الآية ١٠ من سورة يوسف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 12 يوسف > الآية ١٠ من سورة يوسف

قَالَ قَآئِلٌۭ مِّنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا۟ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِى غَيَـٰبَتِ ٱلْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ ٱلسَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَـٰعِلِينَ ١٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 99 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٠ من سورة يوسف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٠ من سورة يوسف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( قال قائل منهم ) قال قتادة ، ومحمد بن إسحاق : كان أكبرهم واسمه روبيل .

وقال السدي : الذي قال ذلك يهوذا .

وقال مجاهد : هو شمعون ( لا تقتلوا يوسف ) أي : لا تصلوا في عداوته وبغضه إلى قتله ، ولم يكن لهم سبيل إلى قتله; لأن الله تعالى كان يريد منه أمرا لا بد من إمضائه وإتمامه ، من الإيحاء إليه بالنبوة ، ومن التمكين له ببلاد مصر والحكم بها ، فصرفهم الله عنه بمقالة روبيل فيه وإشارته عليهم بأن يلقوه في غيابة الجب ، وهو أسفله .

قال قتادة : وهي بئر بيت المقدس .

( يلتقطه بعض السيارة ) أي : المارة من المسافرين ، فتستريحوا بهذا ، ولا حاجة إلى قتله .

( إن كنتم فاعلين ) أي : إن كنتم عازمين على ما تقولون .

قال محمد بن إسحاق بن يسار : لقد اجتمعوا على أمر عظيم ، من قطيعة الرحم ، وعقوق الوالد ، وقلة الرأفة بالصغير الضرع الذي لا ذنب له ، وبالكبير الفاني ذي الحق والحرمة والفضل ، وخطره عند الله ، مع حق الوالد على ولده ، ليفرقوا بينه وبين ابنه وحبيبه ، على كبر سنه ، ورقة عظمه ، مع مكانه من الله فيمن أحبه طفلا صغيرا ، وبين أبيه على ضعف قوته وصغر سنه ، وحاجته إلى لطف والده وسكونه إليه ، يغفر الله لهم وهو أرحم الراحمين ، فقد احتملوا أمرا عظيما .

رواه ابن أبي حاتم من طريق سلمة بن الفضل ، عنه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (10) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: قال قائل من إخوة يوسف: (لا تقتلوا يوسف) .

* * * وقيل: إن قائل ذلك " روبيل "، كان ابن خالة يوسف.

*ذكر من قال ذلك: 18799- حدثنا بشر ، قال، حدثنا يزيد ، قال: حدثنا سعيد ، عن قتادة: (لا تقتلوا يوسف) ذكر لنا أنه روبيل، كان أكبر القوم ، وهو ابن خالة يوسف ، فنهاهم عن قتله.

18800- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق: (اقتلوا يوسف) ، إلى قوله: (إن كنتم فاعلين) ، قال: ذكر لي، والله أعلم، أن الذي قال ذلك منهم " روبيل "، الأكبر من بني يعقوب ، وكان أقصدهم فيه رأيًا.

18801- حدثنا الحسن قال، أخبرنا عبد الرزاق ، قال، أخبرنا معمر ، عن قتادة ، قوله: (لا تقتلوا يوسف) قال: كان أكبر إخوته ، وكان ابن خالة يوسف ، فنهاهم عن قَتْله .

* * * وقيل: كان قائل ذلك منهم " شمعون ".

(17) *ذكر من قال ذلك: 18802- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن الزبير ، عن سفيان ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، في قوله: (قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف) قال: هو شمعون.

* * * وقوله: (وألقوه في غيابة الجب) يقول وألقوه في قَعْرِ الجبّ، حيث يَغيبُ خبره .

* * * واختلفت القراء في قراءة ذلك.

فقرأته عامة قراء أهل المدينة: " غيَابَاتِ الجُبِّ" على الجماع .

* * * وقرأ ذلك عامة قراء سائر الأمصار: (غَيابَةِ الجُبِّ) بتوحيد " الغيابة " .

* * * قال أبو جعفر : وقراءة ذلك بالتوحيد أحبُّ إليّ .

* * * و " الجبّ": بئر .

* * * وقيل: إنه اسم بئر ببيت المقدس .

*ذكر من قال ذلك: 18803- حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة: في: ( غيابة الجب) ، يقول: بئر ببيت المقدس.

18804- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق ، قال: أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله: (غيابة الجب) قال: بئر ببيت المقدس.

* * * والغيابة: كل شيء غيب شيئًا فهو " غيابة " ، و " الجب "، البئر غير المطويَّة .

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

*ذكر من قال ذلك: 18805- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر ، عن قتادة في : ( غيابة الجب) ، في بعض نواحيها: في أسفلها.

18806- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله: (وألقوه في غيابة الجب) ، يقول: في بعض نواحيها.

18807 - حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا عبد الوهاب ، عن سعيد ، عن قتادة ، مثله (18) 18807- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: (وألقوه في غيابة الجب) قال: قالها كبيرهم الذي تخلَّف .

قال: و " الجب "، بئر بالشأم.

18809- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي ، قال: حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس: ( وألقوه في غيابة الجب) يعني: الركيَّة.

18810- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ ، قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول: " الجبّ": البئر.

* * * وقوله: (يلتقطه بعض السيارة) يقول: يأخذه بعض مارّة الطريق من المسافرين (19) ، (إن كنتم فاعلين) ، يقول: إن كنتم فاعلين ما أقول لكم .

فذكر أنه التقطه بعض الأعراب .

18811- حدثنا القاسم ، قال، حدثنا الحسين ، قال، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: (يلتقطه بعض السيارة) ، قال: التقطه ناس من الأعراب.

* * * وذكر عن الحسن البصري أنه قرأ: " تَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ" بالتاء .

18812- حدثني بذلك أحمد بن يوسف قال حدثنا القاسم ، قال، حدثني حجاج ، عن هارون ، عن مطر الورّاق ، عن الحسن .

* * * وكانّ الحسن ذهب في تأنيثه " بعض السيارة " إلى أنَّ فعلَ بعضها فعلُها.

والعرب تفعل ذلك في خبر كان عن مُضافٍ إلى مؤنث، (20) يكون الخبرُ عن بعضه خبرًا عن جميعه ، وذلك كقول الشاعر: (21) أرَى مَــرَّ السِّــنِينَ أخَــذْنَ مِنِّـي كَمَــا أخَـذَ السِّـرَارُ مِـنَ الهِـلالِ (22) فقال: " أخذن مني" ، وقد ابتدأ الخبر عن " المرّ" ، إذ كان الخبر عن " المرّ"، خبرًا عن " السنين " ، وكما قال الآخر: (23) إذَا مَــاتَ مِنْهُــمْ سَـيِّدٌ قَـامَ سَـيِّدٌ فَـدَانَتْ لَـهُ أهْـلُ القُـرَى والكَنـائِسِ (24) فقال: " دانت له " ، والخبر عن أهل القرى ، لأن الخبر عنهم كالخبر عن القرى .

ومن قال ذلك لم يقل: " فدانت له غلام هند " ، لأن " الغلام " لو ألقي من الكلام لم تدلَّ" هند " عليه ، كما يدل الخبر عن " القرية " على أهلها .

وذلك أنه لو قيل ": فدانت له القرى " ، كان معلومًا أنه خبر عن أهلها.

وكذلك " بعض السيارة " ، لو ألقي البعض ، فقيل: تلتقطه السيارة ، علم أنه خبر عن البعض أو الكل ، ودلّ عليه الخبر عن " السيارة " .

* * * ---------------------- الهوامش: (17) سيأتي في الأثر رقم : 18831 ، اسم آخر ، وأنه هو قائل ذاك ، وهو :" يهوذا" .

(18) الأثر : 18807 -" الحسن بن محمد" ، هو" الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني" ، شيخ الطبري .

مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 1 / 2 / 36 .

و" عبد الوهاب" ، هو" عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي" ، مضى مرارًا .

(19) انظر تفسير" السيارة" فيما سلف 11 : 71 - 73 .

(20) في المطبوعة :" عن المضاف إلى مؤنث" ، فأساء بفعله غاية الإساءة .

(21) هو جرير .

(22) سلف البيت وتخريجه وشرحه 11 : 86 ، وكان في المخطوطة والمطبوعة هنا" أرى" ، والرواية هناك ، وفي ديوانه" رأت" .

(23) لم أعرف قائله .

(24) معاني القرآن للفراء في تفسير الآية .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين فيه ثلاث عشرة مسألة :الأولى : قوله تعالى : قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف القائل هو يهوذا ، وهو أكبر ولد يعقوب ; قاله ابن عباس .

وقيل : روبيل ، وهو ابن خالته ، وهو الذي قال : " فلن أبرح الأرض " الآية .

وقيل : شمعون .وألقوه في غيابة الجب قرأ أهل مكة وأهل البصرة وأهل الكوفة في غيابة الجب .

وقرأ أهل المدينة " في غيابات الجب " واختار أبو عبيد التوحيد ; لأنه على موضع واحد ألقوه فيه ، وأنكر الجمع لهذا .

قال النحاس : وهذا تضييق في اللغة ; " وغيابات " على الجمع يجوز من وجهين : حكى سيبويه سير عليه عشيانات وأصيلانات ، يريد عشية وأصيلا ، فجعل كل وقت منها عشية وأصيلا ; فكذا جعل كل موضع مما يغيب غيابة .

والآخر - أن يكون في الجب غيابات ( جماعة ) .

ويقال : غاب يغيب غيبا وغيابة وغيابا ; كما قال الشاعر :ألا فالبثا شهرين أو نصف ثالث أنا ذاكما قد غيبتني غيابياقال الهروي : والغيابة شبه لجف أو طاق في البئر فويق الماء ، يغيب الشيء عن العين .

وقال ابن عزيز : كل شيء غيب عنك شيئا فهو غيابة .

قلت : ومنه قيل للقبر غيابة ; قال الشاعر :فإن أنا يوما غيبتني غيابتي فسيروا بسيري في العشيرة والأهلوالجب الركية التي لم تطو ، فإذا طويت فهي في بئر ; فقال الأعشى : [ ص: 118 ]لئن كنت في جب ثمانين قامة ورقيت أسباب السماء بسلموسميت جبا لأنها قطعت في الأرض قطعا ; وجمع الجب جببة وجباب وأجباب ; وجمع بين الغيابة والجب لأنه أراد ألقوه في موضع مظلم من الجب حتى لا يلحقه نظر الناظرين .

قيل : هو بئر بيت المقدس ، وقيل : هو بالأردن ; قاله وهب بن منبه .

مقاتل : وهو على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب .الثانية : قوله تعالى : يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين جزم على جواب الأمر .

وقرأ مجاهد وأبو رجاء والحسن وقتادة : " تلتقطه " بالتاء ، وهذا محمول على المعنى ; لأن بعض السيارة سيارة ; وقال سيبويه : سقطت بعض أصابعه ، وأنشد :وتشرق بالقول الذي قد أذعته كما شرقت صدر القناة من الدموقال آخر :أرى مر السنين أخذن مني كما أخذ السرار من الهلالولم يقل شرق ولا أخذت .

والسيارة الجمع الذي يسيرون في الطريق للسفر ; وإنما قال القائل هذا حتى لا يحتاجوا إلى حمله إلى موضع بعيد ويحصل المقصود ; فإن من التقطه من السيارة يحمله إلى موضع بعيد ; وكان هذا وجها في التدبير حتى لا يحتاجوا إلى الحركة بأنفسهم ، فربما لا يأذن لهم أبوهم ، وربما يطلع على قصدهم .الثالثة : وفي هذا ما يدل على أن إخوة يوسف ما كانوا أنبياء لا أولا ولا آخرا ; لأن الأنبياء لا يدبرون في قتل مسلم ، بل كانوا مسلمين ، فارتكبوا معصية ثم تابوا .

وقيل : كانوا أنبياء ، ولا يستحيل في العقل زلة نبي ، فكانت هذه زلة منهم ; وهذا يرده أن الأنبياء معصومون من الكبائر على ما قدمناه .

وقيل : ما كانوا في ذلك الوقت أنبياء ثم نبأهم الله ; وهذا أشبه ، والله أعلم .الرابعة : قال ابن وهب قال مالك : طرح يوسف في الجب وهو غلام ، وكذلك روى ابن القاسم عنه ، يعني أنه كان صغيرا ; والدليل عليه قوله تعالى : لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة قال : ولا يلتقط إلا الصغير ; وقوله : وأخاف أن يأكله الذئب وذلك أمر يختص بالصغار ; وقولهم : أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون .الخامسة : الالتقاط تناول الشيء من الطريق ; ومنه اللقيط واللقطة ، ونحن نذكر من أحكامها ما دلت عليه الآية والسنة ، وما قال في ذلك أهل العلم واللغة ; قال ابن عرفة : الالتقاط [ ص: 119 ] وجود الشيء على غير طلب ، ومنه قوله تعالى : يلتقطه بعض السيارة أي يجده من غير أن يحتسبه .

وقد اختلف العلماء في اللقيط ; فقيل : أصله الحرية لغلبة الأحرار على العبيد ; وروي عن الحسن بن علي أنه قضى بأن اللقيط حر ، وتلا وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وإلى هذا ذهب أشهب صاحب مالك ; وهو قول عمر بن الخطاب ، وكذلك روي عن علي وجماعة .

وقال إبراهيم النخعي : إن نوى رقه فهو مملوك ، وإن نوى الحسبة فهو حر .

وقال مالك في موطئه : الأمر عندنا في المنبوذ أنه حر ، وأن ولاءه لجماعة المسلمين ، هم يرثونه ويعقلون عنه ، وبه قال الشافعي ; واحتج بقوله - عليه السلام - : وإنما الولاء لمن أعتق قال : فنفى الولاء عن غير المعتق .

واتفق مالك والشافعي وأصحابهما على أن اللقيط لا يوالي أحدا ، ولا يرثه أحد بالولاء .

وقال أبو حنيفة وأصحابه وأكثر الكوفيين : اللقيط يوالي من شاء ، فمن والاه فهو يرثه ويعقل عنه ; وعند أبي حنيفة له أن ينتقل بولائه حيث شاء ، ما لم يعقل عنه الذي والاه ، فإن عقل عنه جناية لم يكن له أن ينتقل عنه بولائه أبدا .

وذكر أبو بكر بن أبي شيبة عن علي - رضي الله عنه - : المنبوذ حر ، فإن أحب أن يوالي الذي التقطه والاه ، وإن أحب أن يوالي غيره والاه ; ونحوه عن عطاء ، وهو قول ابن شهاب وطائفة من أهل المدينة ، وهو حر .

قال ابن العربي : إنما كان أصل اللقيط الحرية لغلبة الأحرار على العبيد ، فقضى بالغالب ، كما حكم أنه مسلم أخذا بالغالب ; فإن كان في قرية فيها نصارى ومسلمون ، قال ابن القاسم : يحكم بالأغلب ; فإن وجد عليه زي اليهود فهو يهودي ، وإن وجد عليه زي النصارى فهو نصراني ، وإلا فهو مسلم ، إلا أن يكون أكثر أهل القرية على غير الإسلام .

وقال غيره : لو لم يكن فيها إلا مسلم واحد قضي للقيط بالإسلام تغليبا لحكم الإسلام الذي يعلو ولا يعلى عليه ، وهو مقتضى قولأشهب ; قال أشهب : هو مسلم أبدا ، لأني أجعله مسلما على كل حال ، كما أجعله حرا على كل حال .

واختلف الفقهاء في المنبوذ تدل البينة على أنه عبد ; فقالت طائفة من أهل المدينة : لا يقبل قولها في ذلك ، وإلى هذا ذهب أشهب لقول عمر : هو حر ; ومن قضي بحريته لم تقبل البينة في أنه عبد .

وقال ابن القاسم : تقبل البينة في ذلك وهو قول الشافعي والكوفي .السادسة : قال مالك في اللقيط : إذا أنفق عليه الملتقط ثم أقام رجل البينة أنه ابنه فإن الملتقط يرجع على الأب إن كان طرحه متعمدا ، وإن لم يكن طرحه ولكنه ضل منه فلا شيء [ ص: 120 ] على الأب ، والملتقط متطوع بالنفقة .

وقال أبو حنيفة : إذا أنفق على اللقيط فهو متطوع ، إلا أن يأمره الحاكم .

وقال الأوزاعي : كل من أنفق على من لا تجب عليه نفقة رجع بما أنفق .

وقال الشافعي : إن لم يكن للقيط مال وجبت نفقته في بيت المال ، فإن لم يكن ففيه قولان : أحدهما - يستقرض له في ذمته .

والثاني - يقسط على المسلمين من غير عوض .السابعة : وأما اللقطة والضوال فقد اختلف العلماء في حكمهما ; فقالت طائفة من أهل العلم : اللقطة والضوال سواء في المعنى ، والحكم فيهما سواء ; وإلى هذا ذهب أبو جعفر الطحاوي ، وأنكر قول أبي عبيد القاسم بن سلام - أن الضالة لا تكون إلا في الحيوان واللقطة في غير الحيوان - وقال هذا غلط ; واحتج بقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث الإفك للمسلمين : إن أمكم ضلت قلادتها فأطلق ذلك على القلادة .الثامنة : أجمع العلماء على أن اللقطة ما لم تكن تافها يسيرا أو شيئا لا بقاء لها فإنها تعرف حولا كاملا ، وأجمعوا أن صاحبها إن جاء فهو أحق بها من ملتقطها إذا ثبت له أنه صاحبها ، وأجمعوا أن ملتقطها إن أكلها بعد الحول وأراد صاحبها أن يضمنه فإن ذلك له ، وإن تصدق بها فصاحبها مخير بين التضمين وبين أن ينزل على أجرها ، فأي ذلك تخير كان ذلك له بإجماع ; ولا تنطلق يد ملتقطها عليها بصدقة ، ولا تصرف قبل الحول .

وأجمعوا أن ضالة الغنم المخوف عليها له أكلها .التاسعة : واختلف الفقهاء في الأفضل من تركها أو أخذها ; فمن ذلك أن في الحديث دليلا على إباحة التقاط اللقطة وأخذ الضالة ما لم تكن إبلا .

وقال في الشاة : ( لك أو لأخيك أو للذئب ) يحضه على أخذها ، ولم يقل في شيء دعوه حتى يضيع أو يأتيه ربه .

ولو كان ترك اللقطة أفضل لأمر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما قال في ضالة الإبل ، والله أعلم .

وجملة مذهب أصحاب مالك أنه في سعة ، إن شاء أخذها وإن شاء تركها ; هذا قول إسماعيل بن إسحاق - رحمه الله - .

وقال المزني عن الشافعي : لا أحب لأحد ترك اللقطة إن وجدها إذا كان أمينا عليها ; قال : وسواء قليل اللقطة وكثيرها .العاشرة : روى الأئمة مالك وغيره عن زيد بن خالد الجهني قال : جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فسأله عن اللقطة فقال : اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة فإن جاء صاحبها وإلا [ ص: 121 ] فشأنك بها قال : فضالة الغنم يا رسول الله ؟

قال : لك أو لأخيك أو للذئب قال : فضالة الإبل ؟

قال : ما لك ولها معها سقاؤها وحذاؤها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها .

وفي حديث أبي قال : احفظ عددها ووعاءها ووكاءها فإن جاء صاحبها وإلا فاستمتع بها ففي هذا الحديث زيادة العدد ; خرجه مسلم وغيره .

وأجمع العلماء أن عفاص اللقطة ووكاءها من إحدى علاماتها وأدلها عليها ; فإذا أتى صاحب اللقطة بجميع أوصافها دفعت له ; قال ابن القاسم : يجبر على دفعها ; فإن جاء مستحق يستحقها ببينة أنها كانت له لم يضمن الملتقط شيئا ، وهل يحلف مع الأوصاف أو لا ؟

قولان : الأول لأشهب ، والثاني لابن القاسم ، ولا تلزمه بينة عند مالك وأصحابه وأحمد بن حنبل وغيرهم .

وقال أبو حنيفة والشافعي : لا تدفع له إلا إذا أقام بينة أنها له ; وهو بخلاف نص الحديث ; ولو كانت البينة شرطا في الدفع لما كان لذكر العفاص والوكاء والعدد معنى ; فإنه يستحقها بالبينة على كل حال ; ولما جاز سكوت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك ، فإنه تأخير البيان عن وقت الحاجة .

والله أعلم .الحادية عشرة : نص الحديث على الإبل والغنم وبين حكمهما ، وسكت عما عداهما من الحيوان .

وقد اختلف علماؤنا في البقر هل تلحق بالإبل أو بالغنم ؟

قولان ; وكذلك اختلف أئمتنا في التقاط الخيل والبغال والحمير ، وظاهر قول ابن القاسم أنها تلتقط ، وقال أشهب وابن كنانة : لا تلتقط ; وقول ابن القاسم أصح ; لقوله - عليه السلام - : احفظ على أخيك المؤمن ضالته .الثانية عشرة : واختلف العلماء في النفقة على الضوال ; فقال مالك فيما ذكر عنه ابن القاسم : إن أنفق الملتقط على الدواب والإبل وغيرها فله أن يرجع على صاحبها بالنفقة ، وسواء أنفق عليها بأمر السلطان أو بغير أمره ; قال : وله أن يحبس بالنفقة ما أنفق عليه ويكون أحق به كالرهن .

وقال الشافعي : إذا أنفق على الضوال من أخذها فهو متطوع ; حكاه عنه [ ص: 122 ] الربيع .

وقال المزني عنه : إذا أمره الحاكم بالنفقة كانت دينا ، وما ادعى قبل منه إذا كان مثله قصدا .

وقال أبو حنيفة : إذا أنفق على اللقطة والإبل بغير أمر القاضي فهو متطوع ، وإن أنفق بأمر القاضي فذلك دين على صاحبها إذا جاء ، وله أن يحبسها إذا حضر صاحبها ، والنفقة عليها ثلاثة أيام ونحوها ، حتى يأمر القاضي ببيع الشاة وما أشبهها ويقضي بالنفقة .الثالثة عشرة : ليس في قوله - صلى الله عليه وسلم - في اللقطة بعد التعريف : فاستمتع بها أو فشأنك بها أو فهي لك أو فاستنفقها أو ثم كلها أو فهو مال الله يؤتيه من يشاء على ما في صحيح مسلم وغيره ، ما يدل على التمليك ، وسقوط الضمان عن الملتقط إذا جاء ربها ; فإن في حديث زيد بن خالد الجهني عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : فإن لم تعرف فاستنفقها ولتكن وديعة عندك فإن جاء صاحبها يوما من الدهر فأدها إليه في رواية ثم كلها ، فإن جاء صاحبها فأدها إليه .

خرجه البخاري ومسلم .

وأجمع العلماء على أن صاحبها متى جاء فهو أحق بها ، إلا ما ذهب إليه داود من أن الملتقط يملك اللقطة بعد التعريف ; لتلك الظواهر ، ولا التفات لقوله ; لمخالفة الناس ، ولقوله - عليه السلام - : فأدها إليه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: { قَالَ قَائِلٌ ْ} من إخوة يوسف الذين أرادوا قتله أو تبعيده: { لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ ْ} فإن قتله أعظم إثما وأشنع، والمقصود يحصل بتبعيده عن أبيه من غير قتل، ولكن توصلوا إلى تبعيده بأن تلقوه { فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ ْ} وتتوعدوه على أنه لا يخبر بشأنكم، بل على أنه عبد مملوك آبق منكم، لأجل أن { يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ ْ} الذين يريدون مكانا بعيدا، فيحتفظون فيه.

وهذا القائل أحسنهم رأيا في يوسف، وأبرهم وأتقاهم في هذه القضية، فإن بعض الشر أهون من بعض، والضرر الخفيف يدفع به الضرر الثقيل، .فلما اتفقوا على هذا الرأي.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف ) وهو يهوذا وقال [ قتادة ] : روبيل وكان ابن خالة يوسف وكان أكبرهم سنا وأحسنهم رأيا فيه .

والأول أصح أنه يهوذا نهاهم عن قتله ، وقال : القتل كبيرة عظيمة .

( وألقوه في غيابة الجب ( قرأ أبو جعفر ونافع : " غيابات الجب " على الجمع في الحرفين ، وقرأ الباقون " غيابة الجب " على الواحد ، أي : في أسفل الجب وظلمته .

والغيابة : كل موضع ستر عنك الشيء وغيبه .

والجب : البئر غير المطوية لأنه جب ، أي : قطع ولم يطو .

( يلتقطه ) يأخذه ، والالتقاط : أخذ الشيء من حيث لا يحتسبه ( بعض السيارة ) أي : بعض المسافرين ، فيذهب به إلى ناحية أخرى ، فتستريحوا منه ( إن كنتم فاعلين ) أي : إن عزمتم على فعلكم ، وهم كانوا يومئذ بالغين ، ولم يكونوا أنبياء بعد .

وقيل : لم يكونوا بالغين ، وليس بصحيح; بدليل أنهم قالوا : " وتكونوا من بعده قوما صالحين " .

" قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا " والصغير لا ذنب له .

وقال محمد بن إسحاق : اشتمل فعلهم على جرائم من قطع الرحم ، وعقوق الوالدين ، وقلة الرأفة بالصغير الذي لا ذنب له ، والغدر بالأمانة ، وترك العهد ، والكذب مع أبيهم .

وعفا الله عنهم ذلك كله حتى لا ييئس أحد من رحمة الله .

وقال بعض [ أهل العلم ] إنهم عزموا على قتله وعصمهم الله رحمة بهم ، ولو فعلوا لهلكوا أجمعين ، وكل ذلك كان قبل أن أنبأهم الله تعالى .

وسئل أبو عمرو بن العلاء : كيف قالوا : " نرتع ونلعب " وهم أنبياء ؟

قال : كان ذلك قبل أن نبأهم الله تعالى ، فلما أجمعوا على التفريق بينه وبين والده بضرب من الحيل .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قال قائل منهم» هو يهوذا «لا تقتلوا يوسف وألقوه» اطرحوه «في غيابت الجب» مظلم البئر في قراءة بالجمع «يلتقطه بعض السيارة» المسافرين «إن كنتم فاعلين» ما أردتم من التفريق فاكتفوا بذلك.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قال قائل من إخوة يوسف: لا تقتلوا يوسف وألقوه في جوف البئر يلتقطه بعض المارَّة من المسافرين فتستريحوا منه، ولا حاجة إلى قتله، إن كنتم عازمين على فعل ما تقولون.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - سبحانه - ( قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الجب يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السيارة إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ ) بيان للرأى الذى اقترحه أحدهم ، واستقر عليه أمرهم .قال القرطبى ما ملخصه : قوله ( وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الجب ) قرأ أهل مكة وأهل البصرة وأهل الكوفة " فى غيابة الجب " بالإِفراد - وقرأ أهل المدينة " فى غيابات الجب " - بالجمع- .وكل شئ غيب عنك شيئا فهو غيابة ، ومنه قيل للقبر غيابة - قال الشاعر :فإن أنا يوما غيبتنى غيابتى ...

فسيروا بسيرى فى العشيرة والاهلوالجب : الركية - أى الحفرة - التى لم تطو - أى لم بتن بالحجارة - فإذا طويت فهى بئر .

وسميت جبا لأنها قطعت فى الأرض قطعا .

وجمع الجب جببه وجباب وأجباب .وجمع بين الغيابة والجبن ، لأنه أراد ألقوه فى موضع مظلم الجب حتى لا يلحقه نظر الناظرين .

.

.والسيارة : جمع سيار ، والمراد بهم جماعة المسافرين الذين يبالغون فى السير ليصلوا إلى مقصودهم .والمعنى : قال قائل من إخوة يوسف أفرزعه ما هم مقدمون علهي بشأن أخيهم الصغير : لا تقتلوا يوسف ، لأن قتله جرم عظيم ، وبدلا من ذلك ، ألقوه فى قعر الجب حيث يغيب خبره ، إلى أن يلتقطه من الجب بعض المسافرين ، فيذهب به إلى ناحية بعيدة عنكم ، وبذلك تستريحون منه ويخل لكم وجه أبيكم .ولم يذكر القرآن اسم هذا القائل أو وصفه ، لأنه لا يتعلق بذكر ذلك غرض ، وقد رجح بعض المفسرين أن المراد بهذا القائل " يهوذا "والفائدة فى وصفه بأنه منهم ، الإِخبار بأنهم لم يجمعوا على قتله أو طرحه فى أرض بعيدة حتى يدركه الموت .وأتى باسم يوسف دون ضميره ، لاستدرار عطفهم عليه ، وشفقتهم به ، واستعظام أمر قتله .وجواب الشرط فى قوله ( إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ ) محذوف لدلالة " وألقوه " عليه .والمعنى : إن كنتم فاعلين ما هو خير وصواب ، فألقوه فى غيابة الجب ، ولا تقتلوه ولا تطرحوه أرضا .وفى هذه الجملة من هذا القائل ، محاولة منه لتثبيطهم عما اقترحوه من القتل أو التغريب بأسلوب بليغ ، حيث فوض الأمر إليهم ، تعظيما لهم ، وحذرا من سوء ظنهم به ، فكان أمثلهم رأيا ، وأقربهم إلى التقوى .قالوا : وفى هذا الرأى عبرة فى الاقتصاد عند الانتقام ، والاكتفاء بما حصل به الغرض دون إفراط ، لأن غرضهم إنما هو إبعاد يوسف عن أبيهم .

وهذا الإِبعاد يتم عن طريق إلقائه فى غيابة الجب .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أنه لما قوي الحسد وبلغ النهاية قالوا لابد من تبعيد يوسف عن أبيه: وذلك لا يحصل إلا بأحد طريقين: القتل أو التغريب إلى أرض يحصل اليأس من اجتماعه مع أبيه ولا وجه في الشر يبلغه الحاسد أعظم من ذلك، ثم ذكروا العلة فيه وهي قولهم: ﴿ يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ ﴾ والمعنى أن يوسف شغله عنا وصرف وجهه إليه فإذا أفقده أقبل علينا بالميل والمحبة ﴿ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صالحين ﴾ وفيه وجوه: الأول: أنهم علموا أن ذلك الذي عزموا عليه من الكبائر فقالوا: إذا فعلنا ذلك تبنا إلى الله ونصير من القوم الصالحين.

والثاني: أنه ليس المقصود هاهنا صلاح الدين بل المعنى يصلح شأنكم عند أبيكم ويصير أبوكم محباً لكم مشتغلاً بشأنكم.

الثالث: المراد أنكم بسبب هذه الوحشة صرتم مشوشين لا تتفرغون لإصلاح مهم، فإذا زالت هذه الوحشة تفرغتم لإصلاح مهماتكم، واختلفوا في أن هذا القائل الذي أمر بالقتل من كان؟

على قولين: أحدهما: أن بعض إخوته قال هذا.

والثاني: أنهم شاوروا أجنبياً فأشار عليهم بقتله، ولم يقل ذلك أحد من إخوته، فأما من قال بالأول فقد اختلفوا فقال وهب: إنه شمعون، وقال مقاتل: روبيل.

فإن قيل: كيف يليق هذا بهم وهم أنبياء؟

قلنا: من الناس من أجاب عنه بأنهم كانوا في هذا الوقت مراهقين وما كانوا بالغين، وهذا ضعيف، لأنه يبعد من مثل نبي الله تعالى يعقوب عليه السلام أن يبعث جماعة من الصبيان من غير أن يكون معهم إنسان عاقل يمنعهم من القبائح.

وأيضاً أنهم قالوا: ﴿ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صالحين ﴾ وهدا يدل على أنهم قبل التوبة لا يكونون صالحين، وذلك ينافي كونهم من الصبيان، ومنهم من أجاب بأن هذا من باب الصغائر، وهذا أيضاً بعيد لأن إيذاء الأب الذي هو نبي معصوم، والكذب معه والسعي في إهلاك الأخ الصغير كل واحد من ذلك من أمهات الكبائر، بل الجواب الصحيح أن يقال: إنهم ما كانوا أنبياء، وإن كانوا أنبياء إلا أن هذه الواقعة إنما أقدموا عليها قبل النبوة.

ثم إنه تعالى حكى أن قائلاً قال: ﴿ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ ﴾ قيل إنه كان روبيل وكان ابن خالة يوسف وكان أحسنهم رأياً فيه فمنعهم عن القتل، وقيل يهودا، وكان أقدمهم في الرأي والفضل والسن.

ثم قال: ﴿ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الجب ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع ﴿ فِى غَيَابَةِ الجب ﴾ على الجمع في الحرفين، هذا والذي بعده، والباقون ﴿ غَيَابَةِ ﴾ على الواحد في الحرفين.

أما وجه الغيابات فهو أن للجب أقطاراً ونواحي، فيكون فيها غيابات، ومن وحد قال: المقصود موضوع واحد من الجب يغيب فيه يوسف، فالتوحيد أخص وأدل على المعنى المطلوب.

وقرأ الجحدري ﴿ فِى غَيَابَةِ الجب ﴾ .

المسألة الثانية: قال أهل اللغة: الغيابة كل ما غيب شيئاً وستره، فغيابة الجب غوره، وما غاب منه عن عين الناظر وأظلم من أسفله.

والجب البئر التي ليست بمطوية سميت جباً، لأنها قطعت قطعاً ولم يحصل فيها غير القطع من طي أو ما أشبه ذلك، وإنما ذكرت الغيابة مع الجب دلالة على أن المشير أشار بطرحه في موضع مظلم من الجب لا يلحقه نظر الناظرين فأفاد ذكر الغيابة هذا المعنى إذ كان يحتمل أن يلقى في موضع من الجب لا يحول بينه وبين الناظرين.

المسألة الثالثة: الألف واللام في الجب تقتضي المعهود السابق، اختلفوا في ذلك الجب فقال قتادة: هو بئر ببيت المقدس، وقال وهب: هو بأرض الأردن، وقال مقاتل: هو على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب، وإنما عينوا ذلك الجب للعلة التي ذكروها وهي قولهم: ﴿ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السيارة ﴾ وذلك لأن تلك البئر كانت معروفة وكانوا يردون عليها كثيراً، وكان يعلم أنه إذا طرح فيها يكون إلى السلامة أقرب، لأن السيارة إذا جازوا وردوها، وإذا وردوها شاهدوا ذلك الإنسان فيها، وإذا شاهدوه أخرجوه وذهبوا به فكان إلقاؤه فيها أبعد عن الهلاك.

المسألة الرابعة: الالتقاط تناول الشيء من الطريق، ومنه: اللقطة واللقيط، وقرأ الحسن ﴿ تلتقطه ﴾ بالتاء على المعنى، لأن بعض السيارة أيضاً سيارة، والسيارة الجماعة الذين يسيرون في الطريق للسفر.

قال ابن عباس: يريد المارة وقوله: ﴿ السيارة إِن كُنتُمْ فاعلين ﴾ فيه إشارة إلى أن الأولى أن لا تفعلوا شيئاً من ذلك، وأما إن كان ولا بد فاقتصروا على هذا القدر ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ  ﴾ يعني الأولى أن لا تفعلوا ذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ قَائِلٌ مّنْهُمْ ﴾ هو يهوذا، وكان أحسنهم فيه رأيا.

وهو الذي قال: فلن أبرح الأرض.

قال لهم: القتل عظيم ﴿ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الجب ﴾ وهي غوره وما غاب منه عن عين الناظر وأظلم من أسفله.

قال المنخل: وَإنْ أنَا يَوْماً غَيَّبَتْنِي غَيَابَتِي فَسِيرُوا بِسَيْرِي في الْعَشِيرَةِ والأَهْلِ أراد غيابة حفرته التي يدفن فيها.

وقرئ: ﴿ غيابات ﴾ على الجمع.

و ﴿ غيابات ﴾ بالتشديد.

وقرأ الجحدري ﴿ غيبة ﴾ والجب: البئر لم تطو، لأن الأرض تجبّ جباً لا غير ﴿ يَلْتَقِطْهُ ﴾ يأخذه بعض السيارة بعض الأقوام الذين يسيرون في الطريق.

وقرئ: ﴿ تلتقطه ﴾ بالتاء على المعنى؛ لأنّ بعض السيارة سيارة، كقوله: كَمَا شَرِقَتْ صَدْرُ الْقَنَاةِ مِنَ الدَّمِ ومنه: ذهبت بعض أصابعه ﴿ إِن كُنتُمْ فاعلين ﴾ إن كنتم على أن تفعلوا ما يحصل به غرضكم، فهذا هو الرأي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ اقْتُلُوا يُوسُفَ ﴾ مِن جُمْلَةِ المَحْكِيِّ بَعْدَ قَوْلِهِ إذْ قالُوا كَأنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلى ذَلِكَ الأمْرِ إلّا مَن قالَ ﴿ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ ﴾ .

وقِيلَ إنَّما قالَهُ شَمْعُونُ أوْ دانُ ورَضِيَ بِهِ الآخَرُونَ.

﴿ أوِ اطْرَحُوهُ أرْضًا ﴾ مَنكُورَةً بَعِيدَةً مِنَ العُمْرانِ، وهو مَعْنى تَنْكِيرِها وإبْهامِها ولِذَلِكَ نُصِبَتْ كالظُّرُوفِ المُبْهَمَةِ.

﴿ يَخْلُ لَكم وجْهُ أبِيكُمْ ﴾ جَوابُ الأمْرِ.

والمَعْنى يَصْفُ لَكم وجْهَ أبِيكم فَيُقْبِلُ بِكُلِّيَّتِهِ عَلَيْكم ولا يَلْتَفِتُ عَنْكم إلى غَيْرِكم ولا يُنازِعُكم في مَحَبَّتِهِ أحَدٌ.

﴿ وَتَكُونُوا ﴾ جُزِمَ بِالعَطْفِ عَلى يَخْلُ أوْ نُصِبَ بِإضْمارِ أنْ.

﴿ مِن بَعْدِهِ ﴾ مِن بَعْدِ يُوسُفَ أوِ الفَراغِ مِن أمْرِهِ أوْ قَتْلِهِ أوْ طَرْحِهِ.

﴿ قَوْمًا صالِحِينَ ﴾ تائِبِينَ إلى اللَّهِ تَعالى عَمّا جَنَيْتُمْ أوْ صالِحِينَ مَعَ أبِيكم بِصُلْحِ ما بَيْنَكم وبَيْنَهُ بِعُذْرٍ تُمَهِّدُونَهُ، أوْ صالِحِينَ في أمْرِ دُنْياكم فَإنَّهُ يَنْتَظِمُ لَكم بَعْدَهُ بِخُلُوِّ وجْهِ أبِيكم.

﴿ قالَ قائِلٌ مِنهُمْ ﴾ يَعْنِي يَهُوذا وكانَ أحْسَنَهم فِيهِ رَأْيًا.

وقِيلَ رُوبِيلُ.

﴿ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ ﴾ فَإنَّ القَتْلَ عَظِيمٌ.

﴿ وَألْقُوهُ في غَيابَتِ الجُبِّ ﴾ في قَعْرِهِ، سُمِّيَ بِها لِغَيْبُوبَتِهِ عَنْ أعْيُنِ النّاظِرِينَ.

وقَرَأ نافِعٌ في « غَياباتِ» في المَوْضِعَيْنِ عَلى الجَمْعِ كَأنَّهُ لِتِلْكَ الجُبِّ غَياباتٌ.

وقُرِئَ « غَيْبَةِ» و « غَياباتِ» بِالتَّشْدِيدِ.

﴿ يَلْتَقِطْهُ ﴾ يَأْخُذْهُ.

﴿ بَعْضُ السَّيّارَةِ ﴾ بَعْضُ الَّذِينَ يَسِيرُونَ في الأرْضِ.

﴿ إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ﴾ بِمَشُورَتِي أوْ إنْ كُنْتُمْ عَلى أنْ تَفْعَلُوا ما يُفَرِّقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ أبِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قَالَ قَائِلٌ مّنْهُمْ} هو يهوذا وكان أحسنهم فيه رأياً {لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ} فإن القتل عظيم {وألقوه في غيابة الجب يلتقطه} في قعر البئر وما غاب منه عن عين الناظر غيابات وكذا ما بعده مدني {يلتقطه بعض السيارة} بعض الأقوام الذى يسيرون في الطريق {إِن كُنتُمْ فاعلين} به شيئا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قالَ قائِلٌ مِنهُمْ ﴾ وهو يَهُوذا وكانَ رَأْيُهُ فِيهِ أهْوَنَ شَرًّا مِن رَأْيِ غَيْرِهِ وهو القائِلُ: ﴿ فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ ﴾ إلَخْ قالَهُ السُّدِّيُّ.

وقالَ قَتادَةُ وابْنُ إسْحاقَ: هو رُوبِيلُ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ شَمْعُونُ، وقِيلَ: دانُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ أحَدَ هَذَيْنِ هو القائِلُ: ﴿ اقْتُلُوا يُوسُفَ ﴾ إلَخْ، وأمّا القائِلُ ﴿ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ ﴾ فَغَيْرُهُ، ولَعَلَّ الأصَحَّ أنَّهُ يَهُوذا.

قِيلَ: وإنَّما لَمْ يُذْكَرْ أحَدٌ مِنهم بِاسْمِهِ سَتْرًا عَلى المُسِيءِ، وكُلٌّ مِنهم لَمْ يَخْلُ عَنِ الإساءَةِ وإنْ تَفاوَتَتْ مَراتِبُها، والقَوْلُ بِأنَّهُ عَلى هَذا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يُعَيِّنَ أحَدًا مِنهم بِاسْمِهِ تَأسِّيًا بِالكِتابِ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ ذَلِكَ مَقامُ تَفْسِيرٍ وهو فِيهِ أمْرٌ مَطْلُوبٌ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا كَأنَّ سائِلًا سَألَ اتَّفَقُوا عَلى ما عَرَضَ عَلَيْهِمْ مِن خَصْلَتَيِ الصَّنِيعِ أمْ خالَفَهم في ذَلِكَ أحَدٌ؟

فَقِيلَ: قالَ قائِلٌ مِنهُمْ: ﴿ لا تَقْتُلُوا ﴾ إلَخْ، والإتْيانُ بِيُوسُفَ دُونَ ضَمِيرِهِ لِاسْتِجْلابِ شَفَقَتِهِمْ عَلَيْهِ واسْتِعْظامِ قَتْلِهِ وهو هُوَ، فَإنَّهُ يُرْوى أنَّهُ قالَ لَهُمُ: القَتْلُ عَظِيمٌ ولَمْ يُصَرِّحْ بِنَهْيِهِمْ عَنِ الخِصْلَةِ الأُخْرى، وأحالَهُ عَلى أوْلَوِيَّةِ ما عَرَضَهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ وألْقُوهُ في غَيابَتِ الجُبِّ ﴾ أيْ في قَعْرِهِ وغَوْرِهِ سُمِّيَ بِهِ لِغَيْبَتِهِ عَنْ عَيْنِ النّاظِرِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْقَبْرِ: غَيابَةٌ، قالَ المِنخَلُ السَّعْدِيُّ: إذا أنا يَوْمًا غَيَّبَتْنِي (غَيابَتِي) فَسِيرُوا بِسَيْرِي في العَشِيرَةِ والأهْلِ وقالَ الهَرَوِيُّ: الغَيابَةُ في الجُبِّ شِبْهُ كَهْفٍ، أوْ طاقٍ في البِئْرِ فَوْقَ الماءِ يَغِيبُ ما فِيهِ عَنِ العُيُونِ، والجُبُّ الرَّكْيَةُ الَّتِي لَمْ تُطْوَ فَإذا طُوِيَتْ فَهي بِئْرٌ، قالَ الأعْشى: لَئِنْ كُنْتُ في جُبٍّ ثَمانِينَ قامَةً ∗∗∗ ورَقِيتُ أسْبابَ السَّماءِ بِسُلَّمٍ ويُجْمَعُ عَلى جُبَبٍ وجِبابٍ وأجْبابٍ، وسُمِّيَ جُبًّا لِأنَّهُ جُبَّ مِنَ الأرْضِ أيْ قُطِعَ، وسَيَأْتِي قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الكَلامُ في تَأْنِيثِهِ وتَذْكِيرِهِ.

وقَرَأ نافِعٌ في -غَياباتِ- في المَوْضِعَيْنِ كَأنَّ لِتِلْكَ الجُبِّ غَياباتٍ، فَفِيهِ إشارَةٌ إلى سِعَتِها، أوْ أرادَ بِالجُبِّ الجِنْسَ أيْ في بَعْضِ غَياباتِ الجُبِّ، وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ -غَيّاباتِ- بِتَشْدِيدِ الياءِ التَّحْتِيَّةِ وهو صِيغَةُ مُبالَغَةٍ، ووَزْنُهُ عَلى ما نَقَلَ صاحِبُ اللَّوامِحِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَعّالاتٍ كَحَمّاماتٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَيْعالاتٍ كَشَيْطاناتٍ في جَمْعِ شَيْطانَةٍ، وقَرَأ الحَسَنُ غَيَبَةِ بِفُتُحاتٍ عَلى أنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ كالغَلَبَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ غائِبٍ كَصانِعٍ وصَنَعَةٍ، وفي حَرْفِ أُبَيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ غَيْبَةٌ بِسُكُونِ الياءِ التَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ أُرِيدَ بِهِ الغائِبُ.

﴿ يَلْتَقِطْهُ ﴾ أيْ يَأْخُذْهُ عَلى وجْهِ الصِّيانَةِ عَنِ الضَّياعِ والتَّلَفِ، فَإنَّ الِالتِقاطَ أخْذُ شَيْءٍ مُشْرِفٍ عَلى الضَّياعِ كَذا قِيلَ، وفي مَجْمَعِ البَيانِ هو أنْ يَجِدَ الشَّيْءَ ويَأْخُذَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَحْسَبَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ومَنهَلٌ ورَدْتُهُ التِقاطًا.

﴿ بَعْضُ السَّيّارَةِ ﴾ أيْ بَعْضُ جَماعَةٍ تَسِيرُ في الأرْضِ وألْ في السَّيّارَةِ كَما في الجُبِّ وما فِيهِما، وفي -البَعْضِ- مِنَ الإبْهامِ لِتَحْقِيقِ ما يَتَوَخّاهُ مِن تَرْوِيجِ كَلامِهِ بِمُوافَقَتِهِ لِغَرَضِهِمُ الَّذِي هو تَنائِي يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْهم بِحَيْثُ لا يُدْرى أثَرُهُ ولا يُرْوى خَبَرُهُ، وقَرَأ الحَسَنُ -تَلْتَقِطْهُ- عَلى التَّأْنِيثِ بِاعْتِبارِ المَعْنى كَما في قَوْلِهِ: إذا بَعْضُ السِّنِينَ (تَعْرِفَتُنا) ∗∗∗ كَفى الأيْتامَ فَقْدُ أبِي اليَتِيمِ وجاءَ قُطِعَتْ بَعْضُ أصابِعِهِ وجَعَلُوا هَذا مِن بابِ اكْتِسابِ المُضافِ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ التَّأْنِيثَ كَقَوْلِهِ: كَما شَرَقَتْ صَدْرُ القَناةِ مِنَ الدَّمِ.

﴿ إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ﴾ أيْ إنْ كُنْتُمْ عازِمِينَ مُصِرِّينَ عَلى أنْ تَفْعَلُوا بِهِ ما يُفَرِّقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ أبِيهِ أوْ إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ بِمَشُورَتِي ورَأْيِي فَألْقُوهُ إلَخْ، ولَمْ يَبِتَّ القَوْلَ لَهم بَلْ عَرَضَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ تَأْلِيفًا لِقُلُوبِهِمْ وتَوْجِيهًا لَهم إلى رَأْيِهِ وحَذَرًا مِن سُوءِ ظَنِّهِمْ بِهِ؛ ولَمّا كانَ هَذا مَظِنَّةً لِسُؤالِ سائِلٍ يَقُولُ: فَما فَعَلُوا بَعْدَ ذَلِكَ هَلْ قَبِلُوا رَأْيَهُ أمْ لا؟

فَأُجِيبَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِئْنافِ عَلى وجْهٍ أدْرَجَ في تَضاعِيفِهِ قَبُولَهم لَهُ بِما سَيَجِيءُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وأجْمَعُوا أنْ يَجْعَلُوهُ في غَيابَتِ الجُبِّ ﴾ فَقِيلَ: <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ يعني: من إخوة يوسف لا تقتلوه، يعني: لاَ تَقْتُلُوا يُوسُفَ فإن قتله عظيم.

وقال الكلبي: كان صاحب هذا القول: يهوذا، لم يكن أكبرهم في السّن، ولكن كان أعقلهم.

وقال قتادة والضحاك: صاحب هذا القول: روبيل، وكان أكبر القوم سناً.

وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يعني اطرحوه في أسفل الجب.

وقال الزجاج: الغيابة كل ما غاب عنك أو غيّبت شيئاً عنك.

قرأ نافع: غيابات بلفظ الجماعة، وقرأ الباقون غَيابَتِ الْجُبِّ، لأن المعنى فيها على موضع واحد.

وروي عن أبيّ بن كعب، أنه كان يقرأ: غيبة الجب.

وقال الزجاج: الجُبُّ: البئر التي ليست بمطوية سميت جُبًّا، لأنها قطعت قطعاً، ولم يحدث فيها غير القطع.

ثم قال: يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ يعني: يأخذه بعض من يمر عليه من المسافرين إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ يعني: إن كنتم لا بد فاعلين من الشر الذي تريدون.

وروي عن الحسن، ومجاهد، أنهما قرءا: تلتقطه بالتاء، ومعناه: تلتقطه السيارة، وينصرف إلى المعنى.

فلما قال لهم ذلك يهوذا أو روبيل، أطاعوه بذلك، وجاءوا إلى أبيهم وقالُوا يا أَبانا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ بأن ترسله معنا، وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ يعني: لحافظون.

ويقال: محبون مشفقون.

قرأ أبو جعفر القارئ المدني: لاَ تَأْمَنَّا بجزم النون، وقرأ الباقون تَأْمَنَّا بإشمام النون إلى الرفع، لأن أصلها تأمننا، فأدغمت إحداهما في الأخرى، وأقيم التشديد مقامها، وبقي رفعه.

ثم قال: أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يعني: أخوة يوسف قالوا لأبيهم: أرسل يوسف معنا إلى الغنم يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ قال مجاهد: يحفظ بعضنا بعضاً، ونتحارس.

وقال قتادة: ننشط ونسعى ونلهو.

وقال القتبي: من قرأ بتسكين العين، أي نأكل يقال: رتعت الإبل إذا رعت.

ومن قرأ بكسر العين، أراد به: نتحارس ويرعى بعضنا بعضاً، أي: يحفظ.

قرأ ابن كثير: نَرْتَعِ بالنون وكسر العين، وَنَلْعَبُ بالنون.

وقرأ نافع: يَرْتَعْ بالياء وكسر العين، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم: يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ بالياء وجزم العين، وقرأ أبو عمرو، وابن عامر: نرتع وَنَلْعَبُ بالنون وجزم العين.

واتفقوا في جزم الباء.

قال أبو عبيدة، قلت لأبي عمرو: كيف يقولون نلعب وهم أنبياء؟

قال: لم يكونوا يومئذٍ أنبياء.

قال الفقيه أبو الليث: لم يريدوا به اللعب الذي هو منهيّ عنه، وإنما أرادوا به المطايبة في خروجهم، وفيه دليل: أن القوم إذا خرجوا من المصر، فلا بأس بالمطايبة والمزاح في غير مأثم.

ويقال: نرتع ونلعب يعني: نجيء ونذهب، حتى نتشجع ونترحّل.

ويقال: حتى نجمع النفع والسرور.

وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ لا يصيبه أذًى ولا مكروه، وإنا مشفقون عليه قالَ لهم يعقوب: إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ يعني: إنَّ ذهابكم به ليحزنني.

قرأ نافع: لَيَحْزُنُنِي بضم الياء وكسر الزاي، وقرأ الباقون بنصب الياء، وضم الزاي.

ومعناهما واحد.

ثم قال: وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ يعني: أخاف أن تضيعوه فيأكله الذئب، وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ يعني: مشغولين بأمركم.

قرأ أبو عمرو والكسائي ونافع في رواية ورش: الذِّئْبُ بغير همز.

وقرأ الباقون بالهمز، وهما لغتان.

وروي عن بعض الصحابة، أنه قال: لا ينبغي أن يلقن الخصم حجّته، لأن إخوة يوسف كانوا لا يعلمون أن الذئب يأكل الناس، إلى أن قال لهم يعقوب ذلك، وإنما قال ذلك يعقوب لأنه رأى في المنام أن ذئباً كان يعدو على يوسف فأنجاه بنفسه.

قالُوا يعني: إخوة يوسف لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ يعني: جماعة عشرة إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ يعني: لعاجزين.

فلما قالوا ذلك رضي بخروجه معهم، فبعثه معهم، وأوصاهم عند خروجه أن يحسنوا إليه، ويتعاهدوا أمره، ويردوه إذا طلب الرجوع.

فقبلوا ذلك منه.

ويقال: إنه أبى أن يرسله معهم، حتى أتوا يوسف فقالوا له: اطلب من أبيك ليبعثك معنا، وطلب يوسف ذلك من أبيه، فبعثه معهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله: بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ: أي: بوحينا إِليك هذا، والْقُرْآنَ: نعت ل «هذا» ويجوز فيه البَدَلُ، والضمير في «قبله» : للقصص العامِّ لما في جميع القرآن منه، ولَمِنَ الْغافِلِينَ، أي: عن معرفة هذا القصص، وعبارةُ المَهْدَوِيِّ: قال قتادة: أي: نقصُّ عليك من الكُتُب الماضيةِ، وأخبارِ الأممِ السالفةِ أحْسَنَ القصص بوحينا إِليك هذا القرآن، وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ عنْ أخبار الأمم، انتهى.

وقوله سبحانه: إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ: قيل: إِنه رأَى كواكِبَ حقيقةً، والشمْسَ والقَمَرَ، فتأوَّلها يعقوبُ إِخْوَتَهُ وأَبَوَيْهِ، وهذا هو قولُ الجمهور، وقيل: الإِخوةُ والأَبُ والخالةُ لأَنَّ أُمَّه كانتْ ميِّتة، وروي أن رُؤْيَا يوسُفَ خَرَجَتْ بَعْدَ أربعينَ سَنَةً، وقيل: بعد ثمانين سنة.

وقوله: يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً مِنْ هنا ومِنْ فعْل إِخوة يوسُفَ بيوسُفَ: يظهر أنَّهم لم يكُونوا أَنبياءَ في ذلك الوقْتِ، وما وَقَعَ في «كتاب الطَّبريِّ» لابْنِ زَيْد أنهم كانُوا أنبياءَ يردُّه القطْعُ بعصمة الأنبياءِ عن الحَسَدِ الدنيوي، وعن عقوقِ الآباءِ، وتعريض مؤمنٍ للهلاكِ، والتآمرِ في قتله.

وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ: أي: يختارُكَ ويصطفيك.

وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ قال مجاهد وغيره: هي عبارةُ الرؤيا «١» وقال الحسن: هي عواقِبُ الأمور «٢» وقيل: هي عامَّة لذلك وغيره من المغيَّبات.

وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ...

الآية: يريد بالنبوَّة وما انضاف إِلَيْها من سائر النِّعَم، ويروَى: أَنَّ يعقُوبَ عَلِمَ هَذا مِنْ دَعْوَة إِسْحَاقَ لَهُ حِينَ تشبَّه ب «عيصو» ، وباقي الآية بيّن.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ قائِلٌ مِنهُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ يَهُوذا، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهُ شَمْعُونُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: رُوبِيلُ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ إسْحاقَ.

فَأمّا غَيابَةُ الجُبِّ، فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ شَيْءٍ غَيَّبَ عَنْكَ شَيْئًا فَهو غَيابَةُ، والجُبُّ: الرَّكْيَةُ الَّتِي لَمْ تُطْوَ.

وقالَ الزَّجّاجُ: الغَيابَةُ: كُلُّ ما غابَ عَنْكَ، أوْ غَيَّبَ شَيْئًا عَنْكَ، قالَ المُنَخِّلُ: فَإنْ أنا يَوْمًا غَيَّبَتْنِي غَيابَتِي فَسِيرُوا بِسَيْرِي في العَشِيرَةِ والأهْلِ والجُبِّ: البِئْرُ الَّتِي لَمْ تُطْوَ؛ سُمِّيَتْ جُبًّا مِن أجْلٍ أنَّها قُطِعَتْ قَطْعًا، ولَمْ يَحْدُثْ فِيها غَيْرُ القَطْعِ مِن طَيٍّ وما أشْبَهَهُ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " في غَيابَةِ الجُبِّ " أيْ: في ظُلُماتِهِ.

وقالَ الحَسَنُ: في قَعْرِهِ.

وقَرَأ نافِعٌ: " غَياباتِ الجُبِّ " فَجُعِلَ كُلٌّ مِنهُ غَيابَةً.

ورَوى خارِجَةُ عَنْ نافِعٍ: " غَيّاباتِ " بِتَشْدِيدِ الياءِ.

وقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: " غَيْبَةِ الجُبِّ " بِغَيْرِ ألِفٍ مَعَ إسْكانِ الياءِ.

وأيْنَ كانَ هَذا الجُبُّ، فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِأرْضِ الأُرْدُنِ، قالَهُ وهْبٌ.

وقالَ مُقاتِلٌ: هو بِأرْضِ الأُرْدُنِ عَلى ثَلاثِ فَراسِخَ مِن مَنزِلِ يَعْقُوبَ.

والثّانِي: بِبَيْتِ المَقْدِسِ، قالَهُ قَتادَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَأْخُذْهُ بَعْضُ مَن يَسِيرُ.

﴿ إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ﴾ أيْ: إنْ أضْمَرْتُمْ لَهُ ما تُرِيدُونَ.

وأكْثَرُ القُرّاءِ قَرَؤُوا " يَلْتَقِطْهُ " بِالياءِ.

وقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالتّاءِ.

قالَ الزَّجّاجُ: وجَمِيعُ النَّحْوِيِّينَ يُجِيزُونَ ذَلِكَ، لِأنَّ بَعْضَ السَّيّارَةِ سَيّارَةٌ، فَكَأنَّهُ قالَ: تَلْتَقِطُهُ سَيّارَةُ بَعْضِ السَّيّارَةِ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَن قَرَأ بِالتّاءِ فَقَدْ أنَّثَ فِعْلَ بَعْضٍ، وبَعْضٌ مُذَكَّرٌ، وإنَّما فَعَلَ ذَلِكَ حَمْلًا عَلى المَعْنى، إذِ التَّأْوِيلُ: تَلْتَقِطْهُ السَّيّارَةُ، قالَ الشّاعِرُ: رَأتْ مَرَّ السِّنِينَ أخَذْنَ مِنِّي ∗∗∗ كَما أخَذَ السِّرارُ مِنَ الهِلالِ أرادَ: رَأتِ السِّنِينَ، وقالَ الآخَرُ: طُولُ اللَّيالِي أسْرَعَتْ في نَقْضِي ∗∗∗ طَوَيْنَ طُولِي وطَوَيْنَ عَرْضِي أرادَ: اللَّيالِي أسْرَعَتْ، وقالَ جَرِيرٌ: لَمّا أتى خَبَرُ الزُّبَيْرِ تَواضَعَتْ ∗∗∗ سُورُ المَدِينَةِ والجِبالُ الخُشَّعُ أرادَ: تَواضَعَتِ المَدِينَةُ، وقالَ الآخَرُ: وتَشْرَقُ بِالقَوْلِ الَّذِي قَدْ أذَعْتُهُ ∗∗∗ كَما شَرِقَتْ صَدْرُ القَناةِ مِنَ الدَّمِ أرادَ: كَما شَرِقَتِ القَناةُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: فَلَمّا عَزَمَ القَوْمُ عَلى كَيْدِ يُوسُفَ، قالُوا لِأبِيهِ: ﴿ ما لَكَ لا تَأْمَنّا ﴾ قَرَأ الجَماعَةُ " تَأْمَنّا " بِفَتْحِ المِيمِ وإدْغامِ النُّونِ الأوْلى في الثّانِيَةِ والإشارَةِ إلى إعْرابِ النُّونِ المُدْغَمَةِ بِالضَّمِّ؛ قالَ مَكِّيٌّ: لِأنَّ الأصْلَ " تَأْمَنُنا " ثُمَّ أُدْغِمَتِ النُّونُ الأُولى، وبَقِيَ الإشْمامُ يَدُلُّ عَلى ضَمَّةِ النُّونِ الأُولى.

والإشْمامُ: هو ضَمُّ شَفَتَيْكَ مِن غَيْرِ صَوْتٍ يُسْمَعُ، فَهو بَعْدَ الإدْغامِ وقَبْلَ فَتْحِهِ النُّونَ الثّانِيَةَ.

وابْنُ كَيْسانَ يُسَمِّي الإشْمامَ الإشارَةَ، ويُسَمِّي الرَّوْمَ إشْمامًا؛ والرَّوْمُ: صَوْتٌ ضَعِيفٌ يُسْمَعُ خَفِيًّا.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ " تَأْمَنّا " بِفَتْحِ النُّونِ مِن غَيْرِ إشْمامٍ إلى إعْرابِ المُدْغَمِ.

وقَرَأ الحَسَنُ " مالَكَ لا تَأْمُنّا " بِضَمِّ المِيمِ.

وقَرَأ ابْنُ مِقْسَمٍ " تَأْمَنُنا " بِنُونَيْنِ عَلى الأصْلِ، والمَعْنى: مالَكَ لا تَأْمَنّا عَلى يُوسُفَ فَتُرْسِلَهُ مَعَنا، فَإنَّهُ قَدْ كَبُرَ ولا يَعْلَمُ شَيْئًا مِن أمْرِ المَعاشِ ﴿ وَإنّا لَهُ لَناصِحُونَ ﴾ فِيما أشَرْنا بِهِ عَلَيْكَ؛ ﴿ أرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا ﴾ إلى الصَّحْراءِ.

وقالَ مُقاتِلٌ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا لَهُ: أرْسَلْهُ مَعَنا، فَقالَ: إنِّي لَيَحْزُنُنِي أنْ تَذْهَبُوا بِهِ، فَقالُوا: مالَكَ لا تَأْمَنّا.

قَوْلُهُ تَعالى: " نَرْتَعْ ونَلْعَبْ " قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو " نَرْتَعْ ونَلْعَبْ " بِالنُّونِ فِيهِما، والعَيْنُ ساكِنَةٌ؛ وافَقَهم زَيْدٌ عَنْ يَعْقُوبَ في " نَرْتَعْ " فَحَسْبُ.

وَفِي مَعْنى " نَرْتَعْ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: نَلْهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّانِي: نَسْعَ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: نَأْكُلْ؛ يُقالُ: رَتَعَتِ الإبِلُ: إذا رَعَتْ، وأرْتَعْتُها: إذا تَرَكْتُها تَرْعى.

قالَ الشّاعِرُ: وحَبِيبٍ لِي إذا لاقَيْتُهُ ∗∗∗ وإذا يَخْلُو لَهُ لَحْمِي رَتَعْ أيْ: أكَلَهُ، هَذا قَوْلُ ابْنِ الأنْبارِيِّ، وابْنِ قُتَيْبَةَ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ﴿ يَرْتَعْ ويَلْعَبْ ﴾ بِالياءِ فِيهِما وجَزْمِ العَيْنِ والباءِ، يَعْنُونَ " يُوسُفَ " .

وقَرَأ نافِعٌ: " نَرْتَعِ " بِكَسْرِ العَيْنِ مَن " نَرْتَعْ " مِن غَيْرِ بُلُوغٍ إلى الياءِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومَعْناها نَتَحارَسُ، ويَرْعى بَعْضُنا بَعْضًا، أيْ: يَحْفَظُ؛ ومِنهُ يُقالُ: رَعاكَ اللَّهُ، أيْ: حَفِظَكَ.

وقَدْ رُوِيَتْ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أيْضًا " نَرْتَعِي " بِإثْباتِ ياءٍ بَعْدَ العَيْنِ في الوَصْلِ والوَقْفِ.

وقَرَأ أنَسٌ، وأبُو رَجاءٍ " نُرْتِعْ " بِنُونٍ مَرْفُوعَةٍ وكَسْرِ التّاءِ وسُكُونِ العَيْنِ، و " نَلْعَبْ " بِالنُّونِ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ: نُرْتِعْ إبِلَنا.

فَأمّا قَوْلُهُ: " ونَلْعَبْ " فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَلْهُو.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ يَعْقُوبُ ذِكْرَ اللَّعِبِ ؟

فالجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهم لَمْ يَكُونُوا حِينَئِذٍ أنْبِياءَ، قالَهُ أبُو عَمْرِو ابْنِ العَلاءِ.

والثّانِي: أنَّهم عَنَوْا مُباحَ اللَّعِبِ، قالَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِّي لَيَحْزُنُنِي أنْ تَذْهَبُوا بِهِ ﴾ أيْ: يُحْزِنُنِي ذَهابُكم بِهِ، لِأنَّهُ يُفارِقُنِي فَلا أراهُ.

﴿ وَأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: " الذِّئْبُ " بِالهَمْزِ في الثَّلاثَةِ المَواضِعِ.

وقَرَأ الكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ بِغَيْرِ هَمْزٍ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: " الذِّئْبُ " مَهْمُوزٌ في الأصْلِ.

يُقالُ: تَذاءَبَتِ الرِّيحُ: إذا جاءَتْ مِن كُلِّ جِهَةٍ كَما يَأْتِي الذِّئْبُ.

وَفِي عِلَّةِ تَخْصِيصِ الذِّئْبِ بِالذِّكْرِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ رَأى في مَنامِهِ أنَّ الذِّئْبَ شَدَّ عَلى يُوسُفَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ أرْضَهم كانَتْ كَثِيرَةَ الذِّئابِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُ خافَهم عَلَيْهِ فَكَنّى بِذِكْرِ الذِّئْبِ، قالَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: غافِلُونَ في اللَّعِبِ.

والثّانِي: مُشْتَغِلُونَ بِرَعِيَّتِكم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَئِنْ أكَلَهُ الذِّئْبُ ونَحْنُ عُصْبَةٌ ﴾ أيْ: جَماعَةٌ نَرى الذِّئْبَ قَدْ قَصَدَهُ ولا نَرُدُّ عَنْهُ ﴿ إنّا إذًا لَخاسِرُونَ ﴾ أيْ: عاجِزُونَ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ومَن قَرَأ " عُصْبَةً " بِالنَّصْبِ، فَتَقْدِيرُهُ: ونَحْنُ نَجْتَمِعُ عُصْبَةً.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَقَدْ كانَ في يُوسُفَ وإخْوَتِهِ آياتٌ لِلسّائِلِينَ ﴾ ﴿ إذْ قالُوا لَيُوسُفُ وأخُوهُ أحَبُّ إلى أبِينا مِنّا ونَحْنُ عُصْبَةٌ إنَّ أبانا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ اقْتُلُوا يُوسُفَ أوِ اطْرَحُوهُ أرْضًا يَخْلُ لَكم وجْهُ أبِيكم وتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صالِحِينَ ﴾ ﴿ قالَ قائِلٌ مِنهم لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وألْقُوهُ في غَيابَتِ الجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَيّارَةِ إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: "آياتٌ" بِالجَمْعِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ: "آيَةٌ" بِالإفْرادِ، وهي قِراءَةُ مُجاهِدٍ، وشِبْلٍ، وأهْلِ مَكَّةَ.

فالأُولى عَلى مَعْنى أنَّ كُلَّ حالٍ مِن أحْوالِهِ آيَةٌ آيَةٌ فَجَمَعَها، والثانِيَةُ عَلى أنَّهُ بِجُمْلَتِهِ آيَةٌ، وإنْ تَفْصَّلَ بِالمَعْنى.

ووَزْنُ آيَةٍ فَعَلَةٍ أو فَعْلَةٍ أو فاعِلَةٍ عَلى الخِلافِ فِيهِ، وذَكَرَ الزَجّاجُ أنَّ في غَيْرِ مُصْحَفِ عُثْمانَ "عِبْرَةٌ لِلسّائِلِينَ"، قالَ أبُو حاتِمٍ: هو في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.

وقَوْلُهُ: "لِلسّائِلِينَ" يَقْتَضِي حَضًّا ما عَلى تَعَلُّمِ هَذِهِ الأنْباءِ، لِأنَّهُ إنَّما المُرادُ: "آيَةٌ لِلنّاسِ"، فَوَصَفَهم بِالسُؤالِ إذْ كُلُّ واحِدٍ يَنْبَغِي أنْ يَسْألَ عن مَثَلِ هَذِهِ القَصَصِ، إذْ هي مَقَرُّ العِبَرِ والِاتِّعاظِ، ويَصِحُّ أيْضًا أنْ يَصِفَ الناسَ بِالسُؤالِ مِن حَيْثُ كانَ سَبَبُ نُزُولِ السُورَةِ سُؤالَ سائِلٍ كَما رُوِيَ.

وقَوْلُهُمْ: "وَأخُوهُ" يُرِيدُونَ بِهِ "بِنْيامِينَ"، وهو أصْغَرُ مِن يُوسُفَ، ويُقالُ لَهُ: "يامِينَ"، وقِيلَ: كانَ شَقِيقَ يُوسُفَ وكانَتْ أُمُّهُما ماتَتْ، ويَدُلُّ عَلى أنَّهُما شَقِيقانِ تَخْصِيصُ الأُخُوَّةِ لَهُما بِـ "أخُوهُ" وهي دَلالَةٌ غَيْرُ قاطِعَةٍ، وكانَ حُبُّ يَعْقُوبَ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ وبِنْيامِينَ لِصِغَرِهِما ومَوْتِ أُمِّهِما، وهَذا مِن "حُبُّ الصَغِيرِ هي فِطْرَةُ البَشَرِ"، وقَدْ قِيلَ لِابْنَةِ الحَسَنِ: أيُّ بَنِيكِ أحَبُّ إلَيْكِ؟

قالَتِ: الصَغِيرُ حَتّى يَكْبُرَ، والغائِبُ حَتّى يَقْدُمَ، والمَرِيضُ حَتّى يُفِيقَ.

وقَوْلُهُمْ: ﴿ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ ﴾ أيْ: نَحْنُ جَماعَةٌ تَضُرُّ وتَنْفَعُ، وتَحْمِي وتُخَذِّلُ، أيْ: لَنا كانَتْ تَنْبَغِي المَحَبَّةُ والمُراعاةُ.

والعُصْبَةُ في اللُغَةِ: الجَماعَةُ، قِيلَ: مِن عَشَرَةٍ إلى خَمْسَةَ عَشَرَ، وقِيلَ: مِن عَشَرَةٍ إلى أرْبَعِينَ، وقالَ الزَجّاجُ: العَشَرَةُ ونَحْوُهُمْ، وفي الزَهْراوِيِّ: الثَلاثَةُ: نَفَرٌ، فَإذا زادُوا فَهم رَهْطٌ إلى التِسْعَةِ، فَإذا زادُوا فَهم عُصْبَةٌ، ولا يُقالُ لِأقَلِّ مِن عَشَرَةٍ: عُصْبَةٌ.

وقَوْلُهُمْ: ﴿ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ أيْ: لَفي اخْتِلافٍ وخَطَأٍ في مَحَبَّةِ يُوسُفَ وأخِيهِ، وهَذا هو مَعْنى الضَلالِ، وإنَّما يَصْغُرُ قَدْرُهُ أو يَعْظُمُ بِحَسْبِ الشَيْءِ الَّذِي فِيهِ يَقَعُ الِائْتِلافُ.

و"مُبِينٍ" مَعْناهُ: يَظْهَرُ لِلْمُتَأمِّلِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وَحَمْزَةُ " مُبِين اقْتُلُوا " بِكَسْرِ التَنْوِينِ في الوَصْلِ لِالتِقاءِ ساكِنِ التَنْوِينِ والقافِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، والكِسائِيُّ: "مُبِينِنُ اقْتُلُوا" بِكَسْرِ النُونِ وضَمِّ التَنْوِينِ إتْباعًا لِضَمَّةِ التاءِ ومُراعاةً لَها.

وقَوْلُهُ: ﴿ اقْتُلُوا يُوسُفَ ﴾ الآيَةُ.

كانَتْ هَذِهِ مَقالَةُ بَعْضِهِمْ: ﴿ أوِ اطْرَحُوهُ ﴾ مَعْناهُ: أبْعِدُوهُ، ومِنهُ قَوْلُ عُرْوَةَ بْنِ الوَرْدِ: ومَن يَكُ مِثْلِي ذا عِيالٍ ومُقْتِرًا ∗∗∗ يُغَرَّرْ ويَطْرَحْ نَفْسَهُ كُلَّ مَطْرَحِ والنَوى الطَرُوحُ: البَعِيدَةُ، و"أرْضًا" مَفْعُولٌ ثانٍ بِإسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، لِأنَّ "طَرَحَ" لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ إلّا كَذَلِكَ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو نَصْبٌ عَلى الظَرْفِ، وذَلِكَ خَطَأٌ لِأنَّ الظَرْفَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مُبْهَمًا، وهَذِهِ هُنا لَيْسَتْ كَذَلِكَ، بَلْ هي أرْضٌ مُقَيَّدَةٍ بِأنَّها بَعِيدَةٌ أو قاصِيَةٌ ونَحْوُ ذَلِكَ، فَزالَ بِذَلِكَ إبْهامُها، ومَعْلُومٌ أنْ يُوسُفَ لَمْ يَخْلُ مِنَ الكَوْنِ في أرْضٍ فَبَيَّنَ أنَّها أرْضٌ بَعِيدَةٌ غَيْرُ الَّتِي هو فِيها قَرِيبٌ مِن أبِيهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ يَخْلُ لَكم وجْهُ أبِيكُمْ ﴾ اسْتِعارَةٌ، أيْ: إذا فَقَدَ يُوسُفَ رَجَعَتْ مَحَبَّتُهُ إلَيْكُمْ، ونَحْوُ هَذا قَوْلُ العَرَبِيِّ حِينَ أحَبَّتْهُ أُمُّهُ لَمّا قُتِلَ إخْوَتُهُ وكانَتْ قَبْلُ لا تُحِبُّهُ: "الثُكْلُ أرْأمَها"، أيْ عَطْفُها عَلَيْهِ، والضَمِيرُ في "بَعْدِهِ" عائِدٌ عَلى " يُوسُفَ " أو "قَتْلِهِ" أو "طَرْحِهِ"، و"صالِحِينَ"، قالَ السُدِّيُّ، ومُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ: إنَّهم أرادُوا صَلاحَ الحالِ عِنْدَ أبِيهِمْ، وهَذا يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ قَصْدُهم في تِلْكَ الحالِ، ولَمْ يَكُونُوا حِينَئِذٍ أنْبِياءَ، وقالَ الجُمْهُورُ: "صالِحِينَ" مَعْناهُ بِالتَوْبَةِ، وهَذا هو الأظْهَرُ مِنَ اللَفْظِ، وحالُهم أيْضًا تُعْطِيهِ، لِأنَّهم مُؤْمِنُونَ بَثُّوا عَلى عَظِيمَةٍ وعَلَّلُوا أنْفُسَهم بِالتَوْبَةِ، والقائِلُ مِنهُمْ، قِيلَ: هو رُوبِيلُ -أسَنُّهُمْ-، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ إسْحاقَ.

وقِيلَ: يَهُوذا أحْلَمُهُمْ-، وقِيلَ: شَمْعُونُ أُشْجَعُهُمْ- قالَهُ مُجاهِدٌ، وهَذا عَطْفٌ مِنهُ عَلى أخِيهِ لا مَحالَةَ لِما أرادَ اللهُ مِن إنْفاذِ قَضائِهِ، و "الغَيابَةُ": ما غابَ عنكَ مِنَ الأماكِنِ أو غَيَّبَ عنكَ شَيْئًا آخَرَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "غَيابَةِ الجُبِّ"، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: "غَياباتِ الجُبِّ"، وقَرَأ الأعْرَجُ: "غَيّاباتِ الجُبِّ" بِشَدِّ الياءِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: "هُوَ اسْمٌ جاءَ عَلى (فَعّالَةِ)، كانَ أبُو عَلِيٍّ يُلْحِقُهُ بِما ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ مِنَ الفَيّادِ ونَحْوِهُ، ووَجَدْتُ أنا مِن ذَلِكَ: التَيّارُ لِلْمَوْجِ، والفَخّارُ لِلْخَزَفِ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي شَبَهِ "غَيّابَةٍ" بِهَذِهِ الأمْثِلَةِ نَظَرٌ لِأنَّ "غَيّابَةً" جارِيَةٌ عَلى فِعْلٍ.

وقَرَأ الحَسَنُ: "فِي غَيْبَةِ الجُبِّ" عَلى وزْنِ (فَعْلَةِ)، وكَذَلِكَ خُطَّتْ في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الشاعِرِ: وهو المُنَخَّلُ: فَإنْ أنا يَوْمًا غَيَّبَتْنِي غَيابَتِي ∗∗∗ ∗∗∗ فَسِيرُوا بِسَيْرِي في العَشِيرَةِ والأهْلِ و"الجُبُّ": البِئْرُ الَّتِي لَمْ تُطْوَ لِأنَّها جُبَّتْ مِنَ الأرْضِ فَقَطْ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ:"يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ عَلى لَفْظِ "بَعْضُ"، وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءَ: "تَلْتَقِطْهُ" بِالتاءِ، وهَذا مِن حَيْثُ أُضِيفَ "البَعْضُ" إلى "السَيّارَةِ" فاسْتَفادَ مِنها تَأْنِيثَ العَلاقَةِ، ومِن هَذا قَوْلُ الشاعِرِ: أرى مَرَّ السِنِينَ أخَذْنَ مِنِّي ∗∗∗ ∗∗∗ كَما أخَذَ السِرارُ مِنَ الهِلالِ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: إذا ماتَ مِنهم سَيِّدٌ قامَ سَيِّدٌ ∗∗∗ ∗∗∗ فَذَلَّتْ لَهُ أهْلُ القُرى والكَنائِسُ وقَوْلُ كَعْبٍ: ...................................

ذَلَّتْ لِوَقْعَتِها جَمِيعُ نِزارِ حِينَ أرادَ بـِ "نِزارِ" القَبِيلَةَ، وأمْثِلَةُ هَذا كَثِيرٌ.

ورُوِيَ أنَّ جَماعَةً مِنَ الأعْرابِ التَقَطَتْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ.

و"السَيّارَةُ" جَمْعُ سَيّارٍ، وهو بِناءٌ لِلْمُبالَغَةِ.

وقِيلَ في هَذا الجُبِّ: إنَّهُ بِئْرُ بَيْتِ المَقْدِسِ، وقِيلَ: غَيْرُهُ، وقِيلَ: لَمْ يَكُنْ حَيْثُ طَرَحُوهُ ماءٌ، ولَكِنْ أخْرَجَهُ اللهُ فِيهِ حَتّى قَصَدَهُ الناسُ لِلِاسْتِقاءِ، وقِيلَ: بَلْ كانَ فِيهِ ماءٌ كَثِيرٌ يُغْرِقُ يُوسُفَ فَنَشَزَ حَجَرٌ مِن أسْفَلِ الجُبِّ حَتّى ثَبَتَ عَلَيْهِ يُوسُفُ، ورُوِيَ أنَّهم رَمَوْهُ بِحَبْلٍ في الجُبِّ فَتَماسَكَ بِيَدَيْهِ حَتّى رَبَطُوا يَدَيْهِ ونَزَعُوا قَمِيصَهُ ورَمَوْهُ حِينَئِذٍ، وهَمُّوا بِرَضْخِهِ بِالحِجارَةِ فَمَنَعَهم أخُوهُمُ المُشِيرُ بِطَرْحِهِ مِن ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

فصْل جملة ﴿ قال قائل ﴾ جار على طريقة المقاولات والمحاورات، كما تقدّم في قوله تعالى: ﴿ قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ في سورة البقرة (30).

وهذا القائل أحد الإخوة ولذلك وصف بأنّه منهم.

والعدول عن اسمه العَلَم إلى التنكير والوصفيّة لعدم الجدوى في معرفة شخصه وإنّما المهمّ أنّه من جماعتهم.

وتجنّباً لما في اسمه العلم من الثقل اللفظي الذي لا داعي إلى ارتكابه.

قيل: إنّه (يهوذا) وقيل: (شمعون) وقيل (روبين)، والذي في سفر التّكوين من التّوراة أنه (راوبين) صدّهم عن قتله وأن يهوذا دل عليه السيارة كما في الإصحاح37.

وعادة القرآن أن لا يذكر إلاّ اسم المقصود من القصّة دون أسماء الذين شملتهم، مثل قوله: ﴿ وقال رجلٌ مؤمنٌ من آل فرعون ﴾ [سورة غافر: 28].

والإلقاء: الرمي.

والغيابات: جمع غيابة، وهي ما غاب عن البصر من شيء.

فيقال: غيابة الجبّ وغيابة القبر والمراد قعر الجبّ.

والجبّ: البئر التي تحفر ولا تطوى.

وقرأ نافع، وأبو جعفر غيابات بالجمع.

ومعناه جهات تلك الغيابة، أو يجعل الجمع للمبالغة في ماهية الاسم، كقوله تعالى: ﴿ أوْ كظلماتتٍ في بحرٍ لجّيّ ﴾ [سورة النور: 40] وقرأ الباقون في غيابت الجبّ } بالإفراد.

والتّعريف في ﴿ الجبّ ﴾ تعريف العهد الذهني، أي في غيابة جب من الجباب مثل قولهم: ادخل السوق.

وهو في المعنى كالنكرة.

فلعلّهم كانوا قد عهدوا جباباً كائنة على أبعاد متناسبة في طرق أسفارهم يأوون إلى قربها في مراحلهم لسقي رواحلهم وشربهم، وقد توخوا أنْ تكون طرائقهم عليها، وأحسب أنّها كانت ينصب إليها ماء السيول، وأنّها لم تكن بعيدة القعر حيث علموا أنّ إلقاءه في الجبّ لا يهشّم عظامه ولا ماء فيه فيغرقه.

و ﴿ يلتقطه ﴾ جواب الأمر في قوله: ﴿ وألقوه ﴾ .

والتّقدير: إن تلقوه يلتقطه.

والمقصود من التسبب الذي يفيده جواب الأمر إظهار أنّ ما أشار به القائل من إلقاء يوسف عليه السّلام في غيابة جبّ هو أمثل ممّا أشار به الآخرون من قتله أو تركه بفيفاء مهلكة لأنّه يحصل به إبعاد يوسف عليه السّلام عن أبيه إبعاداً لا يرجى بعدَه تلاقيهما دون إلحاق ضرّ الإعدام بيوسف عليه السّلام؛ فإنّ التقاط السيّارة إياه أبقى له وأدخل في الغرض من المقصود لهم وهو إبعاده، لأنّه إذا التقطه السيّارة أخذوه عندهم أو باعوه فزاد بعداً على بعد.

والالتقاط: تناول شيء من الأرض أو الطريق، واستعير لأخذ شيء مضاع.

والسيّارة: الجماعة الموصوفة بحالة السّير وكثرته، فتأنيثه لتأويله بالجماعة التي تسير مثل الفلاّحة والبَحّارة.

والتعريف فيه تعريف العهد الذهني لأنّهم علموا أنّ الطريق لا تخلو من قوافل بين الشام ومصر للتّجارة والميرة.

وجملة ﴿ إن كنتم فاعلين ﴾ شرط حذف جوابه لدلالة ﴿ وألقوه ﴾ ، أي إن كنتم فاعلين إبعاده عن أبيه فألْقوه في غيابات الجبّ ولا تقتلوه.

وفيه تعريض بزيادة التريّث فيما أضمروه لعلّهم يرون الرجوع عنه أولى من تنفيذه، ولذلك جاء في شرطه بحرف الشرط وهو ﴿ إنْ ﴾ إيماء إلى أنّه لا ينبغي الجزم به، فكَانَ هذا القائل أمثل الإخوة رأياً وأقربهم إلى التّقوى، وقد علموا أنّ السيّارة يقصدون إلى جميع الجباب للاستقاء، لأنّها كانت محتفرة على مسافات مراحل السفر.

وفي هذا الرأي عبرة في الاقتصاد من الانتقام والاكتفاء بما يحصل به الغرض دون إفراط.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لَقَدْ كانَ في يُوسُفَ وإخْوَتِهِ آياتٌ لِلسّائِلِينَ ﴾ في هَذِهِ الآياتِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها عِبَرٌ لِلْمُعْتَبِرِينَ.

الثّانِي: زَواجِرُ لِلْمُتَّقِينَ.

وَفِيها مِن يُوسُفَ وإخْوَتِهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ما أظْهَرَهُ اللَّهُ تَعالى فِيهِ مِن عَواقِبِ البَغْيِ عَلَيْهِ.

الثّانِي: صِدْقُ رُؤْياهُ وصِحَّةُ تَأْوِيلِهِ.

الثّالِثُ: ضَبْطُ نَفْسِهِ وقَهْرُ شَهْوَتِهِ حَتّى سَلِمَ مِنَ المَعْصِيَةِ وقامَ بِحَقِّ الأمانَةِ.

الرّابِعُ: الفَرَجُ بَعْدَ شِدَّةِ الإياسِ.

قالَ ابْنُ عَطاءٍ: ما سَمِعَ سُورَةَ يُوسُفَ مَحْزُونٌ إلّا اسْتَرْوَحَ إلَيْها.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إذْ قالُوا لَيُوسُفُ وأخُوهُ أحَبُّ إلى أبِينا مِنّا ﴾ وأخُوهُ بِنْيامِينَ وهُما أخَوانِ لِأبٍ وأُمٍّ، وكانَ يَعْقُوبُ قَدْ كَلِفَ بِهِما لِمَوْتِ أُمِّهِما وزادَ في المُراعاةِ لَهُما، فَذَلِكَ سَبَبُ حَسَدِهِمْ لَهُما، وكانَ شَدِيدَ الحُبِّ لِيُوسُفَ، فَكانَ الحَسَدُ لَهُ أكْثَرَ، ثُمَّ رَأى الرُّؤْيا فَصارَ الحَسَدُ لَهُ أشَدَّ.

﴿ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ ﴾ وفي العُصْبَةِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها سِتَّةٌ أوْ سَبْعَةٌ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: أنَّها مِن عَشَرَةٍ إلى خَمْسَةَ عَشَرَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: مِن عَشَرَةٍ إلى أرْبَعِينَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الرّابِعُ: الجَماعَةُ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ.

﴿ إنَّ أبانا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لَفي خَطَأٍ مِن رَأْيِهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: لَفي جَوْرٍ مِن فِعْلِهِ، قالَهُ ابْنُ كامِلٍ.

الثّالِثُ: لَفي مَحَبَّةٍ ظاهِرَةٍ، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

وَإنَّما جَعَلُوهُ في ضَلالٍ مُبِينٍ لِثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: لِأنَّهُ فَضَّلَ الصَّغِيرَ عَلى الكَبِيرِ.

الثّانِي: القَلِيلَ عَلى الكَثِيرِ.

الثّالِثُ: مَن لا يُراعِي ما لَهُ عَلى مَن يُراعِيهِ.

واخْتُلِفَ فِيهِمْ: هَلْ كانُوا حِينَئِذٍ بالِغِينَ؟

فَذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهم كانُوا بالِغِينَ مُؤْمِنِينَ ولَمْ يَكُونُوا أنْبِياءَ بَعْدُ لِأنَّهم قالُوا ﴿ يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ ﴾ وهَذِهِ حالَةٌ لا تَكُونُ إلّا مِن بالِغٍ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ كانُوا غَيْرَ بالِغِينَ لِأنَّهم قالُوا ﴿ أرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا يَرْتَعْ ويَلْعَبْ ﴾ وإنَّما اسْتَغْفَرُوهُ بَعْدَ البُلُوغِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ اقْتُلُوا يُوسُفَ أوِ اطْرَحُوهُ أرْضًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: اطْرَحُوهُ أرْضًا لِتَأْكُلَهُ السِّباعُ.

الثّانِي: لِيَبْعُدَ عَنْ أبِيهِ.

﴿ يَخْلُ لَكم وجْهُ أبِيكم وتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صالِحِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أرادُوا صَلاحَ الدُّنْيا لا صَلاحَ الدِّينِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: أنَّهم أرادُوا صَلاحَ الدِّينِ بِالتَّوْبَةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّهم أرادُوا صَلاحَ الأحْوالِ بِتَسْوِيَةِ أبِيهِمْ بَيْنَهم مِن غَيْرِ أثَرَةٍ ولا تَفْضِيلٍ.

وَفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ تَوْبَةَ القاتِلِ مَقْبُولَةٌ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُنْكِرْ هَذا القَوْلَ مِنهم.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ قائِلٌ مِنهم لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ ﴾ اخْتُلِفَ في قائِلِ هَذا مِنهم عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ رُوبِيلُ وهو أكْبَرُ إخْوَةِ يُوسُفَ وابْنُ خالَتِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّهُ شَمْعُونُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّهُ يَهُوذا، قالَهُ السُّدِّيُّ.

﴿ وَألْقُوهُ في غَيابَتِ الجُبِّ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي قَعْرَ الجُبِّ وأسْفَلُهُ.

الثّانِي: ظُلْمَةُ الجُبِّ الَّتِي تُغَيَّبُ عَنِ الأبْصارِ ما فِيها، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

فَكانَ رَأْسُ الجُبِّ ضَيِّقًا وأسْفَلُهُ واسِعًا.

وَفي تَسْمِيَتِهِ ﴿ غَيابَتِ الجُبِّ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّهُ يَغِيبُ فِيهِ خَبَرُهُ.

الثّانِي: لِأنَّهُ يَغِيبُ فِيهِ أثَرُهُ، قالَ ابْنُ أحْمَرَ: ألا فالبِثا شَهْرَيْنِ أوْ نِصْفَ ثالِثٍ إلى ذاكَ ما قَدْ غَيَّبَتْنِي غَيابِيا وَفِي ﴿ الجُبِّ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمُ بِئْرٍ في بَيْتِ المَقْدِسِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّهُ بِئْرٌ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ، وإنَّما يَخْتَصُّ بِنَوْعٍ مِنَ الآبارِ.

قالَ الأعْشى: لَئِنْ كُنْتُ في جُبٍّ ثَمانِينَ قامَةً ∗∗∗ ورُقِّيتُ أسْبابَ السَّماءِ بِسُلَّمِ وَفِيما يُسَمّى مِنَ الآبارِ جُبًّا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ما عَظُمَ مِنَ الآبارِ سَواءٌ كانَ فِيهِ ماءٌ أوْ لَمْ يَكُنْ.

الثّانِي: أنَّهُ ما لا طَيَّ لَهُ مِنَ الآبارِ، قالَهُ الزَّجّاجُ، وقالَ: سُمِّيَتْ جُبًّا لِأنَّها قُطِعَتْ مِنَ الأرْضِ قَطْعًا ولَمْ يَحْدُثْ فِيها غَيْرُ القَطْعِ.

﴿ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ﴾ مَعْنى يَلْتَقِطُهُ يَأْخُذُهُ، ومِنهُ اللُّقَطَةُ لِأنَّها الضّالَّةُ المَأْخُوذَةُ.

وَفي ﴿ السَّيّارَةِ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُسافِرُونَ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِأنَّهم يَسِيرُونَ.

الثّانِي: أنَّهم مارَّةُ الطَّرِيقِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه عنه في قوله: ﴿ قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف ﴾ قال: كنا نحدث أنه روبيل وهو أكبر إخوته، وهو ابن خالة يوسف.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف ﴾ قال: هو شمعون.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب ﴾ قال: قاله كبيرهم الذي تخلف.

قال: والجب، بئر بالشام ﴿ يلتقطه بعض السيارة ﴾ قال: التقطه ناس من الأعراب.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وألقوه في غيابة الجب ﴾ يعني الركية.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه، قال: الجب البئر.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وألقوه في غيابة الجب ﴾ قال: هي بئر ببيت المقدس.

يقول في بعض نواحيها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه قال: الجب الذي جعل فيه يوسف عليه السلام بحذاء طبرية، بينه وبينها أميال.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ تلتقطه بعض السيارة ﴾ بالتاء.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى ﴿ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ ﴾ قال عطاء عن ابن عباس (١) (٢) (٣) (٤) وقال قتادة (٥) (٦) وقوله تعالى: ﴿ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ ﴾ قال أبو عبيدة (٧) (٨) (٩) فإنْ أنا يَوْمًا غَيّبتني غَيَابتي ...

فسِيرُوا بسَيْرِي في العَشِيرَة والأَهل أراد بالغيابة حفرة القبر؛ لأنها يغيب المدفون فيها، وأما الجب فهو الركية قبل أن تطوى، يقال: جب هذه الركية صلب، وقال زيد بن كثوه (١٠) (١١) (١٢) قال الحسن (١٣) (١٤) (١٥) قال ابن الأنباري: وإنما ذكرت الغيابة مع الجب دلالة على أن المشير أشار بطرحه في موضع مظلم من الجب لا يلحقه نظر الناظرين، فأفاد ذكر الغيابة هذا المعنى، إذ كان يحتمل أن يلقى في موضع من الجب لا يحول بينه وبين الناظرين.

وقرأ أهل المدينة (١٦) ﴿ غيابات الجب ﴾ بالجمع على معنى أن للجب (١٧) (١٨) ﴿ في غيبة الجب ﴾ ، انتهى كلامه.

وقال أبو علي (١٩) (٢٠) (٢١) ألا فالبِثَا شَهْرَيْن أو نِصْفَ ثالث ...

إلى ذَاكُما (٢٢) يريد جمع غيابة، فجمع مع أن ذا الغيابة واحد، واختلفوا في هذا الجب، فقال قتادة (٢٣) (٢٤) (٢٥) وقوله تعالى: ﴿ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ ﴾ الالتقاط: تناول الشيء من الطريق، ومنه اللقط واللقيط، والسيارة: الذين يسيرون في الطريق للسفر.

قال ابن عباس (٢٦) وقوله تعالى: ﴿ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ ﴾ قال ابن عباس (٢٧) (١) عزاه له القرطبي 9/ 132، و"زاد المسير" 4/ 184.

(٢) "تنوير المقباس" ص 147.

(٣) "تفسير مقاتل" 151 أ، وعزاه له "زاد المسير" 4/ 184.

(٤) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 94.

(٥) الطبري 12/ 155، و"تفسير عبد الرزاق" 2/ 317، وأخرج ابن أبي حاتم 7/ 2106 أ، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 4/ 13، و"زاد المسير" 4/ 185.

(٦) الطبري 12/ 156، و"زاد المسير" 4/ 185، والثعلبي 7/ 64 ب من غير عزو.

(٧) "مجاز القرآن" 1/ 302.

(٨) "اللسان" (غيب) 6/ 3323.

(٩) هو المنخل بن سبيع بن زيد بن معاوية بن العنبر، والبيت في "معجم المرزباني" 388، و"مجاز القرآن" 1/ 302، و"شواهد الكشاف" (96)، والقرطبي 9/ 132، و"معاني الزجاج" 3/ 93، و"المحرر" 7/ 444، و"البحر المحيط" 5/ 284، و"الدر المصون" 6/ 446.

(١٠) "تهذيب اللغة" (حبيب) 1/ 530.

(١١) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 94.

(١٢) "تهذيب اللغة" (جبب) 1/ 529، وهو كذا في النسخ، ولعل (قال) ساقطة.

(١٣) نقله في "زاد المسير" 4/ 185، وقد ذكره الطبري 12/ 156، من غير أن يعزوه لأحد.

(١٤) في (ج): (وقال) بزيادة الواو.

(١٥) الطبري 12/ 156، الثعلبي 7/ 64 ب.

(١٦) قرأ بالمجمع نافع وأبو جعفر، والباقون بالإفراد، انظر "السبعة" ص 345، و"إتحاف" ص 262، و"الحجة" 4/ 399، والطبري 12/ 156.

(١٧) في (أ)، (ب): (الجب).

(١٨) "زاد المسير" 4/ 185، ونسبها إلى الحسن وقتادة ومجاهد، و"البحر المحيط" 5/ 284 ونسبها إلى الحسن.

(١٩) "الحجة" 4/ 400.

(٢٠) في (أ)، (ب)، (ي): (مفاريقه)، والصواب ما أثبته كما في "الحجة".

(٢١) من قصيدة له في هجاء يزيد بن معاوية، انظر: "ديوانه" ص 171، و"المحتسب" 2/ 227 - 228، و"الخصائص" 2/ 460، وابن الشجري 3/ 75، 207، و"الإنصاف" ص 387، و"شواهد كتاب سيبويه" 129.

(٢٢) (ما): ساقطة من (ج).

(٢٣) الطبري 2/ 156، وعبد الرزاق 2/ 318، وابن أبي حاتم 7/ 2107 ب، وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 4/ 13، والثعلبي 7/ 64 ب، و"زاد المسير" 4/ 185، و"البحر المحيط" 5/ 284.

(٢٤) الثعلبي 7/ 64 ب، و"زاد المسير" 4/ 185.

(٢٥) الثعلبي 7/ 64 ب، و"تفسير مقاتل" 151أ، و"زاد المسير" 4/ 185.

(٢٦) "تنوير المقباس" ص 147، والثعلبي 7/ 65 أ.

(٢٧) "زاد المسير" 4/ 185.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ ﴾ أي: لا يشارككم غيره في محبته لكم وإقباله عليكم ﴿ قَوْماً صالحين ﴾ أي: بالتوبة والاستقامة وقيل: هو صلاح حالهم مع أبيهم ﴿ قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ ﴾ هو يهوذا، وقيل: روبيل ﴿ غيابت الجب ﴾ غوره وما غاب منه ﴿ السيارة ﴾ جمع سيار، وهم القوم الذين يسيرون في الأرض للتجارة، وغيرها ﴿ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ ﴾ أي هذا هو الرأي إن فعلتموه.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يا أبت ﴾ بفتح التاء والوقف بالهاء: يزيد وابن عامر.

وقرأ ابن كثير ويعقوب بكسر التاء والوقف بالهاء.

الباقون بالكسر في الحالين ﴿ أحد عشر ﴾ بسكون العين: يزيد وابن عباس والخزاز ﴿ لي ساجدين ﴾ بفتح الياء: الأعشى والبرجمي ﴿ يا بني ﴾ بفتح الياء أياً كان: حفص والمفضل.

الباقون بكسرها ﴿ رؤياك ﴾ بالإمالة: عليّ غير قتيبة وليث.

وقرأ أبو عمرو بالإمالة اللطيفة، وقرأ يزيد وأبو عمر غير شجاع، وورش من طريق الأصبهاني والأعشى وحمزة في الوقف بغير همزة ﴿ آية للسائلين ﴾ على التوحيد: ابن كثير: الآخرون ﴿ آيات ﴾ على الجمع.

﴿ يخل لكم ﴾ بالإدغام: شجاع من طريق أبي غالب وأبو شعيب ﴿ غيابات ﴾ وما بعده على الجمع: أبو جعفر ونافع.

الباقون ﴿ غيابة ﴾ على التوحيد ﴿ لا تأمنا ﴾ بغير إشمام ضمة النون: يزيد والحلواني عن قالون.

الآخرون بإشمام ﴿ الذئب ﴾ وما بعده بغير همزة: أبو عمرو غير شجاع وأوقية ويزيد والأعشى وورش وخلف وعلي وحمزة في الوقف ﴿ يرتع ويلعب ﴾ بالياء فيهما وبالجزم: عاصم وحمزة وعليّ وخلف.

بكسر العين في الأول: أبو جعفر ونافع.

بالنون فيهما بالجزم: ابن عامر وأبو عمرو.

وبكسر العين: ابن كثير سوى الهاشمي وأبي ربيعة عن قنبل فإنهما ﴿ نرتعي ﴾ بالكسر مع الياء بعده ﴿ نرتع ويلعب ﴾ بالجزم فيهما مع النون في الأول والياء في الثاني: يعقوب عن رويس ﴿ ليحزنني أن ﴾ بفتح الياء أبو جعفر ونافع وابن كثير.

وقرأ نافع ﴿ ليحزنني أن ﴾ بفتح الياء أيضاً ولكن من باب الأفعال ﴿ بل سولت ﴾ وبابه مدغماً: حمزة وعلي وهشام.

﴿ يا بشرى ﴾ بالإمالة غير مضافة: حمزة وعليّ وخلف وحماد والخزاز عن هبيرة.

﴿ يا بشرى ﴾ بغير إمالة وإضافة: عاصم غير حماد والخزاز.

الباقون ﴿ يا بشراي ﴾ بالإضافة إلى ياء المتكلم.

الوقوف: ﴿ آلر ﴾ قف كوفي ﴿ المبين ﴾ ه ط كوفي أيضاً وغيرهم لا يقفون عليها لأنهم يجعلون إنا جواب معنى القسم في ﴿ آلر ﴾ ﴿ القرآن ﴾ ق والوصل أصح لأن الواو للحال ﴿ الغافلين ﴾ ه ﴿ ساجدين ﴾ ه ﴿ كيداً ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ وإسحق ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ للسائلين ﴾ ه ﴿ عصبة ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ج والعربية توجب الوقف وإن قيل إن الابتداء به لا يحسن ﴿ صالحين ﴾ ه ﴿ فاعلين ﴾ ه ﴿ لناصحون ﴾ ه ﴿ لحافظون ﴾ ه ﴿ غافلون ﴾ ه ﴿ لخاسرون ﴾ ه ﴿ في غيابة الجب ﴾ ج لاحتمال أن يكون جواب "لما" محذوفاً والواو في ﴿ وأوحينا ﴾ للاستئناف تقديره فعلوا وأمضوا عليه، وأن تكون الواو مقحمة والجواب ﴿ أوحينا ﴾ ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ يبكون ﴾ ه ط ﴿ فأكله الذئب ﴾ ج لابتداء النفي مع واو العطف ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ كذب ﴾ ط ﴿ أمراً ﴾ ط ﴿ جميل ﴾ ط ﴿ تصفون ﴾ ه ﴿ دلوه ﴾ ط ﴿ غلام ﴾ ط ﴿ بضاعة ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ معدودة ﴾ ج لاحتمال الواو والحال ﴿ الزاهدين ﴾ ه.

التفسير: قال في الكشاف: ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى ﴿ آيات ﴾ السورة و ﴿ الكتاب المبين ﴾ السورة أي تلك الآيات التي أنزلت إليك في هذه السورة آيات السورة الظاهر أمرها في إعجاز العرب وتبكيتهم، أو التي بين لمن تدبرها أنها من عند الله لا من عند البشر، أو الواضحة التي لا يشتبه على العرب معانيها لنزولها بلسانهم، أو قد أبين فيها ما سألت اليهود عنه من قصة يوسف، فقد روي أن علماء اليهود قالوا لكبراء المشركين: سلوا محمداً لم انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر وعن قصة يوسف.

أقول: مدار هذه التفاسير على أن أبان لازم ومتعد يقال: أبان الشيء وأبان هو بنفسه ﴿ إنا أنزلناه ﴾ أي هذا الكتاب الذي فيه قصة يوسف يعني هذه السورة في حال كونه ﴿ قرآناً عربياً ﴾ والقرآن اسم جنس يقع على كله وعلى بعضه.

وقوله: ﴿ قرآناً عربياً ﴾ يسمى حالاً موطئة لأن المراد وصفه بالعربية.

احتج الجبائي بإنزال القرآن وبكونه عربياً وآيات على أن أنه محدث لأن هذه من أوصاف المحدثات.

وأجيب بأنه لا نزاع في حدوث الألفاظ وإنما النزاع في الكلام النفس ومعنى ﴿ لعلكم تعقلون ﴾ إرادة أن تفهموه وتحيطوا بمعانيه ولا يلتبس عليكم لأنه بلغتكم.

قال الجبائي: فيه دليل على أنه أراد من المكلفين كلهم أن يعقلوا توحيده وأمر دينه.

وأجيب بأن الآية لا تدل إلا على أنه أنزل هذه السورة وأراد منهم معرفة كيفية هذه القصة، ولا دلالة فيه على أنه أراد من الكل الإيمان العمل الصالح.

قال أهل اللغة: القصص اشتقاقه من قص أثره إذا اتبعه لأن الذي يقص الحديث يتبع ما حفظ منه شيئاً فشيئاً، ومثله التلاوة لأنه يتلو أي يتبع ما حفظ منه آية بعد آية، ثم إن كان القصص مصدراً بمعنى الاقتصاص فيكون ﴿ أحسن ﴾ مثله لإضافته إلى المصدر، ويكون المفعول أي المقصوص محذوفاً وهو الوحي لدلالة ﴿ أوحينا ﴾ عليه، أو يكون هذا القرآن مفعوله ومفعول ﴿ أوحينا ﴾ محذوفاً كأنه قيل: نحن نقص عليك أحسن الاقتصاص هذا القرآن بإيحائنا إياه إليك.

وعلى هذا فالحسن يرجع إلى المنطق لا إلى القصة.

وحسن المنطق كونه على أبدع طريق وأعجب أسلوب لأن هذه الحكاية مقتصة في كتب الأولين وفي كتب التواريخ ولم يبلغ شيء منه إلى حد الإعجاز، وإن أريد بالقصص المقصوص كما يراد بالنبأ والخبر المنبأ والمخبر، فالحسن يرجع إلى القصة ولا سيما فيما يرجع إلى صلاح حال المكلف في الدارين، ووجه حسنها اشتمالها على الغرائب والعجائب والنكت والعبر وأن الصبر مفتاح الفرج، وأن ما قضى الله كائن لا محالة لا يردّه كيد كائد ولا حسد حاسد.

ويروى أن أصحاب رسول الله  ملوا فقالوا: يا رسول الله لو حدثتنا.

فأنزل الله عز وجل ﴿ الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً  ﴾ ثم إنهم ملوا فقالوا: يا رسول الله لو قصصت علينا فأنزل الله ﴿ نحن نقص عليك أحسن القصص ﴾ كل ذلك يؤمرون بالقرآن ﴿ وإن كنت ﴾ هي المخففة من الثقيلة بدليل اللام الفارقة.

والمعنى وإن الشأن كنت أنت من قبل إيحائنا إليك ﴿ لمن الغافلين ﴾ عن هذ القصة أو عن الدين والشريعة ﴿ إذ قال ﴾ بدل اشتمال من أحسن القصص لأن الوقت مشتمل على القصص فإذاً قص وقته فقد قص المقصوص أو منصوب بإضمار "اذكر".

و ﴿ يوسف ﴾ ليس عربياً على الأصح إذ لا سبب فيه بعد التعريف إلا العجمة فهو اسم عبراني، ومن ظن أنه من آسف يؤسف بناء على أنه قرىء بكسر السين وبفتحها فيوجد فيه وزن الفعل أيضاً فقد أخطأ، لأن القراءة المشهورة تأباه ولن يكون الاسم عربياً تارة وأعجمياً أخرى.

وهذا الخلاف روي في "يونس" أيضاً.

عن النبي  "الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم" قال النحويون: التاء في ﴿ يا أبت ﴾ عوض من ياء الإضافة وهي للتأنيث لأنها قد تقلب هاء في الوقف.

ويجوز إلحاق التاء بالمذكر نحو "حمامة" ذكر والكسرة فيه لمناسبة الياء التي هي بدل منها.

والفتحة إما فتحة الياء فيمن يفتحها أو الفتحة الباقية بعد حذف الألف من ياء يا أبتا ﴿ إني رأيت ﴾ هو من الرؤيا التي تختص بالمنام لا من الرؤية التي تشمل اليقظة بدليل قول يعقوب له ﴿ ولا تقصص رؤياك ﴾ ولأن ذلك لو كان في اليقظة لكانت آية عظيمة ولم تخف على أحد.

من قرأ ﴿ أحد عشر ﴾ بسكون العين فلكراهة توالي المتحركات فيما هو في حكم كلمة، وكذا الى تسعة عشر إلا اثني عشر لئلا يلتقي ساكنان.

قال في الكشاف: روى جابر أن يهودياً جاء إلى النبي  فقال: يا محمد أخبرني عن النجوم التي رآهن يوسف.

فسكت رسول الله  فنزل جبريل فأخبره بذلك فقال النبي  لليهودي:إن أخبرتك هل تسلم؟

قال: نعم.

قال: جربان والطارق والذيال وقابس وعمودان والفليق والمصبح والضروح والفرغ ووثاب وذو الكتفين.

رآها يوسف والشمس والقمر نزلن من السماء وسجدن له.

فقال اليهودي: إي والله إنها لأسماؤها.

وأقول: إن أكثر هذه الأسماء ليست مما اشتهر عند أهل الهيئة، فإن صح الخبر فهي من العلوم التي تفرد بها الأنبياء.

وإفراد الشمس والقمر من الكواكب بعد ذكرها دليل على شرفهما كقوله ﴿ وملائكته وجبريل وميكائيل  ﴾ وإنما كرر الفعل لطول الكلام أو على تقدير سؤال كأنه قيل له: كيف رأيتها؟

فقال: رأيتهم لي ساجدين.

والظاهر أن هذه السجدة كانت بمعنى وضع الجبهة إذ لا مانع من حملها على الحقيقة لكنها كانت على وجه التواضع.

وإنما أجريت الكواكب مجرى العقلاء في عود الضمير إليها لأن السجود من شأن العقلاء كقوله للأصنام: ﴿ وتراهم ينظرون إليك  ﴾ وعند الفلاسفة هم أحياء ناطقة فلا حاجة إلى العذر.

عبر أبوه رؤياه بأن إخوته سيسجدون له وهم أحد عشر، وكذا أبواه وهما الشمس والقمر.

وقيل: هما أبوه وخالته لأن أمه لم تدخل مصر وتوفيت قبل ذلك.

وعن وهب أن يوسف رأى - وهو ابن سبع سنين - أن إحدى عشرة عصاً طوالاً كانت مركوزة في الأرض كهيئة الدارة التي حول القمر وهي الهالة، وإذا عصا صغيرة وثبت عليها حتى اقتلعها وغلبتها فوصف ذلك لأبيه فقال: إياك أن تذكر هذا لإخوتك.

ثم رأى - وهو ابن اثنتي عشرة سنة - الشمس والقمر والكواكب تسجد له فقصها على أبيه فقال له: لا تقصها عليهم فيبغوا لك الغوائل.

وقيل: كان بين رؤيا يوسف ومسير إخوته إليه أربعون سنة.

وقيل ثمانون.

قال علماء التعبير: إن الرؤيا الردية يظهر أثرها عن قريب كيلا يبقى المؤمن في الغم والحزن، والرؤيا الجيدة يبطىء أثرها لتكون بهجة المؤمن أدوم.

قوله ﴿ فيكيدوا ﴾ منصوب بإضمار "أن" جواباً للنهي.

واللام في ﴿ لك ﴾ لتأكيد الصلة مثل "نصحتك" و "نصحت لك".

وقال في الكشاف: ضمن الكيد معنى الاحتيال ليفيد معى الفعلين فيكون أبلغ في التخويف.

وقيل: متعلق بالمصدر الذي بعده.

ثم إنه وصل بهذه النصيحة شيئاً من تعبير رؤياه فقال: ﴿ وكذلك ﴾ أي ومثل اجتبائك لهذه الرؤيا الشريفة ﴿ يجتبيك ربك ﴾ لأمور عظام.

والاجتباء افتعال من جبيت الشيء إذا حصلته لنفسك، وجبيت الماء في الحوض جمعته، وخصص الحسن الاجتباء بالنبوة.

قال في الكشاف ﴿ ويعلمك ﴾ كلام مبتدأ غير داخل في حكم التشبيه كأنه قيل: وهو يعلمك ويتم نعمته عليك.

أقول: ولعل إدخاله في حكم التشبيه ليس بضائر.

وفي ﴿ تأويل الأحاديث ﴾ وجوه منها: أنه تأويل أحاديث الناس فيما يرونه في منامهم، سمى التعبير تأويلاً لأنه يؤول أمره إلى ما رآه في المنام أو يؤول أمر ما رآه في المنام إلى ذلك.

والأحاديث اسم جمع للحديث وليس بجمع أحدوثة لأنها التي يتحدث بها الناس.

ومنها أنه تبيين معاني كتب الله وسنن الأنبياء لأن المفسر والمحدّث يحدّثان عن الله ورسوله فيقولان: قال الله كذا وقال الرسول كذا.

ومنها أن الحديث بمعنى الحادث والمراد كيفية الاستدلال بالحادث على القديم  .

وأما إتمام النعمة فيمن فسر الاجتباء بالنبوة فسر الإتمام بالسعادات الدنيوية والأخروية من المال والجاه والعلوم والأخلاق الفاضلة، ومن فسر ذلك بالدرجات العالية فسر هذا بالنبوة لأن التمام المطلق في حق البشر ليس إلا بالنبوة، ولأن إتمام النعمة عليه مشبه بإتمامها على إبراهيم وإسحق، ومن المعلوم أن الامتياز بينهما وبين أقرانهما لم يكن إلا بالنبوة وقد يفسر إتمام النعمة على إبراهيم بالخلة والإنجاء من النار ومن ذبح الولد، وعلى إسحق بإنجائه من الذبح وفدائه بذبح عظيم وبإخراج يعقوب والأسباط من صلبه، ويكون وجه التشبيه إنجاءه من السجن والمحن كإنجائهما من النار والذبح.

والمراد بآل يعقوب نسله قيل: علم يعقوب أن يوسف وإخوته أنبياء استدلالاً بضوء الكواكب.

واعترض بما فرط منهم في حق يوسف.

وأجيب بأن ذلك قبل النبوة.

وقيل: إتمام النعمة وصل نعمة الدنيا بنعم الآخرة وذلك أنه جعلهم ملوكاً وأنبياء و ﴿ إبراهيم وإسحاق ﴾ عطف بيان لأبويك لأن أبا الجد في حكم الأب ﴿ إن ربك عليم ﴾ بمن يستحق الاجتباء ﴿ حكيم ﴾ لا يضع الشي إلا في موضعه فلا يجعل الرسالة إلا في نفس قدسية وجوهر مشرق.

قيل: حكم يعقوب بوقوع هذه الأمور دليل على جزمه بها فكيف خاف بعدها على يوسف حتى قال: ﴿ وأخاف أن يأكله الذئب ﴾ ؟

والجواب لعل جزمه بذلك كان مشروطاً بعدم كيد إخوته، ولعل قوله: ﴿ أخاف أن يأكله الذئب ﴾ كيلا يتهاونوا في حفظه فإن للوسائط والأسباب مدخلاً عظيماً في وجود الأشياء وحصولها ﴿ لقد كان في يوسف وإخوته ﴾ أي في قصتهم وحديثهم ﴿ آيات للسائلين ﴾ لمن سأل عن تلك القصة وعرفها، أو آيات على نبوة محمد  للذين سألوه من اليهود عنها فأخبرهم بها من غير سماع العلم.

وفيه أنه  يجب أن يصبر على بغي قومه إلى أن يظهر أمره كما فعل يوسف.

يروى أن أسامي إخوته: يهوذا وروبيل وشمعون ولاوي وربالون ويشجر ودينة - وهؤلاء من ليا بنت خالة يعقوب - ودان ونفتالي وجاد وآشر - وهم من سريتين زلفة وبلهة - فلما توفيت ليا تزوج أختها راحيل فولدت له بنيامين ويوسف.

﴿ إذ قالوا ﴾ ظرف لكان أو منصوب بإضمار "اذكر" ﴿ ليوسف ﴾ في لام الابتداء تحقيق لمضمون الجملة.

﴿ وأخوه ﴾ أي لأبيه وأمه عنوا بنيامين ﴿ أحب ﴾ إذا كان أفعل التفضيل مستعملاً بمن لم يتصرف فيه ﴿ ونحن عصبة ﴾ الواو للحال والعصبة العشرة فصاعداً لأن الأمور تعصب بكفايتهم أي إنه يفضلهما في المحبة علينا وهما ابنان صغيران.

لا كفاية فيهما ولا منفعة ونحن جماعة نكفي مهماته ونقوم بمصالحه ﴿ إن إبانا لفي ضلال مبين ﴾ أرادوا ضلالاً خاصاً وهو البعد عن طريق الصلاح وحسن المعاشرة مع الأولاد، ولم يعلموا أن المحبة أمر يتعلق بالقلب وليس لله فيه تكليف، ولعل يعقوب تفرس في يوسف ما أوجب اختصاصه بمزيد البر.

ومن جملة أقوالهم أنهم قالوا لما تشاوروا في أمره ﴿ اقتلوا يوسف ﴾ قيل: الآمر بالقتل شمعون أو دان ورضي به الباقون فجعلوا جميعاً آمرين.

والظاهر أنه قال بعضه بذلك بدليل أنه لم يقع القتل ولقولهم ﴿ أو اطرحوه ﴾ فكان بعضهم أشار إلى القتل وبعضهم إلى الطرح ومهما صدر أمر من بعض القوم صح إسناده إليه كقوله ﴿ وإذ قتلتم نفسا  ﴾ وانتصب ﴿ أرضاً ﴾ على الظرف كالظروف المبهمة أي أرضاً مجهولة بعيدة عن العمارة ﴿ يخل لكم وجه أبيكم ﴾ تخلص محبته لكم سليمة عن التنازل فيها وكان ذرك الوجه تصويراً لإقباله عليهم بالكلية، ويجوز أن يراد بالوجه ذاته أو المراد يفرغ لكم من الشغل بيوسف ﴿ وتكونوا ﴾ مجزوم لأنه معطوف على جواب الأمر ﴿ من بعده ﴾ من بعد قتله أو إطراحه أو من بعد يوسف إذا قتل أو غرب ﴿ قوماً صالحين ﴾ تائبين إلى الله أو إلى أبيه لعذر تمهدونه مما جنيتم عليه، أو المراد صلاح دنياهم وانتظام أمورهم وتفرغهم لمهماتهم بعد يوسف بفراغ البال ﴿ قال قائل منهم ﴾ هو يهوذا وكان أحسنهم فيه رأياً وأدباً وهو الذي قال: ﴿ فلن أبرح الأرض  ﴾ ﴿ لا تقتلوا يوسف ﴾ لأن القتل عظيم ولا سيما قتل الأخ وخاصة إذا كان القاتل والمقتول من أولاد الأنبياء ﴿ وألقوه في غيابت الجب ﴾ سمى البئر جباً لأنها قطعت قطعاً ولم يحصل فيها شيء سوى القطع للأرض، والغيابة غور البئر وما غاب منها عن عين الناظر وأظلم من أسفلها.

ومن قرأ على الجمع فلأن للجب أقطاراً ونواحي ﴿ يلتقطه بعض السيارة ﴾ أي الرفقة السائرة قال ابن عباس: أي المارة، والالتقاط تناول الشيء من الطريق ونحوه يستعمل في الإنسان وغيره ومنه اللقيط للمنبوذ ﴿ إن كنتم فاعلين ﴾ إن لم يكن من فعل هذا الأمر بد فهذا هو الرأي.

ثم إن يعقوب كان خائفاً على يوسف من كيدهم وكان يظهر أمارات ذلك على صحائف أعماله وأقواله فلذلك قالوا: ﴿ ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون ﴾ ما وجد منا في بابه سوى النصح والإشفاق على الإطلاق ﴿ أرسله معنا غداً يرتع ويلعب ﴾ من قرأ بالجزم فمن الرتعة كالأمنة وهي الخصب والسعة، ومن قرأ بالكسر فعلى حذف الياء من يرتعي مستعاراً من ارتعاء الإبل والماشية.

واللعب ترك ما ينفع إلى ما لا ينفع.

فمن قرأ بالياء فلا إشكال لأن الصبي لا تكليف عليه، ومن قرأ بالنون قال كان لعبهم الاستباق والانتضال بدليل قوله ﴿ إنا ذهبنا نستبق ﴾ سمي لعباً لأنه في صورته، أو اللعب قد يطلق على استعمال المباحات لأجل انشراح الصدر قال  لجابر: " فهلا تزوجت بكراً تلاعبها وتلاعبك." ﴿ قال إني ليحزنني ﴾ لام الابتداء للتأكيد أو لتخصيص المضارع بالحال ﴿ وأخاف أن يأكله الذئب ﴾ أصله الهمز ولهذا قال بعضهم: إنه مشتق من تذأبت الريح إذا أتت من كل جهة.

قيل: كان أرضهم مذأبة فلذلك قال: ﴿ أخاف ﴾ .

وقيل: رأى في النوم أن الذئب قد شد على يوسف وكان يحذره فلقنهم العذر كما جاء في أمثالهم البلاء موكل بالمنطق.

قوله: ﴿ إنا إذاً ﴾ جواب للقسم ساد مسد جواب الشرط، حلفوا له أن كان ما خافه وحالهم أنهم رجال كفاة وحماة فهم إذ ذاك خاسرون عاجزون أو مستحقون للدعاء عليهم بالخسار، أو المراد إن لم نقدر على حفظ بعضنا فقد هلكت مواشينا وخسرناها.

كان يعقوب قد اعتذر إليهم بأمرين: أحدهما أن ذهابهم به مما يحزنه لأنه كان لا يصبر عنه ساعة، والثاني خوفه عليه من الذئب فلم يجيبوا عن الأول لأنه هو الذي كان يغيظهم فلم يعبئوا بذلك الكلام فخصوا الجواب بالثاني، وههنا إضمار والتقدير فأذن لهم وأرسله معهم ﴿ فلما ذهبوا به وأجمعوا ﴾ عزموا على ﴿ أن يجعلوه في غيابت الجب ﴾ قيل: هو بئر ببيت المقدس.

وقيل: بأرض الأردن.

وقيل: بين مصر ومدين: وقيل: على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوبٍ.

ثم إن كان جواب "لما" محذوفاً ففي الآية إضمار آخر كما تقدم في الوقوف.

قال السدي: إن يوسف  لما برز مع إخوته أظهروا له العداوة وأخذوا يهينونه ويضربونه وكلما استغاث بواحد منهم لم يغثه إلا بالإهانة حتى كادوا يقتلونه، فجعل يصيح يا أبتاه لو تعلم ما يصنع بابنك أولاد الإماء.

فقال يهوذا أما أعطيتموني موثقاً أن لا تقتلوه، فلما أرادوا إلقاءه في الجب تعلق بثيابهم فنزعوها من يده فتعلق بحائط البئر فربطوا يديه ونزعوا قميصه ليلطخواه بالدم ويحتالوا به على أبيهم.

فقال: يا إخوتاه ردّوا عليّ قميصي أتوارى به فقالوا له: ادع الشمس والقمر والأحد عشر كوكباً حتى ينقذوك ودلوه في البئر، فلما بلغ نصفها ألقوه ليموت وكان في البئر ماء فسقط فيه ثم أوى إلى صخرة فقام عليها وهو يبكي فنادوه فظن أنها رحمة أدركتهم فأجابهم فأرادوا أن يرضخوه ليقتلوه فمنعهم يهوذا وكان يهوذا يأتيه بالطعام.

وروي أنه  لما ألقي في الجب قال: يا شاهداً غير غائب، ويا قريباً غير بعيد، ويا غالباً غير مغلوب، اجعل لي من أمري فرجاً ومخرجاً.

وحكي أن إبراهيم  حين ألقي في النار جرد عن ثيابه فأتاه جبرائيل بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه فدفعه إبراهيم إلى إسحاق وإسحق إلى يعقوب فجعله يعقوب في تميمة علقها في عنق يوسف فجاء جبرائيل فأخرجه وألبسه إياه ﴿ وأوحينا إليه ﴾ في صغر السن كما أوحي إلى يحيى وعيسى.

وقيل: كان إذ ذاك بالغاً وعن الحسن كان له سبع عشر سنة ﴿ لتنبئنهم ﴾ لتحدثن إخوتك بما فعلوا بك ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ أنك يوسف لعلو شأنك وبعد حالك عن أوهامهم ولطول العهد المنسي المغير للهئيات والأشكال..

يروى أنهم حين دخلوا عليه ممتارين فعرفهم وهم له منكرون دعا بالصواع فوضعه على يده ثم نقره فطن فقال: إنه ليخبرني هذا الجام أنه كان لكم أخ من أبيكم ويقال له يوسف وكان يدنيه دونكم وإنكم انطلقتم به وألقيتموه في غيابة الجب وقلتم لأبيه أكله الذئب وبعتموه بثمن بخس.

ويجوز أن يراد وهم لا يشعرون أنا آنسناه بالوحي وأزلنا الوحشة عن قلبه فتتعلق الجملة بقوله ﴿ وأوحينا ﴾ روي أن امرأة حاكمت إلى شريح فبكت فقال له الشعبي: يا أبا أمية أما تراها تبكي؟

قال: قد جاء إخوة يوسف يبكون وهم ظلمة وما ينبغي لأحد أن يقضي إلا بما أمر أن يقضي به من السنة المرضية.

عن مقاتل: إنما جاءوا عشاء لئلا تظهر أمارة الخجل والكذب على وجوههم.

ولما سمع صوتهم يعقوب فزع وقال: ما لكم يا بني هل أصابكم في غنمكم شيء؟

قالوا لا.

قال: فما لكم وأين يوسف ﴿ قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق ﴾ أي نتسابق في العدو أو في الرمي وقيل ننتضل ﴿ وما أنت بمؤمن لنا ﴾ أي بمصدق لشدة محبتك ليوسف، وفيه دليل لمن يزعم أن الإيمان هو التصديق ﴿ ولو كنا صادقين ﴾ ولو كنا عندك من أهل الصدق والثقة فكيف وأنت سيء الظن بنا غير واثق بقولنا ﴿ وجاؤوا على قميصه ﴾ نصب على الظرف أي فوق قميصه لا على الحال المتقدمة لأن حال المجرور لا تتقدم عليه ﴿ بدم كذب ﴾ ذي كذب أو دم هو الكذب بعينة مبالغة.

يروى أنهم ذبحوا سخلة ولطخوه بدمها، ويروى أن يعقوب لما سمع بخبر يوسف صاح بأعلى صوته وقال: أين القميص؟

فأخذه وألقاه على وجهه وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص.

وقال: تالله ما رأيت كاليوم ذئباً أحلم من هذا أكل ابني ولم يمزق عليه قميصه.

وقيل: كان في قميص يوسف ثلاث آيات آية ليعقوب على كذبهم، وآية حين ألقاه البشير على وجهه فارتد بصيراً، وآية على براءة يوسف حين قدّ من دبر.

ولما تبين يعقوب بالآيات المذكورة أو بالوحي أنهم كاذبون قال على سبيل الإضراب.

﴿ بل سوّلت ﴾ قال ابن عباس بل زينت ﴿ لكم أنفسهم أمراً ﴾ في شأنه وهو تفعيل من السول الأمنية.

قال الأزهري: وأصله مهموز غير أن العرب استثقلوا فيه الهمزة.

وقال في الكشاف: سوّلت سهلت من السول بفتحتين وهو الاسترخاء والتنكير دليل التعظيم ﴿ فصبر جميل ﴾ لا بد من تقدير مبتدأ أو خبر أي فأمري صبر جميل أو فصبر جميل أمثل.

وفي الحديث أنه الذي لا شكوى فيه أي إلى الخلق لقوله: ﴿ إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله  ﴾ وقيل: أي لا أعايشكم على كآبة الوجه بل أكون لكم كما كنت.

يحكى أنه سقط حاجبا يعقوب على عينيه فكان يرفعهما بعصابة فقيل له: ما هذا؟

فقال: طول الزمان وكثرة الأحزان.

فأوحى الله  إليه يا يعقوب أتشكوني؟

قال: يا رب خطيئة فاغفرها لي.

ثم بين أن الصبر على ما وصفوه من هلاك يوسف لا يمكن إلا بمعونة الله  فقال: ﴿ والله المستعان على ما تصفون ﴾ فالقرينتان كقوله: ﴿ إياك نعبد وإياك نستعين ﴾ {الفاتحة: 5] ويعلم من الآية أن الصبر إن كان لأجل الرضا بقضاء الله  أو لاستغراقه في شهود نور الحق بحيث يمنعه من الاشتغال بالشكاية عن البلاء فذلك صبر جميل وإلا فلا.

واعترض بأن هذا الصبر كان فيه إعانة الظالمين وإهمال لتخليص المظلوم من المحن والشدائد والترقية فكيف جاز صبر يعقوب حتى لم يبالغ في التفتيش والتنقير، ولو بالغ لظهر عليه الأمر لشهرته وعظم قدره؟

وأجيب بأن الله  لعله منعه عن الطلب تشديداً للمحنة عليه، أو لعله إن بالغ في البحث أقدموا على قتله، أو علم أن الله  يصون يوسف وسيعظم أمره بالآخرة فلم يرد هتك ستر أولاده وإلقاءهم في ألسنة الناس كقول القائل: فإذا رميت يصيبني سهمي *** فكان الأصوب الصبر والسكوت وتفويض الأمر بالكلية إلى الله  .

ثم شرع في حكاية خلاص يوسف فقال: ﴿ وجاءت سيارة ﴾ عن ابن عباس: قوم يسيرون من مدين إلى مصر وذلك بعد ثلاثة أيام من إلقاء يوسف في الجب فأخطئوا الطريق فنزلوا قريباً منه، وكان الجب في قفرة بعيدة عن العمران لم يكن إلا للرعاة.

وقيل: كان ماؤه ملحاً فعذب حين ألقي فيه يوسف.

﴿ فأرسلوا واردهم ﴾ رجلاً يقال له مالك بن ذعر الخزاعي ليطلب لهم الماء.

ومعنى الوارد الذي يرد الماء ليستقي للقوم ﴿ فأدلى دلوه ﴾ أرسلها في البئر.

قال الواحدي: فإذا نزعها وأخرجها قيل دلا يدلو.

﴿ قال يا بشرى ﴾ التقدير فظهر يوسف فقال الوارد: يا بشرى كأنه ينادي البشرى ويقول تعالي فهذا أوانك.

ومتى قال الوارد هذا الكلام؟

قال جمع من المفسرين: حين رأى يوسف متعلقاً بالحبل.

وقال آخرون: لما دنا من أصحابه صاح بذلك يبشرهم به.

قال السدي: كان للوارد صاحب يقال له بشرى فنادى يا بشرى كما يقال يا زيد.

والأكثرون على أنها بمعنى البشارة.

فقال أبو علي: يحتمل أن يكون منادى مضموماً مثل يا رجل وأن يكون منصوباً مثل يا رجلاً كأنه جعل ذلك النداء شائعاً في جنس البشرى.

ومن قرأ بالإضافة فنصبه ظاهر.

والضمير في ﴿ وأسروه ﴾ إما عائد إلى الوارد وأصحابه أي أخفوه من الرفقة لئلا يدعوا المشاركة في الالتقاط، أو في الشراء إن قالوا اشتريناه.

وطريق الإخفاء أنهم كتموه من الرفقة أو قالوا إن أهل الماء جعلوه بضاعة عندنا على أن نبيعه لهم بمصر، وإما عائد الى إخوة يوسف بناء على ما روي عن ابن عباس أنهم قالوا للرفقة: هذا غلام لنا قد آبق فاشتروه منا، وسكت يوسف مخافة أن يقتلوه، ولعل الوجه الأول أولى بدليل قوله ﴿ بضاعة ﴾ وهي نصب على الحال أي أخفوه متاعاً للتجارة.

وأصل البضع القطع والبضاعة قطعة من المال للتجارة والله  أعلم.

﴿ والله عليم بما يعملون ﴾ فيه وعيد إما للوارد وأصحابه حيث استبضعوا ما ليس لهم أو لإخوة يوسف وذلك ظاهر، وفيه أن كيد الأعداء لا يدفع شيئاً مما علم الله من حال المرء.

والضمير في قوله: ﴿ وشروه ﴾ إما أن يعود إلى الوارد وأصحابه أي باعوه ﴿ بثمن ﴾ قليل لأن الملتقط للشيء متهاون به ﴿ وكانوا فيه من الزاهدين ﴾ ممن يرغب عما في يده.

قال أهل اللغة: زهد فيه معناه رغب عنه وزهد عنه معناه رغب فيه، وإما أن يعود إلى الإخوة والمعنى باعوه، أو إلى الرفقة والمعنى اشتروه، وهكذا الضمير في ﴿ وكانوا ﴾ إن عاد إلى الإخوة فقلة رغبتهم في يوسف ظاهرة وإلا لم يفعلوا به ما فعلوا، وإن عاد إلى الرفقة فذلك أنهم اعتقدوا أنه أبق فخافوا إعطاء الثمن الكثير.

عن ابن عباس أن إخوته عادوا إلى الجب بعد ثلاثة أيام يتعرفون خبره، فلما لم يروه في الجب ورأوا آثار السيارة طلبوهم فلما رأوا يوسف قالوا: هذا عبد أبق منا فقالوا لهم: فبيعوه منا فباعوه منهم، ولعلهم عرفوا أنه ولد يعقوب فكرهوا اشتراءه خوفاً من الله ومن ظهور تلك الواقعة إلا إنهم مع ذلك اشتروه بالآخرة بثمن بخس أي مبخوس ناقص عن القيمة أو ناقص العيار.

وقال ابن عباس: البخس هنا الحرام لأن ثمن الحر حرام دراهم لا دنانير معدودة قليلة تعد عدّاً.

ولا توزن لأنهم كانوا لا يزنون إلا ما بلغ الأوقية وهي الأربعون.

عن ابن عباس كانت عشرين درهماً.

وعن السدي اثنين وعشرين أخذ كل واحد من الإخوة درهمين إلا يهوذا فإنه لم يأخذ شيئاً.

ويروى أن إخوته اتبعوهم يقولون استوثقوا منه لا يأبق.

والظاهر أن الضمير في ﴿ فيه ﴾ عائد إلى يوسف.

ويحتمل أن يعود إلى الثمن البخس أي أخذوا في ثمنه ما ليس يرغب فيه.

قال النحويون: قوله: ﴿ فيه ﴾ ليس من متعلقات الزاهدين لأن الألف واللام فيه موصول وزاهدين صلة، وكما لا تتقدم نفس الصلة فكذا ما هو متعلق به فلا يقال مثلاً: وكانوا زيداً من الضاربين فهو بيان كأنه قيل في أي شيء زهدوا؟

فقيل: زهدوا فيه والله  أعلم.

التأويل: ﴿ تلك آيات الكتاب ﴾ دلالات كتاب المحبوب إلى المحب للهداية إلى طريق الوصال ولهذا كانت أحسن القصص لأنها أتم قصص القرآن مناسبة ومشابهة بأحوال الإنسان ﴿ إذ قال يوسف ﴾ القلب ﴿ لأبيه ﴾ يعقوب الروح ﴿ إني رأيت أحد عشر كوكباً ﴾ هن الحواس الخمس الظاهرة والخمس الباطنة أي المذكرة والحافظة والمتخيلة والمتوهمة والحسن المشترك مع المفكرة، وبكل من هذه إضاءة أي أدراك للمعنى المناسب له وهم إخوة يوسف القلب لأنهم تولدو بازدواج يعقوب الروح وزوج النفس والشمس والقمر الروح والنفس ﴿ رأيتهم لي ساجدين ﴾ وهذا مقام كمالية الإنسان أن يصير القلب سلطاناً يسجد له الروح والنفس والحواس والقوى ﴿ وكذلك يجتبيك ربك ﴾ على سائر المخلوقات وهذا كمال حسن يوسف ﴿ ويعلمك من تأويل الأحاديث ﴾ العلم اللدني المختص بالقلب ﴿ ويتم نعمته عليك ﴾ بأن يتجلى لك ويستوي لك إذ القلب عرش حقيقي للرب ﴿ وعلى آل يعقوب ﴾ أي متولدات الروح من القوى والحواس ﴿ كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم ﴾ السر ﴿ وإسحاق ﴾ الخفي وبهما يستحق القلب لقبول فيض التجلي، وهناك لله ألطاف خفية لا يتبع الإنسان فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل.

﴿ آيات للسائلين ﴾ عن طريق الوصول إلى الله ﴿ ليوسف ﴾ القلب ﴿ وأخوه ﴾ بنيامين الحس المشترك فإن له اختصاصاً بالقلب ﴿ أحب إلى أبينا منا ﴾ لأن القلب عرض الروح ومحل استوائه عليه، والحس المشترك بمثابة الكرسي للعرش.

﴿ اقتلوا يوسف ﴾ القلب بسكين الهوى وبسم الميل إلى الدنيا ﴿ أو اطرحوه ﴾ في أرض البشرية ﴿ يخل لكم وجه أبيكم ﴾ يقبل الروح بوجهه إلى الحواس والقوى لتحصيل شهواتها ﴿ وتكونوا ﴾ بعد موت القلب ﴿ قوماً صالحين ﴾ للنعم الحيواني والنفساني.

﴿ قال قائل منهم ﴾ هو يهوذا القوة المفكرة ﴿ لا تقتلوا يوسف ﴾ القلب ﴿ وألقوه في غيابت الجب ﴾ القالب وسفل البشرية ﴿ يلتقطه بعض ﴾ سيارة الجواذب النفسانية.

﴿ يرتع ﴾ في المراتع البهيمية ﴿ ويلعب ﴾ في ملاعب الدنيا ﴿ وإنا له لحافظون ﴾ من فتنة الدنيا وآفاتها ﴿ لئن أكله الذئب ﴾ الشيطان ﴿ إنا إذا لخاسرون ﴾ لأن خسران جميع أجزاء الإنسان في هلاك القلب وربحها في سلامة القلب ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ فيه إشارة إلى أن من خصوصية تعلق الروح بالقالب أن يتولد منهما القلب العلوي والنفس السفلية والحواس والقوى فيحصل التجاذب.

فإن كانت الغلبة للروح سعد، وإن كانت للنفس شقي ﴿ وجاؤوا أباهم عشاء ﴾ أي في النصف الآخر من مدّة العمر ﴿ نستبق ﴾ نتشاغل باللهو في أيام الشباب ﴿ وتركنا يوسف ﴾ أي قالب مهملاً معطلاً عن الاستكمال ﴿ فأكله ﴾ ذئب الشيطان.

﴿ وجاؤا على قميصه ﴾ أي قالب القلب ﴿ بدم كذب ﴾ هو آثار الملكات الردية، زعموا أنها قد سرت إلى القلب وأزالت نور الإيمان عنه بالكلية.

﴿ قال ﴾ يعقوب الروح ﴿ بل سولت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل ﴾ على ما قضى الله وقدر ﴿ والله المستعان على ما تصفون ﴾ من رين القلب وموته ﴿ وجاءت سيارة ﴾ هي هبوب نفحات ألطاف الحق ﴿ فأرسلوا واردهم ﴾ وارداً من واردات الحق ﴿ فأدلى دلوه ﴾ جذبه من جذبات الرحمن ﴿ قال يا بشرى ﴾ فيه إشارة إلى أن للجذبة بشارة في تعلقها بالقلب كما أن للقلب بشارة في خلاصة من جب الطبيعة كما قال  : ﴿ يحبهم ويحبونه  ﴾ ﴿ والله عليم ﴾ بحكمة البشارتين و ﴿ بما يعملون ﴾ من شرائه ﴿ بثمن بخس ﴾ هو الحظوظ الفانية في أيام معدودة ﴿ وكانوا فيه من الزاهدين ﴾ لأنهم ما عرفوا قدره وإنما ميلهم إلى استجلاب المنافع الردية العاجلة والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ ﴾ الآية.

آية للسائل إذا كان السائل مسترشداَ، وكذلك القرآن كله، هو حجة وآية للمسترشد، وأما المتعنت فهو آية عليه.

ثم يحتمل قوله: ﴿ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ ﴾ : السائلين الذين سألوا؛ على ما ذكر في بعض القصة أن اليهود سألوا النبي عن أمر يوسف ونبئه، فأخبرهم بالحق في ذلك على ما كان، فهو آية لهم إن ثبت ذلك.

ويحتمل قوله: ﴿ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ ﴾ : السائلين الذين يسألون من بعد إلى آخر الدهر عن نبأ يوسف، كل من سأل عن خبره ونبئه فهو آية لهم.

ثم وجه جعله آية يحتمل وجوهاً: أحدها: أنه جعل قصة يوسف ونبأه [سورة، وتلك السورة هي آيات الكتاب؛ على ما ذكر: ﴿ تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ ﴾ ؛ جعل قصة يوسف ونبأه] آيات من الكتاب.

ويحتمل - أيضاً - أنه جعل آية؛ أي: حجة لنبوة رسوله ورسالته؛ لأن قصته ونبأه كان في كتبهم بغير لسانه من غير ترجمة أحد منهم ولا تعليم، ثم أخبرهم على ما كان في كتبهم من غير زيادة ولا نقصان دل أنه أنما علمه بالله -  - لا أنه أخذه من كتبهم، وهو ما ذكر في القصة "أن اليهود سمعوا النبي يقرأ سورة يوسف، فقالوا: يا محمد، من علمكها؟

قال: الله علمنيها فعجبوا من قراءته إياها على ما كانت في كتبهم؛ دل أنه إنما عرفها بالله  " .

ثم يحتمل أن يكون آية لمن سأل عن حجة رسالته، أو هو آية لمن سأل عنها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ ﴾ .

في الآية دلالة أن لا بأس للرجل أن يخص بعض ولده بالعطف عليه والميل إليه، إذا كان فيه معنى ليس ذلك في غيره؛ ولهذا قال أصحابنا: إنه لا بأس للرجل أن يخص بعض ولده بالهبة له أو الصدقة عليه إذا لم يقصد بها الجور على غيرهم من الأولاد.

ثم يحتمل تخصيص يعقوب يوسف وأخاه بالحب لهما وجوهاً: أحدهما: لما رأى فيهما من الضعف في أنفسهما، والعجز في أبدانهما، فازدادت شفقته لهما وعطفه عليهما لذلك، وهذا مما يكون فيما بين الخلق.

أو كان ذلك منه لهما لصغرهما، وهذا - أيضاً - معروف في الناس أن الصغار من الأولاد يكونون عندهم أحب، وقلوبهم إليهم أميل، وعليهم أعطف، ولهم أرحم من الكبار منهم.

أو خصهما بذلك لفضل خصوصية كانت لهما إما من جهة الدين، أو العلم، أو غيره، أمره الله بذلك لذلك من دون غيرهما.

أو لما بشر يعقوب بنبوة يوسف، فكان يفضله على سائر أولاده، ويؤثره عليهم لذلك.

وإنما قالوا: ﴿ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا ﴾ بآثار تظهر عندهم، وإلا حقيقة المحبة لا تعرف.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ ﴾ .

قيل: العصبة: الجماعة.

وقال بعضهم: العصبة من عشرة إلى أربعين، والعصبة: الجماعة، أي: نحن جماعة ولنا منعة؛ ولهذا قال أصحابنا: إن التسعة من الإمام تكون منعة يستوجبون ما تستوجب السرية إذا دخلت دار الحرب، فغنمت غنائم يخمس منها.

وقوله: ﴿ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾ .

لم يعنوا ضلال الدين؛ إنما قالوا ذلك - والله أعلم - إنا جماعة تقدر على دفع من يروم الضرر به، ويقصد قصد الشر بنفسه وماله، ونحن أولو قوة، بنا يقوم معاشه وأسبابه، فكيف يؤثر هؤلاء علينا؟!

وكذلك قوله: ﴿ وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ  ﴾ ، لم يرد به ضلال الدين، ولكن وجهاً آخر، وقالوا ذلك؛ لما كانت له منافع من أنفسهم لم تكن تلك المنافع من يوسف وأخيه، وأبداً إنما يؤثر المرء حب من له منافع من قبله، لا حبّ من لا منفعة له منه، فهو فيه في ضلال مبين؛ حيث يؤثر حب من لا منفعة له منه على حب من كانت له منه منافع وأمثاله، والله أعلم.

وقولهم: ﴿ ٱقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ ﴾ .

لا يحتمل أن يكونوا عزموا على قتله، ولكن على المشاورة فيما بينهم: نفعل ذا أو ذا؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ...

﴾ الآية [الأنفال: 30]، ليس على العزيمة على واحد، ولكن على المشورة فيما بينهم، يدل على ذلك قوله: ﴿ يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ ﴾ أنهم أرادوا أن يخلو وجه أبيهم لهم، لا قتله، إنما أرادوا غيبته عنه.

وقال بعضهم: ﴿ يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ ﴾ .

أي: يقبل عليكم أبوكم بوجهه.

وقال بعضهم: أي: يفرغ لكم من الشغل بيوسف.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ ﴾ .

يحتمل: ﴿ صَالِحِينَ ﴾ ، أي: تائبين.

وقال بعضهم: تكونوا صالحين عند أبيكم من بعده.

وقال بعضهم: يصلح أمركم وحالكم عند أبيكم بعد ذهاب يوسف.

وجائز أن تكونوا قوماً صالحين في الآخرة، وقالوا: إنهم تابوا قبل أن يزلوا ويعصوا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَٰبَتِ ٱلْجُبِّ ﴾ .

قال أبو عوسجة: يعني: في قعر البئر، والغيابة: ما يغيبه ويواريه، والجب: البئر، والجباب جمع.

وقال أبو عبيدة: الغيابة: كل شيء غيب عنك شيئاً فهو غيابة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ ٱلسَّيَّارَةِ ﴾ .

أي: يرفعه بعض السيارة؛ ولذلك يقال للطائر: يلتقط الحبّ، ويلقط: أي: يرفع.

﴿ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ ﴾ : إن كنتم لا بد فاعلين أن تغيبوه عنه.

وأما قول أهل التأويل إن قوله: ﴿ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ ﴾ قاله فلان أو فلان، فذلك مما لا نعرفه، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة، والله أعلم.

وقال أبو عوسجة: السيارة أصلها من السير، هو مثل المسافر، وهي القافلة؛ يعني: العير.

وقيل: الجب: الركية التي لم تطو بالحجارة، فإذا طويت فليس بجب.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قال أحد الإخوة: لا تقتلوا يوسف، ولكن ارموه في قعر البئر يأخذه بعض المسافرين الذين يمرون به، فهذا أخف ضررًا من قتله، إن كنتم عازمين على ما قلتم بشأنه.

<div class="verse-tafsir" id="91.EXJAV"

مزيد من التفاسير لسورة يوسف

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.6 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 0 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله