«قَالَ عُمَرُ ﵁: أَيُّكُمْ يَحْفَظُ حَدِيثَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَنِ الْفِتْنَةِ؟…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٤٣٥

الحديث رقم ١٤٣٥ من كتاب «كتاب الزكاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الصدقة تكفر الخطيئة.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «قال عمر ﵁: أيكم يحفظ حديث رسول الله ﷺ عن…

«قَالَ عُمَرُ : أَيُّكُمْ يَحْفَظُ حَدِيثَ رَسُولِ اللهِ عَنِ الْفِتْنَةِ؟ قَالَ: قُلْتُ: أَنَا أَحْفَظُهُ كَمَا قَالَ. قَالَ: إِنَّكَ عَلَيْهِ لَجَرِيءٌ، فَكَيْفَ؟ قَالَ: قُلْتُ: فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ، تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ وَالْمَعْرُوفُ قَالَ سُلَيْمَانُ: قَدْ كَانَ يَقُولُ: الصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ

⦗١١٤⦘

وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ قَالَ: لَيْسَ هَذِهِ أُرِيدُ، وَلَكِنِّي أُرِيدُ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ، قَالَ: قُلْتُ: لَيْسَ عَلَيْكَ بِهَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بَأْسٌ، بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابٌ مُغْلَقٌ، قَالَ: فَيُكْسَرُ الْبَابُ أَوْ يُفْتَحُ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا، بَلْ يُكْسَرُ، قَالَ: فَإِنَّهُ إِذَا كُسِرَ لَمْ يُغْلَقْ أَبَدًا. قَالَ: قُلْتُ: أَجَلْ. فَهِبْنَا أَنْ نَسْأَلَهُ مَنِ الْبَابُ؟ فَقُلْنَا لِمَسْرُوقٍ: سَلْهُ، قَالَ: فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: عُمَرُ . قَالَ: قُلْنَا: فَعَلِمَ عُمَرُ مَنْ تَعْنِي؟ قَالَ: نَعَمْ، كَمَا أَنَّ دُونَ غَدٍ لَيْلَةً، وَذَلِكَ أَنِّي حَدَّثْتُهُ حَدِيثًا لَيْسَ بِالْأَغَالِيطِ.»

سند حديث: ١٤٣٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا…

١٤٣٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ:

شرح مبسّط لحديث: «قال عمر ﵁: أيكم يحفظ حديث رسول الله ﷺ عن…

كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في مجلسه وعنده جَمْع من الصحابة رضي الله عنهم، فقال لهم:

أيكم سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الفتن؟

فقال بعضهم: نحن سمعناه يذكر الفتن، فقال عمر رضي الله عنه: لعلكم تقصدون ابتلاء وامتحان الرجل في خاصته؛ في زوجه وولده من فرط محبته لهم، وشحه عليهم، وشغله بهم عن كثير من الخير، أو لتفريطه بما يلزم من القيام بحقوقهم وتأديبهم وتعليمهم، وكذا فتنة الرجل في جاره ونحو ذلك، لعلكم تقصدون ذلك؟

قالوا: أجل، قال: تلك فتن تقتضي المحاسبة، ومنها ذنوب يرجى تكفيرها بالحسنات كالصلاة والصيام والصدقة.

ولكن أيكم سمع النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الفتن العامة لشدة عظمها وكثرة شيوعها تضطرب بالناس كاضطراب موج البحر؟

فصمت القوم، فقال حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما: أنا سمعته، ففرح عمر رضي الله عنه، وقال له: لله دَرُّ أبيك حيث أتى بمثلك؛ قُل، قال حذيفة: قال صلى الله عليه وسلم:

تظهر الفتن وتَلْصَق بعَرْض وجانب قلب الإنسان كما يلصق فراش الحصير بجنب النائم عليه، ويؤثر في القلب شدة التصاق الفتن به، وتعاد هذه الفتن وتكرر فتنة بعد أخرى، فأي قلب دخلت فيه، وأحبها وخالطته كمخالطة الشراب ودخوله؛ نقط في قلبه نقطة سوداء، وأي قلب ردها نقط فيه نقطة بيضاء، حتى تصير القلوب على نوعين؛ على قلب أبيض لشدته على عقد الإيمان، وسلامته من الخلل، وأن الفتن لم تلصق به، ولم تؤثر فيه كحجر الصفا الأملس الذي لا يعلق به شيء، فلا تضره فتنة حتى يلقى الله.

والقلب الآخر قلب تغير لونه أسود من الفتن كالإبريق المائل أو المقلوب الذي لا يثبت فيه ماء، فكذا هذا القلب لا يَعْلَق به خير ولا حكمة، لا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا، إلا ما أحبه وهوته نفسه.

وقال حذيفة لعمر: إن تلك الفتن لا يخرج شيء منها في حياتك، وبينك وبينها بابًا مغلقًا يقرب أن يُكسر، قال عمر: أيكسر كسرًا؟ فلو أنه فتح لعله كان يُعاد فيغلق، قال حذيفة: لا، بل يكسر، وأن ذلك الباب رجل يقتل أو يموت.

وما ذكرته خبر صدق مُحقَّق ليس هو من صُحُف الكتابيين، ولا من اجتهاد ذي رأي، بل من حديث النبي صلى الله عليه وسلم.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • خطورة الفتن العامة؛ لما يحصل فيها من سفْك الدماء وذهاب الأموال وزوال الأمن.
  • الفتن الخاصة إن كانت متعلقة بالدين فصاحبها مذموم؛ لإنها إما بدع أو معاصي، وإن كانت متعلقة بأمور دنيوية، فهي امتحان واختبار لصاحبها، والواجب عليه الصبر.
  • القلب يتأثر بالفتن التي تُعرض عليه، والموفق من هداه الله للثبات على الهدى.
  • قال النووي: قال صاحب التحرير: معنى الحديث: أن الرجل إذا تبع هواه وارتكب المعاصي دخل قلبه بكل معصية يتعاطاها ظلمة، وإذا صار كذلك افتتن وزال عنه نور الإسلام، والقلب مثل الكوز فإذا انكب انصب ما فيه ولم يدخله شيء بعد ذلك.
  • قول عمر لحذيفة: (لا أبا لك) معناه: جِدّ في هذا الأمر، وشَمِّرْ وتأهَّب تأهُّب من ليس له معاون.
  • فضل عمر رضي الله عنه، وأنه باب مغلق بين الناس وبين الفتنة.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «قال عمر ﵁: أيكم يحفظ حديث رسول الله ﷺ عن…

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٤٣٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) بفتح الجيم، ابن عبد الحميد (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) بالهمزة (١)، شقيق بن سلمة (عَنْ حُذَيْفَةَ) ابن اليمان ( قَالَ: قَالَ عُمَرُ : أَيُّكُمْ يَحْفَظُ حَدِيثَ رَسُولِ اللهِ عَنِ الفِتْنَةِ؟ قَالَ) حذيفة: (قُلْتُ: أَنَا أَحْفَظُهُ كَمَا قَالَ) (قَالَ) عمر : (إِنَّكَ عَلَيْهِ لَجَرِيءٌ) بفتح الجيم والمدِّ، خبر «إنَّ»، واللَّام للتَّأكيد، من الجُرْأَة، وهي الإقدام على الشَّيء، قال ابن بطَّالٍ: أي: إنَّك كثير السُّؤال عن الفتنة في أيَّامه ، فأنت اليوم جريءٌ على ذكره عالمٌ به (فَكَيْفَ) قَالَ (٢)؟ (قَالَ) حذيفة: (قُلْتُ): هي (فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ) ممَّا يعرض له معهنَّ من سوءٍ، أو حزنٍ أو غير ذلك ممَّا لم يبلغ كبيرةً (وَوَلَدِهِ) بالاشتغال به من فرط المحبَّة عن كثيرٍ من الخيرات (وَجَارِهِ) بأن يتمنَّى مثل حاله إن كان متَّسِعًا، كلُّ ذلك (تُكَفِّرُهُ (٣) الصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ وَالمَعْرُوفُ، قَالَ سُلَيْمَانُ) بن مهران الأعمش: (قَدْ كَانَ) أبو وائلٍ (يَقُولُ) في بعض الأحيان: (الصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ وَالأَمْرُ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ) بدل قوله: «والمعروف» (قَالَ) عمر لحذيفة : (لَيْسَ هَذِهِ) الفتنة (أُرِيدُ، وَلَكِنِّي أُرِيدُ) الفتنة (الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ البَحْرِ، قَالَ) حذيفة: (قُلْتُ: لَيْسَ عَلَيْكَ بِهَا) وللأربعة «منها» أي: من الفتنة (يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ بَأْسٌ) بالرَّفع، اسم «ليس» أي: ليس عليك منها شدَّةٌ (بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابٌ مُغْلَقٌ، قَالَ) عمر : (فَيُكْسَرُ) هذا (البَابُ أَوْ) وللحَمُّويي والمُستملي: «أم» (يُفْتَحُ؟ قَالَ) حذيفة: (قُلْتُ: لَا (٤)، بَلْ يُكْسَرُ، قَالَ) عمر: (فَإِنَّهُ) أي: الباب (إِذَا كُسِرَ لَمْ يُغْلَقْ أَبَدًا) أشار به عمر إلى أنَّه إذا قُتِل ظهرت

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

شَيْئا استطعته، فَمَا: موصوله. وَقَالَ النَّوَوِيّ: مَعْنَاهُ مِمَّا يرضى بِهِ الزبير، وَهُوَ زَوجهَا، وَتَقْدِيره: إِن لَك فِي الرضخ مَرَاتِب وَكلهَا يرضاها الزبير فافعلي أَعْلَاهَا، وَالله أعلم.

٣٢ - (بابٌ الصَّدَقَةُ تُكَفِّرُ الخَطِيئَةَ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الصَّدَقَة تكفر الْخَطِيئَة، فباب منون، وَالصَّدَََقَة مُبْتَدأ، وتكفر الْخَطِيئَة، خَبره، وَيجوز بِإِضَافَة الْبَاب إِلَى الصَّدَقَة، تَقْدِيره: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَن الصَّدَقَة تكفر الْخَطِيئَة.

٥٣٤١ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ قَالَ حدَّثنا جَرِيرٌ عنِ الأعْمَشِ عنْ أبِي وَائِلٍ عنْ حُذَيْفَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ. قَالَ قَالَ عُمَرُ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أيُّكُمْ يَحْفَظُ حَدِيثَ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عنِ الفِتْنَةِ قَالَ قُلْتُ أَنا أحْفَظُهُ كَما قَالَ إنَّكَ عَلَيْهِ لَجَرىءٌ فَكَيْفَ قَالَ قُلْتُ فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ والمَعْرُوفُ. قَالَ سُلَيْمَانُ قَدْ كانَ يَقُولُ الصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ والأَمْرُ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عنِ المُنْكَرِ قَالَ لَيْسَ هاذِهِ أُرِيدُ وَلَكِنِّي أُرِيدُ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ البَحْرِ قَالَ قُلْتُ لَيْسَ عَلَيْكَ بِهَا يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ بأْسٌ بَيْنَكَ وبَيْنَهَا بابٌ مُغْلَقٌ قَالَ فَيُكْسَرُ البَابُ أوْ يُفْتَحُ قَالَ قُلْتُ لَا بَلْ يُكْسَرُ قَالَ فإنَّهُ إذَا كُسِرَ لَمْ يُغْلَقُ أبَدا قَالَ قُلْتُ أجَلْ فَهِبْنَا أنْ نَسْألَهُ مَنِ البَابُ فَقُلْنَا لِمَسْرُوقٍ سَلْهُ قَالَ فَسَألَهُ فَقَالَ عُمَرُ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ. قَالَ قُلْنَا فَعَلِمَ عُمَرُ مَنْ تَعْنِي قَالَ نَعَمْ كَما أنَّ دُونَ غَدٍ لَيْلَةً وَذالِكَ أنِّي حَدَّثْتُهُ حدِيثا لَيْسَ بالأغَالِيظِ..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فتْنَة الرجل) إِلَى قَوْله: (وَالْمَعْرُوف) .

وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة. وقتيبة بن سعيد، وَجَرِير، بِفَتْح الْجِيم: ابْن عبد الحميد، وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة. وَقد مضى الحَدِيث فِي أَوَائِل كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب الصَّلَاة كَفَّارَة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن مُسَدّد عَن يحيى عَن الْأَعْمَش، إِلَى آخِره، وَبَينهمَا تفَاوت يسير، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى هُنَاكَ.

قَوْله: (الجريء) من الجراءة، قَالَ ابْن بطال: إِنَّك لجريء أَي: إِنَّك لَكُنْت كثير السُّؤَال عَن الْفِتْنَة فِي أَيَّامه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأَنت الْيَوْم جرىء على ذكره عَالم بِهِ. قَوْله: (وَالْمَعْرُوف) ، أَي: الْخَيْر، وَهُوَ تَعْمِيم بعد تَخْصِيص. قَوْله: (قَالَ سُلَيْمَان) يَعْنِي: الْأَعْمَش الْمَذْكُور فِي السَّنَد. قَوْله: (قد كَانَ يَقُول) أَي: قد كَانَ يَقُول أَبُو وَائِل فِي بعض الْأَوْقَات بدل (الْمَعْرُوف) (الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر) . قَوْله: (قَالَ لَيْسَ هَذِه) أَي: قَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: لَيْسَ هَذِه الْفِتْنَة أريدها. قَوْله: (أُرِيد الَّتِي) أَي: الْفِتْنَة الَّتِي. قَوْله: (قَالَ: قلت) أَي: قَالَ حُذَيْفَة: قلت. قَوْله: (بهَا) ، ويروى: (فِيهَا) أَي: فِي الْفِتْنَة. قَوْله: (لَا بَأْس) ، مَرْفُوع لِأَنَّهُ اسْم: لَيْسَ، قَوْله: (فيكسر الْبَاب أَو يفتح) ، ويروى: (أم تفتح) ، أَشَارَ بِهِ إِلَى مَوته بِدُونِ الْقَتْل، كَانَ يَرْجُو أَن الْفِتْنَة، وَإِن بَدَت تسكن أَي: كَانَ ذَلِك بِسَبَب مَوته دون قَتله، وَأما إِن ظهر بِسَبَب قَتله فَلَا تسكن أبدا. قَوْله: (بل يكسر) ، وَأَشَارَ حُذَيْفَة بِهَذِهِ اللَّفْظَة إِلَى قتل عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (قَالَ: فَإِنَّهُ) أَي: قَالَ عمر: فَإِن الْبَاب إِذا كسر لم يغلق أبدا، وَأَشَارَ بِهِ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، إِلَى أَنه إِذا قتل ظَهرت الْفِتَن فَلَا تسكن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَكَانَ كَمَا قَالَ، لِأَنَّهُ كَانَ سدا أَو بَابا دون الْفِتْنَة، فَلَمَّا قتل كثرت الْفِتْنَة. وَعلم عمر أَنه الْبَاب. قَوْله: (فهبنا) ، بِكَسْر الْهَاء أَي: خفنا أَن نسْأَل حُذَيْفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَكَانَ حُذَيْفَة مهيبا، فهاب أَصْحَابه أَن يسألوه مَن الْبَاب؟ يَعْنِي: مَن المُرَاد بِالْبَابِ؟ وَكَانَ مَسْرُوق أجرأ على سُؤَاله لِكَثْرَة علمه وعلو مَنْزِلَته، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: هُوَ عمر، أَي: الْبَاب الَّذِي كني بِهِ عَنهُ، ثمَّ قَالُوا: فَعلم عمر من تَعْنِي؟ أَي: من تقصد من الْبَاب؟ قَالَ حُذَيْفَة: نعم علم علما لَا شكّ فِيهِ، كَمَا أَن دون غَد لَيْلَة، يَعْنِي: كَمَا لَا شكّ أَن الْيَوْم الَّذِي أَنْت فِيهِ يسْبق الْغَد الَّذِي يَأْتِي بعْدهَا. قَوْله: (لَيْلَة) ، بِالنّصب اسْم: إِن و: (دون غَد) خَبره، ثمَّ علل ذَلِك بقوله: (وَذَلِكَ أَنِّي حدثته) أَي: حدثت عمر بِحَدِيث وَاضح لَا شُبْهَة فِيهِ عَن مَعْدن الصدْق وَرَأس الْعلم، وَهُوَ معنى قَوْله: (حَدِيثا لَيْسَ بالأغاليط)

وَهُوَ جمع أغلوطة، وَهِي مَا يغلط بِهِ عَن الشَّارِع، وَنهى الشَّارِع عَن الأغلوطات، وَهَذَا مِنْهُ. وَقَالَ ابْن قرقول: الأغاليط. صعاب الْمسَائِل ودقاق النَّوَازِل الَّتِي يغلط فِيهَا. وَقَالَ الدَّاودِيّ: لَيْسَ بالأغاليط لَيْسَ بالصغير من الْأَمر واليسير الرزية.

وَفِيه: من الْفَوَائِد: ضرب الْأَمْثَال فِي الْعلم وَالْحجّة لسد الذرائع. وَفِيه: قد يكون عِنْد الصَّغِير من الْعلم مَا لَيْسَ عِنْد الْعَالم المبرز. وَفِيه: أَن الْعَالم قد يرمز بِهِ رمزا ليفهم المرموز لَهُ دون غَيره، لِأَنَّهُ لَيْسَ كل الْعلم تَحت إِبَاحَته إِلَى من لَيْسَ بمتفهم لَهُ وَلَا عَالم بِمَعْنَاهُ. وَفِيه: أَن الْكَلَام فِي الجريان مُبَاح إِذا كَانَ فِيهِ أثر عَن النُّبُوَّة، وَمَا سوى ذَلِك مَمْنُوع، لِأَنَّهُ لَا يصدق مِنْهُ إلَاّ أقل من عشر الْعشْر، كَمَا قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: تِلْكَ الْكَلِمَة من الْحق يحفظها الجني فيضيف إِلَيْهَا أَزِيد من مائَة كذبة، وَالله أعلم.

٤٢ - (بابُ مَنْ تَصَدَّقَ فِي الشِّرْكِ ثُمَّ أسْلَمَ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَمر من تصدق فِي حَالَة الشّرك، ثمَّ أسلم وَلم يذكر الْجَواب. قيل: لقُوَّة الِاخْتِلَاف فِيهِ، تَقْدِيره: ثمَّ أسلم هَل يعْتد لَهُ بِثَوَاب تِلْكَ الصَّدَقَة بعد الْإِسْلَام أم لَا؟ قلت: إِنَّمَا لم يذكر الْجَواب اكْتِفَاء بِمَا فِي الحَدِيث، وَالْجَوَاب أَنه: يعْتد بِهِ.

٦٣٤١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا هِشَامٌ قَالَ حدَّثنا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عُرْوَةَ عنْ حَكِيمِ بنِ حِزَامٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قُلْتُ يَا رسولَ الله أرَأيْتَ أشْيَاءَ كُنْتُ أتَحَنَّثُ بِهَا فِي الجَاهِلِيَّةِ مِنْ صَدَقَةٍ أوْ عَتَاقَةٍ وَصِلَةِ رَحِمٍ فَهَلْ فِيهَا مِنْ أجْرٍ فَقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أسْلَمْتَ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ خَيْرٍ..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أسلمت على مَا سلف من خير) ، وَذكر صَاحب (التَّلْوِيح) أَن هَذَا الحَدِيث كَذَا ذكر فِي هَذَا الْبَاب من كتاب الزَّكَاة فِيمَا رَأَيْت من النّسخ، وَفِيه أَيْضا ذكره صَاحب الْمُسْتَخْرج، وَزعم شَيخنَا أَبُو الْحجَّاج فِي كِتَابه (الْأَطْرَاف) تبعا لأبي مَسْعُود وَخلف أَن البُخَارِيّ خرجه بِهَذَا السَّنَد فِي كتاب الصَّلَاة، وَلم يذكرُوا تَخْرِيجه لَهُ هُنَا فَينْظر.

ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله أَبُو جَعْفَر المسندي. الثَّانِي: هِشَام بن يُوسُف أَبُو عبد الرَّحْمَن، قَاضِي صنعاء. الثَّالِث: معمر بن رَاشد. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. السَّادِس: حَكِيم بن حزَام بن خويلد الْأَسدي.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه بخاري وَشَيخ شَيْخه يماني وَهُوَ من أَفْرَاده وَمعمر بَصرِي وَالزهْرِيّ وَعُرْوَة مدنيان. وَفِيه: أَن شَيْخه مَذْكُور بنسبته إِلَى أَبِيه فَقَط، وَالزهْرِيّ إِلَى قبيلته، وَالثَّلَاثَة مجردون. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْبيُوع، وَفِي الْأَدَب عَن أبي الْيَمَان، وَفِي الْعتْق عَن عبيد الله ابْن إِسْمَاعِيل. وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن حَرْمَلَة بن يحيى وَعَن الْحسن بن عَليّ وَعبد بن حميد وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعبد بن حميد وَعَن أبي بكر عَن عبد الله بن نمير.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَرَأَيْت) أَي: أَخْبرنِي عَن حكم أَشْيَاء كنت أَتَعبد بهَا قبل الْإِسْلَام مثل مَا حمل مائَة بعير واعتق مائَة رَقَبَة. قَوْله: (أتحنث) بالثاء الْمُثَلَّثَة أَي: أَتَقَرَّب، وَقَالَ ابْن قرقول: كنت أتحنث بتاء مثناة، رَوَاهُ الْمروزِي فِي: بَاب من وصل رَحمَه، وَهُوَ غلط من جِهَة الْمَعْنى. وَأما الرِّوَايَة فصحيحة، وَالوهم فِيهِ من شُيُوخ البُخَارِيّ بِدَلِيل قَول البُخَارِيّ، وَيُقَال، أَي عَن أبي الْيَمَان: أتحنث أَو أتحنت على الشَّك، وَالصَّحِيح الَّذِي هُوَ رِوَايَة الْعَامَّة بثاء مُثَلّثَة، وَعَن عِيَاض بالثاء الْمُثَنَّاة غلط من جِهَة الْمَعْنى، وَيحْتَمل أَن يكون لَهَا معنى، وَهُوَ: الْحَانُوت، لِأَن الْعَرَب كَانَت تسمي بيُوت الحمارين الحوانيت، يَعْنِي كنت أتحنت حوانيتهم. وَقَالَ النَّوَوِيّ: التحنت التَّعَبُّد كَمَا فسره فِي الحَدِيث، وَفَسرهُ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى

بالتبرر، وَهُوَ فعل الْبر، وَهُوَ الطَّاعَة. وَقَالَ أهل اللُّغَة: أصل التحنث أَن يفعل فعلا يخرج بِهِ من الْحِنْث وَهُوَ الْإِثْم، وَكَذَا تأثم وتحرج وتهجد، أَي: فعل فعلا يخرج عَن الْإِثْم والحرج والهجود. قَوْله: (من صَدَقَة) كلمة من، بَيَانِيَّة. قَوْله: (أَو عتاقة) وَهُوَ أَنه أعتق مائَة رَقَبَة فِي الْجَاهِلِيَّة وَحمل على مائَة بعير، كَمَا ذكرنَا. قَوْله: (على مَا سلف) ، أَي: على اكْتِسَاب مَا سلف لَك من خير أَو على احتسابه، أَو على قبُول مَا سلف، وَرُوِيَ أَن حَسَنَات الْكَافِر إِذا ختم لَهُ بِالْإِسْلَامِ مَقْبُولَة أَو تحسب لَهُ، فَإِن مَاتَ على كفره بَطل عمله. قَالَ تَعَالَى: {وَمن يكفر بِالْإِيمَان فقد حَبط عمله} (الْمَائِدَة: ٥) . وَقَالَ الْمَازرِيّ: اخْتلف فِي قَوْله: (أسلمت على مَا سلف من خير) ، ظَاهره خلاف مَا يَقْتَضِيهِ الْأُصُول، لِأَن الْكَافِر لَا تصح مِنْهُ قربَة فَيكون مثابا على طَاعَته، وَيصِح أَن يكون مُطيعًا غير متقرب كَنَظِيرِهِ فِي الْإِيمَان، فَإِنَّهُ مُطِيع من حَيْثُ كَانَ مُوَافقا لِلْأَمْرِ وَالطَّاعَة عندنَا مُوَافقَة لِلْأَمْرِ، وَيصِح أَن يكون مُطيعًا غير متقرب كَنَظِيرِهِ فِي الْإِيمَان، فَإِنَّهُ مُطِيع من حَيْثُ كَانَ مُوَافقا لِلْأَمْرِ وَالطَّاعَة عندنَا مُوَافقَة لِلْأَمْرِ، وَلكنه لَا يكون متقربا، لِأَن من شَرط التَّقَرُّب أَن يكون عَارِفًا بالمتقرب إِلَيْهِ، وَهُوَ فِي حِين نظره لم يحصل لَهُ الْعلم بِاللَّه تَعَالَى بعد.

فَإِذا قرر هَذَا فَاعْلَم أَن الحَدِيث متأول، وَهُوَ يحْتَمل وُجُوهًا.

أَحدهَا: أَن يكون الْمَعْنى: أَنَّك اكْتسبت طباعا جميلَة وَأَنت تنْتَفع بِتِلْكَ الطباع فِي الْإِسْلَام، وَتَكون تِلْكَ الْعَادة تمهيدا لَك ومعونة على فعل الْخَيْر والطاعات. الثَّانِي: مَعْنَاهُ: اكْتسبت بذلك ثَنَاء جميلاً فَهُوَ بَاقٍ عَلَيْك فِي الْإِسْلَام. الثَّالِث: أَن لَا يبعد أَن يُزَاد فِي حَسَنَاته الَّتِي يَفْعَلهَا فِي الْإِسْلَام وَيكثر أجره لما تقدم لَهُ من الْأَفْعَال الجميلة، وَقد قَالُوا فِي الْكَافِر: إِذا كَانَ يفعل الْخَيْر فَإِنَّهُ يُخَفف عَنهُ بِهِ، فَلَا يبعد أَن يُزَاد هَذَا فِي الأجور.

وَقَالَ عِيَاض، وَقيل: مَعْنَاهُ ببركة مَا سبق لَك من خير هداك الله تَعَالَى إِلَى الْإِسْلَام، فَإِن من ظهر فِيهِ خير فِي أول أمره فَهُوَ دَلِيل على سَعَادَة أخراه وَحسن عاقبته. وَذهب ابْن بطال وَغَيره من الْمُحَقِّقين إِلَى أَن الحَدِيث على ظَاهره وَأَنه إِذا أسلم الْكَافِر وَمَات على الْإِسْلَام يُثَاب على فعله من الْخَيْر فِي حَال الْكفْر، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أذا أسلم الْكَافِر فَحسن إِسْلَامه كتب الله لَهُ حَسَنَة زلفها، ومحا عَنهُ كل سَيِّئَة كَانَ زلفها، وَكَانَ عمله بعد ذَلِك الْحَسَنَة بِعشر أَمْثَالهَا إِلَى سَبْعمِائة ضعف، والسيئة بِمِثْلِهَا إلَاّ أَن يتَجَاوَز الله تَعَالَى) ، ذكره الدَّارَقُطْنِيّ فِي (غَرِيب حَدِيث مَالك) ، وَرَوَاهُ عَنهُ من تسع طرق وَثَبت فِيهَا كلهَا أَن الْكَافِر إِذا حسن إِسْلَامه يكْتب لَهُ فِي الْإِسْلَام كل حَسَنَة عَملهَا فِي الشّرك، وَقَالَ ابْن بطال، بعد ذكر هَذَا الحَدِيث: وَللَّه تَعَالَى أَن يتفضل على عباده مَا شَاءَ، لَا اعْتِرَاض لأحد عَلَيْهِ، وَهُوَ كَقَوْلِه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لحكيم بن حزَام: أسلمت على مَا أسفلت من خير. وَقَالَ بعض أهل الْعلم: مَعْنَاهُ كل مُشْرك أسلم أَنه يكْتب لَهُ كل خير عمله قبل إِسْلَامه وَلَا يكْتب عَلَيْهِ من سيئاته شَيْء، لِأَن الْإِسْلَام يهدم مَا قبله، وَإِنَّمَا كتب لَهُ بِهِ الْخَيْر لِأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ وَجه الله تَعَالَى، لأَنهم كَانُوا مقرين بالربوبية، إلَاّ أَن عَمَلهم كَانَ مردودا عَلَيْهِم لَو مَاتُوا على شركهم، فَلَمَّا أَسْلمُوا تفضل الله عَلَيْهِم فَكتب لَهُم الْحَسَنَات ومحا عَنْهُم السَّيِّئَات، كَمَا قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (ثَلَاثَة يُؤْتونَ أجرهم مرَّتَيْنِ. .) وَفِيه، وَهُوَ الثَّالِث: (وَرجل من أهل الْكتاب آمن بِنَبِيِّهِ وآمن بِمُحَمد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) . قَالَ الْمُهلب: وَلَعَلَّ حكيما لَو مَاتَ على جاهليته أَن يكون مِمَّن يُخَفف عَنهُ من عَذَاب النَّار، كَمَا حُكيَ فِي أبي طَالب وَأبي لَهب. انْتهى. وَهَذَانِ لَا يُقَاس عَلَيْهِمَا لخصوصيتهما.

وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: وَقيل: إِن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ورى عَن جَوَابه فَإِنَّهُ سَأَلَهُ: هَل لي فِيهَا أجر؟ يُرِيد ثَوَاب الْآخِرَة؟ وَمَعْلُوم أَنه لَا ثَوَاب فِي الْآخِرَة لكَافِر، فَقَالَ لَهُ: أسلمت على مَا سلف لَك من خير، وَالْعِتْق فعل خير، فَأَرَادَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنَّك قد فعلت خيرا وَالْخَيْر يمدح فَاعله، وَقد يجازى عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا. وَذكر حَدِيث أنس من (صَحِيح مُسلم) عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: أما الْكَافِر فيطعم بحسناته فِي الدُّنْيَا، فَإِذا لَقِي الله لم يكن لَهُ حَسَنَة. وَقَالَ الْخطابِيّ: رُوِيَ أَن حَسَنَات الْكَافِر إِذا ختم لَهُ بِالْإِسْلَامِ محتسبة لَهُ، فَإِن مَاتَ على كفره كَانَت هدرا. وَقَالَ أَبُو الْفرج: فَإِن صَحَّ هَذَا كَانَ الْمَعْنى: أسلمت على قبُول مَا سلف لَك من خير. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: الْإِسْلَام إِذا حسن هدم مَا قبله من الآثام، وأحرز مَا قبله من الْبر. وَقَالَ الْحَرْبِيّ: معنى حَدِيث حَكِيم: مَا تقدم لَك من الْخَيْر الَّذِي عملته هُوَ لَك، كَمَا تَقول: أسلمت لَك على ألف دِرْهَم على أَن أحوزها لنَفْسي. قَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَهَذَا الَّذِي قَالَه الْحَرْبِيّ هُوَ أشبههَا وأولاها، وَالله أعلم.

وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَقد يعْتد بعض أَفعَال الْكَافرين فِي أَحْكَام الدُّنْيَا، فقد قَالَ الْفُقَهَاء: إِذا وَجب على الْكَافِر كَفَّارَة ظِهَار أَو غَيرهَا، فَكفر فِي حَال كفره أَجزَأَهُ ذَلِك، وَإِذا أسلم لَا تجب عَلَيْهِ إِعَادَتهَا. وَاخْتلف

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٤٣٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) بفتح الجيم، ابن عبد الحميد (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) بالهمزة (١)، شقيق بن سلمة (عَنْ حُذَيْفَةَ) ابن اليمان ( قَالَ: قَالَ عُمَرُ : أَيُّكُمْ يَحْفَظُ حَدِيثَ رَسُولِ اللهِ عَنِ الفِتْنَةِ؟ قَالَ) حذيفة: (قُلْتُ: أَنَا أَحْفَظُهُ كَمَا قَالَ) (قَالَ) عمر : (إِنَّكَ عَلَيْهِ لَجَرِيءٌ) بفتح الجيم والمدِّ، خبر «إنَّ»، واللَّام للتَّأكيد، من الجُرْأَة، وهي الإقدام على الشَّيء، قال ابن بطَّالٍ: أي: إنَّك كثير السُّؤال عن الفتنة في أيَّامه ، فأنت اليوم جريءٌ على ذكره عالمٌ به (فَكَيْفَ) قَالَ (٢)؟ (قَالَ) حذيفة: (قُلْتُ): هي (فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ) ممَّا يعرض له معهنَّ من سوءٍ، أو حزنٍ أو غير ذلك ممَّا لم يبلغ كبيرةً (وَوَلَدِهِ) بالاشتغال به من فرط المحبَّة عن كثيرٍ من الخيرات (وَجَارِهِ) بأن يتمنَّى مثل حاله إن كان متَّسِعًا، كلُّ ذلك (تُكَفِّرُهُ (٣) الصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ وَالمَعْرُوفُ، قَالَ سُلَيْمَانُ) بن مهران الأعمش: (قَدْ كَانَ) أبو وائلٍ (يَقُولُ) في بعض الأحيان: (الصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ وَالأَمْرُ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ) بدل قوله: «والمعروف» (قَالَ) عمر لحذيفة : (لَيْسَ هَذِهِ) الفتنة (أُرِيدُ، وَلَكِنِّي أُرِيدُ) الفتنة (الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ البَحْرِ، قَالَ) حذيفة: (قُلْتُ: لَيْسَ عَلَيْكَ بِهَا) وللأربعة «منها» أي: من الفتنة (يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ بَأْسٌ) بالرَّفع، اسم «ليس» أي: ليس عليك منها شدَّةٌ (بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابٌ مُغْلَقٌ، قَالَ) عمر : (فَيُكْسَرُ) هذا (البَابُ أَوْ) وللحَمُّويي والمُستملي: «أم» (يُفْتَحُ؟ قَالَ) حذيفة: (قُلْتُ: لَا (٤)، بَلْ يُكْسَرُ، قَالَ) عمر: (فَإِنَّهُ) أي: الباب (إِذَا كُسِرَ لَمْ يُغْلَقْ أَبَدًا) أشار به عمر إلى أنَّه إذا قُتِل ظهرت

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

شَيْئا استطعته، فَمَا: موصوله. وَقَالَ النَّوَوِيّ: مَعْنَاهُ مِمَّا يرضى بِهِ الزبير، وَهُوَ زَوجهَا، وَتَقْدِيره: إِن لَك فِي الرضخ مَرَاتِب وَكلهَا يرضاها الزبير فافعلي أَعْلَاهَا، وَالله أعلم.

٣٢ - (بابٌ الصَّدَقَةُ تُكَفِّرُ الخَطِيئَةَ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الصَّدَقَة تكفر الْخَطِيئَة، فباب منون، وَالصَّدَََقَة مُبْتَدأ، وتكفر الْخَطِيئَة، خَبره، وَيجوز بِإِضَافَة الْبَاب إِلَى الصَّدَقَة، تَقْدِيره: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَن الصَّدَقَة تكفر الْخَطِيئَة.

٥٣٤١ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ قَالَ حدَّثنا جَرِيرٌ عنِ الأعْمَشِ عنْ أبِي وَائِلٍ عنْ حُذَيْفَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ. قَالَ قَالَ عُمَرُ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أيُّكُمْ يَحْفَظُ حَدِيثَ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عنِ الفِتْنَةِ قَالَ قُلْتُ أَنا أحْفَظُهُ كَما قَالَ إنَّكَ عَلَيْهِ لَجَرىءٌ فَكَيْفَ قَالَ قُلْتُ فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ والمَعْرُوفُ. قَالَ سُلَيْمَانُ قَدْ كانَ يَقُولُ الصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ والأَمْرُ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عنِ المُنْكَرِ قَالَ لَيْسَ هاذِهِ أُرِيدُ وَلَكِنِّي أُرِيدُ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ البَحْرِ قَالَ قُلْتُ لَيْسَ عَلَيْكَ بِهَا يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ بأْسٌ بَيْنَكَ وبَيْنَهَا بابٌ مُغْلَقٌ قَالَ فَيُكْسَرُ البَابُ أوْ يُفْتَحُ قَالَ قُلْتُ لَا بَلْ يُكْسَرُ قَالَ فإنَّهُ إذَا كُسِرَ لَمْ يُغْلَقُ أبَدا قَالَ قُلْتُ أجَلْ فَهِبْنَا أنْ نَسْألَهُ مَنِ البَابُ فَقُلْنَا لِمَسْرُوقٍ سَلْهُ قَالَ فَسَألَهُ فَقَالَ عُمَرُ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ. قَالَ قُلْنَا فَعَلِمَ عُمَرُ مَنْ تَعْنِي قَالَ نَعَمْ كَما أنَّ دُونَ غَدٍ لَيْلَةً وَذالِكَ أنِّي حَدَّثْتُهُ حدِيثا لَيْسَ بالأغَالِيظِ..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فتْنَة الرجل) إِلَى قَوْله: (وَالْمَعْرُوف) .

وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة. وقتيبة بن سعيد، وَجَرِير، بِفَتْح الْجِيم: ابْن عبد الحميد، وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة. وَقد مضى الحَدِيث فِي أَوَائِل كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب الصَّلَاة كَفَّارَة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن مُسَدّد عَن يحيى عَن الْأَعْمَش، إِلَى آخِره، وَبَينهمَا تفَاوت يسير، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى هُنَاكَ.

قَوْله: (الجريء) من الجراءة، قَالَ ابْن بطال: إِنَّك لجريء أَي: إِنَّك لَكُنْت كثير السُّؤَال عَن الْفِتْنَة فِي أَيَّامه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأَنت الْيَوْم جرىء على ذكره عَالم بِهِ. قَوْله: (وَالْمَعْرُوف) ، أَي: الْخَيْر، وَهُوَ تَعْمِيم بعد تَخْصِيص. قَوْله: (قَالَ سُلَيْمَان) يَعْنِي: الْأَعْمَش الْمَذْكُور فِي السَّنَد. قَوْله: (قد كَانَ يَقُول) أَي: قد كَانَ يَقُول أَبُو وَائِل فِي بعض الْأَوْقَات بدل (الْمَعْرُوف) (الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر) . قَوْله: (قَالَ لَيْسَ هَذِه) أَي: قَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: لَيْسَ هَذِه الْفِتْنَة أريدها. قَوْله: (أُرِيد الَّتِي) أَي: الْفِتْنَة الَّتِي. قَوْله: (قَالَ: قلت) أَي: قَالَ حُذَيْفَة: قلت. قَوْله: (بهَا) ، ويروى: (فِيهَا) أَي: فِي الْفِتْنَة. قَوْله: (لَا بَأْس) ، مَرْفُوع لِأَنَّهُ اسْم: لَيْسَ، قَوْله: (فيكسر الْبَاب أَو يفتح) ، ويروى: (أم تفتح) ، أَشَارَ بِهِ إِلَى مَوته بِدُونِ الْقَتْل، كَانَ يَرْجُو أَن الْفِتْنَة، وَإِن بَدَت تسكن أَي: كَانَ ذَلِك بِسَبَب مَوته دون قَتله، وَأما إِن ظهر بِسَبَب قَتله فَلَا تسكن أبدا. قَوْله: (بل يكسر) ، وَأَشَارَ حُذَيْفَة بِهَذِهِ اللَّفْظَة إِلَى قتل عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (قَالَ: فَإِنَّهُ) أَي: قَالَ عمر: فَإِن الْبَاب إِذا كسر لم يغلق أبدا، وَأَشَارَ بِهِ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، إِلَى أَنه إِذا قتل ظَهرت الْفِتَن فَلَا تسكن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَكَانَ كَمَا قَالَ، لِأَنَّهُ كَانَ سدا أَو بَابا دون الْفِتْنَة، فَلَمَّا قتل كثرت الْفِتْنَة. وَعلم عمر أَنه الْبَاب. قَوْله: (فهبنا) ، بِكَسْر الْهَاء أَي: خفنا أَن نسْأَل حُذَيْفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَكَانَ حُذَيْفَة مهيبا، فهاب أَصْحَابه أَن يسألوه مَن الْبَاب؟ يَعْنِي: مَن المُرَاد بِالْبَابِ؟ وَكَانَ مَسْرُوق أجرأ على سُؤَاله لِكَثْرَة علمه وعلو مَنْزِلَته، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: هُوَ عمر، أَي: الْبَاب الَّذِي كني بِهِ عَنهُ، ثمَّ قَالُوا: فَعلم عمر من تَعْنِي؟ أَي: من تقصد من الْبَاب؟ قَالَ حُذَيْفَة: نعم علم علما لَا شكّ فِيهِ، كَمَا أَن دون غَد لَيْلَة، يَعْنِي: كَمَا لَا شكّ أَن الْيَوْم الَّذِي أَنْت فِيهِ يسْبق الْغَد الَّذِي يَأْتِي بعْدهَا. قَوْله: (لَيْلَة) ، بِالنّصب اسْم: إِن و: (دون غَد) خَبره، ثمَّ علل ذَلِك بقوله: (وَذَلِكَ أَنِّي حدثته) أَي: حدثت عمر بِحَدِيث وَاضح لَا شُبْهَة فِيهِ عَن مَعْدن الصدْق وَرَأس الْعلم، وَهُوَ معنى قَوْله: (حَدِيثا لَيْسَ بالأغاليط)

وَهُوَ جمع أغلوطة، وَهِي مَا يغلط بِهِ عَن الشَّارِع، وَنهى الشَّارِع عَن الأغلوطات، وَهَذَا مِنْهُ. وَقَالَ ابْن قرقول: الأغاليط. صعاب الْمسَائِل ودقاق النَّوَازِل الَّتِي يغلط فِيهَا. وَقَالَ الدَّاودِيّ: لَيْسَ بالأغاليط لَيْسَ بالصغير من الْأَمر واليسير الرزية.

وَفِيه: من الْفَوَائِد: ضرب الْأَمْثَال فِي الْعلم وَالْحجّة لسد الذرائع. وَفِيه: قد يكون عِنْد الصَّغِير من الْعلم مَا لَيْسَ عِنْد الْعَالم المبرز. وَفِيه: أَن الْعَالم قد يرمز بِهِ رمزا ليفهم المرموز لَهُ دون غَيره، لِأَنَّهُ لَيْسَ كل الْعلم تَحت إِبَاحَته إِلَى من لَيْسَ بمتفهم لَهُ وَلَا عَالم بِمَعْنَاهُ. وَفِيه: أَن الْكَلَام فِي الجريان مُبَاح إِذا كَانَ فِيهِ أثر عَن النُّبُوَّة، وَمَا سوى ذَلِك مَمْنُوع، لِأَنَّهُ لَا يصدق مِنْهُ إلَاّ أقل من عشر الْعشْر، كَمَا قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: تِلْكَ الْكَلِمَة من الْحق يحفظها الجني فيضيف إِلَيْهَا أَزِيد من مائَة كذبة، وَالله أعلم.

٤٢ - (بابُ مَنْ تَصَدَّقَ فِي الشِّرْكِ ثُمَّ أسْلَمَ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَمر من تصدق فِي حَالَة الشّرك، ثمَّ أسلم وَلم يذكر الْجَواب. قيل: لقُوَّة الِاخْتِلَاف فِيهِ، تَقْدِيره: ثمَّ أسلم هَل يعْتد لَهُ بِثَوَاب تِلْكَ الصَّدَقَة بعد الْإِسْلَام أم لَا؟ قلت: إِنَّمَا لم يذكر الْجَواب اكْتِفَاء بِمَا فِي الحَدِيث، وَالْجَوَاب أَنه: يعْتد بِهِ.

٦٣٤١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا هِشَامٌ قَالَ حدَّثنا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عُرْوَةَ عنْ حَكِيمِ بنِ حِزَامٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قُلْتُ يَا رسولَ الله أرَأيْتَ أشْيَاءَ كُنْتُ أتَحَنَّثُ بِهَا فِي الجَاهِلِيَّةِ مِنْ صَدَقَةٍ أوْ عَتَاقَةٍ وَصِلَةِ رَحِمٍ فَهَلْ فِيهَا مِنْ أجْرٍ فَقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أسْلَمْتَ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ خَيْرٍ..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أسلمت على مَا سلف من خير) ، وَذكر صَاحب (التَّلْوِيح) أَن هَذَا الحَدِيث كَذَا ذكر فِي هَذَا الْبَاب من كتاب الزَّكَاة فِيمَا رَأَيْت من النّسخ، وَفِيه أَيْضا ذكره صَاحب الْمُسْتَخْرج، وَزعم شَيخنَا أَبُو الْحجَّاج فِي كِتَابه (الْأَطْرَاف) تبعا لأبي مَسْعُود وَخلف أَن البُخَارِيّ خرجه بِهَذَا السَّنَد فِي كتاب الصَّلَاة، وَلم يذكرُوا تَخْرِيجه لَهُ هُنَا فَينْظر.

ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله أَبُو جَعْفَر المسندي. الثَّانِي: هِشَام بن يُوسُف أَبُو عبد الرَّحْمَن، قَاضِي صنعاء. الثَّالِث: معمر بن رَاشد. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. السَّادِس: حَكِيم بن حزَام بن خويلد الْأَسدي.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه بخاري وَشَيخ شَيْخه يماني وَهُوَ من أَفْرَاده وَمعمر بَصرِي وَالزهْرِيّ وَعُرْوَة مدنيان. وَفِيه: أَن شَيْخه مَذْكُور بنسبته إِلَى أَبِيه فَقَط، وَالزهْرِيّ إِلَى قبيلته، وَالثَّلَاثَة مجردون. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْبيُوع، وَفِي الْأَدَب عَن أبي الْيَمَان، وَفِي الْعتْق عَن عبيد الله ابْن إِسْمَاعِيل. وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن حَرْمَلَة بن يحيى وَعَن الْحسن بن عَليّ وَعبد بن حميد وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعبد بن حميد وَعَن أبي بكر عَن عبد الله بن نمير.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَرَأَيْت) أَي: أَخْبرنِي عَن حكم أَشْيَاء كنت أَتَعبد بهَا قبل الْإِسْلَام مثل مَا حمل مائَة بعير واعتق مائَة رَقَبَة. قَوْله: (أتحنث) بالثاء الْمُثَلَّثَة أَي: أَتَقَرَّب، وَقَالَ ابْن قرقول: كنت أتحنث بتاء مثناة، رَوَاهُ الْمروزِي فِي: بَاب من وصل رَحمَه، وَهُوَ غلط من جِهَة الْمَعْنى. وَأما الرِّوَايَة فصحيحة، وَالوهم فِيهِ من شُيُوخ البُخَارِيّ بِدَلِيل قَول البُخَارِيّ، وَيُقَال، أَي عَن أبي الْيَمَان: أتحنث أَو أتحنت على الشَّك، وَالصَّحِيح الَّذِي هُوَ رِوَايَة الْعَامَّة بثاء مُثَلّثَة، وَعَن عِيَاض بالثاء الْمُثَنَّاة غلط من جِهَة الْمَعْنى، وَيحْتَمل أَن يكون لَهَا معنى، وَهُوَ: الْحَانُوت، لِأَن الْعَرَب كَانَت تسمي بيُوت الحمارين الحوانيت، يَعْنِي كنت أتحنت حوانيتهم. وَقَالَ النَّوَوِيّ: التحنت التَّعَبُّد كَمَا فسره فِي الحَدِيث، وَفَسرهُ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى

بالتبرر، وَهُوَ فعل الْبر، وَهُوَ الطَّاعَة. وَقَالَ أهل اللُّغَة: أصل التحنث أَن يفعل فعلا يخرج بِهِ من الْحِنْث وَهُوَ الْإِثْم، وَكَذَا تأثم وتحرج وتهجد، أَي: فعل فعلا يخرج عَن الْإِثْم والحرج والهجود. قَوْله: (من صَدَقَة) كلمة من، بَيَانِيَّة. قَوْله: (أَو عتاقة) وَهُوَ أَنه أعتق مائَة رَقَبَة فِي الْجَاهِلِيَّة وَحمل على مائَة بعير، كَمَا ذكرنَا. قَوْله: (على مَا سلف) ، أَي: على اكْتِسَاب مَا سلف لَك من خير أَو على احتسابه، أَو على قبُول مَا سلف، وَرُوِيَ أَن حَسَنَات الْكَافِر إِذا ختم لَهُ بِالْإِسْلَامِ مَقْبُولَة أَو تحسب لَهُ، فَإِن مَاتَ على كفره بَطل عمله. قَالَ تَعَالَى: {وَمن يكفر بِالْإِيمَان فقد حَبط عمله} (الْمَائِدَة: ٥) . وَقَالَ الْمَازرِيّ: اخْتلف فِي قَوْله: (أسلمت على مَا سلف من خير) ، ظَاهره خلاف مَا يَقْتَضِيهِ الْأُصُول، لِأَن الْكَافِر لَا تصح مِنْهُ قربَة فَيكون مثابا على طَاعَته، وَيصِح أَن يكون مُطيعًا غير متقرب كَنَظِيرِهِ فِي الْإِيمَان، فَإِنَّهُ مُطِيع من حَيْثُ كَانَ مُوَافقا لِلْأَمْرِ وَالطَّاعَة عندنَا مُوَافقَة لِلْأَمْرِ، وَيصِح أَن يكون مُطيعًا غير متقرب كَنَظِيرِهِ فِي الْإِيمَان، فَإِنَّهُ مُطِيع من حَيْثُ كَانَ مُوَافقا لِلْأَمْرِ وَالطَّاعَة عندنَا مُوَافقَة لِلْأَمْرِ، وَلكنه لَا يكون متقربا، لِأَن من شَرط التَّقَرُّب أَن يكون عَارِفًا بالمتقرب إِلَيْهِ، وَهُوَ فِي حِين نظره لم يحصل لَهُ الْعلم بِاللَّه تَعَالَى بعد.

فَإِذا قرر هَذَا فَاعْلَم أَن الحَدِيث متأول، وَهُوَ يحْتَمل وُجُوهًا.

أَحدهَا: أَن يكون الْمَعْنى: أَنَّك اكْتسبت طباعا جميلَة وَأَنت تنْتَفع بِتِلْكَ الطباع فِي الْإِسْلَام، وَتَكون تِلْكَ الْعَادة تمهيدا لَك ومعونة على فعل الْخَيْر والطاعات. الثَّانِي: مَعْنَاهُ: اكْتسبت بذلك ثَنَاء جميلاً فَهُوَ بَاقٍ عَلَيْك فِي الْإِسْلَام. الثَّالِث: أَن لَا يبعد أَن يُزَاد فِي حَسَنَاته الَّتِي يَفْعَلهَا فِي الْإِسْلَام وَيكثر أجره لما تقدم لَهُ من الْأَفْعَال الجميلة، وَقد قَالُوا فِي الْكَافِر: إِذا كَانَ يفعل الْخَيْر فَإِنَّهُ يُخَفف عَنهُ بِهِ، فَلَا يبعد أَن يُزَاد هَذَا فِي الأجور.

وَقَالَ عِيَاض، وَقيل: مَعْنَاهُ ببركة مَا سبق لَك من خير هداك الله تَعَالَى إِلَى الْإِسْلَام، فَإِن من ظهر فِيهِ خير فِي أول أمره فَهُوَ دَلِيل على سَعَادَة أخراه وَحسن عاقبته. وَذهب ابْن بطال وَغَيره من الْمُحَقِّقين إِلَى أَن الحَدِيث على ظَاهره وَأَنه إِذا أسلم الْكَافِر وَمَات على الْإِسْلَام يُثَاب على فعله من الْخَيْر فِي حَال الْكفْر، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أذا أسلم الْكَافِر فَحسن إِسْلَامه كتب الله لَهُ حَسَنَة زلفها، ومحا عَنهُ كل سَيِّئَة كَانَ زلفها، وَكَانَ عمله بعد ذَلِك الْحَسَنَة بِعشر أَمْثَالهَا إِلَى سَبْعمِائة ضعف، والسيئة بِمِثْلِهَا إلَاّ أَن يتَجَاوَز الله تَعَالَى) ، ذكره الدَّارَقُطْنِيّ فِي (غَرِيب حَدِيث مَالك) ، وَرَوَاهُ عَنهُ من تسع طرق وَثَبت فِيهَا كلهَا أَن الْكَافِر إِذا حسن إِسْلَامه يكْتب لَهُ فِي الْإِسْلَام كل حَسَنَة عَملهَا فِي الشّرك، وَقَالَ ابْن بطال، بعد ذكر هَذَا الحَدِيث: وَللَّه تَعَالَى أَن يتفضل على عباده مَا شَاءَ، لَا اعْتِرَاض لأحد عَلَيْهِ، وَهُوَ كَقَوْلِه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لحكيم بن حزَام: أسلمت على مَا أسفلت من خير. وَقَالَ بعض أهل الْعلم: مَعْنَاهُ كل مُشْرك أسلم أَنه يكْتب لَهُ كل خير عمله قبل إِسْلَامه وَلَا يكْتب عَلَيْهِ من سيئاته شَيْء، لِأَن الْإِسْلَام يهدم مَا قبله، وَإِنَّمَا كتب لَهُ بِهِ الْخَيْر لِأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ وَجه الله تَعَالَى، لأَنهم كَانُوا مقرين بالربوبية، إلَاّ أَن عَمَلهم كَانَ مردودا عَلَيْهِم لَو مَاتُوا على شركهم، فَلَمَّا أَسْلمُوا تفضل الله عَلَيْهِم فَكتب لَهُم الْحَسَنَات ومحا عَنْهُم السَّيِّئَات، كَمَا قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (ثَلَاثَة يُؤْتونَ أجرهم مرَّتَيْنِ. .) وَفِيه، وَهُوَ الثَّالِث: (وَرجل من أهل الْكتاب آمن بِنَبِيِّهِ وآمن بِمُحَمد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) . قَالَ الْمُهلب: وَلَعَلَّ حكيما لَو مَاتَ على جاهليته أَن يكون مِمَّن يُخَفف عَنهُ من عَذَاب النَّار، كَمَا حُكيَ فِي أبي طَالب وَأبي لَهب. انْتهى. وَهَذَانِ لَا يُقَاس عَلَيْهِمَا لخصوصيتهما.

وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: وَقيل: إِن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ورى عَن جَوَابه فَإِنَّهُ سَأَلَهُ: هَل لي فِيهَا أجر؟ يُرِيد ثَوَاب الْآخِرَة؟ وَمَعْلُوم أَنه لَا ثَوَاب فِي الْآخِرَة لكَافِر، فَقَالَ لَهُ: أسلمت على مَا سلف لَك من خير، وَالْعِتْق فعل خير، فَأَرَادَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنَّك قد فعلت خيرا وَالْخَيْر يمدح فَاعله، وَقد يجازى عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا. وَذكر حَدِيث أنس من (صَحِيح مُسلم) عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: أما الْكَافِر فيطعم بحسناته فِي الدُّنْيَا، فَإِذا لَقِي الله لم يكن لَهُ حَسَنَة. وَقَالَ الْخطابِيّ: رُوِيَ أَن حَسَنَات الْكَافِر إِذا ختم لَهُ بِالْإِسْلَامِ محتسبة لَهُ، فَإِن مَاتَ على كفره كَانَت هدرا. وَقَالَ أَبُو الْفرج: فَإِن صَحَّ هَذَا كَانَ الْمَعْنى: أسلمت على قبُول مَا سلف لَك من خير. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: الْإِسْلَام إِذا حسن هدم مَا قبله من الآثام، وأحرز مَا قبله من الْبر. وَقَالَ الْحَرْبِيّ: معنى حَدِيث حَكِيم: مَا تقدم لَك من الْخَيْر الَّذِي عملته هُوَ لَك، كَمَا تَقول: أسلمت لَك على ألف دِرْهَم على أَن أحوزها لنَفْسي. قَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَهَذَا الَّذِي قَالَه الْحَرْبِيّ هُوَ أشبههَا وأولاها، وَالله أعلم.

وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَقد يعْتد بعض أَفعَال الْكَافرين فِي أَحْكَام الدُّنْيَا، فقد قَالَ الْفُقَهَاء: إِذا وَجب على الْكَافِر كَفَّارَة ظِهَار أَو غَيرهَا، فَكفر فِي حَال كفره أَجزَأَهُ ذَلِك، وَإِذا أسلم لَا تجب عَلَيْهِ إِعَادَتهَا. وَاخْتلف

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.4 / 29.5
الإضاءة 78%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل