الإسلام > القرآن > سور > سورة 89 الفجر > الآية ٢ من سورة الفجر
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 138 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢ من سورة الفجر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.
الليالي العشر : المراد بها عشر ذي الحجة .
كما قاله ابن عباس ، وابن الزبير ، ومجاهد ، وغير واحد من السلف والخلف .
وقد ثبت في صحيح البخاري ، عن ابن عباس مرفوعا : " ما من أيام العمل الصالح أحب إلى الله فيهن من هذه الأيام " - يعني عشر ذي الحجة - قالوا : ولا الجهاد في سبيل الله ؟
قال : " ولا الجهاد في سبيل الله ، إلا رجلا خرج بنفسه وماله ، ثم لم يرجع من ذلك بشيء " .
وقيل : المراد بذلك العشر الأول من المحرم ، حكاه أبو جعفر بن جرير ولم يعزه إلى أحد وقد روى أبو كدينة ، عن قابوس بن أبي ظبيان ، عن أبيه ، عن ابن عباس : ( وليال عشر ) قال : هو العشر الأول من رمضان .
والصحيح القول الأول ; قال الإمام أحمد : حدثنا زيد بن الحباب ، حدثنا عياش بن عقبة ، حدثني خير بن نعيم ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن العشر عشر الأضحى ، والوتر يوم عرفة ، والشفع يوم النحر " .
ورواه النسائي عن محمد بن رافع وعبدة بن عبد الله ، كل منهما عن زيد بن الحباب ، به ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم ، من حديث زيد بن الحباب ، به وهذا إسناد رجاله لا بأس بهم ، وعندي أن المتن في رفعه نكارة والله أعلم.
وقوله: ( وَلَيَالٍ عَشْرٍ ) اختلف أهل التأويل في هذه الليالي العشر أيّ ليال هي، فقال بعضهم: هي ليالي عشر ذي الحجة.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عديّ، وعبد الوهاب ومحمد بن جعفر، عن عوف، عن زرارة، عن ابن عباس، قال: إن الليالي العشر التي أقسم الله بها، هي ليالي العشر الأول من ذي الحجة.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ( وَلَيَالٍ عَشْرٍ ) : عشر الأضحى؛ قال: ويقال: العشر: أولَ السنة من المحرم.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وَهب، قال: أخبرني عمر بن قيس، عن محمد بن المرتفع، عن عبد الله بن الزبير ( وَلَيَالٍ عَشْرٍ ) أوّل ذي الحجة إلى يوم النحر.
حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، قال: أخبرنا عوف، قال: ثنا زرارة بن أوفى، قال: قال ابن عباس: إن الليالي العشر اللاتي أقسم الله بهنّ: هن الليالي الأوَل من ذي الحجة.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن مسروق ( وَلَيَالٍ عَشْرٍ ) قال: عشر ذي الحجة، وهي التي وعد الله موسى صلى الله عليه وسلم.
حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، قال: أخبرنا عاصم الأحول، عن عكرِمة ( وَلَيَالٍ عَشْرٍ ) قال: عشر ذي الحجة.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن الأغرّ المنقريّ، عن خليفة بن حصين، عن أبي نصر، عن ابن عباس ( وَلَيَالٍ عَشْرٍ ) قال: عشر الأضحى.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ( وَلَيَالٍ عَشْرٍ ) قال: عشر ذي الحجة.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَلَيَالٍ عَشْرٍ ) قال: كنا نحدَّث أنها عشر الأضحى.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثَور، عن معمر، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، قال: ليس عمل في ليال من ليالي السنة أفضل منه في ليالي العشر، وهي عشر موسى التي أتمَّها الله له.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن أبى إسحاق، عن مسروق، قال: ليال العشر، قال: هي أفضل أيام السنة.
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( وَلَيَالٍ عَشْرٍ ) يعني: عشر الأضحى.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( وَلَيَالٍ عَشْرٍ ) قال: أوّل ذي الحجة؛ وقال: هي عشر المحرّم من أوّله.
والصواب من القول في ذلك عندنا: أنها عشر الأضحى لإجماع الحجة من أهل التأويل عليه، وأن عبد الله بن أبي زياد القَطْوانيّ، حدثني قال: ثني زيد بن حباب، قال: أخبرني عياش بن عقبة، قال: ثني جُبير بن نعيم، عن أبي الزبير، عن جابر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "(وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ) قال: عَشْرُ الأضْحَى ".
فقال : وليال عشر أي ليال عشر من ذي الحجة .
وكذا قال مجاهد والسدي والكلبي في [ ص: 36 ] قوله : وليال عشر هو عشر ذي الحجة ، وقال ابن عباس .
وقال مسروق هي العشر التي ذكرها الله في قصة موسى - عليه السلام - وأتممناها بعشر ، وهي أفضل أيام السنة .
وروى أبو الزبير عن جابر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " والفجر وليال عشر - قال : عشر الأضحى " فهي ليال عشر على هذا القول ; لأن ليلة يوم النحر داخلة فيه ، إذ قد خصها الله بأن جعلها موقفا لمن لم يدرك الوقوف يوم عرفة .
وإنما نكرت ولم تعرف لفضيلتها على غيرها ، فلو عرفت لم تستقبل بمعنى الفضيلة الذي في التنكير ، فنكرت من بين ما أقسم به ، للفضيلة التي ليست لغيرها .
والله أعلم .
وعن ابن عباس أيضا : هي العشر الأواخر من رمضان وقاله الضحاك .
وقال ابن عباس أيضا ويمان والطبري : هي العشر الأول من المحرم ، التي عاشرها يوم عاشوراء .
وعن ابن عباس ( وليال عشر ) ( بالإضافة ) يريد : وليالي أيام عشر .
وفي ليالي عشر رمضان ليلة القدر، التي هي خير من ألف شهر، وفي نهارها، صيام آخر رمضان الذي هو ركن من أركان الإسلام.وفي أيام عشر ذي الحجة، الوقوف بعرفة، الذي يغفر الله فيه لعباده مغفرة يحزن لها الشيطان، فما رئي الشيطان أحقر ولا أدحر منه في يوم عرفة، لما يرى من تنزل الأملاك والرحمة من الله لعباده، ويقع فيها كثير من أفعال الحج والعمرة، وهذه أشياء معظمة، مستحقة لأن يقسم الله بها.
( وليال عشر ) روي عن ابن عباس : أنها العشر الأول من ذي الحجة .
وهو قول مجاهد ، وقتادة ، والضحاك ، والسدي ، والكلبي .
وقال أبوروق عن الضحاك : هي العشر [ الأواخر ] من شهر رمضان .
وروى أبوظبيان عن ابن عباس قال : هي العشر [ الأوائل ] من شهر رمضان .
وقال يمان بن رباب : هي العشر الأول من المحرم التي عاشرها يوم عاشوراء .
«وليال عشر» أي عشر ذي الحجة.
أقسم الله سبحانه بوقت الفجر، والليالي العشر الأوَل من ذي الحجة وما شرفت به، وبكل شفع وفرد، وبالليل إذا يَسْري بظلامه، أليس في الأقسام المذكورة مَقْنَع لذي عقل؟
وأقسم - سبحانه - ثانيا بقوله : ( وَلَيالٍ عَشْرٍ ) والمراد بها : الليالى العشر الأُوَل من شهر ذى الحجة ، لأنها وقت مناسك الحج ، ففيها الإِحرام ، والطواف ، والوقوف بعرفة .
.وقيل المراد بها : الليالى العشر الأواخر من رمضان وقيل : الليالى العشر الأُوَل من شهر المحرم .
.قال الإِمام ابن كثير : والليالى العشر : المراد بها : عشر ذى الحجة .
كما قاله ابن عباس وابن الزبير ، ومجاهد ، وغير واحد من السلف والخلف .وقد ثبت فى صحيح البخارى ، عن ابن عباس مرفوعا : " ما من أيام العمل الصالح ، أحب إلى الله - تعالى - فيهن ، من هذه الأيام " - يعنى : عشر ذو الحجة - قالوا : " ولا الجهاد فى سبيل الله؟
قال : ولا الجهاد فى سبيل الله ، إلا رجلا خرج بنفسه وماله ، ثم لم يرجع من ذلك بشئ " .وقيل : المراد بذلك : العشر الأُوَل من المحرم .
وقيل : العشر الأُوَل من رمضان والصحيح القول الأول .
.
اعلم أن هذه الأشياء التي أقسم الله تعالى بها لابد وأن يكون فيها إما فائدة دينية مثل كونها دلائل باهرة على التوحيد، أو فائدة دنيوية توجب بعثاً على الشكر، أو مجموعهما، ولأجل ما ذكرناه اختلفوا في تفسير هذه الأشياء اختلافاً شديداً، فكل أحد فسره بما رآه أعظم درجة في الدين، وأكثر منفعة في الدنيا.
أما قوله: ﴿ والفجر ﴾ فذكروا فيه وجوهاً أحدها: ما روي عن ابن عباس أن الفجر هو الصبح المعروف، فهو انفجار الصبح الصادق والكاذب، أقسم الله تعالى به لما يحصل به من انقضاء الليل وظهور الضوء، وانتشار الناس وسائر الحيوانات من الطير والوحوش في طلب الأرزاق، وذلك مشاكل لنشور الموتى من قبورهم، وفيه عبرة لمن تأمل، وهذا كقوله: ﴿ والصبح إِذَا أَسْفَرَ ﴾ وقال في موضع آخر، ﴿ والصبح إِذَا تَنَفَّسَ ﴾ وتمدح في آية أخرى بكونه خالقاً له، فقال: ﴿ فَالِقُ الإصباح ﴾ ومنهم من قال المراد به جميع النهار إلا أنه دل بالابتداء على الجميع، نظيره: ﴿ والضحى ﴾ وقوله: ﴿ والنهار إِذَا تجلى ﴾ .
وثانيها: أن المراد نفسه صلاة الفجر وإنما أقسم بصلاة الفجر لأنها صلاة في مفتتح النهار وتجتمع لها ملائكة النهار وملائكة الليل كما قال تعالى: ﴿ إن قرآن الفجر كان مشهوداً ﴾ أي تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار القراءة في صلاة الصبح.
وثالثها: أنه فجر يوم معين، وعلى هذا القول ذكروا وجوهاً الأول: أنه فجر يوم النحر، وذلك لأن أمر المناسك من خصائص ملة إبراهيم، وكانت العرب لا تدع الحج وهو يوم عظيم يأتي الإنسان فيه بالقربان كأن الحاج يريد أن يتقرب بذبح نفسه، فلما عجز عن ذلك فدى نفسه بذلك القربان، كما قال تعالى: ﴿ وفديناه بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ﴾ الثاني: أراد فجر ذي الحجة لأنه قرن به قوله: ﴿ وَلَيالٍ عَشْرٍ ﴾ ولأنه أول شهر هذه العبادة المعظمة الثالث: المراد فجر المحرم، أقسم به لأنه أول يوم من كل سنة وعند ذلك يحدث أموراً كثيرة مما يتكرر بالسنين كالحج والصوم والزكاة واستئناف الحساب بشهور الأهلة، وفي الخبر إن أعظم الشهور عند الله المحرم وعن ابن عباس أنه قال: فجر السنة هو المحرم فجعل جملة المحرم فجراً.
ورابعها: أنه عنى بالفجر العيون التي تنفجر منها المياه، وفيها حياة الخلق، أما قوله: ﴿ وَلَيالٍ عَشْرٍ ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: إنما جاءت منكرة من بين ما أقسم الله به لأنها ليال مخصوصة بفضائل لا تحصل في غيرها والتنكير دال على الفضيلة العظيمة.
المسألة الثانية: ذكروا فيه وجوهاً أحدها: أنها عشر ذي الحجة لأنها أيام الاشتغال بهذا النسك في الجملة، وفي الخبر ما من أيام العمل الصالح فيه أفضل من أيام العشر.
وثانيها: أنها عشر المحرم من أوله إلى آخره، وهو تنبيه على شرف تلك الأيام، وفيها يوم عاشوراء ولصومه من الفضل ما ورد به الأخبار.
وثالثها: أنها العشر الأواخر من شهر رمضان، أقسم الله تعالى بها لشرفها وفيها ليلة القدر، إذ في الخبر: «اطلبوها في العشر الأخير من رمضان».
وكان عليه الصلاة والسلام، إذا دخل العشر الأخير من رمضان شد المئزر، وأيقظ أهله أي كف عن الجماع وأمر أهله بالتهجد، وأما قوله: ﴿ والشفع والوتر ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: الشفع والوتر، هو الذي تسميه العرب الخسا والزكا والعامة الزوج والفرد، قال يونس: أهل العالية يقولون الوتر بالفتح في العدد والوتر بالكسر في الذحل وتميم تقول وتر بالكسر فيهما معاً، وتقول أوترته أوتره إيتاراً أي جعلته وتراً، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «من استجمر فليوتر» والكسر قراءة الحسن والأعمش وابن عباس، والفتح قراءة أهل المدينة وهي لغة حجازية.
المسألة الثانية: اضطرب المفسرون في تفسير الشفع والوتر، وأكثروا فيه، ونحن نرى ما هو الأقرب أحدها: أن الشفع يوم النحر والوتر يوم عرفة، وإنما أقسم الله بهما لشرفهما أما يوم عرفة فهو الذي عليه يدور أمر الحج كما في الحديث: «الحج عرفة» وأما يوم النحر فيقع فيه القربان وأكثر أمور الحج من الطواف المفروض، والحلق والرمي، ويروى يوم النحر هو يوم الحج الأكبر فلما اختص هذان اليومان بهذه الفضائل لا جرم أقسم الله بهما.
وثانيها: أن أيام التشريق أيام بقية أعمال الحج فهي أيام شريفة، قال الله تعالى: ﴿ واذكروا الله فِي أَيَّامٍ معدودات فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ والشفع هو يومان بعد يوم النحر، الوتر هو اليوم الثالث، ومن ذهب إلى هذا القول قال: حمل الشفع والوتر على هذا أولى من حملهما على العيد وعرفة من وجهين: الأول: أن العيد وعرفة دخلا في العشر، فوجب أن يكون المراد بالشفع والوتر غيرهما.
الثاني: أن بعض أعمال الحج إنما يحصل في هذه الأيام، فحمل اللفظ على هذا يفيد القسم بجميع أيام أعمال المناسك.
وثالثها: الوتر آدم شفع بزوجته، وفي رواية أخرى الشفع آدم وحواء والوتر هو الله تعالى.
ورابعها: الوتر ما كان وتراً من الصلوات كالمغرب والشفع ما كان شفعاً منها، روى عمران بن الحصين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «هي الصلوات منها شفع ومنها» وتر وإنما أقسم الله بها لأن الصلاة تالية للإيمان، ولا يخفى قدرها ومحلها من العبادات.
وخامسها: الشفع هو الخلق كله لقوله تعالى: ﴿ وَمِن كُلّ شَيء خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ ﴾ وقوله: ﴿ وخلقناكم أزواجا ﴾ والوتر هو الله تعالى، وقال بعض المتكلمين: لا يصح أن يقال الوتر هو الله لوجوه: الأول: أنا بينا أن قوله: ﴿ والشفع والوتر ﴾ تقديره ورب الشفع والوتر، فيجب أن يراد بالوتر المربوب فبطل ما قالوه الثاني: أن الله تعالى لا يذكر مع غيره على هذا الوجه بل يعظم ذكره حتى يتميز من غيره، وروي أن عليه الصلاة والسلام سمع من يقول الله ورسوله فنهاه، وقال: «قل الله ثم رسوله» قالوا: وما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال: «إن الله وتر يحب الوتر» ليس بمقطوع به.
وسادسها: أن شيئاً من المخلوقات لا ينفك عن كونه شفعاً ووتراً فكأنه يقال: أقسم برب الفرد والزوج من خلق فدخل كل الخلق تحته، ونظيره قوله: ﴿ ﴾ .
وسابعها: الشفع درجات الجنة وهي ثمانية، والوتر دركات النار وهي سبعة.
وثامنها: الشفع صفات الخلق كالعلم والجهل والقدرة والعجز والإرادة والكراهية والحياة والموت، أما الوتر فهو صفة الحق وجود بلا عدم، حياة بلا موت، علم بلا جهل، قدرة بلا عجز، عز بلا ذل.
وتاسعها: المراد بالشفع والوتر، نفس العدد فكأنه أقسم بالحساب الذي لابد للخلق منه وهو بمنزلة الكتاب والبيان الذي من الله به على العباد إذ قال: ﴿ ﴾ ، وقال: ﴿ عَلَّمَهُ البيان ﴾ .
وكذلك بالحساب، يعرف مواقيت العبادات والأيام والشهور، قال تعالى: ﴿ الشمس والقمر بِحُسْبَانٍ ﴾ وقال: ﴿ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السنين والحساب مَا خَلَقَ الله ذلك إِلاَّ بالحق ﴾ .
وعاشرها: قال مقاتل الشفع هو الأيام والليالي والوتر هو اليوم الذي لا ليل بعده وهو يوم القيامة.
الحادي عشر: الشفع كل نبي له اسمان مثل محمد وأحمد والمسيح وعيسى ويونس وذي النون والوتر كل نبي له اسم واحد مثل آدم ونوح وإبراهيم.
الثاني عشر: الشفع آدم وحواء والوتر مريم.
الثالث عشر: الشفع العيون الإثنتا عشرة، التي فجرها الله تعالى لموسى عليه السلام والوتر الآيات التسع التي أوتى موسى في قوله: ﴿ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا موسى تِسْعَ ءايات بَيّنَاتٍ ﴾ .
الرابع عشر: الشفع أيام عاد والوتر لياليهم لقوله تعالى: ﴿ سَبْعَ لَيَالٍ وثمانية أَيَّامٍ حُسُوماً ﴾ .
الخامس عشر: الشفع البروج الإثنا عشر لقوله تعالى: ﴿ جَعَلَ فِي السماء بُرُوجاً ﴾ والوتر الكواكب السبعة.
السادس عشر: الشفع الشهر الذي يتم ثلاثين يوماً، والوتر الشهر الذي يتم تسعة وعشرين يوماً.
السابع عشر: الشفع الأعضاء والوتر القلب، قال تعالى: ﴿ مَّا جَعَلَ الله لِرَجُلٍ مّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ﴾ .
الثامن عشر: الشفع الشفتان والوتر اللسان قال تعالى: ﴿ وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ ﴾ .
التاسع عشر: الشفع السجدتان والوتر الركوع.
العشرون: الشفع أبواب الجنة لأنها ثمانية والوتر أبواب النار لأنها سبعة، واعلم أن الذي يدل عليه الظاهر، أن الشفع والوتر أمران شريفان، أقسم الله تعالى بهما، وكل هذه الوجوه التي ذكرناها محتمل، والظاهر لا إشعار له بشيء من هذه الأشياء على التعيين، فإن ثبت في شيء منها خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو إجماع من أهل التأويل حكم بأنه هو المراد، وإن لم يثبت، فيجب أن يكون الكلام على طريقة الجواز لا على وجه القطع، ولقائل أن يقول أيضاً: إني أحمل الكلام على الكل لأن الألف واللام في الشفع والوتر تفيد العموم، أما قوله تعالى: ﴿ واليل إِذَا يَسْرِ ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: ﴿ إِذَا يَسْرِ ﴾ إذا يمضي كما قال: ﴿ واليل إِذَا أَدْبَرَ ﴾ وقوله: ﴿ واليل إِذَا عَسْعَسَ ﴾ وسراها ومضيها وانقضاؤها أو يقال: سراها هو السير فيها، وقال قتادة: ﴿ إِذَا يَسْرِ ﴾ أي إذا جاء وأقبل.
المسألة الثانية: أكثر المفسرين على أنه ليس المراد منه ليلة مخصوصة بل العموم بدليل قوله: ﴿ واليل إِذَا أَدْبَرَ ﴾ ﴿ واليل إِذَا عَسْعَسَ ﴾ ولأن نعمة الله بتعاقب الليل والنهار واختلاف مقاديرهما على الخلق عظيمة، فصح أن يقسم به لأن فيه تنبيهاً على أن تعاقبهما بتدبيره مدبر حكيم عالم بجميع المعلومات، وقال مقاتل: هي ليلة المزدلفة فقوله: ﴿ إِذَا يَسْرِ ﴾ أي إذا يسار فيه كما يقال: ليل نائم لوقوع النوم فيه، وليل ساهر لوقوع السهر فيه، وهي ليلة يقع السري في أولها عند الدفع من عرفات إلى المزدلفة، وفي آخرها كما روي أنه عليه الصلاة والسلام كان يقدم ضعفة أهله في هذه الليل، وإنما يجوز ذلك عند الشافعي رحمه الله بعد نصف الليل.
المسألة الثالثة: قال الزجاج: قرئ ﴿ إِذَا يَسْرِ ﴾ بإثبات الياء، ثم قال: وحذفها أحب إلي لأنها فاصلة والفواصل تحذف منها الياءات، ويدل عليها الكسرات، قال الفراء: والعرب قد تحذف الياء وتكتفي بكسرة ما قبلها، وأنشد: كفاك كف ما يبقى درهما *** جوداً وأخرى تعط بالسيف الدما فإذا جاز هذا في غير الفاضلة فهو في الفاصلة أولى، فإن قيل: لم كان الاختيار أن تحذف الياء إذا كان في فاصلة أو قافية، والحرف من نفس الكلمة، فوجب أن يثبت كما أثبت سائر الحروف ولم يحذف؟
أجاب أبو علي فقال: القول في ذلك أن الفواصل والقوافي موضع وقف والوقف موضع تغيير فلما كان الوقف تغير فيه الحروف الصحيحة بالتضعيف والإسكان وروم الحركة فيها غيرت هذه الحروف المشابهة للزيادة بالحذف، وأما من أثبت الياء في يسري في الوصل والوقف فإنه يقول: الفعل لا يحذف منه في الوقف كما يحذف في الأسماء نحو قاض وغاز، تقول: هو يقضي وأنا أقضي فتثبت الياء ولا تحذف.
وقوله تعالى: ﴿ هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لّذِي حِجْرٍ ﴾ فيه مسألتان: المسألة الأولى: الحجر العقل سمي به لأنه يمنع عن الوقوع فيما لا ينبغي كما سمي عقلاً ونهية لأنه يعقل ويمنع وحصاة من الإحصاء وهو الضبط، قال الفراء: والعرب تقول إنه لذو حجر إذا كان قاهراً لنفسه ضابطاً لها كأنه أخذ من قولهم حجرت على الرجل، وعلى هذا سمي العقل حجراً لأنه يمنع من القبيح من الحجر وهو المنع من الشيء بالتضييق فيه.
المسألة الثانية: قوله: ﴿ هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ ﴾ استفهام والمراد منه التأكيد كمن ذكر حجة باهرة، ثم قال: هل فيما ذكرته حجة؟
والمعنى أن من كان ذا لب علم أن ما أقسم الله تعالى به من هذه الأشياء فيه عجائب ودلائل على التوحيد والربوبية، فهو حقيق بأن يقسم به لدلالته على خالقه.
قال القاضي: وهذه الآية تدل على ما قلنا: أن القسم واقع برب هذه الأمور لأن هذه الآية دالةعلى أن هذا مبالغة في القسم.
ومعلوم أن المبالغة في القسم لا تحصل إلا في القسم بالله، ولأن النهي قد ورد بأن يحلف العاقل بهذه الأمور.
<div class="verse-tafsir"
أقسم بالفجر كما أقسم بالصبح في قوله: ﴿ والصبح إِذَا أَسْفَرَ ﴾ [المدثر: 34] ، ﴿ والصبح إِذَا تَنَفَّسَ ﴾ [التكوير: 18] ، وقيل: بصلاة الفجر.
أراد بالليالي العشر: عشر ذي الحجة.
فإن قلت: فما بالها منكرة من بين ما أقسم به؟
قلت: لأنها ليال مخصوصة من بين جنس الليالي العشر بعض منها.
أو مخصوصة بفضيلة ليست لغيرها.
فإن قلت: فهلا عرفت بلام العهد، لأنها ليال معلومة معهودة؟
قلت: لو فعل ذلك لم تستقل بمعنى الفضيلة الذي في التنكير؛ ولأن الأحسن أن تكون اللامات متجانسة، ليكون الكلام أبعد من الألغاز والتعمية، وبالشفع والوتر: إما الأشياء كلها شفعها ووترها، وإما شفع هذه الليالي ووترها.
ويجوز أن يكون شفعها يوم النحر، ووترها يوم عرفة، لأنه تاسع أيامها وذاك عاشرها، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فسرهما بذلك.
وقد أكثروا في الشفع والوتر حتى كادوا يستوعبون أجناس ما يقعان فيه، وذلك قليل الطائل، جدير بالتلهي عنه، وبعد ما أقسم بالليالي المخصوصة أقسم بالليل على العموم ﴿ إِذَا يَسْرِ ﴾ إذا يمضي؛ كقوله: ﴿ واليل إِذَا أَدْبَرَ ﴾ [المدثر: 33] ، ﴿ واليل إِذْا عَسْعَسَ ﴾ [التكوير: 17] ، وقرئ ﴿ والوتر ﴾ بفتح الواو، وهما لغتان كالحبر والحبر في العدد، وفي الترة: الكسر وحده.
وقرئ ﴿ الوتر ﴾ بفتح الواو وكسر التاء: رواها يونس عن أبي عمرو، وقرئ ﴿ والفجر ﴾ والوتر، ويسر: بالتنوين، وهو التنوين الذي يقع بدلاً من حرف الإطلاق.
وعن ابن عباس: وليال عشر، بالإضافة يريد: وليال أيام عشر.
وياء ﴿ يَسْرِ ﴾ تحذف في الدرج، اكتفاء عنها بالكسرة، وأما في الوقف فتحذف مع الكسرة، وقيل: معنى ﴿ يسري ﴾ يسري فيه ﴿ هَلْ فِي ذَلِكَ ﴾ أي فيما أقسمت به من هذه الأشياء ﴿ قَسَمٌ ﴾ أي مقسم به ﴿ لِّذِى حِجْرٍ ﴾ يريد: هل يحق عنده أن تعظم بالإقسام بها.
أو: هل في إقسامي بها إقسام لذي حجر، أي: هل هو قسم عظيم يؤكد بمثله المقسم عليه.
والحجر: العقل؛ لأنه يحجر عن التهافت فيما لا ينبغي، كما سمى عقلا ونهية؛ لأنه يعقل وينهى.
وحصاة: من الإحصاء وهو الضبط وقال الفراء: يقال: إنه لذو حجر، إذا كان قاهراً لنفسه ضابطاً لها؛ والمقسم عليه محذوف وهو (ليعذبن) يدل عليه قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ إلى قوله: ﴿ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ﴾ [الفجر: 13] .
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ الفَجْرِ مَكِّيَّةٌ وآيُها ثَلاثُونَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ والفَجْرِ ﴾ أقْسَمَ بِالصُّبْحِ أوْ فَلَقِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ ﴾ أوْ بِصَلاتِهِ.
﴿ وَلَيالٍ عَشْرٍ ﴾ عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ ولِذَلِكَ فُسِّرَ الفَجْرُ بِفَجْرِ عَرَفَةَ، أوِ النَّحْرِ أوْ عَشْرِ رَمَضانَ الأخِيرِ وتَنْكِيرُها لِلتَّعْظِيمِ، وقُرِئَ ولَيالٍ عَشْرٍ بِالإضافَةِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالعَشْرِ الأيّامُ.
﴿ والشَّفْعِ والوَتْرِ ﴾ والأشْياءُ كُلُّها شَفْعُها ووَتْرُها، أوِ الخَلْقُ لِقَوْلِهِ: ﴿ وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ ﴾ والخالِقُ لِأنَّهُ فَرْدٌ، ومَن فَسَّرَهُما بِالعَناصِرِ والأفْلاكِ أوِ البُرُوجِ والسَّيّاراتِ أوْ شَفْعِ الصَّلَواتِ ووَتْرِها، أوْ بِيَوْمَيِ النَّحْرِ وعَرَفَةَ، وقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا، أوْ بِغَيْرِها فَلَعَلَّهُ أُفْرِدَ بِالذِّكْرِ مِن أنْواعِ المَدْلُولِ ما رَآهُ أظْهَرَ دَلالَةً عَلى التَّوْحِيدِ، أوْ مَدْخَلًا في الدِّينِ أوْ مُناسَبَةً لِما قَبْلَهُما أوْ أكْثَرَ مَنفَعَةً مُوجِبَةً لِلشُّكْرِ، وقُرِئَ «والوِتْرِ» بِكَسْرِ الواوِ وهُما لُغَتانِ كالحَبْرِ والحِبْرِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَلَيالٍ عَشْرٍ} عشر ذي الحجة أو العشر الأول من المحرم أو الآخر من رمضان وإنما نكرت لزيادة فضيلتها
﴿ ولَيالٍ عَشْرٍ ﴾ هُنَّ العَشْرُ الأُولى مِنَ الأضْحى كَما أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ ومَسْرُوقٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ وعِكْرِمَةَ وغَيْرِهِمْ.
وأخْرَجَ ذَلِكَ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَزّارُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ جابِرٍ يَرْفَعُهُ، ولَها مِنَ الفَضْلِ ما لَها.
وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا: ««ما مِن أيّامٍ فِيهِنَّ العَمَلُ أحَبُّ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وأفْضَلُ مِن أيّامِ العَشْرِ» قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ولا الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ؟
قالَ: «ولا الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ إلّا رَجُلٌ جاهَدَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِنَفْسِهِ ومالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِن ذَلِكَ بِشَيْءٍ».» وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسِ أنَّهُنَّ العَشْرُ الأواخِرُ مِن رَمَضانَ.
ورُوِيَ أيْضًا عَنِ الضَّحّاكِ بَلْ زَعَمَ التَّبْرِيزِيُّ الِاتِّفاقَ عَلى أنَّهُنَّ هَذِهِ العَشْرُ وأنَّهُ لَمْ يُخالِفْ فِيهِ أحَدٌ، واسْتَدَلَّ لَهُ بَعْضُهم بِالحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلى صِحَّتِهِ.
قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذا دَخَلَ العَشْرُ - تَعْنِي العَشْرَ الأواخِرَ مِن رَمَضانَ - شَدَّ مِئْزَرَهُ وأحْيا لَيْلَهُ وأيْقَظَ أهْلَهُ».
وتَعَقَّبَهُ بَعْضُهم بِأنَّ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ لِأنْ يَحْظى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِلَيْلَةِ القَدْرِ؛ لِأنَّها فِيها لا لِكَوْنِهِ العَشْرَ المُرادَةَ هُنا.
وعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُنَّ العَشْرُ الأُوَلُ مِن رَمَضانَ، وعَنْ يَمانٍ وجَماعَةٍ أنَّهُنَّ العَشْرُ الأُوَلُ مِنَ المُحَرَّمِ وفِيها يَوْمُ عاشُوراءَ، وقَدْ ورَدَ في فَضْلِهِ ما ورَدَ.
أخْرَجَ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قَدِمَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ المَدِينَةَ واليَهُودُ تَصُومُ يَوْمَ عاشُوراءَ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «ما هَذا اليَوْمُ الَّذِي تَصُومُونَهُ؟» قالُوا: يَوْمٌ عَظِيمٌ أنْجى اللَّهُ تَعالى فِيهِ مُوسى وأغْرَقَ آلَ فِرْعَوْنَ فِيهِ، فَصامَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ شُكْرًا.
فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «فَنَحْنُ أحَقُّ بِمُوسى مِنكُمْ» فَصامَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأمَرَ بِصِيامِهِ».
وصَحَّ في الصَّحِيحَيْنِ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أرْسَلَ غَداةَ عاشُوراءَ إلى قُرى الأنْصارِ الَّتِي حَوْلَ المَدِينَةِ: «مَن كانَ أصْبَحَ صائِمًا فَلْيُتِمَّ يَوْمَهُ، ومَن كانَ أصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ».
فَكانَ الصَّحابَةُ بَعْدَ ذَلِكَ يَصُومُونَهُ ويُصَوِّمُونَهُ صِبْيانَهُمُ الصِّغارَ، ويَذْهَبُونَ بِهِمْ إلى المَسْجِدِ ويَجْعَلُونَ لَهُمُ اللُّعْبَةَ مِنَ العِهْنِ فَإذا بَكى أحَدُهم عَلى الطَّعامِ أعْطَوْهُ إيّاها حَتّى يَكُونَ الإفْطارُ».
وأخْرَجَ أحْمَدُ وغَيْرُهُ عَنِ الحَبْرِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««صُومُوا يَوْمَ عاشُوراءَ، وخالِفُوا فِيهِ اليَهُودَ وصُومُوا قَبْلَهُ يَوْمًا وبَعْدَهُ يَوْمًا»».
وجاءَ في الأمْرِ بِالتَّوْسِعَةِ فِيهِ عَلى العِيالِ عِدَّةُ أحادِيثَ ضَعِيفَةٍ لَكِنْ قالَ البَيْهَقِيُّ: هي وإنْ كانَتْ ضَعِيفَةً إذا ضُمَّ بَعْضُها إلى بَعْضٍ أحَدُّ قُوَّةً، وأيًّا ما كانَ فَتَنْكِيرُها لِلتَّفْخِيمِ وقُلْ لِلتَّبْعِيضِ؛ لِأنَّها بَعْضُ لَيالِي السَّنَةِ أوِ الشَّهْرِ، والتَّفْخِيمُ أوْلى.
قِيلَ: ولَوْلا قَصْدُ ما ذُكِرَ كانَ الظّاهِرُ تَعْرِيفَها كَأخَواتِها؛ لِأنَّها لَيالٍ مَعْهُودَةٌ مُعَيَّنَةٌ، وقَدَّرَ بَعْضُهم عَلى إرادَةِ صَلاةِ الفَجْرِ فِيما مَرَّ مُضافًا هُنا؛ أيْ: وعِبادَةِ لَيالٍ، ويُقالُ نَحْوُهُ فِيما بَعْدُ عَلى بَعْضِ الأقْوالِ فِيهِ ولَيْسَ بِلازِمٍ ولا أثَرَ فِيهِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِالإضافَةِ فَضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ: ﴿ ولَيالٍ عَشْرٍ ﴾ بِلازِمٍ دُونَ ياءٍ وبَعْضُهم «ولَيالِي عَشْرٍ» بِالياءِ وهو القِياسُ والمُرادُ ولَيالِي أيّامٍ عَشْرٍ، فَحُذِفَ المَوْصُوفُ وهو المَعْدُودُ وفي مِثْلِ ذَلِكَ يَجُوزُ التّاءُ وتَرْكُها في العَدَدِ ومِنهُ: ««وأتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِن شَوّالٍ»» وما حَكاهُ الكِسائِيُّ ضِمْنًا مِنَ الشَّهْرِ خَمْسًا، والمُرَجِّحُ لِلتَّرْكِ هاهُنا وُقُوعُهُ فاصِلَةً، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ بِالإضافَةِ بَيانِيَّةً وهو خِلافُ الظّاهِرِ.
<div class="verse-tafsir"
وهي ثلاثون آية مكيّة قوله تعالى: وَالْفَجْرِ هو قسم، وجوابه: إن ربك لبالمرصاد أقسم الله تعالى بالفجر يعني: الصبح، والفجر فجران المستطيل، وهو من الليل والفجر، المعترض وهو من النهار.
ويقال: أراد به أول يوم من المحرم.
ثم قال عز وجل: وَلَيالٍ عَشْرٍ يعني: عشر ذي الحجة، ويقال: إنها الأيام العشر، التي صام فيها موسى- - وهي قوله: وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ [الأعراف: 142] .
ويقال: هي أيام عاشوراء.
ثم قال عز وجل: وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ قال قتادة: الخلق كله شفع ووتر، فأقسم الله تعالى بالخلق.
وروى الحارث، عن علي ، أنه قال: الشفع آدم وحواء، والوتر الله سبحانه وتعالى.
قال ابن عباس: الوتر آدم فتشفع بزوجته حواء، وقال عطاء: الشفع الناس، والوتر الله سبحانه وتعالى.
وقال الحسن: الشفع هو الخلق، والذكر والأنثى، والوتر الله تعالى.
وقال: أقسم بالصلوات، والصلوات منها ما هو شفع، وهو الفجر، والظهر والعصر، والعشاء ومنها ما هو وتر وهو الوتر في المغرب.
ويقال: إنما هو الأعداد كلها، شفع ووتر.
وعن ابن عباس: الشفع أيام الذبح، والوتر يوم عرفة.
<div class="verse-tafsir"
تفسير سورة «الفجر»
وهي مكّيّة عند الجمهور، وقيل: مدنيّة، والأوّل أصحّ وأشهر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
وَالْفَجْرِ (١) وَلَيالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ (٤)
الفَجْرُ هنا عند الجمهور: هو المشهورُ المعروفُ الطالِعُ كلَّ يومٍ، وقال ابن عباس وغيره: الفجرُ الذي أقسَم اللَّه به صلاةُ الصبحِ، وقيل غيرُ هذا.
[واخْتُلِفَ في الليالي العشرِ فقيلَ: العشرُ الأُوَلُ مِنْ رمضانَ، وقيلَ: العشرُ الأواخِر منه، وقيل: عَشْرُ ذي الحجةِ، وقيل: غيرُ هذا] «١» واللَّه أعلم بما أراد، فإن صحّ عن النبي صلّى الله عليه وسلّم شيءٌ في هذا صِيْرَ إليْهِ، واخْتُلِفَ في «الشَّفْعِ وَالْوتر» ما هما؟
على أقوالٍ كثيرةٍ، وروى عمران بن حصين عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «هي الصلواتُ منها الشَّفْعُ ومنها الوَتْرُ» «٢» ، وسري الليل: هو ذهابُه وانقراضُه هذا قولُ الجمهورِ، وقيل: المعنى: إذا يسرى فيه.
هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ (٦) إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ (٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ (٩)
وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ (١٤)
هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ أي: هل في هذه الأقسامِ مُقْنِعٌ لذي عقل؟
ثم وقَفَ تعالى عَلى مصارِعِ الأُمَمَ الخاليةِ «وعاد» : قبيلة بِلاَ خلافٍ، واختلفَ في: «إرَمِ» فقال
مجاهدٌ: هي القبيلةُ بعَيْنِها «١» ، وقال ابن إسحاق: إرم: هو أبو عادٍ كلِّها «٢» ، وقال الجمهور: إرم: مدينةٌ لهم عظيمةٌ كانَتْ عَلَى وجهِ الدَّهْرِ باليَمَنِ، واخْتُلِفَ في قوله تعالى:
ذاتِ الْعِمادِ فمن قال: إرم مدينةٌ قال: العمادُ أَعْمِدَة الحجارةِ التي بُنِيَتْ بها، وقيلَ القُصورُ العالية، والأبراجُ يقال لها عِمَادٌ، ومَنْ قَال إرم قبيلةٌ قال: العماد إما أَعْمِدَةُ بنيانهم، وإما أَعْمِدَةُ بيوتِهم التي يَرْحَلُونَ بها قاله جماعةٌ والضميرُ في مِثْلُها يعودُ إما على المدينة وإما على القبيلة.
وجابُوا الصَّخْرَ معناه: خَرَقُوه ونَحَتُوه، وكَانُوا في وادِيهم قد نحتوا بيوتهم في حجارة، وفِرْعَوْنَ هو فِرْعَونُ مُوسىَ، واختلِفَ في أوتادهِ فقيل: أبنيتُه العاليةُ، وقيلَ جنودُه الذينَ بهم يُثَبِّتُ ملكَه، وقيل/ المرادُ أوتادُ أخبيةِ عساكرهِ، وذُكِرَتْ لكثرتِها قاله ابن عباس «٣» ، وقال مجاهد: كان يُوتِدُ الناس بأوتادِ حديدٍ، يَقْتلُهُم بذلك: يَضْرِبُها في أَبْدَانِهمْ حَتَّى تنْفُذَ إلى الأرضِ «٤» ، وقيلَ: غيرُ هذا، والصَّبُّ مستعملٌ في السوطِ وإنما خُصَّ السوطُ بأنْ يُسْتَعَارَ للعذابِ لأنه يقتضِي من التَّكْرارِ والتَّرْداد ما لا يقتضيه السيفُ، ولاَ غيرُه وقال بعض اللَّغويينَ: السَّوْطُ هنا مصدرٌ من سَاطَ يَسُوطُ إذَا خَلَطَ فكأَنه قال خَلْطُ عَذَابٍ.
- ص-: قال ابن الأنباري: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ هُو جوابُ القَسَمِ، وقيل:
محذوف، وقيل: الجواب، هَلْ فِي ذلِكَ وهَلْ بمعنى «إنّ» وليس بشيء، انتهى، والمرصاد والمَرْصَدُ: مَوْضِعُ الرَّصْدِ، قاله بعض اللغويين، أي: أَنَّه تعالى عنْدَ لسانِ كل قائلٍ ومَرْصَدٍ لكلِّ فاعلٍ، وإذا عَلِمَ العبدُ أَنَّ مولاه له بالمرصادِ ودَامَتْ مراقبتُه في الفؤادِ، حَضَره الخوفُ والحذُر لا محالةَ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ [البقرة:
٢٣٥] قال أبو حامد في «الإحياء» : وبحسبِ معرفةِ العبد بِعيوبِ نفسهِ، ومعرفتهِ بجلالِ ربه وتعالِيه واستغنائِه، وأنه لا يُسْأَلُ عما يفعلُ تَكُونُ قوةُ خوفِه، فأخوفُ الناسِ لربه أعرفُهم بنفسِهِ وبربهِ، ولذا قال صلّى الله عليه وسلّم: «أنا أخوفُكم للَّه» ، ولذلكَ قال تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [فاطر: ٢٨] ثم إذا كَمُلَتِ المعرفةُ أورثتِ الخوفَ واحْتراقَ القلبِ، ثم
سُورَةُ الفَجْرِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والفَجْرِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الفَجْرُ: انْفِجارُ الظُّلْمَةِ عَنِ الصُّبْحِ، وانْفَجَرَ الماءُ: انْبَجَسَ.
قالَ شَيْخُنا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ: الفَجْرُ: ضَوْءُ النَّهارِ إذا انْشَقَّ عَنْهُ اللَّيْلُ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ اِلانْفِجارِ، يُقالُ: انْفَجَرَ النَّهْرُ يَنْفَجِرُ انْفِجارًا: إذا انْشَقَّ فِيهِ مَوْضِعٌ لِخُرُوجِ الماءِ، ومِن هَذا سُمِّيَ الفاجِرُ فاجِرًا، لِأنَّهُ خَرَجَ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِهَذا الفَجْرِ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الفَجْرُ المَعْرُوفُ الَّذِي هو بَدْءُ النَّهارِ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: هو انْفِجارُ الصُّبْحِ كُلَّ يَوْمٍ، وبِهَذا قالَ عِكْرِمَةُ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، والقُرَظِيُّ.
والثّانِي: صَلاةُ الفَجْرِ، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: النَّهارُ كُلُّهُ، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالفَجْرِ، لِأنَّهُ أوَّلُهُ، ورَوى هَذا المَعْنى أبُو نَصْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ فَجْرُ يَوْمِ النَّحْرِ خاصَّةً قالَهُ مُجاهِدٌ.
والخامِسُ: أنَّهُ فَجْرُ أوَّلِ يَوْمٍ مِن ذِي الحِجَّةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والسّادِسُ: أنَّهُ أوَّلُ يَوْمٍ مِنَ المُحَرَّمِ تَنْفَجِرُ مِنهُ السَّنَةُ قالَهُ قَتادَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَيالٍ عَشْرٍ ﴾ فِيها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ عَشَرُ ذِي الحِجَّةِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنَّها العَشْرُ الأواخِرُ مِن رَمَضانَ، رَواهُ أبُو ظَبْيانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: العَشْرُ الأُوَلُ مِن رَمَضانَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والرّابِعُ: العَشْرُ الأُوَلُ مِنَ المُحَرَّمِ، قالَهُ يَمانُ بْنُ رِئابٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والشَّفْعِ والوَتْرِ ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: " والوِتْرِ " بِكَسْرِ الواوِ، وفَتَحَها الباقُونَ، وهُما لُغَتانِ.
قالَ الفَرّاءُ: الكَسْرُ لِقُرَيْشٍ وتَمِيمٍ وأسَدٍ، والفَتْحُ لِأهْلِ الحِجازِ.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ في " الشَّفْعِ والوَتْرِ " عِشْرُونَ قَوْلًا.
أحَدُها: أنَّ الشَّفْعَ: يَوْمُ عَرَفَةَ ويَوْمُ الأضْحى، والوَتْرَ: لَيْلَةُ النَّحْرِ، رَواهُ أبُو أيُّوبَ الأنْصارِيُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ .
والثّانِي: يَوْمُ النَّحْرِ، والوَتْرُ: يَوْمُ عَرَفَةَ، [رَواهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ، وبِهِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ] .
والثّالِثُ: أنَّ الشَّفْعَ والوَتْرَ: الصَّلاةُ، مِنها الشَّفْعُ، ومِنها الوَتْرُ، رَواهُ عِمْرانُ بْنُ حُصَيْنٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ.
والرّابِعُ: [أنَّ الشَّفْعَ: الخَلْقُ كُلُّهُ، والوَتْرُ: اللَّهُ تَعالى]، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ في رِوايَةِ مَسْرُوقٍ، وأبُو صالِحٍ.
والخامِسُ: أنَّ الوَتْرَ: آدَمُ شُفِعَ بِزَوْجَتِهِ، رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والسّادِسُ: أنَّ الشَّفْعَ يَوْمانِ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ، وهو النَّفْرُ الأوَّلُ، والوَتْرَ: اليَوْمُ الثّالِثُ، وهو النَّفْرُ الأخِيرُ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ ﴾ .
والسّابِعُ: أنَّ الشَّفْعَ: صَلاةُ الغَداةِ، والوَتْرُ: صَلاةُ المَغْرِبِ، حَكاهُ عَطِيَّةُ.
والثّامِنُ: أنَّ الشَّفْعَ: الرَّكْعَتانِ مِن صَلاةِ المَغْرِبِ، والوَتْرَ: الرَّكْعَةُ الثّالِثَةُ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.
والتّاسِعُ: أنَّ الشَّفْعَ والوَتْرَ: الخَلْقُ كُلُّهُ، مِنهُ شَفْعٌ، ومِنهُ وتْرٌ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، ومُجاهِدٌ في رِوايَةٍ.
والعاشِرُ: أنَّهُ العَدَدُ، مِنهُ شَفْعٌ، ومِنهُ وتْرٌ، وهَذا والَّذِي قَبْلَهُ مَرْوِيّانِ عَنِ الحَسَنِ.
والحادِي عَشَرَ: أنَّ الشَّفْعَ: عَشَرُ ذِي الحِجَّةِ، والوَتْرَ: أيّامُ [مِنًى] الثَّلاثَةُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والثّانِي عَشَرَ: أنَّ الشَّفْعَ: هو اللَّهُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلا هو رابِعُهُمْ ﴾ والوَتْرَ: هو اللَّهُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ ﴾ ، قالَهُ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ.
والثّالِثَ عَشَرَ: أنَّ الشَّفْعَ: هو آدَمُ وحَوّاءُ.
والوَتْرَ: اللَّهُ تَعالى، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ.
والرّابِعَ عَشَرَ: أنَّ الشَّفْعَ: الأيّامُ واللَّيالِي، والوَتْرَ: اليَوْمُ الَّذِي لا لَيْلَةَ [بَعْدَهُ]، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ.
والخامِسَ عَشَرَ: الشَّفْعُ: دَرَجاتُ الجِنانِ، لِأنَّها ثَمانٍ، والوَتْرُ: دَرَكاتُ النّارِ لِأنَّها سَبْعٌ، فَكَأنَّ اللَّهَ أقْسَمَ بِالجَنَّةِ والنّارِ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ.
والسّادِسَ عَشَرَ: الشَّفْعُ: تَضادُّ أوْصافِ المَخْلُوقِينَ بَيْنَ عِزٍّ وذُلٍّ، وقُدْرَةٍ وعَجْزٍ، وقُوَّةٍ وضَعْفٍ، وعِلْمٍ وجَهْلٍ، ومَوْتٍ وحَياةٍ.
والوَتْرُ: انْفِرادُ صِفاتِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: عَزٌّ بِلا ذُلٍّ، وقُدْرَةٌ بِلا عَجْزٍ، وقُوَّةٌ بِلا ضَعْفٍ، وعِلْمٌ بِلا جَهْلٍ، وحَياةٌ بِلا مَوْتٍ، قالَهُ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ.
والسّابِعَ عَشَرَ: أنَّ الشَّفْعَ: الصَّفا والمَرْوَةُ، والوَتْرَ: البَيْتُ.
والثّامِنَ عَشَرَ: أنَّ الشَّفْعَ: مَسْجِدُ مَكَّةَ والمَدِينَةِ، والوَتْرَ: بَيْتُ المَقْدِسِ.
والتّاسِعَ عَشَرَ: أنَّ الشَّفْعَ: القِرانُ بَيْنَ الحَجِّ والتَّمَتُّعِ، والوَتْرَ: الإفْرادُ.
والعِشْرُونَ: الشَّفْعُ: العِباداتُ المُتَكَرِّرَةُ، كالصَّلاةِ، والصَّوْمِ، والزَّكاةِ، والوَتْرُ: العِبادَةُ الَّتِي لا تَتَكَرَّرُ، وهو الحَجُّ، حَكى هَذِهِ الأقْوالَ الأرْبَعَةَ الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّيْلِ إذا يَسْرِ ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ويَعْقُوبُ: " يَسْرِي " بِياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ، وافَقَهُما في الوَصْلِ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ﴿ يَسْرِ ﴾ بِغَيْرِ ياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ.
قالَ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ: الِاخْتِيارُ حَذْفُها لِمُشاكَلَتِها لِرُؤُوسِ الآياتِ، ولِاتِّباعِ المُصْحَفِ.
وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللَّيْلِ إذا يَسْرِ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ الفِعْلَ لَهُ، ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: إذا يَسْرِي ذاهِبًا، قالَهُ الجُمْهُورُ، وهو اخْتِيارُ الزَّجّاجِ.
والثّانِي: إذا يَسْرِي مُقْبِلًا، قالَهُ قَتادَةُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الفِعْلَ لِغَيْرِهِ، والمَعْنى: إذا يَسْرِي فِيهِ، كَما يُقالُ: لَيْلٌ نائِمٌ، أيْ: يُنامُ فِيهِ، قالَهُ الأخْفَشُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
وَفِي المُرادِ بِهَذا اللَّيْلِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ لَيْلَةٍ، وهَذا الظّاهِرُ.
والثّانِي: أنَّهُ لَيْلَةُ المُزْدَلِفَةِ، وهي لَيْلَةُ جْمَعٍ: قالَهُ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ.
والثّالِثُ: لَيْلَةُ القَدْرِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ في ذَلِكَ ﴾ أيْ: [هَلْ في ذَلِكَ المَذْكُورِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي أقْسَمْنا بِها] ﴿ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ ﴾ أيْ: لِذِي عَقْلٍ، وسُمِّيَ العَقْلُ حِجْرًا، لِأنَّهُ يَحْجُرُ صاحِبَهُ عَنِ القَبِيحِ، وسُمِّيَ عَقْلًا، لِأنَّهُ يَعْقِلُ عَمّا لا يَحْسُنُ، وسُمِّيَ العَقْلُ النُّهى، لِأنَّهُ يَنْهى عَمًّا لا يَحِلُّ.
ومَعْنى الكَلامِ: أنَّ مَن كانَ ذا لُبٍّ عَلِمَ أنَّ ما أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ مِن هَذِهِ الأشْياءِ، فِيهِ دَلائِلُ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وقَدْرَتِهُ، فَهو حَقِيقٌ أنْ يُقْسِمَ بِهِ لِدَلالَتِهِ.
وجَوابُ القَسَمِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ ﴾ فاعْتُرِضَ بَيْنَ القَسَمِ وجَوابِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ ﴾ فَخَوَّفَ أهْلَ مَكَّةَ بِإهْلاكِ مَن كانَ أشَدَّ مِنهم.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ يَعْمَرَ: " بِعادِ إرَمَ " بِكَسْرِ الدّالِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ عَلى الإضافَةِ.
وَفِي " إرَمَ " أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ اسْمُ بَلْدَةٍ، قالَ الفَرّاءُ.
ولَمْ يُجْرَ " إرَمُ " لِأنَّها اسْمُ بَلْدَةٍ ثُمَّ فِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحُدُها: أنَّها دِمَشْقُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، وعِكْرِمَةُ، وَخالِدٌ الرَّبْعِيُّ.
والثّانِي: الإسْكَنْدَرِيَّةُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.
والثّالِثُ: أنَّها مَدِينَةٌ صَنَعَها شَدّادُ بْنُ عادٍ، وهَذا قَوْلُ كَعْبٍ.
وسَيَأْتِي ذِكْرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ اسْمُ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ، ومَعْناهُ: القَدِيمَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: أنَّهُ قَبِيلَةٌ مِن قَوْمِ عادٍ، قالَهُ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ.
قالَ الزَّجّاجُ: وَإنَّما لَمْ تَنْصَرِفْ " إرَمُ " لِأنَّها جُعِلَتِ اسْمًا لِلْقَبِيلَةِ فَفُتِحَتْ، وهي في مَوْضِعِ خَفْضٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ اسْمٌ لِجَدِّ عادٍ، لِأنَّهُ عادُ بْنُ عَوْصِ بْنِ إرَمَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.
قالَ الفَرّاءُ: فَإنْ كانَ اسْمًا لِرَجُلٍ عَلى هَذا القَوْلِ، فَإنَّما تُرِكَ إجْراؤُهُ، لِأنَّهُ كالعَجَمِيِّ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هُما عادانِ، فالأُولى: هي إرَمُ، وهي الَّتِي قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى ﴾ .
وَهَلْ قَوْمُ هُودٍ عادٌ الأُولى، أمْ لا؟
فِيهِ قَوْلانِ قَدْ ذَكَرْناهُما في ﴿ النَّجْمُ ﴾ .
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إرَمَ ذاتِ العِمادِ ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: لِأنَّهم كانُوا أهْلَ عُمُدٍ وخِيامٍ يَطْلُبُونَ الكَلَأ حَيْثُ كانَ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ إلى مَنازِلِهِمْ، فَلا يُقِيمُونَ في مَوْضِعٍ، رَوى هَذا المَعْنى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والفَرّاءُ.
والثّانِي: أنَّ مَعْنى ذاتِ العِمادِ: ذاتُ الطُّولِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ، وأبُو عُبَيْدَةَ.
قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: رَجُلٌ مُعْمَدٌ: إذا كانَ طَوِيلًا.
والثّالِثُ: ذاتُ القُوَّةِ والشِّدَّةِ، مَأْخُوذٌ مِن قُوَّةِ الأعْمِدَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والرّابِعُ: ذاتُ البَنّاءِ المُحْكَمِ بِالعِمادِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
وقِيلَ: إنَّما سُمِّيَتْ ذاتَ العِمادِ لِبِناءٍ بَناهُ بَعْضُهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها في البِلادِ ﴾ وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو عِمْرانَ: " لَمْ تَخْلُقْ " بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ ورَفْعِ اللّامِ " مِثْلَها " بِنَصْبِ اللّامِ.
وَقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وعَمْرُو بْنُ دِينارٍ: " لَمْ نَخْلُقْ " بِنُونٍ مَفْتُوحَةٍ، ورَفْعِ اللّامِ.
" مِثْلَها " بِنَصْبِ اللّامِ.
وَفِي المُشارِ إلَيْها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُ تِلْكَ القَبِيلَةِ في الطُّولِ والقُوَّةِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ الحَسَنِ.
والثّانِي: المَدِينَةُ لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُ مَدِينَتِهِمْ ذاتِ العِمادِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
وَقَدْ جاءَ في التَّفْسِيرِ صِفاتُ تِلْكَ المَدِينَةِ.
وهَذِهِ الإشارَةُ إلى ذَلِكَ.
رَوى وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُلابَةَ أنَّهُ خَرَجَ في طَلَبِ إبِلٍ لَهُ شَرَدَتْ، فَبَيْنَما هو في صَحارى عَدَنٍ وقَعَ عَلى مَدِينَةٍ في تِلْكَ الفَلَواتِ عَلَيْها حِصْنٌ، وحَوْلَ الحِصْنِ قُصُورٌ كَثِيرَةٌ.
فَلَمّا دَنا مِنها ظَنَّ أنَّ فِيها أحَدًا يَسْألُهُ عَنْ إبِلِهِ، فَلَمْ يَرَ خارِجًا ولا داخِلًا، فَنَزَلَ عَنْ دابَّتِهِ، وعَقَلَها، وسَلَّ سَيْفَهُ، ودَخَلَ مِن بابِ الحِصْنِ، فَلَمّا دَخَلَ الحِصْنَ إذا هو بِبابَيْنِ عَظِيمَيْنِ [لَمْ يَرَ أعْظَمَ مِنهُما] والبابانِ مُرَصَّعانِ بِالياقُوتِ [الأبْيَضِ و]الأحْمَرِ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ دُهِشَ، فَفَتَحَ أحَدَ البابَيْنِ، فَإذا هو بِمَدِينَةٍ لَمْ يَرَ أحَدٌ مِثْلَها، وإذا قُصُورٌ، كُلُّ قَصْرٍ فَوْقَهُ غُرَفٌ وفَوْقَ الغُرَفِ غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ بِالذَّهَبِ والفِضَّةِ واللُّؤْلُؤِ والياقُوتِ.
ومَصارِيعُ تِلْكَ الغُرَفِ مِثْلُ مَصارِيعِ المَدِينَةِ، يُقابِلُ بَعْضُها بَعْضًا، مَفْرُوشَةٌ كُلُّها بِاللُّؤْلُؤِ، وبَنادِقُ مِن مِسْكٍ وزَعْفَرانٍ.
فَلَمّا عايَنَ ذَلِكَ، ولَمْ يَرَ أحَدًا، هالَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ نَظَرَ إلى الأزِقَّةِ فَإذا هو في كُلِّ زِقاقٍ مِنها شَجَرٌ قَدْ أثْمَرَ، وتَحْتَ الشَّجَرِ أنْهارٌ مُطَّرِدَةٌ يَجْرِي ماؤُها مِن قَنَواتٍ مِن فِضَّةٍ.
فَقالَ الرَّجُلُ: إنَّ هَذِهِ هي الجَنَّةُ، فَحَمَلَ مَعَهُ مِن لُؤْلُؤِها، ومِن بَنادِقِ المِسْكِ والزَّعْفَرانِ ورَجَعَ إلى اليَمَنِ، فَأظْهَرَ ما كانَ مَعَهُ.
وبَلَغَ الأمْرُ إلى مُعاوِيَةَ، فَأرْسَلَ إلَيْهِ، فَقَصَّ عَلَيْهِ ما رَأى، فَأرْسَلَ مُعاوِيَةُ إلى كَعْبِ الأحْبارِ، فَلَمّا أتاهُ قالَ لَهُ: يا أبا إسْحاقَ: هَلْ في الدُّنْيا مَدِينَةٌ مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ؟
قالَ: نَعَمْ، أُخْبِرُكَ بِها وبِمَن بَناها؟
إنَّما بَناها شَدّادُ بْنُ عادٍ، والمَدِينَةُ: ﴿ إرَمَ ذاتِ العِمادِ ﴾ ، قالَ: فَحَدَّثَنِي حَدِيثَها، فَقالَ: إنَّ عادًا المَنسُوبَ إلَيْهِمْ عادٌ الأُولى، كانَ لَهُ ولَدانِ: شَدِيدٌ، وشَدّادٌ.
فَلَمّا ماتَ [عادٌ]، ثُمَّ ماتَ شَدِيدٌ وبَقِيَ شَدّادٌ، مَلَكَ الأرْضَ، ودانَتْ لَهُ المُلُوكُ، وكانَ مُولَعًا بِقِراءَةِ الكُتُبِ، فَكانَ إذا مَرَّ بِذِكْرِ الجَنَّةِ دَعَتْهُ نَفْسُهُ إلى بِناءِ مِثْلِها عُتُوًّا عَلى اللَّهِ تَعالى.
فَأمَرَ بِصُنْعِ ﴿ إرَمَ ذاتِ العِمادِ ﴾ ، فَأمَّرَ عَلى عَمَلِها مِائَةَ قُهْرُمانٍ مَعَ كُلِّ قُهْرُمانٍ ألْفٌ مِنَ الأعْوانِ، وكَتَبَ إلى مُلُوكِ الأرْضِ أنْ يُمِدُّوهُ بِما في بِلادِهِمْ مِنَ الجَواهِرِ، فَخَرَجَ القَهارِمَةُ يَسِيرُونَ في الأرْضِ لِيَجِدُوا أرْضًا مُوافِقَةً، فَوَقَفُوا عَلى صَحْراءَ عَظِيمَةٍ نَقِيَّةٍ مِنَ التِّلالِ، وإذا فِيها عُيُونُ ماءٍ ومُرُوجٌ فَقالُوا: هَذِهِ صِفَةُ الأرْضِ الَّتِي أمَرَ المَلِكُ أنْ يُبْنى بِها، فَوَضَعُوا أساسَها مِنَ الجِزْعِ اليَمانِيِّ، وأقامُوا في بِنائِها ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ، وكانَ عُمْرُ شَدّادٍ تِسْعَمِائَةِ سَنَةٍ، فَلَمّا أتَوْهُ وقَدْ فَرَغُوا مِنها قالَ: انْطَلِقُوا، واجْعَلُوا عَلَيْها حِصْنًا، واجْعَلُوا حَوْلَ الحِصْنِ ألْفَ قَصْرٍ، عِنْدَ كُلِّ قَصْرٍ ألْفُ عَلَمٍ لِيَكُونَ في كُلِّ قَصْرٍ مِن تِلْكَ القُصُورِ وزِيرٌ مِن وُزَرائِي، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، فَأمَرَ المَلِكُ الوُزَراءَ -وَهم ألْفُ وزِيرٍ- أنْ يَتَهَيَّئُوا لِلنُّقْلَةِ إلى ﴿ إرَمَ ذاتِ العِمادِ ﴾ ، وكانَ المَلِكُ وأهْلُهُ في جَهازِهِمْ عَشْرَ سِنِينَ، ثُمَّ سارُوا إلَيْها، فَلَمّا كانُوا مِنها عَلى مَسِيرَةِ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وعَلى مَن كانَ مَعَهُ صَيْحَةً مِنَ السَّماءِ فَأهْلَكَتْهم جَمِيعًا، ولَمْ يَبْقَ مِنهم أحَدٌ.
وَرَوى الشَّعْبِيُّ عَنْ دَغْفَلٍ الشَّيْبانِيِّ عَنْ عُلَماءِ حِمْيَرٍ قالُوا: لَمّا هَلَكَ شَدّادُ بْنُ عادٍ ومَن مَعَهُ مِنَ الصَّيْحَةِ، مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ مَرْثَدُ بْنُ شَدّادٍ، وقَدْ كانَ أبُوهُ خَلَّفَهُ بِحَضْرَمَوْتَ عَلى مُلْكِهِ وسُلْطانِهِ، فَأمَرَ بِحَمْلِ أبِيهِ مِن تِلْكَ المَفازَةِ إلى حَضْرَمَوْتَ وأمَرَ [بِدَفْنِهِ] فَحُفِرَتْ لَهُ حَفِيرَةٌ في مَفازَةٍ، فاسْتَوْدَعَهُ فِيها عَلى سَرِيرٍ مِن ذَهَبٍ، وألْقى عَلَيْهِ سَبْعِينَ حُلَّةً مَنسُوجَةً بِقُضْبانِ الذَّهَبِ، ووَضَعَ عِنْدَ رَأْسِهِ لَوْحًا عَظِيمًا مِن ذَهَبٍ وكَتَبَ عَلَيْهِ: اعْتَبِرْ يا أيُّها المَغْـ ـرُورُ بِالعُمْرِ المَدِيدِ أنا شَدّادُ بْنُ عادٍ ∗∗∗ صاحِبُ الحِصْنِ المَشِيدِ وأخُو القُوَّةِ والبَأْ ∗∗∗ ساءِ والمُلْكِ الحَشِيدِ دانَ أهْلُ الأرْضِ طُرًّا ∗∗∗ لِيَ مِن خَوْفِ وعِيدِي ومَلَكْتُ الشَّرْقَ والغَرْ ∗∗∗ بَ بِسُلْطانٍ شَدِيدِ وبِفَضْلِ المُلْكِ والعُدَّ ∗∗∗ ةِ فِيهِ والعَدِيدِ فَأتى هُودٌ وكُنّا ∗∗∗ في ضَلالٍ قَبْلَ هُودِ فَدَعانا لَوْ قَبِلْنا ∗∗∗ هُ إلى الأمْرِ الرَّشِيدِ فَعَصَيْناهُ ونادى ∗∗∗ ما لَكم هَلْ مِن مَحِيدِ؟
فَأتَتْنا صَيْحَةٌ تَهْـ ∗∗∗ ـوِي مِنَ الأُفْقِ البَعِيدِ فَتَوافَيْنا كَزَرْعٍ ∗∗∗ وسْطَ بَيْداءَ حَصِيدِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ ﴾ قَطَعُوهُ ونَقَّبُوهُ.
قالَ إسْحاقُ: والوادِي: وادِي القُرى.
وقَرَأ الحَسَنُ: " بِالوادِي " بِإثْباتِ الياءِ في الحالَيْنِ ﴿ وَفِرْعَوْنَ ذِي الأوْتادِ ﴾ مُفَسَّرٌ في سُورَةِ [ص: ١٢] ﴿ الَّذِينَ طَغَوْا في البِلادِ ﴾ يَعْنِي: عادًا، وثَمُودَ، وفِرْعَوْنَ، عَمِلُوا بِالمَعاصِي، وتَجَبَّرُوا عَلى أنْبِياءِ اللَّهِ ﴿ فَأكْثَرُوا فِيها الفَسادَ ﴾ القَتْلَ والمَعاصِيَ ﴿ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وإنَّما قالَ: سَوْطَ عَذابٍ، لِأنَّ التَّعْذِيبَ قَدْ يَكُونُ بِالسَّوْطِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: [أيْ جَعَلَ سَوْطَهُمُ الَّذِي ضَرَبَهم بِهِ العَذابَ] ﴿ إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ ﴾ أيْ: يَرْصُدُ مَن كَفَرَ بِهِ بِالعَذابِ، والمَرْصَدُ: الطَّرِيقُ، وقَدْ شَرَحْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كانَتْ مِرْصادًا ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الفَجْرِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ عِنْدَ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، وحَكى أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ في كِتابِهِ المُؤَلَّفِ في تَنْزِيلِ القُرْآنِ عن بَعْضِ العُلَماءِ أنَّهُ قالَ: إنَّها مَدَنِيَّةٌ، والأوَّلُ أشْهَرُ وأصَحُّ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ والفَجْرِ ﴾ ﴿ وَلَيالٍ عَشْرٍ ﴾ ﴿ والشَفْعِ والوَتْرِ ﴾ ﴿ واللَيْلِ إذا يَسْرِ ﴾ ﴿ هَلْ في ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ ﴾ ﴿ ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ ﴾ ﴿ إرَمَ ذاتِ العِمادِ ﴾ ﴿ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها في البِلادِ ﴾ ﴿ وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَخْرَ بِالوادِ ﴾ ﴿ وَفِرْعَوْنَ ذِي الأوتادِ ﴾ ﴿ الَّذِينَ طَغَوْا في البِلادِ ﴾ ﴿ فَأكْثَرُوا فِيها الفَسادَ ﴾ ﴿ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ ﴾ ﴿ إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ ﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: "الفَجْرِ" هُنا هو المَشْهُورُ الطالِعُ كُلَّ يَوْمٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الفَجْرُ: النَهارُ كُلُّهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: الفَجْرُ الَّذِي أقْسَمَ اللهُ بِهِ: صَلاةُ الصُبْحِ، وقَرَأ: " إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ" وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّما أرادَ فَجْرَ يَوْمِ النَحْرِ، وقالَ الضَحّاكُ: المُرادُ فَجْرُ ذِي الحِجَّةِ، وقالَ مُقاتِلٌ: المُرادُ فَجْرُ لَيْلَةِ جَمْعٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المُرادُ فَجْرُ أوَّلِ يَوْمِ المُحَرَّمِ لِأنَّهُ فَجْرُ السَنَةِ، وقِيلَ: المُرادُ فَجْرُ العُيُونِ مِنَ الصُخُورِ وغَيْرِها.
وقالَ عِكْرِمَةُ: المُرادُ فَجْرُ يَوْمِ الجُمْعَةِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "اللَيالِي العَشْرِ" -فَقالَ بَعْضُ الرُواةِ: هي العَشْرُ الأُوَلُ مِن رَمَضانَ، وابْنُ عَبّاسٍ والضَحّاكُ: هي العَشْرُ الأواخِرُ مِن رَمَضانَ، وقالَ يَمانُ وجَماعَةٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: هي العَشْرُ الأُوَلُ مِنَ المُحَرَّمِ، وفِيهِ يَوْمُ عاشُوراءَ، وقالَ ابْنُ الزُبَيْرِ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والضَحّاكُ، والسُدِّيُّ، وعَطِيَّةُ العَوْفِيُّ: هي عَشَرُ ذِي الحِجَّةِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هي عَشْرُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ الَّتِي أتَمَّها اللهُ تَعالى لَهُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَلَيالٍ"، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: [وَلَيالِي عَشْرٌ] بِالإضافَةِ، وكَأنَّ هَذا عَلى أنَّ "العَشْرَ" مُشارٌ إلَيْهِ مُعَيَّنٌ بِالعِلْمِ بِهِ، ثُمَّ وقَعَ القَسَمُ بِلَيالِيهِ، فَكَأنَّ "العَشْرَ" اسْمٌ لَزِمَهُ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِهِمْ: "فَعَلْتُ كَذا في العَشْرِ الأوسَطِ"، فَإنَّما هَذا عَلى أنَّ "العَشْرَ" اسْمٌ لَزِمَ حَتّى عُومِلَ مُعامَلَةَ الفَرْدِ ثُمَّ وُصِفَ بِهِ، ومَن راعى فِيهِ اللَيالِي قالَ "العَشْرُ الوَسَطُ".
واخْتَلَفَ الناسُ في "الشَفْعِ والوِتْرِ" -فَقالَ جابِرٌ عَنِ النَبِيِّ : « "الشَفْعُ يَوْمُ النَحْرِ، والوِتْرُ يَوْمُ عَرَفَةَ"» ورَوى أبُو أيُّوبَ عنهُ أنَّهُ قالَ: « "الشَفْعُ يَوْمُ عَرَفَةَ ويَوْمُ الأضْحى، والوِتْرُ لَيْلَةَ النَحْرِ"»، ورَوى عِمْرانُ بْنُ حُصَيْنٍ عنهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أنَّهُ قالَ: « "هِيَ الصَلَواتُ مِنها الشَفْعُ ومِنها الوَتْرُ"»، وقالَ ابْنُ الزُبَيْرِ وغَيْرُهُ: الشَفْعُ اليَوْمانِ مِن أيّامِ التَشْرِيقِ، والوَتْرُ اليَوْمُ الثالِثُ، وقالَ آخَرُونَ: الشَفْعُ العالِمُ، والوِتْرُ اللهُ سُبْحانُهُ؛ إذْ هو تَعالى الواحِدُ مَحْضًا وسِواهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: الشَفْعُ آدَمُ وحَوّاءُ عَلَيْهِما السَلامُ، والوِتْرُ اللهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، وقالَ ابْنُ سِيرِينَ، ومَسْرُوقٌ، وأبُو صالِحٍ: الشَفْعُ والوِتْرُ شائِعانِ في الخَلْقِ كُلِّهِ، الإيمانُ والكُفْرُ، والإنْسُ والجِنُّ وما اطَّرَدَ نَحْوُ هَذا فَهي أضْدادٌ أو كالأضْدادِ، ووَتَرَها اللهُ تَعالى فَرْدٌ واحِدٌ، وقِيلَ: الشَفْعُ الصَفا والمَرْوَةُ، والوِتْرُ البَيْتُ، وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: الشَفْعُ أبْوابُ الجَنَّةِ لِأنَّها ثَمانِيَةٌ، والوِتْرُ أبْوابُ النارِ لِأنَّها سَبْعَةٌ، وقالَ مُقاتِلٌ: الشَفْعُ الأيّامُ واللَيالِي، والوِتْرُ يَوْمُ القِيامَةِ لِأنَّهُ لا لَيْلَ بَعْدَهُ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: الشَفْعُ تَضادُّ أوصافِ المَخْلُوقِينَ كالعِزِّ والذُلِّ ونَحْوِهِ، والوِتْرُ اتِّحادُ صِفاتِ اللهِ تَعالى، عِزٌّ مَحْضٌ وكَرَمٌ مَحْضٌ، ونَحْوُهُ، وقِيلَ: الشَفْعُ، قُرْآنُ الحَجِّ والعُمْرَةِ، والوِتْرُ الإفْرادُ بِالحَجِّ، وقالَ الحَسَنُ: أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالعَدَدِ لِأنَّهُ إمّا شَفَعَ وإمّا وتَرَ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الشَفْعُ حَوّاءٌ والوِتْرُ آدَمُ عَلَيْهِما السَلامُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: الوِتْرُ صَلاةُ المَغْرِبِ والشَفْعُ صَلاةُ الصُبْحِ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: الشَفْعُ الرَكْعَتانِ مِنَ المَغْرِبِ والوِتْرُ الرَكْعَةُ الأخِيرَةُ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الشَفْعُ تَنَفُّلُ اللَيْلِ مَثْنى مَثْنى، والوِتْرُ الرَكْعَةُ الأخِيرَةُ المَعْرُوفَةُ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ والناسُ: "والوَتَرُ" بِفَتْحِ الواوِ، وهي لُغَةُ قُرَيْشٍ وأهْلِ الحِجازِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ والحَسَنُ -بِخِلافٍ- وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وقَتادَةُ: "والوِتْرُ" بِكَسْرِ الواوِ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ وبَكْرٍ، وذَكَرَ الزَهْراوِيُّ أنَّ الأغَرَّ رَواها عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهُما لُغَتانِ في الفَرْدِ، وأمّا الذَحْلُ فَإنَّما هو "وِتْرٌ" بِالكَسْرِ لا غَيْرُ، وقَدْ ذَكَرَ الزَهْراوِيُّ أنَّ الأصْمَعِيَّ حَكى فِيهِ اللُغَتَيْنِ، الفَتْحَ والكَسْرَ.
و"سَرى اللَيْلُ" ذَهابُهُ وانْقِراضُهُ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، والأخْفَشُ، وغَيْرُهُما: المَعْنى إذا يَسْرِي فِيهِ، فَيَخْرُجُ هَذا الكَلامُ مَخْرَجَ "لَيْلٌ نائِمٌ ونَهارٌ صائِمٌ"، وقالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والكَلْبِيُّ: أرادَ بِهَذا لَيْلَةَ جُمَعٍ لِأنَّهُ يُسْرى فِيها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَسْرِ" دُونَ ياءٍ في وصْلٍ ووَقْفٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "يَسْرِي" بِالياءِ في وصْلٍ ووَقْفٍ، وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ- عنهُ "يَسْرِي" بِياءٍ في الوَصْلِ ودُونَهُ في الوَقْفِ، وحَذْفُها تَخْفِيفٌ لِاعْتِدالِ رُؤُوسِ الآيِ إذْ هي فَواصَلُ كالقَوافِي، قالَ اليَزِيدِيُّ: الوَصْلُ في هَذا وما أشْبَهَهُ بِالياءِ، والوَقْفُ بِغَيْرِ ياءٍ عَلى خَطِّ المُصْحَفِ، ووَقَفَ تَعالى عَلى هَذِهِ الأقْسامِ العِظامِ هَلْ فِيها مُقْنِعٌ وحَسَبٌ لِذِي عَقْلٍ.
و"الحِجْرُ" العَقْلُ والنُهْيَةُ، والمَعْنى: فَيَزْدَجِرُ ذُو الحِجْرِ ويَنْظُرُ في آياتِ اللهِ تَعالى.
ثُمَّ وقَفَ تَعالى عَلى مُصارِعِ الأُمَمِ الخالِيَةِ الكافِرَةِ وما فَعَلَ رَبُّكَ مِنَ التَعْذِيبِ والإهْلاكِ، والمُرادُ بِذَلِكَ تَوَعُّدُ قُرَيْشٍ ونُصْبُ المَثَلِ لَها.
و"عادٌ" قَبِيلَةٌ لا خِلافَ في ذَلِكَ، واخْتَلَفَ الناسُ في "إرَمَ" - فَقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: هي القَبِيلَةُ بِعَيْنِها، وعَلى هَذا قالَ ابْنُ قَيْسِ الرُقَيّاتِ: مَجْدًا تَلِيدًا بَناهُ أوَّلُهُ أدْرَكَ عادًا وقَبْلَها إرْما وَقالَ زُهَيْرٌ: وآخَرِينَ تَرى الماذِيَّ عُدَّتُهم ∗∗∗ مِن نَسْجِ داوُدَ أو ما أورَثَتْ إرَمُ وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: إرَمٌ هو أبُو عادٍ كُلِّها، وهو عادُ بْنُ عَوْصَ بْنِ إرَمَ بْنِ سامَ بْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَ غَيْرُ ابْنِ إسْحاقَ: هو أحَدُ أجْدادِها، وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إرَمُ مَدِينَةٌ لَهم عَظِيمَةٌ كانَتْ عَلى وجْهِ الدَهْرِ بِاليَمَنِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: هي "الإسْكَنْدَرِيَّةُ"، وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ والمُقْبِرِيُّ: هي دِمَشْقُ، وهَذانَ القَوْلانِ ضَعِيفانِ، وقالَ مُجاهِدٌ "إرَمُ" مَعْناهُ: قَدِيمَةٌ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "بِعادٍ إرَمَ"، فَصَرَفُوا "عادًا" عَلى إرادَةِ الحَيِّ، ونَعَتُوا بـ "إرَمَ " بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّها القَبِيلَةُ بِعَيْنِها، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُ اليَهُودِ لِلْعَرَبِ: سَيَخْرُجُ فِينا نَبِيٌّ نَتْبَعُهُ، نَقْتُلُكم مَعَهُ قَتْلَ عادٍ وإرَمَ، فَهَذا يَقْتَضِي أنَّها قَبِيلَةٌ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَتَّجِهُ أنْ يَكُونَ "إرَمُ" أبًا لِعادٍ أو جَدًّا غَلَبَ اسْمُهُ عَلى القَبِيلَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ "بِعادِ إرَمَ" عَلى تَرْكِ الصَرْفِ في "عادٍ" وإضافَتِها إلى "إرَمَ"، وهَذا يَتَّجِهُ عَلى أنْ يَكُونَ "إرَمَ" أبًا أو جَدًّا، وعَلى أنْ تَكُونَ مَدِينَةً.
وقَرَأ الضَحّاكُ: "بِعادَ أرَمَ" بِفَتْحِ الدالِ والهَمْزَةِ مِن "أرَمَ" وفَتْحِ الراءِ والمِيمِ، عَلى تَرْكِ الصَرْفِ في "عادٍ" والإضافَةِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ والضَحّاكُ "بِعادِ إرَمَّ" بِشَدّ المِيمِ عَلى الفِعْلِ الماضِي بِمَعْنى: بَلِيَ وصارَ رَمِيمًا، يُقالُ أرِمَ العَظْمُ ورُمَّ وأرَمَّهُ اللهُ، تَعِدّى "رَمَّ" بِالهَمْزَةِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: "أرْمِ ذاتَ" بِالنَصْبِ في التاءِ، عَلى إيقاعِ الإرْمامِ عَلَيْها، أيْ: أبْلاها رَبُّكَ وجَعَلَها رَمِيمًا، وقَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ: "أرْمِ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وَكَسْرِ الراءِ، وهي لُغَةٌ في المَدِينَةِ، وقَرَأ الضَحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ "أرْمِ" بِسُكُونِ الراءِ وفَتْح الهَمْزَةِ وهي تَخْفِيفٌ في "أرُمَ" كَفَخْذَةٍ وفَخْذٍ.
واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ذاتِ العِمادِ ﴾ فَمَن قالَ "إرَمُ مَدِينَةٌ" قالَ: العِمادُ هي أعْمِدَةُ الحِجارَةِ الَّتِي بُنِيَتْ بِها، وقِيلَ القُصُورُ العالِيَةُ والأبْراجُ يُقالُ لَها: عِمادٌ، ومَن قالَ "إرَمَ" قَبِيلَةٌ قالَ: العِمادُ إمّا أعْمِدَةُ أبْنِيَتِهِمْ وإمّا أعْمِدَةُ بُيُوتِهِمُ الَّتِي يَرْحَلُونَ بِها؛ لِأنَّهم كانُوا أهْلَ عَمُودٍ يَنْتَجِعُونَ البِلادَ، قالَهُ مُقاتِلٌ وجَماعَةٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي كِنايَةٌ عن طُولِ أبْدانِهِمْ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: " لَمْ يُخْلَقْ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ اللامِ "مِثُلَها" رَفْعًا، وقَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ "لَمْ يَخْلُقْ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ اللامِ "وَمِثْلَها" نَصْبًا، وذَكَرَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ عنهُ أنَّهُ قَرَأ: "لَمْ نَخْلُقْ" بِالنُونِ وضَمِّ اللامِ "مِثْلَها" نَصْبًا، وذَكَرَ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ عن عِكْرِمَةَ، والضَمِيرُ في مِثْلِها يَعُودُ إمّا عَلى المَدِينَةِ وإمّا عَلى القَبِيلَةِ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ "وَثَمُودًا" بِتَنْوِينِ الدالِ، و"جابُوا الصَخْرَ" مَعْناهُ: خَرَقُوهُ ونَحَتُوهُ، وكانُوا في وادِيهِمْ قَدْ نَحَتُوا بُيُوتَهم في حِجارَةٍ، و"الوادِي" ما بَيْنَ الجَبَلَيْنِ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ماءٌ، هَذا قَوْلُ كَثِيرٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ في مَعْنى "جابُوا الصَخْرَ بِالوادِ"، وقالَ الثَعْلَبِيُّ: يُرِيدُ: بِوادِي القُرى، وقالَ قَوْمٌ: المَعْنى: جابُوا وادِيَهم وجَلَبُوا ماءَهم في صَخْرٍ شَقُّوهُ، وهَذا فِعْلُ ذَوِي القُوَّةِ والآمالِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "بِالوادِي" بِالياءِ، وقَرَأ أكْثَرُ السَبْعَةِ: "بِالوادِ" بِدُونِ ياءٍ، واخْتَلَفَ في ذَلِكَ نافِعٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا.
و"فِرْعَوْنَ" هو فِرْعَوْنُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، واخْتَلَفَ الناسُ في أوتادِهِ فَقِيلَ أبْنِيَتُهُ العالِيَةُ العَظِيمَةُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وقِيلَ: جُنُودُهُ الَّذِينَ بِهِمْ يَثْبُتُ مُلْكُهُ، وقِيلَ المُرادُ أوتادُ أخْبِيَةٍ عَساكِرُهُ وذُكِرَتْ لِكَثْرَتِها ودَلالَتِها عَلى غَزَواتِهِ وطَوافِهِ في البِلادِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومِنهُ قَوْلُ الأسْوَدِ بْنِ يَعْفُرَ: ..............
∗∗∗ في ظِلِّ مُلْكٍ ثابِتِ الأوتادِ وَقالَ قَتادَةُ: كانَ لَهُ أوتادٌ يَلْعَبُ عَلَيْها الرِجالُ بَيْنَ يَدَيْهِ وهو مُشْرِفٌ عَلَيْهِمْ، وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ يُوتِدُ الناسَ بِأوتادِ الحَدِيدِ، يَقْتُلُهم بِذَلِكَ، يَضْرِبُها في أبْدانِهِمْ حَتّى تَنْفُذَ إلى الأرْضِ، وقِيلَ: إنَّما فُعِلَ ذَلِكَ بِزَوْجَتِهِ آسِيَةَ، وقِيلَ: فَعَلَ ذَلِكَ بِماشِطَةِ بِنْتِهِ لِأنَّها كانَتْ آمَنَتْ بِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ.
و"الطُغْيانُ" تَجاوُزُ الحُدُودِ، و"الصَبُّ" يُسْتَعْمَلُ في السَوْطِ لِأنَّهُ يَقْتَضِي سُرْعَةً في النُزُولِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ في المَحْدُودِينَ في الإفْكِ: فَصُبَّتْ عَلَيْهِمْ مُحْصَداتٌ كَأنَّها ∗∗∗ شَآبِيبُ لَيْسَتْ مِن سَحابٍ ولا قَطْرِ ومِن ذَلِكَ قَوْلُ المُتَأخِّرِ في صِفَةِ الخَيْلِ: صَبَبْنا عَلَيْها ظالِمِينَ سِياطَنا ∗∗∗ فَطارَتْ بِها أيْدٍ سِراعٍ وأرْجُلِ وإنَّما خُصَّ "السَوْطُ" بِأنْ يُسْتَعارَ لِلْعَذابِ لِأنَّهُ يَقْتَضِي مِنَ التَكْرارِ والتَرْدادِ ما لا يَقْتَضِيهِ السَيْفُ ولا غَيْرُهُ، وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: السَوْطُ هُنا مَصْدَرٌ مَن ساطَ يَسُوطُ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: خِلْطُ عَذابٍ.
و"المِرْصادُ" و"المَرْصَدُ": مَوْضِعُ الرَصْدِ، قالَهُ اللُغَوِيُّونَ، أيْ أنَّهُ عِنْدَ لِسانِ كُلِّ قائِلٍ، ومَرْصَدٌ لِكُلِّ فاعِلٍ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ في المِرْصادِ جَوابُ عامِرِ بْنِ قَيْسٍ لِعُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ حِينَ قالَ لَهُ: أيْنَ رَبُّكَ يا أعْرابِيُّ؟
قالَ بِالمِرْصادِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "المِرْصادُ" في الآيَةِ اسْمُ فاعِلٍ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: لَبِالراصِدِ، فَعَبَّرَ بِبِناءِ مُبالِغَةٍ، ورُوِيَ في بَعْضِ الحَدِيثِ « "إنَّ عَلى جِسْرِ جَهَنَّمَ ثَلاثُ قَناطِرَ، عَلى إحْداهُما الأمانَةُ، وعَلى الأُخْرى الدَمُ، وعَلى الأخِيرَةِ الرَبُّ تَعالى، فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿ إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ ﴾ ».
<div class="verse-tafsir"
القَسَم بهذه الأزمان من حيث إن بعضها دلائل بديع صنع الله وسعةِ قدرته فيما أوجد من نظام يُظاهر بعضه بعضاً من ذلك وقتَ الفجر الجامع بين انتهاء ظلمة الليل وابتداء نور النهار، ووقت الليل الذي تمحضت فيه الظلمة.
وهي مع ذلك أوقات لأفعال من البر وعبادةِ الله وحده، مثل الليالي العشر، والليالي الشفع، والليالي الوتر.
والمقصود من هذا القَسَم تحقيق المقسم عليه لأن القسم في الكلام من طرق تأكيد الخبر إذ القسم إشهاد المُقسِم ربه على ما تضمنه كلامه.
وقسم الله تعالى متمحض لقصد التأكيد.
والكلام موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما دل عليه قوله: ﴿ ألم تر كيف فعل ربك بعاد ﴾ [الفجر: 6] وقوله: ﴿ إن ربك لبالمرصاد ﴾ [الفجر: 14].
ولذلك فالقسم تعريض بتحقيق حصول المقسم عليه بالنسبة للمنكرين.
والمقصد من تطويل القسم بأشياء، التشويقُ إلى المقسم عليه.
و ﴿ الفجر ﴾ : اسم لوقتتِ ابتداء الضياء في أقصى المشرق من أوائل شعاع الشمس حين يتزحزح الإِظلام عن أول خط يلوح للناظرِ مِنَ الخطوط الفرضية المعروفةِ في تخطيط الكرة الأرضية في الجغرافيا ثم يمتد فيضيء الأفق ثم تظهر الشمس عند الشروق وهو مظهر عظيم من مظاهر القدرة الإلهية وبديع الصنع.
فالفجر ابتداء ظهور النور بعد ما تأخذ ظلمة الليل في الإِنصرام وهو وقت مبارك للناس إذ عنده تنتَهي الحالة الداعية إلى النوم الذي هو شبيه الموت؛ ويأخذ الناس في ارتجاع شعورهم وإقبالهم على ما يألفونه من أعمالهم النافعة لهم.
فالتعريف في ﴿ الفجر ﴾ تعريف الجنس وهو الأظهر لمناسبة عطف ﴿ والليل إذا يسر ﴾ .
ويجوز أن يراد فجر معين: فقيل أريد وقت صلاة الصبح من كل يوم وهو عن قتادة.
وقيل: فجر يوم النحر وهو الفجر الذي يكون فيه الحجيج بالمزدلفة وهذا عن ابن عباس وعطاء وعكرمة، فيكون تعريف ﴿ الفجر ﴾ تعريف العهد.
وقوله: ﴿ وليال عشر ﴾ : هي ليال معلومة للسامعين موصوفة بأنها عشر واستُغني عن تعريفها بتوصيفها بعشر وإذ قد وصفت بها العدد تعين أنها عشر متتابعة وعدل عن تعريفها مع أنها معروفة ليتوصل بترْك التعريف إلى تنوينها المفيد للتعظيم وليس في ليالي السَّنة عشرُ ليال متتابعة عظيمة مثل عشر ذي الحجّة التي هي وقتُ مناسك الحج، ففيها يكون الإِحرام ودخول مكة وأعمال الطواف، وفي ثامنتها ليلة التروية، وتاسعتها ليلة عرفة وعاشرتها ليلة النحر.
فتعين أنها الليالي المرادة بليال عشر.
وهو قول ابن عباس وابن الزبير، وروى أحمد والنسائي عن أبي الزبير (المكي) عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن العشر عشر الأضحى» قال ابن العربي: ولم يصح وقال ابن عساكر: رجاله لا بأس بهم وعندي أن المتن في رفعه نكارة اه.
ومناسبة عطف ﴿ ليال عشر ﴾ على ﴿ الفجر ﴾ أن الفجر وقت انتهاء الليل، فبينه وبين الليل جامع المضادة، والليل مظهر من مظاهر القدرة الإلهية فلما أريد عطفه على الفجر بقوله: ﴿ والليل إذا يسر ﴾ خصت قبل ذكره بالذكرِ ليال مباركة إذ هي من أفراد الليل.
وكانت الليالي العشر معينة من الله تعالى في شرع إبراهيم عليه السلام ثم غيرت مواقيتها بما أدخله أهل الجاهلية على السَّنة القمرية من النسيء فاضطربت السنين المقدسة التي أمر الله بها إبراهيم عليه السلام.
ولا يُعرف متى بدأ ذلك الاضطراب، ولا مقاديرُ ما أدخل عليها من النسيء، ولا ما يضبط أيام النسيء في كل عام لاختلاف اصطلاحهم في ذلك وعدم ضبطه فبذلك يتعذر تعيين الليالي العشر المأمور بها من جانب الله تعالى، ولكننا نوقن بوجودها في خلال السنة إلى أن أوحى الله إلى نبيئه محمد صلى الله عليه وسلم في سنة عشر من الهجرة عام حجة الوداع، بأن أشهر الحج في تلك السنة وافقت ما كانت عليه السنةُ في عهد إبراهيم عليه السلام فقال النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته في حجة الوداع: " إن الزمان قد استدار كهيئته يومَ خلق الله السماوات والأرض ".
وهذا التغيير لا يرفع بركة الأيام الجارية فيها المناسك قبل حجة الوداع لأن الله عظمها لأجل ما يقع فيها من مناسك الحج إذ هو عبادة لله خاصة.
فأوقات العبادات تعيين لإِيقاع العبادة فلا شك أن للوقت المعين لإيقاعها حكمة علمها الله تعالى ولذلك غلب في عبارات الفقهاء وأهل الأصول إطلاقُ اسم السبب على الوقت لأنهم يريدون بالسبب المعرّف بالحكم ولا يريدون به نفسَ الحِكمة.
وتعيين الأوقات للعبادات مما انفرد الله به، فلأوقات العبادات حرمات بالجعل الرباني، ولكن إذا اختلت أو اختلطت لم يكن اختلالها أو اختلاطها بقاض بسقوط العبادات المعينة لها.
فقسمُ اللَّه تعالى بالليالي العشر في هذه مما نزل بمكة قسم بما في علمه من تعيينها في علمه.
و ﴿ الشفع ﴾ : ما يكون ثانياً لغيره، و ﴿ الوَتْر ﴾ : الشيء المفرد، وهما صفتان لمحذوف، فعن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الشفع يوم النحر ذلك لأنه عاشر ذي الحجة ومناسبة الابتداء بالشفع أنه اليوم العاشر فناسب قوله: ﴿ وليال عشر ﴾ ، وأن الوتر يوم عرفة رواه أحمد بن حنبل والنسائي وقد تقدم آنفاً، وعلى هذا التفسير فذكر الشفع والوتر تخصيص لهذين اليومين بالذكر للاهتمام، بعد شمول الليالي العشر لهما.
وفي «جامع الترمذي» عن عِمران بن حُصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الشفع والوتر والصلاةُ منها شفع ومنها وتر ".
قال الترمذي: وهو حديث غريب وفي «العارضة أن في سنده مجهولاً، قال ابن كثير: «وعندي أن وقفه على عمران بن حصين أشبه».
وينبغي حمل الآية على كلا التفسيرين.
وقيل: الشفع يومان بعد يوم منَى، والوتر اليوم الثالث وهي الأيام المعدودات فتكون غيرَ الليالي العشر.
وتنكير ﴿ ليال ﴾ وتعريف ﴿ الشفع والوتر ﴾ مشير إلى أن الليالي العشر ليال معينة وهي عشر ليال في كل عام، وتعريف ﴿ الشفع والوتر ﴾ يؤذن بأنهما معروفان وبأنهما الشفع والوتر من الليالي العشر.
وفي تفسير ﴿ الشفع والوتر ﴾ أقوال ثمانيةَ عشر وبعضها متداخل استقصاها القرطبي، وأكثرها لا يَحسن حمل الآية عليه إذ ليست فيها مناسبة للعطف على ليال عشر.
وقرأ الجمهور: ﴿ والوتر ﴾ بفتح الواو وهي لغة قريش وأهل الحجاز.
وقرأه حمزة والكسائي وخلف بكسر الواو وهي لغة تميم وبَكر بن سَعْد بن بكر وهم بنو سعد أظآر النبي صلى الله عليه وسلم وهم أهل العالية، فهما لغتان في الوتر.
بمعنى الفرد.
و ﴿ الليل ﴾ عطف على ﴿ ليالي عشر ﴾ عطف الأعم على الأخص أو عطف على ﴿ الفجر ﴾ بجامع التضاد.
وأقسم به لما أنه مظهر من مظاهر قدرة الله وبديع حكمته.
ومعنى يسري: يمضي سائراً في الظلام، أي إذا انقضى منه جزء كثير، شُبه تقضي الليل في ظلامه بسير السائر في الظلام وهو السُّرى كما شبه في قوله: ﴿ والليل إذ أدبر ﴾ [المدثر: 33] وقال: ﴿ والليل إذا سجى ﴾ [الضحى: 2]، أي تمكن ظلامه واشتد.
وتقييد ﴿ الليل ﴾ بظرف ﴿ إذا يسر ﴾ لأنه وقت تمكن ظلمة الليل فحينئذ يكون الناس أخذوا حظهم من النوم فاستطاعوا التهجد قال تعالى: ﴿ إن ناشئة الليل هي أشد وطأً وأقوم قيلاً ﴾ [المزمل: 6] وقال: ﴿ ومن الليل فاسجد له وسبحه ﴾ [الإنسان: 26].
وقرأ نافع وأبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب: ﴿ إذا يسري ﴾ بياء بعد الراء في الوصل على الأصل وبحذفها في الوقف لرعي بقية الفواصل: «الفجر، عشر، والوتر، حجر» ففواصل القرآن كالأسجاع في النثر والأسجاعُ تعامل معاملة القوافي، قال أبو علي: وليس إثباتُ الياء في الوقف بأحسن من الحذف، وجميع ما لا يحذف وما يُختار فيه أن لا يحذف (نحو القاض بالألف واللام) يُحذف إذا كان في قافيةٍ أو فاصلة فإن لم تكن فاصلة فالأحسن إثبات الياء.
وقرأ ابن كثير ويعقوب بثبوت الياء بعد الراء في الوصل وفي الوقف على الأصل.
وقرأ الباقون بدون ياء وصْلاً ووقفاً، وهذه الرواية يوافقها رسم المصحف إياها بدون ياء، والذين أثبتوا الياء في الوصل والوقف اعتمدوا الرواية واعتبروا رسم المصحف سُنَّة أو اعتداداً بأن الرسم يكون باعتبار حالة الوقف.
وأما نافع وأبو عمرو وأبو جعفر فلا يُوهن رسمُ المصحف روايتهم لأن رسم المصحف جاء على مراعاة حال الوقف ومُراعاةُ الوقف تكثر في كيفيات الرسم.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ الفَجْرِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ والفَجْرِ ﴾ قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِهِ، وهو انْفِجارُ الصُّبْحِ مِن أفُقِ المَشْرِقِ، وهُما فَجْرانِ: فالأوَّلُ مِنهُما مُسْتَطِيلٌ كَذَنْبِ السِّرْحانِ يَبْدُو كَعَمُودِ نُورٍ لا عَرْضَ لَهُ، ثُمَّ يَغِيبُ لِظَلامٍ يَتَخَلَّلُهُ، ويُسَمّى هَذا الفَجْرُ المُبَشِّرَ لِلصُّبْحِ، وبَعْضُهم يُسَمِّيهِ الكاذِبَ لِأنَّهُ كُذِّبَ بِالصُّبْحِ.
وَهو مِن جُمْلَةِ اللَّيْلِ لا تَأْثِيرَ لَهُ في صَلاةٍ ولا صَوْمٍ.
وَأمّا الثّانِي فَهو مُسْتَطِيلُ النُّورِ مُنْتَشِرٌ في الأُفُقِ ويُسَمّى الفَجْرَ الصّادِقَ لِأنَّهُ صَدَقَكَ عَنِ الصُّبْحِ، قالَ الشّاعِرُ: شَعَبَ الكِلابَ الضّارِياتِ فَزادَهُ نارًا بِذِي الصُّبْحِ المُصَدِّقِ يَخْفُقُ وَبِهِ يَتَعَلَّقُ حُكْمُ الصَّلاةِ والصَّوْمِ، وقَدْ ذَكَرْنا ذَلِكَ مِن قَبْلُ.
وَفي قَسَمِ اللَّهِ بِالفَجْرِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ عَنى بِهِ النَّهارَ وعَبَّرَ عَنْهُ بِالفَجْرِ لِأنَّهُ أوَّلَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّ الفَجْرَ الصُّبْحُ الَّذِي يَبْدَأُ بِهِ النَّهارُ مِن كُلِّ يَوْمٍ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ عَنى بِهِ صَلاةَ الصُّبْحِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
الرّابِعُ: أنَّهُ أرادَ بِهِ فَجْرَ يَوْمِ النَّحْرِ خاصَّةً، قالَهُ مُجاهِدٌ.
وَفي ﴿ وَلَيالٍ عَشْرٍ ﴾ - وهي قَسَمٌ ثانٍ - أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: هي عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَدْ رَوى أبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جابِرٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ قالَ: « (والفَجْرِ ولَيالٍ عَشْرٍ، قالَ: عَشْرُ الأضْحى)» .
الثّانِي: هي عَشْرٌ مِن أوَّلِ المُحَرَّمِ، حَكاهُ الطَّبَرِيُّ.
الثّالِثُ: هي العَشْرُ الأواخِرُ مِن شَهْرِ رَمَضانَ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
الرّابِعُ: هي عَشْرُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ الَّتِي أتَمَّها اللَّهُ سُبْحانَهُ لَهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
﴿ والشَّفْعِ والوَتْرِ ﴾ وهَذا قَسَمٌ ثالِثٌ، وفِيهِما تِسْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الصَّلاةُ، فِيها شَفْعٌ وفِيها وتْرٌ، رَواهُ عُمْرانُ بْنُ حَصِينٍ عَنِ النَّبِيِّ .
الثّانِي: هي صَلاةُ المَغْرِبِ، الشَّفْعُ مِنها رَكْعَتانِ، والوَتْرُ الثّالِثَةُ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ وأبُو العالِيَةِ.
الثّالِثُ: أنَّ الشَّفْعَ يَوْمُ النَّحْرِ، والوَتْرُ يَوْمُ عَرَفَةَ، رَواهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ جابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ .
الرّابِعُ: أنَّ الشَّفْعَ يَوْما مِنى الحادِي عَشَرَ والثّانِيَ عَشَرَ مِن ذِي الحِجَّةِ، والوَتْرَ الثّالِثِ بِعَدِّهِما، قالَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ.
الخامِسُ: أنَّ الشَّفْعَ عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ، والوَتْرَ أيّامُ مِنًى الثَّلاثَةُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
السّادِسُ: أنَّ الشَّفْعَ الخَلْقُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، والوَتْرَ هو آدَمُ وحَوّاءُ، لِأنَّ آدَمَ كانَ فَرْدًا فَشُفِعَ بِزَوْجَتِهِ حَوّاءَ فَصارَ شَفْعًا بَعْدَ وتْرٍ، رَواهُ ابْنُ نَجِيحٍ.
التّاسِعُ: أنَّهُ العَدَدُ لِأنَّ جَمِيعَهُ شَفْعٌ ووَتْرٌ، قالَهُ الحَسَنُ.
وَيَحْتَمِلُ حادِي عَشَرَ: أنَّ الشَّفْعَ ما يَنْمى، والوَتْرَ ما لا يَنْمى.
﴿ واللَّيْلِ إذا يَسْرِ ﴾ وهَذا قَسَمٌ رابِعٌ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: هي لَيْلَةُ القَدْرِ لِسَرايَةِ الرَّحْمَةِ فِيها واخْتِصاصِها بِزِيادَةِ الثَّوابِ فِيها.
الثّانِي: هي لَيْلَةُ المُزْدَلَفَةُ خاصَّةً لِاخْتِصاصِها بِاجْتِماعِ النّاسِ فِيها لِطاعَةِ اللَّهِ، وسُئِلَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ واللَّيْلِ إذا يَسْرِ ﴾ فَقالَ أسْرِ يا سارِي، ولا تَبِيتَنَّ إلّا بِجَمْعٍ، يَعْنِي بِمُزْدَلِفَةَ.
الثّالِثُ: أنَّهُ أرادَ عُمُومَ اللَّيْلِ كُلِّهِ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿ إذا يَسْرِ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: إذا أظْلَمَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: إذا سارَ، لِأنَّ اللَّيْلَ يَسِيرُ بِمَسِيرِ الشَّمْسِ والفَلَكِ فَيَنْتَقِلُ مِن أُفُقٍ إلى أُفُقٍ، ومِنهُ قَوْلُهم جاءَ اللَّيْلُ وذَهَبَ النَّهارُ.
الثّالِثُ: إذا سارَ فِيهِ أهْلُهُ، لِأنَّ السَّرى سَيْرُ اللَّيْلِ.
﴿ هَلْ في ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ ﴾ وفي ذِي الحِجْرِ لِأهْلِ التَّأْوِيلِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لِذِي عَقْلٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: لِذِي حِلْمٍ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: لِذِي دِينٍ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.
الرّابِعُ: لِذِي سِتْرٍ، قالَهُ أبُو مالِكٍ.
الخامِسُ: لِذِي عِلْمٍ، قالَهُ أبُو رَجاءٍ.
والحِجْرُ: المَنعُ، ومِنهُ اشْتُقَّ اسْمُ الحَجَرِ لِامْتِناعِهِ بِصَلابَتِهِ، ولِذَلِكَ سُمِّيَتِ الحُجْرَةُ لِامْتِناعِ ما فِيها بِها، ومِنهُ سُمِّي حَجْرُ المَوْلى عَلَيْهِ لِما فِيهِ مِن مَنعِهِ عَنِ التَّصَرُّفِ، فَجازَ أنَّ يُحْمَلَ مَعْناهُ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ لِما يَضْمَنُهُ مِنَ المَنعِ.
وَقالَ مُقاتِلٌ (هَلْ) ها هُنا في مَوْضِعِ إنَّ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: إنَّ في ذَلِكَ قَسَمًا لِذِي حِجْرٍ.
﴿ ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ ﴾ ﴿ إرَمَ ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ إرَمَ هي الأرْضُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: دِمَشْقُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الثّالِثُ: الإسْكَنْدَرِيَّةُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.
الرّابِعُ: أنَّ إرَمَ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، قالَ الشّاعِرُ كَما سَخِرَتْ بِهِ إرَمُ فَأضْحَوْا ∗∗∗ مِثْلَ أحْلامِ النِّيامِ.
الخامِسُ: أنَّهُ اسْمُ قَبِيلَةٍ مِن عادٍ، قالَهُ قَتادَةُ.
السّادِسُ: أنَّ إرَمَ اسْمُ جَدِّ عادٍ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ، وحَكى عَنْهُ أنَّهُ أبُوهُ، وأنَّهُ عادُ بْنُ إرَمَ بْنِ عَوَضِ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ.
السّابِعُ: أنَّ مَعْنى إرَمَ القَدِيمَةُ، رَواهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ.
الثّامِنُ: أنَّهُ الهَلاكُ، يُقالُ: أرِمَ بَنُو فُلانٍ، أيْ هَلَكُوا، قالَهُ الضَّحّاكُ.
التّاسِعُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى رَمَّهم رَمًّا فَجَعَلَهم رَمِيمًا، فَلِذَلِكَ سَمّاهم، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿ ذاتِ العِمادِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ذاتُ الطُّولِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ رَجُلٌ مُعَمَّدٌ، إذا كانَ طَوِيلًا، وزَعَمَ قَتادَةُ أنَّهُ كانَ طُولُ الرَّجُلِ مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ ذِراعًا.
الثّانِي: ذاتُ العِمادِ لِأنَّهم كانُوا أهْلَ خِيامٍ وأعْمِدَةٍ، يَنْتَجِعُونَ الغُيُوثَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: ذاتُ القُوَّةِ والشِّدَّةِ، مَأْخُوذٌ مِن قُوَّةِ الأعْمِدَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ، وحَكى ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ أنَّهُ قالَ: أنا شَدّادُ بْنُ عادٍ، وأنا الَّذِي رَفَعْتُ العِمادَ، وأنا الَّذِي شَدَّدْتُ بِذِراعِي بَطْنَ السَّوادِ، وأنا الَّذِي كَنَزْتُ كَنْزًا عَلى سَبْعَةِ أذْرُعٍ لا تُخْرِجُهُ إلّا أُمَّةُ مُحَمَّدٍ.
الرّابِعُ: ذاتُ العِمادِ المُحْكَمُ بِالعِمادِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
﴿ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها في البِلادِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُ مَدِينَتِهِمْ ذاتِ العِمادِ في البِلادِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الثّانِي: لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُ قَوْمِ عادٍ في البِلادِ، لِطُولِهِمْ وشِدَّتِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ.
﴿ وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالوادِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي قَطَّعُوا الصَّخْرَ ونَقَبُوهُ ونَحَتُوهُ حَتّى جَعَلُوهُ بُيُوتًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ ﴾ قالَ الشّاعِرُ ألا كُلُّ شَيْءٍ ما خَلا اللَّهَ باطِلُ ∗∗∗ وكُلُّ نَعِيمٍ لا مَحالَةَ زائِلُ وَقالَ آخَرُ وهم ضَرَبُوا في كُلِّ صَمّاءَ صَعَدَةً ∗∗∗ بِأيْدٍ شَدِيدٍ مِن شِدادِ السَّواعِدِ.
الثّانِي: مَعْناهُ طافُوا لِأخْذِ الصَّخْرِ بِالوادِي، كَما قالَ الشّاعِرُ ولا رَأيْتُ قُلُوصًا قَبْلَها حَمَلَتْ ∗∗∗ سِتِّينَ وسْقًا ولا جابَتْ بِهِ بَلَدًا وَأمّا (اَلْوادِ) فَقَدْ زَعَمَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ أنَّهُ وادِي القِرى، ورَوى أبُو الأشْهَبِ عَنْ أبِي نَضْرَةَ قالَ: «أتى رَسُولُ اللَّهِ في غَزاةِ تَبُوكَ عَلى وادِي ثَمُودَ، وهو عَلى فَرَسٍ أشْقَرَ، فَقالَ: أسْرِعُوا السَّيْرَ فَإنَّكم في وادٍ مَلْعُونٍ» .
﴿ وَفِرْعَوْنَ ذِي الأوْتادِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الأوْتادَ الجُنُودُ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ بِذِي الأوْتادِ لِكَثْرَةِ جُنُودِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: لِأنَّهُ كانَ يُعَذِّبُ النّاسَ بِالأوْتادِ يَشُدُّها في أيْدِيهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، قالَ الكَلْبِيُّ: بِمِثْلِ ذَلِكَ عَذَّبَ فِرْعَوْنُ زَوْجَتَهُ آسِيَةَ بِنْتِ مُزاحِمٍ عِنْدَما آمَنَتْ حَتّى ماتَتْ.
الثّالِثُ: أنَّ الأوْتادَ البُنْيانُ فَسُمِّيَ بِذِي الأوْتادِ لِكَثْرَةِ بِنائِهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الرّابِعُ: لِأنَّهُ كانَتْ لَهُ فَطالَ ومُلاعِبُ عَلى أوْتادٍ وحِبالٍ يُلْعَبُ لَهُ تَحْتَها، قالَهُ قَتادَةُ.
وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنَّهُ ذُو الأوْتادِ لِكَثْرَةِ نَخْلَةٍ وشَجَرَةٍ، لِأنَّها كالأوْتادِ في الأرْضِ.
﴿ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: قِسْطَ عَذابٍ كالعَذابِ بِالسَّوْطِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
الثّانِي: خِلْطَ عَذابٍ، لِأنَّهُ أنْواعٌ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ أحارِثُ إنّا لَوْ تُساطُ دِماؤُنا ∗∗∗ تَزَيَّلْنَ حَتّى لا يَمَسَّ دَمٌ دَمًا الثّالِثُ: أنَّهُ وجَعٌ مِنَ العَذابِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الرّابِعُ: أنَّهُ كُلُّ شَيْءٍ عَذَّبَ اللَّهُ بِهِ فَهو سَوْطُ عَذابٍ، قالَهُ قَتادَةُ.
وَقالَ قَتادَةُ: كانَ سَوْطُ عَذابٍ هو الغَرَقُ.
﴿ إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِالطَّرِيقِ.
الثّانِي: بِالِانْتِظارِ، كَما قالَ طَرَفَةُ ؎ أعاذِلُ إنَّ الجَهْلَ مِن لَذَّةِ الفَتى ∗∗∗ وإنَّ المَنايا لِلرِّجالِ بِمَرْصَدِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن الضريس والنحاس في ناسخه وابن مردويه والبيهقي من طرق عن ابن عباس قال: نزلت ﴿ والفجر ﴾ بمكة.
وأخرج ابن مردويه عن عبدالله بن الزبير قال: أنزلت ﴿ والفجر ﴾ بمكة.
وأخرج ابن مردوية عن عائشة قالت: أنزلت ﴿ والفجر ﴾ بمكة.
وأخرج النسائي عن جابر قال: أفتان يا معاذ أين أنت من ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ [ الأعلى: 1] ﴿ والشمس وضحاها ﴾ [ الشمس: 1] ﴿ والفجر ﴾ ﴿ والليل إذا يغشى ﴾ [ الليل: 1] .
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عبدالله بن الزبير في قوله: ﴿ والفجر ﴾ قال: قسم أقسم الله به.
وأخرج ابن أبي شيبة عن ميمون بن مهران قال: إن الله تعالى يقسم بما يشاء من خلقه وليس لأحد أن يقسم إلا بالله.
وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس في قوله: ﴿ والفجر ﴾ قال: فجر النهار.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ والفجر ﴾ قال: هو الصبح.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في قوله: ﴿ والفجر ﴾ قال: طلوع الفجر غداة جمع.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ والفجر ﴾ قال: فجر يوم النحر، وليس كل فجر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي مثله.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ والفجر ﴾ قال: يعني صلاة الفجر.
وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي في الشعب وابن عساكر عن ابن عباس في قوله: ﴿ والفجر ﴾ قال: هو المحرم أوّل فجر السنة.
وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل» .
وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن النعمان قال: «أتى عليّاً رجل فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني بشهر أصومه بعد رمضان.
قال: لقد سألت عن شيء ما سمعت أحداً يسأل عنه بعد رجل سأل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: إن كنت صائماً شهراً بعد رمضان فصم المحرم، فإنه شهر الله وفيه يوم تاب فيه قوم وتاب فيه على آخرين» .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والبيهقي عن ابن عباس قال: «قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة واليهود تصوم يوم عاشوراء فقال: ما هذا اليوم الذي تصومونه؟
قالوا: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى، وأغرق فيه آل فرعون، فصامه موسى شكراً لله.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فنحن أحق بموسى منكم، فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه» .
وأخرج البخاري ومسلم والبيهقي عن الربيع بنت معوّذ بن عفراء قالت: «أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة من كان أصبح صائماً فليتم صومه، ومن كان أصبح مفطراً فليصم بقية يومه» قالت فكنا بعد ذلك نصومه ونصوّم صبياننا الصغار، ونذهب بهم إلى المسجد، ونجعل لهم اللعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه إياها حتى يكون عند الافطار.
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والبيهقي عن ابن عباس قال: ما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتحرى صيام يوم يبتغي فضله على غيره إلا هذا اليوم، يوم عاشوراء، أو شهر رمضان.
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس ليوم على يوم فضل في الصيام إلا شهر رمضان ويوم عاشوراء» .
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن الأسود بن يزيد قال: ما رأيت أحداً ممن كان بالكوفة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بصوم يوم عاشوراء من عليّ وأبي موسى.
وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم والبيهقي عن ابن عباس قال: «حين صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا: يا رسول الله إنه تعظمه اليهود، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا يوم التاسع فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم» .
وأخرج ابن عدي والبيهقي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا فيه اليهود.
صوموا قبله يوماً وبعده يوماً» .
وأخرج البيهقي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لئن بقيت لآمرن بصيام يوم قبله أو بعده يوم عاشوراء» .
وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال: خالفوا اليهود وصوموا التاسع والعاشر.
وأخرج البيهقي عن أبي جبلة قال: كنت مع ابن شهاب في سفر فصام يوم عاشوراء، فقيل له: تصوم يوم عاشوراء في السفر وأنت تفطر في رمضان؟
قال: إن رمضان له عدة من أيام أخر، وإن عاشوراء يفوت.
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي موسى قال: يوم عاشوراء يوم تعظمه اليهود وتتخذه عيدا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صوموه أنتم» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يوم عاشوراء يوم كانت تصومه الأنبياء فصوموه أنتم» .
وأخرج البيهقي عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من وسع على أهله يوم عاشوراء وسع الله عليه طول سنته» .
وأخرج البيهقي عن ابن مسعود قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من وسع على عياله يوم عاشوراء وسع الله عليه في سائر سنته» .
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من وسع على أهله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته» .
وأخرج البيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من وسع على عياله وأهله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته» قال البيهقي: أسانيدها، وإن كانت ضعيفة، فهي إذا ضم بعضها إلى بعض أحدثت قوّة.
وأخرج البيهقي عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر قال: كان يقال: من وسع على عياله يوم عاشوراء لم يزالوا في سعة من رزقهم سائر سنتهم.
وأخرج البيهقي وضعفه عن عروة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من اكتحل بالإِثمد يوم عاشوراء لم يرمد أبداً» .
أخرج أحمد والنسائي والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن جابر «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ﴿ والفجر وليال عشر والشفع والوتر ﴾ قال: إن العشر عشر الأضحى والوتر يوم عرفة، والشفع يوم النحر» .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الشعب من طرق عن ابن عباس في قوله: ﴿ وليال عشر ﴾ قال: عشرة الأضحى، وفي لفظ قال: هي ليال العشر الأول من ذي الحجة.
وأخرج عبد الرزاق وابن سعد وابن جرير وابن أبي حاتم عن عبدالله بن الزبير في قوله: ﴿ وليال عشر ﴾ قال: أول ذي الحجة إلى يوم النحر.
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن مسروق في قوله: ﴿ وليال عشر ﴾ قال: هي عشر الأضحى، هي أفضل أيام السنة.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن مجاهد ﴿ وليال عشر ﴾ قال: عشر ذي الحجة.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة مثله.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة مثله.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد عن الضحاك بن مزاحم في قوله: ﴿ وليال عشر ﴾ قال: عشر الأضحى أقسم بهن لفضلهن على سائر الأيام.
وأخرج عبد بن حميد عن مسروق ﴿ وليال عشر ﴾ قال: عشر الأضحى وهي التي وعد الله موسى قوله: ﴿ وأتممناها بعشر ﴾ [ الأعراف: 142] .
وأخرج عبد بن حميد عن طلحة بن عبيدالله أنه دخل على ابن عمر هو وأبو سلمة بن عبد الرحمن، فدعاهم ابن عمر إلى الغداء يوم عرفة، فقال أبو سلمة: أليس هذه الليالي العشر التي ذكر الله في القرآن؟
فقال ابن عمر: وما يدريك؟
قال: ما أشك.
قال: بلى فاشكك.
وأخرج ابن مردويه عن عطية في قوله: ﴿ والفجر ﴾ قال: هذا الذي تعرفون ﴿ وليال عشر ﴾ قال: عشر الأضحى ﴿ والشفع ﴾ قال: يقول الله: ﴿ وخلقناكم أزواجاً ﴾ [ النبأ: 8] ﴿ والوتر ﴾ قال الله قيل هل تروي هذا عن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
قال: نعم عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وأخرج البخاري والبيهقي في الشعب عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من أيام فيهن العمل أحب إلى الله عز وجل أفضل من أيام العشر، قيل يا رسول الله: ولا الجهاد في سبيل الله؟
قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل جاهد في سبيل الله بماله ونفسه فلم يرجع من ذلك بشيء» .
وأخرج البيهقي عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من أيام أفضل عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من أيام العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد» .
وأخرج البيهقي عن الأوزاعي قال: بلغني أن العمل في اليوم من أيام العشر كقدر غزوة في سبيل الله يصام نهارها ويحرس ليلها إلا أن يختص امرؤ بشهادة.
قال: الأوزاعي: حدثني بهذا الحديث رجل من بني مخزوم عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وأخرج البيهقي من طريق هنيدة بن خالد عن امرأته عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم تسع ذي الحجة ويوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر، أول اثنين من الشهر وخميسين.
وأخرج البيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من أيام من أيام الدنيا العمل فيها أحب إلى الله من أن يتعبد له فيها من أيام العشر، يعدل صيام كل يوم منها بصيام سنة، وقيام كل ليلة بقيام ليلة القدر» .
وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من أيام أفضل عند الله ولا العمل فيهن أحب إلى الله عز وجل من هذه الأيام العشر فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير، فإنها أيام التهليل والتكبير وذكر الله، وإن صيام يوم منها يعدل بصيام سنة، والعمل فيهن يضاعف بسبعمائة ضعف» .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وليال عشر ﴾ قال: هي العشر الأواخر من رمضان.
وأخرج محمد بن نصر في كتاب الصلاة عن أبي عثمان قال: كانوا يعظمون ثلاث عشرات العشر الأول من المحرم والعشر الأول من ذي الحجة والعشر الأخير من رمضان.
أخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن عمران بن حصين «أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الشفع والوتر فقال: هي الصلاة بعضها شفع وبعضها وتر» .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن عمران بن حصين ﴿ والشفع والوتر ﴾ قال: الصلاة المكتوبة منها شفع ومنها وتر.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ والشفع والوتر ﴾ قال: إن من الصلاة شفعاً وإن منها وتراً.
قال: قال الحسن: هو العدد منه شفع ومنه وتر.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي العالية ﴿ والشفع والوتر ﴾ قال: ذلك صلاة المغرب الشفع الركعتان والوتر الركعة الثالثة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس مثله.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن ﴿ والشفع والوتر ﴾ قال: أقسم ربنا بالعدد كله الشفع منه والوتر.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن إبراهيم النخعي قال: الشفع الزوج، والوتر الفرد.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس ﴿ والشفع والوتر ﴾ قال: كل شيء شفع فهو اثنان والوتر واحد.
وأخرج عبد الرزاق عن مجاهد ﴿ والشفع والوتر ﴾ قال: الخلق كله شفع ووتر فأقسم بالخلق.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ والشفع والوتر ﴾ قال: الله الوتر وأنتم الشفع.
وأخرج الفريابي وسعيد بن جبير وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ والشفع والوتر ﴾ قال: كل خلق الله شفع السماء والأرض والبر والبحر والإِنس والجن والشمس والقمر ونحو هذا شفع، والوتر الله وحده.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ والشفع والوتر ﴾ قال: الله الوتر وخلقه الشفع الذكر والأنثى.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: الشفع آدم وحواء والوتر الله.
وأخرج عبد بن حميد من طريق اسماعيل عن أبي صالح ﴿ والشفع والوتر ﴾ قال: خلق الله من كل زوجين اثنين، والله وتر واحد صمد.
قال اسماعيل: فذكرت ذلك للشعبي، فقال: كان مسروق يقول ذلك.
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر قال: من قال في دبر كل صلاة وإذا أخذ مضجعه الله أكبر الله أكبر عدد الشفع والوتر وعدد كلمات الله التامات الطيبات المباركات ثلاثاً ولا إله إلا الله مثل ذلك كن له في قبره نوراً وعلى الجسر نوراً وعلى الصراط نوراً حتى يدخل الجنة.
وأخرج الطبراني وابن مردويه بسند ضعيف عن أبي أيوب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الشفع والوتر فقال: «يومان وليلة يوم عرفة ويوم النحر، والوتر ليلة النحر ليلة جمع» .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عطاء ﴿ والشفع والوتر ﴾ قال: هي أيام نسك عرفة والأضحى هما للشفع، وليلة الأضحى هي الوتر.
وأخرج ابن جرير عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الشفع اليومان والوتر اليوم الثالث» .
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن سعد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عبد الله بن الزبير أنه سئل عن الشفع والوتر فقال: الشفع قول الله: ﴿ فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ﴾ [ البقرة: 203] والوتر اليوم الثالث:، وفي لفظ الشفع أوسط أيام التشريق والوتر آخر أيام التشريق.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان من طرق عن ابن عباس ﴿ والشفع والوتر ﴾ قال: الشفع يوم النحر والوتر يوم عرفة.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة قال: عرفة وتر ويوم النحر شفع عرفة يوم التاسع والنحر يوم العاشر.
وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك رضي الله عنه قال: الشفع يوم النحر، والوتر يوم عرفة.
أقسم الله بهما لفضلهما على العشر.
أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ والليل إذا يسر ﴾ قال: إذا ذهب.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عبد الله بن الزبير ﴿ والليل إذا يسر ﴾ قال: إذا سار.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ والليل إذا يسر ﴾ قال: إذا سار.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة ﴿ والليل إذا يسر ﴾ قال: ليلة جمع.
وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي أنه قيل له: ما ﴿ والليل إذا يسر ﴾ قال: هذه الإِفاضة اسر يا ساري ولا تبيتن إلا بجمع.
أخرج ابن المنذر عن ابن مسعود أنه قرأ ﴿ والفجر ﴾ إلى قوله: ﴿ إذا يسر ﴾ قال: هذا قسم على أن ربك لبالمرصاد.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان من طرق عن ابن عباس في قوله: ﴿ قسم لذي حجر ﴾ قال: لذي حجا وعقل ونهى.
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن عكرمة والضحاك مثله.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الحسن ﴿ لذي حجر ﴾ قال: لذي حلم.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي مالك ﴿ لذي حجر ﴾ قال: ستر من النار.
وأخرج ابن الأنباري في الوقف والابتداء عن السدي في قوله: ﴿ لذي حجر ﴾ قال: لذي لب.
قال الحارث بن ثعلبة: وكيف رجائي أن أتوب وإنما ** يرجى من الفتيان من كان ذا حجر أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ﴾ قال: يعني بالإِرم الهالك ألا ترى أنك تقول: إرم بنو فلان ﴿ ذات العماد ﴾ يعني طولهم مثل العماد.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ بعاد إرم ﴾ قال: القديمة ﴿ ذات العماد ﴾ قال: أهل عمود لا يقيمون.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ إرم ﴾ قال: أمة ﴿ ذات العماد ﴾ قال: كان لها جسم في السماء.
وأخرج ابن المنذر عن السدي في قوله: ﴿ بعاد إرم ﴾ قال: عاد بن إرم نسبهم إلى أبيهم الأكبر.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال: كنا نحدث أن إرم قبيلة من عاد كان يقال لهم ذات العماد، كانوا أهل عمود ﴿ التي لم يخلق مثلها في البلاد ﴾ قال: ذكر لنا أنهم كانوا اثني عشر ذراعاً طولاً في السماء.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن المقدام بن معد يكرب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر ﴿ إرم ذات العماد ﴾ فقال: «كان الرجل منهم يأتي إلى الصخرة فيحملها على كاهله فيلقيها على أي حي أراد فيهلكهم» .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة قال: ارم هي دمشق.
وأخرج ابن جرير وعبد بن حميد وابن عساكر عن سعيد المقبري مثله.
وأخرج ابن عساكر عن سعيد بن المسيب مثله.
وأخرج عبد بن حميد عن خالد الربعي مثله.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن محمد بن كعب القرظي قال: إرم هي الاسكندرية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال: الإِرم هي الهلاك، إلا ترى أنه يقال: أرمَّ بنو فلان أي هلكوا.
قال ابن حجر: هذا التفسير على قراءة شاذة أرمَّ بفتحتين وتشديد الراء على أنه فعل ماض و ﴿ ذات ﴾ بفتح التاء مفعوله أي أهلك الله ذات العماد.
وأخرج ابن أبي حاتم عن شهر بن حوشب ﴿ إرم ﴾ قال رمهم رماً فجعلهم رمماً.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك ﴿ ذات العماد ﴾ ذات الشدة والقوّة.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ جابوا الصخر بالواد ﴾ قال: كانوا ينحتون من الجبال بيوتاً ﴿ وفرعون ذي الأوتاد ﴾ قال: الأوتاد الجنود الذين يشيدون له أمره.
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ جابوا الصخر ﴾ قال نقبوا الحجارة في الجبال فاتخذوها بيوتاً.
قال: وهل تعرف ذلك العرب؟
قال: نعم أما سمعت قول أمية: وشق أبصارنا كيما نعيش بها ** وجاب للسمع أصماخاً وآذاناً وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ جابوا الصخر ﴾ قال: حرقوا الجبال فجعلوها بيوتاً ﴿ وفرعون ذي الأوتاد ﴾ قال: كان يتد الناس بالأوتاد ﴿ فصب عليهم ربك سوط عذاب ﴾ قال: ما عذبوا به.
وأخرج الحاكم وصححه عن ابن مسعود في قوله: ﴿ ذي الأوتاد ﴾ قال: وتد فرعون لأمرأته أربعة أوتاد ثم جعل على ظهرها رحى عظيمة حتى ماتت.
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير ﴿ وفرعون ذي الأوتاد ﴾ قال: كان يجعل رجلاً هنا ورجلاً هنا ويداً هنا ويداً هنا بالأوتاد.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: إنما سمي فرعون ذا الأوتاد لأنه كان يبني له المنابر يذبح عليها الناس.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: كان يعذب بالأوتاد.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: كان فرعون إذا أراد أن يقتل أحداً ربطه بأربعة أوتاد على صخرة ثم أرسل عليه صخرة من فوقه فشدخه وهو ينظر إليها قد ربط بكل يد منها قائمة.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ وفرعون ذي الأوتاد ﴾ قال: ذي البناء قال: وحدثنا عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه كانت له مظال يلعب تحتها وأوتاد كانت تضرب له.
وأخرج ابن المنذر عن السدي في قوله: ﴿ فأكثروا فيها الفساد ﴾ قال: بالمعاصي ﴿ فصب عليهم ربك سوط عذاب ﴾ قال: رجع عذاب.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: كل شيء به فهو سوط عذاب.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ والفجر ﴾ أقسم الله تعالى بالفجر وهو الطالع كل يوم كما أقسم بالصبح، وقيل: أراد صلاة الفجر: وقيل: أراد النهار كله، وقيل: فجر يوم الجمعة ولا دليل على هذه التخصيصات وقيل: أراد انفجار العيون من الحجارة وهذا بعيد والاول أظهر وأشهر ﴿ وَلَيالٍ عَشْرٍ ﴾ هي عشر ذي الحجة عند الجمهور، وقيل: العشر الأول من المحرم وفيها عاشوراء وقيل: العشر الأواخر من رمضان، وقيل: العشر الأول منه ﴿ والشفع والوتر ﴾ روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الشفع يوم النحر والوتر يوم عرفة وروي عنه عليه الصلاة والسلام أنها الصلوات منها شفع ووتر وقيل: الشفع التنفل بالصلاة مثنى مثنى والوتر الركعة الواحدة المعروفة، وقيل: الشفع العالم والوتر الله لأنه واحد، وقيل: الشفع آدم وحواء والوتر الله تعالى، وقيل: الشفع الصفا والمروة والوتر البيت الحرام، وقيل: الشفع أبواب الجنة لأنها ثمانية والوتر أبواب النار لأنها سبعة، وقيل: الشفع قران الحج والوتر إفراده، وقيل: المراد الأعداد منها شفع ووتر.
فهذه عشرة أقوال، وقرئ الوتر بفتح الواو وكسرها وهما لغتان ﴿ واليل إِذَا يَسْرِ ﴾ أي إذا يذهب فهو كقوله: ﴿ والليل إِذْ أَدْبَرَ ﴾ [المدثر: 33] وقيل أراد يسري فيه فهو على هذا كقولهم: ليلُه قائم، والمراد على هذا ليلة جمع لأنها التي يسري فيها والأول أشهر وأظهر ﴿ هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ ﴾ هذا توقيف يراد به تعظيم الأشياء التي أقسم بها.
والحجر هنا هو: العقل.
كأنه يقول: إن هذا لقسم عظيم عند ذوي العقول.
وجواب القسم محذوف وهو «ليأخذنّ الله الكفار» ويدل على ذلك ما ذكره بعده من أخذ عاد وثمود وفرعون.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: روى ابن مهران وابن الاسكندراني عن أبي عمرو أنه كان يقف على ﴿ والفجر ﴾ وأشباهها من ذوات الراء بنقل حركة اراء إلى ما قبله و ﴿ الوتر ﴾ بكسر الواو: حمزة وعلي وخلف والمفضل.
الباقون: بالفتح ﴿ يسري ﴾ و ﴿ بالوادي ﴾ ﴿ أكرمني ﴾ و ﴿ أهانني ﴾ بالياء في الحالين: يعقوب والهاشمي عن البزي والقواس وأبو ربيعة عن أصحابه.
وقرأ أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وسهل ﴿ أكرمني ﴾ و ﴿ أهانني ﴾ بالياء في الوصل وبغير ياء في الوقف ﴿ بالوادي ﴾ بالياء في الوصل: ورش وسهل وعباس.
الباقون: كلها بغير ياء ﴿ فقدّر ﴾ بالتشديد: ابن عباس ويزيد ﴿ ربي ﴾ بالفتح: أبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو.
﴿ يكرمون ﴾ ﴿ ولا يحضون ﴾ ﴿ ويأكلون ﴾ ﴿ ويحبون ﴾ كلها على الغيبة: أبو عمرو وسهل ويعقوب.
الآخرون: بتاء الخطاب ﴿ تحاضون ﴾ بفتح التاء الفوقانية والألف من التفاعل: عاصم وحمزة وعلي ويزيد ﴿ لا يعذب ﴾ ﴿ ولا يوثق ﴾ بتح الذال والثاء: عليّ والمفضل وسهل ويعقوب.
الآخرون: بكسرهما.
الوقوف: ﴿ والفجر ﴾ ه لا ﴿ عشر ﴾ ه ك ﴿ والوتر ﴾ ه ك ﴿ يسر ﴾ ه ك لجواز أن يكون جواب القسم المحذوف وهو ليبعثن أوليعذبن مقدراً قبل " هل " أو بعده ﴿ حجر ﴾ ه ط ثم الوقف المطلق على ﴿ لبالمرصاد ﴾ وما قبله وقف ضرورة ﴿ بعاد ﴾ ه لا ﴿ العماد ﴾ ه لا ﴿ البلاد ﴾ ه ص ﴿ بالواد ﴾ ك ﴿ الأوتاد ﴾ ه ك ﴿ البلاد ﴾ ه ك ﴿ الفساد ﴾ ه ك ﴿ عذاب ﴾ ه ج لاحتمال التعليل ولما قيل: إن جواب القسم قوله ﴿ إن ربك لبالمرصاد ﴾ وما بينهما اعتراض.
﴿ لبالمرصاد ﴾ ه ج ﴿ أكرمن ﴾ ه ج لابتداء شرط ﴿ أهانن ﴾ ه ج لأن " كلا " يحتمل معنى " إلا " وحقاً ومعنى الردع.
﴿ اليتيم ﴾ ه لا ﴿ المسكين ﴾ ه ط ﴿ لما ﴾ ه ط ﴿ جماً ﴾ ه ك ﴿ دكاً ﴾ ه لا ﴿ دكاً ﴾ ه ك ﴿ صفاً ﴾ ه لا ﴿ صفاً ﴾ ه ك ﴿ بجهنم ﴾ ه ﴿ الذكرى ﴾ ه ج لأن ما بعده مستأنف كأنه قيل: كيف يتذكر ﴿ لحياتي ﴾ ه ج ﴿ أحد ﴾ ه لا ﴿ أحد ﴾ ه ط ﴿ المطمئنة ﴾ ه ط ﴿ مرضية ﴾ ه ﴿ عبادي ﴾ ه ﴿ جنتي ﴾ ه.
التفسير: إقسام الله بهذه الأمور ينبىء عن شرفها وأن فيها فوائد دينية ودنيوية.
أما الفجر فعن بعضهم أنه الغيران التي تتفجر منها المياه، والأظهر ما روي عن ابن عباس أنه الصبح الصادق ويوافقه قوله في المدّثر ﴿ والصبح إذا أسفر ﴾ وفي " كورت " ﴿ والصبح إذا تنفس ﴾ وذلك أن فيه عبرة للمتأمل لما يحصل من انفجار الضوء فيما بين الظلام، وانتشار الحيوان من أوكارها لطلب المعاش كما في نشور الموتى من قبورهم.
وقيل: المضاف محذوف أي ورب الفجر أو أقسم بصلاة الفجر.
وخصه بعضهم بفجر النحر لأنه يوم الضحايا والقرابين، وبعضهم بفجر المحرّم لأنه أوّل يوم السنة، وبعضهم بفجر ذي الحجة لقوله ﴿ وليال عشر ﴾ والتنكير لأنها ليال معدودة من ليالي السنة أو لأنها مخصوصة بفضائل كما جاء في الخبر " "ما من أيام العمل الصالح فيهن أفضل من عشر ذي الحجة" " قال أهل المعاني: ولو عرّفت بناء على أنها ليال معلومة جاز إلا أن التعظيم المستفاد من التنكير يفوت التناسب بين اللامات إذ ذاك فعدم اللام خير من وجوده مخالفاً للباقية.
وقيل: إنها عشر المحرم.
وقيل: العشر الأخيرة من رمضان ولهذا سن فيها الاعتكاف وفيها ليلة القدر، وكان إذا دخل العشر الأخير شدّ المئزر وأيقظ أهله أي كف عن الجماع وأمر أهله بالتهجد.
وأما الشفع والوتر فمعناهما الزوج والفرد.
والوتر بالفتح لغة أهل العالية، وبالكسر لغة تميم.
واختلف المفسرون فيهما اختلافاً عظيماً فمنهم من حملهما على الأشياء كلها لأن الموجودات لا تخلو من هذين القسمين فتكون كقوله ﴿ فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون ﴾ وقيل: الشفع صفات الخلق كالعلم والقدرة والحياة، ونقائضها الجهل والعجز والموت.
والوتر صفات الحق وجود بلا عدم وقدرة بلا عجز وعلم بلا جهل وحياة بلا موت.
وقيل الشفع والوتر: نفس العدد وكأنه تعالى أقسم بالحساب الذي لا بد للخلق منه فهو في معرض الامتنان بمنزلة العلم والبيان في قوله ﴿ علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم ﴾ الرابع الشفع الممكنات ﴿ ومن كل شيء خلقنا زوجين ﴾ والوتر الواجب وتقدّس.
الخامس الشفع الصلوات الثنائية والرباعية والوتر الثلاثية، عن عمران بن حصين عن النبي " "إن الصلاة منها شفع ومنها وتر " السادس الشفع درجات الجنة وأبوابها وهي ثمانية، والوتر دركات النار وأبوابها وهي سبعة.
السابع الشفع البروج الاثنا عشر، والوتر الكواكب السبعة.
الثامن الشفع الشهر الذي يكون ثلاثين والوتر تسعة وعشرون.
التاسع الشفع السجدتان والوتر الركوع.
العاشر الشفع العيون الاثنا عشر لموسى ﴿ فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً ﴾ والوتر معجزاته ﴿ ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات ﴾ وأظهر الأقوال ما روي عن النبي أن الشفع يوم النحر والوتر يوم عرفة لأنه تاسع أيام الليالي المذكورة.
وحين أقسم بالليالي المخصوصة أقسم على العموم بالليل إذا يسري أي إذا يمضي كقوله ﴿ والليل إذا أدبر ﴾ وعن مقاتل: هو ليلة المزدلفة.
وعلى هذا جوّز أن يراد بالسري الإسناد المجازي لأن الساري فيه هو الحاج.
يروى أنه كان يقدّم ضعفة أهله في هذه الليلة.
والحجر بالكسر العقل سمي بذلك لأنه يمنع من الوقوع فيما لا ينبغي كما سمي عقلاً، ونهي لأنه يعقل وينهى، وحصاة لأنه يحصى أي يضبط.
قال الفراء: يقال إنه لذو حجر إذا كان قاهراً لنفسه ضابطاً لها.
والمراد بالاستفهام تقرير أن هذه المذكورات لشرفها وعظم شأنها يحق أن يؤكد بمثلها المقسم عليه كمن ذكر حجة باهرة ثم قال: هل فيما ذكرته حجة يريد أنه لا حجة فوق هذا ومن هنا قال بعضهم: فيه دليل على أنه أراد رب هذه الأشياء ليكون غاية في القسم.
ولقائل أن يقول: المقنع والكفاية غير الغاية والنهاية.
ثم إنه تعالى ذكر للعبرة ولتسلية نبيه قصة ثلاث فرق على سبيل الإجمال لأنهم أعلام في القوة والشدّة والتجبر.
والمعنى ألم ينته علمك إليهم علماً يقرب المشاهدة لتعاضده بالوحي أو التواتر، والخطاب للنبي أو لكل راءٍ.
والمراد بعاد هو عاد الأولى القديمة ولهذا ابنه لزم لأنهم أولاد عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوع فسموا باسم جدهم.
وقيل: إرم بلدتهم وأرضهم التي كانوا فيها.
ولم ينصرف قبيلة أو أرضاً للعلمية والتأنيث.
وقيل: الإرم العلم لأنهم كانوا يبنون أعلاماً كهيئة المنارة كقوله ﴿ أتبنون بكل ريع آية ﴾ وعلى هذين الوجهين يكون المضاف محذوفاً أي أهل البلدة أو الأعلام، وعلى الوجه الأخير لا يكون لمنع الصرف وجه ظاهر لكونه اسم جنس.
والعماد بمعنى العمود لأنه ما يعمد أو جمع عمد.
ثم إن كانت صفة للقبيلة فالمعنى أنهم كانوا بدويين أهل عمد أو كانوا طوال الأجسام على تشبيه قدودهم بالأعمدة، أو كانت ذات البناء الرفيع.
وإن كانت صفة للبلدة فالمعنى أنها ذات أساطين.
ثم قيل: هذه المدينة اسكندرية.
وقيل: دمشق.
واعترض بأن بلاد عاد كانت فيما بين عمان إلى حضرموت وهي بلاد الرمال المسماة بلأحقاف.
وروي أنه كان لعاد ابنان: شدّاد وشديد، فملكا وقهرا البلاد وأخذا عنوة وملكاً، ثم مات شديد وخلص الأمر لشدّاد فملك الدنيا ودانت له ملوكها فسمع بذكر الجنة فقال: أبني مثلها فبنى إرم في بعض صحاري عدن في ثلثمائة سنة وكان عمره تسعمائة سنة، وهي مدنية عظيمة قصورها من الذهب والفضة وأساطينها من الزبرجد والياقوت وفيها أصناف الأشجار والأنهار.
ولم تم بناؤها سار إليها بأهل مملكته فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة بعث الله عليهم صيحة من السماء فهلكوا.
ويروى أنه وضع إحدى قدميه فيها فأمر ملك الموت بقبض روحه.
ويروى أن النبي رأى ملك الموت حين عرج به إلى السماء فسأله: هل رققت لأحد من الخلائق الذين قبضت أرواحهم؟
فقال: نعم اثنان أحدهما طلف ولد بالمفازة ثم أمرت بقبض روح أمه ولم يكن هناك إنسان يتعهد الطفل، والثاني ملك اجتهد في بناء مدينة لم يخلق مثلها ثم لم يرزق رؤيتها بعد أن وضع رجله فيها يعني شداداً، فدعا الله نبينا محمد أن يخبره بذلك فأوحى إليه أن ذلك الملك هو ذلك الطفل الذي ربيناه وآتيناه مملكة الدنيا.
وحين قابل النعمة والملك بالكفران وبنى الجنان التي هي من مقدورات الله الرحمن جزيناه بالخيبة والحرمان.
هكذا وجدت الحكاية في بعض التفاسير.
وعن عبد الله بن قلابة أنه خرج في طلب إبل له فوقع على تلك المدينة فحمل ما قدر عليه مما هناك، فبلغ خبره معاوية فاستحضره فقص عليه، فبعث إلى كعب الأحبار فسأله فقال: هي إرم ذات العماد وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك أحمر أشقر قصير على حاجبه خال وعلى عقبه خال يخرج في طلب إبل له.
ثم التفت فأبصر ابن قلابة فقال: هذا والله ذلك الرجل.
والضمير في ﴿ مثلها ﴾ لإرم لأنهم أطول الناس قدوداً وأشدّهم بناء، أو للمدينة أو للأعلام على اختلاف الأقوال.
وجاب الصخرة أي الحجر العظيم قطعه كقوله ﴿ وتنحتون من الجبال بيوتاً ﴾ والوادي وادي القرى قاله مقاتل.
وقد قيل: لفرعون ذي الأوتاد لكثرة جنوده أو لتعذيبه للناس بالأوتاد الأربعة وقد مرّ في " ص ".
وصب السوط كناية عن التعذيب المتواتر، وفيه إشارة إلى أن عذاب الدنيا بالنسبة إلى عذاب الآخرة كالسوط بالنسبة إلى القتل مثلاً وقد أشار إلى عذاب الآخرة أو إليه مع عذاب الدنيا بقوله ﴿ إن ربك لبالمرصاد ﴾ أي يمهل ولكنه لا يهمل.
والمرصاد المكان الذي يرقب فيه الرصد، والباء بمعنى " في" وهو مثل لعدم الإهمال.
وقيل لبعض العرب: أين ربك؟
فقال: بالمرصاد.
وعن عمرو بن عبيد أنه قرأ السورة عند المنصور حتى بلغ الآية فقال ﴿ إن ربك لبالمرصاد ﴾ يا أبا جعفر عرض له في هذا بأنه من الجبابرة الذين وعدوا بها.
وقال الفراء: معناه إليه المصير فيكون وعداً ووعيداً للمؤمن والكافر.
قال أهل النظم: لما ذكر أنه بمرصد من أعمال بني آدم عقبه بتوبيخ الإنسان على قلة اهتمامه بأمر الآخرة وفرط تماديه في إصلاحالمعاش كأنه قيل: نحن مترقبون لمجازاة الإنسان على ما سعى، فأما هو فإنه لا يهمه إلا الدنيا وطيباتها فإن وجد راحة فرح بها وإن مسه ضرّ كند.
والظاهر أن الإنسان للجنس.
وعن ابن عباس أنه عتبة بن ربيعة.
وعن الكلبي هو أمية بن خلف.
ومعنى الابتلاء في البسط والضيق وهو أنه يعامل المكلف معاملة المختبر ليظهر أنه هل يتلقى النعمة بالشكر والضيق بالصبر أم لا كقوله ﴿ ونبلوكم بالشر والخير فتنة ﴾ وتقدير الكلام فأما الإنسان فيقول ربي أكرمن إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ﴿ وأما ﴾ هو فيقول ربي أهانن ﴿ إذا ما ابتلاه فقدر ﴾ أي ضيق ﴿ عليه رزقه ﴾ فقوله ﴿ فيقول ﴾ خبر المبتدأ في الموضعين ﴿ وإذا ما ابتلاه ﴾ ظرف لـ ﴿ يقول ﴾ وإنما قال في جانب البسط ﴿ فأكرمه ونعمه ﴾ أي جعله ذا نعمة وثروة ولم يقل في طرف القبض " فأهانه وقدر عليه" لأن رحمته سبقت غضبه فلم يرد أن يصرح بإهانة عبده، ولئلا يكون الكلام نصاً في أن القبض دليل الإهانة من الله، فقد يكون سبباً لصلاح معاش العبد ومعاده.
وأما البسط فهو إكرام في الظاهر الغلب، والبسط لأجل الاستدراج قليل وعلى قلته فهو خير من خسران الدنيا والآخرة جميعاً.
وعلام توجه الإنكار والذّم؟
فيه وجهان: أحدهما على قوله ﴿ ربي أهانن ﴾ فقط لأنه سمي ترك التفضل إهانة وقد لا يكون كذلك.والثاني على مجموع الأمرين لا من حيث مجموعهما بل على كل منهما.
أما على دعوى الإهانة فكما قلنا، وأما على دعوى الإكرام فلأنه اعتقد حصول الاستحقاق في ذلك الإكرام كقوله ﴿ إنما أوتيته على علم عندي ﴾ وكان عليه أن يرى ذلك محض الفضل والعناية منه ، أو لأنه قال في ذلك كبراً وافتخاراً وتكاثراً، أو لأن هذا القول يشبه قول من لا يرى السعادة إلا في اللذات العاجلة، أو قول من غفل عن الاستدراج والمكر.
ويحتمل أن يتوجه الذم على مجموع الأمرين من حيث المجموع حتى لو قال في البسط " أكرمني " تحدثاً بنعمة الله، وفي القبض لم يقل " أهانني" بل قال " الحمد لله على كل حال" لم يكن مذموماً.
ثم ردع الإنسان عن تلك المقالة بقوله ﴿ كلا ﴾ أي لم أبتله بالغنى لكرامته عليّ ولا بالفقر لهوانه لديّ ولكنهما من محض المشيئة، أو على حسب المصالح.
ثم نبه الإضراب في قوله ﴿ بل لا تكرمون اليتيم ﴾ على أن هناك شراً من ذلك وهو أنه يكرمهم بكثرة المال ثم لا يؤدّون حق الله فيه.
وعن مقاتل: كان قدامة بن مظعون يتيماً في حجر أمية بن خلف وكان يدفعه عن حقه فنزلت.
والتراث أصله الوراث نحو تجاه ووجاه.
واللم الجمع لشديد ومنه كتيبة ملمومة مصدر جعل نعتاً أي أكلاً جامعاً بجميع أجزائه كقوله ﴿ ولا تأكلوها إسرافاً ﴾ وقال الحسن: أي يجمعون نصيب اليتامى إلى نصيبهم كقوله ﴿ ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ﴾ وقيل: جامعاً بين حلال ما جمعه الميت وبين حرامه.
وقيل: جامعاً بين ألوان المشتهيات من الأطعمة والأشربة اللذيذة والملابس الفاخرة كما يفعل أهل البطالة من الورّاث.
والجم الكثير جم الماء وغيره يجم جموماً إذا كثر جامّ، وجمّ نهي عن التهالك.
والشره على جمع المال.
وفي وصف الحب بالجم دلالة على أن حب المال وتعلق القلب بتحصيل ما يسدّ الخلة منه غير مكروه بل مندوب إليه لبقاء نظام العالم على أن كل السلامة وجل الفراغ في الترك كما هو دأب المتوكلين.
إن السلامة من ليلى وجارتها *** أن لا تمر على حال بواديها ولا ينبئك مثل خبير.
ثم ردعهم عن الفعل المذكور وذكر تحسر المقصر في طاعة الله يوم القيامة.
وجواب " إذا " محذوف بعد ﴿ صفاً ﴾ أبو بعد قوله ﴿ بجهنم ﴾ ليذهب الوهم كل مذهب أي كان ما كان من الأهوال.
ثم استؤنف ﴿ وجيء يومئذ ﴾ أو عطف على ما قبله ويوقف على هذا التقدير على قوله ﴿ بجهنم ﴾ ويكون ﴿ يومئذ ﴾ الثانية متعلقاً بما بعده، ويجوز أن يكون " إذا " منصوباً بـ ﴿ يتذكر ﴾ و ﴿ يومئذ ﴾ الثانية بدل منه.
ومعنى ﴿ دكاً دكاً ﴾ دكاً بعد دك كما قيل في " لبيك " أي كرر عليها الدك حتى صارت هباء منبثاً.
وقال المبرد: استوت في الانفراش فذهب دورها وقصورها وجبالها وقلاعها حتى تصير قاعاً صفصفاً، ولعل هذا الذي بعد الزلزلة.
قوله ﴿ وجاء ربك ﴾ أي أمره بالجزاء والحساب أو قهره أو دلائل قدرته.
ويجوز أن يكون تمثيلاً لهول ذلك اليوم كما إذا حضر الملك بنفسه وجنوده كان أهيب وتنزل ملائكة كل سماء ﴿ صفاصفاً ﴾ أي مصطفين صفوفاً مرتبة.
يروى أنها لما نزلت تغير وجه رسول الله حتى اشتد على أصحابه فجاء علي فاحتضنه وقبل عاتقة ثم قال: يا نبي الله بأبي أنت وأمي ما الذي حدث اليوم حتى غيرك؟
فتلا عليه الآية.
فقال له عليّ: كيف يجاء بجهنم؟
قال: يجيء بها سبعون ألف ملك يقودونها بسبعين ألف زمام فتشرد شرارة لو تركت لأحرقت أهل الجمع.
قال الأصوليون: معنى جيء بجهنم برزت وأظهرت فإن جهنم لا تنتقل من مكان إلى مكان.
قوله ﴿ وأنى له ﴾ أي ومن أين له منفعة ﴿ الذكرى ﴾ ثم فسر التذكر وإنما قدرنا المضاف احترازاً من التنافي وإلا فلا وجه للاستفهام الإنكاري بعد إثبات التذكر بأنه يقول ﴿ يا ليتني قدمت ﴾ خيراً أو عملاً صالحاً ﴿ لحياتي ﴾ هذه وهي الحياة الأخيرة، أو اللام بمعنى الوقت أي وقت حياتي في الدنيا.
وقد يرجع هذا الوجه لأن أهل النار لا حياة لهم في الحقيقة كما قال ﴿ لا يموت فيها ولا يحيا ﴾ ويمكن أن يجاب بأن الحياة المضاهية للموت أو التي هي أشدّ من الموت حياة أيضاً، وبأن حياة الآخرة يراد بها البقاء المستمر الدائم وهذا المعنى شامل لأهل النارولأهل الجنة جميعاً.
قالت المعتزلة: في هذا التمني دليل واضح على أن الاختيار كان زمامه بيده، ويحتمل أن يجاب بأن استحالة متمناه قد تكون من جهة أن الأمر في الدنيا لم يكن إليه فيتحسر على ذلك.
وقال في التفسير الكبير: فيه دليل على أن قبول التوبة لا يجب عقلاً.
ويرد عليه أنه لا يلزم من عدم قبولها في الآخرة عدم قبولها في دار التكليف كإيمان اليأس.
من قرأ ﴿ لا يعذب ﴾ ﴿ ولا يوثق ﴾ على البناء للفاعل فمعناه على ما قال مقاتل: لا يعذب عذاب الله أي عذابه أحد من الخلق.
ضعف بأن يوم القيامة لا يعذب أحد سوى الله فلا يتصور لهذا النفي فائدة.
وأجيب بأن المراد لا يتولى يوم القيامة عذاب الله أحد لأن الأمر يومئذ لله وحده، أو لا يعذب أحد في الدنيا ولا يوثق مثل عذاب الله الكافر ومثل إيثاقه إياه في الشدّة والإيلام.
وقال أبو علي الفارسي: تقديره لا يعذب أحد من الزبانية أحداً مثل عذاب هذا الإنسان وهو أمية بن خلف، ولا يوثق بالسلاسل والأغلال مثل وثاقه لتناهيه في كفره وفساده.
ومن قرأ بناء الفعل للمفعول فيهما فظاهر.
والضمير في ﴿ عذابه ﴾ و ﴿ وثاقه ﴾ للإنسان.
ويمكن أن يراد لا يحمل عذاب الإنسان أحد كقوله ﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى ﴾ قال الواحدي: وهذا أولى الأقوال.
ثم ذكر بشارة الأبرار وهو أن يقول للمؤمن بذاته أو على لسان ملك ﴿ يا أيتها النفس المطمئنة ﴾ أي بذكر الله أو بتحصيل الأخلاق الفاضلة والعقائد الصحيحة التي تسكن النفس السليمة إليها ﴿ ارجعي إلى ربك ﴾ إلى حيث لا مالك سواه أو إلى ثوابه ﴿ راضية ﴾ بما حكم عليك وقدر لك ﴿ مرضية ﴾ عند الله نظيره { م ورضوا عنه } [البينة: 8] وهذه صفة أرباب النفوس الكاملة وإن كانوا بعد في دار التكليف ولهذا رتب على هذه الصفة قوله ﴿ فادخلي في عبادي ﴾ أي في جملة الصالحين ﴿ وادخلي جنتي ﴾ وهي في الدنيا مقام الرضا والتسليم.
وإذا كانت النفس متحلية بالكمالات الحقيقية والمعارف اليقينية في حياته العاجلة كانت أهلاً لهذه البشارة عند الموت وعند البعث وفي كل المواطن إلى دخول الجنة.
وقيل: إنما يقال له هذا عند البعث والمعنى فادخلي في أجساد عبادي يؤيده قراءة ابن مسعود " في جسد عبدي " قالوا: أنزلت في حمزة بن عبد المطلب أو في خبيب بن عدي الذي صلبه أهله مكة وجعلوا وجهه إلى المدينة فقال: اللهم إن كان لي عندك خير فحوّل وجهي نحو قبلتك، فحوّل الله وجهه نحوها فلم يستطع أحد أن يغيرها.
والظاهر العموم ولو سلم فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْفَجْرِ * وَلَيالٍ عَشْرٍ ﴾ كان العرب من عادتهم أنهم إذا استحسنوا شيئا عظموه، وإذا عظموه أقسموا به.
ثم - إن الله - - جعل في الحج وأوقاته لطائف من الحكمة وعجائب من التدبير، فمن لطيف حكمته وعجائب تدبيره أنه جعل المكان الذي يحج فيه مأمنا للخلق من وجه لا يعرف الخلائق المعنى الذي به وقع الأمن والإلف بين الخلق؛ حتى رغبوا جميعا في الاجتماع هنالك مع تباغضهم وتعاديهم فيما بينهم من وجه لا يدرك معناه، وجعل أهلها يتقلبون في البلاد آمنين؛ حتى قال - عز وجل - لنبيه - -: ﴿ لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ ﴾ [و]سخر أهل الآفاق في حمل ما يقع لأهل مكة إليه حاجة من الميرة وغيرها، وجعلهم بحيث يرغبون في الإتيان إليها مع عظم ما يلزمهم من المؤن في الإيتان إلى مكة للحج؛ فثبت أن فيها معاني ولطائف هي خارجة عن قواهم وتدبيرهم؛ فكان في ذكرها ما يوجب القول بالقدرة على البعث، ويزيل عنهم الشبهة في أمرهم؛ فأقسم لما عظم من شأنها لمكان أنها أوقات الحج، فعامة أركان الحج تؤدى فيها، وعادة العرب أنهم يقسمون بآبائهم وأجدادهم وأصنامههم؛ لما هي معظمة عندهم، وهذه الأشياء معظمة عندهم؛ فجربى القسم بها؛ جريا على عادتهم، ويدخل في أوقاتها الشفع والوتر والفجر، فقالوا: الشفع: يوم النحر؛ لأنه اليوم العاشر من الشهر، والوتر يوم عرفة؛ لأنه اليوم التاسع.
وجائز أن يكون أريد بالشفع والوتر والليل إذا يسر: العبادات جملة إذ ما من عبادة إلا وفيها شفع ووتر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّيلِ إِذَا يَسْرِ ﴾ ، أي: يُسرى بها، وفي ذلك كناية عن الجهاد والإغارة بالليل، كما يذكر في قوله: ﴿ وَٱلْعَادِيَاتِ ضَبْحاً فَٱلمُورِيَاتِ قَدْحاً فَٱلْمُغِيرَاتِ صُبْحاً ﴾ ؛ فيكون هذا كله إشارة إلى جملة العبادات.
ووجه القسم بالعبادات: أن الله - - عظم أمر العبادات في قلوب الخلائق؛ حتى تراهم جميعا يستحسنونها ويعظمون أمرها، وإنما يقع الاختلاف بينهم في ماهيتها - إلا أن يقع التمانع بينهم في أنفسها - فأقسم بها.
وجائز أن يكون أريد بالوتر هو الله ، وأريد بالشفع الخلائق؛ إذ خلقهم أزواجا، والله هو الواحد بذاته؛ فيكون القسم بذاته وبجميع الخلق.
ويحتمل أنه أريد بالشفع والوتر [الخلائق جملة؛ إذ فيهم المعنيان جميعا: الشفع، والوتر؛ فيكون قسما بجميع الخلائق].
وقوله - عز وجل -: ﴿ هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ ﴾ يحتمل أن يكون تأويله: أن وجه القسم بهذه الأشياء يعرفه ذوو الحجر، وهم ذوو الألباب والحجا، لا أن يعرفه الجهلة.
قالوا: وموضع القسم على قوله: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ ﴾ .
وجائز أن يكون وقع التنازع فيما بينهم، وكانوا يزعمون أن أوقات الحج، وهي الليالي العشر، والشفع والوتر، ليس يقسم بها؛ فقال: ﴿ هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ ﴾ ، أي: للعاقل إذا تدبر فيها عرف أن هذه الأوقات بالتي تحتمل أن يقسم بها أو هذه الأوقات بالتي تدلهم على القول بالبعث.
وقيل: إنما أقسم بهذه الأيام؛ لعظم قدر هذه الأيام وخطرها عندهم؛ لما فيها من صلاح معايشهم، ويكن لهم فيها سعة العيش: أما الفقراء بالهدايا والبدن، وأما غيرهم بأنواع المكاسب والتجارات؛ فإنهم كانوا يستعدون الأشياء، ويهيئون من السنة إلى السنة للتجارة في هذه الأيام؛ فأقسم الله - - بهذه الأيام لكونها معظمة عندهم.
وقيل: إن موضع القسم غير مذكور في هذه السورة؛ لأنه كان على أثر حادثة عندهم معروفة، استغنى عن ذكرها؛ لشهرتها عندهم؛ فأقسم أنها لحق، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ * ٱلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي ٱلْبِلاَدِ ﴾ في [ذكر نبأ] عاد وثمود وفرعون فوائد ثلاث: إحداها: في موضع التخويف لأهل مكة الذين كذبوا رسوله - - و[هو] أن أولئك القوم كانوا أكثر أموالا وأولادا وأعدادا، وأكثر من القوة من هؤلاء الذين كذبوا محمد [عليه أفضل الصلوات]، فلم يغنهم ذلك لكه من الله شيئا؛ بل الله انتقم منهم لرسله - عليهم السلام - بما كذبوهم، فما بال هؤلاء الذين كذبوا محمدا لا يخافون مقته وحلول النقمة بهم بتكذيبهم رسوله، وليسوا بأكثر من أولئك في العدد والمال والقوة؟!
وفائدة أخرى: أن أولئك كانوا يزعمون أنهم بالله - - أولى من محمد عليه الصلاة والسلام وأتباعه؛ لما بسط لهم من النعيم، وضيق على الرسول وأتباعه؛ فبين أن الذين تقدمهم من مكذبي الرسل كانوا أرفع منهم في القوى والأموال والأولاد والأعداد، وكانت رسلهم في ضيق من العيش، ثم كانوا هم أولى بالله من المكذبين المفتخرين بكثرة الأعداد والقوى؛ فبين لهم هذا ليلعموا أن ليس الأمر على ما ظنوا وحسبوا.
والثالثة: أنهم كانوا يمتنعون عن الإيمان بالله وبرسوله، وكانوا يقولون: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ ﴾ ؛ فيكن في ذكر هذا نفي التقليد لأولئك؛ لأنه كان في آبائهم من أهلك بتكذيبهم الرسل، وهم الفراعنة وأتباعهم، وفيهم من نجا، وهم الرسل وأتباعهم المصدقون لهم، فما بالهم قلدوا المهلكين منهم دون الذين نجوا؟!.
ثم الآية لم تسق؛ لتعرف نسب عاد وثمود وفرعون حتى نشتغل بتعرفة، وإنما سيقت للأوجه التي ذكرنا؛ فالاشتغال بتعرف أنسابهم وأحوالهم نوع من التكلف.
وقوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ ﴾ فقوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أي: قد رأيت؛ أي: علمت؛ كما يقال في الشاهد: ألم تر إلى ما فعل فلان؛ أي: قد رأيت وعلمت، فتخبره بصنيعه على جهة التشكي منه.
ويحتمل أن يكون هذا ابتداء إعلام منه، فيقول له: اعلم أن ربك فعل بعاد كذا.
واختلفوا في قوله: ﴿ إِرَمَ ﴾ : فقال بعضههم: هو أبو عاد.
وقال بعضهم: أبو القبيلة؛ فنسبت إليه عاد؛ كما يقال: هو من بكر بن وائل، وإن لم يكن ابنه.
وقال بعضهم: الإرم مساكن عاد.
وقيل: هو اسم الذي بنى تلك الأماكن.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ ﴾ : قال بعضهم: ذات الأجساد الطوال، أي: عاد ذات الأجساد الطوال، كما ذكر في القصة.
وقال بعضهم: ذات البناء المشيد المرفوع في السماء كالعمد الطوال؛ فيرجع إلى الإرم على تأويل من جعله عبارة عن المساكن.
وقال بعضهم: ذات العماد هي الخيام لها أطناب وعمد، وكانوا أصحاب خيام وقباب، وكانت مساكنهم مرفوعة بالعماد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي ٱلْبِلاَدِ ﴾ : قال بعضهم: هذا وصف القوم بالشدة والقوة وعظم الخلقة، وفضل البصر في الأمور؛ كقوله - -: ﴿ وَزَادَكُمْ فِي ٱلْخَلْقِ بَصْطَةً ﴾ ، وقال حكاية عنهم: ﴿ وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ﴾ وقال - -: ﴿ وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ ﴾ فوصفهم بفضل البصر.
وجائز أن يكون أريد بها المساكن التي بنوها أن ليس مثلها في البلاد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ ﴾ : قال بعضهم: اتخذوا من الصخور جوابي - أي: قصاعا - كما قال : ﴿ وَجِفَانٍ كَٱلْجَوَابِ ﴾ .
وقال بعضهم: قطعوا في الصخور بيوتا؛ كقوله: ﴿ يَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً آمِنِينَ ﴾ ؛ فيكون في هذا إخبار عن قواهم وشدتهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ ﴾ : قال بعضهم: سماه: ذات الأوتاد، والوتد: الحبل.
وقال بعضهم: سمي: ذات الأوتاد؛ لأنه كانت له أوتاد نصبها لتعذيب من غضب عليه.
وقال بعضهم: إنه كان نصب على الطرق أناسا، على كل طريق إنسانا راصدا وحافظا.
وقيل: أي: ذو قصور وبنيان مشيدة مرفوعة تشبه الجبال؛ إذ هي أوتاد الأرض.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ طَغَوْاْ فِي ٱلْبِلاَدِ * فَأَكْثَرُواْ فِيهَا ٱلْفَسَادَ ﴾ : طغيانهم في البلاد: تمردهم وعتوهم فيها.
وقوله: ﴿ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ﴾ : قال بعضهم: عذبهم بسوطهم الذي كانوا به يعذبون الخلق، ويضربونهم.
وقال أبو بكر الأصم: إن السوط لون من العذاب؛ فعذب عاداً بلون منه، وعذب ثمود بلون منه، وفرعون وأتباعه بلون منه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ ﴾ : قال أبو بكر الأصم: يرصد عذابه بأعدائه ينتظر به آجالهم، ثم يوقع بهم العذاب إذا أتى الأجل.
وعندنا: أنه يرصد عليهم [ما عملوا]، فلا يشتد عليه، ولا يعزب عنه شيء من علمهم؛ بل يحفظ عليهم ما استتر منه وما ظهر.
وقيل: أي: لا يجاوزه ظلم ظالم، ولا يفوته هارب.
ثم لم ينصرف وهم أحد في قوله - -: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ ﴾ إلى إتيان مكان، فما بال بعض الناس انصرف وهمهم في قوله: ﴿ ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ ﴾ على جعل العرش مكانا له.
<div class="verse-tafsir"
وأقسم بالليالي العشر الأولى من ذي الحجة.
<div class="verse-tafsir" id="91.lDq7V"
كثر خلاف المفسرين والرواة في معنى كل من (الفجر وليال عشر) إلى آخر ما أقسم به.
وقد يفسر الواحد منهم الفجر بمعنى، ثم يأتي في الليالي العشر بما لا يلائمه.
وغالب ذلك يجري على خلاف ما عودنا الله في نسق كتابه الكريم، وقد جرت سنة الكتاب بأنه إذا أُريد تعيين يوم أو وقت ذكره بعينه: كيوم القيامة في لا ﴿ أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيَامَةِ ﴾ ، وكاليوم الموعود في سورة ﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ البُرُوُجِ ﴾ وكليلة القدر في سورتها.
فإذا أطلق الزمن ولم يقيد، كان المراد ما يعمه معنى الاسم، كما سبق في قوله: ﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ ﴾ .
فالفجر ههنا -على هذا- هو جنس ذلك الوقت المعروف الذي يظهر فيه بياض النهار في جلد الليل الأسود، وينبعث الضياء لمطاردة الظلام، وهو وقت تنفس الصبح، وهو معهود في كل يوم فصح أن يُعَرَّف بالألف واللام.
والمراد -والله أعلم- من ﴿ لَيَالٍ عَشْرٍ ﴾ ليال يتشابه حالها مع حال الفجر، وهي ما يكون ضوء القمر فيها مطاردًا لظلام الليل إلى أن تغلبه الظلمة.
فكأنه وضع التناسب على شيء من التقابل، فضوء الصبح يهزم ظلمة الليل، ثم يسطع النهار ولا يزال الضوء إلى الليل.
وضوء الأهلة في عشر ليال من أول كل شهر يشق الظلام ثم لا يزال الظلام يغالبه إلى أن يغلبه فيسدل على الكون حجبه.
ولما كانت هذه الليالي العشر غير متعينة في كل شهر ذكرها منكرة، وذلك أن ضوء الهلال قد يظهر حتى يغلب أول الظلمة في أول ليلة من الشهر، وقد يكون ضئيلًا يغيب ضوؤه في الشفق فلا يعد شيئًا.
فالليالي العشر تبتدئ تارة من أول ليلة وأُخرى من الليلة الثانية، لذلك نكرها على أنها ليال عشر من كل شهر.
﴿ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْر ﴾ : أي الزوج والفرد من هذه الليالي أيضًا.
فهو يقسم بها على الجملة، ثم يقسم بما حوته من زوج وفرد.
ثم بعد أن أقسم بضروب من أوقات الضياء، أقسم بالليل، مرادًا منه الظلمة، وكثيرًا ما يطلق اسم الليل وتراد ظلمته.
وسريان الظلمة ودخولها على المبصرات حتى تسترها أمر معروف عند المخاطبين.
ولما كان ظلام الليل واختلاط قطعة عظيمة منه بضوء القمر في الليلة الواحدة مقصودًا إلى تفخيم أمره بالقسم، خص الليالي التي يظهر فيها ضوء القمر مع تغلب الظلام فيها بعشر فقط، وإلا فقد يكون ظلام في أكثر من عشر من الشهر لكن زمنه قليل لا يليق ذكره بمقام التفخيم.
وفي الفجر وتفريجه كربة الليل من جهة وتنبيه العامل إلى استقبال عمله بالنهار من جهة أُخرى.
وفي ليالي القمر واستمالتها الأنفس للسمر، وتيسير السير في السفر -خصوصًا أيام الحر، وهي أغلب أيام الحياة في بلاد العرب- ثم في قصر مدة بقاء القمر، وانتظار هجوم الظلمة، وابتغاء الغنيمة مع الاستعداد للسكون عندما يرخي الظلام ستاره، في كل ذلك رغبات للأنفس ورهبات، وللهواجس غدوات وروحات وللأماني فيها دبيب ووثبات، فهو جدير أن يقسم به.
كما قال ﴿ هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ ﴾ .
الحجر، بكسر الحاء، العقل، والاستفهام للتقرير وتفخيم أمر المقسم به.
وليس في هذه السورة قسم بالضوء الخالص كبياض النهار، وما يكون في ليالي القمر عند امتلائه، بل ذلك سيجيء قوله ﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا ﴾ فلينتبه إلى هذه الدقائق حتى لا يفوت العقل ما فيها من الحقائق.
وقد وقع هذا القسم في هذه السورة.
بعد قوله في آخر السورة السابقة ﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ﴾ وقبل قوله في السورة ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ﴾ إلخ.
فكان جوابه مفهومًا لا يحتاج إلى ذكر، وفي تركه إرسال لنفس القارئ في تأمل ما مضى وما يتبع ليجد الجواب بينهما فيتمكن المعنى منه فضل تمكن، والجواب أن ناصية المكذبين لبيدي، ولئن أمهلتهم فلن أهملهم ولآخذنهم أخذي الأمم قبلهم.
(عاد) جيل من العرب العاربة أو البائدة، يقول النسابون إنه من ولد عوص بن إرم بن سام بن نوح ، وسواء صح النسب أم لم يصح، فقد كان ذلك الجيل معروفًا باسم عاد ويلقب أيضًا بإرم، وبقي مشهورًا عند العرب بذلك و(ذات العماد) وصف لإرم التي هي قبيلة عاد نفسها.
ومعنى ذات العماد: سكان الخيام حلًّا وارتحالًا، أو ذات العماد الرفيعة والقوة المنيعة.
عبر بالعماد عن العلو والشرف والقوة.
وكانت منازلهم بالرمال والأحقاف إلى حضر موت.
وقد بلغت عاد من الشدة والقوة مبلغًا لم يصل إليه سواها في عهدها ولذلك قال: ﴿ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ ﴾ .
والاستفهام في ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ﴾ للتذكير والتقرير.
وقد بيّن الله كيف فعل بهم في سور أُخرى من القرآن، فقد جاء في سورة الحاقة ﴿ وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا ﴾ والصرصر: الباردة.
والعاتية: الشديدة الهبوب، لا بركة فيها.
والحسوم المتتابعات المشائيم.
وقد يروي المفسرون هنا حكايات في تصوير إرم ذات العماد كان يجب أن ينزه عنها كتاب الله، فإذا وقع إليك شيء من كتبهم، ونظرت في هذا الموضع منها، فتخط ببصرك ما تجده في وصف إرم، وإياك أن تنظر فيه.
وثمود قبيلة من العرب البائدة كذلك، من ولد "كاثر" وهو المسمى في التوراة "جاثر" بن إرم بن سام.
وإرم هو المعروف في التوراة "بآرام"، هكذا يذكر النسابون، وسواء صح النسب أم لم يصح، فثمود معروفة عند العرب باسمها، ومنزلها بالحجر بين الشام والحجاز.
﴿ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ ﴾ أي قطعوا الصخر ونحتوه، كما قال تعالى: ﴿ وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ ﴾ فقد انعم الله عليهم بالقوة والعقل حتى صنعوا لأنفسهم بيوتًا من الصخر بذلك الوادي الذي كانوا يقيمون فيه.
وقد يصح ما قال بعضهم إن معنى (جابوا الصخر بالواد)، أنهم قطعوا الصخر، واتخذوا منه واديًا يخزنون فيه الماء لمنافعهم.
ولا يفعل ذلك إلا أهل القوة والفهم من الأمم.
(وفرعون): هم حاكم مصر الذي كان في عهد موسي .
وللمفسرين في الأوتاد اختلاف كبير، وأظهر أقوالهم ملائمة للحقيقة أن الأوتاد المباني العظيمة الثابتة، وما أجمل التعبير عما ترك المصريون من الأبنية الباقية بالأوتاد!
فإنها هي الأهرام، ومنظرها في عين الرائي منظر الوتد الضخم المغروز في الأرض، بل إن شكل هياكلهم العظيمة في أقسامها شكل الأوتاد المقلوبة، يبتدئ القسم عريضًا، وينتهي بأدق مما ابتدأ وهذه هي الأوتاد يصح نسبتها إلى فرعون على إنها معهودة للمخاطبين.
﴿ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ ﴾ : صفة للمذكرين جميعًا من عاد وما بعدها، ومعنى طغيانهم في البلاد إن كل قوم من هذه الأقوام طغوا في بلدهم، والطغيان تجاوز القدر المعروف في العمل أو غيره، وهو هنا سوء استعمال السلطان والقوة، والخروج بهما عن حد القصد والمعدلة، والإسراف في هضم الحقوق اغترارًا بعظم القدرة.
من أوتي القوة فسخرها لسلطان الشهوة فتناول ما ليس له، ومنه الحق أهله، فقد عمل على تبديد نظام الجماعة، وتقطيع روابط الألفة بينهم، وحمل كل نفس على اتخاذ الأثرة قاعدة عملها، ومصدر سيرها في سعيها، فيكثر الفساد، إذ لا معنى للفساد في شيء إلا اختلال نظامه وهلاك قوامه، ومتى تحكمت الأثرة في أنفس قوم، وغفل كل واحد منهم على ارتباط وجوه بوجود الآخر، عمل بعضهم لإهلاك بعض، وانتهي الأمر بهم الانمحاء من سجل الأمم القائمة..
لهذا قال: ﴿ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ﴾ بعد إن قال: ﴿ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ ﴾ .
ثم جاء بعد ذكر كثرة الفساد بعاقبتها التي لا مفر للأمم منها فقال: ﴿ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ﴾ .
والسوط لفظ شاع استعماله في الجلد المضفور الذي يضرب به، وان كان في الأصل اسمًا للخلط والمزج.
وقد شبه الله ما يصبه عليهم من ضروب العذاب التي ذكرها في كتابه في مواضع أخر بالسوط لأن السوط يضرب به في العقوبات، والله تعالى إنما ينزل العذاب بالأمم عقوبة لها على ما يفرط منها، وصب السوط: إنزاله بشدة مع توالي ضرباته بلا انقطاع.
(المرصاد): المكان الذي يقوم به الرصد، وهو القوم الذين يرصدون، أي يرقبون بالخير أو الشر.
والكلام على التمثيل: أي إن ربك القائم بتدبير أمرك رقيب على عباده لا يفوته من شؤونهم شيء، ثم هو مجاز كل عامل بعمله فلا يفلته احد، فلا يظنن أهل الطغيان الذين يكثرون في الأرض الفساد إن يتلفتوا من الله وعقابه.
والجملة تأكيد لجواب القسم المفهوم من سابق الكلام ولاحقه -على ما سبق تقديره- أو هي تعليل لتعذيب الله من ذكر من الأمم بسبب طغيانهم وإفسادهم في أُمورهم.
هذا شان ربك لا يفوته في شؤون عباده نقير ولا قطمير، ولا يهمل أُمة تعدت في أعمالها حدود شرائعه القوية، بل يأخذها بذنوبها أخذ العزيز المقتدر، كما أن الراصد القائم على الطريق ليأخذ من يمر به بما يريده من خير أو شر، لا يفرط بما رصد له.
فإذا أردت أن تعرف شان الإنسان وغفلته وسوء ظنه بربه، فهو ما يتلي عليك، وبهذا البيان تعرف موقع الفاء في قوله ﴿ فَأَمَّا الإنسان ﴾ إلخ، كأنه قال هذا شأن ربك، وسيتلى عليك شأن الإنسان عقب ما تلوث من شأن ربك.
(الابتلاء): الاختبار.
ويقال بلاه يبلوه وابتلاه يبتليه بالخير والشر ليظهر ما لديه من شكر وكفر، وقوله ﴿ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ ﴾ بيان لأثر الابتلاء، كما إن قوله فيما بعد ﴿ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ ﴾ : أي ضيقه عليه، بيان لأثر الابتلاء في الآية الآتية وبقية الألفاظ مفهومة المعنى.
وحاصل ما ذكر الله من شان الإنسان في هاتين الآيتين: أنه إذا أنعم الله عليه وأوسع له في الرزق، ظن أن الله قد اصطفاه لذلك ورفعه على من سواه وجنبه منازل العقوبة، فيذهب مع هواه فيفعل ما يشتهي، ولا يبالي أكان ما يصنع خيرًا أم شرًا فيطغني ويفسد في الأرض.
وقد عبر عن هذا الظن الفاسد والغرور المهلك بقوله ﴿ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ﴾ .
أي إن الله أكرمني بنعمته، ومن يكرمه الله لا يؤاخذه على عمل يعمله وإذا امتحنه الله بالفقر فضيق عليه الرزق، وربما كان ذلك من الله لا عن إهانة له ولا إرادة لإذلاله، بل ليمحص قلبه بالإخلاص له، وليظهر قوة صبره، بل لتزهر تلك القوي الجليلة التي قد تكون كامنة فيه، كما تظهر آيات ذلك في كثير من أرباب العزائم وذوي الأعمال العظائم، فإن الفقر لا يزيدهم إلا شكرًا، ولا تزداد قواهم به إلا شحذًا، فإذا امتحن الله الأغلب من البشر بالفقر، لم يستعمل صحيح الفكر، ولم يعتصم بالصبر، بل ذهب يقول إن ربي قد أهانن، ومن أهانه الله وصغرت قيمته عنده، لم تكن لله عناية بعمله، فكيف يؤاخذه بما يصدر منه من شر، أو يكافئه على ما يصنع من خير؟
فلا شكره يكافأ بإحسان، ولا كفره يجازي بعقوبة، فينطلق لذلك يكسب عيشه بأية وسيلة عَنَّت له، لا يقف عند حد، ولا تحجزه شريعة فيلتقي مع الجبارين في سبيل واحدة: سبيل الفجور وبخس الحقوق وإفساد نام العامة.
وأنت ترى أن أحوال الناس إلى اليوم لا تزال كما ذكر الله في هذه الآية الكريمة.
فان أرباب السلطة والقوة يظنون أنهم في امن من عقاب الله، ولا يعرفون شيئًا من شرعه يمنعهم عملًا مما تسوق إليه شهواتهم، وإنما يذكرون الله بألسنتهم، ولا يعرفون له سلطانًا على قلوبهم، والفقراء الأذلاء قد صغرت نفوسهم عند أنفسهم، فهم لا يبالون بما يفعلون، وإذا ذكروا الله فإنما هي حروف وأصوات لا تمتاز في منفعتها عن أصوات بقية العجماوات.
تلك حالة الإنسان الذي لم يمتعه الله بعقل سليم ودين صحيح، أما الذين أنعم الله عليهم بنعمة العقل والدين، فأولئك الذين ترتقي إلى مثل حالهم مرتبة الإنسان، فيفارقون تلك الغرائز الحيوانية الأولي، ويعلون إلى المقام الذي لا تذهلهم فيه القوة، ولا يشغلهم فيه الفقر عن مراعاة الحدود المعروفة فيما هو حق لهم أو عليهم.
ومعنى هذه الآية يميل إلى قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الإنسان خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلَّا الْمُصَلِّينَ ﴾ .
تعلم إن المخاطبين بهذه الآية كانوا يزعمون أنهم على شيء من دين إبراهيم، أو أنهم كانوا يدعون إن لهم دينًا يأمرهم وينهاهم ويقربهم إلى الله زلفى، فإذا سمعوا هذا التهديد وذلك الوعيد، ورأوا في الخطاب ما ينعي عليهم فساد غرائزهم، همت نفوسهم بمدافعة ما يفجعهم من ذلك، وأخذت توسوس لهم بان هذا الكلام إنما ينطبق على أناس ممن سواهم، أما هم فهم لم يزالوا من الشاكرين الذاكرين غير الغافلين، فالله يرد عليهم زعمهم ويقيم لهم دليلًا واضحًا على كذب ما تحدثهم به أنفسهم.
ويقول ﴿ كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ﴾ إلخ، أي لو كان غنيكم لم يعمه الطغيان، وفقيركم لم يطمس بصيرته الهوان، وكنتم لا تزالون على الحال التي يرتقي إليها الإنسان لشعرت نفوسكم بما عسي يقع فيه اليتيم، فعنيتم بإكرامه، فان الذي يفقد أباه معرض لفساد طبيعته إذا أُهملت تربيته، ولم يعامل بما فيه إكرامه وما فيه رفع نفسه عن دنايا الأمور وسفاسفها، ولو كنتم على ما تحدثكم به أنفسكم من الصلاح لوجدتم الشفقة تحرك قلوبكم إلى التعاون على طعام المسكين الذي لا يجد ما يقتات به مع العجز عن تحصيله.
(والتحاض): تفاعل من الحض، وهو الحث والترغيب، وربما بسطنا القول في حكمه الله جل شأنه في العناية بشان اليتيم والإكثار في كتابه الكريم من ذكره، والحث على إصلاح أمره في محل أخر إن شاء الله.
وإذا لم تكرموا اليتيم، ولو يوصِ بعضكم بعضًا بطعام المسكين، فقد كذبت مزاعمكم في أنكم من قوم صالحين، وإنما ذكر التحاض على الطعام، ولم يكتف بالإطعام، فيقول ولم تطعموا المسكين، ليصرح لك بالبيان الجلي إن أفراد الأمة متكافلون، وأنه يجب أن يكون لبعضهم على بعض عطف بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع التزام كل لما يأمر به وابتعاده عما ينهي عنه.
ثم إن إهمالكم أمر اليتيم، وخلو قلوبكم من الرحمة للمسكين، لم يكن عن زهد في لذائد الحياة الدنيا، كما هو شأن بعض من يسام الحياة ولا يكون له هم إلا التخلص من متاعبها، فيكفف على شأن نفسه، وينخزل من العالم، ولا يهتم بشؤونهم، بل إنكم مع ذلك ﴿ وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا ﴾ .
والتراث: الميراث.
واللم: الشديد كما ذهب إليه جمهور اللغويين.
ولا حاجة إلى تفسيره بمعني الجمع، ثم ارتكاب التأويل، أي أنكم تأكلون المال الذي يتركه من يتوفي منكم، وتشتدون في أكله حتى تحرموا صاحب الحق من حقه.
﴿ وَتُحِبُّونَ الْمَالَ ﴾ مطلقًا ميراثًا أو غيره ﴿ حُبًّا جَمًّا ﴾ أي كثيرًا، ولو كنتم ممن لم يبال بالدنيا وأهلها لتركتم ما يترك الأموات لأيتامهم وفقراء أهلهم، ولما شاركتموهم في شيء لا كسب لكم فيه ولا دخل لأعمالكم في تحصيله، ولما ازداد حبكم في المال إلى الحد الذي أنتم عليه.
فشرهكم إلى المال، وقرمكم إلى اللذات، وانصراف أنفسكم إلى التمتع بها، وشعوركم بمقدار الحاجة إلى المال في تقويم شؤونكم، ثم قسوة قلوبكم، وشلل وجدانكم إلى حد لا يألم الحال المسكين، ولا ينظر إلى ما تجر إليه الاستهانة بشؤون اليتامى من فساد أخلاقهم وتعطيل قواهم، وانتشار العدوى منهم إلى معاشريهم وما يصيب الأمة من ذلك.
كل هذا منكم دليل على أن ما تزعمونه من اعتقادكم بإله يأمركم وينهاكم، وأن لكم دينًا يعظكم، زعم باطل.
وإذا غششتم أنفسكم بدعوى أنكم تتذكرون الزواجر وتراعون الأوامر مع بقائكم على ما وصف من حالكم، فإنما ذلك منكم مقال لا تصدقه فعال.
(الدك): الهدم، وكسر الحائط والجبل.
و(دكًا دكًا): أي دكًا متتابعًا و صفًا صفًا أي صفوفًا متعددة ﴿ وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ ﴾ هو كقوله تعالى ﴿ وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى ﴾ أي كشفت جهنم للناظرين بعد أن كانت غائبة عنهم، فكأنها كانت بعيدة وجاءت إليهم، أما إسناد المجيء إلى الله في قوله: ﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ ﴾ ، ففيه رأي السلف ، وهو أن ذلك مجيء نؤمن به ولا نطلب معناه، ولكنه يمثل لنا الهيبة والعظمة وظهور السلطان الإلهي في ذلك اليوم، وهو الأفضل.
وفيه مذهب الخلف، وهو أنه على تقدير، وجاء أمر ربك، أو أنه من قبيل التمثيل لتجلي السطوة الإلهية على القلوب كما تتجلي أبهة الملك للأعين إذا جاء في جيوشه ومواكبه -ولله المثل الأعلى- (والتذكر): استحضار ما كان منسيًا.
والذكرى تطلق ويراد منها العظة والعبرة، قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ﴾ ولا يلزم من حضور ما كان منسيًا أن تحصل العبرة، فإن العبرة إنما تكون حيث ينفع الاعتبار، فلذلك قال: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنسان ﴾ أي عند ذلك تذهب الغفلة ويذكر الإنسان الغافل ما كان منه أيام غفلته، ولكن لا تكون له ذكرى أي عظة فينتفع بها.
و ﴿ قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ﴾ أي قدمت عملًا ينفعني في حياتي الحقيقية وهي الحياة الآخرة.
قرئ (يعذب ويوثق) مبنيًا للمجهول، أي يومئذ لا يصاب أحد بعذاب مثل العذاب الذي يصيب ذلك الإنسان الذي أبطره الغني وأفسده الفقر، ولا يحبس أحد حبسه، فإن الوثاق معناه الشد والربط كما يكون بالسلاسل والأغلال، وقرئ الفعلان بالبناء للفاعل، أي لا يقع من المعذبين وصانعي العذاب مثل العذاب الذي يقع على ذلك الإنسان، فالمعني واحد في الوجهين.
ومعنى الآيات الكريمة أن ما يزعمه الأغنياء الجبارون والفقراء الخاسرون من أنهم لربهم ذاكرون - مع فراغ قلوبهم من الرأفة بالضعفاء، وامتلائها بحب المال، وفيضانها بالميل إلى الشهوات زعم لا حقيقة له، وإنما يتذكرون ربهم على الحقيقة في ذلك اليوم العظيم عندما يشهدون الهول، ويعوزهم الحول، ويظهر له مكانهم من العذاب والنكال.
ولكن ليس في هذا التذكر موعظة تحمل على العمل النافع.
فان تلك الدار دار جزاء لا دار أعمال وإنما يبقي لأولئك الخاسرين الحسرة والندامة، ويقول قائلهم: ﴿ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ﴾ .
وتكرر ذكر اليوم في قوله أولًا ﴿ إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ ﴾ ، وقوله: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنسان ﴾ ، وقوله: ﴿ فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ ﴾ إلخ.
ليقوي عندك استحضار دك الأرض، وظهور الجلال الإلهي، ثم إن التنوين في يومئذ الأولى نائب عن دكت الأرض ومجيء ربك والملك، وفي يومئذ يتذكر نائب عن ذلك وعن مجيء جهنم، وفي يومئذ الثالثة ﴿ فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ ﴾ إلخ، ينوب التنوين عما تقدم وعما تضمنه قوله: ﴿ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ﴾ .
فكأنه قال: وجيء يوم تدك الأرض ويجيء ربك والملك صفًا صفًا بجهنم يوم تدك الأرض ويأتي ربك ويجاء بجهنم يتذكر الإنسان إلخ.
فيوم تهدم الأرض، ويأتي ربك، ويجاء بجهنم، ويتذكر الإنسان ويقول (يا ليتني قدمت لحياتي - لا يعذب عذابه أحد، إلخ).
ولا يخفي ما في ذلك من تقوية الذكرى لمن له قلب يذكر ووجدان يشعر.
بعد أن ذكر حال الإنسان وقد خلي وطبعه وحرصه وجشعه، واستولت عليه رغبات جسمه، وخرجت به عن سلطان العقل وحكمه، ثم ذكر عاقبته وما يصير إليه في الحياة الأخرى، انتقل بنا إلى ذكر الإنسان إذا ارتقي عن ذلك الطبع، وترفع عن مراتع الحيوانية، واستعلى برغائبه إلى المطامح الروحانية، فكان في الغني شاكرًا، لا يتناول إلا الحق، ولا يمنع صاحب الحق حقًا، ويعنى بحال اليتيم، ويطعم المسكين، ويحمل غيره على الاقتداء به فيما هو خير له ولمن حوله، وكان في الفقر صابرًا لا يمد يده إلى مال ليس من حقه، ولا يأتي الدنية، ولا يطلب لغيره الرزية، ولا يغفل -مع فقره- شان اليتيم، ولا يغفل عما يألم له المسكين..
فإذا لم تمكنه المعونة بالمال أمكنته المساعدة بالمقال، وبهذا يستحق وصف المطمئن، فإن راكن إلى ربه في جميع أمره، واقف عند شرعه، ثابت القدم بمعرفة الحق والسلوك في سبيله، لا تزعزعه الشهوات، ولا تضطرب به الرغبات، ويستحق أن يخاطب باسم النفس التي هي روح تنزع إلى ما يليق بالروح، ولا ينادي باسم الإنسان الذي يشير إلى ما في تكوينه من النزعة الحيوانية، لأنه لم يسلطها عليه، بل استخدمها لتكميل نفسه وإرجاعها إلى معهدها المقدس، فكانت جديرة بجوار ربها، وهي راضية بعملها في الدنيا وبمرجعها في الآخرة، لأنها لم تكن قط ساخطة، لا هي تسخط في غناها، ولا تسخط حالها في فقرها، ولا تسخط صنيع ربها بها، وهي مرضية لان من كانوا معها في الدنيا راضون عنها لحسن صنعها، والله راض عنها لصلاح عملها.
فقال سبحانه: ﴿ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ﴾ .
ومفاجأة السامع بهذا النداء ضرب من ضروب إيجاز القران التي لا تخطر لبشر على بال، فان التقي الخائف الذي يخاف مقام ربه -إذا سمع ذلك الوعيد المتقدم- أخذت الرهبة نفسه، وأفعمت الخشية قلبه، فبينا هو كذلك إذ ينقذه هذا النداء، ويصعد به إلى أكرم فناء، ويصفه بالمطمئن ليذهب عنه الخوف، وبالراضي المرضي ليبعد عنه خشية الغضب، أما الشقي فقد يلهو بأنه ليس وحده في الشقاء، بل الناس في كل ما يوعد به سواء، فيفجعه نداء الأبرار بأوصاف الخيار إلى قرب الجوار فتبغته الدهشة وتفزعه الوحشة.
الرجوع إلى الله تمثيل للكرامة عنده، وإلا فالله معنا حيث كنا.
والدخول في عباده أن تكون منهم.
والعباد الذين يستحقون نسبة الاختصاص به، هم العباد المكرمون.
والجنة معروفة.