الآية ٧١ من سورة الحج

الإسلام > القرآن > سور > سورة 22 الحج > الآية ٧١ من سورة الحج

وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ سُلْطَـٰنًۭا وَمَا لَيْسَ لَهُم بِهِۦ عِلْمٌۭ ۗ وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِن نَّصِيرٍۢ ٧١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 79 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧١ من سورة الحج: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧١ من سورة الحج عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى مخبرا عن المشركين فيما جهلوا وكفروا ، وعبدوا من دون الله ما لم ينزل به سلطانا ، يعني : حجة وبرهانا ، كقوله : ( ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون ) [ المؤمنون : 117 ] .

ولهذا قال هاهنا : ( ما لم ينزل به سلطانا وما ليس لهم به علم ) أي : ولا علم لهم فيما اختلقوه وائتفكوه ، وإنما هو أمر تلقوه عن آبائهم وأسلافهم ، بلا دليل ولا حجة ، وأصله مما سول لهم الشيطان وزينه لهم; ولهذا توعدهم تعالى بقوله : ( وما للظالمين من نصير ) أي : من ناصر ينصرهم من الله ، فيما يحل بهم من العذاب والنكال .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: ويعبد هؤلاء المشركون بالله من دونه ما لم ينـزل به جلّ ثناؤه لهم حجة من السماء في كتاب من كتبه التي أنـزلها إلى رسله, بأنها آلهة تصلح عبادتها، فيعبدوها بأن الله أذن لهم في عبادتها, وما ليس لهم به علم أنها آلهة &; 18-683 &; وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ يقول: وما للكافرين بالله الذين يعبدون هذه الأوثان من ناصر ينصرهم يوم القيامة, فينقذهم من عذاب الله ويدفع عنهم عقابه إذا أراد عقابهم.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا وما ليس لهم به علم وما للظالمين من نصيرقوله تعالى : ( ويعبدون ) يريد كفار قريش .

من دون الله ما لم ينزل به سلطانا أي حجة وبرهانا .

وقد تقدم في ( آل عمران ) وما ليس لهم به علم وما للظالمين من نصير

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يذكر تعالى حالة المشركين به، العادلين به غيره، وأن حالهم أقبح الحالات، وأنه لا مستند لهم على ما فعلوه، فليس لهم به علم، وإنما هو تقليد تلقوه عن آبائهم الضالين، وقد يكون الإنسان لا علم عنده بما فعله، وهو -في نفس الأمر- له حجة ما علمها، فأخبر هنا، أن الله لم ينزل في ذلك سلطانا، أي: حجة تدل علي وتجوزه، بل قد أنزل البراهين القاطعة على فساده وبطلانه، ثم توعد الظالمين منهم المعاندين للحق فقال: { وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ } ينصرهم من عذاب الله إذا نزل بهم وحل.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا ) حجة ، ( وما ليس لهم به علم ) يعني أنهم فعلوا ما فعلوا عن جهل لا عن علم ، ( وما للظالمين ) للمشركين ، ( من نصير ) مانع يمنعهم من عذاب الله .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ويعبدون» أي المشركون «من دون الله ما لم ينزل به» هو الأصنام «سلطانا» حجة «وما ليس لهم به علم» أنها آلهة «وما للظالمين» بالإشراك «من نصير» يمنع عنهم عذاب الله.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ويصر كفار قريش على الشرك بالله مع ظهور بطلان ما هم عليه، فهم يعبدون آلهة، لم يَنْزِل في كتاب مِن كتب الله برهان بأنها تصلح للعبادة، ولا علم لهم فيما اختلقوه، وافتروه على الله، وإنما هو أمر اتبعوا فيه آباءَهم بلا دليل.

فإذا جاء وقت الحساب في الآخرة فليس للمشركين ناصر ينصرهم، أو يدفع عنهم العذاب.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم وبخ - سبحانه - الكافرين على جهلهم ، حيث عبدوا من دونه مالا ينفعهم ولا يضرهم ، وحيث كرهوا الحق وأصحابه ، فقال - تعالى - : ( وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ .

.

.

) .أى : أن هؤلاء المشركين الذين ينازعونك فيما جئتهم به من عند ربك ، يتركون ما تدعوهم إليه - أيها الرسول الكريم - من إخلاص للعبادة لله - تعالى - ويعبدون من دونه - سبحانه - آلهة أخرى لا دليل لهم على عبادتها من عقل أو نقل .إذ قوله - سبحانه - : ( مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً ) نفى لأن يكون لهم دليل سمعى على عبادتها وقوله - تعالى - : ( وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ ) نفى لأن يكون لهم دليل عقلى على عبادتها .والتنكير فى قوله : " سلطانا ، وعلم " للتقليل ، أى : لا دليل لهم أصلا لا من جهة السمع ، ولا من جهة العقل ، ومع ذلك يتمسكون بهذه العبادة الباطلة .وقوله - تعالى - : ( وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ ) تهديد بسور المصير لهؤلاء المشركين .أى : وما للظالمين الذين وضعوا العبادة فى غير موضعها ، من نصير ينصرهم من عقابالله وعذابه ، لأنهم بسبب عبادتهم لغير الله - تعالى - ، قد قطعوا عن أنفسهم كل رحمة ومغفرة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما قال من قبل ﴿ الله يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ القيامة  ﴾ أتبعه بما به يعلم أنه سبحانه عالم بما يستحقه كل أحد منهم، فيقع الحكم منه بينهم بالعدل لا بالجور فقال لرسوله: ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِي السماء والأرض ﴾ وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ ﴾ هو على لفظ الاستفهام لكن معناه تقوية قلب الرسول صلى الله عليه وسلم والوعد له وإيعاد الكافرين بأن كل فعلهم محفوظ عند الله لا يضل عنه ولا ينسى.

المسألة الثانية: الخطاب مع الرسول صلى الله عليه وسلم والمراد سائر العباد ولأن الرسالة لا تثبت إلا بعد العلم بكونه تعالى عالماً بكل المعلومات إذ لو لم يثبت ذلك لجاز أن يشتبه عليه الكاذب بالصادق، فحينئذ لا يكون إظهار المعجز دليلاً على الصدق، وإذا كان كذلك استحال أن لا يكون الرسول عالماً بذلك.

فثبت أن المراد أن يكون خطاباً مع الغير.

أما قوله: ﴿ إِنَّ ذلك فِي كتاب ﴾ ففيه قولان: أحدهما: وهو قول أبي مسلم أن معنى الكتاب الحفظ والضبط والشد يقال كتبت المزادة أكتبها إذا خرزتها فحفظت بذلك ما فيها، ومعناه ومعنى الكتاب بين الناس حفظ ما يتعاملون به، فالمراد من قوله: ﴿ إِنَّ ذلك فِي كتاب ﴾ أنه محفوظ عنده والتالي وهو قول الجمهور أن كل ما يحدثه الله في السموات والأرض فقد كتبه في اللوح المحفوظ قالوا وهذا أولى، لأن القول الأول وإن كان صحيحاً نظراً إلى الاشتقاق لكن الواجب حمل اللفظ على المتعارف، ومعلوم أن الكتاب هو ما تكتب فيه الأمور فكان حمله عليه أولى.

فإن قيل فقد يوهم ذلك أن علمه مستفاد من الكتاب وأيضاً فأي فائدة في ذلك الكتاب والجواب عن الأول: أن كتبه تلك الأشياء في ذلك الكتاب مع كونها مطابقة للموجودات من أدل الدلائل على أنه سبحانه غني في علمه عن ذلك الكتاب وعن الثاني: أن الملائكة ينظرون فيه ثم يرون الحوادث داخلة في الوجود على وفقه فصار ذلك دليلاً لهم زائداً على كونه سبحانه عالماً بكل المعلومات.

أما قوله: ﴿ إِنَّ ذلك عَلَى الله يَسِيرٌ ﴾ فمعناه أن كتبه جملة الحوادث مع أنها من الغيب مما يتعذر على الخلق لكنها بحيث متى أرادها الله تعالى كانت فعبر عن ذلك بأنه يسير، وإن كان هذا الوصف لا يستعمل إلا فينا من حيث تسهل وتصعب علينا الأمور، وتعالى الله عن ذلك ثم بين سبحانه ما يقدم الكفار عليه مع عظيم نعمه، ووضوح دلائله.

فقال: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سلطانا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ ﴾ فبين أن عبادتهم لغير الله تعالى ليست مأخوذة عن دليل سمعي وهو المراد من قوله: ﴿ مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سلطانا ﴾ ولا عن دليل عقلي وهو المراد من قوله: ﴿ وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ ﴾ وإذا لم يكن كذلك فهو عن تقليد أو جهل أو شبهة، فوجب في كل قول هذا شأنه أن يكون باطلاً، فمن هذا الوجه يدل على أن الكافر قد يكون كافراً، وإن لم يعلم كونه كافراً، ويدل أيضاً على فساد التقليد.

أما قوله: ﴿ وَمَا للظالمين مِن نَّصِيرٍ ﴾ ففيه وجهان: أحدهما: أنهم ليس لهم أحد ينتصر لهم من الله كما قد تتفق النصرة في الدنيا والثاني: ما لهم في كفرهم ناصر بالحجة فإن الحجة ليست إلا للحق، واحتجت المعتزلة بهذه الآية في نفي الشفاعة والكلام عليه معلوم.

أما قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ ءاياتنا بَيّنَاتٍ ﴾ يعني من تقدم ذكره وهذه الآيات هي القرآن، ووصفها بأنها بينات لكونها متضمنة للدلائل العقلية وبيان الأحكام، فبين أنهم مع جهلهم إذا نبهوا على الأدلة وعرضت عليهم المعجزة ظهر في وجوههم المنكر والمراد دلالة الغيظ والغضب، قال صاحب الكشاف المنكر الفظيع من التهجم والفجور والنشوز والإنكار، كالمكرم بمعنى الإكرام وقرئ تعرف على ما لم يسم فاعله، وللمفسرين في المنكر عبارات: أحدها: قال الكلبي تعرف في وجوههم الكراهية للقرآن ثانيها: قال ابن عباس رضي الله عنهما: التجبر والترفع.

وثالثها: قال مقاتل أنكروا أن يكون من الله تعالى.

أما قوله تعالى: ﴿ يكادون يَسْطُونَ ﴾ فقال الخليل والفراء والزجاج: السطو شدة البطش والوثوب، والمعنى يهمون بالبطش والوثوب تعظيماً لإنكار ما خوطبوا، به فحكى تعالى عظيم تمردهم على الأنبياء والمؤمنين ثم أمر رسوله بأن يقابلهم بالوعيد فقال: ﴿ قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرّ مِّن ذلكم النار ﴾ قال صاحب الكشاف قوله: ﴿ مِّن ذلكم ﴾ أي من غيظكم على الناس وسطوكم عليهم أو مما أصابكم من الكراهة والضجر بسبب ما تلى عليكم، فقوله: ﴿ مِّن ذلكم ﴾ فيه وجهان: أحدهما: المراد أن الذي ينالكم من النار التي تكادون تقتحمونها بسوء فعالكم أعظم مما ينالكم عند تلاوة هذه الآيات من الغضب ومن هذا الغم والثاني: أن يكون المراد بشر من ذلكم ما تهمون به فيمن يحاجكم فإن أكبر ما يمكنكم فيه الإهلاك ثم بعده مصيرهم إلى الجنة وأنتم تصيرون إلى النار الدائمة التي لا فرج لكم عنها، وأما ﴿ النار ﴾ فقال صاحب الكشاف قرئ ﴿ النار ﴾ بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف كأن قائلاً يقول ما شر من ذلك؟

فقيل النار أي هو النار.

وبالنصب على الاختصاص وبالجر على البدل من شر.

ثم بين سبحانه أنه وعدها الذين كفروا إذا ماتوا على كفرهم وهو بئس المصير، قال صاحب الكشاف ﴿ وَعَدَهَا الله ﴾ استئناف كلام ويحتمل أن تكون النار مبتدأ ووَعَدَهَا خبراً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ﴾ ما لم يتمسكوا في صحة عبادته ببرهان سماوي من جهة الوحي والسمع، ولا ألجأهم إليها علم ضروري، ولا حملهم عليها دليل عقلي ﴿ وَمَا ﴾ للذين ارتكبوا مثل هذا الظلم من أحد ينصرهم ويصوّب مذهبهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماءِ والأرْضِ ﴾ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ.

﴿ إنَّ ذَلِكَ في كِتابٍ ﴾ هو اللَّوْحُ كَتَبَهُ فِيهِ قَبْلَ حُدُوثِهِ فَلا يَهُمَّنَّكَ أمْرُهم مَعَ عِلْمِنا بِهِ وحِفْظِنا لَهُ.

﴿ إنَّ ذَلِكَ ﴾ إنَّ الإحاطَةَ بِهِ وإثْباتَهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوِ الحُكْمَ بَيْنَكم.

﴿ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ لِأنَّ عِلْمَهُ مُقْتَضى ذاتِهِ المُتَعَلِّقُ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ عَلى سَواءٍ.

وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا) حُجَّةً تَدُلُّ عَلى جَوازِ عِبادَتِهِ.

﴿ وَما لَيْسَ لَهم بِهِ عِلْمٌ ﴾ حَصَلَ لَهم مِن ضَرُورَةِ العَقْلِ أوِ اسْتِدْلالِهِ.

﴿ وَما لِلظّالِمِينَ ﴾ وما لِلَّذِينَ ارْتَكَبُوا مِثْلَ هَذا الظُّلْمِ.

﴿ مِن نَصِيرٍ ﴾ يُقَرِّرُ مَذْهَبَهم أوْ يَدْفَعُ العَذابَ عَنْهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

ثم أشار إلى جهالة الكفار لعبادتهم غير المستحق لها بقوله {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ} ينْزل مكي وبصري {سلطانا} حجة وبرهاناً {وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ} أي لم يتمسكوا في عبادتهم لها ببرهان سماوي من جهة الوحي ولا حملهم عليها دليل عقلى {وما للظالمين من أنصار} وما الذين ارتكبوا مثل هذا الظلم من أحد ينصرهم ويصوب مذهبهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ حِكايَةً لِبَعْضِ أباطِيلِ المُشْرِكِينَ وأحْوالِهِمُ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ سَخافَةِ عُقُولِهِمْ ورَكاكَةِ آرائِهِمْ وهي بِناءُ أمْرِهِمْ عَلى غَيْرِ مَبْنى دَلِيلٍ سَمْعِيٍّ أوْ عَقْلِيٍّ وإعْراضُهم عَمّا أُلْقِيَ إلَيْهِمْ مِن سُلْطانٍ بَيِّنٍ هو أساسُ الدِّينِ أيْ يَعْبُدُونَ مُتَجاوِزِينَ عِبادَةَ اللَّهِ تَعالى ﴿ ما لَمْ يُنَزِّلْ ﴾ أيْ بِجَوازِ عِبادَتِهِ ﴿ سُلْطانًا ﴾ أيْ حُجَّةً، والتَّنْكِيرُ لِلتَّقْلِيلِ، وهَذا إشارَةٌ إلى الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ الحاصِلِ مِن جِهَةِ الوَعْيِ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وما لَيْسَ لَهم بِهِ عِلْمٌ ﴾ إشارَةٌ إلى الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ أيْ ما لَيْسَ لَهم بِجَوازِ عِبادَتِهِ عِلْمٌ مِن ضَرُورَةِ العَقْلِ أوِ اسْتِدْلالِهِ، والحاصِلُ يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا دَلِيلَ مِن جِهَةِ السَّمْعِ ولا مِن جِهَةِ العَقْلِ عَلى جَوازِ عِبادَتِهِ، وتَقْدِيمُ الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ لِأنَّ الِاسْتِنادَ في أكْثَرِ العِباداتِ إلَيْهِ مَعَ أنَّ التَّمَسُّكَ بِهِ في هَذا المَقامِ أرْجى في الخَلاصِ إنْ حَصَلَ لَوْمٌ مِنَ التَّمَسُّكِ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ، وإنْ شَكَكْتَ فارْجِعْ إلى نَفْسِكَ فِيما إذْ لامَكَ شَخْصٌ عَلى فِعْلٍ فَإنَّكَ تَجِدُها مائِلَةً إلى الجَوابِ بِأنِّي فَعَلْتُ كَذا لِأنَّكَ أخْبَرْتَنِي بِرِضاكَ بِأنْ أفْعَلَهُ أكْثَرَ مِن مَيْلِها إلى الجَوابِ بِأنَّ فِعْلَتَهُ لِقِيامِ الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ وهو كَذا عَلى رِضاكَ بِهِ وإنْكارُ ذَلِكَ مُكابَرَةٌ، وقَدْ يُقالُ: إنَّما قُدِّمَ هُنا ما يُشِيرُ إلى الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ لِأنَّهُ إشارَةٌ إلى دَلِيلٍ سَمْعِيٍّ يَدُلُّ عَلى جَوازِ تِلْكَ العِبادَةِ مُنَزَّلٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِقَيْدٍ بِخِلافِ ما يُشِيرُ إلى الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ فَإنَّ فِيهِ إشارَةً إلى دَلِيلٍ عَقْلِيٍّ خاصٍّ بِهِمْ، وحاصِلُهُ أنَّ التَّقْدِيمَ والتَّأْخِيرَ لِلْإطْلاقِ والتَّقْيِيدِ وإنْ لَمْ يَكُونا لِشَيْءٍ واحِدٍ فافْهَمْ، وقالَ العَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ: في اخْتِصاصِ الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ بِالسُّلْطانِ والتَّنْزِيلِ ومُقابِلُهُ بِالعِلْمِ دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى أنَّ الدَّلِيلَ السَّمْعِيَّ هو الحُجَّةُ القاطِعَةُ ولَهُ القَهْرُ والغَلَبَةُ وعِنْدَ ظُهُورِهِ تَضْمَحِلُّ الآراءُ وتَتَلاشى الأقْيِسَةُ ومَن عَكَسَ ضَلَّ الطَّرِيقَ وحُرِمَ التَّوْفِيقَ وبَقِيَ مُتَزَلْزِلًا في ورَطاتِ الشُّبَهِ وإنْ شِئْتَ فانْظُرْ إلى التَّنْكِيرِ في ( سُلْطانا وعِلْمٌ ) وقِسْهُما عَلى قَوْلِ الشّاعِرِ: لَهُ حاجِبٌ في كُلِّ أمْرٍ يَشِينُهُ ولَيْسَ لَهُ عَنْ طالِبِ العُرْفِ حاجِبُ لِتَعْلَمَ الفَرْقَ إلى آخِرِ ما قالَ، ومِنهُ يُعْلَمُ وجْهٌ لِلتَّقْدِيمِ واحْتِمالٌ آخَرُ في تَنْوِينِ ( سُلْطانا ) غَيْرَ ما قَدَّمْنا، وظاهِرُهُ أنَّ الدَّلِيلَ السَّمْعِيَّ يُفِيدُ اليَقِينَ مُطْلَقًا وأنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلى الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ، ومَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ وجُمْهُورُ الأشاعِرَةِ أنَّهُ لا يُفِيدُ اليَقِينَ مُطْلَقًا لِتَوَقُّفِ ذَلِكَ عَلى أُمُورٍ كُلُّها ظَنِّيَّةٌ فَتَكُونُ دَلالَتُهُ أيْضًا ظَنِّيَّةً لِأنَّ الفَرْعَ لا يَزِيدُ عَلى الأصْلِ في القُوَّةِ، والحَقُّ أنَّهُ قَدْ يُفِيدُ اليَقِينَ في الشَّرْعِيّاتِ دُونَ العَقْلِيّاتِ بِقَرائِنَ مُشاهَدَةٍ أوْ مُتَواتِرَةٍ تَدُلُّ عَلى انْتِفاءِ الِاحْتِمالاتِ.

وذَكَرَ الفاضِلُ الرُّومِيُّ في حَواشِيهِ عَلى شَرْحِ المَواقِفِ بَعْدَ بَحْثٍ أنَّ الحَقَّ أنَّهُ قَدْ يُفِيدُ اليَقِينَ في العَقْلِيّاتِ أيْضًا وأمّا أنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلى الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ فالَّذِي عَلَيْهِ عُلَماؤُنا خِلافُهُ، وأنَّهُ مَتى عارَضَ الدَّلِيلُ العَقْلِيُّ الدَّلِيلَ السَّمْعِيَّ وجَبَ تَأْوِيلُ الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ إلى ما لا يُعارِضُهُ الدَّلِيلُ العَقْلِيُّ إذْ لا يُمْكِنُ العَمَلُ بِهِما ولا بِنَقِيضِهِما، وتَقَدُّمُ السَّمْعِ عَلى العَقْلِ إبْطالٌ لِلْأصْلِ بِالفَرْعِ وفِيهِ إبْطالُ الفَرْعِ وإذا أدّى إثْباتُ الشَّيْءِ إلى إبْطالِهِ كانَ مُناقِضًا لِنَفْسِهِ وكانَ باطِلًا لَكِنَّ ظاهِرَ كَلامِ مُحْيِي الدِّينِ بْنِ العَرَبِيِّ قُدِّسَ سِرُّهُ في مَواضِعَ مِن فُتُوحاتِهِ القَوْلُ بِأنَّهُ مُقَدَّمٌ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ في البابِ الثَّلاثِمِائَةِ والثَّمانِيَةِ والخَمْسِينَ مِن أبْياتٍ: كُلُّ عِلْمٍ يَشْهَدُ الشَّرْعُ لَهُ ∗∗∗ هو عِلْمٌ فَبِهِ فَلْتَعْتَصِمْ وإذا خالَفَهُ العَقْلُ فَقُلْ ∗∗∗ طَوْرَكَ الزَمْ ما لَكم فِيهِ قَدَمْ وقَوْلُهُ في البابِ الأرْبَعِمِائَةِ والِاثْنَيْنِ والسَّبْعِينَ: عَلى السَّمْعِ عَوَّلْنا فَكُنّا أُولِي النُّهى ∗∗∗ ولا عِلْمَ فِيما لا يَكُونُ عَنِ السَّمْعِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ وهو كَأكْثَرِ كَلامِهِ مِن وراءِ طَوْرِ العَقْلِ ﴿ وما لِلظّالِمِينَ ﴾ أيْ وما لَهم إلّا أنَّهُ عَدْلٌ إلى الظّاهِرِ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ مَعَ تَعْلِيلِ الحُكْمِ بِهِ، وجُوِّزَ أنْ لا يَكُونَ هُناكَ عُدُولٌ، والمُرادُ ما يَعُمُّهم وغَيْرَهم ودُخُولُهم أوْلى، ( ومِن ) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن نَصِيرٍ ﴾ سَيْفٍ خَطِيبٍ، والمُرادُ نَفْيُ أنْ يَكُونَ لَهم بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ مَن يُساعِدُهم في الدُّنْيا بِنُصْرَةِ مَذْهَبِهِمْ وتَقْرِيرِ رَأْيِهِمْ ودَفْعِ ما يُخالِفُهُ وفي الآخِرَةِ بِدَفْعِ العَذابِ عَنْهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: لِكُلِّ أُمَّةٍ، يعني: لكل قوم جَعَلْنا مَنْسَكاً، يعني: مذبحاً.

هُمْ ناسِكُوهُ، يعني: ذابحوه، وفي منسك من الاختلاف ما سبق.

فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ، لا يخالفنك في أمر الذبيحة.

نزلت في قوم من خزاعة قالوا: ما ذبح الله، فهو أحل مما ذبحتم.

وقال الزجاج: المعنى فيه: أي فلا يجادلنك ولا تجادلهم، والدليل عليه: وإن جادلوك.

ويقال: فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ يعني: لا يغلبونك في المنازعة.

وَادْعُ إِلى رَبِّكَ، يعني: ادع الخلق إلى معرفة ربك، وإلى توحيد ربك.

إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ، على دين مستقيم.

قوله عز وجل: وَإِنْ جادَلُوكَ، يعني: إن حاججوك في أمر الذبيحة والتوحيد، فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ يعني: عالماً بأعمالكم فيجازيكم، وذلك قوله: اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ، يقضي بينكم يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ من الدين والذبيحة.

قال عز وجل: أَلَمْ تَعْلَمْ يا محمد، أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ، يعني: إن ذلك العلم مكتوب في اللوح المحفوظ.

إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ أي: إن كتابته.

عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ، يعني: هين حال حفظه على الله، أي كتابته على الله يسير.

ثم قال عز وجل: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً، يعني: عذر ولا حجة.

قرأ أبو عمرو في إحدى الروايتين مَا لَمْ يُنَزِّلْ بالتخفيف، وقرأ الباقون بالتشديد.

وَما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ، يعني: ليس لهم بذلك حجة من المعقول.

وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ، يعني: مانع يمنعهم من العذاب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ أي: سَخَّرَ لنا سبحانه ما في الأرض من الحيوان والمعادِنِ وسائر المرافق، وباقي الآية بين مما ذكر في غير هذا الموضع.

وقوله سبحانه: لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً الآية، المنسك: المصدر، فهو بمعنى:

العبادة والشِّرْعَةُ، وهو أيضاً موضع النسك، وقوله: هُمْ ناسِكُوهُ يعطى أَنَّ المنسكَ:

المصدر، ولو كان الموضعَ لقال: هم ناسكون فيه.

وقوله سبحانه: وَإِنْ جادَلُوكَ ...

الآية موادعة محضة نسختها آية السيف «١» ، وباقي الآية وعيد.

وقوله سبحانه: إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ يعني: اللوح المحفوظ.

وقوله سبحانه: إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ يحتمل أنْ تكونَ الإشارة إلى الحكم في الاختلاف.

وقوله سبحانه: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يعني: أَنَّ كُفَّارَ قريش كانوا إذا تُلِيَ عليهم القرآنُ، وسمعوا ما فيه من رفض «٢» آلهتهم والدعاءِ إلى التوحيدُ- عُرِفَتِ المساءةُ في وجوههم والمنكرُ من معتقدهم وعداوتهم، وأنهم يريدون ويتسرعون إلى السطوة بالتَّالِينَ، والسطو إيقاع ببطش، ثم أمر تعالى نبيّه عليه السلام

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَعْبُدُونَ ﴾ يَعْنِي: كُفّارَ مَكَّةَ، ﴿ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا ﴾ ؛ أيْ: حُجَّةً.

﴿ وَما لَيْسَ لَهم بِهِ عِلْمٌ ﴾ أنَّهُ إلَهٌ، ﴿ وَما لِلظّالِمِينَ ﴾ يَعْنِي: المُشْرِكِينَ، ﴿ مِن نَصِيرٍ ﴾ ؛ أيْ: مانِعٍ مِنَ العَذابِ.

﴿ وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا ﴾ يَعْنِي: القُرْآنَ، والمُنْكَرُ هاهُنا بِمَعْنى الإنْكارِ، فالمَعْنى: أثَرُ الإنْكارِ مِنَ الكَراهَةِ وتَعْبِيسِ الوُجُوهِ مَعْرُوفٌ عِنْدَهم.

﴿ يَكادُونَ يَسْطُونَ ﴾ ؛ أيْ: يَبْطِشُونَ ويُوقِعُونَ بِمَن يَتْلُو عَلَيْهِمُ القُرْآنَ مِن شِدَّةِ الغَيْظِ، يُقالُ: سَطا عَلَيْهِ، وسَطا بِهِ: إذا تَناوَلَهُ بِالعُنْفِ والشِّدَّةِ.

﴿ قُلْ ﴾ لَهم يا مُحَمَّدُ: ﴿ أفَأُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكُمُ ﴾ ؛ أيْ: بِأشَدَّ عَلَيْكم وأكْرَهَ إلَيْكم مِن سَماعِ القُرْآنِ، ثُمَّ ذَكَرَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿ النّارُ ﴾ ؛ أيْ: هو النّارُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما في السَماءِ والأرْضِ إنَّ ذَلِكَ في كِتابٍ إنَّ ذَلِكَ عَلى اللهَ يَسِيرٌ ﴾ ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وما لَيْسَ لَهم بِهِ عِلْمٌ وما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ ﴾ ﴿ وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ في وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا المُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتُنا قُلْ أفَأُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكُمُ النارُ وعَدَها اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وبِئْسَ المَصِيرُ ﴾ لَمّا أخْبَرَ اللهُ -تَعالى- في الآيَةِ قَبْلَها أنَّهُ يَحْكم بَيْنَ الناسِ يَوْمَ القِيامَةِ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ؛ أتْبَعَ ذَلِكَ الخَبَرَ بِأنَّ عِنْدَهُ عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ لِيَقَعَ الحُكْمُ في مَعْلُومٍ، فَخَرَجَتِ العِبارَةُ عَلى طَرِيقِ التَشْبِيهِ عَلى عِلْمِ اللهِ -تَعالى- وإحاطَتِهِ، وأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ في كِتابٍ وهو اللَوْحُ المَحْفُوظُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ ذَلِكَ عَلى اللهِ يَسِيرٌ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى كَوْنِ ذَلِكَ فِي كِتابٍ وكَوْنِهِ مَعْلُومًا، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى الحُكْمِ في الِاخْتِلافِ.

ثُمْ ذَكَرَ تَعالى -عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ- فِعْلَ الكَفَرَةِ في أنَّهم يَعْبُدُونَ مِنَ الأصْنامِ مِن دُونِ اللهِ ما لَمْ يُنَزِلِ اللهُ فِيهِ حُجَّةً ولا بُرْهانًا، و"السُلْطانُ": الحُجَّةُ حَيْثُ وقَعَ في القُرْآنِ الكَرِيمِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ ﴾ تَوَعُّدٌ.

والضَمِيرُ في "عَلَيْهِمْ" عائِدٌ عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ، والمَعْنى أنَّهم كانُوا إذا سَمِعُوا القُرْآنَ مِنَ النَبِيِّ -  - أو مِن أحَدِ أصْحابِهِ، وسَمِعُوا ما فِيهِ مِن رَفَضِ آلِهَتِهِمْ والدُعاءِ إلى التَوْحِيدِ، عُرِفَتِ المَساءَةُ في وُجُوهِهِمْ، و"المُنْكَرُ" مِن مُعْتَقَدِهِمْ وعَداوَتِهِمْ وأنَّهم يُدَبِّرُونَ ويُسْرِعُونَ إلى السَطْوَةِ بِالتالِي، والمَعْنى أنَّهم يَكادُونَ يَسْطُونَ دَهْرَهم أجْمَعَ، وأمّا في الشاذِّ مِنَ الأوقاتِ فَقَدْ يُسْطى بِالتالِّينَ نَحْوَ ما فُعِلَ بِعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ وبِالنَبِيِّ -  - حِينَ أغاثَهُ وحَلَّ الأمْرَ أبُو بَكْرٍ الصَدِيقُ -رَضِيَ اللهُ عنهُ- وبِعُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عنهُ- حِينَ أجارَهُ العاصِي بْنُ وائِلٍ، وأبِي ذَرٍّ -رَضِيَ اللهُ عنهُ- وغَيْرَ ذَلِكَ.و"السَطْوُ" إيقاعٌ بِمُباطَشَةٍ أو أمْرٍ بِها.

ثُمْ أمَرَ اللهُ -تَعالى- نَبِيَّهُ -  - أنْ يَقُولَ لَهم عَلى جِهَةِ التَوَعُّدِ والتَقْرِيعِ: أأُنَبِّئُكُمْ، أيْ: أُخْبِرُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكُمْ، والإشارَةُ بِ "ذَلِكُمْ" إلى السَطْوِ، ثُمُ ابْتَدَأ يُنْبِئُ، كَأنَّ قائِلًا قالَ لَهُ: وما هُوَ؟

قالَ النارُ، أيْ: نارُ جَهَنَّمَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَدَها اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أرادَ أنَّ اللهَ وعَدَهم بِالنارِ، فَيَكُونَ الوَعْدُ بِالشَرِّ ونَحْوِ ذَلِكَ لِما نَصَّ عَلَيْهِ، ولِمْ يَجِئْ مُطْلَقًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أرادَ أنَّ اللهَ تَعالى وعَدَ النارَ بِأنْ يُطْعِمَها الكُفّارَ، فَيَكُونَ الوَعْدُ عَلى بابِهِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ تَسَرُّعُها إلى الكُفّارِ وقَوْلُها: ﴿ هَلْ مِن مَزِيدٍ  ﴾ [ق: ٣٠] ونَحْوِ ذَلِكَ مِن مَساوِئِها، و"المَصِيرُ" مَفْعِلٌ مَن "صارَ" عَلى تَحَوُّلٍ مِن حالٍ إلى حالٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: ويَقْتَضِي كَلامُ الطَبَرِيِّ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الإشارَةَ بـِ "ذَلِكُمْ" هي إلى أصْحابِ مُحَمَّدٍ -  - التالِينَ، ثُمْ قالَ: ألا أُخْبِرُكم بِأكْرِهِ إلَيْكم مِن هَؤُلاءِ أنْتُمُ الَّذِينَ وُعُدِّتُمُ النارَ، وأُسْنِدَ نَحْوُ هَذا القَوْلِ إلى قائِلٍ لَمْ يُسَمِّهِ، وهَذا كُلُّهُ ضَعِيفٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

يجوز أن يكون الواو حرف عطف وتكون الجملة معطوفة على الجملة السابقة بما تفرّع عليها عطف غرض على غرض.

ويجوز أن يكون الواو للحال والجملة بعدها حالاً من الضمير المرفوع في قوله ﴿ جادلوك ﴾ [الحج: 68]، والمعنى: جادلوك في الدين مستمرين على عبادة ما لا يستحق العبادة بعدما رأوا من الدلائل، وتتضمن الحال تعجيباً من شأنهم في مكابرتهم وإصرارهم.

والإتيان بالفعل المضارع المفيد للتجدّد على الوجهين لأن في الدلائل التي تحفّ بهم والتي ذُكّروا ببعضها في الآيات الماضية ما هو كاف لإقلاعهم عن عبادة الأصنام لو كانوا يريدون الحق.

و ﴿ من دون ﴾ يفيد أنهم يُعرضون عن عبادة الله، لأن كلمة ﴿ دون ﴾ وإن كانت اسماً للمباعَدة قد يصدق بالمشاركة بين ما تضاف إليه وبين غيره.

فكلمة (دون) إذا دخلت عليها (مِن) صارت تفيد معنى ابتداء الفعل من جانب مباعد لما أضيف إليه (دون).

فاقتضى أن المضاف إليه غيرُ مشارك في الفعل.

فوجه ذلك أنهم لما أشربت قلوبهم الإقبال على عبادة الأصنام وإدخالها في شؤون قرباتهم حتى الحج إذ قد وضعوا في شعائره أصناماً بعضها وضعوها في الكعبة وبعضها فوق الصفا والمروة جعلوا كالمعطلين لعبادة الله أصلاً.

والسلطان: الحجة.

والحجة المنزّلة: هي الأمر الإلهي الوارد على ألْسنة رسله وفي شرائعه، أي يعبدون ما لا يجدون عذراً لعبادته من الشرائع السالفة: وقصارى أمرهم أنهم اعتذروا بتقدم آبائهم بعبادة أصنامهم، ولم يدّعوا أن نبيئاً أمر قومه بعبادة صنم ولا أن ديناً إلهياً رخص في عبادة الأصنام.

و ﴿ ما ليس لهم به علم ﴾ ، أي ليس لهم به اعتقاد جازم لأنّ الاعتقاد الجازم لا يكون إلاّ عن دليل، والباطل لا يمكن حصول دليل عليه.

وتقديم انتفاء الدليل الشرعي على انتفاء الدليل العقلي لأنّ الدليل الشرعي أهمّ.

و ﴿ ما ﴾ التي في قوله ﴿ وما للظالمين من نصير ﴾ نافية.

والجملة عطف على جملة ﴿ ويعبدون من دون الله ﴾ أي يَعبدون ما ذكر وما لهم نصير فلا تنفعهم عبادة الأصنام.

فالمراد بالظالمين المشركون المتحدّث عنهم، فهو من الإظهار في مقام الإضمار للإيماء إلى أن سبب انتفاء النصير لهم هو ظلمهم، أي كفرهم.

وقد أفاد ذلك ذهاب عبادتهم الأصنام باطلاً لأنهم عبدوها رجاء النصر.

ويفيد بعمومه أن الأصنام لا تنصرهم فأغنى عن موصول ثالث هو من صفات الأصنام كأنه قيل: وما لا ينصرهم، كقوله تعالى: ﴿ والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ﴾ [الأعراف: 197].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَنسَكًا هم ناسِكُوهُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ العِيدُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

الثّانِي: أنَّها المَواضِعُ المُعْتادَةُ لِمَناسِكِ الحَجِّ والعُمْرَةِ، قالَهُ الفَرّاءُ.

