الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٢٥١
الحديث رقم ٢٢٥١ من كتاب «كتاب السلم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الكفيل في السلم.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
بَابُ الرَّهْنِ فِي السَّلَمِ
٢٢٥١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ: حَدَّثَنَا يَعْلَى: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنِ الْأَسْوَدِ ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتِ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
أَيْ: نَهَى عَنْ بَيْعِ ثَمَرِ النَّخْلِ، وَاتَّفَقَتِ الرِّوَايَاتُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ عَلَى أَنَّهُ نُهِيَ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وَاخْتُلِفَ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ وَهِيَ رِوَايَةُ غُنْدَرٍ: فَعِنْدَ أَبِي ذَرٍّ، وَأَبِي الْوَقْتِ: فَقَالَ: نَهَى عُمَرُ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ الْحَدِيثَ، وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِهِمَا: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ وَاقْتَصَرَ مُسْلِمٌ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَوْلُهُ: (وَعَنْ بَيْعِ الْوَرِقِ) أَيْ: بِالذَّهَبِ نسيئة، كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ.
قَوْلُهُ: (نَسَاءً) بِفَتْحِ النُّونِ وَالْمُهْمَلَةِ وَالْمَدِّ، أَيْ: تَأْخِيرًا، تَقُولُ: نَسَأْتُ الدَّيْنَ، أَيْ: أَخَّرْتُهُ نَسَاءً، أَيْ: تَأْخِيرًا، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي اشْتِرَاطِ الْأَجَلِ فِي السَّلَمِ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ إِنْ صَحَّ، فَمَحْمُولٌ عَلَى السَّلَمِ الْحَالِّ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِهِ، أَوْ مَا قَرُبَ أَجَلُهُ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ السَّلَمِ فِي النَّخْلِ الْمُعَيَّنِ مِنَ الْبُسْتَانِ الْمُعَيَّنِ لَكِنْ بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ وَهُوَ قَوْلُ الْمَالِكِيَّةِ، وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ النَّجْرَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَا يُسْلَمُ فِي نَخْلٍ قَبْلَ أَنْ يُطْلِعَ؛ فَإِنَّ رَجُلًا أَسْلَمَ فِي حَدِيقَةِ نَخْلٍ قَبْلَ أَنْ تُطْلِعَ، فَلَمْ تُطْلِعْ ذَلِكَ الْعَامَ شَيْئًا، فَقَالَ الْمُشْتَرِي: هُوَ لِي حَتَّى تُطْلِعَ، وَقَالَ الْبَائِعُ: إِنَّمَا بِعْتُكَ هَذِهِ السَّنَةَ، فَاخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَقَالَ: ارْدُدْ عَلَيْهِ مَا أَخَذْتَ مِنْهُ، وَلَا تُسْلِمُوا فِي نَخْلٍ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ. وَهَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ ضَعْفٌ، وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ اتِّفَاقَ الْأَكْثَرِ عَلَى مَنْعِ السَّلَمِ فِي بُسْتَانٍ مُعَيَّنٍ؛ لِأَنَّهُ غَرَرٌ، وَقَدْ حَمَلَ الْأَكْثَرُ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ عَلَى السَّلَمِ الْحَالِّ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ فِي قِصَّةِ إِسْلَامِ زَيْدِ بْنِ سَعْنَةَ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا نُونٌ، أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: هَلْ لَكَ أَنْ تَبِيعنِي تَمْرًا مَعْلُومًا إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ مِنْ حَائِطِ بَنِي فُلَانٍ. قَالَ: لَا أَبِيعُكَ مِنْ حَائِطٍ مُسَمًّى، بَلْ أَبِيعُكَ أَوْسُقًا مُسَمَّاةً إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى.
٥ - باب الْكَفِيلِ فِي السَّلَمِ
٢٢٥١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَّامٍ، حَدَّثَنَا يَعْلَى، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: اشْتَرَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَعَامًا مِنْ يَهُودِيٍّ بِنَسِيئَةٍ، وَرَهَنَهُ دِرْعًا لَهُ مِنْ حَدِيدٍ.
٦ - بَاب الرَّهْنِ فِي السَّلَمِ
٢٢٥٢ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ قَالَ: تَذَاكَرْنَا عِنْدَ إِبْرَاهِيمَ الرَّهْنَ فِي السَّلَفِ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي الْأَسْوَدُ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ، وَارْتَهَنَ مِنْهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ.
قَوْلُهُ: (بَابُ الْكَفِيلِ فِي السَّلَمِ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ عَائِشَةَ: اشْتَرَى النَّبِيُّ ﷺ طَعَامًا مِنْ يَهُودِيٍّ نَسِيئَةً، وَرَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ، ثُمَّ تَرْجَمَ لَهُ بَابُ الرَّهْنِ فِي السَّلَمِ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيهِ، وَأَمَّا الْكَفِيلُ فَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: لَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا تُرْجِمَ بِهِ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ إِلْحَاقَ الْكَفِيلِ بِالرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ ثَبَتَ الرَّهْنُ بِهِ فَيَجُوزُ أَخْذُ الْكَفِيلِ فِيهِ. قُلْتُ: هَذَا الِاسْتِنْبَاطُ بِعَيْنِهِ سَبَقَ إِلَيْهِ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ رَاوِي الْحَدِيثِ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الْبُخَارِيُّ فِي التَّرْجَمَةِ، فَسَيَأْتِي فِي الرَّهْنِ عَنْ مُسَدَّدٍ عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ، عَنِ الْأَعْمَشِ قَالَ: تَذَاكَرْنَا عِنْدَ إِبْرَاهِيمَ الرَّهْنَ وَالْكَفِيلَ فِي السَّلَفِ، فَذَكَرَ إِبْرَاهِيمُ هَذَا الْحَدِيثَ فَوَضَحَ أَنَّهُ هُوَ الْمُسْتَنْبَطُ لِذَلِكَ، وَأَنَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ بِالتَّرْجَمَةِ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ عَلَى عَادَتِهِ.
وَفِي الْحَدِيثِ الرَّدُّ عَلَى مَنْ قَالَ: إِنَّ الرَّهْنَ فِي السَّلَمِ لَا يَجُوزُ، وَقَدْ أَخْرَجَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ نُمَيْرٍ، عَنِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وقدَّم «يأكل» المبنيَّ للفاعل على «يُؤكَل» المبنيِّ للمفعول في الثَّانية، وأخَّره في الأولى (١).
(٥) (بابُ الكَفِيلِ فِي السَّلَمِ).
٢٢٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) وبالإفراد لأبي ذرٍّ (٢) (مُحَمَّدُ (٣) بْنُ سَلَامٍ) وسقط «ابن سلامٍ» لغير أبي ذرٍّ، قال: (حَدَّثَنَا يَعْلَى) بفتح التَّحتيَّة واللَّام وبينهما عينٌ مهملةٌ ساكنةٌ، ابن عُبَيد الله -بالتَّصغير- الطَّنافسيُّ الحنفيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنِ الأَسْوَدِ) بن يزيد النَّخعيِّ (عَنْ عَائِشَةَ ﵂) أنَّها (قَالَتِ: اشْتَرَى رَسُولُ اللهِ ﷺ طَعَامًا) ثلاثين صاعًا من شعيرٍ، أو أربعين، أو عشرين (مِنْ يَهُودِيٍّ) هو أبو (٤) الشَّحم بالمعجمة ثمَّ المهملة (بِنَسِيئَةٍ، وَرَهَنَهُ دِرْعًا لَهُ مِنْ حَدِيدٍ) هي ذات الفضول، ودلالة الحديث على التَّرجمة من حيث إنَّه (٥) يُراد بالكفالة: الضَّمان، ولا ريب أنَّ المرهون ضامنٌ للدَّين؛ لأنَّه يُباع فيه، يُقال: أكفلته إذا ضمَّنته إيَّاه، أو يُقاس على الرَّهن بجامع كونهما وثيقةً، ولهذا (٦) كلُّ ما صحَّ (٧) الرَّهن فيه صحَّ ضمانه، وبالعكس، أو أشار إلى ما ورد في بعض طرق الحديث على عادته، ففي «الرَّهن» [خ¦٢٥٠٩] عن مُسدَّدٍ عن عبد الواحد عن الأعمش قال: تَذَاكَرْنا عند إبراهيم الرَّهنَ، والقَبيلَ في السَّلَفِ … الحديث، ففيه التَّصريح بالرَّهن والكفيل؛ لأنَّ القبيل هو الكفيل، والمراد بالسَّلم: السَّلفُ، سواءٌ كان في الذِّمَّة نقدًا أو جنسًا.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
الرَّاء وَفتح الْوَاو وَسُكُون الرَّاء: وَهُوَ الدَّرَاهِم المضروبة، أَي: نهى عَن بيع الْفضة بِالذَّهَب نسأ، أَي: بِالتَّأْخِيرِ، وَهُوَ بِفَتْح النُّون وبالمد وَالْقصر، وَمِنْه: نسأت الدّين أَي: أَخَّرته نسَاء وأنسأته إنسا، وَالنِّسَاء الإسم، فَإِن قلت: انتصاب نسَاء بِمَاذَا؟ قلت: يجوز أَن يكون على الْحَال، وَيكون نسأ بِمَعْنى منسأ على صِيغَة اسْم الْمَفْعُول. قَوْله: (بناجز) بالزاي فِي آخِره، أَي: بحاضر، يُقَال: نجز ينجز نجزا إِذا حضر وَحصل. قَوْله: (فَقَالَ) أَي: ابْن عَبَّاس نهى النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، عَن بيع ثَمَر النّخل حَتَّى يُؤْكَل مِنْهُ، أَي: حَتَّى يُؤْكَل من النّخل ثمره، أَو يَأْكُلهُ صَاحبه مِنْهُ. قَوْله: (وَحَتَّى يُوزن) أَي: حَتَّى يخرص، وَقد مر عَن قريب.
وَاسْتدلَّ بَعضهم بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور على جَوَاز السّلم فِي النّخل الْمعِين من الْبُسْتَان الْمعِين، وَلَكِن بعد بَدو صَلَاحه، وَهُوَ مَذْهَب الْمَالِكِيَّة أَيْضا وَهَذَا الِاسْتِدْلَال ضَعِيف. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: اتِّفَاق الْأَكْثَر على منع السّلم فِي بُسْتَان معِين لِأَنَّهُ غرر. قلت: وَهُوَ مَذْهَب أَصْحَابنَا الْحَنَفِيَّة أَيْضا، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ ابْن حبَان وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث عبد الله بن سَلام فِي قصَّة إِسْلَام زيد بن سعنة، بِفَتْح السِّين وَسُكُون الْعين الْمُهْمَلَتَيْنِ وَفتح النُّون، أَنه قَالَ لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: هَل لَك أَن تبيعني تَمرا مَعْلُوما إِلَى أجل مَعْلُوم من حَائِط بني فلَان؟ قَالَ: (لَا أبيعك من حَائِط مُسَمّى، بل أبيعك أوسقا مُسَمَّاة إِلَى أجل مُسَمّى) .
٠٥٢٢ - حدَّثنا محَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قَالَ حدَّثنا غُنْدَرٌ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ عَمْرو عنْ أبِي الْبَخْتَريِّ قَالَ سألْتُ ابنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما عنِ السَّلَمِ فِي النَّخْلِ فَقَالَ نَهَى النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حتَّى يَصْلُحَ ونِهىَ عنِ الوَرِقِ بالذَّهَبِ نَسَاءً بِناجِزٍ وسألْتُ ابنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ نَهَى النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عنْ بَيْعِ النَّخْلِ حتَّى يأكلَ أوْ يُؤْكَلَ وحتَّى يُوزَنَ قُلْتُ وَمَا يُوزَنُ قَالَ رجُلٌ عِنْدَهُ حَتَّى يُحْرَزَ. (انْظُر الحَدِيث ٦٨٤١ وطرفه) . (انْظُر الحَدِيث ٦٤٢٢ وطرفه) .
هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور عَن مُحَمَّد بن بشار عَن غنْدر، وَهُوَ مُحَمَّد بن جَعْفَر عَن شُعْبَة ... إِلَى آخِره، قَوْله: (فَقَالَ: نهى النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر وَأبي الْوَقْت: نهى عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَنهي عمر إِمَّا عَن السماع عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَإِمَّا عَن اجْتِهَاده.
٥ - (بابُ الكَفِيلِ فِي السَّلَمِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْكَفِيل فِي السّلم.
١٥٢٢ - حدَّثنا مُحَمَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَعْلَى قَالَ حدَّثنا الأعْمَشُ عنْ إبْراهِيمَ عنِ الأسْوَدِ عنْ عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتِ اشْتَرَى رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم طَعاما مِنْ يَهُودِيٍّ بِنَسِيئَةٍ ورَهَنَهُ دِرْعا لَهُ مِنْ حدِيدٍ. .
قيل: لَيْسَ فِي هَذَا الحَدِيث مَا ترْجم بِهِ، وَأجَاب الْكرْمَانِي بِأَنَّهُ: إِمَّا أَن يُرَاد بِالْكَفَالَةِ الضَّمَان، وَلَا شكّ أَن الْمَرْهُون ضَامِن للدّين من حَيْثُ إِنَّه يُبَاع فِيهِ. وَأما يُقَاس على الرَّهْن بِجَامِع كَونهمَا وَثِيقَة، وَلِهَذَا كل مَا صَحَّ الرَّهْن فِيهِ صَحَّ ضَمَانه. وَبِالْعَكْسِ. قلت: إِثْبَات الْمُطَابقَة بَين هَذَا الحَدِيث وَبَين التَّرْجَمَة بِهَذَا الْكَلَام، إِنَّمَا هُوَ بِالْجَرِّ الثقيل، وَمَعَ هَذَا الْجَواب الثَّانِي فِيهِ بعض قرب، وَالْأَقْرَب مِنْهُ أَن يُقَال: إِن عَادَته جرت أَن يُشِير إِلَى بعض مَا ورد فِي بعض طرق الحَدِيث، وَقد روى فِي الرَّهْن عَن مُسَدّد عَن عبد الْوَاحِد عَن الْأَعْمَش، قَالَ: تَذَاكرنَا عِنْد إِبْرَاهِيم الرَّهْن والقبيل فِي السّلف، فَذكر إِبْرَاهِيم هَذَا الحَدِيث، وَفِيه التَّصْرِيح بِالرَّهْنِ وَالْكَفِيل، لِأَن الْقَبِيل هُوَ الْكَفِيل، وَبِهَذَا يُجَاب أَيْضا عَمَّا قَالَه الْكرْمَانِي: لَيْسَ فِيهِ عقد السّلم، لِأَن السّلف هُوَ السّلم.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب شِرَاء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالنَّسِيئَةِ، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن مُعلى بن أَسد عَن عبد الْوَاحِد عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش، وَهنا أخرجه: عَن مُحَمَّد بن سَلام عَن يعلى، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَفتح اللَّام وبالقصر: ابْن عبيد بِالتَّصْغِيرِ أبي يُوسُف الطنافسي الْحَنَفِيّ الْكُوفِي، مَاتَ سنة تسع وَمِائَتَيْنِ، عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن الْأسود بن يزِيد النَّخعِيّ، وَقد مر الْبَحْث فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى.
٦ - (بابُ الرَّهْنِ فِي السَّلَمِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الرَّهْن فِي السّلم.
٧ - (بابُ السَّلَمِ إلَى أجَلٍ مَعْلُومٍ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم السّلم الْوَاقِع إِلَى أجل مَعْلُوم أَي: إِلَى مُدَّة مُعينَة. وَفِيه: الرَّد على من أجَاز السّلم الْحَال، وَهُوَ قَول الشَّافِعِيَّة وَمن تَبِعَهُمْ.
وبِهِ قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ وأبُو سَعِيدٍ والأسْوَدُ والحسَنُ
أَي: باختصاص السّلم بالأجل، قَالَ ابْن عَبَّاس وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ وَالْأسود بن يزِيد النَّخعِيّ وَالْحسن الْبَصْرِيّ، وَتَعْلِيق ابْن عَبَّاس وَصله الشَّافِعِي عَن سُفْيَان عَن قَتَادَة عَن أبي حسان بن مُسلم الْأَعْرَج عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: أشهد أَن السّلف الْمَضْمُون إِلَى أجل مُسَمّى قد أَجله الله فِي كِتَابه وَأذن فِيهِ. ثمَّ قَرَأَ {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا تداينتم بدين إِلَى أجل مُسَمّى فاكتبوه} (الْبَقَرَة: ٢٨٢) . وَأخرجه الْحَاكِم من هَذَا الْوَجْه وَصَححهُ، وروى ابْن أبي شيبَة من وَجه آخر عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: لَا تسلف إِلَى الْعَطاء وَلَا إِلَى الْحَصاد وَاضْرِبْ أَََجَلًا. وَتَعْلِيق أبي سعيد وَصله عبد الرازق من طَرِيق نُبيح الْعَنزي الْكُوفِي عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ، قَالَ: السّلم بِمَا يقوم بِهِ السّعر رَبًّا، وَلَكِن أسلف فِي كيل مَعْلُوم إِلَى أجل مَعْلُوم. قلت: نُبيح، بِضَم النُّون وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره حاء مُهْملَة، والعنزي، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَالنُّون وبالزاي، وَتَعْلِيق الْأسود وَصله ابْن أبي شيبَة من طَرِيق الثَّوْريّ عَن أبي إِسْحَاق عَنهُ، قَالَ: سَأَلته عَن السّلم فِي الطَّعَام، قَالَ: لَا بَأْس بِهِ كيل مَعْلُوم إِلَى أجل مَعْلُوم. وَلم أَقف على تَعْلِيق الْحسن.
وَقَالَ ابنُ عُمَرَ لَا بَأسَ فِي الطَّعَامِ المَوصُوفِ بِسِعْرٍ مَعْلُومٍ إلَى أجَلٍ مَعْلُومٍ مَا لَمْ يَكُ ذالِكَ فِي زَرْعٍ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ
هَذَا التَّعْلِيق وَصله مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) عَن نَافِع عَنهُ قَالَ: لَا بَأْس أَن يسلف الرجل فِي الطَّعَام الْمَوْصُوف، فَذكر مثله، وَزَاد: وَثَمَرَة لم يبد صَلَاحهَا، وَأخرجه ابْن أبي شيبَة من طَرِيق عبيد الله بن عمر عَن نَافِع نَحوه. قَوْله: (مَا لم يَك) ، أَصله: مَا لم يكن، حذفت النُّون تَخْفِيفًا، ويروى على الأَصْل، وَهَذَا كَمَا رَأَيْت أساطين الصَّحَابَة عبد الله بن عَبَّاس وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ وَعبد الله بن عمر
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
أَيْ: نَهَى عَنْ بَيْعِ ثَمَرِ النَّخْلِ، وَاتَّفَقَتِ الرِّوَايَاتُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ عَلَى أَنَّهُ نُهِيَ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وَاخْتُلِفَ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ وَهِيَ رِوَايَةُ غُنْدَرٍ: فَعِنْدَ أَبِي ذَرٍّ، وَأَبِي الْوَقْتِ: فَقَالَ: نَهَى عُمَرُ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ الْحَدِيثَ، وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِهِمَا: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ وَاقْتَصَرَ مُسْلِمٌ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَوْلُهُ: (وَعَنْ بَيْعِ الْوَرِقِ) أَيْ: بِالذَّهَبِ نسيئة، كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ.
قَوْلُهُ: (نَسَاءً) بِفَتْحِ النُّونِ وَالْمُهْمَلَةِ وَالْمَدِّ، أَيْ: تَأْخِيرًا، تَقُولُ: نَسَأْتُ الدَّيْنَ، أَيْ: أَخَّرْتُهُ نَسَاءً، أَيْ: تَأْخِيرًا، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي اشْتِرَاطِ الْأَجَلِ فِي السَّلَمِ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ إِنْ صَحَّ، فَمَحْمُولٌ عَلَى السَّلَمِ الْحَالِّ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِهِ، أَوْ مَا قَرُبَ أَجَلُهُ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ السَّلَمِ فِي النَّخْلِ الْمُعَيَّنِ مِنَ الْبُسْتَانِ الْمُعَيَّنِ لَكِنْ بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ وَهُوَ قَوْلُ الْمَالِكِيَّةِ، وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ النَّجْرَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَا يُسْلَمُ فِي نَخْلٍ قَبْلَ أَنْ يُطْلِعَ؛ فَإِنَّ رَجُلًا أَسْلَمَ فِي حَدِيقَةِ نَخْلٍ قَبْلَ أَنْ تُطْلِعَ، فَلَمْ تُطْلِعْ ذَلِكَ الْعَامَ شَيْئًا، فَقَالَ الْمُشْتَرِي: هُوَ لِي حَتَّى تُطْلِعَ، وَقَالَ الْبَائِعُ: إِنَّمَا بِعْتُكَ هَذِهِ السَّنَةَ، فَاخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَقَالَ: ارْدُدْ عَلَيْهِ مَا أَخَذْتَ مِنْهُ، وَلَا تُسْلِمُوا فِي نَخْلٍ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ. وَهَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ ضَعْفٌ، وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ اتِّفَاقَ الْأَكْثَرِ عَلَى مَنْعِ السَّلَمِ فِي بُسْتَانٍ مُعَيَّنٍ؛ لِأَنَّهُ غَرَرٌ، وَقَدْ حَمَلَ الْأَكْثَرُ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ عَلَى السَّلَمِ الْحَالِّ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ فِي قِصَّةِ إِسْلَامِ زَيْدِ بْنِ سَعْنَةَ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا نُونٌ، أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: هَلْ لَكَ أَنْ تَبِيعنِي تَمْرًا مَعْلُومًا إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ مِنْ حَائِطِ بَنِي فُلَانٍ. قَالَ: لَا أَبِيعُكَ مِنْ حَائِطٍ مُسَمًّى، بَلْ أَبِيعُكَ أَوْسُقًا مُسَمَّاةً إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى.
٥ - باب الْكَفِيلِ فِي السَّلَمِ
٢٢٥١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَّامٍ، حَدَّثَنَا يَعْلَى، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: اشْتَرَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَعَامًا مِنْ يَهُودِيٍّ بِنَسِيئَةٍ، وَرَهَنَهُ دِرْعًا لَهُ مِنْ حَدِيدٍ.
٦ - بَاب الرَّهْنِ فِي السَّلَمِ
٢٢٥٢ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ قَالَ: تَذَاكَرْنَا عِنْدَ إِبْرَاهِيمَ الرَّهْنَ فِي السَّلَفِ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي الْأَسْوَدُ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ، وَارْتَهَنَ مِنْهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ.
قَوْلُهُ: (بَابُ الْكَفِيلِ فِي السَّلَمِ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ عَائِشَةَ: اشْتَرَى النَّبِيُّ ﷺ طَعَامًا مِنْ يَهُودِيٍّ نَسِيئَةً، وَرَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ، ثُمَّ تَرْجَمَ لَهُ بَابُ الرَّهْنِ فِي السَّلَمِ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيهِ، وَأَمَّا الْكَفِيلُ فَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: لَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا تُرْجِمَ بِهِ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ إِلْحَاقَ الْكَفِيلِ بِالرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ ثَبَتَ الرَّهْنُ بِهِ فَيَجُوزُ أَخْذُ الْكَفِيلِ فِيهِ. قُلْتُ: هَذَا الِاسْتِنْبَاطُ بِعَيْنِهِ سَبَقَ إِلَيْهِ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ رَاوِي الْحَدِيثِ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الْبُخَارِيُّ فِي التَّرْجَمَةِ، فَسَيَأْتِي فِي الرَّهْنِ عَنْ مُسَدَّدٍ عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ، عَنِ الْأَعْمَشِ قَالَ: تَذَاكَرْنَا عِنْدَ إِبْرَاهِيمَ الرَّهْنَ وَالْكَفِيلَ فِي السَّلَفِ، فَذَكَرَ إِبْرَاهِيمُ هَذَا الْحَدِيثَ فَوَضَحَ أَنَّهُ هُوَ الْمُسْتَنْبَطُ لِذَلِكَ، وَأَنَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ بِالتَّرْجَمَةِ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ عَلَى عَادَتِهِ.
وَفِي الْحَدِيثِ الرَّدُّ عَلَى مَنْ قَالَ: إِنَّ الرَّهْنَ فِي السَّلَمِ لَا يَجُوزُ، وَقَدْ أَخْرَجَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ نُمَيْرٍ، عَنِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وقدَّم «يأكل» المبنيَّ للفاعل على «يُؤكَل» المبنيِّ للمفعول في الثَّانية، وأخَّره في الأولى (١).
(٥) (بابُ الكَفِيلِ فِي السَّلَمِ).
٢٢٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) وبالإفراد لأبي ذرٍّ (٢) (مُحَمَّدُ (٣) بْنُ سَلَامٍ) وسقط «ابن سلامٍ» لغير أبي ذرٍّ، قال: (حَدَّثَنَا يَعْلَى) بفتح التَّحتيَّة واللَّام وبينهما عينٌ مهملةٌ ساكنةٌ، ابن عُبَيد الله -بالتَّصغير- الطَّنافسيُّ الحنفيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنِ الأَسْوَدِ) بن يزيد النَّخعيِّ (عَنْ عَائِشَةَ ﵂) أنَّها (قَالَتِ: اشْتَرَى رَسُولُ اللهِ ﷺ طَعَامًا) ثلاثين صاعًا من شعيرٍ، أو أربعين، أو عشرين (مِنْ يَهُودِيٍّ) هو أبو (٤) الشَّحم بالمعجمة ثمَّ المهملة (بِنَسِيئَةٍ، وَرَهَنَهُ دِرْعًا لَهُ مِنْ حَدِيدٍ) هي ذات الفضول، ودلالة الحديث على التَّرجمة من حيث إنَّه (٥) يُراد بالكفالة: الضَّمان، ولا ريب أنَّ المرهون ضامنٌ للدَّين؛ لأنَّه يُباع فيه، يُقال: أكفلته إذا ضمَّنته إيَّاه، أو يُقاس على الرَّهن بجامع كونهما وثيقةً، ولهذا (٦) كلُّ ما صحَّ (٧) الرَّهن فيه صحَّ ضمانه، وبالعكس، أو أشار إلى ما ورد في بعض طرق الحديث على عادته، ففي «الرَّهن» [خ¦٢٥٠٩] عن مُسدَّدٍ عن عبد الواحد عن الأعمش قال: تَذَاكَرْنا عند إبراهيم الرَّهنَ، والقَبيلَ في السَّلَفِ … الحديث، ففيه التَّصريح بالرَّهن والكفيل؛ لأنَّ القبيل هو الكفيل، والمراد بالسَّلم: السَّلفُ، سواءٌ كان في الذِّمَّة نقدًا أو جنسًا.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
الرَّاء وَفتح الْوَاو وَسُكُون الرَّاء: وَهُوَ الدَّرَاهِم المضروبة، أَي: نهى عَن بيع الْفضة بِالذَّهَب نسأ، أَي: بِالتَّأْخِيرِ، وَهُوَ بِفَتْح النُّون وبالمد وَالْقصر، وَمِنْه: نسأت الدّين أَي: أَخَّرته نسَاء وأنسأته إنسا، وَالنِّسَاء الإسم، فَإِن قلت: انتصاب نسَاء بِمَاذَا؟ قلت: يجوز أَن يكون على الْحَال، وَيكون نسأ بِمَعْنى منسأ على صِيغَة اسْم الْمَفْعُول. قَوْله: (بناجز) بالزاي فِي آخِره، أَي: بحاضر، يُقَال: نجز ينجز نجزا إِذا حضر وَحصل. قَوْله: (فَقَالَ) أَي: ابْن عَبَّاس نهى النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، عَن بيع ثَمَر النّخل حَتَّى يُؤْكَل مِنْهُ، أَي: حَتَّى يُؤْكَل من النّخل ثمره، أَو يَأْكُلهُ صَاحبه مِنْهُ. قَوْله: (وَحَتَّى يُوزن) أَي: حَتَّى يخرص، وَقد مر عَن قريب.
وَاسْتدلَّ بَعضهم بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور على جَوَاز السّلم فِي النّخل الْمعِين من الْبُسْتَان الْمعِين، وَلَكِن بعد بَدو صَلَاحه، وَهُوَ مَذْهَب الْمَالِكِيَّة أَيْضا وَهَذَا الِاسْتِدْلَال ضَعِيف. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: اتِّفَاق الْأَكْثَر على منع السّلم فِي بُسْتَان معِين لِأَنَّهُ غرر. قلت: وَهُوَ مَذْهَب أَصْحَابنَا الْحَنَفِيَّة أَيْضا، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ ابْن حبَان وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث عبد الله بن سَلام فِي قصَّة إِسْلَام زيد بن سعنة، بِفَتْح السِّين وَسُكُون الْعين الْمُهْمَلَتَيْنِ وَفتح النُّون، أَنه قَالَ لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: هَل لَك أَن تبيعني تَمرا مَعْلُوما إِلَى أجل مَعْلُوم من حَائِط بني فلَان؟ قَالَ: (لَا أبيعك من حَائِط مُسَمّى، بل أبيعك أوسقا مُسَمَّاة إِلَى أجل مُسَمّى) .
٠٥٢٢ - حدَّثنا محَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قَالَ حدَّثنا غُنْدَرٌ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ عَمْرو عنْ أبِي الْبَخْتَريِّ قَالَ سألْتُ ابنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما عنِ السَّلَمِ فِي النَّخْلِ فَقَالَ نَهَى النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حتَّى يَصْلُحَ ونِهىَ عنِ الوَرِقِ بالذَّهَبِ نَسَاءً بِناجِزٍ وسألْتُ ابنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ نَهَى النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عنْ بَيْعِ النَّخْلِ حتَّى يأكلَ أوْ يُؤْكَلَ وحتَّى يُوزَنَ قُلْتُ وَمَا يُوزَنُ قَالَ رجُلٌ عِنْدَهُ حَتَّى يُحْرَزَ. (انْظُر الحَدِيث ٦٨٤١ وطرفه) . (انْظُر الحَدِيث ٦٤٢٢ وطرفه) .
هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور عَن مُحَمَّد بن بشار عَن غنْدر، وَهُوَ مُحَمَّد بن جَعْفَر عَن شُعْبَة ... إِلَى آخِره، قَوْله: (فَقَالَ: نهى النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر وَأبي الْوَقْت: نهى عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَنهي عمر إِمَّا عَن السماع عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَإِمَّا عَن اجْتِهَاده.
٥ - (بابُ الكَفِيلِ فِي السَّلَمِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْكَفِيل فِي السّلم.
١٥٢٢ - حدَّثنا مُحَمَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَعْلَى قَالَ حدَّثنا الأعْمَشُ عنْ إبْراهِيمَ عنِ الأسْوَدِ عنْ عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتِ اشْتَرَى رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم طَعاما مِنْ يَهُودِيٍّ بِنَسِيئَةٍ ورَهَنَهُ دِرْعا لَهُ مِنْ حدِيدٍ. .
قيل: لَيْسَ فِي هَذَا الحَدِيث مَا ترْجم بِهِ، وَأجَاب الْكرْمَانِي بِأَنَّهُ: إِمَّا أَن يُرَاد بِالْكَفَالَةِ الضَّمَان، وَلَا شكّ أَن الْمَرْهُون ضَامِن للدّين من حَيْثُ إِنَّه يُبَاع فِيهِ. وَأما يُقَاس على الرَّهْن بِجَامِع كَونهمَا وَثِيقَة، وَلِهَذَا كل مَا صَحَّ الرَّهْن فِيهِ صَحَّ ضَمَانه. وَبِالْعَكْسِ. قلت: إِثْبَات الْمُطَابقَة بَين هَذَا الحَدِيث وَبَين التَّرْجَمَة بِهَذَا الْكَلَام، إِنَّمَا هُوَ بِالْجَرِّ الثقيل، وَمَعَ هَذَا الْجَواب الثَّانِي فِيهِ بعض قرب، وَالْأَقْرَب مِنْهُ أَن يُقَال: إِن عَادَته جرت أَن يُشِير إِلَى بعض مَا ورد فِي بعض طرق الحَدِيث، وَقد روى فِي الرَّهْن عَن مُسَدّد عَن عبد الْوَاحِد عَن الْأَعْمَش، قَالَ: تَذَاكرنَا عِنْد إِبْرَاهِيم الرَّهْن والقبيل فِي السّلف، فَذكر إِبْرَاهِيم هَذَا الحَدِيث، وَفِيه التَّصْرِيح بِالرَّهْنِ وَالْكَفِيل، لِأَن الْقَبِيل هُوَ الْكَفِيل، وَبِهَذَا يُجَاب أَيْضا عَمَّا قَالَه الْكرْمَانِي: لَيْسَ فِيهِ عقد السّلم، لِأَن السّلف هُوَ السّلم.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب شِرَاء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالنَّسِيئَةِ، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن مُعلى بن أَسد عَن عبد الْوَاحِد عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش، وَهنا أخرجه: عَن مُحَمَّد بن سَلام عَن يعلى، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَفتح اللَّام وبالقصر: ابْن عبيد بِالتَّصْغِيرِ أبي يُوسُف الطنافسي الْحَنَفِيّ الْكُوفِي، مَاتَ سنة تسع وَمِائَتَيْنِ، عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن الْأسود بن يزِيد النَّخعِيّ، وَقد مر الْبَحْث فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى.
٦ - (بابُ الرَّهْنِ فِي السَّلَمِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الرَّهْن فِي السّلم.
٧ - (بابُ السَّلَمِ إلَى أجَلٍ مَعْلُومٍ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم السّلم الْوَاقِع إِلَى أجل مَعْلُوم أَي: إِلَى مُدَّة مُعينَة. وَفِيه: الرَّد على من أجَاز السّلم الْحَال، وَهُوَ قَول الشَّافِعِيَّة وَمن تَبِعَهُمْ.
وبِهِ قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ وأبُو سَعِيدٍ والأسْوَدُ والحسَنُ
أَي: باختصاص السّلم بالأجل، قَالَ ابْن عَبَّاس وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ وَالْأسود بن يزِيد النَّخعِيّ وَالْحسن الْبَصْرِيّ، وَتَعْلِيق ابْن عَبَّاس وَصله الشَّافِعِي عَن سُفْيَان عَن قَتَادَة عَن أبي حسان بن مُسلم الْأَعْرَج عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: أشهد أَن السّلف الْمَضْمُون إِلَى أجل مُسَمّى قد أَجله الله فِي كِتَابه وَأذن فِيهِ. ثمَّ قَرَأَ {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا تداينتم بدين إِلَى أجل مُسَمّى فاكتبوه} (الْبَقَرَة: ٢٨٢) . وَأخرجه الْحَاكِم من هَذَا الْوَجْه وَصَححهُ، وروى ابْن أبي شيبَة من وَجه آخر عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: لَا تسلف إِلَى الْعَطاء وَلَا إِلَى الْحَصاد وَاضْرِبْ أَََجَلًا. وَتَعْلِيق أبي سعيد وَصله عبد الرازق من طَرِيق نُبيح الْعَنزي الْكُوفِي عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ، قَالَ: السّلم بِمَا يقوم بِهِ السّعر رَبًّا، وَلَكِن أسلف فِي كيل مَعْلُوم إِلَى أجل مَعْلُوم. قلت: نُبيح، بِضَم النُّون وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره حاء مُهْملَة، والعنزي، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَالنُّون وبالزاي، وَتَعْلِيق الْأسود وَصله ابْن أبي شيبَة من طَرِيق الثَّوْريّ عَن أبي إِسْحَاق عَنهُ، قَالَ: سَأَلته عَن السّلم فِي الطَّعَام، قَالَ: لَا بَأْس بِهِ كيل مَعْلُوم إِلَى أجل مَعْلُوم. وَلم أَقف على تَعْلِيق الْحسن.
وَقَالَ ابنُ عُمَرَ لَا بَأسَ فِي الطَّعَامِ المَوصُوفِ بِسِعْرٍ مَعْلُومٍ إلَى أجَلٍ مَعْلُومٍ مَا لَمْ يَكُ ذالِكَ فِي زَرْعٍ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ
هَذَا التَّعْلِيق وَصله مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) عَن نَافِع عَنهُ قَالَ: لَا بَأْس أَن يسلف الرجل فِي الطَّعَام الْمَوْصُوف، فَذكر مثله، وَزَاد: وَثَمَرَة لم يبد صَلَاحهَا، وَأخرجه ابْن أبي شيبَة من طَرِيق عبيد الله بن عمر عَن نَافِع نَحوه. قَوْله: (مَا لم يَك) ، أَصله: مَا لم يكن، حذفت النُّون تَخْفِيفًا، ويروى على الأَصْل، وَهَذَا كَمَا رَأَيْت أساطين الصَّحَابَة عبد الله بن عَبَّاس وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ وَعبد الله بن عمر