الآية ١٣ من سورة يوسف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 12 يوسف > الآية ١٣ من سورة يوسف

قَالَ إِنِّى لَيَحْزُنُنِىٓ أَن تَذْهَبُوا۟ بِهِۦ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَـٰفِلُونَ ١٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 77 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٣ من سورة يوسف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٣ من سورة يوسف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى مخبرا عن نبيه يعقوب أنه قال لبنيه في جواب ما سألوا من إرسال يوسف معهم إلى الرعي في الصحراء : ( إني ليحزنني أن تذهبوا به ) أي : يشق علي مفارقته مدة ذهابكم به إلى أن يرجع ، وذلك لفرط محبته له ، لما يتوسم فيه من الخير العظيم ، وشمائل النبوة والكمال في الخلق والخلق ، صلوات الله وسلامه عليه .

وقوله : ( وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون ) يقول : وأخشى أن تشتغلوا عنه برميكم ورعيتكم فيأتيه ذئب فيأكله وأنتم لا تشعرون ، فأخذوا من فمه هذه الكلمة ، وجعلوها عذرهم فيما فعلوه

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (13) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: قال يعقوب لهم: إني ليحزنني أن تذهبوا به معكم إلى الصحراء ، (31) مخافة عليه من الذئب أن يأكله، وأنتم عنه غافلون لا تشعرون .

(32) * * * ---------------------- الهوامش: (31) انظر تفسير" الحزن" فيما سلف ص : 142 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(32) انظر تفسير :" الغفلة" فيما سلف ص : 551 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قال إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلونقوله تعالى : قال إني ليحزنني أن تذهبوا به في موضع رفع ; أي ذهابكم به .

أخبر عن حزنه لغيبته .وأخاف أن يأكله الذئب وذلك أنه رأى في منامه أن الذئب شد على يوسف ، فلذلك خافه عليه ; قاله الكلبي .

وقيل : إنه رأى في منامه كأنه على ذروة جبل ، وكأن يوسف في بطن الوادي ، فإذا عشرة من الذئاب قد احتوشته تريد أكله ، فدرأ عنه واحد ، ثم انشقت الأرض فتوارى يوسف فيها ثلاثة أيام ; فكانت العشرة إخوته ، لما تمالئوا على قتله ، والذي دافع عنه أخوه الأكبر يهوذا ، وتواريه في الأرض هو مقامه في الجب ثلاثة أيام .

وقيل : إنما قال ذلك لخوفه منهم عليه ، وإنه أرادهم بالذئب ; فخوفه إنما كان من قتلهم له ، فكنى عنهم بالذئب مساترة لهم ; قال ابن عباس : فسماهم ذئابا .

وقيل : ما خافهم عليه ، ولو خافهم لما أرسله معهم ، وإنما خاف الذئب ; لأنه أغلب ما يخاف في الصحاري .

والذئب مأخوذ من تذاءبت الريح إذا جاءت من كل وجه ; كذا قال أحمد بن يحيى ; قال : والذئب مهموز لأنه يجيء من كل وجه .

وروى ورش عن نافع " الذيب " بغير همز ، لما كانت الهمزة ساكنة وقبلها كسرة فخففها صارت ياء .وأنتم عنه غافلون أي مشتغلون بالرعي .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فأجابهم بقوله: { إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ ْ} أي: مجرد ذهابكم به يحزنني ويشق علي، لأنني لا أقدر على فراقه، ولو مدة يسيرة، فهذا مانع من إرساله { وَ ْ} مانع ثان، وهو أني { أَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ ْ} أي: في حال غفلتكم عنه، لأنه صغير لا يمتنع من الذئب.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قال ) لهم يعقوب ( إني ليحزنني أن تذهبوا به ) أي : يحزنني ذهابكم به ، والحزن ها هنا : ألم القلب بفراق المحبوب ( وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون ) وذلك أن يعقوب كان رأى في المنام أن ذئبا شد على يوسف فكان يخاف من ذلك ، فمن ثم قال هذه المقالة .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قال إني ليحزنني أن تذهبوا» أي ذهابكم «به» لفراقه «وأخاف أن يأكله الذئب» المراد به الجنس وكانت أرضهم كثيرة الذئاب «وأنتم عنه غافلون» مشغلون.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قال يعقوب: إني لَيؤلم نفسي مفارقته لي إذا ذهبتم به إلى المراعي، وأخشى أن يأكله الذئب، وأنتم عنه غافلون منشغلون.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أخبر - سبحانه - عما رد به عليهم أبوهم فقال : ( قَالَ إِنِّي ليحزنني أَن تَذْهَبُواْ بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذئب وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ ) .والحزن : الغم الحاصل لوقوع مكروه أو فقد محبوب .والخوف : فزع النفس من مكروه يتوقع حصوله .والذئب : حيوان معروف بعدوانه على الضعاف من الإِنسان ومن الحيوان ، وال فيه للجنس ، والمراد به أى فرد من أفراد الذئاب .أى : قال يعقوب لأبنائه ردا على إلحاحهم فى طلب يوسف للذهاب معهم يا أبنائى إننى ليحزننى حزناً شديداً فراق يوسف لى ، وفضلا عن ذلك فإننى أخشى إذا أخذتموه معكم فى رحلتكم أن يأكله الذئب ، وأنتم عنه غافلون ، بسبب اشتغالكم بشئون أنفسكم ، وقلة اهتمامكم برعايته وحفظه .قالوا : وخص الذائب بالذكر من بين سائر الحيوانات ، ليشعرهم بأن خوفه عليه مما هو أعظم من الذئب توحشا وافتراسا أشد وأولى .أو خصه بالذكر لأن الأرض التى عرفوا بالنزول فيها كانت كثيرة الذئاب .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنهم لما طلبوا منه أن يرسل يوسف معهم اعتذر إليهم بشيئين: أحدهما: أن ذهابهم به ومفارقتهم إياه مما يحزنه لأنه كان لا يصبر عنه ساعة.

والثاني: خوفه عليه من الذئب إذا غفلوا عنه برعيهم أو لعبهم لقلة اهتمامهم به.

قيل: إنه رأى في النوم أن الذئب شد على يوسف، فكان يحذره فمن هذا ذكر ذلك، وكأنه لقنهم الحجة، وفي أمثالهم البلاء موكل بالمنطق.

وقيل: الذئاب كانت في أراضيهم كثيرة، وقرئ ﴿ الذئب ﴾ بالهمز على الأصل وبالتفخيف.

وقيل: اشتقاقه من تذاءبت الريح إذا أتت من كل جهة، فلما ذكر يعقوب عليه السلام هذا الكلام أجابوا بقولهم: ﴿ لَئِنْ أَكَلَهُ الذئب وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذَا لخاسرون ﴾ وفيه سؤالات: السؤال الأول: ما فائدة اللام في قوله: ﴿ لَئِنْ أَكَلَهُ الذئب ﴾ .

والجواب من وجهين: الأول: أن كلمة إن تفيد كون الشرط مستلزماً للجزاء، أي إن وقعت هذه الواقعة فنحن خاسرون، فهذه اللام دخلت لتأكيد هذا الاستلزام.

الثاني: قال صاحب الكشاف هذه اللام تدل على إضمار القسم تقديره: والله لئن أكله الذئب لكنا خاسرين.

السؤال الثاني: ما فائدة الواو في قوله: ﴿ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ ﴾ .

الجواب: أنها واو الحال حلفوا لئن حصل ما خافه من خطف الذئب أخاهم من بينهم وحالهم أنهم عشرة رجال بمثلهم تعصب الأمور وتكفي الخطوب إنهم إذاً لقوم خاسرون.

السؤال الثالث: ما المراد من قولهم: ﴿ إِنَّا إِذَا لخاسرون ﴾ .

الجواب فيه وجوه: الأول: خاسرون أي هالكون ضعفاً وعجزاً، ونظيره قوله تعالى: ﴿ لَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لخاسرون  ﴾ أي لعاجزون: الثاني: أنهم يكونون مستحقين لأن يدعى عليهم بالخسارة والدمار وأن يقال خسرهم الله تعالى ودمرهم حين أكل الذئب أخاهم وهم حاضرون.

الثالث: المعنى أنا إن لم نقدر على حفظ أخينا فقد هلكت مواشينا وخسرناها.

الرابع: أنهم كانوا قد أتعبوا أنفسهم في خدمة أبيهم واجتهدوا في القيام بمهماته وإنما تحملوا تلك المتاعب ليفوزوا منه بالدعاء والثناء فقالوا: لو قصرنا في هذه الخدمة فقد أحبطنا كل تلك الأعمال وخسرنا كل ما صدر منا من أنواع الخدمة.

السؤال الرابع: أن يعقوب عليه السلام اعتذر بعذرين فلم أجابوا عن أحدهما دون الآخر؟

والجواب: أن حقدهم وغيظهم كان بسبب العذر الأول، وهو شدة حبه له فلما سمعوا ذكر ذلك المعنى تغافلوا عنه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ لَيَحْزُنُنِى ﴾ اللام لام الابتداء، كقوله: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ﴾ [النحل: 124] ودخولها أحد ما ذكره سيبويه من سبي المضارعة.

اعتذر إليهم بشيئين، أحدهما: أنّ ذهابهم به ومفارقته إياه مما يحزنه، لأنه كان لا يصبر عنه ساعة.

والثاني: خوفه عليه من عدوة الذئب إذا غفلوا عنه برعيهم ولعبهم، أوقلّ به اهتمامهم ولم تصدق بحفظه عنايتهم.

وقيل: رأى في النوم أنّ الذئب قد شدّ على يوسف فكان يحذره، فمن ثم قال ذلك فلقنهم العلة، وفي أمثالهم: البلاء موكل بالمنطق.

وقرئ: ﴿ الذئب ﴾ بالهمزة على الأصل وبالتخفيف.

وقيل: اشتقاقه من تذاءبت الريح إذا أتت من كل جهة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قالَ إنِّي لَيَحْزُنُنِي أنْ تَذْهَبُوا بِهِ ﴾ لِشِدَّةِ مُفارَقَتِهِ عَلَيَّ وقِلَّةِ صَبْرِي عَنْهُ.

﴿ وَأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ ﴾ لِأنَّ الأرْضَ كانَتْ مَذْأبَةً.

وقِيلَ رَأى في المَنامِ أنَّ الذِّئْبَ قَدْ شَدَّ عَلى يُوسُفَ وكانَ يَحْذَرُهُ عَلَيْهِ، وقَدْ هَمَزَها عَلى الأصْلِ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ في رِوايَةِ قالُونَ، وفي رِوايَةِ اليَزِيدِيِّ وأبُو عَمْرٍو وقْفًا وعاصِمٍ وابْنِ عامِرٍ وحَمْزَةَ دَرْجًا واشْتِقاقُهُ مِن تَذاءَبَتِ الرِّيحُ إذا هَبَّتْ مِن كُلِّ جِهَةٍ.

﴿ وَأنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ ﴾ لِاشْتِغالِكم بِالرَّتْعِ واللَّعِبِ أوْ لِقِلَّةِ اهْتِمامِكم بِحِفْظِهِ.

﴿ قالُوا لَئِنْ أكَلَهُ الذِّئْبُ ونَحْنُ عُصْبَةٌ ﴾ اللّامُ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ وجَوابُهُ: ﴿ إنّا إذًا لَخاسِرُونَ ﴾ ضُعَفاءُ مَغْبُونُونَ، أوْ مُسْتَحِقُّونَ لِأنْ يُدْعى عَلَيْهِمْ بِالخَسارِ والواوُ في و (نَحْنُ عُصْبَةٌ) لِلْحالِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قَالَ إِنّى لَيَحْزُنُنِى أَن تَذْهَبُواْ بِهِ} أي يحزنني ذهابكم به واللام لام الابتداء {وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذئب وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافلون} اعتذر إليهم بأن ذهابهم به مما يحزنه لأنه كان لا يصبر عنه ساعة وأنه يخاف عليه من عدوة الذئب إذا غفلوا عنه برعيهم ولعبهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قالَ ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّ سائِلًا يَقُولُ: فَماذا قالَ أبُوهم لَهُمْ؟

فَقِيلَ: قالَ ﴿ إنِّي لَيَحْزُنُنِي أنْ تَذْهَبُوا بِهِ ﴾ لِشِدَّةِ مُفارَقَتِهِ عَلَيَّ وقِلَّةِ صَبْرِي عَنْهُ، واللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى خَبَرِ إنَّ إذا كانَ مُضارِعًا قِيلَ: تَقْصُرُهُ عَلى الحالِ وهو ظاهِرُ كَلامِ سِيبَوَيْهِ، وقِيلَ: تَكُونُ لَهُ ولِغَيْرِهِ، واسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ ، وقِيلَ: إنَّها لِلْحالِ إنْ خَلَتْ عَنْ قَرِينَةٍ ومَعَها تَكُونُ لِغَيْرِهِ، وجَعَلُوا مِن ذَلِكَ ما في الآيَةِ، وبَعْضُهم جَعَلَها هُنا لِلْحالِ، واسْتُشْكِلَ بِأنَّ الذَّهابَ مُسْتَقْبَلٌ فَيَلْزَمُ تَقَدُّمُ الفِعْلِ عَلى فاعِلِهِ وهو غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّهُ أثَرُهُ ولا يُعْقَلُ تَقَدُّمُ الأثَرِ عَلى المُؤَثِّرِ.

وأُجِيبَ بِأنَّ التَّقْدِيرَ قَصْدُ أوْ تَوَقُّعُ أنْ تَذْهَبُوا بِهِ، فالكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ المُضافِ وهو الفاعِلُ ولَيْسَ ذاكَ أمْرًا مُسْتَقْبَلًا بَلْ حالٌ، ولا يَمْتَنِعُ في مِثْلِ ذَلِكَ حَذْفُ الفاعِلِ لِما صَرَّحُوا بِهِ أنَّهُ إنَّما يَمْتَنِعُ إذا لَمْ يَسُدَّ مَسَدَّهُ شَيْءٌ وهُنا قَدْ سَدَّ، ولا يَجِبُ أنْ يَكُونَ السّادُّ هو المُضافُ إلَيْهِ كَما ظُنَّ، بَلْ لَوْ سَدَّ غَيْرُهُ كانَ الحَذْفُ جائِزًا أيْضًا، ومِن هُنا كانَ تَقْدِيرُ قَصْدِكم أنْ تَذْهَبُوا صَحِيحًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَقْدِيرَ مَعْنًى لا تَقْدِيرَ إعْرابٍ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ يُمْكِنُ دَفْعُ الإشْكالِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى تَقْدِيرِ المُضافِ بِأنْ يُقالَ: إنَّ الذَّهابَ يُحْزِنُهُ بِاعْتِبارِ تَصَوُّرِهِ كَما قِيلَ نَظِيرُهُ في العِلَّةِ الغائِيَّةِ، وقالَ شِهابٌ: ذَلِكَ التَّحْقِيقُ أظُنُّ أنَّ ما قالُوهُ في تَوْجِيهِ الإشْكالِ مَغْلَطَةٌ لا أصْلَ لَها، فَإنَّ لُزُومَ كَوْنِ الفاعِلِ مَوْجُودًا عِنْدَ وُجُودِ الفِعْلِ إنَّما هو الفاعِلُ الحَقِيقِيُّ لا النَّحْوِيُّ واللُّغَوِيُّ فَإنَّ الفِعْلَ قَدْ يَكُونُ قَبْلَهُ سَواءٌ كانَ حالًا كَما فِيما نَحْنُ فِيهِ، أوْ ماضِيًا كَما أنَّهُ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ في مِثْلِهِ أمْرًا مَعْدُومًا كَما في قَوْلِهِ: ومَن سَرَّهُ أنْ لا يَرى ما يَسُوءُهُ فَلا يَتَّخِذُ شَيْئًا يَخافُ لَهُ فَقْدًا ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ في مِثْلِهِ إنَّهُ مُحْتاجٌ إلى التَّأْوِيلِ فَإنَّ الحُزْنَ والغَمَّ كالسُّرُورِ والفَرَحِ يَكُونُ بِالشَّيْءِ قَبْلَ وُقُوعِهِ كَما صَرَّحَ بِهِ ابْنُ هِلالٍ في فُرُوقِهِ، ولا حاجَةَ إلى تَأْوِيلٍ أوْ تَقْدِيرٍ أوْ تَنْزِيلٍ لِلْوُجُودِ الذِّهْنِيِّ مَنزِلَةَ الخارِجِيِّ عَلى القَوْلِ بِهِ أوْ الِاكْتِفاءِ بِهِ، فَإنَّهُ مِثْلُهُ لا يَعْرِفُهُ أهْلُ العَرَبِيَّةِ أوِ اللِّسانُ فَإنْ أبَيْتَ إلّا اللَّجاجَ فِيهِ فَلْيَكُنْ مِنَ التَّجَوُّزِ في النِّسْبَةِ إلى ما يَسْتَقْبِلُ لِكَوْنِهِ سَبَبًا لِلْحُزْنِ الآنَ اهـ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهم صَرَّحُوا بِأنَّ فِعْلَ الفاعِلِ الِاصْلاحِيِّ إمّا قائِمٌ بِهِ أوْ واقِعٌ مِنهُ، وقِيامُ الشَّيْءِ بِما لَمْ يُوجَدْ بَعْدُ ووُقُوعُهُ مِنهُ غَيْرُ مَعْقُولٍ، وحِينَئِذٍ فالتَّأْوِيلُ بِما يَصِحُّ القِيامُ أوِ الوُقُوعُ في فاقِدِ ذَلِكَ بِحَسَبِ الظّاهِرِ واجِبٌ كَذا قِيلَ فَتَدَبَّرْ، وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ -لِيَحْزُنِّي- بِالإدْغامِ، وبِذَلِكَ قَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقَرَأ أيْضًا تَذْهَبُوا بِهِ مِن أذْهَبَ رُباعِيًّا، ويَخْرُجُ كَما قالَ أبُو حَيّانَ عَلى زِيادَةِ الباءِ في (بِهِ) كَما خَرَّجَ بَعْضُهم (تُنْبِتُ بِالدُّهْنِ) في قِراءَةِ مَن ضَمَّ التّاءَ وكَسَرَ الباءَ المُوَحَّدَةَ عَلى ذَلِكَ أيْ -لِيُحْزِنِّي أنْ تُذْهِبُوهُ.

﴿ وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ ﴾ هو حَيَوانٌ مَعْرُوفٌ وخَصَّهُ بِالذِّكْرِ لِأنَّ الأرْضَ عَلى ما قِيلَ: كانَتْ مُذْئَبَةً، وقِيلَ: لِأنَّهُ سَبُعٌ ضَعِيفٌ حَقِيرٌ فَنَبَّهَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِخَوْفِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْهِ مِنهُ عَلى خَوْفِهِ عَلَيْهِ مِمّا هو أعْظَمُ مِنهُ افْتِراسًا مِن بابِ أوْلى، ولِحَقارَةِ الذِّئْبِ خَصَّهُ الرَّبِيعُ بْنُ ضَبْعٍ الفَزارِيُّ في كَوْنِهِ يَخْشاهُ لِما بَلَغَ مِنَ السِّنِّ ما بَلَغَ في قَوْلِهِ: (والذِّئْبُ) أخْشاهُ إنْ مَرَرْتُ بِهِ ∗∗∗ وحْدِي وأخْشى الرِّياحَ والمَطَرا وقِيلَ: لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَأى في المَنامِ أنَّ ذِئْبًا قَدْ شَدَّ عَلَيْهِ فَكانَ يَحْذَرُهُ، ولَعَلَّ هَذا الحَذَرَ لِأنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِمُناسَبَتِهِمُ التّامَّةِ بِعالَمِ المَلَكُوتِ تَكُونُ واقِعاتُهم بِعَيْنِها واقِعَةً، وإلّا فالذِّئْبُ في النَّوْمِ يُؤَوَّلُ بِالعَدُوِّ.

وادَّعى بَعْضُهم أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ورى بِالذِّئْبِ عَنْ واحِدٍ مِنهم فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أجَلُّ قَدْرًا مِن أنْ لا يَعْلَمَ أنَّ رُؤْياهُ تِلْكَ مِن أيِّ أقْسامِ الرُّؤْيا هِيَ، فَإنَّ مِنها ما يَحْتاجُ لِلتَّعْبِيرِ، ومِنها ما لا يَحْتاجُ إلَيْهِ، والكامِلُ يَعْرِفُ ذَلِكَ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ قَدْ خَفِيَ عَلَيْهِ كَما قَدْ خَفِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَلى جَدِّهِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو بِناءٌ عَلى ما ذَكَرَهُ شَيْخُنا ابْنُ العَرَبِيِّ قَدَّسَ سِرَّهُ مِن أنَّ رُؤْياهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَبْحَ ولَدِهِ مِنَ الرُّؤْيا المُعَبِّرَةِ بِذَبْحِ كَبْشٍ لَكِنَّهُ خَفِيَ عَلَيْهِ ذَلِكَ ولا يَخْفى ما فِيهِ، والمَذْكُورُ في بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَأى في مَنامِهِ كَأنَّهُ عَلى ذُرْوَةِ جَبَلٍ وكَأنَّ يُوسُفَ في بَطْنِ الوادِي فَإذا عَشَرَةٌ مِنَ الذِّئابِ قَدِ احْتَوَشَتْهُ تُرِيدُ أكْلَهُ فَدَرَأ عِنْدَ واحِدٍ ثُمَّ انْشَقَّتِ الأرْضُ فَتَوارى يُوسُفُ فِيها ثَلاثَةَ أيّامٍ، وأنا لَمْ أجِدْ لِرِوايَةِ الرُّؤْيا مُطْلَقًا سَنَدًا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، ولا حاجَةَ بِنا إلى اعْتِبارِها لِتَكَلُّفِ الكَلامِ فِيها، وبِالجُمْلَةِ ما وقَعَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن هَذا القَوْلِ كانَ تَلْقِينًا لِلْجَوابِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ وهو عَلى أُسْلُوبِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ ﴾ والبَلاءُ مُوَكَّلٌ بِالمَنطِقِ.

وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «”لا تُلَقِّنُوا النّاسَ فَيَكْذِبُوا فَإنَّ بَنِي يَعْقُوبَ لَمْ يَعْلَمُوا أنَّ الذِّئْبَ يَأْكُلُ النّاسَ فَلَمّا لَقَّنَهم أبُوهم كَذَّبُوا فَقالُوا: أكَلَهُ الذِّئْبُ“،» والحُزْنُ ألَمُ القَلْبِ لِفَوْتِ المَحْبُوبِ، والخَوْفُ انْزِعاجُ النَّفْسِ لِنُزُولِ المَكْرُوهِ، ولِذَلِكَ أسْنَدَ الأوَّلَ إلى الذَّهابِ بِهِ المُفَوِّتِ لِاسْتِمْرارِ مُصاحَبَتِهِ ومُواصَلَتِهِ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والثّانِي إلى ما يُتَوَقَّعُ نُزُولُهُ مِن أكْلِ الذِّئْبِ، والذِّئْبُ أصْلُهُ الهَمْزَةُ وهي لُغَةُ الحِجازِ، وبِها قَرَأ غَيْرُ واحِدٍ.

وقَرَأ الكِسائِيُّ وخَلَفٌ وأبُو جَعْفَرٍ ووَرْشٌ والأعْشى وغَيْرُهم بِإبْدالِها ياءً لِسُكُونِها وانْكِسارِ ما قَبْلَها وهو القِياسُ في مِثْلِ ذَلِكَ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ قَدْ هَمَزَهُ عَلى الأصْلِ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ في رِوايَةِ قالُونَ، وأبُو عَمْرٍو وقْفًا، وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ دَرَجا وأبْدَلا وقْفًا، ولَعَلَّ ذَلِكَ لِأنَّ التِقاءَ السّاكِنَيْنِ في الوَقْفِ وإنْ كانَ جائِزًا إلّا أنَّهُ إذا كانَ الأوَّلُ حَرْفَ مَدٍّ يَكُونُ أحْسَنَ.

وقالَ نَصْرٌ: سَمِعْتُ أبا عَمْرٍو لا يَهْمِزُهُ، والظّاهِرُ أنَّهُ أرادَ مُطْلَقًا فَيَكُونُ ما تَقَدَّمَ رِوايَةً وهَذِهِ أُخْرى، ويَجْمَعُ عَلى أذْؤُبٍ وذِئابٍ وذُؤْبانٍ، واشْتِقاقُهُ عِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ مِن تَذاءَبَتِ الرِّيحُ إذا هَبَّتْ مِن كُلِّ جِهَةٍ.

وقالَ الأصْمَعِيُّ: إنَّ اشْتِقاقَ تَذاءَبَتْ مِنَ الذِّئْبِ لِأنَّ الذِّئْبَ يَفْعَلُهُ في عَدُوِّهِ، قِيلَ: وهو أنْسَبُ ولِذا عُدَّ تَذاءَبَتِ الرِّيحُ مِنَ المَجازِ في الأساسِ لَكِنْ قِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ أخْذَ الفِعْلِ مِنَ الأسْماءِ الجامِدَةِ -كَإبِلٍ- قَلِيلٌ مُخالِفٌ لِلْقِياسِ ﴿ وأنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ ﴾ لِاشْتِغالِكم بِالرَّتْعِ واللَّعِبِ، أوْ لِقِلَّةِ اهْتِمامِكم بِحِفْظِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ يعني: من إخوة يوسف لا تقتلوه، يعني: لاَ تَقْتُلُوا يُوسُفَ فإن قتله عظيم.

وقال الكلبي: كان صاحب هذا القول: يهوذا، لم يكن أكبرهم في السّن، ولكن كان أعقلهم.

وقال قتادة والضحاك: صاحب هذا القول: روبيل، وكان أكبر القوم سناً.

وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يعني اطرحوه في أسفل الجب.

وقال الزجاج: الغيابة كل ما غاب عنك أو غيّبت شيئاً عنك.

قرأ نافع: غيابات بلفظ الجماعة، وقرأ الباقون غَيابَتِ الْجُبِّ، لأن المعنى فيها على موضع واحد.

وروي عن أبيّ بن كعب، أنه كان يقرأ: غيبة الجب.

وقال الزجاج: الجُبُّ: البئر التي ليست بمطوية سميت جُبًّا، لأنها قطعت قطعاً، ولم يحدث فيها غير القطع.

ثم قال: يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ يعني: يأخذه بعض من يمر عليه من المسافرين إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ يعني: إن كنتم لا بد فاعلين من الشر الذي تريدون.

وروي عن الحسن، ومجاهد، أنهما قرءا: تلتقطه بالتاء، ومعناه: تلتقطه السيارة، وينصرف إلى المعنى.

فلما قال لهم ذلك يهوذا أو روبيل، أطاعوه بذلك، وجاءوا إلى أبيهم وقالُوا يا أَبانا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ بأن ترسله معنا، وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ يعني: لحافظون.

ويقال: محبون مشفقون.

قرأ أبو جعفر القارئ المدني: لاَ تَأْمَنَّا بجزم النون، وقرأ الباقون تَأْمَنَّا بإشمام النون إلى الرفع، لأن أصلها تأمننا، فأدغمت إحداهما في الأخرى، وأقيم التشديد مقامها، وبقي رفعه.

ثم قال: أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يعني: أخوة يوسف قالوا لأبيهم: أرسل يوسف معنا إلى الغنم يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ قال مجاهد: يحفظ بعضنا بعضاً، ونتحارس.

وقال قتادة: ننشط ونسعى ونلهو.

وقال القتبي: من قرأ بتسكين العين، أي نأكل يقال: رتعت الإبل إذا رعت.

ومن قرأ بكسر العين، أراد به: نتحارس ويرعى بعضنا بعضاً، أي: يحفظ.

قرأ ابن كثير: نَرْتَعِ بالنون وكسر العين، وَنَلْعَبُ بالنون.

وقرأ نافع: يَرْتَعْ بالياء وكسر العين، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم: يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ بالياء وجزم العين، وقرأ أبو عمرو، وابن عامر: نرتع وَنَلْعَبُ بالنون وجزم العين.

واتفقوا في جزم الباء.

قال أبو عبيدة، قلت لأبي عمرو: كيف يقولون نلعب وهم أنبياء؟

قال: لم يكونوا يومئذٍ أنبياء.

قال الفقيه أبو الليث: لم يريدوا به اللعب الذي هو منهيّ عنه، وإنما أرادوا به المطايبة في خروجهم، وفيه دليل: أن القوم إذا خرجوا من المصر، فلا بأس بالمطايبة والمزاح في غير مأثم.

ويقال: نرتع ونلعب يعني: نجيء ونذهب، حتى نتشجع ونترحّل.

ويقال: حتى نجمع النفع والسرور.

وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ لا يصيبه أذًى ولا مكروه، وإنا مشفقون عليه قالَ لهم يعقوب: إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ يعني: إنَّ ذهابكم به ليحزنني.

قرأ نافع: لَيَحْزُنُنِي بضم الياء وكسر الزاي، وقرأ الباقون بنصب الياء، وضم الزاي.

ومعناهما واحد.

ثم قال: وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ يعني: أخاف أن تضيعوه فيأكله الذئب، وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ يعني: مشغولين بأمركم.

قرأ أبو عمرو والكسائي ونافع في رواية ورش: الذِّئْبُ بغير همز.

وقرأ الباقون بالهمز، وهما لغتان.

وروي عن بعض الصحابة، أنه قال: لا ينبغي أن يلقن الخصم حجّته، لأن إخوة يوسف كانوا لا يعلمون أن الذئب يأكل الناس، إلى أن قال لهم يعقوب ذلك، وإنما قال ذلك يعقوب لأنه رأى في المنام أن ذئباً كان يعدو على يوسف فأنجاه بنفسه.

قالُوا يعني: إخوة يوسف لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ يعني: جماعة عشرة إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ يعني: لعاجزين.

فلما قالوا ذلك رضي بخروجه معهم، فبعثه معهم، وأوصاهم عند خروجه أن يحسنوا إليه، ويتعاهدوا أمره، ويردوه إذا طلب الرجوع.

فقبلوا ذلك منه.

ويقال: إنه أبى أن يرسله معهم، حتى أتوا يوسف فقالوا له: اطلب من أبيك ليبعثك معنا، وطلب يوسف ذلك من أبيه، فبعثه معهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ إِذ كلُّ أحد ينبغي أنْ يسأل عن مثْلِ هذا القصص، إِذ هي مَقَرُّ العبر والاتعاظ وقولهم: وَأَخُوهُ: يريدون به «يَامينَ» ، وهو أصغر من يوسُفَ، ويقال له: «بِنْيَامِينُ» قيلَ: وهو شقيقه، أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا: أي: لصغرهما ومَوْتِ أُمهما، وهذا مِنْ حُبِّ الصغير هي فطرةُ البَشَر، وقولهم:

وَنَحْنُ عُصْبَةٌ: أي: جماعة تضرُّ وتنفعُ، وتحمِي وتخذل، أي: لنا كَانَتْ تنبغي المحبَّة والمراعاةُ، والعُصْبَة في اللغة: الجماعةُ، وقولهم: لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ، أي: لفي انتلافٍ وخطإٍ في محبَّة يوسُفَ وأخيه، وهذا هو معنى الضَّلال، وإِنما يصغر قَدْرُهُ، ويعظُم بحَسَبِ الشَّيء الذي فيه يَقَعُ الانتلاف، ومُبِينٍ: معناه: ظاهر للمتأمِّل، وقولهم: أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً: أي: بأرضٍ بعيدةٍ ف «أَرْضاً» مفعولٌ ثانٍ بإِسقاط حرف الجرِّ، والضمير في «بعده» عائدٌ على يوسُفَ، أو قتلِه، أو طرحِهِ، وصالِحِينَ: قال مقاتل وغيره: إِنهم أرادوا صلاَحَ الحالِ عنْد أبيهم «١» ، والقَائِلُ منهم: «لا تقتلوه» هو: «رُوبِيلُ» أسنُّهم قاله قتادة «٢» وابنُ إِسحاق، وقيل: هو شَمْعُونٌ قاله مجاهد «٣» ، وهذا عطْفٌ منه على أخيه لا محالَةَ لما أراد اللَّه من إِنفاذ قضائه، و «الغيابة» : ما غاب عنك، والْجُبِّ البئر التي لم تُطْوَ لأنها جُبَّتْ من الأرض فقَطْ، قال المَهْدَوِيُّ: والجُبُّ في اللغة: البئر المقطوعة التي لم تطو، انتهى.

والسيارة: جمعُ سَيَّارٍ، وروي أن جماعةً من الأَعرابِ التقطت يوسف عليه السلام.

وقوله سبحانه: قالُوا يا أَبانا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ ...

الآية المتقدِّمة تقتضي أن أباهم قد كان عَلِمَ منهم إِرادتهم السُّوءَ في جهة يوسف، وهذه

الآية تقتضِي أنهم علموا هُمْ منه بعلمه ذلك، وقرأ أبو عامر «١» وابنُ عمرو: «نَرْتَعْ ونَلْعَبْ» - بالنون فيهما وإِسكانِ العينِ والباءِ-، و «نَرْتَع» على هذا: من الرُّتُوعِ، وهي الإِقامة في الخِصْب والمَرعَى في أكْلٍ وشربٍ، وقرأ ابن كثير: «نَرْتَعِ ونَلْعَبْ» - بالنونِ فيهما وكَسْرِ العين وإسكان الباء-، وقد رُوِيَ عنه «ويَلْعَبْ» - بالياء- و «نَرْتَعَ» على هذا: من رِعَاية الإِبَل.

وقال مجاهد: من المُرَاعاة، أي: يرعَى بعضُنا بعضاً، ويحرسُه «٢» ، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: «يرتَع وَيَلْعَبْ» بإِسناد ذلك كلِّه إِلى يوسف، وقرأ نافع «يَرْتَعِ وَيَلْعَبْ» ، ف «يَرْتَعِ» على هذا: من رعاية الإِبل، قال أبو علي: وقراءة ابنِ كثيرٍ «نَرْتَعَ» - بالنون- و «يَلْعَبْ» - بالياء-: منزعها حَسَنٌ لإِسناد النظر في المال، والرعايةِ إِليهم، واللعب إِلى يوسف لصباه، ولعبُهُمْ هذا داخلٌ في اللعبِ المباحِ والمندوبِ كاللعب بالخيلِ والرمْي وعلَّلوا طلبه والخروجَ به بما يمكنُ أنْ يَستَهوِيَ يوسُفَ لصبَاه مِنَ الرتوعِ واللعِبِ والنَّشَاطِ، وإِنما خافَ يعقُوبُ عليه السلام الذئبَ دون سواه، وخصَّصه لأنه كَانَ الحيوانَ العادي المنبثّ في القطر، ولصغر يوسف، وأَجْمَعُوا: معناه: عَزَموا.

وقوله سبحانه: وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ يحتمل أن يكون الوحْيُ إِلى يوسُفُ حينئذٍ برسولٍ، ويحتملُ أنْ يكون بإِلهامٍ أو بنومٍ، وكلُّ ذلك قد قيل، وقرأ الجمهور «٣» : «لَتُنَبِّئَنَّهُمُ» بالتاء من فوق.

وقوله: وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ: قال ابن جُرَيْج: معناه: لا يشعُرُونَ وقْتَ التنبئةِ أنَّكَ يوسف «٤» ، وقال قتادة: لا يشعرُونَ بوَحْينا إليك «٥» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ قائِلٌ مِنهُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ يَهُوذا، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهُ شَمْعُونُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: رُوبِيلُ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ إسْحاقَ.

فَأمّا غَيابَةُ الجُبِّ، فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ شَيْءٍ غَيَّبَ عَنْكَ شَيْئًا فَهو غَيابَةُ، والجُبُّ: الرَّكْيَةُ الَّتِي لَمْ تُطْوَ.

وقالَ الزَّجّاجُ: الغَيابَةُ: كُلُّ ما غابَ عَنْكَ، أوْ غَيَّبَ شَيْئًا عَنْكَ، قالَ المُنَخِّلُ: فَإنْ أنا يَوْمًا غَيَّبَتْنِي غَيابَتِي فَسِيرُوا بِسَيْرِي في العَشِيرَةِ والأهْلِ والجُبِّ: البِئْرُ الَّتِي لَمْ تُطْوَ؛ سُمِّيَتْ جُبًّا مِن أجْلٍ أنَّها قُطِعَتْ قَطْعًا، ولَمْ يَحْدُثْ فِيها غَيْرُ القَطْعِ مِن طَيٍّ وما أشْبَهَهُ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " في غَيابَةِ الجُبِّ " أيْ: في ظُلُماتِهِ.

وقالَ الحَسَنُ: في قَعْرِهِ.

وقَرَأ نافِعٌ: " غَياباتِ الجُبِّ " فَجُعِلَ كُلٌّ مِنهُ غَيابَةً.

ورَوى خارِجَةُ عَنْ نافِعٍ: " غَيّاباتِ " بِتَشْدِيدِ الياءِ.

وقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: " غَيْبَةِ الجُبِّ " بِغَيْرِ ألِفٍ مَعَ إسْكانِ الياءِ.

وأيْنَ كانَ هَذا الجُبُّ، فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِأرْضِ الأُرْدُنِ، قالَهُ وهْبٌ.

وقالَ مُقاتِلٌ: هو بِأرْضِ الأُرْدُنِ عَلى ثَلاثِ فَراسِخَ مِن مَنزِلِ يَعْقُوبَ.

والثّانِي: بِبَيْتِ المَقْدِسِ، قالَهُ قَتادَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَأْخُذْهُ بَعْضُ مَن يَسِيرُ.

﴿ إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ﴾ أيْ: إنْ أضْمَرْتُمْ لَهُ ما تُرِيدُونَ.

وأكْثَرُ القُرّاءِ قَرَؤُوا " يَلْتَقِطْهُ " بِالياءِ.

وقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالتّاءِ.

قالَ الزَّجّاجُ: وجَمِيعُ النَّحْوِيِّينَ يُجِيزُونَ ذَلِكَ، لِأنَّ بَعْضَ السَّيّارَةِ سَيّارَةٌ، فَكَأنَّهُ قالَ: تَلْتَقِطُهُ سَيّارَةُ بَعْضِ السَّيّارَةِ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَن قَرَأ بِالتّاءِ فَقَدْ أنَّثَ فِعْلَ بَعْضٍ، وبَعْضٌ مُذَكَّرٌ، وإنَّما فَعَلَ ذَلِكَ حَمْلًا عَلى المَعْنى، إذِ التَّأْوِيلُ: تَلْتَقِطْهُ السَّيّارَةُ، قالَ الشّاعِرُ: رَأتْ مَرَّ السِّنِينَ أخَذْنَ مِنِّي ∗∗∗ كَما أخَذَ السِّرارُ مِنَ الهِلالِ أرادَ: رَأتِ السِّنِينَ، وقالَ الآخَرُ: طُولُ اللَّيالِي أسْرَعَتْ في نَقْضِي ∗∗∗ طَوَيْنَ طُولِي وطَوَيْنَ عَرْضِي أرادَ: اللَّيالِي أسْرَعَتْ، وقالَ جَرِيرٌ: لَمّا أتى خَبَرُ الزُّبَيْرِ تَواضَعَتْ ∗∗∗ سُورُ المَدِينَةِ والجِبالُ الخُشَّعُ أرادَ: تَواضَعَتِ المَدِينَةُ، وقالَ الآخَرُ: وتَشْرَقُ بِالقَوْلِ الَّذِي قَدْ أذَعْتُهُ ∗∗∗ كَما شَرِقَتْ صَدْرُ القَناةِ مِنَ الدَّمِ أرادَ: كَما شَرِقَتِ القَناةُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: فَلَمّا عَزَمَ القَوْمُ عَلى كَيْدِ يُوسُفَ، قالُوا لِأبِيهِ: ﴿ ما لَكَ لا تَأْمَنّا ﴾ قَرَأ الجَماعَةُ " تَأْمَنّا " بِفَتْحِ المِيمِ وإدْغامِ النُّونِ الأوْلى في الثّانِيَةِ والإشارَةِ إلى إعْرابِ النُّونِ المُدْغَمَةِ بِالضَّمِّ؛ قالَ مَكِّيٌّ: لِأنَّ الأصْلَ " تَأْمَنُنا " ثُمَّ أُدْغِمَتِ النُّونُ الأُولى، وبَقِيَ الإشْمامُ يَدُلُّ عَلى ضَمَّةِ النُّونِ الأُولى.

والإشْمامُ: هو ضَمُّ شَفَتَيْكَ مِن غَيْرِ صَوْتٍ يُسْمَعُ، فَهو بَعْدَ الإدْغامِ وقَبْلَ فَتْحِهِ النُّونَ الثّانِيَةَ.

وابْنُ كَيْسانَ يُسَمِّي الإشْمامَ الإشارَةَ، ويُسَمِّي الرَّوْمَ إشْمامًا؛ والرَّوْمُ: صَوْتٌ ضَعِيفٌ يُسْمَعُ خَفِيًّا.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ " تَأْمَنّا " بِفَتْحِ النُّونِ مِن غَيْرِ إشْمامٍ إلى إعْرابِ المُدْغَمِ.

وقَرَأ الحَسَنُ " مالَكَ لا تَأْمُنّا " بِضَمِّ المِيمِ.

وقَرَأ ابْنُ مِقْسَمٍ " تَأْمَنُنا " بِنُونَيْنِ عَلى الأصْلِ، والمَعْنى: مالَكَ لا تَأْمَنّا عَلى يُوسُفَ فَتُرْسِلَهُ مَعَنا، فَإنَّهُ قَدْ كَبُرَ ولا يَعْلَمُ شَيْئًا مِن أمْرِ المَعاشِ ﴿ وَإنّا لَهُ لَناصِحُونَ ﴾ فِيما أشَرْنا بِهِ عَلَيْكَ؛ ﴿ أرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا ﴾ إلى الصَّحْراءِ.

وقالَ مُقاتِلٌ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا لَهُ: أرْسَلْهُ مَعَنا، فَقالَ: إنِّي لَيَحْزُنُنِي أنْ تَذْهَبُوا بِهِ، فَقالُوا: مالَكَ لا تَأْمَنّا.

قَوْلُهُ تَعالى: " نَرْتَعْ ونَلْعَبْ " قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو " نَرْتَعْ ونَلْعَبْ " بِالنُّونِ فِيهِما، والعَيْنُ ساكِنَةٌ؛ وافَقَهم زَيْدٌ عَنْ يَعْقُوبَ في " نَرْتَعْ " فَحَسْبُ.

وَفِي مَعْنى " نَرْتَعْ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: نَلْهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّانِي: نَسْعَ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: نَأْكُلْ؛ يُقالُ: رَتَعَتِ الإبِلُ: إذا رَعَتْ، وأرْتَعْتُها: إذا تَرَكْتُها تَرْعى.

قالَ الشّاعِرُ: وحَبِيبٍ لِي إذا لاقَيْتُهُ ∗∗∗ وإذا يَخْلُو لَهُ لَحْمِي رَتَعْ أيْ: أكَلَهُ، هَذا قَوْلُ ابْنِ الأنْبارِيِّ، وابْنِ قُتَيْبَةَ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ﴿ يَرْتَعْ ويَلْعَبْ ﴾ بِالياءِ فِيهِما وجَزْمِ العَيْنِ والباءِ، يَعْنُونَ " يُوسُفَ " .

وقَرَأ نافِعٌ: " نَرْتَعِ " بِكَسْرِ العَيْنِ مَن " نَرْتَعْ " مِن غَيْرِ بُلُوغٍ إلى الياءِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومَعْناها نَتَحارَسُ، ويَرْعى بَعْضُنا بَعْضًا، أيْ: يَحْفَظُ؛ ومِنهُ يُقالُ: رَعاكَ اللَّهُ، أيْ: حَفِظَكَ.

وقَدْ رُوِيَتْ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أيْضًا " نَرْتَعِي " بِإثْباتِ ياءٍ بَعْدَ العَيْنِ في الوَصْلِ والوَقْفِ.

وقَرَأ أنَسٌ، وأبُو رَجاءٍ " نُرْتِعْ " بِنُونٍ مَرْفُوعَةٍ وكَسْرِ التّاءِ وسُكُونِ العَيْنِ، و " نَلْعَبْ " بِالنُّونِ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ: نُرْتِعْ إبِلَنا.

فَأمّا قَوْلُهُ: " ونَلْعَبْ " فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَلْهُو.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ يَعْقُوبُ ذِكْرَ اللَّعِبِ ؟

فالجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهم لَمْ يَكُونُوا حِينَئِذٍ أنْبِياءَ، قالَهُ أبُو عَمْرِو ابْنِ العَلاءِ.

والثّانِي: أنَّهم عَنَوْا مُباحَ اللَّعِبِ، قالَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِّي لَيَحْزُنُنِي أنْ تَذْهَبُوا بِهِ ﴾ أيْ: يُحْزِنُنِي ذَهابُكم بِهِ، لِأنَّهُ يُفارِقُنِي فَلا أراهُ.

﴿ وَأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: " الذِّئْبُ " بِالهَمْزِ في الثَّلاثَةِ المَواضِعِ.

وقَرَأ الكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ بِغَيْرِ هَمْزٍ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: " الذِّئْبُ " مَهْمُوزٌ في الأصْلِ.

يُقالُ: تَذاءَبَتِ الرِّيحُ: إذا جاءَتْ مِن كُلِّ جِهَةٍ كَما يَأْتِي الذِّئْبُ.

وَفِي عِلَّةِ تَخْصِيصِ الذِّئْبِ بِالذِّكْرِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ رَأى في مَنامِهِ أنَّ الذِّئْبَ شَدَّ عَلى يُوسُفَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ أرْضَهم كانَتْ كَثِيرَةَ الذِّئابِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُ خافَهم عَلَيْهِ فَكَنّى بِذِكْرِ الذِّئْبِ، قالَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: غافِلُونَ في اللَّعِبِ.

والثّانِي: مُشْتَغِلُونَ بِرَعِيَّتِكم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَئِنْ أكَلَهُ الذِّئْبُ ونَحْنُ عُصْبَةٌ ﴾ أيْ: جَماعَةٌ نَرى الذِّئْبَ قَدْ قَصَدَهُ ولا نَرُدُّ عَنْهُ ﴿ إنّا إذًا لَخاسِرُونَ ﴾ أيْ: عاجِزُونَ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ومَن قَرَأ " عُصْبَةً " بِالنَّصْبِ، فَتَقْدِيرُهُ: ونَحْنُ نَجْتَمِعُ عُصْبَةً.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالُوا يا أبانا ما لَكَ لا تَأْمَنّا عَلى يُوسُفَ وإنّا لَهُ لَناصِحُونَ ﴾ ﴿ أرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا يَرْتَعْ ويَلْعَبْ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ ﴾ ﴿ قالَ إنِّي لَيَحْزُنُنِي أنْ تَذْهَبُوا بِهِ وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِئْبُ وأنْتُمْ عنهُ غافِلُونَ ﴾ ﴿ قالُوا لَئِنْ أكَلَهُ الذِئْبُ ونَحْنُ عُصْبَةٌ إنّا إذًا لَخاسِرُونَ ﴾ ﴿ فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ وأجْمَعُوا أنْ يَجْعَلُوهُ في غَيابَتِ الجُبِّ وأوحَيْنا إلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ هَذا وهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ الآيَةُ الأُولى تَقْتَضِي أنَّ أباهم قَدْ كانَ عَلِمَ مِنهم إرادَتَهُمُ الخَبِيثَةَ في جِهَةِ يُوسُفَ، وهَذِهِ أنَّهم عَلِمُوا هم مِنهُ بِعِلْمِهِ ذَلِكَ.

وقَرَأ الزُهْرِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ "لا تَأْمَنّا" بِالإدْغامِ دُونَ إشْمامٍ، ورَواها الحُلْوانِيُّ عن قالُونَ.

وقَرَأ السَبْعَةُ بِالإشْمامِ لِلضَّمِّ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ:"لا تَأْمَنَنا"، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ: "لا تِيمَنّا" بِكَسْرِ تاءِ العَلامَةِ.

و"غَدًا" ظَرْفٌ، أصْلُهُ: "غَدْوٌ" فَلَزِمَ اليَوْمَ كُلَّهُ، وبَقِيَ الغُدُوُّ والغُدْوَةُ اسْمَيْنِ لِأوَّلِ النَهارِ، وقالَ النَضْرُ ابْنُ شُمَيْلٍ: ما بَيْنَ الفَجْرِ إلى الإسْفارِ يُقالُ فِيهِ غُدْوَةٌ وبُكْرَةٌ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وأبُو عامِرٍ: "نَرْتَعْ ونَلْعَبْ" بِالنُونِ فِيهِما وإسْكانِ العَيْنِ والباءِ، و "نَرْتَعْ" -عَلى هَذا- مِنَ الرُتُوعِ وهي الإقامَةُ في الخِصْبِ والمَرْعى في أكْلٍ وشُرْبٍ، ومِنهُ قَوْلُ الغَضْبانِ بْنِ القَبَعْثَرِيِّ: "القَيْدُ والرَتْعَةُ وقِلَّةُ التَعْتَعَةِ"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ....................

وبَعْدَ عَطائِكَ المِائَةَ الرَتاعا؟

ولَعِبُهم هَذا دَخَلَ في اللَعِبِ المُباحِ كاللَعِبِ بِالخَيْلِ والرَمْيِ ونَحْوِهِ، فَلا وصْمَ في ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، ولَيْسَ بِاللَعِبِ الَّذِي هو ضِدُّ الحَقِّ وقَرِينُ اللهْوِ، وقِيلَ لِأبِي عَمْرٍو بْنِ العَلاءِ: كَيْفَ يَقُولُونَ: "نَلْعَبُ" وهم أنْبِياءُ؟

قالَ: لَمْ يَكُونُوا حِينَئِذٍ أنْبِياءَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "نَرْتَعِ ونَلْعَبْ" بِالنُونِ فِيهِما، وبِكَسْرِ العَيْنِ وجَزْمِ الباءِ، وقَدْ رُوِيَ عنهُ، "وَيَلْعَبْ" بِالياءِ، وهي قِراءَةُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، و "نَرْتَعِ" -عَلى هَذا- مِن رِعايَةِ الإبِلِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هي مِنَ المُراعاةِ، أيْ: يُراعِي بَعْضُنا بَعْضًا ويَحْرُسُهُ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ﴿ يَرْتَعْ ويَلْعَبْ ﴾ بِإسْنادِ ذَلِكَ كُلِّهِ إلى يُوسُفَ وقَرَأ نافِعٌ: "يَرْتَعِ ويَلْعَبْ" بِالياءِ فِيهِما وكَسْرِ العَيْنِ وجَزْمِ الباءِ، فَـ "يَرْتَعِ" -عَلى هَذا- مِن رَعْيِ الإبِلِ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى: يَتَدَرَّبُ في الرَعْيِ وحِفْظِ المالِ، ومِنَ الِارْتِعاءِ قَوْلُ الأعْشى: تَرْتَعِي السَفْحَ فالكَثِيبَ فَذاقا ∗∗∗ ∗∗∗ رٍ فَرَوْضَ القَطا فَذاتَ الرِئالِ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وقِراءَةُ ابْنُ كَثِيرٍ: -"نَرْتَعِ" بِالنُونِ، و "يَلْعَبْ" بِالياءِ مَنزَعُها حَسَنٌ لِإسْنادِ النَظَرِ في المالِ والرِعايَةِ إلَيْهِمْ، واللَعِبِ إلى يُوسُفَ لِصِباهُ.

وقَرَأ العَلاءُ بْنُ سَيّابَةَ: "يَرْتَعِ ويَلْعَبُ" بِرَفْعِ الباءِ عَلى القَطْعِ.

وقَرَأ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: "نُرْتِعُ" بِضَمِّ النُونِ وكَسْرِ التاءِ، و "نَلْعَبْ" بِالنُونِ والجَزْمِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ -فِي بَعْضِ الرِواياتِ عنهُ-: "نَرْتَعِي" بِإثْباتِ الياءِ، وهي ضَعِيفَةٌ لا تَجُوزُ إلّا في الشِعْرِ كَما قالَ الشاعِرُ: ألَمْ يَأْتِيكَ والأنْباءُ تَنْمِي ∗∗∗ ∗∗∗ بِما لاقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيادِ؟

وقَرَأ أبُو رَجاءَ: "يُرْتَعْ" بِضَمِّ الياءِ وجَزْمِ العَيْنِ، و "يَلْعَبْ" بِالياءِ والجَزْمِ.

وعَلَّلُوا طَلَبَهُ والخُرُوجَ بِهِ بِما يُمْكِنُ أنْ يَسْتَهْوِيَ يُوسُفَ لِصِباهُ مِنَ الرُتُوعِ واللَعِبِ والنَشاطِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِّي لَيَحْزُنُنِي ﴾ الآيَةُ.

قَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وعِيسى، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "لَيَحْزُنُنِي" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الزايِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وقَرَأ نافِعٌ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزايِ والإدْغامِ، ورِوايَةُ ورَشٍّ عن نافِعٍ بَيانُ النُونَيْنِ مَعَ ضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزايِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، و"أنِ" الأُولى فاعِلَةٌ، والثانِيَةُ مَفْعُولَةٌ بِـ "أخافُ".

وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ "الذِيبُ" دُونَ هَمْزٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالهَمْزِ وهو الأصْلُ، ومِنهُ جَمْعُهم إيّاهُ عَلى: "ذُؤْبانٍ"، ومِنهُ: تَذاءَبَتِ الرِيحُ والذِئابُ إذا أتَتْ مِن هاهُنا وهاهُنا.

ورَوى ورْشٌ عن نافِعٍ: "الذِيبُ" بِغَيْرِ هَمْزٍ، وقالَ نَصْرٌ: سَمِعَتْ أبا عَمْرٍو لا يَهْمِزُ، قالَ: وأهْلُ الحِجازِ يَهْمِزُونَ.

وإنَّما خافَ يَعْقُوبُ الذِئْبَ دُونَ سِواهُ وخَصَّصَهُ لِأنَّهُ كانَ الحَيَوانَ العادِيَّ المُنْبَثَّ في القُطْرِ، ورُوِيَ أنْ يَعْقُوبَ كانَ رَأى في مَنامِهِ ذِئْبًا يَشْتَدُّ عَلى يُوسُفَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا عِنْدِي ضَعِيفٌ لِأنَّ يَعْقُوبَ لَوْ رَأى ذَلِكَ لَكانَ وحْيًا، فَإمّا أنْ يَخْرُجَ عَلى وجْهِهِ وذَلِكَ لَمْ يَكُنْ، وإمّا أنْ يَعْرِفَ يَعْقُوبُ بِمَعْرِفَتِهِ لِعِبارَةِ مِثالِ هَذا المَرْئِيِّ، فَكانَ يَتَشَكّاهُ بِعَيْنِهِ، اللهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ وَأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِئْبُ ﴾ بِمَعْنى: أخافُ أنْ يُصِيبَهُ مِثْلَ ما رَأيْتُ مِن أمْرِ الذِئْبِ، وهَذا بِعِيدٌ، وكَذَلِكَ يَقُولُ الرَبِيعُ بْنُ ضَبْعٍ: والذِئْبُ أخْشاهُ ∗∗∗.................

إنَّما خَصَّصَهُ لِأنَّهُ كانَ حَيَوانُ قُطْرِهِ العادِيِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُخَصِّصَهُ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَلامُ لِصِغَرِ يُوسُفَ: أيْ: أخافُ عَلَيْهِ هَذا الحَقِيرَ فَما فَوْقَهُ، وكَذَلِكَ خَصَّصَهُ الرَبِيعُ لِحَقارَتِهِ وضَعْفِهِ في الحَيَوانِ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ ﴾ الآيَةُ.

أسْنَدَ الطَبَرِيُّ إلى السُدِّيِّ قالَ: ذَهَبُوا بِيُوسُفَ وبِهِ عَلَيْهِمْ كَرامَةٌ، فَلَمّا بَرَزُوا في البَرِّيَّةِ أظْهَرُوا لَهُ العَداوَةَ، وجَعَلَ أخُوهُ يَضْرِبُهُ فَيَسْتَغِيثُ بِالآخَرِ فَيَضْرِبُهُ، فَجَعَلَ لا يَرى مِنهم رَحِيمًا، فَضَرَبُوهُ حَتّى كادُوا يَقْتُلُونَهُ، فَجَعَلَ يَصِيحُ ويَقُولُ: يا أبَتاهُ، يا يَعْقُوبُ لَوْ تَعْلَمُ ما صَنَعَ بِابْنِكَ بَنُو الإماءِ، فَقالَ لَهم يَهُوذا: ألَمْ تُعْطُونِي مَوْثِقًا أنْ لا تَقْتُلُوهُ؟

فانْطَلَقُوا بِهِ إلى الجُبِّ، فَجَعَلُوا يُدَلُّونَهُ فَيَتَعَلَّقُ بِالشَفِيرِ، فَرَبَطُوا يَدَيْهِ ونَزَعُوا قَمِيصَهُ، فَقالَ: يا إخْوَتاهُ رُدُّوا عَلَيَّ قَمِيصِي أتَوارى بِهِ في الجُبِّ، فَقالُوا: ادْعُ الشَمْسَ والقَمَرَ والكَواكِبَ تُؤْنِسْكَ، فَدَلُّوهُ حَتّى إذا بَلَغَ نِصْفَ الجُبِّ ألْقَوْهُ إرادَةَ أنْ يَمُوتَ، فَكانَ في الجُبِّ ماءٌ فَسَقَطَ فِيهِ ثُمَّ قامَ عَلى صَخْرَةٍ يُبْكِي، فَنادَوْهُ فَظَنَّ أنَّهم رَحِمُوهُ فَأجابَهُمْ: فَأرادُوا أنْ يَرْضَخُوهُ بِصَخْرَةٍ، فَمَنَعَهم يَهُوذا، وكانَ يَأْتِيهِ بِالطَعامِ.

وجَوابُ "لَمّا" مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ وأجْمَعُوا أجْمَعُوا، هَذا مَذْهَبُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ وهو نَصُّ لَهُما، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: فَلَمّا أجَزْنا ساحَةَ الحَيِّ وانْتَحى .............

ومِثْلُ هَذا قَوْلُ اللهِ تَعالى: ﴿ فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ  ﴾ ، وقالَ بَعْضُ النُحاةِ في مِثْلِ هَذا: إنَّ الواوَ زائِدَةٌ، وقَوْلُهُ مَرْدُودٌ لِأنَّهُ لَيْسَ في القُرْآنِ شَيْءٌ زائِدٌ لِغَيْرِ مَعْنى.

"وَأجْمَعُوا" مَعْناهُ: عَزَمُوا واتَّفَقَ رَأْيُهم عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  في المُسافِرِ: « "ما لَمْ يُجْمِعْ مُكْثا"»، عَلى أنَّ إجْماعَ الواحِدِ قَدْ يَنْفَرِدُ بِمَعْنى العَزْمِ والشُرُوعِ، ويُتَصَوَّرُ ذَلِكَ في إجْماعِ إخْوَةِ يُوسُفَ وفي سائِرِ الجَماعاتِ، وقَدْ يَجِيءُ إجْماعُ الجَماعَةِ فِيما لا عَزْمَ فِيهِ ولا شُرُوعَ، ولا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ في إجْماعِ الواحِدِ.

والضَمِيرُ في "إلَيْهِ" عائِدٌ إلى يُوسُفَ، وقِيلَ: عَلى يَعْقُوبَ، والأوَّلُ أصَحُّ وأكْثَرُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الوَحْيُّ حِينَئِذٍ إلى يُوسُفَ بِرَسُولٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِإلْهامٍ أو بِنَوْمٍ، وكُلُّ ذَلِكَ قَدْ قِيلَ، وقالَ الحَسَنُ: أعْطاهُ اللهُ النُبُوءَةَ وهو في الجُبِّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا بَعِيدٌ.

وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "لَتُنَبِّئَنَّهُمْ" بِالتاءِ، وفي بَعْضِ مَصاحِفَ البَصْرَةِ بِالياءِ، وقَرَأ سَلامٌ بِالنُونِ، وهَذا كُلُّهُ في العَلامَةِ الَّتِي تَلِي اللامَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: "وَقْتَ التَنْبِيهِ أنَّكَ يُوسُفُ "، وقالَ قَتادَةُ: "لا يَشْعُرُونَ بِوَحْيِنا إلَيْهِ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ -عَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ- مِمّا أُوحِيَ إلَيْهِ، وعَلى التَأْوِيلِ الثانِي - خَبَرًا لِمُحَمَّدٍ  .

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

فصل جملة ﴿ قال ﴾ جار على طريقة المحاورة.

أظهر لهم سبب امتناعه من خروج يوسف عليه السّلام معهم إلى الرّيف بأنّه يحزنه لبعده عنه أيّاماً، وبأنّه يخشى عليه الذئاب، إذ كان يوسف عليه السّلام حينئذٍ غلاماً، وكان قد رُبّيَ في دَعَة فلم يكن مَرناً بمقاومة الوحوش، والذئابُ تَجْتَرئ على الذي تحسّ منه ضعفاً في دفاعها.

قال الرّبيع بن ضبع الفزاري يشكو ضعف الشيخوخة: والذّئب أخشاه إن مررت به *** وحدي وأخشى الرياح والمطرا وقال الفرزدق يذكر ذئباً: فقلت له لمّا تكشّر ضاحكاً *** وقائم سيفي من يدي بمكان تعش فإن عاهدتني لا تخونني *** نكن مثل من يا ذئب يصطحبان فذئاب بادية الشّام كانت أشدّ خبثاً من بقية الذئاب، ولعلّها كانت كذئاب بلاد الرُّوس.

والعرب يقولون: إنّ الذئب إذا حورب ودافع عن نفسه حتّى عضّ الإنسان وأسال دمه أنّه يضرى حين يرى الدمّ فيستأسد على الإنسان، قال: فكنت كذئب السّوء حين رأى دماً *** بصاحبه يوماً أحال على الدم وقد يتجمّع سرب من الذئاب فتكون أشدّ خطراً على الواحد من الناس والصغير.

والتعريف في ﴿ الذئب ﴾ تعريف الحقيقة والطبيعة، ويسمّى تعريف الجنس.

وهو هنا مراد به غير معيّن من نوع الذئب أو جماعة منه، وليس الحكم على الجنس بقرينة أن الأكل من أحوال الذّوات لا من أحوال الجنس، لكن المراد أية ذات من هذا الجنس دون تعيين.

ونظيره قوله تعالى: ﴿ كمثل الحمار يحمل أسفاراً ﴾ [سورة الجمعة: 5] أي فرد من الحمير غير معيّن، وقرينة إرادة الفرد دون الجنس إسناد حمل الأسفار إليه لأنّ الجنس لا يحمل.

ومنه قولهم: (ادخل السوق) إذا أردت فرداً من الأسواق غير معين، وقولك: ادخل، قرينة على ما ذكر.

وهذا التّعريف شبيه بالنّكرة في المعنى إلاّ أنّه مراد به فرد من الجنس.

وقريب من هذا التّعريف باللاّم التعريف بعلم الجنس، والفرق بين هذه اللام وبين المنكّر كالفرق بين علم الجنس والنكرة.

فالمعنى: أخاف أن يأكله الذّئب، أي يَقتله فيأكل منه فإنّكم تبعدون عنه، لمَا يعلم من إمعانهم في اللّعب والشّغل باللهو والمسابقة، فتجتري الذئاب على يوسف عليه السّلام.

والذئب: حيوان من الفصيلة الكلبيّة، وهو كلب بَرّي وحشيّ.

من خلقه الاحتيال والنفورُ.

وهو يفترس الغنم.

وإذا قاتل الإنسان فجرحه ورأى عليه الدم ضرى به فربّما مزّقه.

وإنّما ذكر يعقوب عليه السّلام أنّ ذهابهم به غَدا يحدث به حزناً مستقبلاً ليصرفهم عن الإلحاح في طلب الخروج به لأنّ شأن الابن البار أن يتّقي ما يحزن أباه.

وتأكيد الجملة بحرف التّأكيد لقطع إلحاحهم بتحقيق أنّ حزنه لفراقه ثابت، تنزيلاً لهم منزلة من ينكر ذلك، إذْ رأى إلحاحهم.

ويسري التّأكيد إلى جملة وأخاف أن يأكله الذئب}.

فأبوا إلاّ المراجعة قالوا: ﴿ لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنّا إذن لخاسرون ﴾ .

واللاّم في ﴿ لئِن أكله ﴾ موطّئة للقسم، أرادوا تأكيد الجواب باللاّم.

وإنّ ولام الابتداء وإذن الجوابيّة تحقيقاً لحصول خسرانهم على تقدير حصول الشّرط.

والمراد: الكناية عن عدم تفريطهم فيه وعن حفظهم إيّاه لأنّ المرء لا يرضى أن يوصف بالخسران.

والمراد بالخسران: انتفاء النفع المرجوّ من الرّجال، استعاروا له انتفاء نفع التاجر من تجره، وهو خيبة مذمومة، أي إنّا إذن لمسلوبون من صفات الفتوة من قوة ومقدرة ويقظة.

فكونهم عصبة يحول دون تواطيهم على ما يوجب الخسران لِجميعهم.

وتقدم معنى العصبة آنفاً، وفي هذا عبرة مِن مقدار إظهار الصّلاح مع استبطان الضرّ والإهلاك.

وقرأ الجمهور بتحقيق همزة ﴿ الذئب ﴾ على الأصل.

وقرأه ورش عن نافع، والسوسي عن أبي عمرو، والكسائيّ بتخفيف الهمزة ياء.

وفي بعض التفاسير نسب تخفيف الهمزة إلى خلف، وأبي جعفر، وذلك لا يعرف في كتب القراءات.

وفي البيضاوي أنّ أبا عَمرو أظهر الهمزة في التوقّف، وأنّ حمزة أظهرها في الوصل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ إنِّي لَيَحْزُنُنِي أنْ تَذْهَبُوا بِهِ وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وأنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ لِخَوْفِهِ مِنهم عَلَيْهِ، وأنَّهُ أرادَهم بِالذِّئْبِ، وخَوْفُهُ إنَّما كانَ مِن قَتْلِهِمْ لَهُ، فَكَنّى عَنْهم بِالذِّئْبِ مُسايَرَةً لَهم، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ فَسَمّاهم ذِئابًا.

والقَوْلُ الثّانِي: ما خافَهم عَلَيْهِ، ولَوْ خافَهم ما أرْسَلَهُ مَعَهم، وإنَّما خافَ الذِّئْبَ لِأنَّهُ أغْلَبُ ما يَخافُ مِنهُ مِنَ الصَّحارِي.

وَقالَ الكَلْبِيُّ: بَلْ رَأى في مَنامِهِ أنَّ الذِّئْبَ شَدَّ عَلى يُوسُفَ فَلِذَلِكَ خافَهُ عَلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أبو الشيخ وابن مردويه والسلفي في الطيوريات عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تلقنوا الناس فيكذبوا، فإن بني يعقوب لم يعلموا أن الذئب يأكل الناس، فلما لقنهم أبوهم كذبوا فقالوا أكله الذئب» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مجلز رضي الله عنه قال: لا ينبغي لأحد أن يلقن ابنه الشر، فإن بني يعقوب لم يدروا أن الذئب تأكل الناس حتى قال لهم أبوهم إني ﴿ أخاف أن يأكله الذئب ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى ﴿ قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ ﴾ خبر عما يوجبه شدة الإشفاق من الحزن عن الفراق، فقال يحزنني ذهابكم، وأخاف أن يأكله الذئب.

قال الكلبي وغيره من المفسرين (١)  رأى في النوم ذئبًا عدا على يوسف، فكان حذرًا عليه، خائفًا من تناول الذئب له، لرؤياه التي رآها.

وقال آخرون: إنما خاف عليه يعقوب الذئب؛ لأن أرضهم كانت مذأبة، ذكره مقاتل بن سليمان وغيره (٢) ويقرأ الذئب (٣) (٤) (٥) قال (٦) وازْوَرّ يَمْطُو في بلادٍ بَعِيدَةٍ ...

تَعَاوا به ذُئبَانُه وثَعَالِبُه وقوله تعالى: ﴿ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ ﴾ قال ابن عباس (٧) (١) الثعلي 7/ 65 ب، والبغوي 4/ 220، و"زاد المسير" 4/ 188، و"تنوير المقباس" ص 147.

(٢) "تفسير مقاتل" 151 أ، و"زاد المسير" 4/ 188، الرازي 18/ 97.

(٣) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر وحمزة بالهمز، وقرأ الكسائي وحده بغير همز، و"الحجة" 4/ 407، و"السبعة" ص 346، و"البدور الزاهرة" 161، و"التبصرة" ص 545، و"إتحاف" ص 263.

(٤) هذا النص منقول عن أبي علي في كتابه "الحجة" 4/ 408.

بتصرف.

(٥) في (ب): (وذؤبًا).

(٦) البيت لذي الرمة في "ديوانه" ص 48، و"البحر المحيط" 5/ 276، و"الدر المصون" 6/ 452، و"شرح شواهد الإيضاح" ص/ 517، وهو في "التكملة" ص 200 بلا نسبة.

وازور: يعني الطريق فيه عوج، يمطو: يمد.

(٧) "زاد المسير" 4/ 188.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا على يُوسُفَ ﴾ أي: لم تخاف عليه منا، وقرأ السبع تأمنا، بالإدغام والإشمام لأن أصله بضم النون الأولى ﴿ يَرْتَعْ ﴾ من قرأه بكسر العين فهو من الرعي أي من رعي الإبل، أو من رعي بعضهم لبعض، وحراسته، ومن قرأ بالإسكان، فهو من الرتع وهو الإقامة في الخصب والتنعم، والتاء على هذا أصلية، ووزن الفعل يفعل، ووزنه على الأول نفتعل، ومن قرأ: يرتع ويلعب بالياء فالضمير ليوسف، ومن قرأ بالنون فالضمير للمتكلمين وهم إخوته، وإنما قالوا: نلعب، لأنهم لم يكونوا حينئذ أنبياء، وكان اللعب من المباح للتعلم كالمسابقة بالخيل.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يا أبت ﴾ بفتح التاء والوقف بالهاء: يزيد وابن عامر.

وقرأ ابن كثير ويعقوب بكسر التاء والوقف بالهاء.

الباقون بالكسر في الحالين ﴿ أحد عشر ﴾ بسكون العين: يزيد وابن عباس والخزاز ﴿ لي ساجدين ﴾ بفتح الياء: الأعشى والبرجمي ﴿ يا بني ﴾ بفتح الياء أياً كان: حفص والمفضل.

الباقون بكسرها ﴿ رؤياك ﴾ بالإمالة: عليّ غير قتيبة وليث.

وقرأ أبو عمرو بالإمالة اللطيفة، وقرأ يزيد وأبو عمر غير شجاع، وورش من طريق الأصبهاني والأعشى وحمزة في الوقف بغير همزة ﴿ آية للسائلين ﴾ على التوحيد: ابن كثير: الآخرون ﴿ آيات ﴾ على الجمع.

﴿ يخل لكم ﴾ بالإدغام: شجاع من طريق أبي غالب وأبو شعيب ﴿ غيابات ﴾ وما بعده على الجمع: أبو جعفر ونافع.

الباقون ﴿ غيابة ﴾ على التوحيد ﴿ لا تأمنا ﴾ بغير إشمام ضمة النون: يزيد والحلواني عن قالون.

الآخرون بإشمام ﴿ الذئب ﴾ وما بعده بغير همزة: أبو عمرو غير شجاع وأوقية ويزيد والأعشى وورش وخلف وعلي وحمزة في الوقف ﴿ يرتع ويلعب ﴾ بالياء فيهما وبالجزم: عاصم وحمزة وعليّ وخلف.

بكسر العين في الأول: أبو جعفر ونافع.

بالنون فيهما بالجزم: ابن عامر وأبو عمرو.

وبكسر العين: ابن كثير سوى الهاشمي وأبي ربيعة عن قنبل فإنهما ﴿ نرتعي ﴾ بالكسر مع الياء بعده ﴿ نرتع ويلعب ﴾ بالجزم فيهما مع النون في الأول والياء في الثاني: يعقوب عن رويس ﴿ ليحزنني أن ﴾ بفتح الياء أبو جعفر ونافع وابن كثير.

وقرأ نافع ﴿ ليحزنني أن ﴾ بفتح الياء أيضاً ولكن من باب الأفعال ﴿ بل سولت ﴾ وبابه مدغماً: حمزة وعلي وهشام.

﴿ يا بشرى ﴾ بالإمالة غير مضافة: حمزة وعليّ وخلف وحماد والخزاز عن هبيرة.

﴿ يا بشرى ﴾ بغير إمالة وإضافة: عاصم غير حماد والخزاز.

الباقون ﴿ يا بشراي ﴾ بالإضافة إلى ياء المتكلم.

الوقوف: ﴿ آلر ﴾ قف كوفي ﴿ المبين ﴾ ه ط كوفي أيضاً وغيرهم لا يقفون عليها لأنهم يجعلون إنا جواب معنى القسم في ﴿ آلر ﴾ ﴿ القرآن ﴾ ق والوصل أصح لأن الواو للحال ﴿ الغافلين ﴾ ه ﴿ ساجدين ﴾ ه ﴿ كيداً ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ وإسحق ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ للسائلين ﴾ ه ﴿ عصبة ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ج والعربية توجب الوقف وإن قيل إن الابتداء به لا يحسن ﴿ صالحين ﴾ ه ﴿ فاعلين ﴾ ه ﴿ لناصحون ﴾ ه ﴿ لحافظون ﴾ ه ﴿ غافلون ﴾ ه ﴿ لخاسرون ﴾ ه ﴿ في غيابة الجب ﴾ ج لاحتمال أن يكون جواب "لما" محذوفاً والواو في ﴿ وأوحينا ﴾ للاستئناف تقديره فعلوا وأمضوا عليه، وأن تكون الواو مقحمة والجواب ﴿ أوحينا ﴾ ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ يبكون ﴾ ه ط ﴿ فأكله الذئب ﴾ ج لابتداء النفي مع واو العطف ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ كذب ﴾ ط ﴿ أمراً ﴾ ط ﴿ جميل ﴾ ط ﴿ تصفون ﴾ ه ﴿ دلوه ﴾ ط ﴿ غلام ﴾ ط ﴿ بضاعة ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ معدودة ﴾ ج لاحتمال الواو والحال ﴿ الزاهدين ﴾ ه.

التفسير: قال في الكشاف: ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى ﴿ آيات ﴾ السورة و ﴿ الكتاب المبين ﴾ السورة أي تلك الآيات التي أنزلت إليك في هذه السورة آيات السورة الظاهر أمرها في إعجاز العرب وتبكيتهم، أو التي بين لمن تدبرها أنها من عند الله لا من عند البشر، أو الواضحة التي لا يشتبه على العرب معانيها لنزولها بلسانهم، أو قد أبين فيها ما سألت اليهود عنه من قصة يوسف، فقد روي أن علماء اليهود قالوا لكبراء المشركين: سلوا محمداً لم انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر وعن قصة يوسف.

أقول: مدار هذه التفاسير على أن أبان لازم ومتعد يقال: أبان الشيء وأبان هو بنفسه ﴿ إنا أنزلناه ﴾ أي هذا الكتاب الذي فيه قصة يوسف يعني هذه السورة في حال كونه ﴿ قرآناً عربياً ﴾ والقرآن اسم جنس يقع على كله وعلى بعضه.

وقوله: ﴿ قرآناً عربياً ﴾ يسمى حالاً موطئة لأن المراد وصفه بالعربية.

احتج الجبائي بإنزال القرآن وبكونه عربياً وآيات على أن أنه محدث لأن هذه من أوصاف المحدثات.

وأجيب بأنه لا نزاع في حدوث الألفاظ وإنما النزاع في الكلام النفس ومعنى ﴿ لعلكم تعقلون ﴾ إرادة أن تفهموه وتحيطوا بمعانيه ولا يلتبس عليكم لأنه بلغتكم.

قال الجبائي: فيه دليل على أنه أراد من المكلفين كلهم أن يعقلوا توحيده وأمر دينه.

وأجيب بأن الآية لا تدل إلا على أنه أنزل هذه السورة وأراد منهم معرفة كيفية هذه القصة، ولا دلالة فيه على أنه أراد من الكل الإيمان العمل الصالح.

قال أهل اللغة: القصص اشتقاقه من قص أثره إذا اتبعه لأن الذي يقص الحديث يتبع ما حفظ منه شيئاً فشيئاً، ومثله التلاوة لأنه يتلو أي يتبع ما حفظ منه آية بعد آية، ثم إن كان القصص مصدراً بمعنى الاقتصاص فيكون ﴿ أحسن ﴾ مثله لإضافته إلى المصدر، ويكون المفعول أي المقصوص محذوفاً وهو الوحي لدلالة ﴿ أوحينا ﴾ عليه، أو يكون هذا القرآن مفعوله ومفعول ﴿ أوحينا ﴾ محذوفاً كأنه قيل: نحن نقص عليك أحسن الاقتصاص هذا القرآن بإيحائنا إياه إليك.

وعلى هذا فالحسن يرجع إلى المنطق لا إلى القصة.

وحسن المنطق كونه على أبدع طريق وأعجب أسلوب لأن هذه الحكاية مقتصة في كتب الأولين وفي كتب التواريخ ولم يبلغ شيء منه إلى حد الإعجاز، وإن أريد بالقصص المقصوص كما يراد بالنبأ والخبر المنبأ والمخبر، فالحسن يرجع إلى القصة ولا سيما فيما يرجع إلى صلاح حال المكلف في الدارين، ووجه حسنها اشتمالها على الغرائب والعجائب والنكت والعبر وأن الصبر مفتاح الفرج، وأن ما قضى الله كائن لا محالة لا يردّه كيد كائد ولا حسد حاسد.

ويروى أن أصحاب رسول الله  ملوا فقالوا: يا رسول الله لو حدثتنا.

فأنزل الله عز وجل ﴿ الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً  ﴾ ثم إنهم ملوا فقالوا: يا رسول الله لو قصصت علينا فأنزل الله ﴿ نحن نقص عليك أحسن القصص ﴾ كل ذلك يؤمرون بالقرآن ﴿ وإن كنت ﴾ هي المخففة من الثقيلة بدليل اللام الفارقة.

والمعنى وإن الشأن كنت أنت من قبل إيحائنا إليك ﴿ لمن الغافلين ﴾ عن هذ القصة أو عن الدين والشريعة ﴿ إذ قال ﴾ بدل اشتمال من أحسن القصص لأن الوقت مشتمل على القصص فإذاً قص وقته فقد قص المقصوص أو منصوب بإضمار "اذكر".

و ﴿ يوسف ﴾ ليس عربياً على الأصح إذ لا سبب فيه بعد التعريف إلا العجمة فهو اسم عبراني، ومن ظن أنه من آسف يؤسف بناء على أنه قرىء بكسر السين وبفتحها فيوجد فيه وزن الفعل أيضاً فقد أخطأ، لأن القراءة المشهورة تأباه ولن يكون الاسم عربياً تارة وأعجمياً أخرى.

وهذا الخلاف روي في "يونس" أيضاً.

عن النبي  "الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم" قال النحويون: التاء في ﴿ يا أبت ﴾ عوض من ياء الإضافة وهي للتأنيث لأنها قد تقلب هاء في الوقف.

ويجوز إلحاق التاء بالمذكر نحو "حمامة" ذكر والكسرة فيه لمناسبة الياء التي هي بدل منها.

والفتحة إما فتحة الياء فيمن يفتحها أو الفتحة الباقية بعد حذف الألف من ياء يا أبتا ﴿ إني رأيت ﴾ هو من الرؤيا التي تختص بالمنام لا من الرؤية التي تشمل اليقظة بدليل قول يعقوب له ﴿ ولا تقصص رؤياك ﴾ ولأن ذلك لو كان في اليقظة لكانت آية عظيمة ولم تخف على أحد.

من قرأ ﴿ أحد عشر ﴾ بسكون العين فلكراهة توالي المتحركات فيما هو في حكم كلمة، وكذا الى تسعة عشر إلا اثني عشر لئلا يلتقي ساكنان.

قال في الكشاف: روى جابر أن يهودياً جاء إلى النبي  فقال: يا محمد أخبرني عن النجوم التي رآهن يوسف.

فسكت رسول الله  فنزل جبريل فأخبره بذلك فقال النبي  لليهودي:إن أخبرتك هل تسلم؟

قال: نعم.

قال: جربان والطارق والذيال وقابس وعمودان والفليق والمصبح والضروح والفرغ ووثاب وذو الكتفين.

رآها يوسف والشمس والقمر نزلن من السماء وسجدن له.

فقال اليهودي: إي والله إنها لأسماؤها.

وأقول: إن أكثر هذه الأسماء ليست مما اشتهر عند أهل الهيئة، فإن صح الخبر فهي من العلوم التي تفرد بها الأنبياء.

وإفراد الشمس والقمر من الكواكب بعد ذكرها دليل على شرفهما كقوله ﴿ وملائكته وجبريل وميكائيل  ﴾ وإنما كرر الفعل لطول الكلام أو على تقدير سؤال كأنه قيل له: كيف رأيتها؟

فقال: رأيتهم لي ساجدين.

والظاهر أن هذه السجدة كانت بمعنى وضع الجبهة إذ لا مانع من حملها على الحقيقة لكنها كانت على وجه التواضع.

وإنما أجريت الكواكب مجرى العقلاء في عود الضمير إليها لأن السجود من شأن العقلاء كقوله للأصنام: ﴿ وتراهم ينظرون إليك  ﴾ وعند الفلاسفة هم أحياء ناطقة فلا حاجة إلى العذر.

عبر أبوه رؤياه بأن إخوته سيسجدون له وهم أحد عشر، وكذا أبواه وهما الشمس والقمر.

وقيل: هما أبوه وخالته لأن أمه لم تدخل مصر وتوفيت قبل ذلك.

وعن وهب أن يوسف رأى - وهو ابن سبع سنين - أن إحدى عشرة عصاً طوالاً كانت مركوزة في الأرض كهيئة الدارة التي حول القمر وهي الهالة، وإذا عصا صغيرة وثبت عليها حتى اقتلعها وغلبتها فوصف ذلك لأبيه فقال: إياك أن تذكر هذا لإخوتك.

ثم رأى - وهو ابن اثنتي عشرة سنة - الشمس والقمر والكواكب تسجد له فقصها على أبيه فقال له: لا تقصها عليهم فيبغوا لك الغوائل.

وقيل: كان بين رؤيا يوسف ومسير إخوته إليه أربعون سنة.

وقيل ثمانون.

قال علماء التعبير: إن الرؤيا الردية يظهر أثرها عن قريب كيلا يبقى المؤمن في الغم والحزن، والرؤيا الجيدة يبطىء أثرها لتكون بهجة المؤمن أدوم.

قوله ﴿ فيكيدوا ﴾ منصوب بإضمار "أن" جواباً للنهي.

واللام في ﴿ لك ﴾ لتأكيد الصلة مثل "نصحتك" و "نصحت لك".

وقال في الكشاف: ضمن الكيد معنى الاحتيال ليفيد معى الفعلين فيكون أبلغ في التخويف.

وقيل: متعلق بالمصدر الذي بعده.

ثم إنه وصل بهذه النصيحة شيئاً من تعبير رؤياه فقال: ﴿ وكذلك ﴾ أي ومثل اجتبائك لهذه الرؤيا الشريفة ﴿ يجتبيك ربك ﴾ لأمور عظام.

والاجتباء افتعال من جبيت الشيء إذا حصلته لنفسك، وجبيت الماء في الحوض جمعته، وخصص الحسن الاجتباء بالنبوة.

قال في الكشاف ﴿ ويعلمك ﴾ كلام مبتدأ غير داخل في حكم التشبيه كأنه قيل: وهو يعلمك ويتم نعمته عليك.

أقول: ولعل إدخاله في حكم التشبيه ليس بضائر.

وفي ﴿ تأويل الأحاديث ﴾ وجوه منها: أنه تأويل أحاديث الناس فيما يرونه في منامهم، سمى التعبير تأويلاً لأنه يؤول أمره إلى ما رآه في المنام أو يؤول أمر ما رآه في المنام إلى ذلك.

والأحاديث اسم جمع للحديث وليس بجمع أحدوثة لأنها التي يتحدث بها الناس.

ومنها أنه تبيين معاني كتب الله وسنن الأنبياء لأن المفسر والمحدّث يحدّثان عن الله ورسوله فيقولان: قال الله كذا وقال الرسول كذا.

ومنها أن الحديث بمعنى الحادث والمراد كيفية الاستدلال بالحادث على القديم  .

وأما إتمام النعمة فيمن فسر الاجتباء بالنبوة فسر الإتمام بالسعادات الدنيوية والأخروية من المال والجاه والعلوم والأخلاق الفاضلة، ومن فسر ذلك بالدرجات العالية فسر هذا بالنبوة لأن التمام المطلق في حق البشر ليس إلا بالنبوة، ولأن إتمام النعمة عليه مشبه بإتمامها على إبراهيم وإسحق، ومن المعلوم أن الامتياز بينهما وبين أقرانهما لم يكن إلا بالنبوة وقد يفسر إتمام النعمة على إبراهيم بالخلة والإنجاء من النار ومن ذبح الولد، وعلى إسحق بإنجائه من الذبح وفدائه بذبح عظيم وبإخراج يعقوب والأسباط من صلبه، ويكون وجه التشبيه إنجاءه من السجن والمحن كإنجائهما من النار والذبح.

والمراد بآل يعقوب نسله قيل: علم يعقوب أن يوسف وإخوته أنبياء استدلالاً بضوء الكواكب.

واعترض بما فرط منهم في حق يوسف.

وأجيب بأن ذلك قبل النبوة.

وقيل: إتمام النعمة وصل نعمة الدنيا بنعم الآخرة وذلك أنه جعلهم ملوكاً وأنبياء و ﴿ إبراهيم وإسحاق ﴾ عطف بيان لأبويك لأن أبا الجد في حكم الأب ﴿ إن ربك عليم ﴾ بمن يستحق الاجتباء ﴿ حكيم ﴾ لا يضع الشي إلا في موضعه فلا يجعل الرسالة إلا في نفس قدسية وجوهر مشرق.

قيل: حكم يعقوب بوقوع هذه الأمور دليل على جزمه بها فكيف خاف بعدها على يوسف حتى قال: ﴿ وأخاف أن يأكله الذئب ﴾ ؟

والجواب لعل جزمه بذلك كان مشروطاً بعدم كيد إخوته، ولعل قوله: ﴿ أخاف أن يأكله الذئب ﴾ كيلا يتهاونوا في حفظه فإن للوسائط والأسباب مدخلاً عظيماً في وجود الأشياء وحصولها ﴿ لقد كان في يوسف وإخوته ﴾ أي في قصتهم وحديثهم ﴿ آيات للسائلين ﴾ لمن سأل عن تلك القصة وعرفها، أو آيات على نبوة محمد  للذين سألوه من اليهود عنها فأخبرهم بها من غير سماع العلم.

وفيه أنه  يجب أن يصبر على بغي قومه إلى أن يظهر أمره كما فعل يوسف.

يروى أن أسامي إخوته: يهوذا وروبيل وشمعون ولاوي وربالون ويشجر ودينة - وهؤلاء من ليا بنت خالة يعقوب - ودان ونفتالي وجاد وآشر - وهم من سريتين زلفة وبلهة - فلما توفيت ليا تزوج أختها راحيل فولدت له بنيامين ويوسف.

﴿ إذ قالوا ﴾ ظرف لكان أو منصوب بإضمار "اذكر" ﴿ ليوسف ﴾ في لام الابتداء تحقيق لمضمون الجملة.

﴿ وأخوه ﴾ أي لأبيه وأمه عنوا بنيامين ﴿ أحب ﴾ إذا كان أفعل التفضيل مستعملاً بمن لم يتصرف فيه ﴿ ونحن عصبة ﴾ الواو للحال والعصبة العشرة فصاعداً لأن الأمور تعصب بكفايتهم أي إنه يفضلهما في المحبة علينا وهما ابنان صغيران.

لا كفاية فيهما ولا منفعة ونحن جماعة نكفي مهماته ونقوم بمصالحه ﴿ إن إبانا لفي ضلال مبين ﴾ أرادوا ضلالاً خاصاً وهو البعد عن طريق الصلاح وحسن المعاشرة مع الأولاد، ولم يعلموا أن المحبة أمر يتعلق بالقلب وليس لله فيه تكليف، ولعل يعقوب تفرس في يوسف ما أوجب اختصاصه بمزيد البر.

ومن جملة أقوالهم أنهم قالوا لما تشاوروا في أمره ﴿ اقتلوا يوسف ﴾ قيل: الآمر بالقتل شمعون أو دان ورضي به الباقون فجعلوا جميعاً آمرين.

والظاهر أنه قال بعضه بذلك بدليل أنه لم يقع القتل ولقولهم ﴿ أو اطرحوه ﴾ فكان بعضهم أشار إلى القتل وبعضهم إلى الطرح ومهما صدر أمر من بعض القوم صح إسناده إليه كقوله ﴿ وإذ قتلتم نفسا  ﴾ وانتصب ﴿ أرضاً ﴾ على الظرف كالظروف المبهمة أي أرضاً مجهولة بعيدة عن العمارة ﴿ يخل لكم وجه أبيكم ﴾ تخلص محبته لكم سليمة عن التنازل فيها وكان ذرك الوجه تصويراً لإقباله عليهم بالكلية، ويجوز أن يراد بالوجه ذاته أو المراد يفرغ لكم من الشغل بيوسف ﴿ وتكونوا ﴾ مجزوم لأنه معطوف على جواب الأمر ﴿ من بعده ﴾ من بعد قتله أو إطراحه أو من بعد يوسف إذا قتل أو غرب ﴿ قوماً صالحين ﴾ تائبين إلى الله أو إلى أبيه لعذر تمهدونه مما جنيتم عليه، أو المراد صلاح دنياهم وانتظام أمورهم وتفرغهم لمهماتهم بعد يوسف بفراغ البال ﴿ قال قائل منهم ﴾ هو يهوذا وكان أحسنهم فيه رأياً وأدباً وهو الذي قال: ﴿ فلن أبرح الأرض  ﴾ ﴿ لا تقتلوا يوسف ﴾ لأن القتل عظيم ولا سيما قتل الأخ وخاصة إذا كان القاتل والمقتول من أولاد الأنبياء ﴿ وألقوه في غيابت الجب ﴾ سمى البئر جباً لأنها قطعت قطعاً ولم يحصل فيها شيء سوى القطع للأرض، والغيابة غور البئر وما غاب منها عن عين الناظر وأظلم من أسفلها.

ومن قرأ على الجمع فلأن للجب أقطاراً ونواحي ﴿ يلتقطه بعض السيارة ﴾ أي الرفقة السائرة قال ابن عباس: أي المارة، والالتقاط تناول الشيء من الطريق ونحوه يستعمل في الإنسان وغيره ومنه اللقيط للمنبوذ ﴿ إن كنتم فاعلين ﴾ إن لم يكن من فعل هذا الأمر بد فهذا هو الرأي.

ثم إن يعقوب كان خائفاً على يوسف من كيدهم وكان يظهر أمارات ذلك على صحائف أعماله وأقواله فلذلك قالوا: ﴿ ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون ﴾ ما وجد منا في بابه سوى النصح والإشفاق على الإطلاق ﴿ أرسله معنا غداً يرتع ويلعب ﴾ من قرأ بالجزم فمن الرتعة كالأمنة وهي الخصب والسعة، ومن قرأ بالكسر فعلى حذف الياء من يرتعي مستعاراً من ارتعاء الإبل والماشية.

واللعب ترك ما ينفع إلى ما لا ينفع.

فمن قرأ بالياء فلا إشكال لأن الصبي لا تكليف عليه، ومن قرأ بالنون قال كان لعبهم الاستباق والانتضال بدليل قوله ﴿ إنا ذهبنا نستبق ﴾ سمي لعباً لأنه في صورته، أو اللعب قد يطلق على استعمال المباحات لأجل انشراح الصدر قال  لجابر: " فهلا تزوجت بكراً تلاعبها وتلاعبك." ﴿ قال إني ليحزنني ﴾ لام الابتداء للتأكيد أو لتخصيص المضارع بالحال ﴿ وأخاف أن يأكله الذئب ﴾ أصله الهمز ولهذا قال بعضهم: إنه مشتق من تذأبت الريح إذا أتت من كل جهة.

قيل: كان أرضهم مذأبة فلذلك قال: ﴿ أخاف ﴾ .

وقيل: رأى في النوم أن الذئب قد شد على يوسف وكان يحذره فلقنهم العذر كما جاء في أمثالهم البلاء موكل بالمنطق.

قوله: ﴿ إنا إذاً ﴾ جواب للقسم ساد مسد جواب الشرط، حلفوا له أن كان ما خافه وحالهم أنهم رجال كفاة وحماة فهم إذ ذاك خاسرون عاجزون أو مستحقون للدعاء عليهم بالخسار، أو المراد إن لم نقدر على حفظ بعضنا فقد هلكت مواشينا وخسرناها.

كان يعقوب قد اعتذر إليهم بأمرين: أحدهما أن ذهابهم به مما يحزنه لأنه كان لا يصبر عنه ساعة، والثاني خوفه عليه من الذئب فلم يجيبوا عن الأول لأنه هو الذي كان يغيظهم فلم يعبئوا بذلك الكلام فخصوا الجواب بالثاني، وههنا إضمار والتقدير فأذن لهم وأرسله معهم ﴿ فلما ذهبوا به وأجمعوا ﴾ عزموا على ﴿ أن يجعلوه في غيابت الجب ﴾ قيل: هو بئر ببيت المقدس.

وقيل: بأرض الأردن.

وقيل: بين مصر ومدين: وقيل: على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوبٍ.

ثم إن كان جواب "لما" محذوفاً ففي الآية إضمار آخر كما تقدم في الوقوف.

قال السدي: إن يوسف  لما برز مع إخوته أظهروا له العداوة وأخذوا يهينونه ويضربونه وكلما استغاث بواحد منهم لم يغثه إلا بالإهانة حتى كادوا يقتلونه، فجعل يصيح يا أبتاه لو تعلم ما يصنع بابنك أولاد الإماء.

فقال يهوذا أما أعطيتموني موثقاً أن لا تقتلوه، فلما أرادوا إلقاءه في الجب تعلق بثيابهم فنزعوها من يده فتعلق بحائط البئر فربطوا يديه ونزعوا قميصه ليلطخواه بالدم ويحتالوا به على أبيهم.

فقال: يا إخوتاه ردّوا عليّ قميصي أتوارى به فقالوا له: ادع الشمس والقمر والأحد عشر كوكباً حتى ينقذوك ودلوه في البئر، فلما بلغ نصفها ألقوه ليموت وكان في البئر ماء فسقط فيه ثم أوى إلى صخرة فقام عليها وهو يبكي فنادوه فظن أنها رحمة أدركتهم فأجابهم فأرادوا أن يرضخوه ليقتلوه فمنعهم يهوذا وكان يهوذا يأتيه بالطعام.

وروي أنه  لما ألقي في الجب قال: يا شاهداً غير غائب، ويا قريباً غير بعيد، ويا غالباً غير مغلوب، اجعل لي من أمري فرجاً ومخرجاً.

وحكي أن إبراهيم  حين ألقي في النار جرد عن ثيابه فأتاه جبرائيل بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه فدفعه إبراهيم إلى إسحاق وإسحق إلى يعقوب فجعله يعقوب في تميمة علقها في عنق يوسف فجاء جبرائيل فأخرجه وألبسه إياه ﴿ وأوحينا إليه ﴾ في صغر السن كما أوحي إلى يحيى وعيسى.

وقيل: كان إذ ذاك بالغاً وعن الحسن كان له سبع عشر سنة ﴿ لتنبئنهم ﴾ لتحدثن إخوتك بما فعلوا بك ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ أنك يوسف لعلو شأنك وبعد حالك عن أوهامهم ولطول العهد المنسي المغير للهئيات والأشكال..

يروى أنهم حين دخلوا عليه ممتارين فعرفهم وهم له منكرون دعا بالصواع فوضعه على يده ثم نقره فطن فقال: إنه ليخبرني هذا الجام أنه كان لكم أخ من أبيكم ويقال له يوسف وكان يدنيه دونكم وإنكم انطلقتم به وألقيتموه في غيابة الجب وقلتم لأبيه أكله الذئب وبعتموه بثمن بخس.

ويجوز أن يراد وهم لا يشعرون أنا آنسناه بالوحي وأزلنا الوحشة عن قلبه فتتعلق الجملة بقوله ﴿ وأوحينا ﴾ روي أن امرأة حاكمت إلى شريح فبكت فقال له الشعبي: يا أبا أمية أما تراها تبكي؟

قال: قد جاء إخوة يوسف يبكون وهم ظلمة وما ينبغي لأحد أن يقضي إلا بما أمر أن يقضي به من السنة المرضية.

عن مقاتل: إنما جاءوا عشاء لئلا تظهر أمارة الخجل والكذب على وجوههم.

ولما سمع صوتهم يعقوب فزع وقال: ما لكم يا بني هل أصابكم في غنمكم شيء؟

قالوا لا.

قال: فما لكم وأين يوسف ﴿ قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق ﴾ أي نتسابق في العدو أو في الرمي وقيل ننتضل ﴿ وما أنت بمؤمن لنا ﴾ أي بمصدق لشدة محبتك ليوسف، وفيه دليل لمن يزعم أن الإيمان هو التصديق ﴿ ولو كنا صادقين ﴾ ولو كنا عندك من أهل الصدق والثقة فكيف وأنت سيء الظن بنا غير واثق بقولنا ﴿ وجاؤوا على قميصه ﴾ نصب على الظرف أي فوق قميصه لا على الحال المتقدمة لأن حال المجرور لا تتقدم عليه ﴿ بدم كذب ﴾ ذي كذب أو دم هو الكذب بعينة مبالغة.

يروى أنهم ذبحوا سخلة ولطخوه بدمها، ويروى أن يعقوب لما سمع بخبر يوسف صاح بأعلى صوته وقال: أين القميص؟

فأخذه وألقاه على وجهه وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص.

وقال: تالله ما رأيت كاليوم ذئباً أحلم من هذا أكل ابني ولم يمزق عليه قميصه.

وقيل: كان في قميص يوسف ثلاث آيات آية ليعقوب على كذبهم، وآية حين ألقاه البشير على وجهه فارتد بصيراً، وآية على براءة يوسف حين قدّ من دبر.

ولما تبين يعقوب بالآيات المذكورة أو بالوحي أنهم كاذبون قال على سبيل الإضراب.

﴿ بل سوّلت ﴾ قال ابن عباس بل زينت ﴿ لكم أنفسهم أمراً ﴾ في شأنه وهو تفعيل من السول الأمنية.

قال الأزهري: وأصله مهموز غير أن العرب استثقلوا فيه الهمزة.

وقال في الكشاف: سوّلت سهلت من السول بفتحتين وهو الاسترخاء والتنكير دليل التعظيم ﴿ فصبر جميل ﴾ لا بد من تقدير مبتدأ أو خبر أي فأمري صبر جميل أو فصبر جميل أمثل.

وفي الحديث أنه الذي لا شكوى فيه أي إلى الخلق لقوله: ﴿ إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله  ﴾ وقيل: أي لا أعايشكم على كآبة الوجه بل أكون لكم كما كنت.

يحكى أنه سقط حاجبا يعقوب على عينيه فكان يرفعهما بعصابة فقيل له: ما هذا؟

فقال: طول الزمان وكثرة الأحزان.

فأوحى الله  إليه يا يعقوب أتشكوني؟

قال: يا رب خطيئة فاغفرها لي.

ثم بين أن الصبر على ما وصفوه من هلاك يوسف لا يمكن إلا بمعونة الله  فقال: ﴿ والله المستعان على ما تصفون ﴾ فالقرينتان كقوله: ﴿ إياك نعبد وإياك نستعين ﴾ {الفاتحة: 5] ويعلم من الآية أن الصبر إن كان لأجل الرضا بقضاء الله  أو لاستغراقه في شهود نور الحق بحيث يمنعه من الاشتغال بالشكاية عن البلاء فذلك صبر جميل وإلا فلا.

واعترض بأن هذا الصبر كان فيه إعانة الظالمين وإهمال لتخليص المظلوم من المحن والشدائد والترقية فكيف جاز صبر يعقوب حتى لم يبالغ في التفتيش والتنقير، ولو بالغ لظهر عليه الأمر لشهرته وعظم قدره؟

وأجيب بأن الله  لعله منعه عن الطلب تشديداً للمحنة عليه، أو لعله إن بالغ في البحث أقدموا على قتله، أو علم أن الله  يصون يوسف وسيعظم أمره بالآخرة فلم يرد هتك ستر أولاده وإلقاءهم في ألسنة الناس كقول القائل: فإذا رميت يصيبني سهمي *** فكان الأصوب الصبر والسكوت وتفويض الأمر بالكلية إلى الله  .

ثم شرع في حكاية خلاص يوسف فقال: ﴿ وجاءت سيارة ﴾ عن ابن عباس: قوم يسيرون من مدين إلى مصر وذلك بعد ثلاثة أيام من إلقاء يوسف في الجب فأخطئوا الطريق فنزلوا قريباً منه، وكان الجب في قفرة بعيدة عن العمران لم يكن إلا للرعاة.

وقيل: كان ماؤه ملحاً فعذب حين ألقي فيه يوسف.

﴿ فأرسلوا واردهم ﴾ رجلاً يقال له مالك بن ذعر الخزاعي ليطلب لهم الماء.

ومعنى الوارد الذي يرد الماء ليستقي للقوم ﴿ فأدلى دلوه ﴾ أرسلها في البئر.

قال الواحدي: فإذا نزعها وأخرجها قيل دلا يدلو.

﴿ قال يا بشرى ﴾ التقدير فظهر يوسف فقال الوارد: يا بشرى كأنه ينادي البشرى ويقول تعالي فهذا أوانك.

ومتى قال الوارد هذا الكلام؟

قال جمع من المفسرين: حين رأى يوسف متعلقاً بالحبل.

وقال آخرون: لما دنا من أصحابه صاح بذلك يبشرهم به.

قال السدي: كان للوارد صاحب يقال له بشرى فنادى يا بشرى كما يقال يا زيد.

والأكثرون على أنها بمعنى البشارة.

فقال أبو علي: يحتمل أن يكون منادى مضموماً مثل يا رجل وأن يكون منصوباً مثل يا رجلاً كأنه جعل ذلك النداء شائعاً في جنس البشرى.

ومن قرأ بالإضافة فنصبه ظاهر.

والضمير في ﴿ وأسروه ﴾ إما عائد إلى الوارد وأصحابه أي أخفوه من الرفقة لئلا يدعوا المشاركة في الالتقاط، أو في الشراء إن قالوا اشتريناه.

وطريق الإخفاء أنهم كتموه من الرفقة أو قالوا إن أهل الماء جعلوه بضاعة عندنا على أن نبيعه لهم بمصر، وإما عائد الى إخوة يوسف بناء على ما روي عن ابن عباس أنهم قالوا للرفقة: هذا غلام لنا قد آبق فاشتروه منا، وسكت يوسف مخافة أن يقتلوه، ولعل الوجه الأول أولى بدليل قوله ﴿ بضاعة ﴾ وهي نصب على الحال أي أخفوه متاعاً للتجارة.

وأصل البضع القطع والبضاعة قطعة من المال للتجارة والله  أعلم.

﴿ والله عليم بما يعملون ﴾ فيه وعيد إما للوارد وأصحابه حيث استبضعوا ما ليس لهم أو لإخوة يوسف وذلك ظاهر، وفيه أن كيد الأعداء لا يدفع شيئاً مما علم الله من حال المرء.

والضمير في قوله: ﴿ وشروه ﴾ إما أن يعود إلى الوارد وأصحابه أي باعوه ﴿ بثمن ﴾ قليل لأن الملتقط للشيء متهاون به ﴿ وكانوا فيه من الزاهدين ﴾ ممن يرغب عما في يده.

قال أهل اللغة: زهد فيه معناه رغب عنه وزهد عنه معناه رغب فيه، وإما أن يعود إلى الإخوة والمعنى باعوه، أو إلى الرفقة والمعنى اشتروه، وهكذا الضمير في ﴿ وكانوا ﴾ إن عاد إلى الإخوة فقلة رغبتهم في يوسف ظاهرة وإلا لم يفعلوا به ما فعلوا، وإن عاد إلى الرفقة فذلك أنهم اعتقدوا أنه أبق فخافوا إعطاء الثمن الكثير.

عن ابن عباس أن إخوته عادوا إلى الجب بعد ثلاثة أيام يتعرفون خبره، فلما لم يروه في الجب ورأوا آثار السيارة طلبوهم فلما رأوا يوسف قالوا: هذا عبد أبق منا فقالوا لهم: فبيعوه منا فباعوه منهم، ولعلهم عرفوا أنه ولد يعقوب فكرهوا اشتراءه خوفاً من الله ومن ظهور تلك الواقعة إلا إنهم مع ذلك اشتروه بالآخرة بثمن بخس أي مبخوس ناقص عن القيمة أو ناقص العيار.

وقال ابن عباس: البخس هنا الحرام لأن ثمن الحر حرام دراهم لا دنانير معدودة قليلة تعد عدّاً.

ولا توزن لأنهم كانوا لا يزنون إلا ما بلغ الأوقية وهي الأربعون.

عن ابن عباس كانت عشرين درهماً.

وعن السدي اثنين وعشرين أخذ كل واحد من الإخوة درهمين إلا يهوذا فإنه لم يأخذ شيئاً.

ويروى أن إخوته اتبعوهم يقولون استوثقوا منه لا يأبق.

والظاهر أن الضمير في ﴿ فيه ﴾ عائد إلى يوسف.

ويحتمل أن يعود إلى الثمن البخس أي أخذوا في ثمنه ما ليس يرغب فيه.

قال النحويون: قوله: ﴿ فيه ﴾ ليس من متعلقات الزاهدين لأن الألف واللام فيه موصول وزاهدين صلة، وكما لا تتقدم نفس الصلة فكذا ما هو متعلق به فلا يقال مثلاً: وكانوا زيداً من الضاربين فهو بيان كأنه قيل في أي شيء زهدوا؟

فقيل: زهدوا فيه والله  أعلم.

التأويل: ﴿ تلك آيات الكتاب ﴾ دلالات كتاب المحبوب إلى المحب للهداية إلى طريق الوصال ولهذا كانت أحسن القصص لأنها أتم قصص القرآن مناسبة ومشابهة بأحوال الإنسان ﴿ إذ قال يوسف ﴾ القلب ﴿ لأبيه ﴾ يعقوب الروح ﴿ إني رأيت أحد عشر كوكباً ﴾ هن الحواس الخمس الظاهرة والخمس الباطنة أي المذكرة والحافظة والمتخيلة والمتوهمة والحسن المشترك مع المفكرة، وبكل من هذه إضاءة أي أدراك للمعنى المناسب له وهم إخوة يوسف القلب لأنهم تولدو بازدواج يعقوب الروح وزوج النفس والشمس والقمر الروح والنفس ﴿ رأيتهم لي ساجدين ﴾ وهذا مقام كمالية الإنسان أن يصير القلب سلطاناً يسجد له الروح والنفس والحواس والقوى ﴿ وكذلك يجتبيك ربك ﴾ على سائر المخلوقات وهذا كمال حسن يوسف ﴿ ويعلمك من تأويل الأحاديث ﴾ العلم اللدني المختص بالقلب ﴿ ويتم نعمته عليك ﴾ بأن يتجلى لك ويستوي لك إذ القلب عرش حقيقي للرب ﴿ وعلى آل يعقوب ﴾ أي متولدات الروح من القوى والحواس ﴿ كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم ﴾ السر ﴿ وإسحاق ﴾ الخفي وبهما يستحق القلب لقبول فيض التجلي، وهناك لله ألطاف خفية لا يتبع الإنسان فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل.

﴿ آيات للسائلين ﴾ عن طريق الوصول إلى الله ﴿ ليوسف ﴾ القلب ﴿ وأخوه ﴾ بنيامين الحس المشترك فإن له اختصاصاً بالقلب ﴿ أحب إلى أبينا منا ﴾ لأن القلب عرض الروح ومحل استوائه عليه، والحس المشترك بمثابة الكرسي للعرش.

﴿ اقتلوا يوسف ﴾ القلب بسكين الهوى وبسم الميل إلى الدنيا ﴿ أو اطرحوه ﴾ في أرض البشرية ﴿ يخل لكم وجه أبيكم ﴾ يقبل الروح بوجهه إلى الحواس والقوى لتحصيل شهواتها ﴿ وتكونوا ﴾ بعد موت القلب ﴿ قوماً صالحين ﴾ للنعم الحيواني والنفساني.

﴿ قال قائل منهم ﴾ هو يهوذا القوة المفكرة ﴿ لا تقتلوا يوسف ﴾ القلب ﴿ وألقوه في غيابت الجب ﴾ القالب وسفل البشرية ﴿ يلتقطه بعض ﴾ سيارة الجواذب النفسانية.

﴿ يرتع ﴾ في المراتع البهيمية ﴿ ويلعب ﴾ في ملاعب الدنيا ﴿ وإنا له لحافظون ﴾ من فتنة الدنيا وآفاتها ﴿ لئن أكله الذئب ﴾ الشيطان ﴿ إنا إذا لخاسرون ﴾ لأن خسران جميع أجزاء الإنسان في هلاك القلب وربحها في سلامة القلب ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ فيه إشارة إلى أن من خصوصية تعلق الروح بالقالب أن يتولد منهما القلب العلوي والنفس السفلية والحواس والقوى فيحصل التجاذب.

فإن كانت الغلبة للروح سعد، وإن كانت للنفس شقي ﴿ وجاؤوا أباهم عشاء ﴾ أي في النصف الآخر من مدّة العمر ﴿ نستبق ﴾ نتشاغل باللهو في أيام الشباب ﴿ وتركنا يوسف ﴾ أي قالب مهملاً معطلاً عن الاستكمال ﴿ فأكله ﴾ ذئب الشيطان.

﴿ وجاؤا على قميصه ﴾ أي قالب القلب ﴿ بدم كذب ﴾ هو آثار الملكات الردية، زعموا أنها قد سرت إلى القلب وأزالت نور الإيمان عنه بالكلية.

﴿ قال ﴾ يعقوب الروح ﴿ بل سولت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل ﴾ على ما قضى الله وقدر ﴿ والله المستعان على ما تصفون ﴾ من رين القلب وموته ﴿ وجاءت سيارة ﴾ هي هبوب نفحات ألطاف الحق ﴿ فأرسلوا واردهم ﴾ وارداً من واردات الحق ﴿ فأدلى دلوه ﴾ جذبه من جذبات الرحمن ﴿ قال يا بشرى ﴾ فيه إشارة إلى أن للجذبة بشارة في تعلقها بالقلب كما أن للقلب بشارة في خلاصة من جب الطبيعة كما قال  : ﴿ يحبهم ويحبونه  ﴾ ﴿ والله عليم ﴾ بحكمة البشارتين و ﴿ بما يعملون ﴾ من شرائه ﴿ بثمن بخس ﴾ هو الحظوظ الفانية في أيام معدودة ﴿ وكانوا فيه من الزاهدين ﴾ لأنهم ما عرفوا قدره وإنما ميلهم إلى استجلاب المنافع الردية العاجلة والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ يَٰأَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَىٰ يُوسُفَ ﴾ .

دل قوله: ﴿ مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَىٰ يُوسُفَ ﴾ على أنهم قد طلبوا إخراجه من أبيهم غير مرة؛ لأن مثل هذا الكلام لا يتكلم به مبتدأ على غير مسابقة شيء من أمثاله، فدل أنهم قد استأذنوه في إخراجه غير مرة.

﴿ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ ﴾ .

الناصح: هو الدال على ما به نجاته، أو الدال على كل خير، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ .

كأن يعقوب  خاف على نفسه - أعني: يوسف - الضيعة بتركهم حفظه، فأمنوه على ذلك بقولهم: ﴿ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ .

وخاف عليه الضياع من جهة الجوع بتركهم حفظه أوقات الأكل فأمنوه على ذلك بقولهم: ﴿ يَرْتَعْ ﴾ أي: يأكل.

وخاف قلبه أن يكلفوه أمراً يشق عليه ويشتد، فأمنوه [أيضاً على ذلك] بقولهم ﴿ وَيَلْعَبْ ﴾ لأنه ليس في اللعب مشقة ولا شدة، فخاف عليه الضياع بالوجوه التي ذكرنا، فأمنوه على تلك الوجوه كلها حتى استنقذوه من يديه.

وقوله: ﴿ يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ ﴾ .

قال بعضهم: يرتع: يأكل، ويلعب: يلهو كأنه خرج جواباً لقوله: ﴿ قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِيۤ أَن تَذْهَبُواْ بِهِ ﴾ ، قالوا له: لا تحزن عليه فإنه يرتع ويلعب؛ على التقديم والتأخير.

وقال بعضهم: يرتع: ينشط، ويلعب: يتلهى.

وقرئ بالنون: (نرتع ونلعب).

قال القتبي: نرتع، أي: نأكل؛ يقال: رتعت الإبل: إذا رعت، وارتعتها: إذا تركتها ترعى، ويقرأ نرتع، بكسر العين، والمراد منه أن نتحارس ويرعى بعضنا بعضاً؛ أي: يحفظه، ومنه يقال: رعاك الله؛ أي: حفظك الله.

وقوله: ﴿ يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ ﴾ قالوا: يلعب فيما يحل ويسع من نحو الاستباق وغيره، وهو ما ذكروا: ﴿ إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا ﴾ ، واللعب في مثل هذا يحل، وقد روي - أيضاً - في الخبر أنه قال: "لا يحل اللعب إلا في ثلاث" وفيه: "معالجة الرجل فرسه أو قوسه، وملاعبة الرجل امرأته"، أخبر أنه لا يحل إلا ثلاث، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِيۤ أَن تَذْهَبُواْ بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذِّئْبُ ﴾ .

قال: إني ليحزنني، عند الواقع به والغائب عنه من النعمة التي أنعمها عليه؛ لأنه كان نعمة عظيمة له فات النظر إليه، فذكر الحزن على ما فات عنه، وذكر الخوف لما خاف وقوعه في وقت يأتي وما سيقع؛ فهذا تفسير قوله: ﴿ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ  ﴾ لا يحزنون؛ لأنه موجود للحال، غير فائت ﴿ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ  ﴾ ، أي: لا يخافون فوته؛ لأن خوف فوت النعمة ينقص على صاحبه النعمة، فآمنهم على ذلك، وهو ما ذكرنا أن الحزن يكون بالواقع للحال، والخوف على ما سيقع، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذِّئْبُ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: كان يعقوب -  - رأى في المنام أن يوسف أخذه الذئب، فمن ثمة قال: ﴿ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذِّئْبُ ﴾ ، لكن هذا لا يحتمل؛ لأنّ رؤيا الأنبياء أكثرها [صدق وحق]، فلا يحتمل أن رأى ذلك ثم يقول: ﴿ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذِّئْبُ ﴾ أو يدعه يذهب معهم، لكنه خاف عليه أكل الذئب على ما يخاف على الصبيان في المفاوز والبراري؛ إذ الخوف على الصبيان في المفاوز والبراري والضياع عليهم يكون بالذئب أكثر من [أي] وجه آخر؛ لأنه جائز أن يفترسه سبع من السباع عند مغافصته إخوته واشتغالهم بما ذكر من الاستباق، ولا يحتمل الضياع من الناس يأخذه واحد من بين نفر.

وقال بعض أهل التأويل: إن قوله: ﴿ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذِّئْبُ ﴾ كناية عن بنيه؛ أي: أخاف أن تهلكوه وتضيعوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ لَئِنْ أَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ ﴾ .

أولو قوة.

﴿ إِنَّآ إِذَاً لَّخَاسِرُونَ ﴾ .

تأويله - والله أعلم -: لئن أكله الذئب ونحن عصبة؛ أي: جماعة ﴿ إِنَّآ إِذَاً لَّخَاسِرُونَ ﴾ أي: كأنا نحن سلمناه إلى الذئب، وعرضناه للضياع؛ هذا - والله أعلم - معنى الخسران الذي ذكروا، وإلا لم يلحقهم الخسران إذا أكله الذئب؛ لأنه إذا كان بهم قوة المنع فلم يمنعوه فكأنهم ضيعوه.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قال يعقوب لأبنائه: إني ليحزنني ذهابكم به؛ لأني لا أصبر على فراقه، وأخاف عليه من أن يأكله الذئب وأنتم لاهون عنه بالرتع واللعب.

<div class="verse-tafsir" id="91.B6dmD"

مزيد من التفاسير لسورة يوسف

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.3 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 0 يوم
سبحان الله وبحمده