الآية ٣٦ من سورة يوسف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 12 يوسف > الآية ٣٦ من سورة يوسف

وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجْنَ فَتَيَانِ ۖ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّىٓ أَرَىٰنِىٓ أَعْصِرُ خَمْرًۭا ۖ وَقَالَ ٱلْـَٔاخَرُ إِنِّىٓ أَرَىٰنِىٓ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزًۭا تَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِنْهُ ۖ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِۦٓ ۖ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ ٣٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 117 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٦ من سورة يوسف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٦ من سورة يوسف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال قتادة : كان أحدهما ساقي الملك ، والآخر خبازه .

قال محمد بن إسحاق : كان اسم الذي على الشراب " نبوا " ، والآخر " مجلث " .

قال السدي : وكان سبب حبس الملك إياهما أنه توهم أنهما تمالآ على سمه في طعامه وشرابه .

وكان يوسف ، عليه السلام ، قد اشتهر في السجن بالجود والأمانة وصدق الحديث ، وحسن السمت وكثرة العبادة - صلوات الله عليه وسلامه - ومعرفة التعبير والإحسان إلى أهل السجن وعيادة مرضاهم والقيام بحقوقهم .

ولما دخل هذان الفتيان إلى السجن ، تآلفا به وأحباه حبا شديدا ، وقالا له : والله لقد أحببناك حبا زائدا .

قال : بارك الله فيكما ، إنه ما أحبني أحد إلا دخل علي من محبته ضرر ، أحبتني عمتي فدخل علي الضرر بسببها ، وأحبني أبي فأوذيت بسببه ، وأحبتني امرأة العزيز فكذلك ، فقالا : والله ما نستطيع إلا ذلك ، ثم إنهما رأيا مناما ، فرأى الساقي أنه يعصر خمرا - يعني عنبا - وكذلك هي في قراءة عبد الله بن مسعود : " إني أراني أعصر عنبا " .

ورواه ابن أبي حاتم ، عن أحمد بن سنان ، عن يزيد بن هارون ، عن شريك ، عن الأعمش ، عن زيد بن وهب ، عن ابن مسعود : أنه قرأها : " أعصر عنبا " .

وقال الضحاك في قوله : ( إني أراني أعصر خمرا ) يعني : عنبا .

قال : وأهل عمان يسمون العنب خمرا .

وقال عكرمة : رأيت فيما يرى النائم أني غرست حبلة من عنب ، فنبتت .

فخرج فيه عناقيد ، فعصرتهن ثم سقيتهن الملك .

قال تمكث في السجن ثلاثة أيام ، ثم تخرج فتسقيه خمرا .

وقال الآخر ، وهو الخباز : ( إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين ) والمشهور عند الأكثرين ما ذكرناه ، وأنهما رأيا مناما وطلبا تعبيره .

وقال ابن جرير : حدثنا ابن وكيع وابن حميد قالا حدثنا جرير ، عن عمارة بن القعقاع ، عن إبراهيم ، عن عبد الله قال : ما رأى صاحبا يوسف شيئا ، إنما كانا تحالما ليجربا عليه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (36) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ودخل مع يوسف السجن فتيان ، فدل بذلك على متروكٍ قد ترك من الكلام، وهو: ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ ، فسجنوه وأدخلوه السجن ، ودخل معه فتيان , فاستغنَى بدليل قوله: (ودخل معه السجن فتيان) ، على إدخالهم يوسف السجن، من ذكره.

* * * وكان الفتيان، فيما ذكر، (37) غلامين من غلمان ملك مصر الأكبر، أحدهما صاحبُ شرابه , والآخر صاحبُ طعامه، كما: - &; 16-95 &; 19266 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق , قال: فطرح في السجن ، يعني يوسف ، ( ودخل معه السجن فتيان ) , غلامان كانا للملك الأكبر الرّيان بن الوليد , كان أحدهما على شرابه , والآخر على بعض أمره , في سَخْطَةٍ سخطها عليهما , اسم أحدهما " مجلث " والآخر " نبو " , و " نبو " الذي كان على الشراب.

19267 - حدثنا بشر , قال: حدثنا يزيد , قال: حدثنا سعيد , عن قتادة: (ودخل معه السجن فتيان) ، قال: كان أحدهما خبازًا للملك على طعامه , وكان الآخر ساقيه على شرابِه.

* * * وكان سبب حبس الملك الفتيين فيما ذكر، ما: - 19268 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو , عن أسباط , عن السدي , قال: إن الملك غضب على خبَّازه , بلغه أنه يريد أن يسمّه , فحبسه وحبس صاحب شرابه , ظنَّ أنه مالأه على ذلك.

فحبسهما جميعًا ; فذلك قول الله: ( ودخل معه السجن فتيان ).

* * * وقوله: (قال أحدهما إني أراني أعصر خمرًا) ، ذكر أن يوسف صلوات الله عليه لما أدخل السجن , قال لمن فيه من المحبَّسين , وسألوه عن عمله: إني أعبُرُ الرؤيا: فقال أحد الفتيين اللذين أدخلا معه السجن لصاحبه: تعال فلنجربه، كما: - 19269 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو بن محمد , عن أسباط , عن السدي , قال: لما دخل يوسف السجن قال: أنا أعبُرُ الأحلام .

فقال أحد الفتيين لصاحبه: هلمَّ نجرّب هذا العبد العبرانيّ فتراءَيَا له !

فسألاه، (38) من غير أن يكونا رأيا شيئًا .

فقال الخباز: إني أراني أحمل فوق رأسي خبزًا تأكل الطير منه؟

وقال الآخر: إني أراني أعصر خمرًا؟

(39) 19270 - حدثنا ابن وكيع وابن حميد , قالا حدثنا جرير , عن عمارة بن القعقاع , عن إبراهيم , عن عبد الله , قال: ما رأى صاحبا يوسف شيئًا , وإنما كانا تحالما ليجرِّبا علمه.

* * * وقال قوم: إنما سأله الفَتَيان عن رؤيا كانا رأياها على صحةٍ وحقيقةٍ , وعلى تصديق منهما ليوسف لعلمه بتعبيرها .

* ذكر من قال ذلك: 19271 - حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق , قال: لما رأى الفتيان يوسف , قالا والله، يا فتى لقد أحببناك حين رأيناك.

19272 - ....

قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق , عن عبد الله , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد: أن يوسف قال لهم حين قالا له ذلك: أنشدكما الله أن لا تحباني، فوالله ما أحبني أحدٌ قط إلا دخل عليَّ من حبه بلاء، لقد أحبتني عمتي فدخل علي من حبها بلاء , ثم لقد أحبني أبي فدخل عليّ بحبه بلاء , ثم لقد أحبتني زوجةُ صاحبي هذا فدخل عليَّ بحبها إياي بلاء , فلا تحباني بارك الله فيكما !

قال: فأبيا إلا حبه وإلفه حيث كان , وجعلا يعجبهما ما يريان من فهمه وعقله.

وقد كانا رأيا حين أدخلا السجن رؤيا , فرأى " مجلث " أنه يحمل فوق رأسه خبزًا تأكل الطير منه , ورأى " نبو " أنه يعصر خمرًا , فاستفتياه فيها، وقالا له: (نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين) ، إن فعلت.

* * * وعني بقوله: (أعصر خمرًا) ، أي: إني أرى في نومي أني أعصر عنبًا .

وكذلك ذلك في قراءة ابن مسعود فيما ذكر عنه .

19273 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا أبي , عن أبي سلمة الصائغ , عن إبراهيم بن بشير الأنصاري , عن محمد بن الحنفية قال في قراءة ابن مسعود: " إنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ عِنَبًا.

(40) * * * وذكر أن ذلك من لغة أهل عمان , وأنهم يسمون العنب خمرًا .

* ذكر من قال ذلك: 19274 - حدثت عن الحسين , قال: سمعت أبا معاذ , يقول: حدثنا عبيد , قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (إني أراني أعصر خمرًا) ، يقول: أعصر عنبًا , وهو بلغة أهل عمان، يسمون العنب خمرًا.

19275 - حدثنا أبو كريب , قال: حدثنا وكيع ; وثنا ابن وكيع , قال: حدثنا أبي ، عن سلمة بن نبيط , عن الضحاك: (إني أراني أعصر خمرًا) ، قال: عنبًا , أرضُ كذا وكذا يدعُون العنب " خمرًا ".

19276 - حدثنا القاسم , قال: حدثنا الحسين , قال: ثني حجاج , عن ابن جريج , قال: قال ابن عباس: (إني أراني أعصر خمرًا) ، قال: عنبًا.

19277 - حدثت عن المسيب بن شريك , عن أبي حمزة , عن عكرمة , قال: أتاه فقال: رأيت فيما يرى النائم أني غرست حَبَلة من عنب، (41) فنبتت , فخرج فيه عناقيد فعصرتهنّ , ثم سقيتهن الملك، فقال: تمكث في السجن ثلاثة أيام , ثم تخرج فتسقيه خمرًا.

* * * وقوله: (وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزًا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله) ، يقول تعالى ذكره: وقال الآخر من الفَتيين: إني أراني في منامي أحمل فوق رأسي خبزًا ; يقول: أحمل على رأسي ، فوضعت " فوق " مكان " على " (42) ، (تأكل الطير منه) ، يعني: من الخبز.

* * * وقوله: (نبئنا بتأويله) ، يقول: أخبرنا بما يؤول إليه ما أخبرناك أنَّا رأيناه في منامنا، ويرجع إليه، (43) كما: - 19278 - حدثني الحارث , قال: حدثنا القاسم , قال: حدثنا يزيد , عن ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد: (نبئنا بتأويله) ، قال: به ، قال الحارث , قال أبو عبيد: يعني مجاهد أن " تأويل الشيء "، هو الشيء .

قال: ومنه: " تأويل الرؤيا "، إنما هو الشيء الذي تؤول إليه.

* * * وقوله: (إنا نراك من المحسنين) اختلف أهل التأويل في معنى " الإحسان " الذي وصف به الفتيان يوسف.

(44) فقال بعضهم: هو أنه كان يعود مريضهم , ويعزي حزينهم , وإذا احتاج منهم إنسان جَمَع له .

* ذكر من قال ذلك: 19279 - حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا سعيد بن منصور , قال: حدثنا خلف بن خليفة , عن سلمة بن نبيط , عن الضحاك بن مزاحم , قال: كنت جالسًا معه ببلخ , فسئل عن قوله: (نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين) ، قال: قيل له: ما كان إحسان يوسف؟

قال: كان إذا مرض إنسان قام عليه , وإذا احتاج جمع له , وإذا ضاق أوْسَع له.

19280 - حدثنا إسحاق , عن أبي إسرائيل , قال: حدثنا خلف بن خليفة , عن سلمة بن نبيط , عن الضحاك , قال: سأل رجل الضحاك عن قوله: (إنا نراك من المحسنين) ما كان إحسانه؟

قال: كان إذا مرض إنسان في السجن قامَ عليه , وإذا احتاج جمع له , وإذا ضاق عليه المكان وسَّع له.

19281 - حدثنا القاسم , قال: حدثنا الحسين , قال: حدثني حجاج , عن أبي بكر بن عبد الله , عن قتادة , قوله: (إنا نراك من المحسنين) ، قال: بلغنا أن إحسانه أنه كان يداوي مريضهم , ويعزِّي حزينهم , ويجتهد لربه .

وقال: لما انتهى يوسف إلى السجن وجد فيه قومًا قد انقطع رجاؤهم، واشتد بلاؤهم , فطال حزنهم , فجعل يقول: أبشروا واصبروا تؤجَروا , إن لهذا أجرًا , إن لهذا ثوابًا.

فقالوا: يا فتى، بارك الله فيك، ما أحسن وجهك، وأحسن خلقك , لقد بورك لنا في جوارك , ما نحبُّ أنَّا كنا في غير هذا منذ حبسنا، لما تخبرنا من الأجر والكفَّارة والطَّهارة , فمن أنت يا فتى؟

قال: أنا يوسف، ابن صفي الله يعقوب، ابن ذبيح الله إسحاق بن إبراهيم خليل الله.

وكانت عليه محبَّة.

وقال له عامل السجن: يا فتى، والله لو استطعت لخلَّيت سبيلك , ولكن سأحسن جِوارك، وأحسن إسارك , فكن في أيِّ بيوت السجن شئت.

19282 - حدثنا أبو كريب , قال: حدثنا وكيع , عن خلف الأشجعي , عن سلمة بن نبيط , عن الضحاك في: (إنا نراك من المحسنين) ، قال: كان يوسع للرجل في مجلسه , ويتعاهد المرضى.

* * * وقال آخرون: معناه: (إنا نراك من المحسنين) ، إذا نبأتنا بتأويل رؤيانا هذه.

* ذكر من قال ذلك: 19283 - حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق , قال: استفتياه في رؤياهما , وقالا له: (نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين) ، إن فعلت.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب ، القول الذي ذكرناه عن الضحاك وقتادة.

* * * فإن قال قائل: وما وجهُ الكلام إن كان الأمر إذن كما قلت , وقد علمت أن مسألتهما يوسف أن ينبئهما بتأويل رؤياهما، ليست من الخبَر عن صفته بأنه يعود المريض ويقوم عليه، ويحسن إلى من احتاج في شيء , وإنما يقال للرجل: " نبئنا بتأويل هذا فإنك عالم " , وهذا من المواضع التي تحسن بالوصف بالعلم، لا بغيره؟

قيل: إن وجه ذلك أنهما قالا له: نبئنا بتأويل رؤيانا محسنًا إلينا في إخبارك إيانا بذلك , كما نراك تحسن في سائر أفعالك: ( إنا نراك من المحسنين).

* * * ---------------------- الهوامش: (37) انظر تفسير" الفتى" فيما سلف 8 : 188 / 16 : 62 .

(38) في المطبوعة :" نتراءى له" ، والصواب من المخطوطة ، والتاريخ .

(39) الأثر : 19269 - رواه أبو جعفر في تاريخه 1 : 176 .

(40) الأثر : 19273 -" أبو سلمة الصائغ" هو" راشد ، أبو سلمة الصائغ الفزاري" ، روى عن الشعبي ، وزيد الأحمسي ، وغيرهما .

مترجم في الكبير 2 / 1 / 272 ، وابن أبي حاتم 1 / 2 / 485 ، ولم يذكرا فيه جرحًا .

و" إبراهيم بن بشير الأنصاري" ، روى عن ابن الحنفية ، مترجم في الكبير 1 / 1 / 274 زابن أبي حاتم 1 / 1 / 89 .

وهذا الخبر ، ذكره البخاري في ترجمة" إبراهيم بن بشير" .

(41) " الحبلة" ( بفتح الحاء والباء ) ، القضيب من شجر الأعناب ، يغرس فينبت .

(42) انظر تفسير" فوق" فيما سلف 13 : 430 .

(43) انظر تفسير" النبأ" فيما سلف من فهارس اللغة ( نبأ ) .

، وتفسير" التأويل" فيما سلف ص : 20 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(44) انظر تفسير" الإحسان" فيما سلف من فهارس اللغة ( حسن ) .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنينقوله تعالى : ودخل معه السجن فتيان " فتيان " تثنية فتى ; وهو من ذوات الياء ، وقولهم : الفتو شاذ .

قال وهب وغيره : حمل يوسف إلى السجن مقيدا على حمار ، وطيف به " هذا جزاء من يعصي سيدته " وهو يقول : هذا أيسر من مقطعات النيران ، وسرابيل القطران ، وشراب الحميم ، وأكل الزقوم .

فلما انتهى يوسف إلى السجن وجد فيه قوما قد انقطع رجاؤهم ، واشتد بلاؤهم ; فجعل يقول لهم : اصبروا وأبشروا تؤجروا ; فقالوا له : يا فتى !

ما أحسن حديثك !

لقد بورك لنا في جوارك ، من أنت يا فتى ؟

قال : أنا يوسف ابن صفي الله يعقوب ، ابن ذبيح الله إسحاق ، ابن خليل الله إبراهيم .

وقال ابن عباس : لما قالت المرأة لزوجها إن هذا العبد العبراني قد فضحني ، وأنا أريد أن تسجنه ، فسجنه في السجن ; فكان [ ص: 165 ] يعزي فيه الحزين ، ويعود فيه المريض ، ويداوي فيه الجريح ، ويصلي الليل كله ، ويبكي حتى تبكي معه جدر البيوت وسقفها والأبواب ، وطهر به السجن ، واستأنس به أهل السجن ; فكان إذا خرج الرجل من السجن رجع حتى يجلس في السجن مع يوسف ، وأحبه صاحب السجن فوسع عليه فيه ; ثم قال له : يا يوسف !

لقد أحببتك حبا لم أحب شيئا حبك ; فقال : أعوذ بالله من حبك ، قال : ولم ذلك ؟

فقال : أحبني أبي ففعل بي إخوتي ما فعلوه ، وأحبتني سيدتي فنزل بي ما ترى ، فكان في حبسه حتى غضب الملك على خبازه وصاحب شرابه ، وذلك أن الملك عمر فيهم فملوه ، فدسوا إلى خبازه وصاحب شرابه أن يسماه جميعا ، فأجاب الخباز وأبى صاحب الشراب ، فانطلق صاحب الشراب فأخبر الملك بذلك ، فأمر الملك بحبسهما ، فاستأنسا بيوسف ، فذلك قوله : ودخل معه السجن فتيان وقد قيل : إن الخباز وضع السم في الطعام ، فلما حضر الطعام قال الساقي : أيها الملك !

لا تأكل فإن الطعام مسموم .

وقال الخباز : أيها الملك لا تشرب !

فإن الشراب مسموم ; فقال الملك للساقي : اشرب !

فشرب فلم يضره ، وقال للخباز : كل ; فأبى ، فجرب الطعام على حيوان فنفق مكانه ، فحبسهما سنة ، وبقيا في السجن تلك المدة مع يوسف .

واسم الساقي منجا ، والآخر مجلث ; ذكره الثعلبي عن كعب .

وقال النقاش : اسم أحدهما شرهم ، والآخر سرهم ; الأول ، بالشين المعجمة .

والآخر بالسين المهملة .

وقال الطبري : الذي رأى أنه يعصر خمرا هو نبو ، قال السهيلي : وذكر اسم الآخر ولم أقيده .

وقال فتيان لأنهما كانا عبدين ، والعبد يسمى فتى ، صغيرا كان أو كبيرا ; ذكره الماوردي .

وقال القشيري : ولعل الفتى كان اسما للعبد في عرفهم ; ولهذا قال : تراود فتاها عن نفسه .

ويحتمل أن يكون الفتى اسما للخادم وإن لم يكن مملوكا .

ويمكن أن يكون حبسهما مع حبس يوسف أو بعده أو قبله ، غير أنهما دخلا معه البيت الذي كان فيه .قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا أي عنبا ; كان يوسف قال لأهل السجن : إني أعبر الأحلام ; فقال أحد الفتيين لصاحبه : تعال حتى نجرب هذا العبد العبراني ; فسألاه من غير أن يكونا رأيا شيئا ; قاله ابن مسعود .

وحكى الطبري أنهما سألاه عن علمه فقال : إني أعبر الرؤيا ; فسألاه عن رؤياهما .

قال ابن عباس ومجاهد : كانت رؤيا صدق رأياها وسألاه عنها ; ولذلك صدق تأويلها .

وفي الصحيح عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا .

وقيل : إنها كانت رؤيا كذب سألاه عنها تجريبا ; وهذا قول ابن مسعود والسدي .

وقيل : إن المصلوب منهما كان كاذبا ، والآخر صادقا ; قاله أبو مجلز .

وروى الترمذي عن ابن عباس عن [ ص: 166 ] النبي - صلى الله عليه وسلم - : قال : من تحلم كاذبا كلف يوم القيامة أن يعقد بين شعيرتين ولن يعقد بينهما .

قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح وعن علي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من كذب في حلمه كلف يوم القيامة عقد شعيرة .

قال : حديث حسن .

قال ابن عباس : لما رأيا رؤياهما أصبحا مكروبين ; فقال لهما يوسف : ما لي أراكما مكروبين ؟

قالا : يا سيدنا !

إنا رأينا ما كرهنا ; قال : فقصا علي ، فقصا عليه ; قالا : نبئنا بتأويل ما رأينا ; وهذا يدل على أنها كانت رؤيا منام إنا نراك من المحسنين فإحسانه ، أنه كان يعود المرضى ويداويهم ، ويعزي الحزانى ; قال الضحاك : كان إذا مرض الرجل من أهل السجن قام به ، وإذا ضاق وسع له ، وإذا احتاج جمع له ، وسأل له .

وقيل : من المحسنين أي العالمين الذين أحسنوا العلم ، قاله الفراء .

وقال ابن إسحاق : من المحسنين لنا إن فسرته ، كما يقول : افعل كذا وأنت محسن ..

قال : فما رأيتما ؟

قال الخباز : رأيت كأني اختبزت في ثلاثة تنانير ، وجعلته في ثلاث سلال ، فوضعته على رأسي فجاء الطير فأكل منه .

وقال الآخر : رأيت كأني أخذت ثلاثة عناقيد من عنب أبيض ، فعصرتهن في ثلاث أوان ، ثم صفيته فسقيت الملك كعادتي فيما مضى ، فذلك قوله : إني أراني أعصر خمرا أي عنبا ، بلغة عمان ، قاله الضحاك .

وقرأ ابن مسعود : " إني أراني أعصر عنبا " .

وقال الأصمعي : أخبرني المعتمر بن سليمان أنه لقي أعرابيا ومعه عنب فقال له : ما معك ؟

قال : خمر .

وقيل : معنى .

أعصر خمرا أي عنب خمر ، فحذف المضاف .

ويقال : خمرة وخمر وخمور ، مثل تمرة وتمر وتمور .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: { و } لما دخل يوسف السجن، كان في جملة من { دَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ } أي: شابان، فرأى كل واحد منهما رؤيا، فقصها على يوسف ليعبرها، .فـ { قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا } وذلك الخبز { تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ } أي: بتفسيره، وما يؤول إليه أمرهما، وقولهما: { إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ } أي: من أهل الإحسان إلى الخلق، فأحسن إلينا في تعبيرك لرؤيانا، كما أحسنت إلى غيرنا، فتوسلا ليوسف بإحسانه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( ودخل معه السجن فتيان ) وهما غلامان كانا [ للريان بن الوليد بن شروان العمليق ] ملك مصر الأكبر ، أحدهما : خبازه وصاحب طعامه ، والآخر : ساقيه وصاحب شرابه .

غضب الملك عليهما فحبسهما .

وكان السبب فيه : أن جماعة من أهل مصر أرادوا المكر بالملك واغتياله ، فضمنوا لهذين مالا ليسما الملك في طعامه وشرابه فأجاباهم ، ثم إن الساقي نكل عنه ، وقبل الخباز الرشوة فسم الطعام ، فلما أحضر الطعام والشراب قال الساقي : لا تأكل أيها الملك فإن الطعام مسموم ، وقال الخباز : لا تشرب فإن الشراب مسموم .

فقال الملك للساقي : اشرب فشربه فلم يضره ، وقال للخباز : كل من طعامك ، [ فأبى فجرب ] ذلك الطعام على دابة فأكلته فهلكت ، فأمر الملك بحبسهما .

وكان يوسف حين دخل السجن جعل ينشر علمه ويقول : إني أعبر الأحلام ، فقال أحد الفتيين لصاحبه : هلم فلنجرب هذا العبد العبراني ، فتراءيا له فسألاه من غير أن يكونا رأيا شيئا ، قال ابن مسعود : ما رأيا شيئا وإنما تحالما ليجربا يوسف .

وقال قوم : بل كانا رأيا حقيقة ، فرآهما يوسف وهما مهمومان ، فسألهما عن شأنهما ، فذكرا أنهما صاحبا الملك ، حبسهما ، وقد رأيا رؤيا غمتهما .

فقال يوسف : قصا علي ما رأيتما ، فقصا عليه .

( قال أحدهما ) وهو صاحب الشراب ( إني أراني أعصر خمرا ) أي : عنبا ، سمى العنب خمرا باسم ما يئول إليه ، كما يقال : فلان يطبخ الآجر أي : يطبخ اللبن للآجر .

وقيل : الخمر العنب بلغة عمان ، وذلك أنه قال : إني رأيت كأني في بستان ، فإذا بأصل حبلة عليها ثلاث عناقيد من عنب فجنيتها ، وكان كأس الملك بيدي فعصرتها فيه وسقيت الملك فشربه .

( وقال الآخر ) وهو الخباز : ( إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه ) وذلك أنه قال : إني رأيت كأن فوق رأسي ثلاث سلال فيها الخبز وألوان الأطعمة ، وسباع الطير تنهش منه .

( نبئنا بتأويله ) أخبرنا بتفسيره وتعبيره وما يئول إليه أمر هذه الرؤيا .

( إنا نراك من المحسنين ) أي : العالمين بعبارة الرؤيا ، والإحسان بمعنى العلم .

وروي أن الضحاك بن مزاحم سئل عن قوله : ( إنا نراك من المحسنين ) ما كان إحسانه ؟

قال : كان إذا مرض إنسان في السجن عاده وقام عليه ، وإذا ضاق [ عليه المجلس ] وسع له ، وإذا احتاج جمع له شيئا ، وكان مع هذا يجتهد في العبادة ، ويقوم الليل كله للصلاة .

وقيل : إنه لما دخل السجن وجد فيه قوما اشتد بلاؤهم وانقطع رجاؤهم وطال حزنهم ، فجعل يسليهم ويقول : أبشروا واصبروا تؤجروا ، فيقولون : بارك الله فيك يا فتى ، ما أحسن وجهك وخلقك وحديثك ، لقد بورك لنا في جوارك فمن أنت يا فتى ؟

قال : أنا يوسف بن صفي الله يعقوب بن ذبيح الله إسحاق بن خليل الله إبراهيم فقال له عامل السجن : يا فتى ، والله لو استطعت لخليت سبيلك ، ولكن سأحسن جوارك فتمكن في أي بيوت السجن شئت .

ويروى أن الفتيين لما رأيا يوسف قالا له : لقد أحببناك حين رأيناك ، فقال لهما يوسف : أنشدكما بالله أن لا تحباني ، فوالله ما أحبني أحد قط إلا دخل علي من حبه بلاء ، لقد أحبتني عمتي فدخل علي بلاء ، ثم أحبني أبي فألقيت في الجب ، وأحبتني امرأة العزيز فحبست .

فلما قصا عليه الرؤيا كره يوسف أن يعبر لهما ما سألاه لما علم في ذلك من المكروه على أحدهما ، فأعرض عن سؤالهما وأخذ في غيره في إظهار المعجزة والدعاء إلى التوحيد .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ودخل معه السجن فتيان» غلامان للملك أحدهما ساقيه والآخر صاحب طعامه فرأياه يعبر الرؤيا فقالا لنختبرنه «قال أحدهما» وهو الساقي «إني أراني أعصر خمرا» أي عنبا «وقال الآخر» وهو صاحب الطعام «إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا» خبرنا «بتأويله» بتعبيره «إنا نراك من المحسنين».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ودخل السجن مع يوسف فَتَيان، قال أحدهما: إني رأيت في المنام أني أعصر عنبًا ليصير خمرًا، وقال الآخر: إني رأيت أني أحمل فوق رأسي خبزًا تأكل الطير منه، أخبرنا -يا يوسف -بتفسير ما رأينا، إنا نراك من الذين يحسنون في عبادتهم لله، ومعاملتهم لخلقه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - جانبا من أحواله بعد أن دخل السجن فقالك ( وَدَخَلَ مَعَهُ السجن فَتَيَانِ .

.

)والفتيان : تثنية فتى ، وهو من جاوز الحلم ودخل فى سن الشباب .قالوا : وهذان الفتيان كان أحدهما : خبازا للملك وصاحب طعامه وكان الثانى : ساقيا للملك ، وصاحب شرابه .وقد أدخلهما الملك السجن غضبا عليهما ، لأنهما اتهما بخيانته .والجملة الكريمة عطف على كلام محذوف يفهم من السياق ، والتقدير بعد أن بدا للعزيز وحاشيته سجن يوسف .نفذا ما بدا لهم فسجنوه ، ودخل معه فى السجن فتيان من خدم الملك " قال أحدهما " وهو ساقى الملك ليوسف - عليه السلام - :( إني أراني أَعْصِرُ خَمْراً ) أى : إنى رأيت فيما يرى النائم .

إنى عصرا عنبا ليصير خمرا .

سماه بما يؤول إليه .( وَقَالَ الآخر إِنِّي أراني أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطير مِنْهُ ) أى : وقال الثانى وهو خباز الملك ، إنى رأيت فى المنام أنى أحمل فوق رأسى سلالا بها خبز ، وهذا الخبز تأكل الطير منه وهو فوق رأسى .والضمير المجرور فى قوله : ( نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ المحسنين ) يعود إلى المرئى فى المنام أى : أخبرنا بتفسير ما رأيناه فى منامنا ، إذ نراك ونعتقدك من القوم الذين يحسنون تأويل الرؤى ، كما أننا نتوسم فيك الخير والصلاح ، لإِحسانك إلى غيرك ، من السجناء الذين أنت واحد منهم .وقبل أن يبدأ يوسف - عليه السلام - فى تأويل رؤياهما ، أخذ يمهد لذلك بأن يعرفهما بنفسه ، وبعقيدته ، ويدعوهما إلى عبادة الله وحده ويقيم لهما الأدلة على ذلك .

.وهذا شأن المصلحين العقلاء المخلصين لعقيدتهم الغيورين على نشرها بين الناس ، إنهم يسوقون لغيرهم من الكلام الحكيم ما يجعل هذا الغير يثق بهم ، ويقبل عليهم ، ويستجيب لهم .

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن زوج المرأة لما ظهر له براءة ساحة يوسف عليه السلام فلا جرم لم يتعرض له، فاحتالت المرأة بعد ذلك بجميع الحيل حتى تحمل يوسف عليه السلام على موافقتها على مرادها، فلم يلتفت يوسف إليها، فلما أيست منه احتالت في طريق آخر وقالت لزوجها: إن هذا العبد العبراني فضحني في الناس يقول لهم: إني راودته عن نفسه، وأنا لا أقدر على إظهار عذري، فإما أن تأذن لي فأخرج وأعتذر وإما أن تحبسه كما حبستني، فعند ذلك وقع في قلب العزيز أن الأصلح حبسه حتى يسقط عن ألسنة الناس ذكر هذا الحديث وحتى تقل الفضيحة، فهذا هو المراد من قوله: ﴿ ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيات لَيَسْجُنُنَّهُ حتى حِينٍ ﴾ لأن البداء عبارة عن تغير الرأي عما كان عليه في الأول، والمراد من الآيات براءته بقد القميص من دبر، وخمش الوجه، وإلزام الحكم أياها بقوله: ﴿ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ  ﴾ وذكرنا أنه ظهرت هناك أنواع أخر من الآيات بلغت مبلغ القطع ولكن القوم سكتوا عنها سعياً في إخفاء الفضيحة.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ بدالهم ﴾ فعل وفاعله في هذا الموضع قوله: ﴿ الآيات لَيَسْجُنُنَّهُ ﴾ وظاهر هذا الكلام يقتضي إسناد الفعل إلى فعل آخر، إلا أن النحويين اتفقوا على أن إسناد الفعل إلى الفعل لا يجوز، فإذا قلت خرج ضرب لم يفد ألبتة، فعند هذا قالوا: تقدير الكلام ثم بدا لهم سجنه، إلا أنه أقيم هذا الفعل مقام ذلك الاسم، وأقول: الذوق يشهد بأن جعل الفعل مخبر عنه لا يجوز وليس لأحد أن يقول الفعل خبراً فجعل الخبر مخبراً عنه لا يجوز، لأنا نقول: الاسم قد يكون خبراً كقولك: زيد قائم فقائم اسم وخبر فعلمنا أن كون الشيء خبراً لا ينافي كونه مخبراً عنه، بل نقول في هذا المقام: شكوك أحدها: أنا إذا قلنا: ضرب فعل فالمخبر عنه بأنه فعل هو ضرب، فالفعل صار مخبراً عنه.

فإن قالوا: المخبر عنه هو هذه الصيغة وهي اسم فنقول: فعلى هذا التقدير يلزم أن يكون المخبر عنه بأنه فعل اسم لا فعل وذلك كذب وباطل، بل نقول المخبر عنه بأنه فعل إن كان فعلاً فقد ثبت أن الفعل يصح الإخبار عنه وإن كان اسماً كان معناه: أنا أخبرنا عن الاسم بأنه فعل ومعلوم أنه باطل، وفي هذا الباب مباحث عميقة ذكرناها في كتب المعقولات.

المسألة الثالثة: قال أهل اللغة: الحين وقت من الزمان غير محدود يقع على القصير منه، وعلى الطويل، وقال ابن عباس: يريد إلى انقطاع المقالة وما شاع في المدينة من الفاحشة، ثم قيل: الحين هاهنا خمس سنين، وقيل: بل سبع سنين، وقال مقاتل بن سليمان: حبس يوسف اثنتي عشر سنة، والصحيح أن هذه المقادير غير معلومة، وإنما القدر المعلوم أنه بقي محبوساً مدة طويلة لقوله تعالى: ﴿ وادكر بَعْدَ أُمَّةٍ  ﴾ .

أما قوله تعالى: ﴿ وَدَخَلَ مَعَهُ السجن فَتَيَانَ ﴾ فهاهنا محذوف، والتقدير: لما أرادوا حبسه حبسوه وحذف ذلك لدلالة قوله: ﴿ وَدَخَلَ مَعَهُ السجن فَتَيَانَ ﴾ عليه قيل: هما غلامان كانا للملك الأكبر بمصر أحدهما صاحب طعامه، والآخر صاحب شرابه رفع إليه أن صاحب طعامه يريد أن يسمه وظن أن الآخر يساعده عليه فأمر بحبسهما بقي في الآية سؤالات: السؤال الأول: كيف عرفا أنه عليه السلام عالم بالتعبير؟

والجواب: لعله عليه السلام سألهما عن حزنهما وغمهما فذكرا إنا رأينا في المنام هذه الرؤيا، ويحتمل أنهما رأياه وقد أظهر معرفته بأمور منها تعبير الرؤيا فعندها ذكرا له ذلك.

السؤال الثاني: كيف عرف أنهما كانا عبدين للملك: الجواب: لقوله: ﴿ فَيَسْقِى رَبَّهُ خَمْرًا  ﴾ أي مولاه ولقوله: ﴿ اذكرنى عِندَ رَبّكَ  ﴾ .

السؤال الثالث: كيف عرف أن أحدهما صاحب شراب الملك، والآخر صاحب طعامه؟

والجواب: رؤيا كل واحد منهما تناسب حرفته لأن أحدهما رأى أنه يعصر الخمر والآخر كأنه يحمل فوق رأسه خبزاً.

السؤال الرابع: كيف وقعت رؤية المنام؟

والجواب: فيه قولان: القول الأول: أن يوسف عليه السلام لما دخل السجن قال لأهله إني أعبر الأحلام فقال أحد الفتيين، هلم فلنخبر هذا العبد العبراني برؤيا نخترعها له فسألاه من غير أن يكونا رأيا شيئاً.

قال ابن مسعود: ما كانا رأيا شيئاً وإنما تحالما ليختبرا علمه.

والقول الثاني: قال مجاهد كانا قد رأيا حين دخلا السجن رؤيا فأتيا يوسف عليه السلام فسألاه عنها، فقال الساقي أيها العالم إني رأيت كأني في بستان فإذا بأصل عنبة حسنة فيها ثلاثة أغصان عليها ثلاثة عناقيد من عنب فجنيتها وكأن كأس الملك بيدي فعصرتها فيه وسقيتها الملك فشربه فذلك قوله: ﴿ إِنّى أَرَانِى أَعْصِرُ خَمْرًا ﴾ وقال صاحب الطعام إني رأيت كأن فوق رأسي ثلاث سلال فيها خبز وألوان وأطعمه وإذا سباع الطير تنهش منه فذلك قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ الآخر إِنّى أَرَانِى أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزًا تَأْكُلُ الطير مِنْهُ ﴾ .

السؤال الخامس: كيف عرف يوسف عليه السلام أن المراد من قوله: ﴿ إِنّى أَرَانِى أَعْصِرُ خَمْرًا ﴾ رؤيا المنام؟

الجواب: لوجوه: الأول: أنه لو لم يقصد النوم كان ذكر قوله: ﴿ أَعْصِرُ ﴾ يغنيه عن ذكر قوله: ﴿ أَرَانِى ﴾ والثاني: دل عليه قوله: ﴿ نَبّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ ﴾ .

السؤال السادس: كيف يعقل عصر الخمر؟

الجواب: فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن يكون المعنى أعصر عنب خمر، أي العنب الذي يكون عصيره خمراً فحذف المضاف.

الثاني: أن العرب تسمي الشيء باسم ما يؤل إليه إذا انكشف المعنى ولم يلتبس يقولون فلان يطبخ دبساً وهو يطبخ عصيراً.

والثالث: قال أبو صالح: أهل عمان يسمون العنب بالخمر فوقعت هذه اللفظة إلى أهل مكة فنطقوا بها قال الضحاك: نزل القرآن بألسنة جميع العرب.

السؤال السابع: ما معنى التأويل في قوله: ﴿ نَبّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ ﴾ .

الجواب: تأويل الشيء ما يرجع إليه وهو الذي يؤل إليه آخر ذلك الأمر.

السؤال الثامن: ما المراد من قوله: ﴿ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ المحسنين ﴾ .

الجواب من وجوه: الأول: معناه إنا نراك تؤثر الإحسان وتأتي بمكارم الأخلاق وجميع الأفعال الحميدة.

قيل: إنه كان يعود مرضاهم، ويؤنس حزينهم فقالوا إنك من المحسنين أي في حق الشركاء والأصحاب، وقيل: إنه كان شديد المواظبة على الطاعات من الصوم والصلاة فقالوا إنك من المحسنين في أمر الدين، ومن كان كذلك فإنه يوثق بما يقوله في تعبير الرؤيا، وفي سائر الأمور، وقيل: المراد ﴿ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ المحسنين ﴾ في علم التعبير، وذلك لأنه متى عبر لم يخط كما قال: ﴿ وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ الاحاديث  ﴾ .

السؤال التاسع: ما حقيقة علم التعبير؟

الجواب: القرآن والبرهان يدلان على صحته.

أما القرآن فهو هذه الآية، وأما البرهان فهو أنه قد ثبت أنه سبحانه خلق جوهر النفس الناطقة بحيث يمكنها الصعود إلى عالم الأفلاك، ومطالعة اللوح المحفوظ والمانع لها من ذلك اشتغالها بتدبير البدن وفي وقت النوم يقل هذا التشاغل فتقوى على هذه المطالعة فإذا وقعت الروح على حالة من الأحوال تركت آثاراً مخصوصة مناسبة لذلك الإدراك الروحاني إلى عالم الخيال فالمعبر يستدل بتلك الآثار الخيالية على تلك الإدراكات العقلية فهذا كلام مجمل، وتفصيله مذكور في الكتب العقلية، والشريعة مؤكدة له روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الرؤيا ثلاثة: رؤيا ما يحدث به الرجل نفسه، ورؤيا تحدث من الشيطان ورؤيا التي هي الرؤيا الصادقة حقة» وهذا تقسيم صحيح في العلوم العقلية وقال عليه السلام: «رؤيا الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة».

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ مَّعَ ﴾ يدل على معنى الصحبة واستحداثها، تقول: خرجت مع الأمير، تريد مصاحباً له، فيجب أن يكون دخولهما السجن مصاحبين له ﴿ فَتَيَانَ ﴾ عبدان للملك: خبازه وشرابيه: رقي إليه أنهما يسمانه، فأمر بهما إلى السجن، فأدخلا ساعة أدخل يوسف عليه السلام ﴿ إِنّى أَرَانِى ﴾ يعني في المنام، وهي حكاية حال ماضية ﴿ أَعْصِرُ خَمْرًا ﴾ يعني عنباً، تسمية للعنب بما يؤول إليه.

وقيل: الخمر- بلغة عمان-: اسم للعنب.

وفي قراءة ابن مسعود ﴿ أعصر عنباً ﴾ ﴿ مّنَ المحسنين ﴾ من الذين يحسنون عبارة الرؤيا، أي: يجيدونها، رأياه يقصّ عليه بعض أهل السجن رؤياه فيؤوّلها له، فقالا له ذلك.

أو من العلماء، لأنهما سمعاه يذكر للناس ما علما به أنه عالم.

أو من المحسنين إلى أهل السجن.

فأحسن إلينا بأن تفرّج عنا الغمة بتأويل ما رأينا إن كانت لك يد في تأويل الرؤيا.

روي أنه كان إذا مرض رجل منهم قام عليه، وإذا أضاق وسع له، وإذا احتاج جمع له.

وعن قتادة: كان في السجن ناس قد انقطع رجاؤهم وطال حزنهم، فجعل يقول: أبشروا اصبروا تؤجروا، إنّ لهذا لأجراً، فقالوا: بارك الله عليك ما أحسن وجهك وما أحسن خلقك!

لقد بورك لنا في جوارك، فمن أنت يا فتى؟

قال: أنا يوسف ابن صفي الله يعقوب ابن ذبيح الله إسحاق ابن خليل الله إبراهيم، فقال له عامل السجن: لو استطعت خليت سبيلك، ولكني أحسن جوارك، فكن في أي بيوت السجن شئت.

وروي أن الفتيين قالا له إنا لنحبك من حين رأيناك، فقال: أنشدكما بالله أن لا تحباني، فوالله ما أحبني أحد قط إلا دخل عليّ من حبه بلاء، لقد أحبتني عمتي فدخل عليّ من حبها بلاء، ثم أحبني أبي فدخل عليّ من حبه بلاء، ثم أحبتني زوجة صاحبي فدخل عليّ من حبها بلاء، فلا تحباني- بارك الله فيكما- وعن الشعبي أنهما تحالما له ليمتحناه فقال الشرابي؛ إني أراني في بستان، فإذا بأصل حبلة عليها ثلاثة عناقيد من عنب، فقطفتها وعصرتها في كأس الملك، وسقيته.

وقال الخباز: إني أراني وفوق رأسي ثلاث سلال فيها أنواع الأطعمة، وإذا سباع الطير تنهش منها.

فإن قلت: إلام يرجع الضمير في قوله: ﴿ نَبّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ ﴾ ؟

قلت: إلى ما قصا عليه.

والضمير يجري مجرى اسم الإشارة في نحوه كأنه قيل: نبئنا بتأويل ذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ثُمَّ بَدا لَهم مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ ﴾ ثُمَّ ظَهَرَ لِلْعَزِيزِ وأهْلِهِ مِن بَعْدِ ما رَأوُا الشَّواهِدَ الدّالَّةَ عَلى بَراءَةِ يُوسُفَ كَشَهادَةِ الصَّبِيِّ وقَدِّ القَمِيصِ وقَطْعِ النِّساءِ أيْدِيَهُنَّ واسْتِعْصامِهِ عَنْهُنَّ وفاعِلُ بَدا مُضْمَرٌ يُفَسِّرُهُ.

﴿ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتّى حِينٍ ﴾ وذَلِكَ لِأنَّها خَدَعَتْ زَوْجَها وحَمَلَتْهُ عَلى سَجْنِهِ زَمانًا حَتّى تُبْصِرَ ما يَكُونُ مِنهُ، أوْ يَحْسَبَ النّاسُ أنَّهُ المُجْرِمُ فَلَبِثَ في السِّجْنِ سَبْعَ سِنِينَ.

وقُرِئَ بِالتّاءِ عَلى أنَّ بَعْضَهم خاطَبَ بِهِ العَزِيزَ عَلى التَّعْظِيمِ أوِ العَزِيزِ ومَن يَلِيهِ، و « عَتّى» بِلُغَةِ هُذَيْلٍ.

﴿ وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ ﴾ أيْ أُدْخِلَ يُوسُفُ السِّجْنَ واتَّفَقَ أنَّهُ أُدْخِلَ حِينَئِذٍ آخَرانِ مِن عَبِيدِ المَلِكِ شَرّابِيُّهُ وخَبّازُهُ لِلِاتِّهامِ بِأنَّهُما يُرِيدانِ أنْ يَسُمّاهُ.

﴿ قالَ أحَدُهُما ﴾ يَعْنِي الشَّرّابِيُّ.

﴿ إنِّي أرانِي ﴾ أيْ في المَنامِ وهي حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ.

﴿ أعْصِرُ خَمْرًا ﴾ أيْ عِنَبًا وسَمّاهُ خَمْرًا بِاعْتِبارِ ما يَؤُولُ إلَيْهِ.

﴿ وَقالَ الآخَرُ ﴾ أيِ الخَبّازُ.

﴿ إنِّي أرانِي أحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنهُ ﴾ تَنْهَشُ مِنهُ.

﴿ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ ﴾ مِنَ الَّذِينَ يُحْسِنُونَ تَأْوِيلَ الرُّؤْيا، أوْ مِنَ العالِمِينَ وإنَّما قالا ذَلِكَ لِأنَّهُما رَأياهُ في السِّجْنِ يُذَكِّرُ النّاسَ ويُعَبِّرُ رُؤْياهم، أوْ مِنَ المُحْسِنِينَ إلى أهْلِ السِّجْنِ فَأحْسِنْ إلَيْنا بِتَأْوِيلِ ما رَأيْنا إنْ كُنْتَ تَعْرِفُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦)

{وَدَخَلَ مَعَهُ السجن فَتَيَانَ} عبدان للملك خبازه وشرابيه بتهمة السم فأدخلا السجن ساعة أدخل يوسف لأن مع يدل على معنى الصحبة تقول خرجت مع الأمير تريد مصاحباً له فيجب أن يكون دخولهما السجن مصاحبين له {قَالَ أَحَدُهُمَا} أي شرابيه {إِنّى أَرَانِى} أي في المنام

وهي حكاية حال ماضية {أَعْصِرُ خَمْرًا} أي عنباً تسمية للعنب بما يؤول إليه أو الخمر بلغته عمان اسم للعنب {وَقَالَ الآخر} أي خبازه {إِنّى أَرَانِى أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزًا تَأْكُلُ الطير مِنْهُ نَبّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ} بتأويل ما رأيناه {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ المحسنين} من الذين يحسنون عبارة الرؤيا أو من المحسنين إلى أهل السجن فإنك تداوى المريض وتعزى الحزين وتسوع على الفقير فأحسن الينا بتأويل ما رأيناه وقيل أنهما تحالماله يمتحناه فقال الشرابي إني رأيت كأني في بستان فإذا بأصل حبلة عليها ثلاثة عناقيد من عنب فقطفتها وعصرتها في كأس الملك وسقيته وقال الخباز إني رأيت كأن فوق رأسي ثلاث سلال فيها أنواع الأطعمة فإذا سباع الطير تنهش منها

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ودَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ ﴾ غُلامانِ كانا لِلْمَلِكِ الأكْبَرِ الرَّيّانِ بْنِ الوَلِيدِ: أحَدُهُما خَبّازُهُ وصاحِبُ طَعامِهِ، والآخَرُ ساقِيهِ وصاحِبُ شَرابِهِ، وكانَ قَدْ غَضِبَ عَلَيْهِما المَلِكُ بِسَبَبِ أنَّ جَماعَةً مِن أشْرافِ مِصْرَ أرادُوا المَكْرَ بِالمَلِكِ واغْتِيالَهُ فَضَمَّنُوا لَهُما مالًا عَلى أنْ يُسِمّاهُ في طَعامِهِ وشَرابِهِ فَأجابا إلى ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّ السّاقِيَ نَدِمَ فَرَجَعَ عَنْ ذَلِكَ، وقَبِلَ الخَبّازُ الرَّشْوَةَ وسَمَّ الطَّعامَ فَلَمّا حَضَرَ بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ قالَ السّاقِي: لا تَأْكُلْ أيُّها المَلِكُ فَإنَّ الطَّعامَ مَسْمُومٌ، وقالَ الخَبّازُ: لا تَشْرَبْ فَإنَّ الشَّرابَ مَسْمُومٌ، فَقالَ لِلسّاقِي: اشْرَبْهُ فَشَرِبَهُ فَلَمْ يَضُرَّهُ، وقالَ لِلْخَبّازِ: كُلْ مِن طَعامِكَ فَأبى فَأُطْعِمَ مِن ذَلِكَ لِدابَّةٍ فَهَلَكَتْ فَأمَرَ المَلِكُ بِحَبْسِهِما فاتَّفَقَ أنْ أُدْخِلا مَعَهُ السِّجْنَ، ولَعَلَّهُ إنَّما عَبَّرَ -بِدَخَلَ- الظّاهِرِ في كَوْنِ الدُّخُولِ بِالِاخْتِيارِ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لِلْإشارَةِ عَلى ما قِيلَ: إلى أنَّهُما لَمّا رَأيا يُوسُفَ هانَ عَلَيْهِما أمْرُ السَّجْنِ لِما وقَعَ في قُلُوبِهِما مِن مَحَبَّتِهِ.

وهَوى كُلِّ نَفْسٍ حَيْثُ حَبِيبُها.

فَقَدْ أخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ أنَّهُما لَمّا رَأياهُ قالا لَهُ: يا فَتى لَقَدْ واللَّهِ أحْبَبْناكَ حِينَ رَأيْناكَ، فَقالَ لَهُما عَلَيْهِ السَّلامُ: أنْشُدُكُما اللَّهَ تَعالى أنْ لا تُحِبّانِي فَواللَّهِ ما أحَبَّنِي أحَدٌ قَطُّ إلّا دَخَلَ عَلَيَّ مِن حُبِّهِ بَلاءٌ، لَقَدْ أحَبَّتْنِي عَمَّتِي فَدَخَلَ عَلَيَّ مِن حُبِّها بَلاءٌ، ثُمَّ أحَبَّنِي أبِي فَدَخَلَ عَلَيَّ مِن حُبِّهِ بَلاءٌ، ثُمَّ أحَبَّتْنِي زَوْجَةُ صاحِبِي هَذا فَدَخَلَ عَلَيَّ بِحُبِّها إيّايَ بَلاءٌ، فَلا تُحِبّانِي بارَكَ اللَّهُ تَعالى فِيكُما فَأبَيا إلّا حُبَّهُ واللَّهِ حَيْثُ كانَ، وقِيلَ: عَبَّرَ بِذَلِكَ لَمّا أنْ ذَكَرَ (مَعَهُ) يُفِيدُ اتِّصافَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِما يُنْسَبُ إلَيْهِما، والمُناسِبُ في حَقِّهِ نِسْبَةُ الدُّخُولِ لِمَكانِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ ﴾ لا الإدْخالُ المُفِيدُ لِسَلْبِ الِاخْتِيارِ، ولَوْ عَبَّرَ بِأدْخَلَ لَأفادَ ذَلِكَ نِسْبَةَ الإدْخالِ إلَيْهِ فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنَ التَّعْبِيرِ بِالدُّخُولِ تَرْجِيحًا لِجانِبِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، والظّاهِرُ أنَّ -مَعَ- تَدُلُّ عَلى الصُّحْبَةِ والمُقارَنَةِ لِفاعِلِ الفِعْلِ في ابْتِداءِ تَلَبُّسِهِ بِالفِعْلِ، فَتُفِيدُ أنَّ دُخُولَهُما مُصاحِبِينَ لَهُ وأنَّهم سُجِنُوا الثَّلاثَةَ في ساعَةٍ واحِدَةٍ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ هَذا مُنْتَقَضٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وأسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ ﴾ حِكايَةً عَنْ بِلْقِيسَ إذْ لَيْسَ إسْلامُهُما مُقارِنًا لِابْتِداءِ إسْلامِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأُجِيبَ بِأنَّ الحَمْلَ عَلى المَجازِ هُنالِكَ لِلْصارِفِ ولا صارِفَ فِيما نَحْنُ فِيهِ، فَيُحْمَلُ عَلى الحَقِيقَةِ، ويَشْهَدُ لِذَلِكَ ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ ﴾ مِن أنَّهُ بَيانٌ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ لِتَعَذُّرِ التَّعَلُّقِ -بِبَلَغَ- أوِ (السَّعْيِ) مَعْنًى أوْ لَفْظًا.

وقالَ صاحِبُ الكَشْفِ: إنَّهُ لا يَتَعَيَّنُ المَحْكِيُّ عَنْها لِمَعِيَّةِ الفاعِلِ فَجازَ أنْ يُرادَ أسْلَمْتُ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ مَثَلًا، وتَقْدِيمُ (مَعَ) لِلْإشْعارِ بِأنَّها كانَتْ تَظُنُّ أنَّها عَلى دِينٍ قَبْلُ وأنَّها كانَتْ مُسْلِمَةً فِيما كانَتْ تَعْبُدُ مِنَ الشَّمْسِ فَدَلَّ عَلى أنَّهُ إسْلامٌ يُعْتَدُّ بِهِ مِن أثَرِ مُتابَعَةِ نَبِيِّهِ لا إسْلامٌ كالأوَّلِ فاسِدٌ، وهَذا مَعْنًى صَحِيحٌ حَمْلُ الآيَةِ عَلَيْهِ أوْلى، وإنْ حُمِلَ عَلى مَعِيَّةِ الفاعِلِ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن مَحْذُوفٍ نَحْوَ مَعَ بُلُوغِ دَعْوَتِهِ وإظْهارِ مُعْجِزَتِهِ لِأنَّ فَرْقَ ما بَيْنَ المَعِيَّةِ ومُطْلَقِ الجَمْعِ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، اهـ.

وفَرَّقَ بَعْضُهم بَيْنَ الفِعْلِ المُمْتَدِّ كالإسْلامِ وغَيْرِهِ كالدُّخُولِ بِأنَّ الأوَّلَ لا يَقْتَضِي مُقارَنَتَهُما في ابْتِدائِهِ بِخِلافِ الثّانِي، وهو عَلى ما قِيلَ: راجِعٌ إلى الجَمْعِ ولَيْسَ مِنَ المَعِيَّةِ في شَيْءٍ عَلى أنَّهُ حِينَئِذٍ لا يَحْتاجُ إلى تَأْوِيلٍ في آيَةِ ﴿ فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ ﴾ واخْتِيرَ أنَّ المُقارَنَةَ هي الأصْلُ ولا يَعْدِلُ عَنْها ما أمْكَنَتْ، فَتَأمَّلْ.

وتَأْخِيرُ الفاعِلِ عَنِ المَفْعُولِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ مِن الِاهْتِمامِ بِالمُقْدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ لِيَتَمَكَّنَ عِنْدَ النَّفْسِ حِينَ وُرُودِهِ فَضْلَ تَمَكُّنٍ، ولَعَلَّ تَقْدِيمَ الظَّرْفِ عَلى السِّجْنِ لِأنَّ الِاهْتِمامَ بِأمْرِ المَعِيَّةِ أشَدُّ مِن الِاهْتِمامِ بِأمْرِهِ لِما أنَّها المَنشَأُ لِما كانَ، وقِيلَ: إنَّما قُدِّمَ لِأنَّ تَأْخِيرَهُ يُوهِمُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا مُقَدَّمًا عَلى المُبْتَدَأِ، وتَكُونُ الجُمْلَةُ حالًا مِن فاعِلِ -دَخَلَ- وتُعُقِّبَ بِأنَّ حاصِلَ التَّرْكِيبِ الأوَّلِ مُصاحَبَةُ الفَتَيَيْنِ لَهُ عِنْدَ دُخُولِهِما، وحاصِلُ الثّانِي مُصاحَبَةُ الفَتَيَيْنِ لَهُ عِنْدَ دُخُولِهِ، ويُؤَوَّلُ الأمْرانِ إلى دُخُولِهِما ودُخُولِهِ مُتَصاحِبِينَ فافْهَمْ.

والجُمْلَةُ عَلى ما قِيلَ: مَعْطُوفَةٌ عَلى مَحْذُوفٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الذِّهْنُ كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَمّا بَدا لَهم ذَلِكَ سَجَنُوهُ ﴿ ودَخَلَ مَعَهُ ﴾ إلَخْ، وقَرَأ (السَّجْنَ) بِفَتْحِ السِّينِ عَلى مَعْنى مَوْضِعِ السَّجْنِ (قالَ) اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالِ مَن يَقُولُ: ما صَنَعا بَعْدَما دَخَلا؟

فَأُجِيبَ بِأنَّهُ (قالَ) (أحَدُهُما) وهو الشَّرابِيُّ واسْمُهُ بِنُّو ﴿ إنِّي أرانِي ﴾ أيْ رَأيْتُنِي في المَنامِ والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الصُّوَرِ الماضِيَةِ ﴿ أعْصِرُ خَمْرًا ﴾ أيْ عِنَبًا، ورُوِيَ أنَّهُ قالَ: رَأيْتُ حَبْلَةً مِن كَرْمٍ حَسَنَةٍ لَها ثَلاثَةُ أغْصانٍ فِيها عَناقِيدُ عِنَبٍ فَكُنْتُ أعْصِرُها وأسْقِي المَلِكَ، وسَمّاهُ بِما يَؤُولُ إلَيْهِ لِأنَّ الخَمْرَ مِمّا لا يُعْصَرُ إذْ عَصْرُ الشَّيْءِ إخْراجُ ما فِيهِ مِنَ المائِعِ بِقُوَّةٍ، وكَوْنُ العِنَبِ يُؤَوَّلُ إلى الخَمْرِ وكَوْنُ الَّذِي يُؤَوَّلُ إلَيْهِ ماؤُهُ لِإجْرَمِهِ لا يَضُرُّ لِأنَّهُ المَقْصُودُ مِنهُ فَما عَداهُ غَيْرُ مَنظُورٍ إلَيْهِ فَلَيْسَ فِيهِ تَجُوُّزانِ بِالنَّظَرِ إلى المُتَعارَفِ فِيهِ، وقِيلَ: الخَمْرُ بِلُغَةِ غَسّانَ اسْمٌ لِلْعِنَبِ، وقِيلَ: في لُغَةِ أذَرِعانِ، وقَرَأ أُبَيٌّ وعَبْدُ اللَّهِ -أعْصِرُ عِنَبًا- قالَ في البَحْرِ: ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى التَّفْسِيرِ لِمُخالَفَتِهِ لِسَوادِ المُصْحَفَ، والثّابِتُ عَنْهُما بِالتَّواتُرِ قِراءَتُهُما ﴿ أعْصِرُ خَمْرًا ﴾ انْتَهى، وقَدْ أخْرَجَ القِراءَةَ كَذَلِكَ عَنِ الثّانِي البُخارِيُّ في تارِيخِهِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ مِن طُرُقٍ، وذَكَرُوا أنَّهُ قالَ: واللَّهِ لَقَدْ أخَذْتُها مِن رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ هَكَذا، فافْهَمْ.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ وصْفُ الخَمْرِ بِأنَّها مَعْصُورَةٌ لِأنَّ العَصْرَ مِن أجْلِها فَلَيْسَ ذَلِكَ مِن مَجازِ الأوَّلِ، والمَشْهُورُ أنَّهُ مِنهُ كَما قالَ الفَرّاءُ: مُؤَنَّثَةٌ ورُبَّما ذُكِّرَتْ، وعَنِ السِّجِسْتانِيِّ أنَّهُ سَمِعَ التَّذْكِيرَ مِمَّنْ يُوثَقُ بِهِ مِنَ الفُصَحاءِ، ورَأى الحُلْمِيَّةُ جَرى مَجْرى أفْعالِ القُلُوبِ في جَوازِ كَوْنِ فاعِلِها ومَفْعُولِها ضَمِيرَيْنِ مُتَّحِدَيِ المَعْنى، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ في غَيْرِ ما ذُكِرَ، فَلا يُقالُ: أضْرِبُنِي ولا أكْرِمُنِي، وحاصِلُهُ أرى نَفْسِي أعْصِرُ خَمْرًا ﴿ وقالَ الآخَرُ ﴾ وهو الخَبّازُ واسْمُهُ مِجْلَثُ ﴿ إنِّي أرانِي أحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا ﴾ ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ -ثَرِيدًا-.

﴿ تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنهُ ﴾ وهَذا كَما قِيلَ أيْضًا: تَفْسِيرٌ لا قِراءَةٌ، رُوِيَ أنَّهُ قالَ: رَأيْتُ أنِّي أخْرُجُ مِن مَطْبَخَةِ المَلِكِ وعَلى رَأْسِي ثَلاثُ سِلالٍ فِيها خُبْزٌ والطَّيْرُ تَأْكُلُ مِن أعْلاهُ، والخُبْزُ مَعْرُوفٌ، وجَمْعُهُ أخْبازُ وهو مَفْعُولُ (أحْمِلُ) والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ -بِأحْمِلُ- وتَأْخِيرُهُ عَنْهُ لِما مَرَّ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنهُ، وجُمْلَةُ (تَأْكُلُ) إلَخْ صِفَةٌ لَهُ أوِ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ ﴿ نَبِّئْنا ﴾ أيْ أخْبِرْنا ﴿ بِتَأْوِيلِهِ ﴾ بِتَعْبِيرِهِ وما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهُ، والضَّمِيرُ لِلرُّؤْيَتَيْنِ بِتَأْوِيلِ ما ذُكِرَ أوْ ما رُؤِيَ وقَدْ أُجْرِيَ الضَّمِيرُ مَجْرى ذَلِكَ بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ، فَإنَّ اسْمَ الإشارَةِ يُشارُ بِهِ إلى مُتَعَدِّدٍ كَما مَرَّتِ الإشارَةُ إلَيْهِ غَيْرَ مَرَّةٍ، هَذا إذا قالاهُ مَعًا أوْ قالَهُ أحَدُهُما مِن جِهَتِهِما مَعًا، وأمّا إذا قالَهُ كُلٌّ مِنهُما إثْرَ ما قَصَّ ما رَآهُ، فالمَرْجِعُ غَيْرُ مُتَعَدِّدٍ ولا يَمْنَعُ مِن هَذا الِاحْتِمالِ صِيغَةُ المُتَكَلِّمِ مَعَ الغَيْرِ لِاحْتِمالِ أنْ تَكُونَ واقِعَةً في الحِكايَةِ دُونَ المَحْكِيِّ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ ﴾ فَإنَّهم لَمْ يُخاطَبُوا دُفْعَةً بَلْ خُوطِبَ كُلُّ واحِدٍ في زَمانٍ بِصِيغَةٍ مُفْرَدَةٍ خاصَّةٍ بِهِ ﴿ إنّا نَراكَ ﴾ تَعْلِيلٌ لِعَرْضِ رُؤْياهُما عَلَيْهِ واسْتِفْسارِهِما مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أيْ إنّا نَعْتَقِدُكَ ﴿ مِنَ المُحْسِنِينَ ﴾ أيْ مِنَ الَّذِينَ يُحْسِنُونَ تَأْوِيلَ الرُّؤْيا لَمّا رَأياهُ يَقُصُّ عَلَيْهِ بَعْضُ أهْلِ السِّجْنِ رُؤْياهُ فَيُؤَوِّلُها تَأْوِيلًا حَسَنًا، وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ دَخَلَ السِّجْنَ قَدْ قالَ: إنِّي أعْبُرُ الرُّؤْيا وأُجِيدُ أوْ مِنَ العُلَماءِ كَما في قَوْلِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: قِيمَةُ كُلِّ امْرِئٍ ما يُحْسِنُهُ وذَلِكَ لِما سَمِعاهُ يَذْكُرُ لِلنّاسِ ما يَدُلُّ عَلى عِلْمِهِ وفَضْلِهِ، أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ قالَ: لَمّا انْتَهى يُوسُفُ إلى السِّجْنِ وجَدَ فِيهِ قَوْمًا قَدِ انْقَطَعَ رَجاؤُهم واشْتَدَّ بَلاؤُهم وطالَ حُزْنُهم فَجَعَلَ يَقُولُ: أبْشِرُوا واصْبِرُوا تُؤْجَرُوا إنَّ لِهَذا لَأجْرًا، فَقالُوا: يا فَتى بارَكَ اللَّهُ تَعالى فِيكَ ما أحْسَنَ وجْهَكَ وأحْسَنَ خُلُقَكَ وخَلْقَكَ لَقَدْ بُورِكَ لَنا في جِوارِكَ ما نُحِبُّ أنّا كُنّا في غَيْرِ هَذا مُنْذُ جِئْتَنا لِما تُخْبِرُنا مِنَ الأجْرِ والكَفّارَةِ والطَّهارَةِ، فَمَن أنْتَ يا فَتى؟

قالَ: أنا يُوسُفُ بْنُ صَفِيِّ اللَّهِ تَعالى يَعْقُوبَ بْنِ ذَبِيحِ اللَّهِ تَعالى إسْحاقَ بْنِ خَلِيلِ اللَّهِ تَعالى إبْراهِيمَ فَقالَ لَهُ عامِلُ السِّجْنِ: يا فَتى لَوِ اسْتَطَعْتُ خَلَّيْتُ سَبِيلَكَ ولَكِنْ سَأُحْسِنُ جِوارَكَ فَكُنْ في أيِّ بُيُوتِ السِّجْنَ شِئْتَ، أوْ ﴿ مِنَ المُحْسِنِينَ ﴾ إلى أهْلِ السِّجْنِ أيْ فَأحْسِنْ إلَيْنا بِكَشْفِ غُمَّتِنا إنْ كُنْتَ قادِرًا عَلى ذَلِكَ، وإلى هَذا ذَهَبَ الضَّحّاكُ، أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، والبَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُما عَنْهُ أنَّهُ سُئِلَ ما كانَ إحْسانُ يُوسُفَ؟

فَقالَ: كانَ إذا مَرِضَ إنْسانٌ في السِّجْنِ قامَ عَلَيْهِ، وإذا ضاقَ عَلَيْهِ مَكانٌ أوْسَعَ لَهُ، وإذا احْتاجَ جَمَعَ لَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ يعني: حبس معه في السجن الخباز والساقي، عبدان للملك غضب عليهما.

يعني: صاحب شرابه، وصاحب مطبخه قالَ أَحَدُهُما ليوسف إِنِّي أَرانِي في المنام أَعْصِرُ خَمْراً يعني: عنباً بلغة عمان.

قال الضحاك: إن ناساً من العرب يسمون العنب خمراً.

ويقال: معناه، أعصر العنب الذي يكون عصيره خمراً، وذلك أنه قال: رأيت في المنام كأني دخلت كرماً فيه حبلة حسنة، فيها ثلاث من القضبان، وفي القضبان ثلاثة عناقيد عنب، قد أينع وبلغ، فأخذته وعصرته في الكأس، ثم أتيت به الملك فسقيته.

وَقالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً يقول: رأيت في المنام كأني أحمل فوق رأسي ثلاث سلال خبزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ يقول: أخبرنا بتفسير هذه الرؤيا إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ أي: من الموحدين.

وذلك أنه ينصر المظلوم، ويعين الضعيف، وكان يداوي مرضاهم، ويعزي مكروبهم، فإذا احتاج واحد منهم، قام وجمع له شيئاً.

ويقال: إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ يعني: من الصادقين في القول، ويقال: كان متعبداً لربه، ويقال: كان أهل السجن يجتمعون عنده ويسألونه أشياء فيخبرهم، فقالا: إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ يعني: نراك عالماً، وقد أحسنت العلم قالَ لهما يوسف لاَ يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ يعني: تطعمانه إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ يقول: أخبرتكما بتفسيره وألوانه قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما الطعام.

وإنما أراد بذلك: أن يبيّن لهما علامة نبوته، وهذا مثل قول عيسى  لقومه: وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ [آل عمران: 49] فلما أخبر يوسف بذلك، قالا: وكيف تعلم ولست بساحر ولا عرّاف ولا كاهن؟

قال يوسف: ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي أراد أن يبيّن لهما علامة نبّوته لكي يسلما.

ثم قال: إِنِّي تَرَكْتُ يعني: تبرأت من مِلَّةَ قَوْمٍ يعني: دين قوم لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ أي: لا يصدّقون بوحدانية الله وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ يعني: بالبعث جاحدون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال ع «١» : فعلى هذا إِنما أعلمهم بأنه يعلم مغيَّباتٍ لا تعلُّق لها برؤْيَا، وقصد بذلك أحَدَ الوجهَيْنِ المتقدِّمين، وهذا على ما روي أنه نبىء في السجن فإِخباره كإِخبار عيسَى عليه السلام.

وقوله: تَرَكْتُ، مع أنه لم يتشبَّثْ بها جائزٌ صحيحٌ وذلك أنه أخبر عن تجنّبه من أول بالترك، وساق لفظ التَّرْك استجلابا لهما عسَى أن يتركا الترْكَ الحقيقيَّ الذي هو بَعْد الأخْذ في الشيء، والقَوْمُ المتروكُ ملتهم: المَلِكَ وأتباعه.

وقوله: وَاتَّبَعْتُ ...

الآية: تمَادٍ من يوسُفَ عليه السلام في دعائهما إِلى الملَّة الحنيفيَّة.

وقوله: مَا كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ، «مِنْ» : هي الزائدةُ المؤكِّدة التي تكونُ مع الجُحُودِ.

وقوله: لاَ يَشْكُرُونَ: يريد: الشكْرَ التَّامَّ الذي فيه الإيمان بالله عزّ وجلّ.

يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٤٠) يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ (٤١) وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (٤٢)

وقوله: يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ: وصْفُه لهما ب صاحِبَيِ السِّجْنِ من حيثُ سُكْنَاه كما قال: أَصْحابُ الْجَنَّةِ وأَصْحابُ النَّارِ ونحو ذلك، ويحتمل أن يريد صُحْبَتَهُما له في السِّجْنِ، كأنه قال: يا صَاحِبَايَ في السجْنِ، وعرْضُه عليهما بطلاَن أمْرِ الأوثان بأنْ وصَفَها بالتفرُّق، ووَصْفُ اللَّه تعالى بالوَحْدة والقَهْر تلطُّفٌ حَسَنٌ، وأخْذٌ بيسيرِ الحُجَّة قبل كثيرها الذي ربَّما نَفَرَتْ منه طباعُ الجَاهِلِ وعانَدَتْه، وهكذا الوجْهُ في محاجَّة الجاهِلِ: أَنْ يؤخَذَ بدَرَجَةٍ يسيرةٍ من الاحتجاج يقبلها، فإِذا قبلها، لزمته عَنْها درجةٌ أخرى فوقها، ثم كذلك أبداً حتى يصلَ إِلى الحقِّ، وإِن أُخِذَ الجاهلُ بجميعِ المَذْهَبِ الذي يُسَاقُ إِليه دفعةً أباه للحين وعانَدَهُ، ولقد ابتلي بأربابٍ

متفرِّقين مَنْ يَخْدُم أبناء الدنيا ويؤمِّلهم.

وقوله: مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً: أي: مسمَّيات، ويحتملُ- وهو الراجحُ المختار- أن يريد: ما تَعْبُدُون من دونه ألوهيَّة، ولا لكُمْ تعلُّق بإله إِلا بحَسَبِ أنْ سمَّيْتُمْ أصنامكم آلهة، فليست عبادتكم لا للَّه إِلا بالاسم فقطْ لا بالحقيقة، وأما الحقيقة: فَهِيَ وسائرُ الحجارة والخَشَب سواءٌ، وإِنما تعلّقت عبادتكم بحسب الاسم الذي وضعتم، فذلك هو معبودكم، ومفعولُ «سميتم» الثاني محذوفٌ، تقديره: آلهة هذا على أن الأسماء يراد بها ذواتُ الأصنام، وأما على المعنى المُخْتارِ من أنَّ عبادتهم إِنما هي لمعانٍ تعطيها الأسماءُ، وليسَتْ موجودةً في الأصنام، فقوله: سَمَّيْتُمُوها بمنزلةِ وضَعْتُمُوهَا، إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ: أي ليس لأصنامكم، والْقَيِّمُ: معناه المستقيم، وأَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ لجهالتهم وكُفْرهم، ثم نادَى: يا صاحِبَيِ السِّجْنِ ثانيةً لتجتمع أنفسهما، لسماعِ الجواب، فروي أنه قال لنبو: أمَّا أنْتَ، فتعودُ إِلى مرتبتك وسقايةِ ربِّك، وقال لمجلث: أما أنْتَ، فتُصْلَب، وذلك كلَّه بعد ثلاثٍ، فروي أنهما قالا له: ما رَأَيْنَا شيئاً، وإِنما تحالمنا لنجرِّبك، وروي أنه لم يَقُلْ ذلك إِلا الذي حدَّثه بالصَّلْبِ، وقيل: كانا رَأَيَا، ثم أنْكَرا، ثم أخبرهما/ يوسُفُ عَنْ غَيْبِ عِلمَهُ من اللَّه تعالى، أَن الأمر قد قُضِيَ ووافَقَ القدر.

وقوله: وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا ...

الآية: الظَّنُّ هنا: بمعنى اليقين لأن ما تقدَّم من قوله: قُضِيَ الْأَمْرُ يلزم ذلك، وقال قتادة: الظنُّ هنا على بابه لأن عبارة الرؤْيا «١» ظنٌّ.

قال ع «٢» : وقول يوسف عليه السلام: قُضِيَ الْأَمْرُ: دالٌّ على وحْيٍ، ولا يترتَّب قول قتادة إِلا بأَن يكون معنى قوله: قُضِيَ الْأَمْرُ: أيْ: قُضِيَ كلامِي، وقلْتُ ما عِنْدي، وَتَمَّ، واللَّه أعلم بما يكُونُ بَعْدُ، وفي الآية تأويلٌ آخر: وهو أن يكون «ظَنَّ» مسنداً إِلى الذي قيل له: إِنه يسقي ربه خمراً لأنه داخَلَه السرور بما بُشِّر به، وغلَبَ على ظنّه ومعتقده أنه ناج.

وقوله: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ: يحتمل أن يريد أن يذكره بعلمه ومكانته، ويحتمل: أن يذكره بمظلمته، وما امتحن به بغير حقّ، أو يذكره بجملة ذلك، والضمير في فَأَنْساهُ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ حُبِسَ، وإنْ لَمْ يُذْكَرْ ذَلِكَ.

و " فَتَيانِ " جائِزٌ أنْ يَكُونا حَدَثَيْنِ أوْ شَيْخَيْنِ، لِأنَّهم يُسَمُّونَ المَمْلُوكَ فَتًى.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّما قالَ: " فَتَيانِ " لِأنَّهُما كانا مَمْلُوكَيْنِ، والعَرَبُ تُسَمِّي المَمْلُوكَ فَتًى، شابًّا كانَ أوْ شَيْخًا.

قالَ المُفَسِّرُونَ: عُمِّرَ مَلِكُ مِصْرَ فَمَلُّوهُ، فَدَسُّوا إلى خَبّازِهِ وصاحِبِ شَرابِهِ أنْ يَسُمّاهُ، فَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَحَبَسَهُما، فَكانَ يُوسُفُ قالَ لِأهْلِ السِّجْنِ: إنِّي أُعَبِّرُ الأحْلامَ، فَقالَ أحَدُ الفَتَيَيْنِ: هَلُمَّ فَلْنُجَرِّبْ هَذا العَبْدَ العِبْرانِيَّ.

واخْتَلَفُوا هَلْ كانَتْ رُؤْياهُما صادِقَةً، أمْ لا ؟

عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها كانَتْ كَذِبًا، وإنَّما سَألاهُ تَجْرِيبًا، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنَّها كانَتْ صِدْقًا، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ إسْحاقَ.

والثّالِثُ: أنَّ الَّذِي صُلِبَ مِنهُما كانَ كاذِبًا، وكانَ الآخَرُ صادِقًا، قالَهُ أبُو مِجْلَزٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ أحَدُهُما ﴾ يَعْنِي السّاقِي " إنِّي أرانِي " أيْ: في النَّوْمِ " أعْصِرُ خَمْرًا " أيْ: عِنَبًا.

وفي تَسْمِيَةِ العِنَبِ خَمْرًا ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ سَمّاهُ بِاسْمِ ما يَؤُولُ إلَيْهِ، لِأنَّ المَعْنى لا يَلْتَبِسُ، كَما يُقالُ: فُلانٌ يَطْبُخُ الآجُرَّ ويَعْمَلُ الدَّبْسَ، وإنَّما يَطْبُخُ اللَّبَنَ ويَصْنَعُ التَّمْرَ، وهَذا قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وإنَّما كانَ كَذَلِكَ، لِأنَّ العَرَبَ تُوقِعُ بِالفَرْعِ ما هو واقِعٌ بِالأصْلِ، كَقَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَطْبُخُ آجُرًّا.

والثّانِي: أنَّ الخَمْرَ في لُغَةِ أهْلِ عُمانَ اسْمٌ لِلْعِنَبِ، قالَهُ الضَّحّاكُ، والزَّجّاجُ.

قالَ ابْنُ القاسِمِ: وقَدْ نَطَقَتْ قُرَيْشٌ بِهَذِهِ اللُّغَةِ وعَرَفَتْها.

والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: أعْصِرُ عِنَبَ خَمْرٍ، وأصْلَ خَمْرٍ، وسَبَبَ خَمْرٍ، فَحُذِفَ المُضافُ، وخَلَفَهُ المُضافُ إلَيْهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ واسْألِ القَرْيَةَ  ﴾ .

قالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: رَأى يُوسُفُ ذاتَ يَوْمٍ الخَبّازَ والسّاقِيَ مَهْمُومَيْنِ، فَقالَ: ما شَأْنُكُما، قالا رَأيْنا رُؤْيا، قالَ: قُصّاها عَلَيَّ، قالَ السّاقِي: إنِّي رَأيْتُ كَأنِّي دَخَلْتُ كَرْمًا فَجَنَيْتُ ثَلاثَةَ عَناقِيدِ عِنَبٍ، فَعَصَرْتُهُنَّ في الكَأْسِ، ثُمَّ أتَيْتُ بِهِ المَلِكَ فَشَرِبَهُ، وقالَ الخَبّازُ: رَأيْتُ أنِّي خَرَجْتُ مِن مَطْبَخِ المَلِكِ أحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي ثَلاثَ سِلالٍ مِن خُبْزٍ، فَوَقَعَ طَيْرٌ عَلى أعْلاهُنَّ فَأكَلَ مِنها، ﴿ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ ﴾ أيْ: أخْبِرْنا بِتَفْسِيرِهِ.

وفي قَوْلِهِ: ﴿ إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ ﴾ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ يَعُودُ المَرْضى ويُداوِيهِمْ ويُعَزِّي الحَزِينَ، رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: إنّا نَراكَ مُحْسِنًا إنْ أنْبَأْتَنا بِتَأْوِيلِهِ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

والثّالِثُ: إنّا نَراكَ مِنَ العالِمِينَ قَدْ أحْسَنْتَ العِلْمَ، قالَهُ الفَرّاءُ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: فَعَلى هَذا يَكُونُ مَفْعُولُ الإحْسانِ مَحْذُوفًا، كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ: ﴿ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ  ﴾ يَعْنِي العِنَبَ والسِّمْسِمَ.

وإنَّما عَلِمُوا أنَّهُ عالِمٌ، لِنَشْرِهِ العِلْمَ بَيْنَهم.

والرّابِعُ: إنّا نَراكَ مِمَّنْ يُحْسِنُ التَّأْوِيلَ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

والخامِسُ: إنّا نَراكَ مُحْسِنًا إلى نَفْسِكَ بِلُزُومِكَ طاعَةَ اللَّهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ثُمَّ بَدا لَهم مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتّى حِينٍ ﴾ ﴿ وَدَخَلَ مَعَهُ السِجْنَ فَتَيانِ قالَ أحَدُهُما إنِّي أرانِي أعْصِرُ خَمْرًا وقالَ الآخَرُ إنِّي أرانِي أحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَيْرُ مِنهُ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ ﴾ لَمّا أبى يُوسُفُ المَعْصِيَةَ ويَئِسَتْ مِنهُ امْرَأةُ العَزِيزِ طالَبَتْهُ بِأنْ قالَتْ لِزَوْجِها: إنَّ هَذا الغُلامَ العِبْرانِيَّ قَدْ فَضَحَنِي في الناسِ، وهو يَعْتَذِرُ إلَيْهِمْ ويَصِفُ الأمْرَ بِحَسْبَ اخْتِيارِهِ، وأنا مَحْبُوسَةٌ مَحْجُوبَةٌ، فَإمّا أذِنْتَ لِي فَخَرَجْتُ إلى الناسِ فاعْتَذَرْتُ وَكَذَّبْتُهُ، وإمّا حَبَسْتَهُ كَما أنا مَحْبُوسَةٌ، فَحِينَئِذٍ بَدا لَهم سِجْنُهُ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَأمَرَ بِهِ فَحُمِلَ عَلى حِمارٍ، وضُرِبَ بِالطَبْلِ، ونُودِيَ عَلَيْهِ في أسْواقِ مِصْرَ: إنْ يُوسُفَ العِبْرانِيَّ أرادَ سَيِّدَتَهُ، فَهَذا جَزاؤُهُ أنْ يُسْجَنُ، قالَ أبُو صالِحٍ: ما ذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ هَذا الحَدِيثَ إلّا بَكى.

و"بَدا" مَعْناهُ: ظَهَرَ، والفاعِلُ بِـ"بَدا" مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: بَدْوٌ، أو رَأْيٌ، وجَمْعُ الضَمِيرِ في "لَهُمْ" والساجِنُ المَلِكُ وحْدَهُ مِن حَيْثُ كانَ في الأمْرِ تَشاوُرٌ، و"لَيَسْجُنُنَّهُ" جُمْلَةٌ دَخَلَتْ عَلَيْها لامُ القَسَمِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ بِـ"بَدا" "لَيَسْجُنُنَّهُ" لِأنَّ الفاعِلَ لا يَكُونُ جُمْلَةً بِوَجْهٍ، هَذا صَرِيحُ مَذْهَبِ سِيبَوَيْهَ، وقِيلَ: الفاعِلُ: "لَيَسْجُنُنَّهُ"، وهو خَطَأٌ، وإنَّما هو مُفَسِّرٌ لِلْفاعِلِ.

و"الآياتِ" ذَكَرَ فِيها أهْلُ التَفْسِيرِ أنَّها قَدُّ القَمِيصِ -قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ- وخَمْشُ الوَجْهِ الَّذِي كانَ مَعَ قَدِّ القَمِيصِ -قالَهُ عِكْرِمَةُ - وحَزُّ النِساءِ أيْدِيَهُنَّ، قالَهُ السُدِّيُّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَقْصِدُ الكَلامِ إنَّما هو أنَّهم رَأوا سِجْنَهُ بَعْدَ بَدْوِ الآياتِ المُبَرِّئَةِ لَهُ مِنَ التُهْمَةِ، فَهَكَذا يُبَيِّنُ ظُلْمَهم لَهُ، وخَمْشُ الوَجْهِ وحَزُّ النِساءِ أيْدِيَهُنَّ لَيْسَ فِيهِما تَبْرِيَةٌ لِيُوسُفَ، ولا تُتَصَوَّرُ تَبْرِيَةٌ إلّا في خَبَرِ القَمِيصِ، فَإنْ كانَ المُتَكَلِّمُ طِفْلًا -عَلى ما رُوِيَ- فَهي آيَةٌ عَظِيمَةٌ، وإنْ كانَ رَجُلًا فَهي آيَةٌ فِيها اسْتِدْلالٌ ما، والعادَةُ أنَّهُ لا يُعَبَّرُ بِآيَةٍ إلّا فِيما ظُهُورُهُ في غايَةِ الوُضُوحِ، وقَدْ تَقَعُ (الآياتُ) أيْضًا عَلى (المُبَيِّناتُ) كانَتْ في أيِّ حَدٍّ اتُّفِقَ مِنَ الوُضُوحِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ ما ظَهَرَ لَهم مِن وُجُوهِ الأمْرِ وقَرائِنِهِ أنَّ يُوسُفَ بَرِيءٌ، فَلَمْ يُرِدْ تَعْيِينَ آيَةٍ، بَلْ قَرائِنِ جَمِيعِ القِصَّةِ.

و(الحِينُ) في كَلامِ العَرَبِ وفي هَذِهِ الآيَةِ: الوَقْتُ مِنَ الزَمَنِ غَيْرَ مَحْدُودٍ، يَقَعُ لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ، وذَلِكَ بَيْنَ مَوارِدِهِ في القُرْآنِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: الحِينُ هُنا يُرادُ بِهِ سَبْعَةُ أعْوامٍ وقِيلَ: بَلْ يُرادُ بِذَلِكَ سَنَةٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا بِحَسْبَ ما كَشَفَ الغَيْبُ في سَجْنِ يُوسُفَ - وسَمِعَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ رَجُلًا يَقْرَأُ "عَتّى حِينٍ" بِالعَيْنِ -وَهِيَ لُغَةُ هُذَيْلٍ- فَقالَ لَهُ: مَن أقْرَأكَ؟

قالَ: ابْنُ مَسْعُودٍ، فَكَتَبَ عُمْرُ إلى ابْنِ مَسْعُودٍ: "إنَّ اللهَ أنْزَلَ القُرْآنَ عَرَبِيًّا بِلُغَةِ قُرَيْشٍ، فَبِها أقْرِئِ الناسَ، ولا تُقْرِئْهم بِلُغَةِ هُذَيْلٍ ".

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: "عَثَرَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَلامُ ثَلاثَ عَثَراتٍ: هَمَّ فَسُجِنَ، وقالَ: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأنْساهُ الشَيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَطُوِّلَ سِجْنِهِ، وقالَ: إنَّكم لَسارِقُونَ، فَرُوجِعَ: إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَدَخَلَ مَعَهُ السِجْنَ ﴾ الآيَةُ.

المَعْنى: فَسَجَنُوهُ فَدَخَلَ مَعَهُ السِجْنَ غُلامانِ سُجِنا أيْضًا، وهَذِهِ (مَعَ) تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ بِاقْتِرانِ وقْتِ الدُخُولِ، وألّا تَكُونَ بَلْ دَخَلُوا أفْذاذًا، ورُوِيَ أنَّهُما كانا لِلْمَلِكِ الأعْظَمِ، الوَلِيدِ بْنِ الرَيّانِ، أحَدُهُما: خَبّازُهُ، والآخَرُ: ساقِيهِ.

والفَتى: الشابُّ، وقَدْ تَقَعُ اللَفْظَةُ عَلى المَمْلُوكِ وعَلى الخادِمِ الحُرِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَتَّصِفَ هَذانِ بِجَمِيعِ ذَلِكَ، واللَفْظَةُ مِن ذَواتِ الياءِ، وقَوْلُهُمُ: (الفُتُوَّةُ): شاذٌّ، ورُوِيَ أنَّ المَلِكَ اتَّهَمَهُما بِأنَّ الخابِزَ مِنهُما أرادَ سُمَّهُ، ووافَقَهُ عَلى ذَلِكَ الساقِي، فَسَجَنَهُما، قالَهُ السُدِّيُّ، فَلَمّا دَخَلَ يُوسُفُ السِجْنَ اسْتَمالَ الناسَ فِيهِ بِحُسْنِ حَدِيثِهِ وفَضْلِهِ ونُبْلِهِ، وكانَ يُسَلِّي حَزِينَهُمْ، ويَعُودُ مَرِيضَهُمْ، ويَسْألُ لِفَقِيرِهِمْ، ويَنْدُبُهم إلى الخَيْرِ، فَأحَبَّهُ الفَتَيانِ ولَزِماهُ، وأحَبَّهُ صاحِبُ السَجْنِ والقَيِّمُ عَلَيْهِ، وقالَ لَهُ: كُنْ في أيِّ البُيُوتِ شِئْتَ، فَقالَ لَهُ يُوسُفُ: لا تُحِبُّنِي يَرْحَمُكَ اللهُ، فَلَقَدْ أدْخَلَتْ عَلَيَّ المَحَبَّةُ مَضَرّاتٍ: أحَبَّتْنِي عَمَّتِي فامْتُحِنْتُ لِمَحَبَّتِها، وأحَبَّنِي أبِي فامْتُحِنْتُ لِمَحَبَّتِهِ لِي، وأحَبَّتْنِي امْرَأةُ العَزِيزِ فامْتُحِنْتُ لِمَحَبَّتِها بِما تَرى، وكانَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَلامُ قَدْ قالَ لِأهْلِ السِجْنِ: إنِّي أُعَبِّرُ الرُؤْيا وأُجِيدُ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ الفَتَيَيْنِ اسْتَعْمَلا هَذَيْنِ المَنامَيْنِ لِيُجَرِّباهُ، ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ أنَّهُما رَأيا ذَلِكَ حَقِيقَةً فَأرادا سُؤالَهُ، فَقالَ أحَدُهُما واسْمُهُ (نبو) فِيما رُوِيَ: إنِّي رَأيْتُ حَبَلَةً مَن كَرْمٍ لَها ثَلاثَةُ أغْصانٍ حِسانٍ، فِيها عَناقِيدُ عِنَبٍ حِسانٍ، فَكُنْتُ أعْصِرُها وأسْقِي المَلِكَ، وقالَ الآخَرُ واسْمُهُ (مجلث): كُنْتُ أرى أنِّي أخْرُجُ مِن مُطَبَّخَةِ المَلِكِ وعَلى رَأْسِي ثَلاثُ سِلالٍ فِيها خُبْزٌ والطَيْرُ تَأْكُلُ مِن أعْلاهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ أعْصِرُ خَمْرًا ﴾ قِيلَ: إنَّهُ سَمّى العِنَبَ خَمْرًا بِالمَآلِ، وقِيلَ: هي لُغَةُ أزْدِ عُمانَ، يُسَمُّونَ العِنَبَ خَمْرًا، وقالَ الأصْمَعِيُّ: حَدَّثَنِي المُعْتَمِرُ قالَ: لَقِيتُ أعْرابِيًّا يَحْمِلُ عِنَبًا في وِعاءٍ، فَقُلْتُ: ما تَحَمِلُ؟

قالَ: خَمْرًا، أرادَ العِنَبَ.

وفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ "إنِّي أرانِي أعْصِرُ عِنَبًا"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ وصْفُ الخَمْرِ بِأنَّها مَعْصُورَةٌ؛، إذِ العَصْرُ لَها ومِن أجْلِها.

وقَوْلُهُ: "خُبْزًا" يُرْوى أنَّهُ رَأى ثَرِيدًا فَوْقَ رَأْسِهِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "فَوْقَ رَأْسِي ثَرِيدًا تَأْكُلُ الطَيْرُ مِنهُ".

وقَوْلُهُ: ﴿ إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ ﴾ قالَ الجُمْهُورُ: يُرِيدانِ: في العِلْمِ، وقالَ الضَحّاكُ وقَتادَةُ: المَعْنى مِنَ المُحْسِنِينَ في عِشْرَتِهِ مَعَ أهْلِ السِجْنِ وإجْمالِهِ مَعَهُمْ، وقِيلَ: أرادا إخْبارَهُ أنَّهُما يَرَيانِ لَهُ إحْسانًا عَلَيْهِما ويَدًا إذا تَأوَّلَ لَهُما ما رَأياهُ، ونَحا إلَيْهِ ابْنُ إسْحاقَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

اتفق جميع القراء على كسر سين ﴿ السّجن ﴾ هنا بمعنى البيت الذي يسجن فيه، لأنّ الدخول لا يناسب أن يتعلق إلا بالمكان لا بالمصدر.

وهذان الفتيان هما ساقي المَلك وخبّازُه غضب عليهما الملك فأمر بسجنهما.

قيل: اتهما بتسميم الملك في الشراب والطعام.

وجملة ﴿ قال أحدهما ﴾ ابتداء محاورة، كما دل عليه فعل القول.

وكان تعبير الرؤيا من فنون علمائهم فلذلك أيّد الله به يوسف عليه السّلام بينهم.

وهذان الفتيان توسّما من يوسف عليه السّلام كمال العقل والفهم فظنّا أنه يحسن تعبير الرؤيا ولم يكونا علِما منه ذلك من قبل، وقد صادفا الصواب، ولذلك قالا: ﴿ إنا نراك من المحسنين ﴾ ، أي المحسنين التعبير، أو المحسنين الفهم.

والإحسان: الإتقان، يقال: هو لا يحسن القراءة، أي لا يتقنها.

ومن عادة المساجين حكاية المرائي التي يرونها، لفقدانهم الأخبار التي هي وسائل المحادثة والمحاورة، ولأنهم يتفاءلون بما عسى أن يبشرهم بالخلاص في المستقبل.

وكان علم تعبير الرؤيا من العلوم التي يشتغل بها كهنة المصريين، كما دل عليه قوله تعالى حكاية عن ملك مصر ﴿ أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون ﴾ [سورة يوسف: 43] كما سيأتي.

والعصر: الضغط باليد أو بحَجر أو نحوه على شيء فيه رطوبة لإخراج ما فيه من المائع زيتتٍ أو ماءٍ.

والعصير: ما يستخرج من المعصور سمي باسم محله، أي معصور من كذا.

والخبز: اسم لقطعة من دقيق البر أو الشعير أو نحوهما يعجن بالماء ويوضع قرب النار حتى ينضج ليؤكل، ويسمى رغيفاً أيضاً.

والضمير في بتأويله} للمذكور، أو للمرئي باعتبار الجنس.

وجملة ﴿ إنّا نراك ﴾ تعليل لانتفاء المستفاد من ﴿ نبّئنا ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ أحَدُهُما خازِنَ المَلِكِ عَلى طَعامِهِ، وكانَ الآخَرُ ساقِيَ المَلِكِ عَلى شَرابِهِ، وكانَ المَلِكُ وهو المَلِكُ الأكْبَرُ الوَلِيدُ بْنُ الرَّيّانِ قَدِ اتَّهَمَهُما بِسَمِّهِ فَحَبَسَهُما، فَحَكى مُجاهِدٌ أنَّهُما قالا لِيُوسُفَ لَمّا حُبِسا مَعَهُ: واللَّهِ لَقَدْ أحْبَبْناكَ حِينَ رَأيْناكَ، فَقالَ يُوسُفُ: أُنْشِدُكُما بِاللَّهِ أنْ أحْبَبْتُمانِي فَما أحَبَّنِي أحَدٌ إلّا دَخَلَ عَلَيَّ مِن حُبِّهِ بَلاءٌ، لَقَدْ أحَبَّتْنِي عَمَّتِي فَدَخَلَ عَلَيَّ مِن حُبِّها بَلاءٌ، ثُمَّ أحَبَّنِي أبِي فَدَخَلَ عَلَيَّ مِن حُبِّهِ بَلاءٌ، ثُمَّ أحَبَّتْنِي زَوْجَةُ صاحِبِي العَزِيزِ فَدَخَلَ عَلَيَّ مِن حُبِّها بَلاءٌ، لا أُرِيدُ أنْ يُحِبَّنِي إلّا رَبِّي.

وَقالَ فِتْيانٌ لِأنَّهُما كانَ عَبْدَيْنِ، والعَبْدُ يُسَمّى فَتًى صَغِيرًا كانَ أمْ كَبِيرًا.

﴿ قالَ أحَدُهُما إنِّي أرانِي أعْصِرُ خَمْرًا وقالَ الآخَرُ إنِّي أرانِي أحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنهُ ﴾ وسَبَبُ قَوْلِهِما ذَلِكَ ما حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ أنَّهُما سَألاهُ عَنْ عِلْمِهِ فَقالَ: إنِّي أُعَبِّرُ الرُّؤْيا، فَسَألاهُ عَنْ رُؤْياهُما وفِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها كانَتْ رُؤْيا صِدْقٍ رَأياها وسَألاهُ عَنْها قالَ مُجاهِدٌ وابْنُ إسْحاقَ: وكَذَلِكَ صَدَقَ تَأْوِيلُها.

رَوى مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ « (أصْدَقُكم رُؤْيا أصْدَقُكم حَدِيثًا)» .

الثّانِي: أنَّها كانَتْ رُؤْيا كَذِبٍ سَألاهُ عَنْها تَجْرِبَةً، فَلَمّا أجابَهُما قالا: إنَّما كُنّا نَلْعَبُ فَقالَ ﴿ قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ ﴾ وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ والسُّدِّيِّ.

الثّالِثُ: أنَّ المَصْلُوبَ مِنهُما كانَ كاذِبًا، والآخَرَ صادِقًا، قالَهُ أبُو مِجْلَزٍ.

وَقَوْلُهُ ﴿ إنِّي أرانِي أعْصِرُ خَمْرًا ﴾ أيْ عِنَبًا.

وَفي تَسْمِيَتِهِ خَمْرًا وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّ عَصِيرَهُ يَصِيرُ خَمْرًا فَعَبَّرَ عَنْهُ بِما يَئُولُ إلَيْهِ.

الثّانِي: أنَّ أهْلَ عُمانَ يُسَمُّونَ العِنَبَ خَمْرًا، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وَقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: إنِّي أرانِي أعْصِرُ عِنَبًا.

﴿ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم وصَفُوهُ بِذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ يَعُودُ مَرِيضَهم ويُعَزِّي حَزِينَهم ويُوَسِّعُ عَلى مَن ضاقَ مَكانُهُ مِنهم، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: مَعْناهُ لِأنَّهُ كانَ يَأْمُرُهم بِالصَّبْرِ ويَعِدُهم بِالثَّوابِ والأجْرِ.

الثّالِثُ: إنّا نَراكَ مِمَّنْ أحْسَنَ العِلْمَ.

حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ.

الرّابِعُ: أنَّهُ كانَ لا يَرُدُّ عُذْرَ مُعْتَذِرٌ.

الخامِسُ: أنَّهُ كانَ يَقْضِي حَقَّ غَيْرِهِ ولا يَقْضِي حَقَّ نَفْسِهِ.

السّادِسُ: إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ إنْ أنْبَأْتَنا بِتَأْوِيلِ رُؤْيانا هَذِهِ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ودخل معه السجن فتيان ﴾ قال أحدهما خازن الملك على طعامه، والآخر ساقيه على شرابه.

وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه مثله.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن محمد بن إسحاق رضي الله عنه قال: في قوله: ﴿ ودخل معه السجن فتيان ﴾ قال: غلامان كانا للملك الأكبر الريان بن الوليد، كان أحدهما على شرابه والآخر على بعض أمره في سخطة سخطها عليهما، اسم أحدهما مجلب، والآخر نبوا الذي كان على الشراب.

فلما رأياه قالا: يا فتى، والله لقد أحببناك حين رأيناك، قال ابن إسحق: فحدثني عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد رضي الله عنه، أن يوسف عليه الصلاة والسلام قال لهما حين قالا له ذلك: أنشدكما بالله أن لا تحباني، فوالله ما أحبني أحد قط إلا دخل علي من حبه بلاء.

قد أحبتني عمتي فدخل علي من حبها بلاء، ثم أحبني أبي فدخل علي بحبه بلاء، ثم أحبتني زوجة صاحبي فدخل علي بمحبتها إياي بلاء.

فلا تحباني بارك الله فيكما، فأبيا إلا حبه وألفه حيث كان، وجعل يعجبهما ما يريان من فهمه وعقله.

وقد كانا رأيا حين ادخلا السجن رؤيا، فرأى مجلب أنه رأى فوق رأسه خبزاً تأكل الطير منه، ورأى نبوا أنه يعصر خمراً، فاستفتياه فيها وقالا له ﴿ نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين ﴾ إن فعلت فقال لهما ﴿ لا يأتيكما طعام ترزقانه ﴾ يقول في نومكما ﴿ إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ﴾ ثم دعاهما إلى الله وإلى الإسلام فقال: ﴿ يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ﴾ أي خير أن تعبدوا، إلهاً واحداً أم آلهة متفرقة لا تغني عنكم شيئاً؟....

ثم قال لمجلب: أما أنت فتصلب فتأكل الطير من رأسك.

وقال لنبوا أما أنت، فترد على عملك ويرضى عنك صاحبك، ﴿ قضي الأمر الذي فيه تستفتيان ﴾ .

وأخرج وكيع في الغرر، عن عمرو بن دينار قال: قال يوسف عليه السلام: ما لقي أحد في الحب ما لقيت، أحبني أبي فألقيت في الجب، وأحبتني امرأة العزيز، فألقيت في السجن.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إني أراني أعصر خمراً ﴾ قال عنباً.

وأخرج البخاري في تاريخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري وأبو الشيخ وابن مردويه، من طرق عن ابن مسعود رضي الله عنه، أنه قرأ ﴿ اني أراني أعصر عنباً ﴾ وقال: والله لقد أخذتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ اني أراني أعصر خمراً ﴾ يقول: أعصر عنباً، وهو بلغة أهل عمان، يسمون العنب خمراً.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ نبئنا بتأويله ﴾ قال: عبارته.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إني أراني أعصر خمراً ﴾ قال: هو بلغة عمان.

وفي قوله: ﴿ إنا نراك من المحسنين ﴾ قال: كان احسانه فيما ذكر لنا أنه كان يعزي حزينهم ويداوي مريضهم، ورأوا منه عبادة واجتهاداً فأحبوه به، وقال لما انتهى يوسف عليه السلام إلى السجن، وجد فيه قوماً قد انقطع رجاؤهم، واشتد بلاؤهم، وطال حزنهم، فجعل يقول: أبشروا، اصبروا تؤجروا، إن لهذا أجراً، إن لهذا ثواباً.

فقالوا: يا فتى، بارك الله فيك.

ما أحسن وجهك، وأحسن خلقك، وأحسن خلقك!...

لقد بورك لنا في جوارك، إنا كنا في غير هذا منذ حبسنا لما تخبرنا من الأجر والكفارة والطهارة، فمن أنت يا فتى؟!!!...

قال: أنا يوسف ابن صفي الله يعقوب ابن ذبيح الله إسحاق ابن خليل الله إبراهيم، عليهم الصلاة والسلام، وكانت عليه محبة.

وقال له عامل السجن: يا فتى، والله لو استطعت لخليت سبيلك، ولكن سأحسن جوارك، وأحسن آثارك، فكن في أي بيوت السجن شئت.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: دعا يوسف عليه السلام لأهل السجن فقال: اللهم لا تعم عليهم الأخبار، وهون عليهم مر الأيام.

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في شعب الإيمان، عن الضحاك رضي الله عنه؛ أنه سئل عن قوله: ﴿ إنا نراك من المحسنين ﴾ ما كان إحسان يوسف عليه السلام؟

قال: كان إذا مرض إنسان في السجن قام عليه، وإذا ضاق عليه المكان أوسع له، وإذا احتاج جمع له.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ ﴾ قال السدي (١) (٢) (٣) والفتى في اللغة (٤) (٥) ﴿ وَدَخَلَ مَعَهُ ﴾ دليلًا على أنه حبس.

قال ابن عباس (٦) وقوله تعالى: ﴿ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا ﴾ قال المفسرون (٧) قال ابن مسعود (٨) وقال مجاهد (٩) (١٠) ﴿ إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا ﴾ قال أبو إسحاق (١١) ﴿ أَرَانِي ﴾ وقال غيرهما: قد دل على المنام قولهما ﴿ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ ﴾ وذلك أنه لا يكون لما يرى في اليقظة تأويل.

وقوله تعالى: ﴿ أَعْصِرُ خَمْرًا ﴾ قال الليث (١٢) (١٣) ﴿ أَعْصِرُ خَمْرًا ﴾ ثلاثة أقوال: أحدها: أن يكون المعنى أعصر عنب خمر، أي العنب الذي يكون عصيره خمرًا، فحذف المضاف.

والثاني: أن العرب تسمي الشيء باسم ما يؤول إليه إذا انكشف المعنى ولم يلتبس، فيقولون: فلان يطبخ الآجُرّ، يعنون اللّبِن، فيوقعون بالفرع ما هو واقع بالأصل، ويقولون: هو يطبخ دبسًا، وهو يطبخ عصيرًا، هذا (١٤) (١٥) (١٦) والقول الثالث: أن من العرب من يسمي العنب خمرًا، وأن قريشًا نطقت بهذه اللغة وعرفتها، فذكرها الله عز وجل في كتابه، قال الضحاك (١٧) وقال الكلبي عن أبي صالح (١٨) (١٩) (٢٠) وقال صاحب الطعام (ليوسف: إني رأيت) (٢١) (٢٢) ﴿ وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ ﴾ والخبز المصدر، والخبازة صنعة الخباز، (وقال الليث (٢٣) (٢٤) وقال أحمد بن يحيى (٢٥) (٢٦) وقوله تعالى: ﴿ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ ﴾ قال ابن عباس (٢٧) (٢٨) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ معناه: إنا نراك تؤثر الإحسان وتأتي مكارم الأخلاق، وجميع (٢٩) (٣٠) (٣١) (٣٢) (٣٣) وقال الفراء (٣٤) (٣٥) ﴿ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ  ﴾ أي السمسم والعنب، ونحو هذا قال الزجاج (٣٦) (٣٧) (١) الطبري 12/ 214، وابن أبي حاتم 7/ 2142.

(٢) الطبري 12/ 214، وابن أبي حاتم 7/ 2141.

(٣) الطبري 12/ 214، الثعلبي 7/ 81 ب، البغوي 4/ 240، "زاد المسير" 4/ 223، القرطبي 9/ 189.

(٤) "تهذيب اللغة" (فتى) 2731/ 3، و"اللسان" (فتا) 6/ 3347.

(٥) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 109.

(٦) انظر: البغوي 4/ 240، الرازي 18/ 133، "زاد المسير" 4/ 222.

(٧) البغوي 4/ 240، الرازي 18/ 133، "زاد المسير" 4/ 222.

(٨) الطبري 12/ 214، الثعلبي 7/ 81 ب، البغوي 4/ 240، "زاد المسير" 4/ 222، ابن عطية 7/ 507، القرطبي 9/ 189.

(٩) الطبري 12/ 215، الثعلبي 7/ 81 ب، البغوي 4/ 240، "زاد المسير" 4/ 222، ابن عطية 7/ 507، القرطبي 9/ 189.

(١٠) الحبلة: يطلق على شجرة العنب قال الليث: يقال للكرمة حبلة، و"تهذيب اللغة" (حبل) 1/ 732، و"لسان العرب" (حبل) 2/ 762.

(١١) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 109.

(١٢) "تهذيب اللغة" (عصر) 3/ 2458.

(١٣) "زاد المسير" 4/ 223، البغوي 4/ 240، الرازي 18/ 134.

(١٤) في (ج): (هو).

(١٥) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 109.

(١٦) "زاد المسير" 4/ 223.

(١٧) الطبري 16/ 97، ابن المنذر وابن أبي حاتم 4/ 216 أ، كما في "الدر" 4/ 536، القرطبي 9/ 190، "زاد المسير" 4/ 223.

(١٨) "تنوير المقباس" ص 149، و"زاد المسير" 4/ 223، وابن عطية 7/ 507.

(١٩) الثعلبي 7/ 82 أ، ابن عطية 7/ 507، القرطبي 9/ 190، "لسان العرب" (خمر) 2/ 1259.

(٢٠) ما سبق من تفسير قوله: ﴿ أَعْصِرُ خَمْرًا ﴾ والاحتمالات الثلاثة ذكرها صاحب اللسان (خمر) 2/ 1259.

(٢١) ما بين المعقوفين بياض في (ب).

(٢٢) ما بين المعقوفين بياض في (ب).

(٢٣) "تهذيب اللغة" (طير) 3/ 2149، و"لسان العرب" (طير) 5/ 2735.

(٢٤) ما بين المعقوفين بياض في (ب).

(٢٥) المشهور بثعلب، و"تهذيب اللغة" (طير) 3/ 1249، و"اللسان" (طير) 5/ 2735.

(٢٦) "تهذيب اللغة" (طير) 3/ 1249، "اللسان" (طير) 5/ 2735.

(٢٧) الثعلبي 7/ 82 ب، البغوي 4/ 239، "زاد المسير" 4/ 223.

(٢٨) الطبري 12/ 215 عن أبي عبيد.

(٢٩) كذا في جميع النسخ ولعلها (وجميل).

(٣٠) الطبري 12/ 216، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 34، وابن عطية 7/ 509، والثعلبي 7/ 82 ب، وابن أبي حاتم 7/ 2143.

(٣١) في (ج): وقال.

(٣٢) الطبري 12/ 216، وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم 7/ 2143، وأبو الشيخ والبيهقي في "الشعب" كما في "الدر" 4/ 34، البغوي 4/ 239، والقرطبي 9/ 190، والثعلبي 7/ 82 ب.

(٣٣) انظر الطبري 12/ 216، ابن عطية 7/ 509، "زاد المسير" 4/ 223، الثعلبي 7/ 82 ب.

(٣٤) "معاني القرآن" 2/ 45، الثعلبي 7/ 82 ب.

(٣٥) "زاد المسير" 4/ 224.

(٣٦) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 110.

(٣٧) رجح الطبري 12/ 216 من هذه الأقوال قول قتادة والضحاك، ثم قال: فإن قال قائل: وما وجه الكلام إذا كان الأمر إذاً كما قلت، وقد علمت أن مسألتهما يوسف أن ينبئهما بتأويل رؤياهما، ليست من الخبر عن صفته بأنه يعود المريض، ويقوم عليه ويحسن إلى من احتاج في شيء، وإنما يقال: (نبئنا بتأويل هذا فإنك عالم).

وهذا من المواضع التي تحسن منه بالوصف بالعلم لا بغيره؟.

قيل: إن وجه ذلك أنهما قالا له: نبئنا بتأويل رؤيانا محسنًا إلينا في إخبارك إيانا بذلك، كما نراك تحسن في سائر أفعالك ﴿ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ اهـ.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَدَخَلَ مَعَهُ السجن فَتَيَانِ ﴾ أي شابان، وقيل: هنا محذوف لابد منه وهو فسجنوه، وكان يوسف قد قال لأهل السجن: إني أعبر الرؤيا، وكذلك سأله الفتيان عن منامهما، وقيل: إنهما استعملاها ليجرباه، وقيل رأيا ذلك حقاً ﴿ أَعْصِرُ خَمْراً ﴾ قيل فيه: سمى العنب خمراً بما يؤول إليه وقيل: هي لغة ﴿ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ المحسنين ﴾ قيل: معناه في تأويل الرؤيا، وقيل: إحسانه إلى أهل السجن ﴿ قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ ﴾ الآية: تقتضي أنه وصف لهما نفسه بكثرة العلم، ليجعل ذلك وصلة إلى دعائهما لتوحيد الله، وفيه وجهان: أحدهما أنه قال يخبرهما بكل مايأتيهما في الدنيا من طعام قبل أن يأتيهما، وذلك من الإخبار بالغيوب الذي هو معجزة الأنبياء، والآخر أنه قال: لا يأتيكما طعام في المنام إلا أخبرتكما بتأويله قبل أن يظهر تأويله في الدنيا ﴿ ذلكما مِمَّا عَلَّمَنِي ربي ﴾ رُوي أنهما قالا له: من أين لك هذا العلم وأنت لست بكاهن ولا منجم؟

فقال: ذلكما مما علمني ربي ﴿ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بالله ﴾ يحتمل أن يكون هذا الكلام تعليلاً لما قبله من قوله: علمني ربي أو يكون استئنافاً.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ إني أراني أعصر ﴾ بالفتح في الحرفين: أبو جعفر ونافع، وأبو عمرو وافق ابن كثير في ﴿ أراني ﴾ كليهما.

الباقون: بسكون ياء المتكلم في الكل: ﴿ نبينا ﴾ بغير همزة: أوقية والأعشى وحمزة في الوقف.

﴿ ترزقانه ﴾ مختلسة: الحلواني عن قالون ﴿ نبأتكما ﴾ مثل ﴿ أنشأنا ﴾ ﴿ ربي إني ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ آبائي ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ﴿ إني أرى ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ رؤياي ﴾ بالإمالة: عليّ غير قتيبة.

أبو عمرو بالإمالة اللطيفة.

والقول في ترك الهمزة مثل ما تقدم ﴿ للرؤيا ﴾ ممالة: عليّ، وأبو عمرو بالإمالة اللطيفة.

﴿ لعلي أرجع ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير غير ابن مجاهد عن ابن ذكوان وأبو عمرو ﴿ دأبا ﴾ بفتح الهمزة: حفص.

الآخرون بالسكون ﴿ تعصرون ﴾ بتاء الخطاب: حمزة وعليّ وخلف والمفضل.

الباقون على الغيبة.

﴿ ما بال النسوة ﴾ بضم النون: الشموني والبرجمي ﴿ نفسي ﴾ ﴿ رحم ربي ﴾ بالفتح فيهما: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو.

الوقوف: ﴿ فتيان ﴾ ط ﴿ خمراً ﴾ ج فصلاً بين القضيتين مع اتفاق الجملتين ﴿ الطير منه ﴾ ط للعدول عن قول آخر منهما إلى قولهما المضمر أي فقالا.

﴿ نبئنا بتأويله ﴾ ج لاحتمال التعليل.

﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ أن يأتيكما ﴾ ط ﴿ ربي ﴾ ط ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ ويعقوب ﴾ ط ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ لا يشكرون ﴾ ه ﴿ القهار ﴾ ه ط ﴿ من سلطان ﴾ ط ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ إلا إياه ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ خمراً ﴾ ج فصلا بين الجوابين مع اتفاق الجملتين ﴿ من رأسه ﴾ ط لأن قوله: ﴿ قضى ﴾ جواب قولهما كذبنا وما رأينا رؤيا ﴿ تستفتيان ﴾ ط لاستئناف حكاية أخرى ﴿ عند ربك ﴾ ز ﴿ سنين ﴾ ه ط ﴿ يابسات ﴾ ط ﴿ تعبرون ﴾ ه ﴿ أحلام ﴾ ج للنفي مع العطف ﴿ بعالمين ﴾ ه ﴿ فأرسلون ﴾ ه ﴿ ياباسات ﴾ لا لتعلق "لعلى" ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ دأباً ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ تأكلون ﴾ ه ﴿ تحصنون ﴾ ه ﴿ يعصرون ﴾ ه ﴿ ائتوني به ﴾ ج ﴿ أيديهن ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ عن نفسه ﴾ ط ﴿ من سوء ﴾ ط ﴿ الحق ﴾ ز لانقطاع النظم واتصال المعنى واتحاد القائل.

﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ الخائنين ﴾ ه ﴿ نفسي ﴾ ج للحذف أي عن السوء ﴿ ربي ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه.

التفسير: تقدير الكلام فحبسوه ﴿ ودخل معه ﴾ أي مصاحباً له في الدخول ﴿ السجن فتيان ﴾ غلامان للملك الأكبر خبازه وشرابيه نقلاً عن أئمة التفسير أو استدلالاً برؤياهما المناسبة لحرفتهما.

رفع إلى الملك أنهما أرادا سمه في الطعام والشراب فأمر بإدخالهما السجن ساعة إذ دخل يوسف ﴿ قال أحدهما إني أراني ﴾ أي في المنام لقولهما: ﴿ نبئنا بتأويله ﴾ وهو حكاية حال ماضية ﴿ أعصر خمراً ﴾ أي عنباً تسمية للشيء باسم ما يؤول إليه.

وقيل: الخمر بلغة عمان اسم العنب.

والضمير في قوله: ﴿ بتأويله ﴾ يعود إلى ما قصا عليه وقد يوضع الضمير موضع اسم الإشارة كأنه قيل: نبئنا بتأويل ذلك ﴿ إنا نراك من المحسنين ﴾ عبارة الرؤيا.

وكان أهل السجن يقصون عليه رؤياهم فيؤوّلها لهم، أو نراك من العلماء عرفا ذلك بالقرائن أو من المحسنين إلى أهل السجن كان يعود مرضاهم ويوسع عليهم ويراعي دقائق مكارم الأخلاق معهم، أو من المحسنين في طاعة الله وطلب مرضاته ففرج عنا الغمة بتأويل ما رأينا وإن كانت لك يد في تأويل الرؤيا.

وعن قتادة: كان في السجن ناس قد انقطع رجاؤهم وطال حزنهم فجعل يقول: أبشروا اصبرا تؤجروا.

فقالوا: ما أحسن وجهك وما أحسن خلقك فمن أنت يا فتى؟

فقال: أنا يوسف بن صفي الله يعقوب بن ذبيح الله إسحق بن خليل إبراهيم.

فقال له عامل السجن: لو استطعت خليت سبيلك ولكني أحسن جوارك فكن في أي بيوت السجن شئت.

وعن الشعبي ومجاهد أنهما تحالما له ليمتحناه فقال الشرابي: أراني في بستان فإذا بأصل كرم عليه ثلاثة عناقيد من عنب فقطعتها وعصرتها في كأس الملك وسقيته.

وقال الخباز: إني أراني وفوق رأسي ثلاث سلال فيها أنواع الأطعمة، وإذا سباع الطير تنهش منها ﴿ قال لا يأتيكما طعام ﴾ إلى آخره هذا ليس بجواب لهما ظاهراً وإنما قدم هذا الكلام لوجوه منها: أن أحد التعبيرين لما كان هو الصلب وكان في إسماعه كراهة ونفرة أراد أن يقدم قبل ذلك ما يؤثق بقوله ويخرجه عن معرض التهمة والعداوة.

أو أراد أن يبين علوّ مرتبته في العلم وأنه ليس من المعبرين الذين يعبرون عن ظن وتخمين، ولهذا قال السدي: أراد لا يأتيكما طعام ترزقانه في النوم.

بين بذلك أن علمه بتأويل الرؤيا ليس مقصوراً على شيء دون غيره وقيل: إنه محمول على اليقظة وإنه ادعى معرفة الغيب كقول عيسى  ﴿ وأنبئكم بما تأكلون  ﴾ أي أخبركما ﴿ قبل أن يأتيكما ﴾ أنه أي طعام هو وأيّ لون هو وكيف تكون عاقبته أهو ضار أم نافع وأن فيه سماً أم لا.

فقد روي أن الملك كان إذا أراد قتل إنسان صنع له طعاماً مسموماً فأرسله إليه.

ثم قال: ﴿ ذلكما ﴾ أي هذا التأويل والإخبار بالمغيبات من قبيل الوحي والإلهام لا من التكهن والتنجيم الذي يكثر فيهما وقوع الخطأ.

ثم بيّن سيرته وملته مشيراً فيه إلى أنه رسول من عند الله ومنبهاً على أن الاشتغال بمصالح الدين أهم من الاشتغال بمصالح الدنيا حتى إن الرجل الذي سيصلب لعله يسلم فلا يموت على الكفر فقال: ﴿ إني تركت ﴾ أي رفضت بل ما كنت قط، ويجوز أن يكون قبل ذلك غير مظهر للتوحيد خوفاً منهم لأنه كان تحت أيديهم.

وإنما كررت لفظة "هم" تنبيهاً على أنهم مختصون في ذلك الزمان بإنكار المعاد وتعريضاً بأن إيداعه السجن بعد معاينة الآيات الشاهدة على براءته لا يصدر إلا عمن ينكر الجزاء أشد الإنكار.

والمراد باتباع ملة آبائه الاتباع في الأصول التي لا تتبدل بتبدل الشرائع، ومعنى التنكير في قوله: ﴿ من شيء ﴾ الرد على كل طائفة خالفت الملة الحنيفية من عبدة الأصنام والكواكب وغيرهم ﴿ ذلك ﴾ التوحيد ﴿ من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون ﴾ نعمة الإيمان أو نعمة إعطاء القدرة والاختيار على الإيمان فلا ينظرون في الدلائل، وهذا يناسب أصول المعتزلة.

وعن بعضهم إنا لا نشكر الله على الإيمان بل الله يشكرنا عليه كما قال: ﴿ فأولئك كان سعيهم مشكوراً  ﴾ ﴿ يا صاحبي السجن ﴾ أراد يا صاحبي السجن كقوله "يا سارق الليلة" خصهما بهذا النداء لأنهما دخلا السجن معه أو أراد يا ساكني السجن كقوله: ﴿ أصحاب النار  ﴾ فسبب التعييين أنهما استفتياه في بين الساكنين.

ثم أنكر عليهم عبارة الأصنام فقال: ﴿ أأرباب متفرقون ﴾ في العدد وفي الحجمية وفيما يتبعها من اختلاف الأعراض والأبعاض ﴿ خير ﴾ إن فرض فيهم خير ﴿ أم الله الواحد القهار ﴾ لأن وحدة المعبود تستدعي توحيد المطلب وتفريد المقصد، وكونه قهاراً غالباً غير مغلوب من وجه يوجب حصول كل ما يرجى منه من ثواب وصلاح إذا تعلقت إرادته بذلك فلا يصلح للمعبودية إلا هو ولا تصلح حقيقة الإلهية في غيره فلذلك قال: ﴿ ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها ﴾ أي سميتم الآلهة بتلك الأسماء ﴿ أنتم وآباؤكم ﴾ والخطاب لهما ولمن على دينهما من أهل مصر فكأنهم لا يعبدون إلا أسماء فارغة عن المسميات ﴿ ما أنزل الله بها ﴾ بتسميتها ﴿ من سلطان ﴾ أي حجة.

ثم لما نفى معبودية الغير بين أن لا حكم في أمر الدين والعبادة إلا له فقال: ﴿ إن الحكم إلا لله ﴾ ثم ذكر ما حكم به فقال: ﴿ أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ﴾ الثابت بالبراهين ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ أنه مبدأ المبادىء والمعاد الحقيقي فيتخذون غيره معبوداً ويجعلون لغيره من الأصنام والأجرام بالاستقلال فعلاً وتأثيراً.

ثم شرع في إجابة مقترحهما وهو تأويل رؤياهما فقال: ﴿ أما أحدكما ﴾ يعني الشرابي ﴿ فيسقي ربه ﴾ سيده ﴿ خمرا ﴾ يروى أنه قال له: ما رأيت من الكرمة وحسنها هو الملك وحسن حالك عنده، وأما القضبان الثلاثة فإنها ثلاثة أيام تمضي في السجن ثم تخرج وتعود إلى ما كنت عليه.

وقال للثاني: ما رأيت من السلال ثلاثة أيام ثم تخرج فتصلب فتأكل الطير من رأسك.

قوله: ﴿ قضي الأمر ﴾ قال في الكشاف: إنما وحد الأمر وهما أمران مختلفان استفتيا فيهما، لأن المراد بالأمر ما اتهما به من سم الملك وما سجنا لأجله فكأنهما استفتياه في الأمر الذي نزل بهما أعاقبته نجاة أم هلاك استدلالاً برؤياهما فقال: إن ذلك الذي ذكرت من أمر التأويل كائن لا محالة صدقتما أو كذبتما.

وقيل: جحدا رؤياهما.

وقيل: عكسا رؤياهما، فلما علم الخباز أن تأويل رؤياه شر أنكر كونه صاحب تلك الرؤيا فقال يوسف: إن الذي حكمت به لكل منكما واقع لا بد منه ومن هنا قالت الحكماء: ينبغي أن لا يتصرف في الرؤيا ولا تغير عن وجهها فإن الفأل على ما جرى.

﴿ وقال ﴾ يوسف ﴿ للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك ﴾ أي اذكر عند الملك أني مظلوم من جهة إخوتي أخرجوني وباعوني، ثم إني مظلوم من جهة النسوة اللاتي حسبتني.

والضمير في ﴿ ظن ﴾ إن كان للرجل الناجي فلا إشكال لأنهما ما كانا مؤمنين بنبوة يوسف بل كانا حسني الاعتقاد فيه وكأن قوله لم يفد في حقهما إلا مجرد الظن، وإن عاد إلى يوسف فيرد عليه أنه كان قاطعاً بنجاته فما المعنى للظن؟

وأجيب بأنه إنما ذكر ذلك التعبير بناء على الأصول المقررة في ذلك العلم فكان كالمسائل الاجتهادية.

والأصح أنه قضي بذلك على سبيل ألبت والقطع لقوله: ﴿ لا يأتيكما طعام ﴾ إلى قوله: ﴿ ذلكما مما علمني ربي ﴾ فالظن على هذا بمعنى اليقين كقوله: ﴿ الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم  ﴾ أما الضمير في قوله: ﴿ فأنساه الشيطان ﴾ فمن الناس من قال: إنه يعود إلى الرجل الناجي أي أنساه الشيطان ذكر يوسف لسيده أو عند سيده فإضافة الذكر إلى الرب للملابسة لا لأجل أنه فاعل أو مفعول، أو المضاف محذوف تقديره فأنساه ذكر إخبار ربه وإسناد الإنساء إلى الشيطان مجاز لأن الإنساء عبارة عن إزالة العلم عن القلب والشيطان قدرة له على ذلك وإلا لأزال معرفة الله من قلوب بني آدم، وإنما فعله إلقاء الوسوسة وأخطار الهواجس التي هي من أسباب النسيان.

ومنهم من قال: الضمير راجع إلى يوسف، والمراد بالرب هو الله  أي الشيطان أنسى يوسف أن يذكر الله  ، وعلى القولين عوتب باللبث في السجن بضع سنين.

والبضع ما بين الثلاثة إلى العشرة لأنه القطعة من العدد والبضع القطع ومثله العضب.

والأكثرون على أن المراد في الآية سبع سنين.

وعن ابن عباس: كان قد لبث خمس سنين وقد اقترب خروجه، فلما تضرع إلى ذلك الرجل لبث بعد ذلك سبع سنين.

وعن النبي  : " رحم الله يوسف لو لم يقل اذكرني عند ربك ما لبث في السجن" وعن مالك أنه لما قال له اذكرني عند ربك قيل له: يا يوسف اتخذت من دوني وكيلاً، لأطيلن حبسك.

فبكى يوسف وقال: طول البلاء أنساني ذكر المولى فويل لإخوتي.

قال المحققون: الاستعانة بغير الله في دفع الظلم جائزة.

فقد روي أن النبي  لم يأخذه النوم ليلة من الليالي وكان يطلب من يحرسه حتى جاء سعد بن أبي وقاص فنام.

وقال  حكاية عن عيسى  : ﴿ من أنصاري إلى الله  ﴾ ولا خلاف في جواز الاستعانة بالكفار في دفع الظلم والغرق والحرق إلا أن يوسف  عوتب على قوله: ﴿ اذكرني عند ربك ﴾ لوجوه منها: أنه لم يقتد بالخليل جده حين وضع في المنجنيق فلقيه جبرائيل في الهواء وقال: هل من حاجة؟

فقال: أما إليك فلا مع أنه زعم أنه اتبع ملة آبائه.

ومنها أنه قال: ﴿ ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ﴾ وهذا يقتضي نفي الشرك على الإطلاق وتفويض الأمر بالكلية إلى الله  .

فقوله: ﴿ اذكرني عند ربك ﴾ كالمناقض لهذا الكلام.

ومنها أنه قال: ﴿ عند ربك ﴾ ومعاذ الله أنه زعم أنه الرب بمعنى الإله إلا أن إطلاق هذا اللفظ على الله لا يليق بمثله وإن كان رب الدار ورب الغلام متسعملاً في كلامهم.

ومنها أنه لم يقرن بكلامه إن شاء الله، ولما دنا فرج يوسف أرى الله الملك في المنام سبع بقرات سمان خرجن من نهر يابس وسبع بقرات عجاف فابتلعت العجاف السمان، ورأى سبع سنبلات خضر قد انعقد حبها وسبعاً أخر يابسات قد استحصدت وأدركت فالتوت اليابسات على الخضر حتى غلبن عليها، فاضطرب الملك بسببه لأن فطرته قد شهدت بأن استيلاء الضعيف على القوي ينذر بنوع من أنواع الشر إلا أنه لم يعرف تفصيله، والشيء إذا علم من بعض الوجوه عظم الشوق إلى تكميل تلك المعرفة ولا سيما إذا كان صاحبه ذا قدرة وتمكين، فبهذا الطريق أمر الملك بجمع الكهنة والمعبرين وقال: ﴿ يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي ﴾ ثم إنه  إذا أراد أمراً هيأ أسبابه فأعجز الله أولئك الملأ عن جواب المسألة وعماه عليهم حتى ﴿ قالوا ﴾ إنها ﴿ أضغاث أحلام ﴾ ونفوا عن أنفسهم كونهم عالمين بتأويلها.

واعلم أن الله  خلق جوهر النفس الناطقة بحيث يمكنها الصعود إلى عالم الأفلاك ومطالعة اللوح المحفوظ إلا أن المانع لها عن ذلك في اليقظة هو اشتغالها بتدبير البدن وبما يرد عليها من طريق الحواس،وفي وقت النوم تقل تلك الشواغل فتقوى النفس على تلك المطالعة،فإذا وقفت الروح على حالة من تلك الأحوال فإن بقيت في الخيال كما شوهدت لم يحتج إلى التأويل، وإن نزلت آثار مخصوصة مناسبة لذلك الإدراك الروحاني إل عالم الخيال فهناك يفتقر إلى المعبر.

ثم منها ما هي منتسقة منتظمة يسهل على المعبر الانتقال من تلك المتخيلات إلى الحقائق الروحانيات، ومنها ما تكون مختلطة مضطربة لا يضبط تحليلها وتركيبها لتشويش وقع في ترتيبها وتأليفها فهي المسماة بالأضغاث.

وبالحقيقة، الأضغاث ما يكون مبدؤها تشويش القوة المتخيلة لفساد وقع في القوى البدنية، أو لورود أمر غريب عليه من خارج، لكن القسم المذكور قد يعد من الأضغاث من حيث إنها أعيت المعبرين عن تأويلها.

ولنشتغل بتفسير الألفاظ، أما الملك فريان بن الوليد ملك مصر، وقوله: ﴿ إني أرى ﴾ حكاية حال ماضية.

وسمان جمع سمينة وسمين وسمينة يجمع على سمان كما يقال: رجال كرام ونسوة كرام قال النحويون: إذا وصف المميز فالأولى أن يوقع الوصف وصفاً للمميز كما في الآية دون العدد، لأنه ليس بمقصود بالذات فلهذا قيل سمان بالجر ليكون وصفاً لبقرات، ويحصل التمييز لسبع بنوع من البقرات وهي السمان منهن، ولو نصب جعل تمييز السبع بجنس البقرات أولاً ثم يعلم من الوصف أن المميز بالجنس موصوف بالسمن.

والعجف هو الهزال الذل الذي ليس بعده هزال، والنعت أعجف وعجفاء وهما لا يجمعان على فعال ولكنه حمل على سمان لأنه نقيضه.

وقوله سبع عجاف تقديره بقرات سبع عجاف فحذف للعلم به كما في قوله: ﴿ وأخر يابسات ﴾ التقدير وسبعاً أخر لانصباب المعنى إلى هذا العدد.

وإنما لم يقال سبع عجاف على الإضافة لأن البيان لا يقع بالوصف وحده.

وقولهم "ثلاثة فرسان" و "خمسة أصحاب" لأنه وصف جرى مجرى الاسم، ولا يجوز أن يكون قوله ﴿ وأخر ﴾ مجروراً عطفاً على ﴿ سنبلات ﴾ لأن لفظ الأخر يأباه ويبطل مقابلة السبع بالسبع، وأراد بالملأ الأعيان من العلماء والحكماء، واللام في ﴿ للرؤيا ﴾ للبيان كما قلنا في ﴿ وكانوا فيه من الزاهدين  ﴾ أو لأن عمل العامل فيما تقدم عليه يضعف فيعضد باللام كما يعضد اسم الفاعل بها وإن تأخر معموله، أو لأن قوله: ﴿ للرؤيا ﴾ خبر "كان" كقوله هو لهذا الأمر أي متمكن مهن مستقل به و ﴿ تعبرون ﴾ خبر آخر أو حال أو لتضمن ﴿ تعبرون ﴾ معنى تنتدبون لعبارة الرؤيا والفصيح عبرت الرؤيا بالتخفيف، وقد يشدد واشتقاقه من العبر بالكسر فالسكون وهو جانب النهر فيقال: عبرت النهر إذا قطعته حتى تبلغ آخر عرضه، وعبرت الرؤيا إذا تأملت ناحيتها فانتقلت من أحد الطرفين إلى الآخر.

والأضغاث جمع ضغث وهو الحزمة من أنواع النبت والحشيش مما طال ولم يقم على ساق، والإضافة بمعنى من أي أضغاث من أحلام والصيغة للجمع ولكن الواحد قد يوصف به كما قال: رمح أقصاد وبرمة أعشار.

فالمراد هي حلم أضغاث أحلام.

وقد يطلق الجمع ويراد به الواحد كقولهم "فلان يركب الخيل ويلبس العمائم" وإن لم يركب إلا فرساً واحداً ولم يلبس إلا عمامة واحدة.

ويجوز أن يكون قد قص عليهم أحلاماً أخر.

واللام في ﴿ الأحلام ﴾ اما للعهد كأنهم أرادوا المنامات الباطلة، أو للجنس وأرادوا أنهم غير متبحرين في علم تأويل الرؤيا.

ولما أعضل على الملأ تأويل رؤيا الملك تذكر الناجي يوسف وتأويله رؤياه ورؤيا صاحبه المصلوب، وتذكر قوله: ﴿ اذكرني عند ربك ﴾ وذلك قوله  : ﴿ واذكر ﴾ وأصله "اذتكر" قلبت التاء والذال كلاهما دالاً مهملة وأدغمت.

﴿ بعد أمة ﴾ أي بعد حين كأنها حصلت من اجتماع أيام كثيرة.

وقرىء بكسر الهمزة وهي النعمة أي بعد ما أنعم عليه بالنجاة.

وقرىء ﴿ بعد أمه ﴾ بوزن عمه.

ومعنى ﴿ أنا أنبئكم بتأويله ﴾ أخبركم به عمن عنده علمه ﴿ فأرسلون ﴾ إليه لأسلأله والخطاب للملك والجمع للتعظيم أو له وللملأ حوله.

والمعنى مروني باستعباره.

وعن ابن عباس: لم يكن السجن في المدينة.

وههنا إضمار والمراد فأرسلوه إلى يوسف فأتاه فقال ﴿ يوسف ﴾ أي يا يوسف ﴿ أيها الصديق ﴾ البليغ الكامل في الصدق وصفه بهذه الصفة لأنه تعرف أحواله من قبل.

وفيه أنه يجب على المتعلم تقديم ما يفيد المدح لمعلمه.

وإنما أعاد عبارة الملك بعينها لأن التعبير يختلف باختلاف العبارات.

وقوله: ﴿ لعلي أرجع ﴾ فيه نوع من حسن الأدب لأنه لم يقطع بأنه يعيش إلى أن يعود إليهم، وعلى تقدير أن يعيش فربما عرض له ما يمنعه عن الوصول إليهم من الموانع التي لا تحصى كثرة.

وكذا في قوله: ﴿ لعلهم يعلمون ﴾ فضلك ومكانك من العلم فيخلصوك أو يعلمون فتواك فيكون فيه نوع شك لأنه رأى عجز سائر المعبرين وقيل: كرر لعل مراعاة لفواصل الآي وإلا كان مقتضى النسق لعلي أرجع إلى الناس فيعلموا، و مثله في هذه السورة ﴿ لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون  ﴾ .

﴿ قال ﴾ يوسف في جواب الفتوى ﴿ تزرعون سبع سنين ﴾ وهو خبر في معنى الأمر يفيد المبالغة في إيجاب أيجاد المأمور به.

قال في الكشاف: والدليل على كونه في معنى الأمر قوله: ﴿ فذروه في سنبله ﴾ وأقول: يمكن أن يكون قوله: ﴿ تزرعون ﴾ إخباراً عما سيوجد منهم في زمن الغيث والمطر، لأن الزرع يلزم بنزول الأمطار عادة، وقوله: ﴿ فما حصدتم ﴾ إرشاد لهم إلى الأصلح لهم في ذلك الوقت.

و ﴿ دأباً ﴾ بتسكين الهمزة وتحريكها مصدر دأب في العمل إذا استمر عليه.

وانتصابه على الحال أي تزرعون ذوي دأب، أو على المصدر والعامل فعله أي تدأبون دأباً.

وإنما أمرهم بأن يتركوه في السنابل إلا القدر الذي يأكلونه في الحال لئلا يقع فيه السوس ﴿ ثم يأتي من بعد ذلك ﴾ فيه دليل على أن ﴿ تزرعون ﴾ إخبار لا أمر ﴿ سبع ﴾ سنين ﴿ شداد ﴾ على الناس ﴿ يأكلن ما قدمتم لهن ﴾ من الإسناد المجازي لأن الآكلين أهل تلك السنين لا السنون ﴿ إلا قليلاً مما تحصنون ﴾ تحرزون وتخبؤن.

والإحصان جعل الشيء في الحصن كالإحراز جعل الشيء في الحرز أخبر أنه يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس من الغوث، أو من الغيث يقال: غيثت البلاد إذا مطرت ﴿ وفيه يعصرون ﴾ العنب والزيتون والسمسم.

وقيل: يحلبون الضروع، تأويل البقرات السمان والسنبلات الخضر بسنين مخاصيب والعجاف واليابسات بالسنين.

ثم بشرهم بالبركة في العام الثامن.

فقال المفسرون: إنه قد عرف ذلك بالوحي.

عن قتادة: زاده الله علم سنة.

وقيل: عرف استدلالاً فليس بعد انتهاء الجدب، إلا الخصب.

والجواب أنه لا يلزم من انتهاء الجدب الخصب والخير الكثير فقد يكون توسط الحال.

وأيضاً في قوله: ﴿ وفيه يعصرون ﴾ نوع تفصيل لا يعرف إلا بالوحي.

ولما رجع الشرابي إلى الملك وعرض عليه التعبير استحسنه وقال: ﴿ ائتوني به ﴾ فجعل الله  علمه مبدأ لخلاصه من المحنة الدنيوية فيعلم منه أن العلم سبب للخلاص في المحن الأخروية أيضاً.

﴿ فلما جاءه الرسول ﴾ وهو الشرابي فقال: أجب الملك ﴿ قال ﴾ يوسف ﴿ ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن ﴾ ما شأنهن وما حالهن ﴿ إن ربي ﴾ أي الله العالم بخفيات الأمور أو العزيز الذي رباه ﴿ بكيدهن عليم ﴾ وعلى الأول أراد إنه كيد عظيم لا يعلمه إلا الله لعبد غوره، أو استشهد بعلم الله على أنهن كذبة، أو أراد الوعيد أي هو عليم بكيدهن فيجازيهن عليه.

وكيدهن ترغيبهن إياه في مواقعة سيدته أو تقبيح صورته عند العزيز حتى يرضى بسجنه.

ومن لطائف الآية أنه أراد فسأل الملك أن يسأل ما بالهن إلا أنه راعى الأدب فاقتصر على سؤال الملك عن كيفية الواقعة فإن ذلك مما يهيجه على البحث والتفتيش.

ومنها أنه لم يذكر سيدته بسوء بل ذكر النسوة على التعميم ومع ذلك راعى جانبهن أيضاً فوصفهن بتقطيع الأيدي فقط لا بالترغيب في الخيانة.

عن النبي  : "لقد عجبت من يوسف وكرمه وصبره والله يغفر له حين سئل عن البقرات العجاف والسمان ولو كنت مكانه ما أخبرتهم حتى أشترط أن يخرجوني.

ولقد عجبت منه حين أتاه الرسول فقال ارجع إلى ربك ولو كنت مكانه ولبثت في السجن ما لبث لأسرعت الإجابة وبادرتهم الباب ولما ابتغيت العذر إن كان لحليماً ذا أناة" قال العلماء: الذي عمله يوسف هو اللائق بالحزم والعقل، لأنه لو خرج في الحال فربما بقي في قلب الملك من تلك التهمة أثر، ولعل الحساد يتسلقون بذلك إلى تقبيح أمره عنده، وفي هذا التأني والتثبت تلاف لما صدر منه في قوله للشرابي: ﴿ اذكرني عند ربك ﴾ .

﴿ قال ﴾ الملك بعد إحضار النسوة ﴿ ما خطبكن ﴾ ما شأنكن العظيم ﴿ إذ راودتن يوسف ﴾ هل وجدتن منه ميلاً إليكن أو إلى زليخا؟

قيل: الخطاب لزليخا والجمع للتعظيم.

وقيل: خاطبهن جميعاً لأن كل واحدة منهن راودت يوسف لنفسها أو لأجل امرأة العزيز.

﴿ قلن حاش لله ﴾ تعجباً من عفته ونزاهته ﴿ قالت امرأت العزيز ﴾ حين عرفت أن لا بد من الاعتراف ﴿ الآن حصحص الحق ﴾ وضح وانكشف وتمكن في القلوب من قولهم حصحص البعير إذا ألقى ثفناته للإناخة والاستقرار على الأرض.

وقال الزجاج: اشتقاقه من الحصة أي بانت حصة الحق من حصة الباطل.

أما قوله  : ﴿ ذلك ليعلم ﴾ إلى تمام الآيتين ففيه قولان: الأول - وعليه الأكثرون - أنه حكاية قول يوسف.

قال الفراء: ولا يبعد وصل كلام إنسان بكلام إنسان آخر إذا دلت القرينة الصارفة لكل منهما إلى ما يليق به.

والإشارة إلى الحداثة الحاضرة بقوله: ﴿ ذلك ﴾ لأجل التعظيم والمراد ما ذكر من رد الرسول والتثبت وإظهار البراءة.

وعن ابن عباس: أنه لما دخل على الملك قال ذلك، والأظهر أنه قال ذلك في السجن عند عود الرسول إليه.

ومحل ﴿ بالغيب ﴾ نصب على الحال من الفاعل أي وأنا غائب عنه، أو من المفعول أي وهو غائب عني، أو على الظرف أي بمكان الغيب وهو الاستتار وراء الأبواب المغلقة.

وقيل: هذه الخيانة قد وقعت في حق العزيز فكيف قال ذلك ليعلم الملك؟

وأجيب بأنه إذا خان وزيره فقد خان الملك من بعض الوجوه، أو أراد ليعلم الله لأن المعصية خيانة، أو المراد ليعلم الملك أني لم أخن العزيز، أو ليعلم العزيز أني لم أخنه وليعلم أن الله لا يهدي كيد الخائنين لا ينفذه ولا يسدده، وفي تعريض بامرأته الخائنة وبالعزيز حين ساعدها بعد ظهور الآيات على حبسه فكأنه خان حكم لله، وفيه تأكيد لأمانته وأنه لو كان خائناً لم يهد الله كيده.

ولا يخفى أن هذه الكلمات من يوسف مع الشهادة الجازمة والاعتراف الصريح من المرأة دليل على نزاهة يوسف  من كل سوء.

قال أهل التحقيق: إنه لما راعى حرمة سيدته في قوله: ﴿ ما بال النسوة اللاتي ﴾ دون أن يقول "ما بال زليخا" أرادت أن تكافئه على هذا الفعل الحسن فلا جرم أزالت الغطاء واعترفت بأن الذنب كله منها، فنظيره ما يحكى أن امرأة جاءت بزوجها إلى القاضي وادعت عليه المهر فأمر القاضي بأن يكشف عن وجهها حتى يتمكن الشهود من أداء الشهادة.

فقال الزوج: لا حاجة إلى ذلك فإني مقر بصدقها في دعواها.

فقالت المرأة: لما أكرمني إلى هذا الحد فاشهدوا أني أبرأت ذمته من كل حق لي عليه.

ولما كان قول يوسف  ذلك ليعلم جارياً مجرى تزكية النفس على الإطلاق أو في هذه الواقعة وقد قال  : ﴿ فلا تزكوا أنفسكم  ﴾ أتبع ذلك قوله: ﴿ وما أبرىء نفسي إن النفس ﴾ أي هذا الجنس ﴿ لأمارة بالسوء ﴾ ميالة إلى القبائح راغبة في المعاصي.

وفيه أن ترك تلك الخيانة ما كان حظ النفس وشربها ولكن كان بتوفيق الله  وتسهيله وصرفه ﴿ إلا ما رحم ربي ﴾ إلا البعض الذي رحمه ربي بالعصمة كالملائكة، أو المراد أنها أمارة بالسوء في كل وقت وأوان إلا وقت رحمة ربي، أو الاستثناء منقطع أي ولكن رحمة ربي هي التي تصرف الإساءة: القول الثاني أنه حكاية قول المرأة لأن يوسف  ما كان حاضراً في ذلك المجلس والمعنى، وإن كنت أحلت عليه الذنب عند حضوره ولكني ما أحلته عليه في غيبته حين كان في السجن ﴿ وأن الله لا يهدي ﴾ فيه تعريض فأنها لما أقدمت على المكر فلا جرم افتضحت، وأنه لما كان بريئاً من الذنب لا جرم طهره الله منه ﴿ وما أبرىء نفسي ﴾ من الخيانة مطلقاً فإني قد خنته حين قلت ﴿ ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً ﴾ أو حين أودعته السجن.

ثم إنها اعتذرت عما كان منها فقالت: ﴿ إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي ﴾ كنفس يوسف ﴿ إن ربي غفور رحيم ﴾ أو استغفرت ربها واسترحمته مما ارتكبت.

قال المحققون.

النفس الإنسانية شيء واحد فإذا مالت إلى العالم العلوي كانت مطمئنة، وإذا مالت إلى العالم السفلي وإلى الشهوة والغضب سميت أمارة وهذا في أغلب أحوالها لإلفها إلى العالم الحسي وقرارها فيه فلا جرم إذا خليت وطباعها انجذبت إلى هذه الحالة فلهذا قيل: إنها من حيث هي أمارة بالسوء.

وإذا كانت منجذبة مرة إلى العالم العلوي ومرة إلى العالم السفلي سميت لوامة.

ومنهم من زعم أن النفس المطمئنة هي الناطقة العلوية، والنفس الأمارة منطبعة في البدن تحمله على الشهوة والغضب وسائر الأخلاق الرذيلة.

وتمسكت الأشاعرة بقوله: ﴿ إلا ما رحم ﴾ ظاهراً لأنه دل على أن صرف النفس عن السوء بخلق الله وتكوينه.

وحملته المعتزلة على منح الألطاف والله أعلم بالحقائق.

التأويل: لما أدخل يوسف القلب سجن الشريعة دخل معه غلامان لملك الروح هما النفس والبدن، فإن الروح العلوي لا يعمل عملاً في السفل الدنيوي إلا من مشرب النفس فهي صاحب شرابه.

والبدن يهيء من الأعمال الصالحة ما يصلح لغذاء الروح، فإن الروح لا يبقى إلا بغذاء روحاني كما أن الجسم لا يبقى إلا بغذاء جسماني.

وإنما حبسا في سجن الشريعة لأنهما متهمان بجعل سم الهوى والمعصية في شراب ملك الروح وطعامه، وفي رؤياهما دلالة على أنهما من الدنيا، وأهل الدنيا نيام فإذا ماتوا انتبهوا ﴿ إنا نراك من المحسنين ﴾ الذين يعبدون الله عياناً وشهوداً ﴿ إني تركت ملة قوم ﴾ فيه إشارة إلى أن القلب مهما ترك ملة النفس والهوى والطبيعة علمه الله علم الحقيقة ﴿ أما أحدكما فيسقي ربه ﴾ أي سيده بأقداح المعاملات والمجاهدات شراب الكشوف والمشاهدات وهي باقية في خدمة ملك الروح أبداً ﴿ وأما الآخر ﴾ وهو البدن ﴿ فيصلب ﴾ بنخيل الموت ﴿ فيأكل ﴾ طير أعوان ملك الموت من رأسه الخيالات الفاسدة ﴿ قضي ﴾ في الأزل هذا ﴿ الأمر ﴾ ﴿ اذكرني عند ربك ﴾ يعني أن القلب المسجون في بدء أمره يلهم النفس بأن تذكره المعاملات المستحسنة الشرعية عند الروح ليتقوى بها الروح وينتبه عن نوم الغفلة الناشئة من الحواس الخمس ويسعى في استخلاص القلب عن أثر الصفات البشرية بالمعاملات الروحانية مستمداً من الألطاف الربانية.

ثم إن الشيطان بوساوسه محا عن النفس أثر إلهامات القلب، أو الشيطان أنسى القلب ذكر الله حين استغاث النفس لتذكره عند الروح، ولو استغاث بالله لخلصه في الحال ﴿ فلبث في السجن بضع سنين ﴾ إشارة إلى الصفات البشرية السبع التي بها القلب محبوس وهي: الحرص والبخل والشهوة والحسد والعداوة والغضب والكبر ﴿ إني أرى سبع بقرات سمان ﴾ هن الصفات المذكورة ﴿ يأكلهن سبع عجاف ﴾ هن أضدادها وهي: القناعة والسخاوة والعفة والغبطة والشفقة والحلم والتواضع ﴿ يا أيها الملأ ﴾ يعني الأعضاء والجوارح والحواس والقوى ﴿ أفتوني ﴾ فيما رأيت في غيب الملكوت ﴿ وما نحن بتأويل الأحلام ﴾ أي ليس التصرف في الملكوت وشواهدها من شأننا ﴿ فأرسلون ﴾ فيه أن النفس إذا أرادت أن تعلم شيئاً مما يجري في الملكوت ترجع بقوة التفكر إلى القلب فتستخبر عنه، فالقلب ترجمان بين الروحانيات ولانفس فيما يفهم من لسان الغيب ﴿ أيها الصديق ﴾ لأنه مصدق فيما يرى من شواهد الحق، ويصدق فيما يروي للخلق ﴿ ما كذب الفؤاد ما رأى  ﴾ "حدثني قلبي عن ربي" قال في الكشاف: أرجع إلى الناس أي إلى الأجزاء الإنسانية ﴿ تزرعون سبع سنين ﴾ إشارة إلى تربية الصفات البشرية السبع بالعادة والطبيعة في أوان الطفولية ﴿ فذروه في سنبله ﴾ أي ما حصلتم من هذه الصفات فذروه في أماكنه ولا تستعملوه ﴿ إلا قليلاً ﴾ مما تعيشون به إلى أوان البلوغ وظهور نور العقل في مصباح السر في زجاجة القلب كأنه كوكب دري.

ثم إذا أيد نور العقل بأنوار تكاليف الشرع وشرف بإلهام الحق في إظهار فجور النفس وتقواها فيزكيها عن هذه الصفات ويجليها بالصفات الروحانية السبع، فكأن السبع العجاف أكلن السبع السمان.

وإنما سمى ما هو من عالم الأرواح عجافاً للطافتها، وما هو من عالم الأجسام سماناً لكثافتها كثيراً إلا قليلاً مما يحسن به الإنسان حياة قالبه ﴿ ثم يأتي من بعد ذلك عام ﴾ أي بعد غلبات الصفات الروحانية واضمحلال الصفات البشرية يظهر مقام فيه يتدارك السالك جذبات العناية، وفي يبرأ العبد من معاملاته وينجو من حبس وجوده وحجب أنانيته.

ولما أخبر القلب بنور الله رآه الروح في عالم الملكوت وتأوله استحق قرب الروح وصحبته فاستدعى حضوره على لسان رسول النفس فرده إليه وقال سله ﴿ ما بال النسوة ﴾ لأن الأوصاف الإنسانية لما رأين جمال القلب المنور بنور الله ﴿ قطعن أيديهن ﴾ من ملاذ الدنيا وشهواتها وآثرن السعادة الأخروية على الشهوات الفانية ﴿ ليعلم أني لم أخنه بالغيب ﴾ أي القلب المنظور بنظر العناية لما غاب عن حضرة الروح لاشتغاله بتربية النفس والقالب ما خانه بالالتفات إلى الدنيا ونعيمها ﴿ وأن الله لا يهدي كيد الخائنين ﴾ الذين يبيعون الدين بالدنيا.

ثم قال إظهاراً للعجز عن نفسه وللفضل من ربه ﴿ وما أبرىء نفسي إن النفس ﴾ جبلت على الأمارية، ولكن إذا رحمها ربها يقلبها ويغيرها فإذا تنفس صبح الهداية صارت لوامة نادمة على فعلها، والندم توبة وإذا طلعت شمس العناية وصارت ملهمة ﴿ فألهمها فجورها وتقواها  ﴾ وإذا بلغت شمس العناية وسط سماء الهداية أشرقت الأرض بنور ربها وصارت النفس مطمئنة مستعدة لجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك راضية مرضية  ﴾ ﴿ إن ربي غفور ﴾ لنفس تابت ورجعت إليه ﴿ رحيم ﴾ لمن أحسن طاعته وعبادته والله حسبنا ونعم الوكيل.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجْنَ فَتَيَانِ ﴾ .

قيل: عبدين للملك؛ غضب عليهما الملك.

﴿ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّيۤ أَرَانِيۤ أَعْصِرُ خَمْراً ﴾ .

وقال بعضهم: أرض يُدعى العنب بها خمرا، أو سمي خمراً باسم سببه وباسم أصله، [وجائز في اللغة تسمية الشيء باسم سببه وباسم أصله].

﴿ وَقَالَ ٱلآخَرُ إِنِّي أَرَانِيۤ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً ﴾ كان أحدهما خبازاً للملك، والآخر ساقيه.

﴿ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ قال بعضهم: إحسانه في السجن؛ لما كانوا رأوه يداوي المرضي، ويعزّي حزينهم، ويجتهد في نفسه في العبادة لربّه.

هذا يحتمل لعله كان يبرّ أهل السجن ويصلهم، ويجتهد في العبادة لله في الصلاة له والصوم، وأنواع العبادة التي تكون فيما بينه وبين ربه، فسمياه محسناً لذلك.

ويشبه أن يكون قالوا: ﴿ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ لما رأوا به سيما الخير وآثاره، أو يدعوهم إلى توحيد الله والعبادة له، وخلعهم عن عبادة الأصنام والأوثان والانتزاع من ذلك، فسمياه محسناً لذلك.

ويحتمل قوله: ﴿ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ لما رأوه أحسن إلى أهل السجن، ويحتمل الإحسان - هاهنا -: العلم؛ أي: نراك من العالمين؛ وهو قول الفراء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ ﴾ .

سمى التعبير: تأويلا؛ لأن التأويل: هو الإخبار عن العواقب؛ لذلك سموه تأويلا، ثم خرج تأويل الذي كان يعصر الخمر على العود إلى ما كان في أمره؛ من السقي للملك؛ وهو كان ساقيه؛ على ما ذكر، فلما رأى أنه دام على أمره، أول له بالعود إلى أمره الذي كان فيه.

والآخر كان خبّازاً؛ على ما ذكر، وهو إنما كان يخبز للناس، فلما رأى أنه حمل الخبز على رأسه، وأنه يأكل الطير - علم أنه يخرج من الأمر الذي كان فيه، وخروجه يكون بهلاكه؛ لأنه كان من قبل يخبز للناس، فصار يخبز لغيرهم؛ فاستدل بذلك على خروجه من أمره وعمله، لكنه أخبر أنه يصلب؛ لأنه كان قائماً منتصباً، فأول على ما كان أمره.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا ﴾ هذا - والله أعلم - كان يقول لهم ذلك؛ ليعرفهم أن عنده علم ذلك؛ علم ما لا يُحتاج إليه؛ فعلم ما يحتاج إليه أحرى أن يعلم ذلك، وهذا - والله أعلم - منه احتيال؛ لينزعهم عما هم فيه من عبادة الأوثان، وعبادتهم غير الله، وليرغبهم في توحيد الله، وصرف العبادة إليه؛ ولهذا قال: ﴿ ذٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيۤ ﴾ هذا باللطف ما أضاف إليه أنه علمه، وإلا التعليم لا يكون إلا باختلاف الملائكة إليه، وذلك لطف من الله  للرسل عليهم السلام.

وقوله: ﴿ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا ﴾ .

تأويله - والله أعلم - أي: لا يأتيكما طعام رأيتما آثار ذلك في المنام إلا نبأتكما بتأويل ذلك قبل أن يأتي ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ ﴾ .

أخبر أنه ترك: ﴿ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ...

﴾ الآية.

وقوله: ﴿ تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ ﴾ ليس أنه كان فيه ثم تركه، ولكن تركه ابتداء؛ ما لو لم يكن تركه كان آخذاً بغيره؛ وهو كقوله: ﴿ رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ  ﴾ ليس أنها كانت موضوعة فرفعها، ولكن رفعها أول ما خلقها.

وكذلك قوله: ﴿ وَٱلأَرْضَ وَضَعَهَا  ﴾ ليس أنها مرفوعة ثم وضعها؛ أي أنشأها مرفوعة وموضوعة.

وكقوله: ﴿ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ  ﴾ ليس أنهم كانوا فيها فأخرجهم، ولكن عصمهم حتى لم يدخلوا فيها.

فعلى ذلك الأول.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِـيۤ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ﴾ .

قال في الآية الأولى: ﴿ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ ﴾ ، وأخبر أنهم كافرون بالله واليوم الآخر، وفيه أن من لم يؤمن بالله واليوم الآخر، فهو كافر، فهذا ينقض على المعتزلة؛ حيث جعلوا بين الكفر والإيمان رتبة ثالثة، ويوسف يخبر أن من لم يؤمن بالله فهو كافر؛ وهم يقولون: صاحب الكبيرة غير مؤمن بالله، وهو ليس بكافر.

ثم أخبر أنه ترك ملة أولئك الذين لا يؤمنون بالله، واتبع ملة آبائه إبراهيم ومن ذكر، ثم أخبر عن ملة آبائه وهو ما ذكر.

﴿ مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَيْءٍ ﴾ .

عرفهم ملة آبائه ودينهم؛ وهو على ترك الإشراك بالله، وجعل الألوهية له، وصرف العبادة إليه.

وفيه: أن الملة ليست إلا ملتين: ملّة كفر، وملة إسلام.

وأخبر أن من لم يكن في ملة الإسلام كان في ملة الكفر.

ثم خص بذكر هؤلاء: إبراهيم وإسحاق ويعقوب؛ لأن هؤلاء كانوا مكرمين عند الناس كافة، كل أهل الدين يدّعون أنهم على دين أولئك؛ فأخبر أنهم على دين الإسلام.

والحنيف: المخلص، ليس على ما تزعمون أنتم؛ ولهذا قال: ﴿ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ  ﴾ .

وفي قوله: ﴿ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ ﴾ دلالة أن الكفر كله ملة واحدة؛ حيث أخبر أنه ترك ملة قوم لا يؤمنون على اختلاف مذاهبهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ ﴾ .

أي: ذلك الدين والملة التي أنا عليها وآبائي من فضل الله علينا وعلى الناس؛ لأنه - عز وجل - فطر الناس على فطرة؛ يعرفون وحدانية الله وربوبيته بعقول ركبت فيهم؛ ولكن أكثر الناس لا يشكرون فضل الله وما ركب فيهم من العقول، أو ذلك الدين والهداية الذي أعطاهم من فضل الله؛ لكن أكثر الناس يتركون ذلك الدين وتلك الهداية، والله أعلم.

وقول الله - عز وجل -: ﴿ يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ ﴾ .

يوسف - لما سئل عن تأويل الرؤيا - دعاهم إلى توحيد الله ودلهم عليه؛ فقال: ﴿ ذٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيۤ ﴾ ، وقال: ﴿ يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ ﴾ ، أي: عبادة رب واحد وإرضاؤه خير أم عبادة عدد وإرضاء نفر؟

لأنه إذا عبد بعضاً واجتهد في إرضائهم أسخط الباقين؛ فلا سبيل إلى الوصول إلى مقصوده والظفر بحاجته؛ إذ لا يقدر على إرضائهم جميعاً، وإن اجتهد، وأما الواحد: فإنه يقدر على إرضائه؛ إذ لا يزال يكون في عبادته وإرضائه؛ فيصل إلى حاجته والظفر بمقصوده.

والثاني: يخبر أن الواحد القهار يقهر غيره من الأرباب ومن تعبدون؛ فعبادة الواحد القهار خير من عبادة عدد مقهورين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ ﴾ .

من الأصنام والأوثان.

﴿ إِلاَّ أَسْمَآءً سَمَّيْتُمُوهَآ ﴾ .

آلهة.

﴿ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ ﴾ .

ولا يستحقون العبادة ولا التسمية بالألوهية؛ إنما المستحق لذلك: الذي خلقكم وخلق السماوات والأرض.

﴿ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ﴾ .

أي: ما أنزل الله على ما عبدتموهم وسميتم أنتم وآباؤكم آلهة من حجة ولا برهان.

﴿ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ ﴾ .

أي: ما الحكم - في الألوهية والربوبية والعبادة - إلا لله [ليس كما تقولون: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ .

وقولهم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ يقول: ما الحكم في العبادة والألوهية إلا لله].

أو يقول: ما الحكم في الخلق إلا لله؛ كقوله: ﴿ أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ  ﴾ أي: له الخلق وله الأمر في الخلق.

و ﴿ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ ﴾ .

حكمه هذا: أمر ألا تعبدوا إلا إياه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ ﴾ .

أي: عبادة الله وتوحيده هو الدين القيم؛ لأنه دين قام على الحجة والبرهان، وأمّا سائر الأديان فليست بقيمة؛ إذ لا حجة قامت عليها ولا برهان.

والقيم: هو القائم الذي قام بحجة وبرهان، وقال أهل التأويل: القيم: المستقيم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ .

يحتمل: لا يعلمون؛ لما لم يتفكروا فيه ولم ينظروا؛ فلم يعلموا، ولو نظروا فيه وتفكروا لعلموا، وهذا يدلّ أن العقوبة تلزم - وإن جهل - إن أمكن له العلم به؛ فلا عذر له في الجهل إذا أمكن العلم به.

أو علموا لكنهم لم ينتفعوا بعلمهم؛ فنفى عنهم العلم لذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا ٱلآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ ﴾ .

هو ما ذكرنا أنه تأول رؤيا الساقي، وعبرها على العود إلى ما كان يعمل من قبل؛ لما رأى أنه كان عمل على ما كان يعمل من قبل.

وعبر رؤيا الخبّاز بالهلاك؛ لما رأى أنه حمل الخبز على الرأس، والخبز إذا خبزه الخباز لا يحمله على رأسه؛ فرأى أنه قد انتهى أمره؛ إذ عمل على خلاف ما كان يعمل من قبل؛ فتأكل الطير من رأسه، فعبّر أنه يصلب وتأكل من رأسه لما رأى أنه حمل الخبز على رأسه؛ لما كان يخبز من قبل للعباد، فلما رأى أنه يخبز لغيره عبر أنه يهلك فتأكل الطير من رأسه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُضِيَ ٱلأَمْرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: إنه لما عبر لهما رؤياهما، قال الذي عبر له الصلب والقتل: لم أر شيئاً؛ إنما كنا نلعب، فقال لهما يوسف: ﴿ قُضِيَ ٱلأَمْرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ﴾ أي: فرغ وانتهى، لكن هذا لا يعلم: أقالا ذلك أم لم يقولا، سوى أن فيه أنه عَبّر رؤياهما، وكان ما عبّر لهما، وقد علم ذلك بتعليم من الله إياه؛ بقوله: ﴿ ذٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيۤ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا ﴾ .

قال بعضهم: ظن الذي صدق [يوسف: أنه يسقي ربه، وأنه ناج.

وقال بعضهم: قال يوسف للذي ظن أنه ناج منهما، بجعل الظن ليوسف، فإن كان الذي ظن] هو ذلك الرجل؛ فكان الظن في موضع الظن؛ وإن كان الظانّ هو يوسف - فهو علم ويقين؛ أي: علم وأيقن أنه ناج منهما؛ لأنه لا يحتمل أن يشك فيما يعبر وقد علمه الله تأويل الأحاديث بقوله: ﴿ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ  ﴾ ، وقال: ﴿ ذٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيۤ  ﴾ .

ويحتمل على حقيقة الظن من يوسف؛ أي: وقال للذي ناج منهما ظن أنه يذكره عند ربه، وهو على التقديم والتأخير.

وقوله - عز وجل: ﴿ ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: إن يوسف لما فزع إلى غير الله [وطلب إخراجه من السجن من الملك أنساه الله فيه سنين وأقره فيه عقوبة له حين رجا غير ربه لكن هذا بعيد لا يحتمل أن يكون يوسف يفزع إلى غير الله]؛ ويدفع قلبه عن الله ويشغله بمن دونه، لكنه رأى - والله أعلم - أن الله - عز وجل - جعل سبب نجاته على يديه، وأنه بقي فيه منسيّاً؛ لما علم أنه لم يكن منه سبب يلزمهم الحبس في السجن، سوى الاعتذار إلى الناس، والاعتلال لهم على نفي ما اقترفت به زوجته، أو لينقطع ذلك الخبر [عن ألسن] الناس، ويبعد عن أوهامهم، فرأى أنه إذا ذكّره؛ لعله أخرجه من ذلك لما رأى أنه جعل سبب نجاته على يديه؛ لا أنه رأى ذلك منه ورفع قلبه عن الله.

وهكذا جعل الله  أمور الدنيا كلها بأسباب.

وعلى ذلك تعبّد عباده؛ باستعمال الأسباب مع اعتقاد القلب القدر من الله؛ نحو: ما جعل الأنزال والزراعة بأسباب يكتسبونها، ونحو الأسلحة التي اتخذت للحرب والقتال بها مما يكثر عدد ذلك، وإنما يحاربون بالله، وبه يقاتلون، ومن عنده يُنصرون.

وقد أمر بذلك كله وبتلك الأسباب؛ فقال: ﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ  ﴾ وليس كل من فعل هذا كان فزع إلى غير الله، أو رأى النصر والنجاة من ذلك الشيء والسبب؛ بل رأى ذلك كله من الله ومن عنده؛ فعلى ذلك يوسف لا يجوز أن يتوهم أنه فزع إلى مخلوق مثله، ورأى نجاته من عند ذلك، ولكن للوجه الذي ذكرناه.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ ﴾ .

يحتمل وجهين: أحدهما: اذكرني عند ربك؛ لعلي حبست بلا علم منه وبغير أمره؛ لأن تلك المرأة هي التي أوعدت له السجن؛ فوقع عنده أنها هي التي احتالت في حبسه؛ فقال لذلك ما قال.

والثاني: يقول: اذكرني بالذي رأيت مني وسمعت؛ لأنه دعاهما في السجن إلى التوحيد؛ حيث قال: ﴿ ءَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَنْسَاهُ ٱلشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: أنسى الشيطان يوسف دعاء ربه الذي أنشأه وخلقه؛ فلم يدع ربه الذي هو في الحقيقة ربّ.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ فَأَنْسَاهُ ٱلشَّيْطَانُ ﴾ الذي قال له يوسف: اذكرني عند ربك ذكر ربه، وهذا أشبه، والأوّل بعيد؛ لأنه قال في آخره: ﴿ وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ  ﴾ ، أي: بعد حين ﴿ أَنَاْ أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ  ﴾ دل هذا أنه إنما أنسى الشيطان على ذلك الرجل فلم يذكره عنده حيناً.

وقال بعضهم: لم ينسه الشيطان، ولكن تركه عمداً؛ لم يذكره عنده؛ لعله يتذكر ما تقدم من المقال فيزداد غضباً عليه، فتركه عمداً إلى أن جاء وقته - والله أعلم - وأضاف الإنساء إلى الشيطان، وكذلك قال موسى: ﴿ وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ ٱلشَّيْطَانُ  ﴾ ، فهو - والله أعلم - لأن بدء كل شرّ يكون من الشيطان؛ لأنه يخطر بباله ويقذف في قلبه ويوسوسه، ثم يكون من العبد العزيمة على ذلك والفعل، وفائدة النسيان - والله أعلم - هو أن الله  أراد أن يظهر آية رسالته وحجة نبوته؛ بكونه في السجن ويظهر براءته في شأن تلك المرأة بشهادة أولئك النسوان، وذلك علم الأحاديث التي ذكر والرؤيا التي عبرها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَبِثَ فِي ٱلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ﴾ .

قال بعضهم: خمس سنين.

وقال بعضهم: سبع سنين؛ ونحو ذلك.

ولكن لا نعلم ذلك، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة سوى [أنه] لبث فيه حيناً.

وقال أبو بكر الأصم: قوله: ﴿ ٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ ﴾ \[سماهم: أصحاب السجن؛ لأنه كانوا في السجن، كما يقال: أصحاب النار، وأصحاب الجنة، ونحوه، لكنه لو كان ما ذكر لقال: يا صاحبا السجن\] بالألف؛ فلما لم يقل هذا دل أنه أضافه إلى نفسه؛ كأنه قال: يا صاحبي في السجن؛ لأنهما كانا معه في السجن.

وقوله: ﴿ قُضِيَ ٱلأَمْرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ﴾ .

قيل: فرغ.

وقيل: انتهى الأمر الذي فيه تستفتيان وأنهي؛ كقوله: ﴿ وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ...

﴾ الآية [الإسراء: 4].

وقوله: ﴿ قُضِيَ ٱلأَمْرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ﴾ كأنه بلغ إليهما وحياً أوحي إليه وأمر به؛ أي: هو كائن من غير رجوع كان منهما؛ على ما يقوله أهل التأويل، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فسجنوه، ودخل معه غلامان في السجن، قال أحد الغلامين ليوسف: إني رأيت في المنام أني أعصر العنب ليصير خمرًا، وقال الثاني: إني رأيت أني أحمل فوق رأسي خبزًا تأكل الطيور منه، أخبرنا -يا يوسف- بتفسير ما رأينا، إنا نراك من أهل الإحسان.

<div class="verse-tafsir" id="91.nJab0"

مزيد من التفاسير لسورة يوسف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 14 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.7 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 0 يوم
أستغفر الله