الآية ٧ من سورة يوسف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 12 يوسف > الآية ٧ من سورة يوسف

۞ لَّقَدْ كَانَ فِى يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِۦٓ ءَايَـٰتٌۭ لِّلسَّآئِلِينَ ٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 74 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧ من سورة يوسف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧ من سورة يوسف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : لقد كان في قصة يوسف وخبره مع إخوته آيات ، أي عبرة ومواعظ للسائلين عن ذلك ، المستخبرين عنه ، فإنه خبر عجيب ، يستحق أن يستخبر عنه

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (7) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: (لقد كان في يوسف وإخوته) الأحد عشر ، (آيات) يعني عبر وذكر (11) ، (للسائلين) يعني السائلين عن أخبارهم وقصصهم .

وإنما أراد جل ثناؤه بذلك نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم.

* * * وذلك أنه يقال: إن الله تبارك وتعالى إنما أنـزل هذه السورة على نبيه، يعلمه فيها ما لقي يوسف من أَدانيه وإخوته من الحسد ، (12) مع تكرمة الله إيَّاه ، تسليةً له بذلك مما يلقى من أدانيه وأقاربه من مشركي قريش .

(13) كذلك كان ابن إسحاق يقول: 18794- حدثنا ابن حميد ، قال: حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال: إنما قصّ الله تبارك وتعالى على محمد خبر يوسف، وبَغْي إخوته عليه وحسدهم إياه، حين ذكر رؤياه، لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم من بغي قومه وحسده حين أكرمه الله عز وجل بنبوته، ليأتسي به.

(14) * * * واختلفت القراء في قراءة قوله: (آيات للسائلين).

فقرأته عامة قراء الأمصار "آياتٌ" على الجماع .

* * * وروي عن مجاهد وابن كثير أنهما قرآ ذلك على التوحيد .

* * * والذي هو أولى القراءتين بالصواب، قراءةُ من قرأ ذلك على الجماع ، لإجماع الحجة من القراء عليه.

* * * ---------------------- الهوامش: (11) انظر تفسير" الآية" فيما سلف من فهارس اللغة ( أيي ) .

(12) في المطبوعة :" من إخوته وأذايته من الحسد" ، وفي المخطوطة :" من أدانيه وإخوته من الحسد" ، ووضع فوق" أدانيه"" كذا" ، كأنه شك في صحتها ، وهي صواب لا شك فيه ، يعني أقرب الناس إليه .

وانظر ما سيلي ، والتعليق عليه .

(13) في المطبوعة :" من أذايته وأقاربه" ، والصواب ما أثبت ، وإنما حمله عليه ما ورط فيه نفسه قبل أسطر .

انظر التعليق السالف .

(14) في المطبوعة :" ليتأسى به" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين يعني ، من سأل عن حديثهم .

وقرأ أهل مكة " آية " على التوحيد ; واختار أبو عبيد " آيات " على الجمع ; قال : لأنها خير كثير .

قال النحاس : و " آية " هنا قراءة حسنة ، أي لقد كان للذين سألوا عن خبر يوسف آية فيما خبروا به ، لأنهم سألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو بمكة فقالوا : أخبرنا عن رجل من الأنبياء كان بالشام أخرج ابنه إلى مصر ، فبكى عليه حتى عمي ؟

ولم يكن بمكة أحد من أهل الكتاب ، ولا من يعرف خبر الأنبياء ; وإنما وجه اليهود إليهم من المدينة يسألونه عن هذا - فأنزل الله - عز وجل - سورة [ يوسف ] جملة واحدة ; فيها كل ما في التوراة من خبر وزيادة ، فكان ذلك آية للنبي - صلى الله عليه وسلم - بمنزلة إحياء عيسى ابن مريم - عليه السلام - الميت .

آيات موعظة ; وقيل : عبرة .

وروي أنها [ ص: 116 ] في بعض المصاحف " عبرة " .

وقيل : بصيرة .

وقيل : عجب ; تقول فلان آية في العلم والحسن أي عجب .

قال الثعلبي في تفسيره : لما بلغت الرؤيا إخوة يوسف حسدوه ; وقال ابن زيد : كانوا أنبياء ، وقالوا : ما يرضى أن يسجد له إخوته حتى يسجد له أبواه !

فبغوه بالعداوة ، وقد تقدم رد هذا القول .

قال الله تعالى : لقد كان في يوسف وإخوته وأسماؤهم : روبيل وهو أكبرهم ، وشمعون ولاوي ويهوذا وزيالون ويشجر ، وأمهم ليا بنت ليان ، وهي بنت خال يعقوب ، وولد له من سريتين أربعة نفر ; دان ونفتالي وجاد وآشر ، ثم توفيت ليا فتزوج يعقوب أختها راحيل ، فولدت له يوسف وبنيامين ، فكان بنو يعقوب اثني عشر رجلا .

قال السهيلي : وأم يعقوب اسمها رفقا ، وراحيل ماتت في نفاس بنيامين ، وليان بن ناهر بن آزر هو خال يعقوب .

وقيل : في اسم الأمتين ليا وتلتا ، كانت إحداهما لراحيل ، والأخرى لأختها ليا ، وكانتا قد وهبتاهما ليعقوب ، وكان يعقوب قد جمع بينهما ، ولم يحل لأحد بعده ; لقول الله تعالى : وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف .

وقد تقدم الرد على ما قاله ابن زيد ، والحمد لله .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى: { لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ ْ} أي: عبر وأدلة على كثير من المطالب الحسنة، { لِلسَّائِلِينَ ْ} أي: لكل من سأل عنها بلسان الحال أو بلسان المقال، فإن السائلين هم الذين ينتفعون بالآيات والعبر، وأما المعرضون فلا ينتفعون بالآيات، ولا في القصص والبينات.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

يقول الله تعالى : ( لقد كان في يوسف وإخوته ) أي : في خبره وخبر إخوته .

وأسماؤهم : روبيل وهو أكبرهم وشمعون ولاوي ويهوذا وزبالون وقيل : زبلون وآشر وأمهم ليا بنت ليان وهي ابنة خال يعقوب عليه السلام ، وولد له من سريتين له ، اسم إحداهما زلفة والأخرى يلهمة أربعة أولاد : دان ونفتالي وقيل : نفتولي وجاد وأشير .

ثم توفيت ليا فتزوج يعقوب عليه السلام أختها راحيل فولدت له يوسف وبنيامين .

[ وقيل : وابن يامين ] ، فكان بنو يعقوب عليه السلام اثني عشر رجلا .

( آيات ) قرأ ابن كثير " آية " على التوحيد ، أي : عظة وعبرة ، وقيل : عجب .

وقرأ الآخرون : ( آيات ) على الجمع .

( للسائلين ) وذلك أن اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قصة يوسف عليه السلام .

وقيل : سألوه عن سبب انتقال ولد يعقوب من كنعان إلى مصر .

فذكر لهم قصة يوسف فوجدوها موافقة لما في التوراة [ فتعجبوا منها ] .

فهذا معنى قوله : ( آيات للسائلين ) [ أي : دلالة على نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقيل : آيات للسائلين ولمن لم يسأل ، كقوله : ( سواء للسائلين ) ( فصلت - 10 ) ] .

وقيل : معناه عبرة للمعتبرين ، فإنها تشتمل على حسد إخوة يوسف وما آل إليه أمرهم في الحسد ، وتشتمل على رؤياه ، وما حقق الله منها ، وتشتمل على صبر يوسف عليه السلام عن قضاء الشهوة ، وعلى الرق ، وفي السجن ، وما آل إليه أمره من الملك ، وتشتمل على حزن يعقوب وصبره وما آل إليه أمره من الوصول إلى المراد وغير ذلك من الآيات .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«لقد كان في» خبر «يوسف وإخوته» وهم أحد عشر «آيات» عبر «للسائلين» عن خبرهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

لقد كان في قصة يوسف وإخوته عبر وأدلة تدل على قدرة الله وحكمته لمن يسأل عن أخبارهم، ويرغب في معرفتها.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك حالة إخوة يوسف وهم يتآمرون عليه ، وحالتهم وهم يجادلون أباهم فى شأنه .

وحالتهم وهم ينفذون مؤامراتهم المنكرة وحالتهم بعد أن نفذوهاوعادوا إلى أبيهم ليلا يتباكون فقال - تعالى - :( لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ .

.

.

) .قوله - سبحانه - ( لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ ) شروع فى حكاية قصة يوسف مع إخوته ، بعد أن بين - سبحانه - صفة القرآن الكريم ، وبعد أن أخبر عما رآه يوسف فى منامه ، وما قاله أبوه له .وإخوة يوسف هم : رأو بين ، وشمعون ، ولاوى ، ويهوذا ، ويساكر ، وزبولون ، ودان ، ونفتالى ، وجاد ، وأشير ، وبينامين .والآيات : جمع آية والمراد بها هنا العبر والعظات والدلائل الدالة على قدرة الله - تعالى - ووجوب إخلاص العبادة له .والمعنى : لقد كان فى قصة يوسف مع إخوته عبر وعظات وعظيمة ، ودلائل تدل على قدرة الله القاهرة ، وحكمته الباهرة ، وعلى ما للصبر وحسن الطوية من عواقب الخير والنصر ، وعلى ما للحسد والبغى من شرور وخذلان .وقوله : " للسائلين " أى : لمن يتوقع منهم السؤال ، بقصد الانتفاع بما ساقه القرآن الكريم من مواعظ وأحكام .أى : لقد كان فيما حدث بين يوسف وإخوته ، آيات عظيمة ، لكل من سأل عن قصتهم ، وفتح قلبه للانتفاع بما فيها من حكم وأحكام ، تشهد بصدق النبى - صلى الله عليه وسلم - فيما يبلغه عن ربه .وهذا الافتتاح لتلك القصة ، كفيل بتحريك الانتباه لما سيلقى بعد ذلك منها ، ومن تفصيل لأحداثها ، وبيان لما جرى فيها .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في هذه الآية مسائل: المسألة الأولى: ذكر صاحب الكشاف أسماء إخوة يوسف: يهودا، روبيل، شمعون لاوي، ربالون، يشجر، دينة، دان، نفتالي، جاد، آشر.

ثم قال: السبعة الأولون من ليا بنت خالة يعقوب والأربعة الآخرون من سريتين زلفة وبلهة، فلما توفيت ليا تزوج يعقوب أختها راحيل فولدت له بنيامين ويوسف.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ لّلسَّائِلِينَ إِذْ ﴾ قرأ ابن كثير آية بغير ألف حمله على شأن يوسف والباقون ﴿ ءايات ﴾ على الجمع لأن أمور يوسف كانت كثيرة وكل واحد منها آية بنفسه.

المسألة الثالثة: ذكروا في تفسير قوله تعالى: ﴿ لّلسَّائِلِينَ إِذْ ﴾ وجوهاً: الأول: قال ابن عباس دخل حبر من اليهود على النبي صلى الله عليه وسلم فسمع منه قراءة يوسف فعاد إلى اليهود فأعلمهم أنه سمعها منه كما هي في التوراة، فانطلق نفر منهم فسمعوا كما سمع، فقالوا له من علمك هذه القصة؟

فقال: الله علمني، فنزل: ﴿ لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ ءايات لّلسَّائِلِينَ ﴾ وهذا الوجه عندي بعيد، لأن المفهوم من الآية أن في واقعة يوسف آيات للسائلين وعلى هذا الوجه الذي نقلناه ما كانت الآيات في قصة يوسف، بل كانت الآيات في أخبار محمد صلى الله عليه وسلم عنها من غير سبق تعلم ولا مطالعة وبين الكلامين فرق ظاهر.

والثاني: أن أهل مكة أكثرهم كانوا أقارب الرسول عليه الصلاة والسلام وكانوا ينكرون نبوته ويظهرون العداوة الشديدة معه بسبب الحسد فذكر الله تعالى هذه القصة وبين أن إخوة يوسف بالغوا في إيذائه لأجل الحسد وبالآخرة فإن الله تعالى نصره وقواه وجعلهم تحت يده ورايته، ومثل هذه الواقعة إذا سمعها العاقل كانت زجراً له عن الإقدام على الحسد والثالث: أن يعقوب لما عبر رؤيا يوسف وقع ذلك التعبير ودخل في الوجود بعد ثمانين سنة فكذلك أن الله تعالى لما وعد محمداً عليه الصلاة والسلام بالنصر والظفر على الأعداء، فإذا تأخر ذلك الموعود مدة من الزمان لم يدل ذلك على كون محمد عليه الصلاة والسلام كاذباً فيه فذكر هذه القصة نافع من هذا الوجه.

الرابع: أن إخوة يوسف بالغوا في إبطال أمره، ولكن الله تعالى لما وعده بالنصر والظفر كان الأمر كما قدره الله تعالى لا كما سعى فيه الأعداء، فكذلك واقعة محمد صلى الله عليه وسلم فإن الله لما ضمن له إعلاء الدرجة لم يضره سعي الكفار في إبطال أمره.

وأما قوله: ﴿ لّلسَّائِلِينَ ﴾ فاعلم أن هذه القصة فيها آيات كثيرة لمن سأل عنها، وهو كقوله تعالى: ﴿ فِى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لّلسَّائِلِينَ  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قوله: ﴿ لِيُوسُفَ ﴾ اللام لام الابتداء، وفيها تأكيد وتحقيق لمضمون الجملة.

أرادوا أن زيادة محبته لهما أمر لا شبهة فيه وأخوه هو بنيامين، وإنما قالوا أخوه، وهم جميعاً إخوة لأن أمهما كانت واحدة والعصبة والعصابة العشرة فصاعداً، وقيل إلى الأربعين سموا بذلك لأنهم جماعة تعصب بهم الأمور، ونقل عن علي عليه السلام أنه قرأ ﴿ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ ﴾ بالنصب قيل: معناه ونحن نجتمع عصبة.

المسألة الثانية: المراد منه بيان السبب الذي لأجله قصدوا إيذاء يوسف، وذلك أن يعقوب كان يفضل يوسف وأخاه على سائر الأولاد في الحب وأنهم تأذوا منه لوجوه: الأول: أنهم كانوا أكبر سناً منهما.

وثانيها: أنهم كانوا أكثر قوة وأكثر قياماً بمصالح الأب منهما.

وثالثها: أنهم قالوا إنا نحن القائمون بدفع المفاسد والآفات، والمشتغلون بتحصيل المنافع والخيرات.

إذا ثبت ما ذكرناه من كونهم متقدمين على يوسف وأخيه في هذه الفضائل، ثم إنه عليه السلام كان يفضل يوسف وأخاه عليهم لا جرم قالوا: ﴿ إِنَّ أَبَانَا لَفِى ضلال مُّبِينٍ ﴾ يعني هذا حيف ظاهر وضلال بين.

وهاهنا سؤالات: السؤال الأول: إن من الأمور المعلومة أن تفضيل بعض الأولاد على بعض يورث الحقد والحسد، ويورث الآفات، فلما كان يعقوب عليه السلام عالماً بذلك فلم أقدم على هذا التفضيل وأيضاً الأسن والأعلم والأنفع أفضل، فلم قلب هذه القضية؟

والجواب: أنه عليه السلام ما فضلهما على سائر الأولاد إلا في المحبة، والمحبة ليست في وسع البشر فكان معذوراً فيه ولا يلحقه بسبب ذلك لوم.

السؤال الثاني: أن أولاد يعقوب عليه السلام إن كانوا قد آمنوا بكونه رسولاً حقاً من عند الله تعالى فكيف اعترضوا عليه، وكيف زيفوا طريقته وطعنوا في فعله، وإن كانوا مكذبين لنبوته فهذا يوجب كفرهم.

والجواب: أنهم كانوا مؤمنين بنبوة أبيهم مقرين بكونه رسولاً حقاً من عند الله تعالى، إلا أنهم لعلهم جوزوا من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أن يفعلوا أفعالاً مخصوصة بمجرد الاجتهاد، ثم إن اجتهادهم أدى إلى تخطئة أبيهم في ذلك الاجتهاد، وذلك لأنهم كانوا يقولون هما صبيان ما بلغا العقل الكامل ونحن متقدمون عليهما في السن والعقل والكفاية والمنفعة وكثرة الخدمة والقيام بالمهمات وإصراره على تقديم يوسف علينا يخالف هذا الدليل.

وأما يعقوب عليه السلام فلعله كان يقول: زيادة المحبة ليست في الوسع والطاقة، فليس لله علي فيه تكليف.

وأما تخصيصهما بمزيد البر فيحتمل أنه كان لوجوه: أحدها: أن أمهما ماتت وهما صغار.

وثانيها: لأنه كان يرى فيه من آثار الرشد والنجابة ما لم يجد في سائر الأولاد.

وثالثها: لعله عليه السلام وإن كان صغيراً إلا أنه كان يخدم أباه بأنواع من الخدم أشرف وأعلى بما كان يصدر عن سائر الأولاد، والحاصل أن هذه المسألة كانت اجتهادية، وكانت مخلوطة بميل النفس وموجبات الفطرة، فلا يلزم من وقوع الاختلاف فيها طعن أحد الخصمين في دين الآخر أو في عرضه.

السؤال الثالث: أنهم نسبوا أباهم إلى الضلال المبين، وذلك مبالغة في الذم والطعن، ومن بالغ في الطعن في الرسول كفر، لا سيما إذا كان الطاعن ولداً فإن حق الأبوة يوجب مزيد التعظيم.

والجواب: المراد منه الضلال عن رعاية المصالح في الدنيا لا البعد عن طريق الرشد والصواب.

السؤال الرابع: أن قولهم: ﴿ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا ﴾ محض الحسد، والحسد من أمهات الكبائر، لا سيما وقد أقدموا على الكذب بسبب ذلك الحسد، وعلى تضييع ذلك الأخ الصالح وإلقائه في ذل العبودية وتبعيده عن الأب المشفق، وألقوا أباهم في الحزن الدائم والأسف العظيم، وأقدموا على الكذب فما بقيت خصلة مذمومة ولا طريقة في الشر والفساد إلا وقد أتوا بها، وكل ذلك يقدح في العصمة والنبوة.

والجواب: الأمر كما ذكرتم، إلا أن المعتبر عندنا عصمة الأنبياء عليهم السلام في وقت حصول النبوة.

وأما قبلها فذلك غير واجب والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فِى يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ ﴾ أي في قصتهم وحديثهم ﴿ ءايات ﴾ علامات ودلائل على قدرة الله وحكمته في كل شيء ﴿ لّلسَّائِلِينَ ﴾ لمن سأل عن قصتهم وعرفها.

وقيل آيات على نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم للذين سألوه من اليهود عنها، فأخبرهم بالصحة من غير سماع من أحد ولا قراءة كتاب.

وقرئ: ﴿ آية ﴾ ، وفي بعض المصاحف: عبرة، وقيل: إنما قص الله تعالى على النبي عليه الصلاة والسلام خبر يوسف وبغي إخوته عليه، لما رأى من بغي قومه عليه ليتأسى به.

وقيل أساميهم: يهوذا: وروبيل، وشمعون، ولاوي، وربالون، ويشجر، ودينة، ودان، ونفتالي، وجاد، وآشر: السبعة الأولون كانوا من ليا بنت خالة يعقوب، والأربعة الآخرون من سريتين: زلفة، وبلهة.

فلما توفيت ليا تزوج أختها راحيل، فولدت له بنيامين ويوسف.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ لَقَدْ كانَ في يُوسُفَ وإخْوَتِهِ ﴾ أيْ في قِصَّتِهِمْ.

﴿ آياتٌ ﴾ دَلائِلُ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ، أوْ عَلاماتُ نُبُوَّتِكَ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ « آيَةٌ» .

﴿ لِلسّائِلِينَ ﴾ لِمَن سَألَ عَنْ قِصَّتِهِمْ، والمُرادُ بِإخْوَتِهِ بَنُو عِلّاتِهِ العَشَرَةُ وهم: يَهُوذا ورُوبِيلُ وشَمْعُونُ ولاوى وزَبالُونُ ويَشْخَرُ ودِينَةُ مِن بِنْتِ خالَتِهِ لَيا تَزَوَّجَها يَعْقُوبُ أوَّلًا فَلَمّا تُوُفِّيَتْ تَزَوَّجَ أُخْتَها راحِيلَ فَوَلَدَتْ لَهُ بِنْيامِينَ ويُوسُفَ.

وقِيلَ جَمَعَ بَيْنَهُما ولَمْ يَكُنِ الجَمْعُ مُحَرَّمًا حِينَئِذٍ وأرْبَعَةٌ آخَرُونَ: دانُ ونَفْتالِي وجادُ وأشَرُ مِن سَرِيَّتَيْنِ زُلْفَةَ وبَلْهَةَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{لَّقَدْ كَانَ فِى يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ} أي في قصتهم وحديثهم {آيات} علامات ودلالات على قدرة الله وحكمته في كل شيء آية مكي {لّلسَّائِلِينَ} لمن سأل عن قصتهم وعرفها وآيات على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم للذين سألوه من اليهود عنها فأخبرهم من غير سماع من أحد ولا قراءة كتاب وأسماهم يهوذا وروبين وشمعون ولاوي وزبولون ويشجر وأمهم ليا بنت ليان ودان ونفتالى وجادو آشر من سريتين زلفة وبلهة فلما توفيت ليا تزوج أختها راحيل فولدت له بنيامين ويوسف

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ لَقَدْ كانَ في يُوسُفَ وإخْوَتِهِ ﴾ أيْ في قِصَصِهِمْ، والظّاهِرْ أنَّ المُرادَ بِالإخْوَةِ هُنا ما أُرِيدَ بِالإخْوَةِ فِيما مَرَّ، وذَهَبَ جَمْعٌ إلى أنَّهم هُناكَ بَنُو عِلّاتِهِ، وجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِهِمْ هَهُنا ما يَشْمَلُ مَن كانَ مِنَ الأعْيانِ لِأنَّ لِبِنْيامِينَ أيْضًا حِصَّةٌ مِنَ القِصَّةِ، ويُبْعِدُهُ عَلى ما قِيلَ: (قالُوا) الآتِي (آياتٌ) عَلاماتٌ عَظِيمَةُ الشَّأْنِ دالَّةٌ عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى القاهِرَةِ وحِكْمَتِهِ الباهِرَةِ ﴿ لِلسّائِلِينَ ﴾ لِكُلِّ مَن سَألَ عَنْ قِصَّتِهِمْ وعَرَفَها، أوْ لِلطّالِبِينَ لِلْآياتِ المُعْتَبِرِينَ بِها فَإنَّهُمُ الواقِفُونَ عَلَيْها المُنْتَفِعُونَ بِها دُونَ مَن عَداهم مِمَّنِ انْدَرَجَ تَحْتَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَّماواتِ والأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عَنْها مُعْرِضُونَ ﴾ ، فالمُرادُ بِالقِصَّةِ نَفْسُ المَقْصُوصِ، أوْ عَلى نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الَّذِينَ سَألُوهُ عَنْ قِصَّتِهِمْ حَسْبَما عَلِمْتَ في بَيانِ سَبَبِ النُّزُولِ فَأخْبَرَهم صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِذَلِكَ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِن غَيْرِ سَماعٍ مِن أحَدٍ ولا قِراءَةِ كِتابٍ، فالمُرادُ بِالقِصَّةِ اقْتِصاصُها، وجَمْعُ -الآياتِ- حِينَئِذٍ قِيلَ: لِلْإشْعارِ بِأنَّ اقْتِصاصَ كُلِّ طائِفَةٍ مِنَ القِصَّةِ آيَةٌ بَيِّنَةٌ كافِيَةٌ في الدَّلالَةِ عَلى نُبُوَّتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: لِتَعَدُّدِ جِهَةِ الإعْجازِ لَفْظًا ومَعْنًى، وزَعَمَ بَعْضُ الجُلَّةِ أنَّ الآيَةَ مِن بابِ الِاكْتِفاءِ، والمُرادُ (آياتٌ) لِلَّذِينِ يَسْألُونَ والَّذِينَ لا يَسْألُونَ، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ سَواءً لِلسّائِلِينَ ﴾ وحُسْنُ ذَلِكَ لِقُوَّةِ دَلالَةِ الكَلامِ عَلى المَحْذُوفِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ المُرادَ مِنَ السّائِلِينَ النّاسُ إلّا أنَّهُ عَدَلَ عَنْهُ تَحْضِيضًا عَلى تَعَلُّمِ مِثْلِ هَذِهِ القِصَّةِ لِما فِيها مِن مَزِيدِ العِبَرِ، وكِلا القَوْلَيْنِ لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ.

وقَرَأ أهْلُ مَكَّةَ وابْنُ كَثِيرٍ ومُجاهِدٍ -آيَةً- عَلى الإفْرادِ وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ -عِبْرَةً لِلسّائِلِينَ- <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ قرأ ابن كثير: «آية» بلفظ الوحدان، وهكذا قرأ مجاهد.

يعني: فيه علامة لنبوة محمد  وقرأ الباقون: بلفظ الجماعة آياتٌ وهذا موافق لمصحف الإمام عثمان.

حكى أبو عبيدة: أنه رأى في مصحف الإمام هكذا، ومعنى الآية: أن في خبر يوسف وإخوته عبرة وموعظة لمن سأل عن أمرهم.

قال ابن عباس: «وذلك أن حبراً من أحبار اليهود، دخل على النبيّ  ذات يوم، وكان قارئاً للتوراة، فوافق رسول الله  يقرأ سورة يوسف كما أنزلت في التوراة، فقال له الحبر: يا محمد، من علمكها؟

فقال رسول الله  : «الله علمنيها» .

فرجع الحبر إلى اليهود، فقال لهم: أتعلمون، والله إن محمداً يقرأ في القرآن سورة يوسف كما أنزلت في التوراة؟

فانطلق بنفرٍ منهم حتى جاءوا ودخلوا عليه، فجعلوا يستمعون إلى قراءته ويتعجبون، فقالوا: يا محمد، من علمكها؟

قال: «الله علمنيها» ، فنزلت: لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ.

قال الشيخ: وكان بدء أمرهم أن يعقوب  كان مع خاله، وكان لخاله ابنتان إحداهما يقال لها: «لايا» ، ويقال: «لاوى» ، وهي أكبرهما، والأخرى «راحيل» وهي أصغرهما، فخطب يعقوب إلى خاله بأن يزوجه إحداهما، فقال له: هل لك مال؟

قال: لا ولكن أعمل لك.

قال: صداقها أن ترعى لي سبع سنين.

وفي بعض الروايات قال: أن تخدمني سبع سنين.

وقال يعقوب: أخدمك سبع سنين على أن تزوجني راحيل، وهي شرطي، قال: ذلك بيني وبينك.

فرعى له يعقوب سبع سنين، فلما قضى الأجل زفت إليه الكبرى، وهي لايا.

فقال له يعقوب: إنك خدعتني، وإنما أردت راحيل، فقال له خاله: إنا لا ننكح الصغيرة قبل الكبيرة، ولكن هلمّ فاعمل سبع سنين أخرى، فأزوّجك أختها، وكان الناس في ذلك الزمان يجمعون بين الأختين، إلى أن بعث الله موسى  .

فرعى له سبع سنين أخرى، فزوجه راحيل.

وكان خاله حين جهزها دفع إلى كل واحدة منهما أمة تخدمها، فوهبتا الأمتين ليعقوب.

فولدت لايا أربعة بنين، وولدت له راحيل ابنين، وولدت كل واحدة من الأمتين ثلاثة بنين، فجملة بنيه: اثنا عشر سوى البنات.

قال الفقيه أبو الليث: سمعت أهل التوراة يقولون: إن أسماء أولاد يعقوب مثبتة في التوراة: روبيل، وشمعون، ويهوذا، ولاوي، فهؤلاء من امرأته لايا.

ويوسف، وبنيامين، من امرأته الأخرى راحيل.

والستة الباقون من الأمتين: يستر، وبالعربية يساخر، وزوبولون وبالعربيّة زبالون، ودون وبالعربية دان، ونفتال وبالعربية: يفتاييل، وحوذ وبالعربية حاذ، وروى بعضهم: هاذ بالهاء، وأشير، وبالعربية: أشر.

فأراد يعقوب أن يخرج إلى بيت المقدس ولم يكن له نفقة، وكان ليوسف خال له أصنام من ذهب، فقالت لايا ليوسف: اذهب واسرق من أصنامه، فلعلنا نستنفق به.

فذهب يوسف وأخذ واحدا، وكان يوسف أعطف على أبيه، وكان أحب أولاده إليه.

فحسده إخوته مما رأوا من حب أبيه له.

ورأى يوسف في المنام، أن أحد عشر كوكباً والشمس والقمر ساجدين له فقالوا عند ذلك لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ بنيامين، أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ يعني: جماعة عشرة، فهو يؤثرهما علينا في المنزلة والحب، إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ يقول: في خطأ بَيِّنٍ في حب يوسف وأخيه، حيث قدم الصغيرين في المحبة علينا، ونحن جماعة ونفعنا أكثر من نفعهما.

وقال مقاتل: كان فضل حُسْنِ يوسف على الناس في زمانه، كفضل القَمَرِ ليلة البدر على سائر الكواكب.

وقال القتبي: العصبة: ما بين العشرة إلى الأربعين.

ثم قال بعضهم لبعض: اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً بعيداً من أبيكم يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ يقول: يقبل إليكم أبوكم بوجهه، ويصف لكم وجهه.

ويقال: يصلح حالكم عند أبيكم وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ يعني: إذا غاب عنكم صلحت أحوالكم عند أبيكم، بعد ذهاب يوسف.

ويقال: وتكونوا من بعد هلاكه قوماً تائبين إلى الله تعالى.

وقال بعض الحكماء: هكذا يكون المؤمن، يهيئ أمر التوبة قبل المعصية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله: بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ: أي: بوحينا إِليك هذا، والْقُرْآنَ: نعت ل «هذا» ويجوز فيه البَدَلُ، والضمير في «قبله» : للقصص العامِّ لما في جميع القرآن منه، ولَمِنَ الْغافِلِينَ، أي: عن معرفة هذا القصص، وعبارةُ المَهْدَوِيِّ: قال قتادة: أي: نقصُّ عليك من الكُتُب الماضيةِ، وأخبارِ الأممِ السالفةِ أحْسَنَ القصص بوحينا إِليك هذا القرآن، وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ عنْ أخبار الأمم، انتهى.

وقوله سبحانه: إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ: قيل: إِنه رأَى كواكِبَ حقيقةً، والشمْسَ والقَمَرَ، فتأوَّلها يعقوبُ إِخْوَتَهُ وأَبَوَيْهِ، وهذا هو قولُ الجمهور، وقيل: الإِخوةُ والأَبُ والخالةُ لأَنَّ أُمَّه كانتْ ميِّتة، وروي أن رُؤْيَا يوسُفَ خَرَجَتْ بَعْدَ أربعينَ سَنَةً، وقيل: بعد ثمانين سنة.

وقوله: يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً مِنْ هنا ومِنْ فعْل إِخوة يوسُفَ بيوسُفَ: يظهر أنَّهم لم يكُونوا أَنبياءَ في ذلك الوقْتِ، وما وَقَعَ في «كتاب الطَّبريِّ» لابْنِ زَيْد أنهم كانُوا أنبياءَ يردُّه القطْعُ بعصمة الأنبياءِ عن الحَسَدِ الدنيوي، وعن عقوقِ الآباءِ، وتعريض مؤمنٍ للهلاكِ، والتآمرِ في قتله.

وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ: أي: يختارُكَ ويصطفيك.

وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ قال مجاهد وغيره: هي عبارةُ الرؤيا «١» وقال الحسن: هي عواقِبُ الأمور «٢» وقيل: هي عامَّة لذلك وغيره من المغيَّبات.

وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ...

الآية: يريد بالنبوَّة وما انضاف إِلَيْها من سائر النِّعَم، ويروَى: أَنَّ يعقُوبَ عَلِمَ هَذا مِنْ دَعْوَة إِسْحَاقَ لَهُ حِينَ تشبَّه ب «عيصو» ، وباقي الآية بيّن.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ كانَ في يُوسُفَ وإخْوَتِهِ ﴾ أيْ: في خَبَرِ يُوسُفَ وقِصَّةِ إخْوَتِهِ " آياتٌ " أيْ: عِبَرٌ لِمَن سَألَ عَنْهم، فَكُلُّ حالٍ مِن أحْوالِهِ آيَةٌ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ " آيَةٌ " قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ اليَهُودُ قَدْ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ  عَنْ قِصَّةِ يُوسُفَ، فَأخْبَرَهم بِها كَما في التَّوْراةِ، فَعَجِبُوا مِن ذَلِكَ.

وَفِي وجْهِ هَذِهِ الآياتِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: الدَّلالَةُ عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ  حِينَ أخْبَرَ أخْبارَ قَوْمٍ لَمْ يُشاهِدْهم، ولا نَظَرَ في الكُتُبِ.

والثّانِي ما أظْهَرَ اللَّهُ في قِصَّةِ يُوسُفَ مِن عَواقِبِ البَغْيِ عَلَيْهِ.

والثّالِثُ: صِدْقُ رُؤْياهُ وصِحَّةُ تَأْوِيلِهِ.

والرّابِعُ: ضَبْطُ نَفْسِهِ وقَهْرُ شَهْوَتِهِ حَتّى قامَ بِحَقِّ الأمانَةِ.

والخامِسُ: حُدُوثُ السُّرُورِ بَعْدَ اليَأْسِ.

فَإنْ قِيلَ: لِمَ خَصَّ السّائِلِينَ، ولِغَيْرِهِمْ فِيها آياتٌ أيْضًا ؟

فَعَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: لِلسّائِلِينَ وغَيْرِهِمْ، فاكْتَفى بِذِكْرِ السّائِلِينَ مِن غَيْرِهِمْ، كَما اكْتَفى بِذِكْرِ الحَرِّ مِنَ البَرْدِ في قَوْلِهِ: ﴿ تَقِيكُمُ الحَرَّ  ﴾ .

والثّانِي: أنَّهُ إذا كانَ لِلسّائِلِينَ عَنْ خَبَرِ يُوسُفَ آيَةٌ، كانَ لِغَيْرِهِمْ آيَةٌ أيْضًا؛ وإنَّما خَصَّ السّائِلِينَ، لِأنَّ سُؤالَهم نَتَجَ الأُعْجُوبَةَ وكَشَفَ الخَبَرَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَقَدْ كانَ في يُوسُفَ وإخْوَتِهِ آياتٌ لِلسّائِلِينَ ﴾ ﴿ إذْ قالُوا لَيُوسُفُ وأخُوهُ أحَبُّ إلى أبِينا مِنّا ونَحْنُ عُصْبَةٌ إنَّ أبانا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ اقْتُلُوا يُوسُفَ أوِ اطْرَحُوهُ أرْضًا يَخْلُ لَكم وجْهُ أبِيكم وتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صالِحِينَ ﴾ ﴿ قالَ قائِلٌ مِنهم لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وألْقُوهُ في غَيابَتِ الجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَيّارَةِ إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: "آياتٌ" بِالجَمْعِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ: "آيَةٌ" بِالإفْرادِ، وهي قِراءَةُ مُجاهِدٍ، وشِبْلٍ، وأهْلِ مَكَّةَ.

فالأُولى عَلى مَعْنى أنَّ كُلَّ حالٍ مِن أحْوالِهِ آيَةٌ آيَةٌ فَجَمَعَها، والثانِيَةُ عَلى أنَّهُ بِجُمْلَتِهِ آيَةٌ، وإنْ تَفْصَّلَ بِالمَعْنى.

ووَزْنُ آيَةٍ فَعَلَةٍ أو فَعْلَةٍ أو فاعِلَةٍ عَلى الخِلافِ فِيهِ، وذَكَرَ الزَجّاجُ أنَّ في غَيْرِ مُصْحَفِ عُثْمانَ "عِبْرَةٌ لِلسّائِلِينَ"، قالَ أبُو حاتِمٍ: هو في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.

وقَوْلُهُ: "لِلسّائِلِينَ" يَقْتَضِي حَضًّا ما عَلى تَعَلُّمِ هَذِهِ الأنْباءِ، لِأنَّهُ إنَّما المُرادُ: "آيَةٌ لِلنّاسِ"، فَوَصَفَهم بِالسُؤالِ إذْ كُلُّ واحِدٍ يَنْبَغِي أنْ يَسْألَ عن مَثَلِ هَذِهِ القَصَصِ، إذْ هي مَقَرُّ العِبَرِ والِاتِّعاظِ، ويَصِحُّ أيْضًا أنْ يَصِفَ الناسَ بِالسُؤالِ مِن حَيْثُ كانَ سَبَبُ نُزُولِ السُورَةِ سُؤالَ سائِلٍ كَما رُوِيَ.

وقَوْلُهُمْ: "وَأخُوهُ" يُرِيدُونَ بِهِ "بِنْيامِينَ"، وهو أصْغَرُ مِن يُوسُفَ، ويُقالُ لَهُ: "يامِينَ"، وقِيلَ: كانَ شَقِيقَ يُوسُفَ وكانَتْ أُمُّهُما ماتَتْ، ويَدُلُّ عَلى أنَّهُما شَقِيقانِ تَخْصِيصُ الأُخُوَّةِ لَهُما بِـ "أخُوهُ" وهي دَلالَةٌ غَيْرُ قاطِعَةٍ، وكانَ حُبُّ يَعْقُوبَ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ وبِنْيامِينَ لِصِغَرِهِما ومَوْتِ أُمِّهِما، وهَذا مِن "حُبُّ الصَغِيرِ هي فِطْرَةُ البَشَرِ"، وقَدْ قِيلَ لِابْنَةِ الحَسَنِ: أيُّ بَنِيكِ أحَبُّ إلَيْكِ؟

قالَتِ: الصَغِيرُ حَتّى يَكْبُرَ، والغائِبُ حَتّى يَقْدُمَ، والمَرِيضُ حَتّى يُفِيقَ.

وقَوْلُهُمْ: ﴿ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ ﴾ أيْ: نَحْنُ جَماعَةٌ تَضُرُّ وتَنْفَعُ، وتَحْمِي وتُخَذِّلُ، أيْ: لَنا كانَتْ تَنْبَغِي المَحَبَّةُ والمُراعاةُ.

والعُصْبَةُ في اللُغَةِ: الجَماعَةُ، قِيلَ: مِن عَشَرَةٍ إلى خَمْسَةَ عَشَرَ، وقِيلَ: مِن عَشَرَةٍ إلى أرْبَعِينَ، وقالَ الزَجّاجُ: العَشَرَةُ ونَحْوُهُمْ، وفي الزَهْراوِيِّ: الثَلاثَةُ: نَفَرٌ، فَإذا زادُوا فَهم رَهْطٌ إلى التِسْعَةِ، فَإذا زادُوا فَهم عُصْبَةٌ، ولا يُقالُ لِأقَلِّ مِن عَشَرَةٍ: عُصْبَةٌ.

وقَوْلُهُمْ: ﴿ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ أيْ: لَفي اخْتِلافٍ وخَطَأٍ في مَحَبَّةِ يُوسُفَ وأخِيهِ، وهَذا هو مَعْنى الضَلالِ، وإنَّما يَصْغُرُ قَدْرُهُ أو يَعْظُمُ بِحَسْبِ الشَيْءِ الَّذِي فِيهِ يَقَعُ الِائْتِلافُ.

و"مُبِينٍ" مَعْناهُ: يَظْهَرُ لِلْمُتَأمِّلِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وَحَمْزَةُ " مُبِين اقْتُلُوا " بِكَسْرِ التَنْوِينِ في الوَصْلِ لِالتِقاءِ ساكِنِ التَنْوِينِ والقافِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، والكِسائِيُّ: "مُبِينِنُ اقْتُلُوا" بِكَسْرِ النُونِ وضَمِّ التَنْوِينِ إتْباعًا لِضَمَّةِ التاءِ ومُراعاةً لَها.

وقَوْلُهُ: ﴿ اقْتُلُوا يُوسُفَ ﴾ الآيَةُ.

كانَتْ هَذِهِ مَقالَةُ بَعْضِهِمْ: ﴿ أوِ اطْرَحُوهُ ﴾ مَعْناهُ: أبْعِدُوهُ، ومِنهُ قَوْلُ عُرْوَةَ بْنِ الوَرْدِ: ومَن يَكُ مِثْلِي ذا عِيالٍ ومُقْتِرًا ∗∗∗ يُغَرَّرْ ويَطْرَحْ نَفْسَهُ كُلَّ مَطْرَحِ والنَوى الطَرُوحُ: البَعِيدَةُ، و"أرْضًا" مَفْعُولٌ ثانٍ بِإسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، لِأنَّ "طَرَحَ" لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ إلّا كَذَلِكَ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو نَصْبٌ عَلى الظَرْفِ، وذَلِكَ خَطَأٌ لِأنَّ الظَرْفَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مُبْهَمًا، وهَذِهِ هُنا لَيْسَتْ كَذَلِكَ، بَلْ هي أرْضٌ مُقَيَّدَةٍ بِأنَّها بَعِيدَةٌ أو قاصِيَةٌ ونَحْوُ ذَلِكَ، فَزالَ بِذَلِكَ إبْهامُها، ومَعْلُومٌ أنْ يُوسُفَ لَمْ يَخْلُ مِنَ الكَوْنِ في أرْضٍ فَبَيَّنَ أنَّها أرْضٌ بَعِيدَةٌ غَيْرُ الَّتِي هو فِيها قَرِيبٌ مِن أبِيهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ يَخْلُ لَكم وجْهُ أبِيكُمْ ﴾ اسْتِعارَةٌ، أيْ: إذا فَقَدَ يُوسُفَ رَجَعَتْ مَحَبَّتُهُ إلَيْكُمْ، ونَحْوُ هَذا قَوْلُ العَرَبِيِّ حِينَ أحَبَّتْهُ أُمُّهُ لَمّا قُتِلَ إخْوَتُهُ وكانَتْ قَبْلُ لا تُحِبُّهُ: "الثُكْلُ أرْأمَها"، أيْ عَطْفُها عَلَيْهِ، والضَمِيرُ في "بَعْدِهِ" عائِدٌ عَلى " يُوسُفَ " أو "قَتْلِهِ" أو "طَرْحِهِ"، و"صالِحِينَ"، قالَ السُدِّيُّ، ومُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ: إنَّهم أرادُوا صَلاحَ الحالِ عِنْدَ أبِيهِمْ، وهَذا يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ قَصْدُهم في تِلْكَ الحالِ، ولَمْ يَكُونُوا حِينَئِذٍ أنْبِياءَ، وقالَ الجُمْهُورُ: "صالِحِينَ" مَعْناهُ بِالتَوْبَةِ، وهَذا هو الأظْهَرُ مِنَ اللَفْظِ، وحالُهم أيْضًا تُعْطِيهِ، لِأنَّهم مُؤْمِنُونَ بَثُّوا عَلى عَظِيمَةٍ وعَلَّلُوا أنْفُسَهم بِالتَوْبَةِ، والقائِلُ مِنهُمْ، قِيلَ: هو رُوبِيلُ -أسَنُّهُمْ-، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ إسْحاقَ.

وقِيلَ: يَهُوذا أحْلَمُهُمْ-، وقِيلَ: شَمْعُونُ أُشْجَعُهُمْ- قالَهُ مُجاهِدٌ، وهَذا عَطْفٌ مِنهُ عَلى أخِيهِ لا مَحالَةَ لِما أرادَ اللهُ مِن إنْفاذِ قَضائِهِ، و "الغَيابَةُ": ما غابَ عنكَ مِنَ الأماكِنِ أو غَيَّبَ عنكَ شَيْئًا آخَرَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "غَيابَةِ الجُبِّ"، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: "غَياباتِ الجُبِّ"، وقَرَأ الأعْرَجُ: "غَيّاباتِ الجُبِّ" بِشَدِّ الياءِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: "هُوَ اسْمٌ جاءَ عَلى (فَعّالَةِ)، كانَ أبُو عَلِيٍّ يُلْحِقُهُ بِما ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ مِنَ الفَيّادِ ونَحْوِهُ، ووَجَدْتُ أنا مِن ذَلِكَ: التَيّارُ لِلْمَوْجِ، والفَخّارُ لِلْخَزَفِ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي شَبَهِ "غَيّابَةٍ" بِهَذِهِ الأمْثِلَةِ نَظَرٌ لِأنَّ "غَيّابَةً" جارِيَةٌ عَلى فِعْلٍ.

وقَرَأ الحَسَنُ: "فِي غَيْبَةِ الجُبِّ" عَلى وزْنِ (فَعْلَةِ)، وكَذَلِكَ خُطَّتْ في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الشاعِرِ: وهو المُنَخَّلُ: فَإنْ أنا يَوْمًا غَيَّبَتْنِي غَيابَتِي ∗∗∗ ∗∗∗ فَسِيرُوا بِسَيْرِي في العَشِيرَةِ والأهْلِ و"الجُبُّ": البِئْرُ الَّتِي لَمْ تُطْوَ لِأنَّها جُبَّتْ مِنَ الأرْضِ فَقَطْ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ:"يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ عَلى لَفْظِ "بَعْضُ"، وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءَ: "تَلْتَقِطْهُ" بِالتاءِ، وهَذا مِن حَيْثُ أُضِيفَ "البَعْضُ" إلى "السَيّارَةِ" فاسْتَفادَ مِنها تَأْنِيثَ العَلاقَةِ، ومِن هَذا قَوْلُ الشاعِرِ: أرى مَرَّ السِنِينَ أخَذْنَ مِنِّي ∗∗∗ ∗∗∗ كَما أخَذَ السِرارُ مِنَ الهِلالِ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: إذا ماتَ مِنهم سَيِّدٌ قامَ سَيِّدٌ ∗∗∗ ∗∗∗ فَذَلَّتْ لَهُ أهْلُ القُرى والكَنائِسُ وقَوْلُ كَعْبٍ: ...................................

ذَلَّتْ لِوَقْعَتِها جَمِيعُ نِزارِ حِينَ أرادَ بـِ "نِزارِ" القَبِيلَةَ، وأمْثِلَةُ هَذا كَثِيرٌ.

ورُوِيَ أنَّ جَماعَةً مِنَ الأعْرابِ التَقَطَتْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ.

و"السَيّارَةُ" جَمْعُ سَيّارٍ، وهو بِناءٌ لِلْمُبالَغَةِ.

وقِيلَ في هَذا الجُبِّ: إنَّهُ بِئْرُ بَيْتِ المَقْدِسِ، وقِيلَ: غَيْرُهُ، وقِيلَ: لَمْ يَكُنْ حَيْثُ طَرَحُوهُ ماءٌ، ولَكِنْ أخْرَجَهُ اللهُ فِيهِ حَتّى قَصَدَهُ الناسُ لِلِاسْتِقاءِ، وقِيلَ: بَلْ كانَ فِيهِ ماءٌ كَثِيرٌ يُغْرِقُ يُوسُفَ فَنَشَزَ حَجَرٌ مِن أسْفَلِ الجُبِّ حَتّى ثَبَتَ عَلَيْهِ يُوسُفُ، ورُوِيَ أنَّهم رَمَوْهُ بِحَبْلٍ في الجُبِّ فَتَماسَكَ بِيَدَيْهِ حَتّى رَبَطُوا يَدَيْهِ ونَزَعُوا قَمِيصَهُ ورَمَوْهُ حِينَئِذٍ، وهَمُّوا بِرَضْخِهِ بِالحِجارَةِ فَمَنَعَهم أخُوهُمُ المُشِيرُ بِطَرْحِهِ مِن ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جملة ابتدائية، وهي مبدأ القصص المقصود، إذ كان ما قبله كالمقدمة له المنبئة بنباهة شأن صاحب القصة، فليس هو من الحوادث التي لحقت يوسف عليه السّلام ولهذا كان أسلوب هذه الجملة كأسلوب القصص، وهو قوله: ﴿ إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منّا ﴾ [سورة يوسف: 8] نظير قوله تعالى: ﴿ إنْ يوحَى إليّ إلاّ أنّما أنا نذيرٌ مبينٌ إذ قال ربك للملائكة إنّي خالقٌ بشراً من طينٍ ﴾ [سورة ص: 70، 71] إلى آخر القصة.

والظرفية المستفاد من في} ظرفية مجازية بتشبيه مقارنة الدليل للمدلول بمقارنة المظروف للظرف، أي لقد كان شأن يوسف عليه السّلام وإخوته مقارناً لدلائل عظيمة من العبر والمواعظ، والتعريف بعظيم صنع الله تعالى وتقديره.

والآيات: الدلائل على ما تتطلب معرفته من الأمور الخفية.

والآيات حقيقة في آيات الطريق، وهي علامات يجعلونها في المفاوز تكون بادية لا تغمرها الرمال لتكون مرشدة للسائرين، ثم أطلقت على حجج الصدق، وأدلة المعلومات الدقيقة.

وجمع الآيات هنا مراعى فيه تعدّدها وتعدّد أنواعها، ففي قصة يوسف عليه السّلام دلائل على ما للصّبر وحسن الطويّة من عواقب الخير والنصر، أو على ما للحسد والإضرار بالنّاس من الخيبة والاندحار والهبوط.

وفيها من الدلائل على صدق النبي صلى الله عليه وسلم، وأنّ القرآن وحي من الله، إذ جاء في هذه السورة ما لا يعلمه إلاّ أحْبار أهل الكتاب دون قراءة ولا كتاب وذلك من المعجزات.

وفي بلاغة نظمها وفصاحتها من الإعجاز ما هو دليل على أنّ هذا الكلام من صنع الله ألقاه إلى رسوله صلى الله عليه وسلم معجزة له على قومه أهل الفصاحة والبلاغة.

والسائلون: مراد منهم مَن يُتوقع منه السؤال عن المواعظ والحكم كقوله تعالى: ﴿ في أربعة أياممٍ سواءً للسائلين ﴾ [سورة فصلت: 10].

ومثل هذا يستعمل في كلام العرب للتشويق، والحثّ على تطلب الخبر والقصة.

قال طرفة: سائلوا عنّا الذي يعرفنا *** بقوانا يوم تحلاق اللمم وقال السموءل أو عبد الملك الحارثي: سَلي إن جهلت الناسَ عنّا وعنهم *** فليس سواءً عالمٌ وجهول وقال عامر بن الطفيل: طُلّقتتِ إن لم تَسْألي أيُّ فارس *** حَليلك إذ لاَقَى صُداءً وخَثعما وقال أنيف بن زبان النبهاني: فلمّا التقينا بين السّيف بيننا *** لسائلة عنا حَفي سؤالها وأكثر استعمال ذلك في كلامهم يكون توجيهه إلى ضمير الأنثى، لأنّ النساء يُعنين بالسؤال عن الأخبار التي يتحدث الناس بها، ولمّا جاء القرآن وكانت أخباره التي يشوق إلى معرفتها أخبارَ علم وحكمة صُرف ذلك الاستعمال عن التوجيه إلى ضمير النسوة، ووجّه إلى ضمير المذكّر كما في قوله: ﴿ سَأل سائلٌ بعذاببٍ واقعٍ ﴾ [سورة المعارج: 1] وقوله: ﴿ عَمّ يتساءلون ﴾ [سورة النبأ: 1].

وقيل المراد ب (السائلين) اليهود إذ سأل فريق منهم النبي عن ذلك.

وهذا لا يستقيم لأنّ السورة مكيّة ولم يكن لليهود مخالطة للمسلمين بمكة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لَقَدْ كانَ في يُوسُفَ وإخْوَتِهِ آياتٌ لِلسّائِلِينَ ﴾ في هَذِهِ الآياتِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها عِبَرٌ لِلْمُعْتَبِرِينَ.

الثّانِي: زَواجِرُ لِلْمُتَّقِينَ.

وَفِيها مِن يُوسُفَ وإخْوَتِهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ما أظْهَرَهُ اللَّهُ تَعالى فِيهِ مِن عَواقِبِ البَغْيِ عَلَيْهِ.

الثّانِي: صِدْقُ رُؤْياهُ وصِحَّةُ تَأْوِيلِهِ.

الثّالِثُ: ضَبْطُ نَفْسِهِ وقَهْرُ شَهْوَتِهِ حَتّى سَلِمَ مِنَ المَعْصِيَةِ وقامَ بِحَقِّ الأمانَةِ.

الرّابِعُ: الفَرَجُ بَعْدَ شِدَّةِ الإياسِ.

قالَ ابْنُ عَطاءٍ: ما سَمِعَ سُورَةَ يُوسُفَ مَحْزُونٌ إلّا اسْتَرْوَحَ إلَيْها.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إذْ قالُوا لَيُوسُفُ وأخُوهُ أحَبُّ إلى أبِينا مِنّا ﴾ وأخُوهُ بِنْيامِينَ وهُما أخَوانِ لِأبٍ وأُمٍّ، وكانَ يَعْقُوبُ قَدْ كَلِفَ بِهِما لِمَوْتِ أُمِّهِما وزادَ في المُراعاةِ لَهُما، فَذَلِكَ سَبَبُ حَسَدِهِمْ لَهُما، وكانَ شَدِيدَ الحُبِّ لِيُوسُفَ، فَكانَ الحَسَدُ لَهُ أكْثَرَ، ثُمَّ رَأى الرُّؤْيا فَصارَ الحَسَدُ لَهُ أشَدَّ.

﴿ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ ﴾ وفي العُصْبَةِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها سِتَّةٌ أوْ سَبْعَةٌ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: أنَّها مِن عَشَرَةٍ إلى خَمْسَةَ عَشَرَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: مِن عَشَرَةٍ إلى أرْبَعِينَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الرّابِعُ: الجَماعَةُ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ.

﴿ إنَّ أبانا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لَفي خَطَأٍ مِن رَأْيِهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: لَفي جَوْرٍ مِن فِعْلِهِ، قالَهُ ابْنُ كامِلٍ.

الثّالِثُ: لَفي مَحَبَّةٍ ظاهِرَةٍ، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

وَإنَّما جَعَلُوهُ في ضَلالٍ مُبِينٍ لِثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: لِأنَّهُ فَضَّلَ الصَّغِيرَ عَلى الكَبِيرِ.

الثّانِي: القَلِيلَ عَلى الكَثِيرِ.

الثّالِثُ: مَن لا يُراعِي ما لَهُ عَلى مَن يُراعِيهِ.

واخْتُلِفَ فِيهِمْ: هَلْ كانُوا حِينَئِذٍ بالِغِينَ؟

فَذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهم كانُوا بالِغِينَ مُؤْمِنِينَ ولَمْ يَكُونُوا أنْبِياءَ بَعْدُ لِأنَّهم قالُوا ﴿ يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ ﴾ وهَذِهِ حالَةٌ لا تَكُونُ إلّا مِن بالِغٍ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ كانُوا غَيْرَ بالِغِينَ لِأنَّهم قالُوا ﴿ أرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا يَرْتَعْ ويَلْعَبْ ﴾ وإنَّما اسْتَغْفَرُوهُ بَعْدَ البُلُوغِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ اقْتُلُوا يُوسُفَ أوِ اطْرَحُوهُ أرْضًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: اطْرَحُوهُ أرْضًا لِتَأْكُلَهُ السِّباعُ.

الثّانِي: لِيَبْعُدَ عَنْ أبِيهِ.

﴿ يَخْلُ لَكم وجْهُ أبِيكم وتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صالِحِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أرادُوا صَلاحَ الدُّنْيا لا صَلاحَ الدِّينِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: أنَّهم أرادُوا صَلاحَ الدِّينِ بِالتَّوْبَةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّهم أرادُوا صَلاحَ الأحْوالِ بِتَسْوِيَةِ أبِيهِمْ بَيْنَهم مِن غَيْرِ أثَرَةٍ ولا تَفْضِيلٍ.

وَفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ تَوْبَةَ القاتِلِ مَقْبُولَةٌ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُنْكِرْ هَذا القَوْلَ مِنهم.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ قائِلٌ مِنهم لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ ﴾ اخْتُلِفَ في قائِلِ هَذا مِنهم عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ رُوبِيلُ وهو أكْبَرُ إخْوَةِ يُوسُفَ وابْنُ خالَتِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّهُ شَمْعُونُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّهُ يَهُوذا، قالَهُ السُّدِّيُّ.

﴿ وَألْقُوهُ في غَيابَتِ الجُبِّ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي قَعْرَ الجُبِّ وأسْفَلُهُ.

الثّانِي: ظُلْمَةُ الجُبِّ الَّتِي تُغَيَّبُ عَنِ الأبْصارِ ما فِيها، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

فَكانَ رَأْسُ الجُبِّ ضَيِّقًا وأسْفَلُهُ واسِعًا.

وَفي تَسْمِيَتِهِ ﴿ غَيابَتِ الجُبِّ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّهُ يَغِيبُ فِيهِ خَبَرُهُ.

الثّانِي: لِأنَّهُ يَغِيبُ فِيهِ أثَرُهُ، قالَ ابْنُ أحْمَرَ: ألا فالبِثا شَهْرَيْنِ أوْ نِصْفَ ثالِثٍ إلى ذاكَ ما قَدْ غَيَّبَتْنِي غَيابِيا وَفِي ﴿ الجُبِّ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمُ بِئْرٍ في بَيْتِ المَقْدِسِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّهُ بِئْرٌ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ، وإنَّما يَخْتَصُّ بِنَوْعٍ مِنَ الآبارِ.

قالَ الأعْشى: لَئِنْ كُنْتُ في جُبٍّ ثَمانِينَ قامَةً ∗∗∗ ورُقِّيتُ أسْبابَ السَّماءِ بِسُلَّمِ وَفِيما يُسَمّى مِنَ الآبارِ جُبًّا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ما عَظُمَ مِنَ الآبارِ سَواءٌ كانَ فِيهِ ماءٌ أوْ لَمْ يَكُنْ.

الثّانِي: أنَّهُ ما لا طَيَّ لَهُ مِنَ الآبارِ، قالَهُ الزَّجّاجُ، وقالَ: سُمِّيَتْ جُبًّا لِأنَّها قُطِعَتْ مِنَ الأرْضِ قَطْعًا ولَمْ يَحْدُثْ فِيها غَيْرُ القَطْعِ.

﴿ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ﴾ مَعْنى يَلْتَقِطُهُ يَأْخُذُهُ، ومِنهُ اللُّقَطَةُ لِأنَّها الضّالَّةُ المَأْخُوذَةُ.

وَفي ﴿ السَّيّارَةِ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُسافِرُونَ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِأنَّهم يَسِيرُونَ.

الثّانِي: أنَّهم مارَّةُ الطَّرِيقِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ لقد كان في يوسف وإخوته آيات ﴾ قال عبرة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين ﴾ يقول: من سأل عن ذلك، فهو كذا ما قص الله عليكم وأنبأكم به.

وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين ﴾ قال: من كان سائلاً عن يوسف وإخوته، فهذا نبؤهم.

وأخرج ابن جرير عن ابن إسحاق رضي الله عنه قال: إنما قص الله على محمد صلى الله عليه وسلم خبر يوسف وبغي إخوته عليه، وحسدهم إياه، حين ذكر رؤياه.

لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم من بغي قومه عليه وحسدهم إياه، وحين أكرمه الله بنبوّته ليتأسى به.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ ﴾ قال المفسرون (١) ﴿ آيَاتٌ ﴾ أي عبر وعزائم (٢) (٣) ﴿ ءَايَةٌ ﴾ كأنه (٤) (٥) قال أبو إسحاق (٦)  ، فأنبأهم بقصة يوسف وهو عنها غافل، لم يقرأ كتابًا، وقال ابن الأنباري وأبو علي (٧) وقوله تعالى: ﴿ لِلسَّائِلِينَ ﴾ قال المفسرون (٨)  عن قصة يوسف فأخبرهم بها كما في التوراة فعجبوا منه، وقالوا: من أين لك هذا يا محمد؟.

فقال: علمنيه ربي، فمعنى قوله ﴿ لِلسَّائِلِينَ ﴾ أي عن خبر يوسف وإخوته.

وقال الكلبي عن ابن عباس (٩) ﴿ لِلسَّائِلِينَ ﴾ لكل من سأل عن خبر يوسف وإخوته ليعلم علمه.

قال ابن الأنباري: معنى قوله ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ ﴾ إلى آخر الآية، أن قوماً سألوا النبي  عن هذه القصة مُعنتًا ممتحنًا، فكأن الذي ورد من جوابه يضطر عقول أهل التمييز إلى الانقياد لتصديقه؛ لأنه شرح أخبار قوم لم يشاهدهم، ولم ينظر في الكتب إذ هو معروف بالأمية، وكان في هذا أعجب آية وأوضح دلالة للسائلين وغيرهم على صدق النبي  ، وخص السائلين بكون الآيات لهم اكتفاء منهم بغيرهم؛ لأنه إذا كان لهم آية، كان غيرهم أيضًا يعتبر به اعتبارهم؛ لأنهم (١٠) (١١) (١) الثعلبي 7/ 64 أ، والبغوي 4/ 416، و"زاد المسير" 4/ 182.

(٢) في (ج): (وعجائب)، الطبري 12/ 154، الثعلبي 7/ 64 أ.

(٣) قرأ ابن كثير بالإفراد ووافقه ابن محيصن، والباقون بالجمع، انظر: "السبعة" 344، و"إتحاف" ص 262، و"الحجة" 4/ 396.

(٤) في (ب): (كان).

(٥) "البحر المحيط" 5/ 282.

(٦) "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 3/ 92.

(٧) "الحجة" 4/ 397.

(٨) هذه عبارة الثعلبي 7/ 64 أ، والبغوي 4/ 417، و"زاد المسير" 4/ 182.

وأخرجه البيهقي في الدلائل 6/ 276 من طريق الكلبي عن أبي صالح عن عبد الله بن عباس بنحوه.

(٩) مروي عن قتادة والضحاك كما في "الدر" 4/ 7، وانظر: "زاد المسير" 4/ 182، القرطبي 9/ 129.

(١٠) في (أ)، (ب): (لأنه).

(١١) "زاد المسير" 4/ 182.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ آيات لِّلسَّائِلِينَ ﴾ أي لمن سأل عنها، رُوي أن اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قصة يوسف أو أمروا قريشاً أن يسألوه عنها، فهم السائلون على هذا، واللفظ أعم من ذلك ﴿ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ ﴾ هو بنيامين، وهو أصغر من يوسف، ويقال إنه شقيق يوسف، وكان أصغر أولاد يعقوب ﴿ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ ﴾ أي: جماعة نقدر على النفع والضر بخلاف الصغيرين، والعصبة: العشرة فما فوقها إلى الأربعين ﴿ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾ أي: خطأ وخروج عن الصواب بإفراط حبة ليوسف وأخيه.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يا أبت ﴾ بفتح التاء والوقف بالهاء: يزيد وابن عامر.

وقرأ ابن كثير ويعقوب بكسر التاء والوقف بالهاء.

الباقون بالكسر في الحالين ﴿ أحد عشر ﴾ بسكون العين: يزيد وابن عباس والخزاز ﴿ لي ساجدين ﴾ بفتح الياء: الأعشى والبرجمي ﴿ يا بني ﴾ بفتح الياء أياً كان: حفص والمفضل.

الباقون بكسرها ﴿ رؤياك ﴾ بالإمالة: عليّ غير قتيبة وليث.

وقرأ أبو عمرو بالإمالة اللطيفة، وقرأ يزيد وأبو عمر غير شجاع، وورش من طريق الأصبهاني والأعشى وحمزة في الوقف بغير همزة ﴿ آية للسائلين ﴾ على التوحيد: ابن كثير: الآخرون ﴿ آيات ﴾ على الجمع.

﴿ يخل لكم ﴾ بالإدغام: شجاع من طريق أبي غالب وأبو شعيب ﴿ غيابات ﴾ وما بعده على الجمع: أبو جعفر ونافع.

الباقون ﴿ غيابة ﴾ على التوحيد ﴿ لا تأمنا ﴾ بغير إشمام ضمة النون: يزيد والحلواني عن قالون.

الآخرون بإشمام ﴿ الذئب ﴾ وما بعده بغير همزة: أبو عمرو غير شجاع وأوقية ويزيد والأعشى وورش وخلف وعلي وحمزة في الوقف ﴿ يرتع ويلعب ﴾ بالياء فيهما وبالجزم: عاصم وحمزة وعليّ وخلف.

بكسر العين في الأول: أبو جعفر ونافع.

بالنون فيهما بالجزم: ابن عامر وأبو عمرو.

وبكسر العين: ابن كثير سوى الهاشمي وأبي ربيعة عن قنبل فإنهما ﴿ نرتعي ﴾ بالكسر مع الياء بعده ﴿ نرتع ويلعب ﴾ بالجزم فيهما مع النون في الأول والياء في الثاني: يعقوب عن رويس ﴿ ليحزنني أن ﴾ بفتح الياء أبو جعفر ونافع وابن كثير.

وقرأ نافع ﴿ ليحزنني أن ﴾ بفتح الياء أيضاً ولكن من باب الأفعال ﴿ بل سولت ﴾ وبابه مدغماً: حمزة وعلي وهشام.

﴿ يا بشرى ﴾ بالإمالة غير مضافة: حمزة وعليّ وخلف وحماد والخزاز عن هبيرة.

﴿ يا بشرى ﴾ بغير إمالة وإضافة: عاصم غير حماد والخزاز.

الباقون ﴿ يا بشراي ﴾ بالإضافة إلى ياء المتكلم.

الوقوف: ﴿ آلر ﴾ قف كوفي ﴿ المبين ﴾ ه ط كوفي أيضاً وغيرهم لا يقفون عليها لأنهم يجعلون إنا جواب معنى القسم في ﴿ آلر ﴾ ﴿ القرآن ﴾ ق والوصل أصح لأن الواو للحال ﴿ الغافلين ﴾ ه ﴿ ساجدين ﴾ ه ﴿ كيداً ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ وإسحق ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ للسائلين ﴾ ه ﴿ عصبة ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ج والعربية توجب الوقف وإن قيل إن الابتداء به لا يحسن ﴿ صالحين ﴾ ه ﴿ فاعلين ﴾ ه ﴿ لناصحون ﴾ ه ﴿ لحافظون ﴾ ه ﴿ غافلون ﴾ ه ﴿ لخاسرون ﴾ ه ﴿ في غيابة الجب ﴾ ج لاحتمال أن يكون جواب "لما" محذوفاً والواو في ﴿ وأوحينا ﴾ للاستئناف تقديره فعلوا وأمضوا عليه، وأن تكون الواو مقحمة والجواب ﴿ أوحينا ﴾ ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ يبكون ﴾ ه ط ﴿ فأكله الذئب ﴾ ج لابتداء النفي مع واو العطف ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ كذب ﴾ ط ﴿ أمراً ﴾ ط ﴿ جميل ﴾ ط ﴿ تصفون ﴾ ه ﴿ دلوه ﴾ ط ﴿ غلام ﴾ ط ﴿ بضاعة ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ معدودة ﴾ ج لاحتمال الواو والحال ﴿ الزاهدين ﴾ ه.

التفسير: قال في الكشاف: ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى ﴿ آيات ﴾ السورة و ﴿ الكتاب المبين ﴾ السورة أي تلك الآيات التي أنزلت إليك في هذه السورة آيات السورة الظاهر أمرها في إعجاز العرب وتبكيتهم، أو التي بين لمن تدبرها أنها من عند الله لا من عند البشر، أو الواضحة التي لا يشتبه على العرب معانيها لنزولها بلسانهم، أو قد أبين فيها ما سألت اليهود عنه من قصة يوسف، فقد روي أن علماء اليهود قالوا لكبراء المشركين: سلوا محمداً لم انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر وعن قصة يوسف.

أقول: مدار هذه التفاسير على أن أبان لازم ومتعد يقال: أبان الشيء وأبان هو بنفسه ﴿ إنا أنزلناه ﴾ أي هذا الكتاب الذي فيه قصة يوسف يعني هذه السورة في حال كونه ﴿ قرآناً عربياً ﴾ والقرآن اسم جنس يقع على كله وعلى بعضه.

وقوله: ﴿ قرآناً عربياً ﴾ يسمى حالاً موطئة لأن المراد وصفه بالعربية.

احتج الجبائي بإنزال القرآن وبكونه عربياً وآيات على أن أنه محدث لأن هذه من أوصاف المحدثات.

وأجيب بأنه لا نزاع في حدوث الألفاظ وإنما النزاع في الكلام النفس ومعنى ﴿ لعلكم تعقلون ﴾ إرادة أن تفهموه وتحيطوا بمعانيه ولا يلتبس عليكم لأنه بلغتكم.

قال الجبائي: فيه دليل على أنه أراد من المكلفين كلهم أن يعقلوا توحيده وأمر دينه.

وأجيب بأن الآية لا تدل إلا على أنه أنزل هذه السورة وأراد منهم معرفة كيفية هذه القصة، ولا دلالة فيه على أنه أراد من الكل الإيمان العمل الصالح.

قال أهل اللغة: القصص اشتقاقه من قص أثره إذا اتبعه لأن الذي يقص الحديث يتبع ما حفظ منه شيئاً فشيئاً، ومثله التلاوة لأنه يتلو أي يتبع ما حفظ منه آية بعد آية، ثم إن كان القصص مصدراً بمعنى الاقتصاص فيكون ﴿ أحسن ﴾ مثله لإضافته إلى المصدر، ويكون المفعول أي المقصوص محذوفاً وهو الوحي لدلالة ﴿ أوحينا ﴾ عليه، أو يكون هذا القرآن مفعوله ومفعول ﴿ أوحينا ﴾ محذوفاً كأنه قيل: نحن نقص عليك أحسن الاقتصاص هذا القرآن بإيحائنا إياه إليك.

وعلى هذا فالحسن يرجع إلى المنطق لا إلى القصة.

وحسن المنطق كونه على أبدع طريق وأعجب أسلوب لأن هذه الحكاية مقتصة في كتب الأولين وفي كتب التواريخ ولم يبلغ شيء منه إلى حد الإعجاز، وإن أريد بالقصص المقصوص كما يراد بالنبأ والخبر المنبأ والمخبر، فالحسن يرجع إلى القصة ولا سيما فيما يرجع إلى صلاح حال المكلف في الدارين، ووجه حسنها اشتمالها على الغرائب والعجائب والنكت والعبر وأن الصبر مفتاح الفرج، وأن ما قضى الله كائن لا محالة لا يردّه كيد كائد ولا حسد حاسد.

ويروى أن أصحاب رسول الله  ملوا فقالوا: يا رسول الله لو حدثتنا.

فأنزل الله عز وجل ﴿ الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً  ﴾ ثم إنهم ملوا فقالوا: يا رسول الله لو قصصت علينا فأنزل الله ﴿ نحن نقص عليك أحسن القصص ﴾ كل ذلك يؤمرون بالقرآن ﴿ وإن كنت ﴾ هي المخففة من الثقيلة بدليل اللام الفارقة.

والمعنى وإن الشأن كنت أنت من قبل إيحائنا إليك ﴿ لمن الغافلين ﴾ عن هذ القصة أو عن الدين والشريعة ﴿ إذ قال ﴾ بدل اشتمال من أحسن القصص لأن الوقت مشتمل على القصص فإذاً قص وقته فقد قص المقصوص أو منصوب بإضمار "اذكر".

و ﴿ يوسف ﴾ ليس عربياً على الأصح إذ لا سبب فيه بعد التعريف إلا العجمة فهو اسم عبراني، ومن ظن أنه من آسف يؤسف بناء على أنه قرىء بكسر السين وبفتحها فيوجد فيه وزن الفعل أيضاً فقد أخطأ، لأن القراءة المشهورة تأباه ولن يكون الاسم عربياً تارة وأعجمياً أخرى.

وهذا الخلاف روي في "يونس" أيضاً.

عن النبي  "الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم" قال النحويون: التاء في ﴿ يا أبت ﴾ عوض من ياء الإضافة وهي للتأنيث لأنها قد تقلب هاء في الوقف.

ويجوز إلحاق التاء بالمذكر نحو "حمامة" ذكر والكسرة فيه لمناسبة الياء التي هي بدل منها.

والفتحة إما فتحة الياء فيمن يفتحها أو الفتحة الباقية بعد حذف الألف من ياء يا أبتا ﴿ إني رأيت ﴾ هو من الرؤيا التي تختص بالمنام لا من الرؤية التي تشمل اليقظة بدليل قول يعقوب له ﴿ ولا تقصص رؤياك ﴾ ولأن ذلك لو كان في اليقظة لكانت آية عظيمة ولم تخف على أحد.

من قرأ ﴿ أحد عشر ﴾ بسكون العين فلكراهة توالي المتحركات فيما هو في حكم كلمة، وكذا الى تسعة عشر إلا اثني عشر لئلا يلتقي ساكنان.

قال في الكشاف: روى جابر أن يهودياً جاء إلى النبي  فقال: يا محمد أخبرني عن النجوم التي رآهن يوسف.

فسكت رسول الله  فنزل جبريل فأخبره بذلك فقال النبي  لليهودي:إن أخبرتك هل تسلم؟

قال: نعم.

قال: جربان والطارق والذيال وقابس وعمودان والفليق والمصبح والضروح والفرغ ووثاب وذو الكتفين.

رآها يوسف والشمس والقمر نزلن من السماء وسجدن له.

فقال اليهودي: إي والله إنها لأسماؤها.

وأقول: إن أكثر هذه الأسماء ليست مما اشتهر عند أهل الهيئة، فإن صح الخبر فهي من العلوم التي تفرد بها الأنبياء.

وإفراد الشمس والقمر من الكواكب بعد ذكرها دليل على شرفهما كقوله ﴿ وملائكته وجبريل وميكائيل  ﴾ وإنما كرر الفعل لطول الكلام أو على تقدير سؤال كأنه قيل له: كيف رأيتها؟

فقال: رأيتهم لي ساجدين.

والظاهر أن هذه السجدة كانت بمعنى وضع الجبهة إذ لا مانع من حملها على الحقيقة لكنها كانت على وجه التواضع.

وإنما أجريت الكواكب مجرى العقلاء في عود الضمير إليها لأن السجود من شأن العقلاء كقوله للأصنام: ﴿ وتراهم ينظرون إليك  ﴾ وعند الفلاسفة هم أحياء ناطقة فلا حاجة إلى العذر.

عبر أبوه رؤياه بأن إخوته سيسجدون له وهم أحد عشر، وكذا أبواه وهما الشمس والقمر.

وقيل: هما أبوه وخالته لأن أمه لم تدخل مصر وتوفيت قبل ذلك.

وعن وهب أن يوسف رأى - وهو ابن سبع سنين - أن إحدى عشرة عصاً طوالاً كانت مركوزة في الأرض كهيئة الدارة التي حول القمر وهي الهالة، وإذا عصا صغيرة وثبت عليها حتى اقتلعها وغلبتها فوصف ذلك لأبيه فقال: إياك أن تذكر هذا لإخوتك.

ثم رأى - وهو ابن اثنتي عشرة سنة - الشمس والقمر والكواكب تسجد له فقصها على أبيه فقال له: لا تقصها عليهم فيبغوا لك الغوائل.

وقيل: كان بين رؤيا يوسف ومسير إخوته إليه أربعون سنة.

وقيل ثمانون.

قال علماء التعبير: إن الرؤيا الردية يظهر أثرها عن قريب كيلا يبقى المؤمن في الغم والحزن، والرؤيا الجيدة يبطىء أثرها لتكون بهجة المؤمن أدوم.

قوله ﴿ فيكيدوا ﴾ منصوب بإضمار "أن" جواباً للنهي.

واللام في ﴿ لك ﴾ لتأكيد الصلة مثل "نصحتك" و "نصحت لك".

وقال في الكشاف: ضمن الكيد معنى الاحتيال ليفيد معى الفعلين فيكون أبلغ في التخويف.

وقيل: متعلق بالمصدر الذي بعده.

ثم إنه وصل بهذه النصيحة شيئاً من تعبير رؤياه فقال: ﴿ وكذلك ﴾ أي ومثل اجتبائك لهذه الرؤيا الشريفة ﴿ يجتبيك ربك ﴾ لأمور عظام.

والاجتباء افتعال من جبيت الشيء إذا حصلته لنفسك، وجبيت الماء في الحوض جمعته، وخصص الحسن الاجتباء بالنبوة.

قال في الكشاف ﴿ ويعلمك ﴾ كلام مبتدأ غير داخل في حكم التشبيه كأنه قيل: وهو يعلمك ويتم نعمته عليك.

أقول: ولعل إدخاله في حكم التشبيه ليس بضائر.

وفي ﴿ تأويل الأحاديث ﴾ وجوه منها: أنه تأويل أحاديث الناس فيما يرونه في منامهم، سمى التعبير تأويلاً لأنه يؤول أمره إلى ما رآه في المنام أو يؤول أمر ما رآه في المنام إلى ذلك.

والأحاديث اسم جمع للحديث وليس بجمع أحدوثة لأنها التي يتحدث بها الناس.

ومنها أنه تبيين معاني كتب الله وسنن الأنبياء لأن المفسر والمحدّث يحدّثان عن الله ورسوله فيقولان: قال الله كذا وقال الرسول كذا.

ومنها أن الحديث بمعنى الحادث والمراد كيفية الاستدلال بالحادث على القديم  .

وأما إتمام النعمة فيمن فسر الاجتباء بالنبوة فسر الإتمام بالسعادات الدنيوية والأخروية من المال والجاه والعلوم والأخلاق الفاضلة، ومن فسر ذلك بالدرجات العالية فسر هذا بالنبوة لأن التمام المطلق في حق البشر ليس إلا بالنبوة، ولأن إتمام النعمة عليه مشبه بإتمامها على إبراهيم وإسحق، ومن المعلوم أن الامتياز بينهما وبين أقرانهما لم يكن إلا بالنبوة وقد يفسر إتمام النعمة على إبراهيم بالخلة والإنجاء من النار ومن ذبح الولد، وعلى إسحق بإنجائه من الذبح وفدائه بذبح عظيم وبإخراج يعقوب والأسباط من صلبه، ويكون وجه التشبيه إنجاءه من السجن والمحن كإنجائهما من النار والذبح.

والمراد بآل يعقوب نسله قيل: علم يعقوب أن يوسف وإخوته أنبياء استدلالاً بضوء الكواكب.

واعترض بما فرط منهم في حق يوسف.

وأجيب بأن ذلك قبل النبوة.

وقيل: إتمام النعمة وصل نعمة الدنيا بنعم الآخرة وذلك أنه جعلهم ملوكاً وأنبياء و ﴿ إبراهيم وإسحاق ﴾ عطف بيان لأبويك لأن أبا الجد في حكم الأب ﴿ إن ربك عليم ﴾ بمن يستحق الاجتباء ﴿ حكيم ﴾ لا يضع الشي إلا في موضعه فلا يجعل الرسالة إلا في نفس قدسية وجوهر مشرق.

قيل: حكم يعقوب بوقوع هذه الأمور دليل على جزمه بها فكيف خاف بعدها على يوسف حتى قال: ﴿ وأخاف أن يأكله الذئب ﴾ ؟

والجواب لعل جزمه بذلك كان مشروطاً بعدم كيد إخوته، ولعل قوله: ﴿ أخاف أن يأكله الذئب ﴾ كيلا يتهاونوا في حفظه فإن للوسائط والأسباب مدخلاً عظيماً في وجود الأشياء وحصولها ﴿ لقد كان في يوسف وإخوته ﴾ أي في قصتهم وحديثهم ﴿ آيات للسائلين ﴾ لمن سأل عن تلك القصة وعرفها، أو آيات على نبوة محمد  للذين سألوه من اليهود عنها فأخبرهم بها من غير سماع العلم.

وفيه أنه  يجب أن يصبر على بغي قومه إلى أن يظهر أمره كما فعل يوسف.

يروى أن أسامي إخوته: يهوذا وروبيل وشمعون ولاوي وربالون ويشجر ودينة - وهؤلاء من ليا بنت خالة يعقوب - ودان ونفتالي وجاد وآشر - وهم من سريتين زلفة وبلهة - فلما توفيت ليا تزوج أختها راحيل فولدت له بنيامين ويوسف.

﴿ إذ قالوا ﴾ ظرف لكان أو منصوب بإضمار "اذكر" ﴿ ليوسف ﴾ في لام الابتداء تحقيق لمضمون الجملة.

﴿ وأخوه ﴾ أي لأبيه وأمه عنوا بنيامين ﴿ أحب ﴾ إذا كان أفعل التفضيل مستعملاً بمن لم يتصرف فيه ﴿ ونحن عصبة ﴾ الواو للحال والعصبة العشرة فصاعداً لأن الأمور تعصب بكفايتهم أي إنه يفضلهما في المحبة علينا وهما ابنان صغيران.

لا كفاية فيهما ولا منفعة ونحن جماعة نكفي مهماته ونقوم بمصالحه ﴿ إن إبانا لفي ضلال مبين ﴾ أرادوا ضلالاً خاصاً وهو البعد عن طريق الصلاح وحسن المعاشرة مع الأولاد، ولم يعلموا أن المحبة أمر يتعلق بالقلب وليس لله فيه تكليف، ولعل يعقوب تفرس في يوسف ما أوجب اختصاصه بمزيد البر.

ومن جملة أقوالهم أنهم قالوا لما تشاوروا في أمره ﴿ اقتلوا يوسف ﴾ قيل: الآمر بالقتل شمعون أو دان ورضي به الباقون فجعلوا جميعاً آمرين.

والظاهر أنه قال بعضه بذلك بدليل أنه لم يقع القتل ولقولهم ﴿ أو اطرحوه ﴾ فكان بعضهم أشار إلى القتل وبعضهم إلى الطرح ومهما صدر أمر من بعض القوم صح إسناده إليه كقوله ﴿ وإذ قتلتم نفسا  ﴾ وانتصب ﴿ أرضاً ﴾ على الظرف كالظروف المبهمة أي أرضاً مجهولة بعيدة عن العمارة ﴿ يخل لكم وجه أبيكم ﴾ تخلص محبته لكم سليمة عن التنازل فيها وكان ذرك الوجه تصويراً لإقباله عليهم بالكلية، ويجوز أن يراد بالوجه ذاته أو المراد يفرغ لكم من الشغل بيوسف ﴿ وتكونوا ﴾ مجزوم لأنه معطوف على جواب الأمر ﴿ من بعده ﴾ من بعد قتله أو إطراحه أو من بعد يوسف إذا قتل أو غرب ﴿ قوماً صالحين ﴾ تائبين إلى الله أو إلى أبيه لعذر تمهدونه مما جنيتم عليه، أو المراد صلاح دنياهم وانتظام أمورهم وتفرغهم لمهماتهم بعد يوسف بفراغ البال ﴿ قال قائل منهم ﴾ هو يهوذا وكان أحسنهم فيه رأياً وأدباً وهو الذي قال: ﴿ فلن أبرح الأرض  ﴾ ﴿ لا تقتلوا يوسف ﴾ لأن القتل عظيم ولا سيما قتل الأخ وخاصة إذا كان القاتل والمقتول من أولاد الأنبياء ﴿ وألقوه في غيابت الجب ﴾ سمى البئر جباً لأنها قطعت قطعاً ولم يحصل فيها شيء سوى القطع للأرض، والغيابة غور البئر وما غاب منها عن عين الناظر وأظلم من أسفلها.

ومن قرأ على الجمع فلأن للجب أقطاراً ونواحي ﴿ يلتقطه بعض السيارة ﴾ أي الرفقة السائرة قال ابن عباس: أي المارة، والالتقاط تناول الشيء من الطريق ونحوه يستعمل في الإنسان وغيره ومنه اللقيط للمنبوذ ﴿ إن كنتم فاعلين ﴾ إن لم يكن من فعل هذا الأمر بد فهذا هو الرأي.

ثم إن يعقوب كان خائفاً على يوسف من كيدهم وكان يظهر أمارات ذلك على صحائف أعماله وأقواله فلذلك قالوا: ﴿ ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون ﴾ ما وجد منا في بابه سوى النصح والإشفاق على الإطلاق ﴿ أرسله معنا غداً يرتع ويلعب ﴾ من قرأ بالجزم فمن الرتعة كالأمنة وهي الخصب والسعة، ومن قرأ بالكسر فعلى حذف الياء من يرتعي مستعاراً من ارتعاء الإبل والماشية.

واللعب ترك ما ينفع إلى ما لا ينفع.

فمن قرأ بالياء فلا إشكال لأن الصبي لا تكليف عليه، ومن قرأ بالنون قال كان لعبهم الاستباق والانتضال بدليل قوله ﴿ إنا ذهبنا نستبق ﴾ سمي لعباً لأنه في صورته، أو اللعب قد يطلق على استعمال المباحات لأجل انشراح الصدر قال  لجابر: " فهلا تزوجت بكراً تلاعبها وتلاعبك." ﴿ قال إني ليحزنني ﴾ لام الابتداء للتأكيد أو لتخصيص المضارع بالحال ﴿ وأخاف أن يأكله الذئب ﴾ أصله الهمز ولهذا قال بعضهم: إنه مشتق من تذأبت الريح إذا أتت من كل جهة.

قيل: كان أرضهم مذأبة فلذلك قال: ﴿ أخاف ﴾ .

وقيل: رأى في النوم أن الذئب قد شد على يوسف وكان يحذره فلقنهم العذر كما جاء في أمثالهم البلاء موكل بالمنطق.

قوله: ﴿ إنا إذاً ﴾ جواب للقسم ساد مسد جواب الشرط، حلفوا له أن كان ما خافه وحالهم أنهم رجال كفاة وحماة فهم إذ ذاك خاسرون عاجزون أو مستحقون للدعاء عليهم بالخسار، أو المراد إن لم نقدر على حفظ بعضنا فقد هلكت مواشينا وخسرناها.

كان يعقوب قد اعتذر إليهم بأمرين: أحدهما أن ذهابهم به مما يحزنه لأنه كان لا يصبر عنه ساعة، والثاني خوفه عليه من الذئب فلم يجيبوا عن الأول لأنه هو الذي كان يغيظهم فلم يعبئوا بذلك الكلام فخصوا الجواب بالثاني، وههنا إضمار والتقدير فأذن لهم وأرسله معهم ﴿ فلما ذهبوا به وأجمعوا ﴾ عزموا على ﴿ أن يجعلوه في غيابت الجب ﴾ قيل: هو بئر ببيت المقدس.

وقيل: بأرض الأردن.

وقيل: بين مصر ومدين: وقيل: على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوبٍ.

ثم إن كان جواب "لما" محذوفاً ففي الآية إضمار آخر كما تقدم في الوقوف.

قال السدي: إن يوسف  لما برز مع إخوته أظهروا له العداوة وأخذوا يهينونه ويضربونه وكلما استغاث بواحد منهم لم يغثه إلا بالإهانة حتى كادوا يقتلونه، فجعل يصيح يا أبتاه لو تعلم ما يصنع بابنك أولاد الإماء.

فقال يهوذا أما أعطيتموني موثقاً أن لا تقتلوه، فلما أرادوا إلقاءه في الجب تعلق بثيابهم فنزعوها من يده فتعلق بحائط البئر فربطوا يديه ونزعوا قميصه ليلطخواه بالدم ويحتالوا به على أبيهم.

فقال: يا إخوتاه ردّوا عليّ قميصي أتوارى به فقالوا له: ادع الشمس والقمر والأحد عشر كوكباً حتى ينقذوك ودلوه في البئر، فلما بلغ نصفها ألقوه ليموت وكان في البئر ماء فسقط فيه ثم أوى إلى صخرة فقام عليها وهو يبكي فنادوه فظن أنها رحمة أدركتهم فأجابهم فأرادوا أن يرضخوه ليقتلوه فمنعهم يهوذا وكان يهوذا يأتيه بالطعام.

وروي أنه  لما ألقي في الجب قال: يا شاهداً غير غائب، ويا قريباً غير بعيد، ويا غالباً غير مغلوب، اجعل لي من أمري فرجاً ومخرجاً.

وحكي أن إبراهيم  حين ألقي في النار جرد عن ثيابه فأتاه جبرائيل بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه فدفعه إبراهيم إلى إسحاق وإسحق إلى يعقوب فجعله يعقوب في تميمة علقها في عنق يوسف فجاء جبرائيل فأخرجه وألبسه إياه ﴿ وأوحينا إليه ﴾ في صغر السن كما أوحي إلى يحيى وعيسى.

وقيل: كان إذ ذاك بالغاً وعن الحسن كان له سبع عشر سنة ﴿ لتنبئنهم ﴾ لتحدثن إخوتك بما فعلوا بك ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ أنك يوسف لعلو شأنك وبعد حالك عن أوهامهم ولطول العهد المنسي المغير للهئيات والأشكال..

يروى أنهم حين دخلوا عليه ممتارين فعرفهم وهم له منكرون دعا بالصواع فوضعه على يده ثم نقره فطن فقال: إنه ليخبرني هذا الجام أنه كان لكم أخ من أبيكم ويقال له يوسف وكان يدنيه دونكم وإنكم انطلقتم به وألقيتموه في غيابة الجب وقلتم لأبيه أكله الذئب وبعتموه بثمن بخس.

ويجوز أن يراد وهم لا يشعرون أنا آنسناه بالوحي وأزلنا الوحشة عن قلبه فتتعلق الجملة بقوله ﴿ وأوحينا ﴾ روي أن امرأة حاكمت إلى شريح فبكت فقال له الشعبي: يا أبا أمية أما تراها تبكي؟

قال: قد جاء إخوة يوسف يبكون وهم ظلمة وما ينبغي لأحد أن يقضي إلا بما أمر أن يقضي به من السنة المرضية.

عن مقاتل: إنما جاءوا عشاء لئلا تظهر أمارة الخجل والكذب على وجوههم.

ولما سمع صوتهم يعقوب فزع وقال: ما لكم يا بني هل أصابكم في غنمكم شيء؟

قالوا لا.

قال: فما لكم وأين يوسف ﴿ قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق ﴾ أي نتسابق في العدو أو في الرمي وقيل ننتضل ﴿ وما أنت بمؤمن لنا ﴾ أي بمصدق لشدة محبتك ليوسف، وفيه دليل لمن يزعم أن الإيمان هو التصديق ﴿ ولو كنا صادقين ﴾ ولو كنا عندك من أهل الصدق والثقة فكيف وأنت سيء الظن بنا غير واثق بقولنا ﴿ وجاؤوا على قميصه ﴾ نصب على الظرف أي فوق قميصه لا على الحال المتقدمة لأن حال المجرور لا تتقدم عليه ﴿ بدم كذب ﴾ ذي كذب أو دم هو الكذب بعينة مبالغة.

يروى أنهم ذبحوا سخلة ولطخوه بدمها، ويروى أن يعقوب لما سمع بخبر يوسف صاح بأعلى صوته وقال: أين القميص؟

فأخذه وألقاه على وجهه وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص.

وقال: تالله ما رأيت كاليوم ذئباً أحلم من هذا أكل ابني ولم يمزق عليه قميصه.

وقيل: كان في قميص يوسف ثلاث آيات آية ليعقوب على كذبهم، وآية حين ألقاه البشير على وجهه فارتد بصيراً، وآية على براءة يوسف حين قدّ من دبر.

ولما تبين يعقوب بالآيات المذكورة أو بالوحي أنهم كاذبون قال على سبيل الإضراب.

﴿ بل سوّلت ﴾ قال ابن عباس بل زينت ﴿ لكم أنفسهم أمراً ﴾ في شأنه وهو تفعيل من السول الأمنية.

قال الأزهري: وأصله مهموز غير أن العرب استثقلوا فيه الهمزة.

وقال في الكشاف: سوّلت سهلت من السول بفتحتين وهو الاسترخاء والتنكير دليل التعظيم ﴿ فصبر جميل ﴾ لا بد من تقدير مبتدأ أو خبر أي فأمري صبر جميل أو فصبر جميل أمثل.

وفي الحديث أنه الذي لا شكوى فيه أي إلى الخلق لقوله: ﴿ إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله  ﴾ وقيل: أي لا أعايشكم على كآبة الوجه بل أكون لكم كما كنت.

يحكى أنه سقط حاجبا يعقوب على عينيه فكان يرفعهما بعصابة فقيل له: ما هذا؟

فقال: طول الزمان وكثرة الأحزان.

فأوحى الله  إليه يا يعقوب أتشكوني؟

قال: يا رب خطيئة فاغفرها لي.

ثم بين أن الصبر على ما وصفوه من هلاك يوسف لا يمكن إلا بمعونة الله  فقال: ﴿ والله المستعان على ما تصفون ﴾ فالقرينتان كقوله: ﴿ إياك نعبد وإياك نستعين ﴾ {الفاتحة: 5] ويعلم من الآية أن الصبر إن كان لأجل الرضا بقضاء الله  أو لاستغراقه في شهود نور الحق بحيث يمنعه من الاشتغال بالشكاية عن البلاء فذلك صبر جميل وإلا فلا.

واعترض بأن هذا الصبر كان فيه إعانة الظالمين وإهمال لتخليص المظلوم من المحن والشدائد والترقية فكيف جاز صبر يعقوب حتى لم يبالغ في التفتيش والتنقير، ولو بالغ لظهر عليه الأمر لشهرته وعظم قدره؟

وأجيب بأن الله  لعله منعه عن الطلب تشديداً للمحنة عليه، أو لعله إن بالغ في البحث أقدموا على قتله، أو علم أن الله  يصون يوسف وسيعظم أمره بالآخرة فلم يرد هتك ستر أولاده وإلقاءهم في ألسنة الناس كقول القائل: فإذا رميت يصيبني سهمي *** فكان الأصوب الصبر والسكوت وتفويض الأمر بالكلية إلى الله  .

ثم شرع في حكاية خلاص يوسف فقال: ﴿ وجاءت سيارة ﴾ عن ابن عباس: قوم يسيرون من مدين إلى مصر وذلك بعد ثلاثة أيام من إلقاء يوسف في الجب فأخطئوا الطريق فنزلوا قريباً منه، وكان الجب في قفرة بعيدة عن العمران لم يكن إلا للرعاة.

وقيل: كان ماؤه ملحاً فعذب حين ألقي فيه يوسف.

﴿ فأرسلوا واردهم ﴾ رجلاً يقال له مالك بن ذعر الخزاعي ليطلب لهم الماء.

ومعنى الوارد الذي يرد الماء ليستقي للقوم ﴿ فأدلى دلوه ﴾ أرسلها في البئر.

قال الواحدي: فإذا نزعها وأخرجها قيل دلا يدلو.

﴿ قال يا بشرى ﴾ التقدير فظهر يوسف فقال الوارد: يا بشرى كأنه ينادي البشرى ويقول تعالي فهذا أوانك.

ومتى قال الوارد هذا الكلام؟

قال جمع من المفسرين: حين رأى يوسف متعلقاً بالحبل.

وقال آخرون: لما دنا من أصحابه صاح بذلك يبشرهم به.

قال السدي: كان للوارد صاحب يقال له بشرى فنادى يا بشرى كما يقال يا زيد.

والأكثرون على أنها بمعنى البشارة.

فقال أبو علي: يحتمل أن يكون منادى مضموماً مثل يا رجل وأن يكون منصوباً مثل يا رجلاً كأنه جعل ذلك النداء شائعاً في جنس البشرى.

ومن قرأ بالإضافة فنصبه ظاهر.

والضمير في ﴿ وأسروه ﴾ إما عائد إلى الوارد وأصحابه أي أخفوه من الرفقة لئلا يدعوا المشاركة في الالتقاط، أو في الشراء إن قالوا اشتريناه.

وطريق الإخفاء أنهم كتموه من الرفقة أو قالوا إن أهل الماء جعلوه بضاعة عندنا على أن نبيعه لهم بمصر، وإما عائد الى إخوة يوسف بناء على ما روي عن ابن عباس أنهم قالوا للرفقة: هذا غلام لنا قد آبق فاشتروه منا، وسكت يوسف مخافة أن يقتلوه، ولعل الوجه الأول أولى بدليل قوله ﴿ بضاعة ﴾ وهي نصب على الحال أي أخفوه متاعاً للتجارة.

وأصل البضع القطع والبضاعة قطعة من المال للتجارة والله  أعلم.

﴿ والله عليم بما يعملون ﴾ فيه وعيد إما للوارد وأصحابه حيث استبضعوا ما ليس لهم أو لإخوة يوسف وذلك ظاهر، وفيه أن كيد الأعداء لا يدفع شيئاً مما علم الله من حال المرء.

والضمير في قوله: ﴿ وشروه ﴾ إما أن يعود إلى الوارد وأصحابه أي باعوه ﴿ بثمن ﴾ قليل لأن الملتقط للشيء متهاون به ﴿ وكانوا فيه من الزاهدين ﴾ ممن يرغب عما في يده.

قال أهل اللغة: زهد فيه معناه رغب عنه وزهد عنه معناه رغب فيه، وإما أن يعود إلى الإخوة والمعنى باعوه، أو إلى الرفقة والمعنى اشتروه، وهكذا الضمير في ﴿ وكانوا ﴾ إن عاد إلى الإخوة فقلة رغبتهم في يوسف ظاهرة وإلا لم يفعلوا به ما فعلوا، وإن عاد إلى الرفقة فذلك أنهم اعتقدوا أنه أبق فخافوا إعطاء الثمن الكثير.

عن ابن عباس أن إخوته عادوا إلى الجب بعد ثلاثة أيام يتعرفون خبره، فلما لم يروه في الجب ورأوا آثار السيارة طلبوهم فلما رأوا يوسف قالوا: هذا عبد أبق منا فقالوا لهم: فبيعوه منا فباعوه منهم، ولعلهم عرفوا أنه ولد يعقوب فكرهوا اشتراءه خوفاً من الله ومن ظهور تلك الواقعة إلا إنهم مع ذلك اشتروه بالآخرة بثمن بخس أي مبخوس ناقص عن القيمة أو ناقص العيار.

وقال ابن عباس: البخس هنا الحرام لأن ثمن الحر حرام دراهم لا دنانير معدودة قليلة تعد عدّاً.

ولا توزن لأنهم كانوا لا يزنون إلا ما بلغ الأوقية وهي الأربعون.

عن ابن عباس كانت عشرين درهماً.

وعن السدي اثنين وعشرين أخذ كل واحد من الإخوة درهمين إلا يهوذا فإنه لم يأخذ شيئاً.

ويروى أن إخوته اتبعوهم يقولون استوثقوا منه لا يأبق.

والظاهر أن الضمير في ﴿ فيه ﴾ عائد إلى يوسف.

ويحتمل أن يعود إلى الثمن البخس أي أخذوا في ثمنه ما ليس يرغب فيه.

قال النحويون: قوله: ﴿ فيه ﴾ ليس من متعلقات الزاهدين لأن الألف واللام فيه موصول وزاهدين صلة، وكما لا تتقدم نفس الصلة فكذا ما هو متعلق به فلا يقال مثلاً: وكانوا زيداً من الضاربين فهو بيان كأنه قيل في أي شيء زهدوا؟

فقيل: زهدوا فيه والله  أعلم.

التأويل: ﴿ تلك آيات الكتاب ﴾ دلالات كتاب المحبوب إلى المحب للهداية إلى طريق الوصال ولهذا كانت أحسن القصص لأنها أتم قصص القرآن مناسبة ومشابهة بأحوال الإنسان ﴿ إذ قال يوسف ﴾ القلب ﴿ لأبيه ﴾ يعقوب الروح ﴿ إني رأيت أحد عشر كوكباً ﴾ هن الحواس الخمس الظاهرة والخمس الباطنة أي المذكرة والحافظة والمتخيلة والمتوهمة والحسن المشترك مع المفكرة، وبكل من هذه إضاءة أي أدراك للمعنى المناسب له وهم إخوة يوسف القلب لأنهم تولدو بازدواج يعقوب الروح وزوج النفس والشمس والقمر الروح والنفس ﴿ رأيتهم لي ساجدين ﴾ وهذا مقام كمالية الإنسان أن يصير القلب سلطاناً يسجد له الروح والنفس والحواس والقوى ﴿ وكذلك يجتبيك ربك ﴾ على سائر المخلوقات وهذا كمال حسن يوسف ﴿ ويعلمك من تأويل الأحاديث ﴾ العلم اللدني المختص بالقلب ﴿ ويتم نعمته عليك ﴾ بأن يتجلى لك ويستوي لك إذ القلب عرش حقيقي للرب ﴿ وعلى آل يعقوب ﴾ أي متولدات الروح من القوى والحواس ﴿ كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم ﴾ السر ﴿ وإسحاق ﴾ الخفي وبهما يستحق القلب لقبول فيض التجلي، وهناك لله ألطاف خفية لا يتبع الإنسان فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل.

﴿ آيات للسائلين ﴾ عن طريق الوصول إلى الله ﴿ ليوسف ﴾ القلب ﴿ وأخوه ﴾ بنيامين الحس المشترك فإن له اختصاصاً بالقلب ﴿ أحب إلى أبينا منا ﴾ لأن القلب عرض الروح ومحل استوائه عليه، والحس المشترك بمثابة الكرسي للعرش.

﴿ اقتلوا يوسف ﴾ القلب بسكين الهوى وبسم الميل إلى الدنيا ﴿ أو اطرحوه ﴾ في أرض البشرية ﴿ يخل لكم وجه أبيكم ﴾ يقبل الروح بوجهه إلى الحواس والقوى لتحصيل شهواتها ﴿ وتكونوا ﴾ بعد موت القلب ﴿ قوماً صالحين ﴾ للنعم الحيواني والنفساني.

﴿ قال قائل منهم ﴾ هو يهوذا القوة المفكرة ﴿ لا تقتلوا يوسف ﴾ القلب ﴿ وألقوه في غيابت الجب ﴾ القالب وسفل البشرية ﴿ يلتقطه بعض ﴾ سيارة الجواذب النفسانية.

﴿ يرتع ﴾ في المراتع البهيمية ﴿ ويلعب ﴾ في ملاعب الدنيا ﴿ وإنا له لحافظون ﴾ من فتنة الدنيا وآفاتها ﴿ لئن أكله الذئب ﴾ الشيطان ﴿ إنا إذا لخاسرون ﴾ لأن خسران جميع أجزاء الإنسان في هلاك القلب وربحها في سلامة القلب ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ فيه إشارة إلى أن من خصوصية تعلق الروح بالقالب أن يتولد منهما القلب العلوي والنفس السفلية والحواس والقوى فيحصل التجاذب.

فإن كانت الغلبة للروح سعد، وإن كانت للنفس شقي ﴿ وجاؤوا أباهم عشاء ﴾ أي في النصف الآخر من مدّة العمر ﴿ نستبق ﴾ نتشاغل باللهو في أيام الشباب ﴿ وتركنا يوسف ﴾ أي قالب مهملاً معطلاً عن الاستكمال ﴿ فأكله ﴾ ذئب الشيطان.

﴿ وجاؤا على قميصه ﴾ أي قالب القلب ﴿ بدم كذب ﴾ هو آثار الملكات الردية، زعموا أنها قد سرت إلى القلب وأزالت نور الإيمان عنه بالكلية.

﴿ قال ﴾ يعقوب الروح ﴿ بل سولت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل ﴾ على ما قضى الله وقدر ﴿ والله المستعان على ما تصفون ﴾ من رين القلب وموته ﴿ وجاءت سيارة ﴾ هي هبوب نفحات ألطاف الحق ﴿ فأرسلوا واردهم ﴾ وارداً من واردات الحق ﴿ فأدلى دلوه ﴾ جذبه من جذبات الرحمن ﴿ قال يا بشرى ﴾ فيه إشارة إلى أن للجذبة بشارة في تعلقها بالقلب كما أن للقلب بشارة في خلاصة من جب الطبيعة كما قال  : ﴿ يحبهم ويحبونه  ﴾ ﴿ والله عليم ﴾ بحكمة البشارتين و ﴿ بما يعملون ﴾ من شرائه ﴿ بثمن بخس ﴾ هو الحظوظ الفانية في أيام معدودة ﴿ وكانوا فيه من الزاهدين ﴾ لأنهم ما عرفوا قدره وإنما ميلهم إلى استجلاب المنافع الردية العاجلة والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ ﴾ الآية.

آية للسائل إذا كان السائل مسترشداَ، وكذلك القرآن كله، هو حجة وآية للمسترشد، وأما المتعنت فهو آية عليه.

ثم يحتمل قوله: ﴿ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ ﴾ : السائلين الذين سألوا؛ على ما ذكر في بعض القصة أن اليهود سألوا النبي عن أمر يوسف ونبئه، فأخبرهم بالحق في ذلك على ما كان، فهو آية لهم إن ثبت ذلك.

ويحتمل قوله: ﴿ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ ﴾ : السائلين الذين يسألون من بعد إلى آخر الدهر عن نبأ يوسف، كل من سأل عن خبره ونبئه فهو آية لهم.

ثم وجه جعله آية يحتمل وجوهاً: أحدها: أنه جعل قصة يوسف ونبأه [سورة، وتلك السورة هي آيات الكتاب؛ على ما ذكر: ﴿ تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ ﴾ ؛ جعل قصة يوسف ونبأه] آيات من الكتاب.

ويحتمل - أيضاً - أنه جعل آية؛ أي: حجة لنبوة رسوله ورسالته؛ لأن قصته ونبأه كان في كتبهم بغير لسانه من غير ترجمة أحد منهم ولا تعليم، ثم أخبرهم على ما كان في كتبهم من غير زيادة ولا نقصان دل أنه أنما علمه بالله -  - لا أنه أخذه من كتبهم، وهو ما ذكر في القصة "أن اليهود سمعوا النبي يقرأ سورة يوسف، فقالوا: يا محمد، من علمكها؟

قال: الله علمنيها فعجبوا من قراءته إياها على ما كانت في كتبهم؛ دل أنه إنما عرفها بالله  " .

ثم يحتمل أن يكون آية لمن سأل عن حجة رسالته، أو هو آية لمن سأل عنها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ ﴾ .

في الآية دلالة أن لا بأس للرجل أن يخص بعض ولده بالعطف عليه والميل إليه، إذا كان فيه معنى ليس ذلك في غيره؛ ولهذا قال أصحابنا: إنه لا بأس للرجل أن يخص بعض ولده بالهبة له أو الصدقة عليه إذا لم يقصد بها الجور على غيرهم من الأولاد.

ثم يحتمل تخصيص يعقوب يوسف وأخاه بالحب لهما وجوهاً: أحدهما: لما رأى فيهما من الضعف في أنفسهما، والعجز في أبدانهما، فازدادت شفقته لهما وعطفه عليهما لذلك، وهذا مما يكون فيما بين الخلق.

أو كان ذلك منه لهما لصغرهما، وهذا - أيضاً - معروف في الناس أن الصغار من الأولاد يكونون عندهم أحب، وقلوبهم إليهم أميل، وعليهم أعطف، ولهم أرحم من الكبار منهم.

أو خصهما بذلك لفضل خصوصية كانت لهما إما من جهة الدين، أو العلم، أو غيره، أمره الله بذلك لذلك من دون غيرهما.

أو لما بشر يعقوب بنبوة يوسف، فكان يفضله على سائر أولاده، ويؤثره عليهم لذلك.

وإنما قالوا: ﴿ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا ﴾ بآثار تظهر عندهم، وإلا حقيقة المحبة لا تعرف.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ ﴾ .

قيل: العصبة: الجماعة.

وقال بعضهم: العصبة من عشرة إلى أربعين، والعصبة: الجماعة، أي: نحن جماعة ولنا منعة؛ ولهذا قال أصحابنا: إن التسعة من الإمام تكون منعة يستوجبون ما تستوجب السرية إذا دخلت دار الحرب، فغنمت غنائم يخمس منها.

وقوله: ﴿ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾ .

لم يعنوا ضلال الدين؛ إنما قالوا ذلك - والله أعلم - إنا جماعة تقدر على دفع من يروم الضرر به، ويقصد قصد الشر بنفسه وماله، ونحن أولو قوة، بنا يقوم معاشه وأسبابه، فكيف يؤثر هؤلاء علينا؟!

وكذلك قوله: ﴿ وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ  ﴾ ، لم يرد به ضلال الدين، ولكن وجهاً آخر، وقالوا ذلك؛ لما كانت له منافع من أنفسهم لم تكن تلك المنافع من يوسف وأخيه، وأبداً إنما يؤثر المرء حب من له منافع من قبله، لا حبّ من لا منفعة له منه، فهو فيه في ضلال مبين؛ حيث يؤثر حب من لا منفعة له منه على حب من كانت له منه منافع وأمثاله، والله أعلم.

وقولهم: ﴿ ٱقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ ﴾ .

لا يحتمل أن يكونوا عزموا على قتله، ولكن على المشاورة فيما بينهم: نفعل ذا أو ذا؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ...

﴾ الآية [الأنفال: 30]، ليس على العزيمة على واحد، ولكن على المشورة فيما بينهم، يدل على ذلك قوله: ﴿ يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ ﴾ أنهم أرادوا أن يخلو وجه أبيهم لهم، لا قتله، إنما أرادوا غيبته عنه.

وقال بعضهم: ﴿ يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ ﴾ .

أي: يقبل عليكم أبوكم بوجهه.

وقال بعضهم: أي: يفرغ لكم من الشغل بيوسف.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ ﴾ .

يحتمل: ﴿ صَالِحِينَ ﴾ ، أي: تائبين.

وقال بعضهم: تكونوا صالحين عند أبيكم من بعده.

وقال بعضهم: يصلح أمركم وحالكم عند أبيكم بعد ذهاب يوسف.

وجائز أن تكونوا قوماً صالحين في الآخرة، وقالوا: إنهم تابوا قبل أن يزلوا ويعصوا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَٰبَتِ ٱلْجُبِّ ﴾ .

قال أبو عوسجة: يعني: في قعر البئر، والغيابة: ما يغيبه ويواريه، والجب: البئر، والجباب جمع.

وقال أبو عبيدة: الغيابة: كل شيء غيب عنك شيئاً فهو غيابة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ ٱلسَّيَّارَةِ ﴾ .

أي: يرفعه بعض السيارة؛ ولذلك يقال للطائر: يلتقط الحبّ، ويلقط: أي: يرفع.

﴿ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ ﴾ : إن كنتم لا بد فاعلين أن تغيبوه عنه.

وأما قول أهل التأويل إن قوله: ﴿ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ ﴾ قاله فلان أو فلان، فذلك مما لا نعرفه، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة، والله أعلم.

وقال أبو عوسجة: السيارة أصلها من السير، هو مثل المسافر، وهي القافلة؛ يعني: العير.

وقيل: الجب: الركية التي لم تطو بالحجارة، فإذا طويت فليس بجب.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لقد كان في خبر يوسف وخبر إخوته عبر وعظات للسائلين عن أخبارهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.y5lwm"

مزيد من التفاسير لسورة يوسف

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.3 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 0 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل