الظل الذي له ثلاث شعب هو دُخَانُ جهنم «١» ، وقال ابن عباس: هذه المخاطبة تقال يومئذ لِعَبَدَةِ الصليب «٢» إذا اتَّبَعَ كُلُّ أحد ما كان يعبد، فيكون المؤمنون في ظل اللَّه ولا ظل إلاَّ ظله، ويقال لعَبَدَةِ الصليب: انطلقوا إلى ظِلِّ معبودكم، وهو الصليب له ثلاث شعب، ثم نفى تعالى عنه محاسن الظل، والضميرُ في إِنَّها لجهنم تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ أي: مثل القصور من البنيان قاله ابن عباس وجماعة من المفسرين «٣» ، وقال ابن عباس أيضاً: القصر خشب كُنَّا في الجاهلية نَدَّخِرُه للشتاء «٤» ، وقرأ ابن عباس «٥» : «كالْقَصَر» - بفتح الصاد- جمع قَصَرَةِ وهي أعناق النخل والإبل، وقال ابن عباس: جذور النخل «٦» ، واخْتُلِفَ في الجَمَالاَتِ:
فقال جمهور من المفسرين: هي جمع جِمَالٍ كرجال ورِجالات، وقال آخرون: أراد بالصُّفْرِ السود، وقال جمهور الناس: بل الصفر: الفاقعة لأَنَّها أشبه بلون الشَّرَرِ، وقال ابن عباس: الجمالات: حبال السفن، وهي الحبال العظام إذا جُمِعَتْ مستديرةً بعضها إلى بعض «٧» ، وقرأ ابن عباس «٨» : «جُمَالَةً» - بضم الجيم- من الجملة لا من الجمل، ثم
سُورَةُ المُرْسَلاتِ مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ الجُمْهُورِ وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، ومُقاتِلٍ أنَّ فِيها آيَةً مَدَنِيَّةً، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والمُرْسَلاتِ عُرْفًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الرِّياحُ يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا، رَواهُ أبُو العُبَيْدَيْنِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، والعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّها المَلائِكَةُ الَّتِي أُرْسِلَتْ بِالمَعْرُوفِ مِن أمْرِ اللَّهِ ونَهْيِهِ، رَواهُ مَسْرُوقٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وبِهِ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ، ومُقاتِلٌ.
وقالَ الفَرّاءُ: هي المَلائِكَةُ.
فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عُرْفًا ﴾ فَيُقالُ: أُرْسِلَتْ بِالمَعْرُوفِ، ويُقالُ: تَتابَعَتْ كَعُرْفِ الفَرَسِ.
والعَرَبُ تَقُولُ: يَرْكَبُ النّاسُ إلى فُلانٍ عُرْفًا واحِدًا: إذا تَوَجَّهُوا إلَيْهِ فَأكْثَرُوا.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُرِيدُ أنَّ المَلائِكَةَ مُتَتابِعَةٌ بِما تُرْسَلُ بِهِ.
وأصْلُهُ مِن عُرْفِ الفَرَسِ، لِأنَّهُ سَطْرٌ مُسْتَوٍ بَعْضُهُ في إثْرِ بَعْضٍ، فاسْتُعِيرَ لِلْقَوْمِ يَتْبَعُ بَعْضُهم بَعْضًا.
والثّالِثُ: أنَّهُمُ الرُّسُلُ بِما يُعْرَفُونَ بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ أبِي صالِحٍ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.
والرّابِعُ: المَلائِكَةُ والرِّيحُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
قالَ: ومَعْنى "عُرْفًا": يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا.
يُقالُ: جاؤُونِي عُرْفًا.
وفي "العاصِفاتِ" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها الرِّياحُ الشَّدِيدَةُ الهُبُوبِ، قالَهُ الجُمْهُورُ.
والثّانِي: المَلائِكَةُ، قالَهُ مُسْلِمُ بْنُ صُبَيْحٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: تَعْصِفُ بِرُوحِ الكافِرِ.
وفي "النّاشِراتِ" خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الرِّياحُ تَنْشُرُ السَّحابَ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والجُمْهُورُ.
والثّانِي: المَلائِكَةُ تَنْشُرُ الكُتُبَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.
والثّالِثُ: الصُّحُفُ تُنْشَرُ عَلى اللَّهِ تَعالى بِأعْمالِ العِبادِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والرّابِعُ: البَعْثُ لِلْقِيامَةِ تُنْشَرُ فِيهِ الأرْواحُ، قالَهُ الرَّبِيعُ.
والخامِسُ: المَطَرُ يَنْشُرُ النَّباتَ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
وَفِي "الفارِقاتِ" أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: المَلائِكَةُ تَأْتِي بِما يُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.
والثّانِي: آيُ القُرْآنِ فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَلالِ والحَرامِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ كَيْسانَ.
والثّالِثُ: الرِّيحُ تُفَرِّقُ بَيْنَ السَّحابِ فَتُبَدِّدُهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: الرُّسُلُ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.
﴿ فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: المَلائِكَةُ تُلْقِي ما حَمَلَتْ مِنَ الوَحْيِ إلى الأنْبِياءِ، وهَذا مَذْهَبُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والجُمْهُورُ.
والثّانِي: الرُّسُلُ يُلْقُونَ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ إلى الأُمَمِ، قالَهُ قُطْرُبٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عُذْرًا أوْ نُذْرًا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ "عُذْرًا" خَفِيفًا "أوْ نُذُرًا" مُثَقَّلًا.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ، وخَلَفٌ "عُذْرًا أوْ نُذْرًا" خَفِيفَتانِ.
قالَ الفَرّاءُ: وهو مَصْدَرٌ، مُثَقَّلًا كانَ أوْ مُخَفَّفًا.
ونَصْبُهُ عَلى مَعْنى: أُرْسِلَتْ بِما أُرْسِلَتْ بِهِ إعْذارًا مِنَ اللَّهِ وإنْذارًا.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: فالمُلْقِياتِ عُذْرًا أوْ نُذْرًا.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا لِلْإعْذارِ والإنْذارِ.
وهَذِهِ المَذْكُوراتُ مَجْرُوراتٌ بِالقَسَمِ.
وجَوابُ القَسَمِ ﴿ إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ ما تُوعَدُونَ بِهِ مِن أمْرِ السّاعَةِ، والبَعْثِ، والجَزاءِ لَواقِعٌ، أيْ: لَكائِنٌ.
ثُمَّ ذَكَرَ مَتى يَقَعُ فَقالَ تَعالى: ﴿ فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ ﴾ أيْ: مُحِيَ نُورُها ﴿ وَإذا السَّماءُ فُرِجَتْ ﴾ أيْ: شُقَّتْ ﴿ وَإذا الجِبالُ نُسِفَتْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: ذُهِبَ بِها كُلِّها بِسُرْعَةٍ.
يُقالُ: انْتَسَفْتُ الشَّيْءَ: إذا أخَذْتَهُ بِسُرْعَةٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو "وُقِّتَتْ" بِواوٍ مَعَ تَشْدِيدِ القافِ.
ووافَقَهُ أبُو جَعْفَرٍ، إلّا أنَّهُ خَفَّفَ القافَ.
وقَرَأ الباقُونَ: "أُقِّتَتْ" بِألِفٍ مَكانَ الواوِ مَعَ تَشْدِيدِ القافِ.
قالَ الزَّجّاجُ: وُقِّتَتْ وأُقِّتَتْ بِمَعْنًى واحِدٍ.
فَمَن قَرَأ "أُقِّتَتْ" بِالهَمْزِ، فَإنَّهُ أبْدَلَ الهَمْزَةَ مِنَ الواوِ لِانْضِمامِ الواوِ.
وكُلُّ واوٍ انْضَمَّتْ، وكانَتْ ضَمَّتُها لازِمَةً، جازَ أنْ تُبْدَلَ مِنها هَمْزَةٌ.
وقالَ الفَرّاءُ: الواوُ إذا كانَتْ أوَّلَ حَرْفٍ، وضُمَّتْ، هُمِزَتْ تَقُولُ: صَلّى القَوْمُ أُحْدانًا.
وهَذِهِ أُجُوهٌ حِسانٌ.
ومَعْنى "أُقِّتَتْ": جُمِعَتْ لِوَقْتِها يَوْمَ القِيامَةِ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: جُمِعَتْ لِوَقْتٍ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: جُعِلَ لَها وقْتٌ واحِدٌ لِفَصْلِ القَضاءِ بَيْنَ الأُمَّةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ ﴾ أيْ: أُخِّرَتْ.
وضَرْبُ الأجَلِ لِجَمْعِهِمْ، يُعَجِّبُ العِبادَ مِن هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ.
ثُمَّ بَيَّنَهُ فَقالَ تَعالى: ﴿ لِيَوْمِ الفَصْلِ ﴾ وهو يَوْمٌ يَفْصِلُ اللَّهُ تَعالى فِيهِ بَيْنَ الخَلائِقِ.
ثُمَّ عَظَّمَ ذَلِكَ اليَوْمَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ ﴾ ﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴾ بِالبَعْثِ.
ثُمَّ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَمّا فَعَلَ بِالأُمَمِ المُكَذِّبَةِ، فَقالَ: ﴿ ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ ﴾ يَعْنِي بِالعَذابِ في الدُّنْيا حِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهم ﴿ ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ ﴾ والقُرّاءُ عَلى رَفْعِ العَيْنِ في "نُتْبِعُهُمْ"، وقَدْ قَرَأ قَوْمٌ مِنهم أبُو حَيْوَةَ بِإسْكانِ العَيْنِ.
قالَ الفَرّاءُ: "نُتْبِعُهُمْ" مَرْفُوعَةٌ.
ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ "وَسَنُتْبِعُهُمُ الآخَرِينَ: .
ولَوْ جَزَمْتَ عَلى مَعْنى: ألَمْ نَقْدِرْ عَلى إهْلاكِ الأوَّلِينَ وإتْباعِهِمُ الآخَرِينَ كانَ وجْهًا جَيِّدًا.
وقالَ الزَّجّاجُ: الجَزْمُ عَطْفٌ عَلى "نُهْلِكْ"، ويَكُونُ المَعْنى: لِمَن أُهْلِكَ أوَّلًا وآخِرًا.
والرَّفْعُ عَلى مَعْنى: ثُمَّ نُتْبِعُ الأوَّلَ الآخِرَ مِن كُلِّ مُجْرِمٍ.
وقالَ مُقاتِلٌ: ﴿ ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ ﴾ : يَعْنِي"كَفّارَ مَكَّةَ حِينَ كَذَّبُوا بِالنَّبِيِّ .
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الأوَّلُونَ: قَوْمُ نُوحٍ، وعادٍ، وثَمُودَ، والآخَرُونَ: قَوْمُ إبْراهِيمَ، ولُوطٍ، ومَدْيَنَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ ﴿ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ ﴾ يَعْنِي: المُكَذِّبِينَ.
فَإنْ قِيلَ: ما الفائِدَةُ في تَكْرارِ قَوْلِهِ تَعالى: " ويْل يَوْمئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ " ؟
فالجَوابُ: أنَّهُ أرادَ بِكُلِّ آيَةٍ مِنها غَيْرَ ما أرادَ بِالأُخْرى، لِأنَّهُ كُلَّما ذَكَرَ شَيْئًا قالَ: "وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ" بِهَذا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ نَخْلُقْكُمْ ﴾ قَرَأ قالُونُ عَنْ نافِعٍ بِإظْهارِ القافِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِإدْغامِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن ماءٍ مَهِينٍ ﴾ أيْ: ضَعِيفٍ ﴿ فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ ﴾ يَعْنِي: الرَّحِمَ ﴿ إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴾ وهو مُدَّةُ الحَمْلِ ﴿ فَقَدَرْنا ﴾ قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ، والكِسائِيُّ "فَقَدَّرْنا" بِالتَّشْدِيدِ.
وقَرَأ الباقُونَ: بِالتَّخْفِيفِ.
وهَلْ بَيْنَهُما فَرْقٌ؟
.
فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ.
قالَ الفَرّاءُ: تَقُولُ العَرَبُ: قَدَرَ عَلَيْهِ، وقَدَّرَ عَلَيْهِ.
وقَدِ احْتَجَّ مَن قَرَأ بِالتَّخْفِيفِ فَقالَ: لَوْ كانَتْ مُشَدَّدَةً لَقالَ: فَنَعِمَ المُقَدِّرُونَ، فَأجابَ الفَرّاءُ فَقالَ: قَدْ تَجْمَعُ العَرَبُ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ،كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهم رُوَيْدًا ﴾ .
قالَ الشّاعِرُ: وأنْكَرَتْنِي وما كانَ الَّذِي نَكِرَتْ مِنَ الحَوادِثِ إلّا الشَّيْبَ والصَّلَعا يَقُولُ: ما أنْكَرَتْ إلّا ما يَكُونُ في النّاسِ.
والثّانِي: أنَّ المُخَفَّفَةَ مِنَ القُدْرَةِ والمِلْكِ، والمُشَدَّدَةَ مِنَ التَّقْدِيرِ والقَضاءِ.
ثُمَّ بَيَّنَ لَهم صُنْعَهُ لِيَعْتَبِرُوا فَيُوَحِّدُوهُ.
فَقالَ تَعالى: ﴿ ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا ﴾ قالَ اللُّغَوِيُّونَ: الكَفْتُ في اللُّغَةِ: الضَّمُّ.
والمَعْنى: أنَّها تَضُمُّ أهْلَها أحْياءً عَلى ظَهْرِها، وأمْواتًا في بَطْنِها.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: اكْفِتْ هَذا إلَيْكَ، أيْ: ضُمَّهُ.
وكانُوا يُسَمُّونَ بَقِيعَ الغَرْقَدِ: كِفْتَةً، لِأنَّهُ مَقْبَرَةٌ يَضُمُّ المَوْتى.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أحْياءً وأمْواتًا ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: تَكْفِتُهم أحْياءً وأمْواتًا، قالَهُ الجُمْهُورُ.
قالَ الفَرّاءُ: وانْتَصَبَ الأحْياءُ والأمْواتُ بِوُقُوعِ الكِفاتِ عَلَيْهِمْ، كَأنَّكَ قُلْتَ: ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتَ أحْياءٍ وأمْواتٍ، فَإذا نَوَّنْتَ نَصَبْتَ كَما يُقْرَأُ ﴿ أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ﴾ ﴿ يَتِيمًا ﴾ .
وقالَ الأخْفَشُ: انْتَصَبَ عَلى الحالِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المَعْنى: ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ أحْياءً بِالنَّباتِ والعِمارَةِ، وأمْواتًا بِالخَرابِ واليُبْسِ، هَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، وأبِي عُبَيْدَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ ﴾ قَدْ سَبَقَ بَيانُ ﴿ شامِخاتٍ ﴾ أيْ: عالِياتٍ ﴿ وَأسْقَيْناكُمْ ﴾ قَدْ سَبَقَ مَعْنى "أسْقَيْنا"، [الحِجْرِ: ٢٢: والجِنِّ: ١٦] ومَعْنى "الفُراتِ" [الفُرْقانِ: ٥٣، وفاطِرٍ: ١٢] والمَعْنى: إنَّ هَذِهِ الأشْياءَ أعْجَبُ مِنَ البَعْثِ.
ثُمَّ ذَكَرَ ما يُقالُ لَهم في الآخِرَةِ: ﴿ انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴾ في الدُّنْيا، وهو النّارُ ﴿ انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ هَذِهِ الثّانِيَةَ بِكَسْرِ اللّامِ عَلى الأمْرِ.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَأبِي عِمْرانَ، ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِفَتْحِ اللّامِ عَلى الخَبَرِ بِالفِعْلِ الماضِي.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: "والظِّلُّ" هاهُنا: ظِلٌّ مِن دُخانِ نارِ جَهَنَّمَ سَطَعَ، ثُمَّ افْتَرَقَ ثَلاثَ فِرَقٍ، وكَذَلِكَ شَأْنُ الدُّخانِ العَظِيمِ إذا ارْتَفَعَ أنْ يَتَشَعَّبَ، فَيُقالُ لَهُمْ: كُونُوا فِيهِ إلى أنْ يَفْرُغَ مِنَ الحِسابِ، كَما يَكُونُ أوْلِياءُ اللَّهِ في ظِلِّ عَرْشِهِ، أوْ حَيْثُ شاءَ مِنَ الظِّلِّ، ثُمَّ يُؤْمَرُ بِكُلِّ فَرِيقٍ إلى مُسْتَقَرِّهِ مِنَ الجَنَّةِ والنّارِ ﴿ لا ظَلِيلٍ ﴾ أيْ: يُظِلُّكم مِن حَرِّ هَذا اليَوْمِ بَلْ يُدْنِيكم مِن لَهَبِ النّارِ إلى ما هو أشَدُّ عَلَيْكم مِن حَرِّ الشَّمْسِ.
قالَ مُجاهِدٌ: تَكُونُ شُعْبَةً فَوْقَ الإنْسانِ، وشُعْبَةً عَنْ يَمِينِهِ، وشُعْبَةً عَنْ شِمالِهِ، فَتُحِيطُ بِهِ.
وقالَ الضَّحّاكُ: الشُّعَبُ الثَّلاثُ: هي الضَّرِيعُ، والزَّقُّومُ، والغِسْلِينُ.
فَعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ هَذا بَعْدَ دُخُولِ النّارِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ ﴾ أيْ: لا يَدْفَعُ عَنْكم لَهَبَ جَهَنَّمَ.
ثُمَّ وصَفَ النّارَ فَقالَ تَعالى: ﴿ إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ ﴾ ، وهو جَمْعُ شَرَرَةٍ، وهو ما يَتَطايَرُ مِنَ النّارِ مُتَفَرِّقًا ﴿ كالقَصْرِ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِإسْكانِ الصّادِ عَلى أنَّهُ واحِدُ القُصُورِ المَبْنِيَّةِ.
وهَذا المَعْنى في رِوايَةِ ابْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، ومُجاهِدٌ، وأبُو الجَوْزاءِ "كالقَصَرِ" بِفَتْحِ الصّادِ.
وفي أفْرادِ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كُنّا نَرْفَعُ الخَشَبَ [بِقَصَرِ] ثَلاثَةِ أذْرُعٍ أوْ أقَلَّ [فَنَرْفَعُهُ] لِلشِّتاءِ، فَنُسَمِّيهِ: القَصَرُ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مِن فَتْحِ الصّادَ أرادَ: أُصُولَ النَّخْلِ المَقْطُوعَةِ.
المَقْلُوعَةِ قالَ الزَّجّاجُ: أرادَ أعْناقَ الإبِلِ.
وقَرَأ سَعْدُ ابْنُ أبِي وقّاصٍ، وعائِشَةُ، وعِكْرِمَةُ، وأبُو مِجْلَزٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وابْنُ يَعْمَرَ "كالقَصِرِ" بِفَتْحِ القافِ، وكَسْرِ الصّادِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، والنَّخَعِيُّ "كالقُصُرِ" بِرَفْعِ القافِ والصّادِ جَمِيعًا.
وقَرَأ أبُو الدَّرْداءِ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ "كالقِصَرِ" بِكَسْرِ القافِ، وفَتْحِ الصّادِ، وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، وأبُو عِمْرانَ، وأبُو نُهَيْكٍ، ومُعاذٌ القارِئُ "كالقُصْرِ" بِضَمِّ القافِ وإسْكانِ الصّادِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَأنَّهُ جِمالَتٌ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ "جِمالاتٌ" بِألِفٍ، وكَسْرِ الجِيمِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ "جِمالَةٌ" عَلى التَّوْحِيدِ.
