الآية ١٠٥ من سورة الإسراء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 17 الإسراء > الآية ١٠٥ من سورة الإسراء

وَبِٱلْحَقِّ أَنزَلْنَـٰهُ وَبِٱلْحَقِّ نَزَلَ ۗ وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا مُبَشِّرًۭا وَنَذِيرًۭا ١٠٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 71 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٠٥ من سورة الإسراء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٠٥ من سورة الإسراء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى مخبرا عن كتابه العزيز ، وهو القرآن المجيد ، أنه بالحق نزل ، أي : متضمنا للحق ، كما قال تعالى : ( لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه ) [ النساء : 166 ] أي : متضمنا علم الله الذي أراد أن يطلعكم عليه ، من أحكامه وأمره ونهيه .

وقوله : ( وبالحق نزل ) أي : ووصل إليك - يا محمد - محفوظا محروسا ، لم يشب بغيره ، ولا زيد فيه ولا نقص منه ، بل وصل إليك بالحق ، فإنه نزل به شديد القوى ، [ القوي ] الأمين المكين المطاع في الملإ الأعلى .

وقوله : ( وما أرسلناك ) أي : يا محمد ) إلا مبشرا ) لمن أطاعك من المؤمنين ) ونذيرا ) لمن عصاك من الكافرين .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: وبالحق أنـزلنا هذا القرآن: يقول: أنـزلناه نأمر فيه بالعدل والإنصاف والأخلاق الجميلة، والأمور المستحسنة الحميدة، وننهى فيه عن الظلم والأمور القبيحة، والأخلاق الردية، والأفعال الذّميمة (وَبِالْحَقِّ نَـزَلَ) يقول: وبذلك نـزل من عند الله على نبيّه محمد صلى الله عليه وسلم.

وقوله (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا) يقول تعالى ذكره لنبيّه محمد صلى الله عليه وسلم: وما أرسلناك يا محمد إلى من أرسلناك إليه من عبادنا، إلا مبشرا بالجنَّة من أطاعنا، فانتهى إلى أمرنا وَنهْينا، ومنذرا لمن عصانا وخالف أمرنا ونهينَا.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وبالحق أنزلناه وبالحق نزل وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا قوله تعالى : وبالحق أنزلناه وبالحق نزل هذا متصل بما سبق من ذكر المعجزات والقرآن .

والكناية ترجع إلى القرآن .

ووجه التكرير في قوله وبالحق نزل يجوز أن يكون معنى الأول : أوجبنا إنزاله بالحق .

ومعنى الثاني : ونزل وفيه الحق ; كقوله خرج بثيابه ، أي وعليه ثيابه .

وقيل الباء في " وبالحق " الأول بمعنى مع ، أي مع الحق ; كقولك ركب الأمير بسيفه أي مع سيفه .

وبالحق نزل أي بمحمد - صلى الله عليه وسلم - ، أي نزل عليه ، كما تقول نزلت بزيد .

وقيل : يجوز أن يكون المعنى وبالحق قدرنا أن ينزل ، وكذلك نزل .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: وبالحق أنزلنا هذا القرآن الكريم، لأمر العباد ونهيهم، وثوابهم وعقابهم، { وَبِالْحَقِّ نَزَلَ } أي: بالصدق والعدل والحفظ من كل شيطان رجيم { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا } من أطاع الله بالثواب العاجل والآجل { وَنَذِيرًا } لمن عصى الله بالعقاب العاجل والآجل، ويلزم من ذلك بيان ما بشر به وأنذر.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( وبالحق أنزلناه وبالحق نزل ) يعني القرآن ( وما أرسلناك إلا مبشرا ) للمطيعين ( ونذيرا ) للعاصين .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وبالحق أنزلناه» أي القرآن «وبالحق» المشتمل عليه «نزل» كما أنزل لم يعتره تبديل «وما أرسلناك» يا محمد «إلا مبشرا» من آمن بالجنة «ونذيرا» من كفر بالنار.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وبالحق أنزلنا هذا القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم لأمْرِ العباد ونهيهم وثوابهم وعقابهم، وبالصدق والعدل والحفظ من التغيير والتبديل نزل.

وما أرسلناك -أيها الرسول- إلا مبشرًا بالجنة لمن أطاع، ومخوفًا بالنار لمن عصى وكفر.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

قال الآلوسى : " قوله - تعالى - : ( وبالحق أَنْزَلْنَاهُ وبالحق نَزَلَ .

.

) عود إلى شرح حال القرآن الكريم ، فهو مرتبط بقوله : ( لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرآن لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ .

.

) وهكذا طريقة العرب فى كلامها ، تأخذ فى شئ وتستطرد منه إلى آخر ، ثم إلى آخر ، ثم إلى آخر ، ثم تعود إلى ما ذكرته أولاً ، والحديث شجون .

.

.

" .والمراد بالحق الأول : الحكمة الإِلهية التى اقتضت إنزاله ، والمراد بالحق الثانى : ما اشتمل عليه هذا القرآن من عقائد وعبادات وآداب وأحكام ومعاملات .

.

.والباء فى الموضعين للملابسة ، والجار والمجرور فى موضع الحال من ضمير القرآن الذى دل الكلام على أن الحديث عنه .والمعنى : وإن هذا القرآن ما أنزلناه إلا ملتبسًا بالحق الذى تقتضيه حكمتنا ، وما أنزلناه إلا وهو مشتمل على كل ما هو حق من العقائد والعبادات وغيرهما .

فالحق سداه ولحمته ، والحق مادته وغايته .قال بعض العلماء : بين - جل وعلا - فى هذه الآية الكريمة ، أنه أنزل هذا القرآن بالحق ، أى : ملتبسًا به متضمنًا له ، فكل ما فيه حق ، فأخباره صدق .

وأحكامه عدل ، كما قال - تعالى - : ( وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ .

.

.

) وكيف لا ، وقد أنزله - سبحانه - بعلمه ، كما قال - تعالى - ( لكن الله يَشْهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ والملائكة يَشْهَدُونَ وكفى بالله شَهِيداً ) وقوله ( بالحق نزل ) يدل على أنه لم يقع فيه تغيير ولا تبديل فى طريق إنزاله ، لأن الرسول المؤتمن على إنزاله قوى لا يغلب عليه ، حتى يغير فيه ، أمين لا يغير ولا يبدل ، كما أشار إلى هذا - سبحانه - بقوله : ( إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي العرش مَكِينٍ مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ) وقوله - سبحانه - : ( وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً ) ثناء على الرسول صلى الله عليه وسلم الذى نزل عليه القرآن ، بعد الثناء على القرآن فى ذاته .أى : وما أرسلناك - أيها الرسول الكريم - إلا مبشرًا لمن أطاعنا بالثواب ، وإلا منذرًا لمن عصانا بالعقاب .

ولم نرسلك لتخلق الهداية فى القلوب ، فإن ذلك من شأن الله تعالى .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بين أن القرآن معجز قاهر دال على الصدق في قوله: ﴿ قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن  ﴾ ثم حكى عن الكفار أنهم لم يكتفوا بهذا المعجز بل طلبوا سائر المعجزات، ثم أجاب الله بأنه لا حاجة إلى إظهار سائر المعجزات وبين ذلك بوجوه كثيرة، منها أن قوم موسى عليه الصلاة والسلام آتاهم الله تسع آيات بينات فلما جحدوا بها أهلكهم الله فكذا هاهنا، ثم إنه تعالى لو آتى قوم محمد تلك المعجزات التي اقترحوها ثم كفروا بها وجب إنزال عذاب الاستئصال بهم وذلك غير جائز في الحكمة لعلمه تعالى أن منهم من يؤمن والذي لا يؤمن فسيظهر من نسله من يصير مؤمناً، ولما تم هذا الجواب عاد إلى تعظيم حال القرآن وجلالة درجته فقال: ﴿ وبالحق أَنْزَلْنَاهُ وبالحق نَزَلَ ﴾ والمعنى أنه ما أردنا بإنزاله إلا تقرير الحق والصدق وكما أردنا هذا المعنى فكذلك وقع هذا المعنى وحصل وفي هذه الآية فوائد.

الفائدة الأولى: أن الحق هو الثابت الذي لا يزول كما أن الباطل هو الزائل الذاهب، وهذا الكتاب الكريم مشتمل على أشياء لا تزول وذلك لأنه مشتمل على دلائل التوحيد وصفات الجلال والإكرام وعلى تعظيم الملائكة وتقرير نبوة الأنبياء وإثبات الحشر والنشر والقيامة وكل ذلك مما لا يقبل الزوال ومشتمل أيضاً على شريعة باقية لا يتطرق إليها النسخ والنقض والتحريف، وأيضاً فهذا الكتاب كتاب تكفل الله بحفظه عن تحريف الزائغين وتبديل الجاهلين كما قال: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون  ﴾ فكان هذا الكتاب حقاً من كل الوجوه.

الفائدة الثانية: أن قوله: ﴿ وبالحق أَنْزَلْنَاهُ ﴾ يفيد الحصر ومعناه أنه ما أنزل لمقصود آخر سوى إظهار الحق وقالت المعتزلة، وهذا يدل على أنه ما قصد بإنزاله إضلال أحد من الخلق ولا إغواؤه ولا منعه عن دين الله.

الفائدة الثالثة: قوله: ﴿ وبالحق أَنْزَلْنَاهُ وبالحق نَزَلَ ﴾ يدل على أن الإنزال غير النزول، فوجب أن يكون الخلق غير المخلوق وأن يكون التكوين غير المكون على ما ذهب إليه قوم.

الفائدة الرابعة: قال أبو علي الفارسي الباء في قوله: ﴿ وبالحق أَنْزَلْنَاهُ ﴾ بمعنى مع كما تقول نزل بعدته وخرج بسلاحه، والمعنى أنزلنا القرآن مع الحق وقوله: ﴿ وبالحق نَزَلَ ﴾ فيه احتمالان، أحدهما: أن يكون التقدير نزل بالحق كما تقول نزلت بزيد وعلى هذا التقدير الحق محمد صلى الله عليه وسلم لأن القرآن نزل به أي عليه.

الثاني: أن تكون بمعنى مع كما قلنا في قوله: ﴿ وبالحق أَنْزَلْنَاهُ ﴾ ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشّرًا وَنَذِيرًا ﴾ والمقصود أن هؤلاء الجهال الذين يقترحون عليك هذه المعجزات ويتمردون عن قبول دينك لا شيء عليك من كفرهم فإني ما أرسلتك إلا مبشراً للمطيعين ونذيراً للجاحدين فإن قبلوا الدين الحق انتفعوا به وإلا فليس عليك من كفرهم شيء.

ثم قال: ﴿ وَقُرْءانًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى الناس على مُكْثٍ ﴾ وفيه مباحث: البحث الأول: أن القوم قالوا: هب إن هذا القرآن معجز إلا أنه بتقدير أن يكون الأمر كذلك فكان من الواجب أن ينزله الله عليك دفعة واحدة ليظهر فيه وجه الإعجاز فجعلوا إتيان الرسول بهذا القرآن متفرقاً شبهة في أنه يتفكر في فصل فصل ويقرأه على الناس فأجاب الله عنه بأنه إنما فرقه ليكون حفظه أسهل ولتكون الإحاطة والوقوف على دقائقه وحقائقه أسهل.

البحث الثاني: قال سعيد بن جيبر نزل القرآن كله ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء السفلى، ثم فصل في السنين التي نزل فيها، قال قتادة: كان بين أوله وآخره عشرون سنة والمعنى قطعناه آية آية وسورة سورة ولم ننزله جملة لتقرأه على الناس على مكث بالفتح والضم على مهل وتؤدة أي لا على فورة.

قال الفراء: يقال مكث ومكث يمكث، والفتح قراءة عاصم في قوله: ﴿ فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ  ﴾ .

البحث الثالثة: الاختيار عند الأئمة فرقناه بالتخفيف وفسره أبو عمرو بيناه قال أبو عبيد: التخفيف أعجب إلي لأن تفسيره بيناه ومن قرأ بالتشديد لم يكن له معنى إلا أنه أنزل متفرقاً فالفرق يتضمن التبيين ويؤكده ما روى ثعلب عن ابن الأعرابي أنه قال: فرقت أفرق بين الكلام وفرقت بين الأجسام ويدل عليه أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا» ولم يقل يفترقا والتفرق مطاوع التفريق والافتراق مطاوع الفرق ثم قال: ﴿ ونزلناه تَنْزِيلاً ﴾ أي على الحد المذكور والصفة المذكورة ثم قال: ﴿ قُلْ ءامِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ ﴾ يخاطب الذين اقترحوا تلك المعجزات العظيمة على وجه التهديد والإنكار أي إنه تعالى أوضح البينات والدلائل وأزاح الأعذار فاختاروا ما تريدون ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ الذين أُوتُواْ العلم مِن قَبْلِهِ ﴾ أي من قبل نزول القرآن قال مجاهد: هم ناس من أهل الكتاب حين سمعوا ما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم خروا سجداً منهم زيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وعبد الله بن سلام ثم قال: ﴿ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا ﴾ وفيه أقوال: القول الأول: قال الزجاج: الذقن مجمع اللحيين وكلما يبتدئ الإنسان بالخرور إلى السجود فأقرب الأشياء من الجبهة إلى الأرض الذقن.

والقول الثاني: أن الأذقان كناية عن اللحى والإنسان إذا بالغ عند السجود في الخضوع والخشوع ربما مسح لحيته على التراب فإن اللحية يبالغ في تنظيفها فإذا عفرها الإنسان بالتراب فقد أتى بغاية التعظيم.

والقول الثالث: أن الإنسان إذا استولى عليه خوف الله تعالى فربما سقط على الأرض في معرض السجود كالمغشي عليه ومتى كان الأمر كذلك كان خروره على الذقن في موضع السجود فقوله: ﴿ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ ﴾ كناية عن غاية ولهه وخوفه وخشيته ثم بقي في الآية سؤالان.

السؤال الأول: لم قال: ﴿ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا ﴾ ولم يقل يسجدون؟

والجواب المقصود من ذكر هذا اللفظ مسارعتهم إلى ذلك حتى أنهم يسقطون.

السؤال الثاني: لم قال: ﴿ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ ﴾ ولم يقل على الأذقان والجواب العرب تقول إذا خر الرجل فوقع على وجهه خر للذقن، والله أعلم.

ثم قال تعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبّنَا لَمَفْعُولاً ﴾ والمعنى أنهم يقولون في سجودهم: ﴿ سُبْحَانَ رَبّنَا ﴾ أي ينزهونه ويعظمونه: ﴿ إِن كَانَ وَعْدُ رَبّنَا لَمَفْعُولاً ﴾ أي بإنزال القرآن وبعث محمد وهذا يدل على أن هؤلاء كانوا من أهل الكتاب لأن الوعد ببعثة محمد سبق في كتابهم فهم كانوا ينتظرون إنجاز ذلك الوعد ثم قال: ﴿ وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ ﴾ والفائدة في هذا التكرير اختلاف الحالين وهما خرورهم للسجود وفي حال كونهم باكين عند استماع القرآن ويدل عليه قوله: ﴿ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ﴾ ويجوز أن يكون تكرار القول دلالة على تكرار الفعل منهم وقوله: ﴿ يَبْكُونَ ﴾ معناه الحال: ﴿ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ﴾ أي تواضعاً واعلم أن المقصود من هذه الآية تقرير تحقيرهم والازدراء بشأنهم وعدم الاكتراث بهم وبإيمانهم وامتناعهم منه وأنهم وإن لم يؤمنوا به فقد آمن به من هو خير منهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وبالحق أَنْزَلْنَاهُ وبالحق نَزَلَ ﴾ وما أنزلنا القرآن إلا بالحكمة المقتضية لإنزاله وما نزل إلا ملتبساً بالحق والحكمة لاشتماله على الهداية إلى كل خير، أو ما أنزلناه من السماء إلا بالحق محفوظاً بالرصد من الملائكة، وما نزل على الرسول إلا محفوظاً بهم من تخليط الشياطين ﴿ وَمَا أرسلناك ﴾ إلا لتبشرهم بالجنة وتنذرهم من النار، ليس إليك وراء ذلك شيء، من إكراه على الدين أو نحو ذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ وبِالحَقِّ نَزَلَ ﴾ أيْ وما أنْزَلْنا القُرْآنَ إلّا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ المُقْتَضِي لِإنْزالِهِ، وما نَزَلَ عَلى الرَّسُولِ إلّا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ الَّذِي اشْتَمَلَ عَلَيْهِ.

وقِيلَ وما أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ إلّا مَحْفُوظًا بِالرَّصْدِ مِنَ المَلائِكَةِ، وما نَزَلَ عَلى الرَّسُولِ إلّا مَحْفُوظًا بِهِمْ مِن تَخْلِيطِ الشَّياطِينِ.

ولَعَلَّهُ أرادَ بِهِ نَفْيَ اعْتِراءِ البُطْلانِ لَهُ أوَّلَ الأمْرِ وآخِرَهُ ﴿ وَما أرْسَلْناكَ إلا مُبَشِّرًا ﴾ لِلْمُطِيعِ بِالثَّوابِ.

﴿ وَنَذِيرًا ﴾ لِلْعاصِي بِالعِقابِ فَلا عَلَيْكَ إلّا التَّبْشِيرُ والإنْذارُ.

﴿ وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ ﴾ نَزَّلْناهُ مُفَرَّقًا مُنَجَّمًا.

وقِيلَ فَرَقْنا فِيهِ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ فَحُذِفَ الجارُّ كَما في قَوْلِهِ: ويَوْمًا شَهِدْناهُ، وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ لِكَثْرَةِ نُجُومِهِ فَإنَّهُ نَزَلَ في تَضاعِيفِ عِشْرِينَ سَنَةً.

﴿ لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ ﴾ عَلى مَهَلٍ وتُؤَدَةٍ فَإنَّهُ أيْسَرُ لِلْحِفْظِ وأعُونُ في الفَهْمِ وقُرِئَ بِالفَتْحِ وهو لُغَةٌ فِيهِ.

﴿ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلا ﴾ عَلى حَسَبِ الحَوادِثِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وبالحق أنزلناه وبالحق نزل} وما انزلنا

الإسراء (١٠٥ _ ١٠٩)

القرآن إلا بالحكمة وما نزل إلا ملتبساً بالحق والحكمة لاشتماله على الهداية إلى كل خير أو ما أنزلناه من السماء إلا بالحق محفوظاً بالرصد من الملائكة وما نزل على الرسول إلا محفوظاً بهم من تخليط الشياطين قال الراوي اشتكى محمد بن السماك فأخذنا ماءه وذهبنا به إلى طبيب نصراني فاستقبلنا رجل حسن الوجه طيب الرائحة نقي الثوب فقال لنا إلى أين فقلنا له إلى فلان الطبيب نريه ماء ابن السماك فقال سبحان الله تستعينون على ولي الله بعدو الله اضربوه على الأرض وارجعوا إلى ابن السماك وقولوا له ضع يدك على موضع الوجع وقل وبالحق أنزلناه وبالحق نزل ثم غاب عنا فلم نره فرجعنا إلى ابن السماك فأخبرناه بذلك فوضع يده على موضع الوجع وقال ما قال الرجل وعوفي في الوقت وقال كان ذلك الخضر عليه السلام {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً} بالجنة {وَنَذِيراً} من النار

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ وبِالحَقِّ نَزَلَ ﴾ عَوْدٌ إلى شَرْحِ حالِ القُرْآنِ الكَرِيمِ؛ فَهو مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ ﴾ الآيَةَ.

وهَكَذا طَرِيقَةُ العَرَبِ في كَلامِها تَأْخُذُ في شَيْءٍ وتَسْتَطْرِدُ مِنهُ إلى آخَرَ ثُمَّ إلى آخَرَ ثُمَّ تَعُودُ إلى ما ذَكَرْتُهُ أوَّلًا، والحَدِيثُ شُجُونٌ، فَضَمِيرُ الغائِبِ لِلْقُرْآنِ، وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والآيَةُ مُرْتَبِطَةٌ بِما عِنْدَها، والإنْزالُ فِيها كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأنْزَلْنا الحَدِيدَ ﴾ وقَدْ حَمَلَهُ بَعْضُهم عَلى هَذا المَعْنى فِيما قَبْلُ أوْ لِلْآياتِ التِّسْعِ، وذُكِرَ عَلى المَعْنى أوْ لِلْوَعْدِ المَذْكُورِ آنِفًا، والظّاهِرُ أنَّ الباءَ في المَوْضِعَيْنِ لِلْمُلابَسَةِ، والجارَّ والمَجْرُورَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ القُرْآنِ، واحْتِمالُ أنْ يَكُونَ أوَّلًا حالًا مِن ضَمِيرِهِ تَعالى خِلافُ الظّاهِرِ، والمُرادُ بِالحَقِّ الأوَّلِ عَلى ما قِيلَ الحِكْمَةُ الإلَهِيَّةُ المُقْتَضِيَةُ لِإنْزالِهِ وبِالثّانِي ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ العَقائِدِ والأحْكامِ ونَحْوِها؛ أيْ: ما أنْزَلْناهُ إلّا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ المُقْتَضِي لِإنْزالِهِ وما نَزَلَ إلّا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ الَّذِي اشْتَمَلَ عَلَيْهِ، وقِيلَ: الباءُ الأُولى لِلسَّبَبِيَّةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ بَعْدُ، والثّانِيَةُ لِلْمُلابَسَةِ، وقِيلَ: هُما لِلسَّبَبِيَّةِ فَيَتَعَلَّقانِ بِالفِعْلِ وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: الحَقُّ الأوَّلُ التَّوْحِيدُ، والثّانِي الوَعْدُ والوَعِيدُ، والأمْرُ والنَّهْيُ، وقِيلَ: الحَقُّ في المَوْضِعَيْنِ الأمْرُ المَحْفُوظُ الثّابِتُ، والمَعْنى: ما أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ إلّا مَحْفُوظًا بِالرَّصَدِ مِنَ المَلائِكَةِ وما نَزَلَ عَلى الرَّسُولِ إلّا مَحْفُوظًا بِهِمْ مِن تَخْلِيطِ الشَّياطِينِ، وحاصِلُهُ أنَّهُ مَحْفُوظٌ حالَ الإنْزالِ وحالَ النُّزُولِ وما بَعْدَهُ، لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ.

وأبْعَدَ مَن جَوَّزَ كَوْنَ المُرادِ بِالحَقِّ الثّانِي النَّبِيَّ  ومَعْنى نُزُولِهِ بِهِ نُزُولُهُ عَلَيْهِ وحُلُولُهُ عِنْدَهُ مِن قَوْلِهِمْ: نَزَلَ بِفُلانٍ ضَيْفٌ، وعَلى سائِرِ الأوْجُهِ لا تَخْفى فائِدَةُ ذِكْرِ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ بَعْدَ الأُولى، وما يُتَوَهَّمُ مِنَ التَّكْرارِ مُنْدَفِعٌ، ونَحا الطَّبَرِيُّ إلى أنَّ الجُمْلَةَ الثّانِيَةَ تَوْكِيدٌ لِلْأُولى مِن حَيْثُ المَعْنى؛ لِأنَّهُ يُقالُ: أنْزَلْتُهُ فَنَزَلَ، وأنْزَلْتُهُ فَلَمْ يَنْزِلْ، إذا عَرَضَ لَهُ مانِعٌ مِنَ النُّزُولِ فَجاءَتِ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ مُزِيلَةً لِهَذا الِاحْتِمالِ وتَحاشى بَعْضُهم مِن إطْلاقِ التَّوْكِيدِ لِما بَيْنَ الإنْزالِ والنُّزُولِ مِنَ المُغايَرَةِ، وادَّعى أنَّهُ لَوْ كانَتِ الثّانِيَةُ تَوْكِيدًا لِلْأُولى لَما جازَ العَطْفُ لِكَمالِ الِاتِّصالِ ﴿ وما أرْسَلْناكَ إلا مُبَشِّرًا ﴾ لِلْمُطِيعِ بِالثَّوابِ ﴿ ونَذِيرًا ﴾ لِلْعاصِي مِنَ العِقابِ فَلا عَلَيْكَ إلّا التَّبْشِيرُ والإنْذارُ لا هِدايَةُ الكَفَرَةِ المُقْتَرِحِينَ وإكْراهُهم عَلى الدِّينِ، ولَعَلَّ الجُمْلَةَ لِتَحْقِيقِ حَقِّيَّةِ بَعْثَتِهِ  إثْرَ تَحْقِيقِ حَقِيقَةِ القُرْآنِ ونُصِبَ ما بَعْدَ إلّا عَلى الحالِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وقال: فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ، أي يَسْتَنْزلهُمْ ويخرجهم، ويقال: أي يستخفهم من الارض، يعني: من أرض الأردن وفلسطين ومصر.

فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ، الذين مع موسى: اسْكُنُوا الْأَرْضَ، أي انزلوا أرض الأردن وفلسطين ومصر.

فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ، أي البعث بعد الموت، جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً أي جميعاً.

واللفيف: الجماعة من كل قبيلة.

قوله عز وجل: وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ، أي أنزلنا عليك جبريل بالقرآن.

وَبِالْحَقِّ نَزَلَ، أي بالقرآن نزل جبريل ويقال: أنزلناه بالحق والحكمة والحجة.

ثم قال: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً بالجنة للمؤمنين وَنَذِيراً بالنار للكافرين.

وقال تعالى: وَقُرْآناً فَرَقْناهُ، حين أنزلنا به جبريل متفرقاً آية بعد آية، وسورة بعد سورة.

لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ، أي على ترسل، ومهل ليفهموه ويحفظوه.

وكان ابن عباس يقرأ: فَرَقْناهُ بالتشديد، أي بيّنا فيه الحلال والحرام.

ويقال: أنزلناه متفرقاً.

وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا، أي بيّناه بيانا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

والأرض هنا أرْضُ مِصْر، ومتى ذكرت الأرض عموماً، فإِنما يراد بها ما يناسب القصَّة المتكلَّم فيها، واقتضبَتْ هذه الآيةُ قصص بني إِسرائيل مع فرعون، وإِنما ذكرت عِظَمَ الأمر وخطيره، وذلك طرفاه أراد فرعون غلبتهم وقتلهم، وهذا كان بَدْءَ الأمر فأغرقه اللَّه وجُنُودَهُ، وهذا كان نهايةَ الأمر، ثم ذكر سبحانه أمْرَ بني إسرائيل بعد إِغراق فرَعوْنَ بسُكْنَى أرض الشام ووَعْدُ الْآخِرَةِ هو يوم القيامة، «واللفيفُ» : الجَمْعُ المختلطُ الذي قد لفّ بعضه إلى بعض.

وقوله سبحانه: وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ يعني القرآن نَزَلَ بالمصالح والسّداد للناس، وبِالْحَقِّ نَزَلَ يريد: بالحقِّ في أوامره ونواهيه وأخباره، وقرأ جمهور «١» الناس: «فَرْقَنَاهُ» بتخفيف الراء، ومعناه: بيَّنَّاه وأوضَحْناه وجَعَلْناه فرقاناً، وقرأ جماعةٌ خارجَ السبْعِ «٢» :

«فَرَّقْنَاهُ» بتشديد الراء، أي: أنزلناه شيئاً بعد شيء، لا جملةً واحدة، ويتناسق هذا المعنى مع قوله: لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ، وتأوّلت فرقةٌ قوله: عَلى مُكْثٍ أي: على ترسُّل في التلاوةِ، وترتُّل، هذا قول مجاهد وابن عباس وابن جُرَيْج وابن زيد «٣» ، والتأويلُ الآخر، أي على مُكْثٍ وتطاوُلٍ في المدة شيئاً بعد شيء.

وقوله سبحانه: قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُوا فيه تحقيرٌ للكفّار، وضرب من التوعّد، والَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ: قالت فرقة: هم مؤمنو أهل الكتاب، والْأَذْقانِ: أسافل الوجوه حيث يجتمع اللّحيان.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ ﴾ الهاءُ كِنايَةٌ عَنِ القُرْآَنِ، والمَعْنى: أنْزَلْنا القُرْآَنَ بِالأمْرِ الثّابِتِ والدِّينِ المُسْتَقِيمِ، فَهو حَقٌّ، ونُزُولُهُ حَقٌّ، وما تَضَمَّنَهُ حَقٌّ.

وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: ﴿ وَبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ ﴾ ؛ أيْ: بِالتَّوْحِيدِ، ﴿ وَبِالحَقِّ نَزَلَ ﴾ يَعْنِي: بِالوَعْدِ والوَعِيدِ، والأمْرِ والنَّهْيِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ ﴾ قَرَأ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ، وسَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، ومُجاهِدٌ، والشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ، والأعْرَجُ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ( فَرَّقْناهُ ) بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالتَّخْفِيفِ.

فَأمّا قِراءَةُ التَّخْفِيفِ فَفي مَعْناها ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: بَيَّنّا حَلالَهُ وحَرامَهُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: فَرَّقْنا فِيهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، [ قالَهُ الحَسَنُ ] .

والثّالِثُ: أحْكَمْناهُ وفَصَّلْناهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ  ﴾ ، قالَهُ الفَرّاءُ.

وأمّا المُشَدَّدَةُ فَمَعْناها: أنَّهُ أُنْزِلَ مُتَفَرِّقًا ولَمْ يَنْزِلْ جُمْلَةً واحِدَةً.

وقَدْ بَيَّنّا في أوَّلِ كِتابِنا هَذا مِقْدارُ المُدَّةِ الَّتِي نَزَلَ فِيها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ ﴾ قَرَأ أنَسٌ، والشَّعْبِيُّ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءٍ، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِفَتْحِ المِيمِ، والمَعْنى: عَلى تُؤَدَةٍ وتَرَسُّلٍ لِيَتَدَبَّرُوا مَعْناهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ آمِنُوا بِهِ أوْ لا تُؤْمِنُوا ﴾ هَذا تَهْدِيدٌ لِكُفّارِ [ أهْلِ ] مَكَّةَ، والهاءُ كِنايَةٌ عَنِ القُرْآَنِ.

﴿ إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ﴾ وفِيهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهم ناسٌ مِن أهْلِ الكِتابِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّهُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: طُلّابُ الدِّينِ، كَأبِي ذَرٍّ، وسَلْمانَ، ووَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، وزَيْدِ بْنِ عَمْرٍو، قالَهُ الواحِدِيُّ.

وَفِي هاءِ الكِنايَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ مِن قَبْلِهِ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى القُرْآَنِ، والمَعْنى: مِن قَبْلِ نُزُولِهِ.

والثّانِي: تَرْجِعُ إلى رَسُولِ اللهِ  ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

فَعَلى الأوَّلِ ﴿ إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ ﴾ : القُرْآَنُ، وعَلى قَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ ﴿ إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ ﴾ : ما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن عِنْدِ اللَّهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَخِرُّونَ لِلأذْقانِ ﴾ اللّامُ هاهُنا بِمَعْنى ( عَلى ) .

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قَوْلُهُ: ﴿ لِلأذْقانِ ﴾ ؛ أيْ: لِلْوُجُوهِ.

قالَ الزَّجّاجُ: الَّذِي يَخِرُّ وهو قائِمٌ، إنَّما يَخِرُّ لِوَجْهِهِ، والذَّقْنُ مُجْتَمَعُ اللِّحْيَيْنِ، وهو عُضْوٌ مِن أعْضاءِ الوَجْهِ، فَإذا ابْتَدَأ يَخِرُّ، فَأقْرَبُ الأشْياءِ مِن وجْهِهِ إلى الأرْضِ الذَّقْنُ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أوَّلُ ما يَلْقى الأرْضَ مَنِ الَّذِي يَخِرُّ قَبْلَ أنْ يُصَوِّبَ جَبْهَتَهُ ذَقْنُهُ؛ فَلِذَلِكَ قالَ: " لِلْأذْقانِ " .

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: يَخِرُّونَ لِلْوُجُوهِ، فاكْتَفى بِالذَّقَنِ مِنَ الوَجْهِ كَما يُكْتَفى بِالبَعْضِ مِنَ الكُلِّ، وبِالنَّوْعِ مِنَ الجِنْسِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا ﴾ نَزَّهُوا اللَّهَ تَعالى عَنْ تَكْذِيبِ المُكَذِّبِينَ بِالقُرْآَنِ، وقالُوا: ﴿ إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا ﴾ بِإنْزالِ القُرْآَنِ وبَعْثِ مُحَمَّدٍ  ﴿ لَمَفْعُولا ﴾ ، واللّامُ دَخَلَتْ لِلتَّوْكِيدِ.

وهَؤُلاءِ قَوْمٌ كانُوا يَسْمَعُونَ أنَّ اللَّهَ باعِثٌ نَبِيًّا مِنَ العَرَبِ، ومُنْزِلٌ عَلَيْهِ كِتابًا، فَلَمّا عايَنُوا ذَلِكَ حَمِدُوا اللَّهَ تَعالى عَلى إنْجازِ الوَعْدِ.

﴿ وَيَخِرُّونَ لِلأذْقانِ ﴾ كَرَّرَ القَوْلَ لِيَدُلَّ عَلى تَكْرارِ الفِعْلِ مِنهم.

﴿ وَيَزِيدُهم خُشُوعًا ﴾ ؛ أيْ: يَزِيدُهُمُ القُرْآَنُ تَواضُعًا.

وكانَ عَبْدُ الأعْلى التَّيْمِيُّ يَقُولُ: مَن أُوتِيَ مِنَ العِلْمِ ما لا يُبْكِيهِ، لَخَلِيقٌ أنْ لا يَكُونُ أُوتِيَ عِلْمًا يَنْفَعُهُ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى نَعَتَ العُلَماءَ فَقالَ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ.

.

.

﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ يَبْكُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ وبِالحَقِّ نَزَلَ وما أرْسَلْناكَ إلا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا ﴾ ﴿ وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأهُ عَلى الناسِ عَلى مُكْثٍ ونَزَّلْناهُ تَنْزِيلا ﴾ ﴿ قُلْ آمِنُوا بِهِ أو لا تُؤْمِنُوا إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأذْقانِ سُجَّدًا ﴾ ﴿ وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولا ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "أنْزَلْناهُ" عائِدٌ عَلى القُرْآنِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ  ﴾ ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ آنِفًا، وأشارَ بِالضَمِيرِ إلى القُرْآنِ عَلى ذِكْرٍ مُتَقَدِّمٍ لِشُهْرَتِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ  ﴾ ، وهَذا كَثِيرٌ.

قالَ الزَهْراوِيُّ: مَعْناهُ: بِالواجِبِ الَّذِي هو المَصْلَحَةُ والسَدادُ لِلنّاسِ بِالحَقِّ في نَفْسِهِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وَبِالحَقِّ نَزَلَ ﴾ يُرِيدُ: بِالحَقِّ في أوامِرِهِ ونَواهِيهِ وأخْبارِهِ، فَبِهَذا التَأْوِيلِ يَكُونُ تَكْرارُ اللَفْظِ لِمَعْنًى غَيْرِ الأوَّلِ، وذَهَبَ الطَبَرِيٌّ إلى أنَّهُما بِمَعْنًى واحِدٍ، أيْ: بِأخْبارِهِ وأوامِرِهِ، وبِذَلِكَ نَزَلَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَقُرْآنًا".

مَذْهَبُ سِيبَوَيْهَ أنَّ نَصْبَهُ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ الظاهِرُ بَعْدُ، أيْ: وفَرَقْنا قُرْآنًا، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الكافِ في "أرْسَلْناكَ"، مِن حَيْثُ كانَ إرْسالُ هَذا وإنْزالُ هَذا لِمَعْنًى واحِدٍ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فَرَقْناهُ" بِتَخْفِيفِ الراءِ، ومَعْناهُ: بَيَّنّاهُ وأوضَحْناهُ وجَعَلْناهُ فُرْقانًا.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والشَعْبِيُّ، والحَسَنُ بِخِلافٍ - وحَمِيدٌ، وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ: "فَرَّقْناهُ" بِتَشْدِيدِ الراءِ، إلّا أنَّ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "فَرَّقْناهُ عَلَيْهِ لِتَقْرَأهُ"، أيْ: أنْزَلْناهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، لا جُمْلَةً واحِدَةً، ويَتَناسَقُ هَذا المَعْنى مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِتَقْرَأهُ عَلى الناسِ عَلى مُكْثٍ ﴾ ، وهَذا كانَ مِمّا أرادَ اللهُ مِن نُزُولِهِ بِأسْبابٍ تَقَعُ في الأرْضِ مِن أقْوالٍ وأفْعالٍ في أزْمانٍ مَحْدُودَةٍ مُعَيَّنَةٍ.

واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ، في كَمِّ القُرْآنِ مِنَ المُدَّةِ؟

فَقِيلَ: في خَمْسٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: في ثَلاثٍ وعِشْرِينَ، وقالَ قَتادَةُ: في عِشْرِينَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا بِحَسْبِ الخِلافِ في سِنِّ رَسُولِ اللهِ  ، وذَلِكَ أنَّ الوَحْيَ جاءَ وهو ابْنُ أرْبَعِينَ سَنَةً، وتَمَّ بِمَوْتِهِ.

وحَكى الطَبَرِيٌّ عَنِ الحَسَنِ البَصَرِيِّ أنَّهُ قالَ: نَزَلَ القُرْآنُ في ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ مُخْتَلٌّ: لا يَصِحُّ عَنِ الحَسَنِ، واللهُ أعْلَمُ.

وَتُأوِّلُ فِرْقَةٌ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ عَلى مُكْثٍ ﴾ ، أيْ: عَلى تَرَسُّلٍ في التِلاوَةِ وتَرْتِيلٍ، هَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جُرَيْجٍ، وابْنِ زَيْدٍ.

والتَأْوِيلُ الآخَرُ، أيْ: عَلى مُكْثٍ وتَطاوُلٍ في المُدَّةِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلا ﴾ مُبالَغَةٌ وتَأْكِيدٌ بِالمَصْدَرِ لِلْمَعْنى المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ في ألْفاظِ الآيَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأجْمَعَ القُرّاءُ عَلى ضَمِّ المِيمِ مِن "مُكْثٍ"، ويُقالُ: "مَكْثٌ" و"مُكْثٌ" بِضَمِّ المِيمِ، ومِكْثٌ بِكَسْرِها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ آمِنُوا بِهِ ﴾ الآيَةَ.

هَذِهِ آيَةُ تَحْقِيرٍ لِلْكُفّارِ، وفي ضِمْنِهِ ضَرْبٌ مِنَ التَوَعُّدِ، والمَعْنى: إنَّكم لَسْتُمْ بِحُجَّةٍ، فَسَواءٌ عَلَيْنا آمَنتُمْ أمْ كَفَرْتُمْ، وإنَّما ضَرَرُ ذَلِكَ عَلى أنْفُسِكُمْ، وإنَّما الحُجَّةُ أهْلُ العِلْمِ مِن قَبْلِهِ، هم بِالصِفَةِ المَذْكُورَةِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في المُرادِ بِـ ﴿ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ ﴾ -فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: هم ورَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ، وزَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، ومَن جَرى مَجْراهُما، وقِيلَ: إنَّ جَماعَةً مِن أهْلِ الكِتابِ جَلَسُوا وهم عَلى دِينِهِمْ فَتَذاكَرُوا أمْرَ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ وما أُنْزِلَ عَلَيْهِ، وقُرِئَ عَلَيْهِمْ مِنهُ شَيْءٌ فَخَشَعُوا وسَبَّحُوا لِلَّهِ وسَجَدُوا لَهُ، وقالُوا: هَذا وقْتُ نُبُوَّةِ المَذْكُورِ في التَوْراةِ، وهَذِهِ صِفَتُهُ، ووَعْدُ اللهِ بِهِ واقِعٌ لا مَحالَةَ، وجَنَحُوا إلى الإسْلامِ هَذا الجُنُوحَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ بِـ ﴿ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ ﴾ مُحَمَّدٌ  ، والضَمِيرُ في "قَبْلِهِ" عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، حَسَبَ الضَمِيرِ في "بِهِ"، ويُبَيِّنُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ ﴾ .

وقِيلَ: الضَمِيرانِ لِمُحَمَّدٍ  ، واسْتَأْنَفَ ذِكْرَ القُرْآنِ في قَوْلِهِ: ﴿ إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَخِرُّونَ لِلأذْقانِ ﴾ ، أيْ: لِناحِيَتِها، وهَذا كَما تَقُولُ: ساقِطٌ لِلْيَدِ والفَمِ، أيْ: لِناحِيَتِهِما وعَلَيْهِما، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: لِلْوُجُوهِ، وقالَ الحَسَنُ: لِلِّحى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأذْقانُ أسافِلُ الوُجُوهِ حَيْثُ يَجْتَمِعُ اللَحْيانِ، وهي أقْرَبُ ما في رَأْسِ الإنْسانِ إلى الأرْضِ لا سِيَّما عِنْدَ سُجُودِهِ، وقالَ الشاعِرُ: فَخَرُّوا لِأذْقانِ الوُجُوهِ تَنُوشُهم ∗∗∗ سِباعٌ مِنَ الطَيْرِ العَوادِي وتَنْتِفُ و"إنْ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا ﴾ هي عِنْدَ سِيبَوَيْهَ المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ.

واللامُ بَعْدَها لامُ التَوْكِيدِ، وهي عِنْدَ الفَرّاءِ النافِيَةُ واللامُ بِمَعْنى: إلّا.

ويَتَوَجَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ مَعْنًى آخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ قُلْ آمِنُوا بِهِ أو لا تُؤْمِنُوا ﴾ مُخَلِّصًا لِلْوَعِيدِ دُونَ التَحْقِيرِ.

والمَعْنى: فَسَتَرَوْنَ ما تُجازَوْنَ بِهِ، ثُمَّ ضَرَبَ لَهُمُ المَثَلَ -عَلى جِهَةِ التَقْرِيعِ- بِمَن تَقَدَّمُ مِن أهْلِ الكِتابِ، أيْ: إنَّ الناسَ لَمْ يَكُونُوا كَما أنْتُمْ في الكُفْرِ، بَلْ كانَ الَّذِينَ أُوتُوا التَوْراةَ والإنْجِيلَ والزَبُورَ والكُتُبَ المُنَزَّلَةَ في الجُمْلَةِ إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ ما نَزَّلْ عَلَيْهِمْ خَشَعُوا وآمَنُوا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ وبالحق أَنْزَلْنَاهُ وبالحق نَزَلَ ﴾ عود إلى التنويه بشأن القرآن فهو متصل بقوله: ﴿ ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا ﴾ [الإسراء: 89].

فلما عطف عليه ﴿ وقالوا لن نؤمن لك ﴾ [الإسراء: 90] الآيات إلى هنا وسمحت مناسبة ذكر تكذيب فرعون موسى عليه السلام عاد الكلام إلى التنويه بالقرآن لتلك المناسبة.

وقد وُصف القرآن بصفتين عظيمتين كل واحدة منهما تحتوي على ثناء عظيم وتنبيه للتدبر فيهما.

وقد ذُكر فعل النزول مرتين، وذكر له في كل مرة متعلق متماثل اللفظ لكنه مختلف المعنى، فعلق إنزال الله إياه بأنه بالحق فكان معنى الحق الثابت الذي لا ريب فيه ولا كذب، فهو كقوله تعالى: ﴿ ذلك الكتاب لا ريب فيه ﴾ [البقرة: 2] وهو رد لتكذيب المشركين أن يكون القرآن وحياً من عند الله.

وعلق نزول القرآن، أي بلوغه للناس بأنه بالحق فكان معنى الحق الثاني مقابلَ الباطل، أي مشتملاً على الحق الذي به قوام صلاح الناس وفوزهم في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿ وقل جاء الحق وزهق الباطل ﴾ [الإسراء: 81]، وقوله: ﴿ إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ﴾ [النساء: 105].

وضمائر الغيبة عائدة إلى القرآن المعروف من المقام.

والباء في الموضعين للمصاحبة لأنه مشتمل على الحق والهدي، والمصاحبة تشبه الظرفية.

ولولا اختلاف معنى الباءين في الآية لكان قوله: وبالحق نزل } مجرد تأكيد لقوله: ﴿ وبالحق أنزلناه ﴾ لأنه إذا أنزل بالحق نزل به ولا ينبغي المصير إليه ما لم يتعين.

وتقديم المجرور في المَوضعين على عامله للقصر رداً على المنكرين الذين ادعوا أنه أساطير الأولين أو سحر مبين أو نحو ذلك.

جملة معترضة بين جملة ﴿ وبالحق أنزلناه ﴾ وجملة ﴿ وقرآنا فرقناه ﴾ [الإسراء: 106].

أي وفي ذلك الحق نفع وضر فأنت به مبشر للمؤمنين ونذير للكافرين.

والقصر للرد على الذين سألوه أشياء من تصرفات الله تعالى والذين ظنوا أن لا يكون الرسول بشرا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ وبِالحَقِّ نَزَلَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ إنْزالَهُ حَقٌّ.

الثّانِي: أنَّ ما تَضَمَّنَهُ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي والوَعْدِ والوَعِيدِ حَقٌّ.

﴿ وَبِالحَقِّ نَزَلَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: وبِوَحْيِنا نَزَلَ.

الثّانِي: عَلى رَسُولِنا نَزَلَ.

﴿ وَما أرْسَلْناكَ إلا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا ﴾ يَعْنِي مُبَشِّرًا بِالجَنَّةِ لِمَن أطاعَ اللَّهَ تَعالى، ونَذِيرًا بِالنّارِ لِمَن عَصى اللَّهَ تَعالى.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: فَرَقْنا فِيهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: فَرَّقْناهُ بِالتَّشْدِيدِ وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ أيْ نَزَلَ مُفَرَّقًا آيَةً آيَةً وهي كَذَلِكَ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: فَرَّقْناهُ عَلَيْكَ.

الثّالِثُ: فَصَّلْناهُ سُوَرًا وآياتٍ مُتَمَيِّزَةً، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

﴿ لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي عَلى تَثَبُّتٍ وتَرَسُّلٍ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

الثّانِي: أنَّهُ كانَ يَنْزِلُ مِنهُ شَيْءٌ، ثُمَّ يَمْكُثُونَ بَعْدُ ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يَنْزِلُ شَيْءٌ آخَرُ.

الثّالِثُ: أنْ يَمْكُثَ في قِراءَتِهِ عَلَيْهِمْ مُفَرَّقًا شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات ﴾ قال: اليد والعصا والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والسنين ونقص من الثمرات.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ تسع آيات بينات ﴾ قال: يده وعصاه ولسانه والبحر والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم.

وأخرج الطيالسي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وصححه، والنسائي وابن ماجة وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن قانع والحاكم وصححه، وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل، عن صفوان بن عسال: «أن يهوديين قال أحدهما لصاحبه: انطلق بنا إلى هذا النبي نسأله، فأتياه فسألاه عن قول الله: ﴿ ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات ﴾ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تشركوا بالله شيئاً ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تسرقوا ولا تسحروا ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان فيقتله، ولا تأكلوا الربا ولا تقذفوا محصنة.

أو قال: ولا تفروا من الزحف، شك شعبة، وعليكم يا يهود خاصة أن لا تعتدوا في السبت، فقبلا يديه وقالا: نشهد أنك نبي.

قال: فما يمنعكما أن تسلما؟!...

قالا: إن داود دعا أن لا يزال في ذريته نبي، وإنا نخاف إن أسلمنا أن تقتلنا اليهود» .

وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الغضب، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه سئل عن قول الله تعالى: ﴿ وإني لأظنك يا فرعون مثبوراً ﴾ قال: مخالفاً.

وقال: الأنبياء أكرم من أن تُلعَنَ أو تُسَبّ.

وأخرج سعيد بن منصور وأحمد في الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقرأ ﴿ فاسأل بني إسرائيل ﴾ يقول: سأل موسى فرعون بني إسرائيل أن أرسلهم معي.

قال مالك بن دينار: وإنما كتبوا ﴿ فسل ﴾ بلا ألف، كما كتبوا قال: (قَلَ).

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن علي رضي الله عنه أنه كان يقرأ ﴿ لقد علمت ﴾ يعني بالرفع.

قال علي: والله ما علم عدوّ الله، ولكن موسى هو الذي علم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ ﴿ لقد علمت ﴾ بالنصب- يعني فرعون- ثم تلا ﴿ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ﴾ [ النمل: 14] .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق، عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ مثبوراً ﴾ قال: ملعوناً.

وأخرج ابن جرير من طريق علي عن ابن عباس رضي الله عنهما مثله.

وأخرج الشيرازي في الألقاب وابن مردويه من طريق ميمون بن مهران، عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ مثبوراً ﴾ قال: قليل العقل.

وأخرج الطستي عن ابن عباس، أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ مثبوراً ﴾ قال: ملعوناً، محبوساً عن الخير.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت عبد الله بن الزبعرى يقول: إذ أتاني الشيطان في سنة النو ** م ومن مال ميلة مثبوراً وأخرج ابن جرير من طريق العوفي، عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ لفيفاً ﴾ قال: جميعاً.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ ﴾ الحق نقيض الباطل، وهو الثابت الذي لا يزول، كما أن الباطل: الزائل الذاهب، وأراد بالحق هنا: الدين الحق والأمر الحق، وهو ما كان عليه محمد -  - والكناية في: ﴿ أَنْزَلْنَاهُ ﴾ للقرآن، ومعناه: أنزلنا القرآن بالأمر الثابت والدين القائم، قال أبو علي الفارسي: (الباء) في: ﴿ وَبِالْحَقِّ ﴾ في موضع الحال من الضمير في ﴿ أَنْزَلْنَاهُ ﴾ ، يعني أنه بمعنى: مع، كما تقول: نزل بِعُدّته وخرج بسلاحه، والمعنى: أنزلنا القرآن مع الحق.

وقوله تعالى: ﴿ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ ﴾ قال: يحتمل الجار فيه ضربين؛ أحدهما: أن يكون التقدير نزل بالحق كما تقول: نزلت يزيد، والثاني: أن يكون حالاً من الضمير الذي في نزل، هذا كلامه (١)  -؛ لأن القرآن نزل به عليه، وعلى القول الثاني: معناه نزل مع الحق، كما قلنا في قوله: ﴿ وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ ﴾ .

(١) لم أقف عليه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ الأرض ﴾ أي أرض مصر ﴿ اسكنوا الأرض ﴾ يعني أرض الشام ﴿ لَفِيفاً ﴾ أي جميعاً مختلطين ﴿ وبالحق أنزلناه ﴾ الضمير للقرآن، وبالحق معناه في الموضعين بالواجب من المصلحة والسداد وقيل: معنى الأول كذلك: ومعنى الثاني ضد الباطل.

أي بالحق في إخباره وأوامره ونواهيه.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تفجر ﴾ من الفجر: يعقوب وعاصم وحمزة وعلي وخلف سوى المفضل وابن الغالب.

الآخرون من التفجير تكثيراً للفعل وإن كان الفاعل والمفعول مفرداً ﴿ حتى تنزل ﴾ بالتخفيف: أبو عمرو ويعقوب.

الآخرون بالتشديد ﴿ كسفاً ﴾ بفتح السين: أبو جعفر ونافع وعاصم وابن ذكوان.

الباقون بالإسكان ﴿ قال سبحان ﴾ بلفظ الماضي: ابن كثير وابن عامر الباقون ﴿ قل ﴾ على الأمر ﴿ هو المهتدي ﴾ بإثبات الياء في الحالين: سهل ونافع وأبو عمرو وفي الوصل.

الباقون بحذف الياء ﴿ ربي إذا ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ خبت زدناهم ﴾ بإدغام التاء في الزاي: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وهشام وسهل.

﴿ لقد علمت ﴾ بضم التاء، على التكلم: عليّ.

الآخرون بالفتح على الخطاب ﴿ قل ادعو ﴾ بكسر اللام للساكنين: عاصم وحمزة وسهل ويعقوب وعباس: الآخرون بضمها للإتباع ﴿ أو ادعوا ﴾ بكسر الواو: عاصم وحمزة وسهل.

الباقون بالضم ﴿ أيامّاً ﴾ حمزة ورويس يقفان على ﴿ أيا ﴾ ثم يبتدئان ﴿ ما تدعوا ﴾ ويسمى هذا الوقف وقف البيان.

الباقون على كلمة واحدة.

الوقوف: ﴿ ينبوعاً ﴾ ه لا ﴿ تفجيراً ﴾ ه لا ﴿ قبيلاً ﴾ ه لا ﴿ في السماء ﴾ ط لابتداء النفي بعد طول القصة.

وقيل: الأصح الوصل لأن قوله: ﴿ ولن نؤمن لرقيك ﴾ من كلامهم ﴿ نقرؤه ﴾ ط ﴿ رسولاً ﴾ ه ﴿ رسولاً ﴾ ه ﴿ رسولاً ﴾ ه ﴿ وبينكم ﴾ ط ﴿ بصيراً ﴾ ه ﴿ المهتد ﴾ ج لعطف جملتي الشرط مع التضاد ﴿ من دونه ﴾ لا لأن الواو لا يحتمل الاستئناف ﴿ وصماً ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ سعيراً ﴾ ه ﴿ جديداً ﴾ ه ﴿ لا ريب فيه ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الإخبار ﴿ كفوراً ﴾ ه ﴿ الإنفاق ﴾ ط ﴿ قتوراً ﴾ ه ﴿ مسحوراً ﴾ ه ﴿ بصائر ﴾ ط للابتداء بأن مع اتحاد القائل ﴿ مثبوراً ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ ه لا للعطف ﴿ لفيفياً ﴾ ، ط لانقطاع النظام والمعنى.

﴿ نزل ﴾ ط لابتداء النفي ﴿ ونذيراً ﴾ ، احترازاً من إيهام العطف ﴿ تنزيلاً ﴾ ه ﴿ أولا تؤمنوا ﴾ ط ﴿ سجداً ﴾ ، لا ﴿ لمفعولاً ﴾ ه ﴿ خشوعاً ﴾ ه ﴿ الرحمن ﴾ ط لتصدير الشرط ﴿ الحسنى ﴾ ج لانقطاع نظم الشرط إلى النهي مع اتحاد المراد.

﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ تكبيراً ﴾ ه.

التفسير: ليس من شرط كون النبي صادقاً تواتر المعجزات وتتالي الآيات، لأن فتح هذا الباب يوجب نقيض المقصود وهو أن لا تثبت نبوته أبداً، ولكن المعجز الواحد يكفي في صدق النبي، واقتراح الزيادة من جملة العناد فلا جرم لما بين الله  إعجاز القرآن حكى مقترحات المعاندين بياناً لتصميمهم على الكفر.

قال ابن عباس: إن رؤساء مكة أرسلوا إلى رسول الله  - وهم جلوس عند الكعبة - فأتاهم فقالوا: يا محمد إن أرض مكة ضيقة فسير جبالها لتتسع وفجر لنا ينبوعاً نزرع فيها.

فقال: لا أقدر عليه.

فقال قائل منهم: أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا.

فقال: لا أقدر عليه.

فقيل له: أو يكون لك بيت من زخرف أي من ذهب فيغنيك عنا.

فقال: لا أقدر عليه.

فقيل له: فإذا كنت لا تستطيع الخير فاستطع الشر فأسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً.

فقال عبد الله ابن أمية المخزومي - وأمه عمة رسول الله  - لا والذي يحلف به لا أؤمن بك حتى تتخذ سلماً فتصعد عليه ونحن ننظر فتأتي بأربعة من الملائكة فيشهدون لك بالرسالة، ثم بعد ذلك لا أدري أؤمن بك أم لا.

فأنزل الله هذه الآيات.

ولنشرع في تفسير اللغات.

فقوله: ﴿ ينبوعاً ﴾ أي عيناً غزيرة من شأنها النبوع من غير انقطاع، والياء زائدة كيعبوب من عب الماء.

وقوله: ﴿ أو تكون لك جنة ﴾ معناه هب أنك لا تفجر الأنهار لأجلنا ففجرها من أجلك.

وقوله: ﴿ كما زعمت ﴾ إشارة إلى قوله  : ﴿ إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفاً من السماء  ﴾ أو إشارة إلى ما مرّ في السورة من قوله: ﴿ أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصباً  ﴾ أي أجعل السماء قطعاً متفرقة كالحاصب واسقطها علينا.

وقال عكرمة: كما زعمت يا محمد أنك نبي فاسقط السماء علينا.

وقيل: كما زعمت أن ربك إن شاء فعل.

قال في الكشاف: الكسف بسكون السين وفتحها جمع "كسفة" بالسكون كسدرة وسدر وسدر.

وقال أبو علي: الكسف بالسكون الشيء المقطوع كالطحن للمطحون.

واشتقاقه - على ما قال أبو زيد - من كسفت الثوب كسفا إذا قطعته.

وقال الزجاج: من كسفت الشيء إذا غطيته كأنه قيل: أو تسقطها طبقاً علينا، وهو نصب على الحال في القراءتين.

ومعنى ﴿ قبيلاً ﴾ كفيلاً بما تدعي من صحة النبوة والمراد أو تأتي بالله قبيلاً وبالملائكة قبيلاً فاختصر، أو المراد المقابل كالعشير بمعنى المعاشر.

وفيه دليل على غاية جهلهم حيث لم يعلموا أنه  لا يجوز عليه المعاينة نظير قولهم: ﴿ لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا  ﴾ وقال ابن عباس: أراد فوجاً بعد فوج.

وقال الليث: كل جند من الجن والإنس قبيل وقد مر في تفسير قوله: ﴿ إنه يراكم هو وقبيله  ﴾ .

قوله: ﴿ بيت من زخرف ﴾ قال مجاهد: كنا لا ندري ما الزخرف حتى رأينا في قراءة عبد الله "أو يكون لك بيت من ذهب".

وقال الزجاج: هو الزينة ولا شيء في تحسين البيت وتزيينه كالذهب.

﴿ أو ترقى في السماء ﴾ أي في معارجها فحذف المضاف.

يقال: رقي في السلم وفي الدرجة.

والمصدر "رقى" وأصله "فعول" كقعود ﴿ و ﴾ معنى ﴿ لن نؤمن لرقيك ﴾ لن نؤمن لك لأجل رقيك ﴿ حتى تنزل علينا كتاباً ﴾ من السماء فيه تصديقك.

قال الرسول: متعجباً من اقتراحاتهم أو تنزيهاً لله من تحكماتهم أو من قولهم: ﴿ أو تأتي بالله ﴾ ﴿ سبحان ربي هل كنت ﴾ أي لست ﴿ إلا بشراً رسولاً ﴾ فإن طلبتم هذه الأشياء أن آتي بها من تلقاء نفسي فالبشر لا يقدر على أمثال ذلك فكيف أقدر أنا عليها؟

وإن أردتم أن أطلب من الله إظهارها على يدي فالرسول إذا أتى بمعجز واحد وجب الاكتفاء به، ولا ضرورة إلى طلب الزيادة وأنا عبد مأمور ليس لي أن أتحكم على الله بما ليس بضروري في الدعوة.

ثم حكى عنهم شبهة أخرى فقال: ﴿ وما منع الناس أن يؤمنوا ﴾ أي الإيمان بالقرآن وبنبوة محمد ﴿ إذ جاءهم الهدي ﴾ وهو الوحي المعجز الهادي إلى طريق النجاة ﴿ إلا أن قالوا ﴾ منكرين ﴿ أبعث الله بشراً رسولاً ﴾ ثم أجاب عن شبهتهم بقوله: ﴿ قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون ﴾ على الأقدام كما يمشي الإنس ﴿ مطمئنين ﴾ ساكنين فيها ﴿ لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً ﴾ لأن الرسول لا بد أن يكون من جنس المرسل إليهم.

فكأنه اعتبر لتنزيل الرسول من جنس الملائكة أمرين: أحدهما كون سكان الأرض ملائكة، والثاني كونهم ماشين على الأقدام غير قادرين على الطيران بأجنحتهم إلى السماء، إذ لو كانوا قادرين على ذلك لطاروا أو سمعوا من أهلها ما يجب معرفته وسماعه فلا يكون في بعثة الملك إليهم فائدة.

وجوز في الكشاف أن يكون قوله: ﴿ بشراً ﴾ و ﴿ ملكاً ﴾ منصوبين على الحال من ﴿ رسولاً ﴾ بل زعم أن المعنى له أجوب، ولعل ذلك لأن الإنكار توجه إلى كون الرسول متصفاً بحالة البشرية لا الملكية، وإذا كان أحد الصنفين المقابلين حالاً لزم أن يكون الآخر كذلك.

ثم ختم الكلام بما يجري مجرى التهديد قائلاً: ﴿ قل كفى بالله ﴾ الآية.

وذلك أن إظهار المعجزة على وفق دعوى النبي شهادة من الله  له على الصدق.

فإذا لم تسمع هذه الشهادة وهو عليم ببواطن الأمور وخفيات الضمائر فكيف بظواهرها؟

علم أن هذا مجرد الحسد والعناد من العباد فيجزيهم على حسب ذلك.

ثم بين أن الإقرار والإنكار مستندان إلى مشيئته وتقديره فقال: ﴿ ومن يهد الله ﴾ الآية.

وقد مر خلاف المتكلمين من الأشاعرة والمعتزلة في مثله في آخر "الأعراف" وغيره.

وقوه: ﴿ فهو المهتد ﴾ حمل على اللفظ وقوله: ﴿ فلن تجد ﴾ حمل على المعنى.

والخطاب في ﴿ لن تجد ﴾ إما للنبي أو لكل من يستحق الخطاب.

والأولياء الأنصار، والحشر على الوجوه إما بمعنى السحب عليها كقوله: ﴿ يوم يسحبون في النار على وجوههم  ﴾ وإما بمعنى المشي عليها كما روي أنه  سئل عن ذلك فقال: "إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم" وقيل لابن عباس: قد أخبر الله  عنهم بأنهم يرون وينطقون ويسمعون حيث قال: ﴿ رأى المجرمون النار ﴾ ﴿ دعوا هنالك ثبوراً ﴾ ﴿ سمعوا لها ﴾ الجمع بين ذاك تغيظاً وزفيراً فكيف وبين قوله: ﴿ عمياً وبكماً وصماً ﴾ ؟

فأجاب بأنهم لا يرون ما يسرهم، ولا ينطقون بحجة تقبل منهم، ولا يسمعون ما يلذ مسامعهم.

وفي رواية عطاء أنهم عمي عن النظر إلى ما جعله الله لأوليائه، بكم عن مخاطبة الله، ومخاطبة الملائكة المقربين، صم عن ثناء الله على أوليائه، وقال مقاتل: هذه الأحوال بعد قوله  لهم: ﴿ اخسئووا فيها ولا تكلمون ﴾ \[المؤمنون: 108\] أو بعد أن يحاسبوا فيذهب بهم إلى النار.

وإنما جعلوا مؤوفي الحواس جزاء على ما كانوا عليه في الدنيا من التعامي والتصامم عن الحق ومن عدم النطق به ﴿ كلما خبت ﴾ أي سكن لهبها.

خبت النار تخبوا خبواً وأخباها غيرها أي أخمدها ﴿ زدناهم سعيراً ﴾ قال ابن قتيبة: أي تسعراً وهو التهلب.

ولا ريب أن خبو النار تخفيف لأهليها فكيف يجمع بينه وبين قوله: ﴿ لا يخفف عنهم العذاب  ﴾ وأجيب بأنه يحصل لهم في الحال الأولى خوف حصول الحالة الثانية فيستمر العذاب، أو يقال: لما عظم العذاب صار التفاوت الحاصل في الوقتين غير مشعور به، ويحتمل أن يقال: المراد بعدم التخفيف أنه لا يتخلل زمان محسوس أو معتد به بين الخبو والتعسر.

وقال في الكشاف: لأنهم لما كذبوا بالإعادة بعد الإفناء جعل الله جزاءهم أن سلط النار على أجرامهم تأكلها وتفنيها.

ثم يعيدها.

وفيه زيادة في تحسرهم وفي الانتقام منهم.

ومما يدل على هذا التفسير قوله: ﴿ ذلك جزاؤهم ﴾ الآية.

ثم أبدى للجاحدين حجة يستبصر المذعن للحق إذا تأمل فقال: ﴿ أو لم يروا ﴾ الآية.

وذلك أن من قدر على خلق السموات والأرض كان على إعادة من هو أدون منها أقدر، وعلى هذا فالمراد من خلق مثلهم إعادتهم بعد الإفناء كما يقول المتكلمون من أن الإعادة مثل الابتداء.

ومن قال: أراد أنه قادر على إفنائهم وإيجاد غيرهم بصورتهم ليوحدوه ويتركوا الاتعراض عليه كقوله: ﴿ إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد  ﴾ أي يبعثهم.

وحين بيّن أن البعث أمر ممكن في نفسه ذكر أن لوقوعه وقتاً معلوماً ما عنده فقال: ﴿ وجعل لهم ﴾ أي لبعثهم ﴿ أجلاً لا ريب فيه ﴾ قال جار الله: قوله: ﴿ وجعل ﴾ معطوف على قوله: ﴿ أو لم يروا ﴾ والمعنى قد علموا بدليل العقل أنه قادر على خلق أمثالهم وجعل لهم.

وأقول: يحتمل أن يكون الواو للاستئناف ووجه النظم كما مر لما طلبوا إجراء الأنهار والعيون في أراضيهم لتتسع معايشهم بين الله  أنهم لو ملكوا خزائن رحمة الله وهي رزقه وسائر نعمه على خلقه التي لا نهاية لها لبقوا على بخلهم وشحهم فضلاً أن يملكوا خزائن هن بصدد الفناء والنفاد.

قال النحويون: كلمة "لو" حقها أن تدخل على الأفعال دون الأسماء، لأنها حين تكون على معناها الأصلي تفيد انتفاء الشي لانتفاء غيره.

والاسم يدل على الذوات والفعل هو الذي يدل على الآثار والأحوال لا الذوات.

وأيضاً إنها ههنا بمعنى "إن" الشرطية وهي مختصة بالفعل فلا بد من تقدير فعل بعدها، فأصل الكلام: لو تملكون تملكون مرتين: فأضمر "تملك" إضماراً على شريطة التفسير فصار الضمير المتصل منفصلاً لسقوط ما كان يتصل هو به فـ ﴿ أنتم ﴾ فاعل الفعل المضمر ﴿ تملكون ﴾ تفسيره.

وقال علماء البيان: فائدة هذا التصرف الدال على الاختصاص أنهم هم المختصون بالشح المتبالغ، وذلك لأن الفعل الأول لما سقط لأجل المفسر برز الكلام في صورة المبتدأ والخبر من حيث إنه لا يقصد الفعل بل الفاعل كما في قول حاتم: لو ذات سوار لطمتني.

لا يقصد اللطمة بل اللاطمة أي لو حرة لطمتني وقوله: ﴿ خشية الإنفاق ﴾ أي خوف الفقر من أنفق ماله إذا ذهب وأمسكتم متروك المفعول معناه لبخلتم ﴿ وكان الإنسان قتوراً ﴾ أي بخيلاً شحيحاً، والقتر والإقتار والتقتير والتقصير في الإنفاق.

وهذا الخبر لا ينافي ما قد يوجد في الإنسان من هو كريم جواد لأن اللام للجنس أي هذا الجنس من شأنه الشح إذ كان باقياً على طبعه لأنه خلق محتاجاً إلى ضرورات المسكن والملبس والمطعوم والمنكوح، ولا بد له في تحصيل هذه الأشياء من المال فيه تندفع حاجاته وتتم الأمور المتوقفة على التعاون، فلا جرم يحب المال ويمسكه لأيام الضرورة والفاقة.

ومن الناس من يحب المال محبة ذاتية لا عرضية فإذاً الأصل في الإنسان هو البخل والجود منه إنما هو أمر تكلفي أو عرضي طلباً للثناء أو الثواب.

وقيل: المراد بهذا الإنسان المعهود السابق ممن قالوا ﴿ لن نؤمن لك حتى تفجر لنا ﴾ بين الله  أنهم لو ملكوا خزائن الأرض لبخلوا بها.

ثم قال: ﴿ ولقد آتينا موسى تسع آيات ﴾ فكأنه أراد أنا آتيناه معجزات مساوية لهذه الأمور التي اقترحتموها بل أقوى منها وأعظم، فليس عدم الاستجابة إلى ما طلبتموه من البخل ولكن لعدم المصحلة أو لعدم استتباع الغاية لعلمنا بإصراركم والختم على قلوبكم، عن ابن عباس: أن الآيات التسع هن: العصا واليد والجراد والقمل والضفادع والدم والحجر والبحر والطور الذي نتقه على بني إسرائيل.

وعن الحسن: الطوفان والسنون ونقص الثمرات.

مكان الحجر والبحر والطور.

وعن عمر بن عبد العزيز أنه سأل محمد بن كعب عنهن فذكر من جملتها: حل عقدة اللسان والطمس على أموالهم.

فقال له عمر: لا يكون الفقيه إلا هكذا.

أخرج يا غلام الجراب فأخرجه فنفضه فإذا بيض مكسور بنصفين وجوز مكسور وفوم وحمص وعدس كلها حجارة.

وعن صفوان بن عسال أن بعض اليهود سأل رسول الله  عن ذلك فقال: "أوحى الله إلى موسى أن قل لبني إسرائيل: لا تشركوا بالله شيئاً ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا تسحروا ولا تأكلوا الربا ولا تفشوا سر أحد إلى ذي سلطان ليقتله ولا تقذفوا محصنة ولا تفروا من الزحف، وأنتم يا يهود خاصة لا تعدوا في السبت، فقام اليهوديان فقبلا يديه ورجليه وقالا: إنك نبي ولولا أنا نخاف القتل لاتبعناك" قال الإمام فخر الدين الرازي: هو أجود ما قيل في الآيات التسع.

وأقول: عد الأحكام من الآيات البينات فيه بعد، اللَّهم إلا أن يقال: النهي عن مساوىء الأخلاق والعادات من جملة علامات النبوة.

قال بعد العلماء: أجابهم النبي  بتسع وزاد واحدة تختص بهم.

وروى أبو داود هذا الحديث ولم يذكر: "ولا تقذفوا محصنة" وشك شعبة في أنه  : "ولا تقذفوا محصنة" أو قال: "تولوا الفرار" .

وقيل: إنه كان لموسى آيات أخر كإنزال المن والسلوى عليه وعلى قومه، وكالآيات التي عدها بعضهم من التسع وتركها بعضهم.

إلا أن تخصيص العدد بالذكر لا يقدح في الزيادة عليه.

هكذا قال الأصوليون، ولكن الذوق يأبى أن لا يكون للتخصيص فائدة.

والذي يدور في خلدي أن سبب التخصيص هو أن مرجع جميع معجزاته إلى تسع أنواع كلمتين ونقص الثمرات مثلاً فإنهما نوع واحد وهو القحط وقد يعسر إبداء ما به الاشتراك ولكن لا بد عندي من اعتقاد الانحصار في التسع لأجل خبر الصادق.

أما قوله: ﴿ فاسأل بني إسرائيل ﴾ فالخطاب فيه للنبي  والسؤال سؤال استشهاد لمزيد الطمأنينة والإيقان، لأن الأدلة إذا تظاهرت كان ذلك أقوى وأثبت.

والمسؤولون مؤمنو بني إسرائيل كعبد الله بن سلام وأصحابه.

وقوله: ﴿ إذا جاءهم ﴾ يتعلق بـ ﴿ آتينا ﴾ .

وينتصب بإضمار "اذكر"، أو هو للتعليل.

والمراد فاسألهم يخبروك لأنه جاءهم أي جاء أباهم.

ويحتمل أن يكون الخطاب لموسى بتقدير القول أي فقلنا له حين جاءهم سل بني إسرائيل أي سلهم من فرعون وقل له أرسل معي بني إسرائيل، أو سلهم عن إيمانهم وعن حال دينهم أو سلهم عن أن يعاضدوك ويساعدوك في الأمور والمسحور الذي سحر فخولط عقله.

وقيل: هو بمعنى الساحر كالمشؤوم والميمون قاله الفراء.

وعن محمد بن جرير الطبري أن معناه أعطى علم السحر.

ومن قرأ "علمت" بضم التاء فظاهر لأن موسى كان علماً بصحة الأمر وأن هذه الآيات منزلها رب السموات والأرض، فأراد أني لا أشك في أمري بسبب تشكك مكذب مثلك.

ومن قرأ بفتحها فالمراد تبين أن كفر فرعون كفر جحود وعناد كقوله ﴿ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً  ﴾ .

وقوله للآيات: ﴿ هؤلاء ﴾ كقوله: والعيش بعد أولئك الأيام *** ومعنى ﴿ بصائر ﴾ بينات مكشوفات وانتصابها على الحال كأنه أشار بقوله: ﴿ ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض ﴾ إلى أنها أفعال خالقة للعادة، وبقوله: ﴿ بصائر ﴾ إلى أن فاعله إنما فعله لغرض تصديق المدعي فتم حد المعجز بمجموع القيدين.

ثم قارع موسى ظن فرعون بظنه فقال: ﴿ إني لأظنك يا فرعون مثبوراً ﴾ قال الفراء: أي ملعوناً محبوساً عن الخير من قولهم "ما ثبرك عن هذا" أي ما منعك وصرفك.

وقال مجاهد وقتادة، أي هالكاً من الثبور الهلاك.

ولا ريب أن ظن موسى أصح من ظنه لأن إنكار ما علم صحته يستعقب لا محالة ويلاً وثبوراً وحسرة وندامة، ولهذا قال: ﴿ فأراد ﴾ أي فرعون ﴿ أن يستفزهم من الأرض ﴾ أي يستخف موسى وقومه من بسيط الأرض أو من أرض مصر بالقتل والاستئصال أبو بالنفي والإخراج.

والحاصل أن فرعون عورض بنقيض المقصود فأغرق هو وقومه وأسكن بنو إسرائيل مكانه تحقيقاً لقوله: ﴿ ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله  ﴾ ثم أخبر عن المعاد قائلاً ﴿ فإذا جاء وعد الآخرة ﴾ وهو قيام الساعة ﴿ جئنا بكم ﴾ يعني معشر المكلفين كلهم ﴿ لفيفاً ﴾ جماعات من قبائل شتى ذوي أديان ومذاهب مختلفة، وذلك لأجل الحكم والجزاء والفصل والقضاء.

ولما بين إعجاز القرآن وأجاب عن شبهات القوم أراد أن يعظم شأن القرآن ويذكر جلالة قدره فقال: ﴿ وبالحق أنزلناه ﴾ التقديم للتخصيص أي ما أردنا بإنزاله إلا تقرير الحق في مركزه وتمكين الصواب في نصابه.

قال جار الله: أي ما أنزلنا القرآن إلا بالحكمة المقتضية لإنزاله، وما نزل إلا ملتبساً بالحكمة لاشتماله على الهداية إلى كل خير، أو ما أنزلناه من السماء إلا بالحق محفوظ بالرصد من الملائكة وما نزل على الرسول إلا محفوظاً بهم من تخليط الشياطين.

وقال آخرون: الحق هو الثابت كما أن الباطل هو الزاهق، ولا ريب أن هذا الكتاب الكريم يشتمل على دلائل التوحيد وصفات الجلال والإكرام، وعلى تعظيم الملائكة وإقرار النبوات وإثبات المعاد، وعلى أصول الأديان والملل التي لا يتطرق إليها النسخ والتبديل، وكل هذه الأمور تدل على المعنى المذكور لأنها مما تبقى ببقاء الدهور.

قال أبو علي الفارسي: بالباء في الموضعين بمعنى "مع" كما في قولك "خرج بسلاحه" أي أنزل القرآن مع الحق ونزل هو مع الحق.

ويحتمل أن تكون الباء الثانية بمعنى "على" كما في قولك "نزلت بزيد" فيكون الحق عبارة عن محمد  لأن القرآن نزل به أي عليه ﴿ وما أرسلناك إلا مبشراً ﴾ بالجنة ﴿ ونذيراً ﴾ من النار ليس إليك وراء هذين شيء من إكراه على الدين والإتيان بشيء مما اقترحوه.

ثم إن القوم كأنهم من تعنتهم طعنوا في القرآن من جهة أنه لم ينزل دفعة واحدة فأجاب عن شبهتهم بقوله: ﴿ وقرآناً ﴾ وهو منصوب بفعل يفسره ﴿ فرقناه ﴾ أي جعلنا نزوله مفرقاً منجماً.

وعن ابن عباس أنه قرأه مشدداً وقال: إنه لم ينزل في يومين أو ثلاثة بل كان بين أوله وآخره عشرون سنة يعني أن فرق بالتخفيف يدل على فصل مقارب.

وقال أبو عبيدة: التخفيف أعجب إليّ لأن تفسيره بيناه وليس للتشديد معنى إلا أنه نزل متفرقاً.

فالفرق يتضمن التبين ويؤكده ما رواه ثعلب عن ابن الأعرابي أنه قال: فرقت أفرق بين الكلام وفرقت بين الأجسام.

وأقول: إن ابن عباس اعتبر الفصل بين أول نزوله وبين آخره، فرأى التشديد أولى.

ولعل المراد الفصول المتقاربة التي فيما بين المدة بدليل قوله: ﴿ لتقرأه على الناس على مكث ﴾ بضم الميم أي على مهل وتؤدة ولقوله: ﴿ ونزلناه تنزيلاً ﴾ أي على حسب المصالح والحوادث.

ثم خاطب نبيه  بأن يقول للمقترحين ﴿ آمنوا به أو لا تؤمنوا ﴾ وهو أمر وعيد وتهديد وخذلان.

قال جار الله: قوله: ﴿ إن الذين أوتوا العلم من قبله ﴾ إما أن يكون تعليلاً لقل على سبيل التسلية كأنه قيل: تسل عن إيمان الجهلة بإيمان العلماء الذي قرأوا الكتب من قبل نزول القرآن.

قال مجاهد: هم أناس من أهل الكتاب حين سمعوا ما أنزل على محمد  خروا وسجدوا منهم زيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وعبد الله بن سلام، وفي قوله: ﴿ يخرون للأذقان سجداً ﴾ دون أن يقول "يسجدون" مبالغة من وجهين: أحدهما إنه قيد الخرور وهو السقوط بالذقن.

فقال الزجاج: لأن الذقن مجتمع اللحيين، وكما يبتدىء الإنسان بالخرور للسجود فأول ما يحاذي به الأرض من وجهه الذقن.

قلت: هذا تصحيح للمعنى ولا يظهر منه لتغيير العبارة فائدة.

وقال غيره.

المراد تعفير اللحية في التراب فإن ذلك غاية الخضوع وإن الإنسان إذا استولى عليه خوف الله  فربما سقط على الأرض مغشياً عليه.

وثانيهما أنه لم يقل "يخرون على الأذقان" كما هو ظاهر وإنما قال ﴿ للأذقان ﴾ لأن اللام للاختصاص فكأنهم خصوا أذقانهم بالخرور، أو خصوا الخرور بأذقانهم.

ثم حكى أنهم في سجودهم أنهم يراعون شرائط التنزيه والتعظيم قائلين ﴿ سبحان ربنا إن كان وعد ربنا ﴾ بإنزال القرآن وبعثة محمد  في كتبنا ﴿ لمفعولاً ﴾ أي منجراً "وإن" مخففة من الثقيلة ولهذا دخلت اللام في خبر كان، ثم ذكر أنهم كما خروا لأذقانهم في حال كونهم ساجدين فقد خروا لها حال كونهم باكين، ويجوز أن يكون التكرير لأجل الدلالة على تكرير الفعل منهم بدليل قوله ﴿ ويزيدهم ﴾ أي القرآن ﴿ خشوعاً ﴾ لين قلب ورطوبة عين، ثم أرد أن يعلمهم كيفية الخشوع والدعاء فقال: ﴿ قل ادعوا ﴾ عن ابن عباس: سمعه أبو جهل يقول: يا الله يا رحمن.

فقال: إنه ينهانا أن نعبد إلهين وهو يدعو إلهاً آخر.

وقيل: أن أهل الكتاب قالوا: إنك لتقل ذكر الرحمن وقد أكثر الله في التوراة هذا الاسم فنزلت.

قال جار الله: الدعاء بمعنى التسمية لا النداء وهو يتعدى إلى مفعولين.

تقول: دعوته زيداً ثم تترك أحدهما استغناء عنه فتقول: دعوت زيداً و "أو" للتخيير والمعنى على السبب الأول سموه بهذا الاسم أو بهذا، وعلى السبب الثاني اذكروا إما هذا وإما هذا ﴿ أياماً تدعوا ﴾ يعني أي هذين الاسمين سميتم وذكرتم فالتنوين عوض عن المضاف إليه "وما" صلة زيدت لتأكيد الإبهام.

والضمير "في ﴿ فله ﴾ لا يرجع إلى أحد الاسمين ولكن إلى مسماهما، وكان أصل الكلام أن يقال: فهو أي ذلك الاسم حسن فوضع موضعه.

قوله: ﴿ فله الأسماء الحسنى ﴾ .

لأنه إذا حسنت أسماؤه كلها حسن هذان الاسمان.

ومعنى حسن الأسماء استقلالها بنعوت الجلال والإكرام وقد مر في آخر "الأعراف".

ثم ذكر كيفية أخرى للدعاء فقال: ﴿ ولا تجهر بصلاتك ﴾ أي بقراءة صلاتك على حذف المضاف للعلم بأن الجهر والمخافتة من نعوت الصوت لا الصلاة أفعالها فهو من إطلاق الكل وإرادة الجزء، ومنه يقال: خفت صوته خفوتاً إذا انقطع كلامه أو ضعف وسكن، وخفت الزرع إذا ذبل، وخافت الرجل بقراءته إذا لم يبين قراءته برفع الصوت.

روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن رسول الله  كان يرفع صوته لعله أو من إطلاق الصلاة على بعض أفعالها فهو ألح تأمل.

مصححه بالقراءة، فإذا سمعه المشركون سبوه وسبوا من جاء به فأوحى الله إليه ﴿ ولا تجهر بصلاتك ﴾ فيسمعه المشركون فيسبوا الله عدواً بغير علم ﴿ ولا تخافت بها ﴾ فلا تسمع أصحابك ﴿ وابتغ بين ذلك ﴾ الذي ذكر من الجهر المخافتة ﴿ سبيلاً ﴾ وسطاً، وروي أن النبي  طاف بالليل دور الصحابة فكان أبو بكر يخفي صوته في صلاته ويقول: أناجي ربي وقد علم حاجتي.

وكان عمر يرفع صوته ويقول: أزجر الشيطان وأوقظ الوسنان.

فأمر النبي  أبا بكر أن يرفع صوته قليلاً، وأمر عمر أن يخفض قليلاً فنزلت الآية على حسب ذلك.

وقيل: معناه ولا تجهر بصلاتك كلها، ولا تخافت بها كلها.

وابتغ بين ذلك سبيلاً بأن تجهر بصلاة الليل، وتخافت بصلاة النهار، وعن عائشة وأبي هريرة ومجاهد أن الصلاة ههنا الدعاء.

وقد يروى هذا مرفوعاً قال الحسن: لا يرائي بعلانيتها ولا يسيء بسريرتها، وأيضاً في الجهر إسماع غيره الذنوب وهو الموجب للتغيير والتوبيخ، وعلى هذا ذهب قوم إلى أن الآية منسوخة بقوله: ﴿ ادعوا ربكم تضرعاً وخفية  ﴾ قال جار الله: ابتغاء السبيل مثل لابتغاء الوجه الوسط في القراءة.

ولما أمر أن لا يذكر ولا ينادى إلا بأسمائه الحسنى نبه على كيفية التحميد بقوله: ﴿ وقل الحمد لله ﴾ الآية قال في الكشاف: كيف لاق وصفه بنفي الولد والشريك والذل بكلمة التحميد؟

وأجاب بأن هذا وصفه هو الذي يقدر على إيلاء كل نعمة، فهو الذي يستحق جنس الحمد، وأقول: الولد يتولد من جزء من أجزاء الوالد، فالوالد مركب وكل مركب محدث والمحدث محتاج والمحتاج لا يقدر على كمال الإنعام فلا يستحق كمال الحمد، وأيضاً الولد مبخلة لا يستحق الحمد والشركة في الملك إنما تتصور لمن لا يستقل بالمالكية فيفتقر إلى من يتم بمشاركته أمور مملكته ومصالح تمدنه، وكل من كان كذلك كان عاجزاً بالنظر إلى ذاته، فلا يتم فيضانه فلا يستحق الحمد على الإطلاق، وهكذا حكم من كان له ولي من الذل أي اتخذ حبيباً من أجل ذل به واستفادة لا من عزة وقوة إفاضة، أو الولي بمعنى الناصر أي ناصر من أجل مذلة به ليدفعها بموالاته.

وأيضاً قد يمنعه الشريك من إصابه الخير إلى أوليائه، والذي يكون له ولي من الذل يكون محتاجاً إليه فينعم عليه دون من استغنى عنه.

أما إذا كان منزهاً عن الولد وعن الشريك وعن أن يكون له ولي ينصره ويلي أمره كان مستوجباً لأعظم أنواع الحمد ومستحقاً لأجلّ أقسام الشكر.

قال الإمام فخر الدين الرازي: التكبير أنواع منها: تكبير الله في ذاته وهو أن يعتقد أنه واجب الوجود لذاته غني عن كل ما سواه.

ومنها تكبيره في صفاته بأن يعتقدها كلها من صفات الجلال والإكرام وفي غاية العظمة ونهاية الكمال وأنها منزهة عن سمات التغير والزوال والحدوث والانتقال.

ومنها تكبيره في أفعاله وعند هذا تعود مسألة الجبر والقدر.

قال: سمعت أن الأستاذ أبا إسحق الإسفرايني كان جالساً في دار الصاحب بن عباد فدخل القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمداني.

فلما رآه قال: سبحان من تنزه عن الفحشاء.

فقال الأستاذ: سبحان من لا يجري في ملكه إلا ما يشاء.

ومنها تكبير الله في أحكامه وهو أن يعتقد أن أحكامه كلها جارية على سنن الصواب وقانون العدالة وقضية الاستقامة.

ومنها تكبيره عن هذا التكبير وتعظيمه عن هذا التعظيم، وكان النبي  إذا أفصح الغلام من بني عبد المطلب علمه هذه الآية والله أعلم.

التأويل: ﴿ وقالوا لن نؤمن لك ﴾ كانوا أرباب الحس فلم يبصروا شواهد الحق ودلائل النبوة ولم يطلبوا منه ما كان هو عليه من تزكية النفوس وتصفية القلوب وتجلية الأرواح وتفجير ينابيع الحكمة من أرض القلوب لإنبات نخيل المشاهدات وأعناب المكاشفات في جنات المواصلات.

﴿ أبعث الله بشراً رسولاً ﴾ تعجبوا من كون البشر رسولاً حين ظن أن الملك أعلى حالاً من البشر، وغفلوا عن رتبة الإنسان الكامل حيث جعل سجود الملائكة المقربين وأودع فيه سر الخلافة ﴿ مأواهم جهنم ﴾ الحرص والشهوات، كلما سكنت نار شهوة باستيفاء حظها ﴿ زدناهم سعيراً ﴾ باشتعال طلب شهوة أخرى ﴿ تسع آيات بينات ﴾ قال الشيخ المحقق نجم الحق: والدين المعروف بداية أرادة الآيات التي تدل على نبوته فيما يتعلق بنفسه خاصة كإلقائه في اليم وإخراجه منه وتربيته في حجر العدوة وتحريم المراضع عليه ونحو ذلك: ﴿ وبالحق أنزلناه ﴾ لأن الأرواح المتعلقة بالعالم السفلي احتاجت في الرجوع إلى عالم العلو إلى حبل متين هو القرآن كقوله: ﴿ واعتصموا بحبل الله جميعاً ﴾ {آل عمران: 103] ﴿ وبالحق نزل ﴾ التميز بين أهل السعادة والشقاوة بالاتباع وعدمه ﴿ إن الذين أوتوا العلم من ﴾ قبل نزوله في الأزل ﴿ إذا يتلى عليهم ﴾ في الأزل عند خطاب ﴿ ألست بربكم  ﴾ ﴿ يخرون للأذقان سجداً ﴾ للإجابة يقولون "بلى" ﴿ ويخرون للأذقان ﴾ في عالم الصورة يبكون.

فالتواضع والسجود من شأن الأرواح والبكاء والخشوع عن شأن الأجساد.

ثم بين أن الأرواح إنما أرسلت إلى الأبدان للعبودية وذكر الله فقال: ﴿ قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيّا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ﴾ أي كل اسم من أسمائه حسن فادعوه حسناً وهو الدعاء بالإخلاص ﴿ ولا تجهر بصلاتك ﴾ رياء وسمعة ﴿ ولا تخافت بها ﴾ أن تخفيها بالكلية فيحرموا المتابعة والأسوة الحسنة ﴿ وابتغ بين ذلك سبيلاً ﴾ بإظهار الفرائض وإخفاء النوافل والله  أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله عز وجل -: ﴿ وَبِٱلْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِٱلْحَقِّ نَزَلَ ﴾ .

قال الحسن: إن في القرآن حكماً وأنباء وحكمه عدل وأنباؤه صدق وحق، وهو كقوله: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً  ﴾ : [ ﴿ صِدْقاً ﴾ ]: ما فيه من الأنباء، و ﴿ وَعَدْلاً ﴾ ما فيه من الحكم، فبذلك الحق الذي فيه من الحكم العدل والأنباء الصدق أنزله.

ويقال: الصدق في الأخبار والأنباء، والعدل في الأحكام والحق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبِٱلْحَقِّ نَزَلَ ﴾ .

أي: بذلك الحق الذي به دام وقرَّ فيكم، أو كلام نحو هذا.

ويحتمل قوله: ﴿ وَبِٱلْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ ﴾ أي: بالحق [الذي لله على عباده أنزله، وبالحق] الذي لبعضهم على بعض.

﴿ وَبِٱلْحَقِّ نَزَلَ ﴾ ، أي: بذلك الحق الذي لله على خلقه دام واستقر [و] بالحق الذي لبعضهم على بعض ثبت واستقر.

وأصله أن قوله: (وبالحق الذي أنزلناه وبالحق الذي نزل) الحق: اسم كل محبوب ومحمود، والباطل: اسم كل مكروه ومذموم، فمن اتبعه صار محبوباً محموداً، ومن خالفه، وترك اتباعه صار مذموماً، أو أن يكون قوله: ﴿ وَبِٱلْحَقِّ نَزَلَ ﴾ أي: لم يأته التغيير والتبديل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً ﴾ .

أخبر أنه لم يرسله إلا للبشارة والنذارة، لكن هذا في حق الرسالة لم يرسله إلا لهذين اللذين ذكروا؛ لأنه قد كان امتحنه في نفسه بمحن كثيرة فلم يكن في جميع الأوقات مشغولاً بهذين خاصّة، لكنه في حق الرسالة لم يرسله إلا لبشارة ونذارة، أي: لم يرسلك حافظاً، ولا وكيلاً، ولا مسلطاً عليهم، بل أرسلك لتبليغ الرسالة إليهم، ثم البشارة والنذارة؛ وهما أمران يكونان في عواقب الأمور البشارة تكون عاقبة كل محبوب ومحمود، والنذارة عاقبة كل فعل مكروه ومذموم.

ثم لقائل أن يقول في قوله: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً ﴾ البشارة: لمن أجابه فيما أمره به ودعاه إليه، والنذارة: لمن ارتكب ما نهى عنه، فكيف لا دلَّ هذا على أن النهي يوجب الحظر والتحريم، حيث ألحقه النذارة بارتكاب ما نهى عنه؟

قيل: إن النذارة: عاقبة كل مكروه ومذموم، والبشارة: عاقبة كل محبوب ومحمود، فيكون ذلك في الآداب وغيرها، ولأن الرسل لم يبعثوا إلا لتغيير مناكير وفواحش ظهرت في الخلق وغيره من الفواحش والمناكير، لم يبعثوا لصغائر ظهرت فيهم، ثم دخل الصغائر والآداب فيما أرسل تبعاً، وإلا كان سبب إرسالهم الكبائر والفواحش، فإذا كان ما ذكرنا، كان في النهي نهي أدب، ونهي حتم وحكم.

وبعد فإن الله -  - قد أخبر أنه قد يعفو عن كثير من السيئات وما عفي عنه، لم يلحق فيه النذارة والوعيد، والله أعلم.

وقوله - عز وجل - ﴿ وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ ﴾ .

بالتخفيف والتثقيل ﴿ فَرَقْنَاهُ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ فَرَقْنَاهُ ﴾ بالتخفيف، أي: أحكمناه، وثبتناه؛ حتى لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه.

وقال بعضهم: فرقناه، وقطعناه في الإنزال سورة فسورة، وآية فآية على ما أنزل.

﴿ لِتَقْرَأَهُ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ ﴾ .

فهو.

والله أعلم.

لوجوه: أحدها: ما ذكر [في] قوله: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ...

 ﴾ ، أخبر - عز وجل - أنه إنما أنزله بالتفاريق؛ ليثبت به فؤادك؛ لأن ذلك أثبت في القلب وأيسر في الحفظ.

والثاني: أنزله بالتفاريق على قدر النوازل؛ لتتجدد لهم البصيرة، وتزداد لهم الحجة بعد الحجة، ولو كان جملة لم يكن ليتجدد لهم ذلك، ولا تزداد لهم البصيرة.

أو أن يكون أنزله بالتفاريق للتنبيه؛ لينبههم في كل وقت، ويعظهم في كل حال؛ إذ ذلك أنبه لهم، وأوعظ من أن يكون منزلاً جملة واحدة، ألا ترى أن الآية إذا دامت تكون في التنبيه أقل، وإذا كانت متقطعة في الأوقات، كانت أخوف وأنبه، نحو كسوف الشمس بالليل، صار بالدوام غير مخوف، ولا منبه لهم للدوام، وكسوفها بالنهار، صار تنبيهاً؛ للانقطاع؛ على ذلك الأوّل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُوۤاْ ﴾ ظاهر هذا خرج على التخيير، لكن المراد منه يخرج على حتم المواعظ، وتأكيد الوعيد، وتغليظه، وكذلك قوله: ﴿ ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ  ﴾ ، ظاهره على التخيير [لكن الحكماء] لم يفهموا منه على ما خرج ظاهره، لكن فهموا منه تأكيد الوعيد وحتم الوعظ، وهكذا المعروف في الشاهد أن إنساناً لو أمر آخر بأمره ووعظه مراراً فلم ينجع فيه، يقول له: إن شئت فافعل، وإن شئت لم تفعل على ما لو فعلت، أو لم تفعل فإنما ضرر ذلك عليك إن تركته، ونفعه يرجع إليك لو فعلت؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُوۤاْ ﴾ فلا ضرر علينا في ترككم الإيمان به، ولا يرجع نفعه إلينا لو آمنتم به، إنما نفعه لكم وضرره عليكم إن شئتم فعلتم وإن شئتم لم تفعلوا، فهو كقوله: ﴿ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا  ﴾ ، وكقوله: ﴿ مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ...

﴾ الآية [فصلت: 46]، ونحو ذلك مما يخبر؛ إذ كل من عمل خيراً فلنفسه عمل، ومن عمل شرّاً فعلى نفسه ضرر ذلك؛ فهذا ينقض على أصحاب الظواهر، حيث قالوا: يفهم من الخطاب ظاهره لا يتعدى عن ظاهره، حيث لم يجب أن يفهم من قوله: ﴿ قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُوۤاْ ﴾ التخيير، لكن فهموا الوعيد الوكيد الغليظ، وحتم المواعظ.

فإن قيل: ما الحكمة في لزوم الأمر وافتراضه، إذا كان ما يأمرنا وينهانا لمنافع أنفسنا ولضرر على أنفسنا، ومن لم يعمل في الشاهد لنفسه، ولا سعى لنفع نفسه، فلا لائمة عليه، ولا مؤاخذة.

قيل: في الحكمة أن يفرض علينا السعي في فكاك أنفسنا، ودفع الهلاك عن أنفسنا، وفي أمره إيانا أمر بالسعي في فكاك أنفسنا، ودفع الهلاك عنها، وحاصل أمره ونهيه يكون المنفعة لنا لا له، وكذلك الضرر، وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ...

﴾ الآية [هود: 101]، وعلى ذلك يخرج دعاء آدم وغيره: ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا...

﴾ الآية [الأعراف: 23].

وقوله عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً ﴾ .

وهذا أيضاً ينقض على أصحاب الظواهر؛ لأنه لا كل من أوتي العلم منهم يخرّ للأذقان على ما خرج ظاهره، فدلّ أن الاعتقاد ليس بالظاهر على ما قرع السمع، ولكن على ما توجبه الحكمة.

ثم قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ ﴾ أي: إن الذين أوتوا منفعة العلم يخرّون للأذقان سجداً.

ثم يحتمل قوله: ﴿ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً ﴾ على التمثيل، ليس على حقيقة السجود، ولكن على الانقياد لما سمعوا، والخضوع له، والذلة؛ على ما ذكرنا من التمثيل في قوله: ﴿ ٱنْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ  ﴾ ليس على حقيقة الانقلاب على الأعقاب، ولكن على التمثيل للرجوع وترك العمل، فعلى ذلك الأول، وكقوله: ﴿ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ  ﴾ على ترك العمل به.

ويحتمل: أن يكون السجود كناية عن الصلاة، أي: يصلون لله.

ويحتمل أن يكون على حقيقة السجود، خروا لله سجداً إذا تتلى عليهم آيات الله وحججه، وهو كسجود سحرة فرعون حين عاينوا آيات الله، وحججه، وهو كقوله: ﴿ وَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سَاجِدِينَ  ﴾ ، فعلى ذلك يحتمل سجود هؤلاء، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَآ ﴾ عما قالت الملاحدة فيه.

﴿ إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً ﴾ أي: قد كان موعود ربنا لمفعولاً وكذلك قوله: ﴿ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً  ﴾ ، ﴿ وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً  ﴾ أي: كان ما يأمر الله كائناً ومفعولاً أي: قد كان ما يأمر ووعده مفعولاً وهو ما ذكرنا "كان وعد الله مفعولاً".

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ ﴾ .

فإن كان التأويل من السجود: الصلاة، ففيه دليل لقول أبي حنيفة - رحمه الله -: إن المصلي إذا بكى في صلاته؛ خوفاً على نفسه، وإشفاقاً أو سروراً على ما أنعم الله عليه وأكرمه به، لم تفسد صلاته، وإذا كان البكاء للتسلي مما حل به من الشدائد والبلايا تفسد صلاته، وأصله: أن البكاء إذا كان لله فهو لا يفسد الصلاة، وإذا كان للدنيا أو لحاجة نفسه فهو يفسد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً ﴾ .

أي: يزيد ما يتلى عليهم من القرآن خشوعاً وخضوعاً لهم أو للآيات.

وقال الحسن: الخشوع: هو الخوف الدائم [في القلب].

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وبالحق أنزلنا هذا القرآن على محمد  ، وبالحق نزل عليه دون تبديل ولا تحريف، وما أرسلناك -أيها الرسول- إلا مبشرًا أهل التقوى بالجنة، ومخوّفا أهل الكفر والعصيان من النار.

<div class="verse-tafsir" id="91.RjoVa"

مزيد من التفاسير لسورة الإسراء

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله