الآية ٥٣ من سورة يوسف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 12 يوسف > الآية ٥٣ من سورة يوسف

۞ وَمَآ أُبَرِّئُ نَفْسِىٓ ۚ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لَأَمَّارَةٌۢ بِٱلسُّوٓءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّىٓ ۚ إِنَّ رَبِّى غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ٥٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 105 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٣ من سورة يوسف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٣ من سورة يوسف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

تقول المرأة : ولست أبرئ نفسي ، فإن النفس تتحدث وتتمنى; ولهذا راودته لأنها أمارة بالسوء ، ( إلا ما رحم ربي ) أي : إلا من عصمه الله تعالى ، ( إن ربي غفور رحيم ) .

وهذا القول هو الأشهر والأليق والأنسب بسياق القصة ومعاني الكلام .

وقد حكاه الماوردي في تفسيره ، وانتدب لنصره الإمام العلامة أبو العباس ابن تيمية ، رحمه الله ، فأفرده بتصنيف على حدة وقد قيل : إن ذلك من كلام يوسف ، عليه السلام ، من قوله : ( ذلك ليعلم أني لم أخنه ) في زوجته ) بالغيب ) الآيتين أي : إنما رددت الرسول ليعلم الملك براءتي وليعلم العزيز ( أني لم أخنه ) في زوجته ) بالغيب ) ( وأن الله لا يهدي كيد الخائنين وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء ) [ الآية ] وهذا القول هو الذي لم يحك ابن جرير ولا ابن أبي حاتم سواه .

وقال ابن جرير : حدثنا أبو كريب ، حدثنا وكيع ، عن إسرائيل ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : لما جمع الملك النسوة فسألهن : هل راودتن يوسف عن نفسه ؟

( قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين ) قال يوسف ( ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب [ وأن الله لا يهدي كيد الخائنين ] ) قال : فقال له جبريل ، عليه السلام : ولا يوم هممت بما هممت به .

فقال : ( وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء ) وهكذا قال مجاهد ، وسعيد بن جبير ، وعكرمة ، وابن أبي الهذيل ، والضحاك ، والحسن ، وقتادة ، والسدي .

والقول الأول أقوى وأظهر; لأن سياق الكلام كله من كلام امرأة العزيز بحضرة الملك ، ولم يكن يوسف ، عليه السلام ، عندهم ، بل بعد ذلك أحضره الملك .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (53) قال أبو جعفر : يقول يوسف صلوات الله عليه: وما أبرئ نفسي من الخطأ والزلل فأزكيها ، (إن النفس لأمارة بالسوء)، يقول: إن النفوسَ نفوسَ العباد، تأمرهم بما تهواه، وإن كان هواها في غير ما فيه رضا الله ، (إلا ما رحم ربي) يقول: إلا أن يرحم ربي من شاء من خلقه ، فينجيه من اتباع هواها وطاعتها فيما تأمرُه به من السوء ، (إن ربي غفور رحيم) .

* * * و " ما " في قوله: (إلا ما رحم ربي)، في موضع نصب ، وذلك أنه استثناء منقطع عما قبله ، كقوله: وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ * إِلا رَحْمَةً مِنَّا [ سورة يس : 43 ، 44 ] بمعنى: إلا أن يرحموا .

و " أن "، إذا كانت في معنى المصدر، تضارع " ما ".

* * * ويعني بقوله: (إن ربي غفور رحيم)، أن الله ذو صفح عن ذنوب من تاب من ذنوبه ، بتركه عقوبته عليها وفضيحته بها ، " رحيم "، به بعد توبته، أن يعذبه عليها .

* * * وذُكر أن يوسف قال هذا القول، من أجل أن يوسف لما قال: ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ ، قال ملك من الملائكة: ولا يومَ هممت بها!

فقال يوسفُ حينئذ: (وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء) .

* * * وقد قيل: إن القائل ليوسف: " ولا يومَ هممت بها، فحللت سراويلك "!

هو امرأة العزيز ، فأجابها يوسف بهذا الجواب .

* * * وقيل: إن يوسف قال ذلك ابتداءً من قبل نفسه .

* * * *ذكر من قال ذلك: 19428 - حدثنا أبو كريب قال: حدثنا وكيع ، عن إسرائيل ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال: لما جمع الملك النسوة فسألهن: هل راودتن يوسف عن نفسه؟

قلن حَاشَ لله، ما علمنا عليه من سوء!

قالت امرأة العزيز: الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ الآية .

قال يوسف: ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ ، قال فقال له جبريل: ولا يوم هممت بما هممت!

فقال: (وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء).

19429- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن إسرائيل ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال: لما جمع الملك النسوة ، قال لهن: أنتن راودتن يوسف عن نفسه؟

، ثم ذكر سائر الحديث ، مثل حديث أبي كريب ، عن وكيع.

19430- حدثنا الحسن بن محمد قال ، حدثنا عمرو قال ،أخبرنا إسرائيل عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال: لما جمع فرعون النسوة، (1) قال: أنتن راودتن يوسف عن نفسه؟

ثم ذكر نحوه ، غير أنه قال: فغمزه جبريل ، فقال: ولا حين هممت بها!

فقال يوسف: (وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء).

19431 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا وكيع ، وحدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، ، عن مسعر ، عن أبي حصين ، عن سعيد بن جبير قال: لما قال يوسف: ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ .

قال جبريل ، أو مَلَك: ولا يوم هممت بما هممت به؟

فقال: (وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء).

19432- حدثنا عمرو بن علي قال ، حدثنا وكيع قال ، حدثنا مسعر ، عن أبي حصين ، عن سعيد بن جبير، بنحوه ، إلا أنه قال: قال له المَلَك: ولا حين هممت بها؟

ولم يقل: " أو جبريل " ، ثم ذكر سائر الحديث مثله.

19433- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا محمد بن بشر، وأحمد بن بشير ، عن مسعر ، عن أبى حصين ، عن سعيد بن جبير: ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ ، قال فقال له الملك ، أو: جبريل ، : ولا حين هممت بها؟

فقال يوسف: (وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء).

19434 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا وكيع ، عن سفيان ، عن أبي سنان ، عن ابن أبي الهذيل قال: لما قال يوسف: ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ ، قال له جبريل: ولا يوم هممت بما هممت به؟

فقال: (وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء).

19435- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن أبي سنان ، عن ابن أبي الهذيل ، بمثله .

19436- حدثنا الحسن بن محمد قال ، حدثنا عمرو قال ،أخبرنا مسعر ، عن أبي حصين ، عن سعيد بن جبير ، مثل حديث ابن وكيع ، عن محمد بن بشر وأحمد بن بشير سواءً .

19437 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا العلاء بن عبد الجبار ، وزيد بن حباب ، عن حماد بن سلمة، عن ثابت ، عن الحسن: ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ ، قال له جبريل: اذكر همَّك !

فقال: (وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء).

19438 - حدثنا الحسن قال ، حدثنا عفان قال ، حدثنا حماد ، عن ثابت ، عن الحسن: ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ قال جبريل: يا يوسف اذكر همك !

قال: (وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء).

19439 - حدثني يعقوب قال ، حدثنا هشيم ، عن إسماعيل بن سالم ، عن أبي صالح ، في قوله: ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ ، قال: هذا قول يوسف قال: فقال له جبريل: ولا حين حللت سراويلك؟

قال فقال يوسف: (وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء) ، الآية.

19440- حدثني المثنى قال ، حدثنا عمرو بن عون قال ،أخبرنا هشيم ، عن إسماعيل بن سالم ، عن أبي صالح ، بنحوه .

19441 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة ، قوله: ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ ذُكر لنا أن الملك الذي كان مع يوسف ، قال له: اذكر ما هممت به.

قال نبي الله: (وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء).

19442- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة قال: بلغني أن الملك قال له حين قال ما قال: أتذكر همك؟

فقال: (وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي).

19443 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عكرمة ، قوله: ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ ، قال الملك ، وطَعَن في جنبه: يا يوسف ، ولا حين هممت؟

قال: فقال: (وما أبرئ نفسي).

* * * *ذكر من قال: قائل ذلك له المرأة.

19444- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا عمرو ، عن أسباط ، عن السدي: ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ ، قال: قاله يوسف حين جيء به، ليعلم العزيز أنه لم يخنه بالغيب في أهله، وأن الله لا يهدي كيد الخائنين.

فقالت امرأة العزيز: يا يوسف، ولا يوم حللت سراويلك؟

فقال يوسف: (وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء).

* * * * ذكر من قال: قائل ذلك يوسف لنفسه ، من غير تذكير مذكّر ذكره ولكنه تذكّر ما كان سلف منه في ذلك .

19445- حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله: ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ ، هو قول يوسف لمليكه، حين أراه الله عذره ، فذكر أنه قد همَّ بها وهمت به ، فقال يوسف: (وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء)، الآية.

---------------------- الهوامش: (1) في المطبوعة :" لما جمع الملك" ، وأثبت ما في المخطوطة .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وما أبرئ نفسي قيل : هو من قول المرأة .

وقال القشيري : فالظاهر أن قوله : ذلك ليعلم وقوله : وما أبرئ نفسي من قول يوسف .

قلت : إذا احتمل أن يكون من قول المرأة فالقول به أولى حتى نبرئ يوسف من حل الإزار والسراويل ; وإذا قدرناه من قول يوسف فيكون مما خطر بقلبه ، على ما قدمناه من القول المختار في قوله : وهم بها .

قال أبو بكر الأنباري : من الناس من يقول : ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب إلى قوله : إن ربي غفور رحيم من كلام امرأة العزيز ; لأنه متصل بقولها : أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين وهذا مذهب الذين ينفون الهم عن يوسف - عليه السلام - ; فمن بنى على قولهم : " قال " من قوله : قالت امرأة العزيز إلى قوله : إن ربي غفور رحيم كلام متصل بعضه ببعض ، ولا يكون فيه وقف تام على حقيقة ; ولسنا نختار هذا القول ولا نذهب إليه .

وقال الحسن : لما قال يوسف ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب كره نبي الله أن يكون قد زكى نفسه فقال : وما أبرئ نفسي لأن تزكية النفس مذمومة ; قال الله تعالى : فلا تزكوا أنفسكم وقد بيناه في " النساء " .

وقيل : هو من قول العزيز ; أي وما أبرئ نفسي من سوء الظن بيوسف .إن النفس لأمارة بالسوء أي مشتهية له .إلا ما رحم ربي في موضع نصب بالاستثناء ; و " ما " بمعنى من ; أي إلا من رحم ربي فعصمه ; و " ما " بمعنى من كثير ; قال الله تعالى : فانكحوا ما طاب لكم من النساء وهو استثناء منقطع ، لأنه استثناء المرحوم بالعصمة من النفس الأمارة بالسوء ; وفي الخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ما [ ص: 184 ] تقولون في صاحب لكم إن أنتم أكرمتموه وأطعمتموه وكسوتموه أفضى بكم إلى شر غاية وإن أهنتموه وأعريتموه وأجعتموه أفضى بكم إلى خير غاية قالوا : يا رسول الله !

هذا شر صاحب في الأرض .

قال : فوالذي نفسي بيده إنها لنفوسكم التي بين جنوبكم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم لما كان في هذا الكلام نوع تزكية لنفسها، وأنه لم يجر منها ذنب في شأن يوسف، استدركت فقالت: { وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي } أي: من المراودة والهمِّ، والحرص الشديد، والكيد في ذلك.

{ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ } أي: لكثيرة الأمر لصاحبها بالسوء، أي: الفاحشة، وسائرالذنوب، فإنها مركب الشيطان، ومنها يدخل على الإنسان { إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي } فنجاه من نفسه الأمارة، حتى صارت نفسه مطمئنة إلى ربها، منقادة لداعي الهدى، متعاصية عن داعي الردى، فذلك ليس من النفس، بل من فضل الله ورحمته بعبده.

{ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ } أي: هو غفور لمن تجرأ على الذنوب والمعاصي، إذا تاب وأناب، { رَحِيمٌ } بقبول توبته، وتوفيقه للأعمال الصالحة،.

وهذا هو الصواب أن هذا من قول امرأة العزيز، لا من قول يوسف، فإن السياق في كلامها، ويوسف إذ ذاك في السجن لم يحضر.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وما أبرئ نفسي ) من الخطإ والزلل فأزكيها ( إن النفس لأمارة بالسوء ) بالمعصية ( إلا ما رحم ربي ) أي : إلا من رحم ربي فعصمه ، " ما " بمعنى من - كقوله تعالى : ( فانكحوا ما طاب لكم ) ( النساء - 3 ) أي : من طاب لكم - وهم الملائكة ، عصمهم الله عز وجل فلم يركب فيهم الشهوة .

وقيل : " إلا ما رحم ربي " إشارة إلى حالة العصمة عند رؤية البرهان .

( إن ربي غفور رحيم ) فلما تبين للملك عذر يوسف عليه السلام وعرف أمانته وعلمه :

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وما أبري نفسي» من الزلل «إن النفس» الجنس «لأمَّارة» كثيرة الأمر «بالسوء إلا ما» بمعنى من «رحم ربي» فعصمه «إن ربي غفور رحيم».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قالت امرأة العزيز: وما أزكي نفسي ولا أبرئها، إن النفس لكثيرة الأمر لصاحبها بعمل المعاصي طلبا لملذاتها، إلا مَن عصمه الله.

إن الله غفور لذنوب مَن تاب مِن عباده، رحيم بهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أضافت إلى كل ذلك قولها : ( وَمَآ أُبَرِّىءُ نفسي إِنَّ النفس لأَمَّارَةٌ بالسواء إِلاَّ مَا رَحِمَ ربي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) .أى : ومع أنى أعترف بأنه من الصادقين ، وأعترف بأنى لم أخنه بالغيب ، إلا أنى مع كل ذلك لا أبرئ نفسى ولا أنزهها عن الميل إلى الهوى ، وعن محاولة وصفه بما هو برئ منه ، فنا التى قلت لزوجى فى حالة دهشتى وانفعالى الشديد ، ( مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سواءا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) وما حملنى على هذا القول إلا هواى وشهواتى ، ونفسى؛ إن النفس البشرية لكثيرة الأمر لصاحبها بالسوء إلا نفسا رحمها الله وعصمها من الزلل والانحراف ، كنفس يوسف - عليه السلام - .وجملة ( إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) تعليل لما قبلها ، أى : إن ربى كثير الغفران وكثير الرحمة ، لمن يشاء أن يغفر له ويرحمه من عباده .والذى يتأمل هذا الكلام الذى حكاه القرآن عن امرأة العزيز ، يراه زاخرا بالصراحة التى ليس بعدها صراحة ، وبالمشاعر والانفعالات الدالة على احترامها ليوسف الذى خاخف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى ، رغم الإِغراءات المصحوبة بالترغيب والترهيب ، ويبدو لنا - والله أعلم - أن هذا الكلام ما قالته امرأة العزيز ، إلا بعد أن استقرت عقيدة الإِيمان التى آمن بها يوسف فى قلبها ، وبعد أن رأت فيه إنسانا يختلف فى استعصامه بالله وفى سمو نفسه ، عن غيره من الناس الذين رأتهم .هذا ، ويرى كثير من المفسرين أن كلام امرأة العزيز قد انتهى عند قوله - تعالى - ( وَإِنَّهُ لَمِنَ الصادقين ) وأن قوله - تعالى - بعد ذلك ( ذلك لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بالغيب .

.

.

) إلى قوله - تعالى - ( إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) هو من كلام يوسف - عليه السلام - ، فيكون المعنى :وذلك ليعلم " أى العزيز " أنى لم أخنه ، فى أهله ( بالغيب ) أى في غيبته ( وَأَنَّ الله لاَ يَهْدِي كَيْدَ الخائنين ) من النساء والرجال ، بل يبطل هذا الكيد ويفضحه .( وَمَآ أُبَرِّىءُ نفسي ) أى : ولا أنزهها عن السوء ، وهذا من باب التواضع منه - عليه السلام - ( إِنَّ النفس لأَمَّارَةٌ بالسواء ) أى : إن هذا الجنس من الأنفس البشرية ، شأنه الأمر بالسوء والميل إلى الشهوات .( إِلاَّ مَا رَحِمَ ربي ) من النفوس فعصمها عن أن تكون أمارة بالسوء .( إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) لمن شاء أن يغفر له ويرحمه من خلقه .والذى نراه أن الرأى الأول الذى سرنا عليه هو الجدير بالقبول ، لأنه هو المناسب لسياق الآيات من غير تكلف ، ولأنه لا يؤدى إلى تفكك الكلام وانقطاع بعضه عن بعض ، بخلاف الرأى الثانى الذى يرى أصحابه أن كلام امرأة العزيز قد انتهى عند قوله - تعالى - ( وَإِنَّهُ لَمِنَ الصادقين ) فإنه يؤدى إلى تفكك الكلام ، وعدم ارتباط بعضه ببعض ، فضلا عن أن وقائع التاريخ لا يؤيده ، لأن يوسف - عليه السلام - كان فى السجن عندما أحضر الملك النسوة وقال لهن : ( مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ ..

.

) وعندما قالت امرأة العزيز أمام الملك وأمامهن : ( الآن حَصْحَصَ الحق .

.

) إلى قوله - تعالى - ( إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) .ومن المفسرين الذين أيدوا الرأى الأول الإِمام ابن كثير فقد قال ما ملخصه : ( ذلك لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بالغيب .

.

) نقول : إنما اعترفت بهذا على نفسى ، بأنى راودت هذا الشاب فامتنع ، ( وَمَآ أُبَرِّىءُ نفسي .

.

.

) تقول المرأة : ولست أبرئ نفسى ، فإن النفس تتحدث وتتمنى ، ولهذا راودته لأنها أمارة بالسوء .( إِلاَّ مَا رَحِمَ ربي ) أى : من عصمه الله - تعالى - .

.

.ثم قال : " وهذا القول هو الأشهر والأليق والأنسب بسياق القصه ومعانى الكلام .

لأن سياق الكلام كله من كلام امرأة العزيز بحضرة الملك ، ولم يكن يوسف - عليه السلام - عندهم ، بل بعد ذلك أحضره الملك " .وإلى هنا تكون السورة الكريمة قد حدثتنا عن القسم الأول من حياة يوسف - عليه السلام - القسم الذى تعرض خلاله لألوان من المحن والآلام ، بعضها من إخوته ، وبعضها من امرأة العزيز ، وبعضها من السجن ومراراته .

.

.ثم بدأت بعد ذلك فى الحديث عن الجانب الثانى من حياته عليه السلام .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن تفسير هذه الآية يختلف بحسب اختلاف ما قبلها لأنا إن قلنا إن قوله: ﴿ ذلك لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بالغيب  ﴾ كلام يوسف كان هذا أيضاً من كلام يوسف، وإن قلنا إن ذلك من تمام كلام المرأة كان هذا أيضاً كذلك ونحن نفسر هذه الآية على كلا التقديرين، أما إذا قلنا إن هذا كلام يوسف عليه السلام فالحشوية تمسكوا به وقالوا: إنه عليه السلام لما قال: ﴿ ذلك لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بالغيب ﴾ قال جبريل عليه السلام ولا حين هممت بفك سراويلك فعند ذلك قال يوسف: ﴿ وَمَا أُبَرّئ نَفْسِى إِنَّ النفس لامَّارَةٌ بالسوء ﴾ أي بالزنا ﴿ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبّى ﴾ أي عصم ربي ﴿ إِنَّ رَبّى غَفُورٌ ﴾ للهم الذي هممت به ﴿ رَّحِيمٌ ﴾ أي لو فعلته لتاب علي.

واعلم أن هذا الكلام ضعيف فإنا بينا أن الآية المتقدمة برهان قاطع على براءته عن الذنب بقي أن يقال: فما جوابكم عن هذه الآية فنقول فيه وجهان: الوجه الأول: أنه عليه السلام لما قال: ﴿ ذلك لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بالغيب ﴾ كان ذلك جارياً مجرى مدح النفس وتزكيتها، وقال تعالى: ﴿ فَلاَ تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ  ﴾ فاستدرك ذلك على نفسه بقوله: ﴿ وَمَا أُبَرّئ نَفْسِى ﴾ والمعنى: وما أزكي نفسي إن النفس لأمارة بالسوء ميالة إلى القبائح راغبة في المعصية.

والوجه الثاني: في الجواب أن الآية لا تدل ألبتة على شيء مما ذكروه وذلك لأن يوسف عليه السلام لما قال: ﴿ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بالغيب ﴾ بين أن ترك الخيانة ما كان لعدم الرغبة ولعدم ميل النفس والطبيعة، لأن النفس أمارة بالسوء والطبيعة تواقة إلى الذات فبين بهذا الكلام أن الترك ما كان لعدم الرغبة، بل لقيام الخوف من الله تعالى.

أما إذا قلنا: إن هذا الكلام من بقية كلام المرأة ففيه وجهان: الأول: وما أبرئ نفسي عن مراودته ومقصودها تصديق يوسف عليه السلام في قوله: ﴿ هِىَ رَاوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى ﴾ الثاني: أنها لما قالت: ﴿ ذلك لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بالغيب  ﴾ قالت وما أبرئ نفسي عن الخيانة مطلقاً فإني قد خنته حين قد أحلت الذنب عليه وقلت: ﴿ مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءا إِلا أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  ﴾ وأودعته السجن كأنها أرادت الاعتذار مما كان.

فإن قيل جعل هذا الكلام كلاماً ليوسف أولى أم جعله كلاماً للمرأة؟

قلنا: جعله كلاماً ليوسف مشكل، لأن قوله: ﴿ قَالَتِ امرأت العزيز الئن حَصْحَصَ الحق  ﴾ كلام موصول بعضه ببعض إلى آخره، فالقول بأن بعضه كلام المرأة والبعض كلام يوسف مع تخلل الفواصل الكثيرة بين القولين وبين المجلسين بعيد، وأيضاً جعله كلاماً للمرأة مشكل أيضاً، لأن قوله: ﴿ وَمَا أُبَرّئ نَفْسِى إِنَّ النفس لامَّارَةٌ بالسوء إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبّى ﴾ كلام لا يحسن صدوره إلا ممن احترز عن المعاصي، ثم يذكر هذا الكلام على سبيل كسر النفس، وذلك لا يليق بالمرأة التي استفرغت جهدها في المعصية.

المسألة الثانية: قالوا: ﴿ مَا ﴾ في قوله: ﴿ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبّى ﴾ بمعنى من والتقدير: إلا من رحم ربي، وما ومن كل واحد منهما يقوم مقام الآخر كقوله تعالى: ﴿ فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ النساء  ﴾ وقال: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِى على أَرْبَعٍ  ﴾ وقوله: ﴿ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبّى ﴾ استثناء متصل أو منقطع، فيه وجهان: الأول: أنه متصل، وفي تقريره وجهان: الأول: أن يكون قوله: ﴿ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبّى ﴾ أي إلا البعض الذي رحمه ربي بالعصمة كالملائكة.

الثاني: إلا ما رحم ربي أي إلا وقت رحمة ربي يعني أنها أمارة بالسوء في كل وقت إلا في وقت العصمة.

والقول الثاني: أنه استثناء منقطع أي ولكن رحمة ربي هي التي تصرف الإساءة كقوله: ﴿ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ  ﴾ ﴿ إِلاَّ رَحْمَةً مّنَّا  ﴾ .

المسألة الثالثة: اختلف الحكماء في أن النفس الإمارة بالسوء ما هي؟

والمحققون قالوا إن النفس الإنسانية شيء واحد، ولها صفات كثيرة فإذا مالت إلى العالم الإلهي كانت نفساً مطمئنة، وإذا مالت إلى الشهوة والغضب كانت أمارة بالسوء، وكونها أمارة بالسوء يفيد المبالغة والسبب فيه أن النفس من أول حدوثها قد ألفت المحسوسات والتذت بها وعشقتها، فأما شعورها بعالم المجردات وميلها إليه، فذلك لا يحصل إلا نادراً في حق الواحد، فالواحد وذلك الواحد فإنما يحصل له ذلك التجرد والانكشاف طول عمره في الأوقات النادرة فلما كان الغالب هو انجذابها إلى العالم الجسداني وكان ميلها إلى الصعود إلى العالم الأعلى نادراً لا جرم حكم عليها بكونها أمارة بالسوء، ومن الناس من زعم أن النفس المطمئنة هي النفس العقلية النطقية، وأما النفس الشهوانية والغضبية فهما مغايرتان للنفس العقلية، والكلام في تحقيق الحق في هذا الباب مذكور في المعقولات.

المسألة الرابعة: تمسك أصحابنا في أن الطاعة والإيمان لا يحصلان إلا من الله بقوله: ﴿ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبّى ﴾ قالوا دلت الآية على أن انصراف النفس من الشر لا يكون إلا برحمته؛ ولفظ الآية مشعر بأنه متى حصلت تلك الرحمة حصل ذلك الانصراف.

فنقول: لا يمكن تفسير هذه الرحمة بإعطاء العقل والقدرة والألطاف كما قاله القاضي لأن كل ذلك مشترك بين الكافر والمؤمن فوجب تفسيرها بشيء آخر، وهو ترجيح داعية الطاعة على داعية المعصية وقد أثبتنا ذلك أيضاً بالبرهان القاطع وحينئذ يحصل منه المطلوب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

ثم أراد أن يتواضع لله ويهضم نفسه، لئلا يكون لها مزكياً وبحالها في الأمانة معجباً ومفتخراً، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» وليبين أنّ ما فيه من الأمانة ليس به وحده، وإنما هو بتوفيق الله ولطفه وعصمته فقال ﴿ وَمَا أُبَرّئ نَفْسِى ﴾ من الزلل، وما أشهد لها بالبراءة الكلية ولا أزكيها.

ولا يخلو، إمّا أن يريد في هذه الحادثة، لما ذكرنا من الهمّ الذي هو ميل النفس عن طريق الشهوة البشرية لا عن طريق القصد والعزم.

وإمّا أن يريد به عموم الأحوال ﴿ إِنَّ النفس لامَّارَةٌ بالسوء ﴾ أراد الجنس، أي إنّ هذا الجنس يأمر بالسوء ويحمل عليه بما فيه من الشهوات ﴿ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبّى ﴾ إلا البعض الذي رحمه ربي بالعصمة كالملائكة.

ويجوز أن يكون ﴿ مَا رَحِمَ ﴾ في معنى الزمن، أي: إلا وقت رحمة ربي، يعني أنها أمّارة بالسوء في كل وقت وأوان، إلا وقت العصمة.

ويجوز أن يكون استثناء منقطعاً، أي: ولكن رحمة ربي هي التي تصرف الإساءة، كقوله: ﴿ وَلاَ هُمْ يُنقَذُونَ إِلاَّ رَحْمَةً ﴾ [يس: 43] وقيل معناه: ذلك ليعلم أني لم أخنه لأنّ المعصية خيانة.

وقيل: هو من كلام امرأة العزيز، أي ذلك الذي قلت ليعلم يوسف أني لم أخنه ولم أكذب عليه في حال الغيبة وجئت بالصحيح والصدق فيما سئلت عنه وما أبريء نفسي مع ذلك من الخيانة، فإني قد خنته حين قرفته وقلت ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً إلا أن يسجن وأودعته السجن- تريد الاعتذار مما كان منها- إنّ كل نفس لأمّارة بالسوء إلا ما رحم ربي: إلا نفساً رحمها الله بالعصمة كنفس يوسف ﴿ إِنَّ رَبّى غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ استغفرت ربها واسترحمته مما ارتكبت.

فإن قلت: كيف صح أن يجعل من كلام يوسف ولا دليل على ذلك؟

قلت: كفى بالمعنى دليلاً قائداً إلى أن يجعل من كلامه ونحوه قوله: ﴿ قَالَ الملا مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لساحر عَلِيمٌ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ ﴾ [الشعراء: 35] ثم قال: ﴿ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ﴾ [الشعراء: 35] وهو من كلام فرعون يخاطبهم ويستشيرهم.

وعن ابن جريج: هذا من تقديم القرآن وتأخيره، ذهب إلى أن ﴿ ذلك لِيَعْلَمَ ﴾ [يوسف: 52] متصل بقوله: ﴿ فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن ﴾ [يوسف: 50] ولقد لفقت المبطلة روايات مصنوعة، فزعموا أن يوسف حين قال: ﴿ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بالغيب ﴾ [يوسف: 52] قال له جبريل: ولا حين هممت بها، وقالت له امرأة العزيز: ولا حين حللت تكة سراويلك يا يوسف، وذلك لتهالكهم على بهت الله ورسله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي ﴾ أيْ لا أُنَزِّهُها تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ تَزْكِيَةَ نَفْسِهِ والعُجْبَ بِحالِهِ، بَلْ إظْهارُ ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ العِصْمَةِ والتَّوْفِيقِ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ ﴾ قالَ لَهُ جِبْرِيلُ ولا حِينَ هَمَمْتَ فَقالَ ذَلِكَ.

﴿ إنَّ النَّفْسَ لأمّارَةٌ بِالسُّوءِ ﴾ مِن حَيْثُ إنَّها بِالطَّبْعِ مائِلَةٌ إلى الشَّهَواتِ فَتَهُمُّ بِها، وتَسْتَعْمِلُ القُوى والجَوارِحُ في أثَرِها كُلَّ الأوْقاتِ.

﴿ إلا ما رَحِمَ رَبِّي ﴾ إلّا وقْتَ رَحْمَةِ رَبِّي، أوْ إلّا ما رَحِمَهُ اللَّهُ مِنَ النُّفُوسِ فَعَصَمَهُ مِن ذَلِكَ.

وقِيلَ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أيْ ولَكِنَّ رَحْمَةَ رَبِّي هي الَّتِي تَصْرِفُ الإساءَةَ.

وقِيلَ الآيَةُ حِكايَةُ قَوْلِ راعِيلَ والمُسْتَثْنى نَفْسُ يُوسُفَ وأضْرابِهِ.

وعَنِ ابْنِ كَثِيرٍ ونافِعٍ (بِالسُّوِّ) عَلى قَلْبِ الهَمْزَةِ واوًا ثُمَّ الإدْغامِ.

﴿ إنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ يَغْفِرُ هَمَّ النَّفْسِ ويَرْحَمُ مَن يَشاءُ بِالعِصْمَةِ أوْ يَغْفِرُ لِلْمُسْتَغْفِرِ لِذَنْبِهِ المُعْتَرِفِ عَلى نَفْسِهِ ويَرْحَمُهُ ما اسْتَغْفَرَهُ واسْتَرْحَمَهُ مِمّا ارْتَكَبَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

ثم أراد أن يتواضع لله ويهضم نفسه لئلا يكون لها مزكياً وليبين أن ما فيه من الأمانة بتوفيق الله وعصمته فقال {وما أبرئ نَفْسِى} من الزلل وما أشهد لها بالبراءة الكلية ولا أزكيها في عموم الأحوال أو في هذه الحادثة لما ذكرنا من الهم الذى هو الخطرة البشرية لاعن طريق القصد والعزم {إِنَّ النفس لأَمَّارَةٌ بالسوء} أراد الجنس أي إن هذا الجنس يأمر بالسوء ويحمل عليه لما فيه من الشهوات {إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبّى} إلا البعض الذي رحمه ربي بالعصمة ويجوز أن يكون ما رحم في معنى الزمان أي إلا وقت رحمة ربي يعني أنها أمارة بالسوء في كل وقت إلا وقت العصمة أو هو استثناء منقطع أي ولكن رحمة ربي هي التي تصرف الإساءة وقيل هو من كلام امرأة العزيز أي ذلك الذي قلت ليعلم يوسف أني لم أخنه ولم أكذب عليه في حال الغيبة وجئت بالصدق فيما سئلت عنه وما أبرئ

نفسي مع ذلك من الخيانة فإني قد خنته حين قذفته وقلت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن

يوسف (٥٣ _ ٥٦)

وأودعته السجن تريد الاعتذار مما كان منها إن كل نفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربى إلا نفسا رحمها الله بالعصمة كنفس يوسف {إِنَّ رَبّى غَفُورٌ رَّحِيمٌ} استغفرت ربها واسترحمته مما ارتكبت وإنما جعل من كلام يوسف ولا دليل عليه ظاهر لأن المعنى يقود إليه وقيل هذا من تقديم القرآن وتأخيره أي قوله ذلك ليعلم متصل بقوله فأسأله مابال النسوة اللاتي قطعن أيديهن

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.

﴿ وما أُبَرِّئُ نَفْسِي ﴾ أيْ أُنَزِّهُها عَنِ السُّوءِ قالَ ذَلِكَ عَلَيْهِ السَّلامُ: هَضْمًا لِنَفْسِهِ البَرِيَّةِ عَنْ كُلِّ سُوءٍ وتَواضُعًا لِلَّهِ تَعالى وتَحاشِيًا عَنِ التَّزْكِيَةِ والإعْجابِ بِحالِها عَلى أُسْلُوبِ قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «أنا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ ولا فَخْرَ» أوْ تَحْدِيثًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى وإبْرازًا لِسِرِّهِ المَكْنُونِ في شَأْنِ أفْعالِ العِبادِ أيْ أُنَزِّهُها مِن حَيْثُ هي هي ولا أُسْنِدُ هَذِهِ الفَضِيلَةَ إلَيْها بِمُقْتَضى طَبْعِها مِن غَيْرِ تَوْفِيقٍ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ بَلْ إنَّما ذَلِكَ بِتَوْفِيقِهِ جَلَّ شَأْنُهُ ورَحْمَتُهُ وقِيلَ: إنَّهُ أشارَ بِذَلِكَ إلى أنَّ عَدَمَ التَّعَرُّضِ لَمْ يَكُنْ لِعَدَمِ المَيْلِ الطَّبِيعِيِّ بَلْ لِخَوْفِ اللَّهِ تَعالى ﴿ إنَّ النَّفْسَ ﴾ البَشَرِيَّةَ الَّتِي مِن جُمْلَتِها نَفْسِي في حَدِّ ذاتِها ﴿ لأمّارَةٌ ﴾ لَكَثِيرَةُ الأمْرِ ﴿ بِالسُّوءِ ﴾ أيْ بِجِنْسِهِ والمُرادُ أنَّها كَثِيرَةُ المَيْلِ إلى الشَّهَواتِ مُسْتَعْمِلَةٌ في تَحْصِيلِها القُوى والآلاتِ وفي كَثِيرٍ مِنَ التَّفاسِيرِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ قالَ: ﴿ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ ﴾ قالَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ولا حِينَ هَمَمْتَ فَقالَ: ﴿ وما أُبَرِّئُ نَفْسِي ﴾ ..

إلَخْ وقَدْ أخْرَجَهُ الحاكِمُ في تارِيخِهِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ بِلَفْظٍ قَرِيبٍ مِن هَذا عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا ورَوى ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وحَكِيمِ بْنِ جابِرٍ والحَسَنِ وغَيْرِهِمْ وهو إنْ صَحَّ يُحْمَلُ الهَمُّ فِيهِ عَلى المَيْلِ الصّادِرِ عَنْ طَرِيقِ الشَّهْوَةِ البَشَرِيَّةِ لا عَنْ طَرِيقِ العَزْمِ والقَصْدِ وقِيلَ: لا مانِعَ مِن أنْ يُحْمَلَ عَلى الثّانِي ويُقالَ: إنَّهُ صَغِيرَةٌ وهي تَجُوزُ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ قَبْلَ النُّبُوَّةِ ويَلْتَزِمُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ إذْ ذاكَ نَبِيًّا والزَّمَخْشَرِيُّ جَعَلَ ذَلِكَ وما أشْبَهُهُ مِن تَلْفِيقِ المُبْطِلَةِ وبُهْتِهِمْ عَلى اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ وارْتَضاهُ وهو الحَرِيُّ بِذَلِكَ ابْنُ المُنِيرِ وعَرَّضَ بِالمُعْتَزِلَةِ بِقَوْلِهِ: وذَلِكَ شَأْنُ المُبْطِلَةِ مِن كُلِّ طائِفَةٍ إلّا ما رَحِمَ رَبِّي قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الجُمْهُورُ عَلى أنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ و( ما ) مَصْدَرِيَّةٌ أيْ لَكِنَّ رَحْمَةَ رَبِّي هي الَّتِي تَصْرِفُ عَنْها السُّوءَ عَلى حَدِّ ما جُوِّزَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولا هم يُنْقَذُونَ ﴾ ﴿ إلا رَحْمَةً مِنّا ﴾ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِن أعَمِّ الأوْقاتِ و( ما ) مَصْدَرِيَّةٌ ظَرْفِيَّةٌ زَمانِيَّةٌ أيْ هي أمّارَةٌ بِالسُّوءِ في كُلِّ وقْتٍ إلّا في وقْتِ رَحْمَةِ رَبِّي وعِصْمَتِهِ والنَّصْبُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لا عَلى الِاسْتِثْناءِ كَما تُوُهِّمَ لَكِنَّ فِيهِ التَّفْرِيغَ في الإثْباتِ والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ إلّا بَعْدَ النَّفْيِ أوْ شِبْهِهِ نَعَمْ أجازَهُ بَعْضُهم في الإثْباتِ إنِ اسْتَقامَ المَعْنى كَقَرَأْتُ إلّا يَوْمَ الجُمُعَةِ وأوْرَدَ عَلى هَذا بِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ كَوْنُ نَفْسِ يُوسُفَ وغَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مائِلَةً إلى الشَّهَواتِ في أكْثَرِ الأوْقاتِ إلّا أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى ما قَبْلَ النُّبُوَّةِ بِناءً عَلى جَوازِ ما ذُكِرَ قَبْلَها أوْ يُرادُ جِنْسُ النَّفْسِ لا كُلَّ واحِدَةٍ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّ الأخِيرَ غَيْرُ ظاهِرٍ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مِعْيارُ العُمُومِ ولا يَرِدُ ما ذُكِرَ رَأْسًا لِأنَّ المُرادَ هَضْمُ النَّوْعِ البَشَرِيِّ اعْتِرافًا بِالعَجْزِ لَوْلا العِصْمَةُ عَلى أنَّ وقْتَ الرَّحْمَةِ قَدْ يَعُمُّ العُمُرَ كُلَّهُ لِبَعْضِهِمْ.

اهَـ.

ولَعَلَّ الأوْلى الِاقْتِصارُ عَلى ما في حَيِّزِ العِلاوَةِ فَتَأمَّلْ وأنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِنَ النَّفْسِ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في أمّارَةٍ الرّاجِعِ إلَيْها أيْ كُلُّ نَفْسٍ أمّارَةٌ بِالسُّوءِ إلّا الَّتِي رَحِمَها اللَّهُ تَعالى وعَصَمَها عَنْ ذَلِكَ كَنَفْسِي أوْ مِن مَفْعُولِ أمّارَةٍ المَحْذُوفِ أيْ أمّارَةٌ صاحِبَها إلّا ما رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى وفِيهِ وُقُوعُ ( ما ) عَلى مَن يَعْقِلُ وهو خِلافُ الظّاهِرِ ولْيُنْظَرِ الفَرْقُ في ذَلِكَ بَيْنَهُ وبَيْنَ انْقِطاعِ الِاسْتِثْناءِ ﴿ إنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ .

(53) .

عَظِيمُ المَغْفِرَةِ فَيَغْفِرُ ما يَعْتَرِي النُّفُوسَ بِمُقْتَضى طِباعِها ومُبالِغٌ في الرَّحْمَةِ فَيَعْصِمُها مِنَ الجَرَيانِ عَلى مُوجَبِ ذَلِكَ والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ مَعَ التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ لِتَرْبِيَةِ مَبادِئِ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ ولَعَلَّ تَقْدِيمَ ما يُفِيدُ الأُولى عَلى ما يُفِيدُ الثّانِيَةُ لِأنَّ التَّخْلِيَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلى التَّحْلِيَةِ وذَهَبَ الجُبّائِيُّ واسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ إلى أنَّ ﴿ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ ﴾ إلى هُنا مِن كَلامِ امْرَأةِ العَزِيزِ والمَعْنى ذَلِكَ الإقْرارُ والِاعْتِرافُ بِالحَقِّ لِيَعْلَمَ يُوسُفُ أنِّي لَمْ أخُنْهُ ولَمْ أكْذِبْ عَلَيْهِ في حالِ غَيْبَتِهِ وما أُبَرِّئُ نَفْسِي مَعَ ذَلِكَ مِنَ الخِيانَةِ حَيْثُ قُلْتُ ما قُلْتُ وفَعَلْتُ بِهِ ما فَعَلْتُ إنَّ كُلَّ نَفْسٍ أمّارَةٌ بِالسُّوءِ إلّا نَفْسًا رَحِمَها اللَّهُ تَعالى بِالعِصْمَةِ كَنَفْسِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّ رَبِّي غَفُورٌ لِمَنِ اسْتَغْفَرَ لِذَنْبِهِ واعْتَرَفَ بِهِ رَحِيمٌ لَهُ وتَعَقَّبَ ذَلِكَ صاحِبُ الكَشْفِ بِأنَّهُ لَيْسَ مُوجِبُهُ إلّا ما تُوُهِّمَ مِنَ الِاتِّصالِ الصُّورِيِّ ولَيْسَ بِذاكَ ومِن أيْنَ لَها أنْ تَقُولَ: ﴿ وما أُبَرِّئُ نَفْسِي ﴾ بَعْدَ ما وضَحَ ولا كَشِيَةِ الأبْلَقِ أنَّها أُمُّها يَرْجِعُ إلَيْها طَمُّها ورَمُّها.

ومِنَ النّاسِ مَنِ انْتَصَرَ لَهُ بِأنَّ أمْرَ التَّعْلِيلِ ظاهِرٌ عَلَيْهِ وهو عَلى تَقْدِيرِ جَعْلِهِ مِن كَلامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ غَيْرُ ظاهِرٍ لِأنَّ عِلْمَ العَزِيزِ بِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنهُ ما قَرَفَ بِهِ إنَّما يَسْتَدْعِي التَّفْتِيشَ مُطْلَقًا لا خُصُوصَ تَقْدِيمِهِ عَلى الخُرُوجِ حِينَ طَلَبَهُ المَلِكُ والظّاهِرُ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ جَعْلُهُ لَهُ وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ لِيَظْهَرَ عِلْمُهُ عَلى أتَمِّ وجْهٍ وهو يَسْتَدْعِي الخُصُوصَ ويُساعِدُ عَلى إرادَةِ ظُهُورِ العِلْمِ أنَّ أصْلَ العِلْمِ كانَ حاصِلًا لِلْعَزِيزِ قَبْلُ حِينَ شَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها وفِيهِ نَظَرٌ ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ في التَّثَبُّتِ وتَقْدِيمِ التَّفْتِيشِ عَلى الخُرُوجِ مِن مُراعاةِ حُقُوقِ العَزِيزِ ما فِيهِ حَيْثُ لَمْ يَخْرُجْ مِن جِنْسِهِ قَبْلَ ظُهُورِ بُطْلانِ ما جَعَلَهُ سَبَبًا لَهُ مَعَ أنَّ المَلِكَ دَعاهُ إلَيْهِ ويَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ عِلْمُهُ بِأنَّهُ لَمْ يَخُنْهُ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ أصْلًا عَنْ خِيانَتِهِ في أهْلِهِ لِظُهُورِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إذا لَمْ يُقْدِمْ عَلى ما عَسى أنْ يُتَوَهَّمَ أنَّهُ نَقْضٌ لِما أبْرَمَهُ مَعَ قُوَّةِ الدّاعِي وتَوَفُّرِ الدَّواعِي فَهو بِعَدَمِ الإقْدامِ عَلى غَيْرِهِ أجْدَرُ وأحْرى فالعِلَّةُ لِلتَّثَبُّتِ مَعَ ما تَلاهُ مِنَ القِصَّةِ هي قَصْدُ حُصُولِ العِلْمِ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ مِنهُ ما يَخُونُ بِهِ كائِنًا ما كانَ مَعَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ وذَلِكَ العِلْمُ إنَّما يَتَرَتَّبُ عَلى ما ذُكِرَ عَلى التَّفْتِيشِ ولَوْ بَعْدَ الخُرُوجِ كَما لا يَخْفى أوْ يُقالُ: إنَّ المُرادَ لِيَجْرِيَ عَلى مُوجِبِ العِلْمِ بِما ذُكِرَ بِناءً عَلى التِزامِ أنَّهُ كانَ قَبْلَ ذَلِكَ عالِمًا بِهِ لَكِنَّهُ لَمْ يَجْرِ عَلى مُوجِبِ عِلْمِهِ وإلّا لَما حَبَسَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَيَتَلافى تَقْصِيرُهُ بِالإعْراضِ عَنْ تَقْبِيحِ أمْرِهِ أوْ بِالثَّناءِ عَلَيْهِ لِيَحْظى عِنْدَ المَلِكِ ويُعَظِّمَهُ النّاسُ فَتَيْنَعُ مِن دَعْوَتِهِ أشْجارُها وتَجْرِي في أوْدِيَةِ القُلُوبِ أنْهارُها ولا شَكَّ أنَّ هَذا مِمّا يَتَرَتَّبُ عَلى تَقْدِيمِ التَّفْتِيشِ كَما فَعَلَ ولَيْسَ ذَلِكَ مِمّا لا يَلِيقُ بِشَأْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بَلِ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَثِيرًا ما يَفْعَلُونَ مِثْلَ ذَلِكَ في مَبادِي أمْرِهِمْ وقَدْ كانَ نَبِيُّنا  يُعْطِي الكافِرَ إذا كانَ سَيِّدَ قَوْمِهِ ما يُعْطِيهِ تَرْوِيجًا لِأمْرِهِ وإذا حُمِلَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِصاحِبِهِ النّاجِي ﴿ اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ عَلى مِثْلِ هَذا كَما فَعَلَ أبُو حَيّانَ تَناسَبَ طَرَفا الكَلامِ أشَدَّ تَناسُبٍ وكَذا لَوْ حُمِلَ ذاكَ عَلى ما اقْتَضاهُ ظاهِرُ الكَلامِ وتَضافَرَتْ عَلَيْهِ الأخْبارُ.

وقِيلَ هُنا: إنَّ ذَلِكَ لِئَلّا يُقَبِّحَ العَزِيزُ أمْرَهُ عِنْدَ المَلِكِ تَمَحُّلًا لِإمْضاءِ ما قَضاهُ ويَكُونُ ذَلِكَ مِن قَبِيلِ السَّعْيِ في تَحْقِيقِ المُقْتَضى لِخَلاصِهِ وهَذا مِن قَبِيلِ التَّشْمِيرِ لِرَفْعِ المانِعِ لَكِنَّهُ مِمّا لا يَلِيقُ بِجَلالَةِ شَأْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ.

ولَعَلَّ الدُّعاءَ بِالمَغْفِرَةِ في الخَبَرِ السّالِفِ عَلى هَذا إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ ويُقالُ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما لَمْ يُعاتَبْ عَلَيْهِ كَما عُوتِبَ عَلى الأوَّلِ لِكَوْنِهِ دُونَهُ مَعَ أنَّهُ قَدْ بَلَغَ السَّيْلُ الزُّبى ولا يَخْفى أنَّ عَوْدَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِما يَسْتَدْعِي أدْنى عِتابٍ بِالنِّسْبَةِ إلى مَنصِبِهِ بَعْدَ أنْ جَرى ما جَرى في غايَةِ البُعْدِ ومِن هُنا قِيلَ: الأوْلى أنْ يُجْعَلَ ما تَقَدَّمَ كَما تَقَدَّمَ ويُحْمَلُ هَذا عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أرادَ بِهِ تَمْهِيدَ أمْرِ الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ تَعالى جَبْرًا لِما فَعَلَ قَبْلُ واتِّباعًا لِخِلافِ الأوْلى بِالنَّظَرِ إلى مَقامِهِ بِالأوْلى وقِيلَ: في وجْهِ التَّعْلِيلِ غَيْرُ ذَلِكَ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّ هَذا مِن تَقْدِيمِ القُرْآنِ وتَأْخِيرِهِ وذَهَبَ إلى أنَّهُ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ ﴾ ..

إلَخْ ويَرِدُ عَلى ظاهِرِهِ ما لا يَخْفى فَتَأمَّلْ جَمِيعَ ما ذَكَرْناهُ لِتَكُونَ عَلى بَصِيرَةٍ مِن أمْرِكَ وفي رِوايَةِ البَزِّيِّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ وقالُونَ عَنْ نافِعٍ أنَّهُما قَرَآ ( بِالسَّوِّ ) عَلى قَلْبِ الهَمْزَةِ واوًا <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: قالَ مَا خَطْبُكُنَّ- وذلك أن الملك أرسل إلى النسوة وجمعهن، ثم سألهنّ (١) فأخبرن الملك ببراءة يوسف فقال: قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ يعني: معاذ الله مَا عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ يعني: ما رأينا منه شيئاً من الفاحشة، ولم يكن له ذنب.

فلما رأت امرأة العزيز، أن النسوة شهدن عليها، اعترفت على نفسها وأقرت بذلك، فذلك قوله تعالى: قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ يعني: ظهر الحق ووضح، ويقال: استبان.

قال الزجاج: اشتقاقه في اللغة من الحصة أي: بانت حصة الحق وجهته من حصة الباطل ومن جهته أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ يعني: طلبت إليه أن يمكنني من نفسه وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ إنه لم يراودني، وهو صادق فيما قال ذلك اليوم حيث قال: هِىَ رَاوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى.

قال يوسف عند ذلك: إنما فَعَلَت ذلِكَ لِيَعْلَمَ العزيز أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ يعني: لم أخنه في امرأته إذا غاب عني، فذلك قوله: ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ يعني: لا يرضى عمل الزانين.

وروى إسماعيل بن سالم، عن أبي صالح قال: ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ قال: هو يوسف لم يخن العزيز في امرأته.

وروى عكرمة عن ابن عباس  : أنه لما قال يوسف ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ «قال له جبريل عند ذلك: ولا يوم هممت بما هممت به» .

قال يوسف  : وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي يعني: من الهم الذي هممت به إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ يعني: بالمعصية.

ويقال: القلب آمر للجسد بالسوء والإثم.

يقال في اللغة: إذا أمرت النفس بشيء، فهي آمرة، وإذا أكثرت الأمر يقال: هي أمارة.

فقال: إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ يعني: مائلة إلى الشهوات إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي أي: إلا من عصمه الله تعالى من المعصية إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ للهم الذي هممت به رَحِيمٌ حين تاب وعصمني وغفر لي (١) عزاه السيوطي: 4/ 545 إلى عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وجمهور المفسِّرين، أي: يُمْطَرُون، وجائزٌ أنْ يكون من أغاثهم اللَّهُ: إِذا فَرَّجَ عنهم ومنه الغَوْث، وهو الفَرَجُ، وَفِيهِ يَعْصِرُونَ: قال جمهور المفسِّرين: هي من عَصْر النباتاتِ، كالزيتون، والعَنَبِ، والقَصَبِ، والسِّمْسِمِ، والفِجْلِ، ومِصْرُ بَلَدُ عَصْرٍ لأشياء كثيرة.

وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠) قالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١) ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ (٥٢) وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)

وقوله سبحانه: وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ ...

الآية: لمَّا رأى المَلِكُ وحاضروه نُبْلَ التَّعْبِير وحُسْنَ الرأْيِ، وتضمَّن الغيب في أمْر العامِ الثامِنِ، مع ما وُصِفَ به من الصِّدْق عَظُمَ يوسُفُ في نَفْس الملك، وقال: ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ: يعني: الملك، فَسْئَلْهُ مَا بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ، وقصْدُه عَلَيْه السلام بيانُ براءته، وتحقُّق منزلته من العِفَّة والخَيْرِ، فرسَمَ القصَّة بطَرَف منها، إِذا وقع النظَرُ عَلَيْه، بان الأمْرُ كله، وَنَكَبَ عن ذِكْرِ امرأة العزيز حُسْنَ عِشْرةٍ ورعايةٍ لذِمَامِ مُلْك العزيز له، وفي «صحيح البخاري» ، عن عبد الرحمن/ بن القاسِمِ صاحبِ مَالِكٍ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «ولَوْ لَبِثْتُ في السِّجْنِ لُبْثَ يُوسُفَ لأَجَبْتُ الدَّاعِي» «١» : المعنى: لو كُنْتَ أنا، لَبَادَرْتُ بالخروج، ثم حاوَلْتُ بيان عُذْرِي بَعْدَ ذلك وذلك أَنَّ هذه القصص والنوازل، إِنما هي معرَّضة ليقتدي النَّاسُ بها إِلى يوم القيامة، فأراد صلّى الله عليه وسلّم حَمْلَ الناسِ على الأحزمِ من الأمورِ وذلك أن التارِكَ لمِثْلِ هذه الفُرْصَة ربَّما نَتَجَ له بسَبَبِ التأخير خلاَفُ مقصوده، وإِن كان يوسف قد أَمِنَ ذلك بِعِلْمِهِ من اللَّه، فغيْرهُ من الناس لا يأمَنُ ذلك، فالحالة التي ذهب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بنفسه إِلَيْها حالَةُ حَزْمٍ ومدحٍ ليقتدى به، وما فعله يوسَفُ عليه السلام حالةُ صَبْرٍ وتجلُّد، قال ابنُ العربيِّ في «أحكامه» «٢» : وانظر إِلى عظيمِ حلْمِ يوسُف عليه السلام وَوُفُورِ أدبه، كيف قال: ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ، فذكر النساءَ جملةً لتدخُلَ فيهنَّ امرأة العزيزِ مدْخَلَ العمومِ بالتلويحِ دون التصريح.

انتهى.

وهذه كانت أخلاق نبيّنا محمد صلّى الله عليه وسلّم، لا يقابل أحداً بمكروهٍ، وإِنما يقول: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَفْعَلُونَ كَذَا» ، من غير تعيينٍ، وبالجملة فكلُّ خَصْلة حميدةٍ مذكُورَةٍ في القُرآنَ اتّصف بها الأنبياء والأصفياء، فقد

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أُبَرِّئُ ﴾ في القائِلِ لِهَذا ثَلاثَةُ أقْوالٍ، وهي الَّتِي تَقَدَّمَتْ في الآيَةِ قَبْلَها.

فالَّذِينَ قالُوا: هو يُوسُفُ، اخْتَلَفُوا في سَبَبِ قَوْلِهِ لِذَلِكَ عَلى خَمْسَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ ﴾ غَمَزَهُ جِبْرِيلُ، فَقالَ: ولا حِينَ هَمَمْتَ ؟

فَقالَ: ﴿ وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي ﴾ رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الأكْثَرُونَ.

والثّانِي: أنَّ يُوسُفَ لَمّا قالَ: ﴿ لَمْ أخُنْهُ ﴾ ذَكَرَ أنَّهُ قَدْ هَمَّ بِها فَقالَ: ﴿ وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي ﴾ رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا قالَ ذَلِكَ، خافَ أنْ يَكُونَ قَدْ زَكّى نَفْسَهُ، فَقالَ: ﴿ وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي ﴾ ، قالَهُ الحَسَنُ.

والرّابِعُ: أنَّهُ لَمّا قالَهُ، قالَ لَهُ المَلَكُ الَّذِي مَعَهُ: اذْكُرْ ما هَمَمْتَ بِهِ، فَقالَ: ﴿ وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي ﴾ ، قالَهُ قَتادَةُ.

والخامِسُ: أنَّهُ لَمّا قالَهُ، قالَتِ امْرَأةُ العَزِيزِ: ولا يَوْمَ حَلَلْتَ سَراوِيلَكَ، فَقالَ: ﴿ وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي ﴾ ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والَّذِينَ قالُوا: هَذا قَوْلُ امْرَأةِ العَزِيزِ، فالمَعْنى: وما أُبَرِّئُ نَفْسِي أنِّي كُنْتُ راوَدْتُهُ.

والَّذِينَ قالُوا: هو العَزِيزُ، فالمَعْنى: وما أُبَرِّئُ نَفْسِي مِن سُوءِ الظَّنِّ بِيُوسُفَ، لِأنَّهُ قَدْ خَطَرَ لِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لأمّارَةٌ بِالسُّوءِ ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأهْلُ الكُوفَةِ ويَعْقُوبُ إلّا رُوَيْسًا: " بِالسُّوءِ إلّا " بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ شَنْبُوذٍ عَنْ قُنْبُلٍ بِتَحْقِيقِ الثّانِيَةِ وحَذْفِ الأُولى.

ورَوى نَظِيفٌ عَنْ قُنْبُلٍ بِتَحْقِيقِ الأُولى وقَلْبِ الثّانِيَةِ ياءً.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، ووَرْشٌ، ورُوَيْسٌ بِتَحْقِيقِ الأُولى وتَلْيِينِ الثّانِيَةِ بَيْنَ بَيْنَ، مِثْلُ: " السُّوء عِلّا " .

ورَوى ابْنُ فُلَيْحٍ بِتَحْقِيقِ الثّانِيَةِ وقَلْبِ الأُولى واوًا، وأدْغَمَها في الواوِ الَّتِي قَبْلَها.

فَتَصِيرُ واوًا مَكْسُورَةً مُشَدَّدَةً قَبْلَ هَمْزَةِ " إلّا " .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا ما رَحِمَ رَبِّي ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: قالَ اللُّغَوِيُّونَ هَذا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، والمَعْنى: إلّا أنَّ رَحْمَةَ رَبِّي عَلَيْها المُعْتَمَدُ.

قالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: المَعْنى: إلّا مَن عَصَمَ رَبِّي.

وقِيلَ: " ما " بِمَعْنى " مَن " .

قالَ الماوَرْدِيُّ: ومَن قالَ: هو قَوْلُ امْرَأةِ العَزِيزِ، فالمَعْنى: إلّا مَن رَحِمَ رَبِّي في قَهْرِهِ لِشَهْوَتِهِ، أوْ في نَزْعِها عَنْهُ.

ومَن قالَ: هو قَوْلُ العَزِيزِ، فالمَعْنى: إلّا مَن رَحِمَ رَبِّي بِأنْ يَكْفِيَهُ سُوءَ الظَّنِّ، أوْ يُثَبِّتَهُ فَلا يَعْجَلُ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: والقَوْلُ بِأنَّ هَذا قَوْلُ يُوسُفَ، أصَحُّ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لِأنَّ العُلَماءَ عَلَيْهِ.

والثّانِي: لِأنَّ المَرْأةَ كانَتْ عابِدَةَ وثَنٍ، وما تَضَمَّنَتْهُ " الآيَةُ " ألْيَقُ أنْ يَكُونَ قَوْلَ يُوسُفَ مِن قَوْلِ مَن لا يَعْرِفُ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ.

وقالَ المُفَسِّرُونَ: فَلَمّا تَبَيَّنَ المَلِكُ عُذْرَ يُوسُفَ وعَلِمَ أمانَتَهُ، قالَ: ﴿ ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي ﴾ أيْ: أجْعَلُهُ خالِصًا لِي، لا يَشْرَكُنِي فِيهِ أحَدٌ.

فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ رَوَيْتُمْ في بَعْضِ ما مَضى أنَّ يُوسُفَ قالَ في مَجْلِسِ المَلِكِ: ﴿ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ ﴾ ، فَكَيْفَ قالَ المَلِكُ: " ائْتُونِي بِهِ " وهو حاضِرٌ عِنْدَهُ ؟!

فالجَوابُ: أنَّ أرْبابَ هَذا القَوْلِ يَقُولُونَ: أمَرَ المَلِكُ بِإحْضارِهِ لِيُقَلِّدَهُ الأعْمالَ في غَيْرِ المَجْلِسِ الَّذِي اسْتَحْضَرَهُ فِيهِ لِتَعْبِيرِ الرُّؤْيا.

قالَ وهْبٌ: لَمّا دَخَلَ يُوسُفُ عَلى المَلِكِ، وكانَ المَلِكُ يَتَكَلَّمُ بِسَبْعِينَ لِسانًا، كانَ كُلَّما كَلَّمَهُ بِلِسانٍ، أجابَهُ يُوسُفُ بِذَلِكَ اللِّسانِ، فَعَجِبَ المَلِكُ، وكانَ يُوسُفُ يَوْمَئِذٍ ابْنَ ثَلاثِينَ سَنَةً، فَقالَ: إنِّي أُحِبُّ أنْ أسْمَعَ رُؤْيايَ مِنكَ شِفاهًا فَذَكَرَها لَهُ، قالَ: فَما تَرى أيُّها الصِّدِّيقُ ؟

قالَ: أرى أنْ تَزْرَعَ زَرْعًا كَثِيرًا في هَذِهِ السِّنِينَ المُخْصِبَةِ، وتَجْمَعَ الطَّعامَ، فَيَأْتِيكَ النّاسُ فَيَمْتارُونَ، وتَجْمَعُ عِنْدَكَ مِنَ الكُنُوزِ مالَمْ يَجْتَمِعْ لِأحَدٍ، فَقالَ المَلِكُ: ومَن لِي بِهَذا ؟

فَقالَ يُوسُفُ: ﴿ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ ﴾ .

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ويُرِيدُ: بِقَوْلِهِ: ﴿ مَكِينٌ أمِينٌ ﴾ أيْ: قَدْ مَكَّنْتُكَ في مُلْكِي وائْتَمَنتُكَ فِيهِ.

وقالَ مُقاتِلٌ: المَكِينُ: الوَجِيهُ، والأمِينُ: الحافِظُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ ﴾ أيْ: خَزائِنِ أرْضِكَ.

وَفِي المُرادِ بِالخَزائِنِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: خَزائِنُ الأمْوالِ، قالَهُ الضَّحّاكُ، والزَّجّاجُ.

والثّانِي: خَزائِنُ الطَّعامِ فَحَسْبُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

قالَ الزَّجّاجُ: وإنَّما سَألَ ذَلِكَ، لِأنَّ الأنْبِياءَ بُعِثُوا بِالعَدْلِ، فَعَلِمَ أنَّهُ لا أحَدَ أقْوَمُ بِذَلِكَ مِنهُ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: حَفِيظٌ لِما ولَّيْتَنِي، عَلِيمٌ بِالمَجاعَةِ مَتى تَكُونُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: حَفِيظٌ لِما اسْتَوْدَعْتَنِي، عَلِيمٌ بِهَذِهِ السِّنِينَ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: حَفِيظٌ لِلْحِسابِ، عَلِيمٌ بِالألْسُنِ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وذَلِكَ أنَّ النّاسَ كانُوا يَرِدُونَ عَلى المَلِكِ مِن كُلِّ ناحِيَةٍ فَيَتَكَلَّمُونَ بِلُغاتٍ مُخْتَلِفَةٍ.

واخْتَلَفُوا، هَلْ ولّاهُ المَلِكُ يَوْمَئِذٍ، أمْ لا ؟

عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ ولّاهُ بَعْدَ سَنَةٍ، رَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّهُ قالَ: " «رَحِمَ اللَّهُ أخِي يُوسُفَ، لَوْ لَمْ يَقُلْ: اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ، لاسْتَعْمَلَهُ مِن ساعَتِهِ، ولَكِنَّهُ أخَّرَ ذَلِكَ سَنَةً» " .

وذَكَرَ مُقاتِلٌ أنَّ النَّبِيَّ  قالَ: " «لَوْ أنَّ يُوسُفَ قالَ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ إنْ شاءَ اللَّهُ، لَمَلَكَ مِن وقْتِهِ» " .

قالَ مُجاهِدٌ: أسْلَمَ المَلِكُ عَلى يَدِ يُوسُفَ، وقالَ أهْلُ السِّيَرِ: أقامَ في بَيْتِ المَلِكِ سَنَةً، فَلَمّا انْصَرَمَتْ، دَعاهُ المَلِكُ، فَتَوَّجَهُ، ورَدّاهُ بِسَيْفِهِ، وأمَرَ لَهُ بِسَرِيرٍ مِن ذَهَبٍ، وضَرَبَ عَلَيْهِ كِلَّةً مِن إسْتَبْرَقٍ، فَجَلَسَ عَلى السَّرِيرِ كالقَمَرِ، ودانَتْ لَهُ المُلُوكُ، ولَزِمَ المَلِكُ بَيْتَهُ، وفَوَّضَ أمْرَهُ إلَيْهِ، وعَزَلَ قِطْفِيرَ عَمّا كانَ عَلَيْهِ، وجَعَلَ يُوسُفَ مَكانَهُ، ثُمَّ إنْ قِطْفِيرَ هَلَكَ في تِلْكَ اللَّيالِي، فَزَوَّجَ المَلِكُ يُوسُفَ بِامْرَأةٍ قِطْفِيرَ، فَلَمّا دَخَلَ عَلَيْها قالَ: ألَيْسَ هَذا خَيْرًا مِمّا تُرِيدِينَ ؟

فَقالَتْ: أيُّها الصِّدِّيقُ لا تَلُمْنِي، فَإنِّي كُنْتُ امْرَأةً حَسْناءَ في مُلْكٍ ودُنْيا، وكانَ صاحِبِي لا يَأْتِي النِّساءَ، فَغَلَبَتْنِي نَفْسِي، فَلَمّا بَنى بِها يُوسُفُ وجَدَها عَذْراءَ، فَوَلَدَتْ لَهُ ابْنَيْنِ، إفْرايِيمَ، ومِيشا، واسْتَوْسَقَ لَهُ مُلْكُ مِصْرَ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ مَلَّكَهُ بَعْدَ سَنَةٍ ونِصْفٍ، حَكاهُ مُقاتِلٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ سَلَّمَ إلَيْهِ الأمْرَ مِن وقْتِهِ، قالَهُ وهْبٌ، وابْنُ السّائِبِ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ يُوسُفُ: ﴿ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾ ولَمْ يَقُلْ: إنْ شاءَ اللَّهُ ؟

فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّ تَرْكَ الِاسْتِثْناءِ أوْجَبَ عُقُوبَةً بِأنْ أُخِّرَ تَمْلِيكُهُ، عَلى ما ذَكَرْنا عَنِ النَّبِيِّ  .

والثّانِي: أنَّهُ أضْمَرَ الِاسْتِثْناءَ، كَما أضْمَرُوهُ في قَوْلِهِمْ: ﴿ وَنَمِيرُ أهْلَنا ﴾ والثّالِثُ: أنَّهُ أرادَ أنَّ حِفْظِي وعِلْمِي يَزِيدانِ عَلى حِفْظِ غَيْرِي وعِلْمِهِ، فَلَمْ يَحْتَجْ هَذا إلى الِاسْتِثْناءِ، لِعَدَمِ الشَّكِّ فِيهِ، ذَكَرَ هَذِهِ الأقْوالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ مَدَحَ نَفْسَهُ بِهَذا القَوْلِ، ومِن شَأْنِ الأنْبِياءِ والصّالِحِينَ التَّواضُعُ ؟

فالجَوابُ: أنَّهُ لَمّا خَلا مَدْحُهُ لِنَفْسِهِ مِن بَغْيٍ وتَكَبُّرٍ، وكانَ مُرادُهُ بِهِ الوُصُولَ إلى حَقٍّ يُقِيمُهُ وعَدْلٍ يُحْيِيهِ وجَوْرٍ يُبْطِلُهُ، كانَ ذَلِكَ جَمِيلًا جائِزًا، وقَدْ قالَ نَبِيُّنا  : " «أنا أكْرَمُ ولَدِ آدَمَ عَلى رَبِّهِ» "، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: واللَّهِ ما مِن آيَةٍ إلّا وأنا أعْلَمُ أبِلَيْلٍ نَزَلَتْ، أمْ بِنَهارٍ.

وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَوْ أعْلَمُ أحَدًا أعْلَمَ بِكِتابِ اللَّهِ مِنِّي تَبْلُغُهُ الإبِلُ لَأتَيْتُهُ.

فَهَذِهِ الأشْياءُ، خَرَجَتْ مَخْرَجَ الشُّكْرِ لِلَّهِ، وتَعْرِيفِ المُسْتَفِيدِ ما عِنْدَ المُفِيدِ، ذَكَرَ هَذا مُحَمَّدُ بْنُ القاسِمِ.

قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: في قِصَّةِ يُوسُفَ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ لِلْإنْسانِ أنْ يَصِفَ نَفْسَهُ بِالفَضْلِ عِنْدَ مَن لا يَعْرِفُهُ، وأنَّهُ لَيْسَ مِنَ المَحْظُورِ في قَوْلِهِ: ﴿ فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ ﴾ في الكَلامِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ، قالَ: قَدْ فَعَلْتُ، فَحُذِفَ ذَلِكَ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ وَكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ ﴾ يَدُلُّ عَلَيْهِ، والمَعْنى: ومِثْلَ ذَلِكَ الإنْعامِ الَّذِي أنْعَمْنا عَلَيْهِ في دَفْعِ المَكْرُوهِ عَنْهُ، وتَخْلِيصِهِ مِن السِّجْنِ، وتَقْرِيبِهِ مِن قَلْبِ المَلِكِ، أقْدَرْناهُ عَلى ما يُرِيدُ في أرْضِ مِصْرَ ﴿ يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَنْزِلُ حَيْثُ أرادَ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، والمُفَضَّلُ: ﴿ حَيْثُ نَشاءُ ﴾ بِالنُّونِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا ﴾ أيْ: نَخْتَصُّ بِنِعْمَتِنا مِنَ النُّبُوَّةِ والنَّجاةِ ﴿ مَن نَشاءُ ولا نُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ ﴾ يَعْنِي المُؤْمِنِينَ.

يُقالُ: إنَّ يُوسُفَ باعَ أهْلَ مِصْرَ الطَّعامَ بِأمْوالِهِمْ، وحُلِيِّهِمْ، ومَواشِيهِمْ، وعَقارِهِمْ، وعَبِيدِهِمْ، ثُمَّ بِأوْلادِهِمْ، ثُمَّ بِرِقابِهِمْ، ثُمَّ قالَ لِلْمَلِكِ: كَيْفَ تَرى صُنْعَ رَبِّي ؟

فَقالَ المَلِكُ: إنَّما نَحْنُ لَكَ تَبَعٌ، قالَ: فَإنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وأُشْهِدُكَ أنِّي قَدْ أعْتَقْتُ أهْلَ مِصْرَ ورَدَدْتُ عَلَيْهِمْ أمْلاكَهم.

وكانَ يُوسُفُ لا يَشْبَعُ في تِلْكَ الأيّامِ، ويَقُولُ: إنِّي أخافُ أنْ أنْسى الجائِعَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

وَقوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إنَّ النَفْسَ لأمّارَةٌ بِالسُوءِ إلا ما رَحِمَ رَبِّي إنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ هَذِهِ أيْضًا مُخْتَلَفٌ فِيها هَلْ هي مِن كَلامِ يُوسُفَ أمْ مِن كَلامِ المَرْأةِ، حَسَبَ الَّتِي قَبِلَها؟

فَمَن قالَ: "مِن كَلامِ يُوسُفَ " رَوى في ذَلِكَ عن أنَسِ بْنِ مالِكٍ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: "لَمّا قالَ يُوسُفُ: ﴿ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ  ﴾ قالَ لَهُ جِبْرِيلُ: "وَلا حِينَ هَمَمْتَ وحَلَلْتَ سَراوِيلَكَ؟!"،» وقالَ نَحْوَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، والضَحّاكُ.

ورُوِيَ أنَّ المَرْأةَ قالَتْ لَهُ ذَلِكَ، قالَهُ السُدِّيُّ، ورُوِيَ أنْ يُوسُفَ تَذَكَّرَ مِن تِلْقائِهِ ما كانَ هَمَّ بِهِ فَقالَ: ﴿ وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إنَّ النَفْسَ لأمّارَةٌ بِالسُوءِ ﴾ ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما- أيْضًا.

ومَن قالَ: "إنَّ المَرْأةَ قالَتْ: ﴿ وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي ﴾ " فَوَجْهُ كَلامِها الِاعْتِذارُ عن وُقُوعِها فِيما يَقَعُ فِيهِ البَشَرُ مِنَ الشَهَواتِ، كَأنَّها قالَتْ: وما هَذا بِبِدَعٍ ولا ذَلِكَ بِنَكِيرٍ عَلى البَشَرِ فَأُبَرِّئُ أنا مِنهُ نَفْسِي، والنُفُوسُ أمّاراتٌ بِالسُوءِ مائِلَةٌ إلَيْهِ.

و"أمّارَةٌ" بِناءُ مُبالَغَةٍ، و"ما" في قَوْلِهِ: ﴿ إلا ما رَحِمَ ﴾ مَصْدَرِيَّةٌ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ فِيها، وهو -عَلى هَذا- اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، أيْ: إلّا رَحْمَةَ رَبِّي.

ويَجُوزُ أنَّ تَكُونَ بِمَعْنى "مَن"، هَذا عَلى أنْ تَكُونَ "النَفْسُ" يُرادُ بِها النُفُوسُ؛ إذِ النَفْسُ تَجْرِي صِفَةً لِمَن يَعْقِلُ كالعَيْنِ والسَمْعِ، كَذا قالَ أبُو عَلِيٍّ، فَتَقْدِيرُ الآيَةِ: إلّا النُفُوسُ الَّتِي يَرْحَمُها اللهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإذا "النَفْسُ" اسْمُ جِنْسٍ، فَصَحَّ أنْ تَقَعَ "ما" مَكانَ "مَن" إذْ هي كَذَلِكَ في صِفاتٍ مَن يَعْقِلُ وفي أجْناسِهِ، وهو نَصٌّ في كَلامِ المُبَرِّدِ، وهو -عِنْدِي- مَعْنى كَلامِ سِيبَوَيْهِ، وهو مَذْهَبُ أبِي عَلِيٍّ، ذَكَرَهُ في "البَغْدادِيّاتِ".

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "ما" ظَرْفِيَّةً، المَعْنى: إنَّ النَفْسَ لِأمّارَةٌ بِالسُوءِ إلّا مُدَّةَ رَحْمَةِ اللهِ العَبْدَ وذَهابِهِ عَنِ اشْتِهاءِ المَعاصِي.

ثُمَّ تَرَجّى في آخِرِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

ظاهر ترتيب الكلام أن هذا من كلام امرأة العزيز، مضت في بقية إقرارها فقالت: ﴿ وما أبرئ نفسي ﴾ .

وذلك كالاحتراس مما يقتضيه قولها: ﴿ ذلك لِيَعْلَم أني لم أخنْه بالغيب ﴾ [سورة يوسف: 52] من أن تبرئة نفسها من هذا الذنب العظيم ادعاءٌ بأن نفسها بريئة براءة عامة فقالت: وما أبرئ نفسي } ، أي ما أبرئ نفسي من محاولة هذا الإثم لأن النفس أمّارة بالسوء وقد أمرتني بالسوء ولكنه لم يقع.

فالواو التي في الجملة استئنافية، والجملة ابتدائية.

وجلمة ﴿ إن النفس لأمارة بالسوء ﴾ تعليل لجملة ﴿ وما أبرئ نفسي ﴾ ، أي لا أدعي براءة نفسي من ارتكاب الذنب، لأن النفوس كثيرة الأمر بالسوء.

والاستثناء في ﴿ إلا ما رحم ربي ﴾ استثناء من عموم الأزمان، أي أزمان وقوع السوء، بناءً على أن أمر النفس به يبعث على ارتكابه في كلّ الأوقات إلاّ وقت رحمة الله عبده، أي رحمته بأن يقيّض له ما يصرفه عن فعل السوء، أو يقيض حائلاً بينه وبين فعل السوء، كما جعل إباية يوسف عليه السلام من إجابتها إلى ما دعتْه إليه حائلاً بينها وبين التورط في هذا الإثم، وذلك لطف من الله بهما.

ولذلك ذيلته بجملة ﴿ إن ربي غفور رحيم ﴾ ثناءً على الله بأنه شديد المغفرة لمن أذنب، وشديد الرحمة لعبده إذا أراد صرفه عن الذنب.

وهذا يقتضي أن قومها يؤمنون بالله ويحرمون الحرام، وذلك لا ينافي أنهم كانوا مشركين فإن المشركين من العرب كانوا يؤمنون بالله أيضاً، قال تعالى: ﴿ ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولُن الله ﴾ [سورة العنكبوت: 61] وكانوا يعرفون البر والذنب.

وفي اعتراف امرأة العزيز بحضرة الملك عبرة بفضيلة الاعتراف بالحق، وتبرئة البريء مما ألصق به، ومن خشية عقاب الله الخائنين.

وقيل: هذا الكلام كلام يوسف عليه السلام متصل بقوله: ﴿ ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن ﴾ الآية [سورة يوسف: 50].

وقوله: ﴿ قال ما خَطْبُكُنّ إذ رَاوَدْتُنّ يوسف ﴾ إلى قوله ﴿ وأن الله لا يهدي كَيْد الخائنين ﴾ [سورة يوسف: 51 52] اعتراض في خلال كلام يوسف عليه السلام.

وبذلك فسّرها مجاهد وقتادة وأبو صالح وابن جريج والحسن والضحّاك والسدّي وابن جبير، واقتصر عليه الطبري.

قال في الكشاف } : (وكفى بالمعنى دليلاً قائداً إلى أن يجعل من كلام يوسف عليه السلام، ونحوُه قوله: ﴿ قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم ثم قال فماذا تأمرون ﴾ [سورة الأعراف: 109 110] وهو من كلام فرعون يخاطبهم ويستشيرهم) ا ه.

يريد أن معنى هذه الجملة أليق بأن يكون من كلام يوسف عليه السلام لأن من شأنه أن يصدر عن قلب مليء بالمعرفة.

وعلى هذا الوجه يكون ضمير الغيبة في قوله: ﴿ لم أخنه ﴾ [سورة يوسف: 52] عائداً إلى معلوم من مقام القضية وهو العزيز، أي لم أخن سيدي في حرمته حال مغيبه.

ويكون معنى وما أبرئ نفسي} الخ..

مثل ما تقدم قصد به التواضع، أي لست أقول هذا ادعاء بأن نفسي بريئة من ارتكاب الذنوب إلا مدة رحمة الله النفس بتوفيقها لأكف عن السوء، أي أني لم أفعل ما اتهمت به وأنا لست بمعصوم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ قَوْلُ العَزِيزِ أيْ: وما أُبَرِّئُ نَفْسِي مِن سُوءِ الظَّنِّ بِيُوسُفَ.

﴿ إنَّ النَّفْسَ لأمّارَةٌ بِالسُّوءِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: الأمّارَةُ بِسُوءِ الظَّنِّ.

الثّانِي: بِالِاتِّهامِ عِنْدَ الِارْتِيابِ.

﴿ إلا ما رَحِمَ رَبِّي ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: إلّا ما رَحِمَ رَبِّي إنْ كَفاهُ سُوءَ الظَّنِّ.

الثّانِي: أنْ يُثْنِيَهُ حَتّى لا يَعْمَلَ.

فَهَذا تَأْوِيلُ مَن زَعَمَ أنَّهُ قَوْلُ العَزِيزِ.

الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ قَوْلُ امْرَأةِ العَزِيزِ وما أُبَرِّئُ نَفْسِي إنْ كُنْتُ راوَدْتُ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ لِأنَّ النَّفْسَ باعِثَةٌ عَلى السُّوءِ إذا غَلَبَتِ الشَّهْوَةُ عَلَيْها.

﴿ إلا ما رَحِمَ رَبِّي ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: إلّا ما رَحِمَ رَبِّي مَن نَزَعَ شَهْوَتَهُ مِنهُ.

الثّانِي: إلّا ما رَحِمَ رَبِّي في قَهْرِهِ لِشَهْوَةِ نَفْسِهِ، فَهَذا تَأْوِيلُ مَن زَعَمَ أنَّهُ مِن قَوْلِ امْرَأةِ العَزِيزِ.

الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ مِن قَوْلِ يُوسُفَ، واخْتَلَفَ قائِلُو هَذا في سَبَبِهِ عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ يُوسُفَ لَمّا قالَ ﴿ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ ﴾ قالَتِ امْرَأةُ العَزِيزِ: ولا حِينَ حَلَلْتَ السَّراوِيلَ؟

فَقالَ: وما أبَرِّئُ نَفْسِي إنَّ النَّفْسَ لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: أنَّ يُوسُفَ لَمّا قالَ ذَلِكَ غَمَزَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: ولا حِينَ هَمَمْتَ؟

فَقالَ ﴿ وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إنَّ النَّفْسَ لأمّارَةٌ بِالسُّوءِ ﴾ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: أنَّ المَلِكَ الَّذِي مَعَ يُوسُفَ قالَ لَهُ: اذْكُرْ ما هَمَمْتَ بِهِ، فَقالَ: ﴿ وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إنَّ النَّفْسَ لأمّارَةٌ بِالسُّوءِ ﴾ قالَهُ قَتادَةُ.

الرّابِعُ: أنَّ يُوسُفَ لَمّا قالَ ﴿ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ ﴾ كَرِهَ نَبِيُّ اللَّهِ أنْ يَكُونَ قَدْ زَكّى نَفْسَهُ فَقالَ ﴿ وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إنَّ النَّفْسَ لأمّارَةٌ بِالسُّوءِ ﴾ قالَهُ الحَسَنُ.

وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ ﴿ لأمّارَةٌ بِالسُّوءِ ﴾ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يَعْنِي أنَّها مائِلَةٌ إلى الهَوى بِالأمْرِ بِالسُّوءِ.

الثّانِي: أنَّها تَسْتَثْقِلُ مِن عَزائِمِ الأُمُورِ ما إنْ لَمْ يُصادِفْ حَزْمًا أفْضَتْ إلى السُّوءِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي ﴾ وهَذا قَوْلُ المَلِكِ الأكْبَرِ لَمّا عَلِمَ أمانَةَ يُوسُفَ اخْتارَهُ لِيَسْتَخْلِصَهُ لِنَفْسِهِ في خاصِّ خِدْمَتِهِ.

﴿ فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ ﴾ لِأنَّهُ اسْتَدَلَّ بِكَلامِهِ عَلى عَقْلِهِ، وبِعِصْمَتِهِ عَلى أمانَتِهِ فَقالَ: ﴿ إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ ﴾ وهَذِهِ مَنزِلَةُ العاقِلِ العَفِيفِ.

وَفي قَوْلِهِ ﴿ مَكِينٌ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: وجِيهٌ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: مُتَمَكِّنٌ في المَنزِلَةِ الرَّفِيعَةِ.

وَفي قَوْلِهِ ﴿ أمِينٌ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ بِمَعْنى: آمِنٌ لا تَخافُ العَواقِبَ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

الثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى: مَأْمُونٌ ثِقَةٌ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الثّالِثُ: حافِظٌ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ ﴾ أيْ عَلى خَزائِنِ أرْضِكَ، وفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: هو قَوْلُ بَعْضِ المُتَعَمِّقَةِ أنَّ الخَزائِنَ ها هُنا الرِّجالُ؛ لِأنَّ الأفْعالَ والأقْوالَ مَخْزُونَةٌ فِيهِمْ فَصارُوا خَزائِنَ لَها.

الثّانِي: وهو قَوْلُ أصْحابِ الظّاهِرِ أنَّها خَزائِنُ الأمْوالِ، وفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ سَألَهُ جَمِيعَ الخَزائِنِ، قالَهُابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: أنَّهُ سَألَهُ خَزائِنَ الطَّعامِ، قالَهُ شَيْبَةُ بْنُ نَعامَةَ الضَّبِّيُّ.

وَفي هَذا دَلِيلٌ عَلى جَوازِ أنْ يَخْطِبَ الإنْسانُ عَمَلًا يَكُونُ لَهُ أهْلًا وهو بِحُقُوقِهِ وشُرُوطِهِ قائِمٌ.

فِيما حَكى ابْنُ سِيرِينَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: نَزَعَنِي عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ عَنْ عَمَلِ البَحْرَيْنِ ثُمَّ دَعانِي إلَيْها فَأبَيْتُ، فَقالَ: لِمَ؟

وقَدْ سَألَ يُوسُفُ العَمَلَ.

فَإنْ كانَ المُوَلِّي ظالِمًا فَقَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ في جَوازِ الوِلايَةِ مِن قِبَلِهِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: جَوازُها إنْ عَمِلَ بِالحَقِّ فِيما تَقَلَّدَهُ؛ لِأنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وُلِّيَ مِن قِبَلِ فِرْعَوْنَ، ولِأنَّ الِاعْتِبارَ في حَقِّهِ بِفِعْلِهِ لا بِفِعْلِ غَيْرِهِ.

الثّانِي: لا يَجُوزُ ذَلِكَ لَهُ لِما فِيهِ مِن تَوَلِّي الظّالِمِينَ بِالمَعُونَةِ لَهم وتَزْكِيَتِهِمْ بِتَنْفِيذِ أعْمالِهِمْ.

وَأجابَ مَن ذَهَبَ إلى هَذا القَوْلِ عَنْ وِلايَتِهِ مِن قِبَلِ فِرْعَوْنَ بِجَوابَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ فِرْعَوْنَ يُوسُفَ كانَ صالِحًا، وإنَّما الطّاغِي فِرْعَوْنُ مُوسى.

الثّانِي: أنَّهُ نَظَرَ لَهُ في أمْلاكِهِ دُونَ أعْمالِهِ فَزالَتْ عَنْهُ التَّبِعَةُ فِيهِ.

والأصَحُّ مِن إطْلاقِ هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ أنْ يُفْصَّلَ ما يَتَوَلّاهُ مِن جِهَةِ الظّالِمِ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: أحَدُها: ما يَجُوزُ لِأهْلِهِ فِعْلُهُ مِن غَيْرِ اجْتِهادٍ في تَنْفِيذِهِ كالصَّدَقاتِ والزَّكَواتِ فَيَجُوزُ تَوْلِيَتُهُ مِن جِهَةِ الظّالِمِينَ لِأنَّ النَّصَّ عَلى مُسْتَحِقِّيهِ قَدْ أغْنى عَنِ الِاجْتِهادِ فِيهِ، وجَوازُ تَفَرُّدِ أرْبابِهِ بِهِ قَدْ أغْنى عَنِ التَّنْفِيذِ.

والقِسْمُ الثّانِي: ما لا يَجُوزُ أنْ يَتَفَرَّدُوا بِهِ ويَلْزَمُ الِاجْتِهادُ في مَصْرِفِهِ كَأمْوالِ الفَيْءِ فَلا يَجُوزُ تَوْلِيَتُهُ مِن جِهَةِ الظّالِمِ لِأنَّهُ يَتَصَرَّفُ بِغَيْرِ حَقٍّ ويَجْتَهِدُ فِيما لا يَسْتَحِقُّ.

والقِسْمُ الثّالِثُ: ما يَجُوزُ أنْ يَتَوَلّاهُ أهْلُهُ ولِلِاجْتِهادِ فِيهِ مَدْخَلٌ كالقَضايا والأحْكامِ، فَعَقْدُ التَّقْلِيدِ فِيهِ مَحْلُولٌ، فَإنْ كانَ النَّظَرُ تَنْفِيذًا لِحُكْمٍ بَيْنَ مُتَراضِيَيْنِ أوْ تَوَسُّطًا بَيْنَ مَجْبُورَيْنِ جازَ، وإنْ كانَ إلْزامُ إجْبارٍ لَمْ يَجُزْ.

﴿ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: حَفِيظٌ لِما اسْتَوْدَعْتَنِي عَلِيمٌ بِما ولَّيْتَنِي، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: حَفِيظٌ بِالكِتابِ، عَلِيمٌ بِالحِسابِ، حَكاهُ ابْنُ سُراقَةَ، وأنَّهُ أوَّلُ مَن كَتَبَ في القَراطِيسِ.

الثّالِثُ: حَفِيظٌ بِالحِسابِ، عَلِيمٌ بِالألْسُنِ، قالَهُ الأشْجَعُ عَنْ سُفْيانَ.

الرّابِعُ: حَفِيظٌ لِما ولَّيْتَنِي، قالَهُ قَتادَةُ، عَلِيمٌ بِسِنِي المَجاعَةِ، قالَهُ شَيْبَةُ الضَّبِّيُّ.

وَفِي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ لِلْإنْسانِ أنَّ يَصِفَ نَفْسَهُ بِما فِيهِ مِن عِلْمٍ وفَضْلٍ، ولَيْسَ هَذا عَلى الإطْلاقِ في عُمُومِ الصِّفاتِ ولَكِنْ مَخْصُوصٌ فِيما اقْتَرَنَ بِوُصْلَةٍ أوْ تَعَلَّقَ بِظاهِرٍ مِن مَكْسَبٍ، ومَمْنُوعٌ مِنهُ فِيما سِواهُ لِما فِيهِ مِن تَزْكِيَةٍ ومُراءاةٍ، ولَوْ تَنَزَّهَ الفاضِلُ عَنْهُ لَكانَ ألْيَقَ بِفَضْلِهِ، فَإنَّ يُوسُفَ دَعَتْهُ الضَّرُورَةُ إلَيْهِ لِما سَبَقَ مِن حالِهِ ولِما يَرْجُوهُ مِنَ الظَّفَرِ بِأهْلِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أحمد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ﴿ فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن ﴾ فقال: «لو كنت أنا لأسرعت الاجابة وما ابتغيت العذر» .

وأخرج ابن جرير وابن مردويه، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يرحم الله يوسف إن كان لذا أناة حليماً، لو كنت أنا المحبوس، ثم أرسل إليّ لخرجت سريعاً» .

وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه من طرق، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عجبت لصبر أخي يوسف وكرمه- والله يغفر له- حيث أرسل إليه ليستفتى في الرؤيا، وإن كنت أنا لم أفعل حتى أخرج، وعجبت من صبره وكرمه- والله يغفر له- أتى ليخرج فلم يخرج حتى أخبرهم بعذره، ولو كنت أنا لبادرت الباب، ولكنه أحب أن يكون له العذر» .

وأخرج أحمد في الزهد وابن المنذر، عن الحسن رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رحم الله أخي يوسف، لو أنا أتاني الرسول بعد طول الحبس لأسرعت الإجابة، حين قال: ﴿ ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة ﴾ » .

وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن ﴾ قال: أراد يوسف عليه السلام العذر قبل أن يخرج من السجن.

وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في شعب الإِيمان، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: لما جمع الملك النسوة قال لهن: انتن راودتن يوسف عن نفسه؟

﴿ قلن: حاش لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين ﴾ قال يوسف: ﴿ ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ﴾ فغمزه جبريل عليه السلام فقال: ولا حين هممت بها؟

فقال: ﴿ وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ الآن حصحص الحق ﴾ قال: تبين.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد والسدي مثله.

وأخرج الحاكم في تاريخه، وابن مردويه والديلمي، عن أنس رضي الله عنه.

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية ﴿ ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ﴾ قال «لما قالها يوسف عليه السلام، قال له جبريل عليه السلام: يا يوسف، اذكر همك.

قال: ﴿ وما أبرئ نفسي ﴾ » .

وأخرج ابن جرير عن عبد الله بن أبي الهذيل قال: لما قال يوسف عليه السلام ﴿ ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ﴾ قال له جبريل عليه السلام: ولا يوم هممت بما هممت به؟

فقال: ﴿ وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء ﴾ .

وأخرج ابن جرير، عن عكرمة قال: لما قال يوسف عليه السلام ﴿ ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ﴾ قال الملك- وطعن في جنبه- يا يوسف، ولا حين هممت؟

قال: ﴿ وما أبرئ نفسي ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم، عن حكيم بن جابر في قوله: ﴿ ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ﴾ قال: قال له جبريل: ولا حين حللت السراويل؟

فقال عند ذلك ﴿ وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء ﴾ .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ﴾ قال: هو قول يوسف لمليكه حين أراه الله عذره.

وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر، عن ابن جريج قال: أراد يوسف عليه السلام العذر قبل أن يخرج من السجن، فقال: ﴿ ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم...

﴾ و ﴿ ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ﴾ قال ابن جريج: وبين هذا وبين ذلك ما بينه، قال: وهذا من تقديم القرآن وتأخيره.

وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: ﴿ ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ﴾ قال يوسف- يقول- لم أخن سيدي.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ، عن أبي صالح رضي الله عنه في قوله: ﴿ ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ﴾ قال هذا قول يوسف عليه السلام، لم يخن العزيز في امرأته.

قال: فقال له جبريل عليه السلام: ولا حين حللت السراويل؟

فقال يوسف عليه السلام ﴿ وما أبرئ نفسي...

﴾ إلى آخر الآية.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ﴾ قال: قال له جبريل عليه السلام: اذكر همك.

قال: ﴿ وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه ﴿ ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ﴾ فقال له الملك أو جبريل: ولا حين هممت بها؟

فقال يوسف عليه السلام ﴿ وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ﴾ قال: فقال له الملك: ولا حين هممت؟

فقال: ﴿ وما أبرئ نفسي ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه قال: ذكر لنا أن الملك الذي كان مع يوسف عليه السلام قال له: اذكر ما هممت به.

قال: ﴿ وما أبرئ نفسي ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ﴾ قال: خشي نبي الله صلى الله عليه وسلم أن يكون زكى نفسه فقال: ﴿ وما أبرئ نفسي...

﴾ الآية.

وأخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر، عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما أبرئ نفسي ﴾ قال: يعني همته التي هم بها.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن عبد العزيز بن عمير رضي الله عنه قال: النفس أمارة بالسوء، فإذا جاء العزم من الله، كانت هي التي تدعو إلى الخير.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ﴾ قال أهل المعاني (١) ﴿ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ  ﴾ فاستدرك ذلك بقوله ﴿ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ﴾ قال ابن عباس: يريد: وما أزكي نفسي، ﴿ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ﴾ قال: يريد (٢) وقوله تعالى: ﴿ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ﴾ قالوا (٣) ﴿ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ  ﴾ ، قال الفراء (٤) (٥) (١) روى عن الحسن "زاد المسير" 4/ 241، وانظر الطبري 13/ 2، الثعلبي 7/ 88 ب.

(٢) "تنوير المقباس" ص 151.

(٣) انظر: "تهذيب اللغة" (ما) 4/ 3319.

(٤) "معاني القرآن" 2/ 48.

(٥) "زاد المسير" 4/ 242.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ ذلك لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بالغيب ﴾ قيل: إنه من كلام امرأة العزيز متصلاً بما قبله، والضمير في يعلم وأخنه على هذا ليوسف عليه السلام أي: ليعلم يوسف أني لم أكذب عليه في حال غيبته، والإشارة بذلك إلى توقفه عن الخروج من السجن حتى تظهر براءته ﴿ وَمَآ أُبَرِّىءُ نفسي ﴾ اختلف أيضاً هل هو من كلام امرأة العزيز، أو من كلام يوسف، فإن كان من كلامها فهو اعتراف بعد الاعتراف، وإن كان من كلامه فهو اعتراف بما همْ به على وجه خطورة على قلبه، لا على وجه العزم والقصد، وقاله في عموم الأحوال على وجه التواضع ﴿ إِنَّ النفس لأَمَّارَةٌ بالسواء ﴾ النفس هنا للجنس والنفوس ثلاثة أنواع: أمارة بالسوء، ولوّامة وهي التي تلوم صاحبها، ومطمئنة ﴿ إِلاَّ مَا رَحِمَ ربي ﴾ استثناء من النفس إذ هي بمعنى النفوس، أي الأنفس المرحومة وهي المطمئنة، فما على هذا بمعنى الذي، ويحتمل أن تكون ظرفية أي إلا حين رحمة الله ﴿ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي ﴾ أي: أجعله خاصتي وخلاصتي قال أولاً ائتوني به، فلما تبين له حاله قال: أستخلصه لنفسي ﴿ فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ اليوم لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ ﴾ أي فلما رأى حُسن كلامه وعرف وفور عقله وعلمه قال: إنك اليوم لدينا مكين أمين، والمكين من التمكين، والأمين من الأمانة ﴿ قَالَ اجعلني على خَزَآئِنِ الأرض ﴾ لما فهم يوسف من الملك أنه يريد تصريفه والاستعانة به قال له ذلك، وإنما طلب منه الولاية رغبة منه في العدل وإقامة الحق والإحسان، وكان هذا الملك كافراً، ويستدل بذلك على أنه يجوز للرجل الفاضل أن يعمل للرجل الفاجر إذا علم أنه يصلح بعض الأحوال، وقيل: إن الملك أسلم، وأراد بقوله خزائن الأرض: أرض مصر إذ لم يكن للملك غيرها، والخزائن كل ما يخزن من طعام ومال وغير ذلك ﴿ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾ صفتان تعمان وجوه المعرفة والضبط للخزائن وقيل: حفيظ للحساب عليم بالألسن، واللفظ أعم من ذلك، ويستدل بذلك أنه يجوز للرجل أن يعرف بنفسه ويمدح نفسه بالحق إذا جعل أمره وإذا كان في ذلك فائدة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ إني أراني أعصر ﴾ بالفتح في الحرفين: أبو جعفر ونافع، وأبو عمرو وافق ابن كثير في ﴿ أراني ﴾ كليهما.

الباقون: بسكون ياء المتكلم في الكل: ﴿ نبينا ﴾ بغير همزة: أوقية والأعشى وحمزة في الوقف.

﴿ ترزقانه ﴾ مختلسة: الحلواني عن قالون ﴿ نبأتكما ﴾ مثل ﴿ أنشأنا ﴾ ﴿ ربي إني ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ آبائي ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ﴿ إني أرى ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ رؤياي ﴾ بالإمالة: عليّ غير قتيبة.

أبو عمرو بالإمالة اللطيفة.

والقول في ترك الهمزة مثل ما تقدم ﴿ للرؤيا ﴾ ممالة: عليّ، وأبو عمرو بالإمالة اللطيفة.

﴿ لعلي أرجع ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير غير ابن مجاهد عن ابن ذكوان وأبو عمرو ﴿ دأبا ﴾ بفتح الهمزة: حفص.

الآخرون بالسكون ﴿ تعصرون ﴾ بتاء الخطاب: حمزة وعليّ وخلف والمفضل.

الباقون على الغيبة.

﴿ ما بال النسوة ﴾ بضم النون: الشموني والبرجمي ﴿ نفسي ﴾ ﴿ رحم ربي ﴾ بالفتح فيهما: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو.

الوقوف: ﴿ فتيان ﴾ ط ﴿ خمراً ﴾ ج فصلاً بين القضيتين مع اتفاق الجملتين ﴿ الطير منه ﴾ ط للعدول عن قول آخر منهما إلى قولهما المضمر أي فقالا.

﴿ نبئنا بتأويله ﴾ ج لاحتمال التعليل.

﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ أن يأتيكما ﴾ ط ﴿ ربي ﴾ ط ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ ويعقوب ﴾ ط ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ لا يشكرون ﴾ ه ﴿ القهار ﴾ ه ط ﴿ من سلطان ﴾ ط ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ إلا إياه ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ خمراً ﴾ ج فصلا بين الجوابين مع اتفاق الجملتين ﴿ من رأسه ﴾ ط لأن قوله: ﴿ قضى ﴾ جواب قولهما كذبنا وما رأينا رؤيا ﴿ تستفتيان ﴾ ط لاستئناف حكاية أخرى ﴿ عند ربك ﴾ ز ﴿ سنين ﴾ ه ط ﴿ يابسات ﴾ ط ﴿ تعبرون ﴾ ه ﴿ أحلام ﴾ ج للنفي مع العطف ﴿ بعالمين ﴾ ه ﴿ فأرسلون ﴾ ه ﴿ ياباسات ﴾ لا لتعلق "لعلى" ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ دأباً ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ تأكلون ﴾ ه ﴿ تحصنون ﴾ ه ﴿ يعصرون ﴾ ه ﴿ ائتوني به ﴾ ج ﴿ أيديهن ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ عن نفسه ﴾ ط ﴿ من سوء ﴾ ط ﴿ الحق ﴾ ز لانقطاع النظم واتصال المعنى واتحاد القائل.

﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ الخائنين ﴾ ه ﴿ نفسي ﴾ ج للحذف أي عن السوء ﴿ ربي ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه.

التفسير: تقدير الكلام فحبسوه ﴿ ودخل معه ﴾ أي مصاحباً له في الدخول ﴿ السجن فتيان ﴾ غلامان للملك الأكبر خبازه وشرابيه نقلاً عن أئمة التفسير أو استدلالاً برؤياهما المناسبة لحرفتهما.

رفع إلى الملك أنهما أرادا سمه في الطعام والشراب فأمر بإدخالهما السجن ساعة إذ دخل يوسف ﴿ قال أحدهما إني أراني ﴾ أي في المنام لقولهما: ﴿ نبئنا بتأويله ﴾ وهو حكاية حال ماضية ﴿ أعصر خمراً ﴾ أي عنباً تسمية للشيء باسم ما يؤول إليه.

وقيل: الخمر بلغة عمان اسم العنب.

والضمير في قوله: ﴿ بتأويله ﴾ يعود إلى ما قصا عليه وقد يوضع الضمير موضع اسم الإشارة كأنه قيل: نبئنا بتأويل ذلك ﴿ إنا نراك من المحسنين ﴾ عبارة الرؤيا.

وكان أهل السجن يقصون عليه رؤياهم فيؤوّلها لهم، أو نراك من العلماء عرفا ذلك بالقرائن أو من المحسنين إلى أهل السجن كان يعود مرضاهم ويوسع عليهم ويراعي دقائق مكارم الأخلاق معهم، أو من المحسنين في طاعة الله وطلب مرضاته ففرج عنا الغمة بتأويل ما رأينا وإن كانت لك يد في تأويل الرؤيا.

وعن قتادة: كان في السجن ناس قد انقطع رجاؤهم وطال حزنهم فجعل يقول: أبشروا اصبرا تؤجروا.

فقالوا: ما أحسن وجهك وما أحسن خلقك فمن أنت يا فتى؟

فقال: أنا يوسف بن صفي الله يعقوب بن ذبيح الله إسحق بن خليل إبراهيم.

فقال له عامل السجن: لو استطعت خليت سبيلك ولكني أحسن جوارك فكن في أي بيوت السجن شئت.

وعن الشعبي ومجاهد أنهما تحالما له ليمتحناه فقال الشرابي: أراني في بستان فإذا بأصل كرم عليه ثلاثة عناقيد من عنب فقطعتها وعصرتها في كأس الملك وسقيته.

وقال الخباز: إني أراني وفوق رأسي ثلاث سلال فيها أنواع الأطعمة، وإذا سباع الطير تنهش منها ﴿ قال لا يأتيكما طعام ﴾ إلى آخره هذا ليس بجواب لهما ظاهراً وإنما قدم هذا الكلام لوجوه منها: أن أحد التعبيرين لما كان هو الصلب وكان في إسماعه كراهة ونفرة أراد أن يقدم قبل ذلك ما يؤثق بقوله ويخرجه عن معرض التهمة والعداوة.

أو أراد أن يبين علوّ مرتبته في العلم وأنه ليس من المعبرين الذين يعبرون عن ظن وتخمين، ولهذا قال السدي: أراد لا يأتيكما طعام ترزقانه في النوم.

بين بذلك أن علمه بتأويل الرؤيا ليس مقصوراً على شيء دون غيره وقيل: إنه محمول على اليقظة وإنه ادعى معرفة الغيب كقول عيسى  ﴿ وأنبئكم بما تأكلون  ﴾ أي أخبركما ﴿ قبل أن يأتيكما ﴾ أنه أي طعام هو وأيّ لون هو وكيف تكون عاقبته أهو ضار أم نافع وأن فيه سماً أم لا.

فقد روي أن الملك كان إذا أراد قتل إنسان صنع له طعاماً مسموماً فأرسله إليه.

ثم قال: ﴿ ذلكما ﴾ أي هذا التأويل والإخبار بالمغيبات من قبيل الوحي والإلهام لا من التكهن والتنجيم الذي يكثر فيهما وقوع الخطأ.

ثم بيّن سيرته وملته مشيراً فيه إلى أنه رسول من عند الله ومنبهاً على أن الاشتغال بمصالح الدين أهم من الاشتغال بمصالح الدنيا حتى إن الرجل الذي سيصلب لعله يسلم فلا يموت على الكفر فقال: ﴿ إني تركت ﴾ أي رفضت بل ما كنت قط، ويجوز أن يكون قبل ذلك غير مظهر للتوحيد خوفاً منهم لأنه كان تحت أيديهم.

وإنما كررت لفظة "هم" تنبيهاً على أنهم مختصون في ذلك الزمان بإنكار المعاد وتعريضاً بأن إيداعه السجن بعد معاينة الآيات الشاهدة على براءته لا يصدر إلا عمن ينكر الجزاء أشد الإنكار.

والمراد باتباع ملة آبائه الاتباع في الأصول التي لا تتبدل بتبدل الشرائع، ومعنى التنكير في قوله: ﴿ من شيء ﴾ الرد على كل طائفة خالفت الملة الحنيفية من عبدة الأصنام والكواكب وغيرهم ﴿ ذلك ﴾ التوحيد ﴿ من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون ﴾ نعمة الإيمان أو نعمة إعطاء القدرة والاختيار على الإيمان فلا ينظرون في الدلائل، وهذا يناسب أصول المعتزلة.

وعن بعضهم إنا لا نشكر الله على الإيمان بل الله يشكرنا عليه كما قال: ﴿ فأولئك كان سعيهم مشكوراً  ﴾ ﴿ يا صاحبي السجن ﴾ أراد يا صاحبي السجن كقوله "يا سارق الليلة" خصهما بهذا النداء لأنهما دخلا السجن معه أو أراد يا ساكني السجن كقوله: ﴿ أصحاب النار  ﴾ فسبب التعييين أنهما استفتياه في بين الساكنين.

ثم أنكر عليهم عبارة الأصنام فقال: ﴿ أأرباب متفرقون ﴾ في العدد وفي الحجمية وفيما يتبعها من اختلاف الأعراض والأبعاض ﴿ خير ﴾ إن فرض فيهم خير ﴿ أم الله الواحد القهار ﴾ لأن وحدة المعبود تستدعي توحيد المطلب وتفريد المقصد، وكونه قهاراً غالباً غير مغلوب من وجه يوجب حصول كل ما يرجى منه من ثواب وصلاح إذا تعلقت إرادته بذلك فلا يصلح للمعبودية إلا هو ولا تصلح حقيقة الإلهية في غيره فلذلك قال: ﴿ ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها ﴾ أي سميتم الآلهة بتلك الأسماء ﴿ أنتم وآباؤكم ﴾ والخطاب لهما ولمن على دينهما من أهل مصر فكأنهم لا يعبدون إلا أسماء فارغة عن المسميات ﴿ ما أنزل الله بها ﴾ بتسميتها ﴿ من سلطان ﴾ أي حجة.

ثم لما نفى معبودية الغير بين أن لا حكم في أمر الدين والعبادة إلا له فقال: ﴿ إن الحكم إلا لله ﴾ ثم ذكر ما حكم به فقال: ﴿ أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ﴾ الثابت بالبراهين ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ أنه مبدأ المبادىء والمعاد الحقيقي فيتخذون غيره معبوداً ويجعلون لغيره من الأصنام والأجرام بالاستقلال فعلاً وتأثيراً.

ثم شرع في إجابة مقترحهما وهو تأويل رؤياهما فقال: ﴿ أما أحدكما ﴾ يعني الشرابي ﴿ فيسقي ربه ﴾ سيده ﴿ خمرا ﴾ يروى أنه قال له: ما رأيت من الكرمة وحسنها هو الملك وحسن حالك عنده، وأما القضبان الثلاثة فإنها ثلاثة أيام تمضي في السجن ثم تخرج وتعود إلى ما كنت عليه.

وقال للثاني: ما رأيت من السلال ثلاثة أيام ثم تخرج فتصلب فتأكل الطير من رأسك.

قوله: ﴿ قضي الأمر ﴾ قال في الكشاف: إنما وحد الأمر وهما أمران مختلفان استفتيا فيهما، لأن المراد بالأمر ما اتهما به من سم الملك وما سجنا لأجله فكأنهما استفتياه في الأمر الذي نزل بهما أعاقبته نجاة أم هلاك استدلالاً برؤياهما فقال: إن ذلك الذي ذكرت من أمر التأويل كائن لا محالة صدقتما أو كذبتما.

وقيل: جحدا رؤياهما.

وقيل: عكسا رؤياهما، فلما علم الخباز أن تأويل رؤياه شر أنكر كونه صاحب تلك الرؤيا فقال يوسف: إن الذي حكمت به لكل منكما واقع لا بد منه ومن هنا قالت الحكماء: ينبغي أن لا يتصرف في الرؤيا ولا تغير عن وجهها فإن الفأل على ما جرى.

﴿ وقال ﴾ يوسف ﴿ للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك ﴾ أي اذكر عند الملك أني مظلوم من جهة إخوتي أخرجوني وباعوني، ثم إني مظلوم من جهة النسوة اللاتي حسبتني.

والضمير في ﴿ ظن ﴾ إن كان للرجل الناجي فلا إشكال لأنهما ما كانا مؤمنين بنبوة يوسف بل كانا حسني الاعتقاد فيه وكأن قوله لم يفد في حقهما إلا مجرد الظن، وإن عاد إلى يوسف فيرد عليه أنه كان قاطعاً بنجاته فما المعنى للظن؟

وأجيب بأنه إنما ذكر ذلك التعبير بناء على الأصول المقررة في ذلك العلم فكان كالمسائل الاجتهادية.

والأصح أنه قضي بذلك على سبيل ألبت والقطع لقوله: ﴿ لا يأتيكما طعام ﴾ إلى قوله: ﴿ ذلكما مما علمني ربي ﴾ فالظن على هذا بمعنى اليقين كقوله: ﴿ الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم  ﴾ أما الضمير في قوله: ﴿ فأنساه الشيطان ﴾ فمن الناس من قال: إنه يعود إلى الرجل الناجي أي أنساه الشيطان ذكر يوسف لسيده أو عند سيده فإضافة الذكر إلى الرب للملابسة لا لأجل أنه فاعل أو مفعول، أو المضاف محذوف تقديره فأنساه ذكر إخبار ربه وإسناد الإنساء إلى الشيطان مجاز لأن الإنساء عبارة عن إزالة العلم عن القلب والشيطان قدرة له على ذلك وإلا لأزال معرفة الله من قلوب بني آدم، وإنما فعله إلقاء الوسوسة وأخطار الهواجس التي هي من أسباب النسيان.

ومنهم من قال: الضمير راجع إلى يوسف، والمراد بالرب هو الله  أي الشيطان أنسى يوسف أن يذكر الله  ، وعلى القولين عوتب باللبث في السجن بضع سنين.

والبضع ما بين الثلاثة إلى العشرة لأنه القطعة من العدد والبضع القطع ومثله العضب.

والأكثرون على أن المراد في الآية سبع سنين.

وعن ابن عباس: كان قد لبث خمس سنين وقد اقترب خروجه، فلما تضرع إلى ذلك الرجل لبث بعد ذلك سبع سنين.

وعن النبي  : " رحم الله يوسف لو لم يقل اذكرني عند ربك ما لبث في السجن" وعن مالك أنه لما قال له اذكرني عند ربك قيل له: يا يوسف اتخذت من دوني وكيلاً، لأطيلن حبسك.

فبكى يوسف وقال: طول البلاء أنساني ذكر المولى فويل لإخوتي.

قال المحققون: الاستعانة بغير الله في دفع الظلم جائزة.

فقد روي أن النبي  لم يأخذه النوم ليلة من الليالي وكان يطلب من يحرسه حتى جاء سعد بن أبي وقاص فنام.

وقال  حكاية عن عيسى  : ﴿ من أنصاري إلى الله  ﴾ ولا خلاف في جواز الاستعانة بالكفار في دفع الظلم والغرق والحرق إلا أن يوسف  عوتب على قوله: ﴿ اذكرني عند ربك ﴾ لوجوه منها: أنه لم يقتد بالخليل جده حين وضع في المنجنيق فلقيه جبرائيل في الهواء وقال: هل من حاجة؟

فقال: أما إليك فلا مع أنه زعم أنه اتبع ملة آبائه.

ومنها أنه قال: ﴿ ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ﴾ وهذا يقتضي نفي الشرك على الإطلاق وتفويض الأمر بالكلية إلى الله  .

فقوله: ﴿ اذكرني عند ربك ﴾ كالمناقض لهذا الكلام.

ومنها أنه قال: ﴿ عند ربك ﴾ ومعاذ الله أنه زعم أنه الرب بمعنى الإله إلا أن إطلاق هذا اللفظ على الله لا يليق بمثله وإن كان رب الدار ورب الغلام متسعملاً في كلامهم.

ومنها أنه لم يقرن بكلامه إن شاء الله، ولما دنا فرج يوسف أرى الله الملك في المنام سبع بقرات سمان خرجن من نهر يابس وسبع بقرات عجاف فابتلعت العجاف السمان، ورأى سبع سنبلات خضر قد انعقد حبها وسبعاً أخر يابسات قد استحصدت وأدركت فالتوت اليابسات على الخضر حتى غلبن عليها، فاضطرب الملك بسببه لأن فطرته قد شهدت بأن استيلاء الضعيف على القوي ينذر بنوع من أنواع الشر إلا أنه لم يعرف تفصيله، والشيء إذا علم من بعض الوجوه عظم الشوق إلى تكميل تلك المعرفة ولا سيما إذا كان صاحبه ذا قدرة وتمكين، فبهذا الطريق أمر الملك بجمع الكهنة والمعبرين وقال: ﴿ يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي ﴾ ثم إنه  إذا أراد أمراً هيأ أسبابه فأعجز الله أولئك الملأ عن جواب المسألة وعماه عليهم حتى ﴿ قالوا ﴾ إنها ﴿ أضغاث أحلام ﴾ ونفوا عن أنفسهم كونهم عالمين بتأويلها.

واعلم أن الله  خلق جوهر النفس الناطقة بحيث يمكنها الصعود إلى عالم الأفلاك ومطالعة اللوح المحفوظ إلا أن المانع لها عن ذلك في اليقظة هو اشتغالها بتدبير البدن وبما يرد عليها من طريق الحواس،وفي وقت النوم تقل تلك الشواغل فتقوى النفس على تلك المطالعة،فإذا وقفت الروح على حالة من تلك الأحوال فإن بقيت في الخيال كما شوهدت لم يحتج إلى التأويل، وإن نزلت آثار مخصوصة مناسبة لذلك الإدراك الروحاني إل عالم الخيال فهناك يفتقر إلى المعبر.

ثم منها ما هي منتسقة منتظمة يسهل على المعبر الانتقال من تلك المتخيلات إلى الحقائق الروحانيات، ومنها ما تكون مختلطة مضطربة لا يضبط تحليلها وتركيبها لتشويش وقع في ترتيبها وتأليفها فهي المسماة بالأضغاث.

وبالحقيقة، الأضغاث ما يكون مبدؤها تشويش القوة المتخيلة لفساد وقع في القوى البدنية، أو لورود أمر غريب عليه من خارج، لكن القسم المذكور قد يعد من الأضغاث من حيث إنها أعيت المعبرين عن تأويلها.

ولنشتغل بتفسير الألفاظ، أما الملك فريان بن الوليد ملك مصر، وقوله: ﴿ إني أرى ﴾ حكاية حال ماضية.

وسمان جمع سمينة وسمين وسمينة يجمع على سمان كما يقال: رجال كرام ونسوة كرام قال النحويون: إذا وصف المميز فالأولى أن يوقع الوصف وصفاً للمميز كما في الآية دون العدد، لأنه ليس بمقصود بالذات فلهذا قيل سمان بالجر ليكون وصفاً لبقرات، ويحصل التمييز لسبع بنوع من البقرات وهي السمان منهن، ولو نصب جعل تمييز السبع بجنس البقرات أولاً ثم يعلم من الوصف أن المميز بالجنس موصوف بالسمن.

والعجف هو الهزال الذل الذي ليس بعده هزال، والنعت أعجف وعجفاء وهما لا يجمعان على فعال ولكنه حمل على سمان لأنه نقيضه.

وقوله سبع عجاف تقديره بقرات سبع عجاف فحذف للعلم به كما في قوله: ﴿ وأخر يابسات ﴾ التقدير وسبعاً أخر لانصباب المعنى إلى هذا العدد.

وإنما لم يقال سبع عجاف على الإضافة لأن البيان لا يقع بالوصف وحده.

وقولهم "ثلاثة فرسان" و "خمسة أصحاب" لأنه وصف جرى مجرى الاسم، ولا يجوز أن يكون قوله ﴿ وأخر ﴾ مجروراً عطفاً على ﴿ سنبلات ﴾ لأن لفظ الأخر يأباه ويبطل مقابلة السبع بالسبع، وأراد بالملأ الأعيان من العلماء والحكماء، واللام في ﴿ للرؤيا ﴾ للبيان كما قلنا في ﴿ وكانوا فيه من الزاهدين  ﴾ أو لأن عمل العامل فيما تقدم عليه يضعف فيعضد باللام كما يعضد اسم الفاعل بها وإن تأخر معموله، أو لأن قوله: ﴿ للرؤيا ﴾ خبر "كان" كقوله هو لهذا الأمر أي متمكن مهن مستقل به و ﴿ تعبرون ﴾ خبر آخر أو حال أو لتضمن ﴿ تعبرون ﴾ معنى تنتدبون لعبارة الرؤيا والفصيح عبرت الرؤيا بالتخفيف، وقد يشدد واشتقاقه من العبر بالكسر فالسكون وهو جانب النهر فيقال: عبرت النهر إذا قطعته حتى تبلغ آخر عرضه، وعبرت الرؤيا إذا تأملت ناحيتها فانتقلت من أحد الطرفين إلى الآخر.

والأضغاث جمع ضغث وهو الحزمة من أنواع النبت والحشيش مما طال ولم يقم على ساق، والإضافة بمعنى من أي أضغاث من أحلام والصيغة للجمع ولكن الواحد قد يوصف به كما قال: رمح أقصاد وبرمة أعشار.

فالمراد هي حلم أضغاث أحلام.

وقد يطلق الجمع ويراد به الواحد كقولهم "فلان يركب الخيل ويلبس العمائم" وإن لم يركب إلا فرساً واحداً ولم يلبس إلا عمامة واحدة.

ويجوز أن يكون قد قص عليهم أحلاماً أخر.

واللام في ﴿ الأحلام ﴾ اما للعهد كأنهم أرادوا المنامات الباطلة، أو للجنس وأرادوا أنهم غير متبحرين في علم تأويل الرؤيا.

ولما أعضل على الملأ تأويل رؤيا الملك تذكر الناجي يوسف وتأويله رؤياه ورؤيا صاحبه المصلوب، وتذكر قوله: ﴿ اذكرني عند ربك ﴾ وذلك قوله  : ﴿ واذكر ﴾ وأصله "اذتكر" قلبت التاء والذال كلاهما دالاً مهملة وأدغمت.

﴿ بعد أمة ﴾ أي بعد حين كأنها حصلت من اجتماع أيام كثيرة.

وقرىء بكسر الهمزة وهي النعمة أي بعد ما أنعم عليه بالنجاة.

وقرىء ﴿ بعد أمه ﴾ بوزن عمه.

ومعنى ﴿ أنا أنبئكم بتأويله ﴾ أخبركم به عمن عنده علمه ﴿ فأرسلون ﴾ إليه لأسلأله والخطاب للملك والجمع للتعظيم أو له وللملأ حوله.

والمعنى مروني باستعباره.

وعن ابن عباس: لم يكن السجن في المدينة.

وههنا إضمار والمراد فأرسلوه إلى يوسف فأتاه فقال ﴿ يوسف ﴾ أي يا يوسف ﴿ أيها الصديق ﴾ البليغ الكامل في الصدق وصفه بهذه الصفة لأنه تعرف أحواله من قبل.

وفيه أنه يجب على المتعلم تقديم ما يفيد المدح لمعلمه.

وإنما أعاد عبارة الملك بعينها لأن التعبير يختلف باختلاف العبارات.

وقوله: ﴿ لعلي أرجع ﴾ فيه نوع من حسن الأدب لأنه لم يقطع بأنه يعيش إلى أن يعود إليهم، وعلى تقدير أن يعيش فربما عرض له ما يمنعه عن الوصول إليهم من الموانع التي لا تحصى كثرة.

وكذا في قوله: ﴿ لعلهم يعلمون ﴾ فضلك ومكانك من العلم فيخلصوك أو يعلمون فتواك فيكون فيه نوع شك لأنه رأى عجز سائر المعبرين وقيل: كرر لعل مراعاة لفواصل الآي وإلا كان مقتضى النسق لعلي أرجع إلى الناس فيعلموا، و مثله في هذه السورة ﴿ لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون  ﴾ .

﴿ قال ﴾ يوسف في جواب الفتوى ﴿ تزرعون سبع سنين ﴾ وهو خبر في معنى الأمر يفيد المبالغة في إيجاب أيجاد المأمور به.

قال في الكشاف: والدليل على كونه في معنى الأمر قوله: ﴿ فذروه في سنبله ﴾ وأقول: يمكن أن يكون قوله: ﴿ تزرعون ﴾ إخباراً عما سيوجد منهم في زمن الغيث والمطر، لأن الزرع يلزم بنزول الأمطار عادة، وقوله: ﴿ فما حصدتم ﴾ إرشاد لهم إلى الأصلح لهم في ذلك الوقت.

و ﴿ دأباً ﴾ بتسكين الهمزة وتحريكها مصدر دأب في العمل إذا استمر عليه.

وانتصابه على الحال أي تزرعون ذوي دأب، أو على المصدر والعامل فعله أي تدأبون دأباً.

وإنما أمرهم بأن يتركوه في السنابل إلا القدر الذي يأكلونه في الحال لئلا يقع فيه السوس ﴿ ثم يأتي من بعد ذلك ﴾ فيه دليل على أن ﴿ تزرعون ﴾ إخبار لا أمر ﴿ سبع ﴾ سنين ﴿ شداد ﴾ على الناس ﴿ يأكلن ما قدمتم لهن ﴾ من الإسناد المجازي لأن الآكلين أهل تلك السنين لا السنون ﴿ إلا قليلاً مما تحصنون ﴾ تحرزون وتخبؤن.

والإحصان جعل الشيء في الحصن كالإحراز جعل الشيء في الحرز أخبر أنه يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس من الغوث، أو من الغيث يقال: غيثت البلاد إذا مطرت ﴿ وفيه يعصرون ﴾ العنب والزيتون والسمسم.

وقيل: يحلبون الضروع، تأويل البقرات السمان والسنبلات الخضر بسنين مخاصيب والعجاف واليابسات بالسنين.

ثم بشرهم بالبركة في العام الثامن.

فقال المفسرون: إنه قد عرف ذلك بالوحي.

عن قتادة: زاده الله علم سنة.

وقيل: عرف استدلالاً فليس بعد انتهاء الجدب، إلا الخصب.

والجواب أنه لا يلزم من انتهاء الجدب الخصب والخير الكثير فقد يكون توسط الحال.

وأيضاً في قوله: ﴿ وفيه يعصرون ﴾ نوع تفصيل لا يعرف إلا بالوحي.

ولما رجع الشرابي إلى الملك وعرض عليه التعبير استحسنه وقال: ﴿ ائتوني به ﴾ فجعل الله  علمه مبدأ لخلاصه من المحنة الدنيوية فيعلم منه أن العلم سبب للخلاص في المحن الأخروية أيضاً.

﴿ فلما جاءه الرسول ﴾ وهو الشرابي فقال: أجب الملك ﴿ قال ﴾ يوسف ﴿ ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن ﴾ ما شأنهن وما حالهن ﴿ إن ربي ﴾ أي الله العالم بخفيات الأمور أو العزيز الذي رباه ﴿ بكيدهن عليم ﴾ وعلى الأول أراد إنه كيد عظيم لا يعلمه إلا الله لعبد غوره، أو استشهد بعلم الله على أنهن كذبة، أو أراد الوعيد أي هو عليم بكيدهن فيجازيهن عليه.

وكيدهن ترغيبهن إياه في مواقعة سيدته أو تقبيح صورته عند العزيز حتى يرضى بسجنه.

ومن لطائف الآية أنه أراد فسأل الملك أن يسأل ما بالهن إلا أنه راعى الأدب فاقتصر على سؤال الملك عن كيفية الواقعة فإن ذلك مما يهيجه على البحث والتفتيش.

ومنها أنه لم يذكر سيدته بسوء بل ذكر النسوة على التعميم ومع ذلك راعى جانبهن أيضاً فوصفهن بتقطيع الأيدي فقط لا بالترغيب في الخيانة.

عن النبي  : "لقد عجبت من يوسف وكرمه وصبره والله يغفر له حين سئل عن البقرات العجاف والسمان ولو كنت مكانه ما أخبرتهم حتى أشترط أن يخرجوني.

ولقد عجبت منه حين أتاه الرسول فقال ارجع إلى ربك ولو كنت مكانه ولبثت في السجن ما لبث لأسرعت الإجابة وبادرتهم الباب ولما ابتغيت العذر إن كان لحليماً ذا أناة" قال العلماء: الذي عمله يوسف هو اللائق بالحزم والعقل، لأنه لو خرج في الحال فربما بقي في قلب الملك من تلك التهمة أثر، ولعل الحساد يتسلقون بذلك إلى تقبيح أمره عنده، وفي هذا التأني والتثبت تلاف لما صدر منه في قوله للشرابي: ﴿ اذكرني عند ربك ﴾ .

﴿ قال ﴾ الملك بعد إحضار النسوة ﴿ ما خطبكن ﴾ ما شأنكن العظيم ﴿ إذ راودتن يوسف ﴾ هل وجدتن منه ميلاً إليكن أو إلى زليخا؟

قيل: الخطاب لزليخا والجمع للتعظيم.

وقيل: خاطبهن جميعاً لأن كل واحدة منهن راودت يوسف لنفسها أو لأجل امرأة العزيز.

﴿ قلن حاش لله ﴾ تعجباً من عفته ونزاهته ﴿ قالت امرأت العزيز ﴾ حين عرفت أن لا بد من الاعتراف ﴿ الآن حصحص الحق ﴾ وضح وانكشف وتمكن في القلوب من قولهم حصحص البعير إذا ألقى ثفناته للإناخة والاستقرار على الأرض.

وقال الزجاج: اشتقاقه من الحصة أي بانت حصة الحق من حصة الباطل.

أما قوله  : ﴿ ذلك ليعلم ﴾ إلى تمام الآيتين ففيه قولان: الأول - وعليه الأكثرون - أنه حكاية قول يوسف.

قال الفراء: ولا يبعد وصل كلام إنسان بكلام إنسان آخر إذا دلت القرينة الصارفة لكل منهما إلى ما يليق به.

والإشارة إلى الحداثة الحاضرة بقوله: ﴿ ذلك ﴾ لأجل التعظيم والمراد ما ذكر من رد الرسول والتثبت وإظهار البراءة.

وعن ابن عباس: أنه لما دخل على الملك قال ذلك، والأظهر أنه قال ذلك في السجن عند عود الرسول إليه.

ومحل ﴿ بالغيب ﴾ نصب على الحال من الفاعل أي وأنا غائب عنه، أو من المفعول أي وهو غائب عني، أو على الظرف أي بمكان الغيب وهو الاستتار وراء الأبواب المغلقة.

وقيل: هذه الخيانة قد وقعت في حق العزيز فكيف قال ذلك ليعلم الملك؟

وأجيب بأنه إذا خان وزيره فقد خان الملك من بعض الوجوه، أو أراد ليعلم الله لأن المعصية خيانة، أو المراد ليعلم الملك أني لم أخن العزيز، أو ليعلم العزيز أني لم أخنه وليعلم أن الله لا يهدي كيد الخائنين لا ينفذه ولا يسدده، وفي تعريض بامرأته الخائنة وبالعزيز حين ساعدها بعد ظهور الآيات على حبسه فكأنه خان حكم لله، وفيه تأكيد لأمانته وأنه لو كان خائناً لم يهد الله كيده.

ولا يخفى أن هذه الكلمات من يوسف مع الشهادة الجازمة والاعتراف الصريح من المرأة دليل على نزاهة يوسف  من كل سوء.

قال أهل التحقيق: إنه لما راعى حرمة سيدته في قوله: ﴿ ما بال النسوة اللاتي ﴾ دون أن يقول "ما بال زليخا" أرادت أن تكافئه على هذا الفعل الحسن فلا جرم أزالت الغطاء واعترفت بأن الذنب كله منها، فنظيره ما يحكى أن امرأة جاءت بزوجها إلى القاضي وادعت عليه المهر فأمر القاضي بأن يكشف عن وجهها حتى يتمكن الشهود من أداء الشهادة.

فقال الزوج: لا حاجة إلى ذلك فإني مقر بصدقها في دعواها.

فقالت المرأة: لما أكرمني إلى هذا الحد فاشهدوا أني أبرأت ذمته من كل حق لي عليه.

ولما كان قول يوسف  ذلك ليعلم جارياً مجرى تزكية النفس على الإطلاق أو في هذه الواقعة وقد قال  : ﴿ فلا تزكوا أنفسكم  ﴾ أتبع ذلك قوله: ﴿ وما أبرىء نفسي إن النفس ﴾ أي هذا الجنس ﴿ لأمارة بالسوء ﴾ ميالة إلى القبائح راغبة في المعاصي.

وفيه أن ترك تلك الخيانة ما كان حظ النفس وشربها ولكن كان بتوفيق الله  وتسهيله وصرفه ﴿ إلا ما رحم ربي ﴾ إلا البعض الذي رحمه ربي بالعصمة كالملائكة، أو المراد أنها أمارة بالسوء في كل وقت وأوان إلا وقت رحمة ربي، أو الاستثناء منقطع أي ولكن رحمة ربي هي التي تصرف الإساءة: القول الثاني أنه حكاية قول المرأة لأن يوسف  ما كان حاضراً في ذلك المجلس والمعنى، وإن كنت أحلت عليه الذنب عند حضوره ولكني ما أحلته عليه في غيبته حين كان في السجن ﴿ وأن الله لا يهدي ﴾ فيه تعريض فأنها لما أقدمت على المكر فلا جرم افتضحت، وأنه لما كان بريئاً من الذنب لا جرم طهره الله منه ﴿ وما أبرىء نفسي ﴾ من الخيانة مطلقاً فإني قد خنته حين قلت ﴿ ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً ﴾ أو حين أودعته السجن.

ثم إنها اعتذرت عما كان منها فقالت: ﴿ إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي ﴾ كنفس يوسف ﴿ إن ربي غفور رحيم ﴾ أو استغفرت ربها واسترحمته مما ارتكبت.

قال المحققون.

النفس الإنسانية شيء واحد فإذا مالت إلى العالم العلوي كانت مطمئنة، وإذا مالت إلى العالم السفلي وإلى الشهوة والغضب سميت أمارة وهذا في أغلب أحوالها لإلفها إلى العالم الحسي وقرارها فيه فلا جرم إذا خليت وطباعها انجذبت إلى هذه الحالة فلهذا قيل: إنها من حيث هي أمارة بالسوء.

وإذا كانت منجذبة مرة إلى العالم العلوي ومرة إلى العالم السفلي سميت لوامة.

ومنهم من زعم أن النفس المطمئنة هي الناطقة العلوية، والنفس الأمارة منطبعة في البدن تحمله على الشهوة والغضب وسائر الأخلاق الرذيلة.

وتمسكت الأشاعرة بقوله: ﴿ إلا ما رحم ﴾ ظاهراً لأنه دل على أن صرف النفس عن السوء بخلق الله وتكوينه.

وحملته المعتزلة على منح الألطاف والله أعلم بالحقائق.

التأويل: لما أدخل يوسف القلب سجن الشريعة دخل معه غلامان لملك الروح هما النفس والبدن، فإن الروح العلوي لا يعمل عملاً في السفل الدنيوي إلا من مشرب النفس فهي صاحب شرابه.

والبدن يهيء من الأعمال الصالحة ما يصلح لغذاء الروح، فإن الروح لا يبقى إلا بغذاء روحاني كما أن الجسم لا يبقى إلا بغذاء جسماني.

وإنما حبسا في سجن الشريعة لأنهما متهمان بجعل سم الهوى والمعصية في شراب ملك الروح وطعامه، وفي رؤياهما دلالة على أنهما من الدنيا، وأهل الدنيا نيام فإذا ماتوا انتبهوا ﴿ إنا نراك من المحسنين ﴾ الذين يعبدون الله عياناً وشهوداً ﴿ إني تركت ملة قوم ﴾ فيه إشارة إلى أن القلب مهما ترك ملة النفس والهوى والطبيعة علمه الله علم الحقيقة ﴿ أما أحدكما فيسقي ربه ﴾ أي سيده بأقداح المعاملات والمجاهدات شراب الكشوف والمشاهدات وهي باقية في خدمة ملك الروح أبداً ﴿ وأما الآخر ﴾ وهو البدن ﴿ فيصلب ﴾ بنخيل الموت ﴿ فيأكل ﴾ طير أعوان ملك الموت من رأسه الخيالات الفاسدة ﴿ قضي ﴾ في الأزل هذا ﴿ الأمر ﴾ ﴿ اذكرني عند ربك ﴾ يعني أن القلب المسجون في بدء أمره يلهم النفس بأن تذكره المعاملات المستحسنة الشرعية عند الروح ليتقوى بها الروح وينتبه عن نوم الغفلة الناشئة من الحواس الخمس ويسعى في استخلاص القلب عن أثر الصفات البشرية بالمعاملات الروحانية مستمداً من الألطاف الربانية.

ثم إن الشيطان بوساوسه محا عن النفس أثر إلهامات القلب، أو الشيطان أنسى القلب ذكر الله حين استغاث النفس لتذكره عند الروح، ولو استغاث بالله لخلصه في الحال ﴿ فلبث في السجن بضع سنين ﴾ إشارة إلى الصفات البشرية السبع التي بها القلب محبوس وهي: الحرص والبخل والشهوة والحسد والعداوة والغضب والكبر ﴿ إني أرى سبع بقرات سمان ﴾ هن الصفات المذكورة ﴿ يأكلهن سبع عجاف ﴾ هن أضدادها وهي: القناعة والسخاوة والعفة والغبطة والشفقة والحلم والتواضع ﴿ يا أيها الملأ ﴾ يعني الأعضاء والجوارح والحواس والقوى ﴿ أفتوني ﴾ فيما رأيت في غيب الملكوت ﴿ وما نحن بتأويل الأحلام ﴾ أي ليس التصرف في الملكوت وشواهدها من شأننا ﴿ فأرسلون ﴾ فيه أن النفس إذا أرادت أن تعلم شيئاً مما يجري في الملكوت ترجع بقوة التفكر إلى القلب فتستخبر عنه، فالقلب ترجمان بين الروحانيات ولانفس فيما يفهم من لسان الغيب ﴿ أيها الصديق ﴾ لأنه مصدق فيما يرى من شواهد الحق، ويصدق فيما يروي للخلق ﴿ ما كذب الفؤاد ما رأى  ﴾ "حدثني قلبي عن ربي" قال في الكشاف: أرجع إلى الناس أي إلى الأجزاء الإنسانية ﴿ تزرعون سبع سنين ﴾ إشارة إلى تربية الصفات البشرية السبع بالعادة والطبيعة في أوان الطفولية ﴿ فذروه في سنبله ﴾ أي ما حصلتم من هذه الصفات فذروه في أماكنه ولا تستعملوه ﴿ إلا قليلاً ﴾ مما تعيشون به إلى أوان البلوغ وظهور نور العقل في مصباح السر في زجاجة القلب كأنه كوكب دري.

ثم إذا أيد نور العقل بأنوار تكاليف الشرع وشرف بإلهام الحق في إظهار فجور النفس وتقواها فيزكيها عن هذه الصفات ويجليها بالصفات الروحانية السبع، فكأن السبع العجاف أكلن السبع السمان.

وإنما سمى ما هو من عالم الأرواح عجافاً للطافتها، وما هو من عالم الأجسام سماناً لكثافتها كثيراً إلا قليلاً مما يحسن به الإنسان حياة قالبه ﴿ ثم يأتي من بعد ذلك عام ﴾ أي بعد غلبات الصفات الروحانية واضمحلال الصفات البشرية يظهر مقام فيه يتدارك السالك جذبات العناية، وفي يبرأ العبد من معاملاته وينجو من حبس وجوده وحجب أنانيته.

ولما أخبر القلب بنور الله رآه الروح في عالم الملكوت وتأوله استحق قرب الروح وصحبته فاستدعى حضوره على لسان رسول النفس فرده إليه وقال سله ﴿ ما بال النسوة ﴾ لأن الأوصاف الإنسانية لما رأين جمال القلب المنور بنور الله ﴿ قطعن أيديهن ﴾ من ملاذ الدنيا وشهواتها وآثرن السعادة الأخروية على الشهوات الفانية ﴿ ليعلم أني لم أخنه بالغيب ﴾ أي القلب المنظور بنظر العناية لما غاب عن حضرة الروح لاشتغاله بتربية النفس والقالب ما خانه بالالتفات إلى الدنيا ونعيمها ﴿ وأن الله لا يهدي كيد الخائنين ﴾ الذين يبيعون الدين بالدنيا.

ثم قال إظهاراً للعجز عن نفسه وللفضل من ربه ﴿ وما أبرىء نفسي إن النفس ﴾ جبلت على الأمارية، ولكن إذا رحمها ربها يقلبها ويغيرها فإذا تنفس صبح الهداية صارت لوامة نادمة على فعلها، والندم توبة وإذا طلعت شمس العناية وصارت ملهمة ﴿ فألهمها فجورها وتقواها  ﴾ وإذا بلغت شمس العناية وسط سماء الهداية أشرقت الأرض بنور ربها وصارت النفس مطمئنة مستعدة لجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك راضية مرضية  ﴾ ﴿ إن ربي غفور ﴾ لنفس تابت ورجعت إليه ﴿ رحيم ﴾ لمن أحسن طاعته وعبادته والله حسبنا ونعم الوكيل.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ ﴾ يعني: يوسف [فلما جاءه الرسول، قال: ﴿ ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ﴾ : فيه دلالة أن قول يوسف] للرجل.

﴿ ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ ﴾ .

إنما طلب بذلك براءة نفسه فيما اتهم به، ليس كما قال أهل التأويل؛ لأنه لو كان غير ذلك لكان لا يرد الرسول إليه ولكنه خرج والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ﴾ .

يحتمل هذا من وجهين: أحدهما: أَهُنَّ على كيدهن بعدُ، أم رجعن عن ذلك؟

والثاني: ليعلم الملك براءته مما قرف به واتهم.

[ليظهر عنده أنه كان بريئاً مما قرف به واتهم].

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ﴾ .

إنهن كدن ثم قال لهن الملك: ﴿ قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ ﴾ هذا يدل أن الملك قد علم أنهن راودن يوسف عن نفسه؛ لأنه قال: ﴿ قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ ﴾ ولم يقل لهن: أراودتن أم لا؟

ولكنه قطع القول فيه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوۤءٍ ﴾ .

بدأ بهن حتى أقررن أنه كان بريئاً ما قرف به واتهم، ثم أقرت امرأة الملك بعد ذلك لما أقر النسوة؛ فقالت: ﴿ ٱلآنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ ﴾ .

قيل: الآن تبين الحق وتحقق.

﴿ أَنَاْ رَاوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ ﴾ في قوله: ﴿ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي  ﴾ .

وقوله: ﴿ مَا خَطْبُكُنَّ ﴾ ما شأنكن وأمركن، والخطب: الشأن، وراودتن: قد ذكرناه.

وقوله: ﴿ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ ﴾ .

قيل: معاذ الله، وقيل: هي كلمة تنزيه وتبرئة من القبيح.

وقوله: ﴿ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوۤءٍ ﴾ .

قال أهل التأويل: الزنا، ولكن قوله: ﴿ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوۤءٍ ﴾ هو السوء الذي قالت، ﴿ مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوۤءًا  ﴾ هو ذلك السوء قالت إنه أراده بها قلن ما علمنا منه ذلك.

وقوله: ﴿ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ ﴾ .

قد ذكرناه أنه تبين وتحقق.

وفي قوله: ﴿ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوۤءٍ ﴾ .

دلالة أن لم يكن منه ما قاله [أهل] التأويل من حلّ السراويل وغيره؛ لأنه لو كان منه ذلك لكُنّ قد علمن منه السوء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ ﴾ .

قوله: ذلك الرد الذي كان منه وترك الإجابة لرسول الملك؛ حيث قال: ﴿ ٱئْتُونِي بِهِ ﴾ ليعلم الملك أني لم أخنه بالغيب؛ في أهله إذا غاب عني؛ ردّاً لقولها: ﴿ مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوۤءًا ﴾ وتصديقاً لقوله؛ حيث قال: ﴿ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي  ﴾ .

وقال بعض أهل التأويل: ذلك ليعلم الله أني لم أخنه؛ يعني الزوج بالغيب، لكن هذا بعيد، إنه قد علم يوسف أن الله قد علم أنه لم يخنه بالغيب.

وقول أهل التأويل لما قال يوسف: ﴿ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ ﴾ قال له الملك: ولا حين هممت ما هممت؟

فقال: ﴿ وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ ﴾ : هذا مما لا نعلمه.

وقد ذكرنا التأويل في قوله: ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا  ﴾ ما يحل ويسع أن يتكلم به، وفساد تأويل أهل التأويل من الوجوه التي ذكرنا.

ومعنى قوله: ﴿ وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ ﴾ .

أي: عصم ربي.

والله أعلم.

إنه لما قال ذلك؛ ﴿ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ ﴾ ؛ لما عصمني الله عن ذلك، ولو لم يكن عصمني لكنت أخونه ﴿ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ ﴾ أي: [ما] عصم ربي؛ لأن النفس جبلت وطبعت على الميل إلى الشهوات واللذات، والهوى فيها والرغبة والتوقي عن المكروهات والشدائد؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ فَأَمَّا مَن طَغَىٰ  وَآثَرَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا  فَإِنَّ ٱلْجَحِيمَ هِيَ ٱلْمَأْوَىٰ  وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ  فَإِنَّ ٱلْجَنَّةَ هِيَ ٱلْمَأْوَىٰ  ﴾ أثبت للنفس الهوى وإيثار الحياة الدنيا وشهواتها، هذا يدل أن قوله: ﴿ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ ﴾ هو محبة الاختيار والإيثار في الدين لا ما تختار النفس وتؤثر، النفس أبداً تختار وتؤثر ما هو ألذّ وأشهى، وتنفر عن الشدائد والمكروهات، على هذا طبعت وجبلت.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ ٱلْخَائِنِينَ ﴾ أي: [لا يجعل] فعل الكيد والخيانة هدى ورشداً، إنما يجعل فعل الكيد والخيانة ضلالا وغواية.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي ﴾ [أي: أجعله لنفسي خالصاً لحوائجي وأن يكون قوله: ﴿ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي ﴾ ]: أصدر لرأيه وأطيع أمره، في هذا يقع استخلاصه إياه؛ ولذلك قال: ﴿ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ...

﴾ الآية لا أن يجعله لحاجة نفسه خالصاً دون الناس لا يشرك غيره فيه؛ دليله ما ذكر في حرف حَفْصَة (إنك اليوم لدينا مطاع أمين).

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ ﴾ .

ولم يذكر فيه أنه أتى به، ولكن قال: فلما كلمه؛ فهذا يدل أنه قد أتى به وإن لم يذكر أنه أتى به؛ حيث قال: ﴿ فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ ﴾ قيل: المكين: الوجيه، وقيل: المكين: الأمين المرضي عندنا والأمين على ما استأمناك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ ٱجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلأَرْضِ ﴾ .

سأل هذا لما علم أنه ليس في وسعهم القيام بإصلاح ذلك الطعام، وعلم أنه لو ولي غيره الخزائن لم يعرف إنزال الناس منازلهم؛ في تقديم من يجب تقديمه، والقيام بحاجة الأحق من غيره.

وعلم أنه إليه يرجع، ويقع حوائج أكثر الناس، وبه قوام أبدانهم؛ فسأله ليقوم بذلك كله، وعلى يديه يجري.

ولذلك قال: ﴿ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾ .

قال بعضهم: حفيظ لما وليت عليم بأمره.

وقيل: حفيظ أي: حاسب، عليم: أي بالألسن كلها.

وقيل: حفيظ لما في الأرض من غلة؛ عالم بها.

وعن ابن عباس  : حفيظ لما تحت يدي، عليم بالناس.

وقيل: حفيظ بصير بتقديره عالم بساعات الجوع حين يقع، إني حفيظ لما استحفظت عليم بحوائج الناس، أو عليم بتقديم الأحق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .

يقول - والله أعلم -: كما برأنا يوسف مما قرف به، وأظهرنا براءته منه؛ مكناه في الأرض حتى احتاج أهل نواحي مصر وأهل الآفاق إليه.

أو أن يقال: كما حفظناه وأنجيناه؛ مما قصد به إخوته من الهلاك؛ نمكن له في الأرض.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ ﴾ جوابه: كما مكنا ليوسف في الأرض بعدما أخرج من عليه الإيواء والضم، كذلك نمكنك في الأرض ونؤوي؛ بعدما أخرجك من عليه إيواؤك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ ﴾ .

أي: ينزل منها حيث يشاء، أو يسكن منها حيث يشاء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَشَآءُ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ بِرَحْمَتِنَا ﴾ سعة الدنيا ونعيمها؛ كقوله: ﴿ مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا  ﴾ .

ويحتمل ﴿ بِرَحْمَتِنَا ﴾ : أمر الدين من النبوة والعصمة، وهو على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: ليس لله أن يختص أحداً برحمته ولا يصيب من رحمته إنساناً دون إنسان، وعلى قولهم لم يكن من الله إلى رسول من الرحمة إلا وكان إلى إبليس مثله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ .

أي: لا نضيع أجر من أحسن صحبة الله في الدنيا والآخرة؛ أي نجزيه جزاء إحسانه أو يقول: ولا نضيع أجر من أحسن صحبة نعم الله وقبلها بالشكر له.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلأَجْرُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ .

أي ثواب الآخرة وأجرها خير لهم من ثواب الدنيا وأجرها.

وقوله: ﴿ آمَنُواْ ﴾ .

صدقوا.

﴿ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ﴾ الشرك.

أو ﴿ آمَنُواْ ﴾ صدقوا؛ ﴿ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ﴾ المعاصي والفواحش.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وواصلت امرأة العزيز كلامها قائلة: وما أنزه نفسي عن إرادة السوء، وما أردت بذلك تزكية نفسي؛ لأن شأن النفس البشرية كثرة الأمر بالسوء لميلها إلى ما تشتهيه وصعوبة كفها عنه، إلا ما رحمه الله من النفوس، فعصمها من الأمر بالسوء، إن ربي غفور لمن تاب من عباده، رحيم بهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.mErYW"

مزيد من التفاسير لسورة يوسف

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.3 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 0 يوم
سبحان الله