وقَرَأ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ "جُمالاتٌ" بِضَمِّ الجِيمِ.
وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وحُمَيْدٌ، وأبُو حَيْوَةَ "جُمالَةٌ" بِرَفْعِ الجِيمِ عَلى التَّوْحِيدِ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ "جِمالاتٌ" بِالكَسْرِ، فَهو جَمْعُ جِمالٍ، كَما تَقُولُ: بُيُوتٌ، وبُيُوتاتٌ، وهو جَمْعُ الجَمْعِ، فالمَعْنى: كَأنَّ الشَّراراتِ كالجِمالاتِ.
ومَن قَرَأ "جُمالاتٌ" بِالضَّمِّ، فَهو جَمْعُ "جُمالَةٍ" ومَن قَرَأ جُمالَةٌ" فَهو جَمْعُ جَمَلٍ وجِمالَةٍ، كَما قِيلَ: حَجَرٌ، وحِجارَةٌ.
وذَكَرٌ، وذِكارَةٌ.
وقُرِئَتْ "جُمالَةٌ" عَلى ما فَسَّرْناهُ في جُمالاتٍ بِالضَّمِّ.
و"الصُّفْرُ" هاهُنا: السُّودُ.
يُقالُ لِلْإبِلِ الَّتِي هي سُودٌ تَضْرِبُ إلى الصُّفْرَةِ: إبِلٌ صُفْرٌ.
وقالَ الفَرّاءُ: الصُّفْرُ: سُودُ الإبِلِ لا يُرى الأسْوَدَ مِنَ الإبِلِ إلّا وهو مُشْرَبٌ صُفْرَةً، فَلِذَلِكَ سَمَّتِ العَرَبُ سُودَ الإبِلِ: صُفْرًا، كَما سَمَّوُا الظِّباءَ: أدَمًا لِما يَعْلُوها مِنَ الظُّلْمَةِ في بَياضِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا في بَعْضِ مَواقِفِ القِيامَةِ.
قالَ عِكْرِمَةُ: تَكَلَّمُوا واخْتَصَمُوا، ثُمَّ خُتِمَ عَلى أفْواهِهِمْ، فَتَكَلَّمَتْ أيْدِيهِمْ، وأرْجُلُهُمْ، فَحِينَئِذٍ لا يَنْطِقُونَ بِحُجَّةٍ تَنْفَعُهم.
وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، والقاسِمُ ابْنُ مُحَمَّدٍ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ "هَذا يَوْمَ لا يَنْطِقُونَ" بِنَصْبِ المِيمِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا يَوْمُ الفَصْلِ ﴾ أيْ: بَيْنَ أهْلِ الجَنَّةِ وأهْلِ النّارِ ﴿ جَمَعْناكُمْ ﴾ يَعْنِي مُكَذِّبِي هَذِهِ الأُمَّةِ ﴿ والأوَّلِينَ ﴾ مِنَ المُكَذِّبِينَ الَّذِينَ كَذَّبُوا أنْبِياءَهم ﴿ فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ ﴾ أثْبَتَ فِيها الياءَ في الحالَيْنِ يَعْقُوبُ أيْ: إنْ قَدَرْتُمْ عَلى حِيلَةٍ، فاحْتالُوا لِأنْفُسِكم.
ثُمَّ ذَكَرَ ما لِلْمُؤْمِنِينَ، فَقالَ تَعالى: ﴿ إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ ﴾ يَعْنِي: ظِلالَ الشَّجَرِ، وظِلالَ أكْنانِ القُصُورِ ﴿ وَعُيُونٍ ﴾ الماءَ، وهَذا قَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ، إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ كُلُوا ﴾ أيْ: ويُقالُ لَهُمْ: كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ في الدُّنْيا بِطاعَةِ اللَّهِ.
ثُمَّ قالَ لِكُفّارِ مَكَّةَ: ﴿ كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلا ﴾ في الدُّنْيا إلى مُنْتَهى آجالِكم ﴿ إنَّكم مُجْرِمُونَ ﴾ أيْ: مُشْرِكُونَ بِاللَّهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ حِينَ يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ يَوْمَ القِيامَةِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ في الدُّنْيا كانُوا إذا قِيلَ لَهُمُ: ارْكَعُوا، أيْ: صَلُّوا ﴿ لا يَرْكَعُونَ ﴾ أيْ: لا يُصَلُّونَ.
وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ مُجاهِدٌ في آخَرِينَ، وهو الأصَحُّ.
وقِيلَ: نَزَلَتْ في ثَقِيفٍ حِينَ أمَرَهم رَسُولُ اللَّهِ بِالصَّلاةِ، فَقالُوا: لا نَحْنِي، فَإنَّها مَسَبَّةٌ عَلَيْنا، فَقالَ: «لا خَيْرَ في دِينٍ لَيْسَ فِيهِ رُكُوعٌ.» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ﴾ أيْ: إنْ لَمْ يُصَدِّقُوا بِهَذا القُرْآنِ، فَبِأيِّ كِتابٍ بَعْدَهُ يُصَدِّقُونَ، ولا كِتابَ بَعْدَهُ: !
تَمَّ - بِعَوْنِ اللَّهِ تَعالى وتَوْفِيقِهِ - الجُزْءُ الثّامِنُ مِن كِتابِ "زادِ المَسِيرِ في عِلْمِ التَّفْسِيرِ لِلْإمامِ ابْنِ الجَوْزِيِّ، ويَلِيهِ الجُزْءُ التّاسِعُ، وأوَّلُهُ تَفْسِيرُ سُورَةِ
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ ﴾ ﴿ كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ ﴾ ﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴾ ﴿ ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ ﴾ ﴿ فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ ﴾ ﴿ إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴾ ﴿ فَقَدَرْنا فَنِعْمَ القادِرُونَ ﴾ ﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴾ ﴿ ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا ﴾ ﴿ أحْياءً وأمْواتًا ﴾ ﴿ وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا ﴾ ﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴾ قرأ جمهور القراء: "ثم نتبعهم" بضم العين على استئناف الخبر، وقرأ أبُو عَمْرٍو - فيما روي عنه_: "ثم نتبعهم" بجزم العين عطفا على "نُهْلِكِ" وهي قراءة الأعرج، وعلى حسب هاتين القراءتين يجيء التأويل في "الأوَّلِينَ"، فمن قرأ الأولى جعل "الأوَّلِينَ" الأمم التي قدمت قريشا بأجمعها، ثم أخبر تعالى أنه يتبع "الآخِرِينَ" من قريش سير اولئك إذا كفروا وسلكوا سبيلهم، ومن قرأ الثانية جعل "الأوَّلِينَ"، قوم نوح وإبراهيم ومن كان معهم، و"الآخِرِينَ" قوم فرعون وكل من تأخر وقرب من مدة محمد ، وفي حرف عبد الله: "وسنتبعهم" ثم قال تعالى: "كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ" أي في المستقبل، فتدخل هنا قريش وغيرها من الكفار.
وأما تكرار قَوْلُهُ تَعالى في هذه السورة: ( ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ) فقيل: ذلك بمعنى التأكيد فقط، وقيل: بل في كل آية منها ما يقتضي التصديق، فجاء الوعد على التكذيب يؤكد ذلك الذي في الآية.
ثم وقف تعالى على أصل الخلقة الذي يقتضي النظر فيها تجويز البعث، و"الماء المهين" معناه: الضعيف، وهو المني من الرجل والمرأة، و"القرار المكين" الرحم وبطن المرأة، و"القدر المعلوم": وقت الولادة، ومعناه: معلوم عند الله تعالى في شخص شخص، وأما عند الآدميين فيختلف، فليس بمعلوم قدر شخص بعينه، وقرأ علي بن أبي طالب ، ونافِعٌ، والكِسائِيُّ: "فقدّرنا" بتشديد الدال، وقرأ الباقون بتخفيفها، وهما بمعنى، من القدرة والقدر، ومن التَقْدِيرُ والتوقيف، وقوله تَعالى: "القادِرُونَ" يُرَجِّحُ قِراءَةَ الجَماعَةِ، أمّا أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رَوى عَنِ النَبِيِّ «أنَّهُ فَسَّرَ "القادِرِينَ" بِالمُقَدِّرِينَ،» وقَدَّرَ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "فَقَدَّرْنا" بِتَشْدِيدِ الدالِ "فَنِعْمَ المُقْتَدِرُونَ" و"الكَفاتُ": السِتْرُ والوِعاءُ الجامِعُ لِلشَّيْءِ بِإجْماعٍ، تَقُولُ: كَفَتِ الرَجُلَ شِعْرَهُ، إذا جَمَعَهُ بِخِرْقَةٍ، فالأرْضُ تَكَفَّتِ الأحْياءَ عَلى ظَهْرِها، وتَكَفَّتِ الأمْواتَ في بَطْنِها، و"أحْياءً" عَلى هَذا التَأْوِيلِ- مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "كِفاتًا" لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: "أحْياءً وأمْواتًا"، إنَّما هو بِمَعْنى أنَّ الأرْضَ فِيها أقْطارُ أحْياءٍ وأقْطارُ أمْواتٍ، يُرادُ: ما يَنْبُتُ وما لا يَنْبُتُ، فَنَصْبُ "أحْياءً"- عَلى هَذا- إنَّما هو عَلى الحالِ مِن "الأرْضَ"، والتَأْوِيلُ الأوَّلُ أقْوى،وَقالَ بَنانُ: خَرَجْنا مَعَ الشَعْبِيِّ إلى جِنازَةٍ فَنَظَرَ إلى الجَبّانَةِ فَقالَ: هَذِهِ كِفاتُ المَوْتى، ثُمَّ نَظَرَ إلى البُيُوتِ فَقالَ: هَذِهِ كِفاتُ الأحْياءِ، وكانَتِ العَرَبُ تُسَمِّي "بَقِيعَ الغَرْقَدِ" كَفْتَةٌ لِأنَّها مَقْبَرَةٌ تَضُمُّ المَوْتى، وفي الحَدِيثِ « "خَمِّرُوا آنِيَتَكُمْ، وأوكُوا أسْقَيَتَكُمْ، واكْفِتُوا صِبْيانَكُمْ، وأغْلِقُوا أبْوابَكم وأطْفِئُوا مَصابِيحَكُمْ"».
ودَفَنَ ابْنُ مَسْعُودٍ قَمْلَةً في المَسْجِدِ ثُمَّ قَرَأ: "ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا"، ولَمّا كانَ القَبْرُ كِفاتًا كالبَيْتِ قَطَعَ مَن سَرَقَ مِنهُ.
و"الرَواسِي" الجِبالُ؛ لِأنَّها رَسَتْ، أيْ ثَبَتَتْ، و"الشامِخُ": المُرْتَفِعُ، ومِنهُ: شَمَخَ بِأنْفِهِ، أيِ ارْتَفَعَ واسْتَعْلى، شَبَّهَ المَعْنى بِالشَخْصِ.
و"أسْقى" جَعَلَهُ سَقْيًا لِلْغَلّاتِ والمَنافِعِ، وسَقى مَعْناهُ لِلشَّفَةِ خاصَّةً؛ هَذا قَوْلٌ لِجَماعَةٍ مِن أهْلِ اللُغَةِ، وقالَ آخَرُونَ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، و"الفُراتُ": الصافِي، ولا يُقالُ لِلْمِلِحِ فُراتٌ، وهي لَفْظَةٌ تَجْمَعُ ماءَ المَطَرِ ومِياهَ الأنْهارِ، وخُصَّ النَهْرُ المَشْهُورَ بهَذا تَشْرِيفًا لَهُ، وهو نَهْرُ الكُوفَةِ، وسَيُحانُ هو نَهْرُ بَلْخٍ، وجِيحانِ هو دِجْلَةُ، والنِيلُ نَهْرُ مِصْرَ.
وحُكِيَ عن عِكْرِمَةَ أنَّ كُلَّ ماءٍ في الأرْضِ فَهو مِن هَذِهِ، وفي هَذا بُعْدٌ، واللهُ تَعالى أعْلَمُ.
<div class="verse-tafsir"
تقرير لنظيره المتقدم تأكيداً للتهديد وإعادة لمعناه.
التهديد: من مقامات التكرير كقول الحارث بن عياد: قَرِّبَا مربَط النَعامة مني *** الذي كرّره مراراً متوالية في قصيدته اللامية التي أثارت حرب البسوس.
فعلى الوجه الأول في موقع جملة ﴿ ويل يومئذٍ للمكذبين ﴾ يقدر الكلام المعوض عنه تنوين ﴿ يومئذٍ ﴾ يومَ إذ يقال لهم ﴿ ألم نهلك الأولين ﴾ [المرسلات: 16].
والمراد بالمكذبين: المخاطبون فهو إظهار في مقام الإِضمار لتسجيل أنهم مكذبون، والمعنى: ويل يومئذٍ لكم.
وعلى الوجه الثاني في موقع الجملة يقدر المحذوف المعرض عنه التنوينُ: يومَ إذ ﴿ النجوم طمست ﴾ [المرسلات: 8] الخ، فتكون الجملة تأكيداً لفظياً لنظيرتها التي تقدمت.
والمراد بالمكذبين جميع المكذبين الشامل للسامعين.
وعلى الاعتبارين فتقرير معنى الجملتين حاصل لأن اليوم يوم واحد ولأن المكذبين يَصدُق بالأحياء وبأهل المحشر.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ ﴾ يَعْنِي مِنَ العُصاةِ، وفِيمَن أُرِيدَ بِهِمْ وجْهانِ: أحَدُهُما: قَوْمُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لِعُمُومِ هَلاكِهِمْ بِالطُّوفانِ لِأنَّ هَلاكَهم أشْهَرُ وأعَمُّ.
الثّانِي: أنَّهُ قَوْمُ كُلِّ نَبِيٍّ اسْتُؤْصِلُوا، لِأنَّهُ في خُصُوصِ الأُمَمِ أنْدَرُ.
﴿ ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ ﴾ يَعْنِي في هَلاكِهِمْ بِالمَعْصِيَةِ كالأوَّلِينَ، إمّا بِالسَّيْفِ وإمّا بِالهَلاكِ.
﴿ كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَهْوِيلٌ لِهَلاكِهِمْ في الدُّنْيا اعْتِبارًا.
الثّانِي: أنَّهُ إخْبارٌ بِعَذابِهِمْ في الآخِرَةِ اسْتِحْقاقًا.
﴿ ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مِن صَفْوَةِ الماءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: مِن ماءٍ ضَعِيفٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ.
الثّالِثُ: مِن مَنِيٍّ سائِلٍ، قالَهُ ابْنُ كامِلٍ.
﴿ فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ في رَحِمِ أُمِّهِ لا يُؤْذِيهِ حَرٌّ ولا بَرْدٌ.
الثّانِي: مَكِينٌ حَرِيزٌ لا يَعُودُ فَيَخْرُجُ ولا يُبَثُّ في الجَسَدِ فَيَدُومُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
﴿ إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴾ إلى يَوْمِ وِلادَتِهِ.
﴿ فَقَدَرْنا فَنِعْمَ القادِرُونَ ﴾ في قِراءَةِ نافِعٍ مُشَدَّدَةٌ، وقَرَأ الباقُونَ مُخَفَّفَةً، فَمَن قَرَأ بِالتَّخْفِيفِ فَتَأْوِيلُها: فَمَلَكْنا فَنِعْمَ المالِكُونَ.
وَمَن قَرَأ بِالتَّشْدِيدِ فَتَأْوِيلُها: فَقَضَيْنا فَنِعْمَ القاضُونَ، وقالَ الفَرّاءُ: هُما لُغَتانِ ومَعْناهُما واحِدٌ.
﴿ ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي كِنًّا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: غِطاءً، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: مَجْمَعًا، قالَهُ المُفَضَّلُ.
الرّابِعُ: وِعاءً قالَ الصَّمْصامَةُ بْنُ الطِّرِمّاحِ فَأنْتَ اليَوْمَ فَوْقَ الأرْضِ حَيٌّ وأنْتَ غَدًا تَضُمُّكَ مِن كِفاتٍ.
﴿ أحْياءً وأمْواتًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الأرْضَ تَجْمَعُ النّاسَ أحْياءً عَلى ظَهْرِها وأمْواتًا في بَطْنِها، قالَهُ قَتادَةُ والشَّعْبِيُّ.
الثّانِي: أنَّ مِنَ الأرْضِ أحْياءً بِالعِمارَةِ والنَّباتِ، وأمْواتًا بِالجَدْبِ والجَفافِ، وهو أحَدُ قَوْلَيْ مُجاهِدٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت سورة المرسلات بمكة.
وأخرج البخاري ومسلم والنسائي وابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «بينما نحن مع النبي صلى الله عليه وسلم في غار بمنى إذ نزلت عليه سورة والمرسلات عرفاً، فإنه يتلوها وإني لألقاها من فيه، وإن فاه لرطب بها إذا وثبت عليه حية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اقتلوها فابتدرناها فذهبت.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وقيت شركم كما وقيتم شرها» .
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «نزلت ﴿ والمرسلات عرفاً ﴾ نحو ليلة الحية.
قالوا وما ليلة الحية؟
قال: خرجت حية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اقتلوها، فتغيبت في حجر.
فقال: دعوها فإن الله وقاها شركم كما وقاكم شرها» .
وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غار فنزلت عليه ﴿ والمرسلات ﴾ فأخذتها من فيه وإن فاه لرطب بها فلا أدري بأيها ختم ﴿ فبأي حديث بعده يؤمنون ﴾ أو ﴿ وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وابن ماجة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن أم الفضل سمعته وهو يقرأ ﴿ والمرسلات عرفاً ﴾ فقالت: يا بني لقد ذكرتني بقراءتك هذه السورة إنها لآخر ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها في المغرب.
وأخرج الطبراني في الأوسط عن عبد العزيز أبي سكين قال: أتيت أنس بن مالك فقلت: أخبرني عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بنا الظهر وقرأ قراءة همساً بالمرسلات والنازعات وعم يتساءلون ونحوها من السور.
أخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن أبي هريرة رضي الله عنه ﴿ والمرسلات عرفاً ﴾ قال: هي الملائكة، أرسلت بالمعروف.
وخرج ابن جرير من طريق مسروق عن ابن مسعود رضي الله عنه ﴿ والمرسلات عرفاً ﴾ قال: الملائكة.
وأخرج ابن مردويه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الرياح ثمان: أربع منها عذاب، وأربع منها رحمة، فالعذاب منها العاصف والصرصر والعقيم والقاصف، والرحمة منها الناشرات والمبشرات والمرسلات والذاريات.
فيرسل الله المرسلات فتثير السحاب، ثم يرسل المبشرات فتلقح السحاب، ثم يرسل الذاريات فتحمل السحاب، فتدر كما تدر اللقحة، ثم تمطر، وهي اللواقح، ثم يرسل الناشرات فتنشر ما أراد» .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق أبيّ العبيدين أنه سأل ابن مسعود ﴿ والمرسلات عرفاً ﴾ قال: الريح ﴿ فالعاصفات عصفاً ﴾ قال: الريح ﴿ والناشرات نشراً ﴾ قال: الريح ﴿ فالفارقات فرقاً ﴾ قال: حسبك.
وأخرج ابن راهويه وابن المنذر وعبد بن حميد والبيهقي في الشعب والحاكم وصححه عن خالد بن عرعرة رضي الله عنه قال: قام رجل إلى عليّ فقال: ما العاصفات عصفاً.
قال: الرياح.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ والمرسلات عرفاً ﴾ قال: الريح ﴿ فالعاصفات عصفاً ﴾ قال: الريح ﴿ فالفارقات فرقاً ﴾ قال: الملائكة ﴿ فالملقيات ذكراً ﴾ قال: الملائكة.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ والمرسلات عرفاً ﴾ قال: الملائكة ﴿ فالفارقات فرقاً ﴾ قال: الملائكة، فرقت بين الحق والباطل ﴿ فالملقيات ذكراً ﴾ قال: الملائكة بالتنزيل.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ والمرسلات عرفاً ﴾ قال: الريح ﴿ فالعاصفات عصفاً ﴾ قال: الريح ﴿ والناشرات نشراً ﴾ قال: الريح.
وأخرج عبد الرزاق وعبد حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ﴿ والمرسلات عرفاً ﴾ قال: هي الريح ﴿ فالعاصفات عصفاً ﴾ قال: هي الريح ﴿ فالفارقات فرقاً ﴾ يعني القرآن ما فرق الله به بين الحق والباطل ﴿ فالملقيات ذكراً ﴾ هي الملائكة تلقي الذكر على الرسل، وتلقيه الرسل على بني آدم عذراً أو نذراً.
قال: عذراً من الله ونذراً منه إلى خلقه.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ والمرسلات عرفاً فالعاصفات عصفاً والناشرات نشراً فالفارقات فرقاً فالملقيات ذكراً ﴾ قال: الملائكة.
وأخرج ابن جرير عن مسروق ﴿ والمرسلات عرفاً ﴾ قال: الملائكة.
وأخرج عبد بن حميد وابن الشيخ في العظمة وابن المنذر عن أبي صالح رضي الله عنه ﴿ والمرسلات عرفاً ﴾ قال: هي الرسل ترسل بالمعروف ﴿ فالعاصفات عصفاً ﴾ قال: الريح ﴿ والناشرات نشراً ﴾ قال: المطر ﴿ فالفارقات فرقاً ﴾ قال: الرسل.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر من وجه آخر عن أبي صالح ﴿ والمرسلات عرفاً ﴾ قال: الملائكة يجيئون بالأعارف ﴿ فالعاصفات عصفاً ﴾ قال: الريح العواصف ﴿ والناشرات نشراً ﴾ قال: الملائكة ينشرون الكتب ﴿ فالفارقات فرقاً ﴾ قال: الملائكة يفرقون بين الحق والباطل ﴿ فالملقيات ذكراً ﴾ قال: الملائكة يجيئون بالقرآن والكتاب عذراً من الله أو نذراً منه إلى الناس وهم الرسل يعذرون وينذرون.
وأخرج ابن الأنباري في الوقف والابتداء والحاكم وصححه وضعفه الذهبي عن زيد بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أنزل القرآن بالتفخيم.
قال عمار بن عبد الملك: كهيئته عذراً ونذراً والصدفين وألا له الخلق والأمر وأشباه هذا في القرآن» .
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك ﴿ فإذا النجوم طمست ﴾ قال: تطمس فيذهب نورها.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن إبراهيم النخعي في قوله: ﴿ وإذا الرسل أقتت ﴾ قال: وعدت.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ أقتت ﴾ قال: أجلت.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس ﴿ أقتت ﴾ قال: جمعت.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ﴿ ليوم الفصل ﴾ قال: يوم يفصل الله فيه بين الناس بأعمالهم إلى الجنة وإلى النار ﴿ وما أدراك ما يوم الفصل ﴾ قال: يعظهم بذلك ﴿ ويل يومئذ للمكذبين ﴾ قال: ويل لهم والله ويلاً طويلاً.
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن ابن مسعود قال: ويل واد في جهنم يسيل فيه صديد أهل النار فجعل للمكذبين والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَلَمْ نُهْلِكِ الأولين ﴾ يعني الكفار المتقدمين، كقوم نوح وغيرهم ﴿ ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخرين ﴾ يعني قريشاً وغيرهم من الكفار بمحمد صلى الله عليه وسلم، وهذا وعيد لهم ظهر مصداقه يوم بدر وغيره ﴿ كَذَلِكَ نَفْعَلُ بالمجرمين ﴾ أي مثل هذا الفعل نفعل بكل مجرم يعني الكفار.
<div class="verse-tafsir"
القراءات ﴿ فالملقيات ذكراً ﴾ بتشديد الذال للإدغام: أبو عمرو وحمزة في رواية عنهما ﴿ عذراً ﴾ بضم الذال: الشموني والبرجمي ﴿ أو نذراً ﴾ بالسكون: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد: ﴿ وقتت ﴾ بالتشديد والواو: أبو عمرو ويعقوب.
وبالتخفيف: ويزيد.
وفي رواية بإبدال الواو همزة كقولهم " أجوه " في " وجوه ".
الباقون: بالإبدال وبالتشديد ﴿ ألم نخلقكم ﴾ مظهراً روى النقاش عن ابن ربيعة عن أصحابه والحلواني عن قالون وحفص والنجاري وعن ورش ﴿ فقدرنا ﴾ مشدداً: أبو جعفر عن نافع وعلي، ﴿ انطلقوا إلى ظل ﴾ بفتح اللام: رويس: ﴿ جمالة ﴾ على التوحيد: حمزة وعلي وخلف وحفص ﴿ وجمالات ﴾ بضم الجيم مجموعة: يعقوب.
الآخرون: بالكسر مجموعاً.
الوقوف: ﴿ عرفاً ﴾ ه لا ﴿ عصفاً ﴾ ه لا ﴿ نشراً ﴾ ه لا ﴿ فرقاً ﴾ ه لا ﴿ ذكراً ﴾ ه لا ﴿ نذراً ﴾ ه لا ﴿ لواقع ﴾ ه ط ﴿ طمست ﴾ ه لا ﴿ فرجت ﴾ ه لا ﴿ نسفت ﴾ ه لا ﴿ أقتت ﴾ ه لا بناء على أن عامل " إذا " محذوف أي إذا كانت هذه الأمور يفصل بين الخلق ﴿ أجلت ﴾ ه ط للفصل بين الجواب والسؤال ﴿ الفصل ﴾ ج ﴿ للمكذبين ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ط لأن ما بعده مستأنف أي ثم نحن نتبعهم ﴿ الآخرين ﴾ ه ﴿ بالمجرمين ﴾ ه ﴿ مهين ﴾ ه لا ﴿ معلوم ﴾ ه لا ﴿ فقدرنا ﴾ ه ﴿ القادرون ﴾ ه ﴿ كفاتا ﴾ ه لا ﴿ وأمواتاً ﴾ ه لا ﴿ فراتا ﴾ ه لا ﴿ للمكذبين ﴾ ه ﴿ تكذبون ﴾ ه ج للتكرار مع الآية ووجه الوقف لمن قرأ بفتح اللام أوضح لأنه ابتداء إخبار عن موجب عملهم بما أمروا به ﴿ شعب ﴾ ه لا ﴿ اللهب ﴾ ه ط ﴿ كالقصر ﴾ ه ج لأن ما بعده وصف لشرر لا للقصر ﴿ صفر ﴾ ه ط ﴿ للمكذبين ﴾ ه ﴿ لا ينطقون ﴾ ه لا ﴿ فيعتذرون ﴾ ه ﴿ للمكذبين ﴾ ه ﴿ الفصل ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الإستئناف والحال أي أشير إلى يوم مجموعاً فيه ﴿ والأولين ﴾ ه ﴿ فكيدون ﴾ ه ﴿ للمكذبين ﴾ ه ﴿ يشتهون ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ للمكذبين ﴾ ه ﴿ مجرمون ﴾ ه ﴿ للمكذبين ﴾ ه ﴿ لا يركعون ﴾ ه ﴿ للمكذبين ﴾ ه ﴿ يؤمنون ﴾ ه.
التفسير: الكلمات الخمس في أول هذه السورة يحتمل أن يكون المراد بها جنساً واحداً أو أجناساً مختلفة.
أما الإحتمال الأول فذكروا فيه وجوهاً الأول: أنها الملائكة أقسم رب العزة بطوائف الملائكة الذين أرسلهم بأوامره حال كونهن عرفاً أي متتابعة كشعر العرف.
يقال: جاؤا عرفاً واحداً وهم عليه كعرف الضبع إذا اجتمعوا عليه، ويجوز أن يكون العرف خلاف النكر أي أرسلهن للاحسان والمعروف، فإن هؤلاء الملائكة إن كانوا بعثوا للرحمة فمعنى الإحسان حينئذ ظاهر، وإن كانوا قد بعثوا لأجل العذاب فذلك إن لم يكن معروفاً للكفار فإنه معروف للأنبياء والمؤمنين الذين انتقم الله من الكفار لأجلهم.
ومعنى الفاء في ﴿ فالعاصفات ﴾ أنهن عقيب الأمر عصفن في مضيهن كما عصفت الرياح بدراً إلى امتثال الأمر.
قيل: هو من قولهم " عصفت الحرب بالقوم " أي ذهبت بهم وأهلكتهم.
ويقال " ناقة عصوف " أي عصفت براكبها فمضت كأنها ريح من السرعة فالمراد أنهن حين أرسلن للعذاب طرن بروح الكافر.
ثم أقسم بطوائف من الملائكة نشرن أجنحتهن في الجو عن انحطاطهن بالوحي أو نشرن الشرائع في الأرض.
أو أحيين النفوس الميتة بما أوحين ففرقن بين الحق والباطل فألقين ذكراً إلى الأنبياء ﴿ عذراً ﴾ للمحقين ﴿ أو نذراً ﴾ للمبطلين.
قال الأخفش والزجاج: هما بالسكون مصدران كالشكر والكفر، والضم لغة في كل منهما كالنكر والنكر، والمعنى إعذاراً أو إنذاراً وكل منهما بدل من ﴿ ذكر ﴾ أو مفعول له.
وقال أبو عبيد: بالثقل جمع عذير بمعنى المعذرة وجمع نذير بمعنى الإنذار أو بمعنى العاذر والمنذر فيكونان حالين من الإلقاء أي عاذرين أو منذرين الوجه الثاني أنها الرياح أقسم الله برياح عذاب أرسلهن متتابعة فعصفن عصفاً ورياح رحمة نشرن السحاب في الجو ففرقن بينه كقوله ﴿ ويجعله كسفاً ﴾ فألقين ذكراً إي صرن سبباً في حصول الذكر لأن الإنسان العاقل إذا شاهد تلك الرياح إلتجأ إلى ذكر الله والتضرع إليه فيكون عذراً للذين يعتذرون إلى الله عز وجل بالتوبة والإستغفار، وإنذاراً للذين يغفلون عن الله ويغفلون عن شكره إذ ينسبونها إلى الأنواء.
والوجه الثالث إنها القرآن وآياته أرسلت متتابعة أو بكل معروف وخير فعصفت أي قهرت سائر الملل والأديان والكتب أي إبتدأن بالقهر والنسخ عقيب الإرسال، ونشرن بعد ذلك بالتدريج آثار الحكم وأنوار الهداية في قلوب العالمين ففرقت بين الحق والباطل وألقت الذكر والشرف إلى النبي وأمته كما قال ﴿ وإنه لذكر لك ولقومك ﴾ الرابع أنها طوائف الأنبياء أرسلوا بالوحي المستعقب لكل خير ومفتاحه " لا إله إلا الله" فأخذ أمرهم في العصوف والاشتداد إلى أن بلغ غايته وانتشرت دعوتهم ففرقوا بين المؤمن والكافر، والمقر والجاحد، وألقوا الذكر والتوحيد إلى الناس كافة أو إلى طائفة معينين.
الخامس وهو بالتأويل أشبه أن المرسلات هي الدواعي والإلهامات الربانية أرسلت فأخذت في العصوف والاشتداد بحيث أزالت عن القلب حب ما سوى الله وانبثت آثارها في سائر الأعضاء والجوارح، فلا يسمع إلا بالله ولا يبصر إلا بالله، وكذا البطش والمشي وسائر الحركات والسكنات، ففرقت بين الوجود المجازي وهو وجود سوى الله وبين الوجود الحقيقي وهو البقاء بالله، وألقت الذكر على كل الجوارح فلم يذكر غير الله.
وأما الإحتمال الثاني ففيه وجوه أيضاً أحدها: وهو المنقول عن الزجاج واختاره القاضي أن الثلاث الأول هي الرياح كما في الوجه الثاني من الوجوه المتقدمة، والباقيتان الملائكة كما مر في الوجه الأول منها.
ووجه الجمع بين الرياح والملائكة هو اللطافة وسرعة الحركة.
وثانيها أن الأولين هما الرياح والثلاثة الأخيرة هي الملاكة لأنها تنشر الوحي، ثم يعقبه أثران ظهور الفرق بين أولياء الله وأعدائه ودوران ذكر الله على القلوب والألسن.
وقد يتأيد هذا الوجه بعطف الثانية على الأولى بفاء الوصل المنبيء عن التعقيب والتسبيب.
ثم التنسيق بالواو وعطف الباقيين عليها بالفاء وثالثها أن الأولى ملائكة العذاب والباقية آيات القرآت على منوال ما سبق.
قوله ﴿ إنما توعدون لواقع ﴾ جواب القسم ومعناه على ما قال الكلبي: كل ما توعدون به من الخير والشر لواقع.
والأكثرون يخصونه بمجيء القيامة بدليل ذكر أماراتها بعده وهو قوله ﴿ فإذا النجوم طمست ﴾ أي أزيلت عن أماكنها بالإنتثار وأذهب ضوءها بالإنكدار وقد ورد كل منهما ﴿ وإذا الكواكب انتثرت ﴾ ﴿ وإذا النجوم انكدرت ﴾ فذكروا في وجه الجمع بينهما أنه يجوز أن يمحق نورها ثم تنتثر بمحوق النور.
وفسر الانتثار في الكشاف بمحق الذوات وفيه بعد لأن الانتثار غير الانعدام وإن أراد بالمحق غير هذا فعليه بالبيان قوله ﴿ وإذا السماء فرجت ﴾ أي فتحت السماء فكانت أبوابا ﴿ وإذا الجبال نسفت ﴾ أي سيرت أجزاؤها في الهواء كالحب إذا نسف بالمنسف وقد مر في " طه " في قوله ﴿ ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفاً ﴾ قال مجاهد والزجاج: المراد بأقتت الرسل تعيين الوقت الذي يحضرون فيه للشهادة على أممهم، وكان هذا الوقت مبهماً عليهم قبل ذلك وقريب منه قول جار الله: إن معنى وقتت بلغت ميقاتها الذي كانت تنتظره وهو يوم القيامة.
ثم عجب العباد هول ذلك اليوم فقال ﴿ لأي يوم أجلت ﴾ الأمور المتعلقة بهؤلاء الرسل وهي تعذيب من كذبهم وتعظيم من صدقهم وظهور ما كانوا يوعدون الأمم إليه ويخوفونهم به من العرض والحساب ونشر الدواوين ووضع الموازين.
ثم أجاب بأنهم أجلوا ﴿ ليوم الفصل ﴾ بين الخلائق، ثم عظم ذلك اليوم ثانياً فقال ﴿ وما أدراك ما يوم الفصل ﴾ وأي شيء شدته ومهابته.
ثم عقبه بتهويل ثالث فقال ﴿ ويل يومئذ ﴾ أي يوم إذا كان كذا وكذا من الأهوال ﴿ للمكذبين ﴾ وإعرابه كإعراب ﴿ سلام عليك ﴾ وقد سبق.
وقد كرر هذا التهويل في تسعة مواضع أخر لمزيد التأكيد والتقرير كما مر في سورة الرحمن.
ثم هددهم بقوله ﴿ ألم نهلك الأولين ﴾ كعاد وثمود وغيرهما إلى زمن محمد ﴿ ثم نتبعهم الآخرين ﴾ وهم كفار مكة أهلكهم الله يوم بدر وغيره من المواطن قوله ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك الإهلاك الفظيع ﴿ نفعل ﴾ بكل مجرم.
ثم وبخهم بتعديد النعم وآثار القدرة عليهم فقال ﴿ ألم نخلقكم من ماء مهين ﴾ حقير لا يعبأ به وهو النطفة ﴿ فجعلناهفي قرار مكين ﴾ وهو الرحم وهو أنه يتمكن فيه ما يتكون منه الولد ﴿ إلى قدر معلوم ﴾ أي إلى مقدار معلوم من الزمان المقدر ولهذا قال ﴿ فقدرنا ﴾ بالتشديد ﴿ فنعم القادرون ﴾ أي فنعم المقدرون له نحن.
ومن قرأ بالتخفيف فبمعنى التقدير أيضاً لتتوافق القراءتان.
قال الفراء: قدر وقدّر بالتخيف والتشديد لغتان، ويجوز أن يكون المخفف من القدرة أي فقدرنا على خلقه وتصويره كيف شئنا فنعم أصحاب القدرة نحن حيث خلقناهم في أحسن تقويم.
وفي قوله ﴿ ويل يومئذ للمكذبين ﴾ وتوبيخ وتخويف من وجهين أحدهما: أن النعمة كلما كانت أعظم كان كفرانها أفحش.
والثاني أن القادر على الابداء أقدر على الإعادة فالمنكر لهذا الدليل الواضح يستحق غاية التوبيخ.
ثم عد عليهم نعم الآفاق بعد ذكر الأنفس.
والكفات اسم ما يكفت أي يضم ويجمع، ويجوز أن يكون اسماً لما يكفت به مبيناً للمفعول كالشداد لضمام يشد به رأس القرورة.
وانتصب ﴿ أحياء وأمواتاً ﴾ بفعل مضمر دل عليه هذا الاسم أي تكفت أحياء على ظهرها وأمواتاً في بطنها.
والتنكير للتفخيم أي أحياء وأمواتاً لا تعد ولا تحصى.
وجوز انتصابهما على الحال والضمير الذي هو ذو الحال محذوف للعلم به أي تكفتكم في حال حياتكم وفي حال مماتكم.
وقيل: معنى كونها كفاتاً أنها تجمع ما ينفصل منهم من المستقذرات وقيل: معناه أنه جامعة لما يحتاجون إليه في التعيش.
وقيل: هما راجعان إلى الأرض يعني ما ينبت وما لا ينبت.
والكل بتكلف.
والوجه هو الأول.
وباقي الآية ظاهر مما سلف مراراً.
ثم أخبر عما يقال للمكذبين في قوم الفصل فقال ﴿ انطلقوا ﴾ أي يقال لهم انطلقوا لما كذبتم به من العذاب.
ثم بين ما أجمل بقوله ﴿ انطلقوا ﴾ يروى أن الشمس تقرب يوم القيامة لرؤوس الخلائق وليس عليهم يومئذ لباس فتلفحهم الشمس وتسفعهم وتأخذ بأنفاسهم، ويحمي الله برحمته من يشاء إلى ظل من ظلاله فهناك يقولون ﴿ فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم ﴾ ويقال للمكذبين ﴿ انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون ﴾ من عذاب الله وعقابه ﴿ انطلقوا إلى ظل ﴾ قال الحسن: ما أدري ما هذا الظل ولا سمعت فيه بشيء فقال قوم: سمى النار بالظل مجازاً.
وشعبها الثلاث كونها من فوقهم ومن تحت أرجلهم ومحيطة بهم.
وعن قتادة: هو الدخان شعبة عن يمينهم وأخرى عن يسارهم والثالثة من فوق، تظلم حتى يفرغ من حسابهم والمؤمنون في ظل العرش.
وقال في الكشاف: هو عبارة عن عظم الدخان.
فالدخان العظيم تراه يتفرق ذوائب وقال أهل التأويل: الشعب الثلاث هي القوة الغضبية ومنشؤها القلب في الجانب الأيسر، والشهوية ومنشؤها الكبد في الجانب الأيمن، والشيطانية ومنشؤها الدماغ من فوق، فيتولد من اتباع هذه الثلاثة ثلاثة أنواع من الظلمات.
وقال أبو مسلم: هي الأوصاف الثلاثة التي ذكرها الله عقيبه وهي ﴿ لا ظليل ولا يغني من اللهب أنّها ترمي بشرر كالقصر ﴾ وفيه تهكم بهم وتعريض بأن ظلهم غير ظل المؤمنين أي ذلك الظل غير مانع حر الشمس وغير مغن من حرّ اللهب شيئاً أي لا روح كما قال في الواقعة ﴿ لا بارد ولا كريم ﴾ يقال أغن عني وجهك أي أبعده لأن الغني عن الشيء يباعده كما أن المحتاج إليه يقاربه.
وإنما عدي في الآية بـ " من " لأنه أراد أن ابتداء الإغناء منه، وعن قطرب ان اللهب ههنا هو العطش.
ثم شبه الشرر وهو ما يتطاير من النار متبدداً في كل جهة بالقصر.
والأكثرون على أنه واحد القصور.
وعن سعيد بن جبير ومقاتل والضحاك أنه الغليظ من أصول الشجر العظام الواحدة قصرة كجمرة وجمر.
وروي عن ابن عباس أنه سئل عن القصر فقال: خشب كنا ندخره للشتاء.
ثم زاد في البيان أن أتبعه تشبيهاً آخر قائلاً ﴿ كأنه جمالات صفر ﴾ وهي جمع جمالة بمعنى جمل.
ويجوز أن يكون جمع جمال كرجالات وقال أبو علي: التاء في ﴿ جمالة ﴾ لتأكيد الجمع كحجر وحجارة.
أما الجمالة بالضم فهي قلوس سفن البحر أي حبالها كما مر في قوله ﴿ حتى يلج الجمل في سم الخياط ﴾ وعن علي بن أبي طالب وابن عباس أنها قطع النحاس.
ومعظم أهل اللغة لا يعرفونه.
وقال الفراء: يجوز أن يكون الجمالات بالضم من الشيء المجمل.
يقال: أجملت الحساب وجاء القوم جملة أي مجتمعين: والمعنى أن هذه الشرر ترتفع كأنها شيء مجموع غليظ أصفر والأكثرون على أن المراد بهذه الصفرة سواد يعلوه صفرة.
قال الفراء: لا ترى أسود في الليل إلا وهو مشرب صفرة والشرر إذا تطاير فسقط وفيه بقية من لون النار كأنه أشبه شيء بالجمل الأسود الذي يشوبه شيء من الصفرة.
وقال آخرون: الشرر إنما يسمى شرراً ما دام مرتفعاً وحينئذ يكون ناراً وإذا كان ناراً كان أصفر فاقعاً.
واعلم أنه عز اسمه شبه الشرر في العظم والارتفاع بالقصر ثم شبهه مع ذلك في اللون والكثرة والتابع وسرعة الحركة بالجمالات الصفر.
ثم نقل عن ابن عباس أنه قال: هذا التشبيه إنما ورد على ما هو معتاد في بلاد العرب.
وقصورهم قصيرة السمك جارية مجرى الخيمة.
فسمع أبو العلاء ذلك فشبه الشرر بالطراف وهو الخيمة من الأديم قال: حمراء ساطعة الذوائب في الد *** جى ترمي بكل شرارة كطراف فزعم صاحب الكشاف أنه أراد معارضة المعجز.
قال الإمام فخر الدين الرازي: كان الأولى بصاحب الكشاف أن لا يذكر ذلك لأنه أخذ مقتبساً تابعاً، والمعجز أظهر حالاً وأجل منصباً من أن يتصدى لمعارضته أحد بعد استقرار أمره ويلتفت إلىالمعارض، وإذ قد ذكر صاحب الكشاف ذلك فلنذكر التفاوت بين القرآن وبين كلام أبي العلاء وذلك من وجوه الأول: قيل: إن لون الأديم قريب من لون الشرارة إلا أن الجمالات متحركة كالشرارة دون الخيمة.
الثاني أن القصر موضع الأمن وتشبيه الشرارة به إشارة إلى أن الكافر إنما يعذب بآفة من الموضع الذي يتوقع منه الأمن وهو دينه وملته التي ظن أنه منها على شيء، وليست الخيمة موضع الأمن الكلي الثالث أن الشرر متتابعة كالجمال ولا كذلك الطراف الرابع أن العرب اعتقدوا أن الجمال في ملك الجمال وتمام النعم في حصول النعم.
ففي الآية إشارة إلى أنكم كنتم تعدون الجمال فخذوا هذه الشرارات التي هي كالجمالات وهذا التهكم غير موجود في الشعر.
الخامس أن الإبل إذا نفرت وشردت متتابعة نال من وقع فيما بينهما بلاء شديد.
فتشبيه الشرر بها يفيد كمال الضرر والطراف ليس كذلك.
السادس أن القصر يكون أعظم غالباً من الطراف والجمالات وهي جمع الجمع تكون أكثر عدداً من الطراف والغرض التوكيد فيكون تشبيه القرآن أبلغ في المعنى المقصود.
السابع أن التشبيه بشيئين كالقصر والجمالات في إثبات الوصفين كالعظم والصفرة أقوى في ثبوت الوصفين من التشبيه بشيء واحد للوصفين بعينهما، لأن الأول كالمبين المفصل، والثاني كالمجمل المبهم إذ يحتمل أن يكون وجه التشبيه واحداً منهما فقط.
الثامن أن الإنسان إنما يكون طيب العيش إذا كان وقت الانطلاق راكباً ووقت النزول راقداً في الظل فكأنه قيل في الآية على سبيل التهكم مركوبكم هذه الجمالات من الشرر وظلكم في مثل هذا القصر ولو شبه بالطرف لم يحصل هذا المقصود.
التاسع أن تطاير القصر وهو من اللبن والحجر والخشب في الهواء أغرب من تطاير الخيمة وهي خفيفة الحجم.
العاشر أن سقوط القصر أفظع وأهول من سقوط الطراف هذه خلاصة كلام الإمام في هذا المقام أوردناها لئلا يكون كتابنا خالياً من فوائد تفسيره.
قوله ﴿ هذا يوم لا ينطقون ﴾ يروى أن نافع بن الأزرق سأل ابن عباس عن الجمع بين هذه الآية وبين نحو قوله ﴿ ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ﴾ فأجاب بتغاير الزمانين وتباين الموطنين.
وقال الحسن: أراد لا ينطقون بحجة صحيحة وعذر واضح فكأنهم لم ينطقوا ولم يعتذروا.
قوله ﴿ ولا يؤذن ﴾ إنما لم يقل " فيعتذروا " بسقوط النون للنصب كقوله ﴿ لا يقضي عليهم فيموتوا ﴾ لأنه لو نصب لأوهم أنهم إنما لم يعتذروا لأجل أنهم لم يؤذوا في الإعتذار ولولا المنع لاعتذروا وهذا غير جائز، ولكن المراد أن لا عذر لهم في نفس الأمر كما لا إذن فالفاء لمطلق النسق لا للتسبب.
هذا مع أنه فيه رعاية الفاصلة وهي من جملة الفصاحة اللفظية، ولهذا لم يقرأ في سورة " اقتربت " ﴿ إلى شيء نكر ﴾ لا مثقلاً.
وقريء قوله في آخر " الكهف " و " الطلاق " ﴿ عذاباً نكراً ﴾ بالوجهين قالوا: وإنما لم يؤذن لهم في الاعتذار لأنه أزاح الاعتذار في الدنيا بتقديم الإنذار بدليل قوله ﴿ فالملقيات ذكراً عذراً ونذراً ﴾ ولهذا قال في آخر هذا الأخبار ﴿ ويل يومئذ للمكذبين ﴾ ثم أشار لمزيد التهديد والتوبيخ إلى اليوم المذكور بقوله ﴿ هذا يوم الفصل ﴾ ثم أوضح هذه الجملة بقوله ﴿ جمعناكم ﴾ أيها المتأخرون ﴿ والأولين ﴾ لأن الفصل بين الخلائق لا يجوز إلا بإحضار الكل.
وقد يستدل به على عدم جواز القضاء على الغائب.
ثم عجزهم وحقر أمرهم بقوله ﴿ فإن كان لكم كيد فكيدون ﴾ وقد علم أنه لا حيلة لهم في رفع البلاء عن أنفسهم يومئذ كما كانوا يحتالون في الدنيا يؤذون بذلك أنبياء الله وأولياءه، وهذا التعجيز والتخجيل من جنس العذاب الروحاني فلهذا عقبه بقوله ﴿ ويل يومئذ للمكذبين ﴾ ثم زاد في حسرتهم وغمهم بتعديد ما أعد للمطيعين المتقين من الظلال والعيون والفواكه بدل ظلالهم التي لا روح فيها ولا تغني عن الحر والعطش، استقروا في تلك النعم مقولاً لهم ﴿ كلوا واشربوا ﴾ وهو أمر إكرام لا أمر تكليف وهذا أيضاً من جنس العذاب الروحاني بالنسبة إلى الكافرين حين يرون الذين اتقوا الشرك في النعيم المقيم ولذا أردفه بقوله ﴿ ويل يومئذ للمكذبين ﴾ ثم ذكر أن هذا الويل ثابت لهم في حال ما يقال في الآخرة ﴿ كلوا وتمتعوا ﴾ قال جار الله: هذا في طريقة قول القائل: إخوتي لا تبعدوا أبداً *** وبلى والله قد بعدوا أي كنتم أحقاء في حياتكم بأن يدعى لكم بهذا، وفيه توبيخ وتذكير بحالهم السمجة وبما جنوا على أنفسهم من إيثار المتاع القليل على النعيم المقيم، وعلل ذلك بكونهم مجرمين إيعاداً لكل مجرم، وجوز أن يكون ﴿ كلوا وتمتعوا ﴾ كلاماً مستأنفاً خطاباً للمكذبين في الدنيا.
ثم ذمهم على ترك الخشوع والتواضع لله بقبول وحيه.
وقيل: ما كان على العرب أشد من الركوع والسجود.
يروى أن وفد ثقيف أمرهم رسول الله بالصلاة فقالوا: لا ننحني أي لا نركع ولا نسجد فإنها مسبة علينا.
فقال صلى الله عيله وسلم: لا خير في دين ليس فيه ركوع ولا سجود.
وأنزل الله الآية.
ثم ختم السورة بالتعجب من حال الكفار وإصرارهم على جهالاتهم وضالاتهم بعد القرآن وبياناته وقد مر في أول " الجاثية " نظيره والله أعلم.
قوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ ﴾ : جائز أن يكون ذكر هذا؛ ليدفع عنهم الإشكال والريب الذي اعترض لهم في أمر البعث؛ لأن الأعجوبة في الإعادة ليست بأكثر من الأعجوبة في الإنشاء والابتداء، فذكر ابتداء خلقهم؛ لينتفي عنهم الريب في الإعادة.
وجائز أن يكون ذكر خلقهم من الماء المهين، وهو الماء المستعاف المستقذر؛ ليدعوا تكبرهم وتجبرهم وعلى رسول الله ، وينقادوا له، ويجيبوا إلى ما دعاهم إليه.
وأخبر أنه خلقهم في الظلمات التي لا ينتهي إليها تدبير البشر؛ ليعلموا أنه قادر على ما يشاء، ويعرفوا أنه لا يخفى عليه شيء؛ فيحملهم ذلك على المراقبة، وعلى التيقظ والتبصر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ﴾ : القرار المكين هو الرحم، جعله الله - - قرارا مكينا يتمكن فيه الماء المهين، فيخلق منه علقة ومضغفة، ويقر فيه إلى الوقت الذي قدر الله الخروج منه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَدَرْنَا ﴾ ، قرئ: (قَدَّرنا) و(قَدَرنا)، فـ (قَدَّرنا)، أين خلقنا كل شيء منه يقدر؛ و(قَدَرنا)، أي: سويناه على ممما توجبه الحكمة على الوجوه التي تذكر في قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَنِعْمَ ٱلْقَادِرُونَ ﴾ : أي: أنعم به من قادر؛ فيخرج مخرج ذكر الآلاء والنعم، أي: إن الذي فعل بكم هذا هو الله - - لم يقدر أحد أن يفعل بكم هذا الفعل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً ﴾ : جائز أن يكون هذا صلة قوله: ﴿ أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ * فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ﴾ و ﴿ أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً ﴾ .
فيكون في ذكر هذا كله تذكير للآلاء والنعم، وتذكير القدرة والسلطان والحكمة.
فوجه تذكير النعم: أن الله - - في أول ما أنشأه، أنشأه نطفة قذرة، وجعل لها مكانا يغيب عن أبصار الخلق، ولم يفوض تدبيرها إلى البشر، وكذلك في الوقت الذي أنشأه علقة ومضغة، لم يفرض تدبيره إلى أحد من خلائقه؛ لأنه في ذلك الوقت بحيث يستعاف ويستقذر، ولا يدفع عنه المعنى الذي به وقعت الاستعافة والاستقذار بالتطهير؛ فجعل له قرارا مكينا يستتر به عن أبصار الخلائق، ثم لم أنشأه نسمة، وسوى خلقه أخرجه من بطن أمه وألقى في قلب أبويه الرقة والعطف؛ ليقوموا بتربيته وإمساكه إلى أن يبلغ مبلغا يقوم بتدبير نفسه ومصالحه، ثم جعل له بعد مماته أرضا تكفته وتضمه إلى نفسها؛ فيستتر بها عن أبصار الناظرين؛ إذ رجع بعد موته إلى حالة تستعاف وتستقذر ولا تقبل التطهير؛ فكان في ذكره أول أحواله إلى ما ينتهي إليه تذكير النعم؛ ليصل إلى أداء شكره.
أو جعل الرحم قرارا له في وقت كونه نطفة وعلقة ومضغة؛ لما لا يعرف الخلائق أنه بم يغذى حتى ينمو ويزيد؟
فرفع عنهم مؤنة التربية في ذلك الوقت، ثم إذا صار بحيث يعرف وجه غذائه، وعرف الخلق المعنى الذي يعمل في دفع حاجته، أخرجه من بطن الأم، وفوض تدبيره إلى أبويه؛ فهذا وجه تذكير النعم، وفي ذكره ذكر القوة والسلطان والحكمة، وهو أن الله جعل النطفة التي أنشأ منها النسمة، بحيث تصلح أن ينشأ منها علقة ومضغة، ولو أراد الخلائق أن يعرفوا المعنى الذي له صلحت النطفة بأن ينشأ منها العلقة والمضغة والعظام واللحم، ثم يكون منها نسمة سوية - لم يصلوا إلى معرفته، وإذا تفكروا في هذا علموا أن حكمته ليست على ما ينتهي إليه علم البشر ولا قوته تقتصر على الحد الذي تنتهي إليه قوى البشر، والذي كان يحملهم على إنكار البعث بعد الإماتة تقديرهم الأمور على قوى أنفسهم وتسويتها بعقولهم، فإذا تدبروا في ابتداء أحوالهم ورأوا من لطائف التدبير وعجائب الحكمة، علموا أن الأمر ليس كما قالوا وقدروا؛ فيدعوهم ذلك إلى التصديق بكل ما يأتي به الرسل وتخبرهم من أمر البعث وغيره.
وجائز أن يكون ذكرهم ابتداء أحوالهم ونشوءهم، وإلى ما يصيرون إليه؛ ليدعوا التكبر على دين الله وينقادوا له بالإجابة، ولا يستكبروا على أحد من خلائقه؛ لأنهم في ابتداء أحوالهم كانوا نطفة يستقذرها الخلائق، ثم علقة ومضغة، ويصيرون في منتهى الأمر جيفة قذرة؛ ومن كان هذا وصفه فأنى يليق به التكبر على أحد؟!
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً ﴾ : تكفتهم، أي: تضمهم وتجمعهم في حياتهم وبعد مماتهم، فالانضمام إليها [ف] حال حياتهم ما جعل لهم من المساكن فيها والبيوت، وجعل لهم بعد مماتهم مقابر يدفنون فيها، أو جعل متقلبهم ومثواهم في ظهورها في حياتهم، وجعل بطنها مأوى لهم بعد وفاتهم، وجعل ظهرها بساطا لهم؛ ليسلكوا فيها سبلا فجاجا؛ وقدر لهم فيها أقواتهم، فذكرهم وجوه النعم في خلقه الأرض؛ ليستأدي منهم الشكر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ ﴾ : الرواسي هي الجبال الثابتات في الأرض أثبتها في الأرض؛ لتقر بها، ولا تميد بأهلها؛ إذ لو مادت لم يصل أهلها إلى ما قدر لهم من المنافع، فذكرهم بذكره الجبال الرواسي عظيم نعمه عليهم؛ ليستأدي منهم الشكر.
والشامخات: هي الطوال.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَسْقَيْنَاكُم مَّآءً فُرَاتاً ﴾ : ولولا أنزاله عليكم لم تكونوا تصلون إليه بقواكم وحيلكم، ثم أنزله من السماء إلى الأرض، ولم يخرج من حد العذوبة، ولا حل به التغير بما مسته الأرض، واختلطت به، وهذا منصرف إلى الشرب خاصة، ثم لغير العذاب من المنافع ما للعذاب إلا الشرب خاصة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ نُهْلِكِ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ : وهم قوم نوح - - وقوم عاد وثمود.
﴿ ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ ٱلآخِرِينَ ﴾ : قوم فرعون اللعين وقوم لوط - - وغيرهم.
﴿ كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ : قيل: مجرمي هذه الأمة.
ثم اختلف في وقت فعله: فمنهم من يقول بأن هذا الإهلاك في الآخرة، لقوله - عزو جل -: ﴿ بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَٱلسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ ﴾ .
ومنهم من ذكر أنه فعل بهم يوم بدر.
ومنهم من ذكر أن فعله بمجرمى أمة محمد ما روي عن النبي أنه قال: "نصرت بالرعب مسيرة شهرين" ، ألقى الله في قلوبهم الرعب؛ حتى تركوا الانتداب إلى رسول الله وأصحابه للمحاربة، ومع كثرة شوكتهم، وقلة أصحاب رسول الله ؛ فهذا فعله بالمجرمين، وفي إلقاءه الرغب ألطف آيات رسالته، وأبين حجة عليها إذ كان فيه ما ينبههم أن الذي أقعدهم عن القتال، وقذف في قلوبهم الرغب أمر سماوي لا غير، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
هلاك وعذاب وخسران في ذلك اليوم للمكذبين بوعيد الله بالعقاب للمجرمين.
من فوائد الآيات خطر التعلق بالدنيا ونسيان الآخرة.
مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله.
إهلاك الأمم المكذبة سُنَّة إلهية.
<div class="verse-tafsir" id="91.4gye1"