«أَتَى النَّبِيُّ ﷺ الْغَائِطَ، فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٥٦

الحديث رقم ١٥٦ من كتاب «كتاب الوضوء» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الاستنجاء بالحجارة.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أتى النبي ﷺ الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة…

«أَتَى النَّبِيُّ الْغَائِطَ، فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ، وَالْتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْهُ، فَأَخَذْتُ رَوْثَةً فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ، وَقَالَ: هَذَا رِكْسٌ.»

سند حديث: ١٥٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ…

١٥٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: لَيْسَ أَبُو عُبَيْدَةَ ذَكَرَهُ، وَلَكِنْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ يَقُولُ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «أتى النبي ﷺ الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة…

بين النبي صلى الله عليه وسلم جواز الاستجمار، وهو التطهر بالأحجار بعد قضاء الحاجة، لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم الغائط أمر ابن مسعود أن يأتيه بثلاثة أحجار فوجد حجرين ولم يجد ثالثا، فأخذ رجيع الدابة، وجاء بها ظنًّا منه أنها تجزئ رضي الله عنه فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم الحجرين وتنظف بهما، وألقى الروثة، وبين السبب، وهو أنها نجسة لا يصح تنظيف محل الخارج بها، وهذا في كل روث؛ لأنَّها إن كانت من غير مأكول اللحم كما في الحديث فهي رِجْسٌ نجس، وإن كانت من مأكول اللحم فهي زاد بهائم الجن.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • أن الاستنجاء لا يكون بأقل من ثلاثة أحجار.
  • أنَّه يحرُمُ الاستنجاء بالروثة؛ لأنَّها إن كانت من غير مأكول اللحم كما في الحديث فهي رِجْسٌ نجس، وإن كانت من مأكول اللحم فهي زاد بهائم الجن.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «أتى النبي ﷺ الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَلَى الطَّلَبِ، يُقَالُ أَبْغَيْتُكَ الشَّيْءَ أَيْ أَعَنْتُكَ عَلَى طَلَبِهِ، وَالْوَصْلُ أَلْيَقُ بِالسِّيَاقِ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ ائْتِنِي.

قَوْلُهُ: (أَسْتَنْفِضُ) بِفَاءٍ مَكْسُورَةٍ وَضَادٍ مُعْجَمَةٍ، مَجْزُومٌ لِأَنَّهُ جَوَابُ الْأَمْرِ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، قَالَ الْقَزَّازُ: قَوْلُهُ أَسْتَنْفِضُ أَسَتَفْعِلُ مِنَ النَّفْضِ وَهُوَ أَنْ تَهُزَّ الشَّيْءَ لِيَطِيرَ غُبَارُهُ، قَالَ: وَهَذَا مَوْضِعُ أَسْتَنْظِفُ، أَيْ: بِتَقْدِيمِ الظَّاءِ الْمُشَالَةِ عَلَى الْفَاءِ، وَلَكِنْ كَذَا رُوِيَ، انْتَهَى. وَالَّذِي وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ صَوَابٌ فَفِي الْقَامُوسِ اسْتَنْفَضَهُ اسْتَخْرَجَهُ، وَبِالْحَجَرِ اسْتَنْجَى، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ كَلَامِ الْمُطَرِّزِيِّ قَالَ: الِاسْتِنْفَاضُ الِاسْتِخْرَاجُ، وَيُكَنَّى بِهِ عَنِ الِاسْتِنْجَاءِ، وَمَنْ رَوَاهُ بِالْقَافِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ فَقَدْ صَحَّفَ، انْتَهَى. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ أَسْتَنْجِي بَدَلَ أَسْتَنْفِضُ وَكَأَنَّهَا الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فِي رِوَايَتِنَا أَوْ نَحْوِهِ، وَيَكُونُ التَّرَدُّدُ مِنْ بَعْضِ رُوَاتِهِ.

قَوْلُهُ: (وَلَا تَأْتِنِي) كَأَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يَفْهَمَ أَبُو هُرَيْرَةَ مِنْ قَوْلِهِ أَسْتَنْجِي أَنَّ كُلَّ مَا يُزِيلُ الْأَثَرَ وَيُنَقِّي كَافٍ، وَلَا اخْتِصَاصَ لِذَلِكَ بِالْأَحْجَارِ، فَنَبَّهَهُ بِاقْتِصَارِهِ فِي النَّهْيِ عَلَى الْعَظْمِ وَالرَّوْثِ عَلَى أَنَّ مَا سِوَاهُمَا يُجْزِئُ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مُخْتَصًّا بِالْأَحْجَارِ - كَمَا يَقُولُهُ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ وَالظَّاهِرِيَّةِ - لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ هَذَيْنِ بِالنَّهْيِ مَعْنًى، وَإِنَّمَا خَصَّ الْأَحْجَارَ بِالذِّكْرِ لِكَثْرَةِ وُجُودِهَا، وَزَادَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمَبْعَثِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ لَهُ لَمَّا فَرَغَ مَا بَالُ الْعَظْمِ وَالرَّوْثِ؟ قَالَ: هُمَا مِنْ طَعَامِ الْجِنِّ وَالظَّاهِرُ مِنْ هَذَا التَّعْلِيلِ اخْتِصَاصُ الْمَنْعِ بِهِمَا. نَعَمْ يَلْتَحِقُ بِهِمَا جَمِيعُ الْمَطْعُومَاتِ الَّتِي لِلْآدَمِيِّينَ قِيَاسًا مِنْ بَابِ الْأَوْلَى، وَكَذَا الْمُحْتَرَمَاتُ كَأَوْرَاقِ كُتُبِ الْعِلْمِ.

وَمَنْ قَالَ عِلَّةُ النَّهْيِ عَنِ الرَّوْثِ كَوْنُهُ نَجَسًا أَلْحَقَ بِهِ كُلَّ نَجَسٍ مُتَنَجِّسٍ، وَعَنِ الْعَظْمِ كَوْنُهُ لَزِجًا فَلَا يُزِيلُ إِزَالَةً تَامَّةً أَلْحَقَ بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ كَالزُّجَاجِ الْأَمْلَسِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ نَهَى أَنْ يُسْتَنْجَى بِرَوْثٍ أَوْ بِعَظْمٍ وَقَالَ: إِنَّهُمَا لَا يُطَهِّرَانِ. وَفِي هَذَا رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ بِهِمَا يُجْزِئُ وَإِنْ كَانَ مَنْهِيًّا عَنْهُ، وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْمَبْعَثِ بَيَانُ قِصَّةِ وَفْدِ الْجِنِّ وَأَيُّ وَقْتٍ كَانَتْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (وَأَعْرَضْتُ) كَذَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ وَاعْتَرَضْتُ بِزِيَادَةِ مُثَنَّاةٍ بَعْدَ الْعَيْنِ وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ.

قَوْلُهُ: (فَلَمَّا قَضَى) أَيْ: حَاجَتَهُ (أَتْبَعُهُ) بِهَمْزَةِ قَطْعٍ أَيْ أَلْحَقُهُ، وَكَنَّى بِذَلِكَ عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ.

وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ اتِّبَاعِ السَّادَاتِ وَإِنْ لَمْ يَأْمُرُوا بِذَلِكَ، وَاسْتِخْدَامُ الْإِمَامِ بَعْضَ رَعِيَّتِهِ، وَالْإِعْرَاضُ عَنْ قَاضِي الْحَاجَةِ، وَالْإِعَانَةُ عَلَى إِحْضَارِ مَا يَسْتَنْجِي بِهِ وَإِعْدَادُهُ عِنْدَهُ؛ لِئَلَّا يَحْتَاجَ إِلَى طَلَبِهَا بَعْدَ الْفَرَاغِ فَلَا يَأْمَنُ التَّلَوُّثَ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

٢١ - بَاب لَا يُسْتَنْجَى بِرَوْثٍ

١٥٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: لَيْسَ أَبُو عُبَيْدَةَ ذَكَرَهُ، وَلَكِنْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ يَقُولُ: أَتَى النَّبِيُّ الْغَائِطَ، فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ، وَالْتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْهُ، فَأَخَذْتُ رَوْثَةً، فَأَتَيْتُهُ بِهَا فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ، وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ، وَقَالَ: هَذَا رِكْسٌ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ:، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ.

قَوْلُهُ: (بَابٌ) بِالتَّنْوِينِ (لَا يُسْتَنْجَى) بِضَمِّ أَوَّلِهِ.

قَوْلُهُ: (زُهَيْرٌ) هُوَ ابْنُ مُعَاوِيَةَ الْجُعْفِيُّ الْكُوفِيُّ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ، وَأَبُو إِسْحَاقَ هُوَ السَّبِيعِيُّ وَهُوَ تَابِعِيٌّ، وَكَذَا شَيْخُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَأَبُوهُ الْأَسْوَدُ.

قَوْلُهُ: (لَيْسَ أَبُو عُبَيْدَةَ)

أَيِ: ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ.

وَقَوْلُهُ: (ذَكَرَهُ) أَيْ: لِي. (وَلَكِنْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ) أَيْ هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ لِي بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ الْمُعَلَّقَةِ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَإِنَّمَا عَدَلَ أَبُو إِسْحَاقَ عَنِ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ إِلَى الرِّوَايَةِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - مَعَ أَنَّ رِوَايَةَ أَبِي عُبَيْدَةَ أَعْلَى لَهُ - لِكَوْنِ أَبِي عُبَيْدَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ عَلَى الصَّحِيحِ، فَتَكُونُ مُنْقَطِعَةً بِخِلَافِ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ فَإِنَّهَا مَوْصُولَةٌ، وَرِوَايَةُ أَبِي إِسْحَاقَ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ طَرِيقِ إِسْرَائِيلَ بْنِ يُونُسَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، فَمُرَادُ أَبِي إِسْحَاقَ هُنَا بِقَوْلِهِ لَيْسَ أَبُو عُبَيْدَةَ ذَكَرَهُ أَيْ: لَسْتُ أَرْوِيهِ الْآنَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ وَإِنَّمَا أَرْوِيهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ) هُوَ الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ النَّخَعِيُّ صَاحِبُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: هُوَ الْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ الزُّهْرِيُّ، وَهُوَ غَلَطٌ فَاحِشٌ؛ فَإِنَّ الْأَسْوَدَ الزُّهْرِيَّ لَمْ يُسْلِمْ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَعِيشَ حَتَّى يَرْوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ.

قَوْلُهُ: (أَتَى الْغَائِطَ) أَيِ: الْأَرْضَ الْمُطَمْئِنَةَ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ.

قَوْلُهُ: (فَلَمْ أَجِدْ) وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ فَلَمْ أَجِدْهُ أَيِ: الْحَجَرَ الثَّالِثَ.

قَوْلُهُ: (بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ) فِيهِ الْعَمَلُ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ النَّهْيُ فِي حَدِيثِ سَلْمَانَ عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: وَلَا يَسْتَنْجِ أَحَدُكُمْ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَخَذَ بِهَذَا الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ فَاشْتَرَطُوا أَنْ لَا يَنْقُصَ مِنَ الثَّلَاثِ، مَعَ مُرَاعَاةِ الْإِنْقَاءِ إِذَا لَمْ يَحْصُلْ بِهَا فَيُزَادُ حَتَّى يُنَقَّى، وَيُسْتَحَبُّ حِينَئِذٍ الْإِيتَارُ لِقَوْلِهِ: وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ لِزِيَادَةٍ فِي أَبِي دَاوُدَ حَسَنَةِ الْإِسْنَادِ قَالَ: وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ، وَبِهَذَا يَحْصُلُ الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ فِي هَذَا الْبَابِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَوْ كَانَ الْقَصْدُ الْإِنْقَاءَ فَقَطْ لَخَلَا اشْتِرَاطُ الْعَدَدِ عَنِ الْفَائِدَةِ، فَلَمَّا اشْتَرَطَ الْعَدَدَ لَفْظًا وَعُلِمَ الْإِنْقَاءُ فِيهِ مَعْنًى دَلَّ عَلَى إِيجَابِ الْأَمْرَيْنِ، وَنَظِيرُهُ الْعِدَّةُ بِالْأَقْرَاءِ فَإِنَّ الْعَدَدَ مُشْتَرَطٌ وَلَوْ تَحَقَّقَتْ بَرَاءَةُ الرَّحِمِ بِقُرْءٍ وَاحِدٍ.

قَوْلُهُ: (فَأَخَذْتُ رَوْثَةً) زَادَ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي رِوَايَةٍ لَهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهَا كَانَتْ رَوْثَةَ حِمَارٍ، وَنَقَلَ التَّيْمِيُّ أَنَّ الرَّوْثَ مُخْتَصٌّ بِمَا يَكُونُ مِنَ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ.

قَوْلُهُ: (وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ) اسْتَدَلَّ بِهِ الطَّحَاوِيُّ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ الثَّلَاثَةِ؛ قَالَ: لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُشْتَرَطًا لَطَلَبَ ثَالِثًا، كَذَا قَالَ، وَغَفَلَ عَمَّا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ؛ فَإِنَّ فِيهِ: فَأَلْقَى الرَّوْثَةَ وَقَالَ: إِنَّهَا رِكْسٌ، ائْتِنِي بِحَجَرٍ. وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ أَثْبَاتٌ.

وَقَدْ تَابَعَ عَلَيْهِ مَعْمَر، أَبُو شُعْبَةَ الْوَاسِطِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَتَابَعَهُمَا عَمَّارُ بْنُ رُزَيْقٍ أَحَدُ الثِّقَاتِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ أَبَا إِسْحَاقَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَلْقَمَةَ لَكِنْ أَثْبَتَ سَمَاعَهُ لِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْهُ الْكَرَابِيسِيُّ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ أَرْسَلَهُ عَنْهُ فَالْمُرْسَلُ حُجَّةٌ عِنْدَ الْمُخَالِفِينَ وَعِنْدَنَا أَيْضًا إِذَا اعْتُضِدَ، وَاسْتِدْلَالُ الطَّحَاوِيِّ فِيهِ نَظَرٌ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ اكْتَفَى بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ فِي طَلَبِ الثَّلَاثَةِ فَلَمْ يُجَدِّدِ الْأَمْرَ بِطَلَبِ الثَّالِثِ، أَوِ اكْتَفَى بِطَرَفِ أَحَدِهِمَا عَنِ الثَّالِثِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالثَّلَاثَةِ أَنْ يَمْسَحَ بِهَا ثَلَاثَ مَسَحَاتٍ وَذَلِكَ حَاصِلٌ وَلَوْ بِوَاحِدٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّتِهِ أَنَّهُ لَوْ مَسَحَ بِطَرَفٍ وَاحِدٍ وَرَمَاهُ ثُمَّ جَاءَ شَخْصٌ آخَرُ فَمَسَحَ بِطَرَفِهِ الْآخَرِ لَأَجْزَأَهُمَا بِلَا خِلَافٍ. وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْقَصَّارِ الْمَالِكِيُّ: رُوِيَ أَنَّهُ أَتَاهُ بِثَالِثٍ، لَكِنْ لَا يَصِحُّ، وَلَوْ صَحَّ فَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ لِمَنْ لَا يَشْتَرِطُ الثَّلَاثَةَ قَائِمٌ؛ لِأَنَّهُ اقْتَصَرَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ عَلَى ثَلَاثَةٍ فَحَصَلَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةٍ، انْتَهَى. وَفِيهِ نَظَرٌ أَيْضًا لِأَنَّ الزِّيَادَةَ ثَابِتَةٌ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَكَأَنَّهُ إِنَّمَا وَقَفَ عَلَى الطَّرِيقِ الَّتِي عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ فَقَطْ. ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ شَيْءٌ إِلَّا مِنْ سَبِيلٍ وَاحِدٍ. وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ خَرَجَ مِنْهُمَا فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اكْتَفَى لِلْقُبُلِ بِالْمَسْحِ فِي الْأَرْضِ وَلِلدُّبُرِ بِالثَّلَاثَةِ، أَوْ مَسَحَ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا بِطَرَفَيْنِ.

وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ عَلَى عَدَمِ الِاشْتِرَاطِ لِلْعَدَدِ بِالْقِيَاسِ عَلَى مَسْحِ الرَّأْسِ فَفَاسِدُ الِاعْتِبَارِ ; لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ الصَّرِيحِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَسَلْمَانَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٥٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَيْنٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) هو ابن معاوية الجعفيُّ المكيُّ (١) الكوفيُّ (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبِيعيِّ، بفتح السِّين المُهمَلَة وكسر المُوحَّدة التَّابعيِّ، وما ذُكِر (٢) من كون زهيرٍ سمع من أبي إسحاق بأخَرةٍ لا يقدح لثبوت سماعه منه هذا الحديث قبل الاختلاط بطرقٍ متعدِّدةٍ (قَالَ) أي: أبو إسحاق (لَيْسَ أَبُو عُبَيْدَةَ) عامر بن عبد الله بن مسعود (ذَكَرَهُ) لي (وَلَكِنْ) ذكره لي، أو (٣) حدَّثني به (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ) المُتوفَّى سنة تسعٍ وتسعين، أي: لست أرويه الآن عن أبي عبيدة، وإنَّما أرويه عن عبد الرَّحمن بن الأسود (عَنْ أَبِيهِ) الأسود بن يزيدَ النَّخعيِّ الكوفيِّ، صاحب ابن مسعودٍ، وقد اختُلِف فيه على أبي إسحاق، فرواه إسرائيل عنه عن أبي عبيدة عن أبيه، وابن مغولٍ (٤) وغيره عنه (٥) عن الأسود عن أبيه عن عبد الله، من غير ذكر عبد الرَّحمن، ورواه زكريَّا بن أبي زائدة عنه، عن عبد الرَّحمن بن يزيد، عنِ الأسود، ومعمرٌ عنه، عن علقمة، عن عبد الله، ويونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، ومن ثمَّ انتقده الدَّارقُطنيُّ على المؤلِّف، لكنَّه (٦) قال: أحسنها سياقًا الطَّريق التي أخرجها البخاريُّ، لكن في النَّفس منه شيءٌ لكثرة الاختلاف فيه على أبي إسحاق، وأُجِيب بأنَّ الاختلاف على الحفَّاظ لا يوجب الاضطراب إلَّا مع استواء وجوه الاختلاف، فمتى رجح أحد الأقوال قُدِّم، ومع الاستواء لا بدَّ أن يتعذَّر الجمع على قواعد المحدِّثين،

وهنا يظهر عدم استواء وجوه الاختلاف على أبي إسحاق فيه لأنَّ الرِّوايات المختلفة عنه لا يخلو إسنادٌ منها عن مقالٍ غير طريق زهيرٍ وإسرائيل، مع أنَّه يمكن ردُّ أكثر الطُّرق إلى رواية زهيرٍ، وقد تابع زهيرًا يوسفُ بنُ إسحاق كما سيأتي، وهو يقتضي تقديم رواية زهيرٍ (أَنَّهُ) بفتح الهمزة بتقدير المُوحَّدة، أي: الأسودَ (سَمِعَ عَبْدَ اللهِ) بن مسعودٍ (يَقُولُ: أَتَى النَّبِيُّ الغَائِطَ) أي: الأرض المطمئنَّة لقضاء حاجته، فالمُرَاد به: معناه اللُّغويُّ (فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ) أي: فأمرني بإتيان ثلاثة أحجارٍ، وفي طلبه الثَّلاثةَ دليلٌ على اعتبارها، وإلَّا لَمَا طلبها، وفي حديث سلمان: نهانا رسول الله أن نكتفيَ بدون ثلاثة أحجارٍ كما (١) رواه مسلمٌ وأحمد، قال عبد الله بن مسعود (٢) : (فَوَجَدْتُ) أي: أصبت (حَجَرَيْنِ، وَالتَمَسْتُ) أي: طلبت الحجر (الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْهُ) بالضَّمير المنصوب، أي: الحجرَ، ولأبي ذَرٍّ: «فلم أجد» بحذفه (فَأَخَذْتُ رَوْثَةً) زاد ابن خزيمة في روايةٍ له في هذا الحديث: أنَّها كانت روثة حمارٍ (فَأَتَيْتُهُ) (بِهَا) أي: بالثَّلاثة (فَأَخَذَ) (الحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ، وَقَالَ: هَذَا رِكْسٌ) بكسر الرَّاء، أي: رِجْسٌ، كما في رواية ابن خزيمة وابن ماجه في هذا الحديث، أو طعام الجنِّ، وعُزِيَ للنَّسائيِّ، أو الرَّجيع رُدَّ من حالة الطَّهارة إلى حالة النَّجاسة، قاله الخطَّابيُّ، وذكَّر إشارة (٣) الرَّوثة باعتبار تذكير الخبر، على حدِّ قوله تعالى: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٨] وفي بعض النُّسخ: «هذه ركسٌ» على الأصل، فإن قلت: ما وجه إتيانه بالرَّوثة بعد أمره له بالأحجار؟ أُجِيب بأنَّه قاس الرَّوث على الحجر بجامع الجمود، فقطع قياسه بالفرق أو بإبداء المانع، ولكنَّه ما قاسه

إلَّا لضرورة عدم المنصوص عليه، وزاد في رواية الأَصيليِّ وابن عساكر وأبوي ذَرٍّ والوقت (١): (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ) بن إسحاقَ السَّبيعيُّ الهَمْدانيُّ الكوفيُّ، المُتوفَّى سنة ثمانٍ وتسعين ومئةٍ (عَنْ أَبِيهِ) يوسف بن إسحاق بن (٢) أبي إسحاق الكوفيِّ الحافظ، المُتوفَّى في زمن أبي جعفرٍ المنصور، أو سنة سبعٍ وخمسين ومئةٍ (عَنْ) جدِّه (أَبِي إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) هو ابن الأسود بن (٣) يزيد (٤)، أي: بالإسناد السَّابق، وأراد المؤلِّف بهذا التَّعليق الرَّدَّ على من زعم أنَّ أبا إسحاقَ دلَّس هذا الخبر، وفي ذكر مبحث ذلك طولٌ يخرج عن غرض الاختصار، وقد استدلَّ الطَّحاويُّ بقوله: «وألقى الرَّوثة» على عدم اشتراط الثَّلاث في الاستنجاء، وعَلَّل (٥) بأنَّه لو كان مشترطًا (٦) لطلب ثالثًا، وهو مذهب مالكٍ وأبي حنيفة وداودَ، وأُجِيب بأنَّ في رواية أحمد في «مُسنَده» بإسنادٍ رجالهُ ثقاتٌ أثباتٌ عن ابن مسعودٍ في هذا الحديث: «فألقى الرَّوثة»، وقال: «إنَّها ركسٌ، ائتني بحجرٍ»، أو أنَّه اكتفى بطرف أحد الحجرين عنِ الثَّالث لأنَّ المقصود بالثَّلاثة أن يمسح بها ثلاث مسحاتٍ، وذلك حاصلٌ ولو بواحدٍ له ثلاثة أطرافٍ (٧)، وتأتي بقيَّة المباحث قريبًا إن شاء الله تعالى بحمد الله وعونه (٨).

(٢٢) هذا (بابُ الوُضُوءِ مَرَّةً مَرَّةً) لكلِّ عضوٍ.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

(بَاب الِاسْتِنْجَاء بِالْحِجَارَةِ)

أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الِاسْتِنْجَاء بِالْحِجَارَةِ وَنبهَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة على الرَّد على من زعم اخْتِصَاص الِاسْتِنْجَاء بِالْمَاءِ. وَجه الْمُنَاسبَة بَين هَذَا الْبَاب والأبواب الَّتِي قبله ظَاهر

٢١ - (حَدثنَا أَحْمد بن مُحَمَّد الْمَكِّيّ قَالَ حَدثنَا عَمْرو بن يحيى بن سعيد بن عَمْرو الْمَكِّيّ عَن جده عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ اتبعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَخرج لِحَاجَتِهِ فَكَانَ لَا يلْتَفت فدنوت مِنْهُ فَقَالَ أبغني أحجارا أستنفض بهَا أَو نَحوه وَلَا تأتني بِعظم وَلَا رَوْث فَأَتَيْته بأحجار بِطرف ثِيَابِي فَوَضَعتهَا إِلَى جنبه وأعرضت عَنهُ فَلَمَّا قضى أتبعه بِهن) مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله أبغني أحجارا أستنفض بهَا لِأَن مَعْنَاهُ أستنجي بهَا كَمَا سَيَأْتِي عَن قريب إِن شَاءَ الله تَعَالَى. (بَيَان رِجَاله) وهم أَرْبَعَة الأول أَحْمد بن مُحَمَّد بن عون بالنُّون أَبُو الْوَلِيد الغساني الْأَزْرَقِيّ الْمَكِّيّ جد أبي الْوَلِيد مُحَمَّد بن عبد الله صَاحب تَارِيخ مَكَّة وَفِي طبقته أَحْمد بن مُحَمَّد الْمَكِّيّ أَيْضا لَكِن كنيته أَبُو مُحَمَّد وجده عون يعرف بالقواس وَقد وهم من زعم أَن البُخَارِيّ روى عَن أبي مُحَمَّد الَّذِي فِي طبقته وَإِنَّمَا روى عَن أبي الْوَلِيد وهم أَيْضا من جَعلهمَا وَاحِدًا روى أَبُو الْوَلِيد الْمَذْكُور عَن مَالك وَغَيره وروى عَنهُ البُخَارِيّ وحفيده مؤرخ مَكَّة مُحَمَّد بن عبد الله وَأَبُو جَعْفَر التِّرْمِذِيّ وَآخَرُونَ مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ الثَّانِي عَمْرو بن يحيى بن سعيد بن عَمْرو بن سعيد بن العَاصِي أَبُو أُميَّة القريشي الْمَكِّيّ الْأمَوِي وَعَمْرو بن سعيد هُوَ الْمَعْرُوف بالأشدق الَّذِي ولي إمرة الْمَدِينَة وَكَانَ يُجهز الْبعُوث إِلَى مَكَّة وَكَانَ عَمْرو هَذَا قد تغلب على دمشق فِي زمن عبد الْملك بن مَرْوَان فَقتله عبد الْملك وسير أَوْلَاده إِلَى الْمَدِينَة وَسكن وَلَده مَكَّة لما ظَهرت دولة بني الْعَبَّاس فاستمروا بهَا وَعَمْرو بن يحيى روى عَن أَبِيه وجده وَعنهُ سُوَيْد وَغَيره روى لَهُ البُخَارِيّ وَابْن مَاجَه الثَّالِث جده سعيد بن عَمْرو بن سعيد بن العَاصِي بن أبي أحيحة التَّابِعِيّ الثِّقَة روى عَن ابْن عَبَّاس وَغَيره وَعنهُ ابناه إِسْحَق وخَالِد وحفيده عَمْرو بن يحيى روى لَهُ الْجَمَاعَة سوى التِّرْمِذِيّ. الرَّابِع أَبُو هُرَيْرَة عبد الرَّحْمَن رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا أَن فِيهِ مكيين ومدنيين. وَمِنْهَا أَنه من رباعيات البُخَارِيّ وَمِنْهَا أَن فِيهِ رِوَايَة الابْن عَن الْجد. (بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا مطولا فِي ذكر الْجِنّ عَن مُوسَى بن إِسْمَعِيل عَن عَمْرو بن يحيى بن سعيد عَن جده بِهِ وَلم يُخرجهُ مُسلم وَلَا الْأَرْبَعَة وَأخرجه رزين عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أبغني أحجارا أستنفض بهَا وَلَا تأتني بِعظم وَلَا بروثة قلت مَا بَال الْعظم والروثة قَالَ هما من طَعَام الْجِنّ وَأَنه أَتَانِي وَفد جن نَصِيبين وَنعم الْجِنّ فسألوني عَن الزَّاد فدعوت الله تَعَالَى لَهُم أَن لَا يمروا بِعظم وَلَا بروث إِلَّا وجدوا عَلَيْهِمَا طَعَاما (بَيَان اللُّغَات) قَوْله اتبعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بتَشْديد التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق أَي سرت وَرَاءه وَقد أشبعنا الْكَلَام فِيهِ فِي بَاب من حمل المَاء لطهوره عَن قريب قَوْله أبغني يجوز فِي همزته الْوَصْل إِذا كَانَ من الثلاثي مَعْنَاهُ اطلب لي يُقَال بغيتك الشَّيْء أَي طلبته لَك وَالْقطع إِذا كَانَ من الْمَزِيد مَعْنَاهُ أَعنِي على الطّلب يُقَال أبغيتك الشَّيْء إِذا أعنتك على طلبه وَكِلَاهُمَا رِوَايَتَانِ وَقَالَ الْجَوْهَرِي بغيت الشَّيْء طلبته وبغيتك الشَّيْء طلبته لَك وأبغيته الشَّيْء أعنته على طلبه وَقَالَ ابْن التِّين روينَاهُ بالوصل قَالَ الْخطابِيّ مَعْنَاهُ اطلب لي من بغيت الشَّيْء طلبته وبغيتك الشَّيْء طلبته لَك وأبغيتك الشَّيْء جعلتك طَالبا لَهُ قَالَ تَعَالَى {يبغونكم الْفِتْنَة} أَي يَبْغُونَهَا لكم وَقَالَ أَبُو عَليّ الهجري فِي أَمَالِيهِ بغيت الْخَيْر بغاء قلت بِكَسْر الْبَاء وَقَالَ أَبُو الْحسن اللحياني فِي نوادره يُقَال بغى الرجل الْحَاجة وَالْعلم وَالْخَيْر وكل شَيْء يطْلب يَبْغِي بغاء قلت بِضَم الْبَاء وبغية بِكَسْر الْبَاء وبغى كَذَلِك وبغية بِالضَّمِّ وبغى كَذَلِك واستبغى الْقَوْم فبغوه وبغوا لَهُ أَي طلبُوا لَهُ وَفِي الْمُحكم الْمَعْرُوف بغاء قلت بِالضَّمِّ وَالِاسْم البغية والبغية وَقَالَ ثَعْلَب بغى الْخَيْر بغية وبغية فجعلهما مصدرين والبغية والبغبة والبغية مَا ابْتغى وأبغاه الشَّيْء طلبه لَهُ أَو أَعَانَهُ على طلبه وَالْجمع بغاة وبغيان

وأبتغى الشَّيْء تيَسّر وتسهل وبغى الشَّيْء بغوا نظر إِلَيْهِ كَيفَ هُوَ وَفِي الْجَامِع للقزاز أبغني كَذَا أَي أَعنِي عَلَيْهِ واطلبه معي وَفِي الواعي لعبد الْحق الإشبيلي الْبغاء الطّلب قلت بِالضَّمِّ وَفِي الصِّحَاح كل طلبة بغاء بِالضَّمِّ وبالمد وبغاية أَيْضا وابتغيت الشَّيْء وتبغيته إِذا طلبته قَالَ سَاعِدَة بن جوية الْهُذلِيّ

(سِبَاع تبغى النَّاس مثنى وموحد ... )

قَوْله أستنفض على وزن أستفعل من النفض بالنُّون وَالْفَاء وَالضَّاد الْمُعْجَمَة وَهُوَ أَن يهز الشَّيْء ليطير غباره أَو يَزُول مَا عَلَيْهِ وَمَعْنَاهُ هَهُنَا أستنظف بهَا أَي أنظف بهَا نَفسِي من الْحَدث وَفِي الْمطَالع أبغي أحجارا أستنفض بهَا أَي أستنج بهَا مِمَّا هُنَالك ونفاضة كل شَيْء مَا نفضته فَسقط مِنْهُ وَفِي الواعي أستنفض بهَا أَي أستنجى بهَا وَهُوَ أَن ينفض عَن نَفسه أَذَى الْحَدث فَقَالَ هَذَا مَوضِع مستنفض أَي متبرز وَفِي كتاب ابْن طريف نفضت الأَرْض تتبعت مغانيها ونفضت الشَّيْء نفضا حركته ليسقط عَنهُ مَا علق بِهِ وَقَالَ المطرزي الاستنفاض الاستخراج ويكنى بِهِ عَن الِاسْتِنْجَاء وَقَالَ وَمن رَوَاهُ بِالْقَافِ وَالصَّاد الْمُهْملَة فقد صحف قلت قَالَ الصغاني فِي الْعباب استنفاض الذّكر وانتقاصه استبراؤه مِمَّا فِيهِ من بَقِيَّة الْبَوْل قلت الأول بِالْفَاءِ وَالضَّاد الْمُعْجَمَة وَالثَّانِي بِالْقَافِ وَالضَّاد الْمُعْجَمَة أَيْضا وَالثَّالِث بِالْقَافِ والمهملة وَذكر أَيْضا فِي بَاب نقص بِالْقَافِ والمهملة وَقَالَ أَبُو عبيد انتقاص المَاء غسل الذّكر بِالْمَاءِ لِأَنَّهُ إِذا غسل بِالْمَاءِ ارْتَدَّ الْبَوْل وَلم ينزل وَإِن لم يغسل نزل مِنْهُ الشَّيْء بعد الشَّيْء حَتَّى يستبرىء (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله اتبعت النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام جملَة وَقعت مقول القَوْل قَوْله وَخرج لِحَاجَتِهِ جملَة وَقعت حَالا بِتَقْدِير قد وَالتَّقْدِير وَقد خرج وَقد علم أَن الْفِعْل الْمَاضِي إِذا وَقع حَالا فَلَا بُد فِيهِ من قد إِمَّا ظَاهِرَة أَو مقدرَة وَيجوز فِيهِ الْوَاو وَتَركه كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {أَو جاؤكم حصرت صُدُورهمْ} وَالتَّقْدِير قد حصرت وَقد وَقع بِدُونِ الْوَاو قَوْله فَكَانَ لَا يلْتَفت بفاء الْعَطف فِي رِوَايَة أبي ذَر وَفِي رِوَايَة غَيره وَكَانَ بِالْوَاو فَإِن قلت مَا وَجه الْوَاو فِيهِ قلت للْحَال وَقَول بَعضهم وَكَانَ استئنافية غير صَحِيح على مَا لَا يخفى قَوْله فَقَالَ أبغني بوصل الْهمزَة وقطعها كَمَا ذَكرْنَاهُ قَوْله أحجارا نصب على أَنه مفعول ثَان لأبغنى قَوْله أستنفض مجزوم لِأَنَّهُ جَوَاب الْأَمر وَيجوز رَفعه على الِاسْتِئْنَاف قَوْله أَو نَحوه بِالنّصب لِأَنَّهُ مقول القَوْل وَهُوَ فِي الْمَعْنى جملَة وَالتَّقْدِير أَو قَالَ نَحْو قَوْله أستنفض بهَا وَذَلِكَ نَحْو قَوْله أستنجي بهَا وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ أستنجي بهَا والتردد فِيهِ من بعض الروَاة قَوْله بِطرف ثِيَابِي الْبَاء ظرفية (بَيَان الْمعَانِي) قَوْله فَكَانَ لَا يلْتَفت أَي فَكَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا مَشى لَا يلْتَفت وَرَاءه وَكَانَ هَذَا عَادَة مَشْيه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام قَوْله فدنوت مِنْهُ أَي قربت مِنْهُ لأستأنس بِهِ وأقضي حَاجته وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ أستأنس فَقَالَ من هَذَا قلت أَبُو هُرَيْرَة قَوْله فَقَالَ أبغني أحجارا وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ ائْتِنِي قَوْله وَلَا تأتني بِعظم كَأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام خشِي أَن يفهم أَبُو هُرَيْرَة من قَوْله أستنفض بهَا أَن كل مَا يزِيل الْأَثر وينقي كَاف وَلَا اخْتِصَاص لذَلِك بالأحجار فنبه باقتصاره فِي النَّهْي على الْعظم والروث على أَن مَا سواهُمَا يجزىء وَلَو كَانَ ذَلِك مُخْتَصًّا بالأحجار كَمَا يَقُول أهل الظَّاهِر وَبَعض الْحَنَابِلَة لم يكن لتخصيص هذَيْن بِالنَّهْي معنى قَالَ الْخطابِيّ وَفِي النَّهْي عَنْهُمَا دَلِيل على أَن أَعْيَان الْحِجَارَة غير مُخْتَصَّة بِهَذَا الْمَعْنى وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لما أَمر بالأحجار ثمَّ اسْتثْنى هذَيْن وخصهما بِالنَّهْي دلّ على أَن مَا عداهما قد دخل فِي الْإِبَاحَة وَلَو كَانَت الْحِجَارَة مَخْصُوصَة بذلك لم يكن لتخصيصهما بِالذكر معنى وَإِنَّمَا جرى ذكر الْحِجَارَة وسيق اللَّفْظ إِلَيْهَا لِأَنَّهَا كَانَت أَكثر الْأَشْيَاء الَّتِي يستنجى بهَا وجودا وأقربها تناولا وَقَالَ أهل الظَّاهِر الْحجر مُتَعَيّن لَا يجزىء غَيره وَقَالَ أَصْحَابنَا الَّذِي يقوم مقَام الْحجر كل جامد طَاهِر مزيل للعين لَيْسَ لَهُ حُرْمَة وَقَالَ ابْن بطال لما نهى عَنْهُمَا دلّ على أَن مَا عداهما بخلافهما وَإِلَّا لم يكن لتخصيصهما فَائِدَة تدبر. فَإِن قيل إِنَّمَا نَص عَلَيْهِمَا تَنْبِيها على أَن مَا عداهما فِي مَعْنَاهُمَا قُلْنَا هَذَا لَا يجوز لِأَن التَّنْبِيه إِنَّمَا يُفِيد إِذا كَانَ فِي المنبه عَلَيْهِ معنى المنبه لَهُ وَزِيَادَة كَقَوْلِه تَعَالَى {وَلَا تقل لَهما أُفٍّ} وَلَيْسَ فِي سَائِر الطاهرات مَعْنَاهُمَا فَلم يَقع التَّنْبِيه عَلَيْهِمَا انْتهى قلت التَّعْلِيل فِي الْعظم والروث إِن كَانَ هُوَ كَونهمَا من طَعَام الْجِنّ على مَا سَيَجِيءُ فِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي المبعث فِي هَذَا الحَدِيث أَن أَبَا هُرَيْرَة قَالَ للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما أَن فرغ مَا بَال الْعظم والروث قَالَ هما من طَعَام الْجِنّ فَيلْحق بهما سَائِر المطعومات للآدميين بطرِيق الْقيَاس وَكَذَا المحترمات كأوراق كتب الْعلم وَإِن كَانَ هُوَ النَّجَاسَة فِي الروث

فَيلْحق بِهِ كل نجس وَفِي الْعظم هُوَ كَونه لزجا فَلَا يزِيل إِزَالَة تَامَّة فَيلْحق بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ كالزجاج الأملس وَقَالَ الْخطابِيّ قيل الْمَعْنى فِي ذَلِك أَن الْعظم لزج لَا يكَاد يتماسك فيقلع النَّجَاسَة وينشف البلة وَقيل أَن الْعظم لَا يكَاد يعرى من بَقِيَّة دسم قد علق بِهِ وَنَوع الْعظم قد يَتَأَتَّى فِيهِ الْأكل لبني آدم لِأَن الرخو الرَّقِيق مِنْهُ قد يتمشش فِي حَال الرَّفَاهِيَة والغليظ الصلب مِنْهُ يدق ويستف مِنْهُ عِنْد المجاعة والشدة وَقد حرم الِاسْتِنْجَاء بالمطعوم قلت هَذَانِ وَجْهَان وَالثَّالِث كَونه طَعَام الْجِنّ وَأما الروث فَلِأَنَّهُ نجس كَمَا ذَكرْنَاهُ أَو لِأَنَّهُ طَعَام دَوَاب الْجِنّ وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو نعيم فِي دَلَائِل النُّبُوَّة أَن الْجِنّ سَأَلُوا هَدِيَّة مِنْهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأَعْطَاهُمْ الْعظم والروث فالعظم لَهُم والروث لدوابهم فَإِذا لَا يستنجى بهما رَأْسا وَأما لِأَنَّهُ طَعَام للجن أنفسهم روى أَبُو عبد الله الْحَاكِم فِي الدَّلَائِل أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لِابْنِ مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ لَيْلَة الْجِنّ أُولَئِكَ جن نَصِيبين جاؤني فسألوني الزَّاد فَمَتَّعْتهمْ بالعظم والروث فَقَالَ لَهُ وَمَا يُغني مِنْهُم ذَلِك يَا رَسُول الله قَالَ إِنَّهُم لَا يَجدونَ عظما إِلَّا وجدوا عَلَيْهِ لَحْمه الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ يَوْم أَخذ وَلَا وجدوا رَوْثًا إِلَّا وجدوا فِيهِ حبه الَّذِي كَانَ يَوْم أكل فَلَا يستنجي أحد لَا بِعظم وَلَا بروث وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد أَنهم قَالُوا يَا مُحَمَّد انه أمتك لَا يستنجوا بِعظم وَلَا بروث أَو حممة فَإِن الله تَعَالَى جعل لنا رزقا فِيهَا فَنهى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَنهُ قلت الحممة بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الميمين وَهِي الفحم وَمَا احْتَرَقَ من الْخشب وَالْعِظَام وَنَحْوهَا وَجَمعهَا حمم قَوْله بِطرف ثِيَابِي أَي فِي جَانب ثِيَابِي وَفِي صَحِيح الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي طرف ملائي وَقَالَ الْكرْمَانِي وَالثيَاب يحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ الْجمع وَأَن يُرَاد بِهِ الْجِنْس كَمَا يُقَال فلَان يركب الْخُيُول قلت فِيهِ نظر لِأَن مَا ذكره إِنَّمَا يمشي فِي الْجمع الْمحلى بِالْألف وَاللَّام كَمَا فِي الْمِثَال الْمَذْكُور قَوْله وأعرضت عَنهُ كَذَا فِي أَكثر الرِّوَايَات وَفِي رِوَايَة الْكشميهني واعترضت بِزِيَادَة التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق بعد الْعين قَوْله فَلَمَّا قضى أَي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالْمَفْعُول مَحْذُوف تَقْدِيره فَلَمَّا قضى حَاجته قَوْله أتبعه بِهن أَي بالأحجار وهمزة أتبعه همزَة قطع وَالضَّمِير الْمَنْصُوب فِيهِ يرجع إِلَى الْقَضَاء الَّذِي يدل عَلَيْهِ قَوْله فَلَمَّا قضى وكنى بذلك عَن الِاسْتِنْجَاء (بَيَان استنباط الْأَحْكَام) الأول فِيهِ جَوَاز استنجاء بالأحجار وَفِيه الرَّد على من أنكر ذَلِك كَمَا بَيناهُ مستقصى الثَّانِي فِيهِ مَشْرُوعِيَّة الِاسْتِنْجَاء وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِيهِ فَمنهمْ من قَالَ بِوُجُوبِهِ واشتراطه فِي صِحَة الصَّلَاة وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَأحمد وَأَبُو ثَوْر وَإِسْحَاق وَأَبُو دَاوُد وَمَالك فِي رِوَايَة وَمِنْهُم من قَالَ بِأَنَّهُ سنة وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَمَالك فِي رِوَايَة والمزني من أَصْحَاب الشَّافِعِي وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن مُوسَى الرَّازِيّ قَالَ أخبرنَا عِيسَى بن يُونُس عَن ثَوْر عَن الْحصين الحمراني عَن أبي سعيد عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ عَن النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام قَالَ من اكتحل فليوتر من فعل فقد أحسن وَمن لَا فَلَا حرج وَمن استجمر فليوتر من فعل فقد أحسن وَمن لَا فَلَا حرج الحَدِيث وَأخرجه أَحْمد أَيْضا فِي مُسْنده حَدثنَا شُرَيْح حَدثنَا عِيسَى بن يُونُس عَن ثَوْر عَن الْحصين كَذَا قَالَ عَن أبي سعيد الْخَيْر وَكَانَ من أَصْحَاب عمر عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى آخِره نَحوه وَأخرجه الطَّحَاوِيّ فِي الْآثَار حَدثنَا يُونُس بن عبد الْأَعْلَى قَالَ أخبرنَا يحيى بن حسن قَالَ حَدثنَا عِيسَى بن يُونُس قَالَ حَدثنَا ثَوْر بن يزِيد عَن حُصَيْن الحمراني عَن أبي سعيد الْخَيْر عَن أبي هُرَيْرَة إِلَى آخِره نَحوه فَالْحَدِيث صَحِيح وَرِجَاله ثِقَات فَإِن قلت قَالَ أَبُو عَمْرو بن حزم وَالْبَيْهَقِيّ لَيْسَ إِسْنَاده بالقائم مَجْهُولَانِ يعنون حصينا فِيهِ الحمراني وَأَبا سعيد الْخَيْر قلت هَذَا كَلَام سَاقِط لِأَن أَبَا زرْعَة الدِّمَشْقِي قَالَ فِي حُصَيْن هَذَا شيخ مَعْرُوف وَقَالَ يَعْقُوب بن سُفْيَان فِي تَارِيخه لَا أعلم إِلَّا خيرا وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ شيخ وَذكره ابْن حبَان فِي الثِّقَات وَأما أَبُو سعيد الْخَيْر فقد قَالَ أَبُو دَاوُد وَيَعْقُوب بن سُفْيَان والعسكري وَابْن بنت منيع فِي آخَرين أَنه من الصَّحَابَة والْحَدِيث أخرجه ابْن حبَان أَيْضا فِي صَحِيحه وَذكر أَبَا سعيد فِي كتاب الصَّحَابَة وَسَماهُ عَامِرًا وَسَماهُ الْبَغَوِيّ عمرا وَسَماهُ صَاحب التَّهْذِيب زيادا وَسَماهُ البُخَارِيّ سَعْدا. وَقَالُوا أَيْضا أَنه كَدم البراغيث لِأَنَّهُ نَجَاسَة لَا تجب إِزَالَة أَثَرهَا فَكَذَا عينهَا لَا يجب إِزَالَتهَا بِالْمَاءِ فَلَا يجب بِغَيْرِهِ وَقَالَ الْمُزنِيّ لأَنا أجمعنا على جَوَاز مسحها بِالْحجرِ فَلم تجب إِزَالَتهَا كالمني فَإِن قلت استدلالهم بِالْحَدِيثِ غير تَامّ لِأَن المُرَاد لَا حرج فِي ترك الإيتار أَي الزَّائِد على ثَلَاثَة أَحْجَار وَلَيْسَ المُرَاد ترك أصل الِاسْتِنْجَاء وَقَالَ الْخطابِيّ معنى الحَدِيث التَّمْيِيز بَين المَاء الَّذِي هُوَ الأَصْل

٢٢ - (بابُ الوُضُوءِ مَرَّةً مَرَّةً)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْوضُوء مرّة مرّة، يَعْنِي: لكل عُضْو من أَعْضَاء الْوضُوء مرّة وَاحِدَة.

وَجه الْمُنَاسبَة بَينه وَبَين الْأَبْوَاب الَّتِي قبله ظَاهر، وَهُوَ أَن تِلْكَ الْأَبْوَاب فِي بَيَان أَحْكَام الِاسْتِنْجَاء، وَهَذَا فِي بَيَان حكم الْوضُوء، وَلَا شكّ أَن الْوضُوء يَتْلُو الِاسْتِنْجَاء، وَقد بَين إِجْمَال مَا فِي حَدِيث هَذَا الْبَاب فِي بَاب غسل الْوَجْه وَالْيَدَيْنِ بغرفة وَاحِدَة، وَكِلَاهُمَا عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.

١٥٧ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قَالَ حدّثناسُفْيانُ عَنْ زَيْدِ بنِ أسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ تَوضَّأَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مرَّةً مَرَّةً.

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

بَيَان رِجَاله وهم خَمْسَة. الأول: مُحَمَّد بن يُوسُف، قَالَ الْكرْمَانِي: المُرَاد بِهِ هُنَا: إِمَّا البيكندي، وَتقدم فِي بَاب مَا كَانَ النَّبِي، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، يتخولهم؟ وَإِمَّا الْفرْيَابِيّ، وَتقدم فِي بَاب لَا يمسك ذكره. ثمَّ قَالَ: الْغَالِب أَن البيكندي يروي عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَالْفِرْيَابِي، وَتقدم فِي بَاب لَا يمسك ذكره. ثمَّ قَالَ: الغال أَن البيكندي يروي عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَالْفِرْيَابِي عَن سُفْيَان الثَّوْريّ، وَيحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ الْفرْيَابِيّ عَن ابْن عُيَيْنَة، لِأَن السفيانين كليهمَا شيخاه، كَمَا أَن زيد بن أسلم شيخ السفيانين، وكما أَن ابْني يُوسُف شَيخا البُخَارِيّ. وَقَالَ بَعضهم: سُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، والراوي عَنهُ الْفرْيَابِيّ لَا البيكندي. قلت: جزم هَذَا الْقَائِل بِأَن سُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَأَن مُحَمَّد بن يُوسُف هُوَ الْفرْيَابِيّ لَا دَلِيل لَهُ عَلَيْهِ، وَالِاحْتِمَال الْمَذْكُور الَّذِي ذكره الْكرْمَانِي غير مَدْفُوع، فَافْهَم. وَقَالَ الْكرْمَانِي. أَيْضا: فان قلت فَهَذَا تَدْلِيس، إِذْ فِيهِ الِاشْتِبَاه الْمُؤَدِّي إِلَى كَون الرَّاوِي مَجْهُولا، فَيلْزم الْقدح فِي الْإِسْنَاد. قلت: مثله لَا يقْدَح فِيهِ لِأَن أياً كَانَ مِنْهُم فَهُوَ عدل ضَابِط بِشَرْط البُخَارِيّ، لَا يتَفَاوَت الحكم باخْتلَاف ذَلِك. الثَّانِي: سُفْيَان، إِمَّا ابْن عُيَيْنَة، وَإِمَّا الثَّوْريّ، وَقد ذكر. لَكِن الرَّاجِح أَنه الثَّوْريّ لِأَن أَبَا نعيم صرح بِهِ فِي كِتَابه. وَالله اعْلَم. الثَّالِث: زيد بن أسلم التَّابِعِيّ الْمدنِي، وَقد مر. الرَّابِع: عَطاء بن يسَار، بِفَتْح الْيَاء وَالسِّين الْمُهْملَة المخففة. الْخَامِس: عبد الله بن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.

بَيَان لطائف اسناده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته أَئِمَّة أجلاء ثِقَات. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ: زيد بن أسلم عَن عَطاء.

بَيَان من أخرجه غَيره هَذَا مِمَّا تفرد بِهِ البُخَارِيّ عَن مُسلم. وَأخرجه الْأَرْبَعَة، فَأَبُو دَاوُد عَن مُسَدّد عَن يحيى عَن سُفْيَان عَن زيد بن أسلم عَن عَطاء بن يسَار عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: (أَلا أخْبركُم بِوضُوء رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ فَتَوَضَّأ مرّة مرّة) . وَالتِّرْمِذِيّ عَن مُحَمَّد بن بشار عَن يحيى بِهِ، وَعَن قُتَيْبَة وهناد وَأبي كريب، ثَلَاثَتهمْ عَن وَكِيع عَن سُفْيَان بِهِ. وَالنَّسَائِيّ عَن مُحَمَّد بن مثنى عَن

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَلَى الطَّلَبِ، يُقَالُ أَبْغَيْتُكَ الشَّيْءَ أَيْ أَعَنْتُكَ عَلَى طَلَبِهِ، وَالْوَصْلُ أَلْيَقُ بِالسِّيَاقِ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ ائْتِنِي.

قَوْلُهُ: (أَسْتَنْفِضُ) بِفَاءٍ مَكْسُورَةٍ وَضَادٍ مُعْجَمَةٍ، مَجْزُومٌ لِأَنَّهُ جَوَابُ الْأَمْرِ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، قَالَ الْقَزَّازُ: قَوْلُهُ أَسْتَنْفِضُ أَسَتَفْعِلُ مِنَ النَّفْضِ وَهُوَ أَنْ تَهُزَّ الشَّيْءَ لِيَطِيرَ غُبَارُهُ، قَالَ: وَهَذَا مَوْضِعُ أَسْتَنْظِفُ، أَيْ: بِتَقْدِيمِ الظَّاءِ الْمُشَالَةِ عَلَى الْفَاءِ، وَلَكِنْ كَذَا رُوِيَ، انْتَهَى. وَالَّذِي وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ صَوَابٌ فَفِي الْقَامُوسِ اسْتَنْفَضَهُ اسْتَخْرَجَهُ، وَبِالْحَجَرِ اسْتَنْجَى، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ كَلَامِ الْمُطَرِّزِيِّ قَالَ: الِاسْتِنْفَاضُ الِاسْتِخْرَاجُ، وَيُكَنَّى بِهِ عَنِ الِاسْتِنْجَاءِ، وَمَنْ رَوَاهُ بِالْقَافِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ فَقَدْ صَحَّفَ، انْتَهَى. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ أَسْتَنْجِي بَدَلَ أَسْتَنْفِضُ وَكَأَنَّهَا الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فِي رِوَايَتِنَا أَوْ نَحْوِهِ، وَيَكُونُ التَّرَدُّدُ مِنْ بَعْضِ رُوَاتِهِ.

قَوْلُهُ: (وَلَا تَأْتِنِي) كَأَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يَفْهَمَ أَبُو هُرَيْرَةَ مِنْ قَوْلِهِ أَسْتَنْجِي أَنَّ كُلَّ مَا يُزِيلُ الْأَثَرَ وَيُنَقِّي كَافٍ، وَلَا اخْتِصَاصَ لِذَلِكَ بِالْأَحْجَارِ، فَنَبَّهَهُ بِاقْتِصَارِهِ فِي النَّهْيِ عَلَى الْعَظْمِ وَالرَّوْثِ عَلَى أَنَّ مَا سِوَاهُمَا يُجْزِئُ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مُخْتَصًّا بِالْأَحْجَارِ - كَمَا يَقُولُهُ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ وَالظَّاهِرِيَّةِ - لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ هَذَيْنِ بِالنَّهْيِ مَعْنًى، وَإِنَّمَا خَصَّ الْأَحْجَارَ بِالذِّكْرِ لِكَثْرَةِ وُجُودِهَا، وَزَادَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمَبْعَثِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ لَهُ لَمَّا فَرَغَ مَا بَالُ الْعَظْمِ وَالرَّوْثِ؟ قَالَ: هُمَا مِنْ طَعَامِ الْجِنِّ وَالظَّاهِرُ مِنْ هَذَا التَّعْلِيلِ اخْتِصَاصُ الْمَنْعِ بِهِمَا. نَعَمْ يَلْتَحِقُ بِهِمَا جَمِيعُ الْمَطْعُومَاتِ الَّتِي لِلْآدَمِيِّينَ قِيَاسًا مِنْ بَابِ الْأَوْلَى، وَكَذَا الْمُحْتَرَمَاتُ كَأَوْرَاقِ كُتُبِ الْعِلْمِ.

وَمَنْ قَالَ عِلَّةُ النَّهْيِ عَنِ الرَّوْثِ كَوْنُهُ نَجَسًا أَلْحَقَ بِهِ كُلَّ نَجَسٍ مُتَنَجِّسٍ، وَعَنِ الْعَظْمِ كَوْنُهُ لَزِجًا فَلَا يُزِيلُ إِزَالَةً تَامَّةً أَلْحَقَ بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ كَالزُّجَاجِ الْأَمْلَسِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ نَهَى أَنْ يُسْتَنْجَى بِرَوْثٍ أَوْ بِعَظْمٍ وَقَالَ: إِنَّهُمَا لَا يُطَهِّرَانِ. وَفِي هَذَا رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ بِهِمَا يُجْزِئُ وَإِنْ كَانَ مَنْهِيًّا عَنْهُ، وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْمَبْعَثِ بَيَانُ قِصَّةِ وَفْدِ الْجِنِّ وَأَيُّ وَقْتٍ كَانَتْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (وَأَعْرَضْتُ) كَذَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ وَاعْتَرَضْتُ بِزِيَادَةِ مُثَنَّاةٍ بَعْدَ الْعَيْنِ وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ.

قَوْلُهُ: (فَلَمَّا قَضَى) أَيْ: حَاجَتَهُ (أَتْبَعُهُ) بِهَمْزَةِ قَطْعٍ أَيْ أَلْحَقُهُ، وَكَنَّى بِذَلِكَ عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ.

وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ اتِّبَاعِ السَّادَاتِ وَإِنْ لَمْ يَأْمُرُوا بِذَلِكَ، وَاسْتِخْدَامُ الْإِمَامِ بَعْضَ رَعِيَّتِهِ، وَالْإِعْرَاضُ عَنْ قَاضِي الْحَاجَةِ، وَالْإِعَانَةُ عَلَى إِحْضَارِ مَا يَسْتَنْجِي بِهِ وَإِعْدَادُهُ عِنْدَهُ؛ لِئَلَّا يَحْتَاجَ إِلَى طَلَبِهَا بَعْدَ الْفَرَاغِ فَلَا يَأْمَنُ التَّلَوُّثَ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

٢١ - بَاب لَا يُسْتَنْجَى بِرَوْثٍ

١٥٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: لَيْسَ أَبُو عُبَيْدَةَ ذَكَرَهُ، وَلَكِنْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ يَقُولُ: أَتَى النَّبِيُّ الْغَائِطَ، فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ، وَالْتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْهُ، فَأَخَذْتُ رَوْثَةً، فَأَتَيْتُهُ بِهَا فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ، وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ، وَقَالَ: هَذَا رِكْسٌ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ:، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ.

قَوْلُهُ: (بَابٌ) بِالتَّنْوِينِ (لَا يُسْتَنْجَى) بِضَمِّ أَوَّلِهِ.

قَوْلُهُ: (زُهَيْرٌ) هُوَ ابْنُ مُعَاوِيَةَ الْجُعْفِيُّ الْكُوفِيُّ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ، وَأَبُو إِسْحَاقَ هُوَ السَّبِيعِيُّ وَهُوَ تَابِعِيٌّ، وَكَذَا شَيْخُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَأَبُوهُ الْأَسْوَدُ.

قَوْلُهُ: (لَيْسَ أَبُو عُبَيْدَةَ)

أَيِ: ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ.

وَقَوْلُهُ: (ذَكَرَهُ) أَيْ: لِي. (وَلَكِنْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ) أَيْ هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ لِي بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ الْمُعَلَّقَةِ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَإِنَّمَا عَدَلَ أَبُو إِسْحَاقَ عَنِ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ إِلَى الرِّوَايَةِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - مَعَ أَنَّ رِوَايَةَ أَبِي عُبَيْدَةَ أَعْلَى لَهُ - لِكَوْنِ أَبِي عُبَيْدَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ عَلَى الصَّحِيحِ، فَتَكُونُ مُنْقَطِعَةً بِخِلَافِ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ فَإِنَّهَا مَوْصُولَةٌ، وَرِوَايَةُ أَبِي إِسْحَاقَ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ طَرِيقِ إِسْرَائِيلَ بْنِ يُونُسَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، فَمُرَادُ أَبِي إِسْحَاقَ هُنَا بِقَوْلِهِ لَيْسَ أَبُو عُبَيْدَةَ ذَكَرَهُ أَيْ: لَسْتُ أَرْوِيهِ الْآنَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ وَإِنَّمَا أَرْوِيهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ) هُوَ الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ النَّخَعِيُّ صَاحِبُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: هُوَ الْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ الزُّهْرِيُّ، وَهُوَ غَلَطٌ فَاحِشٌ؛ فَإِنَّ الْأَسْوَدَ الزُّهْرِيَّ لَمْ يُسْلِمْ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَعِيشَ حَتَّى يَرْوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ.

قَوْلُهُ: (أَتَى الْغَائِطَ) أَيِ: الْأَرْضَ الْمُطَمْئِنَةَ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ.

قَوْلُهُ: (فَلَمْ أَجِدْ) وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ فَلَمْ أَجِدْهُ أَيِ: الْحَجَرَ الثَّالِثَ.

قَوْلُهُ: (بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ) فِيهِ الْعَمَلُ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ النَّهْيُ فِي حَدِيثِ سَلْمَانَ عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: وَلَا يَسْتَنْجِ أَحَدُكُمْ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَخَذَ بِهَذَا الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ فَاشْتَرَطُوا أَنْ لَا يَنْقُصَ مِنَ الثَّلَاثِ، مَعَ مُرَاعَاةِ الْإِنْقَاءِ إِذَا لَمْ يَحْصُلْ بِهَا فَيُزَادُ حَتَّى يُنَقَّى، وَيُسْتَحَبُّ حِينَئِذٍ الْإِيتَارُ لِقَوْلِهِ: وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ لِزِيَادَةٍ فِي أَبِي دَاوُدَ حَسَنَةِ الْإِسْنَادِ قَالَ: وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ، وَبِهَذَا يَحْصُلُ الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ فِي هَذَا الْبَابِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَوْ كَانَ الْقَصْدُ الْإِنْقَاءَ فَقَطْ لَخَلَا اشْتِرَاطُ الْعَدَدِ عَنِ الْفَائِدَةِ، فَلَمَّا اشْتَرَطَ الْعَدَدَ لَفْظًا وَعُلِمَ الْإِنْقَاءُ فِيهِ مَعْنًى دَلَّ عَلَى إِيجَابِ الْأَمْرَيْنِ، وَنَظِيرُهُ الْعِدَّةُ بِالْأَقْرَاءِ فَإِنَّ الْعَدَدَ مُشْتَرَطٌ وَلَوْ تَحَقَّقَتْ بَرَاءَةُ الرَّحِمِ بِقُرْءٍ وَاحِدٍ.

قَوْلُهُ: (فَأَخَذْتُ رَوْثَةً) زَادَ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي رِوَايَةٍ لَهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهَا كَانَتْ رَوْثَةَ حِمَارٍ، وَنَقَلَ التَّيْمِيُّ أَنَّ الرَّوْثَ مُخْتَصٌّ بِمَا يَكُونُ مِنَ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ.

قَوْلُهُ: (وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ) اسْتَدَلَّ بِهِ الطَّحَاوِيُّ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ الثَّلَاثَةِ؛ قَالَ: لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُشْتَرَطًا لَطَلَبَ ثَالِثًا، كَذَا قَالَ، وَغَفَلَ عَمَّا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ؛ فَإِنَّ فِيهِ: فَأَلْقَى الرَّوْثَةَ وَقَالَ: إِنَّهَا رِكْسٌ، ائْتِنِي بِحَجَرٍ. وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ أَثْبَاتٌ.

وَقَدْ تَابَعَ عَلَيْهِ مَعْمَر، أَبُو شُعْبَةَ الْوَاسِطِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَتَابَعَهُمَا عَمَّارُ بْنُ رُزَيْقٍ أَحَدُ الثِّقَاتِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ أَبَا إِسْحَاقَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَلْقَمَةَ لَكِنْ أَثْبَتَ سَمَاعَهُ لِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْهُ الْكَرَابِيسِيُّ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ أَرْسَلَهُ عَنْهُ فَالْمُرْسَلُ حُجَّةٌ عِنْدَ الْمُخَالِفِينَ وَعِنْدَنَا أَيْضًا إِذَا اعْتُضِدَ، وَاسْتِدْلَالُ الطَّحَاوِيِّ فِيهِ نَظَرٌ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ اكْتَفَى بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ فِي طَلَبِ الثَّلَاثَةِ فَلَمْ يُجَدِّدِ الْأَمْرَ بِطَلَبِ الثَّالِثِ، أَوِ اكْتَفَى بِطَرَفِ أَحَدِهِمَا عَنِ الثَّالِثِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالثَّلَاثَةِ أَنْ يَمْسَحَ بِهَا ثَلَاثَ مَسَحَاتٍ وَذَلِكَ حَاصِلٌ وَلَوْ بِوَاحِدٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّتِهِ أَنَّهُ لَوْ مَسَحَ بِطَرَفٍ وَاحِدٍ وَرَمَاهُ ثُمَّ جَاءَ شَخْصٌ آخَرُ فَمَسَحَ بِطَرَفِهِ الْآخَرِ لَأَجْزَأَهُمَا بِلَا خِلَافٍ. وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْقَصَّارِ الْمَالِكِيُّ: رُوِيَ أَنَّهُ أَتَاهُ بِثَالِثٍ، لَكِنْ لَا يَصِحُّ، وَلَوْ صَحَّ فَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ لِمَنْ لَا يَشْتَرِطُ الثَّلَاثَةَ قَائِمٌ؛ لِأَنَّهُ اقْتَصَرَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ عَلَى ثَلَاثَةٍ فَحَصَلَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةٍ، انْتَهَى. وَفِيهِ نَظَرٌ أَيْضًا لِأَنَّ الزِّيَادَةَ ثَابِتَةٌ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَكَأَنَّهُ إِنَّمَا وَقَفَ عَلَى الطَّرِيقِ الَّتِي عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ فَقَطْ. ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ شَيْءٌ إِلَّا مِنْ سَبِيلٍ وَاحِدٍ. وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ خَرَجَ مِنْهُمَا فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اكْتَفَى لِلْقُبُلِ بِالْمَسْحِ فِي الْأَرْضِ وَلِلدُّبُرِ بِالثَّلَاثَةِ، أَوْ مَسَحَ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا بِطَرَفَيْنِ.

وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ عَلَى عَدَمِ الِاشْتِرَاطِ لِلْعَدَدِ بِالْقِيَاسِ عَلَى مَسْحِ الرَّأْسِ فَفَاسِدُ الِاعْتِبَارِ ; لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ الصَّرِيحِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَسَلْمَانَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٥٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَيْنٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) هو ابن معاوية الجعفيُّ المكيُّ (١) الكوفيُّ (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبِيعيِّ، بفتح السِّين المُهمَلَة وكسر المُوحَّدة التَّابعيِّ، وما ذُكِر (٢) من كون زهيرٍ سمع من أبي إسحاق بأخَرةٍ لا يقدح لثبوت سماعه منه هذا الحديث قبل الاختلاط بطرقٍ متعدِّدةٍ (قَالَ) أي: أبو إسحاق (لَيْسَ أَبُو عُبَيْدَةَ) عامر بن عبد الله بن مسعود (ذَكَرَهُ) لي (وَلَكِنْ) ذكره لي، أو (٣) حدَّثني به (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ) المُتوفَّى سنة تسعٍ وتسعين، أي: لست أرويه الآن عن أبي عبيدة، وإنَّما أرويه عن عبد الرَّحمن بن الأسود (عَنْ أَبِيهِ) الأسود بن يزيدَ النَّخعيِّ الكوفيِّ، صاحب ابن مسعودٍ، وقد اختُلِف فيه على أبي إسحاق، فرواه إسرائيل عنه عن أبي عبيدة عن أبيه، وابن مغولٍ (٤) وغيره عنه (٥) عن الأسود عن أبيه عن عبد الله، من غير ذكر عبد الرَّحمن، ورواه زكريَّا بن أبي زائدة عنه، عن عبد الرَّحمن بن يزيد، عنِ الأسود، ومعمرٌ عنه، عن علقمة، عن عبد الله، ويونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، ومن ثمَّ انتقده الدَّارقُطنيُّ على المؤلِّف، لكنَّه (٦) قال: أحسنها سياقًا الطَّريق التي أخرجها البخاريُّ، لكن في النَّفس منه شيءٌ لكثرة الاختلاف فيه على أبي إسحاق، وأُجِيب بأنَّ الاختلاف على الحفَّاظ لا يوجب الاضطراب إلَّا مع استواء وجوه الاختلاف، فمتى رجح أحد الأقوال قُدِّم، ومع الاستواء لا بدَّ أن يتعذَّر الجمع على قواعد المحدِّثين،

وهنا يظهر عدم استواء وجوه الاختلاف على أبي إسحاق فيه لأنَّ الرِّوايات المختلفة عنه لا يخلو إسنادٌ منها عن مقالٍ غير طريق زهيرٍ وإسرائيل، مع أنَّه يمكن ردُّ أكثر الطُّرق إلى رواية زهيرٍ، وقد تابع زهيرًا يوسفُ بنُ إسحاق كما سيأتي، وهو يقتضي تقديم رواية زهيرٍ (أَنَّهُ) بفتح الهمزة بتقدير المُوحَّدة، أي: الأسودَ (سَمِعَ عَبْدَ اللهِ) بن مسعودٍ (يَقُولُ: أَتَى النَّبِيُّ الغَائِطَ) أي: الأرض المطمئنَّة لقضاء حاجته، فالمُرَاد به: معناه اللُّغويُّ (فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ) أي: فأمرني بإتيان ثلاثة أحجارٍ، وفي طلبه الثَّلاثةَ دليلٌ على اعتبارها، وإلَّا لَمَا طلبها، وفي حديث سلمان: نهانا رسول الله أن نكتفيَ بدون ثلاثة أحجارٍ كما (١) رواه مسلمٌ وأحمد، قال عبد الله بن مسعود (٢) : (فَوَجَدْتُ) أي: أصبت (حَجَرَيْنِ، وَالتَمَسْتُ) أي: طلبت الحجر (الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْهُ) بالضَّمير المنصوب، أي: الحجرَ، ولأبي ذَرٍّ: «فلم أجد» بحذفه (فَأَخَذْتُ رَوْثَةً) زاد ابن خزيمة في روايةٍ له في هذا الحديث: أنَّها كانت روثة حمارٍ (فَأَتَيْتُهُ) (بِهَا) أي: بالثَّلاثة (فَأَخَذَ) (الحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ، وَقَالَ: هَذَا رِكْسٌ) بكسر الرَّاء، أي: رِجْسٌ، كما في رواية ابن خزيمة وابن ماجه في هذا الحديث، أو طعام الجنِّ، وعُزِيَ للنَّسائيِّ، أو الرَّجيع رُدَّ من حالة الطَّهارة إلى حالة النَّجاسة، قاله الخطَّابيُّ، وذكَّر إشارة (٣) الرَّوثة باعتبار تذكير الخبر، على حدِّ قوله تعالى: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٨] وفي بعض النُّسخ: «هذه ركسٌ» على الأصل، فإن قلت: ما وجه إتيانه بالرَّوثة بعد أمره له بالأحجار؟ أُجِيب بأنَّه قاس الرَّوث على الحجر بجامع الجمود، فقطع قياسه بالفرق أو بإبداء المانع، ولكنَّه ما قاسه

إلَّا لضرورة عدم المنصوص عليه، وزاد في رواية الأَصيليِّ وابن عساكر وأبوي ذَرٍّ والوقت (١): (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ) بن إسحاقَ السَّبيعيُّ الهَمْدانيُّ الكوفيُّ، المُتوفَّى سنة ثمانٍ وتسعين ومئةٍ (عَنْ أَبِيهِ) يوسف بن إسحاق بن (٢) أبي إسحاق الكوفيِّ الحافظ، المُتوفَّى في زمن أبي جعفرٍ المنصور، أو سنة سبعٍ وخمسين ومئةٍ (عَنْ) جدِّه (أَبِي إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) هو ابن الأسود بن (٣) يزيد (٤)، أي: بالإسناد السَّابق، وأراد المؤلِّف بهذا التَّعليق الرَّدَّ على من زعم أنَّ أبا إسحاقَ دلَّس هذا الخبر، وفي ذكر مبحث ذلك طولٌ يخرج عن غرض الاختصار، وقد استدلَّ الطَّحاويُّ بقوله: «وألقى الرَّوثة» على عدم اشتراط الثَّلاث في الاستنجاء، وعَلَّل (٥) بأنَّه لو كان مشترطًا (٦) لطلب ثالثًا، وهو مذهب مالكٍ وأبي حنيفة وداودَ، وأُجِيب بأنَّ في رواية أحمد في «مُسنَده» بإسنادٍ رجالهُ ثقاتٌ أثباتٌ عن ابن مسعودٍ في هذا الحديث: «فألقى الرَّوثة»، وقال: «إنَّها ركسٌ، ائتني بحجرٍ»، أو أنَّه اكتفى بطرف أحد الحجرين عنِ الثَّالث لأنَّ المقصود بالثَّلاثة أن يمسح بها ثلاث مسحاتٍ، وذلك حاصلٌ ولو بواحدٍ له ثلاثة أطرافٍ (٧)، وتأتي بقيَّة المباحث قريبًا إن شاء الله تعالى بحمد الله وعونه (٨).

(٢٢) هذا (بابُ الوُضُوءِ مَرَّةً مَرَّةً) لكلِّ عضوٍ.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

(بَاب الِاسْتِنْجَاء بِالْحِجَارَةِ)

أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الِاسْتِنْجَاء بِالْحِجَارَةِ وَنبهَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة على الرَّد على من زعم اخْتِصَاص الِاسْتِنْجَاء بِالْمَاءِ. وَجه الْمُنَاسبَة بَين هَذَا الْبَاب والأبواب الَّتِي قبله ظَاهر

٢١ - (حَدثنَا أَحْمد بن مُحَمَّد الْمَكِّيّ قَالَ حَدثنَا عَمْرو بن يحيى بن سعيد بن عَمْرو الْمَكِّيّ عَن جده عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ اتبعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَخرج لِحَاجَتِهِ فَكَانَ لَا يلْتَفت فدنوت مِنْهُ فَقَالَ أبغني أحجارا أستنفض بهَا أَو نَحوه وَلَا تأتني بِعظم وَلَا رَوْث فَأَتَيْته بأحجار بِطرف ثِيَابِي فَوَضَعتهَا إِلَى جنبه وأعرضت عَنهُ فَلَمَّا قضى أتبعه بِهن) مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله أبغني أحجارا أستنفض بهَا لِأَن مَعْنَاهُ أستنجي بهَا كَمَا سَيَأْتِي عَن قريب إِن شَاءَ الله تَعَالَى. (بَيَان رِجَاله) وهم أَرْبَعَة الأول أَحْمد بن مُحَمَّد بن عون بالنُّون أَبُو الْوَلِيد الغساني الْأَزْرَقِيّ الْمَكِّيّ جد أبي الْوَلِيد مُحَمَّد بن عبد الله صَاحب تَارِيخ مَكَّة وَفِي طبقته أَحْمد بن مُحَمَّد الْمَكِّيّ أَيْضا لَكِن كنيته أَبُو مُحَمَّد وجده عون يعرف بالقواس وَقد وهم من زعم أَن البُخَارِيّ روى عَن أبي مُحَمَّد الَّذِي فِي طبقته وَإِنَّمَا روى عَن أبي الْوَلِيد وهم أَيْضا من جَعلهمَا وَاحِدًا روى أَبُو الْوَلِيد الْمَذْكُور عَن مَالك وَغَيره وروى عَنهُ البُخَارِيّ وحفيده مؤرخ مَكَّة مُحَمَّد بن عبد الله وَأَبُو جَعْفَر التِّرْمِذِيّ وَآخَرُونَ مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ الثَّانِي عَمْرو بن يحيى بن سعيد بن عَمْرو بن سعيد بن العَاصِي أَبُو أُميَّة القريشي الْمَكِّيّ الْأمَوِي وَعَمْرو بن سعيد هُوَ الْمَعْرُوف بالأشدق الَّذِي ولي إمرة الْمَدِينَة وَكَانَ يُجهز الْبعُوث إِلَى مَكَّة وَكَانَ عَمْرو هَذَا قد تغلب على دمشق فِي زمن عبد الْملك بن مَرْوَان فَقتله عبد الْملك وسير أَوْلَاده إِلَى الْمَدِينَة وَسكن وَلَده مَكَّة لما ظَهرت دولة بني الْعَبَّاس فاستمروا بهَا وَعَمْرو بن يحيى روى عَن أَبِيه وجده وَعنهُ سُوَيْد وَغَيره روى لَهُ البُخَارِيّ وَابْن مَاجَه الثَّالِث جده سعيد بن عَمْرو بن سعيد بن العَاصِي بن أبي أحيحة التَّابِعِيّ الثِّقَة روى عَن ابْن عَبَّاس وَغَيره وَعنهُ ابناه إِسْحَق وخَالِد وحفيده عَمْرو بن يحيى روى لَهُ الْجَمَاعَة سوى التِّرْمِذِيّ. الرَّابِع أَبُو هُرَيْرَة عبد الرَّحْمَن رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا أَن فِيهِ مكيين ومدنيين. وَمِنْهَا أَنه من رباعيات البُخَارِيّ وَمِنْهَا أَن فِيهِ رِوَايَة الابْن عَن الْجد. (بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا مطولا فِي ذكر الْجِنّ عَن مُوسَى بن إِسْمَعِيل عَن عَمْرو بن يحيى بن سعيد عَن جده بِهِ وَلم يُخرجهُ مُسلم وَلَا الْأَرْبَعَة وَأخرجه رزين عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أبغني أحجارا أستنفض بهَا وَلَا تأتني بِعظم وَلَا بروثة قلت مَا بَال الْعظم والروثة قَالَ هما من طَعَام الْجِنّ وَأَنه أَتَانِي وَفد جن نَصِيبين وَنعم الْجِنّ فسألوني عَن الزَّاد فدعوت الله تَعَالَى لَهُم أَن لَا يمروا بِعظم وَلَا بروث إِلَّا وجدوا عَلَيْهِمَا طَعَاما (بَيَان اللُّغَات) قَوْله اتبعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بتَشْديد التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق أَي سرت وَرَاءه وَقد أشبعنا الْكَلَام فِيهِ فِي بَاب من حمل المَاء لطهوره عَن قريب قَوْله أبغني يجوز فِي همزته الْوَصْل إِذا كَانَ من الثلاثي مَعْنَاهُ اطلب لي يُقَال بغيتك الشَّيْء أَي طلبته لَك وَالْقطع إِذا كَانَ من الْمَزِيد مَعْنَاهُ أَعنِي على الطّلب يُقَال أبغيتك الشَّيْء إِذا أعنتك على طلبه وَكِلَاهُمَا رِوَايَتَانِ وَقَالَ الْجَوْهَرِي بغيت الشَّيْء طلبته وبغيتك الشَّيْء طلبته لَك وأبغيته الشَّيْء أعنته على طلبه وَقَالَ ابْن التِّين روينَاهُ بالوصل قَالَ الْخطابِيّ مَعْنَاهُ اطلب لي من بغيت الشَّيْء طلبته وبغيتك الشَّيْء طلبته لَك وأبغيتك الشَّيْء جعلتك طَالبا لَهُ قَالَ تَعَالَى {يبغونكم الْفِتْنَة} أَي يَبْغُونَهَا لكم وَقَالَ أَبُو عَليّ الهجري فِي أَمَالِيهِ بغيت الْخَيْر بغاء قلت بِكَسْر الْبَاء وَقَالَ أَبُو الْحسن اللحياني فِي نوادره يُقَال بغى الرجل الْحَاجة وَالْعلم وَالْخَيْر وكل شَيْء يطْلب يَبْغِي بغاء قلت بِضَم الْبَاء وبغية بِكَسْر الْبَاء وبغى كَذَلِك وبغية بِالضَّمِّ وبغى كَذَلِك واستبغى الْقَوْم فبغوه وبغوا لَهُ أَي طلبُوا لَهُ وَفِي الْمُحكم الْمَعْرُوف بغاء قلت بِالضَّمِّ وَالِاسْم البغية والبغية وَقَالَ ثَعْلَب بغى الْخَيْر بغية وبغية فجعلهما مصدرين والبغية والبغبة والبغية مَا ابْتغى وأبغاه الشَّيْء طلبه لَهُ أَو أَعَانَهُ على طلبه وَالْجمع بغاة وبغيان

وأبتغى الشَّيْء تيَسّر وتسهل وبغى الشَّيْء بغوا نظر إِلَيْهِ كَيفَ هُوَ وَفِي الْجَامِع للقزاز أبغني كَذَا أَي أَعنِي عَلَيْهِ واطلبه معي وَفِي الواعي لعبد الْحق الإشبيلي الْبغاء الطّلب قلت بِالضَّمِّ وَفِي الصِّحَاح كل طلبة بغاء بِالضَّمِّ وبالمد وبغاية أَيْضا وابتغيت الشَّيْء وتبغيته إِذا طلبته قَالَ سَاعِدَة بن جوية الْهُذلِيّ

(سِبَاع تبغى النَّاس مثنى وموحد ... )

قَوْله أستنفض على وزن أستفعل من النفض بالنُّون وَالْفَاء وَالضَّاد الْمُعْجَمَة وَهُوَ أَن يهز الشَّيْء ليطير غباره أَو يَزُول مَا عَلَيْهِ وَمَعْنَاهُ هَهُنَا أستنظف بهَا أَي أنظف بهَا نَفسِي من الْحَدث وَفِي الْمطَالع أبغي أحجارا أستنفض بهَا أَي أستنج بهَا مِمَّا هُنَالك ونفاضة كل شَيْء مَا نفضته فَسقط مِنْهُ وَفِي الواعي أستنفض بهَا أَي أستنجى بهَا وَهُوَ أَن ينفض عَن نَفسه أَذَى الْحَدث فَقَالَ هَذَا مَوضِع مستنفض أَي متبرز وَفِي كتاب ابْن طريف نفضت الأَرْض تتبعت مغانيها ونفضت الشَّيْء نفضا حركته ليسقط عَنهُ مَا علق بِهِ وَقَالَ المطرزي الاستنفاض الاستخراج ويكنى بِهِ عَن الِاسْتِنْجَاء وَقَالَ وَمن رَوَاهُ بِالْقَافِ وَالصَّاد الْمُهْملَة فقد صحف قلت قَالَ الصغاني فِي الْعباب استنفاض الذّكر وانتقاصه استبراؤه مِمَّا فِيهِ من بَقِيَّة الْبَوْل قلت الأول بِالْفَاءِ وَالضَّاد الْمُعْجَمَة وَالثَّانِي بِالْقَافِ وَالضَّاد الْمُعْجَمَة أَيْضا وَالثَّالِث بِالْقَافِ والمهملة وَذكر أَيْضا فِي بَاب نقص بِالْقَافِ والمهملة وَقَالَ أَبُو عبيد انتقاص المَاء غسل الذّكر بِالْمَاءِ لِأَنَّهُ إِذا غسل بِالْمَاءِ ارْتَدَّ الْبَوْل وَلم ينزل وَإِن لم يغسل نزل مِنْهُ الشَّيْء بعد الشَّيْء حَتَّى يستبرىء (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله اتبعت النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام جملَة وَقعت مقول القَوْل قَوْله وَخرج لِحَاجَتِهِ جملَة وَقعت حَالا بِتَقْدِير قد وَالتَّقْدِير وَقد خرج وَقد علم أَن الْفِعْل الْمَاضِي إِذا وَقع حَالا فَلَا بُد فِيهِ من قد إِمَّا ظَاهِرَة أَو مقدرَة وَيجوز فِيهِ الْوَاو وَتَركه كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {أَو جاؤكم حصرت صُدُورهمْ} وَالتَّقْدِير قد حصرت وَقد وَقع بِدُونِ الْوَاو قَوْله فَكَانَ لَا يلْتَفت بفاء الْعَطف فِي رِوَايَة أبي ذَر وَفِي رِوَايَة غَيره وَكَانَ بِالْوَاو فَإِن قلت مَا وَجه الْوَاو فِيهِ قلت للْحَال وَقَول بَعضهم وَكَانَ استئنافية غير صَحِيح على مَا لَا يخفى قَوْله فَقَالَ أبغني بوصل الْهمزَة وقطعها كَمَا ذَكرْنَاهُ قَوْله أحجارا نصب على أَنه مفعول ثَان لأبغنى قَوْله أستنفض مجزوم لِأَنَّهُ جَوَاب الْأَمر وَيجوز رَفعه على الِاسْتِئْنَاف قَوْله أَو نَحوه بِالنّصب لِأَنَّهُ مقول القَوْل وَهُوَ فِي الْمَعْنى جملَة وَالتَّقْدِير أَو قَالَ نَحْو قَوْله أستنفض بهَا وَذَلِكَ نَحْو قَوْله أستنجي بهَا وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ أستنجي بهَا والتردد فِيهِ من بعض الروَاة قَوْله بِطرف ثِيَابِي الْبَاء ظرفية (بَيَان الْمعَانِي) قَوْله فَكَانَ لَا يلْتَفت أَي فَكَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا مَشى لَا يلْتَفت وَرَاءه وَكَانَ هَذَا عَادَة مَشْيه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام قَوْله فدنوت مِنْهُ أَي قربت مِنْهُ لأستأنس بِهِ وأقضي حَاجته وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ أستأنس فَقَالَ من هَذَا قلت أَبُو هُرَيْرَة قَوْله فَقَالَ أبغني أحجارا وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ ائْتِنِي قَوْله وَلَا تأتني بِعظم كَأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام خشِي أَن يفهم أَبُو هُرَيْرَة من قَوْله أستنفض بهَا أَن كل مَا يزِيل الْأَثر وينقي كَاف وَلَا اخْتِصَاص لذَلِك بالأحجار فنبه باقتصاره فِي النَّهْي على الْعظم والروث على أَن مَا سواهُمَا يجزىء وَلَو كَانَ ذَلِك مُخْتَصًّا بالأحجار كَمَا يَقُول أهل الظَّاهِر وَبَعض الْحَنَابِلَة لم يكن لتخصيص هذَيْن بِالنَّهْي معنى قَالَ الْخطابِيّ وَفِي النَّهْي عَنْهُمَا دَلِيل على أَن أَعْيَان الْحِجَارَة غير مُخْتَصَّة بِهَذَا الْمَعْنى وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لما أَمر بالأحجار ثمَّ اسْتثْنى هذَيْن وخصهما بِالنَّهْي دلّ على أَن مَا عداهما قد دخل فِي الْإِبَاحَة وَلَو كَانَت الْحِجَارَة مَخْصُوصَة بذلك لم يكن لتخصيصهما بِالذكر معنى وَإِنَّمَا جرى ذكر الْحِجَارَة وسيق اللَّفْظ إِلَيْهَا لِأَنَّهَا كَانَت أَكثر الْأَشْيَاء الَّتِي يستنجى بهَا وجودا وأقربها تناولا وَقَالَ أهل الظَّاهِر الْحجر مُتَعَيّن لَا يجزىء غَيره وَقَالَ أَصْحَابنَا الَّذِي يقوم مقَام الْحجر كل جامد طَاهِر مزيل للعين لَيْسَ لَهُ حُرْمَة وَقَالَ ابْن بطال لما نهى عَنْهُمَا دلّ على أَن مَا عداهما بخلافهما وَإِلَّا لم يكن لتخصيصهما فَائِدَة تدبر. فَإِن قيل إِنَّمَا نَص عَلَيْهِمَا تَنْبِيها على أَن مَا عداهما فِي مَعْنَاهُمَا قُلْنَا هَذَا لَا يجوز لِأَن التَّنْبِيه إِنَّمَا يُفِيد إِذا كَانَ فِي المنبه عَلَيْهِ معنى المنبه لَهُ وَزِيَادَة كَقَوْلِه تَعَالَى {وَلَا تقل لَهما أُفٍّ} وَلَيْسَ فِي سَائِر الطاهرات مَعْنَاهُمَا فَلم يَقع التَّنْبِيه عَلَيْهِمَا انْتهى قلت التَّعْلِيل فِي الْعظم والروث إِن كَانَ هُوَ كَونهمَا من طَعَام الْجِنّ على مَا سَيَجِيءُ فِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي المبعث فِي هَذَا الحَدِيث أَن أَبَا هُرَيْرَة قَالَ للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما أَن فرغ مَا بَال الْعظم والروث قَالَ هما من طَعَام الْجِنّ فَيلْحق بهما سَائِر المطعومات للآدميين بطرِيق الْقيَاس وَكَذَا المحترمات كأوراق كتب الْعلم وَإِن كَانَ هُوَ النَّجَاسَة فِي الروث

فَيلْحق بِهِ كل نجس وَفِي الْعظم هُوَ كَونه لزجا فَلَا يزِيل إِزَالَة تَامَّة فَيلْحق بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ كالزجاج الأملس وَقَالَ الْخطابِيّ قيل الْمَعْنى فِي ذَلِك أَن الْعظم لزج لَا يكَاد يتماسك فيقلع النَّجَاسَة وينشف البلة وَقيل أَن الْعظم لَا يكَاد يعرى من بَقِيَّة دسم قد علق بِهِ وَنَوع الْعظم قد يَتَأَتَّى فِيهِ الْأكل لبني آدم لِأَن الرخو الرَّقِيق مِنْهُ قد يتمشش فِي حَال الرَّفَاهِيَة والغليظ الصلب مِنْهُ يدق ويستف مِنْهُ عِنْد المجاعة والشدة وَقد حرم الِاسْتِنْجَاء بالمطعوم قلت هَذَانِ وَجْهَان وَالثَّالِث كَونه طَعَام الْجِنّ وَأما الروث فَلِأَنَّهُ نجس كَمَا ذَكرْنَاهُ أَو لِأَنَّهُ طَعَام دَوَاب الْجِنّ وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو نعيم فِي دَلَائِل النُّبُوَّة أَن الْجِنّ سَأَلُوا هَدِيَّة مِنْهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأَعْطَاهُمْ الْعظم والروث فالعظم لَهُم والروث لدوابهم فَإِذا لَا يستنجى بهما رَأْسا وَأما لِأَنَّهُ طَعَام للجن أنفسهم روى أَبُو عبد الله الْحَاكِم فِي الدَّلَائِل أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لِابْنِ مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ لَيْلَة الْجِنّ أُولَئِكَ جن نَصِيبين جاؤني فسألوني الزَّاد فَمَتَّعْتهمْ بالعظم والروث فَقَالَ لَهُ وَمَا يُغني مِنْهُم ذَلِك يَا رَسُول الله قَالَ إِنَّهُم لَا يَجدونَ عظما إِلَّا وجدوا عَلَيْهِ لَحْمه الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ يَوْم أَخذ وَلَا وجدوا رَوْثًا إِلَّا وجدوا فِيهِ حبه الَّذِي كَانَ يَوْم أكل فَلَا يستنجي أحد لَا بِعظم وَلَا بروث وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد أَنهم قَالُوا يَا مُحَمَّد انه أمتك لَا يستنجوا بِعظم وَلَا بروث أَو حممة فَإِن الله تَعَالَى جعل لنا رزقا فِيهَا فَنهى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَنهُ قلت الحممة بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الميمين وَهِي الفحم وَمَا احْتَرَقَ من الْخشب وَالْعِظَام وَنَحْوهَا وَجَمعهَا حمم قَوْله بِطرف ثِيَابِي أَي فِي جَانب ثِيَابِي وَفِي صَحِيح الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي طرف ملائي وَقَالَ الْكرْمَانِي وَالثيَاب يحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ الْجمع وَأَن يُرَاد بِهِ الْجِنْس كَمَا يُقَال فلَان يركب الْخُيُول قلت فِيهِ نظر لِأَن مَا ذكره إِنَّمَا يمشي فِي الْجمع الْمحلى بِالْألف وَاللَّام كَمَا فِي الْمِثَال الْمَذْكُور قَوْله وأعرضت عَنهُ كَذَا فِي أَكثر الرِّوَايَات وَفِي رِوَايَة الْكشميهني واعترضت بِزِيَادَة التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق بعد الْعين قَوْله فَلَمَّا قضى أَي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالْمَفْعُول مَحْذُوف تَقْدِيره فَلَمَّا قضى حَاجته قَوْله أتبعه بِهن أَي بالأحجار وهمزة أتبعه همزَة قطع وَالضَّمِير الْمَنْصُوب فِيهِ يرجع إِلَى الْقَضَاء الَّذِي يدل عَلَيْهِ قَوْله فَلَمَّا قضى وكنى بذلك عَن الِاسْتِنْجَاء (بَيَان استنباط الْأَحْكَام) الأول فِيهِ جَوَاز استنجاء بالأحجار وَفِيه الرَّد على من أنكر ذَلِك كَمَا بَيناهُ مستقصى الثَّانِي فِيهِ مَشْرُوعِيَّة الِاسْتِنْجَاء وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِيهِ فَمنهمْ من قَالَ بِوُجُوبِهِ واشتراطه فِي صِحَة الصَّلَاة وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَأحمد وَأَبُو ثَوْر وَإِسْحَاق وَأَبُو دَاوُد وَمَالك فِي رِوَايَة وَمِنْهُم من قَالَ بِأَنَّهُ سنة وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَمَالك فِي رِوَايَة والمزني من أَصْحَاب الشَّافِعِي وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن مُوسَى الرَّازِيّ قَالَ أخبرنَا عِيسَى بن يُونُس عَن ثَوْر عَن الْحصين الحمراني عَن أبي سعيد عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ عَن النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام قَالَ من اكتحل فليوتر من فعل فقد أحسن وَمن لَا فَلَا حرج وَمن استجمر فليوتر من فعل فقد أحسن وَمن لَا فَلَا حرج الحَدِيث وَأخرجه أَحْمد أَيْضا فِي مُسْنده حَدثنَا شُرَيْح حَدثنَا عِيسَى بن يُونُس عَن ثَوْر عَن الْحصين كَذَا قَالَ عَن أبي سعيد الْخَيْر وَكَانَ من أَصْحَاب عمر عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى آخِره نَحوه وَأخرجه الطَّحَاوِيّ فِي الْآثَار حَدثنَا يُونُس بن عبد الْأَعْلَى قَالَ أخبرنَا يحيى بن حسن قَالَ حَدثنَا عِيسَى بن يُونُس قَالَ حَدثنَا ثَوْر بن يزِيد عَن حُصَيْن الحمراني عَن أبي سعيد الْخَيْر عَن أبي هُرَيْرَة إِلَى آخِره نَحوه فَالْحَدِيث صَحِيح وَرِجَاله ثِقَات فَإِن قلت قَالَ أَبُو عَمْرو بن حزم وَالْبَيْهَقِيّ لَيْسَ إِسْنَاده بالقائم مَجْهُولَانِ يعنون حصينا فِيهِ الحمراني وَأَبا سعيد الْخَيْر قلت هَذَا كَلَام سَاقِط لِأَن أَبَا زرْعَة الدِّمَشْقِي قَالَ فِي حُصَيْن هَذَا شيخ مَعْرُوف وَقَالَ يَعْقُوب بن سُفْيَان فِي تَارِيخه لَا أعلم إِلَّا خيرا وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ شيخ وَذكره ابْن حبَان فِي الثِّقَات وَأما أَبُو سعيد الْخَيْر فقد قَالَ أَبُو دَاوُد وَيَعْقُوب بن سُفْيَان والعسكري وَابْن بنت منيع فِي آخَرين أَنه من الصَّحَابَة والْحَدِيث أخرجه ابْن حبَان أَيْضا فِي صَحِيحه وَذكر أَبَا سعيد فِي كتاب الصَّحَابَة وَسَماهُ عَامِرًا وَسَماهُ الْبَغَوِيّ عمرا وَسَماهُ صَاحب التَّهْذِيب زيادا وَسَماهُ البُخَارِيّ سَعْدا. وَقَالُوا أَيْضا أَنه كَدم البراغيث لِأَنَّهُ نَجَاسَة لَا تجب إِزَالَة أَثَرهَا فَكَذَا عينهَا لَا يجب إِزَالَتهَا بِالْمَاءِ فَلَا يجب بِغَيْرِهِ وَقَالَ الْمُزنِيّ لأَنا أجمعنا على جَوَاز مسحها بِالْحجرِ فَلم تجب إِزَالَتهَا كالمني فَإِن قلت استدلالهم بِالْحَدِيثِ غير تَامّ لِأَن المُرَاد لَا حرج فِي ترك الإيتار أَي الزَّائِد على ثَلَاثَة أَحْجَار وَلَيْسَ المُرَاد ترك أصل الِاسْتِنْجَاء وَقَالَ الْخطابِيّ معنى الحَدِيث التَّمْيِيز بَين المَاء الَّذِي هُوَ الأَصْل

٢٢ - (بابُ الوُضُوءِ مَرَّةً مَرَّةً)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْوضُوء مرّة مرّة، يَعْنِي: لكل عُضْو من أَعْضَاء الْوضُوء مرّة وَاحِدَة.

وَجه الْمُنَاسبَة بَينه وَبَين الْأَبْوَاب الَّتِي قبله ظَاهر، وَهُوَ أَن تِلْكَ الْأَبْوَاب فِي بَيَان أَحْكَام الِاسْتِنْجَاء، وَهَذَا فِي بَيَان حكم الْوضُوء، وَلَا شكّ أَن الْوضُوء يَتْلُو الِاسْتِنْجَاء، وَقد بَين إِجْمَال مَا فِي حَدِيث هَذَا الْبَاب فِي بَاب غسل الْوَجْه وَالْيَدَيْنِ بغرفة وَاحِدَة، وَكِلَاهُمَا عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.

١٥٧ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قَالَ حدّثناسُفْيانُ عَنْ زَيْدِ بنِ أسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ تَوضَّأَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مرَّةً مَرَّةً.

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

بَيَان رِجَاله وهم خَمْسَة. الأول: مُحَمَّد بن يُوسُف، قَالَ الْكرْمَانِي: المُرَاد بِهِ هُنَا: إِمَّا البيكندي، وَتقدم فِي بَاب مَا كَانَ النَّبِي، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، يتخولهم؟ وَإِمَّا الْفرْيَابِيّ، وَتقدم فِي بَاب لَا يمسك ذكره. ثمَّ قَالَ: الْغَالِب أَن البيكندي يروي عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَالْفِرْيَابِي، وَتقدم فِي بَاب لَا يمسك ذكره. ثمَّ قَالَ: الغال أَن البيكندي يروي عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَالْفِرْيَابِي عَن سُفْيَان الثَّوْريّ، وَيحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ الْفرْيَابِيّ عَن ابْن عُيَيْنَة، لِأَن السفيانين كليهمَا شيخاه، كَمَا أَن زيد بن أسلم شيخ السفيانين، وكما أَن ابْني يُوسُف شَيخا البُخَارِيّ. وَقَالَ بَعضهم: سُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، والراوي عَنهُ الْفرْيَابِيّ لَا البيكندي. قلت: جزم هَذَا الْقَائِل بِأَن سُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَأَن مُحَمَّد بن يُوسُف هُوَ الْفرْيَابِيّ لَا دَلِيل لَهُ عَلَيْهِ، وَالِاحْتِمَال الْمَذْكُور الَّذِي ذكره الْكرْمَانِي غير مَدْفُوع، فَافْهَم. وَقَالَ الْكرْمَانِي. أَيْضا: فان قلت فَهَذَا تَدْلِيس، إِذْ فِيهِ الِاشْتِبَاه الْمُؤَدِّي إِلَى كَون الرَّاوِي مَجْهُولا، فَيلْزم الْقدح فِي الْإِسْنَاد. قلت: مثله لَا يقْدَح فِيهِ لِأَن أياً كَانَ مِنْهُم فَهُوَ عدل ضَابِط بِشَرْط البُخَارِيّ، لَا يتَفَاوَت الحكم باخْتلَاف ذَلِك. الثَّانِي: سُفْيَان، إِمَّا ابْن عُيَيْنَة، وَإِمَّا الثَّوْريّ، وَقد ذكر. لَكِن الرَّاجِح أَنه الثَّوْريّ لِأَن أَبَا نعيم صرح بِهِ فِي كِتَابه. وَالله اعْلَم. الثَّالِث: زيد بن أسلم التَّابِعِيّ الْمدنِي، وَقد مر. الرَّابِع: عَطاء بن يسَار، بِفَتْح الْيَاء وَالسِّين الْمُهْملَة المخففة. الْخَامِس: عبد الله بن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.

بَيَان لطائف اسناده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته أَئِمَّة أجلاء ثِقَات. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ: زيد بن أسلم عَن عَطاء.

بَيَان من أخرجه غَيره هَذَا مِمَّا تفرد بِهِ البُخَارِيّ عَن مُسلم. وَأخرجه الْأَرْبَعَة، فَأَبُو دَاوُد عَن مُسَدّد عَن يحيى عَن سُفْيَان عَن زيد بن أسلم عَن عَطاء بن يسَار عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: (أَلا أخْبركُم بِوضُوء رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ فَتَوَضَّأ مرّة مرّة) . وَالتِّرْمِذِيّ عَن مُحَمَّد بن بشار عَن يحيى بِهِ، وَعَن قُتَيْبَة وهناد وَأبي كريب، ثَلَاثَتهمْ عَن وَكِيع عَن سُفْيَان بِهِ. وَالنَّسَائِيّ عَن مُحَمَّد بن مثنى عَن

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.3 / 29.5
الإضاءة 69%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
لا إله إلا الله