الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٦٧٢
الحديث رقم ١٦٧٢ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الجمع بين الصلاتين بالمزدلفة.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
١٦٧٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄: أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٩٥ - بَاب الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِالْمُزْدَلِفَةِ
١٦٧٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ عَرَفَةَ، فَنَزَلَ الشِّعْبَ، فَبَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ، وَلَمْ يُسْبِغْ الْوُضُوءَ، فَقُلْتُ لَهُ: الصَّلَاةُ. فَقَالَ: الصَّلَاةُ أَمَامَكَ، فَجَاءَ الْمُزْدَلِفَةَ فَتَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَصَلَّى وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا.
قَوْلُهُ: (بَابُ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِالْمُزْدَلِفَةِ) أَيِ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أُسَامَةَ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى قَبْلَ بَابٍ.
قَوْلُهُ (عَنْ كُرَيْبٍ، عَنْ أُسَامَةَ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: رَوَاهُ أَصْحَابُ مَالِكٍ عَنْهُ هَكَذَا إِلَّا أَشْهَبَ وَابْنَ الْمَاجِشُونَ فَإِنَّهُمَا أَدْخَلَا بَيْنَ كُرَيْبٍ، وَأُسَامَةَ، عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ.
٩٦ - بَاب مَنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا وَلَمْ يَتَطَوَّعْ
١٦٧٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ، كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِإِقَامَةٍ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا، وَلَا عَلَى إِثْرِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا.
١٦٧٤ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْخَطْمِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو أَيُّوبَ الأَنْصَارِيُّ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَمَعَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِالْمُزْدَلِفَةِ"
[الحديث ١٦٧٤ - طرفه في: ٤٤١٤]
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَتَطَوَّعْ) أَيْ لَمْ يَتَنَفَّلْ بَيْنَهُمَا.
قَوْلُهُ: (جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ.
قَوْلُهُ: (بِجَمْعٍ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمِيمِ أَيِ الْمُزْدَلِفَةِ وَسُمِّيَتْ جَمْعًا لِأَنَّ آدَمَ اجْتَمَعَ فِيهَا مَعَ حَوَّاءَ وَازْدَلَفَ إِلَيْهَا أَيْ دَنَا مِنْهَا، وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهَا سُمِّيَتْ جَمْعًا لِأَنَّهَا يُجْمَعُ فِيهَا بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ وَقِيلَ وُصِفَتْ بِفِعْلِ أَهْلِهَا لِأَنَّهُمْ يَجْتَمِعُونَ بِهَا وَيَزْدَلِفُونَ إِلَى اللَّهِ أَيْ يَتَقَرَّبُونَ إِلَيْهِ بِالْوُقُوفِ فِيهَا وَسُمِّيَتِ الْمُزْدَلِفَةَ إِمَّا لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ بِهَا أَوْ لِاقْتِرَابِهِمْ إِلَى مِنًى أَوْ لِازْدِلَافِ النَّاسِ مِنْهَا جَمِيعًا أَوْ لِلنُّزُولِ بِهَا فِي كُلِّ زُلْفَةٍ مِنَ اللَّيْلِ أَوْ لِأَنَّهَا مَنْزِلَةٌ وَقُرْبَةٌ إِلَى اللَّهِ أَوْ لِازْدِلَافِ آدَمَ إِلَى حَوَّاءَ بِهَا.
قَوْلُهُ: (بِإِقَامَةٍ) لَمْ يَذْكُرِ الْأَذَانَ وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ بَعْدَ بَابٍ.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا) أَيْ لَمْ يَتَنَفَّلْ وَقَوْلُهُ: (وَلَا عَلَى إِثْرِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا) أَيْ عَقِبِهَا وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّهُ تَرَكَ التَّنَفُّلَ عَقِبَ الْمَغْرِبِ وَعَقِبَ الْعِشَاءِ وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ مُهْلَةٌ صَرَّحَ بِأَنَّهُ لَمْ يَتَنَفَّلْ بَيْنَهُمَا بِخِلَافِ الْعِشَاءِ فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَمْ يَتَنَفَّلْ عَقِبَهَا لَكِنَّهُ تَنَفَّلَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي أَثْنَاءِ اللَّيْلِ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْفُقَهَاءُ تُؤَخَّرُ سُنَّةُ الْعِشَاءَيْنِ عَنْهُمَا، وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ الْإِجْمَاعَ عَلَى تَرْكِ التَّطَوُّعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
«وصوتًا» علامة السُّقوط لأبي الوقت، ثمَّ كتب على (١) «بينهما»: «إلى» (٢)، ذكر: «خلالكم» استطرادًا لبقيَّة الآية (٣)، ثمَّ الآية الأخرى بسورة «الكهف» تكثيرًا لفرائد الفوائد اللُّغويَّة (٤) ﵀ وأثابه، وهذا الحديث من أفراد المؤلِّف، والله أعلم (٥).
(٩٥) (بابُ) استحباب (الجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ) المغرب والعشاء في وقت الثَّانية (بِالمُزْدَلِفَةِ) قيَّده الدَّارميُّ والبندنيجيُّ (٦) والقاضي أبو الطَّيِّب وابن الصَّبَّاغ والطَّبريُّ والعمرانيُّ بما إذا لم يَخْشَ فوت وقت الاختيار للعشاء، فإن خشيه صلَّى بهم في الطَّريق، ونقله القاضي أبو الطَّيِّب وغيره عن النَّصِّ (٧)، قال في «شرح المُهذَّب»: ولعلَّ إطلاق الأكثرين محمولٌ على هذا.
١٦٧٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ) بضمِّ العين وسكون القاف المدنيِّ (عَنْ كُرَيْبٍ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄: أَنَّهُ سَمِعَهُ) حال كونه (يَقُولُ: دَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ عَرَفَةَ) أي: رجع من وقوف عرفة بعرفاتٍ لأنَّ «عرفة» اسمٌ لليوم، و «عرفات» -بلفظ الجمع- اسمٌ للموضع، وحينئذٍ فيكون المضاف إليه محذوفًا، لكن على مذهب من يقول: إنَّ «عرفة» اسمٌ للمكان أيضًا لا حاجة
إلى التَّقدير (فَنَزَلَ الشِّعْبَ) الأيسر الذي (١) دون المزدلفة (فَبَالَ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «بال» بإسقاط الفاء (ثُمَّ تَوَضَّأَ) وضوءًا شرعيًّا أو استنجى، وأطلق عليه اسم الوضوء اللُّغويِّ لأنَّه من الوضاءة وهي النَّظافة (وَلَمْ يُسْبِغِ الوُضُوءَ) أي: خفَّفه، أو لم يتوضَّأ في جميع (٢) أعضاء الوضوء، بل اقتصر على بعضها فيكون لغويًّا، أو على بعض العدد فيكون شرعيًّا، ويؤيِّد هذا قوله في روايةٍ [خ¦١٦٦٩]: «وضوءًا خفيفًا» لأنَّه لا يُقال في النَّاقص: خفيفٌ، قال أسامة: (فَقُلْتُ لَهُ) ﵊: حضرت (الصَّلَاةَُ) أو نُصِب بفعلٍ مُقدَّرٍ (فَقَالَ) ﵊: (الصَّلَاةُ أَمَامَكَ) مبتدأٌ وخبرٌ، أي: موضع هذه الصَّلاة قدَّامك؛ وهو المزدلفة، فهو من باب ذكر الحال وإرادة المحلِّ، أو التَّقدير: وقت الصَّلاة قدَّامك، فالمضاف فيه محذوفٌ؛ إذ الصَّلاة نفسها لا توجد قبل إيجادها، وعند إيجادها لا تكون أمامه، قال الحنفيَّة: فيكون المراد: وقتها، فيجب تأخيرها، وهو مذهب أبي حنيفة ومحمَّدٍ، فلو صلَّى المغرب في الطَّريق لم يجز، وعليه إعادتها ما لم يطلع الفجر، وقال المالكيَّة: يُندَب الجمع بينهما، وظاهره: أنَّه لو صلَّاهما قبل إتيانه إليها أجزأه لأنَّه جعل ذلك مندوبًا، والذي في «المُدوَّنة»: أنَّه يعيدهما إلَّا أنها عند ابن القاسم على سبيل الاستحباب، وقال ابن حبيبٍ: يعيدهما أبدًا، وقال الشَّافعيَّة: لو جمع بينهما في وقت المغرب في أرض عرفاتٍ، أو في الطَّريق (٣)، أو صلَّى كلَّ صلاةٍ في وقتها جاز وإن خالف الأفضل، وفي الحديث: تخصيصٌ لعموم الأوقات المُؤقَّتة للصَّلوات الخمس ببيان فعله ﵊.
(فَجَاءَ المُزْدَلِفَةَ، فَتَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ) أي: الوضوءَ، فحذف المفعول، قال الخطَّابيُّ: إنَّما ترك إسباغه حين نزل الشِّعب ليكون مستصحبًا للطَّهارة في طريقه، وتجوَّز فيه لأنَّه لم يُرِدْ أن يصلِّي فيه (٤)، فلمَّا نزل المزدلفة وأرادها أسبغه، ويحتمل أن يكون تجديدًا وأن يكون عن حدثٍ
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
الثَّانِي: إِبْرَاهِيم بن سُوَيْد، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْوَاو وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف: ابْن حَيَّان، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالنون. الثَّالِث: عَمْرو بن أبي عَمْرو بِالْوَاو فيهمَا، وَاسم أبي عَمْرو: ميسرَة ضد الميمنة قد مر فِي كتاب الْعلم فِي: بَاب الْحِرْص. الرَّابِع: سعيد بن جُبَير، بِضَم الْجِيم وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره رَاء، مولى والبة، بِكَسْر اللَّام وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة الْخَفِيفَة: بطن من بني أَسد، قَتله الْحجَّاج فِي سنة خمس وَتِسْعين. الْخَامِس: عبد الله بن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن شَيْخه بَصرِي وَإِبْرَاهِيم وَعَمْرو مدنيان وَسَعِيد كُوفِي وَتكلم فِي إِبْرَاهِيم فَقَالَ ابْن حبَان: فِي حَدِيثه مَنَاكِير وَلَكِن عِنْد البُخَارِيّ ثِقَة، وَقد تَابعه فِي هَذَا الحَدِيث سُلَيْمَان بن بِلَال عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ، وَعَمْرو مولى الْمطلب بن عبد الله بن حنْطَب بن الْحَارِث بن عبيد بن عمر بن مَخْزُوم.
وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاد البُخَارِيّ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (دفع مَعَ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) أَي: انْصَرف مَعَه من عَرَفَة يَوْم عَرَفَة. قَوْله: (زجرا) ، بِفَتْح الزَّاي وَسُكُون الْجِيم وَفِي آخِره رَاء: وَهُوَ الصياح لحث الْإِبِل. قَوْله: (وَضَربا) وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة: (وصوتا) ، أَيْضا بعد: ضربا، وَكَأَنَّهُ تَصْحِيف من: ضربا، فعطف: صَوتا، عَلَيْهِ. قَوْله: (عَلَيْكُم بِالسَّكِينَةِ) إغراء أَي: لازموا السكينَة فِي السّير، يَعْنِي الرِّفْق وَعدم الْمُزَاحمَة، وَعلل ذَلِك بقوله: (فَإِن الْبر) أَي: الْخَيْر (لَيْسَ بِالْإِيضَاعِ) أَي: السّير السَّرِيع من أوضع: إِذا سَار سيرا عنيفا وَيُقَال: هُوَ سير مثل الخبب. وَقَالَ الْمُهلب: إِنَّمَا نَهَاهُم عَن الْإِسْرَاع إبْقَاء علهيم لِئَلَّا يجحفوا بِأَنْفسِهِم مَعَ بعد الْمسَافَة.
أوْضَعُوا أسْرَعُوا خِلَالَكُمْ مِنَ التَّخَلُّلِ بَيْنَكُمْ وفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا بَيْنَهُمَا
هُوَ من كَلَام البُخَارِيّ أَشَارَ بِهِ إِلَى تَفْسِير الإيضاع فِي الحَدِيث لِأَنَّهُ مصدر من أوضع يوضع إضاعا إِذا أسْرع فِي السّير، وَلما كَانَت لَفْظَة: أوضعوا، مَذْكُورَة فِي الْقُرْآن فِي سُورَة بَرَاءَة، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: {لَو خَرجُوا فِيكُم مَا زادوكم إلَاّ خبالاً ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الْفِتْنَة} (التَّوْبَة: ٧٤) . الْآيَة، وَالْمعْنَى: مَا زادوكم إلَاّ شَيْئا خبالاً، والخبال: الشَّرّ وَالْفساد، ولأوضعوا خلالكم ولسعوا بَيْنكُم بالتضريب وَهُوَ الإغراء بَين الْقَوْم وإفساد ذَات الْبَيْت، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَالْمعْنَى: ولأوضعوا أَي: أَسْرعُوا ركائبهم لِأَن الرَّاكِب أسْرع من الْمَاشِي، وَقَرَأَ ابْن الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: ولأرقصوا من: رقصت النَّاقة رقصا إِذا أسرعت، وأرقصتها أَنا، وقرىء: ولأوفضوا.
١٧٦١ - حدَّثنا سعِيدُ بنُ أبِي مَرْيَمَ قَالَ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ سُوَيْدٍ قَالَ حدَّثني عَمْرُو بنُ أبِي عَمْرٍ ومَولَى المُطَّلِبِ قَالَ أَخْبرنِي سَعيدُ بنُ جُبَيْرٍ مَولى وَالِبَةَ الكُوفِيُّ قَالَ حدَّثني ابنُ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّهُ دفَعَ مَعَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْمَ عَرَفةَ فسَمِعَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ورَاءَهُ زَجْرا شَدِيدا وضَرْبا وصَوْتا لِلإبِلِ فأشَارَ بِسَوْطِهِ إلَيْهِمْ وَقَالَ أيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُم بالسَّكِينَةِ فإنَّ البِرَّ لَيْسَ بالإيضَاعِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وللترجمة جزآن: أَحدهمَا: أمره، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِالسَّكِينَةِ فيطابقه قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (يَا أَيهَا النَّاس عَلَيْكُم بِالسَّكِينَةِ) ، وَالْآخر: إِشَارَته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَيْهِم بِالسَّوْطِ، فيطابقه قَوْله: (فَأَشَارَ إِلَيْهِم بِسَوْطِهِ) .
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: سعيد بن أبي مَرْيَم، وَهُوَ سعيد بن مُحَمَّد بن الحكم بن أبي مَرْيَم الجُمَحِي مَوْلَاهُم أَبُو مُحَمَّد، وَقد مر. الثَّانِي: إِبْرَاهِيم بن سُوَيْد، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْوَاو وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف: ابْن حَيَّان، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالنون. الثَّالِث: عَمْرو بن أبي عَمْرو بِالْوَاو فيهمَا، وَاسم أبي عَمْرو: ميسرَة ضد الميمنة قد مر فِي كتاب الْعلم فِي: بَاب الْحِرْص. الرَّابِع: سعيد بن جُبَير، بِضَم الْجِيم وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره رَاء، مولى والبة، بِكَسْر اللَّام وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة الْخَفِيفَة: بطن من بني أَسد، قَتله الْحجَّاج فِي سنة خمس وَتِسْعين. الْخَامِس: عبد الله بن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن شَيْخه بَصرِي وَإِبْرَاهِيم وَعَمْرو مدنيان وَسَعِيد كُوفِي وَتكلم فِي إِبْرَاهِيم فَقَالَ ابْن حبَان: فِي حَدِيثه مَنَاكِير وَلَكِن عِنْد البُخَارِيّ ثِقَة، وَقد تَابعه فِي هَذَا الحَدِيث سُلَيْمَان بن بِلَال عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ، وَعَمْرو مولى الْمطلب بن عبد الله بن حنْطَب بن الْحَارِث بن عبيد بن عمر بن مَخْزُوم.
وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاد البُخَارِيّ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (دفع مَعَ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) أَي: انْصَرف مَعَه من عَرَفَة يَوْم عَرَفَة. قَوْله: (زجرا) ، بِفَتْح الزَّاي وَسُكُون الْجِيم وَفِي آخِره رَاء: وَهُوَ الصياح لحث الْإِبِل. قَوْله: (وَضَربا) وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة: (وصوتا) ، أَيْضا بعد: ضربا، وَكَأَنَّهُ تَصْحِيف من: ضربا، فعطف: صَوتا، عَلَيْهِ. قَوْله: (عَلَيْكُم بِالسَّكِينَةِ) إغراء أَي: لازموا السكينَة فِي السّير، يَعْنِي الرِّفْق وَعدم الْمُزَاحمَة، وَعلل ذَلِك بقوله: (فَإِن الْبر) أَي: الْخَيْر (لَيْسَ بِالْإِيضَاعِ) أَي: السّير السَّرِيع من أوضع: إِذا سَار سيرا عنيفا وَيُقَال: هُوَ سير مثل الخبب. وَقَالَ الْمُهلب: إِنَّمَا نَهَاهُم عَن الْإِسْرَاع إبْقَاء علهيم لِئَلَّا يجحفوا بِأَنْفسِهِم مَعَ بعد الْمسَافَة.
أوْضَعُوا أسْرَعُوا خِلَالَكُمْ مِنَ التَّخَلُّلِ بَيْنَكُمْ وفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا بَيْنَهُمَا
هُوَ من كَلَام البُخَارِيّ أَشَارَ بِهِ إِلَى تَفْسِير الإيضاع فِي الحَدِيث لِأَنَّهُ مصدر من أوضع يوضع إضاعا إِذا أسْرع فِي السّير، وَلما كَانَت لَفْظَة: أوضعوا، مَذْكُورَة فِي الْقُرْآن فِي سُورَة بَرَاءَة، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: {لَو خَرجُوا فِيكُم مَا زادوكم إلَاّ خبالاً ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الْفِتْنَة} (التَّوْبَة: ٧٤) . الْآيَة، وَالْمعْنَى: مَا زادوكم إلَاّ شَيْئا خبالاً، والخبال: الشَّرّ وَالْفساد، ولأوضعوا خلالكم ولسعوا بَيْنكُم بالتضريب وَهُوَ الإغراء بَين الْقَوْم وإفساد ذَات الْبَيْت، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَالْمعْنَى: ولأوضعوا أَي: أَسْرعُوا ركائبهم لِأَن الرَّاكِب أسْرع من الْمَاشِي، وَقَرَأَ ابْن الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: ولأرقصوا من: رقصت النَّاقة رقصا إِذا أسرعت، وأرقصتها أَنا، وقرىء: ولأوفضوا.
٥٩ - (بابُ الجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بالمُزْدَلِفَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْجمع بَين الْمغرب وَالْعشَاء فِي الْمزْدَلِفَة.
٢٧٦١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عَن مُوسى بنِ عُقْبَةَ عنْ كُرَيْبٍ عنْ أُسَامةَ بنِ زَيْدٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُمَا أنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ دفَعَ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنْ عَرَفَةَ فنزَلَ الشِّعْبَ فبَالَ ثُمَّ تَوَضَّأ ولَمْ يُسْبِغ الوُضُوءَ فَقُلْتُ لَهُ الصَّلَاةُ فَقَالَ الصَّلَاةُ أمامَكَ فجَاءَ المُزْدَلِفَةَ فَتَوَضَّأ فأسْبَغَ ثُمَّ أقيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلى المَغْرِبَ ثُمَّ أنَاخَ كُلُّ إنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلاةُ فصَلَّى ولَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فجَاء الْمزْدَلِفَة) إِلَى آخِره، وَقد مر هَذَا الحَدِيث فِي كتاب الْوضُوء فِي: بَاب إسباغ الْوضُوء، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عبد الله بن مسلمة عَن مَالك، وَهَهُنَا أخرجه: عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك، والتفاوت فِي الْإِسْنَاد فِي شيخيه
فَقَط، وَفِي المتنين شَيْء يسير، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى.
قَوْله: (عَن كريب عَن أُسَامَة) قَالَ ابْن عبد الْبر: رَوَاهُ أَصْحَاب مَالك عَنهُ هَكَذَا إلَاّ أَشهب وَابْن الْمَاجشون فَإِنَّهُمَا أدخلا بَين كريب وَأُسَامَة عبد الله بن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أخرجه النَّسَائِيّ. قَوْله: (وَلم يسبغ الْوضُوء) ، قَالَ ابْن عبد الْبر: أَي: استنجى بِهِ وَأطلق عَلَيْهِ اسْم الْوضُوء اللّغَوِيّ لِأَنَّهُ من الْوَضَاءَة وَهِي النَّظَافَة، وَمعنى الإسباغ الْإِكْمَال أَي: لم يكمل وضوءه فيتوضأ للصَّلَاة، قَالَ: وَقد قيل: إِن معنى قَوْله: (لم يسبغ الْوضُوء) أَي: لم يتَوَضَّأ فِي جَمِيع أَعْضَاء الْوضُوء، بل اقْتصر على بَعْضهَا. وَقيل: إِنَّه تَوَضَّأ وضوأ خَفِيفا، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: اخْتلف الشُّرَّاح فِي قَوْله: (وَلم يسبغ الْوضُوء) ، هَل المُرَاد بِهِ: اقْتصر على بعض الْأَعْضَاء فَيكون وضوأ لغويا؟ وَاقْتصر على بعض الْعدَد فَيكون وضوأ شَرْعِيًّا؟ قَالَ: وَكِلَاهُمَا مُحْتَمل، لَكِن يعضد من قَالَ بِالثَّانِي قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: (وضُوءًا خَفِيفا) لِأَنَّهُ لَا يُقَال فِي النَّاقِص: خَفِيف فَإِن قلت: قَول أُسَامَة للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: الصَّلَاة، يدل على أَنه رَآهُ أَنه تَوَضَّأ وضوء الصَّلَاة. قلت: يحْتَمل أَن يكون مُرَاده: أَتُرِيدُ الصَّلَاة؟ فلِمَ لَم تتوضأ وضوء الصَّلَاة؟ وَقَالَ الْخطابِيّ: إِنَّمَا ترك إسباغه حِين نزل الشّعب ليَكُون مستصحبا للطَّهَارَة فِي طَرِيقه، وَتجوز فِيهِ، لِأَنَّهُ لم يرد أَن يُصَلِّي بِهِ، فَلَمَّا نزل وَأَرَادَهَا أسبغه فَإِن قلت: هَذَا يدل على أَنه تَوَضَّأ وضوء الصَّلَاة وَلكنه خفف، ثمَّ لما نزل تَوَضَّأ وضُوءًا آخر وأسبغه، وَالْوُضُوء لَا يشرع مرَّتَيْنِ لصَلَاة وَاحِدَة، قَالَه ابْن عبد الْبر، رَحمَه الله تَعَالَى قلت: لَا نسلم عدم مَشْرُوعِيَّة تكْرَار الْوضُوء لصَلَاة وَاحِدَة، وَلَئِن سلمنَا فَيحْتَمل أَنه تَوَضَّأ ثَانِيًا عَن حدث طَار، وَالله أعلم.
٦٩ - (بابُ منْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا ولَمْ يَتَطَوَّعْ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من جمع بَين الصَّلَاتَيْنِ أَي: الْمغرب وَالْعشَاء، وَلم يتَطَوَّع، أَي: لم يصل تَطَوّعا بَين الصَّلَاتَيْنِ المذكورتين.
٣٧٦١ - حدَّثنا آدَمُ قَالَ حدَّثنا ابنُ أبي ذِئْبٍ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ سَالِمِ بنِ عَبْدِ الله عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ جمَعَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشَاءِ بِجَمْعٍ كُلُّ واحِدَةٍ مِنْهُمَا بِإقَامَةٍ ولَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا ولَا عَلَى أثَرِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة صَرِيحًا من مَتنه، وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وآدَم هُوَ ابْن أبي إِيَاس، وَاسم أبي إِيَاس: عبد الرَّحْمَن، أَصله من خُرَاسَان سكن عسقلان، وَابْن أبي ذِئْب، بِكَسْر الذَّال الْمُعْجَمَة: وَهُوَ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ذِئْب، وَاسم أبي ذِئْب: هِشَام الْمدنِي، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الْمدنِي.
قَوْله: (بِجمع) ، بِفَتْح الْجِيم: وَهُوَ الْمزْدَلِفَة، وَقد فسرناه غير مرّة. قَوْله: (وَلم يسبح بَينهمَا) أَي: لم يتَطَوَّع بَين الْمغرب وَالْعشَاء. قَوْله: (وَلَا على إِثْر) ، بِكَسْر الْهمزَة بِمَعْنى: الْأَثر، بِفتْحَتَيْنِ، أَي: عَقِيبه.
والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا فِي الْحَج عَن أَحْمد بن حَنْبَل وَعَن عُثْمَان بن أبي شيبَة وَعَن مخلد بن خَالِد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَمْرو بن عَليّ، وَفِي الصَّلَاة عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن وَكِيع.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: الْجمع بَين الْمغرب وَالْعشَاء فِي الْمزْدَلِفَة، وَهَذَا لَا خلاف فِيهِ، وَلَكِن الْخلاف فِيهِ: هَل هُوَ للنسك أَو لمُطلق السّفر، أَو للسَّفر الطَّوِيل، فَمن قَالَ: للنسك، قَالَ: يجمع أهل مَكَّة وَمنى وعرفة والمزدلفة، وَمن قَالَ: لمُطلق السّفر، قَالَ: يجمعُونَ سوى أهل الْمزْدَلِفَة، وَمن قَالَ للسَّفر الطَّوِيل، قَالَ: يتم أهل مَكَّة وَمنى وعرفة والمزدلفة وَجَمِيع من كَانَ بَينه وَبَينهَا دون مَسَافَة الْقصر، وَيقصر من طَال سَفَره. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: وَالْعَمَل على هَذَا الحَدِيث عِنْد أهل الْعلم أَنه لَا يُصَلِّي الْمغرب دون جمع. وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين، رَحمَه الله تَعَالَى: كَأَنَّهُ أَرَادَ الْعَمَل عَلَيْهِ مَشْرُوعِيَّة واستحبابا لَا تحتما وَلَا لُزُوما، فَإِنَّهُم لم يتفقوا على ذَلِك، بل اخْتلفُوا فِيهِ. فَقَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ: لَا يُصَلِّيهمَا حَتَّى يَأْتِي جمعا وَله السعَة فِي ذَلِك إِلَى نصف اللَّيْل، فَإِن صلاهما دون جمع أعَاد، وَكَذَا قَالَ أَبُو حنيفَة: إِن صلاهما قبل أَن يَأْتِي الْمزْدَلِفَة فَعَلَيهِ الْإِعَادَة، وَسَوَاء صلاهما قبل مغيب الشَّفق أَو بعده، فَعَلَيهِ أَن يعيدهما إِذا أَتَى الْمزْدَلِفَة. وَقَالَ مَالك: لَا يُصليهَا أحد قبل جمع إلَاّ من عذر، فَإِن صلاهما من عذر لم يجمع بَينهمَا حَتَّى يغيب الشَّفق، وَذهب الشَّافِعِي إِلَى أَن هَذَا هُوَ الْأَفْضَل، وَأَنه إِن جمع بَينهمَا فِي وَقت الْمغرب أَو فِي وَقت الْعشَاء، بِأَرْض عَرَفَات أَو غَيرهَا أَو صلى كل
صَلَاة فِي وَقتهَا جَازَ ذَلِك، وَبِه قَالَ الْأَوْزَاعِيّ وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَأَبُو ثَوْر، وَأَبُو يُوسُف وَأَشْهَب، وَحَكَاهُ النَّوَوِيّ عَن أَصْحَاب الحَدِيث، وَبِه قَالَ من التَّابِعين: عَطاء وَعُرْوَة وَسَالم وَالقَاسِم وَسَعِيد بن جُبَير. وَفِيه: أَن الْإِقَامَة لكل وَاحِدَة من الْمغرب وَالْعشَاء.
وَفِيه: للْعُلَمَاء سِتَّة أَقْوَال: أَحدهَا: أَنه يُقيم لكل مِنْهُمَا وَلَا يُؤذن لوَاحِدَة مِنْهُمَا، وَهُوَ قَول الْقَاسِم وَمُحَمّد وَسَالم وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَات عَن ابْن عمر، وَبِه قَالَ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَأحمد بن حَنْبَل فِي أحد الْقَوْلَيْنِ عَنهُ. وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَأَصْحَابه فِيمَا حَكَاهُ الْخطابِيّ وَالْبَغوِيّ وَغير وَاحِد، وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي (شرح مُسلم) : الصَّحِيح عِنْد أَصْحَابنَا أَنه يُصَلِّيهمَا بِأَذَان للأولى وَإِقَامَتَيْنِ لكل وَاحِدَة إِقَامَة. وَقَالَ فِي الْإِيضَاح إِنَّه الْأَصَح. الثَّانِي: أَن يُصَلِّيهمَا بِإِقَامَة وَاحِدَة للأولى وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَات عَن ابْن عمر، وَهُوَ قَول سُفْيَان الثَّوْريّ فِيمَا حَكَاهُ التِّرْمِذِيّ والخطابي وَابْن عبد الْبر وَغَيرهم. الثَّالِث: أَنه يُؤذن للأولى وَيُقِيم لكل وَاحِدَة مِنْهُمَا، وَهُوَ قَول أَحْمد بن حَنْبَل فِي أصح قوليه، وَبِه قَالَ أَبُو ثَوْر وَعبد الْملك بن الْمَاجشون من الْمَالِكِيَّة، والطَّحَاوِي، وَقَالَ الْخطابِيّ هُوَ قَول أهل الرَّأْي، وَذكر ابْن عبد الْبر أَن الْجوزجَاني حَكَاهُ عَن مُحَمَّد بن الْحسن عَن أبي يُوسُف عَن أبي حنيفَة. الرَّابِع: أَنه يُؤذن للأولى وَيُقِيم لَهَا وَلَا يُؤذن للثَّانِيَة وَلَا يُقيم لَهَا، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف، حَكَاهُ النَّوَوِيّ وَغَيره. قلت: هَذَا هُوَ مَذْهَب أَصْحَابنَا، وَعند زفر: بِأَذَان وَإِقَامَتَيْنِ. الْخَامِس: أَنه يُؤذن لكل مِنْهُمَا وَيُقِيم، وَبِه قَالَ عمر بن الْخطاب وَعبد الله بن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَهُوَ قَول مَالك وَأَصْحَابه إلَاّ ابْن الْمَاجشون، وَلَيْسَ لَهُم فِي ذَلِك حَدِيث مَرْفُوع، قَالَه ابْن عبد الْبر. السَّادِس: أَنه لَا يُؤذن لوَاحِدَة مِنْهُمَا وَلَا يُقيم، حَكَاهُ الْمُحب الطَّبَرِيّ عَن بعض السّلف، وَهَذَا كُله فِي جمع التَّأْخِير.
أما جمع التَّقْدِيم كالظهر وَالْعصر بنمرة فَفِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَنه يُؤذن للأولى وَيُقِيم لَهَا وَلَا يُقيم لكل مِنْهُمَا، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَجُمْهُور أَصْحَابه. وَالثَّانِي: أَنه يُؤذن للأولى وَيُقِيم لَهَا وَلَا يُقيم للثَّانِيَة، وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة. وَالثَّالِث: أَنه يُؤذن لكل مِنْهُمَا وَيُقِيم، وَهُوَ وَجه حَكَاهُ الرَّافِعِيّ عَن ابْن كج عَن أبي الْحُسَيْن الْقطَّان أَنه أخرجه وَجها. فَإِن قلت: مَا الأَصْل فِي هَذِه الْأَقْوَال؟ قلت: الَّذِي قَالَ بِأَذَان وَاحِد وَإِقَامَتَيْنِ، قَالَ بِرِوَايَة جَابر، وَالَّذِي قَالَ بِلَا أَذَان وَلَا إِقَامَة قَالَ بِحَدِيث أبي أَيُّوب وَابْن عمر، فَإِنَّهُ لَيْسَ فيهمَا أَذَان وَلَا إِقَامَة، وَكَذَا رَوَاهُ طلق بن حبيب وَابْن سِيرِين وَنَافِع عَن ابْن عمر من فعله، وَالَّذِي قَالَ بِإِقَامَة وَاحِدَة قَالَ بِحَدِيث الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن ابْن عمر: (أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، جمع بَين الْمغرب وَالْعشَاء بِجمع بِإِقَامَة وَاحِدَة) ، وَكَذَا رَوَاهُ ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا عِنْد مُسلم، وَالَّذِي قَالَ بِإِقَامَة للمغرب وَإِقَامَة للعشاء بِحَدِيث أُمَامَة وَكَذَا فعله عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَهَذِهِ الْأَحَادِيث الَّتِي رويت كلهَا مُسندَة، قَالَه ابْن حزم، وَقَالَ: وَأَشد الِاضْطِرَاب فِي ذَلِك عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنهُ من عمله الْجمع بَينهمَا بِلَا أَذَان وَلَا إِقَامَة، وَرُوِيَ عَنهُ أَيْضا إِقَامَة وَاحِدَة، وَرُوِيَ عَنهُ مَوْقُوفا بِأَذَان وَاحِد وَإِقَامَة وَاحِدَة.، وَرُوِيَ عَنهُ مُسْندًا الْجمع بَينهمَا بإقامتين، وروى عَنهُ مُسْندًا بِأَذَان وَاحِد وَإِقَامَة وَاحِدَة. قَالَ: وَهنا قَول سادس وَلم نجده مرويا عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهُوَ مَا روينَاهُ عَن ابْن مَسْعُود أَنه: صلى الْمغرب بِالْمُزْدَلِفَةِ كل وَاحِد مِنْهُمَا بِأَذَان وَإِقَامَة. قلت: هَذَا رَوَاهُ البُخَارِيّ عَن ابْن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا على مَا يَأْتِي، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
وَفِيه: أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يتَنَفَّل بَين الْمغرب وَالْعشَاء حِين جمع بَينهمَا بِالْمُزْدَلِفَةِ وَلَا عقيب كل وَاحِدَة مِنْهُمَا، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لما لم يكن بَين الْمغرب وَالْعشَاء مهلة لم يتَنَفَّل صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَينهمَا، بِخِلَاف الْعشَاء فَإِنَّهُ يحْتَمل أَن يكون المُرَاد أَنه لم يتَنَفَّل عقيبها، لكنه تنفل بعد ذَلِك فِي أثْنَاء اللَّيْل، وَنقل ابْن الْمُنْذر الْإِجْمَاع على ترك التَّطَوُّع بَين الصَّلَاتَيْنِ بِالْمُزْدَلِفَةِ، وَمن تنفل بَينهمَا لم يَصح أَنه جمع بَينهمَا.
٤٧٦١ - حدَّثنا خالِدُ بنُ مَخْلَدٍ قَالَ حدَّثنا سُلَيْمانُ بنُ بِلالٍ قَالَ حدَّثنا يَحْيى بنُ سعِيدٍ قَالَ أَخْبرنِي عَدِيُّ بنُ ثَابِتٍ قَالَ حدَّثني عَبْدُ الله بنُ يَزِيدُ الخَطْمِيُّ قَالَ حدَّثني أبُو أيُّوبَ الأنْصَارِيُّ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جمعَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ المَغْرِبَ والْعِشَاءَ بِالمُزْدَلِفةِ.
(الحَدِيث ٤٧٦١ طرفه فِي: ٤١٤٤) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: خَالِد بن مخلد، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة: البَجلِيّ أَبُو الْهَيْثَم وَيُقَال: أَبُو مُحَمَّد، وَقد مر فِي أول كتاب الْعلم. الثَّانِي: سُلَيْمَان بن بِلَال أَبُو أَيُّوب الْقرشِي التَّيْمِيّ. الثَّالِث: يحيى بن سعيد
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٩٥ - بَاب الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِالْمُزْدَلِفَةِ
١٦٧٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ عَرَفَةَ، فَنَزَلَ الشِّعْبَ، فَبَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ، وَلَمْ يُسْبِغْ الْوُضُوءَ، فَقُلْتُ لَهُ: الصَّلَاةُ. فَقَالَ: الصَّلَاةُ أَمَامَكَ، فَجَاءَ الْمُزْدَلِفَةَ فَتَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَصَلَّى وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا.
قَوْلُهُ: (بَابُ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِالْمُزْدَلِفَةِ) أَيِ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أُسَامَةَ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى قَبْلَ بَابٍ.
قَوْلُهُ (عَنْ كُرَيْبٍ، عَنْ أُسَامَةَ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: رَوَاهُ أَصْحَابُ مَالِكٍ عَنْهُ هَكَذَا إِلَّا أَشْهَبَ وَابْنَ الْمَاجِشُونَ فَإِنَّهُمَا أَدْخَلَا بَيْنَ كُرَيْبٍ، وَأُسَامَةَ، عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ.
٩٦ - بَاب مَنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا وَلَمْ يَتَطَوَّعْ
١٦٧٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ، كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِإِقَامَةٍ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا، وَلَا عَلَى إِثْرِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا.
١٦٧٤ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْخَطْمِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو أَيُّوبَ الأَنْصَارِيُّ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَمَعَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِالْمُزْدَلِفَةِ"
[الحديث ١٦٧٤ - طرفه في: ٤٤١٤]
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَتَطَوَّعْ) أَيْ لَمْ يَتَنَفَّلْ بَيْنَهُمَا.
قَوْلُهُ: (جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ.
قَوْلُهُ: (بِجَمْعٍ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمِيمِ أَيِ الْمُزْدَلِفَةِ وَسُمِّيَتْ جَمْعًا لِأَنَّ آدَمَ اجْتَمَعَ فِيهَا مَعَ حَوَّاءَ وَازْدَلَفَ إِلَيْهَا أَيْ دَنَا مِنْهَا، وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهَا سُمِّيَتْ جَمْعًا لِأَنَّهَا يُجْمَعُ فِيهَا بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ وَقِيلَ وُصِفَتْ بِفِعْلِ أَهْلِهَا لِأَنَّهُمْ يَجْتَمِعُونَ بِهَا وَيَزْدَلِفُونَ إِلَى اللَّهِ أَيْ يَتَقَرَّبُونَ إِلَيْهِ بِالْوُقُوفِ فِيهَا وَسُمِّيَتِ الْمُزْدَلِفَةَ إِمَّا لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ بِهَا أَوْ لِاقْتِرَابِهِمْ إِلَى مِنًى أَوْ لِازْدِلَافِ النَّاسِ مِنْهَا جَمِيعًا أَوْ لِلنُّزُولِ بِهَا فِي كُلِّ زُلْفَةٍ مِنَ اللَّيْلِ أَوْ لِأَنَّهَا مَنْزِلَةٌ وَقُرْبَةٌ إِلَى اللَّهِ أَوْ لِازْدِلَافِ آدَمَ إِلَى حَوَّاءَ بِهَا.
قَوْلُهُ: (بِإِقَامَةٍ) لَمْ يَذْكُرِ الْأَذَانَ وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ بَعْدَ بَابٍ.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا) أَيْ لَمْ يَتَنَفَّلْ وَقَوْلُهُ: (وَلَا عَلَى إِثْرِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا) أَيْ عَقِبِهَا وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّهُ تَرَكَ التَّنَفُّلَ عَقِبَ الْمَغْرِبِ وَعَقِبَ الْعِشَاءِ وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ مُهْلَةٌ صَرَّحَ بِأَنَّهُ لَمْ يَتَنَفَّلْ بَيْنَهُمَا بِخِلَافِ الْعِشَاءِ فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَمْ يَتَنَفَّلْ عَقِبَهَا لَكِنَّهُ تَنَفَّلَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي أَثْنَاءِ اللَّيْلِ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْفُقَهَاءُ تُؤَخَّرُ سُنَّةُ الْعِشَاءَيْنِ عَنْهُمَا، وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ الْإِجْمَاعَ عَلَى تَرْكِ التَّطَوُّعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
«وصوتًا» علامة السُّقوط لأبي الوقت، ثمَّ كتب على (١) «بينهما»: «إلى» (٢)، ذكر: «خلالكم» استطرادًا لبقيَّة الآية (٣)، ثمَّ الآية الأخرى بسورة «الكهف» تكثيرًا لفرائد الفوائد اللُّغويَّة (٤) ﵀ وأثابه، وهذا الحديث من أفراد المؤلِّف، والله أعلم (٥).
(٩٥) (بابُ) استحباب (الجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ) المغرب والعشاء في وقت الثَّانية (بِالمُزْدَلِفَةِ) قيَّده الدَّارميُّ والبندنيجيُّ (٦) والقاضي أبو الطَّيِّب وابن الصَّبَّاغ والطَّبريُّ والعمرانيُّ بما إذا لم يَخْشَ فوت وقت الاختيار للعشاء، فإن خشيه صلَّى بهم في الطَّريق، ونقله القاضي أبو الطَّيِّب وغيره عن النَّصِّ (٧)، قال في «شرح المُهذَّب»: ولعلَّ إطلاق الأكثرين محمولٌ على هذا.
١٦٧٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ) بضمِّ العين وسكون القاف المدنيِّ (عَنْ كُرَيْبٍ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄: أَنَّهُ سَمِعَهُ) حال كونه (يَقُولُ: دَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ عَرَفَةَ) أي: رجع من وقوف عرفة بعرفاتٍ لأنَّ «عرفة» اسمٌ لليوم، و «عرفات» -بلفظ الجمع- اسمٌ للموضع، وحينئذٍ فيكون المضاف إليه محذوفًا، لكن على مذهب من يقول: إنَّ «عرفة» اسمٌ للمكان أيضًا لا حاجة
إلى التَّقدير (فَنَزَلَ الشِّعْبَ) الأيسر الذي (١) دون المزدلفة (فَبَالَ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «بال» بإسقاط الفاء (ثُمَّ تَوَضَّأَ) وضوءًا شرعيًّا أو استنجى، وأطلق عليه اسم الوضوء اللُّغويِّ لأنَّه من الوضاءة وهي النَّظافة (وَلَمْ يُسْبِغِ الوُضُوءَ) أي: خفَّفه، أو لم يتوضَّأ في جميع (٢) أعضاء الوضوء، بل اقتصر على بعضها فيكون لغويًّا، أو على بعض العدد فيكون شرعيًّا، ويؤيِّد هذا قوله في روايةٍ [خ¦١٦٦٩]: «وضوءًا خفيفًا» لأنَّه لا يُقال في النَّاقص: خفيفٌ، قال أسامة: (فَقُلْتُ لَهُ) ﵊: حضرت (الصَّلَاةَُ) أو نُصِب بفعلٍ مُقدَّرٍ (فَقَالَ) ﵊: (الصَّلَاةُ أَمَامَكَ) مبتدأٌ وخبرٌ، أي: موضع هذه الصَّلاة قدَّامك؛ وهو المزدلفة، فهو من باب ذكر الحال وإرادة المحلِّ، أو التَّقدير: وقت الصَّلاة قدَّامك، فالمضاف فيه محذوفٌ؛ إذ الصَّلاة نفسها لا توجد قبل إيجادها، وعند إيجادها لا تكون أمامه، قال الحنفيَّة: فيكون المراد: وقتها، فيجب تأخيرها، وهو مذهب أبي حنيفة ومحمَّدٍ، فلو صلَّى المغرب في الطَّريق لم يجز، وعليه إعادتها ما لم يطلع الفجر، وقال المالكيَّة: يُندَب الجمع بينهما، وظاهره: أنَّه لو صلَّاهما قبل إتيانه إليها أجزأه لأنَّه جعل ذلك مندوبًا، والذي في «المُدوَّنة»: أنَّه يعيدهما إلَّا أنها عند ابن القاسم على سبيل الاستحباب، وقال ابن حبيبٍ: يعيدهما أبدًا، وقال الشَّافعيَّة: لو جمع بينهما في وقت المغرب في أرض عرفاتٍ، أو في الطَّريق (٣)، أو صلَّى كلَّ صلاةٍ في وقتها جاز وإن خالف الأفضل، وفي الحديث: تخصيصٌ لعموم الأوقات المُؤقَّتة للصَّلوات الخمس ببيان فعله ﵊.
(فَجَاءَ المُزْدَلِفَةَ، فَتَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ) أي: الوضوءَ، فحذف المفعول، قال الخطَّابيُّ: إنَّما ترك إسباغه حين نزل الشِّعب ليكون مستصحبًا للطَّهارة في طريقه، وتجوَّز فيه لأنَّه لم يُرِدْ أن يصلِّي فيه (٤)، فلمَّا نزل المزدلفة وأرادها أسبغه، ويحتمل أن يكون تجديدًا وأن يكون عن حدثٍ
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
الثَّانِي: إِبْرَاهِيم بن سُوَيْد، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْوَاو وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف: ابْن حَيَّان، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالنون. الثَّالِث: عَمْرو بن أبي عَمْرو بِالْوَاو فيهمَا، وَاسم أبي عَمْرو: ميسرَة ضد الميمنة قد مر فِي كتاب الْعلم فِي: بَاب الْحِرْص. الرَّابِع: سعيد بن جُبَير، بِضَم الْجِيم وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره رَاء، مولى والبة، بِكَسْر اللَّام وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة الْخَفِيفَة: بطن من بني أَسد، قَتله الْحجَّاج فِي سنة خمس وَتِسْعين. الْخَامِس: عبد الله بن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن شَيْخه بَصرِي وَإِبْرَاهِيم وَعَمْرو مدنيان وَسَعِيد كُوفِي وَتكلم فِي إِبْرَاهِيم فَقَالَ ابْن حبَان: فِي حَدِيثه مَنَاكِير وَلَكِن عِنْد البُخَارِيّ ثِقَة، وَقد تَابعه فِي هَذَا الحَدِيث سُلَيْمَان بن بِلَال عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ، وَعَمْرو مولى الْمطلب بن عبد الله بن حنْطَب بن الْحَارِث بن عبيد بن عمر بن مَخْزُوم.
وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاد البُخَارِيّ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (دفع مَعَ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) أَي: انْصَرف مَعَه من عَرَفَة يَوْم عَرَفَة. قَوْله: (زجرا) ، بِفَتْح الزَّاي وَسُكُون الْجِيم وَفِي آخِره رَاء: وَهُوَ الصياح لحث الْإِبِل. قَوْله: (وَضَربا) وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة: (وصوتا) ، أَيْضا بعد: ضربا، وَكَأَنَّهُ تَصْحِيف من: ضربا، فعطف: صَوتا، عَلَيْهِ. قَوْله: (عَلَيْكُم بِالسَّكِينَةِ) إغراء أَي: لازموا السكينَة فِي السّير، يَعْنِي الرِّفْق وَعدم الْمُزَاحمَة، وَعلل ذَلِك بقوله: (فَإِن الْبر) أَي: الْخَيْر (لَيْسَ بِالْإِيضَاعِ) أَي: السّير السَّرِيع من أوضع: إِذا سَار سيرا عنيفا وَيُقَال: هُوَ سير مثل الخبب. وَقَالَ الْمُهلب: إِنَّمَا نَهَاهُم عَن الْإِسْرَاع إبْقَاء علهيم لِئَلَّا يجحفوا بِأَنْفسِهِم مَعَ بعد الْمسَافَة.
أوْضَعُوا أسْرَعُوا خِلَالَكُمْ مِنَ التَّخَلُّلِ بَيْنَكُمْ وفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا بَيْنَهُمَا
هُوَ من كَلَام البُخَارِيّ أَشَارَ بِهِ إِلَى تَفْسِير الإيضاع فِي الحَدِيث لِأَنَّهُ مصدر من أوضع يوضع إضاعا إِذا أسْرع فِي السّير، وَلما كَانَت لَفْظَة: أوضعوا، مَذْكُورَة فِي الْقُرْآن فِي سُورَة بَرَاءَة، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: {لَو خَرجُوا فِيكُم مَا زادوكم إلَاّ خبالاً ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الْفِتْنَة} (التَّوْبَة: ٧٤) . الْآيَة، وَالْمعْنَى: مَا زادوكم إلَاّ شَيْئا خبالاً، والخبال: الشَّرّ وَالْفساد، ولأوضعوا خلالكم ولسعوا بَيْنكُم بالتضريب وَهُوَ الإغراء بَين الْقَوْم وإفساد ذَات الْبَيْت، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَالْمعْنَى: ولأوضعوا أَي: أَسْرعُوا ركائبهم لِأَن الرَّاكِب أسْرع من الْمَاشِي، وَقَرَأَ ابْن الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: ولأرقصوا من: رقصت النَّاقة رقصا إِذا أسرعت، وأرقصتها أَنا، وقرىء: ولأوفضوا.
١٧٦١ - حدَّثنا سعِيدُ بنُ أبِي مَرْيَمَ قَالَ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ سُوَيْدٍ قَالَ حدَّثني عَمْرُو بنُ أبِي عَمْرٍ ومَولَى المُطَّلِبِ قَالَ أَخْبرنِي سَعيدُ بنُ جُبَيْرٍ مَولى وَالِبَةَ الكُوفِيُّ قَالَ حدَّثني ابنُ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّهُ دفَعَ مَعَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْمَ عَرَفةَ فسَمِعَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ورَاءَهُ زَجْرا شَدِيدا وضَرْبا وصَوْتا لِلإبِلِ فأشَارَ بِسَوْطِهِ إلَيْهِمْ وَقَالَ أيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُم بالسَّكِينَةِ فإنَّ البِرَّ لَيْسَ بالإيضَاعِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وللترجمة جزآن: أَحدهمَا: أمره، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِالسَّكِينَةِ فيطابقه قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (يَا أَيهَا النَّاس عَلَيْكُم بِالسَّكِينَةِ) ، وَالْآخر: إِشَارَته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَيْهِم بِالسَّوْطِ، فيطابقه قَوْله: (فَأَشَارَ إِلَيْهِم بِسَوْطِهِ) .
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: سعيد بن أبي مَرْيَم، وَهُوَ سعيد بن مُحَمَّد بن الحكم بن أبي مَرْيَم الجُمَحِي مَوْلَاهُم أَبُو مُحَمَّد، وَقد مر. الثَّانِي: إِبْرَاهِيم بن سُوَيْد، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْوَاو وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف: ابْن حَيَّان، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالنون. الثَّالِث: عَمْرو بن أبي عَمْرو بِالْوَاو فيهمَا، وَاسم أبي عَمْرو: ميسرَة ضد الميمنة قد مر فِي كتاب الْعلم فِي: بَاب الْحِرْص. الرَّابِع: سعيد بن جُبَير، بِضَم الْجِيم وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره رَاء، مولى والبة، بِكَسْر اللَّام وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة الْخَفِيفَة: بطن من بني أَسد، قَتله الْحجَّاج فِي سنة خمس وَتِسْعين. الْخَامِس: عبد الله بن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن شَيْخه بَصرِي وَإِبْرَاهِيم وَعَمْرو مدنيان وَسَعِيد كُوفِي وَتكلم فِي إِبْرَاهِيم فَقَالَ ابْن حبَان: فِي حَدِيثه مَنَاكِير وَلَكِن عِنْد البُخَارِيّ ثِقَة، وَقد تَابعه فِي هَذَا الحَدِيث سُلَيْمَان بن بِلَال عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ، وَعَمْرو مولى الْمطلب بن عبد الله بن حنْطَب بن الْحَارِث بن عبيد بن عمر بن مَخْزُوم.
وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاد البُخَارِيّ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (دفع مَعَ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) أَي: انْصَرف مَعَه من عَرَفَة يَوْم عَرَفَة. قَوْله: (زجرا) ، بِفَتْح الزَّاي وَسُكُون الْجِيم وَفِي آخِره رَاء: وَهُوَ الصياح لحث الْإِبِل. قَوْله: (وَضَربا) وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة: (وصوتا) ، أَيْضا بعد: ضربا، وَكَأَنَّهُ تَصْحِيف من: ضربا، فعطف: صَوتا، عَلَيْهِ. قَوْله: (عَلَيْكُم بِالسَّكِينَةِ) إغراء أَي: لازموا السكينَة فِي السّير، يَعْنِي الرِّفْق وَعدم الْمُزَاحمَة، وَعلل ذَلِك بقوله: (فَإِن الْبر) أَي: الْخَيْر (لَيْسَ بِالْإِيضَاعِ) أَي: السّير السَّرِيع من أوضع: إِذا سَار سيرا عنيفا وَيُقَال: هُوَ سير مثل الخبب. وَقَالَ الْمُهلب: إِنَّمَا نَهَاهُم عَن الْإِسْرَاع إبْقَاء علهيم لِئَلَّا يجحفوا بِأَنْفسِهِم مَعَ بعد الْمسَافَة.
أوْضَعُوا أسْرَعُوا خِلَالَكُمْ مِنَ التَّخَلُّلِ بَيْنَكُمْ وفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا بَيْنَهُمَا
هُوَ من كَلَام البُخَارِيّ أَشَارَ بِهِ إِلَى تَفْسِير الإيضاع فِي الحَدِيث لِأَنَّهُ مصدر من أوضع يوضع إضاعا إِذا أسْرع فِي السّير، وَلما كَانَت لَفْظَة: أوضعوا، مَذْكُورَة فِي الْقُرْآن فِي سُورَة بَرَاءَة، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: {لَو خَرجُوا فِيكُم مَا زادوكم إلَاّ خبالاً ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الْفِتْنَة} (التَّوْبَة: ٧٤) . الْآيَة، وَالْمعْنَى: مَا زادوكم إلَاّ شَيْئا خبالاً، والخبال: الشَّرّ وَالْفساد، ولأوضعوا خلالكم ولسعوا بَيْنكُم بالتضريب وَهُوَ الإغراء بَين الْقَوْم وإفساد ذَات الْبَيْت، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَالْمعْنَى: ولأوضعوا أَي: أَسْرعُوا ركائبهم لِأَن الرَّاكِب أسْرع من الْمَاشِي، وَقَرَأَ ابْن الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: ولأرقصوا من: رقصت النَّاقة رقصا إِذا أسرعت، وأرقصتها أَنا، وقرىء: ولأوفضوا.
٥٩ - (بابُ الجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بالمُزْدَلِفَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْجمع بَين الْمغرب وَالْعشَاء فِي الْمزْدَلِفَة.
٢٧٦١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عَن مُوسى بنِ عُقْبَةَ عنْ كُرَيْبٍ عنْ أُسَامةَ بنِ زَيْدٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُمَا أنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ دفَعَ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنْ عَرَفَةَ فنزَلَ الشِّعْبَ فبَالَ ثُمَّ تَوَضَّأ ولَمْ يُسْبِغ الوُضُوءَ فَقُلْتُ لَهُ الصَّلَاةُ فَقَالَ الصَّلَاةُ أمامَكَ فجَاءَ المُزْدَلِفَةَ فَتَوَضَّأ فأسْبَغَ ثُمَّ أقيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلى المَغْرِبَ ثُمَّ أنَاخَ كُلُّ إنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلاةُ فصَلَّى ولَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فجَاء الْمزْدَلِفَة) إِلَى آخِره، وَقد مر هَذَا الحَدِيث فِي كتاب الْوضُوء فِي: بَاب إسباغ الْوضُوء، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عبد الله بن مسلمة عَن مَالك، وَهَهُنَا أخرجه: عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك، والتفاوت فِي الْإِسْنَاد فِي شيخيه
فَقَط، وَفِي المتنين شَيْء يسير، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى.
قَوْله: (عَن كريب عَن أُسَامَة) قَالَ ابْن عبد الْبر: رَوَاهُ أَصْحَاب مَالك عَنهُ هَكَذَا إلَاّ أَشهب وَابْن الْمَاجشون فَإِنَّهُمَا أدخلا بَين كريب وَأُسَامَة عبد الله بن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أخرجه النَّسَائِيّ. قَوْله: (وَلم يسبغ الْوضُوء) ، قَالَ ابْن عبد الْبر: أَي: استنجى بِهِ وَأطلق عَلَيْهِ اسْم الْوضُوء اللّغَوِيّ لِأَنَّهُ من الْوَضَاءَة وَهِي النَّظَافَة، وَمعنى الإسباغ الْإِكْمَال أَي: لم يكمل وضوءه فيتوضأ للصَّلَاة، قَالَ: وَقد قيل: إِن معنى قَوْله: (لم يسبغ الْوضُوء) أَي: لم يتَوَضَّأ فِي جَمِيع أَعْضَاء الْوضُوء، بل اقْتصر على بَعْضهَا. وَقيل: إِنَّه تَوَضَّأ وضوأ خَفِيفا، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: اخْتلف الشُّرَّاح فِي قَوْله: (وَلم يسبغ الْوضُوء) ، هَل المُرَاد بِهِ: اقْتصر على بعض الْأَعْضَاء فَيكون وضوأ لغويا؟ وَاقْتصر على بعض الْعدَد فَيكون وضوأ شَرْعِيًّا؟ قَالَ: وَكِلَاهُمَا مُحْتَمل، لَكِن يعضد من قَالَ بِالثَّانِي قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: (وضُوءًا خَفِيفا) لِأَنَّهُ لَا يُقَال فِي النَّاقِص: خَفِيف فَإِن قلت: قَول أُسَامَة للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: الصَّلَاة، يدل على أَنه رَآهُ أَنه تَوَضَّأ وضوء الصَّلَاة. قلت: يحْتَمل أَن يكون مُرَاده: أَتُرِيدُ الصَّلَاة؟ فلِمَ لَم تتوضأ وضوء الصَّلَاة؟ وَقَالَ الْخطابِيّ: إِنَّمَا ترك إسباغه حِين نزل الشّعب ليَكُون مستصحبا للطَّهَارَة فِي طَرِيقه، وَتجوز فِيهِ، لِأَنَّهُ لم يرد أَن يُصَلِّي بِهِ، فَلَمَّا نزل وَأَرَادَهَا أسبغه فَإِن قلت: هَذَا يدل على أَنه تَوَضَّأ وضوء الصَّلَاة وَلكنه خفف، ثمَّ لما نزل تَوَضَّأ وضُوءًا آخر وأسبغه، وَالْوُضُوء لَا يشرع مرَّتَيْنِ لصَلَاة وَاحِدَة، قَالَه ابْن عبد الْبر، رَحمَه الله تَعَالَى قلت: لَا نسلم عدم مَشْرُوعِيَّة تكْرَار الْوضُوء لصَلَاة وَاحِدَة، وَلَئِن سلمنَا فَيحْتَمل أَنه تَوَضَّأ ثَانِيًا عَن حدث طَار، وَالله أعلم.
٦٩ - (بابُ منْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا ولَمْ يَتَطَوَّعْ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من جمع بَين الصَّلَاتَيْنِ أَي: الْمغرب وَالْعشَاء، وَلم يتَطَوَّع، أَي: لم يصل تَطَوّعا بَين الصَّلَاتَيْنِ المذكورتين.
٣٧٦١ - حدَّثنا آدَمُ قَالَ حدَّثنا ابنُ أبي ذِئْبٍ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ سَالِمِ بنِ عَبْدِ الله عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ جمَعَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشَاءِ بِجَمْعٍ كُلُّ واحِدَةٍ مِنْهُمَا بِإقَامَةٍ ولَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا ولَا عَلَى أثَرِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة صَرِيحًا من مَتنه، وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وآدَم هُوَ ابْن أبي إِيَاس، وَاسم أبي إِيَاس: عبد الرَّحْمَن، أَصله من خُرَاسَان سكن عسقلان، وَابْن أبي ذِئْب، بِكَسْر الذَّال الْمُعْجَمَة: وَهُوَ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ذِئْب، وَاسم أبي ذِئْب: هِشَام الْمدنِي، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الْمدنِي.
قَوْله: (بِجمع) ، بِفَتْح الْجِيم: وَهُوَ الْمزْدَلِفَة، وَقد فسرناه غير مرّة. قَوْله: (وَلم يسبح بَينهمَا) أَي: لم يتَطَوَّع بَين الْمغرب وَالْعشَاء. قَوْله: (وَلَا على إِثْر) ، بِكَسْر الْهمزَة بِمَعْنى: الْأَثر، بِفتْحَتَيْنِ، أَي: عَقِيبه.
والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا فِي الْحَج عَن أَحْمد بن حَنْبَل وَعَن عُثْمَان بن أبي شيبَة وَعَن مخلد بن خَالِد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَمْرو بن عَليّ، وَفِي الصَّلَاة عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن وَكِيع.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: الْجمع بَين الْمغرب وَالْعشَاء فِي الْمزْدَلِفَة، وَهَذَا لَا خلاف فِيهِ، وَلَكِن الْخلاف فِيهِ: هَل هُوَ للنسك أَو لمُطلق السّفر، أَو للسَّفر الطَّوِيل، فَمن قَالَ: للنسك، قَالَ: يجمع أهل مَكَّة وَمنى وعرفة والمزدلفة، وَمن قَالَ: لمُطلق السّفر، قَالَ: يجمعُونَ سوى أهل الْمزْدَلِفَة، وَمن قَالَ للسَّفر الطَّوِيل، قَالَ: يتم أهل مَكَّة وَمنى وعرفة والمزدلفة وَجَمِيع من كَانَ بَينه وَبَينهَا دون مَسَافَة الْقصر، وَيقصر من طَال سَفَره. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: وَالْعَمَل على هَذَا الحَدِيث عِنْد أهل الْعلم أَنه لَا يُصَلِّي الْمغرب دون جمع. وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين، رَحمَه الله تَعَالَى: كَأَنَّهُ أَرَادَ الْعَمَل عَلَيْهِ مَشْرُوعِيَّة واستحبابا لَا تحتما وَلَا لُزُوما، فَإِنَّهُم لم يتفقوا على ذَلِك، بل اخْتلفُوا فِيهِ. فَقَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ: لَا يُصَلِّيهمَا حَتَّى يَأْتِي جمعا وَله السعَة فِي ذَلِك إِلَى نصف اللَّيْل، فَإِن صلاهما دون جمع أعَاد، وَكَذَا قَالَ أَبُو حنيفَة: إِن صلاهما قبل أَن يَأْتِي الْمزْدَلِفَة فَعَلَيهِ الْإِعَادَة، وَسَوَاء صلاهما قبل مغيب الشَّفق أَو بعده، فَعَلَيهِ أَن يعيدهما إِذا أَتَى الْمزْدَلِفَة. وَقَالَ مَالك: لَا يُصليهَا أحد قبل جمع إلَاّ من عذر، فَإِن صلاهما من عذر لم يجمع بَينهمَا حَتَّى يغيب الشَّفق، وَذهب الشَّافِعِي إِلَى أَن هَذَا هُوَ الْأَفْضَل، وَأَنه إِن جمع بَينهمَا فِي وَقت الْمغرب أَو فِي وَقت الْعشَاء، بِأَرْض عَرَفَات أَو غَيرهَا أَو صلى كل
صَلَاة فِي وَقتهَا جَازَ ذَلِك، وَبِه قَالَ الْأَوْزَاعِيّ وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَأَبُو ثَوْر، وَأَبُو يُوسُف وَأَشْهَب، وَحَكَاهُ النَّوَوِيّ عَن أَصْحَاب الحَدِيث، وَبِه قَالَ من التَّابِعين: عَطاء وَعُرْوَة وَسَالم وَالقَاسِم وَسَعِيد بن جُبَير. وَفِيه: أَن الْإِقَامَة لكل وَاحِدَة من الْمغرب وَالْعشَاء.
وَفِيه: للْعُلَمَاء سِتَّة أَقْوَال: أَحدهَا: أَنه يُقيم لكل مِنْهُمَا وَلَا يُؤذن لوَاحِدَة مِنْهُمَا، وَهُوَ قَول الْقَاسِم وَمُحَمّد وَسَالم وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَات عَن ابْن عمر، وَبِه قَالَ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَأحمد بن حَنْبَل فِي أحد الْقَوْلَيْنِ عَنهُ. وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَأَصْحَابه فِيمَا حَكَاهُ الْخطابِيّ وَالْبَغوِيّ وَغير وَاحِد، وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي (شرح مُسلم) : الصَّحِيح عِنْد أَصْحَابنَا أَنه يُصَلِّيهمَا بِأَذَان للأولى وَإِقَامَتَيْنِ لكل وَاحِدَة إِقَامَة. وَقَالَ فِي الْإِيضَاح إِنَّه الْأَصَح. الثَّانِي: أَن يُصَلِّيهمَا بِإِقَامَة وَاحِدَة للأولى وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَات عَن ابْن عمر، وَهُوَ قَول سُفْيَان الثَّوْريّ فِيمَا حَكَاهُ التِّرْمِذِيّ والخطابي وَابْن عبد الْبر وَغَيرهم. الثَّالِث: أَنه يُؤذن للأولى وَيُقِيم لكل وَاحِدَة مِنْهُمَا، وَهُوَ قَول أَحْمد بن حَنْبَل فِي أصح قوليه، وَبِه قَالَ أَبُو ثَوْر وَعبد الْملك بن الْمَاجشون من الْمَالِكِيَّة، والطَّحَاوِي، وَقَالَ الْخطابِيّ هُوَ قَول أهل الرَّأْي، وَذكر ابْن عبد الْبر أَن الْجوزجَاني حَكَاهُ عَن مُحَمَّد بن الْحسن عَن أبي يُوسُف عَن أبي حنيفَة. الرَّابِع: أَنه يُؤذن للأولى وَيُقِيم لَهَا وَلَا يُؤذن للثَّانِيَة وَلَا يُقيم لَهَا، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف، حَكَاهُ النَّوَوِيّ وَغَيره. قلت: هَذَا هُوَ مَذْهَب أَصْحَابنَا، وَعند زفر: بِأَذَان وَإِقَامَتَيْنِ. الْخَامِس: أَنه يُؤذن لكل مِنْهُمَا وَيُقِيم، وَبِه قَالَ عمر بن الْخطاب وَعبد الله بن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَهُوَ قَول مَالك وَأَصْحَابه إلَاّ ابْن الْمَاجشون، وَلَيْسَ لَهُم فِي ذَلِك حَدِيث مَرْفُوع، قَالَه ابْن عبد الْبر. السَّادِس: أَنه لَا يُؤذن لوَاحِدَة مِنْهُمَا وَلَا يُقيم، حَكَاهُ الْمُحب الطَّبَرِيّ عَن بعض السّلف، وَهَذَا كُله فِي جمع التَّأْخِير.
أما جمع التَّقْدِيم كالظهر وَالْعصر بنمرة فَفِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَنه يُؤذن للأولى وَيُقِيم لَهَا وَلَا يُقيم لكل مِنْهُمَا، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَجُمْهُور أَصْحَابه. وَالثَّانِي: أَنه يُؤذن للأولى وَيُقِيم لَهَا وَلَا يُقيم للثَّانِيَة، وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة. وَالثَّالِث: أَنه يُؤذن لكل مِنْهُمَا وَيُقِيم، وَهُوَ وَجه حَكَاهُ الرَّافِعِيّ عَن ابْن كج عَن أبي الْحُسَيْن الْقطَّان أَنه أخرجه وَجها. فَإِن قلت: مَا الأَصْل فِي هَذِه الْأَقْوَال؟ قلت: الَّذِي قَالَ بِأَذَان وَاحِد وَإِقَامَتَيْنِ، قَالَ بِرِوَايَة جَابر، وَالَّذِي قَالَ بِلَا أَذَان وَلَا إِقَامَة قَالَ بِحَدِيث أبي أَيُّوب وَابْن عمر، فَإِنَّهُ لَيْسَ فيهمَا أَذَان وَلَا إِقَامَة، وَكَذَا رَوَاهُ طلق بن حبيب وَابْن سِيرِين وَنَافِع عَن ابْن عمر من فعله، وَالَّذِي قَالَ بِإِقَامَة وَاحِدَة قَالَ بِحَدِيث الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن ابْن عمر: (أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، جمع بَين الْمغرب وَالْعشَاء بِجمع بِإِقَامَة وَاحِدَة) ، وَكَذَا رَوَاهُ ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا عِنْد مُسلم، وَالَّذِي قَالَ بِإِقَامَة للمغرب وَإِقَامَة للعشاء بِحَدِيث أُمَامَة وَكَذَا فعله عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَهَذِهِ الْأَحَادِيث الَّتِي رويت كلهَا مُسندَة، قَالَه ابْن حزم، وَقَالَ: وَأَشد الِاضْطِرَاب فِي ذَلِك عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنهُ من عمله الْجمع بَينهمَا بِلَا أَذَان وَلَا إِقَامَة، وَرُوِيَ عَنهُ أَيْضا إِقَامَة وَاحِدَة، وَرُوِيَ عَنهُ مَوْقُوفا بِأَذَان وَاحِد وَإِقَامَة وَاحِدَة.، وَرُوِيَ عَنهُ مُسْندًا الْجمع بَينهمَا بإقامتين، وروى عَنهُ مُسْندًا بِأَذَان وَاحِد وَإِقَامَة وَاحِدَة. قَالَ: وَهنا قَول سادس وَلم نجده مرويا عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهُوَ مَا روينَاهُ عَن ابْن مَسْعُود أَنه: صلى الْمغرب بِالْمُزْدَلِفَةِ كل وَاحِد مِنْهُمَا بِأَذَان وَإِقَامَة. قلت: هَذَا رَوَاهُ البُخَارِيّ عَن ابْن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا على مَا يَأْتِي، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
وَفِيه: أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يتَنَفَّل بَين الْمغرب وَالْعشَاء حِين جمع بَينهمَا بِالْمُزْدَلِفَةِ وَلَا عقيب كل وَاحِدَة مِنْهُمَا، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لما لم يكن بَين الْمغرب وَالْعشَاء مهلة لم يتَنَفَّل صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَينهمَا، بِخِلَاف الْعشَاء فَإِنَّهُ يحْتَمل أَن يكون المُرَاد أَنه لم يتَنَفَّل عقيبها، لكنه تنفل بعد ذَلِك فِي أثْنَاء اللَّيْل، وَنقل ابْن الْمُنْذر الْإِجْمَاع على ترك التَّطَوُّع بَين الصَّلَاتَيْنِ بِالْمُزْدَلِفَةِ، وَمن تنفل بَينهمَا لم يَصح أَنه جمع بَينهمَا.
٤٧٦١ - حدَّثنا خالِدُ بنُ مَخْلَدٍ قَالَ حدَّثنا سُلَيْمانُ بنُ بِلالٍ قَالَ حدَّثنا يَحْيى بنُ سعِيدٍ قَالَ أَخْبرنِي عَدِيُّ بنُ ثَابِتٍ قَالَ حدَّثني عَبْدُ الله بنُ يَزِيدُ الخَطْمِيُّ قَالَ حدَّثني أبُو أيُّوبَ الأنْصَارِيُّ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جمعَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ المَغْرِبَ والْعِشَاءَ بِالمُزْدَلِفةِ.
(الحَدِيث ٤٧٦١ طرفه فِي: ٤١٤٤) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: خَالِد بن مخلد، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة: البَجلِيّ أَبُو الْهَيْثَم وَيُقَال: أَبُو مُحَمَّد، وَقد مر فِي أول كتاب الْعلم. الثَّانِي: سُلَيْمَان بن بِلَال أَبُو أَيُّوب الْقرشِي التَّيْمِيّ. الثَّالِث: يحيى بن سعيد