الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٤٥٠
الحديث رقم ١٤٥٠ من كتاب «كتاب الزكاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
١٤٥٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ : أَنَّ أَنَسًا ﵁
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْأَصْلِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ، وَلَوْلَا تَقْدِيرُ الشَّارِعِ بِذَلِكَ لَتَعَيَّنَتْ بِنْتُ الْمَخَاضِ مَثَلًا وَلَمْ يَجُزْ أَنْ تُبَدَّلَ بِنْتُ لَبُونٍ مَعَ التَّفَاوُتِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٣٤ - بَاب لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ
وَيُذْكَرُ عَنْ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ
١٤٥٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ أَنَّ أَنَسًا ﵁ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ كَتَبَ لَهُ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ مُتَفَرِّقٍ بِتَقْدِيمِ التَّاءِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ، قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: لَمْ يُقَيِّدِ الْمُصَنِّفُ التَّرْجَمَةَ بِقَوْلِهِ: خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، لِاخْتِلَافِ نَظَرِ الْعُلَمَاءِ فِي الْمُرَادِ بِذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (وَيُذْكَرُ عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلُهُ) أَيْ: مِثْلُ لَفْظِ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ، وَهُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَأَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْهُ مَوْصُولًا، وَسُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ ضَعِيفٌ فِي الزُّهْرِيِّ، وَقَدْ خَالَفَهُ مَنْ هُوَ أَحْفَظُ مِنْهُ فِي الزُّهْرِيِّ، فَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَقَالَ: إِنَّ فِيهِ تَقْوِيَةً لِرِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ، لِأَنَّهُ قَالَ عَنِ الزُّهْرِيِّ: قَالَ: أَقْرَأَنِيهَا سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَوَعَيْتُهَا عَلَى وَجْهِهَا، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَلَمْ يَقُلْ: إِنَّ ابْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ بِهِ، وَلِهَذِهِ الْعِلَّةِ لَمْ يَجْزِمْ بِهِ الْبُخَارِيُّ، لَكِنْ أَوْرَدَهُ شَاهِدًا لِحَدِيثِ أَنَسٍ الَّذِي وَصَلَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْبَابِ وَلَفْظُهُ: وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ بِتَقْدِيمِ التَّاءِ أَيْضًا، وَزَادَ: خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالْخَشْيَةِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ، وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ عِنْدَ أَصْحَابِ السُّنَنِ، وَعَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ قَالَ: أَتَانَا مُصَدِّقُ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَرَأْتُ فِي عَهْدِهِ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ، أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ، قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ: مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنْ يَكُونَ النَّفَرُ الثَّلَاثَةُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَرْبَعُونَ شَاةً وَجَبَتْ فِيهَا الزَّكَاةُ فَيَجْمَعُونَهَا حَتَّى لَا تَجِبَ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ فِيهَا إِلَّا شَاةٌ وَاحِدَةٌ، أَوْ يَكُونُ لِلْخَلِيطَيْنِ مِائَتَا شَاةٍ وَشَاتَانِ، فَيَكُونُ عَلَيْهِمَا فِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ فَيُفَرِّقُونَهَا حَتَّى لَا يَكُونَ عَلَى كُلٍّ
وَاحِدٍ إِلَّا شَاةً وَاحِدَةً، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ خِطَابٌ لِرَبِّ الْمَالِ مِنْ جِهَةٍ وَلِلسَّاعِي مِنْ جِهَةٍ، فَأُمِرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ لَا يُحْدِثَ شَيْئًا مِنَ الْجَمْعِ وَالتَّفْرِيقِ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، فَرَبُّ الْمَالِ يَخْشَى أَنْ تَكْثُرَ الصَّدَقَةُ فَيَجْمَعَ أَوْ يُفَرِّقَ لِتَقِلَّ، وَالسَّاعِي يَخْشَى أَنْ تَقِلَّ الصَّدَقَةُ فَيَجْمَعَ أَوْ يُفَرِّقَ لِتَكْثُرَ، فَمَعْنَى قَوْلِهِ: خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ أَيْ: خَشْيَةَ أَنْ تَكْثُرَ الصَّدَقَةُ أَوْ خَشْيَةَ أَنْ تَقِلَّ الصَّدَقَةُ، فَلَمَّا كَانَ مُحْتَمِلًا لِلْأَمْرَيْنِ لَمْ يَكُنِ الْحَمْلُ عَلَى أَحَدِهِمَا بِأَوْلَى مِنَ الْآخَرِ، فَحُمِلَ عَلَيْهِمَا مَعًا، لَكِنَّ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ حَمْلَهُ عَلَى الْمَالِكِ أَظْهَرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ دُونَ النِّصَابِ مِنَ الْفِضَّةِ وَدُونَ النِّصَابِ مِنَ الذَّهَبِ مَثَلًا أَنَّهُ لَا يَجِبُ ضَمُّ بَعْضِهِ إِلَى بَعْضٍ حَتَّى يَصِيرَ نِصَابًا كَامِلًا فَتَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ يُضَمُّ عَلَى الْأَجْزَاءِ كَالْمَالِكِيَّةِ أَوْ عَلَى الْقِيَمِ كَالْحَنَفِيَّةِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ لِأَحْمَدَ عَلَى أَنَّ مَنْ كَانَ لَهُ مَاشِيَةٌ بِبَلَدٍ لَا تَبْلُغُ النِّصَابَ كَعِشْرِينَ شَاةً مَثَلًا بِالْكُوفَةِ وَمِثْلُهَا بِالْبَصْرَةِ أَنَّهَا لَا تُضَمُّ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهَا مِلْكَ رَجُلٍ وَاحِدٍ وَتُؤْخَذُ مِنْهَا الزَّكَاةُ لِبُلُوغِهَا النِّصَابَ، قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَخَالَفَهُ الْجُمْهُورُ، فَقَالُوا: يُجْمَعُ عَلَى صَاحِبِ الْمَالِ أَمْوَالُهُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
ومطابقته للتَّرجمة، قِيلَ: من جهة أمره ﵊ النِّساء بدفع الزَّكاة، فدفعن الحلق والقلائد، وهو يدلُّ على جواز أخذ العرض في الزَّكاة، وجوابه ما مرَّ في هذا الباب (١) قريبًا.
(٣٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ) بتقديم المُثنَّاة الفوقيَّة على الفاء وتشديد الرَّاء، وللحَمُّويي والمُستملي: «مفترقٌ» بتأخيرها (وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ) بكسر الميم الثَّانية (وَيُذْكَرُ عَنْ سَالِمٍ) هو ابن عبد الله بن (٢) عمر، ممَّا وصله أحمد وأبو يَعلى والتِّرمذيُّ وغيرهم (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلُهُ) أي: مثل لفظ التَّرجمة.
١٤٥٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) عبد الله ابن المُثنَّى (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، عمِّي (ثُمَامَةُ: أَنَّ) جدَّه (أَنَسًا ﵁ حَدَّثَهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ كَتَبَ لَهُ) الفريضة (الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: وَلَا يُجْمَعُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه، أي: لا يجمع المالك والمُصَّدِّق (بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ) بتقديم التَّاء على الفاء (وَلَا يُفَرَّقُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه مُشدَّدًا (بَيْنَ مُجْتَمِعٍ) (٣) بكسر الميم الثَّانية (خَشْيَةَ) المالكِ كثرةَ (الصَّدَقَةِ) فيقلُّ ماله، أو خشية المُصِّدِّق قلَّتها، فأمر كلَّ واحدٍ منهما ألَّا (٤) يُحْدِث في المال شيئًا من الجمع والتَّفريق، و «خشيةَ» نُصِبَ على أنَّه مفعولٌ لأجله، وقد تنازع فيه الفعلان «يُجمَع» و «يُفرَّق»، وقال في
«المصابيح»: ويحتمل أن يُقدَّر: لا يفعل شيئًا من ذلك خشية الصَّدقة، فيحصل المراد من غير تنازعٍ، وهذا التَّأويل السَّابق قاله الشَّافعيُّ، وقال مالكٌ في «المُوطَّأ»: معناه: أن يكون النَّفر الثَّلاثة لكلِّ واحدٍ منهم أربعون شاةً وجبت فيها الزَّكاة، فيجمعونها حتَّى لا يجب عليهم كلُّهم فيها إلَّا شاةٌ واحدةٌ، أو يكون للخليطين مئتا شاةٍ وشاتان فيكون عليهما فيها ثلاث شياهٍ، فيفرِّقانها (١) حتَّى لا يكون على كلِّ واحدٍ إلَّا شاةٌ واحدةٌ، فصرف الخطاب للمالك، وقال أبو حنيفة: معنى «لا يُجمَع بين متفرِّقٍ»: أن يكون بين رجلين أربعون شاةً، فإذا جمعاها فشاةٌ، وإذا فرَّقاها فلا شيء، و «لا يُفرَّق بين مجتمعٍ»: أن يكون لرجلٍ مئةٌ (٢) وعشرون شاةً (٣)، فإذا (٤) فرَّقها المصَّدِّق أربعين أربعين فثلاث شياهٍ، وقال أبو يوسف: معنى الأوَّل: أن يكون للرَّجل ثمانون شاةً، فإذا جاء المصَّدِّق قال: هي بيني وبين إخوتي، لكلِّ واحدٍ عشرون فلا زكاة، أو يكون له أربعون ولإخوته أربعون، فيقول: كلُّها لي، فشاةٌ.
(٣٥) هذا (٥) (بابٌ) بالتَّنوين (مَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ، وَقَالَ طَاوُسٌ) هو ابن كيسان اليمانيُّ (وَعَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ، ممَّا وصله أبو عبيدٍ في «كتاب
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
(فأتاهن) ، أَي: فجَاء إِلَيْهِم. قَوْله: (وَمَعَهُ بِلَال) الْوَاو فِيهِ وَاو الْحَال أَي: وَالْحَال أَن بِلَالًا كَانَ مَعَه. قَوْله: (ناشر ثَوْبه) ، يجوز بِالْإِضَافَة وبتركها، وَقد علم أَن اسْم الْفَاعِل يعْمل عمل فعله. قَوْله: (وَأَشَارَ أَيُّوب) أَي: الْمَذْكُور فِي سَنَد الحَدِيث إِلَى أُذُنه أَي: إِلَى مَا فِي أُذُنه، وَأَرَادَ بِهِ: الْحلق والقرط، وَإِلَى مَا فِي حلقه، وَأَرَادَ بِهِ القلادة.
٤٣ - (بابٌ لَا يَجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ وَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: لَا يجمع إِلَى آخِره. قَوْله: (متفرق) ، بِتَقْدِيم التَّاء على الْفَاء وَتَشْديد الرَّاء رِوَايَة الْكشميهني وَرِوَايَة غَيره: لَا يجمع بَين مفترق، بِتَقْدِيم الْفَاء من الِافْتِرَاق، صُورَة: لَا يجمع بَين متفرق أَن يكون لهَذَا أَرْبَعُونَ شَاة ولذاك أَرْبَعُونَ أَيْضا، وَللْآخر أَرْبَعُونَ فيجمعوها حَتَّى لَا يكون فِيهَا إلَاّ شَاة، وَصُورَة: لَا يفرق بَين مُجْتَمع: أَن يكون شريكان وَلكُل وَاحِد مِنْهُمَا مائَة شَاة وشَاة، فَيكون عَلَيْهِمَا فِي مَالهمَا ثَلَاث شِيَاه، ثمَّ يفرقان غنمهما عِنْد طلب السَّاعِي الزَّكَاة، فَلم يكن على كل وَاحِد مِنْهُمَا إلَاّ شَاة وَاحِدَة. قَوْله: (مُجْتَمع) ، بِكَسْر الْمِيم الثَّانِيَة، قيل: لم يُقيد البُخَارِيّ التَّرْجَمَة بقوله خشيَة الصَّدَقَة لاخْتِلَاف نظر الْعلمَاء فِي المُرَاد بذلك لما سَنذكرُهُ، إِن شَاءَ الله تَعَالَى عَن قريب.
ويُذْكَرُ عنْ سالِمٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِثْلُهُ
أَي: يذكر عَن سَالم بن عبد الله بن عمر عَن عبد الله بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مثله، أَي: مثل لفظ هَذِه التَّرْجَمَة، وَهَذَا التَّعْلِيق ذكره التِّرْمِذِيّ مَوْصُولا مطولا، فَقَالَ: حَدثنَا زِيَاد بن أَيُّوب الْبَغْدَادِيّ وَإِبْرَاهِيم ابْن عبد الله الْهَرَوِيّ وَمُحَمّد بن كَامِل الْمروزِي، وَالْمعْنَى وَاحِد، قَالُوا: حَدثنَا عَفَّان بن الْعَوام عَن سُفْيَان بن حُسَيْن عَن الْهَرَوِيّ (عَن سَالم عَن أَبِيه أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كتب كتاب الصَّدَقَة فَلم يُخرجهُ إِلَى عماله حَتَّى قبض، فقرنه بِسَيْفِهِ فَلَمَّا قبض عمل بِهِ أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، حَتَّى قبض، وَعمر حَتَّى قبض) الحَدِيث، وَفِيه: (لَا يجمع بَين متفرق وَلَا يفرق بَين مُجْتَمع مَخَافَة الصَّدَقَة) إِلَى آخِره. وَقَالَ: حَدِيث ابْن عمر حَدِيث حسن، وخرجه أَبُو مُحَمَّد الدَّارمِيّ فِي كِتَابه الملقب (بِالصَّحِيحِ) وَقَالَ التِّرْمِذِيّ فِي (كتاب الْعِلَل) : سَأَلت مُحَمَّدًا عَن حَدِيث سَالم عَن أَبِيه كتب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كتاب الصَّدَقَة؟ فَقَالَ: أَرْجُو أَن يكون مَحْفُوظًا، وسُفْيَان بن حُسَيْن صَدُوق. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : كَيفَ سَاغَ للْبُخَارِيّ أَن يعلق هَذَا الحَدِيث ممرضا، وَهُوَ نقض لما يَقُوله المحدثون. قلت: لَا اعْتِرَاض عَلَيْهِ فِي ذَلِك، فَإِنَّهُ لَا يلْزم من تَحْسِين التِّرْمِذِيّ إِيَّاه أَن يكون حسنا عِنْده.
٠٥٤١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله الأَنْصَارِيُّ قَالَ حدَّثني ثُمَامَةُ أنَّ أنسا رَضِي الله تَعَالَى عنهُ حدَّثَهُ أنَّ أبَا بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ كتبَ لَهُ الَّتِي فرَضَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن التَّرْجَمَة عين لفظ الحَدِيث، والإسناد بِعَيْنِه مضى فِي الْبَاب الَّذِي قبله، وَهُوَ: بَاب الْعرض فِي الزَّكَاة. قَوْله: (فرض رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، أَي: قدر، قَالَ الْخطابِيّ: لِأَن الْإِيجَاب قد بَينه الله تَعَالَى، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: يحْتَمل أَن يكون على بَابه بِمَعْنى الْأَمر، يُبينهُ قَوْله فِي الرِّوَايَة الَّتِي مَضَت، وَهِي الَّتِي أَمر الله رَسُوله.
وَاخْتلف الْعلمَاء فِي تَأْوِيل هَذَا الحَدِيث، فَقَالَ مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) : تَفْسِير (وَلَا يجمع بَين متفرق) ، أَن يكون ثَلَاثَة أنفس لكل وَاحِد أَرْبَعُونَ شَاة، فَإِذا أظلهم الْمُصدق جمعوها ليؤدوا شَاة، وَلَا يفرق بَين مُجْتَمع أَن يكون لكل وَاحِد مائَة شَاة وشَاة فعلَيْهِمَا ثَلَاث شِيَاه، فيفرقونها، ليؤدوا شَاتين فنهوا عَن ذَلِك، وَهُوَ قَول الثَّوْريّ وَالْأَوْزَاعِيّ. وَقَالَ الشَّافِعِي: تَفْسِيره أَن يفرق السَّاعِي الأول ليَأْخُذ من كل وَاحِد شَاة، وَفِي الثَّانِي ليَأْخُذ ثَلَاثًا فَالْمَعْنى وَاحِد لَكِن صرف الْخطاب الشَّافِعِي إِلَى السَّاعِي كَمَا حَكَاهُ عَنهُ الدَّاودِيّ فِي (كتاب الْأَمْوَال) ، وَصَرفه مَالك إِلَى الْمَالِك، وَهُوَ قَول أبي ثَوْر، وَقَالَ الْخطابِيّ عَن الشَّافِعِي: إِنَّه صرفه إِلَيْهِمَا. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: معنى لَا يجمع بَين متفرق أَن يكون بَين رجلَيْنِ أَرْبَعُونَ شَاة، فَإِذا جمعاها فشاة، وَإِذا فرقاها فَلَا شَيْء، وَلَا يفرق بَين مُجْتَمع أَن يكون لرجل مائَة شَاة وَعِشْرُونَ شَاة، فَإِن
فرقها الْمُصدق أَرْبَعِينَ فَثَلَاث شِيَاه، وَقَالَ أَبُو يُوسُف: معنى الأول أَن يكون لرجل ثَمَانُون شَاة، فَإِذا جَاءَ الْمُصدق قَالَ: هِيَ بيني وَبَين إخوتي، لكل وَاحِد عشرُون فَلَا زَكَاة، أَو أَن يكون لَهُ أَرْبَعُونَ ولأخوته أَرْبَعُونَ فَيَقُول: كلهَا لي، فشاة. وَفِي (الْمُحِيط) : وَتَأْويل هَذَا أَنه كَانَ لَهُ ثَمَانُون شَاة تجب فِيهَا وَاحِدَة فَلَا يفرقها ويجعلها لِرجلَيْنِ فَيَأْخُذ شَاتين، فعلى هَذَا يكون خطابا للساعي، وَإِن كَانَت لِرجلَيْنِ فعلى كل وَاحِد شَاة فَلَا تجمع وَيُؤْخَذ مِنْهَا شَاة، وَالْخطاب فِي هَذَا يحْتَمل أَن يكون للمصدق بِأَن يكون لأَحَدهمَا مائَة شَاة وَللْآخر مائَة شَاة وشَاة فعلَيْهِمَا شَاتَان فَلَا يجمع الْمُصدق بَينهمَا، وَيَقُول هَذِه كلهَا لَك فَيَأْخُذ مِنْهُ ثَلَاث شِيَاه، وَلَا يفرق بَين مُجْتَمع بِأَن يكون لرجل مائَة وَعِشْرُونَ شَاة فَيَقُول السَّاعِي: هِيَ لثَلَاثَة فَيَأْخُذ ثَلَاث شِيَاه، وَلَو كَانَت لوَاحِد تجب شَاة، وَيحْتَمل أَن يكون الْخطاب لرب المَال، ويقوى بقوله: (خشيَة الصَّدَقَة) أَي: فيخاف فِي وجوب الصَّدَقَة فيحتال فِي إِسْقَاطهَا بِأَن يجمع نِصَاب أَخِيه إِلَى نصابه فَتَصِير ثَمَانِينَ فَيجب فِيهَا شَاة وَاحِدَة، وَلَا يفرق بَين مُجْتَمع بِأَن يكون لَهُ أَرْبَعُونَ فَيَقُول نصفهَا لي وَنِصْفهَا لأخي فَتسقط زَكَاتهَا. وَفِي (الْمَبْسُوط) : وَالْمرَاد من الْجمع والتفريق فِي الْملك لَا فِي الْمَكَان لإجماعنا على أَن النّصاب إِذا كَانَ فِي ملك وَاحِد يجمع وَإِن كَانَ فِي أمكنة مُتَفَرِّقَة، فَدلَّ أَن المتفرق فِي الْملك لَا يجمع فِي حق الصَّدَقَة. قَوْله: (خشيَة الصَّدَقَة) مِمَّا تنَازع فِيهِ الفعلان، والخشية خشيتان: خشيَة السَّاعِي أَن تقل الصَّدَقَة، وخشية رب المَال أَن تكْثر الصَّدَقَة، فَأمر كل وَاحِد مِنْهُمَا أَن لَا يحدث شَيْئا من الْجمع والتفريق. قيل: لَو فرض أَن المالكين أَرَادَا ذَلِك لإِرَادَة تَكْثِير الصَّدَقَة أَو وجوب مَا لم يجب عَلَيْهِمَا التماسا لِكَثْرَة الْأجر، أَو لإِرَادَة وُقُوع مَا أَرَادَ التَّصَدُّق بِهِ تَطَوّعا ليصير وَاجِبا. وثواب الْوَاجِب أَكثر من ثَوَاب التَّطَوُّع، فَالظَّاهِر جَوَاز ذَلِك.
وَمِمَّا يُسْتَفَاد من الحَدِيث: النَّهْي عَن اسْتِعْمَال الْحِيَل لسُقُوط مَا كَانَ وَاجِبا عَلَيْهِ. وَيجْرِي ذَلِك فِي أَبْوَاب كَثِيرَة من أَبْوَاب الْفِقْه، وللعلماء فِي ذَلِك خلاف فِي التَّحْرِيم أَو الْكَرَاهَة أَو الْإِبَاحَة، وَالْحق أَنه كَانَ ذَلِك لغَرَض صَحِيح فِيهِ رفق للمعذور وَلَيْسَ فِيهِ إبِْطَال لحق الْغَيْر، فَلَا بَأْس بِهِ من ذَلِك فِي قَوْله تَعَالَى: {وَخذ بِيَدِك ضغثا فَاضْرب بِهِ وَلَا تَحنث} (ص: ٤٤) . وَإِن كَانَ لغَرَض فَاسد: كإسقاط حق الْفُقَرَاء من الزَّكَاة بِتَمْلِيك مَاله قبل الْحول لوَلَده، أَو نَحْو ذَلِك، فَهُوَ حرَام أَو مَكْرُوه على الْخلاف الْمَشْهُور فِي ذَلِك. وَقَالَ بَعضهم: وَاسْتدلَّ بِهِ على أَن من كَانَ عِنْده دون النّصاب من الْفضة وَدون النّصاب من الذَّهَب مثلا إِنَّه لَا يجب ضم بعضه إِلَى بعض حَتَّى يصير نِصَابا كَامِلا فَتجب فِيهِ الزَّكَاة، خلافًا لمن قَالَ: يضم على الْأَجْزَاء كالمالكية، أَو على الْقيم كالحنفية. انْتهى. قلت: هَذَا اسْتِدْلَال غير صَحِيح لِأَن النَّهْي فِي الحَدِيث مُعَلل بخشية الصَّدَقَة، وَفِيه إِضْرَار للْفُقَرَاء بِخِلَاف مَا قَالَه الْمَالِكِيَّة وَالْحَنَفِيَّة فَإِن فِيهِ نفعا للْفُقَرَاء وَهُوَ ظَاهر. وَقيل: اسْتدلَّ بِهِ لِأَحْمَد على أَن من كَانَ لَهُ مَاشِيَة فِي بلد لَا تبلغ النّصاب كعشرين شَاة، مثلا بِالْكُوفَةِ، وَمثلهَا بِالْبَصْرَةِ أَنَّهَا لَا تضم بِاعْتِبَار كَونهَا ملك رجل وَاحِد وَيُؤْخَذ مِنْهَا الزَّكَاة. قلت: قد ذكرنَا عَن قريب أَن الْجمع والتفريق أَن يكون فِي الْملك لَا فِي الْمَكَان، وَعَن هَذَا قَالَ ابْن الْمُنْذر: خَالفه الْجُمْهُور فَقَالُوا: يجب على صَاحب المَال زَكَاة مَاله وَلَو كَانَ فِي بلدان شَتَّى، وَيخرج مِنْهُ الزَّكَاة.
٥٣ - (بابٌ مَا كانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فإنَّهُمَا يَترَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بالسَّوِيَّةِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ مَا كَانَ من خليطين إِلَى آخِره، وَكلمَة: مَا، هُنَا تَامَّة نكرَة متضمنة معنى حرف الِاسْتِفْهَام، وَمَعْنَاهَا أَي: شَيْء كَانَ من خليطين فَإِنَّهُمَا يتراجعان، والخليطان تَثْنِيَة خليط، وَاخْتلف فِي المُرَاد بالخليط، فَذهب أَبُو حنيفَة إِلَى أَنه الشَّرِيك، لِأَن الخليطين فِي اللُّغَة الَّتِي بهَا خاطبنا رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، هما الشريكان اللَّذَان اخْتَلَط مَالهمَا وَلم يتَمَيَّز كالخليطين من النَّبِيذ. قَالَه ابْن الْأَثِير، وَمَا لم يخْتَلط مَعَ غَيره فليسا بخليطين، هَذَا مَا لَا شكّ فِيهِ، وَإِذا تميز مَال كل وَاحِد مِنْهُمَا من مَال الآخر فَلَا خلْطَة، فعلى قَول أبي حنيفَة: لَا يجب على أحد من الشَّرِيكَيْنِ أَو الشُّرَكَاء فِيمَا يملك إلَاّ مثل الَّذِي كَانَ يجب عَلَيْهِ لَو لم يكن خلط، وَذكر فِي (الْمَبْسُوط) ، وعام كتب أَصْحَابنَا: أَن الخليطين يعْتَبر لكل وَاحِد نِصَاب كَامِل كَحال الِانْفِرَاد، وَلَا تَأْثِير للخلطة فِيهَا سَوَاء كَانَت شركَة ملك بِالْإِرْثِ وَالْهِبَة وَالشِّرَاء وَنَحْوهَا، أَو شركَة عقد كالعنان والمفاوضة. ذكره الوبري وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: اخْتلفُوا فِي رجلَيْنِ بَينهمَا مَاشِيَة نِصَاب وَاحِد، قَالَت طَائِفَة: لَا زَكَاة عَلَيْهِمَا، قَالَ:
هَذَا قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ وَالثَّوْري وَأبي ثَوْر وَأهل الْعرَاق، وَقَالَ ابْن حزم فِي (الْمحلى) : وَبِه قَالَ شريك بن عبد الله وَالْحسن بن حَيّ، وَقَالَ الشَّافِعِي وَاللَّيْث وَابْن حَنْبَل وَإِسْحَاق تجب عَلَيْهِمَا الزَّكَاة وَلَو كَانُوا أَرْبَعِينَ رجلا لكل وَاحِد شَاة تجب عَلَيْهِم شَاة، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: الأول أصح، يَعْنِي عدم وجوب الزَّكَاة، وَقَالَ ابْن حزم فِي (الْمحلى) : الْخلطَة لَا تحيل حكم الزَّكَاة هُوَ الصَّحِيح. وَقَالَ الطرطوشي: لَا تصح الْخلطَة إلَاّ أَن يكون لكل وَاحِد مِنْهُمَا نِصَاب كَامِل، والمعاني الْمُعْتَبرَة فِيهَا: الرَّاعِي والفحل والمراح والدلو وَالْمَبِيت، ذكرهَا مَالك فِي (الْمُدَوَّنَة) وَمِنْهُم من ذكر: الحلاب، مَكَان الْمبيت، وَحُصُول جَمِيعهَا لَيْسَ بِشَرْط، والحلاب مَعْنَاهُ أَن يكون الْحَالِف وَاحِدًا إِلَّا أَن يخلط الألبان، وَلَو كَانَ أَحدهمَا عبدا أَو كَافِرًا. قَالَ مُحَمَّد بن مسلمة: لم تصح الْخلطَة، وَقَالَ ابْن الْمَاجشون: تصح وَلَا تشْتَرط الْخلطَة فِي جَمِيع الْحول، وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: لَو اختلطا قبل الْحول بشهرين فَأَقل فهما خليطان. وَقَالَ ابْن حبيب: أدناه شهر. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد: إِذا لم يقْصد الْفِرَار صَحَّ، وَرَأى الْأَوْزَاعِيّ وَمَالك وَأَبُو الْحسن بن الْمُفلس من الظَّاهِرِيَّة، الْخلطَة فِي الْمَوَاشِي لَا غير، وَرَأى الشَّافِعِي حكم الْخلطَة الَّتِي قَالَ بِهِ جَارِيا فِي الْمَوَاشِي والزروع وَالثِّمَار وَالدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير، وَقَالَ ابْن حزم، وَرَأى أَن مِائَتي نفس لَو ملكوا مِائَتي دِرْهَم كل وَاحِد درهما يجب عَلَيْهِم فِيهَا خَمْسَة دَرَاهِم، وَقَالَ النَّوَوِيّ: الْخلطَة، بِضَم الْخَاء، سَوَاء كَانَت خلْطَة شيوع واشتراك فِي الْأَعْيَان، أَو خلْطَة أَوْصَاف وَجَوَاز فِي الْمَكَان بِشُرُوط تِسْعَة: أَن يكون الشُّرَكَاء من أهل وجوب الزَّكَاة، وَأَن يكون المَال بعد الْخَلْط نِصَابا، وَأَن يمْضِي عَلَيْهِ بعد الْخَلْط حول كَامِل، وَأَن لَا يتَمَيَّز أَحدهمَا عَن الآخر فِي المراح وَفِي المسرح وَفِي المشرب كالبئر وَالنّهر والحوض وَالْعين، أَو كَانَت الْمِيَاه مُخْتَلفَة بِحَيْثُ لَا تخْتَص غنم أَحدهمَا بِشَيْء، وَالسَّابِع: الرَّاعِي، وَالثَّامِن: الْفَحْل، وَالتَّاسِع فِي المحلب، وَلَا يشْتَرط خلط اللَّبن. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق الْمروزِي: يشْتَرط فِيهِ فيحلب أَحدهمَا فَوق لبن الآخر، قَالَ صَاحب (الْبَيَان) : هُوَ أصح الْوُجُوه الثَّلَاثَة، وَفِي وَجه: يشْتَرط أَن يحلبا مَعًا ويخلطا اللَّبن ثمَّ يقتسمانه، وَقَالَ صَاحب (الْمُفِيد) : وَيشْتَرط عِنْده اتِّحَاد الدَّلْو وَالْكَلب، وَقيل: لَيْسَ ذَلِك بمذهبه، وَحكى الرَّافِعِيّ عَن الحناطي أَنه حكى أَن خلط الْجوَار لَا أثر لَهَا وَغلط، والمسرح المرعى. وَقيل: طريقها إِلَى المرعى. وَقيل: الْموضع الَّذِي تَجْتَمِع فِيهِ لتستريح، والمحلب، بِالْكَسْرِ، هُنَا وَهُوَ الْإِنَاء الَّذِي تحلب فِيهِ.
وَفِي بعض كتب الْحَنَابِلَة ذكر للخلطة سِتّ شَرَائِط، ثمَّ أَنه قد يكون أثر الْخلطَة فِي إِيجَابهَا، وَقد يكون فِي تكثيرها، وَقد يكون فِي تقليلها. مِثَال الأول: خمس من الْإِبِل أَو أَرْبَعُونَ من الْغنم بَين اثْنَيْنِ تجب فيهمَا الزَّكَاة، وَلَو انْفَرَدت لَا تجب. وَمِثَال الثَّانِي: لكل وَاحِد مِنْهُمَا مائَة شَاة وشَاة تجب على كل وَاحِد شَاة وَنصف، وَلَو انْفَرَدت تجب على كل وَاحِد شَاة، وَمِثَال الثَّالِث: وَهُوَ التقليل مائَة وَعِشْرُونَ شَاة بَين ثَلَاثَة يجب على كل وَاحِد ثلث شَاة، وَلَو انْفَرَدت لوَجَبَ على كل وَاحِد شَاة، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيث الْبَاب السَّابِق، وَلنَا أَنه قد ثَبت عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: (لَيْسَ فِيمَا دون خمس ذود صَدَقَة) الحَدِيث، وَجَمِيع النُّصُوص الْوَارِدَة فِي نصب الزَّكَاة تمنع الْوُجُوب فِيمَا دونهَا، وَلِأَنَّهُ لَا حق لأَحَدهمَا فِي ملك الآخر، وَمَاله غير زكوي لنقصانه عَن النّصاب، وَمثله مَال الآخر، وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد: وَرَأَوا فِي خَمْسَة أنفس لكل وَاحِد بنت مَخَاض تجب على كل مُسلم خمس شَاة، وَفِي عشرَة بَينهم خمس من الْإِبِل لكل وَاحِد نصف بعير تجب على كل وَاحِد مِنْهُم عُشر شَاة مَعَ قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَيْسَ فِي أَربع من الْإِبِل شَيْء) فَهَذِهِ زَكَاة مَا أوجبهَا الله تَعَالَى فَقَط، وَحكم بِخِلَاف حكم الله تَعَالَى، وَحكم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: وَجعلُوا لمَال أَحدهمَا حكما فِي مَال الآخر، وَهَذَا بَاطِل، وَخلاف الْقُرْآن وَالسّنَن، وَاشْتِرَاط الشُّرُوط التِّسْعَة الْمَذْكُورَة، وَغَيرهَا تحكم بِلَا دَلِيل أصلا لَا من قُرْآن وَلَا من سنة وَلَا من قَول صَاحب قِيَاس وَلَا من وَجه مَعْقُول، وليت شعري من جعل الْخلطَة مَقْصُورَة على الْوُجُوه الَّتِي ذكروها دون أَن يُرِيد بِهِ الْخلطَة فِي الْمنزل أَو فِي الصِّنَاعَة أَو فِي الشّركَة أَو فِي الْمغنم، كَمَا قَالَ طَاوُوس وَعَطَاء. وَلَو وَجَبت بالاختلاط فِي المرعى لَوَجَبَتْ فِي كل مَاشِيَة فِي الأَرْض، لِأَن المراعي مُتَّصِلَة فِي أَكثر الدُّنْيَا، إلَاّ أَن يقطع بَينهَا بحرا ونهرا وَعمارَة. قَالَ: وَأما تَقْدِير الْمَالِكِيَّة الِاخْتِلَاط بالشهر والشهرين فتحكم بَارِد، وَقَوله ظَاهر الإحالة جدا لِأَنَّهُ خص بهَا الْمَوَاشِي فَقَط دون الْخلطَة فِي الثِّمَار والزروع والنقدين، وَلَيْسَ ذَلِك فِي الْخَبَر. فَإِن قلت: روى الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ عَن سعد بن أبي وَقاص، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (الخليطان مَا اجْتمعَا على الْحَوْض والراعي
والفحل) . قلت: فِي سَنَده عبد الله بن لَهِيعَة وَهُوَ ضَعِيف فَلَا يجوز التَّمَسُّك بِهِ، كَذَا ذكره عبد الْحق فِي (الْأَحْكَام الْكُبْرَى) وأعجب الْأُمُور أَن الْبَيْهَقِيّ إِذا كَانَ الحَدِيث لَهُم يسكت عَن ابْن لَهِيعَة وَمثله، وَإِذا كَانَ عَلَيْهِم يتَكَلَّم فيهم بالباع والذراع. قَوْله: (فَإِنَّهُمَا يتراجعان) أَي: فَإِن الخليطين يتراجعان بَينهمَا، مَعْنَاهُ أَن السَّاعِي إِذا أَخذ من مَال أَحدهمَا جَمِيع الْوَاجِب فَإِنَّهُ يرجع على شَرِيكه بِحِصَّتِهِ، مثلا، إِذا كَانَ بَينهمَا أَرْبَعُونَ شَاة لكل وَاحِد مِنْهُمَا عشرُون، وَقد عرف كل مِنْهُمَا عين مَاله فَأخذ الْمُصدق من أَحدهمَا شَاة فَإِن الْمَأْخُوذ من مَاله يرجع على خليطه بِقِيمَة نصف شَاة، وَهَذِه تسمى خلْطَة الْجوَار، وَيَقَع التراجع فِيهَا. وَقد يَقع قَلِيلا فِي خلْطَة الشُّيُوع. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : والتراجع مُقْتَضَاهُ من اثْنَيْنِ. قلت: لَا نسلم ذَلِك، لِأَنَّهُ من: بَاب التفاعل، وَمُقْتَضَاهُ من اثْنَيْنِ وَجَمَاعَة، وَالَّذِي من اثْنَيْنِ فَقَط يكون من: بَاب المفاعلة، كَمَا علم فِي مَوْضِعه.
وَقَالَ طاوُوس وَعَطَاءٌ إذَا عَلِمَ الخَلِيطَانِ أمْوَالَهُمَا فَلَا يُجْمَعُ مالُهُمَا
طَاوُوس بن الْيَمَانِيّ وَعَطَاء بن أبي رَبَاح، وَهَذَا تَعْلِيق رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : عَن مُحَمَّد بن بكر عَن ابْن جريج: أَخْبرنِي عَمْرو بن دِينَار عَن طَاوُوس، قَالَ: إِذا كَانَ كَانَ الخليطان يعلمَانِ أموالهما فَلَا تجمع أموالهما فِي الصَّدَقَة، وَحدثنَا مُحَمَّد ابْن أبي بكر عَن ابْن جريج، قَالَ: أخْبرت عَطاء عَن قَول طَاوُوس، فَقَالَ: مَا أرَاهُ إلَاّ حَقًا، وَاعْترض ابْن الْمُنْذر، وَقَالَ: قَول طَاوُوس وَعَطَاء غَفلَة مِنْهُمَا، إِذْ غير جَائِز أَن يتراجعا بِالسَّوِيَّةِ وَالْمَال بَينهمَا لَا يعرف أحد مَاله من مَال صَاحبه. قَوْله: (إِذا علم الخليطان) يَعْنِي: لَا يكون المَال بَينهمَا مشَاعا، وَهَذَا يُسمى بخلطة الْجوَار، فمذهب طَاوُوس وَعَطَاء، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، هُوَ خلْطَة الشُّيُوع.
وقالَ سُفْيَانُ لَا تَجِبُ حَتَّى يَتِمَّ لِهاذا أرْبَعُونَ شَاة وَلِهاذا أرْبَعُونَ شَاة
أَي: قَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ، رَحمَه الله تَعَالَى: لَا تجب الزَّكَاة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: أَي لَا تثبت الْخلطَة، وَرَوَاهُ عبد الرَّزَّاق عَنهُ، وَقَالَ التَّيْمِيّ: كَانَ سُفْيَان لَا يرى للخلطة تَأْثِيرا كَمَا لَا يرَاهُ أَبُو حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَفِي (التَّوْضِيح) : وَقَول مَالك كَقَوْل عَطاء، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.
١٥٤١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حدَّثني أبي قَالَ حدَّثني ثمامَةُ أنَّ أنَسا حدَّثَهُ أنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ كتَبَ لَهُ الَّتِي فَرَضَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمَا كانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فإنَّهُمَا يَترَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ..
حَدِيث أنس هَذَا قطعه البُخَارِيّ رَحمَه الله تَعَالَى وَذكره فِي سِتَّة مَوَاضِع هَهُنَا بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد. الأول: فِي: بَاب الْعرض فِي الزَّكَاة. وَالثَّانِي: فِي: بَاب لَا يجمع بَين متفرق. وَالثَّالِث: فِي هَذَا الْبَاب. وَالرَّابِع: فِي: بَاب من بلغت عِنْده. وَالْخَامِس: فِي بَاب زَكَاة الْغنم. وَالسَّادِس: فِي: بَاب لَا يُؤْخَذ فِي الصَّدَقَة هرمة، وَقد ذكرنَا فِي: بَاب الْعرض فِي الزَّكَاة أَن البُخَارِيّ أخرج هَذَا الحَدِيث فِي عشرَة مَوَاضِع بِإِسْنَاد وَاحِد مقطعا، وَذكره فِي كتاب الزَّكَاة فِي سِتَّة مَوَاضِع، وَالْأَرْبَعَة فِي الْخمس وَالشَّرِكَة واللباس، وَفِي ترك الْحِيَل، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي مَوضِع وَاحِد بِتَمَامِهِ، قَالَ: حَدثنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيل حَدثنَا حَمَّاد قَالَ: أخذت من ثُمَامَة بن عبد الله بن أنس كتابا زعم أَن أَبَا بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كتبه لأنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَعَلِيهِ خَاتم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِين بَعثه مُصدقا وَكتبه لَهُ، فَإِذا فِيهِ: هَذِه فَرِيضَة الصَّدَقَة الَّتِي فَرضهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على الْمُسلمين الَّتِي أَمر الله بهَا نبيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَمن سئلها من الْمُسلمين على وَجههَا فليعطها، وَمن سُئِلَ فَوْقهَا فَلَا يُعْطه فِيمَا دون خمس وَعشْرين من الْإِبِل وَالْغنم، فِي كل خمس ذود شَاة فَإِذا بلغت خمْسا وَعشْرين فَفِيهَا بنت مَخَاض إِلَى أَن تبلغ خمْسا وَثَلَاثِينَ، فَإِن لم يكن فِيهَا بنت مَخَاض فَابْن لبون ذكر، فَإِذا بلغت سِتا وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا بنت لبون إِلَى خمس وَأَرْبَعين، فَإِذا بلغت سِتا وَأَرْبَعين فَفِيهَا حقة طروقة الْفَحْل إِلَى سِتِّينَ، فَإِذا بلغت إِحْدَى وَسِتِّينَ فَفِيهَا جَذَعَة إِلَى خمس وَسبعين، فَإِذا بلغت
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْأَصْلِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ، وَلَوْلَا تَقْدِيرُ الشَّارِعِ بِذَلِكَ لَتَعَيَّنَتْ بِنْتُ الْمَخَاضِ مَثَلًا وَلَمْ يَجُزْ أَنْ تُبَدَّلَ بِنْتُ لَبُونٍ مَعَ التَّفَاوُتِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٣٤ - بَاب لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ
وَيُذْكَرُ عَنْ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ
١٤٥٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ أَنَّ أَنَسًا ﵁ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ كَتَبَ لَهُ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ مُتَفَرِّقٍ بِتَقْدِيمِ التَّاءِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ، قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: لَمْ يُقَيِّدِ الْمُصَنِّفُ التَّرْجَمَةَ بِقَوْلِهِ: خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، لِاخْتِلَافِ نَظَرِ الْعُلَمَاءِ فِي الْمُرَادِ بِذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (وَيُذْكَرُ عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلُهُ) أَيْ: مِثْلُ لَفْظِ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ، وَهُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَأَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْهُ مَوْصُولًا، وَسُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ ضَعِيفٌ فِي الزُّهْرِيِّ، وَقَدْ خَالَفَهُ مَنْ هُوَ أَحْفَظُ مِنْهُ فِي الزُّهْرِيِّ، فَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَقَالَ: إِنَّ فِيهِ تَقْوِيَةً لِرِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ، لِأَنَّهُ قَالَ عَنِ الزُّهْرِيِّ: قَالَ: أَقْرَأَنِيهَا سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَوَعَيْتُهَا عَلَى وَجْهِهَا، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَلَمْ يَقُلْ: إِنَّ ابْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ بِهِ، وَلِهَذِهِ الْعِلَّةِ لَمْ يَجْزِمْ بِهِ الْبُخَارِيُّ، لَكِنْ أَوْرَدَهُ شَاهِدًا لِحَدِيثِ أَنَسٍ الَّذِي وَصَلَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْبَابِ وَلَفْظُهُ: وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ بِتَقْدِيمِ التَّاءِ أَيْضًا، وَزَادَ: خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالْخَشْيَةِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ، وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ عِنْدَ أَصْحَابِ السُّنَنِ، وَعَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ قَالَ: أَتَانَا مُصَدِّقُ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَرَأْتُ فِي عَهْدِهِ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ، أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ، قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ: مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنْ يَكُونَ النَّفَرُ الثَّلَاثَةُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَرْبَعُونَ شَاةً وَجَبَتْ فِيهَا الزَّكَاةُ فَيَجْمَعُونَهَا حَتَّى لَا تَجِبَ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ فِيهَا إِلَّا شَاةٌ وَاحِدَةٌ، أَوْ يَكُونُ لِلْخَلِيطَيْنِ مِائَتَا شَاةٍ وَشَاتَانِ، فَيَكُونُ عَلَيْهِمَا فِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ فَيُفَرِّقُونَهَا حَتَّى لَا يَكُونَ عَلَى كُلٍّ
وَاحِدٍ إِلَّا شَاةً وَاحِدَةً، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ خِطَابٌ لِرَبِّ الْمَالِ مِنْ جِهَةٍ وَلِلسَّاعِي مِنْ جِهَةٍ، فَأُمِرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ لَا يُحْدِثَ شَيْئًا مِنَ الْجَمْعِ وَالتَّفْرِيقِ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، فَرَبُّ الْمَالِ يَخْشَى أَنْ تَكْثُرَ الصَّدَقَةُ فَيَجْمَعَ أَوْ يُفَرِّقَ لِتَقِلَّ، وَالسَّاعِي يَخْشَى أَنْ تَقِلَّ الصَّدَقَةُ فَيَجْمَعَ أَوْ يُفَرِّقَ لِتَكْثُرَ، فَمَعْنَى قَوْلِهِ: خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ أَيْ: خَشْيَةَ أَنْ تَكْثُرَ الصَّدَقَةُ أَوْ خَشْيَةَ أَنْ تَقِلَّ الصَّدَقَةُ، فَلَمَّا كَانَ مُحْتَمِلًا لِلْأَمْرَيْنِ لَمْ يَكُنِ الْحَمْلُ عَلَى أَحَدِهِمَا بِأَوْلَى مِنَ الْآخَرِ، فَحُمِلَ عَلَيْهِمَا مَعًا، لَكِنَّ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ حَمْلَهُ عَلَى الْمَالِكِ أَظْهَرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ دُونَ النِّصَابِ مِنَ الْفِضَّةِ وَدُونَ النِّصَابِ مِنَ الذَّهَبِ مَثَلًا أَنَّهُ لَا يَجِبُ ضَمُّ بَعْضِهِ إِلَى بَعْضٍ حَتَّى يَصِيرَ نِصَابًا كَامِلًا فَتَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ يُضَمُّ عَلَى الْأَجْزَاءِ كَالْمَالِكِيَّةِ أَوْ عَلَى الْقِيَمِ كَالْحَنَفِيَّةِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ لِأَحْمَدَ عَلَى أَنَّ مَنْ كَانَ لَهُ مَاشِيَةٌ بِبَلَدٍ لَا تَبْلُغُ النِّصَابَ كَعِشْرِينَ شَاةً مَثَلًا بِالْكُوفَةِ وَمِثْلُهَا بِالْبَصْرَةِ أَنَّهَا لَا تُضَمُّ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهَا مِلْكَ رَجُلٍ وَاحِدٍ وَتُؤْخَذُ مِنْهَا الزَّكَاةُ لِبُلُوغِهَا النِّصَابَ، قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَخَالَفَهُ الْجُمْهُورُ، فَقَالُوا: يُجْمَعُ عَلَى صَاحِبِ الْمَالِ أَمْوَالُهُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
ومطابقته للتَّرجمة، قِيلَ: من جهة أمره ﵊ النِّساء بدفع الزَّكاة، فدفعن الحلق والقلائد، وهو يدلُّ على جواز أخذ العرض في الزَّكاة، وجوابه ما مرَّ في هذا الباب (١) قريبًا.
(٣٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ) بتقديم المُثنَّاة الفوقيَّة على الفاء وتشديد الرَّاء، وللحَمُّويي والمُستملي: «مفترقٌ» بتأخيرها (وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ) بكسر الميم الثَّانية (وَيُذْكَرُ عَنْ سَالِمٍ) هو ابن عبد الله بن (٢) عمر، ممَّا وصله أحمد وأبو يَعلى والتِّرمذيُّ وغيرهم (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلُهُ) أي: مثل لفظ التَّرجمة.
١٤٥٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) عبد الله ابن المُثنَّى (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، عمِّي (ثُمَامَةُ: أَنَّ) جدَّه (أَنَسًا ﵁ حَدَّثَهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ كَتَبَ لَهُ) الفريضة (الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: وَلَا يُجْمَعُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه، أي: لا يجمع المالك والمُصَّدِّق (بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ) بتقديم التَّاء على الفاء (وَلَا يُفَرَّقُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه مُشدَّدًا (بَيْنَ مُجْتَمِعٍ) (٣) بكسر الميم الثَّانية (خَشْيَةَ) المالكِ كثرةَ (الصَّدَقَةِ) فيقلُّ ماله، أو خشية المُصِّدِّق قلَّتها، فأمر كلَّ واحدٍ منهما ألَّا (٤) يُحْدِث في المال شيئًا من الجمع والتَّفريق، و «خشيةَ» نُصِبَ على أنَّه مفعولٌ لأجله، وقد تنازع فيه الفعلان «يُجمَع» و «يُفرَّق»، وقال في
«المصابيح»: ويحتمل أن يُقدَّر: لا يفعل شيئًا من ذلك خشية الصَّدقة، فيحصل المراد من غير تنازعٍ، وهذا التَّأويل السَّابق قاله الشَّافعيُّ، وقال مالكٌ في «المُوطَّأ»: معناه: أن يكون النَّفر الثَّلاثة لكلِّ واحدٍ منهم أربعون شاةً وجبت فيها الزَّكاة، فيجمعونها حتَّى لا يجب عليهم كلُّهم فيها إلَّا شاةٌ واحدةٌ، أو يكون للخليطين مئتا شاةٍ وشاتان فيكون عليهما فيها ثلاث شياهٍ، فيفرِّقانها (١) حتَّى لا يكون على كلِّ واحدٍ إلَّا شاةٌ واحدةٌ، فصرف الخطاب للمالك، وقال أبو حنيفة: معنى «لا يُجمَع بين متفرِّقٍ»: أن يكون بين رجلين أربعون شاةً، فإذا جمعاها فشاةٌ، وإذا فرَّقاها فلا شيء، و «لا يُفرَّق بين مجتمعٍ»: أن يكون لرجلٍ مئةٌ (٢) وعشرون شاةً (٣)، فإذا (٤) فرَّقها المصَّدِّق أربعين أربعين فثلاث شياهٍ، وقال أبو يوسف: معنى الأوَّل: أن يكون للرَّجل ثمانون شاةً، فإذا جاء المصَّدِّق قال: هي بيني وبين إخوتي، لكلِّ واحدٍ عشرون فلا زكاة، أو يكون له أربعون ولإخوته أربعون، فيقول: كلُّها لي، فشاةٌ.
(٣٥) هذا (٥) (بابٌ) بالتَّنوين (مَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ، وَقَالَ طَاوُسٌ) هو ابن كيسان اليمانيُّ (وَعَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ، ممَّا وصله أبو عبيدٍ في «كتاب
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
(فأتاهن) ، أَي: فجَاء إِلَيْهِم. قَوْله: (وَمَعَهُ بِلَال) الْوَاو فِيهِ وَاو الْحَال أَي: وَالْحَال أَن بِلَالًا كَانَ مَعَه. قَوْله: (ناشر ثَوْبه) ، يجوز بِالْإِضَافَة وبتركها، وَقد علم أَن اسْم الْفَاعِل يعْمل عمل فعله. قَوْله: (وَأَشَارَ أَيُّوب) أَي: الْمَذْكُور فِي سَنَد الحَدِيث إِلَى أُذُنه أَي: إِلَى مَا فِي أُذُنه، وَأَرَادَ بِهِ: الْحلق والقرط، وَإِلَى مَا فِي حلقه، وَأَرَادَ بِهِ القلادة.
٤٣ - (بابٌ لَا يَجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ وَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: لَا يجمع إِلَى آخِره. قَوْله: (متفرق) ، بِتَقْدِيم التَّاء على الْفَاء وَتَشْديد الرَّاء رِوَايَة الْكشميهني وَرِوَايَة غَيره: لَا يجمع بَين مفترق، بِتَقْدِيم الْفَاء من الِافْتِرَاق، صُورَة: لَا يجمع بَين متفرق أَن يكون لهَذَا أَرْبَعُونَ شَاة ولذاك أَرْبَعُونَ أَيْضا، وَللْآخر أَرْبَعُونَ فيجمعوها حَتَّى لَا يكون فِيهَا إلَاّ شَاة، وَصُورَة: لَا يفرق بَين مُجْتَمع: أَن يكون شريكان وَلكُل وَاحِد مِنْهُمَا مائَة شَاة وشَاة، فَيكون عَلَيْهِمَا فِي مَالهمَا ثَلَاث شِيَاه، ثمَّ يفرقان غنمهما عِنْد طلب السَّاعِي الزَّكَاة، فَلم يكن على كل وَاحِد مِنْهُمَا إلَاّ شَاة وَاحِدَة. قَوْله: (مُجْتَمع) ، بِكَسْر الْمِيم الثَّانِيَة، قيل: لم يُقيد البُخَارِيّ التَّرْجَمَة بقوله خشيَة الصَّدَقَة لاخْتِلَاف نظر الْعلمَاء فِي المُرَاد بذلك لما سَنذكرُهُ، إِن شَاءَ الله تَعَالَى عَن قريب.
ويُذْكَرُ عنْ سالِمٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِثْلُهُ
أَي: يذكر عَن سَالم بن عبد الله بن عمر عَن عبد الله بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مثله، أَي: مثل لفظ هَذِه التَّرْجَمَة، وَهَذَا التَّعْلِيق ذكره التِّرْمِذِيّ مَوْصُولا مطولا، فَقَالَ: حَدثنَا زِيَاد بن أَيُّوب الْبَغْدَادِيّ وَإِبْرَاهِيم ابْن عبد الله الْهَرَوِيّ وَمُحَمّد بن كَامِل الْمروزِي، وَالْمعْنَى وَاحِد، قَالُوا: حَدثنَا عَفَّان بن الْعَوام عَن سُفْيَان بن حُسَيْن عَن الْهَرَوِيّ (عَن سَالم عَن أَبِيه أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كتب كتاب الصَّدَقَة فَلم يُخرجهُ إِلَى عماله حَتَّى قبض، فقرنه بِسَيْفِهِ فَلَمَّا قبض عمل بِهِ أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، حَتَّى قبض، وَعمر حَتَّى قبض) الحَدِيث، وَفِيه: (لَا يجمع بَين متفرق وَلَا يفرق بَين مُجْتَمع مَخَافَة الصَّدَقَة) إِلَى آخِره. وَقَالَ: حَدِيث ابْن عمر حَدِيث حسن، وخرجه أَبُو مُحَمَّد الدَّارمِيّ فِي كِتَابه الملقب (بِالصَّحِيحِ) وَقَالَ التِّرْمِذِيّ فِي (كتاب الْعِلَل) : سَأَلت مُحَمَّدًا عَن حَدِيث سَالم عَن أَبِيه كتب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كتاب الصَّدَقَة؟ فَقَالَ: أَرْجُو أَن يكون مَحْفُوظًا، وسُفْيَان بن حُسَيْن صَدُوق. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : كَيفَ سَاغَ للْبُخَارِيّ أَن يعلق هَذَا الحَدِيث ممرضا، وَهُوَ نقض لما يَقُوله المحدثون. قلت: لَا اعْتِرَاض عَلَيْهِ فِي ذَلِك، فَإِنَّهُ لَا يلْزم من تَحْسِين التِّرْمِذِيّ إِيَّاه أَن يكون حسنا عِنْده.
٠٥٤١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله الأَنْصَارِيُّ قَالَ حدَّثني ثُمَامَةُ أنَّ أنسا رَضِي الله تَعَالَى عنهُ حدَّثَهُ أنَّ أبَا بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ كتبَ لَهُ الَّتِي فرَضَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن التَّرْجَمَة عين لفظ الحَدِيث، والإسناد بِعَيْنِه مضى فِي الْبَاب الَّذِي قبله، وَهُوَ: بَاب الْعرض فِي الزَّكَاة. قَوْله: (فرض رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، أَي: قدر، قَالَ الْخطابِيّ: لِأَن الْإِيجَاب قد بَينه الله تَعَالَى، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: يحْتَمل أَن يكون على بَابه بِمَعْنى الْأَمر، يُبينهُ قَوْله فِي الرِّوَايَة الَّتِي مَضَت، وَهِي الَّتِي أَمر الله رَسُوله.
وَاخْتلف الْعلمَاء فِي تَأْوِيل هَذَا الحَدِيث، فَقَالَ مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) : تَفْسِير (وَلَا يجمع بَين متفرق) ، أَن يكون ثَلَاثَة أنفس لكل وَاحِد أَرْبَعُونَ شَاة، فَإِذا أظلهم الْمُصدق جمعوها ليؤدوا شَاة، وَلَا يفرق بَين مُجْتَمع أَن يكون لكل وَاحِد مائَة شَاة وشَاة فعلَيْهِمَا ثَلَاث شِيَاه، فيفرقونها، ليؤدوا شَاتين فنهوا عَن ذَلِك، وَهُوَ قَول الثَّوْريّ وَالْأَوْزَاعِيّ. وَقَالَ الشَّافِعِي: تَفْسِيره أَن يفرق السَّاعِي الأول ليَأْخُذ من كل وَاحِد شَاة، وَفِي الثَّانِي ليَأْخُذ ثَلَاثًا فَالْمَعْنى وَاحِد لَكِن صرف الْخطاب الشَّافِعِي إِلَى السَّاعِي كَمَا حَكَاهُ عَنهُ الدَّاودِيّ فِي (كتاب الْأَمْوَال) ، وَصَرفه مَالك إِلَى الْمَالِك، وَهُوَ قَول أبي ثَوْر، وَقَالَ الْخطابِيّ عَن الشَّافِعِي: إِنَّه صرفه إِلَيْهِمَا. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: معنى لَا يجمع بَين متفرق أَن يكون بَين رجلَيْنِ أَرْبَعُونَ شَاة، فَإِذا جمعاها فشاة، وَإِذا فرقاها فَلَا شَيْء، وَلَا يفرق بَين مُجْتَمع أَن يكون لرجل مائَة شَاة وَعِشْرُونَ شَاة، فَإِن
فرقها الْمُصدق أَرْبَعِينَ فَثَلَاث شِيَاه، وَقَالَ أَبُو يُوسُف: معنى الأول أَن يكون لرجل ثَمَانُون شَاة، فَإِذا جَاءَ الْمُصدق قَالَ: هِيَ بيني وَبَين إخوتي، لكل وَاحِد عشرُون فَلَا زَكَاة، أَو أَن يكون لَهُ أَرْبَعُونَ ولأخوته أَرْبَعُونَ فَيَقُول: كلهَا لي، فشاة. وَفِي (الْمُحِيط) : وَتَأْويل هَذَا أَنه كَانَ لَهُ ثَمَانُون شَاة تجب فِيهَا وَاحِدَة فَلَا يفرقها ويجعلها لِرجلَيْنِ فَيَأْخُذ شَاتين، فعلى هَذَا يكون خطابا للساعي، وَإِن كَانَت لِرجلَيْنِ فعلى كل وَاحِد شَاة فَلَا تجمع وَيُؤْخَذ مِنْهَا شَاة، وَالْخطاب فِي هَذَا يحْتَمل أَن يكون للمصدق بِأَن يكون لأَحَدهمَا مائَة شَاة وَللْآخر مائَة شَاة وشَاة فعلَيْهِمَا شَاتَان فَلَا يجمع الْمُصدق بَينهمَا، وَيَقُول هَذِه كلهَا لَك فَيَأْخُذ مِنْهُ ثَلَاث شِيَاه، وَلَا يفرق بَين مُجْتَمع بِأَن يكون لرجل مائَة وَعِشْرُونَ شَاة فَيَقُول السَّاعِي: هِيَ لثَلَاثَة فَيَأْخُذ ثَلَاث شِيَاه، وَلَو كَانَت لوَاحِد تجب شَاة، وَيحْتَمل أَن يكون الْخطاب لرب المَال، ويقوى بقوله: (خشيَة الصَّدَقَة) أَي: فيخاف فِي وجوب الصَّدَقَة فيحتال فِي إِسْقَاطهَا بِأَن يجمع نِصَاب أَخِيه إِلَى نصابه فَتَصِير ثَمَانِينَ فَيجب فِيهَا شَاة وَاحِدَة، وَلَا يفرق بَين مُجْتَمع بِأَن يكون لَهُ أَرْبَعُونَ فَيَقُول نصفهَا لي وَنِصْفهَا لأخي فَتسقط زَكَاتهَا. وَفِي (الْمَبْسُوط) : وَالْمرَاد من الْجمع والتفريق فِي الْملك لَا فِي الْمَكَان لإجماعنا على أَن النّصاب إِذا كَانَ فِي ملك وَاحِد يجمع وَإِن كَانَ فِي أمكنة مُتَفَرِّقَة، فَدلَّ أَن المتفرق فِي الْملك لَا يجمع فِي حق الصَّدَقَة. قَوْله: (خشيَة الصَّدَقَة) مِمَّا تنَازع فِيهِ الفعلان، والخشية خشيتان: خشيَة السَّاعِي أَن تقل الصَّدَقَة، وخشية رب المَال أَن تكْثر الصَّدَقَة، فَأمر كل وَاحِد مِنْهُمَا أَن لَا يحدث شَيْئا من الْجمع والتفريق. قيل: لَو فرض أَن المالكين أَرَادَا ذَلِك لإِرَادَة تَكْثِير الصَّدَقَة أَو وجوب مَا لم يجب عَلَيْهِمَا التماسا لِكَثْرَة الْأجر، أَو لإِرَادَة وُقُوع مَا أَرَادَ التَّصَدُّق بِهِ تَطَوّعا ليصير وَاجِبا. وثواب الْوَاجِب أَكثر من ثَوَاب التَّطَوُّع، فَالظَّاهِر جَوَاز ذَلِك.
وَمِمَّا يُسْتَفَاد من الحَدِيث: النَّهْي عَن اسْتِعْمَال الْحِيَل لسُقُوط مَا كَانَ وَاجِبا عَلَيْهِ. وَيجْرِي ذَلِك فِي أَبْوَاب كَثِيرَة من أَبْوَاب الْفِقْه، وللعلماء فِي ذَلِك خلاف فِي التَّحْرِيم أَو الْكَرَاهَة أَو الْإِبَاحَة، وَالْحق أَنه كَانَ ذَلِك لغَرَض صَحِيح فِيهِ رفق للمعذور وَلَيْسَ فِيهِ إبِْطَال لحق الْغَيْر، فَلَا بَأْس بِهِ من ذَلِك فِي قَوْله تَعَالَى: {وَخذ بِيَدِك ضغثا فَاضْرب بِهِ وَلَا تَحنث} (ص: ٤٤) . وَإِن كَانَ لغَرَض فَاسد: كإسقاط حق الْفُقَرَاء من الزَّكَاة بِتَمْلِيك مَاله قبل الْحول لوَلَده، أَو نَحْو ذَلِك، فَهُوَ حرَام أَو مَكْرُوه على الْخلاف الْمَشْهُور فِي ذَلِك. وَقَالَ بَعضهم: وَاسْتدلَّ بِهِ على أَن من كَانَ عِنْده دون النّصاب من الْفضة وَدون النّصاب من الذَّهَب مثلا إِنَّه لَا يجب ضم بعضه إِلَى بعض حَتَّى يصير نِصَابا كَامِلا فَتجب فِيهِ الزَّكَاة، خلافًا لمن قَالَ: يضم على الْأَجْزَاء كالمالكية، أَو على الْقيم كالحنفية. انْتهى. قلت: هَذَا اسْتِدْلَال غير صَحِيح لِأَن النَّهْي فِي الحَدِيث مُعَلل بخشية الصَّدَقَة، وَفِيه إِضْرَار للْفُقَرَاء بِخِلَاف مَا قَالَه الْمَالِكِيَّة وَالْحَنَفِيَّة فَإِن فِيهِ نفعا للْفُقَرَاء وَهُوَ ظَاهر. وَقيل: اسْتدلَّ بِهِ لِأَحْمَد على أَن من كَانَ لَهُ مَاشِيَة فِي بلد لَا تبلغ النّصاب كعشرين شَاة، مثلا بِالْكُوفَةِ، وَمثلهَا بِالْبَصْرَةِ أَنَّهَا لَا تضم بِاعْتِبَار كَونهَا ملك رجل وَاحِد وَيُؤْخَذ مِنْهَا الزَّكَاة. قلت: قد ذكرنَا عَن قريب أَن الْجمع والتفريق أَن يكون فِي الْملك لَا فِي الْمَكَان، وَعَن هَذَا قَالَ ابْن الْمُنْذر: خَالفه الْجُمْهُور فَقَالُوا: يجب على صَاحب المَال زَكَاة مَاله وَلَو كَانَ فِي بلدان شَتَّى، وَيخرج مِنْهُ الزَّكَاة.
٥٣ - (بابٌ مَا كانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فإنَّهُمَا يَترَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بالسَّوِيَّةِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ مَا كَانَ من خليطين إِلَى آخِره، وَكلمَة: مَا، هُنَا تَامَّة نكرَة متضمنة معنى حرف الِاسْتِفْهَام، وَمَعْنَاهَا أَي: شَيْء كَانَ من خليطين فَإِنَّهُمَا يتراجعان، والخليطان تَثْنِيَة خليط، وَاخْتلف فِي المُرَاد بالخليط، فَذهب أَبُو حنيفَة إِلَى أَنه الشَّرِيك، لِأَن الخليطين فِي اللُّغَة الَّتِي بهَا خاطبنا رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، هما الشريكان اللَّذَان اخْتَلَط مَالهمَا وَلم يتَمَيَّز كالخليطين من النَّبِيذ. قَالَه ابْن الْأَثِير، وَمَا لم يخْتَلط مَعَ غَيره فليسا بخليطين، هَذَا مَا لَا شكّ فِيهِ، وَإِذا تميز مَال كل وَاحِد مِنْهُمَا من مَال الآخر فَلَا خلْطَة، فعلى قَول أبي حنيفَة: لَا يجب على أحد من الشَّرِيكَيْنِ أَو الشُّرَكَاء فِيمَا يملك إلَاّ مثل الَّذِي كَانَ يجب عَلَيْهِ لَو لم يكن خلط، وَذكر فِي (الْمَبْسُوط) ، وعام كتب أَصْحَابنَا: أَن الخليطين يعْتَبر لكل وَاحِد نِصَاب كَامِل كَحال الِانْفِرَاد، وَلَا تَأْثِير للخلطة فِيهَا سَوَاء كَانَت شركَة ملك بِالْإِرْثِ وَالْهِبَة وَالشِّرَاء وَنَحْوهَا، أَو شركَة عقد كالعنان والمفاوضة. ذكره الوبري وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: اخْتلفُوا فِي رجلَيْنِ بَينهمَا مَاشِيَة نِصَاب وَاحِد، قَالَت طَائِفَة: لَا زَكَاة عَلَيْهِمَا، قَالَ:
هَذَا قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ وَالثَّوْري وَأبي ثَوْر وَأهل الْعرَاق، وَقَالَ ابْن حزم فِي (الْمحلى) : وَبِه قَالَ شريك بن عبد الله وَالْحسن بن حَيّ، وَقَالَ الشَّافِعِي وَاللَّيْث وَابْن حَنْبَل وَإِسْحَاق تجب عَلَيْهِمَا الزَّكَاة وَلَو كَانُوا أَرْبَعِينَ رجلا لكل وَاحِد شَاة تجب عَلَيْهِم شَاة، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: الأول أصح، يَعْنِي عدم وجوب الزَّكَاة، وَقَالَ ابْن حزم فِي (الْمحلى) : الْخلطَة لَا تحيل حكم الزَّكَاة هُوَ الصَّحِيح. وَقَالَ الطرطوشي: لَا تصح الْخلطَة إلَاّ أَن يكون لكل وَاحِد مِنْهُمَا نِصَاب كَامِل، والمعاني الْمُعْتَبرَة فِيهَا: الرَّاعِي والفحل والمراح والدلو وَالْمَبِيت، ذكرهَا مَالك فِي (الْمُدَوَّنَة) وَمِنْهُم من ذكر: الحلاب، مَكَان الْمبيت، وَحُصُول جَمِيعهَا لَيْسَ بِشَرْط، والحلاب مَعْنَاهُ أَن يكون الْحَالِف وَاحِدًا إِلَّا أَن يخلط الألبان، وَلَو كَانَ أَحدهمَا عبدا أَو كَافِرًا. قَالَ مُحَمَّد بن مسلمة: لم تصح الْخلطَة، وَقَالَ ابْن الْمَاجشون: تصح وَلَا تشْتَرط الْخلطَة فِي جَمِيع الْحول، وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: لَو اختلطا قبل الْحول بشهرين فَأَقل فهما خليطان. وَقَالَ ابْن حبيب: أدناه شهر. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد: إِذا لم يقْصد الْفِرَار صَحَّ، وَرَأى الْأَوْزَاعِيّ وَمَالك وَأَبُو الْحسن بن الْمُفلس من الظَّاهِرِيَّة، الْخلطَة فِي الْمَوَاشِي لَا غير، وَرَأى الشَّافِعِي حكم الْخلطَة الَّتِي قَالَ بِهِ جَارِيا فِي الْمَوَاشِي والزروع وَالثِّمَار وَالدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير، وَقَالَ ابْن حزم، وَرَأى أَن مِائَتي نفس لَو ملكوا مِائَتي دِرْهَم كل وَاحِد درهما يجب عَلَيْهِم فِيهَا خَمْسَة دَرَاهِم، وَقَالَ النَّوَوِيّ: الْخلطَة، بِضَم الْخَاء، سَوَاء كَانَت خلْطَة شيوع واشتراك فِي الْأَعْيَان، أَو خلْطَة أَوْصَاف وَجَوَاز فِي الْمَكَان بِشُرُوط تِسْعَة: أَن يكون الشُّرَكَاء من أهل وجوب الزَّكَاة، وَأَن يكون المَال بعد الْخَلْط نِصَابا، وَأَن يمْضِي عَلَيْهِ بعد الْخَلْط حول كَامِل، وَأَن لَا يتَمَيَّز أَحدهمَا عَن الآخر فِي المراح وَفِي المسرح وَفِي المشرب كالبئر وَالنّهر والحوض وَالْعين، أَو كَانَت الْمِيَاه مُخْتَلفَة بِحَيْثُ لَا تخْتَص غنم أَحدهمَا بِشَيْء، وَالسَّابِع: الرَّاعِي، وَالثَّامِن: الْفَحْل، وَالتَّاسِع فِي المحلب، وَلَا يشْتَرط خلط اللَّبن. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق الْمروزِي: يشْتَرط فِيهِ فيحلب أَحدهمَا فَوق لبن الآخر، قَالَ صَاحب (الْبَيَان) : هُوَ أصح الْوُجُوه الثَّلَاثَة، وَفِي وَجه: يشْتَرط أَن يحلبا مَعًا ويخلطا اللَّبن ثمَّ يقتسمانه، وَقَالَ صَاحب (الْمُفِيد) : وَيشْتَرط عِنْده اتِّحَاد الدَّلْو وَالْكَلب، وَقيل: لَيْسَ ذَلِك بمذهبه، وَحكى الرَّافِعِيّ عَن الحناطي أَنه حكى أَن خلط الْجوَار لَا أثر لَهَا وَغلط، والمسرح المرعى. وَقيل: طريقها إِلَى المرعى. وَقيل: الْموضع الَّذِي تَجْتَمِع فِيهِ لتستريح، والمحلب، بِالْكَسْرِ، هُنَا وَهُوَ الْإِنَاء الَّذِي تحلب فِيهِ.
وَفِي بعض كتب الْحَنَابِلَة ذكر للخلطة سِتّ شَرَائِط، ثمَّ أَنه قد يكون أثر الْخلطَة فِي إِيجَابهَا، وَقد يكون فِي تكثيرها، وَقد يكون فِي تقليلها. مِثَال الأول: خمس من الْإِبِل أَو أَرْبَعُونَ من الْغنم بَين اثْنَيْنِ تجب فيهمَا الزَّكَاة، وَلَو انْفَرَدت لَا تجب. وَمِثَال الثَّانِي: لكل وَاحِد مِنْهُمَا مائَة شَاة وشَاة تجب على كل وَاحِد شَاة وَنصف، وَلَو انْفَرَدت تجب على كل وَاحِد شَاة، وَمِثَال الثَّالِث: وَهُوَ التقليل مائَة وَعِشْرُونَ شَاة بَين ثَلَاثَة يجب على كل وَاحِد ثلث شَاة، وَلَو انْفَرَدت لوَجَبَ على كل وَاحِد شَاة، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيث الْبَاب السَّابِق، وَلنَا أَنه قد ثَبت عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: (لَيْسَ فِيمَا دون خمس ذود صَدَقَة) الحَدِيث، وَجَمِيع النُّصُوص الْوَارِدَة فِي نصب الزَّكَاة تمنع الْوُجُوب فِيمَا دونهَا، وَلِأَنَّهُ لَا حق لأَحَدهمَا فِي ملك الآخر، وَمَاله غير زكوي لنقصانه عَن النّصاب، وَمثله مَال الآخر، وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد: وَرَأَوا فِي خَمْسَة أنفس لكل وَاحِد بنت مَخَاض تجب على كل مُسلم خمس شَاة، وَفِي عشرَة بَينهم خمس من الْإِبِل لكل وَاحِد نصف بعير تجب على كل وَاحِد مِنْهُم عُشر شَاة مَعَ قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَيْسَ فِي أَربع من الْإِبِل شَيْء) فَهَذِهِ زَكَاة مَا أوجبهَا الله تَعَالَى فَقَط، وَحكم بِخِلَاف حكم الله تَعَالَى، وَحكم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: وَجعلُوا لمَال أَحدهمَا حكما فِي مَال الآخر، وَهَذَا بَاطِل، وَخلاف الْقُرْآن وَالسّنَن، وَاشْتِرَاط الشُّرُوط التِّسْعَة الْمَذْكُورَة، وَغَيرهَا تحكم بِلَا دَلِيل أصلا لَا من قُرْآن وَلَا من سنة وَلَا من قَول صَاحب قِيَاس وَلَا من وَجه مَعْقُول، وليت شعري من جعل الْخلطَة مَقْصُورَة على الْوُجُوه الَّتِي ذكروها دون أَن يُرِيد بِهِ الْخلطَة فِي الْمنزل أَو فِي الصِّنَاعَة أَو فِي الشّركَة أَو فِي الْمغنم، كَمَا قَالَ طَاوُوس وَعَطَاء. وَلَو وَجَبت بالاختلاط فِي المرعى لَوَجَبَتْ فِي كل مَاشِيَة فِي الأَرْض، لِأَن المراعي مُتَّصِلَة فِي أَكثر الدُّنْيَا، إلَاّ أَن يقطع بَينهَا بحرا ونهرا وَعمارَة. قَالَ: وَأما تَقْدِير الْمَالِكِيَّة الِاخْتِلَاط بالشهر والشهرين فتحكم بَارِد، وَقَوله ظَاهر الإحالة جدا لِأَنَّهُ خص بهَا الْمَوَاشِي فَقَط دون الْخلطَة فِي الثِّمَار والزروع والنقدين، وَلَيْسَ ذَلِك فِي الْخَبَر. فَإِن قلت: روى الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ عَن سعد بن أبي وَقاص، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (الخليطان مَا اجْتمعَا على الْحَوْض والراعي
والفحل) . قلت: فِي سَنَده عبد الله بن لَهِيعَة وَهُوَ ضَعِيف فَلَا يجوز التَّمَسُّك بِهِ، كَذَا ذكره عبد الْحق فِي (الْأَحْكَام الْكُبْرَى) وأعجب الْأُمُور أَن الْبَيْهَقِيّ إِذا كَانَ الحَدِيث لَهُم يسكت عَن ابْن لَهِيعَة وَمثله، وَإِذا كَانَ عَلَيْهِم يتَكَلَّم فيهم بالباع والذراع. قَوْله: (فَإِنَّهُمَا يتراجعان) أَي: فَإِن الخليطين يتراجعان بَينهمَا، مَعْنَاهُ أَن السَّاعِي إِذا أَخذ من مَال أَحدهمَا جَمِيع الْوَاجِب فَإِنَّهُ يرجع على شَرِيكه بِحِصَّتِهِ، مثلا، إِذا كَانَ بَينهمَا أَرْبَعُونَ شَاة لكل وَاحِد مِنْهُمَا عشرُون، وَقد عرف كل مِنْهُمَا عين مَاله فَأخذ الْمُصدق من أَحدهمَا شَاة فَإِن الْمَأْخُوذ من مَاله يرجع على خليطه بِقِيمَة نصف شَاة، وَهَذِه تسمى خلْطَة الْجوَار، وَيَقَع التراجع فِيهَا. وَقد يَقع قَلِيلا فِي خلْطَة الشُّيُوع. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : والتراجع مُقْتَضَاهُ من اثْنَيْنِ. قلت: لَا نسلم ذَلِك، لِأَنَّهُ من: بَاب التفاعل، وَمُقْتَضَاهُ من اثْنَيْنِ وَجَمَاعَة، وَالَّذِي من اثْنَيْنِ فَقَط يكون من: بَاب المفاعلة، كَمَا علم فِي مَوْضِعه.
وَقَالَ طاوُوس وَعَطَاءٌ إذَا عَلِمَ الخَلِيطَانِ أمْوَالَهُمَا فَلَا يُجْمَعُ مالُهُمَا
طَاوُوس بن الْيَمَانِيّ وَعَطَاء بن أبي رَبَاح، وَهَذَا تَعْلِيق رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : عَن مُحَمَّد بن بكر عَن ابْن جريج: أَخْبرنِي عَمْرو بن دِينَار عَن طَاوُوس، قَالَ: إِذا كَانَ كَانَ الخليطان يعلمَانِ أموالهما فَلَا تجمع أموالهما فِي الصَّدَقَة، وَحدثنَا مُحَمَّد ابْن أبي بكر عَن ابْن جريج، قَالَ: أخْبرت عَطاء عَن قَول طَاوُوس، فَقَالَ: مَا أرَاهُ إلَاّ حَقًا، وَاعْترض ابْن الْمُنْذر، وَقَالَ: قَول طَاوُوس وَعَطَاء غَفلَة مِنْهُمَا، إِذْ غير جَائِز أَن يتراجعا بِالسَّوِيَّةِ وَالْمَال بَينهمَا لَا يعرف أحد مَاله من مَال صَاحبه. قَوْله: (إِذا علم الخليطان) يَعْنِي: لَا يكون المَال بَينهمَا مشَاعا، وَهَذَا يُسمى بخلطة الْجوَار، فمذهب طَاوُوس وَعَطَاء، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، هُوَ خلْطَة الشُّيُوع.
وقالَ سُفْيَانُ لَا تَجِبُ حَتَّى يَتِمَّ لِهاذا أرْبَعُونَ شَاة وَلِهاذا أرْبَعُونَ شَاة
أَي: قَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ، رَحمَه الله تَعَالَى: لَا تجب الزَّكَاة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: أَي لَا تثبت الْخلطَة، وَرَوَاهُ عبد الرَّزَّاق عَنهُ، وَقَالَ التَّيْمِيّ: كَانَ سُفْيَان لَا يرى للخلطة تَأْثِيرا كَمَا لَا يرَاهُ أَبُو حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَفِي (التَّوْضِيح) : وَقَول مَالك كَقَوْل عَطاء، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.
١٥٤١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حدَّثني أبي قَالَ حدَّثني ثمامَةُ أنَّ أنَسا حدَّثَهُ أنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ كتَبَ لَهُ الَّتِي فَرَضَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمَا كانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فإنَّهُمَا يَترَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ..
حَدِيث أنس هَذَا قطعه البُخَارِيّ رَحمَه الله تَعَالَى وَذكره فِي سِتَّة مَوَاضِع هَهُنَا بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد. الأول: فِي: بَاب الْعرض فِي الزَّكَاة. وَالثَّانِي: فِي: بَاب لَا يجمع بَين متفرق. وَالثَّالِث: فِي هَذَا الْبَاب. وَالرَّابِع: فِي: بَاب من بلغت عِنْده. وَالْخَامِس: فِي بَاب زَكَاة الْغنم. وَالسَّادِس: فِي: بَاب لَا يُؤْخَذ فِي الصَّدَقَة هرمة، وَقد ذكرنَا فِي: بَاب الْعرض فِي الزَّكَاة أَن البُخَارِيّ أخرج هَذَا الحَدِيث فِي عشرَة مَوَاضِع بِإِسْنَاد وَاحِد مقطعا، وَذكره فِي كتاب الزَّكَاة فِي سِتَّة مَوَاضِع، وَالْأَرْبَعَة فِي الْخمس وَالشَّرِكَة واللباس، وَفِي ترك الْحِيَل، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي مَوضِع وَاحِد بِتَمَامِهِ، قَالَ: حَدثنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيل حَدثنَا حَمَّاد قَالَ: أخذت من ثُمَامَة بن عبد الله بن أنس كتابا زعم أَن أَبَا بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كتبه لأنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَعَلِيهِ خَاتم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِين بَعثه مُصدقا وَكتبه لَهُ، فَإِذا فِيهِ: هَذِه فَرِيضَة الصَّدَقَة الَّتِي فَرضهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على الْمُسلمين الَّتِي أَمر الله بهَا نبيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَمن سئلها من الْمُسلمين على وَجههَا فليعطها، وَمن سُئِلَ فَوْقهَا فَلَا يُعْطه فِيمَا دون خمس وَعشْرين من الْإِبِل وَالْغنم، فِي كل خمس ذود شَاة فَإِذا بلغت خمْسا وَعشْرين فَفِيهَا بنت مَخَاض إِلَى أَن تبلغ خمْسا وَثَلَاثِينَ، فَإِن لم يكن فِيهَا بنت مَخَاض فَابْن لبون ذكر، فَإِذا بلغت سِتا وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا بنت لبون إِلَى خمس وَأَرْبَعين، فَإِذا بلغت سِتا وَأَرْبَعين فَفِيهَا حقة طروقة الْفَحْل إِلَى سِتِّينَ، فَإِذا بلغت إِحْدَى وَسِتِّينَ فَفِيهَا جَذَعَة إِلَى خمس وَسبعين، فَإِذا بلغت