«قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، وَقَدْ وَقَعَ بِهَا مَرَضٌ، فَجَلَسْتُ إِلَى عُمَرَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٣٦٨

الحديث رقم ١٣٦٨ من كتاب «كتاب الجنائز» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ثناء الناس على الميت.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «قدمت المدينة، وقد وقع بها مرض، فجلست إلى…

«قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، وَقَدْ وَقَعَ بِهَا مَرَضٌ، فَجَلَسْتُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، فَمَرَّتْ بِهِمْ جَنَازَةٌ، فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا، فَقَالَ عُمَرُ : وَجَبَتْ. ثُمَّ مُرَّ بِأُخْرَى فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا، فَقَالَ عُمَرُ : وَجَبَتْ. ثُمَّ مُرَّ بِالثَّالِثَةِ فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا شَرًّا، فَقَالَ: وَجَبَتْ. فَقَالَ أَبُو الْأَسْوَدِ: فَقُلْتُ: وَمَا وَجَبَتْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: قُلْتُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ : أَيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ، أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ. فَقُلْنَا: وَثَلَاثَةٌ؟ قَالَ: وَثَلَاثَةٌ. فَقُلْنَا: وَاثْنَانِ؟ قَالَ: وَاثْنَانِ. ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنِ الْوَاحِدِ.»

سند حديث: ١٣٦٨ - حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ…

١٣٦٨ - حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الْفُرَاتِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «قدمت المدينة، وقد وقع بها مرض، فجلست إلى…

مَرَّت جَنازة على عمر رضي الله عنه وكان معه بعض الناس، فشهدوا لها بالخير والصلاح، فقال عمر رضي الله عنه : ثبت له ذلك، ثم مَرَّت جَنازة أخرى، فشهدوا لها بالخير والصلاح كالجنازة الأولى، فقال عمر رضي الله عنه : ثبت له ذلك، ثم مَرَّت جَنازة ثالثة، فشهدوا عليها بسوء حالها، فقال عمر رضي الله عنه : ثبت لها ذلك. فأشكل على أبي الأسود قول عمر رضي الله عنه فأراد بيان معنى ذلك، فقال رضي الله عنه: قلت كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : أيُّما مُسلم شَهِد له أربعة من أهل الخير والصلاح أنه من أهل الخير والصلاح، ثبتت له الجنة، فقال الصحابة عندما سمعوا ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم : ومن شهد له ثلاثة بخير؟ قال: وهكذا لو شهد له ثلاثة بخير وجَبَتْ له الجنَّة، فقال الصحابة: ومن شهد له اثنان، هل يكون من أهل الجنَّة؟ قال: ومن شهد له اثنان وجَبَتْ له الجنَّة، ولم نسأله عَمَّن شَهِد له واحد من الناس بالخير أيدخل الجنَّة؟

الفوائد المستفادة من الحديث

  • جواز الثناء على الميت بخلاف الحي؛ لأن فيه شهادة له عند الله تعالى، بخلاف الحي فإنه قد يكون سبباً في الرياء أو الكبر، وغير ذلك من أمراض النفوس.
  • المُعتبر في مثل هذه الشهادة أهل الفضل والصدق دون غيرهم من الفسقة والمنافقين، فإن شهادتهم مردودة عليهم.
  • جواز ذكر المرء بما فيه من خَير أو شَرٍّ ولا يكون ذلك من الغِيبة.
  • المؤمنون لا يختلفون في تقييم الرجال؛ لأنهم ينطلقون من أصل ثابت، وهو اعتبار أعمال الناس بالكتاب والسنة لا العكس ، ولذلك اعتبرت شهادة الأربعة والثلاثة والاثنين.
  • جواز الشهادة قبل الاستشهاد، وقبولها قبل الاستفصال.
  • جواز السؤال حال وجود الإشكال في كلام المتكلم.
  • تأسي عمر-رضي الله عنه- بسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «قدمت المدينة، وقد وقع بها مرض، فجلست إلى…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْجَنَّةُ، وَهَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ.

[الحديث ١٣٦٧ - طرفه في: ٣٦٤٢]

١٣٦٨ - حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الْفُرَاتِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ - وَقَدْ وَقَعَ بِهَا مَرَضٌ - فَجَلَسْتُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، فَمَرَّتْ بِهِمْ جَنَازَةٌ فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا، فَقَالَ عُمَرُ : وَجَبَتْ، ثُمَّ مُرَّ بِأُخْرَى فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا، فَقَالَ عُمَرُ : وَجَبَتْ، ثُمَّ مُرَّ بِالثَّالِثَةِ فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا شَرًّا، فَقَالَ: وَجَبَتْ، فَقَالَ أَبُو الْأَسْوَدِ: فَقُلْتُ: وَمَا وَجَبَتْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: قُلْتُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ : أَيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ، فَقُلْنَا: وَثَلَاثَةٌ؟ قَالَ: وَثَلَاثَةٌ، فَقُلْنَا: وَاثْنَانِ؟ قَالَ: وَاثْنَانِ، ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنْ الْوَاحِدِ.

[الحديث ١٣٦٨ - طرفه في: ٢٦٤٣]

قَوْلُهُ: (بَابُ ثَنَاءِ النَّاسِ عَلَى الْمَيِّتِ) أَيْ: مَشْرُوعِيَّتُهُ وَجَوَازُهُ مُطْلَقًا، بِخِلَافِ الْحَيِّ؛ فَإِنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ إِذَا أَفْضَى إِلَى الْإِطْرَاءِ خَشْيَةً عَلَيْهِ مِنَ الزَّهْوِ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ.

قَوْلُهُ: (مُرَّ) بِضَمِّ الْمِيمِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ.

قَوْلُهُ: (فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا) فِي رِوَايَةِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِيهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ: كُنْتُ قَاعِدًا عِنْدَ النَّبِيِّ ، فَمُرَّ بِجِنَازَةٍ، فَقَالَ: مَا هَذِهِ الْجِنَازَةُ؟ قَالُوا: جِنَازَةُ فُلَانٍ الْفُلَانِيِّ، كَانَ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيَعْمَلُ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَيَسْعَى فِيهَا. وَقَالَ ضِدَّ ذَلِكَ فِي الَّتِي أَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا. فَفِيهِ تَفْسِيرُ مَا أُبْهِمَ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَلِلْحَاكِمِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ: فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَنِعْمَ الْمَرْءُ، لَقَدْ كَانَ عَفِيفًا مُسْلِمًا. وَفِيهِ أَيْضًا: فَقَالَ بَعْضُهُمْ: بِئْسَ الْمَرْءُ كَانَ، إِنْ كَانَ لَفَظًّا غَلِيظًا.

قَوْلُهُ: (وَجَبَتْ) فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ عِنْدَ مُسْلِمٍ: وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ. ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. وَكَذَا فِي رِوَايَةِ النَّضْرِ الْمَذْكُورَةِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَالتَّكْرَارُ فِيهِ لِتَأْكِيدِ الْكَلَامِ الْمُبْهَمِ، لِيُحْفَظَ وَيَكُونَ أَبْلَغَ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ عُمَرُ) زَادَ مُسْلِمٌ: فِدَاءً لَكَ أَبِي وَأُمِّي. وَفِيهِ جَوَازُ قَوْلِ مِثْلِ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (قَالَ: هَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا فَوَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ) فِيهِ بَيَانٌ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: وَجَبَتْ؛ أَيِ: الْجَنَّةُ لِذِي الْخَيْرِ، وَالنَّارُ لِذِي الشَّرِّ، وَالْمُرَادُ بِالْوُجُوبِ الثُّبُوتُ إِذْ هُوَ فِي صِحَّةِ الْوُقُوعِ كَالشَّيْءِ الْوَاجِبِ، وَالْأَصْلُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى اللَّهِ شَيْءٌ، بَلِ الثَّوَابُ فَضْلُهُ، وَالْعِقَابُ عَدْلُهُ، لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ. وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: مَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ. وَنَحْوُهُ لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ مَرْزُوقٍ، عَنْ شُعْبَةَ، وَهُوَ أَبْيَنُ فِي الْعُمُومِ مِنْ رِوَايَةِ آدَمَ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِالْمَيِّتَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ لِغَيْبٍ أَطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا هُوَ خَبَرٌ عَنْ حُكْمٍ أَعْلَمَهُ اللَّهُ بِهِ.

قَوْلُهُ: (أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ) أَيِ: الْمُخَاطَبُونَ بِذَلِكَ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ كَانَ عَلَى صِفَتِهِمْ مِنَ الْإِيمَانِ. وَحَكَى ابْنُ التِّينِ أَنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالصَّحَابَةِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَنْطِقُونَ بِالْحِكْمَةِ بِخِلَافِ مَنْ بَعْدَهُمْ. قَالَ: وَالصَّوَابُ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالثِّقَاتِ وَالْمُتَّقِينَ. انْتَهَى. وَسَيَأْتِي فِي الشَّهَادَاتِ بِلَفْظِ: الْمُؤْمِنُونَ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ. وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي نَحْوِ هَذِهِ الْقِصَّةِ: إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لَشَهِيدٌ. وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَسْطٍ فِيهِ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الَّذِي أَثْنَوْا عَلَيْهِ شَرًّا كَانَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ. قُلْتُ: يُرْشِدُ إِلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ عَلَى الَّذِي أَثْنَوْا عَلَيْهِ شَرًّا، وَصَلَّى عَلَى الْآخَرِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَفَّانُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ. وَذَكَرَ أَصْحَابُ

الْأَطْرَافِ أَنَّهُ أَخْرَجَهُ قَائِلًا فِيهِ: قَالَ عَفَّانُ. وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْبَيْهَقِيُّ. وَقَدْ وَصَلَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ عَفَّانَ بِهِ، وَمِنْ طَرِيقِهِ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَأَبُو نُعَيْمٍ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الْفُرَاتِ) هُوَ بِلَفْظِ النَّهْرِ الْمَشْهُورِ، وَاسْمُهُ عَمْرٌو، وَهُوَ كِنْدِيٌّ مِنْ أَهْلِ مَرْوَ. وَلَهُمْ شَيْخٌ آخَرُ يُقَالُ لَهُ: دَاوُدُ بْنُ أَبِي الْفُرَاتِ، اسْمُ أَبِيهِ بَكْرٌ، وَأَبُو الْفُرَاتِ اسْمُ جَدِّهِ، وَهُوَ أَشْجَعِيٌّ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، أَقْدَمُ مِنَ الْكِنْدِيِّ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ) هُوَ الدِّيلِيُّ التَّابِعِيُّ الْكَبِيرُ الْمَشْهُورُ، وَلَمْ أَرَهُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْهُ إِلَّا مُعَنْعَنًا. وَقَدْ حَكَى الدَّارَقُطْنِيُّ فِي كِتَابِ التَّتَبُّعِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، أَنَّ ابْنَ بُرَيْدَةَ إِنَّمَا يَرْوِي عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، وَلَمْ يَقُلْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ سَمِعْتُ أَبَا الْأَسْوَدِ. قُلْتُ: وَابْنُ بُرَيْدَةَ وُلِدَ فِي عَهْدِ عُمَرَ، فَقَدْ أَدْرَكَ أَبَا الْأَسْوَدِ بِلَا رَيْبٍ، لَكِنَّ الْبُخَارِيَّ لَا يَكْتَفِي بِالْمُعَاصَرَةِ (١). فَلَعَلَّهُ أَخْرَجَهُ شَاهِدًا، وَاكْتَفَى لِلْأَصْلِ بِحَدِيثِ أَنَسٍ الَّذِي قَبْلَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ وَقَدْ وَقَعَ بِهَا مَرَضٌ) زَادَ الْمُصَنِّفُ فِي الشَّهَادَاتِ عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ دَاوُدَ: وَهُمْ يَمُوتُونَ مَوْتًا ذَرِيعًا. وَهُوَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ؛ أَيْ: سَرِيعًا.

قَوْلُهُ: (فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا) كَذَا فِي جَمِيعِ الْأُصُولِ خَيْرًا بِالنَّصْبِ، وَكَذَا شَرًّا وَقَدْ غَلِطَ مَنْ ضَبَطَ أَثْنَى بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ؛ فَإِنَّهُ فِي جَمِيعِ الْأُصُولِ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَالصَّوَابُ الرَّفْعُ وَفِي نَصْبِهِ بُعْدٌ فِي اللِّسَانِ. وَوَجَّهَهُ غَيْرُهُ بِأَنَّ الْجَارَّ وَالْمَجْرُورَ أُقِيمَ مَقَامَ الْمَفْعُولِ الْأَوَّلِ وَ (خَيْرًا) مَقَامَ الثَّانِي، وَهُوَ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ الْمَشْهُورُ عَكْسَهُ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ مَنْصُوبٌ بِنَزْعِ الْخَافِضِ، أَيْ: أُثْنِيَ عَلَيْهَا بِخَيْرٍ. وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ: خَيْرًا صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، فَأُقِيمَتْ مَقَامَهُ فَنُصِبَتْ، لِأَنَّ أُثْنِيَ مُسْنَدٌ إِلَى الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ. قَالَ: وَالتَّفَاوُتُ بَيْنَ الْإِسْنَادِ إِلَى الْمَصْدَرِ وَالْإِسْنَادِ إِلَى الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ قَلِيلٌ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ أَبُو الْأَسْوَدِ) هُوَ الرَّاوِي، وَهُوَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ.

قَوْلُهُ: (فَقُلْتُ: وَمَا وَجَبَتْ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى شَيْءٍ مُقَدَّرٍ، أَيْ: قُلْتُ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ، وَمَا مَعْنَى قَوْلِكَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا وَجَبَتْ مَعَ اخْتِلَافِ الثَّنَاءِ بِالْخَيْرِ وَالشَّرِّ.

قَوْلُهُ: (قُلْتُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ : أَيُّمَا مُسْلِمٍ، إِلَخْ) الظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ: أَيُّمَا مُسْلِمٍ هُوَ الْمَقُولُ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ قَوْلُ عُمَرَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا: وَجَبَتْ قَالَهُ بِنَاءً عَلَى اعْتِقَادِهِ صِدْقَ الْوَعْدِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ قَوْلِهِ : أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ. وَأَمَّا اقْتِصَارُ عُمَرَ عَلَى ذِكْرِ أَحَدِ الشِّقَّيْنِ، فَهُوَ إِمَّا لِلِاخْتِصَارِ، وَإِمَّا لِإِحَالَتِهِ السَّامِعَ عَلَى الْقِيَاسِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَعُرِفَ مِنَ الْقِصَّةِ أَنَّ الْمُثْنِيَ عَلَى كُلٍّ مِنَ الْجَنَائِزِ الْمَذْكُورَةِ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ، وَكَذَا فِي قَوْلِ عُمَرَ: قُلْنَا: وَمَا وَجَبَتْ؟ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ السَّائِلَ عَنْ ذَلِكَ هُوَ وَغَيْرُهُ. وَقَدْ وَقَعَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ فِي الْبَقَرَةِ عِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ مِمَّنْ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (فَقُلْنَا: وَثَلَاثَةٌ؟) فِيهِ اعْتِبَارُ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ؛ لِأَنَّهُ سَأَلَ عَنِ الثَّلَاثَةِ، وَلَمْ يَسْأَلْ عَمَّا فَوْقَ الْأَرْبَعَةِ كَالْخَمْسَةِ مَثَلًا، وَفِيهِ أَنَّ مَفْهُومَ الْعَدَدِ لَيْسَ دَلِيلًا قَطْعِيًّا، بَلْ هُوَ فِي مَقَامِ الِاحْتِمَالِ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنِ الْوَاحِدِ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: إِنَّمَا لَمْ يَسْأَلْ عُمَرُ عَنِ الْوَاحِدِ اسْتِبْعَادًا مِنْهُ أَنْ يُكْتَفَى فِي مِثْلِ هَذَا الْمَقَامِ الْعَظِيمِ بِأَقَلَّ مِنَ النِّصَابِ، وَقَالَ أَخُوهُ فِي الْحَاشِيَةِ: فِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى الِاكْتِفَاءِ بِالتَّزْكِيَةِ بِوَاحِدٍ. كَذَا قَالَ، وَفِيهِ غُمُوضٌ. وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهِ الْمُصَنِّفُ عَلَى أَنَّ أَقَلَّ مَا يُكْتَفَى بِهِ فِي الشَّهَادَةِ اثْنَانِ، كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ الدَّاوُدِيُّ: الْمُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ شَهَادَةُ أَهْلِ الْفَضْلِ وَالصِّدْقِ، لَا الْفَسَقَةُ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ يُثْنُونَ عَلَى مَنْ يَكُونُ مِثْلَهُمْ، وَلَا مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَيِّتِ عَدَاوَةٌ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٣٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ) بكسر اللَّام المخفَّفة، زاد أبو ذَرٍّ: «هو الصَّفَّار» قال: (حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الفُرَاتِ) بلفظ النَّهر، واسمه: عمرو، الكنديُّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ) بضمِّ الموحَّدة وفتح الرَّاء، آخره هاء تأنيثٍ (عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ) ظالم بن عمرو بن سفيان الدِّيْليِّ، بكسر الدَّال المهملة وسكون التَّحتيَّة، ويقال: الدُّؤليُّ -بضمِّ الدَّال بعدها همزةٌ مفتوحةٌ- وهو أوَّل من تكلَّم في النَّحو (١) بعد عليِّ بن أبي طالبٍ، قال الحافظ ابن حجرٍ: ولم أره من رواية عبد الله بن بُرَيدة عنه إلَّا معنعنًا، وقد حكى الدَّارقُطنيُّ في «كتاب التَّتبع» عن عليِّ بن المدينيِّ: أنَّ ابن بُريدة إنَّما يروي عن يحيى بن يعمرٍ (٢) عن أبي الأسود، ولم يقل في هذا الحديث: سمعت أبا الأسود، قال الحافظ ابن حجرٍ: وابن بُريدة وُلِدَ في عهد عمر، فقد أدرك أبا الأسود بلا ريبٍ، لكنَّ البخاريَّ لا يكتفي بالمعاصرة، فلعلَّه أخرجه شاهدًا أو اكتفى للأصل، بحديث أنسٍ السَّابق [خ¦١٣٦٧] (قَالَ) أي: أبو الأسود: (قَدِمْتُ المَدِينَةَ) النَّبويَّة (وَقَدْ وَقَعَ بِهَا مَرَضٌ) جملةٌ حاليَّةٌ، زاد في «الشَّهادات» [خ¦٢٦٤٣]: وهم يموتون موتًا ذريعًا، وهو بالذَّال المعجمة، أي: سريعًا (فَجَلَسْتُ إِلَى) أي: عند (عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ، فَمَرَّتْ بِهِمْ جَنَازَةٌ، فَأُثْنِيَ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول (عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا) كذا في جميع الأصول بالنَّصب، ووجَّهه ابن بطَّالٍ بأنَّه أقام الجارَّ والمجرور وهو قوله: «على صاحبها» مقام

المفعول الأوَّل، و «خيرًا» مقام الثَّاني (١)، وإن كان الاختيار عكسه، وقال النَّوويُّ: منصوبٌ بنزعِ الخافضِ، أي: أثنى عليها بخيرٍ، وقال في «مصابيح الجامع»: «على صاحبها» نائبٌ عن الفاعل، و «خيرًا» مفعولٌ لمحذوفٍ، فقال المثنون خيرًا (فَقَالَ عُمَرُ : وَجَبَتْ ثُمَّ مُرَّ) بضمِّ الميم (بِأُخْرَى (٢)، فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا) فقال المثنون (خَيْرًا، فَقَالَ عُمَرُ : وَجَبَتْ ثُمَّ مُرَّ) بضمِّ الميم (بِالثَّالِثَةِ، فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا) فقال المثنون: (شَرًّا، فَقَالَ) عمر : (وَجَبَتْ، فَقَالَ أَبُو الأَسْوَدِ) المذكور بالإسناد السَّابق (فَقُلْتُ: وَمَا) معنى قولك لكل منهما (وَجَبَتْ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ؟) مع اختلاف الثَّناء بالخير والشَّرِّ (قَالَ) عمر: (قُلْتُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ) هو المقول، وحينئذٍ فيكون قول عمر لكلٍّ منهما «وجبت» (٣)، قاله بناءً على اعتقاده صدق الوعد المستفاد من قوله : «أدخله الله الجنَّة» (أَيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ) من المسلمين (بِخَيْرٍ أَدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ، فَقُلْنَا) أي: عمر وغيره: (وَثَلَاثَةٌ؟ قَالَ) : (وَثَلَاثَةٌ، فَقُلْنَا: وَاثْنَانِ؟ قَالَ) : (وَاثْنَانِ، ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنِ الوَاحِدِ) استبعادًا أن يكتفي في مثل هذا المقام العظيم بأقلَّ من النِّصاب، واقتصر على الشِّقِّ الأوَّل اختصارًا، أو لإحالة السَّامع على القياس، وفي حديث حمَّاد بن سلمة، عن ثابت بن (٤) أنسٍ عند أحمد وابن حِبَّان والحاكم مرفوعًا: «ما من مسلمٍ يموت فيشهد له أربعةٌ من جيرانه الأدنين أنَّهم لا يعلمون منه إلَّا خيرًا إلَّا قال الله تعالى: قد قبلتُ قولكم، وغفرت له ما لا تعلمون» وهذا يؤيِّد قول النَّوويِّ

السَّابق: إنَّ من مات فألهم الله النَّاس الثَّناء عليه بخيرٍ، كان دليلًا على أنَّه من أهل الجنَّة، سواءٌ كانت أفعاله تقتضي ذلك أم لا، وهذا في جانب الخير واضحٌ، وأمَّا في (١) جانب الشَّرِّ فظاهر الأحاديث أنَّه كذلك، لكن إنَّما يقع ذلك في حقِّ من غلب شرُّه على خيره، وقد وقع في رواية النَّضر عند الحاكم: «إنَّ لله تعالى ملائكةً تنطق على ألسنة بني آدم بما في المؤمن من الخير و (٢) الشَّرِّ»، وهل يختصُّ الثَّناء الَّذي ينفع الميِّت بالرِّجال، أو يشمل النِّساء أيضًا؟ وإذا قلنا: إنَّهنَّ يدخلن فهل يكتفى بامرأتين، أو لا بد من رجل وامرأتين؟ محلُّ نظرٍ، وقد يقال: لا يدخلن؛ لقصَّة (٣) أمِّ العلاء الأنصاريَّة لمَّا أثنت على عثمان بن مظعون بقولها: فشهادتي عليك لقد أكرمك الله تعالى، فقال لها النَّبيُّ : «وما يدريك أنَّ الله أكرمه؟» [خ¦٢٦٨٧] فلم يكتفِ بشهادتها، لكن (٤) يجاب بأنَّه إنَّما أنكر عليها القطع بأنَّ الله أكرمه، وذلك مغيَّبٌ عنها، بخلاف الشَّهادة للميِّت بأفعاله الحسنة الَّتي يتلبَّس بها في الحياة الدُّنيا.

ورواة هذا الحديث كلُّهم بصريُّون، لكنَّ داود مروزيٌّ (٥) تحوَّل إلى البصرة، وهو من أفراد المؤلِّف.

وفيه رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ، والتَّحديث، والعنعنة، والقول، وأخرجه أيضًا في «الشَّهادات» [خ¦٢٦٤٣]، والتِّرمذيُّ في «الجنائز» وكذا النَّسائيُّ، والله أعلم (٦).

(٨٦) (باب مَا جَاءَ فِي عَذَابِ القَبْرِ) قد تظاهرت الدَّلائل من الكتاب والسُّنَّة على ثبوته، وأجمع

عليه أهل السُّنَّة، ولا مانع في العقل أن يعيد الله الحياة في جزءٍ من الجسد، أو في جميعه على الخلاف المعروف، فيثيبه ويعذِّبه، وإذا لم يمنعه العقل، وورد به الشَّرع (١) وجب قبوله واعتقاده، ولا يمنع من ذلك كون الميِّت قد تفرَّقت أجزاؤه كما يشاهد في العادة، أو أكلته السِّباع والطُّيور وحيتان البحر، كما أن الله يعيده للحشر، وهو قادرٌ على ذلك، فلا يستبعد تعلُّق روح الشَّخص الواحد في آنٍ واحدٍ بكلِّ واحدٍ من أجزائه المتفرِّقة في المشارق والمغارب، فإنَّ تعلُّقه ليس على سبيل الحلول حتَّى يمنعه الحلول في جزءٍ من الحلول في غيره (٢)، قال في «مصابيح الجامع»: وقد كثرت الأحاديث في عذاب القبر، حتَّى قال غير ما (٣) واحد (٤): إنَّها متواترةٌ، ولا يصحُّ عليها التَّواطؤ، وإن لم يصحَّ مثلها لم يصحَّ شيءٌ من أمر (٥) الدِّين، قال أبو عثمان الحدَّاد: وليس في قوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦] ما يعارض ما ثبت من عذاب القبر؛ لأنَّ الله تعالى أخبر بحياة الشُّهداء قبل يوم القيامة، وليست مرادة بقوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦] فكذا حياة المقبور (٦) قبل الحشر، قال ابن المُنيِّر: وأشكل ما في القضيَّة: أنَّه إذا ثبت حياتهم لزم أن يثبت موتهم بعد هذه الحياة؛ ليجتمع (٧) الخلق كلُّهم في الموت عند قوله تعالى: ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾؟ [غافر: ١٦] ويلزم تعدُّد الموت، وقد قال الله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى (٨)﴾ الآية (٩) [الدخان: ٥٦]

والجواب الواضح عندي: أنَّ معنى قوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ﴾ [الدخان: ٥٦] أي: أَلَم الموت، فيكون الموت الَّذي يعقب الحياة الأخرويَّة بعد الموت الأوَّل لا يُذاق ألمه ألبتَّة، ويجوز ذلك في حكم التَّقدير بلا إشكالٍ، وما وضعت العرب اسم الموت إلَّا للمؤلِم على ما فهموه، لا باعتبار كونه ضدَّ الحياة، فعلى هذا يخلق الله لتلك الحياة الثَّانية ضدًّا يُعدمها به (١)، لا يسمَّى (٢) ذلك الضِّدُّ موتًا وإن كان للحياة ضدٌّ، جمعًا بين الأدلَّة العقليَّة والنَّقليَّة واللُّغويَّة. انتهى. وقد ادَّعى قومٌ عدم ذكر عذاب القبر في القرآن، وزعموا أنَّه لم يرد ذكره إلَّا من أخبار الآحاد، فذكر المصنِّف (٣) آياتٍ تدلُّ لذلك ردًّا عليهم فقال: (وَقَوْلُِهُِ (٤) تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على «عذاب»، أو بالرَّفع على الاستئناف (﴿إِذِ الظَّالِمُونَ﴾) ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر: «﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ﴾» جوابه محذوفٌ، أي: ولو ترى زمان (٥) غمراتهم لرأيت أمرًا فظيعًا (﴿فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾) شدائده (﴿وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ﴾) لِقبْضِ أرواحهم أو بالعذاب (﴿أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ﴾) أي: يقولون لهم: أخرجوها (٦) إلينا من أجسادكم تغليظًا (٧) وتعنيفًا عليهم، فقد ورد أنَّ أرواح الكفَّار تتفرَّق في أجسادهم، وتأبى الخروج، فتضربهم الملائكة حتَّى تخرج (﴿الْيَوْمَ﴾) يريد وقت الإماتة؛ لما فيه من شدَّة النَّزع (٨)، أو الوقت الممتدَّ من الإماتة إلى ما لا نهاية له الَّذي فيه عذاب البرزخ والقيامة (﴿تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأنعام: ٩٣]) وروى الطَّبريُّ وابن أبي حاتمٍ من طريق عليِّ بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاسٍ: ﴿وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ﴾ قال: هذا عند الموت،

والبَسْط: الضَّرب، يضربون وجوههم وأدبارهم (الهُونُ (١)) (٢) بالضَّمِّ، ولأبي ذَرٍّ: «قال أبو عبد الله» أي: البخاريُّ: «الهون» (هُوَ الهَوَانُ) يريد: العذاب المتضمِّن لشدَّةٍ وإهانةٍ، وأضافه إلى «الهون» لتمكُّنه فيه (وَالهَوْنُ) بالفتح والرَّفع (٣): (الرِّفْقُ، وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ﴾) بالفضيحة في الدُّنيا، وعذاب القبر (٤)، رواه الطَّبريُّ وابن أبي حاتمٍ والطَّبرانيُّ في «الأوسط»، عن ابن عبَّاسٍ بلفظ: خطب رسول الله يوم الجمعة فقال: «اخرج يا فلان؛ فإنَّك منافقٌ … » فذكر الحديث، وفيه (٥): «ففضح الله المنافقين، فهذا العذاب الأوَّل، والعذاب الثَّاني عذاب القبر» أو ضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم عند قبض أرواحهم، ثمَّ عذاب القبر (﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة: ١٠١]) في جهنَّم (وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ﴾) فرعون وقومه، واستغنى بذكرهم عن ذكره؛ للعلم بأنَّه أَولى بذلك (﴿سُوءُ الْعَذَابِ﴾) الغرق في الدُّنيا، ثمَّ النَّقلة منه إلى النَّار (﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾) جملةٌ مستأنفةٌ، أو ﴿النَّارُ﴾ بدلٌ من ﴿سُوءُ الْعَذَابِ﴾ و ﴿يُعْرَضُونَ﴾

حالٌ، وروى ابن مسعودٍ: أنَّ أرواحهم في أجواف طيورٍ (١) سودٍ، تُعرَض على النَّار بكرةً وعشيًّا، فيقال لهم: هذه (٢) داركم، رواه ابن أبي حاتمٍ، قال القرطبيُّ (٣): الجمهور على (٤) أنَّ هذا العرض في البرزخ، وفيه دليلٌ على بقاء النَّفس وعذاب القبر (﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أ﴾) أي: هذا ما دامت الدُّنيا، فإذا قامت السَّاعة؛ قيل لهم: (﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ (٥) أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٥]) عذاب جهنَّم، فإنَّه أشدُّ ممَّا كانوا فيه (٦) أو أشدُّ عذاب جهنَّم، وهذه الآية المكِّيَّة أصلٌ في الاستدلال لعذاب القبر، لكن استُشكِلَت مع الحديث المرويِّ في «مسند الإمام أحمد» بإسنادٍ صحيحٍ على شرط الشَّيخَين: أنَّ يهوديَّةً في المدينة كانت تعيذ عائشة من عذاب القبر، فسألت عنه رسول الله ، فقال: «كذبت (٧) يهود، لا عذاب دون يوم (٨) القيامة» فلمَّا مضى بعض (٩) أيَّامٍ؛ نادى رسول الله محمرَّةً عيناه بأعلى صوته: «أيُّها النَّاس؛ استعيذوا بالله من عذاب القبر؛ فإنَّه حقٌّ»، وأُجِيبَ بأنَّ الآية دلَّت على عذاب الأرواح في البرزخ، وما نفاه (١٠) أوَّلًا ثمَّ أثبته عذاب الجسد فيه، والأَولى أن يُقال: الآية دلَّت على عذاب الكفَّار، وما نفاه ثمَّ أثبته عذابُ القبر للمؤمنين، ففي «صحيح مسلمٍ» من طريق ابن شهابٍ عن عروة عن عائشة : أنَّ يهوديَّةً قالت لها: أشعرتِ أنَّكم تُفتَنون في القبور؟ فلمَّا سمع قولها ارتاع وقال (١١): «إنَّما تُفتن اليهود»، ثمَّ قال بعد ليالٍ: «أشعرتِ أنَّه أُوحِيَ إليَّ أنَّكم تُفتَنون في القبور؟» (١٢)، وفي «التِّرمذيِّ» عن عليٍّ قال: «ما زلنا نشكُّ في عذاب القبر حتَّى نزلت ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ. حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر: ١ - ٢]»، وفي

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

مَا دَامَ حَيا لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا شمت أحد الْمُنَافِقين وَالْيَهُود قَالَ: يهديكم الله وَيصْلح بالكم، وَقد يعْمل الرجل بِعَمَل أهل النَّار وَيخْتم لَهُ بِعَمَل أهل الْجنَّة، وَفِيه: تَصْحِيح القَوْل بِدَلِيل الْخطاب لاستعمال النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَهُ، وَذَلِكَ أَن إخْبَاره تَعَالَى أَنه لَا يغْفر لَهُ وَلَو اسْتغْفر لَهُ سبعين مرّة، يحْتَمل أَنه لَو زَاد عَلَيْهَا كَانَ يغْفر لَهُ، لَكِن لما شهد الله تَعَالَى أَنه كَافِر بقوله تَعَالَى: {ذَلِك بِأَنَّهُم كفرُوا بِاللَّه وبرسوله} (التَّوْبَة: ٠٨) . دلّت هَذِه الْآيَة على تَغْلِيب أحد الِاحْتِمَالَيْنِ، وَهُوَ أَنه لَا يغْفر لَهُ لكفره، فَلذَلِك أمسك صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من الدُّعَاء لَهُ. وَفِي إقدام عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على مُرَاجعَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من الْفِقْه أَن الْوَزير الْفَاضِل الناصح لَا حرج عَلَيْهِ فِي إِن يخبر سُلْطَانه بِمَا عِنْده من الرَّأْي، وَإِن كَانَ مُخَالفا لرأيه، وَكَانَ عَلَيْهِ فِيهِ بعض الخفاء إِذا علم فضل الْوَزير وثقته وَحسن مذْهبه، فَإِنَّهُ لَا يلْزمه اللوم على مَا يُؤَدِّيه إِلَيْهِ اجْتِهَاده، وَلَا يتَوَجَّه إِلَيْهِ سوء الظَّن، وَإِن صَبر السُّلْطَان على ذَلِك من تَمام فَضله، أَلا يرى سُكُوته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن عمر وَتَركه الْإِنْكَار عَلَيْهِ، وَفِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أكبر الأسوة.

٥٨ - (بابُ ثَنَاءِ النَّاسِ علَى المَيِّتِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَشْرُوعِيَّة ثَنَاء النَّاس على الْمَيِّت، وَالثنَاء عَلَيْهِ بِأَن يذكر عَنهُ من أَوْصَاف جميلَة وخصال حميدة.

٧٦٣١ - حدَّثنا آدَمُ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ صُهَيْبٍ قَالَ سَمِعْتُ أنَسَ بنَ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يَقُولُ مَرُّوا بِجَنَازَةٍ فأثْنُوا عَلَيْهَا خَيْرا فَقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَجَبَتْ ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرى فأثْنُوا عَلَيْهَا شَرّا فَقَالَ وَجَبَتْ فقالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ مَا وَجَبَتْ قَالَ هاذا أثْنَيْتُمْ عليهِ خَيْرا فَوَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ وَهاذا أثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرّا فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ أنْتُمْ شُهَدَاءُ الله فِي الأرْضِ.

(الحَدِيث ٧٦٣١ طرفه فِي: ٢٤٦٢) .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَأَثْنوا عَلَيْهَا خيرا) . وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وآدَم هُوَ ابْن إِيَاس.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (مروا بِجنَازَة) ، ويروى: (مر بِجنَازَة) ، بِضَم الْمِيم على صِيغَة الْمَجْهُول: (فَأَثْنوا عَلَيْهَا) أَي: على الْجِنَازَة، وأثنوا من الثَّنَاء: بالثاء الْمُثَلَّثَة بعْدهَا النُّون وبالمد، وَهُوَ يسْتَعْمل فِي الْخَيْر وَلَا يسْتَعْمل فِي الشَّرّ، وَقيل: يسْتَعْمل فيهمَا، وَقيل: اسْتِعْمَال الثَّنَاء فِي الشَّرّ لُغَة شَاذَّة. فَإِن قلت: قد عرفت أَن الثَّنَاء الممدودة لَا يسْتَعْمل إلَاّ فِي الْخَيْر، وَكَيف وَقد اسْتعْمل فِي الشَّرّ فِي كَلَام الفصيح؟ قلت: قد قيل هَذَا على اللُّغَة الشاذة، وَالْأَحْسَن أَن يُقَال: اسْتعْمل هَذَا لأجل المشاكلة والتجانس كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَجَزَاء سَيِّئَة سَيِّئَة مثلهَا} (الشورى: ٠٤) . وَأخرج مُسلم هَذَا الحَدِيث من حَدِيث ابْن علية عَن عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب (عَن أنس بن مَالك، قَالَ: مر بِجنَازَة فَأثْنى عَلَيْهَا خيرا، فَقَالَ نَبِي الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (وَجَبت وَجَبت وَجَبت، وَمر بِجنَازَة فَأثْنى عَلَيْهَا شرا، فَقَالَ نَبِي الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: وَجَبت وَجَبت وَجَبت) الحَدِيث، وَفِي آخِره: (أَنْتُم شُهَدَاء الله فِي الأَرْض، أَنْتُم شُهَدَاء الله فِي الأَرْض، أَنْتُم شُهَدَاء الله فِي الأَرْض. .) وَأخرج الْحَاكِم من حَدِيث النَّضر بن أنس: (كنت قَاعِدا عِنْد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَمر بِجنَازَة فَقَالَ: مَا هَذِه الْجِنَازَة؟ قَالُوا: جَنَازَة فلَان الْفُلَانِيّ، كَانَ يحب الله وَرَسُوله وَيعْمل بِطَاعَة الله وَيسْعَى فِيهَا، فَقَالَ: وَجَبت وَجَبت وَجَبت. وَمر بِجنَازَة أُخْرَى فَقَالَ: مَا هَذِه الْجِنَازَة؟ قَالُوا: جَنَازَة فلَان الْفُلَانِيّ، كَانَ يبغض الله وَرَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَيعْمل بِمَعْصِيَة الله وَيسْعَى فِيهَا، فَقَالَ: وَجَبت وَجَبت وَجَبت. قَالُوا: يَا رَسُول الله، قَوْلك فِي الْجِنَازَة وَالثنَاء عَلَيْهَا أثني على الأول خير، وعَلى الآخر شَرّ، فَقلت فيهمَا وَجَبت وَجَبت وَجَبت، فَقَالَ: نعم يَا أَبَا بكر، إِن لله مَلَائِكَة ينْطق على لِسَان بني آدم بِمَا فِي الْمَرْء من الْخَيْر وَالشَّر) . وَقَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح على شَرط مُسلم وَلم يخرجَاهُ بِهَذَا اللَّفْظ، وَفِي هَذَا الحَدِيث تَفْسِير مَا أبهم من الْخَيْر وَالشَّر فِي حَدِيث الْبَاب، وروى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث كَعْب بن عجْرَة: (أَتَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِجنَازَة فَقيل: هَذَا بئس الرجل، وأثنوا عَلَيْهِ شرا، فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: تعلمُونَ ذَلِك؟ قَالُوا نعم. قَالَ: وَجَبت، وَقَالَ فِي الَّتِي أثنوا عَلَيْهَا خيرا كَذَلِك) . وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي هُرَيْرَة، قَالَ: (مروا

على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِجنَازَة فَأَثْنوا عَلَيْهَا خيرا، فَقَالَ: وَجَبت، ثمَّ مروا بِأُخْرَى فَأَثْنوا عَلَيْهَا شرا، فَقَالَ: وَجَبت، ثمَّ قَالَ: إِن بَعْضكُم على بعض شُهَدَاء) . وروى أَبُو دَاوُد أَيْضا عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (الْمَلَائِكَة، عَلَيْهِم السَّلَام، شُهَدَاء الله فِي السَّمَاء وَأَنْتُم شُهَدَاء الله فِي الأَرْض، إِن بَعْضكُم على بعض شَهِيد) . قَوْله: (وَجَبت) أَي: وَجَبت الْجنَّة فِي الأول، وَوَجَبَت النَّار فِي الثَّانِي، وَالْمرَاد بِالْوُجُوب الثُّبُوت، أَو هُوَ فِي صِحَة الْوُقُوع كالشيء الْوَاجِب، وَحَاصِل الْمَعْنى أَن ثناءهم عَلَيْهِ بِالْخَيرِ يدل على أَن أَفعاله كَانَت خيرا فَوَجَبت لَهُ الْجنَّة، وثناءهم عَلَيْهِ بِالشَّرِّ يدل على أَن أَفعاله كَانَت شرا فَوَجَبت لَهُ النَّار، وَذَلِكَ لِأَن الْمُؤمنِينَ شُهَدَاء بَعضهم على بعض، لما صرح فِي الحَدِيث، والتكرير فِيهِ فِي رِوَايَة مُسلم وَغَيره لتأكيد الْكَلَام وتحقيقه لِئَلَّا يشكوا فِيهِ، وَقَالَ الدَّاودِيّ: معنى هَذَا الحَدِيث عِنْد الْفُقَهَاء إِذا أثنى عَلَيْهِ أهل الْفضل والصدق، لِأَن الفسقة قد يثنون على الفسقة فَلَا يدْخلُونَ فِي معنى هَذَا الحَدِيث، وَالْمرَاد، وَالله أعلم، إِذا كَانَ الثَّنَاء بِالشَّرِّ مِمَّن لَيْسَ لَهُ بعدوٍّ، لِأَنَّهُ قد يكون للرجل الصَّالح الْعَدو، وَإِذا مَاتَ عدوه فَذكر عَن ذَلِك الرجل الصَّالح شرا فَلَا يدْخل الْمَيِّت فِي معنى هَذَا الحَدِيث، لِأَن شَهَادَته كَانَت لَا تجوز عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا، وَإِن كَانَ عدلا للعداوة والبشر غير معصومين. فَإِن قيل: كَيفَ يجوز ذكر شَرّ الْمَوْتَى، مَعَ وُرُود الحَدِيث الصَّحِيح عَن زيد بن أَرقم فِي النَّهْي عَن سبّ الْمَوْتَى وَذكرهمْ إلَاّ بِخَير. وَأجِيب: بِأَن النَّهْي عَن سبّ الْأَمْوَات غير الْمُنَافِق وَالْكَافِر والمجاهر بِالْفِسْقِ أَو بالبدعة، فَإِن هَؤُلَاءِ لَا يحرم، وَذكرهمْ بِالشَّرِّ للحذر من طريقهم، وَمن الِاقْتِدَاء بهم، وَقيل: لَا بُد أَن يكون ثناؤهم مطابقا لأفعاله. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: يحْتَمل أَن يكون النَّهْي عَن سبّ الْمَوْتَى مُتَأَخِّرًا عَن هَذَا الحَدِيث، فَيكون نَاسِخا، وَقيل: حَدِيث أنس الْمَذْكُور يجْرِي مجْرى الْغَيْبَة فِي الْأَحْيَاء، فَإِن كَانَ الرجل أغلب أَحْوَاله الْخَيْر، وَقد يكون مِنْهُ الْغَلَبَة فالإغتياب لَهُ محرم، وَإِن كَانَ فَاسِقًا مُعْلنا فَلَا غيبَة فِيهِ، فَكَذَلِك الْمَيِّت، فَلَيْسَ ذَلِك مِمَّا يُنْهِي عَنهُ من سبّ الْأَمْوَات، وَقَالَ بَعضهم: الثَّنَاء على عُمُومه لكل مُسلم مَاتَ، فَإِذا ألهم الله النَّاس، أَو معظمهم، الثَّنَاء عَلَيْهِ كَانَ ذَلِك دَلِيلا أَنه من أهل الْجنَّة، سَوَاء كَانَت أَفعاله تَقْتَضِي ذَلِك أم لَا، لِأَنَّهُ، وَإِن لم تكن أَفعاله مقتضية فَلَا تتحتم عَلَيْهِ الْعقُوبَة، بل هُوَ فِي الْمَشِيئَة، فَإِذا ألهم الله النَّاس الثَّنَاء عَلَيْهِ استدللنا بذلك أَن الله تَعَالَى قد شَاءَ الْمَغْفِرَة لَهُ، وَبِهَذَا تظهر فَائِدَة الثَّنَاء فِي قَوْله: (وَجَبت) ، وَقيل: هَذَا خَاص بالمثنين الْمَذْكُورين لغيب أطلع الله نبيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَيْهِ، ورد بِأَن كلمة: من، تستدعي الْعُمُوم والتخصيص بِلَا مُخَصص، لَا يجوز. قَوْله: (أَنْتُم شُهَدَاء الله فِي الأَرْض) . الْخطاب للصحابة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَلمن كَانَ على صفتهمْ من الْإِيمَان، وَحكى ابْن التِّين أَن ذَلِك مَخْصُوص بالصحابة لأَنهم كَانُوا ينطقون بالحكمة بِخِلَاف من بعدهمْ، ثمَّ قَالَ: وَالصَّوَاب أَن ذَلِك يخْتَص بالثقات والمتقين. وَقَالَ النَّوَوِيّ: الظَّاهِر أَن الَّذِي أثنوا عَلَيْهِ شرا كَانَ من الْمُنَافِقين. قلت: ويستأنس لما قَالَه بِمَا رَوَاهُ أَحْمد من حَدِيث أبي قَتَادَة بِإِسْنَاد صَحِيح أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يصلِّ على الَّذِي أثنوا عَلَيْهِ شرا، وَصلى على الآخر.

وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: فِيهِ: دلَالَة على جَوَاز ذكر الْمَرْء بِمَا يُعلمهُ إِذا وَقعت الْحَاجة إِلَيْهِ، نَحْو سُؤال القَاضِي الْمُزَكي وَنَحْوه.

٨٦٣١ - حدَّثنا عَفَّانُ بنُ مُسْلِمٍ قَالَ حدَّثنا دَاوُدُ بنُ أبي الفُرَاتِ عنْ عَبْدِ الله بنِ بُرَيْدَةَ عنْ أبِي الأسْوَدِ قَالَ قَدِمْتُ المَدِينَةَ وقَدْ وَقَعَ بِهَا مَرَضٌ فَجَلَسْتُ إلَى عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ فَمَرَّ بِهِمْ جَنَازَةُ فأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرا فَقَالَ عُمَرُ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ وَجَبَتْ ثُمَّ مُرَّ بِأُخْرَى فَمَرَّتْ بِهِمْ جَنَازَةٌ فأُثْنِيَ عَلَى صاحِبِهَا خَيْرا فَقَالَ عُمَرُ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ وَجَبَتْ ثُمَّ مُرَّ بِالثَّالِثَةِ فأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا شرَّا فَقَالَ وَجَبَتْ فَقَالَ أبُو الأسْوَدِ فقُلْتُ وَمَا وَجَبَتْ يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ قَالَ قُلْتُ كَمَا قالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ أدْخَلَهُ الله الجَنَّةَ فقُلْنَا وثَلَاثَةٌ قَالَ وثَلَاثَةٌ فقُلْنَا واثْنَان قالَ واثْنَانِ ثُمَّ لَمْ نَسْألْهُ عنِ الوَاحِدِ.

(الحَدِيث ٨٦٣١ طرفه فِي: ٣٤٦٢) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة قَوْله: (حَدثنَا) ، كَذَا وَقع لأكْثر الروَاة، وَذكر أَصْحَاب الْأَطْرَاف أَنه أخرجه قَائِلا: قَالَ عَفَّان،

وَبِذَلِك جزم الْبَيْهَقِيّ، وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : كَذَا ذكره البُخَارِيّ مُعَلّقا عَن شَيْخه، فَقَالَ: وَقَالَ عَفَّان، وَقَالَهُ أَيْضا أَبُو الْعَبَّاس الطرقي، وَخلف فِي كتاب (الْأَطْرَاف) : وَالَّذِي فِي نسخه سَمَاعنَا: حَدثنَا عَفَّان، وعَلى تَقْدِير صِحَة الأول فقد وَصله الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي (صَحِيحه) فَقَالَ: حَدثنَا أَبُو الْقَاسِم الْبَغَوِيّ، حَدثنَا أَبُو بكر بن أبي شيبَة حَدثنَا عَفَّان إِلَى آخِره.

ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: عَفَّان، بتَشْديد الْفَاء: ابْن مُسلم، بِكَسْر اللَّام الْخَفِيفَة: الصفار. الثَّانِي: دَاوُد بن أبي الْفُرَات، بِلَفْظ النَّهر الْمَشْهُور، وَاسم أبي الْفُرَات: عَمْرو، وَهُوَ كندي وَلَهُم شيخ آخر يُقَال لَهُ: دَاوُد بن أبي الْفُرَات، وَاسم أَبِيه: بكر، وَاسم جده: أَبُو الْفُرَات، وَهُوَ أشجعي من أهل الْمَدِينَة أقدم من الْكِنْدِيّ. الثَّالِث: عبد الله بن بُرَيْدَة، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة، مر فِي أَوَاخِر كتاب الْحيض. الرَّابِع: أَبُو الْأسود ظَالِم بن عَمْرو بن سُفْيَان من سَادَات التَّابِعين، ولي الْبَصْرَة وَهُوَ أول من تكلم فِي النَّحْو بعد عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مَاتَ سنة سبع وَسِتِّينَ، وَهُوَ الْمَشْهُور بالدؤلي، وَفِيه اختلافات: فَقيل، بِضَم الدَّال وَسُكُون الْوَاو وبالضم والهمزة الْمَفْتُوحَة، قَالَ الْأَخْفَش: هُوَ بِالضَّمِّ وَكسر الْهمزَة، إلَاّ أَنهم فتحُوا الْهمزَة فِي النِّسْبَة استثقالاً للكسرتين، وياء النِّسْبَة، وَرُبمَا قَالُوا: بِضَم الدَّال وَفتح الْوَاو المقلوبة عَن الْهمزَة، وَقَالَ ابْن الْكَلْبِيّ: بِكَسْر الدَّال وقلب الْهمزَة يَاء. الْخَامِس: عمر ابْن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: عَفَّان بن مُسلم الصفار مَذْكُور فِي بعض النّسخ بالصفار وَفِي بَعْضهَا بِدُونِهِ. وَفِيه: رِوَايَة عبد الله بن بُرَيْدَة معنعنة عَن أبي الْأسود، وَذكر الدَّارَقُطْنِيّ فِي كتاب (التتبع) عَن عَليّ بن الْمَدِينِيّ أَن ابْن بُرَيْدَة إِنَّمَا يروي عَن يحيى بن يعمر عَن أبي الْأسود، وَلم يقل فِي هَذَا الحَدِيث: سَمِعت أَبَا الْأسود، قيل: إِن ابْن بُرَيْدَة ولد فِي عهد عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فقد أدْرك أَبَا الْأسود بِلَا ريب، لَكِن البُخَارِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لَا يَكْتَفِي بالمعاصرة فَلَعَلَّهُ أخرجه شَاهدا، وَاكْتفى للْأَصْل بِحَدِيث أنس الَّذِي قبله. وَفِيه: قَالَ الْكرْمَانِي: وَرِجَال الْإِسْنَاد كلهم بصريون. قلت: دَاوُد مروزي، وَلكنه تحول إِلَى الْبَصْرَة، وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الشَّهَادَات عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن دَاوُد بن أبي الْفُرَات، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْجَنَائِز، وَقَالَ: حَدثنَا يحيى بن مُوسَى وَهَارُون بن عبد الله الْبَزَّار، قَالَا: حَدثنَا أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ حَدثنَا دَاوُد بن أبي الْفُرَات حَدثنَا عبد الله بن بُرَيْدَة (عَن أبي الْأسود الديلِي، قَالَ: قدمت الْمَدِينَة فَجَلَست إِلَى عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَمروا بِجنَازَة فَأَثْنوا عَلَيْهَا خيرا، فَقَالَ عمر: وَجَبت، فَقلت لعمر: مَا وَجَبت؟ قَالَ: أَقُول كَمَا قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: مَا من مُسلم يشْهد لَهُ ثَلَاثَة إلَاّ وَجَبت لَهُ الْجنَّة. قُلْنَا: وإثنان؟ قَالَ: وإثنان، قَالَ: وَلم نسْأَل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الْوَاحِد) . قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح. وَأخرجه النَّسَائِيّ وَفِي لَفظه: (أَرْبَعَة) مثل لفظ البُخَارِيّ.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (قدمت الْمَدِينَة) أَي: مَدِينَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (وَقد وَقع مرض) ، جملَة حَالية، وَزَاد البُخَارِيّ فِي الشَّهَادَات عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن دَاوُد بن أبي الْفُرَات: (وهم يموتون موتا ذريعا) ، وَهُوَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة، أَي: سَرِيعا. قَوْله: (فَجَلَست إِلَى عمر) ، يحْتَمل أَن يكون إِلَى هَهُنَا على بَابه بِمَعْنى الِانْتِهَاء والغاية، وَالْمعْنَى انْتهى جلوسي إِلَى عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَالْأَوْجه أَن يكون إِلَى هَهُنَا بِمَعْنى: عِنْد، أَي: جَلَست عِنْد عمر كَمَا قَالَ فِي قَول الشَّاعِر:

(أم لَا سَبِيل إِلَى الشَّبَاب وَذكره ... أشهى إِلَيّ من الرَّحِيق السلسل)

قَوْله: (فَأثْنى على صَاحبهَا خيرا) بِنصب: خيرا، فِي أَكثر الْأُصُول، وَكَذَا شرا. ويروى: (خير وَشر) ، بِالرَّفْع فيهمَا، وأثني على صِيغَة الْمَجْهُول. فَوجه النصب مَا قَالَه ابْن بطال: إِنَّه أَقَامَ الْجَار وَالْمَجْرُور مقَام الْمَفْعُول الأول، وَخيرا مقَام الْمَفْعُول الثَّانِي. وَقَالَ ابْن مَالك: خيرا، صفة لمصدر مَحْذُوف وأقيمت مقَامه فنصب لِأَن: أثنى، مُسْند إِلَى الْجَار وَالْمَجْرُور، والتفاوت بَين الْإِسْنَاد إِلَى الْمصدر والإسناد إِلَى الْجَار وَالْمَجْرُور قَلِيل. وَقَالَ النَّوَوِيّ: هُوَ مَنْصُوب بِإِسْقَاط الْجَار أَي: فَأثْنى عَلَيْهَا بِخَير، وَوجه الرّفْع ظَاهر، وَهُوَ أَن: أُثنى، مُسْند إِلَيْهِ، وَقَالَ ابْن التِّين: الصَّوَاب بِالرَّفْع، وَفِي نَصبه بعد فِي اللِّسَان. قَوْله: (وَجَبت) أَي: الْجنَّة، كَمَا ذكرنَا. قَوْله: (قَالَ أَبُو الْأسود) وَهُوَ الرَّاوِي الْمَذْكُور، وَهُوَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. قَوْله: (وَمَا وَجَبت؟) اسْتِفْهَام عَن

معنى الْوُجُوب فيهمَا مَعَ اخْتِلَاف الثَّنَاء بِالْخَيرِ وَالشَّر. قَوْله: (أَيّمَا مُسلم) إِلَى آخِره، مقول قَول النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَوْله: (شهد لَهُ أَرْبَعَة) أَي: أَرْبَعَة من الْمُسلمين، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: ثَلَاثَة، كَمَا ذكرنَا. فَإِن قلت: مَا الْحِكْمَة فِي اخْتِلَاف هَذَا الْعدَد حَيْثُ جَاءَ أَرْبَعَة وَثَلَاثَة وَاثْنَانِ؟ قلت: لاخْتِلَاف الْمعَانِي، لِأَن الثَّنَاء قد يكون بِالسَّمَاعِ الفاشي على الْأَلْسِنَة فاستحب فِي ذَلِك التَّوَاتُر وَالْكَثْرَة، وَالشَّهَادَة لَا تكون إلَاّ بالمعرفة بأحوال الْمَشْهُود لَهُ، فَيَأْتِي فِي ذَلِك أَرْبَعَة شُهَدَاء، لِأَن ذَلِك أَعلَى مَا يكون من الشَّهَادَة، أَلا يرى أَن الله تَعَالَى جعل فِي الزِّنَى أَرْبَعَة شُهَدَاء، فَإِن قصروا يَأْتِي فِيهِ ثَلَاثَة، فَإِن قصروا فِيهِ يَأْتِي فِيهِ شَاهِدَانِ؟ لِأَن ذَلِك أقل مَا يَجْزِي فِي الشَّهَادَة على سَائِر الْحُقُوق رَحْمَة من الله تَعَالَى لِعِبَادِهِ الْمُؤمنِينَ، وتجاوزا عَنْهُم حَيْثُ أجْرى أُمُورهم فِي الْآخِرَة على نمط أُمُورهم فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا، وَلِهَذَا لم يسْأَلُوا النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، عَن الْوَاحِد، حَيْثُ قَالَ: (ثمَّ لم نَسْأَلهُ عَن الْوَاحِد) أَي: ثمَّ لم نسْأَل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن ثَنَاء الشَّخْص الْوَاحِد: هَل يَكْتَفِي بِهِ؟ وَذَلِكَ أَن هَذَا الْمقَام مقَام عَظِيم فَلَا يَكْتَفِي فِيهِ بِأَقَلّ من النّصاب. فَإِن قلت: هَل يخْتَص الثَّنَاء الَّذِي ينفع الْمَيِّت بِالرِّجَالِ أم يشْتَرك فِيهِ الرِّجَال وَالنِّسَاء، فَإِذا قُلْنَا: يشتركون فِيهِ، فَهَل يَكْتَفِي فِي ذَلِك بامرأتين؟ أَو لَا بُد من رجل وَامْرَأَتَيْنِ أَو أَربع نسْوَة؟ قلت: الظَّاهِر الِاكْتِفَاء بِاثْنَيْنِ مُسلمين، وَإنَّهُ لَا يحْتَاج إِلَى قيام امْرَأتَيْنِ مقَام رجل وَاحِد، وروى الطَّبَرَانِيّ فِي مُعْجَمه الْكَبِير من رِوَايَة إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن قسطاس عَن سعد بن إِسْحَاق بن كَعْب بن عجْرَة عَن أَبِيه عَن جده قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْمًا لأَصْحَابه: (مَا تَقولُونَ فِي رجل قتل فِي سَبِيل الله؟ قَالُوا: ألله وَرَسُوله أعلم. قَالَ الْجنَّة، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، قَالَ: فَمَا تَقولُونَ فِي رجل مَاتَ فَقَامَ رجلَانِ ذَوا عدل فَقَالَا: لَا نعلم إلَاّ خيرا؟ قَالُوا: الله وَرَسُوله أعلم. قَالَ: الْجنَّة إِن شَاءَ الله تَعَالَى، قَالَ: فَمَا تَقولُونَ فِي رجل مَاتَ فَقَامَ رجلَانِ ذَوا عدل، فَقَالَا: لَا نعلم خيرا، فَقَالُوا: النَّار، قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مذنب، وَالله غَفُور رَحِيم) . فقد يُقَال: لَا يكْتَفى بِشَهَادَة النِّسَاء، ألَا يُرى أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يكتف بِشَهَادَة الْمَرْأَة الَّتِي أثنت على عُثْمَان بن مَظْعُون بقولِهَا: شهادتي عَلَيْك أَبَا السَّائِب، فَقَالَ لَهَا: وَمَا يدْريك؟ وَقد يُجَاب عَنهُ: بِأَنَّهُ إِنَّمَا أنكر عَلَيْهَا الْقطع بِأَن الله أكْرمه، وَذَلِكَ مغيب عَنْهَا، بِخِلَاف الشَّهَادَة للْمَيت بأفعاله الجميلة الَّتِي كَانَ متلبسا بهَا فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا، والْحَدِيث الَّذِي فِيهِ قَضِيَّة عُثْمَان بن مَظْعُون رَوَاهُ الْحَاكِم من حَدِيث حَارِثَة بن زيد: أَن أم الْعَلَاء امْرَأَة من الْأَنْصَار قد بَايَعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أخْبرته أَنهم اقتسموا للمهاجرين قرعَة، فطار لنا عُثْمَان بن مَظْعُون فأنزلناه فِي أَبْيَاتنَا، فوجع وَجَعه الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَلَمَّا توفّي وَغسل وكفن فِي أثوابه دخل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقلت: يَا عُثْمَان بن مَظْعُون، رَحْمَة الله عَلَيْك أَبَا السَّائِب، فشهادتي عَلَيْك، لقد أكرمك الله تَعَالَى، فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: وَمَا يدْريك أَن الله أكْرمه؟ فَقلت: بِأبي أَنْت وَأمي يَا رَسُول الله، فَمن؟ فَقَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أما هُوَ فقد جَاءَهُ الْيَقِين فوَاللَّه إِنِّي لأرجو لَهُ الْخَيْر وَالله مَا أَدْرِي وَأَنا رَسُول الله مَاذَا يفعل بِي قَالَت فوَاللَّه مَا أزكي بعده أحدا) . وَقَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ. فَإِن قلت: هَل يخْتَص الثَّنَاء الَّذِي ينفع الْمَيِّت بِكَوْنِهِ مِمَّن خالطه وَعرف حَاله أم هُوَ على عُمُومه؟ قلت: الظَّاهِر الأول بِدَلِيل قَوْله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي حَدِيث أنس الَّذِي رَوَاهُ أَبُو يعلى الْموصِلِي فِي (مُسْنده) بِإِسْنَاد صَحِيح، قَالَ: قَالَ رَسُول الله: (مَا من مُسلم يَمُوت فَيشْهد لَهُ أَرْبَعَة من أهل أَبْيَات من جِيرَانه الأدنين أَنهم لَا يعلمُونَ إلَاّ خيرا، إلَاّ قَالَ الله تَعَالَى: قد قبلت علمكُم وغرت لَهُ مَا لَا تعلمُونَ) . فَإِن قلت: هَل ينفع الثَّنَاء على الْمَيِّت بِالْخَيرِ وَإِن خَالف الْوَاقِع أم لَا بُد أَن يكون الثَّنَاء عَلَيْهِ مطابقا للْوَاقِع؟ قلت: قَالَ شَيخنَا زين الدّين، رَحمَه الله: فِيهِ قَولَانِ للْعُلَمَاء أصَحهمَا أَن ذَلِك يَنْفَعهُ، وَأَن لم يُطَابق الْوَاقِع لِأَنَّهُ لَو كَانَ لَا يَنْفَعهُ إلَاّ بالموافقة لم يكن للثناء فَائِدَة، وَيُؤَيّد هَذَا مَا رَوَاهُ ابْن عدي فِي (الْكَامِل) من رِوَايَة فرات بن السَّائِب عَن مَيْمُون بن مهْرَان عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (إِن العَبْد سيرزق الثَّنَاء والستر وَالْحب من النَّاس حَتَّى تَقول الْحفظَة: رَبنَا إِنَّك تعلم ونعلم غير مَا يَقُولُونَ، فَيَقُول: أشهدكم أَنِّي قد غفرت لَهُ مَا لَا يعلمُونَ، وَقبلت شَهَادَتهم على مَا يَقُولُونَ) . فَإِن قلت: الحَدِيث

الْمَذْكُور الَّذِي رَوَاهُ أَبُو يعلى يدل على أَن المُرَاد الثَّنَاء المطابق بِدَلِيل قَوْله: (قد قبلت علمكُم) ، وَالْعلم لَا يُخَالف الْوَاقِع. قلت: المُرَاد بِالْعلمِ: الشَّهَادَة، كَمَا فِي الحَدِيث الْمَذْكُور الَّذِي رَوَاهُ أَبُو يعلى عَن ابْن عمر، وَكَذَلِكَ فِي (مُسْند أَحْمد) فِي هَذَا الحَدِيث عَن أبي هُرَيْرَة: (قد قبلت شَهَادَتهم) ، وَمعنى قَوْله: (غفرت لَهُ مَا لَا يعلمُونَ) ، أَي: من الذُّنُوب الَّتِي لم يطلعوا عَلَيْهَا. فَإِن قلت: عل تشْتَرط فِي هَذِه الشَّهَادَة الْعَدَالَة كَسَائِر الشَّهَادَات؟ أم تَكْفِي فِي ذَلِك شَهَادَة الْمُسلمين وَإِن لم يَكُونُوا بِوَصْف الْعَدَالَة المشترطة فِي الشَّهَادَة؟ قلت: يدل على الأول حَدِيث كَعْب بن عجْرَة الَّذِي ذَكرْنَاهُ آنِفا، لِأَنَّهُ قَالَ فِيهِ: (فَقَامَ رجلَانِ ذَوا عدل) ، وعَلى الثَّانِي يدل ظَاهر حَدِيث الْبَاب، وَمَعَ هَذَا الأَصْل فِي الشَّهَادَة الْعَدَالَة.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: فَضِيلَة هَذِه الْأمة. وَفِيه: إِعْمَال الحكم بِالظَّاهِرِ. وَفِيه: جَوَاز ذكر الْمَرْء بِمَا فِيهِ من خير أَو شَرّ للْحَاجة، وَلَا يكون ذَلِك من الْغَيْبَة، وَذكر الْغَزالِيّ وَالنَّوَوِيّ إِبَاحَة الْعلمَاء الْغَيْبَة فِي سِتَّة مَوَاضِع، فَهَل تُبَاح فِي حق الْمَيِّت أَيْضا؟ وَإِن مَا جَازَ غيبَة الْحَيّ بِهِ جَازَت غيبَة الْمَيِّت بِهِ، أم يخْتَص جَوَاز الْغَيْبَة فِي هَذِه الْمَوَاضِع المستثناة بِالْإِحْيَاءِ، يَنْبَغِي أَن ينظر فِي السَّبَب الْمُبِيح للغيبة إِن كَانَ قد انْقَطع بِالْمَوْتِ كالمصاهرة والمعاملة، فَهَذَا لَا يذكر فِي حق الْمَيِّت، لِأَنَّهُ قد انْقَطع ذَلِك بِمَوْتِهِ، وَإِن لم يَنْقَطِع ذَلِك بِمَوْتِهِ كجرح الروَاة وَكَونه يُؤْخَذ عَنهُ اعْتِقَاد أَو نَحوه فَلَا بَأْس بِذكرِهِ بِهِ ليحذر ويتجنب. وَفِيه: جَوَاز الشَّهَادَة قبل الاستشهاد. وَفِيه: اعْتِبَار مَفْهُوم الْمُوَافقَة لِأَنَّهُ سَأَلَ عَن الثَّلَاثَة وَلم يسْأَل عَمَّا فَوق الْأَرْبَعَة كالخمسة مثلا. وَفِيه: أم مَفْهُوم الْعدَد لَيْسَ دَلِيلا قَطْعِيا، بل هُوَ فِي مقَام الِاحْتِمَال.

٦٨ - (بابُ مَا جاءَ فِي عَذَابِ القَبْرِ وقولهُ تَعَالَى: {وَلَوْ تَراي إذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ المَوْتِ وَالمَلَائِكَةُ باسِطُوا أيْدِيهِم أخْرِجُوا أنْفُسَكُمْ اليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ} (الْأَنْعَام: ٣٩) . الهُونُ هُوَ الهَوَانُ والهَوْنُ الرِّفْقُ. وقولُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ {سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثمَّ يُرَدُّونَ إلَى عَذَابٍ عَظِيم} وَقولُهُ تَعَالَى: {وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذَابِ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوَّا وَعَشِيّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذَابِ} )

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ من الْأَخْبَار فِي حقية عَذَاب الْقَبْر، وَأَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى مُجَرّد وجود عَذَاب الْقَبْر دون التَّعَرُّض أَنه يَقع على الرّوح وَحده أَو عَلَيْهِ وعَلى الْبدن. وَفِي هَذَا الْبَاب خلاف مَشْهُور بَين أهل السّنة والمعتزلة، وَقد بسطنا الْكَلَام فِيهِ فِي: بَاب الْمَيِّت يسمع خَفق النِّعَال، ثمَّ إِن البُخَارِيّ ذكر هَذِه الْآيَات الْكَرِيمَة الثَّلَاث تَنْبِيها على ثُبُوت ذكر عَذَاب الْقَبْر فِي الْقُرْآن، وردا على من ادّعى عدم ذكره فِي الْقُرْآن، وَأَن ذكره ورد فِي أَخْبَار الْآحَاد الْآيَة الأولى هُوَ قَوْله تَعَالَى فِي سُورَة الْأَنْعَام: {وَلَو ترى إِذْ الظَّالِمُونَ} (الْأَنْعَام: ٣٩) . أَشَارَ إِلَيْهَا بقوله، و: قَوْله تَعَالَى، بِالْجَرِّ عطفا على قَوْله: عَذَاب الْقَبْر. قَوْله: {وَلَو ترى} (الْأَنْعَام: ٣٩) . خطاب للنَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَجَوَاب: لَو، مَحْذُوف أَي: لرأيت أمرا عجيبا عَظِيما وَكلمَة إِذْ ظرف مُضَاف إِلَى جملَة إسمية، وَهِي قَوْله: {الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَات الْمَوْت} (الْأَنْعَام: ٣٩) . وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: يُرِيد الظَّالِمين الَّذين ذكرهم من الْيَهُود والمتنبئة فَتكون اللَّام للْعهد، وَيجوز أَن تكون للْجِنْس فَيدْخل فِيهِ هَؤُلَاءِ لاشْتِمَاله، وَقَالَ غَيره: المُرَاد من الظَّالِمين هَؤُلَاءِ قوم كَانُوا أَسْلمُوا بِمَكَّة أخرجهم الْكفَّار إِلَى قتال بدر، فَلَمَّا أبصروا أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رجعُوا عَن الْإِيمَان، وَقيل: هم الَّذين قَالُوا: {مَا أنزل الله على بشر من شَيْء} (الْأَنْعَام: ١٩) . قَوْله: {فِي غَمَرَات الْمَوْت} (الْأَنْعَام: ٣٩) . أَي: فِي شدائده وَسَكَرَاته وكرباته وَهُوَ جمع غمرة، وأصل الغمرة مَا يغمر من المَاء فاستعيرت للشدة الْغَالِبَة. قَوْله: {باسطوا أَيْديهم} (الْأَنْعَام: ٣٩) . قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: يبسطون إِلَيْهِم، يَقُول: هاتوا أرواحكم أخرجوها إِلَيْنَا من أجسادكم، وَهَذِه عبارَة عَن العنف فِي السِّيَاق والإلحاح وَالتَّشْدِيد فِي الإزهاق من غير تَنْفِيس، وإمهال. وَقَالَ اضحاك وَأَبُو صَالح: باسطوا أَيْديهم بِالْعَذَابِ، وروى الطَّبَرَانِيّ وَابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلَو ترى إِذْ الظَّالِمُونَ} (الْأَنْعَام: ٣٩) . الْآيَة، قَالَ: هَذَا عِنْد الْمَوْت، والبسط: الضَّرْب، يضْربُونَ وُجُوههم وأدبارهم. فَإِن قلت: التَّرْجَمَة فِي عَذَاب الْقَبْر، وَهَذَا قبل الدّفن؟ قلت: هَذَا من جملَة الْعَذَاب

الْوَاقِع قبل يَوْم الْقِيَامَة وَإِضَافَة الْعَذَاب إِلَى الْقَبْر لِكَثْرَة وُقُوعه على الْمَوْتَى فِي الْقُبُور، وإلَاّ فالكافر، وَمن شَاءَ الله تعذيبه من العصاة يعذب بعد مَوته، وَلَو لم يدْفن، وَلَكِن هَذَا مَحْجُوب عَن الْخلق إلَاّ من شَاءَ الله تَعَالَى لحكمة اقْتَضَت ذَلِك. قَوْله: {أخرجُوا أَنفسكُم} (الْأَنْعَام: ٣٩) . أَي: تَقول الْمَلَائِكَة أخرجُوا أَنفسكُم، وَذَلِكَ لِأَن الْكَافِر إِذا احْتضرَ بَشرته الْمَلَائِكَة بِالْعَذَابِ والنكال والسلاسل والجحيم وَغَضب الرَّحْمَن الرَّحِيم، فَتفرق روحه فِي جسده ويعصى ويأبى الْخُرُوج، فتضر بهم الْمَلَائِكَة حَتَّى تخرج أَرْوَاحهم من أَجْسَادهم قائلين لَهُم: أخرجُوا أَنفسكُم. وَقيل: مَعْنَاهُ أخرجُوا أَنفسكُم من الْعَذَاب إِن قدرتم تقريعا لَهُم وتوبيخا. وَاخْتلف فِي النَّفس وَالروح فَقَالَ القَاضِي أَبُو بكر وَأَصْحَابه: إنَّهُمَا إسمان لشَيْء وَاحِد. وَقَالَ ابْن حبيب: الرّوح هُوَ النَّفس الْجَارِي يدْخل وَيخرج لَا حَيَاة للنَّفس إلَاّ بِهِ. وَالنَّفس يألم ويلذ، وَالروح لَا يألم وَلَا يلذ، وَعَن ابْن الْقَاسِم عَن عبد الرَّحْمَن بن خلف: بَلغنِي أَن الرّوح لَهُ جَسَد ويدان ورجلان وَرَأس وعينان يسل من الْجَسَد سلاً، وَعَن ابْن الْقَاسِم: الرّوح مثل المَاء الْجَارِي. قَوْله: {الْيَوْم تُجْزونَ عَذَاب الْهون} (الْأَنْعَام: ٣٩) . أَي: الْيَوْم تهانون غَايَة الإهانة بِمَا كُنْتُم تكفرون على الله وتستكبرون عَن اتِّبَاع آيَاته والانقياد لرسله. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: الْيَوْم تُجْزونَ، يجوز أَن يُرِيدُوا وَقت الإماتة، وَمَا يُعَذبُونَ بِهِ من شدَّة النزع، وَأَن يُرِيدُوا الْوَقْت الممتد المتطاول الَّذِي يلحقهم فِيهِ الْعَذَاب فِي البرزخ وَالْقِيَامَة، وَفسّر البُخَارِيّ الْهون بقوله: هُوَ الهوان، وَهُوَ الهوان الشَّديد وَإِضَافَة الْعَذَاب إِلَيْهِ كَقَوْلِك: رجل سوء يُرِيد العراقة فِي الْهون والتمكن فِيهِ. قَوْله: (والهون الرِّفْق) أَي: الْهون، بِفَتْح الْهَاء مَعْنَاهُ الرِّفْق مَا قَالَ فِي قَوْله: {الَّذين يَمْشُونَ على الأَرْض هونا} (الْفرْقَان: ٣٦) . أَي بِرِفْق وسكينة.

الْآيَة الثَّانِيَة هِيَ قَوْله: {سَنُعَذِّبُهُمْ مرَّتَيْنِ} (التَّوْبَة: ١٠١) . أَشَارَ إِلَيْهَا بقوله: وَقَوله، عز وَجل، بِالْجَرِّ أَيْضا عطفا على مَا قبله، وَهَذِه الْآيَة فِي سُورَة الْبَرَاءَة، وَقبلهَا قَوْله تَعَالَى: {وَمِمَّنْ حَوْلكُمْ من الْأَعْرَاب مُنَافِقُونَ وَمن أهل الْمَدِينَة مَرَدُوا على النِّفَاق لَا تعلمهمْ نَحن نعلمهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مرَّتَيْنِ} (التَّوْبَة: ١٠١) . وَقَالَ مُجَاهِد: مرَّتَيْنِ الْقَتْل والسبي، وَعنهُ: الْعَذَاب بِالْجُوعِ وَعَذَاب الْقَبْر، وَقيل: الفضيحة وَعَذَاب الْقَبْر، وروى الطَّبَرَانِيّ وَابْن أبي حَاتِم من طَرِيق السّديّ عَن أبي مَالك عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: (خطب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم الْجُمُعَة، فَقَالَ: أخرج يَا فلَان فَإنَّك مُنَافِق، واخرج يَا فلَان، فَإنَّك مُنَافِق، فَأخْرج من الْمَسْجِد نَاسا مِنْهُم فضحهم، فجَاء عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وهم يخرجُون من الْمَسْجِد فاختبىء مِنْهُم حَيَاء أَنه لم يشْهد الْجُمُعَة، وَظن أَن النَّاس قد انصرفوا، واختبأوا هم عَن عمر ظنُّوا أَنه قد علم بأمرهم، فجَاء عمر فَدخل الْمَسْجِد فَإِذا النَّاس لم يصلوا، فَقَالَ لَهُ رجل من الْمُسلمين: أبشر يَا عمر، فقد فَضَح الله الْمُنَافِقين. فَقَالَ ابْن عَبَّاس: فَهَذَا الْعَذَاب الأول حِين أخرجهم من الْمَسْجِد، وَالْعَذَاب الثَّانِي عَذَاب الْقَبْر، وَكَذَا قَالَ الثَّوْريّ عَن السّديّ عَن أبي مَالك نَحْو هَذَا.

الْآيَة الثَّالِثَة هِيَ قَوْله تَعَالَى: {وحاق بآل فِرْعَوْن} (غَافِر، الْمُؤمن، ٥٤) . إِلَى قَوْله: {أَشد الْعَذَاب} (غَافِر، الْمُؤمن: ٥٤) . وَهِي فِي سُورَة الْمُؤمن الَّتِي تسمى بِسُورَة غَافِر أَيْضا، وَمعنى: {حاق بآل فِرْعَوْن} (غَافِر، الْمُؤمن: ٥٤) . يَعْنِي: نزل بهم سوء الْعَذَاب، يَعْنِي شدَّة الْعَذَاب. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وحاق بآل فِرْعَوْن مَا هموا بِهِ من تَعْذِيب الْمُسلمين، وَرجع عَلَيْهِم كيدهم، يُقَال: حاق بِهِ الشَّيْء يَحِيق، أَي: أحاطه بِهِ، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: {وَلَا يَحِيق الْمَكْر السىء إلَاّ بأَهْله} (فاطر: ٣٤) . وحاق بهم الْعَذَاب أَي: أحَاط بهم، وَنزل قَوْله: {النَّار يعرضون} (غَافِر وَالْمُؤمن: ٥٤) . بدل من قَوْله: {سوء الْعَذَاب} (غَافِر وَالْمُؤمن: ٥٤) . أَو خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف كَأَن قَائِلا يَقُول: مَا سوء الْعَذَاب؟ فَقيل: هُوَ النَّار، أَو مُبْتَدأ وَخَبره: {يعرضون عَلَيْهَا} (غَافِر الْمُؤمن: ٥٤) . وعرضهم عَلَيْهَا إحراقهم بهَا، يُقَال: عرض الْأُسَارَى على السَّيْف إِذا قَتلهمْ بِهِ، وقرىء: النَّار، بِالنّصب وَتَقْدِيره: يدْخلُونَ النَّار يعرضون عَلَيْهَا، وَيجوز أَن ينْتَصب على الِاخْتِصَاص. وَقَالَ ابْن عَبَّاس: يعرضون يَعْنِي: أَرْوَاحهم على النَّار غدوا وعشيا، يَعْنِي: فِي هذَيْن الْوَقْتَيْنِ. وَهَكَذَا قَالَ مُجَاهِد، وَقَتَادَة، وَقَالَ مقَاتل: تعرض روح كل كَافِر على مَنَازِلهمْ من النَّار كل يَوْم مرَّتَيْنِ، وَقَالَ أَبُو اللَّيْث السَّمرقَنْدِي: الْآيَة تدل على عَذَاب الْقَبْر، لِأَنَّهُ ذكر دُخُولهمْ النَّار يَوْم الْقِيَامَة، وَذَلِكَ أَنه يعرض عَلَيْهِم النَّار قبل ذَلِك غدوا وعشيا. وَقَالَ ابْن مَسْعُود: إِن أَرْوَاح آل فِرْعَوْن فِي أَجْوَاف طير سود تعرض على النَّار مرَّتَيْنِ، يُقَال لَهُم: هَذِه داركم. وَقَالَ مُجَاهِد: غدوا وعشيا من أَيَّام الدُّنْيَا، وَقَالَ الْفراء: لَيْسَ فِي الْقِيَامَة غدو وَلَا عشي، لَكِن مِقْدَار ذَلِك، وَيرد عَلَيْهِ قَوْله: {النَّار يعرضون عَلَيْهَا غدوا وعشيا وَيَوْم تقوم السَّاعَة} (غَافِر وَالْمُؤمن: ٥٤) . فَدلَّ على أَن الأول بِمَنْزِلَة عَذَاب الْقَبْر، وَحَدِيث الْبَراء مُفَسّر لِلْآيَةِ، قَوْله: {وَيَوْم تقوم السَّاعَة} (غَافِر الْمُؤمن: ٥٤) . يَعْنِي: يُقَال لَهُم يَوْم الْقِيَامَة: أدخلُوا آل فِرْعَوْن. قَرَأَ ابْن كثير وَابْن عَامر وَأَبُو عمر: وادخلوا، بِضَم

الْهمزَة، وَهَكَذَا قَرَأَ عَاصِم فِي رِوَايَة أبي بكر. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِفَتْح الْهمزَة، فَمن قَرَأَ بِالضَّمِّ فَمَعْنَاه: أدخلُوا يَا آل فِرْعَوْن أَشد الْعَذَاب، فَصَارَ الْآل نصبا بالنداء، وَمن قَرَأَ: أدخلُوا، بِفَتْح الْهمزَة، فَمَعْنَاه يُقَال للخزنة: أدخلُوا آل فِرْعَوْن، يَعْنِي قوم فِرْعَوْن أَشد الْعَذَاب، يَعْنِي أَشد الْعقَاب، وَصَارَ الْآل نصبا لوُقُوع الْفِعْل عَلَيْهِ.

٩٦٣١ - حدَّثنا حفْصُ بنُ عُمَرَ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ عَلْقَمَةَ بنِ مَرْثَدٍ عنْ سَعْدِ بنِ عُبَيْدَةَ عنِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما عنِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَالَ إذَا أُقْعِدَ الْمُؤْمِنُ فِي قَبْرِهِ أُتِيَ ثُمَّ شَهِدَ أنْ لَا إِلَه إلَاّ الله وأنَّ مُحَمَّدا رسولُ الله فَذالِكَ قولُهُ {يُثَبِّتُ الله الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ} (إِبْرَاهِيم: ٧٢) .

(الحَدِيث ٩٦٣١ طرفه فِي: ٩٩٦٤) .

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن أصل الحَدِيث فِي عَذَاب الْقَبْر، كَمَا صرح بِهِ فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة عَن مُحَمَّد بن بشار. وفيهَا: وَزَاد {يثبت الله الَّذين آمنُوا} (ابراهيم: ٧٢) . نزلت فِي عَذَاب الْقَبْر.

ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: حَفْص بن عمر بن الْحَارِث الحوضي النمري الْأَزْدِيّ. الثَّانِي: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الثَّالِث: عَلْقَمَة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون اللَّام: ابْن مرْثَد، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الرَّاء وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة. الرَّابِع: سعد بن عُبَيْدَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، مر فِي آخر الْوضُوء. الْخَامِس: الْبَراء، بتَخْفِيف الرَّاء: ابْن عَازِب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده وَهُوَ بَصرِي وَشعْبَة واسطي وعلقمة وَسعد كوفيان. وَفِيه: شُعْبَة عَن عَلْقَمَة مُعَنْعَن، وَفِي التَّفْسِير صرح بالإخبار عَنهُ، وَكَذَلِكَ صرح أَيْضا بِالسَّمَاعِ بَين عَلْقَمَة وَسعد.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجَنَائِز: عَن بنْدَار عَن غنْدر، وَفِي التَّفْسِير: عَن أبي الْوَلِيد. وَأخرجه مُسلم فِي صفة النَّار عَن بنْدَار بِهِ، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي السّنة عَن أبي الْوَلِيد بِهِ، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن مَحْمُود بن غيلَان، وَقَالَ: حسن صَحِيح. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْجَنَائِز وَفِي التَّفْسِير. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الزّهْد جَمِيعًا عَن بنْدَار بِهِ.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أُتِي) ، بِضَم الْهمزَة أَي حَال كَونه مأتيا إِلَيْهِ، والآتي الْملكَانِ: مُنكر وَنَكِير. قَوْله: (ثمَّ شهد) ، كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِي: (ثمَّ تشهد) ، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن أبي خَليفَة عَن حَفْص بن عمر شيخ البُخَارِيّ: (إِن الْمُؤمن إِذا شهد أَن لَا إِلَه إلَاّ الله وَعرف مُحَمَّدًا فِي قَبره فَذَلِك قَوْله: {يثبت الله الَّذين آمنُوا بالْقَوْل الثَّابِت} (إِبْرَاهِيم: ٧٢) . وَأخرجه ابْن مرْدَوَيْه من هَذَا الْوَجْه وَغَيره بِلَفْظ: (إِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذكر عَذَاب الْقَبْر، فَقَالَ: إِن الْمُسلم إِذا شهد أَن لَا إلاه إلَاّ الله وَعرف أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله) الحَدِيث. قَوْله: (فَذَلِك قَوْله) ، يَعْنِي: قَول الْمُؤمن لَا إلاه إلَاّ الله، هُوَ قَوْله تَعَالَى: {يثبت الله الَّذين آمنُوا بالْقَوْل الثَّابِت} (إِبْرَاهِيم: ٧٢) . وَالْقَوْل الثَّابِت هُوَ كلمة التَّوْحِيد لِأَنَّهَا راسخة فِي قلب الْمُؤمن. وَقَالَ عبد الرَّزَّاق: عَن معمر عَن ابْن طَاوُوس عَن أَبِيه، {وَيثبت الله الَّذين آمنُوا بالْقَوْل الثَّابِت فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا} (إِبْرَاهِيم: ٧٢) . لَا إلاه إلَاّ الله، وَفِي الْآخِرَة قَالَ: الْمَسْأَلَة فِي الْقَبْر) . وَقَالَ قَتَادَة: أما الْحَيَاة الدُّنْيَا فيثبتهم بِالْخَيرِ وَالْعَمَل الصَّالح، وَفِي الْآخِرَة فِي الْقَبْر، وَكَذَا رُوِيَ عَن غير وَاحِد من السّلف، وَذكر ابْن كثير فِي (تَفْسِيره) عَن حَمَّاد بن سَلمَة أَنه قَالَ: عَن مُحَمَّد بن عَمْرو عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: ( {يثبت الله الَّذين آمنُوا بالْقَوْل الثَّابِت فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة} ) (إِبْرَاهِيم: ٧٢) . قَالَ: ذَلِك إِذا قيل لَهُ فِي الْقَبْر: من رَبك؟ وَمَا دينك؟ وَمن نبيك؟ فَيَقُول: رَبِّي الله، وديني الْإِسْلَام، ونبيي مُحَمَّد جَاءَ بِالْبَيِّنَاتِ من عِنْد الله، فآمنت بِهِ وصدقت. فَيُقَال: صدقت، على هَذَا عِشْت وَعَلِيهِ مت وَعَلِيهِ تبْعَث) . وَقَالَ أَيْضا قَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ عَن أبي خَيْثَمَة عَن الْبَراء فِي قَوْله: {يثبت الله الَّذين آمنُوا بالْقَوْل الثَّابِت فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا} (إِبْرَاهِيم: ٧٢) . قَالَ: عَذَاب الْقَبْر.

٠٧٣١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنِ بَشَّارٍ قَالَ حدَّثنا غُنْدُرٌ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ بِهاذا وَزَادَ {يُثَبِّتُ الله الَّذِينَ آمَنُوا} (إِبْرَاهِيم: ٧٢) . نَزَلَتْ فِي عَذَابِ القَبْرِ.

هَذَا طَرِيق آخر للْبُخَارِيّ فِي الحَدِيث الْمَذْكُور، أخرجه عَن مُحَمَّد بن بشار عَن غنْدر هُوَ مُحَمَّد بن جَعْفَر، وَقد مر غير مرّة، وَفِيه زِيَادَة أَشَارَ إِلَيْهَا بقوله: وَزَاد. . إِلَى آخِره، وبهذه الزِّيَادَة أخرجه مُسلم: حَدثنَا مُحَمَّد بن بشار بن عُثْمَان الْعَبْدي حَدثنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر حَدثنَا شُعْبَة عَن عَلْقَمَة بن مرْثَد عَن سعد بن عُبَيْدَة (عَن الْبَراء بن عَازِب عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: {يثبت الله الَّذين آمنُوا بالْقَوْل الثَّابِت} (إِبْرَاهِيم: ٧٢) . قَالَ: نزلت فِي عَذَاب الْقَبْر) .

٠٧٣١ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حدَّثَنِي أبي عنْ صَالِحٍ قَالَ حدَّثني نافِعٌ أنَّ ابنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أخبرهُ قَالَ اطَّلَعَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَى أهْلِ القَلِيبِ فَقَالَ {وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّا} (الْأَعْرَاف: ٤٤) . فَقِيلَ لَهُ أتَدْعُو أمْوَاتا فَقَالَ مَا أنْتُمْ بِأسْمَعَ منْهُمْ وَلاكِنْ لَا يُجِيبُونَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم شَاهد أهل القليب، قليب بدر، وهم يُعَذبُونَ فَلذَلِك قَالَ: {وجدْتُم مَا وعد ربكُم حَقًا} (الْأَعْرَاف: ٤٤) . يَعْنِي: من الْعَذَاب فِي الْقَبْر قبل يَوْم الْقِيَامَة.

ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: عَليّ بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ. الثَّانِي: يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف الْقرشِي الزُّهْرِيّ. الثَّالِث: أَبوهُ إِبْرَاهِيم بن سعد. الرَّابِع: صَالح بن كيسَان أَبُو مُحَمَّد. الْخَامِس: نَافِع مولى ابْن عمر. السَّادِس: عبد الله بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وبصيغة الْإِفْرَاد فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته مدنيون. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ فَإِن صَالحا رأى عبد الله بن عمر، قَالَه الْوَاقِدِيّ، وَقَالَ: مَاتَ: بعد الْأَرْبَعين وَالْمِائَة.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي: حَدثنِي عُثْمَان حَدثنَا عَبدة عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: (وقف النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على قليب بدر، فَقَالَ: هَل {وجدْتُم مَا وعد ربكُم حَقًا ... } (الْأَعْرَاف: ٤٤) . الحَدِيث. وَأخرجه مُسلم فِي الْجَنَائِز عَن أبي كريب وَأبي بكر ابْن أبي شيبَة وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن آدم.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إطلع) أَي: شَاهد أهل القليب، وَحضر عِنْدهم وهم: أَبُو جهل بن هِشَام وَأُميَّة بن خلف وَعتبَة بن ربيعَة وَشَيْبَة بن ربيعَة واطلع عَلَيْهِ وهم مقتولون فَقَالَ مَا قَالَ، ثمَّ أَمرهم فسحبوا فَألْقوا فِي قليب بدر، والقليب، بِفَتْح الْقَاف وَكسر اللَّام وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة: وَهُوَ الْبِئْر قبل أَن يطوى، يذكر وَيُؤَنث، وَقَالَ أَبُو عبيد: هِيَ الْبِئْر العادية الْقَدِيمَة وَجمع الْقلَّة: أقلبة، وَالْكثير: قلب، بِضَمَّتَيْنِ وَالْمرَاد بِهِ هَهُنَا: قليب بدر، وَبَينه فِي الحَدِيث بقوله: (قليب بدر) بِالْجَرِّ لِأَنَّهُ بدل عَن قَوْله: (أهل القليب) . قَوْله: (وهم يُعَذبُونَ) جملَة حَالية، وَلما رَآهُمْ وهم يُعَذبُونَ قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (وجدْتُم مَا وعد ربكُم حَقًا} (الْأَعْرَاف: ٤٤) . قَوْله: (فَقيل لَهُ) أَي: للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَالْقَائِل هُوَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَصرح بِهِ فِي رِوَايَة مُسلم فِي رِوَايَة أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، (أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ترك قَتْلَى بدر ثَلَاثًا، ثمَّ أَتَاهُم فَقَامَ عَلَيْهِم فناداهم، فَقَالَ: يَا أَبَا جهل ابْن هِشَام يَا أُميَّة بن خلف يَا عتبَة بن ربيعَة يَا شيبَة بن ربيعَة أَلَيْسَ قد وجدْتُم مَا وعد ربكُم حَقًا؟ فَإِنِّي قد وجدت مَا وَعَدَني رَبِّي حَقًا، فَسمع عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: يَا رَسُول الله كَيفَ يسمعوا وأنى يجيبوا وَقد جيفوا؟ فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ مَا أَنْتُم بأسمع لما أَقُول مِنْهُم. وَلَكنهُمْ لَا يقدرُونَ أَن يجيبوا ثمَّ أَمر بهم فسحبوا فَألْقوا فِي قليب بدر) . قَوْله (وَلَكِن لَا يجيبون) أَي لَا يقدرُونَ على الْجَواب فَعلم أَن فِي الْقَبْر حَيَاة فيصلح الْعَذَاب فِيهِ

١٧٣١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ هِشَام بنِ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ إنَّمَا قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إنَّهُمْ لَيَعْلَمُونَ الآنَ أنَّ مَا كُنْتُ أقُولُ حَقٌّ وقَدْ

قَالَ الله تَعَالَى إنَّكَ لَا تُسْمِعُ المَوْتَى.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إِنَّهُم يعلمُونَ الْآن أَن مَا كنت أَقُول حق) ، وَالَّذِي كَانَ يَقُوله هُوَ من عَذَاب الْقَبْر وَغَيره. فَإِن قلت: مَا وَجه ذكر حَدِيث ابْن عمر وَحَدِيث عَائِشَة وهما متعارضان فِي تَرْجَمَة عَذَاب الْقَبْر؟ قلت: لما ثَبت من سَماع أهل القليب كَلَامه وتوبيخه لَهُم دلّ إدراكهم كَلَامه بحاسة السّمع على جَوَاز إدراكهم ألم الْعَذَاب بِبَقِيَّة الْحَواس فَحسن ذكرهمَا فِي هَذِه التَّرْجَمَة ثمَّ التَّوْفِيق بَين الْخَبَرَيْنِ أَن حَدِيث ابْن عمر مَحْمُول على أَن مُخَاطبَة أهل القليب كَانَت وَقت المساءلة ووقتها وَقت إِعَادَة الرّوح إِلَى الْجَسَد وَقد ثَبت فِي الْأَحَادِيث الْأُخْرَى أَن الْكَافِر المسؤول يعذب، وَأَن حَدِيث عَائِشَة مَحْمُول على غير وَقت المساءلة، فَبِهَذَا يتَّفق الخبران.

ذكر رِجَاله: وهم قد ذكرُوا، وَعبد الله بن مُحَمَّد بن أبي شيبَة إِبْرَاهِيم الْكُوفِي وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة.

وَفِي سَنَده التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، والعنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِنَّمَا قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، جَاءَ بِلَفْظ: إِنَّمَا، وَهِي للحصر، قَالَ الْكرْمَانِي: وَكَانَ حَدِيث (مَا أَنْتُم بأسمع مِنْهُم) لم يثبت عِنْدهَا، ومذهبها أَن أهل الْقُبُور يعلمُونَ مَا سمعُوا قبل الْمَوْت وَلَا يسمعُونَ بعد الْمَوْت. انْتهى. قلت: هَذَا من عَائِشَة يدل على أَنَّهَا ردَّتْ رِوَايَة ابْن عمر الْمَذْكُورَة، وَلَكِن الْجُمْهُور خالفوها فِي ذَلِك وقبلوا حَدِيث ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لموافقة من رَوَاهُ غَيره عَلَيْهِ. وَقَالَ السُّهيْلي: عَائِشَة لم تحضر قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فغيرها مِمَّن حضر أحفظ للفظ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: وَقد قَالُوا: يَا رَسُول الله أتخاطب قوما قد جيفوا؟ فَقَالَ: مَا أَنْتُم بأسمع لما أَقُول مِنْهُم، قَالَ: وَإِذا جَازَ أَن يَكُونُوا فِي تِلْكَ الْحَال عَالمين، جَازَ أَن يَكُونُوا سَامِعين أيا مَا كَانَ روسهم، كَمَا هُوَ قَول الْجُمْهُور، أَو يَأْذَن الرّوح على رَأْي من يُوَجه السُّؤَال إِلَى الرّوح من غير رُجُوع الْجَسَد.

قَالَ: وَأما الْآيَة فَإِنَّهَا كَقَوْلِه تَعَالَى: {أفأنت تسمع الصم أَو تهدي الْعمي} (الزخرف: ٠٤) . أَي: إِن الله هُوَ الَّذِي يسمع وَيهْدِي. وَقَالَ ابْن التِّين: لَا مُعَارضَة بَين حَدِيث ابْن عمر وَالْآيَة، لِأَن الْمَوْتَى لَا يسمعُونَ، لَا شكّ، لَكِن إِذا أَرَادَ الله إسماع مَا لَيْسَ من شَأْنه السماع لم يمْتَنع، كَقَوْلِه تَعَالَى: {إِنَّا عرضنَا الْأَمَانَة ... } (الْأَحْزَاب: ٢٧) . الْآيَة. وَقَوله: {فَقَالَ لَهَا وللأرض ائتيا طَوْعًا} (فصلت: ١١) . الْآيَة وَإِن النَّار اشتكت إِلَى رَبهَا، وَيكون معنى قَوْله: {إِنَّك لَا تسمع الْمَوْتَى} (النَّمْل: ٠٨) . مثل قَوْله: {إِنَّك لَا تهدي من أَحْبَبْت} (الْقَصَص: ٦٥) . ثمَّ قَوْله تَعَالَى: {إِنَّك لَا تسمع الْمَوْتَى} (النَّمْل: ٠٨) . فِي سُورَة النَّمْل، وَقَبله: {فتوكل على الله إِنَّك على الْحق الْمُبين إِنَّك لَا تسمع الْمَوْتَى وَلَا تسمع الصم الدُّعَاء إِذا ولوا مُدبرين} (النَّمْل: ٩٧ و ٠٨) . قَالَ أَبُو اللَّيْث السَّمرقَنْدِي، رَحمَه الله: هَذَا مثل ضربه للْكفَّار، فَكَمَا أَنَّك لَا تسمع الْمَوْتَى فَكَذَلِك لَا تفقه كفار مَكَّة وَلَا تسمع الصم الدُّعَاء، قَرَأَ ابْن كثير: وَلَا يسمع الصم، بِفَتْح الْيَاء وبضم الصم، على أَنه فَاعل: لَا يسمع، وَالْبَاقُونَ: وَلَا تسمع، بِالْخِطَابِ وَنصب: الصم، على المفعولية، والصم جمع: الْأَصَم. قَوْله: {إِذا ولوا مُدبرين} (النَّمْل: ٠٨) يَعْنِي إِذا عرضوا عَن الْحق مكدبين وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ (إِذا ولوا مُدبرين) . تَأْكِيد لحَال الْأَصَم، لِأَنَّهُ إِذا تبَاعد عَن الدَّاعِي بِأَن تولى عَنهُ مُدبرا كَانَ أبعد عَن إِدْرَاك صَوته.

٢٧٣١ - حدَّثنا عَبْدَانُ قَالَ أَخْبرنِي أبي عنْ شُعْبَةَ قَالَ سَمِعْتُ الأشْعَثَ عنْ أبِيهِ عنْ مَسْرُوقٍ عنْ عائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّ يهُودِيَّةً دَخَلَتْ عَلَيْهَا فَذَكَرَتْ عَذَابَ القَبْرِ فقالَتْ لَهَا أعَاذَكِ الله مِنْ عَذَابِ القبْرِ فَسَألَتْ عائِشَةُ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عنْ عَذَابِ القَبْرِ فَقَالَ نَعَمْ عَذَابُ القَبْرِ قالَتْ عائِشَةُ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا فَمَا رأيْتُ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَعْدُ صلَى صَلَاةً إلَاّ تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لَا تخفى.

ذكر رِجَاله: وهم سَبْعَة: الأول: عَبْدَانِ، لقب عبد الله بن عُثْمَان بن جبلة، وَقد مر غير مرّة. الثَّانِي: أَبوهُ عُثْمَان بن جبلة بن أبي رواد، واسْمه ثَابت. الثَّالِث: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الرَّابِع: الْأَشْعَث، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الْعين الْمُهْملَة وَفِي آخِره ثاء مُثَلّثَة، الْخَامِس: أَبوهُ أَبُو الشعْثَاء بِالْمدِّ، واسْمه: سليم بن الْأسود الْمحَاربي. السَّادِس: مَسْرُوق بن الأجدع بِالدَّال. السَّابِع: أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد كَذَلِك. وَفِيه: العنعنة

فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: السماع، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ عَن شُعْبَة عَن أَشْعَث: سَمِعت أبي. وَفِيه: رِوَايَة الابْن عَن الْأَب فِي موضِعين. وَفِيه: شَيْخه مَذْكُور بلقبه وَأَنه مروزي أَصله من الْبَصْرَة، وَأَبوهُ بَصرِي وَشعْبَة واسطي وَالثَّلَاثَة الْبَقِيَّة كوفيون. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصحابية، فَإِن أَبَا الشعْثَاء روى عَن حديفة وَأبي هُرَيْرَة.

ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن هناد عَن أبي الْأَحْوَص، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن ابْن بشار عَن غنْدر، وَلم يذكر قصَّة الْيَهُودِيَّة.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (قَالَ: نعم عَذَاب الْقَبْر حق) ، كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِي، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: (عَذَاب الْقَبْر) فَقَط بِدُونِ لفظ حق، وَقَالَ بَعضهم: رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي لَيست بجيدة لِأَن المُصَنّف قَالَ عقيب هَذَا الطَّرِيق: زَاد غنْدر (عَذَاب الْقَبْر حق) ، فَبين أَن لَفْظَة: حق، لَيست فِي رِوَايَة عَبْدَانِ عَن أَبِيه عَن شُعْبَة، وَأَنَّهَا ثَابِتَة فِي رِوَايَة غنْدر يَعْنِي عَن شُعْبَة وَهُوَ كَذَلِك، وَقد أخرج طَرِيق غنْدر النَّسَائِيّ والإسماعيلي كَذَلِك. قلت: قَوْله: (زَاد غنْدر: عَذَاب الْقَبْر حق) لَيْسَ بموجود فِي كثير من النّسخ، وَلَئِن سلمنَا وجود هَذَا فَلَا نسلم أَنه يسْتَلْزم حذف الْخَبَر، مَعَ أَن الأَصْل ذكر الْخَبَر، وَكَيف يَنْفِي الْجَوْدَة من رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي مَعَ كَونهَا على الأَصْل؟ فَمَاذَا يلْزم من الْمَحْذُور إِذا ذكر الْخَبَر فِي الرِّوَايَات كلهَا. قَوْله: (بعد) ، مَبْنِيّ على الضَّم، أَي: بعد ذَلِك. قَوْله: (إلَاّ تعوذ) أَي: إلَاّ صَلَاة تعوذ فِيهَا، وَقد تقدم فِي: بَاب التَّعَوُّذ من عَذَاب الْقَبْر، فِي الْكُسُوف من طَرِيق عمْرَة (عَن عَائِشَة أَن يَهُودِيَّة جَاءَت تسألها، فَقَالَت لَهَا: أَعَاذَك الله من عَذَاب الْقَبْر؟ فَسَأَلت عَائِشَة رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أيعذب النَّاس فِي قُبُورهم؟ فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عائذا بِاللَّه من ذَلِك، ثمَّ ركب ذَات غَدَاة مركبا فخسفت الشَّمْس) الحَدِيث وَوَقع عِنْد البُخَارِيّ أَيْضا من رِوَايَة أبي وَائِل عَن مَسْرُوق، فِي الدَّعْوَات (دخل عجوزان عَن عجز يهود الْمَدِينَة، فَقَالَتَا: إِن أهل الْقُبُور يُعَذبُونَ فِي قُبُورهم) ، والتوفيق بَين الرِّوَايَتَيْنِ من حَيْثُ إِن إِحْدَاهمَا تَكَلَّمت وأقرتها الْأُخْرَى، على ذَلِك، فنسب القَوْل إِلَيْهِمَا مجَازًا. فَإِن قلت: روى مُسلم من طَرِيق ابْن شهَاب عَن عُرْوَة (عَن عَائِشَة، قَالَت: دخلت على امْرَأَة من الْيَهُود وَهِي تَقول: هَل شَعرت أَنكُمْ تفتنون فِي الْقُبُور؟ قَالَت: فارتاع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقَالَ: إِنَّمَا تفتن يهود، قَالَت عَائِشَة: فلبثنا ليَالِي، ثمَّ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: هَل شَعرت أَنه أُوحِي إِلَيّ أَنكُمْ تفتنون فِي الْقُبُور؟ قَالَت عَائِشَة: فَسمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يستعيذ من عَذَاب الْقَبْر) ، فَهَذِهِ الرِّوَايَة مُخَالفَة للرواية الأولى. قلت: قَالَ الطَّحَاوِيّ: هما قضيتان سمع الْيَهُودِيَّة فَقَالَ: إِنَّمَا تفتن الْيَهُود، ثمَّ أعلم بذلك وَلم يعلم عَائِشَة، فَجَاءَت الْيَهُودِيَّة مرّة أُخْرَى فَذكرت لعَائِشَة ذَلِك فأنكرت عَلَيْهَا مستندة إِلَى الْإِنْكَار الأول، فأعلمها النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِأَن الْوَحْي نزل بإثباته. وَقَالَ الْكرْمَانِي، رَحمَه الله: يحْتَمل أَنه كَانَ يتَعَوَّذ قبل ذَلِك سرا. وَلما رأى استغرابها حَيْثُ سَمِعت من الْيَهُودِيَّة أعلن ليترسخ ذَلِك فِي عقائد أمته ويكونوا على حذر من فتنته. قلت: كَأَنَّهُ لم يطلع على رِوَايَة ابْن شهَاب الْمَذْكُورَة من (صَحِيح مُسلم) فَلذَلِك ذكر مَا ذكره بِالِاحْتِمَالِ، وَوَقع صَرِيحًا بِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لم يكن عِنْده علم بِعَذَاب الْقَبْر لهَذِهِ الْأمة، وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) بِإِسْنَاد صَحِيح على شَرط البُخَارِيّ: عَن سعيد بن عَمْرو بن سعيد الْأمَوِي (عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: أَن يَهُودِيَّة كَانَت تخدمها فَلَا تصنع عَائِشَة إِلَيْهَا شَيْئا من الْمَعْرُوف إلَاّ قَالَت لَهَا الْيَهُودِيَّة: وقاك الله تَعَالَى عَذَاب الْقَبْر، قَالَت: فَقلت: يَا رَسُول الله! هَل للقبر عَذَاب؟ قَالَ: كذبت يهود، لَا عَذَاب دون يَوْم الْقِيَامَة، ثمَّ مكث بعد ذَلِك مَا شَاءَ الله أَن يمْكث، فَخرج ذَات يَوْم نصف النَّهَار وَهُوَ يُنَادي بِأَعْلَى صَوته: أَيهَا النَّاس استعيذوا بِاللَّه من عَذَاب الْقَبْر، فَإِن عَذَاب الْقَبْر حق) . وَفِي هَذَا كُله أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّمَا علم بِحكم عَذَاب الْقَبْر إِذْ هُوَ بِالْمَدِينَةِ فِي آخر الْأَمر. فَإِن قلت: الْآيَة، أَعنِي قَوْله تَعَالَى: {يثبت الله الَّذين آمنُوا} (إِبْرَاهِيم: ٧٢) . مَكِّيَّة، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: {النَّار يعرضون عَلَيْهَا غدوا وعشيا} (غَافِر: ٦٤) . قلت: أُجِيب بِأَن عَذَاب الْقَبْر يُؤْخَذ من الْآيَة الأولى بطرِيق الْمَفْهُوم فِي حق من لم يَتَّصِف بِالْإِيمَان، وَكَذَا بالمنطوق وَفِي الْآيَة الثَّانِيَة فِي حق آل فِرْعَوْن، والتحق بهم من كَانَ لَهُ حكمهم من الْكفَّار، فَالَّذِي أنكرهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّمَا هُوَ وُقُوع عَذَاب الْقَبْر على الْمُوَحِّدين، ثمَّ أعلم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن ذَلِك قد يَقع على من شَاءَ الله مِنْهُم، فَجزم بِهِ وحذر مِنْهُ وَبَالغ فِي الِاسْتِعَاذَة مِنْهُ، تَعْلِيما لأمته، وإرشادا، فَزَالَ التَّعَارُض، وَالله أعلم.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: أَن عَذَاب الْقَبْر حق وَأَنه لَيْسَ بخاص بِهَذِهِ الْأمة. وَفِيه: جَوَاز التحدث عَن أهل الْكتاب

إِذا وَافق قَول الرَّسُول، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَفِيه: التَّوَقُّف عَن خبرهم حَتَّى يعرف أصدق هُوَ أم كذب. وَفِيه: اسْتِحْبَاب التَّعَوُّذ من عَذَاب الْقَبْر عقيب الصَّلَاة لِأَنَّهُ وَقت إِجَابَة الدعْوَة. وَفِيه: جَوَاز دُخُول الْيَهُودِيَّة عِنْد المسلمات. وَفِي حَدِيث أَحْمد، جَوَاز اسْتِخْدَام أهل الذِّمَّة.

٣٧٣١ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حدَّثنا ابنُ وَهَبٍ قَالَ أَخْبرنِي يُونُسُ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبرنِي عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ أنَّهُ سَمِعَ أسْمَاءَ بِنْتَ أبِي بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا تَقُولُ قامَ رَسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خَطِيبا فَذَكَرَ فِتْنَةَ القَبْرِ الَّتِي يَفْتَتِنُ فِيهَا المَرْءُ فَلَمَّا ذَكَرَ ذالِكَ ضَجَّ المُسْلِمُونَ ضَجَّةً زَادَ غُنْدَرٌ عَذَابُ القَبْرِ..

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فتْنَة الْقَبْر أَعم من المساءلة وَغَيرهَا من الْعَذَاب، بل عين المساءلة عَذَاب فِي حق الْكفَّار، وَلِهَذَا أخرج النَّسَائِيّ أَيْضا هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب التَّعَوُّذ من عَذَاب الْقَبْر، قَالَ: أخبرنَا سُلَيْمَان بن دَاوُد عَن ابْن وهب، قَالَ: أَخْبرنِي يُونُس، قَالَ ابْن شهَاب: أَخْبرنِي عُرْوَة بن الزبير أَنه سمع أَسمَاء بنت أبي بكر تَقول: (قَامَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَذكر فتْنَة الْقَبْر الَّتِي يفتتن الْمَرْء فِيهَا فِي قَبره، فَلَمَّا ذكر ذَلِك ضج الْمُسلمُونَ ضجة حَالَتْ بيني وَبَين أَن أفهم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَلَمَّا سكتت ضجتهم قلت لرجل قريب عني: أَي بَارك الله فِيك، مَاذَا قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي آخر قَوْله؟ قَالَ: قد أُوحِي إِلَيّ إِنَّكُم تفتنون فِي الْقُبُور قَرِيبا من فتْنَة الدَّجَّال) . وَأخرجه البُخَارِيّ كَمَا ترَاهُ مُخْتَصرا عَن يحيى بن سُلَيْمَان أبي سعيد الْجعْفِيّ الْكُوفِي نزيل مصر عَن عبد الله بن وهب الْمصْرِيّ عَن يُونُس بن يزِيد الْأَيْلِي عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ الْمدنِي عَن عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام إِلَى آخِره.

قَوْله: (خَطِيبًا) ، نصب على الْحَال. قَوْله: (الَّتِي تفتتن) صفة للفتنة، يَعْنِي ذكر الْفِتْنَة بتفاصيلها كَمَا يجْرِي على الْمَرْء فِي قَبره، وَمن ثمَّة ضج الْمُسلمُونَ وصاحوا وجزعوا، والتنوين فِي ضجة، للتعظيم. قَوْله: (زَاد غنْدر: عَذَاب الْقَبْر) ، غنْدر، بِضَم الْغَيْن: وَهُوَ مُحَمَّد بن جَعْفَر، وَقد مر غير مرّة. قيل: وَقع: زَاد غنْدر، فِي بعض النّسخ عقيب حَدِيث أَسمَاء وَهُوَ غلط. قلت: دَعْوَى الْغَلَط بِلَا دَلِيل غلط، فَإِن كَانَ دَلِيله أَن غندرا إِنَّمَا رَوَاهُ عَن شُعْبَة، وَحَدِيث أَسمَاء لَيْسَ فِيهِ عَن شُعْبَة، فَنَقُول: هَذَا لَيْسَ بِشَيْء لِأَن رِوَايَة غنْدر عَن شُعْبَة لَا تَسْتَلْزِم نفي رِوَايَته عَن غَيره فِي حَدِيث أَسمَاء، فَافْهَم.

٤٧٣١ - حدَّثنا عَيَّاشُ بنُ الوَلِيدِ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الأعْلَى قَالَ حَدثنَا سَعِيدٌ عنْ قَتَادَةَ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّهُ حدَّثَهُمْ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: إنَّ العَبْدَ إذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وتَوَلَّى عَنْهُ أصْحَابُهُ وَإنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ أتَاهُ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ فَيَقُولانِ مَا كُنْتُ تَقُولُ فِي هاذا الرَّجُلَ لِمُحَمَّدٍ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فأمَّا المؤْمِنُ فَيَقُولُ أشْهَدُ أنَّهُ عَبْدُ الله ورَسُولُهُ فَيُقَالُ لَهُ انْظُرْ إلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ قَدْ أبْدَلَكَ الله بِهِ مَقْعَدا مِنَ الجنَّةِ فَيَراهُمَا جَمِيعا. قَالَ قَتَادَةُ وذُكِرَ لَنَا أنَّهُ يُفْسَحُ فِي قَبْرِهِ ثُمَّ رَجَعَ إلَى حَدِيثِ أنَسٍ قَالَ وَأمَّا المُنَافِقُ وَالكَافِرُ فَيُقَالُ لَهُ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هاذا الرَّجُلِ فَيَقُولُ لَا أدْرِي كُنْتُ أقُولُ مَا يَقُولُهُ النَّاسُ فَيُقَالُ لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ وَيُضْرَبُ بِمَطَارِقَ مِنْ حدِيدٍ ضَرْبَةً فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ.

(أنظر الحَدِيث ٨٣٣١) .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَيضْرب بمطارق من حَدِيد) ، إِلَى آخِره، وَقد مضى الحَدِيث فِي: بَاب الْمَيِّت يسمع خَفق النِّعَال، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ بِهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه: عَن عَيَّاش عَن عبد الْأَعْلَى عَن سعيد عَن قَتَادَة. . إِلَى آخِره، وَأخرجه هُنَا أَيْضا عَن عَيَّاش، بتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالشين الْمُعْجَمَة، عَن عبد الْأَعْلَى كَذَلِك عَن سعيد بن أبي عرُوبَة كَذَلِك إِلَى آخِره، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى.

ذكر مَعْنَاهُ: نذْكر هُنَا مَا لم نذكرهُ هُنَاكَ لزِيَادَة فَائِدَة. قَوْله: (ليسمع قرع نعَالهمْ) زَاد مُسلم: (إِذا انصرفوا) ، قَوْله: (فَيُقْعِدَانِهِ) ، زَاد فِي حَدِيث الْبَراء: (فتعاد روحه فِي جسده) . قَوْله: (لمُحَمد) بَيَان من الرَّاوِي أَي: لأجل مُحَمَّد، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: (مَا كنت تَقول فِي هَذَا الرجل؟) وَفِي رِوَايَة أَحْمد من حَدِيث عَائِشَة: (مَا هَذَا الرجل الَّذِي كَانَ فِيكُم؟) قَوْله: (أنظر إِلَى مَقْعَدك من النَّار) ، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: (فَيُقَال لَهُ: هَذَا بَيْتك كَانَ فِي النَّار، وَلَكِن الله عز وَجل عصمك ورحمك فأبدلك بِهِ بَيْتا فِي الْجنَّة، فَيَقُول لَهُم: دَعونِي حَتَّى أذهب فأبشر أَهلِي فَيُقَال لَهُ: أسكت) . وَفِي حَدِيث أبي سعيد عَن أَحْمد: (كَانَ هَذَا مَنْزِلك لَو كفرت بِرَبِّك) . وَفِي رِوَايَة ابْن مَاجَه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بِإِسْنَاد صَحِيح: (فَيُقَال لَهُ: هَل رَأَيْت الله؟ فَيَقُول: مَا يَنْبَغِي لأحد أَن يرى الله، فيفرج الله لَهُ فُرْجَة قبل النَّار فَينْظر إِلَيْهَا فيحطم بَعْضهَا بَعْضًا. فَيُقَال لَهُ: أنظر إِلَى مَا وقاك الله) . قَوْله: (وَذكر لنا) ، بِلَفْظ الْمَجْهُول، قَوْله: (يفسح لَهُ فِي قَبره) كلمة فِي، زَائِدَة، إِذْ الأَصْل: يفسح لَهُ فِي قَبره، وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق شَيبَان عَن قَتَادَة: (سَبْعُونَ ذِرَاعا، ويملأ خضرًا إِلَى يَوْم يبعثُون) ، وَفِي رِوَايَة ابْن حبَان: (سبعين ذِرَاعا فِي سبعين ذِرَاعا) ، وَله من وَجه آخر: عَن أبي هُرَيْرَة: (ويرحب لَهُ فِي قَبره سَبْعُونَ ذِرَاعا وينور لَهُ كَالْقَمَرِ لَيْلَة الْبَدْر) . وَفِي حَدِيث طَوِيل للبراء: (فينادي منادٍ من السَّمَاء أَن: صدق عَبدِي فافرشوه من الْجنَّة، وافتحوا لَهُ بَابا فِي الْجنَّة، والبسوه من الْجنَّة. قَالَ: فيأتيه من رِيحهَا وطيبها، ويفسح لَهُ مد بَصَره) . وَزَاد ابْن حبَان من وَجه آخر عَن أبي هُرَيْرَة: (فَيَزْدَاد غِبْطَة وسرورا فيعاد الْجلد إِلَى مَا بدا مِنْهُ، وَيجْعَل روحه فِي نسم طَائِر يعلق فِي شجر الْجنَّة) . قَوْله: (وَأما الْمُنَافِق وَالْكَافِر) ، كَذَا بواو الْعَطف فِي هَذِه الطَّرِيق، وَتقدم فِي: بَاب الْمَيِّت يسمع خَفق النِّعَال: وَأما الْكَافِر أَو الْمُنَافِق بِالشَّكِّ، وَفِي حَدِيث أبي دَاوُد: (وَأَن الْكَافِر إِذا وضع) ، وَعند أَحْمد فِي حَدِيث أبي سعيد: (وَإِن كَانَ كَافِرًا أَو منافقا) بِالشَّكِّ، وَله فِي حَدِيث أَسمَاء: (فَإِن كَانَ فَاجِرًا أَو كَافِرًا) . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيثهَا: (وَأما الْمُنَافِق أَو المرتاب) ، وَفِي رِوَايَة عبد الرَّزَّاق عَن جَابر، وَعند التِّرْمِذِيّ عَن أبي هُرَيْرَة: (وَأما الْمُنَافِق) ، وَفِي حَدِيث عَائِشَة عِنْد أَحْمد وَأبي هُرَيْرَة عِنْد ابْن مَاجَه: (وَأما الرجل السوء) ، وللطبراني من حَدِيث أبي هُرَيْرَة (وَإِن كَانَ من أهل الشَّك) . قَوْله: (كنت أَقُول مَا يَقُول النَّاس) ، وَفِي حَدِيث أَسمَاء: (سَمِعت النَّاس يَقُولُونَ شَيْئا فقلته) ، وَكَذَا فِي أَكثر الْأَحَادِيث. قَوْله: (وَلَا تليت) أَي: وَلَا تَلَوت، أَي: لَا فهمت وَلَا قَرَأت الْقُرْآن، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مستقصىً. قَوْله: (بمطارق حَدِيد) جمع مطرقة، وَكَذَا فِي: بَاب خَفق النِّعَال، بِالْإِفْرَادِ. والمطارق: مُضَاف إِلَى حَدِيد مثل: خَاتم فضَّة، ويروى: (بمطارق من حَدِيد) ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَجه الْجمع للإيذان بِأَن كل جُزْء من أَجزَاء تِلْكَ المطرقة مطرقة برأسها مُبَالغَة. قَوْله: (يسْمعهَا من يَلِيهِ) قَالَ الْمُهلب: المُرَاد الْمَلَائِكَة الَّذين يلون فتنته. قلت: لَا وَجه لتخصيصه بِالْمَلَائِكَةِ، فقد ثَبت أَن الْبَهَائِم تسمعه، وَفِي حَدِيث الْبَراء: (يسْمعهَا من بَين الْمشرق وَالْمغْرب) ، وَفِي حَدِيث أبي سعيد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عِنْد أَحْمد، رَحمَه الله تَعَالَى (يسمعهُ خلق الله كلهم غير الثقلَيْن) ، وَيدخل فِي هَذَا، وَفِي حَدِيث الْبَراء، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: الْحَيَوَان والجماد، لَكِن يُمكن أَن يخص مِنْهُ الجماد لما فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عِنْد الْبَزَّار، رَحمَه الله تَعَالَى: (يسمعهُ كل دَابَّة إلَاّ الثقلَيْن) .

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: إِثْبَات عَذَاب الْقَبْر، وَأَنه وَاقع على الْكفَّار وَمن شَاءَ الله من الْمُؤمنِينَ. فَإِن قلت: المساءلة عَامَّة على جَمِيع الْأُمَم أم على أمة مُحَمَّد، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ فَذهب الْحَكِيم التِّرْمِذِيّ إِلَى أَنَّهَا تخْتَص بِهَذِهِ الْأمة، وَقَالَ: كَانَت الْأُمَم قبل هَذِه الْأمة تأتيهم الرُّسُل، فَإِن أطاعوا فَذَاك، وَإِن أَبَوا اعتزلوهم وعوجلوا بِالْعَذَابِ، فَلَمَّا أرسل الله مُحَمَّدًا، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، رَحْمَة للْعَالمين أمسك عَنْهُم الْعَذَاب، وَقبل الْإِسْلَام مِمَّن أظهره سَوَاء أسر الْكفْر أَو لَا، فَلَمَّا مَاتُوا قيض الله لَهُم فتاني الْقَبْر ليستخرج سرهم بالسؤال، وليميز الله الْخَبيث من الطّيب، وَيثبت الَّذين آمنُوا ويضل الظَّالِمين. انْتهى. وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث زيد بن ثَابت، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مَرْفُوعا: (إِن هَذِه الْأمة تبتلى فِي قبورها) الحَدِيث أخرجه مُسلم وَيُؤَيِّدهُ أَيْضا قَول الْملكَيْنِ: مَا تَقول فِي هَذَا الرجل مُحَمَّد؟ وَحَدِيث عَائِشَة أَيْضا عِنْد أَحْمد بِلَفْظ: وَأما فتْنَة الْقَبْر فِي يفتنون وعني يسْأَلُون) وَذهب ابْن الْقيم إِلَى عُمُوم المساءلة، وَقَالَ: لَيْسَ فِي الْأَحَادِيث مَا يَنْفِي المساءلة عَمَّن تقدم من الْأُمَم، وَإِنَّمَا أخبر

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْجَنَّةُ، وَهَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ.

[الحديث ١٣٦٧ - طرفه في: ٣٦٤٢]

١٣٦٨ - حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الْفُرَاتِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ - وَقَدْ وَقَعَ بِهَا مَرَضٌ - فَجَلَسْتُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، فَمَرَّتْ بِهِمْ جَنَازَةٌ فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا، فَقَالَ عُمَرُ : وَجَبَتْ، ثُمَّ مُرَّ بِأُخْرَى فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا، فَقَالَ عُمَرُ : وَجَبَتْ، ثُمَّ مُرَّ بِالثَّالِثَةِ فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا شَرًّا، فَقَالَ: وَجَبَتْ، فَقَالَ أَبُو الْأَسْوَدِ: فَقُلْتُ: وَمَا وَجَبَتْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: قُلْتُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ : أَيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ، فَقُلْنَا: وَثَلَاثَةٌ؟ قَالَ: وَثَلَاثَةٌ، فَقُلْنَا: وَاثْنَانِ؟ قَالَ: وَاثْنَانِ، ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنْ الْوَاحِدِ.

[الحديث ١٣٦٨ - طرفه في: ٢٦٤٣]

قَوْلُهُ: (بَابُ ثَنَاءِ النَّاسِ عَلَى الْمَيِّتِ) أَيْ: مَشْرُوعِيَّتُهُ وَجَوَازُهُ مُطْلَقًا، بِخِلَافِ الْحَيِّ؛ فَإِنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ إِذَا أَفْضَى إِلَى الْإِطْرَاءِ خَشْيَةً عَلَيْهِ مِنَ الزَّهْوِ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ.

قَوْلُهُ: (مُرَّ) بِضَمِّ الْمِيمِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ.

قَوْلُهُ: (فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا) فِي رِوَايَةِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِيهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ: كُنْتُ قَاعِدًا عِنْدَ النَّبِيِّ ، فَمُرَّ بِجِنَازَةٍ، فَقَالَ: مَا هَذِهِ الْجِنَازَةُ؟ قَالُوا: جِنَازَةُ فُلَانٍ الْفُلَانِيِّ، كَانَ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيَعْمَلُ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَيَسْعَى فِيهَا. وَقَالَ ضِدَّ ذَلِكَ فِي الَّتِي أَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا. فَفِيهِ تَفْسِيرُ مَا أُبْهِمَ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَلِلْحَاكِمِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ: فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَنِعْمَ الْمَرْءُ، لَقَدْ كَانَ عَفِيفًا مُسْلِمًا. وَفِيهِ أَيْضًا: فَقَالَ بَعْضُهُمْ: بِئْسَ الْمَرْءُ كَانَ، إِنْ كَانَ لَفَظًّا غَلِيظًا.

قَوْلُهُ: (وَجَبَتْ) فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ عِنْدَ مُسْلِمٍ: وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ. ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. وَكَذَا فِي رِوَايَةِ النَّضْرِ الْمَذْكُورَةِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَالتَّكْرَارُ فِيهِ لِتَأْكِيدِ الْكَلَامِ الْمُبْهَمِ، لِيُحْفَظَ وَيَكُونَ أَبْلَغَ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ عُمَرُ) زَادَ مُسْلِمٌ: فِدَاءً لَكَ أَبِي وَأُمِّي. وَفِيهِ جَوَازُ قَوْلِ مِثْلِ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (قَالَ: هَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا فَوَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ) فِيهِ بَيَانٌ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: وَجَبَتْ؛ أَيِ: الْجَنَّةُ لِذِي الْخَيْرِ، وَالنَّارُ لِذِي الشَّرِّ، وَالْمُرَادُ بِالْوُجُوبِ الثُّبُوتُ إِذْ هُوَ فِي صِحَّةِ الْوُقُوعِ كَالشَّيْءِ الْوَاجِبِ، وَالْأَصْلُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى اللَّهِ شَيْءٌ، بَلِ الثَّوَابُ فَضْلُهُ، وَالْعِقَابُ عَدْلُهُ، لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ. وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: مَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ. وَنَحْوُهُ لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ مَرْزُوقٍ، عَنْ شُعْبَةَ، وَهُوَ أَبْيَنُ فِي الْعُمُومِ مِنْ رِوَايَةِ آدَمَ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِالْمَيِّتَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ لِغَيْبٍ أَطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا هُوَ خَبَرٌ عَنْ حُكْمٍ أَعْلَمَهُ اللَّهُ بِهِ.

قَوْلُهُ: (أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ) أَيِ: الْمُخَاطَبُونَ بِذَلِكَ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ كَانَ عَلَى صِفَتِهِمْ مِنَ الْإِيمَانِ. وَحَكَى ابْنُ التِّينِ أَنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالصَّحَابَةِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَنْطِقُونَ بِالْحِكْمَةِ بِخِلَافِ مَنْ بَعْدَهُمْ. قَالَ: وَالصَّوَابُ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالثِّقَاتِ وَالْمُتَّقِينَ. انْتَهَى. وَسَيَأْتِي فِي الشَّهَادَاتِ بِلَفْظِ: الْمُؤْمِنُونَ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ. وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي نَحْوِ هَذِهِ الْقِصَّةِ: إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لَشَهِيدٌ. وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَسْطٍ فِيهِ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الَّذِي أَثْنَوْا عَلَيْهِ شَرًّا كَانَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ. قُلْتُ: يُرْشِدُ إِلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ عَلَى الَّذِي أَثْنَوْا عَلَيْهِ شَرًّا، وَصَلَّى عَلَى الْآخَرِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَفَّانُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ. وَذَكَرَ أَصْحَابُ

الْأَطْرَافِ أَنَّهُ أَخْرَجَهُ قَائِلًا فِيهِ: قَالَ عَفَّانُ. وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْبَيْهَقِيُّ. وَقَدْ وَصَلَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ عَفَّانَ بِهِ، وَمِنْ طَرِيقِهِ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَأَبُو نُعَيْمٍ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الْفُرَاتِ) هُوَ بِلَفْظِ النَّهْرِ الْمَشْهُورِ، وَاسْمُهُ عَمْرٌو، وَهُوَ كِنْدِيٌّ مِنْ أَهْلِ مَرْوَ. وَلَهُمْ شَيْخٌ آخَرُ يُقَالُ لَهُ: دَاوُدُ بْنُ أَبِي الْفُرَاتِ، اسْمُ أَبِيهِ بَكْرٌ، وَأَبُو الْفُرَاتِ اسْمُ جَدِّهِ، وَهُوَ أَشْجَعِيٌّ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، أَقْدَمُ مِنَ الْكِنْدِيِّ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ) هُوَ الدِّيلِيُّ التَّابِعِيُّ الْكَبِيرُ الْمَشْهُورُ، وَلَمْ أَرَهُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْهُ إِلَّا مُعَنْعَنًا. وَقَدْ حَكَى الدَّارَقُطْنِيُّ فِي كِتَابِ التَّتَبُّعِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، أَنَّ ابْنَ بُرَيْدَةَ إِنَّمَا يَرْوِي عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، وَلَمْ يَقُلْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ سَمِعْتُ أَبَا الْأَسْوَدِ. قُلْتُ: وَابْنُ بُرَيْدَةَ وُلِدَ فِي عَهْدِ عُمَرَ، فَقَدْ أَدْرَكَ أَبَا الْأَسْوَدِ بِلَا رَيْبٍ، لَكِنَّ الْبُخَارِيَّ لَا يَكْتَفِي بِالْمُعَاصَرَةِ (١). فَلَعَلَّهُ أَخْرَجَهُ شَاهِدًا، وَاكْتَفَى لِلْأَصْلِ بِحَدِيثِ أَنَسٍ الَّذِي قَبْلَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ وَقَدْ وَقَعَ بِهَا مَرَضٌ) زَادَ الْمُصَنِّفُ فِي الشَّهَادَاتِ عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ دَاوُدَ: وَهُمْ يَمُوتُونَ مَوْتًا ذَرِيعًا. وَهُوَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ؛ أَيْ: سَرِيعًا.

قَوْلُهُ: (فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا) كَذَا فِي جَمِيعِ الْأُصُولِ خَيْرًا بِالنَّصْبِ، وَكَذَا شَرًّا وَقَدْ غَلِطَ مَنْ ضَبَطَ أَثْنَى بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ؛ فَإِنَّهُ فِي جَمِيعِ الْأُصُولِ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَالصَّوَابُ الرَّفْعُ وَفِي نَصْبِهِ بُعْدٌ فِي اللِّسَانِ. وَوَجَّهَهُ غَيْرُهُ بِأَنَّ الْجَارَّ وَالْمَجْرُورَ أُقِيمَ مَقَامَ الْمَفْعُولِ الْأَوَّلِ وَ (خَيْرًا) مَقَامَ الثَّانِي، وَهُوَ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ الْمَشْهُورُ عَكْسَهُ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ مَنْصُوبٌ بِنَزْعِ الْخَافِضِ، أَيْ: أُثْنِيَ عَلَيْهَا بِخَيْرٍ. وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ: خَيْرًا صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، فَأُقِيمَتْ مَقَامَهُ فَنُصِبَتْ، لِأَنَّ أُثْنِيَ مُسْنَدٌ إِلَى الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ. قَالَ: وَالتَّفَاوُتُ بَيْنَ الْإِسْنَادِ إِلَى الْمَصْدَرِ وَالْإِسْنَادِ إِلَى الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ قَلِيلٌ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ أَبُو الْأَسْوَدِ) هُوَ الرَّاوِي، وَهُوَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ.

قَوْلُهُ: (فَقُلْتُ: وَمَا وَجَبَتْ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى شَيْءٍ مُقَدَّرٍ، أَيْ: قُلْتُ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ، وَمَا مَعْنَى قَوْلِكَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا وَجَبَتْ مَعَ اخْتِلَافِ الثَّنَاءِ بِالْخَيْرِ وَالشَّرِّ.

قَوْلُهُ: (قُلْتُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ : أَيُّمَا مُسْلِمٍ، إِلَخْ) الظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ: أَيُّمَا مُسْلِمٍ هُوَ الْمَقُولُ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ قَوْلُ عُمَرَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا: وَجَبَتْ قَالَهُ بِنَاءً عَلَى اعْتِقَادِهِ صِدْقَ الْوَعْدِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ قَوْلِهِ : أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ. وَأَمَّا اقْتِصَارُ عُمَرَ عَلَى ذِكْرِ أَحَدِ الشِّقَّيْنِ، فَهُوَ إِمَّا لِلِاخْتِصَارِ، وَإِمَّا لِإِحَالَتِهِ السَّامِعَ عَلَى الْقِيَاسِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَعُرِفَ مِنَ الْقِصَّةِ أَنَّ الْمُثْنِيَ عَلَى كُلٍّ مِنَ الْجَنَائِزِ الْمَذْكُورَةِ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ، وَكَذَا فِي قَوْلِ عُمَرَ: قُلْنَا: وَمَا وَجَبَتْ؟ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ السَّائِلَ عَنْ ذَلِكَ هُوَ وَغَيْرُهُ. وَقَدْ وَقَعَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ فِي الْبَقَرَةِ عِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ مِمَّنْ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (فَقُلْنَا: وَثَلَاثَةٌ؟) فِيهِ اعْتِبَارُ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ؛ لِأَنَّهُ سَأَلَ عَنِ الثَّلَاثَةِ، وَلَمْ يَسْأَلْ عَمَّا فَوْقَ الْأَرْبَعَةِ كَالْخَمْسَةِ مَثَلًا، وَفِيهِ أَنَّ مَفْهُومَ الْعَدَدِ لَيْسَ دَلِيلًا قَطْعِيًّا، بَلْ هُوَ فِي مَقَامِ الِاحْتِمَالِ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنِ الْوَاحِدِ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: إِنَّمَا لَمْ يَسْأَلْ عُمَرُ عَنِ الْوَاحِدِ اسْتِبْعَادًا مِنْهُ أَنْ يُكْتَفَى فِي مِثْلِ هَذَا الْمَقَامِ الْعَظِيمِ بِأَقَلَّ مِنَ النِّصَابِ، وَقَالَ أَخُوهُ فِي الْحَاشِيَةِ: فِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى الِاكْتِفَاءِ بِالتَّزْكِيَةِ بِوَاحِدٍ. كَذَا قَالَ، وَفِيهِ غُمُوضٌ. وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهِ الْمُصَنِّفُ عَلَى أَنَّ أَقَلَّ مَا يُكْتَفَى بِهِ فِي الشَّهَادَةِ اثْنَانِ، كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ الدَّاوُدِيُّ: الْمُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ شَهَادَةُ أَهْلِ الْفَضْلِ وَالصِّدْقِ، لَا الْفَسَقَةُ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ يُثْنُونَ عَلَى مَنْ يَكُونُ مِثْلَهُمْ، وَلَا مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَيِّتِ عَدَاوَةٌ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٣٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ) بكسر اللَّام المخفَّفة، زاد أبو ذَرٍّ: «هو الصَّفَّار» قال: (حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الفُرَاتِ) بلفظ النَّهر، واسمه: عمرو، الكنديُّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ) بضمِّ الموحَّدة وفتح الرَّاء، آخره هاء تأنيثٍ (عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ) ظالم بن عمرو بن سفيان الدِّيْليِّ، بكسر الدَّال المهملة وسكون التَّحتيَّة، ويقال: الدُّؤليُّ -بضمِّ الدَّال بعدها همزةٌ مفتوحةٌ- وهو أوَّل من تكلَّم في النَّحو (١) بعد عليِّ بن أبي طالبٍ، قال الحافظ ابن حجرٍ: ولم أره من رواية عبد الله بن بُرَيدة عنه إلَّا معنعنًا، وقد حكى الدَّارقُطنيُّ في «كتاب التَّتبع» عن عليِّ بن المدينيِّ: أنَّ ابن بُريدة إنَّما يروي عن يحيى بن يعمرٍ (٢) عن أبي الأسود، ولم يقل في هذا الحديث: سمعت أبا الأسود، قال الحافظ ابن حجرٍ: وابن بُريدة وُلِدَ في عهد عمر، فقد أدرك أبا الأسود بلا ريبٍ، لكنَّ البخاريَّ لا يكتفي بالمعاصرة، فلعلَّه أخرجه شاهدًا أو اكتفى للأصل، بحديث أنسٍ السَّابق [خ¦١٣٦٧] (قَالَ) أي: أبو الأسود: (قَدِمْتُ المَدِينَةَ) النَّبويَّة (وَقَدْ وَقَعَ بِهَا مَرَضٌ) جملةٌ حاليَّةٌ، زاد في «الشَّهادات» [خ¦٢٦٤٣]: وهم يموتون موتًا ذريعًا، وهو بالذَّال المعجمة، أي: سريعًا (فَجَلَسْتُ إِلَى) أي: عند (عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ، فَمَرَّتْ بِهِمْ جَنَازَةٌ، فَأُثْنِيَ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول (عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا) كذا في جميع الأصول بالنَّصب، ووجَّهه ابن بطَّالٍ بأنَّه أقام الجارَّ والمجرور وهو قوله: «على صاحبها» مقام

المفعول الأوَّل، و «خيرًا» مقام الثَّاني (١)، وإن كان الاختيار عكسه، وقال النَّوويُّ: منصوبٌ بنزعِ الخافضِ، أي: أثنى عليها بخيرٍ، وقال في «مصابيح الجامع»: «على صاحبها» نائبٌ عن الفاعل، و «خيرًا» مفعولٌ لمحذوفٍ، فقال المثنون خيرًا (فَقَالَ عُمَرُ : وَجَبَتْ ثُمَّ مُرَّ) بضمِّ الميم (بِأُخْرَى (٢)، فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا) فقال المثنون (خَيْرًا، فَقَالَ عُمَرُ : وَجَبَتْ ثُمَّ مُرَّ) بضمِّ الميم (بِالثَّالِثَةِ، فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا) فقال المثنون: (شَرًّا، فَقَالَ) عمر : (وَجَبَتْ، فَقَالَ أَبُو الأَسْوَدِ) المذكور بالإسناد السَّابق (فَقُلْتُ: وَمَا) معنى قولك لكل منهما (وَجَبَتْ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ؟) مع اختلاف الثَّناء بالخير والشَّرِّ (قَالَ) عمر: (قُلْتُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ) هو المقول، وحينئذٍ فيكون قول عمر لكلٍّ منهما «وجبت» (٣)، قاله بناءً على اعتقاده صدق الوعد المستفاد من قوله : «أدخله الله الجنَّة» (أَيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ) من المسلمين (بِخَيْرٍ أَدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ، فَقُلْنَا) أي: عمر وغيره: (وَثَلَاثَةٌ؟ قَالَ) : (وَثَلَاثَةٌ، فَقُلْنَا: وَاثْنَانِ؟ قَالَ) : (وَاثْنَانِ، ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنِ الوَاحِدِ) استبعادًا أن يكتفي في مثل هذا المقام العظيم بأقلَّ من النِّصاب، واقتصر على الشِّقِّ الأوَّل اختصارًا، أو لإحالة السَّامع على القياس، وفي حديث حمَّاد بن سلمة، عن ثابت بن (٤) أنسٍ عند أحمد وابن حِبَّان والحاكم مرفوعًا: «ما من مسلمٍ يموت فيشهد له أربعةٌ من جيرانه الأدنين أنَّهم لا يعلمون منه إلَّا خيرًا إلَّا قال الله تعالى: قد قبلتُ قولكم، وغفرت له ما لا تعلمون» وهذا يؤيِّد قول النَّوويِّ

السَّابق: إنَّ من مات فألهم الله النَّاس الثَّناء عليه بخيرٍ، كان دليلًا على أنَّه من أهل الجنَّة، سواءٌ كانت أفعاله تقتضي ذلك أم لا، وهذا في جانب الخير واضحٌ، وأمَّا في (١) جانب الشَّرِّ فظاهر الأحاديث أنَّه كذلك، لكن إنَّما يقع ذلك في حقِّ من غلب شرُّه على خيره، وقد وقع في رواية النَّضر عند الحاكم: «إنَّ لله تعالى ملائكةً تنطق على ألسنة بني آدم بما في المؤمن من الخير و (٢) الشَّرِّ»، وهل يختصُّ الثَّناء الَّذي ينفع الميِّت بالرِّجال، أو يشمل النِّساء أيضًا؟ وإذا قلنا: إنَّهنَّ يدخلن فهل يكتفى بامرأتين، أو لا بد من رجل وامرأتين؟ محلُّ نظرٍ، وقد يقال: لا يدخلن؛ لقصَّة (٣) أمِّ العلاء الأنصاريَّة لمَّا أثنت على عثمان بن مظعون بقولها: فشهادتي عليك لقد أكرمك الله تعالى، فقال لها النَّبيُّ : «وما يدريك أنَّ الله أكرمه؟» [خ¦٢٦٨٧] فلم يكتفِ بشهادتها، لكن (٤) يجاب بأنَّه إنَّما أنكر عليها القطع بأنَّ الله أكرمه، وذلك مغيَّبٌ عنها، بخلاف الشَّهادة للميِّت بأفعاله الحسنة الَّتي يتلبَّس بها في الحياة الدُّنيا.

ورواة هذا الحديث كلُّهم بصريُّون، لكنَّ داود مروزيٌّ (٥) تحوَّل إلى البصرة، وهو من أفراد المؤلِّف.

وفيه رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ، والتَّحديث، والعنعنة، والقول، وأخرجه أيضًا في «الشَّهادات» [خ¦٢٦٤٣]، والتِّرمذيُّ في «الجنائز» وكذا النَّسائيُّ، والله أعلم (٦).

(٨٦) (باب مَا جَاءَ فِي عَذَابِ القَبْرِ) قد تظاهرت الدَّلائل من الكتاب والسُّنَّة على ثبوته، وأجمع

عليه أهل السُّنَّة، ولا مانع في العقل أن يعيد الله الحياة في جزءٍ من الجسد، أو في جميعه على الخلاف المعروف، فيثيبه ويعذِّبه، وإذا لم يمنعه العقل، وورد به الشَّرع (١) وجب قبوله واعتقاده، ولا يمنع من ذلك كون الميِّت قد تفرَّقت أجزاؤه كما يشاهد في العادة، أو أكلته السِّباع والطُّيور وحيتان البحر، كما أن الله يعيده للحشر، وهو قادرٌ على ذلك، فلا يستبعد تعلُّق روح الشَّخص الواحد في آنٍ واحدٍ بكلِّ واحدٍ من أجزائه المتفرِّقة في المشارق والمغارب، فإنَّ تعلُّقه ليس على سبيل الحلول حتَّى يمنعه الحلول في جزءٍ من الحلول في غيره (٢)، قال في «مصابيح الجامع»: وقد كثرت الأحاديث في عذاب القبر، حتَّى قال غير ما (٣) واحد (٤): إنَّها متواترةٌ، ولا يصحُّ عليها التَّواطؤ، وإن لم يصحَّ مثلها لم يصحَّ شيءٌ من أمر (٥) الدِّين، قال أبو عثمان الحدَّاد: وليس في قوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦] ما يعارض ما ثبت من عذاب القبر؛ لأنَّ الله تعالى أخبر بحياة الشُّهداء قبل يوم القيامة، وليست مرادة بقوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦] فكذا حياة المقبور (٦) قبل الحشر، قال ابن المُنيِّر: وأشكل ما في القضيَّة: أنَّه إذا ثبت حياتهم لزم أن يثبت موتهم بعد هذه الحياة؛ ليجتمع (٧) الخلق كلُّهم في الموت عند قوله تعالى: ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾؟ [غافر: ١٦] ويلزم تعدُّد الموت، وقد قال الله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى (٨)﴾ الآية (٩) [الدخان: ٥٦]

والجواب الواضح عندي: أنَّ معنى قوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ﴾ [الدخان: ٥٦] أي: أَلَم الموت، فيكون الموت الَّذي يعقب الحياة الأخرويَّة بعد الموت الأوَّل لا يُذاق ألمه ألبتَّة، ويجوز ذلك في حكم التَّقدير بلا إشكالٍ، وما وضعت العرب اسم الموت إلَّا للمؤلِم على ما فهموه، لا باعتبار كونه ضدَّ الحياة، فعلى هذا يخلق الله لتلك الحياة الثَّانية ضدًّا يُعدمها به (١)، لا يسمَّى (٢) ذلك الضِّدُّ موتًا وإن كان للحياة ضدٌّ، جمعًا بين الأدلَّة العقليَّة والنَّقليَّة واللُّغويَّة. انتهى. وقد ادَّعى قومٌ عدم ذكر عذاب القبر في القرآن، وزعموا أنَّه لم يرد ذكره إلَّا من أخبار الآحاد، فذكر المصنِّف (٣) آياتٍ تدلُّ لذلك ردًّا عليهم فقال: (وَقَوْلُِهُِ (٤) تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على «عذاب»، أو بالرَّفع على الاستئناف (﴿إِذِ الظَّالِمُونَ﴾) ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر: «﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ﴾» جوابه محذوفٌ، أي: ولو ترى زمان (٥) غمراتهم لرأيت أمرًا فظيعًا (﴿فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾) شدائده (﴿وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ﴾) لِقبْضِ أرواحهم أو بالعذاب (﴿أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ﴾) أي: يقولون لهم: أخرجوها (٦) إلينا من أجسادكم تغليظًا (٧) وتعنيفًا عليهم، فقد ورد أنَّ أرواح الكفَّار تتفرَّق في أجسادهم، وتأبى الخروج، فتضربهم الملائكة حتَّى تخرج (﴿الْيَوْمَ﴾) يريد وقت الإماتة؛ لما فيه من شدَّة النَّزع (٨)، أو الوقت الممتدَّ من الإماتة إلى ما لا نهاية له الَّذي فيه عذاب البرزخ والقيامة (﴿تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأنعام: ٩٣]) وروى الطَّبريُّ وابن أبي حاتمٍ من طريق عليِّ بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاسٍ: ﴿وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ﴾ قال: هذا عند الموت،

والبَسْط: الضَّرب، يضربون وجوههم وأدبارهم (الهُونُ (١)) (٢) بالضَّمِّ، ولأبي ذَرٍّ: «قال أبو عبد الله» أي: البخاريُّ: «الهون» (هُوَ الهَوَانُ) يريد: العذاب المتضمِّن لشدَّةٍ وإهانةٍ، وأضافه إلى «الهون» لتمكُّنه فيه (وَالهَوْنُ) بالفتح والرَّفع (٣): (الرِّفْقُ، وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ﴾) بالفضيحة في الدُّنيا، وعذاب القبر (٤)، رواه الطَّبريُّ وابن أبي حاتمٍ والطَّبرانيُّ في «الأوسط»، عن ابن عبَّاسٍ بلفظ: خطب رسول الله يوم الجمعة فقال: «اخرج يا فلان؛ فإنَّك منافقٌ … » فذكر الحديث، وفيه (٥): «ففضح الله المنافقين، فهذا العذاب الأوَّل، والعذاب الثَّاني عذاب القبر» أو ضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم عند قبض أرواحهم، ثمَّ عذاب القبر (﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة: ١٠١]) في جهنَّم (وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ﴾) فرعون وقومه، واستغنى بذكرهم عن ذكره؛ للعلم بأنَّه أَولى بذلك (﴿سُوءُ الْعَذَابِ﴾) الغرق في الدُّنيا، ثمَّ النَّقلة منه إلى النَّار (﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾) جملةٌ مستأنفةٌ، أو ﴿النَّارُ﴾ بدلٌ من ﴿سُوءُ الْعَذَابِ﴾ و ﴿يُعْرَضُونَ﴾

حالٌ، وروى ابن مسعودٍ: أنَّ أرواحهم في أجواف طيورٍ (١) سودٍ، تُعرَض على النَّار بكرةً وعشيًّا، فيقال لهم: هذه (٢) داركم، رواه ابن أبي حاتمٍ، قال القرطبيُّ (٣): الجمهور على (٤) أنَّ هذا العرض في البرزخ، وفيه دليلٌ على بقاء النَّفس وعذاب القبر (﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أ﴾) أي: هذا ما دامت الدُّنيا، فإذا قامت السَّاعة؛ قيل لهم: (﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ (٥) أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٥]) عذاب جهنَّم، فإنَّه أشدُّ ممَّا كانوا فيه (٦) أو أشدُّ عذاب جهنَّم، وهذه الآية المكِّيَّة أصلٌ في الاستدلال لعذاب القبر، لكن استُشكِلَت مع الحديث المرويِّ في «مسند الإمام أحمد» بإسنادٍ صحيحٍ على شرط الشَّيخَين: أنَّ يهوديَّةً في المدينة كانت تعيذ عائشة من عذاب القبر، فسألت عنه رسول الله ، فقال: «كذبت (٧) يهود، لا عذاب دون يوم (٨) القيامة» فلمَّا مضى بعض (٩) أيَّامٍ؛ نادى رسول الله محمرَّةً عيناه بأعلى صوته: «أيُّها النَّاس؛ استعيذوا بالله من عذاب القبر؛ فإنَّه حقٌّ»، وأُجِيبَ بأنَّ الآية دلَّت على عذاب الأرواح في البرزخ، وما نفاه (١٠) أوَّلًا ثمَّ أثبته عذاب الجسد فيه، والأَولى أن يُقال: الآية دلَّت على عذاب الكفَّار، وما نفاه ثمَّ أثبته عذابُ القبر للمؤمنين، ففي «صحيح مسلمٍ» من طريق ابن شهابٍ عن عروة عن عائشة : أنَّ يهوديَّةً قالت لها: أشعرتِ أنَّكم تُفتَنون في القبور؟ فلمَّا سمع قولها ارتاع وقال (١١): «إنَّما تُفتن اليهود»، ثمَّ قال بعد ليالٍ: «أشعرتِ أنَّه أُوحِيَ إليَّ أنَّكم تُفتَنون في القبور؟» (١٢)، وفي «التِّرمذيِّ» عن عليٍّ قال: «ما زلنا نشكُّ في عذاب القبر حتَّى نزلت ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ. حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر: ١ - ٢]»، وفي

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

مَا دَامَ حَيا لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا شمت أحد الْمُنَافِقين وَالْيَهُود قَالَ: يهديكم الله وَيصْلح بالكم، وَقد يعْمل الرجل بِعَمَل أهل النَّار وَيخْتم لَهُ بِعَمَل أهل الْجنَّة، وَفِيه: تَصْحِيح القَوْل بِدَلِيل الْخطاب لاستعمال النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَهُ، وَذَلِكَ أَن إخْبَاره تَعَالَى أَنه لَا يغْفر لَهُ وَلَو اسْتغْفر لَهُ سبعين مرّة، يحْتَمل أَنه لَو زَاد عَلَيْهَا كَانَ يغْفر لَهُ، لَكِن لما شهد الله تَعَالَى أَنه كَافِر بقوله تَعَالَى: {ذَلِك بِأَنَّهُم كفرُوا بِاللَّه وبرسوله} (التَّوْبَة: ٠٨) . دلّت هَذِه الْآيَة على تَغْلِيب أحد الِاحْتِمَالَيْنِ، وَهُوَ أَنه لَا يغْفر لَهُ لكفره، فَلذَلِك أمسك صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من الدُّعَاء لَهُ. وَفِي إقدام عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على مُرَاجعَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من الْفِقْه أَن الْوَزير الْفَاضِل الناصح لَا حرج عَلَيْهِ فِي إِن يخبر سُلْطَانه بِمَا عِنْده من الرَّأْي، وَإِن كَانَ مُخَالفا لرأيه، وَكَانَ عَلَيْهِ فِيهِ بعض الخفاء إِذا علم فضل الْوَزير وثقته وَحسن مذْهبه، فَإِنَّهُ لَا يلْزمه اللوم على مَا يُؤَدِّيه إِلَيْهِ اجْتِهَاده، وَلَا يتَوَجَّه إِلَيْهِ سوء الظَّن، وَإِن صَبر السُّلْطَان على ذَلِك من تَمام فَضله، أَلا يرى سُكُوته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن عمر وَتَركه الْإِنْكَار عَلَيْهِ، وَفِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أكبر الأسوة.

٥٨ - (بابُ ثَنَاءِ النَّاسِ علَى المَيِّتِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَشْرُوعِيَّة ثَنَاء النَّاس على الْمَيِّت، وَالثنَاء عَلَيْهِ بِأَن يذكر عَنهُ من أَوْصَاف جميلَة وخصال حميدة.

٧٦٣١ - حدَّثنا آدَمُ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ صُهَيْبٍ قَالَ سَمِعْتُ أنَسَ بنَ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يَقُولُ مَرُّوا بِجَنَازَةٍ فأثْنُوا عَلَيْهَا خَيْرا فَقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَجَبَتْ ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرى فأثْنُوا عَلَيْهَا شَرّا فَقَالَ وَجَبَتْ فقالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ مَا وَجَبَتْ قَالَ هاذا أثْنَيْتُمْ عليهِ خَيْرا فَوَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ وَهاذا أثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرّا فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ أنْتُمْ شُهَدَاءُ الله فِي الأرْضِ.

(الحَدِيث ٧٦٣١ طرفه فِي: ٢٤٦٢) .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَأَثْنوا عَلَيْهَا خيرا) . وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وآدَم هُوَ ابْن إِيَاس.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (مروا بِجنَازَة) ، ويروى: (مر بِجنَازَة) ، بِضَم الْمِيم على صِيغَة الْمَجْهُول: (فَأَثْنوا عَلَيْهَا) أَي: على الْجِنَازَة، وأثنوا من الثَّنَاء: بالثاء الْمُثَلَّثَة بعْدهَا النُّون وبالمد، وَهُوَ يسْتَعْمل فِي الْخَيْر وَلَا يسْتَعْمل فِي الشَّرّ، وَقيل: يسْتَعْمل فيهمَا، وَقيل: اسْتِعْمَال الثَّنَاء فِي الشَّرّ لُغَة شَاذَّة. فَإِن قلت: قد عرفت أَن الثَّنَاء الممدودة لَا يسْتَعْمل إلَاّ فِي الْخَيْر، وَكَيف وَقد اسْتعْمل فِي الشَّرّ فِي كَلَام الفصيح؟ قلت: قد قيل هَذَا على اللُّغَة الشاذة، وَالْأَحْسَن أَن يُقَال: اسْتعْمل هَذَا لأجل المشاكلة والتجانس كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَجَزَاء سَيِّئَة سَيِّئَة مثلهَا} (الشورى: ٠٤) . وَأخرج مُسلم هَذَا الحَدِيث من حَدِيث ابْن علية عَن عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب (عَن أنس بن مَالك، قَالَ: مر بِجنَازَة فَأثْنى عَلَيْهَا خيرا، فَقَالَ نَبِي الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (وَجَبت وَجَبت وَجَبت، وَمر بِجنَازَة فَأثْنى عَلَيْهَا شرا، فَقَالَ نَبِي الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: وَجَبت وَجَبت وَجَبت) الحَدِيث، وَفِي آخِره: (أَنْتُم شُهَدَاء الله فِي الأَرْض، أَنْتُم شُهَدَاء الله فِي الأَرْض، أَنْتُم شُهَدَاء الله فِي الأَرْض. .) وَأخرج الْحَاكِم من حَدِيث النَّضر بن أنس: (كنت قَاعِدا عِنْد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَمر بِجنَازَة فَقَالَ: مَا هَذِه الْجِنَازَة؟ قَالُوا: جَنَازَة فلَان الْفُلَانِيّ، كَانَ يحب الله وَرَسُوله وَيعْمل بِطَاعَة الله وَيسْعَى فِيهَا، فَقَالَ: وَجَبت وَجَبت وَجَبت. وَمر بِجنَازَة أُخْرَى فَقَالَ: مَا هَذِه الْجِنَازَة؟ قَالُوا: جَنَازَة فلَان الْفُلَانِيّ، كَانَ يبغض الله وَرَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَيعْمل بِمَعْصِيَة الله وَيسْعَى فِيهَا، فَقَالَ: وَجَبت وَجَبت وَجَبت. قَالُوا: يَا رَسُول الله، قَوْلك فِي الْجِنَازَة وَالثنَاء عَلَيْهَا أثني على الأول خير، وعَلى الآخر شَرّ، فَقلت فيهمَا وَجَبت وَجَبت وَجَبت، فَقَالَ: نعم يَا أَبَا بكر، إِن لله مَلَائِكَة ينْطق على لِسَان بني آدم بِمَا فِي الْمَرْء من الْخَيْر وَالشَّر) . وَقَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح على شَرط مُسلم وَلم يخرجَاهُ بِهَذَا اللَّفْظ، وَفِي هَذَا الحَدِيث تَفْسِير مَا أبهم من الْخَيْر وَالشَّر فِي حَدِيث الْبَاب، وروى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث كَعْب بن عجْرَة: (أَتَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِجنَازَة فَقيل: هَذَا بئس الرجل، وأثنوا عَلَيْهِ شرا، فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: تعلمُونَ ذَلِك؟ قَالُوا نعم. قَالَ: وَجَبت، وَقَالَ فِي الَّتِي أثنوا عَلَيْهَا خيرا كَذَلِك) . وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي هُرَيْرَة، قَالَ: (مروا

على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِجنَازَة فَأَثْنوا عَلَيْهَا خيرا، فَقَالَ: وَجَبت، ثمَّ مروا بِأُخْرَى فَأَثْنوا عَلَيْهَا شرا، فَقَالَ: وَجَبت، ثمَّ قَالَ: إِن بَعْضكُم على بعض شُهَدَاء) . وروى أَبُو دَاوُد أَيْضا عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (الْمَلَائِكَة، عَلَيْهِم السَّلَام، شُهَدَاء الله فِي السَّمَاء وَأَنْتُم شُهَدَاء الله فِي الأَرْض، إِن بَعْضكُم على بعض شَهِيد) . قَوْله: (وَجَبت) أَي: وَجَبت الْجنَّة فِي الأول، وَوَجَبَت النَّار فِي الثَّانِي، وَالْمرَاد بِالْوُجُوب الثُّبُوت، أَو هُوَ فِي صِحَة الْوُقُوع كالشيء الْوَاجِب، وَحَاصِل الْمَعْنى أَن ثناءهم عَلَيْهِ بِالْخَيرِ يدل على أَن أَفعاله كَانَت خيرا فَوَجَبت لَهُ الْجنَّة، وثناءهم عَلَيْهِ بِالشَّرِّ يدل على أَن أَفعاله كَانَت شرا فَوَجَبت لَهُ النَّار، وَذَلِكَ لِأَن الْمُؤمنِينَ شُهَدَاء بَعضهم على بعض، لما صرح فِي الحَدِيث، والتكرير فِيهِ فِي رِوَايَة مُسلم وَغَيره لتأكيد الْكَلَام وتحقيقه لِئَلَّا يشكوا فِيهِ، وَقَالَ الدَّاودِيّ: معنى هَذَا الحَدِيث عِنْد الْفُقَهَاء إِذا أثنى عَلَيْهِ أهل الْفضل والصدق، لِأَن الفسقة قد يثنون على الفسقة فَلَا يدْخلُونَ فِي معنى هَذَا الحَدِيث، وَالْمرَاد، وَالله أعلم، إِذا كَانَ الثَّنَاء بِالشَّرِّ مِمَّن لَيْسَ لَهُ بعدوٍّ، لِأَنَّهُ قد يكون للرجل الصَّالح الْعَدو، وَإِذا مَاتَ عدوه فَذكر عَن ذَلِك الرجل الصَّالح شرا فَلَا يدْخل الْمَيِّت فِي معنى هَذَا الحَدِيث، لِأَن شَهَادَته كَانَت لَا تجوز عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا، وَإِن كَانَ عدلا للعداوة والبشر غير معصومين. فَإِن قيل: كَيفَ يجوز ذكر شَرّ الْمَوْتَى، مَعَ وُرُود الحَدِيث الصَّحِيح عَن زيد بن أَرقم فِي النَّهْي عَن سبّ الْمَوْتَى وَذكرهمْ إلَاّ بِخَير. وَأجِيب: بِأَن النَّهْي عَن سبّ الْأَمْوَات غير الْمُنَافِق وَالْكَافِر والمجاهر بِالْفِسْقِ أَو بالبدعة، فَإِن هَؤُلَاءِ لَا يحرم، وَذكرهمْ بِالشَّرِّ للحذر من طريقهم، وَمن الِاقْتِدَاء بهم، وَقيل: لَا بُد أَن يكون ثناؤهم مطابقا لأفعاله. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: يحْتَمل أَن يكون النَّهْي عَن سبّ الْمَوْتَى مُتَأَخِّرًا عَن هَذَا الحَدِيث، فَيكون نَاسِخا، وَقيل: حَدِيث أنس الْمَذْكُور يجْرِي مجْرى الْغَيْبَة فِي الْأَحْيَاء، فَإِن كَانَ الرجل أغلب أَحْوَاله الْخَيْر، وَقد يكون مِنْهُ الْغَلَبَة فالإغتياب لَهُ محرم، وَإِن كَانَ فَاسِقًا مُعْلنا فَلَا غيبَة فِيهِ، فَكَذَلِك الْمَيِّت، فَلَيْسَ ذَلِك مِمَّا يُنْهِي عَنهُ من سبّ الْأَمْوَات، وَقَالَ بَعضهم: الثَّنَاء على عُمُومه لكل مُسلم مَاتَ، فَإِذا ألهم الله النَّاس، أَو معظمهم، الثَّنَاء عَلَيْهِ كَانَ ذَلِك دَلِيلا أَنه من أهل الْجنَّة، سَوَاء كَانَت أَفعاله تَقْتَضِي ذَلِك أم لَا، لِأَنَّهُ، وَإِن لم تكن أَفعاله مقتضية فَلَا تتحتم عَلَيْهِ الْعقُوبَة، بل هُوَ فِي الْمَشِيئَة، فَإِذا ألهم الله النَّاس الثَّنَاء عَلَيْهِ استدللنا بذلك أَن الله تَعَالَى قد شَاءَ الْمَغْفِرَة لَهُ، وَبِهَذَا تظهر فَائِدَة الثَّنَاء فِي قَوْله: (وَجَبت) ، وَقيل: هَذَا خَاص بالمثنين الْمَذْكُورين لغيب أطلع الله نبيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَيْهِ، ورد بِأَن كلمة: من، تستدعي الْعُمُوم والتخصيص بِلَا مُخَصص، لَا يجوز. قَوْله: (أَنْتُم شُهَدَاء الله فِي الأَرْض) . الْخطاب للصحابة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَلمن كَانَ على صفتهمْ من الْإِيمَان، وَحكى ابْن التِّين أَن ذَلِك مَخْصُوص بالصحابة لأَنهم كَانُوا ينطقون بالحكمة بِخِلَاف من بعدهمْ، ثمَّ قَالَ: وَالصَّوَاب أَن ذَلِك يخْتَص بالثقات والمتقين. وَقَالَ النَّوَوِيّ: الظَّاهِر أَن الَّذِي أثنوا عَلَيْهِ شرا كَانَ من الْمُنَافِقين. قلت: ويستأنس لما قَالَه بِمَا رَوَاهُ أَحْمد من حَدِيث أبي قَتَادَة بِإِسْنَاد صَحِيح أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يصلِّ على الَّذِي أثنوا عَلَيْهِ شرا، وَصلى على الآخر.

وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: فِيهِ: دلَالَة على جَوَاز ذكر الْمَرْء بِمَا يُعلمهُ إِذا وَقعت الْحَاجة إِلَيْهِ، نَحْو سُؤال القَاضِي الْمُزَكي وَنَحْوه.

٨٦٣١ - حدَّثنا عَفَّانُ بنُ مُسْلِمٍ قَالَ حدَّثنا دَاوُدُ بنُ أبي الفُرَاتِ عنْ عَبْدِ الله بنِ بُرَيْدَةَ عنْ أبِي الأسْوَدِ قَالَ قَدِمْتُ المَدِينَةَ وقَدْ وَقَعَ بِهَا مَرَضٌ فَجَلَسْتُ إلَى عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ فَمَرَّ بِهِمْ جَنَازَةُ فأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرا فَقَالَ عُمَرُ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ وَجَبَتْ ثُمَّ مُرَّ بِأُخْرَى فَمَرَّتْ بِهِمْ جَنَازَةٌ فأُثْنِيَ عَلَى صاحِبِهَا خَيْرا فَقَالَ عُمَرُ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ وَجَبَتْ ثُمَّ مُرَّ بِالثَّالِثَةِ فأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا شرَّا فَقَالَ وَجَبَتْ فَقَالَ أبُو الأسْوَدِ فقُلْتُ وَمَا وَجَبَتْ يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ قَالَ قُلْتُ كَمَا قالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ أدْخَلَهُ الله الجَنَّةَ فقُلْنَا وثَلَاثَةٌ قَالَ وثَلَاثَةٌ فقُلْنَا واثْنَان قالَ واثْنَانِ ثُمَّ لَمْ نَسْألْهُ عنِ الوَاحِدِ.

(الحَدِيث ٨٦٣١ طرفه فِي: ٣٤٦٢) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة قَوْله: (حَدثنَا) ، كَذَا وَقع لأكْثر الروَاة، وَذكر أَصْحَاب الْأَطْرَاف أَنه أخرجه قَائِلا: قَالَ عَفَّان،

وَبِذَلِك جزم الْبَيْهَقِيّ، وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : كَذَا ذكره البُخَارِيّ مُعَلّقا عَن شَيْخه، فَقَالَ: وَقَالَ عَفَّان، وَقَالَهُ أَيْضا أَبُو الْعَبَّاس الطرقي، وَخلف فِي كتاب (الْأَطْرَاف) : وَالَّذِي فِي نسخه سَمَاعنَا: حَدثنَا عَفَّان، وعَلى تَقْدِير صِحَة الأول فقد وَصله الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي (صَحِيحه) فَقَالَ: حَدثنَا أَبُو الْقَاسِم الْبَغَوِيّ، حَدثنَا أَبُو بكر بن أبي شيبَة حَدثنَا عَفَّان إِلَى آخِره.

ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: عَفَّان، بتَشْديد الْفَاء: ابْن مُسلم، بِكَسْر اللَّام الْخَفِيفَة: الصفار. الثَّانِي: دَاوُد بن أبي الْفُرَات، بِلَفْظ النَّهر الْمَشْهُور، وَاسم أبي الْفُرَات: عَمْرو، وَهُوَ كندي وَلَهُم شيخ آخر يُقَال لَهُ: دَاوُد بن أبي الْفُرَات، وَاسم أَبِيه: بكر، وَاسم جده: أَبُو الْفُرَات، وَهُوَ أشجعي من أهل الْمَدِينَة أقدم من الْكِنْدِيّ. الثَّالِث: عبد الله بن بُرَيْدَة، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة، مر فِي أَوَاخِر كتاب الْحيض. الرَّابِع: أَبُو الْأسود ظَالِم بن عَمْرو بن سُفْيَان من سَادَات التَّابِعين، ولي الْبَصْرَة وَهُوَ أول من تكلم فِي النَّحْو بعد عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مَاتَ سنة سبع وَسِتِّينَ، وَهُوَ الْمَشْهُور بالدؤلي، وَفِيه اختلافات: فَقيل، بِضَم الدَّال وَسُكُون الْوَاو وبالضم والهمزة الْمَفْتُوحَة، قَالَ الْأَخْفَش: هُوَ بِالضَّمِّ وَكسر الْهمزَة، إلَاّ أَنهم فتحُوا الْهمزَة فِي النِّسْبَة استثقالاً للكسرتين، وياء النِّسْبَة، وَرُبمَا قَالُوا: بِضَم الدَّال وَفتح الْوَاو المقلوبة عَن الْهمزَة، وَقَالَ ابْن الْكَلْبِيّ: بِكَسْر الدَّال وقلب الْهمزَة يَاء. الْخَامِس: عمر ابْن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: عَفَّان بن مُسلم الصفار مَذْكُور فِي بعض النّسخ بالصفار وَفِي بَعْضهَا بِدُونِهِ. وَفِيه: رِوَايَة عبد الله بن بُرَيْدَة معنعنة عَن أبي الْأسود، وَذكر الدَّارَقُطْنِيّ فِي كتاب (التتبع) عَن عَليّ بن الْمَدِينِيّ أَن ابْن بُرَيْدَة إِنَّمَا يروي عَن يحيى بن يعمر عَن أبي الْأسود، وَلم يقل فِي هَذَا الحَدِيث: سَمِعت أَبَا الْأسود، قيل: إِن ابْن بُرَيْدَة ولد فِي عهد عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فقد أدْرك أَبَا الْأسود بِلَا ريب، لَكِن البُخَارِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لَا يَكْتَفِي بالمعاصرة فَلَعَلَّهُ أخرجه شَاهدا، وَاكْتفى للْأَصْل بِحَدِيث أنس الَّذِي قبله. وَفِيه: قَالَ الْكرْمَانِي: وَرِجَال الْإِسْنَاد كلهم بصريون. قلت: دَاوُد مروزي، وَلكنه تحول إِلَى الْبَصْرَة، وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الشَّهَادَات عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن دَاوُد بن أبي الْفُرَات، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْجَنَائِز، وَقَالَ: حَدثنَا يحيى بن مُوسَى وَهَارُون بن عبد الله الْبَزَّار، قَالَا: حَدثنَا أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ حَدثنَا دَاوُد بن أبي الْفُرَات حَدثنَا عبد الله بن بُرَيْدَة (عَن أبي الْأسود الديلِي، قَالَ: قدمت الْمَدِينَة فَجَلَست إِلَى عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَمروا بِجنَازَة فَأَثْنوا عَلَيْهَا خيرا، فَقَالَ عمر: وَجَبت، فَقلت لعمر: مَا وَجَبت؟ قَالَ: أَقُول كَمَا قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: مَا من مُسلم يشْهد لَهُ ثَلَاثَة إلَاّ وَجَبت لَهُ الْجنَّة. قُلْنَا: وإثنان؟ قَالَ: وإثنان، قَالَ: وَلم نسْأَل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الْوَاحِد) . قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح. وَأخرجه النَّسَائِيّ وَفِي لَفظه: (أَرْبَعَة) مثل لفظ البُخَارِيّ.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (قدمت الْمَدِينَة) أَي: مَدِينَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (وَقد وَقع مرض) ، جملَة حَالية، وَزَاد البُخَارِيّ فِي الشَّهَادَات عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن دَاوُد بن أبي الْفُرَات: (وهم يموتون موتا ذريعا) ، وَهُوَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة، أَي: سَرِيعا. قَوْله: (فَجَلَست إِلَى عمر) ، يحْتَمل أَن يكون إِلَى هَهُنَا على بَابه بِمَعْنى الِانْتِهَاء والغاية، وَالْمعْنَى انْتهى جلوسي إِلَى عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَالْأَوْجه أَن يكون إِلَى هَهُنَا بِمَعْنى: عِنْد، أَي: جَلَست عِنْد عمر كَمَا قَالَ فِي قَول الشَّاعِر:

(أم لَا سَبِيل إِلَى الشَّبَاب وَذكره ... أشهى إِلَيّ من الرَّحِيق السلسل)

قَوْله: (فَأثْنى على صَاحبهَا خيرا) بِنصب: خيرا، فِي أَكثر الْأُصُول، وَكَذَا شرا. ويروى: (خير وَشر) ، بِالرَّفْع فيهمَا، وأثني على صِيغَة الْمَجْهُول. فَوجه النصب مَا قَالَه ابْن بطال: إِنَّه أَقَامَ الْجَار وَالْمَجْرُور مقَام الْمَفْعُول الأول، وَخيرا مقَام الْمَفْعُول الثَّانِي. وَقَالَ ابْن مَالك: خيرا، صفة لمصدر مَحْذُوف وأقيمت مقَامه فنصب لِأَن: أثنى، مُسْند إِلَى الْجَار وَالْمَجْرُور، والتفاوت بَين الْإِسْنَاد إِلَى الْمصدر والإسناد إِلَى الْجَار وَالْمَجْرُور قَلِيل. وَقَالَ النَّوَوِيّ: هُوَ مَنْصُوب بِإِسْقَاط الْجَار أَي: فَأثْنى عَلَيْهَا بِخَير، وَوجه الرّفْع ظَاهر، وَهُوَ أَن: أُثنى، مُسْند إِلَيْهِ، وَقَالَ ابْن التِّين: الصَّوَاب بِالرَّفْع، وَفِي نَصبه بعد فِي اللِّسَان. قَوْله: (وَجَبت) أَي: الْجنَّة، كَمَا ذكرنَا. قَوْله: (قَالَ أَبُو الْأسود) وَهُوَ الرَّاوِي الْمَذْكُور، وَهُوَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. قَوْله: (وَمَا وَجَبت؟) اسْتِفْهَام عَن

معنى الْوُجُوب فيهمَا مَعَ اخْتِلَاف الثَّنَاء بِالْخَيرِ وَالشَّر. قَوْله: (أَيّمَا مُسلم) إِلَى آخِره، مقول قَول النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَوْله: (شهد لَهُ أَرْبَعَة) أَي: أَرْبَعَة من الْمُسلمين، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: ثَلَاثَة، كَمَا ذكرنَا. فَإِن قلت: مَا الْحِكْمَة فِي اخْتِلَاف هَذَا الْعدَد حَيْثُ جَاءَ أَرْبَعَة وَثَلَاثَة وَاثْنَانِ؟ قلت: لاخْتِلَاف الْمعَانِي، لِأَن الثَّنَاء قد يكون بِالسَّمَاعِ الفاشي على الْأَلْسِنَة فاستحب فِي ذَلِك التَّوَاتُر وَالْكَثْرَة، وَالشَّهَادَة لَا تكون إلَاّ بالمعرفة بأحوال الْمَشْهُود لَهُ، فَيَأْتِي فِي ذَلِك أَرْبَعَة شُهَدَاء، لِأَن ذَلِك أَعلَى مَا يكون من الشَّهَادَة، أَلا يرى أَن الله تَعَالَى جعل فِي الزِّنَى أَرْبَعَة شُهَدَاء، فَإِن قصروا يَأْتِي فِيهِ ثَلَاثَة، فَإِن قصروا فِيهِ يَأْتِي فِيهِ شَاهِدَانِ؟ لِأَن ذَلِك أقل مَا يَجْزِي فِي الشَّهَادَة على سَائِر الْحُقُوق رَحْمَة من الله تَعَالَى لِعِبَادِهِ الْمُؤمنِينَ، وتجاوزا عَنْهُم حَيْثُ أجْرى أُمُورهم فِي الْآخِرَة على نمط أُمُورهم فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا، وَلِهَذَا لم يسْأَلُوا النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، عَن الْوَاحِد، حَيْثُ قَالَ: (ثمَّ لم نَسْأَلهُ عَن الْوَاحِد) أَي: ثمَّ لم نسْأَل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن ثَنَاء الشَّخْص الْوَاحِد: هَل يَكْتَفِي بِهِ؟ وَذَلِكَ أَن هَذَا الْمقَام مقَام عَظِيم فَلَا يَكْتَفِي فِيهِ بِأَقَلّ من النّصاب. فَإِن قلت: هَل يخْتَص الثَّنَاء الَّذِي ينفع الْمَيِّت بِالرِّجَالِ أم يشْتَرك فِيهِ الرِّجَال وَالنِّسَاء، فَإِذا قُلْنَا: يشتركون فِيهِ، فَهَل يَكْتَفِي فِي ذَلِك بامرأتين؟ أَو لَا بُد من رجل وَامْرَأَتَيْنِ أَو أَربع نسْوَة؟ قلت: الظَّاهِر الِاكْتِفَاء بِاثْنَيْنِ مُسلمين، وَإنَّهُ لَا يحْتَاج إِلَى قيام امْرَأتَيْنِ مقَام رجل وَاحِد، وروى الطَّبَرَانِيّ فِي مُعْجَمه الْكَبِير من رِوَايَة إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن قسطاس عَن سعد بن إِسْحَاق بن كَعْب بن عجْرَة عَن أَبِيه عَن جده قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْمًا لأَصْحَابه: (مَا تَقولُونَ فِي رجل قتل فِي سَبِيل الله؟ قَالُوا: ألله وَرَسُوله أعلم. قَالَ الْجنَّة، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، قَالَ: فَمَا تَقولُونَ فِي رجل مَاتَ فَقَامَ رجلَانِ ذَوا عدل فَقَالَا: لَا نعلم إلَاّ خيرا؟ قَالُوا: الله وَرَسُوله أعلم. قَالَ: الْجنَّة إِن شَاءَ الله تَعَالَى، قَالَ: فَمَا تَقولُونَ فِي رجل مَاتَ فَقَامَ رجلَانِ ذَوا عدل، فَقَالَا: لَا نعلم خيرا، فَقَالُوا: النَّار، قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مذنب، وَالله غَفُور رَحِيم) . فقد يُقَال: لَا يكْتَفى بِشَهَادَة النِّسَاء، ألَا يُرى أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يكتف بِشَهَادَة الْمَرْأَة الَّتِي أثنت على عُثْمَان بن مَظْعُون بقولِهَا: شهادتي عَلَيْك أَبَا السَّائِب، فَقَالَ لَهَا: وَمَا يدْريك؟ وَقد يُجَاب عَنهُ: بِأَنَّهُ إِنَّمَا أنكر عَلَيْهَا الْقطع بِأَن الله أكْرمه، وَذَلِكَ مغيب عَنْهَا، بِخِلَاف الشَّهَادَة للْمَيت بأفعاله الجميلة الَّتِي كَانَ متلبسا بهَا فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا، والْحَدِيث الَّذِي فِيهِ قَضِيَّة عُثْمَان بن مَظْعُون رَوَاهُ الْحَاكِم من حَدِيث حَارِثَة بن زيد: أَن أم الْعَلَاء امْرَأَة من الْأَنْصَار قد بَايَعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أخْبرته أَنهم اقتسموا للمهاجرين قرعَة، فطار لنا عُثْمَان بن مَظْعُون فأنزلناه فِي أَبْيَاتنَا، فوجع وَجَعه الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَلَمَّا توفّي وَغسل وكفن فِي أثوابه دخل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقلت: يَا عُثْمَان بن مَظْعُون، رَحْمَة الله عَلَيْك أَبَا السَّائِب، فشهادتي عَلَيْك، لقد أكرمك الله تَعَالَى، فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: وَمَا يدْريك أَن الله أكْرمه؟ فَقلت: بِأبي أَنْت وَأمي يَا رَسُول الله، فَمن؟ فَقَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أما هُوَ فقد جَاءَهُ الْيَقِين فوَاللَّه إِنِّي لأرجو لَهُ الْخَيْر وَالله مَا أَدْرِي وَأَنا رَسُول الله مَاذَا يفعل بِي قَالَت فوَاللَّه مَا أزكي بعده أحدا) . وَقَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ. فَإِن قلت: هَل يخْتَص الثَّنَاء الَّذِي ينفع الْمَيِّت بِكَوْنِهِ مِمَّن خالطه وَعرف حَاله أم هُوَ على عُمُومه؟ قلت: الظَّاهِر الأول بِدَلِيل قَوْله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي حَدِيث أنس الَّذِي رَوَاهُ أَبُو يعلى الْموصِلِي فِي (مُسْنده) بِإِسْنَاد صَحِيح، قَالَ: قَالَ رَسُول الله: (مَا من مُسلم يَمُوت فَيشْهد لَهُ أَرْبَعَة من أهل أَبْيَات من جِيرَانه الأدنين أَنهم لَا يعلمُونَ إلَاّ خيرا، إلَاّ قَالَ الله تَعَالَى: قد قبلت علمكُم وغرت لَهُ مَا لَا تعلمُونَ) . فَإِن قلت: هَل ينفع الثَّنَاء على الْمَيِّت بِالْخَيرِ وَإِن خَالف الْوَاقِع أم لَا بُد أَن يكون الثَّنَاء عَلَيْهِ مطابقا للْوَاقِع؟ قلت: قَالَ شَيخنَا زين الدّين، رَحمَه الله: فِيهِ قَولَانِ للْعُلَمَاء أصَحهمَا أَن ذَلِك يَنْفَعهُ، وَأَن لم يُطَابق الْوَاقِع لِأَنَّهُ لَو كَانَ لَا يَنْفَعهُ إلَاّ بالموافقة لم يكن للثناء فَائِدَة، وَيُؤَيّد هَذَا مَا رَوَاهُ ابْن عدي فِي (الْكَامِل) من رِوَايَة فرات بن السَّائِب عَن مَيْمُون بن مهْرَان عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (إِن العَبْد سيرزق الثَّنَاء والستر وَالْحب من النَّاس حَتَّى تَقول الْحفظَة: رَبنَا إِنَّك تعلم ونعلم غير مَا يَقُولُونَ، فَيَقُول: أشهدكم أَنِّي قد غفرت لَهُ مَا لَا يعلمُونَ، وَقبلت شَهَادَتهم على مَا يَقُولُونَ) . فَإِن قلت: الحَدِيث

الْمَذْكُور الَّذِي رَوَاهُ أَبُو يعلى يدل على أَن المُرَاد الثَّنَاء المطابق بِدَلِيل قَوْله: (قد قبلت علمكُم) ، وَالْعلم لَا يُخَالف الْوَاقِع. قلت: المُرَاد بِالْعلمِ: الشَّهَادَة، كَمَا فِي الحَدِيث الْمَذْكُور الَّذِي رَوَاهُ أَبُو يعلى عَن ابْن عمر، وَكَذَلِكَ فِي (مُسْند أَحْمد) فِي هَذَا الحَدِيث عَن أبي هُرَيْرَة: (قد قبلت شَهَادَتهم) ، وَمعنى قَوْله: (غفرت لَهُ مَا لَا يعلمُونَ) ، أَي: من الذُّنُوب الَّتِي لم يطلعوا عَلَيْهَا. فَإِن قلت: عل تشْتَرط فِي هَذِه الشَّهَادَة الْعَدَالَة كَسَائِر الشَّهَادَات؟ أم تَكْفِي فِي ذَلِك شَهَادَة الْمُسلمين وَإِن لم يَكُونُوا بِوَصْف الْعَدَالَة المشترطة فِي الشَّهَادَة؟ قلت: يدل على الأول حَدِيث كَعْب بن عجْرَة الَّذِي ذَكرْنَاهُ آنِفا، لِأَنَّهُ قَالَ فِيهِ: (فَقَامَ رجلَانِ ذَوا عدل) ، وعَلى الثَّانِي يدل ظَاهر حَدِيث الْبَاب، وَمَعَ هَذَا الأَصْل فِي الشَّهَادَة الْعَدَالَة.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: فَضِيلَة هَذِه الْأمة. وَفِيه: إِعْمَال الحكم بِالظَّاهِرِ. وَفِيه: جَوَاز ذكر الْمَرْء بِمَا فِيهِ من خير أَو شَرّ للْحَاجة، وَلَا يكون ذَلِك من الْغَيْبَة، وَذكر الْغَزالِيّ وَالنَّوَوِيّ إِبَاحَة الْعلمَاء الْغَيْبَة فِي سِتَّة مَوَاضِع، فَهَل تُبَاح فِي حق الْمَيِّت أَيْضا؟ وَإِن مَا جَازَ غيبَة الْحَيّ بِهِ جَازَت غيبَة الْمَيِّت بِهِ، أم يخْتَص جَوَاز الْغَيْبَة فِي هَذِه الْمَوَاضِع المستثناة بِالْإِحْيَاءِ، يَنْبَغِي أَن ينظر فِي السَّبَب الْمُبِيح للغيبة إِن كَانَ قد انْقَطع بِالْمَوْتِ كالمصاهرة والمعاملة، فَهَذَا لَا يذكر فِي حق الْمَيِّت، لِأَنَّهُ قد انْقَطع ذَلِك بِمَوْتِهِ، وَإِن لم يَنْقَطِع ذَلِك بِمَوْتِهِ كجرح الروَاة وَكَونه يُؤْخَذ عَنهُ اعْتِقَاد أَو نَحوه فَلَا بَأْس بِذكرِهِ بِهِ ليحذر ويتجنب. وَفِيه: جَوَاز الشَّهَادَة قبل الاستشهاد. وَفِيه: اعْتِبَار مَفْهُوم الْمُوَافقَة لِأَنَّهُ سَأَلَ عَن الثَّلَاثَة وَلم يسْأَل عَمَّا فَوق الْأَرْبَعَة كالخمسة مثلا. وَفِيه: أم مَفْهُوم الْعدَد لَيْسَ دَلِيلا قَطْعِيا، بل هُوَ فِي مقَام الِاحْتِمَال.

٦٨ - (بابُ مَا جاءَ فِي عَذَابِ القَبْرِ وقولهُ تَعَالَى: {وَلَوْ تَراي إذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ المَوْتِ وَالمَلَائِكَةُ باسِطُوا أيْدِيهِم أخْرِجُوا أنْفُسَكُمْ اليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ} (الْأَنْعَام: ٣٩) . الهُونُ هُوَ الهَوَانُ والهَوْنُ الرِّفْقُ. وقولُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ {سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثمَّ يُرَدُّونَ إلَى عَذَابٍ عَظِيم} وَقولُهُ تَعَالَى: {وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذَابِ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوَّا وَعَشِيّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذَابِ} )

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ من الْأَخْبَار فِي حقية عَذَاب الْقَبْر، وَأَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى مُجَرّد وجود عَذَاب الْقَبْر دون التَّعَرُّض أَنه يَقع على الرّوح وَحده أَو عَلَيْهِ وعَلى الْبدن. وَفِي هَذَا الْبَاب خلاف مَشْهُور بَين أهل السّنة والمعتزلة، وَقد بسطنا الْكَلَام فِيهِ فِي: بَاب الْمَيِّت يسمع خَفق النِّعَال، ثمَّ إِن البُخَارِيّ ذكر هَذِه الْآيَات الْكَرِيمَة الثَّلَاث تَنْبِيها على ثُبُوت ذكر عَذَاب الْقَبْر فِي الْقُرْآن، وردا على من ادّعى عدم ذكره فِي الْقُرْآن، وَأَن ذكره ورد فِي أَخْبَار الْآحَاد الْآيَة الأولى هُوَ قَوْله تَعَالَى فِي سُورَة الْأَنْعَام: {وَلَو ترى إِذْ الظَّالِمُونَ} (الْأَنْعَام: ٣٩) . أَشَارَ إِلَيْهَا بقوله، و: قَوْله تَعَالَى، بِالْجَرِّ عطفا على قَوْله: عَذَاب الْقَبْر. قَوْله: {وَلَو ترى} (الْأَنْعَام: ٣٩) . خطاب للنَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَجَوَاب: لَو، مَحْذُوف أَي: لرأيت أمرا عجيبا عَظِيما وَكلمَة إِذْ ظرف مُضَاف إِلَى جملَة إسمية، وَهِي قَوْله: {الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَات الْمَوْت} (الْأَنْعَام: ٣٩) . وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: يُرِيد الظَّالِمين الَّذين ذكرهم من الْيَهُود والمتنبئة فَتكون اللَّام للْعهد، وَيجوز أَن تكون للْجِنْس فَيدْخل فِيهِ هَؤُلَاءِ لاشْتِمَاله، وَقَالَ غَيره: المُرَاد من الظَّالِمين هَؤُلَاءِ قوم كَانُوا أَسْلمُوا بِمَكَّة أخرجهم الْكفَّار إِلَى قتال بدر، فَلَمَّا أبصروا أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رجعُوا عَن الْإِيمَان، وَقيل: هم الَّذين قَالُوا: {مَا أنزل الله على بشر من شَيْء} (الْأَنْعَام: ١٩) . قَوْله: {فِي غَمَرَات الْمَوْت} (الْأَنْعَام: ٣٩) . أَي: فِي شدائده وَسَكَرَاته وكرباته وَهُوَ جمع غمرة، وأصل الغمرة مَا يغمر من المَاء فاستعيرت للشدة الْغَالِبَة. قَوْله: {باسطوا أَيْديهم} (الْأَنْعَام: ٣٩) . قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: يبسطون إِلَيْهِم، يَقُول: هاتوا أرواحكم أخرجوها إِلَيْنَا من أجسادكم، وَهَذِه عبارَة عَن العنف فِي السِّيَاق والإلحاح وَالتَّشْدِيد فِي الإزهاق من غير تَنْفِيس، وإمهال. وَقَالَ اضحاك وَأَبُو صَالح: باسطوا أَيْديهم بِالْعَذَابِ، وروى الطَّبَرَانِيّ وَابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلَو ترى إِذْ الظَّالِمُونَ} (الْأَنْعَام: ٣٩) . الْآيَة، قَالَ: هَذَا عِنْد الْمَوْت، والبسط: الضَّرْب، يضْربُونَ وُجُوههم وأدبارهم. فَإِن قلت: التَّرْجَمَة فِي عَذَاب الْقَبْر، وَهَذَا قبل الدّفن؟ قلت: هَذَا من جملَة الْعَذَاب

الْوَاقِع قبل يَوْم الْقِيَامَة وَإِضَافَة الْعَذَاب إِلَى الْقَبْر لِكَثْرَة وُقُوعه على الْمَوْتَى فِي الْقُبُور، وإلَاّ فالكافر، وَمن شَاءَ الله تعذيبه من العصاة يعذب بعد مَوته، وَلَو لم يدْفن، وَلَكِن هَذَا مَحْجُوب عَن الْخلق إلَاّ من شَاءَ الله تَعَالَى لحكمة اقْتَضَت ذَلِك. قَوْله: {أخرجُوا أَنفسكُم} (الْأَنْعَام: ٣٩) . أَي: تَقول الْمَلَائِكَة أخرجُوا أَنفسكُم، وَذَلِكَ لِأَن الْكَافِر إِذا احْتضرَ بَشرته الْمَلَائِكَة بِالْعَذَابِ والنكال والسلاسل والجحيم وَغَضب الرَّحْمَن الرَّحِيم، فَتفرق روحه فِي جسده ويعصى ويأبى الْخُرُوج، فتضر بهم الْمَلَائِكَة حَتَّى تخرج أَرْوَاحهم من أَجْسَادهم قائلين لَهُم: أخرجُوا أَنفسكُم. وَقيل: مَعْنَاهُ أخرجُوا أَنفسكُم من الْعَذَاب إِن قدرتم تقريعا لَهُم وتوبيخا. وَاخْتلف فِي النَّفس وَالروح فَقَالَ القَاضِي أَبُو بكر وَأَصْحَابه: إنَّهُمَا إسمان لشَيْء وَاحِد. وَقَالَ ابْن حبيب: الرّوح هُوَ النَّفس الْجَارِي يدْخل وَيخرج لَا حَيَاة للنَّفس إلَاّ بِهِ. وَالنَّفس يألم ويلذ، وَالروح لَا يألم وَلَا يلذ، وَعَن ابْن الْقَاسِم عَن عبد الرَّحْمَن بن خلف: بَلغنِي أَن الرّوح لَهُ جَسَد ويدان ورجلان وَرَأس وعينان يسل من الْجَسَد سلاً، وَعَن ابْن الْقَاسِم: الرّوح مثل المَاء الْجَارِي. قَوْله: {الْيَوْم تُجْزونَ عَذَاب الْهون} (الْأَنْعَام: ٣٩) . أَي: الْيَوْم تهانون غَايَة الإهانة بِمَا كُنْتُم تكفرون على الله وتستكبرون عَن اتِّبَاع آيَاته والانقياد لرسله. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: الْيَوْم تُجْزونَ، يجوز أَن يُرِيدُوا وَقت الإماتة، وَمَا يُعَذبُونَ بِهِ من شدَّة النزع، وَأَن يُرِيدُوا الْوَقْت الممتد المتطاول الَّذِي يلحقهم فِيهِ الْعَذَاب فِي البرزخ وَالْقِيَامَة، وَفسّر البُخَارِيّ الْهون بقوله: هُوَ الهوان، وَهُوَ الهوان الشَّديد وَإِضَافَة الْعَذَاب إِلَيْهِ كَقَوْلِك: رجل سوء يُرِيد العراقة فِي الْهون والتمكن فِيهِ. قَوْله: (والهون الرِّفْق) أَي: الْهون، بِفَتْح الْهَاء مَعْنَاهُ الرِّفْق مَا قَالَ فِي قَوْله: {الَّذين يَمْشُونَ على الأَرْض هونا} (الْفرْقَان: ٣٦) . أَي بِرِفْق وسكينة.

الْآيَة الثَّانِيَة هِيَ قَوْله: {سَنُعَذِّبُهُمْ مرَّتَيْنِ} (التَّوْبَة: ١٠١) . أَشَارَ إِلَيْهَا بقوله: وَقَوله، عز وَجل، بِالْجَرِّ أَيْضا عطفا على مَا قبله، وَهَذِه الْآيَة فِي سُورَة الْبَرَاءَة، وَقبلهَا قَوْله تَعَالَى: {وَمِمَّنْ حَوْلكُمْ من الْأَعْرَاب مُنَافِقُونَ وَمن أهل الْمَدِينَة مَرَدُوا على النِّفَاق لَا تعلمهمْ نَحن نعلمهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مرَّتَيْنِ} (التَّوْبَة: ١٠١) . وَقَالَ مُجَاهِد: مرَّتَيْنِ الْقَتْل والسبي، وَعنهُ: الْعَذَاب بِالْجُوعِ وَعَذَاب الْقَبْر، وَقيل: الفضيحة وَعَذَاب الْقَبْر، وروى الطَّبَرَانِيّ وَابْن أبي حَاتِم من طَرِيق السّديّ عَن أبي مَالك عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: (خطب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم الْجُمُعَة، فَقَالَ: أخرج يَا فلَان فَإنَّك مُنَافِق، واخرج يَا فلَان، فَإنَّك مُنَافِق، فَأخْرج من الْمَسْجِد نَاسا مِنْهُم فضحهم، فجَاء عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وهم يخرجُون من الْمَسْجِد فاختبىء مِنْهُم حَيَاء أَنه لم يشْهد الْجُمُعَة، وَظن أَن النَّاس قد انصرفوا، واختبأوا هم عَن عمر ظنُّوا أَنه قد علم بأمرهم، فجَاء عمر فَدخل الْمَسْجِد فَإِذا النَّاس لم يصلوا، فَقَالَ لَهُ رجل من الْمُسلمين: أبشر يَا عمر، فقد فَضَح الله الْمُنَافِقين. فَقَالَ ابْن عَبَّاس: فَهَذَا الْعَذَاب الأول حِين أخرجهم من الْمَسْجِد، وَالْعَذَاب الثَّانِي عَذَاب الْقَبْر، وَكَذَا قَالَ الثَّوْريّ عَن السّديّ عَن أبي مَالك نَحْو هَذَا.

الْآيَة الثَّالِثَة هِيَ قَوْله تَعَالَى: {وحاق بآل فِرْعَوْن} (غَافِر، الْمُؤمن، ٥٤) . إِلَى قَوْله: {أَشد الْعَذَاب} (غَافِر، الْمُؤمن: ٥٤) . وَهِي فِي سُورَة الْمُؤمن الَّتِي تسمى بِسُورَة غَافِر أَيْضا، وَمعنى: {حاق بآل فِرْعَوْن} (غَافِر، الْمُؤمن: ٥٤) . يَعْنِي: نزل بهم سوء الْعَذَاب، يَعْنِي شدَّة الْعَذَاب. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وحاق بآل فِرْعَوْن مَا هموا بِهِ من تَعْذِيب الْمُسلمين، وَرجع عَلَيْهِم كيدهم، يُقَال: حاق بِهِ الشَّيْء يَحِيق، أَي: أحاطه بِهِ، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: {وَلَا يَحِيق الْمَكْر السىء إلَاّ بأَهْله} (فاطر: ٣٤) . وحاق بهم الْعَذَاب أَي: أحَاط بهم، وَنزل قَوْله: {النَّار يعرضون} (غَافِر وَالْمُؤمن: ٥٤) . بدل من قَوْله: {سوء الْعَذَاب} (غَافِر وَالْمُؤمن: ٥٤) . أَو خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف كَأَن قَائِلا يَقُول: مَا سوء الْعَذَاب؟ فَقيل: هُوَ النَّار، أَو مُبْتَدأ وَخَبره: {يعرضون عَلَيْهَا} (غَافِر الْمُؤمن: ٥٤) . وعرضهم عَلَيْهَا إحراقهم بهَا، يُقَال: عرض الْأُسَارَى على السَّيْف إِذا قَتلهمْ بِهِ، وقرىء: النَّار، بِالنّصب وَتَقْدِيره: يدْخلُونَ النَّار يعرضون عَلَيْهَا، وَيجوز أَن ينْتَصب على الِاخْتِصَاص. وَقَالَ ابْن عَبَّاس: يعرضون يَعْنِي: أَرْوَاحهم على النَّار غدوا وعشيا، يَعْنِي: فِي هذَيْن الْوَقْتَيْنِ. وَهَكَذَا قَالَ مُجَاهِد، وَقَتَادَة، وَقَالَ مقَاتل: تعرض روح كل كَافِر على مَنَازِلهمْ من النَّار كل يَوْم مرَّتَيْنِ، وَقَالَ أَبُو اللَّيْث السَّمرقَنْدِي: الْآيَة تدل على عَذَاب الْقَبْر، لِأَنَّهُ ذكر دُخُولهمْ النَّار يَوْم الْقِيَامَة، وَذَلِكَ أَنه يعرض عَلَيْهِم النَّار قبل ذَلِك غدوا وعشيا. وَقَالَ ابْن مَسْعُود: إِن أَرْوَاح آل فِرْعَوْن فِي أَجْوَاف طير سود تعرض على النَّار مرَّتَيْنِ، يُقَال لَهُم: هَذِه داركم. وَقَالَ مُجَاهِد: غدوا وعشيا من أَيَّام الدُّنْيَا، وَقَالَ الْفراء: لَيْسَ فِي الْقِيَامَة غدو وَلَا عشي، لَكِن مِقْدَار ذَلِك، وَيرد عَلَيْهِ قَوْله: {النَّار يعرضون عَلَيْهَا غدوا وعشيا وَيَوْم تقوم السَّاعَة} (غَافِر وَالْمُؤمن: ٥٤) . فَدلَّ على أَن الأول بِمَنْزِلَة عَذَاب الْقَبْر، وَحَدِيث الْبَراء مُفَسّر لِلْآيَةِ، قَوْله: {وَيَوْم تقوم السَّاعَة} (غَافِر الْمُؤمن: ٥٤) . يَعْنِي: يُقَال لَهُم يَوْم الْقِيَامَة: أدخلُوا آل فِرْعَوْن. قَرَأَ ابْن كثير وَابْن عَامر وَأَبُو عمر: وادخلوا، بِضَم

الْهمزَة، وَهَكَذَا قَرَأَ عَاصِم فِي رِوَايَة أبي بكر. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِفَتْح الْهمزَة، فَمن قَرَأَ بِالضَّمِّ فَمَعْنَاه: أدخلُوا يَا آل فِرْعَوْن أَشد الْعَذَاب، فَصَارَ الْآل نصبا بالنداء، وَمن قَرَأَ: أدخلُوا، بِفَتْح الْهمزَة، فَمَعْنَاه يُقَال للخزنة: أدخلُوا آل فِرْعَوْن، يَعْنِي قوم فِرْعَوْن أَشد الْعَذَاب، يَعْنِي أَشد الْعقَاب، وَصَارَ الْآل نصبا لوُقُوع الْفِعْل عَلَيْهِ.

٩٦٣١ - حدَّثنا حفْصُ بنُ عُمَرَ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ عَلْقَمَةَ بنِ مَرْثَدٍ عنْ سَعْدِ بنِ عُبَيْدَةَ عنِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما عنِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَالَ إذَا أُقْعِدَ الْمُؤْمِنُ فِي قَبْرِهِ أُتِيَ ثُمَّ شَهِدَ أنْ لَا إِلَه إلَاّ الله وأنَّ مُحَمَّدا رسولُ الله فَذالِكَ قولُهُ {يُثَبِّتُ الله الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ} (إِبْرَاهِيم: ٧٢) .

(الحَدِيث ٩٦٣١ طرفه فِي: ٩٩٦٤) .

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن أصل الحَدِيث فِي عَذَاب الْقَبْر، كَمَا صرح بِهِ فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة عَن مُحَمَّد بن بشار. وفيهَا: وَزَاد {يثبت الله الَّذين آمنُوا} (ابراهيم: ٧٢) . نزلت فِي عَذَاب الْقَبْر.

ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: حَفْص بن عمر بن الْحَارِث الحوضي النمري الْأَزْدِيّ. الثَّانِي: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الثَّالِث: عَلْقَمَة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون اللَّام: ابْن مرْثَد، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الرَّاء وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة. الرَّابِع: سعد بن عُبَيْدَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، مر فِي آخر الْوضُوء. الْخَامِس: الْبَراء، بتَخْفِيف الرَّاء: ابْن عَازِب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده وَهُوَ بَصرِي وَشعْبَة واسطي وعلقمة وَسعد كوفيان. وَفِيه: شُعْبَة عَن عَلْقَمَة مُعَنْعَن، وَفِي التَّفْسِير صرح بالإخبار عَنهُ، وَكَذَلِكَ صرح أَيْضا بِالسَّمَاعِ بَين عَلْقَمَة وَسعد.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجَنَائِز: عَن بنْدَار عَن غنْدر، وَفِي التَّفْسِير: عَن أبي الْوَلِيد. وَأخرجه مُسلم فِي صفة النَّار عَن بنْدَار بِهِ، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي السّنة عَن أبي الْوَلِيد بِهِ، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن مَحْمُود بن غيلَان، وَقَالَ: حسن صَحِيح. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْجَنَائِز وَفِي التَّفْسِير. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الزّهْد جَمِيعًا عَن بنْدَار بِهِ.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أُتِي) ، بِضَم الْهمزَة أَي حَال كَونه مأتيا إِلَيْهِ، والآتي الْملكَانِ: مُنكر وَنَكِير. قَوْله: (ثمَّ شهد) ، كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِي: (ثمَّ تشهد) ، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن أبي خَليفَة عَن حَفْص بن عمر شيخ البُخَارِيّ: (إِن الْمُؤمن إِذا شهد أَن لَا إِلَه إلَاّ الله وَعرف مُحَمَّدًا فِي قَبره فَذَلِك قَوْله: {يثبت الله الَّذين آمنُوا بالْقَوْل الثَّابِت} (إِبْرَاهِيم: ٧٢) . وَأخرجه ابْن مرْدَوَيْه من هَذَا الْوَجْه وَغَيره بِلَفْظ: (إِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذكر عَذَاب الْقَبْر، فَقَالَ: إِن الْمُسلم إِذا شهد أَن لَا إلاه إلَاّ الله وَعرف أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله) الحَدِيث. قَوْله: (فَذَلِك قَوْله) ، يَعْنِي: قَول الْمُؤمن لَا إلاه إلَاّ الله، هُوَ قَوْله تَعَالَى: {يثبت الله الَّذين آمنُوا بالْقَوْل الثَّابِت} (إِبْرَاهِيم: ٧٢) . وَالْقَوْل الثَّابِت هُوَ كلمة التَّوْحِيد لِأَنَّهَا راسخة فِي قلب الْمُؤمن. وَقَالَ عبد الرَّزَّاق: عَن معمر عَن ابْن طَاوُوس عَن أَبِيه، {وَيثبت الله الَّذين آمنُوا بالْقَوْل الثَّابِت فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا} (إِبْرَاهِيم: ٧٢) . لَا إلاه إلَاّ الله، وَفِي الْآخِرَة قَالَ: الْمَسْأَلَة فِي الْقَبْر) . وَقَالَ قَتَادَة: أما الْحَيَاة الدُّنْيَا فيثبتهم بِالْخَيرِ وَالْعَمَل الصَّالح، وَفِي الْآخِرَة فِي الْقَبْر، وَكَذَا رُوِيَ عَن غير وَاحِد من السّلف، وَذكر ابْن كثير فِي (تَفْسِيره) عَن حَمَّاد بن سَلمَة أَنه قَالَ: عَن مُحَمَّد بن عَمْرو عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: ( {يثبت الله الَّذين آمنُوا بالْقَوْل الثَّابِت فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة} ) (إِبْرَاهِيم: ٧٢) . قَالَ: ذَلِك إِذا قيل لَهُ فِي الْقَبْر: من رَبك؟ وَمَا دينك؟ وَمن نبيك؟ فَيَقُول: رَبِّي الله، وديني الْإِسْلَام، ونبيي مُحَمَّد جَاءَ بِالْبَيِّنَاتِ من عِنْد الله، فآمنت بِهِ وصدقت. فَيُقَال: صدقت، على هَذَا عِشْت وَعَلِيهِ مت وَعَلِيهِ تبْعَث) . وَقَالَ أَيْضا قَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ عَن أبي خَيْثَمَة عَن الْبَراء فِي قَوْله: {يثبت الله الَّذين آمنُوا بالْقَوْل الثَّابِت فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا} (إِبْرَاهِيم: ٧٢) . قَالَ: عَذَاب الْقَبْر.

٠٧٣١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنِ بَشَّارٍ قَالَ حدَّثنا غُنْدُرٌ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ بِهاذا وَزَادَ {يُثَبِّتُ الله الَّذِينَ آمَنُوا} (إِبْرَاهِيم: ٧٢) . نَزَلَتْ فِي عَذَابِ القَبْرِ.

هَذَا طَرِيق آخر للْبُخَارِيّ فِي الحَدِيث الْمَذْكُور، أخرجه عَن مُحَمَّد بن بشار عَن غنْدر هُوَ مُحَمَّد بن جَعْفَر، وَقد مر غير مرّة، وَفِيه زِيَادَة أَشَارَ إِلَيْهَا بقوله: وَزَاد. . إِلَى آخِره، وبهذه الزِّيَادَة أخرجه مُسلم: حَدثنَا مُحَمَّد بن بشار بن عُثْمَان الْعَبْدي حَدثنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر حَدثنَا شُعْبَة عَن عَلْقَمَة بن مرْثَد عَن سعد بن عُبَيْدَة (عَن الْبَراء بن عَازِب عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: {يثبت الله الَّذين آمنُوا بالْقَوْل الثَّابِت} (إِبْرَاهِيم: ٧٢) . قَالَ: نزلت فِي عَذَاب الْقَبْر) .

٠٧٣١ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حدَّثَنِي أبي عنْ صَالِحٍ قَالَ حدَّثني نافِعٌ أنَّ ابنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أخبرهُ قَالَ اطَّلَعَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَى أهْلِ القَلِيبِ فَقَالَ {وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّا} (الْأَعْرَاف: ٤٤) . فَقِيلَ لَهُ أتَدْعُو أمْوَاتا فَقَالَ مَا أنْتُمْ بِأسْمَعَ منْهُمْ وَلاكِنْ لَا يُجِيبُونَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم شَاهد أهل القليب، قليب بدر، وهم يُعَذبُونَ فَلذَلِك قَالَ: {وجدْتُم مَا وعد ربكُم حَقًا} (الْأَعْرَاف: ٤٤) . يَعْنِي: من الْعَذَاب فِي الْقَبْر قبل يَوْم الْقِيَامَة.

ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: عَليّ بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ. الثَّانِي: يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف الْقرشِي الزُّهْرِيّ. الثَّالِث: أَبوهُ إِبْرَاهِيم بن سعد. الرَّابِع: صَالح بن كيسَان أَبُو مُحَمَّد. الْخَامِس: نَافِع مولى ابْن عمر. السَّادِس: عبد الله بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وبصيغة الْإِفْرَاد فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته مدنيون. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ فَإِن صَالحا رأى عبد الله بن عمر، قَالَه الْوَاقِدِيّ، وَقَالَ: مَاتَ: بعد الْأَرْبَعين وَالْمِائَة.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي: حَدثنِي عُثْمَان حَدثنَا عَبدة عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: (وقف النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على قليب بدر، فَقَالَ: هَل {وجدْتُم مَا وعد ربكُم حَقًا ... } (الْأَعْرَاف: ٤٤) . الحَدِيث. وَأخرجه مُسلم فِي الْجَنَائِز عَن أبي كريب وَأبي بكر ابْن أبي شيبَة وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن آدم.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إطلع) أَي: شَاهد أهل القليب، وَحضر عِنْدهم وهم: أَبُو جهل بن هِشَام وَأُميَّة بن خلف وَعتبَة بن ربيعَة وَشَيْبَة بن ربيعَة واطلع عَلَيْهِ وهم مقتولون فَقَالَ مَا قَالَ، ثمَّ أَمرهم فسحبوا فَألْقوا فِي قليب بدر، والقليب، بِفَتْح الْقَاف وَكسر اللَّام وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة: وَهُوَ الْبِئْر قبل أَن يطوى، يذكر وَيُؤَنث، وَقَالَ أَبُو عبيد: هِيَ الْبِئْر العادية الْقَدِيمَة وَجمع الْقلَّة: أقلبة، وَالْكثير: قلب، بِضَمَّتَيْنِ وَالْمرَاد بِهِ هَهُنَا: قليب بدر، وَبَينه فِي الحَدِيث بقوله: (قليب بدر) بِالْجَرِّ لِأَنَّهُ بدل عَن قَوْله: (أهل القليب) . قَوْله: (وهم يُعَذبُونَ) جملَة حَالية، وَلما رَآهُمْ وهم يُعَذبُونَ قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (وجدْتُم مَا وعد ربكُم حَقًا} (الْأَعْرَاف: ٤٤) . قَوْله: (فَقيل لَهُ) أَي: للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَالْقَائِل هُوَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَصرح بِهِ فِي رِوَايَة مُسلم فِي رِوَايَة أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، (أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ترك قَتْلَى بدر ثَلَاثًا، ثمَّ أَتَاهُم فَقَامَ عَلَيْهِم فناداهم، فَقَالَ: يَا أَبَا جهل ابْن هِشَام يَا أُميَّة بن خلف يَا عتبَة بن ربيعَة يَا شيبَة بن ربيعَة أَلَيْسَ قد وجدْتُم مَا وعد ربكُم حَقًا؟ فَإِنِّي قد وجدت مَا وَعَدَني رَبِّي حَقًا، فَسمع عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: يَا رَسُول الله كَيفَ يسمعوا وأنى يجيبوا وَقد جيفوا؟ فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ مَا أَنْتُم بأسمع لما أَقُول مِنْهُم. وَلَكنهُمْ لَا يقدرُونَ أَن يجيبوا ثمَّ أَمر بهم فسحبوا فَألْقوا فِي قليب بدر) . قَوْله (وَلَكِن لَا يجيبون) أَي لَا يقدرُونَ على الْجَواب فَعلم أَن فِي الْقَبْر حَيَاة فيصلح الْعَذَاب فِيهِ

١٧٣١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ هِشَام بنِ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ إنَّمَا قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إنَّهُمْ لَيَعْلَمُونَ الآنَ أنَّ مَا كُنْتُ أقُولُ حَقٌّ وقَدْ

قَالَ الله تَعَالَى إنَّكَ لَا تُسْمِعُ المَوْتَى.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إِنَّهُم يعلمُونَ الْآن أَن مَا كنت أَقُول حق) ، وَالَّذِي كَانَ يَقُوله هُوَ من عَذَاب الْقَبْر وَغَيره. فَإِن قلت: مَا وَجه ذكر حَدِيث ابْن عمر وَحَدِيث عَائِشَة وهما متعارضان فِي تَرْجَمَة عَذَاب الْقَبْر؟ قلت: لما ثَبت من سَماع أهل القليب كَلَامه وتوبيخه لَهُم دلّ إدراكهم كَلَامه بحاسة السّمع على جَوَاز إدراكهم ألم الْعَذَاب بِبَقِيَّة الْحَواس فَحسن ذكرهمَا فِي هَذِه التَّرْجَمَة ثمَّ التَّوْفِيق بَين الْخَبَرَيْنِ أَن حَدِيث ابْن عمر مَحْمُول على أَن مُخَاطبَة أهل القليب كَانَت وَقت المساءلة ووقتها وَقت إِعَادَة الرّوح إِلَى الْجَسَد وَقد ثَبت فِي الْأَحَادِيث الْأُخْرَى أَن الْكَافِر المسؤول يعذب، وَأَن حَدِيث عَائِشَة مَحْمُول على غير وَقت المساءلة، فَبِهَذَا يتَّفق الخبران.

ذكر رِجَاله: وهم قد ذكرُوا، وَعبد الله بن مُحَمَّد بن أبي شيبَة إِبْرَاهِيم الْكُوفِي وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة.

وَفِي سَنَده التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، والعنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِنَّمَا قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، جَاءَ بِلَفْظ: إِنَّمَا، وَهِي للحصر، قَالَ الْكرْمَانِي: وَكَانَ حَدِيث (مَا أَنْتُم بأسمع مِنْهُم) لم يثبت عِنْدهَا، ومذهبها أَن أهل الْقُبُور يعلمُونَ مَا سمعُوا قبل الْمَوْت وَلَا يسمعُونَ بعد الْمَوْت. انْتهى. قلت: هَذَا من عَائِشَة يدل على أَنَّهَا ردَّتْ رِوَايَة ابْن عمر الْمَذْكُورَة، وَلَكِن الْجُمْهُور خالفوها فِي ذَلِك وقبلوا حَدِيث ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لموافقة من رَوَاهُ غَيره عَلَيْهِ. وَقَالَ السُّهيْلي: عَائِشَة لم تحضر قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فغيرها مِمَّن حضر أحفظ للفظ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: وَقد قَالُوا: يَا رَسُول الله أتخاطب قوما قد جيفوا؟ فَقَالَ: مَا أَنْتُم بأسمع لما أَقُول مِنْهُم، قَالَ: وَإِذا جَازَ أَن يَكُونُوا فِي تِلْكَ الْحَال عَالمين، جَازَ أَن يَكُونُوا سَامِعين أيا مَا كَانَ روسهم، كَمَا هُوَ قَول الْجُمْهُور، أَو يَأْذَن الرّوح على رَأْي من يُوَجه السُّؤَال إِلَى الرّوح من غير رُجُوع الْجَسَد.

قَالَ: وَأما الْآيَة فَإِنَّهَا كَقَوْلِه تَعَالَى: {أفأنت تسمع الصم أَو تهدي الْعمي} (الزخرف: ٠٤) . أَي: إِن الله هُوَ الَّذِي يسمع وَيهْدِي. وَقَالَ ابْن التِّين: لَا مُعَارضَة بَين حَدِيث ابْن عمر وَالْآيَة، لِأَن الْمَوْتَى لَا يسمعُونَ، لَا شكّ، لَكِن إِذا أَرَادَ الله إسماع مَا لَيْسَ من شَأْنه السماع لم يمْتَنع، كَقَوْلِه تَعَالَى: {إِنَّا عرضنَا الْأَمَانَة ... } (الْأَحْزَاب: ٢٧) . الْآيَة. وَقَوله: {فَقَالَ لَهَا وللأرض ائتيا طَوْعًا} (فصلت: ١١) . الْآيَة وَإِن النَّار اشتكت إِلَى رَبهَا، وَيكون معنى قَوْله: {إِنَّك لَا تسمع الْمَوْتَى} (النَّمْل: ٠٨) . مثل قَوْله: {إِنَّك لَا تهدي من أَحْبَبْت} (الْقَصَص: ٦٥) . ثمَّ قَوْله تَعَالَى: {إِنَّك لَا تسمع الْمَوْتَى} (النَّمْل: ٠٨) . فِي سُورَة النَّمْل، وَقَبله: {فتوكل على الله إِنَّك على الْحق الْمُبين إِنَّك لَا تسمع الْمَوْتَى وَلَا تسمع الصم الدُّعَاء إِذا ولوا مُدبرين} (النَّمْل: ٩٧ و ٠٨) . قَالَ أَبُو اللَّيْث السَّمرقَنْدِي، رَحمَه الله: هَذَا مثل ضربه للْكفَّار، فَكَمَا أَنَّك لَا تسمع الْمَوْتَى فَكَذَلِك لَا تفقه كفار مَكَّة وَلَا تسمع الصم الدُّعَاء، قَرَأَ ابْن كثير: وَلَا يسمع الصم، بِفَتْح الْيَاء وبضم الصم، على أَنه فَاعل: لَا يسمع، وَالْبَاقُونَ: وَلَا تسمع، بِالْخِطَابِ وَنصب: الصم، على المفعولية، والصم جمع: الْأَصَم. قَوْله: {إِذا ولوا مُدبرين} (النَّمْل: ٠٨) يَعْنِي إِذا عرضوا عَن الْحق مكدبين وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ (إِذا ولوا مُدبرين) . تَأْكِيد لحَال الْأَصَم، لِأَنَّهُ إِذا تبَاعد عَن الدَّاعِي بِأَن تولى عَنهُ مُدبرا كَانَ أبعد عَن إِدْرَاك صَوته.

٢٧٣١ - حدَّثنا عَبْدَانُ قَالَ أَخْبرنِي أبي عنْ شُعْبَةَ قَالَ سَمِعْتُ الأشْعَثَ عنْ أبِيهِ عنْ مَسْرُوقٍ عنْ عائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّ يهُودِيَّةً دَخَلَتْ عَلَيْهَا فَذَكَرَتْ عَذَابَ القَبْرِ فقالَتْ لَهَا أعَاذَكِ الله مِنْ عَذَابِ القبْرِ فَسَألَتْ عائِشَةُ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عنْ عَذَابِ القَبْرِ فَقَالَ نَعَمْ عَذَابُ القَبْرِ قالَتْ عائِشَةُ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا فَمَا رأيْتُ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَعْدُ صلَى صَلَاةً إلَاّ تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لَا تخفى.

ذكر رِجَاله: وهم سَبْعَة: الأول: عَبْدَانِ، لقب عبد الله بن عُثْمَان بن جبلة، وَقد مر غير مرّة. الثَّانِي: أَبوهُ عُثْمَان بن جبلة بن أبي رواد، واسْمه ثَابت. الثَّالِث: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الرَّابِع: الْأَشْعَث، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الْعين الْمُهْملَة وَفِي آخِره ثاء مُثَلّثَة، الْخَامِس: أَبوهُ أَبُو الشعْثَاء بِالْمدِّ، واسْمه: سليم بن الْأسود الْمحَاربي. السَّادِس: مَسْرُوق بن الأجدع بِالدَّال. السَّابِع: أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد كَذَلِك. وَفِيه: العنعنة

فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: السماع، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ عَن شُعْبَة عَن أَشْعَث: سَمِعت أبي. وَفِيه: رِوَايَة الابْن عَن الْأَب فِي موضِعين. وَفِيه: شَيْخه مَذْكُور بلقبه وَأَنه مروزي أَصله من الْبَصْرَة، وَأَبوهُ بَصرِي وَشعْبَة واسطي وَالثَّلَاثَة الْبَقِيَّة كوفيون. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصحابية، فَإِن أَبَا الشعْثَاء روى عَن حديفة وَأبي هُرَيْرَة.

ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن هناد عَن أبي الْأَحْوَص، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن ابْن بشار عَن غنْدر، وَلم يذكر قصَّة الْيَهُودِيَّة.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (قَالَ: نعم عَذَاب الْقَبْر حق) ، كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِي، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: (عَذَاب الْقَبْر) فَقَط بِدُونِ لفظ حق، وَقَالَ بَعضهم: رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي لَيست بجيدة لِأَن المُصَنّف قَالَ عقيب هَذَا الطَّرِيق: زَاد غنْدر (عَذَاب الْقَبْر حق) ، فَبين أَن لَفْظَة: حق، لَيست فِي رِوَايَة عَبْدَانِ عَن أَبِيه عَن شُعْبَة، وَأَنَّهَا ثَابِتَة فِي رِوَايَة غنْدر يَعْنِي عَن شُعْبَة وَهُوَ كَذَلِك، وَقد أخرج طَرِيق غنْدر النَّسَائِيّ والإسماعيلي كَذَلِك. قلت: قَوْله: (زَاد غنْدر: عَذَاب الْقَبْر حق) لَيْسَ بموجود فِي كثير من النّسخ، وَلَئِن سلمنَا وجود هَذَا فَلَا نسلم أَنه يسْتَلْزم حذف الْخَبَر، مَعَ أَن الأَصْل ذكر الْخَبَر، وَكَيف يَنْفِي الْجَوْدَة من رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي مَعَ كَونهَا على الأَصْل؟ فَمَاذَا يلْزم من الْمَحْذُور إِذا ذكر الْخَبَر فِي الرِّوَايَات كلهَا. قَوْله: (بعد) ، مَبْنِيّ على الضَّم، أَي: بعد ذَلِك. قَوْله: (إلَاّ تعوذ) أَي: إلَاّ صَلَاة تعوذ فِيهَا، وَقد تقدم فِي: بَاب التَّعَوُّذ من عَذَاب الْقَبْر، فِي الْكُسُوف من طَرِيق عمْرَة (عَن عَائِشَة أَن يَهُودِيَّة جَاءَت تسألها، فَقَالَت لَهَا: أَعَاذَك الله من عَذَاب الْقَبْر؟ فَسَأَلت عَائِشَة رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أيعذب النَّاس فِي قُبُورهم؟ فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عائذا بِاللَّه من ذَلِك، ثمَّ ركب ذَات غَدَاة مركبا فخسفت الشَّمْس) الحَدِيث وَوَقع عِنْد البُخَارِيّ أَيْضا من رِوَايَة أبي وَائِل عَن مَسْرُوق، فِي الدَّعْوَات (دخل عجوزان عَن عجز يهود الْمَدِينَة، فَقَالَتَا: إِن أهل الْقُبُور يُعَذبُونَ فِي قُبُورهم) ، والتوفيق بَين الرِّوَايَتَيْنِ من حَيْثُ إِن إِحْدَاهمَا تَكَلَّمت وأقرتها الْأُخْرَى، على ذَلِك، فنسب القَوْل إِلَيْهِمَا مجَازًا. فَإِن قلت: روى مُسلم من طَرِيق ابْن شهَاب عَن عُرْوَة (عَن عَائِشَة، قَالَت: دخلت على امْرَأَة من الْيَهُود وَهِي تَقول: هَل شَعرت أَنكُمْ تفتنون فِي الْقُبُور؟ قَالَت: فارتاع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقَالَ: إِنَّمَا تفتن يهود، قَالَت عَائِشَة: فلبثنا ليَالِي، ثمَّ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: هَل شَعرت أَنه أُوحِي إِلَيّ أَنكُمْ تفتنون فِي الْقُبُور؟ قَالَت عَائِشَة: فَسمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يستعيذ من عَذَاب الْقَبْر) ، فَهَذِهِ الرِّوَايَة مُخَالفَة للرواية الأولى. قلت: قَالَ الطَّحَاوِيّ: هما قضيتان سمع الْيَهُودِيَّة فَقَالَ: إِنَّمَا تفتن الْيَهُود، ثمَّ أعلم بذلك وَلم يعلم عَائِشَة، فَجَاءَت الْيَهُودِيَّة مرّة أُخْرَى فَذكرت لعَائِشَة ذَلِك فأنكرت عَلَيْهَا مستندة إِلَى الْإِنْكَار الأول، فأعلمها النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِأَن الْوَحْي نزل بإثباته. وَقَالَ الْكرْمَانِي، رَحمَه الله: يحْتَمل أَنه كَانَ يتَعَوَّذ قبل ذَلِك سرا. وَلما رأى استغرابها حَيْثُ سَمِعت من الْيَهُودِيَّة أعلن ليترسخ ذَلِك فِي عقائد أمته ويكونوا على حذر من فتنته. قلت: كَأَنَّهُ لم يطلع على رِوَايَة ابْن شهَاب الْمَذْكُورَة من (صَحِيح مُسلم) فَلذَلِك ذكر مَا ذكره بِالِاحْتِمَالِ، وَوَقع صَرِيحًا بِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لم يكن عِنْده علم بِعَذَاب الْقَبْر لهَذِهِ الْأمة، وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) بِإِسْنَاد صَحِيح على شَرط البُخَارِيّ: عَن سعيد بن عَمْرو بن سعيد الْأمَوِي (عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: أَن يَهُودِيَّة كَانَت تخدمها فَلَا تصنع عَائِشَة إِلَيْهَا شَيْئا من الْمَعْرُوف إلَاّ قَالَت لَهَا الْيَهُودِيَّة: وقاك الله تَعَالَى عَذَاب الْقَبْر، قَالَت: فَقلت: يَا رَسُول الله! هَل للقبر عَذَاب؟ قَالَ: كذبت يهود، لَا عَذَاب دون يَوْم الْقِيَامَة، ثمَّ مكث بعد ذَلِك مَا شَاءَ الله أَن يمْكث، فَخرج ذَات يَوْم نصف النَّهَار وَهُوَ يُنَادي بِأَعْلَى صَوته: أَيهَا النَّاس استعيذوا بِاللَّه من عَذَاب الْقَبْر، فَإِن عَذَاب الْقَبْر حق) . وَفِي هَذَا كُله أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّمَا علم بِحكم عَذَاب الْقَبْر إِذْ هُوَ بِالْمَدِينَةِ فِي آخر الْأَمر. فَإِن قلت: الْآيَة، أَعنِي قَوْله تَعَالَى: {يثبت الله الَّذين آمنُوا} (إِبْرَاهِيم: ٧٢) . مَكِّيَّة، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: {النَّار يعرضون عَلَيْهَا غدوا وعشيا} (غَافِر: ٦٤) . قلت: أُجِيب بِأَن عَذَاب الْقَبْر يُؤْخَذ من الْآيَة الأولى بطرِيق الْمَفْهُوم فِي حق من لم يَتَّصِف بِالْإِيمَان، وَكَذَا بالمنطوق وَفِي الْآيَة الثَّانِيَة فِي حق آل فِرْعَوْن، والتحق بهم من كَانَ لَهُ حكمهم من الْكفَّار، فَالَّذِي أنكرهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّمَا هُوَ وُقُوع عَذَاب الْقَبْر على الْمُوَحِّدين، ثمَّ أعلم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن ذَلِك قد يَقع على من شَاءَ الله مِنْهُم، فَجزم بِهِ وحذر مِنْهُ وَبَالغ فِي الِاسْتِعَاذَة مِنْهُ، تَعْلِيما لأمته، وإرشادا، فَزَالَ التَّعَارُض، وَالله أعلم.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: أَن عَذَاب الْقَبْر حق وَأَنه لَيْسَ بخاص بِهَذِهِ الْأمة. وَفِيه: جَوَاز التحدث عَن أهل الْكتاب

إِذا وَافق قَول الرَّسُول، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَفِيه: التَّوَقُّف عَن خبرهم حَتَّى يعرف أصدق هُوَ أم كذب. وَفِيه: اسْتِحْبَاب التَّعَوُّذ من عَذَاب الْقَبْر عقيب الصَّلَاة لِأَنَّهُ وَقت إِجَابَة الدعْوَة. وَفِيه: جَوَاز دُخُول الْيَهُودِيَّة عِنْد المسلمات. وَفِي حَدِيث أَحْمد، جَوَاز اسْتِخْدَام أهل الذِّمَّة.

٣٧٣١ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حدَّثنا ابنُ وَهَبٍ قَالَ أَخْبرنِي يُونُسُ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبرنِي عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ أنَّهُ سَمِعَ أسْمَاءَ بِنْتَ أبِي بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا تَقُولُ قامَ رَسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خَطِيبا فَذَكَرَ فِتْنَةَ القَبْرِ الَّتِي يَفْتَتِنُ فِيهَا المَرْءُ فَلَمَّا ذَكَرَ ذالِكَ ضَجَّ المُسْلِمُونَ ضَجَّةً زَادَ غُنْدَرٌ عَذَابُ القَبْرِ..

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فتْنَة الْقَبْر أَعم من المساءلة وَغَيرهَا من الْعَذَاب، بل عين المساءلة عَذَاب فِي حق الْكفَّار، وَلِهَذَا أخرج النَّسَائِيّ أَيْضا هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب التَّعَوُّذ من عَذَاب الْقَبْر، قَالَ: أخبرنَا سُلَيْمَان بن دَاوُد عَن ابْن وهب، قَالَ: أَخْبرنِي يُونُس، قَالَ ابْن شهَاب: أَخْبرنِي عُرْوَة بن الزبير أَنه سمع أَسمَاء بنت أبي بكر تَقول: (قَامَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَذكر فتْنَة الْقَبْر الَّتِي يفتتن الْمَرْء فِيهَا فِي قَبره، فَلَمَّا ذكر ذَلِك ضج الْمُسلمُونَ ضجة حَالَتْ بيني وَبَين أَن أفهم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَلَمَّا سكتت ضجتهم قلت لرجل قريب عني: أَي بَارك الله فِيك، مَاذَا قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي آخر قَوْله؟ قَالَ: قد أُوحِي إِلَيّ إِنَّكُم تفتنون فِي الْقُبُور قَرِيبا من فتْنَة الدَّجَّال) . وَأخرجه البُخَارِيّ كَمَا ترَاهُ مُخْتَصرا عَن يحيى بن سُلَيْمَان أبي سعيد الْجعْفِيّ الْكُوفِي نزيل مصر عَن عبد الله بن وهب الْمصْرِيّ عَن يُونُس بن يزِيد الْأَيْلِي عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ الْمدنِي عَن عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام إِلَى آخِره.

قَوْله: (خَطِيبًا) ، نصب على الْحَال. قَوْله: (الَّتِي تفتتن) صفة للفتنة، يَعْنِي ذكر الْفِتْنَة بتفاصيلها كَمَا يجْرِي على الْمَرْء فِي قَبره، وَمن ثمَّة ضج الْمُسلمُونَ وصاحوا وجزعوا، والتنوين فِي ضجة، للتعظيم. قَوْله: (زَاد غنْدر: عَذَاب الْقَبْر) ، غنْدر، بِضَم الْغَيْن: وَهُوَ مُحَمَّد بن جَعْفَر، وَقد مر غير مرّة. قيل: وَقع: زَاد غنْدر، فِي بعض النّسخ عقيب حَدِيث أَسمَاء وَهُوَ غلط. قلت: دَعْوَى الْغَلَط بِلَا دَلِيل غلط، فَإِن كَانَ دَلِيله أَن غندرا إِنَّمَا رَوَاهُ عَن شُعْبَة، وَحَدِيث أَسمَاء لَيْسَ فِيهِ عَن شُعْبَة، فَنَقُول: هَذَا لَيْسَ بِشَيْء لِأَن رِوَايَة غنْدر عَن شُعْبَة لَا تَسْتَلْزِم نفي رِوَايَته عَن غَيره فِي حَدِيث أَسمَاء، فَافْهَم.

٤٧٣١ - حدَّثنا عَيَّاشُ بنُ الوَلِيدِ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الأعْلَى قَالَ حَدثنَا سَعِيدٌ عنْ قَتَادَةَ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّهُ حدَّثَهُمْ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: إنَّ العَبْدَ إذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وتَوَلَّى عَنْهُ أصْحَابُهُ وَإنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ أتَاهُ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ فَيَقُولانِ مَا كُنْتُ تَقُولُ فِي هاذا الرَّجُلَ لِمُحَمَّدٍ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فأمَّا المؤْمِنُ فَيَقُولُ أشْهَدُ أنَّهُ عَبْدُ الله ورَسُولُهُ فَيُقَالُ لَهُ انْظُرْ إلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ قَدْ أبْدَلَكَ الله بِهِ مَقْعَدا مِنَ الجنَّةِ فَيَراهُمَا جَمِيعا. قَالَ قَتَادَةُ وذُكِرَ لَنَا أنَّهُ يُفْسَحُ فِي قَبْرِهِ ثُمَّ رَجَعَ إلَى حَدِيثِ أنَسٍ قَالَ وَأمَّا المُنَافِقُ وَالكَافِرُ فَيُقَالُ لَهُ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هاذا الرَّجُلِ فَيَقُولُ لَا أدْرِي كُنْتُ أقُولُ مَا يَقُولُهُ النَّاسُ فَيُقَالُ لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ وَيُضْرَبُ بِمَطَارِقَ مِنْ حدِيدٍ ضَرْبَةً فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ.

(أنظر الحَدِيث ٨٣٣١) .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَيضْرب بمطارق من حَدِيد) ، إِلَى آخِره، وَقد مضى الحَدِيث فِي: بَاب الْمَيِّت يسمع خَفق النِّعَال، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ بِهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه: عَن عَيَّاش عَن عبد الْأَعْلَى عَن سعيد عَن قَتَادَة. . إِلَى آخِره، وَأخرجه هُنَا أَيْضا عَن عَيَّاش، بتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالشين الْمُعْجَمَة، عَن عبد الْأَعْلَى كَذَلِك عَن سعيد بن أبي عرُوبَة كَذَلِك إِلَى آخِره، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى.

ذكر مَعْنَاهُ: نذْكر هُنَا مَا لم نذكرهُ هُنَاكَ لزِيَادَة فَائِدَة. قَوْله: (ليسمع قرع نعَالهمْ) زَاد مُسلم: (إِذا انصرفوا) ، قَوْله: (فَيُقْعِدَانِهِ) ، زَاد فِي حَدِيث الْبَراء: (فتعاد روحه فِي جسده) . قَوْله: (لمُحَمد) بَيَان من الرَّاوِي أَي: لأجل مُحَمَّد، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: (مَا كنت تَقول فِي هَذَا الرجل؟) وَفِي رِوَايَة أَحْمد من حَدِيث عَائِشَة: (مَا هَذَا الرجل الَّذِي كَانَ فِيكُم؟) قَوْله: (أنظر إِلَى مَقْعَدك من النَّار) ، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: (فَيُقَال لَهُ: هَذَا بَيْتك كَانَ فِي النَّار، وَلَكِن الله عز وَجل عصمك ورحمك فأبدلك بِهِ بَيْتا فِي الْجنَّة، فَيَقُول لَهُم: دَعونِي حَتَّى أذهب فأبشر أَهلِي فَيُقَال لَهُ: أسكت) . وَفِي حَدِيث أبي سعيد عَن أَحْمد: (كَانَ هَذَا مَنْزِلك لَو كفرت بِرَبِّك) . وَفِي رِوَايَة ابْن مَاجَه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بِإِسْنَاد صَحِيح: (فَيُقَال لَهُ: هَل رَأَيْت الله؟ فَيَقُول: مَا يَنْبَغِي لأحد أَن يرى الله، فيفرج الله لَهُ فُرْجَة قبل النَّار فَينْظر إِلَيْهَا فيحطم بَعْضهَا بَعْضًا. فَيُقَال لَهُ: أنظر إِلَى مَا وقاك الله) . قَوْله: (وَذكر لنا) ، بِلَفْظ الْمَجْهُول، قَوْله: (يفسح لَهُ فِي قَبره) كلمة فِي، زَائِدَة، إِذْ الأَصْل: يفسح لَهُ فِي قَبره، وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق شَيبَان عَن قَتَادَة: (سَبْعُونَ ذِرَاعا، ويملأ خضرًا إِلَى يَوْم يبعثُون) ، وَفِي رِوَايَة ابْن حبَان: (سبعين ذِرَاعا فِي سبعين ذِرَاعا) ، وَله من وَجه آخر: عَن أبي هُرَيْرَة: (ويرحب لَهُ فِي قَبره سَبْعُونَ ذِرَاعا وينور لَهُ كَالْقَمَرِ لَيْلَة الْبَدْر) . وَفِي حَدِيث طَوِيل للبراء: (فينادي منادٍ من السَّمَاء أَن: صدق عَبدِي فافرشوه من الْجنَّة، وافتحوا لَهُ بَابا فِي الْجنَّة، والبسوه من الْجنَّة. قَالَ: فيأتيه من رِيحهَا وطيبها، ويفسح لَهُ مد بَصَره) . وَزَاد ابْن حبَان من وَجه آخر عَن أبي هُرَيْرَة: (فَيَزْدَاد غِبْطَة وسرورا فيعاد الْجلد إِلَى مَا بدا مِنْهُ، وَيجْعَل روحه فِي نسم طَائِر يعلق فِي شجر الْجنَّة) . قَوْله: (وَأما الْمُنَافِق وَالْكَافِر) ، كَذَا بواو الْعَطف فِي هَذِه الطَّرِيق، وَتقدم فِي: بَاب الْمَيِّت يسمع خَفق النِّعَال: وَأما الْكَافِر أَو الْمُنَافِق بِالشَّكِّ، وَفِي حَدِيث أبي دَاوُد: (وَأَن الْكَافِر إِذا وضع) ، وَعند أَحْمد فِي حَدِيث أبي سعيد: (وَإِن كَانَ كَافِرًا أَو منافقا) بِالشَّكِّ، وَله فِي حَدِيث أَسمَاء: (فَإِن كَانَ فَاجِرًا أَو كَافِرًا) . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيثهَا: (وَأما الْمُنَافِق أَو المرتاب) ، وَفِي رِوَايَة عبد الرَّزَّاق عَن جَابر، وَعند التِّرْمِذِيّ عَن أبي هُرَيْرَة: (وَأما الْمُنَافِق) ، وَفِي حَدِيث عَائِشَة عِنْد أَحْمد وَأبي هُرَيْرَة عِنْد ابْن مَاجَه: (وَأما الرجل السوء) ، وللطبراني من حَدِيث أبي هُرَيْرَة (وَإِن كَانَ من أهل الشَّك) . قَوْله: (كنت أَقُول مَا يَقُول النَّاس) ، وَفِي حَدِيث أَسمَاء: (سَمِعت النَّاس يَقُولُونَ شَيْئا فقلته) ، وَكَذَا فِي أَكثر الْأَحَادِيث. قَوْله: (وَلَا تليت) أَي: وَلَا تَلَوت، أَي: لَا فهمت وَلَا قَرَأت الْقُرْآن، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مستقصىً. قَوْله: (بمطارق حَدِيد) جمع مطرقة، وَكَذَا فِي: بَاب خَفق النِّعَال، بِالْإِفْرَادِ. والمطارق: مُضَاف إِلَى حَدِيد مثل: خَاتم فضَّة، ويروى: (بمطارق من حَدِيد) ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَجه الْجمع للإيذان بِأَن كل جُزْء من أَجزَاء تِلْكَ المطرقة مطرقة برأسها مُبَالغَة. قَوْله: (يسْمعهَا من يَلِيهِ) قَالَ الْمُهلب: المُرَاد الْمَلَائِكَة الَّذين يلون فتنته. قلت: لَا وَجه لتخصيصه بِالْمَلَائِكَةِ، فقد ثَبت أَن الْبَهَائِم تسمعه، وَفِي حَدِيث الْبَراء: (يسْمعهَا من بَين الْمشرق وَالْمغْرب) ، وَفِي حَدِيث أبي سعيد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عِنْد أَحْمد، رَحمَه الله تَعَالَى (يسمعهُ خلق الله كلهم غير الثقلَيْن) ، وَيدخل فِي هَذَا، وَفِي حَدِيث الْبَراء، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: الْحَيَوَان والجماد، لَكِن يُمكن أَن يخص مِنْهُ الجماد لما فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عِنْد الْبَزَّار، رَحمَه الله تَعَالَى: (يسمعهُ كل دَابَّة إلَاّ الثقلَيْن) .

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: إِثْبَات عَذَاب الْقَبْر، وَأَنه وَاقع على الْكفَّار وَمن شَاءَ الله من الْمُؤمنِينَ. فَإِن قلت: المساءلة عَامَّة على جَمِيع الْأُمَم أم على أمة مُحَمَّد، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ فَذهب الْحَكِيم التِّرْمِذِيّ إِلَى أَنَّهَا تخْتَص بِهَذِهِ الْأمة، وَقَالَ: كَانَت الْأُمَم قبل هَذِه الْأمة تأتيهم الرُّسُل، فَإِن أطاعوا فَذَاك، وَإِن أَبَوا اعتزلوهم وعوجلوا بِالْعَذَابِ، فَلَمَّا أرسل الله مُحَمَّدًا، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، رَحْمَة للْعَالمين أمسك عَنْهُم الْعَذَاب، وَقبل الْإِسْلَام مِمَّن أظهره سَوَاء أسر الْكفْر أَو لَا، فَلَمَّا مَاتُوا قيض الله لَهُم فتاني الْقَبْر ليستخرج سرهم بالسؤال، وليميز الله الْخَبيث من الطّيب، وَيثبت الَّذين آمنُوا ويضل الظَّالِمين. انْتهى. وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث زيد بن ثَابت، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مَرْفُوعا: (إِن هَذِه الْأمة تبتلى فِي قبورها) الحَدِيث أخرجه مُسلم وَيُؤَيِّدهُ أَيْضا قَول الْملكَيْنِ: مَا تَقول فِي هَذَا الرجل مُحَمَّد؟ وَحَدِيث عَائِشَة أَيْضا عِنْد أَحْمد بِلَفْظ: وَأما فتْنَة الْقَبْر فِي يفتنون وعني يسْأَلُون) وَذهب ابْن الْقيم إِلَى عُمُوم المساءلة، وَقَالَ: لَيْسَ فِي الْأَحَادِيث مَا يَنْفِي المساءلة عَمَّن تقدم من الْأُمَم، وَإِنَّمَا أخبر

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.4 / 29.5
الإضاءة 78%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل