الإسلام > القرآن > سور > سورة 22 الحج > الآية ٦٢ من سورة الحج
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 98 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٦٢ من سورة الحج: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ولما بين أنه المتصرف في الوجود ، الحاكم الذي لا معقب لحكمه ، قال : ( ذلك بأن الله هو الحق ) أي : الإله الحق الذي لا تنبغي العبادة إلا له; لأنه ذو السلطان العظيم ، الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ، وكل شيء فقير إليه ، ذليل لديه ، ( وأن ما يدعون من دونه هو الباطل ) أي : من الأصنام والأنداد والأوثان ، وكل ما عبد من دونه تعالى فهو باطل; لأنه لا يملك ضرا ولا نفعا .
وقوله : ( وأن الله هو العلي الكبير ) ، كما قال : ( وهو العلي العظيم ) [ البقرة : 255 ] ، وقال : ( الكبير المتعال ) [ الرعد : 9 ] فكل شيء تحت قهره وسلطانه وعظمته ، لا إله إلا هو ، ولا رب سواه; لأنه العظيم الذي لا أعظم منه ، العلي الذي لا أعلى منه ، الكبير الذي لا أكبر منه ، تعالى وتقدس وتنزه ، وعز وجل عما يقول الظالمون [ المعتدون ] علوا كبيرا .
يعني تعالى ذكره بقوله (ذلكَ) هذا الفعل الذي فعلت من إيلاجي الليل في النهار، وإيلاجي النهار في الليل، لأني أنا الحقّ الذي لا مثل لي ولا شريك ولا ندّ, وأن الذي يدعوه هؤلاء المشركون إلها من دونه هو الباطل الذي لا يقدر على صنعة شيء, بل هو المصنوع، يقول لهم تعالى ذكره: أفتتركون أيها الجهال عبادة من منه النفع وبيده الضر وهو القادر على كل شيء وكلّ شيء دونه, وتعبدون الباطل الذي لا تنفعكم عبادته.
وقوله: ( وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ) يعني بقوله: (العَلِي) ذو العلو على كل شيء, هو فوق كل شيء وكل شيء دونه.(الكَبِيرُ) يعني العظيم, الذي كل شيء دونه ولا شيء أعظم منه.
وكان ابن جُرَيج يقول في قوله: ( وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ ) ما حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, قال: قال ابن جُرَيج, في قوله: ( وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ ) قال: الشيطان.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ( وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ) فقرأته عامة قرّاء العراق والحجاز: " تَدْعُون " بالتاء على وجه الخطاب; وقرأته عامة قرّاء العراق غير عاصم بالياء على وجه الخبر, والياء أعجب القراءتين إليّ, لأن ابتداء الخبر على وجه الخطاب.
قوله تعالى : ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير ذلك بأن الله هو الحق أي ذو الحق ؛ فدينه الحق وعبادته حق .
والمؤمنون يستحقون منه النصر بحكم وعده الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل أي الأصنام التي لا استحقاق لها في العبادات .
وقرأ نافع ، وابن كثير ، وابن عامر ، وأبو بكر ( وأن ما تدعون ) بالتاء على الخطاب ، واختاره أبو حاتم .
الباقون بالياء على الخبر هنا وفي لقمان ، واختاره أبو عبيد .
وأن الله هو العلي أي العالي على كل شيء بقدرته ، والعالي عن الأشباه والأنداد ، المقدس عما يقول الظالمون من الصفات التي لا تليق بجلاله .
( الكبير ) أي الموصوف بالعظمة والجلال وكبر الشأن .
وقيل : الكبير ذو الكبرياء .
والكبرياء عبارة عن كمال الذات ؛ أي له الوجود المطلق أبدا وأزلا ، فهو الأول القديم ، والآخر الباقي بعد فناء خلقه .
{ ذَلِكَ } صاحب الحكم والأحكام { بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ } أي: الثابت، الذي لا يزال ولا يزول، الأول الذي ليس قبله شيء، الآخر الذي ليس بعده شيء، كامل الأسماء والصفات، صادق الوعد، الذي وعده حق ولقاؤه حق، ودينه حق، وعبادته هي الحق، النافعة الباقية على الدوام.
{ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ } من الأصنام والأنداد، من الحيوانات والجمادات، { هُوَ الْبَاطِلُ } الذي، هو باطل في نفسه، وعبادته باطلة، لأنها متعلقة بمضمحل فان، فتبطل تبعا لغايتها ومقصودها، { وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ } العلي في ذاته، فهو عال على جميع المخلوقات وفي قدره، فهو كامل الصفات، وفي قهره لجميع المخلوقات، الكبير في ذاته، وفي أسمائه، وفي صفاته، الذي من عظمته وكبريائه، أن الأرض قبضته يوم القيامة، والسماوات مطويات بيمينه، ومن كبريائه، أن كرسيه وسع السماوات والأرض، ومن عظمته وكبريائه، أن نواصي العباد بيده، فلا يتصرفون إلا بمشيئته، ولا يتحركون ويسكنون إلا بإرادته.
وحقيقة الكبرياء التي لا يعلمها إلا هو، لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، أنها كل صفة كمال وجلال وكبرياء وعظمة، فهي ثابتة له، وله من تلك الصفة أجلها وأكملها، ومن كبريائه، أن العبادات كلها، الصادرة من أهل السماوات والأرض، كلها المقصود منها، تكبيره وتعظيمه، وإجلاله وإكرامه، ولهذا كان التكبير شعارا للعبادات الكبار، كالصلاة وغيرها.
( ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون ) قرأ أهل البصرة وحمزة والكسائي وحفص : بالياء ، وقرأ الآخرون : بالتاء ، يعني المشركين ، ( من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي ) العالي على كل شيء ، ( الكبير ) العظيم الذي كل شيء دونه .
«ذلك» النصر أيضا «بأن الله هو الحق» الثابت «وأن ما يدعون» بالياء والتاء يعبدون «من دونه» وهو الأصنام «هو الباطل» الزائل «وأن الله هو العلي» أي العالي على كل شيء بقدرته «الكبير» الذي يصغر كل شيء سواه.
ذلك بأن الله هو الإله الحق الذي لا تنبغي العبادة إلا له، وأن ما يعبده المشركون من دونه من الأصنام والأنداد هو الباطل الذي لا ينفع ولا يضرُّ، وأن الله هو العليُّ على خلقه ذاتًا وقدرًا وقهرًا، المتعالي عن الأشباه والأنداد، الكبير في ذاته وأسمائه فهو أكبر من كلِّ شيء.
وقوله - سبحانه - : ( ذلك بِأَنَّ الله هُوَ الحق وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الباطل .
.
) بيان لحقيته - عز وجل - للعبادة والطاعة والخضوع التام .واسم الإشارة يعود إلى ما وصف به نفسه قبل ذلك من صفات القدرة الباهرة والعلم التام .أى : ذلك الذى تراه - أيها العاقل - فى هذا الكون من مخلوقات ، ومن نصر للمظلوم ، ومن إدخال الليل فى النهار وإدخال النهار فى الليل ، سببه أن الله - تعالى - هو الإله الحق الذى يجب أن تعنو له الوجوه .
وأن ما عداه من معبودات آلهة باطلة ما أنزل الله بها من سلطان .( وَأَنَّ الله ) - تعالى - وحده ( هُوَ العلي ) أى : العالى على جميع الكائنات بقدرته ، وكل شىء دونه ( الكبير ) أى : العظيم الذى لا يدانيه فى عظمته أحد .فأنت ترى أن هذه الآيات الكريمة ، قد وصفت الله - تعالى - بما هو أهل له من صفات الجلال والكمال .
اعلم أنه تعالى لما ذكر أن الملك له يوم القيامة وأنه يحكم بينهم ويدخل المؤمنين الجنات أتبعه بذكر وعده الكريم للمهاجرين، وأفردهم بالذكر تفخيماً لشأنهم فقال عز من قائل ﴿ والذين هاجروا ﴾ واختلفوا فيمن أريد بذلك، فقال بعضهم من هاجر إلى المدينة طالباً لنصرة الرسول صلى الله عليه وسلم وتقرباً إلى الله تعالى، وقال آخرون بل المراد من جاهد فخرج مع الرسول صلى الله عليه وسلم أو في سراياه لنصرة الدين ولذلك ذكر القتل بعده، ومنهم من حمله على الأمرين.
واختلفوا من وجه آخر فقال قوم المراد قوم مخصوصون، روى مجاهد أنها نزلت في طوائف خرجوا من مكة إلى المدينة للهجرة فتبعهم المشركون فقاتلوهم، وظاهر الكلام للعموم.
ثم إنه سبحانه وتعالى وصفهم برزقهم ومسكنهم، أما الرزق فقوله تعالى: ﴿ لَيَرْزُقَنَّهُمُ الله رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ الله لَهُوَ خَيْرُ الرازقين ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: لا شبهة في أن الرزق الحسن هو نعيم الجنة، وقال الأصم إنه العلم والفهم كقول شعيب عليه السلام ﴿ وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ﴾ فهذا في الدنيا وفي الآخرة الجنة، وقال الكلبي رزقاً حسناً حلالاً وهو الغنيمة وهذان الوجهان ضعيفان، لأنه تعالى جعله جزاء على هجرتهم في سبيل الله بعد القتل والموت وبعدهما لا يكون إلا نعيم الجنة.
المسألة الثانية: لابد من شرط اجتناب الكبائر في كل وعد في القرآن لأن هذا المهاجر لو ارتكب كبيرة لكان حكمه في المشيئة على قولنا، ولخرج عن أن يكون أهلاً للجنة قطعاً على قول المعتزلة.
فإن قيل فما فضله على سائر المؤمنين في الوعد إن كان كما قلتم؟
قلنا فضلهم يظهر لأن ثوابهم أعظم وقد قال تعالى: ﴿ لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفتح وقاتل ﴾ فمعلوم أن من هاجر مع الرسول صلى الله عليه وسلم وفارق دياره وأهله لتقويته ونصرة دينه مع شدة قوة الكفار وظهور صولتهم صار فعله كالسبب لقوة الدين، وعلى هذا الوجه عظم محل الأنصار حتى صار ذكرهم والثناء عليهم تالياً لذكر المهاجرين لما آووه ونصروه.
المسألة الثالثة: اختلفوا في معنى قوله: ﴿ وَإِنَّ الله لَهُوَ خَيْرُ الرازقين ﴾ مع العلم بأن كل الرزق من عنده على وجوه: أحدها: التفاوت إنما كان بسبب أنه سبحانه مختص بأن يرزق ما لا يقدر عليه غيره.
وثانيها: أن يكون المراد أنه الأصل في الرزق، وغيره إنما يرزق بما تقدم من الرزق من جهة الله تعالى.
وثالثها: أن غيره ينقل الرزق من يده إلى يد غيره لا أنه يفعل نفس الرزق.
ورابعها: أن غيره إذا رزق فإنما يرزق لانتفاعه به، إما لأجل أن يخرج عن الواجب، وإما لأجل أن يستحق به حمداً أو ثناء، وإما لأجل دفع الرقة الجنسية، فكان الواحد منا إذا رزق فقد طلب العوض، أما الحق سبحانه فإن كماله صفة ذاتية له فلا يستفيد من شيء كمالاً زائداً فكان الرزق الصادر منه لمحض الإحسان.
وخامسها: أن غيره إنما يرزق لو حصل في قلبه إرادة ذلك الفعل، وتلك الإرادة من الله، فالرازق في الحقيقة هو الله تعالى.
وسادسها: أن المرزوق يكون تحت منة الرازق ومنة الله تعالى أسهل تحملاً من منة الغير، فكان هو خير الرازقين.
وسابعها: أن الغير إذا رزق فلولا أن الله تعالى أعطى ذلك الإنسان أنواع الحواس وأعطاه السلامة والصحة والقدرة على الانتفاع بذلك الرزق لما أمكنه الانتفاع به، ورزق الغير لابد وأن يكون مسبوقاً برزق الله وملحوقاً به حتى يحصل الانتفاع.
وأما رزق الله تعالى فإنه لا حاجة به إلى رزق غيره، فثبت أنه سبحانه خير الرازقين.
المسألة الرابعة: قالت المعتزلة الآية تدل على أمور ثلاثة: أحدها: أن الله تعالى قادر.
وثانيها: أن غير الله يصح منه أن يرزق ويملك، ولولا كونه قادراً فاعلاً لما صح ذلك.
وثالثها: أن الرزق لا يكون إلا حلالاً لأن قوله: ﴿ خَيْرُ الرازقين ﴾ دلالة على كونهم ممدوحين والجواب: لا نزاع في كون العبد قادراً، فإن عندنا القدرة مع الداعي مؤثرة في الفعل بمعنى الاستلزام.
وأما الثالث فبحث لفظي وقد سبق الكلام فيه.
المسألة الخامسة: لما قال تعالى: ﴿ ثُمَّ قُتِلُواْ أَوْ مَاتُواْ ﴾ فسوى بينهما في الوعد، ظن قوم أن حال المقتول في الجهاد والميت على فراشه سواء، وهذا إن أخذوه من الظاهر فلا دلالة فيه، لأن الجمع بينهما في الوعد لا يدل على تفضيل ولا تسوية، كما أن الجمع بين المؤمنين لا يدل على ذلك.
وإن أخذوه من دليل آخر فهو حق، فإنه روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المقتول في سبيل الله تعالى، والمتوفى في سبيل الله بغير قتل، هما في الخير والأجر شريكان» ولفظ الشركة مشعر بالتسوية، وإلا فلا يبقى لتخصيصهما بالذكر فائدة.
وروى أيضاً: أن طوائف من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا يا رسول الله هؤلاء الذين قتلوا قد علمنا ما أعطاهم الله من الخير، ونحن نجاهد معك كما جاهدوا، فما لنا إن متنا معك.
فأنزل الله تعالى هاتين الآيتين وهذا يدل على التسوية لأنهم لما طلبوا مقدار الأجر، فلولا التسوية لم يكن الجواب مفيداً.
أما المسكن فقوله تعالى: ﴿ لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُّدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ الله لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرئ مدخلاً بضم الميم وهو من الإدخال، ومن قرأ بالفتح فالمراد الموضع.
المسألة الثانية: قيل في المدخل الذي يرضونه إنه خيمة من درة بيضاء لا فصم فيها ولا وصم لها سبعون ألف مصراع، وقال أبو القاسم القشيري هو أن يدخلهم الجنة من غير مكروه تقدم، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: إنما قال يرضونه، لأنهم يرون في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر فيرضونه ولا يبغون عنها حولاً، ونظيره قوله تعالى: ﴿ ومساكن تَرْضَوْنَهَا ﴾ وقوله: ﴿ فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ ﴾ وقوله: ﴿ ارجعي إلى رَبّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً ﴾ وقوله: ﴿ ومساكن طَيّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ورضوان مّنَ الله أَكْبَرُ ﴾ .
المسألة الثالثة: إن قيل ما معنى ﴿ وَإِنَّ الله لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ ﴾ وما تعلقه بما تقدم؟
قلنا يحتمل أنه عليم بما يستحقونه فيفعله بهم ويزيدهم، ويحتمل أن يكون المراد أنه عليم بما يرضونه فيعطيهم ذلك في الجنة، وأما الحليم فالمراد أنه لحلمه لا يعجل بالعقوبة فيمن يقدم على المعصية، بل يمهل ليقع منه التوبة فيستحق منه الجنة.
أما قوله: ﴿ ذلك وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِىَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ الله إِنَّ الله لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ ذلك ﴾ قد مضى الكلام فيه في هذه الآية في هذه السورة.
وقال الزجاج أي الأمر ما قصصنا عليك من إنجاز الوعد للمهاجرين الذين قتلوا أو ماتوا.
المسألة الثانية: قوله: ﴿ ذلك وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِىَ عَلَيْهِ ﴾ معناه: قاتل من كان يقاتله، ثم كان المقاتل مبغياً عليه بأن اضطر إلى الهجرة ومفارقة الوطن وابتدئ بالقتال، قال مقاتل: نزلت في قوم من المشركين لقوا قوماً من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرم، فقال بعضهم لبعض: إن أصحاب محمد يكرهون القتال في الشهر الحرام فاحملوا عليهم، فناشدهم المسلمون أن يكفوا عن قتالهم لحرمة الشهر، فأبوا وقاتلوهم.
فذلك بغيهم عليهم، وثبت المسلمون لهم فنصروا عليهم.
فوقع في أنفس المسلمين من القتال في الشهر الحرام ما وقع، فأنزل الله تعالى هذه الآية: وعفا عنهم وغفر لهم وهاهنا سؤالات: السؤال الأول: أي تعلق لهذه الآية بما قبلها؟
الجواب: كأنه سبحانه وتعالى قال مع إكرامي لهم في الآخرة بهذا الوعد لا أدع نصرتهم في الدنيا على من بغى عليهم.
السؤال الثاني: هل يرجع ذلك إلى المهاجرين خاصة أو إليهم وإلى المؤمنين؟
الجواب: الأقرب أنه يعود إلى الفريقين فإنه تقدم ذكرهما، وبين ذلك قوله تعالى: ﴿ لَيَنصُرَنَّهُ الله ﴾ وبعد القتل والموت لا يمكن ذلك في الدنيا.
السؤال الثالث: ما المراد بالعقوبة المذكورة؟
الجواب: فيه وجهان: أحدهما: المراد ما فعله مشركو مكة مع المهاجرين بمكة من طلب آثارهم، ورد بعضهم إلى غير ذلك، فبين تعالى أن من عاقب هؤلاء الكفار بمثل ما فعلوا فسينصره عليهم، وهذه النصرة المذكورة تقوي تأويل من تأوله على مجاهدة الكفار لا على القصاص، لأن ظاهر النص لا يليق إلا بذلك والجواب الثاني: أن هذه الآية في القصاص والجراحات، وهي آية مدنية عن الضحاك.
السؤال الرابع: لم سمى ابتداء فعلهم بالعقوبة؟
الجواب: أطلق اسم العقوبة على الأول للتعلق الذي بينه وبين الثاني كقوله تعالى: ﴿ وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا ﴾ ﴿ ويُخَادعُونَ الله وَهُوَ خَادِعُهُمْ ﴾ .
السؤال الخامس: أي تعلق لقوله: ﴿ وَإِنَّ الله لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ﴾ بما تقدم؟
الجواب: فيه وجوه: أحدها: أن الله تعالى ندب المعاقب إلى العفو عن الجاني بقوله: ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى الله ﴾ ﴿ وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ للتقوى ﴾ ، ﴿ وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأمور ﴾ فلما لم يأت بهذا المندوب فهو نوع إساءة، فكأنه سبحانه قال: إني قد عفوت عن هذه الإساءة وغفرتها، فإني أنا الذي أذنت لك فيه.
وثانيها: أنه سبحانه وإن ضمن له النصر على الباغي، لكنه عرض مع ذلك بما كان أولى به من العفو والمغفرة فلوح بذكر هاتين الصفتين.
وثالثها: أنه سبحانه دل بذكر العفو والمغفرة على أنه قادر على العقوبة، لأنه لا يوصف بالعفو إلا القادر على ضده.
السؤال السادس: أي تعلق لقوله: ﴿ ذلك بِأَنَّ الله يُولِجُ اليل فِي النهار وَيُولِجُ النهار فِي اليل ﴾ بما قبله؟
والجواب: من وجهين: أحدهما: ذلك أي ذلك النصر بسبب أنه قادر ومن آيات قدرته البالغة كونه خالقاً لليل والنهار ومتصرفاً فيهما، فوجب أن يكون قادراً عالماً بما يجري فيهما، وإذا كان كذلك كان قادراً على النصر مصيباً فيه.
وثانيها: المراد أنه سبحانه مع ذلك النصر ينعم في الدنيا بما يفعله من تعاقب الليل والنهار وولوج أحدهما في الآخر.
السؤال السابع: ما معنى إيلاج الليل في النهار وإيلاج النهار في الليل الجواب: فيه وجهان: أحدهما: يحصل ظلمة هذا في مكان ضياء ذلك بغيبوبة الشمس، وضياء ذلك في مكان ظلمة هذا بطلوعها، كما يضيء البيت بالسراج ويظلم بفقده وثانيهما: أنه سبحانه يزيد في أحدهما ما ينقص من الآخر من الساعات.
السؤال الثامن: أي تعلق لقوله: ﴿ وَأَنَّ الله سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴾ بما تقدم؟
الجواب: المراد أنه كما يقدر على ما لا يقدر عليه غيره، فكذلك يدرك المسموع والمبصر، ولا يجوز المنع عليه، ويكون ذلك كالتحذير من الإقدام على ما لا يجوز في المسموع والمبصر.
السؤال التاسع: ما معنى قوله: ﴿ ذلك بِأَنَّ الله هُوَ الحق ﴾ وأي تعلق له بما تقدم؟
الجواب: فيه وجهان: أحدهما: المراد أن ذلك الوصف الذي تقدم ذكره من القدرة على هذه الأمور إنما حصل لأجل أن الله هو الحق أي هو الموجود الواجب لذاته الذي يمتنع عليه التغير والزوال فلا جرم أتى بالوعد والوعيد ثانيهما: أن ما يفعل من عبادته هو الحق وما يفعل من عبادة غيره فهو الباطل كما قال: ﴿ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدنيا وَلاَ فِي الآخرة ﴾ .
السؤال العاشر: أي تعلق لقوله: ﴿ وَأَنَّ الله هُوَ العلى الكبير ﴾ بما تقدم؟
والجواب: معنى العلي القاهر المقتدر الذي لا يغلب فنبه بذلك على أنه القادر على الضر والنفع دون سائر من يعبد مرغباً بذلك في عبادته زاجراً عن عبادة غيره، فأما الكبير فهو العظيم في قدرته وسلطانه، وذلك أيضاً يفيد كمال القدرة.
المسألة الثالثة: قوله: ﴿ لَيَنصُرَنَّهُ الله ﴾ إخبار عن الغيب فإنه وجد مخبره كما أخبر فكان من المعجزات.
المسألة الرابعة: قال الشافعي رحمه الله: من حرق حرقناه، ومن غرق غرقناه.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: بل يقتل بالسيف.
واحتج الشافعي رحمه الله بهذه الآية، فإن الله تعالى جوز للمظلوم أن يعاقب بمثل ما عوقب به ووعده النصر عليه.
المسألة الخامسة: قرأ نافع وابن عامر ﴿ تَدْعُونَ ﴾ بالتاء هاهنا وفي لقمان وفي المؤمنين وفي العنكبوت.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو كلها بالياء على الخبر، والعرب قد تنصرف من الخطاب إلى الإخبار ومن الإخبار إلى الخطاب.
<div class="verse-tafsir"
وقرئ: ﴿ تَدْعُونَ ﴾ بالتاء والياء.
وقرأ اليماني.
وأن ما تُدعون.
بلفظ المبني للمفعول، والواو راجعة إلى (ما) لأنه في معنى الآلهة، أي: ذلك الوصف بخلق الليل والنهار والإحاطة بما يجري فيهما وإدراك كل قول وفعل، بسبب أنه الله الحق الثابت إلهيته، وأن كل ما يدعي إلهاً دونه باطل الدعوة، وأنه لا شيء أعلى منه شأناً وأكبر سلطاناً.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ذَلِكَ ﴾ أيْ ذَلِكَ النَّصْرُ.
﴿ بِأنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ ﴾ بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ تَعالى قادِرٌ عَلى تَغْلِيبِ الأُمُورِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ، جارٍ عادَتَهُ عَلى المُداوَلَةِ بَيْنَ الأشْياءِ المُتَعانِدَةِ ومِن ذَلِكَ إيلاجُ أحَدِ المَلَوَيْنِ في الآخَرِ، بِأنْ يَزِيدَ فِيهِ ما يَنْقُصُ مِنهُ، أوْ بِتَحْصِيلِ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ في مَكانِ ضَوْءِ النَّهارِ بِتَغْيِيبِ الشَّمْسِ وعَكْسِ ذَلِكَ بِإطْلاعِها.
﴿ وَأنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ ﴾ يَسْمَعُ قَوْلَ المُعاقِبِ والمُعاقَبِ.
﴿ بَصِيرٌ ﴾ يَرى أفْعالَهُما فَلا يُهْمِلُهُما.
﴿ ذَلِكَ ﴾ الوَصْفُ بِكَمالِ القُدْرَةِ والعِلْمِ.
﴿ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ ﴾ الثّابِتُ في نَفْسِهِ الواجِبُ لِذاتِهِ وحْدَهُ، فَإنَّ وُجُوبَ وجُودِهِ ووَحْدَتِهِ يَقْتَضِيانِ أنْ يَكُونَ مَبْدَأً لِكُلِّ ما يُوجَدُ سِواهُ عالِمًا بِذاتِهِ وبِما عَداهُ، أوِ الثّابِتُ الإلَهِيَّةِ ولا يَصْلُحُ لَها إلّا مَن كانَ قادِرًا عالِمًا.
﴿ وَأنَّ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ﴾ إلَهًا، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ بِالتّاءِ عَلى مُخاطَبَةِ المُشْرِكِينَ، وقَرَأ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ فَتَكُونُ الواوُ لِما فَإنَّهُ في مَعْنى الآلِهَةِ.
﴿ هُوَ الباطِلُ ﴾ المَعْدُومُ في حَدِّ ذاتِهِ، أوْ باطِلُ الأُلُوهِيَّةِ.
﴿ وَأنَّ اللَّهَ هو العَلِيُّ ﴾ عَلى الأشْياءِ.
﴿ الكَبِيرُ ﴾ عَلى أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ لا شَيْءَ أعْلى مِنهُ شَأْنًا وأكْبَرُ مِنهُ سُلْطانًا.
<div class="verse-tafsir"
{ذلك بِأَنَّ الله هُوَ الحق وَأَنَّ مَا يدعون} عرقى غير أبي بكر {مِن دُونِهِ هُوَ الباطل وَأَنَّ الله هُوَ العلى الكبير} أي ذلك الوصف بخلقه الليل والنهار وإحاطته بما يجري فيهما وإدراكه قولهم وفعلهم بسبب أن الله الحق الثابت إلهيته وأن كل ما يدعى إلهاً دونه باطل الدعوة وأنه لا شئ أعلى منه شأناً وأكبر سلطاناً
نَعَمِ الإشارَةُ إلى الِاتِّصافِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ ﴾ فالمَعْنى ذَلِكَ الِاتِّصافُ بِكَمالِ القُدْرَةِ الدّالِّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ﴾ إلَخْ وكَمالُ العِلْمِ الدّالُّ عَلَيْهِ ﴿ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴾ بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ تَعالى الواجِبُ لِذاتِهِ الثّابِتُ في نَفْسِهِ وحْدَهُ فَإنَّ وُجُوبَ وجُودِهِ ووَحْدَتِهِ يَسْتَلْزِمانِ أنْ يَكُونَ سُبْحانَهُ هو المُوجِدُ لِسائِرِ المَصْنُوعاتِ ولا بُدَّ في إيجادِهِ لِذَلِكَ حَيْثُ كانَ عَلى أبْدَعِ وجْهٍ وأحْكَمِهِ مِن كَمالِ العِلْمِ عَلى ما بَيَّنَ في مَوْضِعِهِ، وقِيلَ: إنَّ وُجُوبَ الوُجُودِ وحْدَهُ مُتَكَفِّلٌ بِكُلِّ كَمالٍ حَتّى الوَحْدَةِ أوِ المَعْنى ذَلِكَ الِاتِّصافُ بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ تَعالى الثّابِتُ الإلَهِيَّةِ وحْدَهُ ولا يَصْلُحُ لَها إلّا مَن كانَ كامِلَ القُدْرَةِ كامِلَ العِلْمِ ﴿ وأنَّ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ﴾ إلَهًا ﴿ هُوَ الباطِلُ ﴾ أيِ المَعْدُومُ في حَدِّ ذاتِهِ أوِ الباطِلُ الإلَهِيَّةِ، والحَصْرُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ غَيْرَ مُرادٍ وإنَّما جِيءَ بِهِ لِلْمُشاكَلَةِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُرادًا عَلى مَعْنى أنَّ جَمِيعَ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هو الباطِلُ لا بَعْضُهُ دُونَ بَعْضٍ.
وقِيلَ هو بِاعْتِبارِ كَمالِ بُطْلانِهِ وزِيادَةُ هو هُنا دُونَ ما في سُورَةِ لُقْمانَ مِن نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ لِأنَّ ما هُنا بَيْنَ عَشْرِ آياتٍ كُلُّ آيَةٍ مُؤَكِّدَةٌ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ ولِهَذا أيْضًا زِيدَتِ اللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى الآتِي: ﴿ وإنَّ اللَّهَ لَهو الغَنِيُّ الحَمِيدُ ﴾ دُونَ نَظِيرِهِ في تِلْكَ السُّورَةِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ تَقَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ ذِكْرُ الشَّيْطانِ فَلِهَذا ذُكِرَتْ هَذِهِ المُؤَكِّداتُ بِخِلافِ سُورَةِ لُقْمانَ فَإنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُ الشَّيْطانِ هُناكَ بِنَحْوِ ما ذُكِرَ ها هُنا قالَهُ النَّيْسابُورِيُّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ زِيادَةُ ( هو ) في هَذا المَوْضِعِ لِأنَّ المُعَلَّلَ فِيهِ أزْيَدُ مِنهُ في ذَلِكَ المَوْضِعِ فَتَأمَّلْ ﴿ وأنَّ اللَّهَ هو العَلِيُّ ﴾ عَلى جَمِيعِ الأشْياءِ ﴿ الكَبِيرُ ﴾ عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ سُبْحانَهُ شَرِيكٌ لا شَيْءَ أعْلى مِنهُ تَعالى شَأْنًا وأكْبَرُ سُلْطانًا.
وقَرَأ الحَسَنُ «وإنَّ ما» بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ «تَدْعُونَ» بِالتّاءِ عَلى خِطابِ المُشْرِكِينَ وقَرَأ مُجاهِدٌ واليَمانِيُّ ومُوسى الأسْوارِيُّ «يَدْعُونَ» بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ عَلى أنَّ الواوَ ولِما فَإنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ الآلِهَةِ، وأمْرُ التَّعْبِيرِ عَنْها بِما ثُمَّ إرْجاعُ ضَمِيرِ العُقَلاءِ إلَيْها ظاهِرٌ فَلا تَغْفُلْ.
﴿ ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ﴾ أيْ مِن جِهَةِ العُلُوِّ ماءً أيْ ألَمْ تَعْلَمْ ذَلِكَ، وجُوِّزَ كَوْنُ الرُّؤْيَةِ بَصَرِيَّةً نَظَرًا لِلْماءِ المُنَزَّلِ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرَّةً ﴾ أيْ فَتَصِيرُ، وقِيلَ تُصْبِحُ عَلى حَقِيقَتِها والحُكْمُ بِالنَّظَرِ إلى بَعْضِ الأماكِنِ تُمْطِرُ السَّماءُ فِيها لَيْلًا فَتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرَّةً، والأوَّلُ أوْلى عُطِفَ عَلى ( أنْزَلَ ) والفاءُ مُغْنِيَةٌ عَنِ الرّابِطِ فَلا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ بِإنْزالِهِ، والتَّعْقِيبُ عُرْفِيٌّ أوْ حَقِيقِيٌّ وهو إمّا بِاعْتِبارِ الِاسْتِعْدادِ التّامِّ لِلِاخْضِرارِ أوْ بِاعْتِبارِهِ نَفْسِهِ وهو كَما تَرى، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الفاءُ لِمَحْضِ السَّبَبِ فَلا تَعْقِيبَ فِيها، والعُدُولُ عَنِ الماضِي إلى المُضارِعِ لِإفادَةِ بَقاءِ أثَرِ المَطَرِ زَمانًا بَعْدَ زَمانٍ كَما تَقُولُ: أُنْعِمُ عَلى فُلانٍ عامَ كَذا فَأرُوحُ وأغْدُو شاكِرًا لَهُ ولَوْ قُلْتَ: فَرِحْتُ وغَدَوْتُ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ المَوْقِعَ أوْ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ البَدِيعَةِ ولَمْ يُنْصَبِ الفِعْلُ في جَوابِ الِاسْتِفْهامِ هُنا في شَيْءٍ مِنَ القِراءاتِ فِيما نَعْلَمُ وصَرَّحَ غَيْرُ واحِدٍ بِامْتِناعِهِ، فَفي البَحْرِ أنَّهُ يَمْتَنِعُ النَّصْبُ هُنا لِأنَّ النَّفْيَ إذا دَخَلَ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ وإنْ كانَ يَقْتَضِي تَقْرِيرًا في بَعْضِ الكَلامِ وهو مُعامَلٌ مُعامَلَةَ النَّفْيِ المَحْضِ في الجَوابِ ألا تَرى قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى ﴾ وكَذَلِكَ في الجَوابِ بِالفاءِ إذا أجَبْتَ النَّفْيَ كانَ عَلى مَعْنَيَيْنِ في كُلٍّ مِنهُما يَنْتَفِي الجَوابُ فَإذا قُلْتَ: تَأْتِينا فَتُحَدِّثَنا بِالنَّصْبِ فالمَعْنى ما تَأْتِينا مُحَدِّثًا إنَّما تَأْتِينا ولا تُحَدِّثُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّكَ لا تَأْتِينا فَكَيْفَ تَحَدَّثُنا فالحَدِيثُ مُنْتَفٍ في الحالَتَيْنِ والتَّقْرِيرُ بِأداةِ الِاسْتِفْهامِ كالنَّفْيِ المَحْضِ في الجَوابِ يُثْبِتُ ما دَخَلَتْهُ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ ويَنْفِي الجَوابَ فَيَلْزَمُ مِن ذَلِكَ هُنا إثْباتُ الرُّؤْيَةِ وانْتِقاءُ الِاخْضِرارِ وهو خِلافُ المُرادِ، وأيْضًا جَوابُ الِاسْتِفْهامِ يَنْعَقِدُ مِنهُ مَعَ الِاسْتِفْهامِ شَرْطٌ وجَزاءٌ ولا يَصِحُّ أنْ يُقالَ هُنا إنْ تَرَ إنْزالَ الماءِ تُصْبِحِ الأرْضُ مُخْضَرَّةً لِأنَّ اخْضِرارَها لَيْسَ مُتَرَتِّبًا عَلى عِلْمِكَ أوْ رُؤْيَتِكَ إنَّما هو مُتَرَتِّبٌ عَلى الإنْزالِ اهَـ.
وإلى انْعِكاسِ المَعْنى عَلى تَقْدِيرِ النَّصْبِ ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ حَيْثُ قالَ: لَوْ نَصَبَ الفِعْلُ جَوابًا لِلِاسْتِفْهامِ لَأعْطى ما هو عَكْسُ الغَرَضِ لَأنَّ مَعْناهُ إثْباتُ الِاخْضِرارِ فَيَنْقَلِبُ بِالنَّصْبِ إلى نَفْيِ الِاخْضِرارِ لَكِنْ تَعَقَّبَهُ صاحِبُ الفَرائِدِ حَيْثُ قالَ: لا وجْهَ لِما ذَكَرَهُ صاحِبُ الكَشّافِ ولا يَلْزَمُ المَعْنى الَّذِي ذَكَرَ بَلْ يَلْزَمُ مِن نَصْبِهِ أنْ يَكُونَ مُشارِكًا لِقَوْلِهِ تَعالى: <div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ قال مقاتل: وذلك أن مشركي العرب لقوا المسلمين في الشهر الحرام، فكره المسلمون القتال، فقاتلهم المشركون فبغوا عليهم، فنصر الله المسلمين عليهم، فوقع في أنفس المؤمنين من القتال في الشهر الحرام، فنزل: ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ يقول: هذا جزاء من عاقب بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ وقال بعضهم: ذلِكَ يعني: ما وصفنا من صفة أهل الجنة وأهل النار، فهو كذلك، فقد تم الكلام.
وَمَنْ عاقَبَ ابتداء الكلام بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ في الدنيا.
وقال الكلبي: الرجل يقتل له الحميم، فله أن يقتل به قاتله.
ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ على من بغى عليه.
ويقال: إذا زاد على القتل لينصرنه الله، ويقال: إن الرجل إذا وجب له القصاص، فله أن يقتل أو يأخذ الدية.
فإن أخذ أكثر من حقه بالقتل وأخذ الدية ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ، أي: ظلم عليه، يعني: غضب عليه أولياء المقتول باستيفاء حقه فجنوا عليه، لينصرنه الله، أي: له أن يطلب بجنايته، ويقال له: إذا ظلم على ولي المقتول بالاستطالة بالقتل، أو بأخذ الدية، لينصرنه الله بأخذ حقه.
إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ بقتالهم.
ثم قال عز وجل: ذلِكَ، يعني: ذلك القدرة بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ قال مقاتل: يعني هذا الذي فعل هو من قدرته.
ثم بيّن قدرته فقال: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ.
ثم قال: ذلِكَ، يعني: هذا الذي ذكر من صفته وقدرته، بِأَنَّ اللَّهَ يعني: لعلموا أن الله هُوَ الْحَقُّ، وأن عبادته الحق، وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ ولا يقدرون على شيء.
وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ يعني: هو أعلى وأكبر من أن يعدل به الباطل.
قرأ ابن عامر: ثُمَّ قُتِلُواْ بالتشديد، وقرأ الباقون بالتخفيف، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ بالياء بلفظ المغايبة، وقرأ الباقون بالتاء، وقرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا بنصب الميم، وقرأ الباقون بالضم.
<div class="verse-tafsir"
فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ: معناه: تتطامن وتَخْضَعُ، وهو مأخوذ من الخبت وهو المطمئن من الأرض كما تقدم.
وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ أي: من القرآن، والمريةُ: الشَّكُّ، حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ يعني يوم القيامة، أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ قيل: يوم بدر، وقيل:
الساعةُ سَاعَةُ موتهم، واليوم [العقيم] «١» يومُ القيامة.
وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٥٨) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (٥٩) ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٦٠) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٦١) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)
وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا ...
الآية، ابتداءُ معنى آخرُ وذلك أَنَّهُ لما مات عثمانُ بن مظعون، وأبو سلمة بن عبد الأسد قال بعض الناس: مَنْ قُتِلَ من المهاجرين أَفْضَلُ مِمَّنْ ماتَ حَتْفَ أنفه.
فنزلت هذه الآية مُسَوِّيَةً بينهم في أنَّ الله تعالى يرزقُ جميعهم رِزْقاً حسناً، وليس هذا بقاضٍ بتساويهم في الفضل، وظاهِرُ الشريعة أَنَّ المقتول أفضل، وقد قال بعض الناس: المقتول والميت في سبيل الله شهيدَانِ، ولكن للمقتول مَزِيَّةُ ما أصابه في ذات الله، والرزق الحسن يحتمل: أن يريد به رزق الشهداءِ عند ربهم في البرزخ، ويحتمل أن يريد بعد يوم القيامة في الجنة «٢» ، وقرأت «٣» فرقة: «مُدْخَلاً» - بضم الميم- من أدخل فهو محمولٌ على الفعل [المذكور، وقرأت فرقة: «مَدْخَلاً» - بفتح الميم- من دخل فهو محمول على فعل] «٤» مُقَدَّرٍ تقديره:
فَيَدْخُلُونَ مَدْخَلاً، ثم أخبر سبحانه عَمَّنْ عاقب من المؤمنين مَنْ ظلمه من الكفرة، وَوَعَدَ المَبْغِيَّ عليه بأنه ينصره، وذلك أن هذه الآية نزلت في قوم من المؤمنين لقيهم كفّار في
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: الأمْرُ ذَلِكَ؛ أيِ: الأمْرُ ما قَصَصْنا عَلَيْكم.
﴿ وَمَن عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ﴾ والعُقُوبَةُ: الجَزاءُ، والأوَّلُ لَيْسَ بِعُقُوبَةٍ، ولَكِنَّهُ سُمِّيَ عُقُوبَةً لِاسْتِواءِ الفِعْلَيْنِ في جِنْسِ المَكْرُوهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٍ مِثْلُها ﴾ ، لَمّا كانَتِ المُجازاةُ إساءَةً بِالمَفْعُولِ بِهِ سُمِّيَتْ سَيِّئَةً، ومَثَلُهُ: ﴿ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ﴾ ، قالَهُ الحَسَنُ.
ومَعْنى الآيَةِ: مَن قاتَلَ المُشْرِكِينَ كَما قاتَلُوهُ.
" ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ "؛ أيْ: ظُلِمَ بِإخْراجِهِ عَنْ مَنزِلِهِ.
وزَعَمَ مُقاتِلٌ أنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مُشْرِكِي مَكَّةَ لَقُوُا المُسْلِمِينَ لِلَيْلَةٍ بَقِيَتْ مِنَ المُحَرَّمِ فَقاتَلُوهم، فَناشَدَهُمُ المُسْلِمُونَ أنْ لا يُقاتِلُوهم في الشَّهْرِ الحَرامِ، فَأبَوْا إلّا القِتالَ، فَثَبَتَ المُسْلِمُونَ ونَصَرَهُمُ اللَّهُ عَلى المُشْرِكِينَ، وَوَقْعَ في نُفُوسِ المُسْلِمِينَ مِنَ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وقالَ: ﴿ إنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ ﴾ عَنْهم ﴿ غَفُورٌ ﴾ لِقِتالِهِمْ في الشَّهْرِ الحَرامِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ ﴾ ؛ أيْ: ذَلِكَ النَّصْرُ، ﴿ بِأنَّ اللَّهَ ﴾ القادِرَ عَلى ما يَشاءُ.
فَمِن قُدْرَتِهِ أنَّهُ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ، وأنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لِدُعاءِ المُؤْمِنِينَ بَصِيرٌ بِهِمْ، حَيْثُ جَعَلَ فِيهِمُ الإيمانَ والتَّقْوى، ﴿ ذَلِكَ ﴾ الَّذِي فَعَلَ مِن نَصْرِ المُؤْمِنِينَ ﴿ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ ﴾ ؛ أيْ: هو الإلَهُ الحَقُّ.
﴿ وَأنَّ ما يَدْعُونَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( يَدْعُونَ ) بِالياءِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِالتّاءِ، والمَعْنى: وأنَّ ما يَعْبُدُونَ ﴿ مِن دُونِهِ هو الباطِلُ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ -عَزَّ وجَلَّ-: ﴿ وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا في مِرْيَةٍ مِنهُ حَتّى تَأْتِيَهُمُ الساعَةُ بَغْتَةً أو يَأْتِيَهم عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ ﴾ ﴿ المُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهم فالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ في جَنّاتِ النَعِيمِ ﴾ ﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ ﴾ ﴿ والَّذِينَ هاجَرُوا في سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ قُتِلُوا أو ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللهِ رِزْقًا حَسَنًا وإنَّ اللهِ لَهو خَيْرُ الرازِقِينَ ﴾ ﴿ لَيُدْخِلَنَّهم مُدْخَلا يَرْضَوْنَهُ وإنَّ اللهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ ﴾ ﴿ ذَلِكَ ومَن عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللهُ إنَّ اللهُ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ﴾ ﴿ ذَلِكَ بِأنَّ اللهَ يُولِجُ اللَيْلَ في النَهارِ ويُولِجُ النَهارِ في اللَيْلَ وأنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴾ ﴿ ذَلِكَ بِأنَّ اللهَ هو الحَقُّ وأنَّ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هو الباطِلُ وأنَّ اللهَ هو العَلِيُّ الكَبِيرُ ﴾ "المِرْيَةُ": الشَكُّ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "مِنهُ" قالَتْ فِرْقَةٌ: هو عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: عَلى مُحَمَّدٍ - - وقالَتْ فِرْقَةٌ: عَلى ما ألْقى الشَيْطانُ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرِ أيْضًا: عَلى سُجُودِ النَبِيِّ - - في سُورَةِ النَجْمِ، و"الساعَةُ" قالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ يَوْمَ القِيامَةِ، "واليَوْمُ العَقِيمُ" يَوْمُ بَدْرٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "الساعَةُ" ساعَةُ مَوْتِهِمْ أو قَتْلِهِمْ في الدُنْيا كَيَوْمِ بَدْرٍ ونَحْوِهُ، و"اليَوْمُ العَقِيمُ" يَوْمُ القِيامَةُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: وهَذانِ القَوْلانِ جَيِّدانِ لِأنَّهُما أحْرَزا التَقْسِيمَ بـِ "أو"، ومَن جَعَلَ "الساعَةَ" و"اليَوْمَ العَقِيمَ" يَوْمَ القِيامَةِ فَقَدِ أفْسَدَ رُتْبَةَ أو، وسُمِّيَ يَوْمُ القِيامَةِ أو يَوْمُ الِاسْتِئْصالِ عَقِيمًا لِأنَّهُ لا لَيْلَةَ بَعْدَهُ ولا يَوْمَ، والأيّامُ كَأنَّها نَتائِجُ؛ لِمَجِيءِ واحِدٍ إثْرَ واحِدٍ، فَكَأنَّ آخِرَ يَوْمٍ قَدْ عَقِمْ، وهَذِهِ اسْتِعارَةٌ، وجُمْلَةُ هَذِهِ الآيَةِ تَوَعُّدٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ المُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ﴾ السابِقُ مِنهُ أنَّهُ في يَوْمِ القِيامَةِ مِن حَيْثُ لا مِلْكَ فِيهِ لِأحَدٍ، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِهِ يَوْمَ بَدْرٍ ونَحْوَهُ مِن حَيْثُ يَنْفُذُ قَضاءُ اللهِ وحْدَهُ ويَبْطُلُ ما سِواهُ، ويَمْضِي حُكْمُهُ فِيمَن أرادَ تَعْذِيبَهُ، فَأمّا مَن تَأوَّلَهُ في يَوْمِ القِيامَةِ فاتَّسَقَ لَهُ قَوْلُهُ: ﴿ فالَّذِينَ آمَنُوا ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ عَذابٌ مُهِينٌ ﴾ ، ومَن تَأوَّلَهُ في يَوْمِ بَدْرٍ ونَحْوِهِ جَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فالَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ابْتِداءً؛ خَبَرٌ عن حالِهِمُ المُتَرَكِّبَةُ عَلى حالِهِمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ العَقِيمِ مِنَ الإيمانِ والكُفْرِ.
وَقَوْلَهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ هاجَرُوا في سَبِيلِ اللهِ ﴾ الآيَةُ ابْتِداءً مَعْنًى آخَرُ: وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا ماتَ بِالمَدِينَةِ عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ، وأبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الأسَدِ قالَ بَعْضُ الناسِ: مَن قُتِلَ مِنَ المُهاجِرِينَ أفْضَلُ مِمَّنْ ماتَ حَتْفَ أنْفِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُسَوِّيَةٌ بَيْنَهم في أنَّ اللهَ -تَبارَكَ وتَعالى- يَرْزُقُ جَمِيعَهم رِزْقًا حَسَنًا.
ولَيْسَ هَذا بِقاضٍ بِتَساوِيهِمْ في الفَضْلِ، وظاهِرُ الشَرِيعَةِ أنَّ المَقْتُولَ أفْضَلُ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: المَقْتُولُ والمَيِّتُ في سَبِيلِ اللهِ شَهِيدانِ، ولَكِنْ لِلْمَقْتُولِ مَزِيَّةُ ما أصابَهُ في ذاتِ اللهِ -تَعالى- و"الرِزْقُ الحَسَنُ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ رِزْقَ الشُهَداءِ عِنْدَ رَبِّهِمْ في البَرْزَخِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بَعْدَ يَوْمِ القِيامَةِ في الجَنَّةِ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "مُدْخَلًا" بِضَمِّ المِيمِ مِن "دَخَلَ"، فَهو مَحْمُولٌ عَلى فِعْلٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ: فَيَدْخُلُونَ مُدْخَلًا، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "مُدْخَلًا" بِضَمِّ المِيمِ مِن "أدْخَلَ".
وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن سَلْمانَ بْنِ عامِرٍ قالَ: كانَ فَضالَةُ بُرُودَسْ أمِيرًا عَلى أرْباعِ، فَخَرَجَ بِجِنازَتَيْ رَجُلَيْنِ أحَدُهُما قَتِيلٌ والآخَرُ مُتَوَفًّى، فَرَأى مَيْلَ الناسِ مَعَ جِنازَةِ القَتِيلِ، فَقالَ: أراكم أيُّها الناسُ تَمِيلُونَ مَعَ القَتِيلِ وتُفَضِّلُونَهُ، فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ما أُبالِي مِن أيِّ حُفْرَتَيْهِما بُعِثْتُ، اقْرَءُوا قَوْلَ اللهِ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ هاجَرُوا في سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ قُتِلُوا أو ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللهِ رِزْقًا حَسَنًا ﴾ إلى ﴿ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ ﴾ .
وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ ومَن عاقَبَ ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ هُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ ﴾ المَعْنى: الأمْرُ ذَلِكَ.
ثُمْ أخْبَرَ -تَعالى- عَمَّنْ عاقَبَ مِنَ المُؤْمِنِينَ مَن ظَلَمَهُ مِنَ الكَفَرَةِ.
وَوَعَدَ المَبْغِيُّ عَلَيْهِ بِأنَّهُ يَنْصُرُهُ، وسَمّى الذَنْبَ في هَذِهِ الآيَةِ بِاسْمِ العُقُوبَةِ كَما تُسَمّى العُقُوبَةُ كَثِيرًا باسِمُ الذَنْبِ، وهَذا كُلُّهُ تَجَوُّزٌ واتِّساعٌ وذَكَرَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ لَقِيَهم كُفّارٌ في الشَهْرِ الحَرامِ، فَأبى المُؤْمِنُونَ مِن قِتالِهِمْ، وأبى المُشْرِكُونَ إلّا القِتالَ، فَلَمّا اقْتَتَلُوا جَدَّ المُؤْمِنُونَ ونَصَرَهُمُ اللهُ -تَعالى- فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأنَّ اللهَ يُولِجُ اللَيْلَ في النَهارِ ﴾ مَعْناها: نَصْرُ اللهِ -تَعالى- أولِياءَهُ ومَن بُغِيَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ القادِرُ عَلى العَظائِمْ، الَّذِي لا تُضاهى قُدْرَتُهُ، فَأوجَزَ العِبارَةَ بِأنْ أشارَ بِـ"ذَلِكَ" إلى النَصْرِ، وعَبَّرَ عَنِ القُدْرَةِ بِتَفْصِيلِها، فَذَكَرَ مِنها مَثَلًا لا يُدَّعى لِغَيْرِ اللهِ -تَعالى- وجَعَلَ تَقْصِيرَ اللَيْلِ وزِيادَةَ النَهارِ وعَكْسَها إيلاجًا تَجَوُّزًا وتَشْبِيهًا.
وقَوْلُهُ: ﴿ ذَلِكَ بِأنَّ اللهَ هو الحَقُّ ﴾ مَعْناهُ نَحْوَ ما ذَكَرْناهُ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "تَدْعُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يَدْعُونَ"، والإشارَةُ بِما يُدْعى مِن دُونِهِ، قالَتْ فِرْقَةٌ: هي إلى الشَيْطانِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي إلى الأصْنامِ، والعُمُومُ هُنا حَسَنٌ.
<div class="verse-tafsir"
اسم الإشارة هنا تكرير لاسم الإشارة الذي سبقه ولذلك لم يعطف.
ثم أخبر عنه بسبب آخر لنصر المؤمنين على المشركين بأن الله هو الرب الحق الذي إذا أراد فعَل وقدر فهو ينصر أولياءه وأن ما يدعوه المشركون من دون الله هو الباطل فلا يستطيعون نَصْرَهم ولا أنفسَهم يَنصُرون.
وهذا على حمل الباء في قوله: ﴿ بأن الله هو الحق ﴾ على معنى السببية، وهو محمل المفسرين.
وسيأتي في سورة لُقمان في نظيرها: أن الأظهر حمل الباء على الملابسة ليلتئم عطف ﴿ وأن ما تدعون من دونه هو الباطل ﴾ .
والحق: المطابق للواقع، أي الصدق، مأخوذ من حَقّ الشيءُ إذا ثبَت: والمعنى: أنه الحق في الإلهيّة، فالقصر في هذه الجملة المستفاد من ضمير الفصل قصر حقيقي.
وأما القصر في قوله ﴿ وأن ما تدعون من دونه هو الباطل ﴾ المستفاد من ضمير الفصل فهو قصر ادعائيّ لعدم الاعتداد بباطللِ غيرها حتى كأنه ليس من الباطل.
وهذا مبالغة في تحقير أصنامهم لأنّ المقام مقام مناضلة وتوعد، وإلا فكثير من أصنام وأوثان غير العرب باطل أيضاً.
وقرأ نافع، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم، وأبو جعفر ﴿ تَدْعُون ﴾ بالتاء الفوقيّة على الالتفات إلى خطاب المشركين لأنّ الكلام السابق الذي جرت عليهم فيه ضمائر الغيبة مقصود منه إسماعهم والتعريض باقتراب الانتصار عليهم.
وقرأ البقية بالتحتية على طريقة الكلام السابق.
وعلوّ الله: مستعار للجلال والكمال التام.
والكِبر: مستعار لتمام القدرة، أي هو العلي الكبير دون الأصنام التي تعبدونها إذ ليس لها كمال ولا قدرة ببرهان المشاهدة.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الحَقَّ اسْمٌ مِن أسْمائِهِ تَعالى، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
الثّانِي: أنَّهُ ذُو الحَقِّ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
الثّالِثُ: مَعْناهُ أنَّ عِبادَتَهُ حَقٌّ وهو مَعْنى قَوْلِ السُّدِّيِّ.
﴿ وَأنَّ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هو الباطِلُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: الأوْثانُ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: إبْلِيسُ، قالَهُ قَتادَةُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم، عن مقاتل في قوله: ﴿ ذلك ومن عاقب ﴾ الآية.
قال: إن النبي- صلى الله عليه وسلم- بعث سرية في ليلتين بقيتا من المحرم، فلقوا المشركين، فقال المشركون بعضهم لبعض: قاتلوا أصحاب محمد، فإنهم يحرمون القتال في الشهر الحرام.
وإن أصحاب محمد: ناشدوهم وذكروهم بالله أن يعرضوا لقتالهم؛ فإنهم لا يستحلون القتال في الشهر الحرام إلا من بادأهم، وإن المشركين بدأوا وقاتلوهم فاستحل الصحابة قتالهم عند ذلك، فقاتلوهم ونصرهم الله عليهم.
وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج في قوله: ﴿ ذلك ومن عاقب ﴾ .
قال: تعاون المشركون على النبي- صلى الله عليه وسلم- وأصحابه فأخرجوه، فوعد الله ان ينصره وهو في القصاص أيضاً.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ وإن ما يدعون من دونه هو الباطل ﴾ قال: الشيطان.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ ﴾ أي: ذلك الذي فعل من نصر المؤمنين بأنّه (١) ﴿ هُوَ الْحَقُّ ﴾ أي: ذو الحق في قوله وفعله، فدينه حق وعبادته حق، كل ما يصدر عنه من أمر ونهي حق، والمؤمنون الذين آمنوا به وصدقوا رسوله هم المحقون؛ فيستحقون من الله النصر.
﴿ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ ﴾ أي: الذي ليس بشيء ولا ينفع عبادته.
قاله مقاتل (٢) ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ ﴾ العالي على كل شيء بقدرته، والعالي عن الأشباه والأشكال (٣) ﴿ الْكَبِيرُ ﴾ الذي كل شيء سواه يصغر مقداره.
(١) في (أ): (وأنَّه).
(٢) "تفسير مقاتل" 2/ 27 أ.
(٣) الحق أنَّ "العلي" يتضمن ثلاثة أمور، وهي علو الذات وعلو القدر وعلو القهر.
وكلام المؤلف هنا حيدة منه عن إثبات علو الذات.
وانظر بيان ذلك في قسم الدراسة عند الكلام على عقيدة المؤلف.
﴿ ذلك بِأَنَّ الله هُوَ الحق ﴾ أي ذلك الوصف الذي وصف الله به هو بسبب أنه الحق ﴿ فَتُصْبِحُ الأرض مُخْضَرَّةً ﴾ تصبح هنا بمعنى تصير، وفهم بعضهم أنه أراد صبيحة ليلة المطر، فقال: لا تصبح الأرض مخضرة إلا بمكة، والبلاد الحارة، وأما على معنى تصير، فذلك عام في كل بلد، والفاء للعطف، وليست بجواب، ولو كانت جواباً لقوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ لنصبت الفعل، وكان المعنى نفي خضرتها وذلك خلاف المقصود، وإنما قال ﴿ تُصْبِحُ ﴾ بلفظ المضارعة ليفيد بقاءها كذلك مدة ﴿ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الأرض ﴾ يعني البهائم والثمار والمعادن وغير ذلك ﴿ أَن تَقَعَ ﴾ في موضع مفعول على تقدير عن أن تقع، وقال الزمخشري: كراهة أن تقع فهو مفعول من أجله ﴿ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ﴾ يحتمل أن يريد يوم القيامة، فجعل طي السماء كوقوعها أو يريد بإذنه لو شاء متى شاء ﴿ ا أَحْيَاكُمْ ﴾ أي أوجدكم بعد العدم، وعبّر عن ذلك بالحياة؛ لأن الإنسان قبل ذلك تراب فهو جماد بلا روح، ثم أحياه بنفخ الروح ﴿ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ﴾ يعني الموت المعروف ﴿ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ﴾ يعني البعث ﴿ لَكَفُورٌ ﴾ أي جحود للنعمة ﴿ مَنسَكاً ﴾ هو اسم مصدر لقوله: ﴿ نَاسِكُوهُ ﴾ ولو كان اسم مكان لقال ناسكون فيه ﴿ فَلاَ يُنَازِعُنَّكَ ﴾ ضمير الفاعل للكفار، والمعنى: أنه لا ينبغي منازعة النبي صلى الله عليه وسلم، لأن الحق قد ظهر بحيث لا يسع النزاع فيه، فجاء الفعل بلفظ النهي والمراد غير النهي، وقيل: إن المعنى لا تنازعهم فينازعونك، فحذف الأول لدلالة الثاني عليه، ويحتمل أن يكون نهياً لهم عن المنازعة على ظاهر اللفظ ﴿ فِي الأمر ﴾ أي في الدين الشريعة أو في الذبائح ﴿ وادع إلى رَبِّكَ ﴾ أي ادع الناس إلى عبادة ربك.
<div class="verse-tafsir"
القراآت: ﴿ نكيري ﴾ بإثبات الياء حيث كان في الحالين: يعقوب.
وافق ورش وسهل وعباس في الوصل.
﴿ أهلكتها ﴾ على التوحيد: أبو عمرو وسهل ويعقوب الآخرون ﴿ أهلكناها ﴾ ﴿ وبير ﴾ بالياء: أبو عمرو غير شجاع وأوقية ويزيد والأعمش وورش وربيعة وابن فليح وحمزة في الوقف.
﴿ يعدون ﴾ على الغيبة: ابن كثير وحمزة وعلي وخلف ﴿ معجزين ﴾ بالتشديد: حيث كان: ابن كثير وأبو عمرو.
ثم ﴿ قتلوا ﴾ بالتشديد ابن عامر ﴿ وأن ما يدعون ﴾ بياء الغيبة وكذلك في سورة لقمان: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف وحفص.
الوقوف: ﴿ وثمود ﴾ ه ﴿ ولوط ﴾ ه ﴿ مدين ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد المعنى ﴿ أخذتهم ﴾ ج لابتداء التهديد مع فاء التعقيب ﴿ نكير ﴾ ه ﴿ مشيد ﴾ ه ﴿ يسمعون بها ﴾ ه للابتداء بأن مع الفاء ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ وعده ﴾ ط ﴿ تعدون ﴾ ه ﴿ أخذتها ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ج للابتداء مع الفاء ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ أمنيته ﴾ ج لانقطاع النظم مع إتحاد المعنى ﴿ آياته ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه لا لتعلق اللام ﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ بعيد ﴾ ه لا ﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ عقيم ﴾ ه ﴿ لله ﴾ ط ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ النعيم ﴾ ه ﴿ مهين ﴾ ه ﴿ حسناً ﴾ ط ﴿ الرازقين ﴾ ه ﴿ يرضونه ﴾ ط ﴿ حليم ﴾ ه ﴿ ذلك ﴾ ج ﴿ لينصرنه الله ﴾ ط ﴿ غفور ﴾ ه ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ الكبير ﴾ ه ﴿ ماء ﴾ ز لنوع عدول مع العطف ﴿ مخضرة ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ الحميد ﴾ ه.
التفسير: إنه بعد ضمان النصر لنبيه والدفع عن أمته ذكر ما فيه تسليته وهو أنه ليس بأوحدي في التكذيب له والقصص معلومة مما سلف.
قال جار لله.
إنما لم يقل "وقوم موسى" لأن موسى كذبه غير بني إسرائيل وهم القبط، أو المراد وكذب موسى أيضاً مع وضوح آياته وعظم معجزاته فما ظنك بغيره؟
والنكير بمعنى الإنكار عبر به عن الهلاك المعجل لأنه يستلزمه أو لأن الهلاك رادع لغيرهم فكأنه أنكر به عليهم حتى ارتدعوا، أو هو بمعنى التغيير لأنه أبدلهم بالنعمة محنة وبالحياة هلاكاً وبالعمارة خراباً.
قوله ﴿ وهي ظالمة فهي خاوية ﴾ الأولى في محل النصب على أنها حال، والثانية لا محل لها لأنها معطوفة على ﴿ أهلكناها ﴾ وهذه ليس لها محل.
قال أبو مسلم: اراد هي كانت ظالمة فهي الآن خاوية على عروشها وقد مر تفسيرها في البقرة في قوله ﴿ أو كالذي مر على قرية وهي خاوية ﴾ قوله ﴿ وبئر معطلة ﴾ عطف على ﴿ قرية ﴾ أي وكم بئر عطلناها عن سقائها مع أنها عامرة فيها الماء ومعها آلات الاستقاء، وكم قصر مشيد مجصص أو مرتفع أخليناه عن ساكنيه؟
فحذف هذه الجملة لدلالة معطلة عليها.
وقد يغلب على لاظن من هاتين القرينتين أن "على" في قوله ﴿ على عروشها ﴾ بمعنى "مع" كأنه قيل: هي خاوية أي ساقطة أو خالية مع بقاء عروشها قاله في الكشاف.
وأقول: إذا كانت القرى المهلكة غير البئر والقصر فهذا الظن مرجوح أو مساوٍ لا غالب.
يروى أنها بئر نزل عليها صالح مع اربعة آلاف نفر ممن آمن به ونجاهم وسميت بلدة عند البئر اسمها حاضوراء بناها قوم صالح واقاموا بها زماناً ثم كفروا وعبدوا صنماً وأرسل الله إليهم حنظلة بن صفوان نبياً فقتلوه فأهلكهم الله وعطل بئرهم وخرب قصورهم.
يحكى أن الإمام أبا القاسم الأنصاري قال: هذا عجيب لأني زرت قبر صالح بالشام ببلدة يقال لها عكة فكيف قيل: إنه بحضرموت؟
قلت: لا غرو أن يتفق الموت بأرض والدفن بأرض أخرى.
ثم أنكر على أهل مكة عدم اعتبارهم بهذه الاثار قائلاً ﴿ أفلم يسيروا ﴾ حثهم على السفر ليروا مصارع تلك الأمم فيعتبروا.
ويحتمل أن يكونوا قد سافروا ولم يعتبروا فلهذا جاء الإنكار كقوله ﴿ وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون ﴾ والمراد بالسماع سماع تدبر وانتفاع وإلا كان كلا سماع كما أن المراد بالإبصار إبصار الاعتبار ولهذا قال ﴿ فإنها ﴾ أي إن القصة ﴿ لا تعمى الأبصار ﴾ أي أبصارهم ﴿ ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ﴾ وفي هذا التصوير زيادة التمكين والتقرير لغرابة نسبة العمى إلى القلب، وجوز في الكشاف أن يكون الضمير في ﴿ فإنها ﴾ ضميراً مبهماً يفسره الأبصار وفاعل ﴿ تعمى ﴾ ضمير عائد إلى الضمير الأول المبهم.
والمعنى على الوجهين أن أبصارهم صحيحة سالمة لا عمى بها وإنما العمى بقلوبهم، أو لا تعتدوا بعمى الأبصار وإن فرض لأنه ليس بعمى بالإضافة إلى عمى القلوب.
وزعم بعضهم أن في الآية إبطالاً لقول من جعل محل الكفر الدماغ وليس بقوي فقد يتشاركان في ذلك، أو يكون سلطانه في القلب والدماغ كالآلة.
ثم حكى من عظيم ما هم عليه من التكذيب أنهم يستهزؤن باستعجال العذاب العاجل والآجل كأنهم جوزوا الفوت فلهذا قال ﴿ ولن يخلف الله وعده ﴾ أو لعلهم طلبوا عذاب الآخرة فذكر أن استعجاله في الدنيا كالخلف لأن موعده الآخرة ﴿ وإن يوماً عند ربك كألف سنة ﴾ قال أبو مسلم: أراد أن العاقل لا ينبغي أن يستعجل عذاب الآخرة لأن يوماً واحداً من أيام عذاب الله في الشدة كألف سنة من سنينكم لأن أيام الشدائد مستطالة، أو كالف سنة من سني العذاب إذا عدها العاد وذلك لشدة العذاب ايضاً.
وقيل: أراد أن اليوم الواحد وألف سنة بالنسبة إليه على السواء لأنه القادر الذي لا يعجزه شيء، فإذا لم يستبعدوا إمهال يوم فلا يستبعدوا أيضاً إمهال ألف سنة.
وقد يدور في الخلد أن هذا إشارة إلى لا تناهي طرف الأبد المستتبع لازدياد امتداد الآحاد الاعتبارية لأجل سهولة الضبط، والغرض أن من كانت أيامه في الطول إلى هذا الحد لا يفيد الاستعجال بالنسبة إليه شيئاً فالأولى بل الواجب تفويض الأمور إلى أوقاتها المقدرة لها من غير تقدم ولا تأخر ثم كرر قوله ﴿ وكأين من قرية ﴾ وليس بتكرار في الحقيقة لأن الأول سيق لبيان الإهلاك مناسباً لقوله ﴿ فكيف كان نكير ﴾ ولهذا عطف بالفاء بدلاً عتن ذلك، والثاني سيق لبيان الإملاء مناسباً لقوله ﴿ ولن يخلف الله وعده وإن يوماً عند ربك كألف سنة ﴾ فكأنه قيل: وكم من أهل قرية كانوا مثلكم ظالمين قد أنظرتهم حيناً ثم أخذتهم بالعذاب والمرجع للكل إلى حكمي.
ثم أمر رسوله بأن يتلو عليهم جملة حاله في الرسالة وهي أنه نذير مبين وجملة حالهم في باب التكليف مآلا، وإنما اقتصر على النذارة لأنها تتضمن البشارة فإن كلام الحيكم لا يخلو عن ترغيب وإن كان مبنياً على الترهيب بدليل ﴿ يا ايها الناس ﴾ وهو نداء الكفرة في قول ابن عباس.
قال في الكشاف: هم الذين قيل فيهم ﴿ أفلم يسيروا ﴾ ووصفوا بالاستعجال، وإنما أقحم المؤمنون وثوابهم ليغاظوا.
قالت الأشاعرة: المغفرة إما للصغائر أو للكبائر بعد التوبة أو قبلها.
والأولان واجبان عند الخصم وأداء الواجب لا يسمى غفراناً فبقي الثالث ويلزم منه عفو صاحب الكبيرة من أهل القبلة، أما الرزق فلا شك أنه الثواب، وأما الكريم فإما أن يكون أمراً سلبياً وهو أن يكون الإنسان معه بحيث يستغنى عن المكاسب وتحمل المتاعب والذل والدناءة وما ينجر إلى المآثم والمظالم، وإما أن يكون ثبوتياً وهو أن يكون رزقاً كثيراً دائماً خالصاً عن شوائب الضرر مقروناً بالتعظيم والإجلال ﴿ والذين سعوا في آياتنا ﴾ أي بذلوا جهدهم في تكذيبها وإرادة إبطالها كمن يسعى سعياً أي يمشي سريعاً.
قال أهل اللغة: عاجزه سابقه لأن كل واحد منهما في طلب إعجاز الآخر عن اللحاق به، فإذا سبقه قيل أعجزه وعجزه.
والمراد معاجزين الله ورسوله أي مقدرين ذلك ظنا منهم أن كيدهم للإسلام يتم لهم، وأن طعنهم في القرآن وتثبيطهم الناس عن التصديق يبلغ بهم غرضهم.
ثم بين أن له أسوة بالأنبياء السالفة والرسل السابقة في كل ما يأتي ويذر فقال ﴿ وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ﴾ خصص أولاً ثم عمم، فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولاً، فقد لا يكون معه كتاب بل يؤمر بأن يدعو إلى شريعة من قبله، وقد لا ينزل عليه الملك ظاهراً وإنما يرى الوحي في المنام أو يخبره بذلك رسول في عصره، ولا بد للكل من المعجزة.
"عن النبي أنه سئل عن الأنبياء فقال: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً قيل: فكم الرسل منهم؟
قال: ثلثمائة وثلاثة عشر جماً غفيراً" .
قال عامة المفسرين في سبب نزول الآية: أنه لما شق عليه إعراض قومه عنه تمنى في نفسه أن لا ينزل عليه شيء ينفرهم عنه لحرصه على إيمانهم.
وكان ذات يوم جالساً في نادٍ من أنديتهم وقد نزل عليه سورة { ﴿ والنجم إذا هوى ﴾ فأخذ يقرؤها عليهم حتى بلغ قوله ﴿ أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ﴾ وكان ذلك التمني في نفسه فجرى على لسانه "تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى" فلما سمعت قريش ذلك فرحوا ومضى رسول الله في قراءته حتى ختم السورة، فلما سجد في آخرها سجد معه جميع من في النادي من المسلمين والمشركين، فتفرقت قريش مسرورين وقالوا: قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر فأتاه جبرائيل وقال: ما صنعت تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله، فحزن رسول الله وخاف خوفاً شديداً فأنزل الله هذه الآية.
واعترض المحققون على هذه الرواية بالقرآن والسنة وبالمعقول.
أما القرآن فكقوله ﴿ ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين ﴾ وقوله ﴿ وما ينطق عن الهوى ﴾ وقوله { ﴿ ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن ﴾ نفى القرب من الركون فكيف به؟
وأما السنة فهي ما روي عن ابن خزيمة أنه سئل عن هذه القصة فقال: هذا وضع من الزنادقة، وقد صنف فيه كتاباً وقال الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي.
هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل، ثم أخذ يتكلم أن رواة هذه القصة مطعون فيهم.
وقد روى البخاري في صحيحه أنه قرأ سورة النجم وسجد فيها المسلمون والمشركون الإنس والجن وليس فيه حديث الغرانيق.
وأما المعقول فهو أن النبي بعث لنفي الأوثان فكيف يثبتها؟
وأيضاً إنه بمكة لم يتمكن من القراءة والصلاة عند الكعبة ولا سيما في محفل غاص.
وايضاً إن معاداتهم إياه كانت أكثر من أن يغتروا بهذا القدر فيخروا سجداً قبل أن يقفوا على حقيقة الأمر.
وأيضاً منع الشيطان من اصله أولى من تمكنه من الإلقاء ثم نسخه.
وايضاً لوجوزنا ذلك لارتفع الأمان من الشرع، ولناقض قوله ﴿ بلغ ما أنزل إليك ﴾ وحال الزيادة في الوحي كحال النقصان منه.
إذا عرفت هذا فللأئمة في تأويل الآية قولان: الأول أن التمني بمعنى القراءة كما سلف في البقرة في قوله ﴿ ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني ﴾ وما المراد بهذه القراءة فيه وجهان: أحدهما أنه يجوز أن يسهو النبي فيه ويشتبه على القارئ دون ما رووه من قوله "تلك الغرانيق العلى".
وثانيهما أنه قراءة هذه الكلمة وإنها قد وقعت بعينها.
وكيف وقعت؟
ذهبت جماعة إلى أنه لما قرأ سورة والنجم اشتبه على الكفار فتوهموا بعض ألفاظه ذلك، وزيف بأن هذا التوهم من الجم الغفير بعيد.
وقيل: إن شيطان الجن ألقاها في البين فظنها الحاضرون من قول الرسول.
وضعف بأن هذا يفضي إلى ارتفاع الوثوق عن كل ما يتكلم به النبي.
قلت: الإنصاف أنه غير ضعيف ولا يفضي إلى ارتفاع الوثوق لقوله ﴿ فينسخ الله ما يلقي الشيطان ﴾ وقيل: إن المتكلم به شيطان الإنس وهم الكفرة كانوا يقربون منه في حال صلاته ويسمعون قراءته ويلقون فيها في إثناء وقفاته.
وقيل: إن المتكلم به الرسول قاله سهواً كما روي عن قتادة ومقاتل أنه كان يصلي عند المقام فنعس وجرى على لسانه هاتان الكلمتان، ولا ريب أنه يكون بإلقاء الشيطان.
وضعف باستلزامه زوال الأمان عن الشرع وقد عرفت جوابه، وبأن مثل هذا الكلام المطابق لفواصل السورة يستبعد وقوعها في النعاس.
وزعم قوم أن الشيطان أجبره على ذلك ورد بنحو قوله ﴿ إِنه ليس له سلطان على الذين آمنوا ﴾ وذهب جماعة إلى أنه قال ذلك اختياراً.
ثم إنها باطلة أم لا فيه وجهان: أما اول ففيه طريقان: أحدهما قول ابن عباس في رواية أن "شيطاناً" يقال له الأبيض أتاه على صورة جبريل وألقاها إليه فقرأها فلما سمع المشركون ذلك أعجبهم فجاء جبريل واستعرضه فقرأها، فلما بلغ إلى تلك الكلمة أنكر عليه جبريل فقال: إنه أتاني آتٍ على صورتك فألقاها على لساني.
وثانيهما أنه لشدة حرصه على إيمان القوم أدخل هذه الكلمة من تلقاء نفسه ثم رجع عنها.
والطريقان منحرفان عند المحققين، لأن الأول يقتضي أن النبي لا يفرق بين الملك والمعصوم والشيطان الخبيث.
والثاني أنه يؤدي إلى كونه خائناً في الوحي.
وأما الوجه الثاني فتصحيحه أنه اراد بالغرانيق الملائكة، وقد كان قرآناً منزلاً في وصف الملائكة فلما توهم المشركون أنه يريد آلهتهم نسخ الله تلاوته.
أو هو في تقدير الاستفهام بمعنى الإنكار، أو المراد بالإِثبات ههنا النفي كقوله ﴿ يبين الله لكم أن تضلوا ﴾ قال الجوهري: الغرنيق بضم الغين وفتح النون من طير الماء طويل العنق، وإذا وصف به الرجال فواحدهم غرنيق وغرنوق بكسر الغين وفتح النون، وغرنوق وغرانق بالضم وهو الشاب السيد والجمع غرانق بالفتح والغرانيق.
القول الثاني أن التمني هو تمني القلب ومعنى الآية ما من نبي إلا وهو بحيث إذا تمنى أمراً من الأمور وسوس الشيطان إليه بالباطل ويدعوه إلى مالا ينبغي، ثم إن الله ينسخ ذلك ويبطله ويهديه إلى ما هو الحق.
وما تلك الوسوسة؟
قيل: هي أن يتمنى ما يتقرب به إلى المشركين من ذكر آلهتهم بالخير وقد مر فساده.
وقال مجاهد: إنه كان يتمنى إنزال الوحي بسرعة دون تأخير فعرفه الله تعالى أن ذلك خاطر غير رحماني، وإنما المصلحة هي إنزال الوحي على وفق الحوادث.
وقيل: كان يتفكر في تأويل المجمل فيلقي الشيطان إلى جملته ما هو غير مراد، وكان رد الله إلى المعنى المراد بإنزال المحكمات.
وقيل: معناه إذا أراد فعلاً يتقرب به إلى الله حال الشيطان بينه وبين مقصوده والله يثبته على ذلك نظيره ﴿ إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ﴾ ﴿ وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله ﴾ واعترض على هذا القول بأن تمني القلب كيف يكون فتنة للذين في قلوبهم مرض وهم المنافقون، وللقاسية قلوبهم وهم المشركون؟
وأجيب بأنه إذا قوي التمني اشتغل الخاطر به فحصل السهو في الأفعال الظاهرة بسبه فيصير ذلك فتنة لمن ضعفت عقيدته في النبي.
والحاصل أن الرسل لا ينفكون عن السهو وإن كانوا معصومين عن العمد فعليهم أن لا يتبعوا إلا ما يقطعون به لصدوره عن علم وذلك هو المحكم.
وذهب أبو مسلم إلى أن حاصل الآية هو أن كل نبي من جنس البشر الذين هم بصدد الخطأ والنسيان من قبل وساوس الشيطان.
ووجه النظم بين هذه الآية والتي قبلها أنه أمر بأن يقول إني لكم نذير لكني من البشر لا من الملائكة ولم يرسل الله قبلي ملكاً بل أرسل رجالا يوسوس الشيطان إليهم، وعلى هذا فالملائكة لعدم إمكان استيلاء الشيطان عليهم أعظم درجة من الأنبياء وأقوى حالاً منهم.
وقال صاحب الكشاف: المعنى أن الرسل والأنبياء من قبلك كانت هجيراهم كذلك إذا تمنوا مثل ما تمنيت وهو أن لا ينزل ما ينفر أمتة ولا يوافق هواهم، مكن الله الشيطان ليلقي في أمانيهم مثل ما ألقي في أمنيتك حتى سبق لسانك.
فقلت "تلك الغرانيق" الخ.
وسبب التمكين إرادة امتحان من حولهم والله له أن يمتحن عباده بما شاء من صنوف المحن وأنواع الفتن ليضاعف ثواب الثابتين ويزيد في عقاب المذبذبين.
فهذه جملة أقوال المفسرين في الآية.
وأما قوله ﴿ فينسخ الله ﴾ فالمراد إزالة تأثير ما يلقي الشيطان وهو النسخ اللغوي لا النسخ الشرعي المستعمل في الأحكام وقوله ﴿ ثم يحكم الله آياته ﴾ فالمراد بالآيات هي آيات القرآن أي يجعلها بحيث لا يختلط بها شيء من كلام غيره فتكون ثابتة في مظانها، أو يجعلها بحيث لا يتطرق إليها تأويل فاسد معمول به عند الأمة.
ويحتمل أن يكون المراد بأحكام الآيات الإرشاد إلى أدلة الأحكام الشرعية.
وقوله ﴿ وإن الظالمين ﴾ أراد المنافقين والمشركين المذكورين إلا أنه وضع الظاهر موضع الضمير قضاء عليهم بالظلم والشقاق البعيد والمعاداة الكاملة.
وأعلم أنه ذكر لتمكين الشيطان من الإلقاء في الأمنية أثرين: أحدهما في حق غير أهل الإيمان وهم أهل النفاق والشرك وذلك قوله ﴿ وليجعل ﴾ الآية.
وثانيهما في حق المؤمنين العارفين بالله وصفاته وهو قوله ﴿ وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق ﴾ قال مقاتل: يعني القرآن.
وعن الكلبي: أي النسخ.
قال جار الله: أي تمكين الشيطان من الإلقاء قلت: أما عند الأشاعرة فلأن المالك له أن يتصرف في ملكه كيف يشاء، وأما عند المعتزلة فلأن أفعاله جارية على وفق الحكمة والتدبير.
﴿ فتخبت ﴾ تخضع وتطمئن ﴿ له قلوبهم ﴾ بناء على أصلي الفريقين.
والصراط المستقيم ههنا فسروه بالتأويلات الصحيحة والبيانات المطابقة للأصول.
قلت: وتفسيره بمعنى أعم من ذلك غير ضائر.
ثم بين أن الأعصار إلى قيام الساعة لا تخلو ممن يكون في شك من القرآن والرسول واليوم العقيم.
قيل: يوم بدر لأنه لا مثل له في عظم أمره لقتال الملائكة فيه، أو لأنه لا خير فيه للكفار من قولهم "ريح عقيم" إذا لم تنشئ مطراً ولم تلقح شجراً، أو لأن يوم الحرب يقال له "العقيم" من حيث أن أولاد النساء يقتلون فيه فيصرون كأنهن عقم لم يلدن، أو من حيث إن المقاتلين يقال لهم "أبناء الحرب" فإذا قتلوا بقي الحرب بلا أبناء.
وعن الضحاك أنه يوم القيامة لأنهم لا يرون فيه خيراً، أو لأن كل ذات حمل تضع فيه حملها، أو لأنه لا ليل فيه فيستمر كاستمرار المرأة على عدم الولادة.
ولا تكرار على هذا القول لأن المراد بالساعة مقدماته، أو المراد حتى تأتيهم الساعة بغتة أو يأتيهم عذابها، فوضع يوم عقيم مقام الضمير.
واستحسن بعض الأئمة قول الضحاك ورجحه لأن الأول يلزم منه أن الكفار ينتهي شكهم في يوم بدر وليس كذلك فإنهم في مرية بعد يوم بدر أيضاً.
ويمكن أن يقال: "أو" للعطف على أول الآية فيكون المراد بالذين كفروا في الأول الجنس، وفي الثاني العهد.
سلمنا أنه للعطف على ﴿ تأتيهم ﴾ إلا أن اللام في ﴿ الذين كفروا ﴾ للجنس فيقع على الذين ما انتهى شكهم إلى يوم القيامة ويحتمل أن يراد بالساعة وقت موت كل واحد وبعذاب يوم عقيم القيامة.
ثم بين أنه لا مالك يوم تأتي الساعة إلا الله وأنه يحكم بين الناس فيميز بين أهل الجنة وأهل النار.
ثم أفرد المهاجرين بالذكر تخصيصاً لهم بمزيد التشريف.
يروى أن طوائف من أصحاب رسول الله قالوا: يا نبي الله، هؤلاء الذين قتلوا قد علمنا ما أعطاهم الله من الخير ونحن نجاهد معك كما جاهدوا فما لنا إن متنا معك؟
فأنزل الله عز وجل ﴿ والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ﴾ قال بعض المفسرين هم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة.
وقال بعضهم: هم الذين خرجوا من الأوطان في سرية أو عسكر.
ولا يبعد حمل الآية على الفريقين.
والرزق الحسن نعيم الجنة.
وعن الكلبي: هو الغنيمة لأنها حلال.
وقال الأصم: العلم والفهم كقول شعيب ﴿ ورزقني منه رزقاً حسناً ﴾ وضعف الوجهان بأنهما ممتنعان بعد القتل أو الموت.
قال العلماء: وإنما تظهر هذه الفضيلة للمهاجرين في مزيد الدرجات وإلا فلا بد من شرط اجتناب الكبائر كما في حق غيرهم.
﴿ وإن الله لهو خير الرازقين ﴾ لأن رزق غيره ينتهي إليه وغيره لا يقدر على مثل رزقه، ولأن رزقه لا يختلط بالمن والأذى ولا بغرض من الأغراض الفاسدة، ولأنه يرزق ويعطي ما به يتم الانتفاع بالرزق من القوى والحواس وغير ذلك من الشرائط الوجودية والعدمية.
قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن غير الله يقدر على الفعل وهو الرزق.
ويمكن أن يجاب بأنه مجاز أو على سبيل الفرض والتقدير.
وليس في الآية دليل ظاهر على أن المهاجر المقتول والمهاجر الميت على فراشه هل يستويان في الأجر أم لا بل المعلوم منها هو الجمع بينهما في الوعد.
وقد يستدل على التسوية بما روي عن أنس أن رسول الله قال "المقتول في سبيل الله والمتوفي في سبيل الله بغير قتل هما في الأجر شريكان" فإن لفظ الشركة مشعر بالتسوية.
وحين بين رزقهم شرع في ذكر مسكنهم.
قيل: في المدخل الذي يرضونه خيمة من درة بيضاء لا فصم فيها ولا وصم، لها سبعون ألف صراع.
وقال أبو القاسم القشيري: هو أن يدخلهم الجنة من غير مكروه تقدم.
وقال ابن عباس: يرون في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فيرضونه ولا يبغون عنها حولاً ﴿ وإن الله لعليم ﴾ بدرجات العاملين ومراتب استحقاقهم ﴿ حليم ﴾ عن تفريط المفرط منهم فيمهله حتى يتوب فيدخل الجنة.
ثم بين أنه مع إكرامه لهم في الآخرة لا يدع نصرهم في الدنيا قبل أن يقتلوا أو يموتوا فقال ﴿ ذلك ﴾ قال الزجاج: أي الأمر ما قصصنا عليكم من إنجاز الوعد للمهاجرين خاصةً إذا قتلوا أو ماتوا.
عن مقاتل: أن قوماً من المشركين لقوا قوماً من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرم فقالوا: إن أصحاب محمد يكرهون القتال في الشهر الحرام فاحملوا عليهم، فناشدهم المسلمون أن يكفوا عن قتالهم لحرمة الشهر فأبوا وقاتلوهم فذلك بغيهم عليهم وثبت لهم المسلمون فنصروا، فوقع في أنفس المسلمين شيء من القتال في الشهر الحرام فنزل ﴿ ومن عاقب ﴾ أي قاتل ﴿ بمثل ما عوقب به ﴾ أي كما ابتدئ بقتاله سمى الابتداء باسم الجزاء للطباق وللمبلابسة من حيث إن ذلك سبب وهذا مسبب عنه ﴿ ثم بغي عليه ﴾ أي ثم كان المجازي مبغياً عليه أي مظلوماً.
ومعنى "ثم" تفاوت الرتبة لأن كونه مبدوأ بالقتال معه نوع ظلم كما قيل "البادي أظلم" وهو موجب لتنصرته ظاهراً إلا أن كونه في نفس الأمر مظلوماً هو السبب الأصلي في النصرة.
وعن الضحاك أن الآية مدنية وهي في القصاص والجراحات.
واستدل الشافعي بها في وجوب رعاية المماثلة في القصاص فقال: من حرق حرقناه ومن غرق غرقناه.
وفي ختم الآية بذكر العفو والمغفرة وجوه منها: أن المندوب للمجني عليه هو أن يعفو عن الجاني كقوله ﴿ فمن عفا وأصلح فأجره على الله ﴾ وكأنه قال: أنا ضامن لنصرته إن ترك الانتقام وطلب إكثار ما هو أولى به فإِني عفوّ غفور.
ومنها أنه ضمن النصر على الباغي ولوح بذكر هاتين الصفتين بما هو أولى بالمجني عليه وهو العفو والصفح.
ومنها أن دل بذكرهما على أنه قادر على العقوبة لأن العفو عند المقدرة.
ثم بين أن ذلك النصر بسبب أنه قادر ومن كمال قدرته إيلاج الليل في النهار والنهار في الليل، وذلك أن زيادة أحدهما تستلزم نقصان الآخر، أو أراد تحصيل أحد العرضين الظلام والضياء في مكان الآخر وقد مر في أوائل آل عمران.
وفيه أن خالق الليل والنهار ومصرف الأدوار والأكوار لا يخفى عليه شيء من الزمانيات خيراً أو شراً إنصافاً أو بغياً وأكد هذا المعنى بقوله ﴿ إن الله سميع بصير ﴾ يسمع أقوال الخلائق ويبصر أفعالهم.
ثم بين أن كمال القدرة والعلم هو يقتضي وجوب الوجود فقال ﴿ ذلك ﴾ أي الوصف بخلق الملوين وبالإحاطة بما يجري فيهما بسبب أن الحقية منحصرة في ذاته وأن وجود غيره ولا سيما الأوثان موسوم بالبطلان فلا نقص كالإمكان.
ويعلم مما ذكر أنه لا شيء أعلى منه شاناً وأكبر سلطاناً.
وإنما قال ههنا ﴿ من دونه هو الباطل ﴾ بزيادة هو وفي "لقمان" ﴿ من دونه الباطل ﴾ لأن هذا وقع بين عشر آيات كل آية مؤكدة مرة أو مرتين ولهذا أيضاً زيدت اللام في قوله ﴿ وإن الله لهو الغني الحميد ﴾ بخلاف ما في "لقمان" وأيضاً يمكن أن يقال: تقدم في هذه السورة ذكر الشيطان فلهذا ذكرت هذه المؤكدات بخلاف "لقمان" فإنه لم يتقدم ذكر الشيطان هناك بنحو ما ذكر ههنا.
ثم ذكر أنواعاً أخر من دلائل قدرته ونعمته فقال ﴿ الم تر ﴾ قيل: هي رؤية البصر لأن نزول الماء من جهة السماء أو اخضرار النبات من المبصرات.
وقيل: بمعنى العلم لأن الرؤية إذا لم يقترن بها العلم لم يعتد بها.
وفي قوله ﴿ فتصبح ﴾ دون أن يقول فأصبحت مناسباً لـ ﴿ أنزل ﴾ إشارة إلى بقاء أثر المطر زماناً طويلاً وإن كان ابتداء الإصباح عقيب النزول نظيره قول القائل: "أنعم فلان عليّ عام كذا فأروح وأغدو شاكراً له".
ولو قال: "فرحت وغدوت" لم يقع ذلك الموقع.
وإنما لم ينصب ﴿ فتصبح ﴾ جواباً للاستفهام لإيهام عكس ما هو المقصود لأنه يوهم نفي الاخضرار كما لو قلت لصاحبك: الم تراني أنعمت عليك فتشكر.
إن نصبته أو همت أنك نافٍ لشكره شاكٍ تفريطه فيه، وإن رفعته فأنت مثبت لشكره بطريق الاستمرار ولا يبعد أن تكون هذه الآية إشارة إلى دليل الإعادة كما في أول السورة وهذا قول أبي مسلم: ﴿ إن الله لطيف خبير ﴾ قال الكلبي: لطيف في أفعاله خبير بأعمال خلقه، وقال مقاتل: لطيف باستخراج النبت خبير بكيفية خلقه.
وقال ابن عباس: لطيف بأرزاق عباده خبير بما في قلوبهم من القنوط وقد مر مثل هذه في أواسط "الأنعام".
ثم بين أن كل ما في السموات والأرض ملكه وملكه لاي متنع شيء منها من تصرفاته، وهو غني عن كل ذلك وإنما خلقها لحاجة المكلفين إليها ومن جملتها المطر والنبات خلقها رحمة للحيوانات وإنعاماً عليها.
وإذا كان إنعامه خالياً عن غرض عائد إليه كان مستحقاً للحمد بل هو حميد في ذاته وإن لم يحمده الحامدون.
التأويل: ﴿ وكأين من قرية ﴾ قالب ﴿ أهلكناها ﴾ بضيق الصدر وسوء الخلق واستيلاء الغفلة.
﴿ وبئر معطلة ﴾ هي القلب الفارغ عن أعمال القوى الروحانية في طلب المعارف والحقائق ﴿ وقصر مشيد ﴾ وهو الرأس الخالي عن نتائج الفكر الصافي والحواس السليمة ﴿ أفلم يسيروا ﴾ في أرض البشرية عابرين على منازل السالكين إلى أن يصلوا إلى مقام القلب ﴿ فتكون لهم قلوب يعقلون بها ﴾ الرحمن بذاته ﴿ أو آذان ﴾ قلوب ﴿ يسمعون بها ﴾ أقواله أو أبصار بصائر يبصرون بها أفعاله.
وإذا صح وصف القلب بالسمع والبصر صح وصفه بسائر وجوه الإدراكات، فقد يدرك نسيم الإقبال بمشام السر كقوله "إني لأجد نفس الرحمن من جانب اليمن" وكقول يعقوب ﴿ إني لأجد ريح يوسف ﴾ ﴿ ولن يخلف الله وعده ﴾ ليس خلفه في وعيد المؤمنين بخلف في الحقيقة لأنه تصديق قوله "سبقت رحمتي غضبي" ﴿ وإن يوماً عند ربك كألف سنة ﴾ قيل: لأنه موجد الزمان وليس عنده صباح ولا مساء فوجود الزمان وعدمه وكثرته وقلته سواء عنده والاستعجال وضده إنما يتصور في المتزمنات قلت: ففيه أن الكل بإرادته وإن ما أراد الله فأسبابه متهيئة يحصل في يوم بإرادته مالا يحصل في ألف سنة بحسب فرضنا وتقديرنا ومن هنا قيل: جذبة من جذبات الرحمن توازي عمل الثقلين ﴿ أمليت لها ﴾ فيه انه يمهل ولنه لا يهمل ﴿ لهم مغفرة ﴾ أي ستر فمنهم من يستر زلته، ومنهم من يستر عليه أعماله الصالحة صيانة له عن الملاحظة، ومنهم من يستر عليه حاله لئلا يصيبه من الشهوة فتنة كما قيل: لا تنكرن جحدي هواك فإنما *** ذاك الجحود عليك ستر مسبل ومنهم من يستره بين أوليائه في باب العزة كما قال "أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري" ومنهم من يستر أنانيته بهويته فيقول أنا الحق وسبحاني.
والرزق الكريم هو الخالي عن شوائب الحدوث لأنه من القديم الكريم ﴿ إلا إذا تمنى ﴾ فيه أن النبي بل الولي لا يليق به التمني بل ما على الرسول إلا البلاغ ولا على الولي إلا الرضا والتسليم، فلو بقي في أحدهم أدنى ملاحظة لغير الله كالحرص على إيمان القوم فوق ما أمر به ابتلاه ببلاء مجال الشيطان في أمنيته بقول أو بعمل، فتدركه العناية الأولية ويزيل الخاطر الشيطاني ويثبته على الخاطر الرحماني، ولا يكون لدخان الفتنة تاثير في نور يقينه كما لا تأثير للضباب في شعاع الشمس بخلاف من في قلبه ظلم الشبهات فإن ذلك الدخان يزيدها كدورة وريناً حتى تأتيه ساعة سلب الاستعداد بالكلية، ﴿ أو يأتيهم عذاب يوم عقيم ﴾ هو الأبد لأنه لا ليل له وهو عذاب قطيعة لا وصلى بعدها ﴿ والذين هاجروا ﴾ عن أوطان الطبيعة في طلب الحقيقة ﴿ ثم قتلوا ﴾ بسيف الصدق والرياضة حتى تزكوا أنفسهم ﴿ أو ماتوا ﴾ عن أوصاف البشرية ﴿ ليرزقهم الله رزقاً حسناً ﴾ فرزق القلوب حلاوة العرفان.
ورزق الأسرار مشاهدات الجمال، ورزق الأرواح مكاشفات الجلال.
﴿ وإن الله لهو خير الرازقين ﴾ لأنه يرزق من أوصاف ربوبيته كما قال "ابيت عند ربي يطعمني ويسقيني" ﴿ ومن عاقب ﴾ بالمجاهدة نفسه ﴿ بمثل ﴾ ما عاقبت النفس بالمخالفة قلبه ﴿ ثم بغي عليه ﴾ أي غلبت النفس على القلب باستيلاء صفاتها ﴿ لينصرنه الله ﴾ باستئصال النفس وتمحيق صفاتها ﴿ إن الله لعفوّ ﴾ لما سلف ﴿ غفور ﴾ لما بقي في نفوس الطالبين من الأنانية.
﴿ يولج ﴾ ليل السر في نهار التجلي وبالعكس، أو يولج ليل القبض في نهار البسط، أو ليل الهيبة في نهار الأنس ﴿ أنزل من ﴾ سماء القلب ماء الحكمة ﴿ فتصبح ﴾ أرض البشرية ﴿ مخضرة ﴾ بالشريعة وأرض القلوب والأرواح والأسرار بالعلوم والكشوف والأنوار والله أعلم بالصواب.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ ذٰلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ﴾ قد ذكرنا فيما تقدم أنه جائز في اللغة ذكر حرف (ذلك) وحرف (هذا) على الابتداء وإن كان مما يخبر به عن غائب، نحو قوله: ﴿ هَـٰذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ ﴾ وقوله: ﴿ هَـٰذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ ﴾ يستقيم ذكره بدون ذكر ﴿ هَـٰذَا ﴾ وهو أن يقول: وإن للمتقين كذا، وإنّ للطاغين كذا، فعلى ذلك هذا.
أو أن يكون ذكر ذلك صلة ما سبق من ذكر الأنباء والأخبار، يقول: ذلك الذي ذكرت لك وأنبأتك: ﴿ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ﴾ .
ثم اختلف في سبب نزول هذه الآية: قال بعضهم: هي في القصاص: أن من قتل ولي آخر فاقتص منه، ثم أن المقتص منه بغى على ولي المقتول فقتله، لينصرنّه على من بغى عليه، وهو ما ذكر في آية أخرى، وهو قوله: ﴿ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَٱتِّبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ﴾ ، ثم قال: ﴿ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ فَلَهُ...
﴾ كذا، لكن ذكر هاهنا الاعتداء بعد ما أخذ المال وعفا، وفي الأوّل ذكر البغي بعد القصاص، وهو واحد في معناه.
وقال بعضهم: نزل في المؤمنين والمشركين، وذلك أن المشركين عاقبوا المؤمنين بعقوبات واعتدوا عليهم، ثم إن المسلمين ظفروا بهم، فعاقبوهم جزاء عقبوتهم، ثم إن المشركين بغوا على المؤمنين، فوعد الله لهم النصر عليهم بعد البغي.
وقال بعضهم قريباً من هذا، وهو أن المشركين كانوا يؤذون أصحاب رسول الله ومن آمن منهم، ويعاقبونهم في أشهر الحج، ولم يكن للمؤمنين إذن بقتالهم في ذلك الوقت، فقاتلوهم مكافأة لهم، فأخبر الله - عز وجل - ووعد لهم النّصر إذا بغى أولئك عليهم من بعد؛ فعلى هذا التأويل يكون وعد النصر لهم إذا بغى أولئك عليهم من بعد، وعلى التأويل الأوّل يكون لهم الوعد بالنصر بعد ما بغى أولئك على هؤلاء، والله أعلم بذلك.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ﴾ للمؤمنين بقتالهم أولئك في أشهر الحج، حيث كان لم يأذن لهم بالقتال.
أو ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ﴾ إذا تابوا ورجعوا عمّا فعلوا، والله أعلم.
وقوله: ﴿ ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱللَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱللَّيْلِ ﴾ قد ذكرنا أن حرف ﴿ ذٰلِكَ ﴾ يستقيم ذكره على الابتداء والائتناف على غير صلة.
وجائز أن يكون صلة قوله: ﴿ لَيَنصُرَنَّهُ ٱللَّهُ ﴾ ، أي: ذلك النصر لمن ذكر؛ لأن من قدر على إيلاج الليل في النهار وإيلاج النهار في الليل - قادر على ما وعد من النصر لهم.
وقوله: ﴿ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴾ [ ﴿ سَمِيعٌ ﴾ ] لأقوالهم، ﴿ بَصِيرٌ ﴾ بحوائجهم، والسّميع، يقال: هو المجيب، أي: مجيب لدعائهم، ﴿ بَصِيرٌ ﴾ بما يكون من الأعداء.
أو أن يكون على الابتداء في كل أمر، وكذلك: ﴿ ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ﴾ ما ذكرنا.
وقال بعضهم: ﴿ ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ ﴾ أي: هو الذي يفعل هذا.
وقوله: ﴿ ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ﴾ قال الحسن: الحقّ: هو اسم من أسماء الله، به يعطي وبه يحكم بين الخلق، وبه يقضي، ونحوه.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ﴾ أي: عنده يتحقق ما يطمع في العبادة ويطلب؛ إذ هو المالك لذلك.
وقوله: ﴿ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ ٱلْبَاطِلُ ﴾ أي: ما تطمعون بعبادة من دونه باطل، وهو الأصنام التي عبدوها رجاء الشفاعة، أو طمعا في السعة، فأخبر أنها لا تملك ذلك، وإنما ذلك لله.
وقوله: ﴿ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْكَبِيرُ ﴾ أي: من عنده يطلب العلوّ، [و] من عنده يطلب ويطمع الرزق، والسّعة، والشفاعة، والنصر، والظفر، والإجابة، لا من عند هؤلاء الأصنام التي يعبدونها، يذكر سفههم بعبادتهم الأصنام من دون الله.
<div class="verse-tafsir"
ذلك المذكور من إدخال الله الليل في النهار، والنهار في الليل؛ لأن الله هو الحق، فدينه حق، ووعده حق، ونصره للمؤمنين حق، وأن ما يعبده المشركون من دون الله من الأوثان هو الباطل الذي لا أساس له، وأن الله هو العلي على خلقه ذاتًا وقَدْرًا وقهرًا، الكبير الذي له الكبرياء والعظمة والجلال.
<div class="verse-tafsir" id="91.PbQmP"
قد يجد الباطل أنصارًا، فيتبوأ من أنفسهم دارًا، ويتخذ له منها قرارًا، وتذهب على ذلك الأيام بعد الأيام، وتمضي عليه الأعوام إثر الأعوام، وهو يلعب بأهله، ويغلب أهواءهم بحيله، حتى يقصروا نظرهم عليه، ولا يجدوا ملجأ منه إلا إليه، فإذا أتوا من ناحيته رضوا، وإذا عرض لهم الحق أعرضوا، ولا يزالون كذلك إلى أن تنحل به عراهم، وتفسد بعلله قواهم، والحق لا يزال يعرض نفسه، يستخدم مرة لينه وأخرى بأسه، وهو الشباب الذي لا يهرم، والعامل الصبور الذي لا يسأم، وإنما يعرض بوجه عن الأغبياء، ويولي ظهره الأشقياء، ثم لا ينفك يرحمهم ولا يبرح يتعهدهم، يسفر عليهم محياه، ويرسل إليهم أشعة من سناه، فإذا وافهم وقد وهنت منهم ومرهت عيونهم وحللت ليلهم، واشتد خبلهم، صاح بهم منه صائح ورمحهم من جنده رامح، فقلق بالباطل مكانه وزلزلت من حوله أركانه، وفزع يطلب النصير، وثار يلتمس المجير، فلا يجد إلا أسبابًا تقطعت به، وأعضادًا فت فيها بسبب، وقد رَنَّقَ قومه، وعبس يومه، فيحملق إلى الحق ويأخذ ببصره، ويستنزله بنظره، ولكن خاب الظن، وبطل الفن، ثم لا يلبث، وهو الباطل، أن يتحول عنده اليأس أملًا، ويجد من اليبس بللًا، فيظن، وهو هو، أن الحق ناصره، وأنْ ستقوى به أواصره، فيستنصر بجنده، ويطلب النجدة من عنده، وأقرب ما يكون خصم إلى الهلكة إذا اطمأن إلى عدوه، وأمل الخير في دنوه، هذا شأن الباطل وأهله، معه تقلبه في ملله ونِحَلِه.
يعلم كل ناظر في كتابنا الإلهي، (القرآن)، ما رفع الإسلام من شأن الأنبياء والمرسلين، والمنزلة التي أحلهم من حيث هم حملة الوحي، وقدوة البشر في الفضائل وصالح الأعمال، وتنزيهه إياهم عما رماهم به أعداؤهم وما نسبه إليهم المعتقدون بأديانهم.
ولا يخفى على أحد من أهل النظر في هذا الدين القويم أنه قد قرر عصمة الرسل كافة من الزلل في التبليغ، والزيغ عن الوجهة التي وجه الله وجوههم نحوها من قول أو عمل، وخص خاتمهم محمدًا فوق ذلك بمزايا فصلت في ثنايا الكتاب العزيز.
عصمة الرسل في التبليغ عن الله أصل من أصول الإسلام، شهد به الكتاب، وأيدته السنة، وأجمعت عليه الأمة، وما خالف منه بعض الفرق فإنما هو في غير الإخبار عن الله وإبلاغ وحيه في خلقه، ذلك الأصل الذي اعتمدت عليه الأديان حتى لا يرتاب فيه ملِّيٌّ يفهم ما معنى الدين.
مع ذلك لم يعدم الباطل فيه أعوانًا يعملون على هدمه، وتوهين كنهه، أولئك عشاق الروايات وعبدة النقل.
نظروا نظرة في قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ ﴾ - الآية.
وفيما روي عن ابن عباس، رضي الله عنهما، من أن "تَمَنَّي" بمعنى قرأ، والأمنية القراءة، فعمي عليهم وجه التأويل الحق، على فرض صحة الرواية عن ابن عباس، فذهبوا يطلبون ما به يصح التأويل في زعمهم، فقُيِّض لهم من يروي في ذلك أحاديث تختلف طرقها، وتتباين ألفاظها وتتفق في أن النبي ، عندما بلغ منه أذى المشركين ما بلغ، وأعرضوا عنه، وجفاه قومه وعشيرته، لعيبه أصنامهم، وزرايته على آلهتم، أخذه الضجر من إعراضهم، ولحرصه على إسلامهم وتهالكه عليه، تمنى أن لا ينزل عليه ما ينفرهم، لعله يتخذ ذلك طريقًا إلى استمالتهم واستنزالهم عن غيهم وعنادهم، فاستمر به ما تمناه حتى نزلت عليه سورة ﴿ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى ﴾ وهو في نادي قومه، وروي أنه كان في الصلاة، وذلك التمني أخذ بنفسه فطفق يقرؤها فلما بلغ قوله: ﴿ وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى ﴾ ألقى الشيطان في أمنيته التي تمناها بأن وسوس له بما شيعها به فسبق لسانه على سبيل السهو والغلط فمدح تلك الأصنام، وذكر أن شفاعتهن تُرْتَجى، فمنهم من قال إنه عندما بلغ ﴿ وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى ﴾ سها فقال: تلك الغرانيق العلى، إن شفاعتهن لَتُرْتَجى، ومنهم من روى (الغرانقة العلى)، ومنهم من روى إن شفاعتهن ترتجى، بدون ذكر الغرانقة والغرانيق، ومنهم من قال إنه قال: وأنها لمع الغرانيق العلى ومنهم من روى وإنهن لهن الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لهي التي تُرْتَجى، ففرح المشركون بذلك وعندما سجد في آخر السورة سجدوا معه جميعًا.
قال ابن حجر العسقلاني وتعدد الطرق وصحة ثلاثة منها وإن كانت مرسلة يدل على أن للواقعة أصلًا صحيحًا، وهذه الأسانيد الصحيحة -في رأيه- وإن كانت مراسيل يحتج بها من يرى الاحتجاج بالحديث المرسل، بل ومن لا يراه كذلك، لأنها متعددة يعضد بعضها بعضًا..
ولولا خوف التطويل لأتيت بجميع تلك الروايات، ما صح عنده منها وما لم يصح، ولكن لا أرى حاجة إليه في مقالي هذا.
روى ذلك ابن جرير الطبري، وشايعه عليه كثير من المفسرين، وفي طباع الناس إلْفُ الغريب، والتهافت على العجيب، فولعوا بهذه التفاسير واتخذوها عقدة إيمانهم، حتى ظنوا -وبعض الظن إثم- أنْ لا معدل عنها، ولا سبيل في فهم الآية سواها، ونسوا ما رآه جمهور المحققين في تأويلها وذهب إليه الأئمة في بيانها، حتى ثارت ثائرة الشبه هذه الأيام في نفوس كثيرة منهم وهم يزعمون أنهم مسلمون، وأحسوا أن ذلك الضرب من التفسير لا يتفق مع أصل العصمة في التبليغ، وأن فيه من الحجة للعدو ما لا سبيل إلى دفعه، فلجأوا إلى أهل العلم الصحيح يلتمسون منهم بيان المخرج مما سقطوا فيه، وتوهموا أنهم يقررون لهم ما ألفوا، ثم ينقذونهم من الحيرة مع ثباتهم على ما حرفوا، ولكن ضل رأيهم، وخاب ظنهم، وسيقامون على المنهج، ويرون الحق ناصعًا أبلج.
في صحيح البخاري: وقال ابن عباس في ﴿ ِإذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ ﴾ ، إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه، فيبطل الله ما يلقي الشيطان، ويحكم الله آياته، ويقال أُمنيته قراءته ﴿ إِلَّا أَمَانِيَّ ﴾ يقرؤون ولا يكتبون.
اهـ.
فتراه حكى تفسير الأمنية بالقراءة بلفظ (يقال) بعدها فسرها بالحديث، رواية عن ابن عباس، وهذا يدل على المغايرة بين التفسيرين فيما يدعيه الشراح أن الحديث في رأي ابن عباس بمعنى التلاوة يخالف ظاهرة العبارة، ثم حكايته تفسير الأمنية بمعنى القراءة بلفظ (يقال) يفيد أنه غير معتبر عنده (وسيأتي أن المراد بالحديث حديث النفس ).
وقال صاحب الإبريز: إن تفسير تمنى بمعنى قرأ، والأمنية بمعنى القراءة مروي عن ابن عباس في نسخة علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، ورواها علي بن صالح كاتب الليث عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وقد علم ما للناس في ابن أبي صالح كاتب الليث وأن المحققين على تضعيفه..
-هذا ما في الرواية عن ابن عباس، وهي أصل هذه الفتنة وقد رأيت أن المحققين يضعفون راويها.
وأما قصة الغرانيق فمع ما فيها من الاختلاف الذي سبق ذكره جاء في تتميمها أن النبي لم يفطن لما ورد على لسانه، وأن جبريل جاءه بعد ذلك فعرض عليه السورة فلما بلغ المتكلمين قال له: ما جئتك بهاتين، فحزن لذلك فأنزل الله عليه ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا ﴾ الآيات -تسلية له كما أنزل لذلك قوله: ﴿ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا ﴾ وفي بعض الروايات: إن حديث الغرانيق فشا في الناس حتى بلغ أرض الحبشة فساء ذلك المسلمين والنبي ، فنزلت ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا ﴾ الآية.
قال العسقلاني في شرح البخاري: وقد طعن في هذه القصة وسندها غير واحد من الأئمة حتى قال ابن إسحاق وقد سئل عنها: هي من وضع الزنادقة اهـ.
وكفى في إنكار حديث أن يقول فيه ابن إسحاق: إنه من وضع الزنادقة، مع حال ابن إسحاق المعروفة عند المحدثين.
وقال القاضي عياض: إن هذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه أحد بسند متصل سليم، وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب، المتلفقون من الصحف كل صحيح وسقيم، ثم نقل عن أبي بكر بن العلاء ما يدل على سقم الرواية واضطرب الرواة فيها وما يقضي عليها بالوهن والسقوط عن درجة الاعتبار.
وقال الإمام أبو بكر بن العربي -وكفى به حجة في الرواية والتفسير- إن جميع ما ورد في هذه القصة لا أصل له.
قال القاضي عياض: والذي ورد في الصحيح أن النبي قرأ: ﴿ وَالنَّجْمِ ﴾ وهو بمكة فسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس..
وقد يكون ذلك لبلاغة السورة، وشدة قرعها، وعظم وقعها، ثم قال القاضي: قد قامت الحجة وأجمعت الأمة على عصمته ونزاهته عن هذه الرزيلة، أما من تمنيه أن ينزل عليه مثل هذا من مدح آلهة غير الله وهو كفر، أو أن يتسود عليه الشيطان ويشبه عليه القرآن حتى يجعل فيه ما ليس منه ويعتقد النبي أن من القرآن ما ليس منه حتى يفهمه جبريل ، وذلك كله ممتنع في حقه ، أو يقول ذلك النبي من قبل نفسه عمدًا -وذلك كفر- أو سهوًا وهو معصوم من هذا كله، وقد قررنا بالبراهين والإجماع عصمته من جريان الكفر على لسانه أو قلبه لا عمدًا ولا سهوًا، أو أن يشبّه عليه ما يلقيه الملك بما يلقي الشيطان، أو يكون للشيطان عليه سبيل، أو أن يتقول على الله -لا عمدًا ولا سهوًا- ما ل يُنزل عليه وقد قال الله تعالى: ﴿ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ ﴾ .
وقال: ﴿ ِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا ﴾ .
(ووجه ثان): وهو استحالة هذه القصة نظرًا وعرفًا، وذلك أن هذا الكلام لو كان كما روي لكان بعيد الالتئام، متناقض الأقسام، ممتزج المدح بالذم، متخاذل التأليف والنظم، ولَما كان النبي ومن بحضرته من المسلمين، وصناديد المشركين، ممن يخفى عليه ذلك، وهذا لا يخفى على أدنى متأمل فكيف بمن رجح حلمه، واتسع في باب البيان ومعرفة فصيح الكلام علمه.
(ووجه ثالث): أنه علم من عادة المنافقين، ومعاندة المشركين، وضعفة القلوب والجهلة من المسلمين، نفورهم لأول وهلة، وتخليط العدو على النبي لأقل فتنة، وتعييرهم المسلمين والشماتة بهم الفينة بعد الفينة، وارتداد من في قلبه مرض ممن أظهر الإسلام لأدنى شبهة، ولم يحك أحد في هذه القصة شيئًا سوى هذه الرواية الضعيفة الأصل، ولو كان كذلك لوجدت قريش بها على المسلمين الصولة، ولأقامت بها اليهود عليهم الحجة، كما فعلوا مكابرة في قصة الإسراء، قال: ولا فتنة أعظم من هذه البلية لو وجدت، ولا تشغيب للمعادي حينئذ أشد من هذه الحادثة لو أمكنت، وما ورد عن معاند فيها كلمة، ولا عن مسلم بسببها بنت شفة، فدل على بطلها، واجتثاث أصلها، ولاشك في إدخال بعض شياطين الإنس والجن هذا الحديث على بعض مغفلي المُحَدِّثين، ليلبس به على ضعفاء المسلمين.
(ووجه رابع): ذكر الرواة لهذه القصة أن فيها نزلت ﴿ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا ﴾ الآيتان -هاتان الآيتان تردان الخبر الذي رووه-، لأن الله تعالى ذكر أنهم كادوا يفتنونه حتى يفتري، ولولا أن ثبته لكاد يركن إليهم شيئًا قليلًا، فمضمون هذا ومفهومه أن الله عصمه من أن يفتري، وثبته حتى لم يركن إليهم قليلًا، فكيف كثيرًا.
وهم يروون في أخبارهم الواهية أنه زاد على الركون والافتراء بمدح آلهتهم، وأنه قال: افتريت على الله وقلت ما لم يقل، وهي تضعف الحديث لو صح، فكيف ولا صحة له؟!
وهذا مثل قوله تعالى في الآية الأخرى ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ ﴾ قال القشيري ولقد طالبه قريش وثقيف إذ مر بآلهتهم أن يُقْبِلَ بوجهه إليها، ووعدوه الإيمان به إن فعل، فما فعل ولا كان ليفعل.
قال ابن الأنباري ما قارب الرسول ولا ركن.
انتهى المطلوب من كلام القاضي رحمه الله، وقد أورد بعد ذلك كثيرًا من القول في توهين الرواية وتكذيبها.
أما ما ذكره ابن حجر من أن القصة رويت مرسلة من ثلاث طرق على شرط الصحيح، وأنه يحتج بها...
إلخ، ما سبق فقد ذهبت عليه -كما قال في الإبريز- أن العصمة في العقائد التي يطلب فيها اليقين، فالحديث الذي يفيد خرمها ونقضها لا يقبل على أي وجه جاء، وقد عد الأصوليون الخبر الذي يكون على تلك الصفة من الأخبار التي يجب القطع بكذبها.
هذا لو فرض اتصال الحديث، فما ظنك بالمراسيل، وإنما الخلاف في الاحتجاج بالمرسل وعدم الاحتجاج به فيما هو من قبيل الأعمال وفروع الأحكام لا في أصول العقائد ومعاقد الإيمان بالرسل وما جاءوا به، فهي هفوة من ابن حجر يغفرها الله له.
هذا ما قاله الأئمة جزاهم الله خيرًا في بيان فساد هذه القصة، وأنها لا أصل لها، ولا عبرة برأي من خالفهم فلا يعتد بذكرها في بعض كتب التفسير، وأن بلغ أربابها من الشهرة ما بلغوا، وشهرة المبطل في بطله لا تنفخ في قوله، ولا تحمل على الأخذ برأيه.
تفسير الآيات والآن أرجع إلى تفسير الآيات على الوجه الذي تحتمله ألفاظها، وتدل عليه عباراتها والله أعلم.
ولا يخفى على كل من يفهم اللغة العربية وقرأ شيئًا من القرآن أن قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ ﴾ الآيات -يحكي قَدَرًا قُدِّرّ للمرسلين كافة لا يعدونه، ولا يقفون دونه، ويصف شنشنة عرفت فيهم وفي أممهم.
فلو صح ما قال أولئك المفسرون لكان المعنى أن جميع الأنبياء والمرسلين قدس سلط الشيطان عليهم، فخلط في الوحي المنزل إليهم، ولكنه بعد هذا الخلط ينسخ الله كلام الشيطان ويحكم الله آياته إلخ.
وهذا من أقبح ما يتصور متصور في اختصاص الله تعالى لأنبيائه، واختياراته من خاصة أوليائه، فلندع هذا الهذيان ولنعد إلى ما نحن بصدده.
ذكر الله لنبيه حالًا من أحوال الأنبياء والمرسلين قبله، ليبين له سنته فيهم، وذلك بعد أن قال: ﴿ وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ﴾ .
إلى آخر الآيات.
ثم قال: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ فَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آَيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ ﴾ إلخ، فالقصص السابق كان في تكذيب الأمم لأنبيائهم ثم تبعه الأمر الإلهي بأن يقول النبي لقومه: إنني لم أرسل إليكم إلا لإنذاركم بعاقبة ما أنتم عليه ولأبشر المؤمنين بالنعيم، وأما الذين يسعون في الآيات والأدلة التي أقيمها على الهدى وطرق السعادة ليحولوا عنها الأنظار، ويحجبوها عن الأبصار، ويفسدوا أثرها الذي أقيمت لأجله، ويعاجز بذلك النبي والمؤمنين -أي- يسابقونهم ليعجزوهم ويسكتوهم عن القول وذلك بلعبهم بالألفاظ وتحويلها عن مقصد قائلها -كما يقع عادة من أهل الجدل والمماحكة- هؤلاء الضالون المضلون هم أصحاب الجحيم، وأعقب ذلك بما يفيد أن ما ابتلى به النبي من المعاجزة في الآيات قد ابتلى به الأنبياء السابقون فلم يبعث نبي في أمة إلا كان له خصوم يؤذونه بالتأويل والتحريف ويضادون أمانيه، ويحولون بينه وبين ما يبتغي بما يلقون في سبيله من العثرات.
فعلى هذا المعنى الذي يتفق مع ما لقيه الانبياء جميعًا يجب أن تفسر الآية وذلك على وجهين: (الأول): أن يكون تمنى بمعنى قرأ، والأمنية بمعنى القراءة وهو معنى قد يصح وقد ورد استعمال اللفظ فيه، قال حسان بن ثابت في عثمان : تمنى كتاب الله اول ليله وآخره لاقى حمام المقادر وقال آخر: تمنى كتاب الله أول ليله تَمَنِّيَ داود الزبور على رسل غير أن الإلقاء لا يكون على المعنى الذي ذكروه بل على المعنى المفهوم من قولك: "ألقيت في حديث فلان" إذا أدخلت فيه ما ربما يحتمله لفظه ولا يكون قد أراده، أو نسبت إليه ما لم يقله، تعللًا بأن ذلك الحديث يؤدي إليه، وذلك من عمل المعاجزين الذين ينصبون أنفسهم لمحاربة الحق يتبعون الشبهة، ويسعون وراء الريبة فالإلقاء بهذا بدسائسه، وكل ما يصدر من أهل الضلال يصح أن ينسب إليه ويكون المعنى: وما أرسلنا قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا أحدَّث قومه عليهم عن ربه، أو تلا وحيًا أنزل إليه فيه هدى لهم قام في وجهه شاغبون يحولون ما يتلوه عليهم عن المراد منه، ويتقولون عليه ما لم يقله، وينشرون ذلك بين الناس ليبعدوهم عنه، ويعدلوا بهم عن سبيله، ثم يحق الله الحق ويبطل الباطل، ولا زال الأنبياء يصبرون على ما كذبوا وأوذوا، ويجاهدون في الحق ولا يعتدون بتعجيز المعجزين ولا بهزء المستهزئين، إلى أن يظهر الحق بالمجاهدة وينتصر على الباطل بالمجالدة، فينسخ الله تلك الشبه ويجتثها من أصولها، ويثبت آياته ويقررها.
وقد وضع الله هذه السنة في الناس ليتميز الخبيث من الطيب، فيفتتن الذين في قلوبهم مرض، وهم ضعفاء العقول، بتلك الشبه والوساوس، فينطلقون وراءها، ويفتتن بها القاسية قلوبهم من أهل العناد والمجاحدة، فيتخذونها سندًا يعتمدون عليها في جلدهم، ثم يتمحص الحق عند الذين أوتو العلم، ويخلص لهم ورود كل شبهة عليه فيعلمون أن الحق من ربك فيصدقون به فتخبت وتطمئن له قلوبهم.
والذين أوتوا العلم هم الذين رزقوا قوة التمييز بين البرهان القاطع الذي يستقر بالعقل في قرارة اليقين، وبين المغالطات وضروب السفسطة التي تطيش بالفهم، وتطير به مع الوهم، وتأخذ بالعقل تارة ذات الشمال وأخرى ذات اليمين، وسواء أرجعت الضمير في "أنه الحق" إلى ما جاءت به الآيات المحكمة من الهدي الإلهي أو إلى القرآن، وهو أجلها، فالمعنى من الصحة على ما يراه أهل التمكين.
هؤلاء الذين أوتوا العلم هم الذين آمنوا وهم الذين هداهم الله إلى الصراط المستقيم، ولم يجعل للوهم عليهم سلطانًا فيحيد بهم عن ذلك النهج القويم، وأما الذين كفروا وهم ضعفاء العقول ومرضى القلوب، أو أهل العناد وزعماء الباطل، وقساة الطباع الذين لا تلين أفئدتهم، ولا تبش للحق قلوبهم، فأولئك لا يزالون في ريب من الحق أو الكتاب، لا تستقر عقولهم عليه، ولا يرجعون في متصرفات شؤونهم إليه، حتى تأتي ساعة هلاكهم بغتة فيلاقون حسابهم عند ربهم، أو إن أمتد بهم الزمن، ومادهم الأجل، فيصيبهم ﴿ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ ﴾ يوم حرب يسامون فيه سوء عذاب القتل أو الأسر، ويقذفون إلى مطارح الذل وقرارات الشر، فلا ينتج لهم من ذلك اليوم خير ولا بركة، بل يسلبون ما كان لديهم ويساقون ما كان لديهم ويساقون إلى مصارع الهلكة، وهذا هو العقم في أتم معانيه وأشأم درجاته.
ما أقرب هذه الآيات في معانيها إلى قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ ، وقد قال بعد ذلك: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ ﴾ ،ثم قال: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾ إلخ الآيات.
وكأن إحدى الطائفتين من القرآن شرح للأخرى، فالذين في قلوبهم زيغ هم الذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم، والراسخون في العلم هم الذين أوتوا العلم، وهؤلاء هم الذين يعلمون أنه الحق من ربهم فيقولون آمنا به كل من عند ربنا فتخبت له قلوبهم وإن الله ليهديهم إلى صراط مستقيم، وأولئك هم الذين يفتتنون بالتأويل، ويشتغلون بقال وقيل، بما يلقي إليهم الشيطان، ويصرفهم عن مرامي البيان، ويميل بهم عن محجة الفرقان، وما يتكئون عليه من الأموال والأولاد لن يغني عنهم من الله شيئًا فستوافيهم آجالهم، وتستقبلهم أعمالهم، فإن لم يوافهم الأجل على فراشهم، فيسغلبون في هراشهم، وهذه سنة جميع الأنبياء مع أممهم، وسبيل الحق مع الباطل من يوم رفع الله الانسان إلى منزلة يميز فيها بين سعادته وشقائه، وبين ما يحفظه وما يذهب ببقائه، وكما لا مدخل لقصة الغرانيق في آيات آل عمران لا مدخل لها في آيات سورة الحج، هذا هو الوجه الأول في تفسير آيات: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا ﴾ إلى آخرها على تقدير أن تمنى قرأ وأن الأمنية بمعنى القراءة.
والله أعلم.
(الوجه الثاني في تفسير الآيات): أن التمني على معناه المعروف، وكذلك الأمنية، وهي أفعولة بمعنى المنية وجمعها أماني كما هو مشهور.
قال أبو العباس أحمد بن يحيي: التمني حديث النفس بما يكون وبما لا يكون، قال: والتمني سؤال الرب وفي الحديث: "إذا تمنى أحدكم فليتكثر فإنما يسأل ربه" وفي رواية "فليكثر" وقال ابن الأثيرالتمني تشهي حصول الأمر المرغوب فيه وحديث النفس بما يكون وما لا يكون، وقال أبو بكر: تمنيت الشيء إذ قدرته وأحببت أن يصير إلى.
وكل ما قيل في معنى التمني على هذا الوجه فهو يرجع إلى ما ذكرنا ويتبعه معنى الأمنية.
ما أرسل الله من رسول ولا نبي ليدعو قومًا إلى هدى جديد أو شرع سابق شرعه لهم، ويحملهم على التصديق بكتاب جاء به نفسه إن كان رسولًا أو جاء به غيره إن كان نبيًا بعث ليحمل الناس على اتباع من سبقه إلا وله أمنية في قومه وهي أن يتبعوه وينحازوا على ما يدعوهم إليه، ويستشفوا من دائهم بدوائه، ويعصوا أهواءهم بإجابة ندائه، وما من رسول أرسل إلا وقد كان أحرص على إيمان أمته، وتصديقهم برسالته، منه على طعامه الذي يطعم وشرابه الذي يشرب، وسكنه الذي يسكن إليه، ويغدو عنه ويروح عليه، وقد كان نبينا من ذلك في المقام الأعلى، والمكان الأسمى، قال الله تعالى: ﴿ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا ﴾ ، وقال: ﴿ وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ وقال: ﴿ أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ ، وفي الآيات ما يطول سرده مما يدل على أمانيه المتعلقة بهداية قومه وإخراجهم من ظلمات ما كانوا فيه إلى نور ما جاء به.
وما من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى هذه الأمنية السامية ألقى الشيطان في سبيله العثرات، وأقام بينه وبين مقصده العقبات، ووسوس في صدور الناس، وسلبهم الانتفاع بما وهبوا من قوة العقل والاحساس، فثاروا في وجهه، وصدوه عن قصده، وعاجزوه حتى لقد يعجزونه، وجادلوه بالسلاح والقوة حتى لقد يقهرونه، فإذا ظهروا عليه والدعوة في بدايتها وسهل عليهم إيذاؤه وهو قليل الاتباع، ضعيف الأنصار، ظنوا الحق من جانبهم، وكان فيما القوة من العوائق بينه وبين ما عمد إليه فتنة لهم.
غلبت سنة الله في أن يكون الرسل من أوسط قومهم أو من المستضعفين فيهم، ليكون العامل في الإذعان بالحق محض الدليل وقوة البرهان، وليكون الاختيار المطلق هو الحامل لمن يدعى إليه على قبوله ولكيلا يشارك الحق الباطل في وسائله، أو يشاركه في نصب شراكه وحبائله، أنصار الباطل في كل زمان هم أهل الانفة والقوة والجاه والاعتزاز بالأموال والأولاد والعشيرة والأعوان والغرور بالزخارف، والزهو بكثرة المعارف، وتلك الخصال إنما تجتمع كلها أو بعضها في الرؤساء وذوي المكانة من الناس فتذهلهم عن أنفسهم، وتصرف نظرهم عن سبيل رشدهم، فإذا دعا إلى الحق داع عرفته القلوب النقية من أوضار هذه الفواتن، وفزعت إليه النفوس الصافية والعقول المستعدة لقبوله بخلوصها من هذه الشواغل، وقلما توجد إلا عند الضعفاء وأهل المسكنة فإذا التف هؤلاء حول الداعي وظاهروه على دعوته قام أولئك المغرورون يقولون: ﴿ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ ﴾ ، فإذا استدرجهم الله على سنته وجعل الجدال بينهم وبين المؤمنين سجالًا افتتن الذين في قلوبهم مرض من أشياعهم، وافتتنوا بما أصابوا من الظفر في دفاعهم، ولكن الله غالب على أمره فيمحق ما ألقاه الشيطان من هذه الشبهات ويرفع هذه الموانع وتلك العقبات، ويهب السلطان لآياته فيحكمها، ويثبت دعائمها، وينشئ من ضعف أنصارها قوة، ويخلف لهم في ذاتهم عزة، وتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الشيطان هي السفلى، ﴿ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ﴾ .
وفي حكاية هذه السنة الإلهية التي أقام عليها الأنبياء والمرسلين، تسلية لنبينا عما كان يلاقي من قومه ووعد له بأن سيكمل له دينه، ويتم عليه وعلى المؤمنين نعمته، مع التفاتهم إلى سيرة من سبقهم، ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴾ - ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ﴾ ، هذا هو التأويل الثاني في معنى الآية ويدل عليه ما سبق من الآيات ويرشد إليه سياق القصص السابق في قوله: ﴿ وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ ﴾ إلخ، وأنت ترى أن قصة الغرانيق لا تتفق مع هذا المعنى الصحيح.
وهناك تأويل ثالث ذكره صاحب الإبريز وإني أنقله بحروفه، وما هو بالبعيد عن هذا بكثير، بعد ذكر أماني الأنبياء في أممهم، وطعمهم في إيمانهم، وشأن نبينا في ذلك على نحو يقرب مما ذكرنا في الوجه الثاني: "ثم الأمة تختلف كما قال تعالى: ﴿ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ كَفَرَ ﴾ ، فأما من كفر فقد ألقى إليه الشيطان الوساوس القادحة له في الرسالة الموجبة لكفره، وكذا المؤمن أيضًا لا يخلو أيضًا من وساوس لأنها لازمة للإيمان بالغيب في الغالب وإن كانت تختلف في الناس بالقلة والكثرة وبحسب المتعلقات.
إذا تقرر هذا فمعنى تمنى أنه يتمنى لهم الإيمان ويحب لهم الخير والرشد والصلاح والنجاح، فهذه أمنية كل رسول ونبي، وإلقاء الشيطان فيها يكون بما يلقيه في قلوب أمة الدعوة من الوساوس الموجبة لكفر بعضهم، ويرحم الله المؤمنين فينسخ ذلك من قلوبهم ويحكم فيها الآيات الدالة على الوحدانية والرسالة، ويبقي ذلك في قلوب المنافقين والكافرين ليفتتنوا به، فخرج من هذا: أن الوساوس تلقى أولًا في قلوب الفريقين معًا، غير أنها لا تدوم على المؤمنين، وتدوم على الكافرين.
وأنت إذا نظرت بين هذا التفسير وبين ما سبقه تتبين الأحق بالترجيح.
لو صح ما قاله نقله قصة الغرانيق لارتفعت الثقة بالوحي وانتفض الاعتماد عليه، كما قال القاضي البيضاوي وغيره، ولكان الكلام في الناسخ كالكلام في المنسوخ يجوز أن يلقي فيه الشيطان ما يشاء، ولا نهدم أعظم ركن للشرائع الإلهية وهو العصمة، وما يقال في المخرج عن ذلك ينفر منه الذوق ولا ينظر إليه العقل، على أن وصف العرب لآلهتهم بأنها الغرانيق العلى لم يرد لا في نظمهم ولا في خطبهم، ولم ينقل عن أحد أن ذلك الوصف كان جاريًا على ألسنتهم إلا ما جاء في معجم ياقوت غير مسند ولا معروف بطريق صحيح وهذا يدل على أن القصة من اختراع الزنادقة كما قال ابن اسحق، وربما كانت منشأ ما أورده ياقوت، ولا يخفى أن الغرنوق والغرنيق لم يعرف في اللغة إلا اسمًا لطائر مائي أسود أو أبيض، أو هو اسم الكركي أو طائر يشبهه.
والغرنيق (بالضم وكزنبور وقنديل وسموأل وفردوس وقرطاس وعلابط) معناه الشاب الأبيض الجميل وتسمى الخصلة من الشعر المفتلة "الغرنوق" كما يسمى به ضرب من الشجر.
ويطلق الغرنوق والغرانق على ما يكون في أصل العوسج اللين النبات ويقال لمة غرانقة وغرانقية أي ناعمة تفيئها الريح، أو الغرنوق الناعم المستتر من النبات إلخ ولا شيء في هذه المعاني يلائم الآلهة والأصنام حتى يطلق عليها في فصيح القول الذي يعرض على ملوك البلاغة وأمراء الكلام.
فلا أظنك تعتقد إلا أنها من مفتريات الأعاجم ومختلفات الملبسين ممن لا يميز بين حر الكلام، وما استبعد من الضعفاء الأحلام، فراج ذلك على من يذهله الولوع بالرواية، عما تقضيه الدراية ﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ﴾ .