«مَا أَظُنُّ فُلَانًا وَفُلَانًا يَعْرِفَانِ مِنْ دِينِنَا شَيْئًا»قَالَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٠٦٧

الحديث رقم ٦٠٦٧ من كتاب «كتاب الأدب» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ما يكون من الظن.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «ما أظن فلانا وفلانا يعرفان من ديننا…

«مَا أَظُنُّ فُلَانًا وَفُلَانًا يَعْرِفَانِ مِنْ دِينِنَا شَيْئًا»

قَالَ اللَّيْثُ كَانَا رَجُلَيْنِ مِنَ الْمُنَافِقِينَ.

سند حديث: ٦٠٦٧ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ…

٦٠٦٧ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ :

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «ما أظن فلانا وفلانا يعرفان من ديننا…

تخبر عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرها: عن رجلين وأنهما لا يَعْرِفان شيئا من دين الإسلام؛ لأنهما كانا يظهران الإسلام ويبطنان الكُفر.
وذكر النبي صلى الله عليه وسلم لهذين الرجلين في غَيبتهما ليس من الغِيبة المنهي عنها، بل من الأمور التي لا بد منها؛ لئلا يلتبس ظاهر حالهما على من يجهل أمرهما.
وقوله :"ما أظن ." الظن هنا: بمعنى اليقين؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان يعرف المنافقين حقيقة بإعلام الله له بهم في سورة براءة، وقال ابن عباس رضي الله عنه :"كنا نسمي سورة براءة: الفاضحة، قال ابن عباس رضي الله عنه : "ما زالت تنزل ومنهم ومنهم حتى خشينا".

الفوائد المستفادة من الحديث

  • جواز غِيبَة أهل النفاق، حتى لا يلتبس ظاهر حالهم على من يجهل أمرهم.
  • بيان أن بعض الظن جائز.
  • جواز كشف حال من عرف بالنفاق.
  • الظن المنهي عنه إنما هو ظَنَّ السوء بالمسلم السالم في دِينه وعرضه.
  • معرفة النبي -صلى الله عليه وسلم- المنافقين.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «ما أظن فلانا وفلانا يعرفان من ديننا…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

شَيْءٍ وَيَنْفَرِدَ وَاحِدٌ بِخِلَافِهِ وَيَكُونَ مَحْفُوظًا، وَلَمْ أَرَ الْحَدِيثَ فِي نُسْخَتِي مِنْ مُسْتَخْرَجِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ أَصْلًا، فَلَا أَدْرِي سَقَطَ عَلَيْهِ أَوْ سَقَطَ مِنَ النُّسْخَةِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو

نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ رِوَايَةِ الْوَرَكَانِيِّ، عَنْ مَالِكٍ وَوَقَعَ فِيهِ عِنْدَهُ وَلَا تَنَافَسُوا كَالْجَمَاعَةِ، وَلَكِنَّهُ قَالَ فِي آخِرِهِ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ مَالِكٍ، وَلَمْ يُنَبِّهْ عَلَى هَذِهِ اللَّفْظَةِ، فَمَا أَدْرِي هَلْ وَقَعَ فِي نُسْخَتِهِ عَلَى وِفَاقِ الْجَمَاعَةِ أَوْ عَلَى مَا عِنْدَنَا وَلَمْ يَعْتَنِ بِبَيَانِ ذَلِكَ، وَلَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عَلَى هَذَا الْمَوْضِعِ حَتَّى إِنَّ الْحُمَيْدِيَّ سَاقَهُ مِنَ الْبُخَارِيِّ وَحْدَهُ مِنْ رِوَايَةِ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهَذِهِ الطَّرِيقُ قَدْ مَضَتْ فِي أَوَائِلِ النِّكَاحِ، وَلَيْسَ فِيهَا هَذِهِ اللَّفْظَةُ الْمُخْتَلَفُ فِيهَا وَلَكِنَّ فِيهَا بَعْدَ قَوْلِهِ إِخْوَانًا وَلَا يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَنْكِحَ أَوْ يَتْرُكَ قَالَ: وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ فَسَاقَهُ بِهَذَا السَّنَدِ وَالْمَتْنِ بِتَمَامِهِ دُونَ اللَّفْظَةِ الَّتِي أَتَكَلَّمُ عَلَيْهَا، وَقَالَ: هَكَذَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ، وَأَغْفَلَهُ أَبُو مَسْعُودٍ، وَلَكِنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَةِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، وَلَمْ أَجِدْ ذَلِكَ فِيهِ إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ الْحُمَيْدِيُّ: وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ رِوَايَةِ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ، وَمَنْ رِوَايَةِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلَ رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ سَوَاءٌ. قُلْتُ: وَرِوَايَةُ طَاوُسٍ تَأْتِي فِي الْفَرَائِضِ.

قَالَ الْحُمَيْدِيُّ: وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ فَسَاقَهُ، وَفِيهِ وَلَا تَنَافَسُوا، قَالَ: فَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ لَا مِنْ أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ وَكَأَنَّهُ اسْتَدْرَكَ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ، وَالْغَرَضُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْحُمَيْدِيَّ مَعَ تَتَبُّعِهِ وَاعْتِنَائِهِ لَمْ يُنَبِّهْ عَلَى مَا وَقَعَ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ مِنَ الِاخْتِلَافِ، وَكَذَا أَغْفَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ التَّنْبِيهَ عَلَيْهَا، وَهِيَ عَلَى شَرْطِ فِي التَّمْهِيدِ وَكَذَلِكَ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَلَوْ تَفَطَّنَ لَهَا لَسَاقَهَا فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ كَعَادَتِهِ فِي أَنْظَارِهَا، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهَا فَلَعَلَّهَا مِنْ تَغْيِيرِ بَعْضِ الرُّوَاةِ بَعْدَ الْبُخَارِيِّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٥٩ - بَاب مَا يجوز مِنْ الظَّنِّ

٦٠٦٧ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ : مَا أَظُنُّ فُلَانًا وَفُلَانًا يَعْرِفَانِ مِنْ دِينِنَا شَيْئًا، قَالَ اللَّيْثُ: كَانَا رَجُلَيْنِ مِنْ الْمُنَافِقِينَ.

[الحديث ٦٠٦٧ - طرفه في: ٦٠٦٨]

٦٠٦٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بِهَذَا، وَقَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ يَوْمًا، وَقَالَ: يَا عَائِشَةُ، مَا أَظُنُّ فُلَانًا وَفُلَانًا يَعْرِفَانِ دِينَنَا الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَا يَجُوزُ مِنَ الظَّنِّ) كَذَا لِلنَّسَفِيِّ، وَلِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَكَذَا فِي ابْنِ بَطَّالٍ، وَفِي رِوَايَةِ للْقَابِسِيِّ، وَالْجُرْجَانِيِّ مَا يُكْرَهُ لِلْبَاقِينَ مَا يَكُونُ وَالْأَوَّلُ أَلْيَقُ بِسِيَاقِ الْحَدِيثِ.

قَوْلُهُ: (مَا أَظُنُّ فُلَانًا وَفُلَانًا) لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَتِهِمَا، وَقَدْ ذَكَرَ اللَّيْثُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّهُمَا كَانَا مُنَافِقَيْنِ.

قَوْلُهُ: (يَعْرِفَانِ مِنْ دِينِنَا شَيْئًا) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى يَعْرِفَانِ دِينَنَا الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ، قَالَ الدَّاوُدِيُّ: تَأْوِيلُ اللَّيْثِ بَعِيدٌ، وَلَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ يَعْرِفُ جَمِيعَ الْمُنَافِقِينَ، كَذَا قَالَ، وَقَالَ غَيْرُهُ: الْحَدِيثُ لَا يُطَابِقُ التَّرْجَمَةَ لِأَنَّ فِي التَّرْجَمَةِ إِثْبَاتُ الظَّنِّ وَفِي الْحَدِيثِ نَفْيُ الظَّنِّ، وَالْجَوَابُ أَنَّ النَّفْيَ فِي الْحَدِيثِ لِظَنِّ النَّفْيِ لَا لِنَفْيِ الظَّنِّ فَلَا تَنَافِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّرْجَمَةِ، وَحَاصِلُ التَّرْجَمَةِ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الَّذِي

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

السِّلعة وهو لا يريدُ شراءها بل ليوقع غيره فيها (وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا).

(٥٩) (بابُ مَا يكون) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «ما يجوزُ» (مِنَ الظَّنِّ).

٦٠٦٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ عُفَيْرٍ) بضم العين المهملة وفتح الفاء آخره راء، هو سعيدُ بن كثير بن عُفير بن مسلم الأنصاريُّ مولاهم المصري (١) قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين وفتح القاف، ابن خالد بن عَقيل -بفتح العين- الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) ، أنَّها (قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ : مَا أَظُنُّ فُلَانًا وَفُلَانًا) قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أقف على تسميتهما (يَعْرِفَانِ مِنْ دِينِنَا) دينِ الإسلام (شَيْئًا. قَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ: (كَانَا رَجُلَيْنِ مِنَ المُنَافِقِينَ) فالظَّنُّ فيهما ليس من الظَّنِّ المنهيِّ عنه لأنَّه في مقامِ التَّحذير من مثلِ من كان حالُه كحالِ الرَّجلين، والنَّهي إنَّما هو عن ظنِّ السُّوء بالمسلمِ السَّالم في دينهِ وعرضه، فالنَّفي في الحديث لظنِّ النَّفي لا لنفي الظَّنِّ، وفي التَّرجمة إثبات الظَّنِّ فلا تنافي بينه وبين التَّرجمة.

٦٠٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) المخزوميُّ المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ (بِهَذَا) الحديث (٢) المذكور (وَ) فيه (قَالَتْ) عائشة : (دَخَلَ عَلَيَّ) بتشديد الياء (النَّبِيُّ) رفع فاعل ( يَوْمًا) نصبٌ على الظَّرف (وَقَالَ: يَا عَائِشَةُ مَا أَظُنُّ فُلَانًا وَفُلَانًا) بنفي الظَّنِّ (يَعْرِفَانِ دِينَنَا الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ) وهو دينُ الإسلام.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

المضلة الْمُقْتَضِيَة للتباغض والمذموم مِنْهُ مَا كَانَ لغير الله تَعَالَى فَإِنَّهُ وَاجِب ويثاب فَاعله لتعظيم حق الله عز وَجل. قَوْله: (وَكُونُوا عباد الله) يَعْنِي: يَا عباد الله كونُوا إخْوَانًا يَعْنِي: اكتسبوا مَا تصيرون بِهِ إخْوَانًا. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: الْمَعْنى: كونُوا كإخوان النّسَب فِي الشَّفَقَة وَالرَّحْمَة والمحبة والمواساة والمعاونة والنصيحة.

قَوْله: (وَلَا يحل لمُسلم)

إِلَى آخِره فِيهِ التَّصْرِيح بِحرْمَة الهجران فَوق ثَلَاثَة أَيَّام، وَهَذَا فِيمَن لم يجن على الدّين جِنَايَة، فَأَما من جنى عَلَيْهِ وَعصى ربه فَجَاءَت الرُّخْصَة فِي عُقُوبَته بالهجران كالثلاثة المتخلفين عَن غَزْوَة تَبُوك فَأمر الشَّارِع بهجرانهم فبقوا خمسين لَيْلَة حَتَّى نزلت تَوْبَتهمْ، وَقد آل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، من نِسَائِهِ شهرا وَصعد مشْربَته وَلم ينزل إلَيْهِنَّ حَتَّى انْقَضى الشَّهْر. وَاخْتلفُوا: هَل يخرج بِالسَّلَامِ وَحده من الهجران؟ : فَقَالَت البغاددة: نعم، وَكَذَا قَول جُمْهُور الْعلمَاء: إِن الْهِجْرَة تَزُول بِمُجَرَّد السَّلَام ورده، وَبِه قَالَ مَالك فِي رِوَايَة، وَقَالَ أَحْمد: لَا يبرأ من الْهِجْرَة إلَاّ بعوده إِلَى الْحَال الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا أَولا، وَقَالَ أَيْضا: إِن كَانَ ترك الْكَلَام يُؤْذِيه لم تَنْقَطِع الْهِجْرَة بِالسَّلَامِ، وَكَذَا قَالَ ابْن الْقَاسِم.

٥٨ - (بابٌ: { (٩٤) يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اجتنبوا كثيرا من الظَّن إِن بعض الظَّن إِثْم وَلَا تجسسوا} (الحجرات: ١٢)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله عز وَجل: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا} ... إِلَى آخِره، هَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين إلَاّ أَن لفظ: بَاب، لم يَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر. وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ: نزلت هَذِه الْآيَة فِي رجلَيْنِ من الصَّحَابَة اغتابا سلمَان رَضِي الله عَنهُ. قَوْله: (اجتنبوا) أَي: امْتَنعُوا واحترزوا كثيرا من الظَّن. وَقَالَ سعيد بن جُبَير: هُوَ الرجل يسمع من أَخِيه كلَاما لَا يُرِيد بِهِ سوءا فيراه أَخُوهُ الْمُسلم فيظن بِهِ سوءا، وَقَالَ الزّجاج: هُوَ أَن يظنّ بِأَهْل الْخَيْر سوءا. وَقَوله: (كثيرا من الظَّن إِن بعض الظَّن إِثْم) يدل على أَنه لم ينْه عَن جَمِيع الظَّن، وَالظَّن على أَرْبَعَة أوجه: مَحْظُور ومأمور بِهِ ومباح ومندوب إِلَيْهِ.

فالمحظور: هُوَ سوء الظَّن بِاللَّه تَعَالَى وَكَذَلِكَ الظَّن بِالْمُسْلِمين الَّذين ظَاهِرهمْ عَدَالَة مَحْظُور. والمأمور بِهِ: هُوَ مَا لم ينصب عَلَيْهِ دَلِيل يُوصل إِلَى الْعلم بِهِ، وَقد تعبدنا بتنفيذ الحكم فِيهِ والاقتصار على غَالب الظَّن وإجراء الحكم وَاجِب وَذَلِكَ نَحْو مَا تعبدنا بِهِ من قبُول شَهَادَة الْعُدُول وتحري الْقبْلَة وتقويم المستهلكات وَأرش الْجِنَايَات الَّتِي لم يرد مقاديرها بتوقيف من قبل الشَّرْع، فَهَذَا ونظائره قد تعبدنا فِيهِ بغالب الظَّن. وَالظَّن الْمُبَاح: كالشك فِي الصَّلَاة إِذا كَانَ إِمَامًا، فَإِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَمر بِالتَّحَرِّي وَالْعَمَل بغالب الظَّن فَإِنَّهُ فعله كَانَ مُبَاحا وَإِن عدل إِلَى غَيره من الْبناء على الْيَقِين جَازَ وَالظَّن الْمَنْدُوب إِلَيْهِ: كإحسان الظَّن بالأخ الْمُسلم ينْدب إِلَيْهِ ويثاب عَلَيْهِ.

وَتَفْسِير: {وَلَا تجسسوا} قد مضى.

٦٠٦٦ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرنَا مالِكٌ عَنْ أبي الزِّناد عَنِ الأعْرَجِ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنهُ، أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: أيَّاكُمْ والظَّنَّ فإنَّ الظَّنَّ أكْذَبُ الحَدِيثِ وَلَا تحسَّسُوا وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَناجَشُوا وَلَا تَحاسَدُوا وَلَا تَباغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا وكُونُوا عبادَ الله إخْوَاناً.

وَجه الْمُطَابقَة بَين هَذَا الحَدِيث وَالْآيَة الْمَذْكُورَة أَن البغض والحسد ينشآن عَن سوء الظَّن.

وَأَبُو الزِّنَاد بالزاي وَالنُّون عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج هُوَ عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز.

والْحَدِيث مضى فِي الْبَاب الَّذِي قبله، غير أَن هُنَاكَ زِيَادَة قَوْله: (وَلَا يحل لمُسلم أَن يهجر أَخَاهُ فَوق ثَلَاثَة أَيَّام) ، وَهَهُنَا زِيَادَة قَوْله: (وَلَا تناجشوا) ، من النجش بالنُّون وَالْجِيم والشين الْمُعْجَمَة وَهُوَ أَن يزِيد فِي ثمن الْمَبِيع بِلَا رَغْبَة ليخدع غَيره فيوقعه فيزاد عَلَيْهِ، وَقد مر هَذَا فِي الْبيُوع، وَوَقع فِي جَمِيع الرِّوَايَات عَن مَالك بِلَفْظ: وَلَا تنافسوا، وَكَذَا أخرجه مُسلم عَن يحيى بن يحيى التَّمِيمِي. وَأخرج من طَرِيق الْأَعْمَش عَن أبي صَالح بِلَفْظ: لَا تناجشوا، كَمَا وَقع عِنْد البُخَارِيّ رَحمَه الله، والمنافسة هِيَ التنافس وَهِي الرَّغْبَة فِي الشَّيْء والانفراد بِهِ، وَهُوَ من الشَّيْء النفيس الْجيد فِي نَوعه.

٥٩ - (بابُ مَا يَكونُ مِنَ الظَّنِّ)

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

شَيْءٍ وَيَنْفَرِدَ وَاحِدٌ بِخِلَافِهِ وَيَكُونَ مَحْفُوظًا، وَلَمْ أَرَ الْحَدِيثَ فِي نُسْخَتِي مِنْ مُسْتَخْرَجِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ أَصْلًا، فَلَا أَدْرِي سَقَطَ عَلَيْهِ أَوْ سَقَطَ مِنَ النُّسْخَةِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو

نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ رِوَايَةِ الْوَرَكَانِيِّ، عَنْ مَالِكٍ وَوَقَعَ فِيهِ عِنْدَهُ وَلَا تَنَافَسُوا كَالْجَمَاعَةِ، وَلَكِنَّهُ قَالَ فِي آخِرِهِ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ مَالِكٍ، وَلَمْ يُنَبِّهْ عَلَى هَذِهِ اللَّفْظَةِ، فَمَا أَدْرِي هَلْ وَقَعَ فِي نُسْخَتِهِ عَلَى وِفَاقِ الْجَمَاعَةِ أَوْ عَلَى مَا عِنْدَنَا وَلَمْ يَعْتَنِ بِبَيَانِ ذَلِكَ، وَلَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عَلَى هَذَا الْمَوْضِعِ حَتَّى إِنَّ الْحُمَيْدِيَّ سَاقَهُ مِنَ الْبُخَارِيِّ وَحْدَهُ مِنْ رِوَايَةِ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهَذِهِ الطَّرِيقُ قَدْ مَضَتْ فِي أَوَائِلِ النِّكَاحِ، وَلَيْسَ فِيهَا هَذِهِ اللَّفْظَةُ الْمُخْتَلَفُ فِيهَا وَلَكِنَّ فِيهَا بَعْدَ قَوْلِهِ إِخْوَانًا وَلَا يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَنْكِحَ أَوْ يَتْرُكَ قَالَ: وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ فَسَاقَهُ بِهَذَا السَّنَدِ وَالْمَتْنِ بِتَمَامِهِ دُونَ اللَّفْظَةِ الَّتِي أَتَكَلَّمُ عَلَيْهَا، وَقَالَ: هَكَذَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ، وَأَغْفَلَهُ أَبُو مَسْعُودٍ، وَلَكِنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَةِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، وَلَمْ أَجِدْ ذَلِكَ فِيهِ إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ الْحُمَيْدِيُّ: وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ رِوَايَةِ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ، وَمَنْ رِوَايَةِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلَ رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ سَوَاءٌ. قُلْتُ: وَرِوَايَةُ طَاوُسٍ تَأْتِي فِي الْفَرَائِضِ.

قَالَ الْحُمَيْدِيُّ: وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ فَسَاقَهُ، وَفِيهِ وَلَا تَنَافَسُوا، قَالَ: فَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ لَا مِنْ أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ وَكَأَنَّهُ اسْتَدْرَكَ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ، وَالْغَرَضُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْحُمَيْدِيَّ مَعَ تَتَبُّعِهِ وَاعْتِنَائِهِ لَمْ يُنَبِّهْ عَلَى مَا وَقَعَ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ مِنَ الِاخْتِلَافِ، وَكَذَا أَغْفَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ التَّنْبِيهَ عَلَيْهَا، وَهِيَ عَلَى شَرْطِ فِي التَّمْهِيدِ وَكَذَلِكَ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَلَوْ تَفَطَّنَ لَهَا لَسَاقَهَا فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ كَعَادَتِهِ فِي أَنْظَارِهَا، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهَا فَلَعَلَّهَا مِنْ تَغْيِيرِ بَعْضِ الرُّوَاةِ بَعْدَ الْبُخَارِيِّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٥٩ - بَاب مَا يجوز مِنْ الظَّنِّ

٦٠٦٧ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ : مَا أَظُنُّ فُلَانًا وَفُلَانًا يَعْرِفَانِ مِنْ دِينِنَا شَيْئًا، قَالَ اللَّيْثُ: كَانَا رَجُلَيْنِ مِنْ الْمُنَافِقِينَ.

[الحديث ٦٠٦٧ - طرفه في: ٦٠٦٨]

٦٠٦٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بِهَذَا، وَقَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ يَوْمًا، وَقَالَ: يَا عَائِشَةُ، مَا أَظُنُّ فُلَانًا وَفُلَانًا يَعْرِفَانِ دِينَنَا الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَا يَجُوزُ مِنَ الظَّنِّ) كَذَا لِلنَّسَفِيِّ، وَلِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَكَذَا فِي ابْنِ بَطَّالٍ، وَفِي رِوَايَةِ للْقَابِسِيِّ، وَالْجُرْجَانِيِّ مَا يُكْرَهُ لِلْبَاقِينَ مَا يَكُونُ وَالْأَوَّلُ أَلْيَقُ بِسِيَاقِ الْحَدِيثِ.

قَوْلُهُ: (مَا أَظُنُّ فُلَانًا وَفُلَانًا) لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَتِهِمَا، وَقَدْ ذَكَرَ اللَّيْثُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّهُمَا كَانَا مُنَافِقَيْنِ.

قَوْلُهُ: (يَعْرِفَانِ مِنْ دِينِنَا شَيْئًا) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى يَعْرِفَانِ دِينَنَا الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ، قَالَ الدَّاوُدِيُّ: تَأْوِيلُ اللَّيْثِ بَعِيدٌ، وَلَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ يَعْرِفُ جَمِيعَ الْمُنَافِقِينَ، كَذَا قَالَ، وَقَالَ غَيْرُهُ: الْحَدِيثُ لَا يُطَابِقُ التَّرْجَمَةَ لِأَنَّ فِي التَّرْجَمَةِ إِثْبَاتُ الظَّنِّ وَفِي الْحَدِيثِ نَفْيُ الظَّنِّ، وَالْجَوَابُ أَنَّ النَّفْيَ فِي الْحَدِيثِ لِظَنِّ النَّفْيِ لَا لِنَفْيِ الظَّنِّ فَلَا تَنَافِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّرْجَمَةِ، وَحَاصِلُ التَّرْجَمَةِ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الَّذِي

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

السِّلعة وهو لا يريدُ شراءها بل ليوقع غيره فيها (وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا).

(٥٩) (بابُ مَا يكون) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «ما يجوزُ» (مِنَ الظَّنِّ).

٦٠٦٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ عُفَيْرٍ) بضم العين المهملة وفتح الفاء آخره راء، هو سعيدُ بن كثير بن عُفير بن مسلم الأنصاريُّ مولاهم المصري (١) قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين وفتح القاف، ابن خالد بن عَقيل -بفتح العين- الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) ، أنَّها (قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ : مَا أَظُنُّ فُلَانًا وَفُلَانًا) قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أقف على تسميتهما (يَعْرِفَانِ مِنْ دِينِنَا) دينِ الإسلام (شَيْئًا. قَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ: (كَانَا رَجُلَيْنِ مِنَ المُنَافِقِينَ) فالظَّنُّ فيهما ليس من الظَّنِّ المنهيِّ عنه لأنَّه في مقامِ التَّحذير من مثلِ من كان حالُه كحالِ الرَّجلين، والنَّهي إنَّما هو عن ظنِّ السُّوء بالمسلمِ السَّالم في دينهِ وعرضه، فالنَّفي في الحديث لظنِّ النَّفي لا لنفي الظَّنِّ، وفي التَّرجمة إثبات الظَّنِّ فلا تنافي بينه وبين التَّرجمة.

٦٠٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) المخزوميُّ المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ (بِهَذَا) الحديث (٢) المذكور (وَ) فيه (قَالَتْ) عائشة : (دَخَلَ عَلَيَّ) بتشديد الياء (النَّبِيُّ) رفع فاعل ( يَوْمًا) نصبٌ على الظَّرف (وَقَالَ: يَا عَائِشَةُ مَا أَظُنُّ فُلَانًا وَفُلَانًا) بنفي الظَّنِّ (يَعْرِفَانِ دِينَنَا الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ) وهو دينُ الإسلام.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

المضلة الْمُقْتَضِيَة للتباغض والمذموم مِنْهُ مَا كَانَ لغير الله تَعَالَى فَإِنَّهُ وَاجِب ويثاب فَاعله لتعظيم حق الله عز وَجل. قَوْله: (وَكُونُوا عباد الله) يَعْنِي: يَا عباد الله كونُوا إخْوَانًا يَعْنِي: اكتسبوا مَا تصيرون بِهِ إخْوَانًا. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: الْمَعْنى: كونُوا كإخوان النّسَب فِي الشَّفَقَة وَالرَّحْمَة والمحبة والمواساة والمعاونة والنصيحة.

قَوْله: (وَلَا يحل لمُسلم)

إِلَى آخِره فِيهِ التَّصْرِيح بِحرْمَة الهجران فَوق ثَلَاثَة أَيَّام، وَهَذَا فِيمَن لم يجن على الدّين جِنَايَة، فَأَما من جنى عَلَيْهِ وَعصى ربه فَجَاءَت الرُّخْصَة فِي عُقُوبَته بالهجران كالثلاثة المتخلفين عَن غَزْوَة تَبُوك فَأمر الشَّارِع بهجرانهم فبقوا خمسين لَيْلَة حَتَّى نزلت تَوْبَتهمْ، وَقد آل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، من نِسَائِهِ شهرا وَصعد مشْربَته وَلم ينزل إلَيْهِنَّ حَتَّى انْقَضى الشَّهْر. وَاخْتلفُوا: هَل يخرج بِالسَّلَامِ وَحده من الهجران؟ : فَقَالَت البغاددة: نعم، وَكَذَا قَول جُمْهُور الْعلمَاء: إِن الْهِجْرَة تَزُول بِمُجَرَّد السَّلَام ورده، وَبِه قَالَ مَالك فِي رِوَايَة، وَقَالَ أَحْمد: لَا يبرأ من الْهِجْرَة إلَاّ بعوده إِلَى الْحَال الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا أَولا، وَقَالَ أَيْضا: إِن كَانَ ترك الْكَلَام يُؤْذِيه لم تَنْقَطِع الْهِجْرَة بِالسَّلَامِ، وَكَذَا قَالَ ابْن الْقَاسِم.

٥٨ - (بابٌ: { (٩٤) يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اجتنبوا كثيرا من الظَّن إِن بعض الظَّن إِثْم وَلَا تجسسوا} (الحجرات: ١٢)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله عز وَجل: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا} ... إِلَى آخِره، هَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين إلَاّ أَن لفظ: بَاب، لم يَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر. وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ: نزلت هَذِه الْآيَة فِي رجلَيْنِ من الصَّحَابَة اغتابا سلمَان رَضِي الله عَنهُ. قَوْله: (اجتنبوا) أَي: امْتَنعُوا واحترزوا كثيرا من الظَّن. وَقَالَ سعيد بن جُبَير: هُوَ الرجل يسمع من أَخِيه كلَاما لَا يُرِيد بِهِ سوءا فيراه أَخُوهُ الْمُسلم فيظن بِهِ سوءا، وَقَالَ الزّجاج: هُوَ أَن يظنّ بِأَهْل الْخَيْر سوءا. وَقَوله: (كثيرا من الظَّن إِن بعض الظَّن إِثْم) يدل على أَنه لم ينْه عَن جَمِيع الظَّن، وَالظَّن على أَرْبَعَة أوجه: مَحْظُور ومأمور بِهِ ومباح ومندوب إِلَيْهِ.

فالمحظور: هُوَ سوء الظَّن بِاللَّه تَعَالَى وَكَذَلِكَ الظَّن بِالْمُسْلِمين الَّذين ظَاهِرهمْ عَدَالَة مَحْظُور. والمأمور بِهِ: هُوَ مَا لم ينصب عَلَيْهِ دَلِيل يُوصل إِلَى الْعلم بِهِ، وَقد تعبدنا بتنفيذ الحكم فِيهِ والاقتصار على غَالب الظَّن وإجراء الحكم وَاجِب وَذَلِكَ نَحْو مَا تعبدنا بِهِ من قبُول شَهَادَة الْعُدُول وتحري الْقبْلَة وتقويم المستهلكات وَأرش الْجِنَايَات الَّتِي لم يرد مقاديرها بتوقيف من قبل الشَّرْع، فَهَذَا ونظائره قد تعبدنا فِيهِ بغالب الظَّن. وَالظَّن الْمُبَاح: كالشك فِي الصَّلَاة إِذا كَانَ إِمَامًا، فَإِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَمر بِالتَّحَرِّي وَالْعَمَل بغالب الظَّن فَإِنَّهُ فعله كَانَ مُبَاحا وَإِن عدل إِلَى غَيره من الْبناء على الْيَقِين جَازَ وَالظَّن الْمَنْدُوب إِلَيْهِ: كإحسان الظَّن بالأخ الْمُسلم ينْدب إِلَيْهِ ويثاب عَلَيْهِ.

وَتَفْسِير: {وَلَا تجسسوا} قد مضى.

٦٠٦٦ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرنَا مالِكٌ عَنْ أبي الزِّناد عَنِ الأعْرَجِ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنهُ، أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: أيَّاكُمْ والظَّنَّ فإنَّ الظَّنَّ أكْذَبُ الحَدِيثِ وَلَا تحسَّسُوا وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَناجَشُوا وَلَا تَحاسَدُوا وَلَا تَباغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا وكُونُوا عبادَ الله إخْوَاناً.

وَجه الْمُطَابقَة بَين هَذَا الحَدِيث وَالْآيَة الْمَذْكُورَة أَن البغض والحسد ينشآن عَن سوء الظَّن.

وَأَبُو الزِّنَاد بالزاي وَالنُّون عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج هُوَ عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز.

والْحَدِيث مضى فِي الْبَاب الَّذِي قبله، غير أَن هُنَاكَ زِيَادَة قَوْله: (وَلَا يحل لمُسلم أَن يهجر أَخَاهُ فَوق ثَلَاثَة أَيَّام) ، وَهَهُنَا زِيَادَة قَوْله: (وَلَا تناجشوا) ، من النجش بالنُّون وَالْجِيم والشين الْمُعْجَمَة وَهُوَ أَن يزِيد فِي ثمن الْمَبِيع بِلَا رَغْبَة ليخدع غَيره فيوقعه فيزاد عَلَيْهِ، وَقد مر هَذَا فِي الْبيُوع، وَوَقع فِي جَمِيع الرِّوَايَات عَن مَالك بِلَفْظ: وَلَا تنافسوا، وَكَذَا أخرجه مُسلم عَن يحيى بن يحيى التَّمِيمِي. وَأخرج من طَرِيق الْأَعْمَش عَن أبي صَالح بِلَفْظ: لَا تناجشوا، كَمَا وَقع عِنْد البُخَارِيّ رَحمَه الله، والمنافسة هِيَ التنافس وَهِي الرَّغْبَة فِي الشَّيْء والانفراد بِهِ، وَهُوَ من الشَّيْء النفيس الْجيد فِي نَوعه.

٥٩ - (بابُ مَا يَكونُ مِنَ الظَّنِّ)

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19 / 29.5
الإضاءة 81%
الهلال الجديد بعد 11 يوم
سبحان الله وبحمده