الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٩٩١
الحديث رقم ٦٩٩١ من كتاب «كتاب التعبير» في صحيح البخاري، تحت باب: باب التواطؤ على الرؤيا.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
⦗٣٢⦘
أُرُوا أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: الْتَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ.»
٦٩٩١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾
وَالْقِصَّةُ الثَّانِيَةُ بَعْدَ ذَلِكَ بِدَهْرٍ طَوِيلٍ لَمَّا شَاخَ وَاسْتُبْعِدَ مِنْ مِثْلِهِ أَنْ يَجِيءَ لَهُ الْوَلَدُ وَجَاءَتْهُ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَمَا أُمِرُوا بِإِهْلَاكِ قَوْمِ لُوطٍ فَبَشَّرُوهُ بِإِسْحَاقَ، فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ إِسْمَاعِيلَ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ بِكْرُهُ وَأَنَّهُ وُلِدَ قَبْلَ إِسْحَاقَ.
قُلْتُ: وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ جَيِّدٌ وَقَدْ كُنْتُ أَسْتَحْسِنُهُ وَأَحْتَجُّ بِهِ إِلَى أَنْ مَرَّ بِي قَوْلُهُ فِي سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ فَإِنَّهُ يُعَكِّرُ عَلَى قَوْلِهِ إِنَّهُ رُزِقَ إِسْمَاعِيلَ فِي ابْتِدَاءِ أَمْرِهِ وَقُوَّتِهِ لِأَنَّ هَاجَرَ وَالِدَةَ إِسْمَاعِيلَ صَارَتْ لِسَارَّةَ مِنْ قِبَلِ الْجَبَّارِ الَّذِي وَهَبَهَا لَهَا وَإِنَّهَا وَهَبَتْهَا لِإِبْرَاهِيمَ لَمَّا يَئِسَتْ مِنَ الْوَلَدِ فَوَلَدَتْ هَاجَرُ إِسْمَاعِيلَ فَغَارَتْ سَارَّةُ مِنْهَا كَمَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي تَرْجَمَةِ إِبْرَاهِيمَ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ وَوَلَدَتْ بَعْدَ ذَلِكَ إِسْحَاقَ وَاسْتَمَرَّتْ غَيْرَةُ سَارَّةَ إِلَى أَنْ كَانَ مِنْ إِخْرَاجِهَا وَوَلَدِهَا إِلَى مَكَّةَ مَا كَانَ، وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمُبْتَدَأ مُفَصَّلًا، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ فِي تَارِيخِهِ مِنْ طَرِيقِهِ.
وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: انْطَلَقَ إِبْرَاهِيمُ مِنْ بِلَادِ قَوْمِهِ قِبَلَ الشَّامِ فَلَقِيَ سَارَّةَ وَهِيَ بِنْتُ مَلِكِ حَرَّانَ فَآمَنَتْ بِهِ فَتَزَوَّجَهَا، فَلَمَّا قَدِمَ مِصْرَ وَهَبَهَا الْجَبَّارُ هَاجَرَ وَوَهَبَتْهَا لَهُ سَارَّةُ وَكَانَتْ سَارَّةُ مُنِعَتِ الْوَلَدَ وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ قَدْ دَعَا اللَّهَ أَنْ يَهَبَ لَهُ وَلَدًا مِنَ الصَّالِحِينَ فَأُخِّرَتِ الدَّعْوَةُ حَتَّى كَبِرَ فَلَمَّا عَلِمَتْ سَارَّةُ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ وَقَعَ عَلَى هَاجَرَ حَزِنَتْ عَلَى مَا فَاتَهَا مِنَ الْوَلَدِ.
ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ مَجِيءِ الْمَلَائِكَةِ بِسَبَبِ إِهْلَاكِ قَوْمِ لُوطٍ وَتَبْشِيرِهِمْ إِبْرَاهِيمَ بِإِسْحَاقَ فَلِذَلِكَ قَالَ إِبْرَاهِيمُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ وَيُقَالُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إِلَّا ثَلَاثُ سِنِينَ، وَقِيلَ: كَانَ بَيْنَهُمَا أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ كَوْنِ قِصَّةِ الذَّبِيحِ كَانَتْ بِمَكَّةَ حُجَّةٌ قَوِيَّةٌ فِي أَنَّ الذَّبِيحَ إِسْمَاعِيلُ لِأَنَّ سَارَّةَ وَإِسْحَاقَ لَمْ يَكُونَا بِمَكَّةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَسْلَمَا: سَلَّمَا مَا أُمِرَا بِهِ، وَتَلَّهُ: وَضَعَ وَجْهَهُ بِالْأَرْضِ) قَالَ الْفِرْيَابِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ قَالَ: سَلَّمَا مَا أُمِرَا بِهِ، وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ قَالَ: وَضَعَ وَجْهَهُ بِالْأَرْضِ قَالَ: لَا تَذْبَحْنِي وَأَنْتَ تَنْظُرُ فِي وَجْهِي لِئَلَّا تَرْحَمَنِي، فَوَضَعَ جَبْهَتَهُ فِي الْأَرْضِ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ أَيْ: سَلَّمَا لِلَّهِ الْأَمْرَ، وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ قَالَ: اتَّفَقَا عَلَى أَمْرٍ وَاحِدٍ، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ: سَلَّمَ إِبْرَاهِيمُ لِأَمْرِ اللَّهِ وَسَلَّمَ إسحاق لِأَمْرِ إِبْرَاهِيمَ، وَفِي لَفْظٍ: أَمَّا هَذَا فَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لِلَّهِ، وَأَمَّا هَذَا فَأَسْلَمَ ابْنُهُ لِلَّهِ، وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ: تَلَّهُ لِلْجَبِينِ كَبَّهُ لِوَجْهِهِ.
(تَنْبِيهٌ):
هَذِهِ التَّرْجَمَةُ وَالَّتِي قَبْلَهَا لَيْسَ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدِيثٌ مُسْنَدٌ، بَلِ اكْتَفَى فِيهِمَا بِالْقُرْآنِ، وَلَهُمَا نَظَائِرُ. وَقَوْلُ الْكِرْمَانِيِّ إِنَّهُ كَانَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا بَيَاضٌ لِيُلْحَقَ بِهِ حَدِيثٌ يُنَاسِبُهُ مُحْتَمَلٌ مَعَ بُعْدِهِ.
٨ - بَاب التَّوَاطُؤِ عَلَى الرُّؤْيَا
٦٩٩١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵁: أَنَّ أُنَاسًا أُرُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ، وَأَنَّ أُنَاسًا أُرُوها فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: الْتَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ
قَوْلُهُ: (بَابُ التَّوَاطُؤِ عَلَى الرُّؤْيَا) أَيْ تَوَافُقِ جَمَاعَةٍ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ وَلَوِ اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُهُمْ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ أُنَاسًا أُرُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ أَنَّ أُنَاسًا) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ نَاسًا.
قَوْلُهُ: (أُرُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ؟ الْتَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ) كَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مِنْ طَرِيقِ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
عُمَرَ، وَتَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ الصِّيَامِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ مِثْلُهُ لَكِنَّ لَفْظَهُ: أَرَى رُؤْيَاكُمْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا الْحَدِيثَ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْجُمْلَةَ الْوُسْطَى، وَاعْتَرَضَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فَقَالَ: اللَّفْظُ الَّذِي سَاقَهُ خِلَافُ التَّوَاطُؤِ، وَحَدِيثُ التَّوَاطُؤِ أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ عَلَى الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ.
قُلْتُ: لَمْ يَلْتَزِمِ الْبُخَارِيُّ إِيرَادَ الْحَدِيثِ بِلَفْظِ التَّوَاطُؤِ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِالتَّوَاطُؤِ التَّوَافُقَ وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ بِلَفْظِهِ أَوْ بِمَعْنَاهُ، وَذَلِكَ أَنَّ أَفْرَادَ السَّبْعِ دَاخِلَةٌ فِي أَفْرَادِ الْعَشْرِ، فَلَمَّا رَأَى قَوْمٌ أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ وَقَوْمٌ أَنَّهَا فِي السَّبْعِ كَانُوا كَأَنَّهُمْ تَوَافَقُوا عَلَى السَّبْعِ فَأَمَرَهُمْ بِالْتِمَاسِهَا فِي السَّبْعِ لِتَوَافُقِ الطَّائِفَتَيْنِ عَلَيْهَا، وَلِأَنَّهُ أَيْسَرُ عَلَيْهِمْ فَجَرَى الْبُخَارِيُّ عَلَى عَادَتِهِ فِي إِيثَارِ الْأَخْفَى عَلَى الْأَجْلَى، وَالْحَدِيثُ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ قِيَامِ اللَّيْلِ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: رَأَيْتُ كَأَنَّ بِيَدِي قِطْعَةَ إِسْتَبْرَقٍ الْحَدِيثَ.
وَفِيهِ: وَكَانُوا لَا يَزَالُونَ يَقُصُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ الرُّؤْيَا. وَفِيهِ: أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ الْحَدِيثَ، وَيُسْتَفَادُ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّ تَوَافُقَ جَمَاعَةٍ عَلَى رُؤْيَا وَاحِدَةٍ دَالٌّ عَلَى صِدْقِهَا وَصِحَّتِهَا كَمَا تُسْتَفَادُ قُوَّةُ الْخَبَرِ مِنَ التَّوَارُدِ عَلَى الْإِخْبَارِ مِنْ جَمَاعَةٍ.
٩ - بَاب رُؤْيَا أَهْلِ السُّجُونِ وَالْفَسَادِ وَالشِّرْكِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * قَالَ لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ * يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾ وَقَالَ الْفُضَيْلُ لبعض الأتباع يَا عبد الله: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ أَمَرَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ * وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ * وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ * قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ
وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلامِ بِعَالِمِينَ * وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ * يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ * قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
ووضعَ السِّكِّين على قفاه فانقلب (١) السِّكِّين ولم تعملْ شيئًا بمانعٍ من القدرة الإلهيَّة (﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ. قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾) أي: حقَّقت ما أمرناكَ به في المنامِ من تسليمِ الولدِ للذَّبح، وجوابِ «لمَّا» محذوفٌ تقديره: كان ما كان ممَّا ينطق به الحالُ، ولا يحيطُ به الوصفُ (٢) من استبشارهمَا وحمدهمَا لله وشُكرهما على ما أنعمَ به عليهمَا من دفعِ البلاءِ العظيمِ بعد حلولهِ (﴿إِنَّا كَذَلِكَ﴾) أي (٣): كما جزيناك (﴿نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢ - ١٠٥]) لأنفسهم بامتثالِ الأمر بإفراجِ الشِّدَّة عنهم.
(قَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله الفِريابيُّ في «تفسيره» في قولهِ تعالى: (﴿أَسْلَمَا﴾) أي: (سَلَّمَا مَا أُمِرَا بِهِ) سلَّم الابنُ نفسَه للذَّبحِ والأبُ ابنه (﴿وَتَلَّهُ﴾) أي: (وَضَعَ وَجْهَهُ بِالأَرْضِ) لأنَّه قال له: يا أبتِ لا تَذبحني وأنت تنظرُ في وجهِي؛ لئلَّا ترحمني.
ولم يذكر البخاريُّ ﵀ هنا حديثًا كالتَّرجمة الَّتي قبلُ، بل اكتفى فيهمَا بما أوردهُ من الآيات القرآنيَّة، ولعلَّه لم يتَّفق له حديثٌ فيهما (٤) على شرطهِ.
(٨) (باب التَّوَاطُؤُ) أي: توافق جماعةٍ (عَلَى الرُّؤْيَا) الواحدةِ وإن اختلفت عباراتهم.
٦٩٩١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) نسبَه لجدِّه، وأبوه عبد الله، قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (٥) (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين، ابن خالد الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) والد سالمٍ (﵁) وعن أبيهِ (أَنَّ أُنَاسًا) بضم الهمزة،
ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «أنَّ ناسًا» بإسقاط الهمزةِ (أُرُوا) في المنام (لَيْلَةَ القَدْرِ) بضم الهمزة، وأصلُه: أُرِيُوا، فاستثقلتِ الضَّمة على الياء وقبلها كسرة فحذفت الضَّمة وتبعتها الياء، ثمَّ ضمَّت الراء لأجل الواو، وهو مبنيٌّ لما لم يسمَّ فاعله، ومفعوله النَّائب عن الفاعل الضَّمير وهو الواو، والرُّؤيا هنا اختلفَ فيها فقال ابنُ هشام: مصدر رأى الحُلميَّة عند ابن مالكٍ والحريري. قال: وعندِي لا تختصُّ بها لقولهِ تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] قال ابنُ عبَّاسٍ: هي رؤيا عين، فدلَّ على أنَّه مصدرُ الحُلميَّة والبصَريَّة (١)، وقد ألحقوا رأى الحُلميَّة برأى العلميَّة في التَّعدِّي لاثنين. انتهى.
وقد جعلها أبو البقاء وجماعةٌ بصَريَّةً، فعلى هذا تتعدَّى لمفعولٍ واحدٍ، وتنقل بالهمزة إلى الثَّاني، فيكون الثَّاني (٢) هنا ليلة القدرِ، وقد انتقلَ عن أصلهِ من الظَّرفيَّة إلى المفعوليَّة؛ لأنَّهم لم (٣) يروا فيها إنَّما رأوا (٤) نفسها، يعني: ألقاها الله تعالى (٥) في قلوبهم (فِي) ليالي (السَّبْعِ الأَوَاخِرِ) من شهر رمضان، جمع: آخرة (وَأَنَّ أُنَاسًا) آخرين (أُرُوهَا فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ) منه (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: التَمِسُوهَا) اطلبوا ليلةَ القدرِ (فِي) ليالي (السَّبْعِ الأَوَاخِرِ) صفة للسَّبع كالسَّابق، والسَّبع داخلةٌ في العشر، فلمَّا رأى قومٌ أنَّها في العشْر، وآخرون أنَّها في السَّبع كانوا كأنَّهم (٦) توافقوا على السَّبع، فأمرهم النَّبيُّ (٧) ﷺ بالتماسها في السَّبع؛ لتوافق الفريقين عليها، فجرى البخاريُّ على عادتهِ في إيثار الأخفَى على الأجلى، فلم يذكر قولهُ: «أرى رُؤياكُم قد تَوَاطأتْ في السَّبع الأواخرِ» السَّابق في أواخرِ الصِّيام [خ¦٢٠١٥].
(٩) (باب رُؤْيَا أَهْلِ السُّجُونِ (١)) جمع: سِجن -بالكسر- وهو الحبسُ (وَ) رؤيا أهلِ (الفَسَادِ وَ) أهل (الشِّرْكِ) ولأبي ذرٍّ -ممَّا ذكره في «الفتح» - «والشُّرَّاب» بضم المعجمة وتشديد الراء، جمع: شاربٍ، بدل قولهِ: «والشِّرك». والمراد: شَرَبَةُ المحرَّم، وعطفه على أهلِ الفسادِ من عطفِ الخاصِّ على العامِّ (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ﴾) أي: مع يوسف ﵇ (٢) (﴿السِّجْنَ فَتَيَانَ﴾) عبدان للملكِ ريَّان بن الوليد (٣) ملك مصرَ الأكبر أحدُهما خبَّازُه والآخرُ شرابيُّه؛ للاتِّهام بأنَّهما يُريدان أن يُسِمَّاه (﴿قَالَ أَحَدُهُمَآ﴾) هو: الشَّرابي، واسمُه نبوء، وقيل: هو مرطيس (٤) (﴿إِنِّي أَرَانِي﴾) في المنامِ (﴿أَعْصِرُ
خَمْرًا﴾) عنبًا تسميةً له بما يؤولُ إليه، وقرأها ابنُ مسعودٍ: (إنِّي أراني أعصر عنبًا) (﴿وَقَالَ الآخَرُ﴾) وهو الخبَّاز مخلث -بالخاء (١) المعجمة وبعد اللام مثلَّثة-، وقيل: راشان (﴿إِنِّي أَرَانِي﴾) في المنام (﴿أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ﴾) تنهشُ منه (﴿نَبِّئْنَا﴾) أخبرنَا (﴿بِتَأْوِيلِهِ﴾) بتفسيرهِ وتعبيرهِ وما يؤولُ إليه (﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾) الَّذين يحسنونَ عبارةَ الرُّؤيا، وتأويله أنَّ الأنبياء يخبرون عمَّا سيكون، والرُّؤيا تدلُّ على ما سيكون (﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ﴾) في نَومكما (﴿إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾) في اليقظةِ (٢) (﴿قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا﴾) أو: لا يأتيَكمَا في اليقظةِ ﴿طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ﴾ من منازلِكُمَا ﴿تُرْزَقَانِهِ﴾ تُطْعَمانه وتأكُلانهِ إلَّا أخبرتُكُما بقَدْره ولونهِ والوقتِ الَّذي يصل إليكما قبل أنْ يصلَ، وأيَّ طعامٍ أكلتُم ومتى أكلتُم، وهذا مثلُ معجزةِ عيسى، حيثُ قال: ﴿وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩] (﴿ذَلِكُمَا﴾) التَّأويل والإخبارُ بالمغيبات (﴿مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾) بالإلهامِ والوحي ولم أقلْه عن تكهُّنٍ وتنجُّمٍ (﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾) يحتمل أن يكون كلامًا مبتدأ، وأنْ يكون تعليلًا لسابقهِ، أي: علَّمني ذلك لأنِّي تركت ملَّة أولئك الكفَّار (٣) (﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ﴾) وهي الملَّة الحنيفيَّة، وذكرَ الآباءَ؛ ليعلِّمهما أنَّه من بيت النُّبوَّة لتقوَى رغبتهما في الاستماعِ إليه، والمراد التَّرك ابتداءً لا أنَّه كان فيه ثمَّ ترك، يقول: هجرتُ طريق الكفرِ والشِّرك، وسلكتُ طريقَ آبائي المرسلين صلواتُ الله وسلامه عليهم أجمعين، وهكذا يكون حال من سلكَ طريقَ (٤) الهدى، واتَّبع طريق المرسلين، وأعرضَ عن الضَّالِّين، فإنَّه يهدي قلبه ويعلِّمه ما لم يكنْ يعلم، ويجعله إمامًا يهتدى به في الخيرِ، وداعيًا إلى سبيل الرَّشاد (﴿مَا كَانَ لَنَا﴾) ما صحَّ لنا معاشر الأنبياءِ (﴿أَن نُّشْرِكَ بِاللّهِ مِن شَيْءٍ﴾) أيَّ شيءٍ كان صنمًا أو غيره (﴿ذَلِكَ﴾) أي: التَّوحيد (﴿مِن فَضْلِ اللّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾) فضلَ الله تعالى فيشركونَ به ولا ينتبهون (٥)، ثمَّ دَعاهما إلى الإسلامِ وأقبلَ (٦) عليهما وكان بين أيديهما أصنامٌ
يعبدُونها من دونِ الله، فقال -إلزامًا للحجَّة-: (﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾) يا ساكنيهِ، أو يا صاحِبيَّ فيه، وأضافَهما إليه على الاتِّساع (﴿أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ﴾) شتَّى متعدِّدة مُتساوية.
(وَقَالَ الفُضَيْلُ) بنُ عياض ﵀ (لِبَعْضِ الأَتْبَاعِ: يَا عَبْدَ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «وقال الفضيلُ عند قولهِ: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾» (﴿أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾) الَّذي ذلَّ كلُّ شيءٍ لعزِّ (١) جلالهِ وعظيمِ (٢) سُلطانه، ولا يُغَالب ولا يُشَارك في الرُّبوبيَّة (﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾) خطابٌ (٣) لهما ولمن كان على دينهمَا من أهل مصر (﴿مِن دُونِهِ﴾) تعالى (٤) (﴿إِلاَّ أَسْمَاء﴾) لا حقيقةَ لها (﴿سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم﴾) آلهةً ثمَّ طفقتُم تعبدونها، فكأنَّكم لا تعبدونَ إلَّا الأسماء لا مسمَّياتها (﴿مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا﴾) بتسميتِهَا (﴿مِن سُلْطَانٍ﴾) حجَّة (﴿إِنِ الْحُكْمُ﴾) في أمرِ العبادة والدِّين (﴿إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ﴾) على لسانِ أنبيائهِ (﴿أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾) بيانٌ لقولهِ: ﴿إِنِ الْحُكْمُ﴾ (﴿ذَلِكَ﴾) الَّذي أدعوكُم إليه من التَّوحيد وإخلاصِ العمل هو (﴿الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾) الحقُّ المستقيمُ الَّذي أمرَ الله به، وأنزلَ به الحجَّة والبرهان (﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾) فلذا كان أكثرُهم مُشركين، ثمَّ عبر الرُّؤيا فقال: (﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا﴾) يعني: الشَّرابيَّ (﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ﴾) سيِّده (﴿خَمْرًا﴾) كما كان يسقيهِ قبلُ (﴿وَأَمَّا الآخَرُ﴾) يعني: الخبَّاز (﴿فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ﴾) فقالا: كذَّبنا، فقال يوسف (﴿قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾) فهو واقعٌ لا محالةَ، فإنَّ الرُّؤيا على رجل طائرٍ ما لم تعبر، فإذا عُبرت وقعتْ. وفي «مسند أبي يعلى الموصلي» عن أنسٍ مرفوعًا: «الرُّؤيا لأوَّل عابرٍ» (﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا﴾) الظَّانُّ يوسف ﵇ إن كانَ تأويلُه عن اجتهادٍ، وإن كانَ عن وحي (٥) فالظَّانُّ الشَّرابيُّ، أو الظَّنُّ بمعنى: اليقين، وما تقدَّم في قولهِ: ﴿قُضِيَ الأَمْرُ﴾ يقتضِي اليقين (﴿اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾) اذكرْ قصَّتي عند سيِّدك (٦)، وهو
الملكُ لعلَّه يخلِّصني من هذه الورطةِ، وقال أبو حيَّان ﵀: إنَّما قال يوسف للسَّاقِي ذلك؛ ليتوصَّل إلى هدايتهِ وإيمانهِ بالله، كما توصَّل إلى إيضاحِ الحقِّ للسَّاقي ورفيقهِ (﴿فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ﴾) أي: أنسى الشَّرابيَّ (﴿ذِكْرَ رَبِّهِ﴾) أن يذكرَ (١) يوسفَ للملك، وقيل: فأنسَى يوسفَ ذكرَ الله حتَّى ابتغَى الفرجَ من غيرهِ واستعانَ بمخلوقٍ. وعندَ ابنِ جرير عن ابن عبَّاس قال: قال رسول الله ﷺ: «لو لم يقلْ -يعني: يوسفَ- الَّتي (٢) قال ما لبث في السِّجن طولَ ما لبثَ، حيث يبتغِي الفرجَ من عند غيرِ الله (٣)»، وهذا الحديث ضعيفٌ جدًّا، فإنَّ في إسناده (٤) سفيانُ بن وكيعٍ وهو ضعيفٌ، وإبراهيمُ بن يزيد الخوزيُّ، وهو أضعفُ من سفيان، فالصَّواب أنَّ الضَّمير في قولهِ: ﴿فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ﴾ عائدٌ على النَّاجي كما قاله مجاهدٌ وغير واحدٍ (﴿فَلَبِثَ﴾) يوسفُ ﵇ (﴿فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾) ما بين الثَّلاث إلى التِّسع (٥). قال وهبٌ: مكثَ يوسفُ سبعًا وقال الضَّحَّاك: عن ابن عبَّاسٍ: اثنتَي عشْرة سنةً، وقيل: أربع عشرة سنةً (﴿وَقَالَ الْمَلِكُ﴾) ملك مصر الرَّيَّان بن الوليد: (﴿إِنِّي أَرَى﴾) في المنام (﴿سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾) خرجْنَ من نهرٍ يابسٍ (﴿يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ﴾) أي: سبعُ بقراتٍ (﴿عِجَافٌ﴾) مَهازيل (﴿وَ﴾) أرى (﴿سَبْعَ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ﴾) قد انعقدَ حَبُّها (﴿وَ﴾) سبعًا (﴿أُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾) قد أدركت، فالْتَوَتِ اليابساتُ على الخُضر حتَّى غلبنَ عليها (٦)، فاستعبرها فلم يجدْ في قومه من يحسنُ عبارتها. قيل: كان ابتداءُ بلاء يوسف ﵇ في الرُّؤيا، ثمَّ كان سبب نجاته أيضًا الرُّؤيا، فلمَّا دنا فرجُه رأى الملكُ هذه الرُّؤيا الَّتي هالته، فجمعَ أعيان العلماء والحُكماء من قومه وقصَّ عليهم رُؤياه فقال: (﴿يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ﴾) عبِّروها (﴿إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾) إن كنتُم عالمين بعبارة الرُّؤيا، واللَّام في «للرُّؤيا» للبيان (﴿قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾) أي: هذهِ أضغاثُ أحلامٍ، وهي تخاليطُها (﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾) يعنون بالأحلامِ المنامات الباطلة، أي: ليس عندنا تأويلٌ إنَّما التَّأويلُ للمناماتِ الصَّحيحةِ، أو اعترفوا بقصورِ علمِهم وأنَّهم (٧)
ليسوا في تأويلِ (١) الأحلامِ بنَحَارير (﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا﴾) من القتلِ (﴿مِنْهُمَا﴾) وهو الشَّرابيُّ (﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾) للملك الَّذي جمعَهم (﴿أَنَاْ أُنَبِّئُكُم﴾) أخبرُكم (﴿بِتَأْوِيلِهِ﴾) بمن عندَه علمُ تعبير هذا المنام (﴿فَأَرْسِلُونِ﴾) فابعثون (٢) إليه لأسأله عنها، فأرسلوهُ إلى يوسف في السِّجن، فأتاه فقال: (﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾) البالغُ في الصِّدق (﴿أَفْتِنَا فِي﴾) رؤيا (﴿سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ﴾) إلى الملك ومن عندَه (﴿لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾) تأويلَها (٣)، أو فضلك، أو مكانك من العلم، فيطلبوكَ ويخلِّصوك من محنتكَ (٤)، فذكر يوسفُ تعبيرها من غير تعنيفٍ لذلك الفتى في نسيانهِ ما وصَّاه به، ومن غير شرطٍ للخروجِ قبل ذلك بل (﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾) بسكون الهمزة، وحفص وحدَه بفتحها، لغتان في مصدرِ دأَبَ يدْأَبُ، أي: دامَ على الشَّيء ولازمَه، وهو هنا نصبٌ على المصدرِ بمعنى: دَائبين (﴿فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ﴾) إذ ذاكَ أبقى له، ومانعٌ له من أكلِ السُّوس (﴿إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ﴾) في تلكِ السِّنين، فعبر البقرات السِّمان بالسِّنين (٥) المخصبة، والسَّنابل الخُضر بالزَّرع، ثمَّ أمرهُم بما هو الصَّواب نصيحةً لهم (﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾) هو من الإسنادِ المجازيِّ، جعل أكلَ أهلهنَّ (٦) مسندًا إليهنَّ (﴿إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ﴾) تحرزون (٧) (﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾) أي: من بعد أربع عشرة سنةً (﴿عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾) من الغيثِ، أي: يمطرون، أو من الغوْثِ، وهو الفرج، فهو في الأوَّل من الثُّلاثي، وفي الثَّاني من الرُّباعي، يقول: غاثنَا الله من الغيثِ، وأغاثنَا من الغوْثِ (﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾) فتأوَّل البقرات السِّمان والسُّنبلات الخُضر بسنين مخاصيب، والعِجَاف واليابسات بسنينَ مُجْدبة، ثمَّ بشَّرهم بعد الفراغِ من تأويل الرُّؤيا بأنَّ العام الثَّامن يجيءُ مباركًا كثيرَ الخير غزير النِّعَم، وذلك من جهةِ الوحي، فرجع السَّاقِي وأخبرَ الملك بتعبيرِ رُؤياه (﴿وَقَالَ الْمَلِكُ﴾) بعد أن رجعَ إليه السَّاقي وأخبره بتعبيرِ رُؤياه
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان التواطؤ أَي: توَافق جمَاعَة على رُؤْيا وَاحِدَة، وَإِن اخْتلفت عباراتهم.
٦٩٩١ - حدّثنا يَحْياى بنُ بُكَيْرٍ، حدّثنا اللَّيْثُ، عنْ عُقَيْلِ، عَن ابنِ شهِاب، عنْ سالِمِ بنِ عَبْدِ الله، عنِ بنِ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهُمَا، أنَّ أُناساً أُرُوا لَيْلَةَ القَدْرِ فِي السَّبْعِ الأواخِرِ، وأنَّ أنُاساً أُرُوها أنَّها فِي العَشْرِ الأواخِرِ، فَقَالَ النبيُّ الْتَمِسُوها فِي السَّبْعِ الأواخِرِ
انْظُر الحَدِيث ١١٥٨ وطرفه
للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَلَكِن اعْتَرَضَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ فَقَالَ: اللَّفْظ الَّذِي سَاقه خلاف التواطؤ، وَحَدِيث التواطؤ: أرى رؤياكم قد تواطأت على الْعشْر الْأَوَاخِر، ورد عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لم يلْتَزم إِيرَاد الحَدِيث بِلَفْظ التواطؤ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بالتواطؤ التوافق وَهُوَ أَعم من أَن يكون الحَدِيث بِلَفْظِهِ أَو بِمَعْنَاهُ.
وَرِجَال الحَدِيث قد تكَرر ذكرهم. والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: أَن أُنَاسًا وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: أَن نَاسا. قَوْله: أروا على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: فِي الْمَنَام. قَوْله: الْأَوَاخِر جمع والسبع مُفْرد فَلَا مُطَابقَة. وَأجِيب بِأَنَّهُ اعْتبر الآخرية بِالنّظرِ إِلَى كل جُزْء مِنْهَا.
٩ - (بابُ رُؤْيا أهْلِ السُّجُونِ والفَسادِ والشّرْكِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان رُؤْيا أهل السجون وَهُوَ جمع سجن بِالْكَسْرِ وَهُوَ الْحَبْس وبالفتح مصدر، وَقد سجنه يسجنه من بَاب نصر أَي حَبسه. قَوْله: وَالْفساد أَي رُؤْيا أهل الْفساد يَعْنِي أهل الْمعاصِي. قَوْله: والشرك يَعْنِي رُؤْيا أهل الشّرك، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر بدل الشّرك الشَّرَاب. بِضَم الشين الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الرَّاء جمع شَارِب أَو بِفتْحَتَيْنِ مخففاً أَي: وَأهل الشَّرَاب وَأُرِيد بِهِ الشَّرَاب الْمحرم وَعطفه على الْفساد من عطف الْخَاص على الْعَام، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن الرُّؤْيَا الصَّالِحَة مُعْتَبرَة فِي حق هَؤُلَاءِ بِأَنَّهَا قد تكون بشرى لأهل السجْن بالخلاص، وَإِن كَانَ المسجون كَافِرًا تكون بشرى لَهُ بهدايته إِلَى الْإِسْلَام كَمَا كَانَت رُؤْيا الفتيين اللَّذين حبسا مَعَ يُوسُف، عَلَيْهِ السَّلَام، صَادِقَة. وَقَالَ أَبُو الْحسن بن أبي طَالب: وَفِي صدق رُؤْيا الفتيين حجَّة على من زعم أَن الْكَافِر لَا يرى رُؤْيا صَادِقَة. وَأما رُؤْيا أهل الْفساد فَتكون بشرى لَهُم بِالتَّوْبَةِ وَالرُّجُوع عَمَّا هم فِيهِ، وَأما رُؤْيا الْكَافِر فَتكون بشرى لَهُ بهدايته إِلَى الْإِيمَان.
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانَ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّى أَرَانِى أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّى أَرَانِى أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَاّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ذاَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِى رَبِّى إِنِّى تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَاّ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالَاْخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَءَابَآءِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَىْءٍ ذالِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَاكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ياصَاحِبَىِ السِّجْنِءَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ}
وَقَالَ الفُضَيْلُ عِنْدَ قَوْلِهِ: {يَا صَاحِبي السجْن} لِبَعْضِ الأتْباعِ يَا عَبْدَ الله {ياصَاحِبَىِ السِّجْنِءَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَاّ أَسْمَآءً سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُمْ مَّآ أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَاّ للَّهِ أَمَرَ أَلَاّ تَعْبُدُو اْ إِلَاّ إِيَّاهُ ذالِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَاكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ياصَاحِبَىِ السِّجْنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِى رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الَاْخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ قُضِىَ الَاْمْرُ الَّذِى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ وَقَالَ لِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِى عِندَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِى السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ وَقَالَ
الْمَلِكُ إِنِّى أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ ياأَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِى فِى رُؤْيَاىَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ قَالُو اْ أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الَاْحْلَامِ بِعَالِمِينَ وَقَالَ الَّذِى نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَاْ أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِى سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّى أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِى سُنبُلِهِ إِلَاّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ ثُمَّ يَأْتِى مِن بَعْدِ ذالِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَاّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ ثُمَّ يَأْتِى مِن بَعْدِ ذالِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِى بِهِ فَلَمَّا جَآءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ الَّاتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّى بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ}
سيقت هَذِه الْآيَات كلهَا فِي رِوَايَة كَرِيمَة، وَهِي ثَلَاث عشرَة آيَة، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر من قَوْله: {وَدخل مَعَه السجْن فتيَان} ثمَّ قَالَ: إِلَى قَوْله: إرجع إِلَى رَبك قَوْله: لقَوْله تَعَالَى وَفِي بعض النّسخ: وَقَوله تَعَالَى، بِدُونِ لَام التَّعْلِيل، وَالْأول أولى لِأَنَّهُ يحْتَج بقوله: {وَدخل مَعَه} إِلَى آخِره على اعْتِبَار الرُّؤْيَا الصَّالِحَة فِي حق أهل السجْن وَالْفساد والشرك وَهُوَ أَيْضا يُوضح حكم التَّرْجَمَة فَإِنَّهُ لم يتَعَرَّض فِيهَا إِلَى بَيَان الحكم. قَوْله: وَدخل مَعَه أَي: مَعَ يُوسُف فتيَان وهما غلامان كَانَا للوليد بن رَيَّان ملك مصر الْأَكْبَر. أَحدهمَا: خبازه وَصَاحب طَعَامه واسْمه مجلث. وَالْآخر: سَاقيه صَاحب شرابه واسْمه نبوء، غضب عَلَيْهِمَا الْملك فحبسهما وَكَانَ يُوسُف لما دخل السجْن قَالَ لأَهله: إِنِّي أعبر الأحلام، فَقَالَ أحد الفتيين لصَاحبه فلنجرب هَذَا العَبْد العبراني فتراءيا لَهُ فَسَأَلَاهُ من غير أَن يَكُونَا رَأيا شَيْئا فَقَالَ أَحدهمَا: إِنِّي أَرَانِي أعصر خمرًا أَي: عنباً بلغَة عمان. وَقيل لأعرابي مَعَه عِنَب مَا مَعَك؟ قَالَ: خمر، وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود: عصر عنباً، وَقيل: إِنَّمَا قَالَ خمرًا بِاعْتِبَار مَا يؤول إِلَيْهِ. قَوْله: {نبئنا بتأويله} أَي: أخبرنَا بتعبيره وَمَا يؤول إِلَيْهِ أَمر هَذِه الرُّؤْيَا. قَوْله: إنل نرَاك من الْمُحْسِنِينَ} أَي: من الْعَالمين الَّذين أَحْسنُوا الْعلم قَالَه الْفراء، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: الْمُحْسِنِينَ إِلَيْنَا إِن قلت ذَلِك. قَوْله: {لَا يأتيكما طَعَام ترزقانه} إِنَّمَا قَالَ ذَلِك لِأَنَّهُ كره أَن يعبر لَهما مَا سألاه لما علم فِي ذَلِك من الْمَكْرُوه على أَحدهمَا فَأَعْرض عَن سؤالهما وَأخذ فِي غَيره، فَقَالَ لَهما: لَا يأتيكما طَعَام ترزقانه فِي نومكما إلَاّ نبأتكما بتأويله أَي: بتفسيره، وألوانه أَي طَعَام أكلْتُم وَكم أكلْتُم وَمَتى أكلْتُم من قبل أَن يأتيكما، فَقَالَا لَهُ. هَذَا من فعل العرافين والكهنة، فَقَالَ يُوسُف: مَا أَنا بكاهن وَإِنَّمَا ذلكما الْعلم مَا عَلمنِي رَبِّي، ثمَّ أعلمهما أَنه مُؤمن، فَقَالَ: {إِنِّي تركت مِلَّة} أَي: دينهم وشريعتهم. قَوْله: {وَاتَّبَعت مِلَّة آبَائِي إِبْرَاهِيم} هِيَ الْملَّة الحنيفية. قَوْله: ذَلِك أَي: التَّوْحِيد وَالْعلم من فضل الله فأراهما دينه وَعلمه وفطنته ثمَّ دعاهما إِلَى الْإِسْلَام فَأقبل عَلَيْهِمَا وعَلى أهل السجْن، وَكَانَ بَين أَيْديهم أصنام يعبدونها من دون الله فَقَالَ إلزاماً للحجة: {يَا صَاحِبي السجْن} جَعلهمَا صَاحِبي السجْن لِكَوْنِهِمَا فِيهِ، فَقَالَ: {أأرباب متفرقون} يَعْنِي: شَتَّى لَا تضر وَلَا تَنْفَع {خير أم الله الْوَاحِد القهار} قَوْله: وَقَالَ الفضيل إِلَى قَوْله: {القهار} وَقع هُنَا عِنْد كَرِيمَة وَوَقع عِنْد أبي ذَر بعد قَوْله: {إرجع إِلَى رَبك} وَوَقع عِنْد غَيرهمَا بعد قَوْله الأعناب والدهن وَالَّذِي عِنْد كَرِيمَة هُوَ أليق. قَوْله: {مَا تَعْبدُونَ} أَي: من دون الله إلَاّ أَسمَاء يَعْنِي لَا حَقِيقَة لَهَا قَوْله: {من سُلْطَان} أَي: حجَّة وبرهان. قَوْله: {ذَلِك الدّين} أَي: ذَلِك الَّذِي دعوتكم إِلَيْهِ من التَّوْحِيد وَترك الشّرك هُوَ {الدّين الْقيم} أَي: الْمُسْتَقيم ثمَّ فسر رؤياهما بقوله: {يَا صَاحِبي السجْن} الخ. وَلما سمعا قَول يُوسُف قَالَا: مَا رَأينَا شَيْئا كُنَّا نلعب فَقَالَ يُوسُف: {أَي قضي الْأَمر} أَي: فرغ الْأَمر الَّذِي سألتهما وَوَجَب حكم الله عَلَيْكُمَا بِالَّذِي أخبرتكما بِهِ، وَقَالَ يُوسُف عِنْد ذَلِك للَّذي ظن أَي علم أَنه تَاج وَهُوَ الساقي {أذكرني عِنْد رَبك} أَي: سيدك قَوْله: {فأنساه الشَّيْطَان} أَي: أنسى يُوسُف الشَّيْطَان ذكر ربه حَتَّى ابْتغى الْفرج من غَيره واستعان بالمخلوق، فَلذَلِك لبث فِي السجْن بضع سِنِين. وَاخْتلف فِي مَعْنَاهُ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: هُوَ مَا بَين الثَّلَاثَة إِلَى الْخَمْسَة، وَقَالَ مُجَاهِد: مَا بَين ثَلَاث إِلَى سبع، وَقَالَ قَتَادَة والأصمعي:
مَا بَين الثَّلَاثَة إِلَى التسع، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: مَا دون الْعشْرَة، وَأكْثر الْمُفَسّرين هَاهُنَا أَن الْبضْع سبع سِنِين، وَلما دنا فرج يُوسُف رأى ملك مصر الْأَكْبَر رُؤْيا عَجِيبَة هالته، وَقَالَ: إِنِّي أرى سبع بقرات سمان خرجن من نهر يَابِس يأكلهن سبع بقرات عجاف أَي: مهازيل فابتلعنهن فدخلن فِي بطونهن فَلم ير مِنْهُنَّ شَيْء، وَرَأى سبع سنبلات خضر قد انْعَقَد حبها وَأخر يابسات قد احتصدت وأفركت فالتوت اليابسات على الْخضر حَتَّى غلبن عَلَيْهِنَّ، فَجمع السَّحَرَة والكهنة والحازة، والقافة وقصها عَلَيْهِم وَقَالَ: {أَيهَا الْمَلأ} أَي: الْأَشْرَاف {أفتوني فِي رُؤْيَايَ} فاعبروها {إِن كُنْتُم للرؤيا تعبرون} قَالُوا: هَذَا الَّذِي رَأَيْته {أضغاث أَحْلَام} أَي: أَحْلَام مختلطة مشتبهة أباطيل، والأضغاث جمع ضغث وَهُوَ الحزمة من أَنْوَاع الْحَشِيش. قَوْله: {وَقَالَ الَّذِي نجا مِنْهُمَا} هُوَ الساقي قَوْله: {وَاذْكُر} أَي تذكر حَاجَة يُوسُف وَهُوَ قَوْله: {اذْكُرْنِي عِنْد رَبك} قَوْله: {بعد أمة} أَي: بعد حِين، وَعَن عِكْرِمَة: بعد قرن، وَعَن سعيد بن جُبَير: بعد سِنِين، وَسَيَجِيءُ مزِيد الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: {أنبئكم} أَي: أخْبركُم بتأويله. قَوْله: {فأرسلون} يَعْنِي إِلَى يُوسُف فَأَرْسلُوهُ إِلَيْهِ فَقَالَ يُوسُف يَعْنِي: يَا يُوسُف {أَيهَا الصّديق} وَهُوَ الْكثير الصدْق. قَوْله: {أَفْتِنَا} إِلَى قَوْله: هِهّهْها من كَلَام الساقي الْمُرْسل إِلَى يُوسُف. قَوْله: {لَعَلَّهُم يعلمُونَ} أَي: تَأْوِيل رُؤْيا الْملك، وَقيل: يعلمُونَ فضلك وعلمك. قَوْله: {قَالَ تزرعون} أَي: قَالَ يُوسُف: {إرجع إِلَى رَبك} أَي كعادتكم، قَالَه الثَّعْلَبِيّ، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: دأباً مصدر دأب فِي الْعَمَل وَهُوَ حَال من المأمورين أَي: دائبين أَي: إِمَّا على تدأبون دأباً وَإِمَّا على إِيقَاع الْمصدر حَالا يَعْنِي: ذَوي دأب. قَوْله: د أَي: اتركوه فِي سنبله، إِنَّمَا قَالَ ذَلِك ليبقى وَلَا يفْسد. قَوْله: ٠ يَعْنِي: سبع سِنِين جَدب وقحط. قَوْله: ك ل أَي: تحرسون وتدخرون. قَوْله: هٌ هٍ من الْغَوْث أَو من الْغَيْث وَهُوَ الْمَطَر أَي: يمطرون مِنْهُ. قَوْله: هَهُ أَكثر الْمُفَسّرين على معنى يعصرون الْعِنَب خمرًا وَالزَّيْتُون زيتاً والسمسم دهناً، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: يعصرون ينجون من الجدب وَالْكرب الْعَصْر والعصرة النجَاة والملجأ، وَقيل: يعصرون يمطرون. دَلِيله {وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَآءً ثَجَّاجاً} ثمَّ إِن الساقي لما رَجَعَ إِلَى الْملك وَأخْبرهُ بِمَا أفتاه يُوسُف من تَأْوِيل رُؤْيَاهُ {فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُول} أَي بِيُوسُف أَي: لما جَاءَ يُوسُف الرَّسُول وَقَالَ: أجب الْملك، قَالَ يُوسُف: {أرجع إِلَى رَبك} أَي: سيدك الْملك فأسأله {مَا بَال النُّبُوَّة} الْآيَة وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك حَتَّى يظْهر عذره وَيعرف صِحَة أمره من قبل النسْوَة، وَتَمام الْقِصَّة فِي موضعهَا.
وادَّكَرَ افْتَعَلَ مِنْ ذَكَرَ، أُمَّةٍ قَرْنٍ وتُقْرَأُ أمَهٍ نِسْيانٍ، وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ يَعْصِرُونَ الأعْنابَ والدُّهْنَ. تُحْصِنُونَ تَحْرُسُونَ.
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى تَفْسِير بعض الْأَلْفَاظ الَّتِي وَقعت فِي الْآيَات الْمَذْكُورَة مِنْهَا قَوْله: وادكر فَإِنَّهُ على وزن افتعل لِأَن أَصله اذكر بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة فنقلت إِلَى بَاب الافتعال فَصَارَ اذتكر، ثمَّ قلبت التَّاء دَالا مُهْملَة فَصَارَ اذدكر، ثمَّ قلبت الذَّال الْمُعْجَمَة دَالا مُهْملَة ثمَّ أدغمت الدَّال فِي الدَّال فَصَارَ ادكر قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: هَذَا هُوَ الفصيح، وَعَن الْحسن بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة. وَقَوله: افتعل من ذكر رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: افتعل من ذكرت، وَمِنْهَا قَوْله: أمة فَإِنَّهُ فَسرهَا بقوله: قرن. قَوْله: ويقرا أمه بِفَتْح الْهمزَة وَتَخْفِيف الْمِيم وبالهاء المنونة، فسره بقوله: نِسْيَان. وَأخرجه الطَّبَرِيّ عَن عِكْرِمَة وتنسب هَذِه الْقِرَاءَة فِي الشواذ إِلَى ابْن عَبَّاس وَالضَّحَّاك، يُقَال: رجل مأموه ذَاهِب الْعقل، يُقَال: أمهت آمه أمهَا بِسُكُون الْمِيم وَمِنْهَا قَوْله: يعصرون إِشَارَة إِلَى تَفْسِيره بقوله: وَقَالَ ابْن عَبَّاس: يعصرون الأعناب والدهن، وَوَصله هَكَذَا ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس. وَمِنْهَا قَوْله: تحصنون ففسره بقوله. يَحْرُسُونَ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ.
٦٩٩٢ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدِ بن أسْماءَ، حدّثنا جُوَيْرِيَة، عنْ مالِكٍ، عنِ الزُّهْرِيِّ أنَّ سَعِيدَ بنَ المُسَيَّبِ وَأَبا عُبَيْدٍ أخْبَراهُ عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: قَالَ رسولُ الله لوْ لبِثْتُ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾
وَالْقِصَّةُ الثَّانِيَةُ بَعْدَ ذَلِكَ بِدَهْرٍ طَوِيلٍ لَمَّا شَاخَ وَاسْتُبْعِدَ مِنْ مِثْلِهِ أَنْ يَجِيءَ لَهُ الْوَلَدُ وَجَاءَتْهُ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَمَا أُمِرُوا بِإِهْلَاكِ قَوْمِ لُوطٍ فَبَشَّرُوهُ بِإِسْحَاقَ، فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ إِسْمَاعِيلَ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ بِكْرُهُ وَأَنَّهُ وُلِدَ قَبْلَ إِسْحَاقَ.
قُلْتُ: وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ جَيِّدٌ وَقَدْ كُنْتُ أَسْتَحْسِنُهُ وَأَحْتَجُّ بِهِ إِلَى أَنْ مَرَّ بِي قَوْلُهُ فِي سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ فَإِنَّهُ يُعَكِّرُ عَلَى قَوْلِهِ إِنَّهُ رُزِقَ إِسْمَاعِيلَ فِي ابْتِدَاءِ أَمْرِهِ وَقُوَّتِهِ لِأَنَّ هَاجَرَ وَالِدَةَ إِسْمَاعِيلَ صَارَتْ لِسَارَّةَ مِنْ قِبَلِ الْجَبَّارِ الَّذِي وَهَبَهَا لَهَا وَإِنَّهَا وَهَبَتْهَا لِإِبْرَاهِيمَ لَمَّا يَئِسَتْ مِنَ الْوَلَدِ فَوَلَدَتْ هَاجَرُ إِسْمَاعِيلَ فَغَارَتْ سَارَّةُ مِنْهَا كَمَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي تَرْجَمَةِ إِبْرَاهِيمَ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ وَوَلَدَتْ بَعْدَ ذَلِكَ إِسْحَاقَ وَاسْتَمَرَّتْ غَيْرَةُ سَارَّةَ إِلَى أَنْ كَانَ مِنْ إِخْرَاجِهَا وَوَلَدِهَا إِلَى مَكَّةَ مَا كَانَ، وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمُبْتَدَأ مُفَصَّلًا، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ فِي تَارِيخِهِ مِنْ طَرِيقِهِ.
وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: انْطَلَقَ إِبْرَاهِيمُ مِنْ بِلَادِ قَوْمِهِ قِبَلَ الشَّامِ فَلَقِيَ سَارَّةَ وَهِيَ بِنْتُ مَلِكِ حَرَّانَ فَآمَنَتْ بِهِ فَتَزَوَّجَهَا، فَلَمَّا قَدِمَ مِصْرَ وَهَبَهَا الْجَبَّارُ هَاجَرَ وَوَهَبَتْهَا لَهُ سَارَّةُ وَكَانَتْ سَارَّةُ مُنِعَتِ الْوَلَدَ وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ قَدْ دَعَا اللَّهَ أَنْ يَهَبَ لَهُ وَلَدًا مِنَ الصَّالِحِينَ فَأُخِّرَتِ الدَّعْوَةُ حَتَّى كَبِرَ فَلَمَّا عَلِمَتْ سَارَّةُ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ وَقَعَ عَلَى هَاجَرَ حَزِنَتْ عَلَى مَا فَاتَهَا مِنَ الْوَلَدِ.
ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ مَجِيءِ الْمَلَائِكَةِ بِسَبَبِ إِهْلَاكِ قَوْمِ لُوطٍ وَتَبْشِيرِهِمْ إِبْرَاهِيمَ بِإِسْحَاقَ فَلِذَلِكَ قَالَ إِبْرَاهِيمُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ وَيُقَالُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إِلَّا ثَلَاثُ سِنِينَ، وَقِيلَ: كَانَ بَيْنَهُمَا أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ كَوْنِ قِصَّةِ الذَّبِيحِ كَانَتْ بِمَكَّةَ حُجَّةٌ قَوِيَّةٌ فِي أَنَّ الذَّبِيحَ إِسْمَاعِيلُ لِأَنَّ سَارَّةَ وَإِسْحَاقَ لَمْ يَكُونَا بِمَكَّةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَسْلَمَا: سَلَّمَا مَا أُمِرَا بِهِ، وَتَلَّهُ: وَضَعَ وَجْهَهُ بِالْأَرْضِ) قَالَ الْفِرْيَابِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ قَالَ: سَلَّمَا مَا أُمِرَا بِهِ، وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ قَالَ: وَضَعَ وَجْهَهُ بِالْأَرْضِ قَالَ: لَا تَذْبَحْنِي وَأَنْتَ تَنْظُرُ فِي وَجْهِي لِئَلَّا تَرْحَمَنِي، فَوَضَعَ جَبْهَتَهُ فِي الْأَرْضِ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ أَيْ: سَلَّمَا لِلَّهِ الْأَمْرَ، وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ قَالَ: اتَّفَقَا عَلَى أَمْرٍ وَاحِدٍ، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ: سَلَّمَ إِبْرَاهِيمُ لِأَمْرِ اللَّهِ وَسَلَّمَ إسحاق لِأَمْرِ إِبْرَاهِيمَ، وَفِي لَفْظٍ: أَمَّا هَذَا فَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لِلَّهِ، وَأَمَّا هَذَا فَأَسْلَمَ ابْنُهُ لِلَّهِ، وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ: تَلَّهُ لِلْجَبِينِ كَبَّهُ لِوَجْهِهِ.
(تَنْبِيهٌ):
هَذِهِ التَّرْجَمَةُ وَالَّتِي قَبْلَهَا لَيْسَ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدِيثٌ مُسْنَدٌ، بَلِ اكْتَفَى فِيهِمَا بِالْقُرْآنِ، وَلَهُمَا نَظَائِرُ. وَقَوْلُ الْكِرْمَانِيِّ إِنَّهُ كَانَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا بَيَاضٌ لِيُلْحَقَ بِهِ حَدِيثٌ يُنَاسِبُهُ مُحْتَمَلٌ مَعَ بُعْدِهِ.
٨ - بَاب التَّوَاطُؤِ عَلَى الرُّؤْيَا
٦٩٩١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵁: أَنَّ أُنَاسًا أُرُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ، وَأَنَّ أُنَاسًا أُرُوها فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: الْتَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ
قَوْلُهُ: (بَابُ التَّوَاطُؤِ عَلَى الرُّؤْيَا) أَيْ تَوَافُقِ جَمَاعَةٍ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ وَلَوِ اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُهُمْ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ أُنَاسًا أُرُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ أَنَّ أُنَاسًا) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ نَاسًا.
قَوْلُهُ: (أُرُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ؟ الْتَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ) كَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مِنْ طَرِيقِ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
عُمَرَ، وَتَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ الصِّيَامِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ مِثْلُهُ لَكِنَّ لَفْظَهُ: أَرَى رُؤْيَاكُمْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا الْحَدِيثَ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْجُمْلَةَ الْوُسْطَى، وَاعْتَرَضَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فَقَالَ: اللَّفْظُ الَّذِي سَاقَهُ خِلَافُ التَّوَاطُؤِ، وَحَدِيثُ التَّوَاطُؤِ أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ عَلَى الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ.
قُلْتُ: لَمْ يَلْتَزِمِ الْبُخَارِيُّ إِيرَادَ الْحَدِيثِ بِلَفْظِ التَّوَاطُؤِ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِالتَّوَاطُؤِ التَّوَافُقَ وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ بِلَفْظِهِ أَوْ بِمَعْنَاهُ، وَذَلِكَ أَنَّ أَفْرَادَ السَّبْعِ دَاخِلَةٌ فِي أَفْرَادِ الْعَشْرِ، فَلَمَّا رَأَى قَوْمٌ أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ وَقَوْمٌ أَنَّهَا فِي السَّبْعِ كَانُوا كَأَنَّهُمْ تَوَافَقُوا عَلَى السَّبْعِ فَأَمَرَهُمْ بِالْتِمَاسِهَا فِي السَّبْعِ لِتَوَافُقِ الطَّائِفَتَيْنِ عَلَيْهَا، وَلِأَنَّهُ أَيْسَرُ عَلَيْهِمْ فَجَرَى الْبُخَارِيُّ عَلَى عَادَتِهِ فِي إِيثَارِ الْأَخْفَى عَلَى الْأَجْلَى، وَالْحَدِيثُ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ قِيَامِ اللَّيْلِ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: رَأَيْتُ كَأَنَّ بِيَدِي قِطْعَةَ إِسْتَبْرَقٍ الْحَدِيثَ.
وَفِيهِ: وَكَانُوا لَا يَزَالُونَ يَقُصُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ الرُّؤْيَا. وَفِيهِ: أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ الْحَدِيثَ، وَيُسْتَفَادُ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّ تَوَافُقَ جَمَاعَةٍ عَلَى رُؤْيَا وَاحِدَةٍ دَالٌّ عَلَى صِدْقِهَا وَصِحَّتِهَا كَمَا تُسْتَفَادُ قُوَّةُ الْخَبَرِ مِنَ التَّوَارُدِ عَلَى الْإِخْبَارِ مِنْ جَمَاعَةٍ.
٩ - بَاب رُؤْيَا أَهْلِ السُّجُونِ وَالْفَسَادِ وَالشِّرْكِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * قَالَ لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ * يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾ وَقَالَ الْفُضَيْلُ لبعض الأتباع يَا عبد الله: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ أَمَرَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ * وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ * وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ * قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ
وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلامِ بِعَالِمِينَ * وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ * يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ * قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
ووضعَ السِّكِّين على قفاه فانقلب (١) السِّكِّين ولم تعملْ شيئًا بمانعٍ من القدرة الإلهيَّة (﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ. قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾) أي: حقَّقت ما أمرناكَ به في المنامِ من تسليمِ الولدِ للذَّبح، وجوابِ «لمَّا» محذوفٌ تقديره: كان ما كان ممَّا ينطق به الحالُ، ولا يحيطُ به الوصفُ (٢) من استبشارهمَا وحمدهمَا لله وشُكرهما على ما أنعمَ به عليهمَا من دفعِ البلاءِ العظيمِ بعد حلولهِ (﴿إِنَّا كَذَلِكَ﴾) أي (٣): كما جزيناك (﴿نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢ - ١٠٥]) لأنفسهم بامتثالِ الأمر بإفراجِ الشِّدَّة عنهم.
(قَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله الفِريابيُّ في «تفسيره» في قولهِ تعالى: (﴿أَسْلَمَا﴾) أي: (سَلَّمَا مَا أُمِرَا بِهِ) سلَّم الابنُ نفسَه للذَّبحِ والأبُ ابنه (﴿وَتَلَّهُ﴾) أي: (وَضَعَ وَجْهَهُ بِالأَرْضِ) لأنَّه قال له: يا أبتِ لا تَذبحني وأنت تنظرُ في وجهِي؛ لئلَّا ترحمني.
ولم يذكر البخاريُّ ﵀ هنا حديثًا كالتَّرجمة الَّتي قبلُ، بل اكتفى فيهمَا بما أوردهُ من الآيات القرآنيَّة، ولعلَّه لم يتَّفق له حديثٌ فيهما (٤) على شرطهِ.
(٨) (باب التَّوَاطُؤُ) أي: توافق جماعةٍ (عَلَى الرُّؤْيَا) الواحدةِ وإن اختلفت عباراتهم.
٦٩٩١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) نسبَه لجدِّه، وأبوه عبد الله، قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (٥) (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين، ابن خالد الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) والد سالمٍ (﵁) وعن أبيهِ (أَنَّ أُنَاسًا) بضم الهمزة،
ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «أنَّ ناسًا» بإسقاط الهمزةِ (أُرُوا) في المنام (لَيْلَةَ القَدْرِ) بضم الهمزة، وأصلُه: أُرِيُوا، فاستثقلتِ الضَّمة على الياء وقبلها كسرة فحذفت الضَّمة وتبعتها الياء، ثمَّ ضمَّت الراء لأجل الواو، وهو مبنيٌّ لما لم يسمَّ فاعله، ومفعوله النَّائب عن الفاعل الضَّمير وهو الواو، والرُّؤيا هنا اختلفَ فيها فقال ابنُ هشام: مصدر رأى الحُلميَّة عند ابن مالكٍ والحريري. قال: وعندِي لا تختصُّ بها لقولهِ تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] قال ابنُ عبَّاسٍ: هي رؤيا عين، فدلَّ على أنَّه مصدرُ الحُلميَّة والبصَريَّة (١)، وقد ألحقوا رأى الحُلميَّة برأى العلميَّة في التَّعدِّي لاثنين. انتهى.
وقد جعلها أبو البقاء وجماعةٌ بصَريَّةً، فعلى هذا تتعدَّى لمفعولٍ واحدٍ، وتنقل بالهمزة إلى الثَّاني، فيكون الثَّاني (٢) هنا ليلة القدرِ، وقد انتقلَ عن أصلهِ من الظَّرفيَّة إلى المفعوليَّة؛ لأنَّهم لم (٣) يروا فيها إنَّما رأوا (٤) نفسها، يعني: ألقاها الله تعالى (٥) في قلوبهم (فِي) ليالي (السَّبْعِ الأَوَاخِرِ) من شهر رمضان، جمع: آخرة (وَأَنَّ أُنَاسًا) آخرين (أُرُوهَا فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ) منه (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: التَمِسُوهَا) اطلبوا ليلةَ القدرِ (فِي) ليالي (السَّبْعِ الأَوَاخِرِ) صفة للسَّبع كالسَّابق، والسَّبع داخلةٌ في العشر، فلمَّا رأى قومٌ أنَّها في العشْر، وآخرون أنَّها في السَّبع كانوا كأنَّهم (٦) توافقوا على السَّبع، فأمرهم النَّبيُّ (٧) ﷺ بالتماسها في السَّبع؛ لتوافق الفريقين عليها، فجرى البخاريُّ على عادتهِ في إيثار الأخفَى على الأجلى، فلم يذكر قولهُ: «أرى رُؤياكُم قد تَوَاطأتْ في السَّبع الأواخرِ» السَّابق في أواخرِ الصِّيام [خ¦٢٠١٥].
(٩) (باب رُؤْيَا أَهْلِ السُّجُونِ (١)) جمع: سِجن -بالكسر- وهو الحبسُ (وَ) رؤيا أهلِ (الفَسَادِ وَ) أهل (الشِّرْكِ) ولأبي ذرٍّ -ممَّا ذكره في «الفتح» - «والشُّرَّاب» بضم المعجمة وتشديد الراء، جمع: شاربٍ، بدل قولهِ: «والشِّرك». والمراد: شَرَبَةُ المحرَّم، وعطفه على أهلِ الفسادِ من عطفِ الخاصِّ على العامِّ (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ﴾) أي: مع يوسف ﵇ (٢) (﴿السِّجْنَ فَتَيَانَ﴾) عبدان للملكِ ريَّان بن الوليد (٣) ملك مصرَ الأكبر أحدُهما خبَّازُه والآخرُ شرابيُّه؛ للاتِّهام بأنَّهما يُريدان أن يُسِمَّاه (﴿قَالَ أَحَدُهُمَآ﴾) هو: الشَّرابي، واسمُه نبوء، وقيل: هو مرطيس (٤) (﴿إِنِّي أَرَانِي﴾) في المنامِ (﴿أَعْصِرُ
خَمْرًا﴾) عنبًا تسميةً له بما يؤولُ إليه، وقرأها ابنُ مسعودٍ: (إنِّي أراني أعصر عنبًا) (﴿وَقَالَ الآخَرُ﴾) وهو الخبَّاز مخلث -بالخاء (١) المعجمة وبعد اللام مثلَّثة-، وقيل: راشان (﴿إِنِّي أَرَانِي﴾) في المنام (﴿أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ﴾) تنهشُ منه (﴿نَبِّئْنَا﴾) أخبرنَا (﴿بِتَأْوِيلِهِ﴾) بتفسيرهِ وتعبيرهِ وما يؤولُ إليه (﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾) الَّذين يحسنونَ عبارةَ الرُّؤيا، وتأويله أنَّ الأنبياء يخبرون عمَّا سيكون، والرُّؤيا تدلُّ على ما سيكون (﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ﴾) في نَومكما (﴿إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾) في اليقظةِ (٢) (﴿قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا﴾) أو: لا يأتيَكمَا في اليقظةِ ﴿طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ﴾ من منازلِكُمَا ﴿تُرْزَقَانِهِ﴾ تُطْعَمانه وتأكُلانهِ إلَّا أخبرتُكُما بقَدْره ولونهِ والوقتِ الَّذي يصل إليكما قبل أنْ يصلَ، وأيَّ طعامٍ أكلتُم ومتى أكلتُم، وهذا مثلُ معجزةِ عيسى، حيثُ قال: ﴿وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩] (﴿ذَلِكُمَا﴾) التَّأويل والإخبارُ بالمغيبات (﴿مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾) بالإلهامِ والوحي ولم أقلْه عن تكهُّنٍ وتنجُّمٍ (﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾) يحتمل أن يكون كلامًا مبتدأ، وأنْ يكون تعليلًا لسابقهِ، أي: علَّمني ذلك لأنِّي تركت ملَّة أولئك الكفَّار (٣) (﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ﴾) وهي الملَّة الحنيفيَّة، وذكرَ الآباءَ؛ ليعلِّمهما أنَّه من بيت النُّبوَّة لتقوَى رغبتهما في الاستماعِ إليه، والمراد التَّرك ابتداءً لا أنَّه كان فيه ثمَّ ترك، يقول: هجرتُ طريق الكفرِ والشِّرك، وسلكتُ طريقَ آبائي المرسلين صلواتُ الله وسلامه عليهم أجمعين، وهكذا يكون حال من سلكَ طريقَ (٤) الهدى، واتَّبع طريق المرسلين، وأعرضَ عن الضَّالِّين، فإنَّه يهدي قلبه ويعلِّمه ما لم يكنْ يعلم، ويجعله إمامًا يهتدى به في الخيرِ، وداعيًا إلى سبيل الرَّشاد (﴿مَا كَانَ لَنَا﴾) ما صحَّ لنا معاشر الأنبياءِ (﴿أَن نُّشْرِكَ بِاللّهِ مِن شَيْءٍ﴾) أيَّ شيءٍ كان صنمًا أو غيره (﴿ذَلِكَ﴾) أي: التَّوحيد (﴿مِن فَضْلِ اللّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾) فضلَ الله تعالى فيشركونَ به ولا ينتبهون (٥)، ثمَّ دَعاهما إلى الإسلامِ وأقبلَ (٦) عليهما وكان بين أيديهما أصنامٌ
يعبدُونها من دونِ الله، فقال -إلزامًا للحجَّة-: (﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾) يا ساكنيهِ، أو يا صاحِبيَّ فيه، وأضافَهما إليه على الاتِّساع (﴿أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ﴾) شتَّى متعدِّدة مُتساوية.
(وَقَالَ الفُضَيْلُ) بنُ عياض ﵀ (لِبَعْضِ الأَتْبَاعِ: يَا عَبْدَ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «وقال الفضيلُ عند قولهِ: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾» (﴿أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾) الَّذي ذلَّ كلُّ شيءٍ لعزِّ (١) جلالهِ وعظيمِ (٢) سُلطانه، ولا يُغَالب ولا يُشَارك في الرُّبوبيَّة (﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾) خطابٌ (٣) لهما ولمن كان على دينهمَا من أهل مصر (﴿مِن دُونِهِ﴾) تعالى (٤) (﴿إِلاَّ أَسْمَاء﴾) لا حقيقةَ لها (﴿سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم﴾) آلهةً ثمَّ طفقتُم تعبدونها، فكأنَّكم لا تعبدونَ إلَّا الأسماء لا مسمَّياتها (﴿مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا﴾) بتسميتِهَا (﴿مِن سُلْطَانٍ﴾) حجَّة (﴿إِنِ الْحُكْمُ﴾) في أمرِ العبادة والدِّين (﴿إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ﴾) على لسانِ أنبيائهِ (﴿أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾) بيانٌ لقولهِ: ﴿إِنِ الْحُكْمُ﴾ (﴿ذَلِكَ﴾) الَّذي أدعوكُم إليه من التَّوحيد وإخلاصِ العمل هو (﴿الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾) الحقُّ المستقيمُ الَّذي أمرَ الله به، وأنزلَ به الحجَّة والبرهان (﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾) فلذا كان أكثرُهم مُشركين، ثمَّ عبر الرُّؤيا فقال: (﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا﴾) يعني: الشَّرابيَّ (﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ﴾) سيِّده (﴿خَمْرًا﴾) كما كان يسقيهِ قبلُ (﴿وَأَمَّا الآخَرُ﴾) يعني: الخبَّاز (﴿فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ﴾) فقالا: كذَّبنا، فقال يوسف (﴿قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾) فهو واقعٌ لا محالةَ، فإنَّ الرُّؤيا على رجل طائرٍ ما لم تعبر، فإذا عُبرت وقعتْ. وفي «مسند أبي يعلى الموصلي» عن أنسٍ مرفوعًا: «الرُّؤيا لأوَّل عابرٍ» (﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا﴾) الظَّانُّ يوسف ﵇ إن كانَ تأويلُه عن اجتهادٍ، وإن كانَ عن وحي (٥) فالظَّانُّ الشَّرابيُّ، أو الظَّنُّ بمعنى: اليقين، وما تقدَّم في قولهِ: ﴿قُضِيَ الأَمْرُ﴾ يقتضِي اليقين (﴿اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾) اذكرْ قصَّتي عند سيِّدك (٦)، وهو
الملكُ لعلَّه يخلِّصني من هذه الورطةِ، وقال أبو حيَّان ﵀: إنَّما قال يوسف للسَّاقِي ذلك؛ ليتوصَّل إلى هدايتهِ وإيمانهِ بالله، كما توصَّل إلى إيضاحِ الحقِّ للسَّاقي ورفيقهِ (﴿فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ﴾) أي: أنسى الشَّرابيَّ (﴿ذِكْرَ رَبِّهِ﴾) أن يذكرَ (١) يوسفَ للملك، وقيل: فأنسَى يوسفَ ذكرَ الله حتَّى ابتغَى الفرجَ من غيرهِ واستعانَ بمخلوقٍ. وعندَ ابنِ جرير عن ابن عبَّاس قال: قال رسول الله ﷺ: «لو لم يقلْ -يعني: يوسفَ- الَّتي (٢) قال ما لبث في السِّجن طولَ ما لبثَ، حيث يبتغِي الفرجَ من عند غيرِ الله (٣)»، وهذا الحديث ضعيفٌ جدًّا، فإنَّ في إسناده (٤) سفيانُ بن وكيعٍ وهو ضعيفٌ، وإبراهيمُ بن يزيد الخوزيُّ، وهو أضعفُ من سفيان، فالصَّواب أنَّ الضَّمير في قولهِ: ﴿فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ﴾ عائدٌ على النَّاجي كما قاله مجاهدٌ وغير واحدٍ (﴿فَلَبِثَ﴾) يوسفُ ﵇ (﴿فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾) ما بين الثَّلاث إلى التِّسع (٥). قال وهبٌ: مكثَ يوسفُ سبعًا وقال الضَّحَّاك: عن ابن عبَّاسٍ: اثنتَي عشْرة سنةً، وقيل: أربع عشرة سنةً (﴿وَقَالَ الْمَلِكُ﴾) ملك مصر الرَّيَّان بن الوليد: (﴿إِنِّي أَرَى﴾) في المنام (﴿سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾) خرجْنَ من نهرٍ يابسٍ (﴿يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ﴾) أي: سبعُ بقراتٍ (﴿عِجَافٌ﴾) مَهازيل (﴿وَ﴾) أرى (﴿سَبْعَ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ﴾) قد انعقدَ حَبُّها (﴿وَ﴾) سبعًا (﴿أُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾) قد أدركت، فالْتَوَتِ اليابساتُ على الخُضر حتَّى غلبنَ عليها (٦)، فاستعبرها فلم يجدْ في قومه من يحسنُ عبارتها. قيل: كان ابتداءُ بلاء يوسف ﵇ في الرُّؤيا، ثمَّ كان سبب نجاته أيضًا الرُّؤيا، فلمَّا دنا فرجُه رأى الملكُ هذه الرُّؤيا الَّتي هالته، فجمعَ أعيان العلماء والحُكماء من قومه وقصَّ عليهم رُؤياه فقال: (﴿يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ﴾) عبِّروها (﴿إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾) إن كنتُم عالمين بعبارة الرُّؤيا، واللَّام في «للرُّؤيا» للبيان (﴿قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾) أي: هذهِ أضغاثُ أحلامٍ، وهي تخاليطُها (﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾) يعنون بالأحلامِ المنامات الباطلة، أي: ليس عندنا تأويلٌ إنَّما التَّأويلُ للمناماتِ الصَّحيحةِ، أو اعترفوا بقصورِ علمِهم وأنَّهم (٧)
ليسوا في تأويلِ (١) الأحلامِ بنَحَارير (﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا﴾) من القتلِ (﴿مِنْهُمَا﴾) وهو الشَّرابيُّ (﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾) للملك الَّذي جمعَهم (﴿أَنَاْ أُنَبِّئُكُم﴾) أخبرُكم (﴿بِتَأْوِيلِهِ﴾) بمن عندَه علمُ تعبير هذا المنام (﴿فَأَرْسِلُونِ﴾) فابعثون (٢) إليه لأسأله عنها، فأرسلوهُ إلى يوسف في السِّجن، فأتاه فقال: (﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾) البالغُ في الصِّدق (﴿أَفْتِنَا فِي﴾) رؤيا (﴿سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ﴾) إلى الملك ومن عندَه (﴿لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾) تأويلَها (٣)، أو فضلك، أو مكانك من العلم، فيطلبوكَ ويخلِّصوك من محنتكَ (٤)، فذكر يوسفُ تعبيرها من غير تعنيفٍ لذلك الفتى في نسيانهِ ما وصَّاه به، ومن غير شرطٍ للخروجِ قبل ذلك بل (﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾) بسكون الهمزة، وحفص وحدَه بفتحها، لغتان في مصدرِ دأَبَ يدْأَبُ، أي: دامَ على الشَّيء ولازمَه، وهو هنا نصبٌ على المصدرِ بمعنى: دَائبين (﴿فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ﴾) إذ ذاكَ أبقى له، ومانعٌ له من أكلِ السُّوس (﴿إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ﴾) في تلكِ السِّنين، فعبر البقرات السِّمان بالسِّنين (٥) المخصبة، والسَّنابل الخُضر بالزَّرع، ثمَّ أمرهُم بما هو الصَّواب نصيحةً لهم (﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾) هو من الإسنادِ المجازيِّ، جعل أكلَ أهلهنَّ (٦) مسندًا إليهنَّ (﴿إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ﴾) تحرزون (٧) (﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾) أي: من بعد أربع عشرة سنةً (﴿عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾) من الغيثِ، أي: يمطرون، أو من الغوْثِ، وهو الفرج، فهو في الأوَّل من الثُّلاثي، وفي الثَّاني من الرُّباعي، يقول: غاثنَا الله من الغيثِ، وأغاثنَا من الغوْثِ (﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾) فتأوَّل البقرات السِّمان والسُّنبلات الخُضر بسنين مخاصيب، والعِجَاف واليابسات بسنينَ مُجْدبة، ثمَّ بشَّرهم بعد الفراغِ من تأويل الرُّؤيا بأنَّ العام الثَّامن يجيءُ مباركًا كثيرَ الخير غزير النِّعَم، وذلك من جهةِ الوحي، فرجع السَّاقِي وأخبرَ الملك بتعبيرِ رُؤياه (﴿وَقَالَ الْمَلِكُ﴾) بعد أن رجعَ إليه السَّاقي وأخبره بتعبيرِ رُؤياه
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان التواطؤ أَي: توَافق جمَاعَة على رُؤْيا وَاحِدَة، وَإِن اخْتلفت عباراتهم.
٦٩٩١ - حدّثنا يَحْياى بنُ بُكَيْرٍ، حدّثنا اللَّيْثُ، عنْ عُقَيْلِ، عَن ابنِ شهِاب، عنْ سالِمِ بنِ عَبْدِ الله، عنِ بنِ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهُمَا، أنَّ أُناساً أُرُوا لَيْلَةَ القَدْرِ فِي السَّبْعِ الأواخِرِ، وأنَّ أنُاساً أُرُوها أنَّها فِي العَشْرِ الأواخِرِ، فَقَالَ النبيُّ الْتَمِسُوها فِي السَّبْعِ الأواخِرِ
انْظُر الحَدِيث ١١٥٨ وطرفه
للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَلَكِن اعْتَرَضَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ فَقَالَ: اللَّفْظ الَّذِي سَاقه خلاف التواطؤ، وَحَدِيث التواطؤ: أرى رؤياكم قد تواطأت على الْعشْر الْأَوَاخِر، ورد عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لم يلْتَزم إِيرَاد الحَدِيث بِلَفْظ التواطؤ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بالتواطؤ التوافق وَهُوَ أَعم من أَن يكون الحَدِيث بِلَفْظِهِ أَو بِمَعْنَاهُ.
وَرِجَال الحَدِيث قد تكَرر ذكرهم. والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: أَن أُنَاسًا وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: أَن نَاسا. قَوْله: أروا على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: فِي الْمَنَام. قَوْله: الْأَوَاخِر جمع والسبع مُفْرد فَلَا مُطَابقَة. وَأجِيب بِأَنَّهُ اعْتبر الآخرية بِالنّظرِ إِلَى كل جُزْء مِنْهَا.
٩ - (بابُ رُؤْيا أهْلِ السُّجُونِ والفَسادِ والشّرْكِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان رُؤْيا أهل السجون وَهُوَ جمع سجن بِالْكَسْرِ وَهُوَ الْحَبْس وبالفتح مصدر، وَقد سجنه يسجنه من بَاب نصر أَي حَبسه. قَوْله: وَالْفساد أَي رُؤْيا أهل الْفساد يَعْنِي أهل الْمعاصِي. قَوْله: والشرك يَعْنِي رُؤْيا أهل الشّرك، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر بدل الشّرك الشَّرَاب. بِضَم الشين الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الرَّاء جمع شَارِب أَو بِفتْحَتَيْنِ مخففاً أَي: وَأهل الشَّرَاب وَأُرِيد بِهِ الشَّرَاب الْمحرم وَعطفه على الْفساد من عطف الْخَاص على الْعَام، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن الرُّؤْيَا الصَّالِحَة مُعْتَبرَة فِي حق هَؤُلَاءِ بِأَنَّهَا قد تكون بشرى لأهل السجْن بالخلاص، وَإِن كَانَ المسجون كَافِرًا تكون بشرى لَهُ بهدايته إِلَى الْإِسْلَام كَمَا كَانَت رُؤْيا الفتيين اللَّذين حبسا مَعَ يُوسُف، عَلَيْهِ السَّلَام، صَادِقَة. وَقَالَ أَبُو الْحسن بن أبي طَالب: وَفِي صدق رُؤْيا الفتيين حجَّة على من زعم أَن الْكَافِر لَا يرى رُؤْيا صَادِقَة. وَأما رُؤْيا أهل الْفساد فَتكون بشرى لَهُم بِالتَّوْبَةِ وَالرُّجُوع عَمَّا هم فِيهِ، وَأما رُؤْيا الْكَافِر فَتكون بشرى لَهُ بهدايته إِلَى الْإِيمَان.
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانَ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّى أَرَانِى أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّى أَرَانِى أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَاّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ذاَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِى رَبِّى إِنِّى تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَاّ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالَاْخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَءَابَآءِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَىْءٍ ذالِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَاكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ياصَاحِبَىِ السِّجْنِءَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ}
وَقَالَ الفُضَيْلُ عِنْدَ قَوْلِهِ: {يَا صَاحِبي السجْن} لِبَعْضِ الأتْباعِ يَا عَبْدَ الله {ياصَاحِبَىِ السِّجْنِءَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَاّ أَسْمَآءً سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُمْ مَّآ أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَاّ للَّهِ أَمَرَ أَلَاّ تَعْبُدُو اْ إِلَاّ إِيَّاهُ ذالِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَاكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ياصَاحِبَىِ السِّجْنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِى رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الَاْخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ قُضِىَ الَاْمْرُ الَّذِى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ وَقَالَ لِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِى عِندَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِى السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ وَقَالَ
الْمَلِكُ إِنِّى أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ ياأَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِى فِى رُؤْيَاىَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ قَالُو اْ أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الَاْحْلَامِ بِعَالِمِينَ وَقَالَ الَّذِى نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَاْ أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِى سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّى أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِى سُنبُلِهِ إِلَاّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ ثُمَّ يَأْتِى مِن بَعْدِ ذالِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَاّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ ثُمَّ يَأْتِى مِن بَعْدِ ذالِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِى بِهِ فَلَمَّا جَآءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ الَّاتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّى بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ}
سيقت هَذِه الْآيَات كلهَا فِي رِوَايَة كَرِيمَة، وَهِي ثَلَاث عشرَة آيَة، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر من قَوْله: {وَدخل مَعَه السجْن فتيَان} ثمَّ قَالَ: إِلَى قَوْله: إرجع إِلَى رَبك قَوْله: لقَوْله تَعَالَى وَفِي بعض النّسخ: وَقَوله تَعَالَى، بِدُونِ لَام التَّعْلِيل، وَالْأول أولى لِأَنَّهُ يحْتَج بقوله: {وَدخل مَعَه} إِلَى آخِره على اعْتِبَار الرُّؤْيَا الصَّالِحَة فِي حق أهل السجْن وَالْفساد والشرك وَهُوَ أَيْضا يُوضح حكم التَّرْجَمَة فَإِنَّهُ لم يتَعَرَّض فِيهَا إِلَى بَيَان الحكم. قَوْله: وَدخل مَعَه أَي: مَعَ يُوسُف فتيَان وهما غلامان كَانَا للوليد بن رَيَّان ملك مصر الْأَكْبَر. أَحدهمَا: خبازه وَصَاحب طَعَامه واسْمه مجلث. وَالْآخر: سَاقيه صَاحب شرابه واسْمه نبوء، غضب عَلَيْهِمَا الْملك فحبسهما وَكَانَ يُوسُف لما دخل السجْن قَالَ لأَهله: إِنِّي أعبر الأحلام، فَقَالَ أحد الفتيين لصَاحبه فلنجرب هَذَا العَبْد العبراني فتراءيا لَهُ فَسَأَلَاهُ من غير أَن يَكُونَا رَأيا شَيْئا فَقَالَ أَحدهمَا: إِنِّي أَرَانِي أعصر خمرًا أَي: عنباً بلغَة عمان. وَقيل لأعرابي مَعَه عِنَب مَا مَعَك؟ قَالَ: خمر، وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود: عصر عنباً، وَقيل: إِنَّمَا قَالَ خمرًا بِاعْتِبَار مَا يؤول إِلَيْهِ. قَوْله: {نبئنا بتأويله} أَي: أخبرنَا بتعبيره وَمَا يؤول إِلَيْهِ أَمر هَذِه الرُّؤْيَا. قَوْله: إنل نرَاك من الْمُحْسِنِينَ} أَي: من الْعَالمين الَّذين أَحْسنُوا الْعلم قَالَه الْفراء، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: الْمُحْسِنِينَ إِلَيْنَا إِن قلت ذَلِك. قَوْله: {لَا يأتيكما طَعَام ترزقانه} إِنَّمَا قَالَ ذَلِك لِأَنَّهُ كره أَن يعبر لَهما مَا سألاه لما علم فِي ذَلِك من الْمَكْرُوه على أَحدهمَا فَأَعْرض عَن سؤالهما وَأخذ فِي غَيره، فَقَالَ لَهما: لَا يأتيكما طَعَام ترزقانه فِي نومكما إلَاّ نبأتكما بتأويله أَي: بتفسيره، وألوانه أَي طَعَام أكلْتُم وَكم أكلْتُم وَمَتى أكلْتُم من قبل أَن يأتيكما، فَقَالَا لَهُ. هَذَا من فعل العرافين والكهنة، فَقَالَ يُوسُف: مَا أَنا بكاهن وَإِنَّمَا ذلكما الْعلم مَا عَلمنِي رَبِّي، ثمَّ أعلمهما أَنه مُؤمن، فَقَالَ: {إِنِّي تركت مِلَّة} أَي: دينهم وشريعتهم. قَوْله: {وَاتَّبَعت مِلَّة آبَائِي إِبْرَاهِيم} هِيَ الْملَّة الحنيفية. قَوْله: ذَلِك أَي: التَّوْحِيد وَالْعلم من فضل الله فأراهما دينه وَعلمه وفطنته ثمَّ دعاهما إِلَى الْإِسْلَام فَأقبل عَلَيْهِمَا وعَلى أهل السجْن، وَكَانَ بَين أَيْديهم أصنام يعبدونها من دون الله فَقَالَ إلزاماً للحجة: {يَا صَاحِبي السجْن} جَعلهمَا صَاحِبي السجْن لِكَوْنِهِمَا فِيهِ، فَقَالَ: {أأرباب متفرقون} يَعْنِي: شَتَّى لَا تضر وَلَا تَنْفَع {خير أم الله الْوَاحِد القهار} قَوْله: وَقَالَ الفضيل إِلَى قَوْله: {القهار} وَقع هُنَا عِنْد كَرِيمَة وَوَقع عِنْد أبي ذَر بعد قَوْله: {إرجع إِلَى رَبك} وَوَقع عِنْد غَيرهمَا بعد قَوْله الأعناب والدهن وَالَّذِي عِنْد كَرِيمَة هُوَ أليق. قَوْله: {مَا تَعْبدُونَ} أَي: من دون الله إلَاّ أَسمَاء يَعْنِي لَا حَقِيقَة لَهَا قَوْله: {من سُلْطَان} أَي: حجَّة وبرهان. قَوْله: {ذَلِك الدّين} أَي: ذَلِك الَّذِي دعوتكم إِلَيْهِ من التَّوْحِيد وَترك الشّرك هُوَ {الدّين الْقيم} أَي: الْمُسْتَقيم ثمَّ فسر رؤياهما بقوله: {يَا صَاحِبي السجْن} الخ. وَلما سمعا قَول يُوسُف قَالَا: مَا رَأينَا شَيْئا كُنَّا نلعب فَقَالَ يُوسُف: {أَي قضي الْأَمر} أَي: فرغ الْأَمر الَّذِي سألتهما وَوَجَب حكم الله عَلَيْكُمَا بِالَّذِي أخبرتكما بِهِ، وَقَالَ يُوسُف عِنْد ذَلِك للَّذي ظن أَي علم أَنه تَاج وَهُوَ الساقي {أذكرني عِنْد رَبك} أَي: سيدك قَوْله: {فأنساه الشَّيْطَان} أَي: أنسى يُوسُف الشَّيْطَان ذكر ربه حَتَّى ابْتغى الْفرج من غَيره واستعان بالمخلوق، فَلذَلِك لبث فِي السجْن بضع سِنِين. وَاخْتلف فِي مَعْنَاهُ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: هُوَ مَا بَين الثَّلَاثَة إِلَى الْخَمْسَة، وَقَالَ مُجَاهِد: مَا بَين ثَلَاث إِلَى سبع، وَقَالَ قَتَادَة والأصمعي:
مَا بَين الثَّلَاثَة إِلَى التسع، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: مَا دون الْعشْرَة، وَأكْثر الْمُفَسّرين هَاهُنَا أَن الْبضْع سبع سِنِين، وَلما دنا فرج يُوسُف رأى ملك مصر الْأَكْبَر رُؤْيا عَجِيبَة هالته، وَقَالَ: إِنِّي أرى سبع بقرات سمان خرجن من نهر يَابِس يأكلهن سبع بقرات عجاف أَي: مهازيل فابتلعنهن فدخلن فِي بطونهن فَلم ير مِنْهُنَّ شَيْء، وَرَأى سبع سنبلات خضر قد انْعَقَد حبها وَأخر يابسات قد احتصدت وأفركت فالتوت اليابسات على الْخضر حَتَّى غلبن عَلَيْهِنَّ، فَجمع السَّحَرَة والكهنة والحازة، والقافة وقصها عَلَيْهِم وَقَالَ: {أَيهَا الْمَلأ} أَي: الْأَشْرَاف {أفتوني فِي رُؤْيَايَ} فاعبروها {إِن كُنْتُم للرؤيا تعبرون} قَالُوا: هَذَا الَّذِي رَأَيْته {أضغاث أَحْلَام} أَي: أَحْلَام مختلطة مشتبهة أباطيل، والأضغاث جمع ضغث وَهُوَ الحزمة من أَنْوَاع الْحَشِيش. قَوْله: {وَقَالَ الَّذِي نجا مِنْهُمَا} هُوَ الساقي قَوْله: {وَاذْكُر} أَي تذكر حَاجَة يُوسُف وَهُوَ قَوْله: {اذْكُرْنِي عِنْد رَبك} قَوْله: {بعد أمة} أَي: بعد حِين، وَعَن عِكْرِمَة: بعد قرن، وَعَن سعيد بن جُبَير: بعد سِنِين، وَسَيَجِيءُ مزِيد الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: {أنبئكم} أَي: أخْبركُم بتأويله. قَوْله: {فأرسلون} يَعْنِي إِلَى يُوسُف فَأَرْسلُوهُ إِلَيْهِ فَقَالَ يُوسُف يَعْنِي: يَا يُوسُف {أَيهَا الصّديق} وَهُوَ الْكثير الصدْق. قَوْله: {أَفْتِنَا} إِلَى قَوْله: هِهّهْها من كَلَام الساقي الْمُرْسل إِلَى يُوسُف. قَوْله: {لَعَلَّهُم يعلمُونَ} أَي: تَأْوِيل رُؤْيا الْملك، وَقيل: يعلمُونَ فضلك وعلمك. قَوْله: {قَالَ تزرعون} أَي: قَالَ يُوسُف: {إرجع إِلَى رَبك} أَي كعادتكم، قَالَه الثَّعْلَبِيّ، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: دأباً مصدر دأب فِي الْعَمَل وَهُوَ حَال من المأمورين أَي: دائبين أَي: إِمَّا على تدأبون دأباً وَإِمَّا على إِيقَاع الْمصدر حَالا يَعْنِي: ذَوي دأب. قَوْله: د أَي: اتركوه فِي سنبله، إِنَّمَا قَالَ ذَلِك ليبقى وَلَا يفْسد. قَوْله: ٠ يَعْنِي: سبع سِنِين جَدب وقحط. قَوْله: ك ل أَي: تحرسون وتدخرون. قَوْله: هٌ هٍ من الْغَوْث أَو من الْغَيْث وَهُوَ الْمَطَر أَي: يمطرون مِنْهُ. قَوْله: هَهُ أَكثر الْمُفَسّرين على معنى يعصرون الْعِنَب خمرًا وَالزَّيْتُون زيتاً والسمسم دهناً، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: يعصرون ينجون من الجدب وَالْكرب الْعَصْر والعصرة النجَاة والملجأ، وَقيل: يعصرون يمطرون. دَلِيله {وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَآءً ثَجَّاجاً} ثمَّ إِن الساقي لما رَجَعَ إِلَى الْملك وَأخْبرهُ بِمَا أفتاه يُوسُف من تَأْوِيل رُؤْيَاهُ {فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُول} أَي بِيُوسُف أَي: لما جَاءَ يُوسُف الرَّسُول وَقَالَ: أجب الْملك، قَالَ يُوسُف: {أرجع إِلَى رَبك} أَي: سيدك الْملك فأسأله {مَا بَال النُّبُوَّة} الْآيَة وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك حَتَّى يظْهر عذره وَيعرف صِحَة أمره من قبل النسْوَة، وَتَمام الْقِصَّة فِي موضعهَا.
وادَّكَرَ افْتَعَلَ مِنْ ذَكَرَ، أُمَّةٍ قَرْنٍ وتُقْرَأُ أمَهٍ نِسْيانٍ، وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ يَعْصِرُونَ الأعْنابَ والدُّهْنَ. تُحْصِنُونَ تَحْرُسُونَ.
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى تَفْسِير بعض الْأَلْفَاظ الَّتِي وَقعت فِي الْآيَات الْمَذْكُورَة مِنْهَا قَوْله: وادكر فَإِنَّهُ على وزن افتعل لِأَن أَصله اذكر بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة فنقلت إِلَى بَاب الافتعال فَصَارَ اذتكر، ثمَّ قلبت التَّاء دَالا مُهْملَة فَصَارَ اذدكر، ثمَّ قلبت الذَّال الْمُعْجَمَة دَالا مُهْملَة ثمَّ أدغمت الدَّال فِي الدَّال فَصَارَ ادكر قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: هَذَا هُوَ الفصيح، وَعَن الْحسن بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة. وَقَوله: افتعل من ذكر رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: افتعل من ذكرت، وَمِنْهَا قَوْله: أمة فَإِنَّهُ فَسرهَا بقوله: قرن. قَوْله: ويقرا أمه بِفَتْح الْهمزَة وَتَخْفِيف الْمِيم وبالهاء المنونة، فسره بقوله: نِسْيَان. وَأخرجه الطَّبَرِيّ عَن عِكْرِمَة وتنسب هَذِه الْقِرَاءَة فِي الشواذ إِلَى ابْن عَبَّاس وَالضَّحَّاك، يُقَال: رجل مأموه ذَاهِب الْعقل، يُقَال: أمهت آمه أمهَا بِسُكُون الْمِيم وَمِنْهَا قَوْله: يعصرون إِشَارَة إِلَى تَفْسِيره بقوله: وَقَالَ ابْن عَبَّاس: يعصرون الأعناب والدهن، وَوَصله هَكَذَا ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس. وَمِنْهَا قَوْله: تحصنون ففسره بقوله. يَحْرُسُونَ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ.
٦٩٩٢ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدِ بن أسْماءَ، حدّثنا جُوَيْرِيَة، عنْ مالِكٍ، عنِ الزُّهْرِيِّ أنَّ سَعِيدَ بنَ المُسَيَّبِ وَأَبا عُبَيْدٍ أخْبَراهُ عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: قَالَ رسولُ الله لوْ لبِثْتُ