الثّالِثُ: المَذْبَحُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الرّابِعُ: المَنسَكُ المُتَعَبَّدُ والنُّسُكُ العِبادَةُ ومِنهُ سُمِّيَ العابِدُ ناسِكًا، قالَهُ الحَسَنُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: خلق الله اللوح المحفوظ لمسيرة مائة عام، وقال: للقلم- قبل أن يخلق الخلق وهو على العرش- اكتب قال: ما أكتب؟

قال: علمي في خلقي إلى يوم تقوم الساعة، فجرى القلم بما هو كائن في علم الله إلى يوم القيامة فذلك قوله للنبي صلى الله عليه وسلم ﴿ ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض ﴾ يعني ما في السموات السبع والأرضين السبع ﴿ إن ذلك ﴾ العلم ﴿ في كتاب ﴾ يعني في اللوح المحفوظ مكتوب قبل أن يخلق السموات والأرضين ﴿ إن ذلك على الله يسير ﴾ يعني هين.

وأخرج ابن مردويه، عن أنس رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «سيفتح الله على أمتي باباً من القدر في آخر الزمان لا يسده شيء، ويكفيكم من ذلك أن تقولوا: ﴿ ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير ﴾ » .

وأخرج اللالكائي في السنة من طريق آخر، عن سليمان بن جعفر القرشي مرفوعاً مثله مرسلاً.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ قال الكلبي: يعني أهل مكة (١) ﴿ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا ﴾ قال ابن عباس: يريد حجة (٢) ﴿ وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ ﴾ أنها آلهة ﴿ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ ﴾ وما للمشركين من مانع من العذاب.

(١) ذكر ابن الجوزي 5/ 9451، والقرطبي 12/ 95 هذين القولين من غير نسبة لأحد.

(٢) ذكر ابن الجوزي 5/ 9451، والقرطبي 12/ 95 هذين القولين من غير نسبة لأحد.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِن جَادَلُوكَ ﴾ الآية: تقتضي موادعة منسوخة بالقتال ﴿ إِنَّ ذلك فِي كِتَابٍ ﴾ يعني اللوح المحفوظ، والإشارة بذلك إلى معلومات الله ﴿ إِنَّ ذلك عَلَى الله يَسِيرٌ ﴾ يحتمل أن تكون الإشارة بذلك إلى كتب المعلومات في الكتاب، أو إلى الحكم في الاختلاف والأول أظهر ﴿ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً ﴾ يعني الأصنام؛ والسلطان هنا: الحجة والبرهان، وما ليس لهم به علم: قيل: إنه يعني ما ليس لهم به علم ضروري، فنفى أولاً البرهان النظري، ثم العلم الضروري، وليس اللفظ بظاهر في هذا المعنى، بل الأحسن نفي العلم الضروري والنظري معاً ﴿ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الذين كَفَرُواْ المنكر ﴾ أي الإنكار لما يسمعون فالمنكر مصدر: كالمكرم بمعنى الإكرام ويعرف ذلك في وجوههم بعبوسها وإعراضها ﴿ يَسْطُونَ ﴾ من السطوة وهي سرعة البطش ﴿ النار وَعَدَهَا الله ﴾ يحتمل أن تكون ﴿ النار ﴾ مبتدأ، و ﴿ وَعَدَهَا الله ﴾ خبراً أو يكون النار خبر ابتداء مضمر كأنّ قائلاً قال: ما هو، فقيل: هو النار، ويكون وعدها الله استئنافاً وهذا أظهر ﴿ ضُرِبَ مَثَلٌ ﴾ أي ضربه الله لإقامة الحجة على المشركين ﴿ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً ﴾ تنبيه بالأصغر على الأكبر من باب أولى وأحرى: والمعنى أن الأصنام التي تعبدونها لا تقدر على خلق الذباب ولا غيره، فكيف تُعبد من دون الله الذي خلق كل شيء، ثم أوضح عجزهم بقوله: ﴿ وَلَوِ اجتمعوا لَهُ ﴾ أي لو تعاونوا على خلق الذباب لم يقدروا عليه ﴿ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذباب شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ﴾ بيان أيضاً لعجز الأصنام بحيث لو اختطف الذباب منهم شيئاً لم يقدروا على استنقاذه منه على حال ضعفه، وقد قيل: إن المراد بما يسلب الذباب منهم الطيب الذي كانت تجعله العرب على الأصنام واللفظ أعم من ذلك ﴿ ضَعُفَ الطالب والمطلوب ﴾ المراد بالطالب الأصنام وبالمطلوب الذباب، لأن الأصنام تطلب من الذباب ما سلبته منها.

وقيل: الطالب الكفار والمطلوب الأصنام.

لأن الكفار يطلبون الخير منهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراآت: ﴿ ما لم ينزل ﴾ من الإنزال ابن كثير وأبو عمرو وسهل.

والآخرون بالتشديد ﴿ يصطون ﴾ بالصاد مثل ﴿ بصطة  ﴾ في البقرة ﴿ الذين يدعون ﴾ بياء الغيبة: سهل ويعقوب.

الوقوف: ﴿ بأمره ﴾ ط ﴿ بإذنه ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ أحياكم ﴾ ز لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ يحييكم ﴾ ه ط ﴿ لكفور ﴾ ه ﴿ إلى ربك ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ تختلفون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ في كتاب ﴾ ط ﴿ يسير ﴾ ه ﴿ علم ﴾ ط ﴿ نصير ﴾ ه ﴿ المنكر ﴾ ط ﴿ آياتنا ﴾ ط ﴿ ذلكم ﴾ ط ﴿ النار ﴾ ط ﴿ كفروا ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ فاستمعوا له ﴾ ط ﴿ اجتمعوا له ﴾ ط ﴿ منه ﴾ ط ﴿ والمطلوب ﴾ ه ﴿ قدره ﴾ ط ﴿ ومن الناس ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ خلفهم ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه ﴿ تفلحون ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ جهاده ﴾ ط ﴿ حرج ﴾ ط ﴿ إبراهيم ﴾ ط ﴿ الناس ﴾ ج للعطف مع الفاء ﴿ بالله ﴾ ط ﴿ مولاكم ﴾ ط ﴿ النصير ﴾ ه.

التفسير: إن من جملة نعم الله  على عباده تسخير الأرضيات وتذليلها لهم، فلا اصلب من الحديد والحجر، ولا أشد نكاية من النار وقد سخرها للإنسان وسخر لهم الأنعام ايضاً ينتفعون بها بالأكل والركوب والحمل عليها والانتفاع بالنظر إليها ﴿ أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت  ﴾ وسخر لهم الدواب، وغيرها وسَخرَ لهم الفلك حال كونها جارية بأمره وهو تهيئة الأسباب المعاونة ودفع الأشياء المضادة لسهولة جريها.

ولا ريب أن الانتفاع بالأرضيات لا يتأتى إلا بعد الأمن من وقوع السماء على الأرض، فمّن الله تعالى على المكلفين بأن حفظها كيلا تقع أو كراهة أن تقع على الأرض وذلك بمحض الإقتدار عند أهل الظاهر، أو بأن جعل طبعها هو الإحاطة بما في ضمنها إذ لا خفة فيها ولا ثقل ولهذا خصت بالحركة على المركز.

وفي قوله ﴿ إلا بإذنه ﴾ إشارة إلى أن الأفلاك ستنخرق وتنشق فتقع على الأرض، ويحتمل، يقال: توقيف الوقوع على الإذن لا يوجب حصول الإذن، فالانخراق والانشقاق لا يستفاد من هذه الآية.

ثم ذكر الإنسان مبدأه ومعاده فقال {وهو الذي أحياكم نظيره قوله في أول البقرة ﴿ كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم  ﴾ وقد سبق هنالك.

وفي قوله ﴿ إن الإنسان لكفور ﴾ زجر لهم عن الكفران بطريق التوبيخ.

وعن ابن عباس أنه الكافر.

وبعضهم جعله أخص فقال: هو ابو جهل وأضرابه، والأولى إرادة الجنس، ثم عاد إلى بيان أن أمر التكاليف مستقر على ما في هذه الشريعة فقال ﴿ لكل أمة ﴾ الآية.

قال في الكشاف: إنما فقد العاطف ههنا بخلاف نظرائها في السورة لأن تلك مناسبة لما تقدمها في هذه مباينة لها.

قلت: وذلك لأن من ههنا إلى آخر السورة عوداً بعد ذكر المعاد إلى الوسط الذي هو حالة التكليف، والأقرب أن المنسك في هذه الآية هو الشريعة كقوله ﴿ لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً  ﴾ وهو قول ابن عباس في رواية عطاء.

وقيل: أراد مكاناً معيناً وزماناً لأداء الطاعات.

وقال مجاهد: هو الذبائح ولا وجه للتخصيص ههنا والأمة أعم من أن تكون قد بقيت آثارهم أو لم تبق.

أما الضمير في قوله ﴿ فلا ينازعنك ﴾ فلا بد من رجوعه إلى الأمم الباقية آثارهم في عهد رسول الله  .

قال الزجاج: إنه نهي له عن منازعتهم كما تقول "لا يضاربنك فلان" أي لا تضار به.

وذلك أن المفاعلة تقتضي العكس ضمناً.

وقال في الكشاف: هو نهي لرسول الله  اي لا تلتفت إلى قولهم ولا تمكنهم من أن ينازعوك، أو هو زجر لهم عن التعرض لرسول الله  بالمنازعة في أمر الدين وكانوا يقولون في الميتة "مال كم تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتله الله".

ومنه يعلم استقرار أمر الديانة على هذه الشريعة وأن على كل أمة من الأمم التي بقيت منها بقية أن يتبعوه ويتركوا مخالفته فلذلك قال: ﴿ وأدع إلى ربك ﴾ أي لا تخص بالدعوة أمة دون أمة فإن كلهم أمتك ﴿ إنك لعلى هدى مستقيم ﴾ أي على دين وسط دليل ظاهر.

وإن أبوا إلا الجدال فكل أمرهم إلى الله قائلاً ﴿ الله أعلم بما تعملون ﴾ وفيه وعيد وإنذار مخلوط برفق ولكن ﴿ الله يحكم بينكم ﴾ أي يفصل بين المؤمنين والكافرين منكم، ويحتمل أن يكون من تتمة المقول وأن يكون ابتداء خطاب من الله  للأمم.

﴿ ألم تعلم ﴾ خطاب لكل عالم أو للرسول  والمراد تقوية قلبه وإلا فالرسالة لا تكون إلا بعد العلم بكونه  عالماً بكل المعلومات وإلا اشتبه عليه الصادق بالكاذب.

﴿ إن ذلك ﴾ الذي ذكر وهو كل ما في السماء والأرض ﴿ في كتاب ﴾ قال أبو مسلم: أراد به الحفظ والضبط كالشيء المكتوب، والجمهور على أنه حقيقة وقد كتبه في اللوح قبل حدوثه.

ولعل في تلك الكتابة لطفاً للملائكة لأن مطابقة تلك الأشياء المكتوبة لما سيحدث إلى الأبد من أدل دليل على كونه عالم الذات ولذلك قال ﴿ إن ذلك ﴾ الكتب ﴿ على الله يسير ﴾ وهذا تصوير لضده وهو صعوبة مثل ذلك على غيره وإلا فلا مدخل لليسر والصعوبة في كمال قدرته.

وحين بين كمال ألوهيته قطع شأن أهل الشرك بقوله ﴿ ويعبدون ﴾ الآية والمراد أنهم لم يتمسكوا في صحة عبادته بدليل سمعي ولا علم ضروري وقوله ﴿ وما للظالمين من نصير ﴾ الظلم الشرك، والصنرة إما بالشفاعة أو بالحجة ولا حجة إلا للحق وهو كقوله في آخر آل عمران ﴿ وما للظالمين من أنصار  ﴾ وقد مر.

والمنكر دلائل الغيظ والحنق.

وقال جار الله: وهو الفظيع من التجهم والبسور أو هو الإنكار كالمكرم بمعنى الإكرام وقال الكلبي: اراد أنهم كرهوا القرآن مع وضوح دلائلة.

وقال ابن عباس: هو التجبر والترفع.

وقال مقاتل: أنكروا أن يكون من الله  .

السطو الوثب والبطش أي يهمون بالبطش والوثوب لعظم إنكار ما تلي عليهم.

وقوله ﴿ من ذلكم ﴾ إشارة إلى غيظهم على التالين أو إلى همهم.

ثم إنه كأن سائلاً قائلاً ما ذلك الشر فقيل ﴿ النار ﴾ اي هو النار.

قلت: وذلك أن حرارة الغيظ والسطو تشبه حرارة النار ولكن هذه أقوى ولا سيما نار جهنم.

ثم استأنف للنار حكماً فقال ﴿ وعدها ﴾ الآية.

ويحتمل أن تكون ﴿ النار ﴾ مبتدأ و ﴿ وعدها ﴾ خبراً.

ثم ضرب للاصنام مثلا فقال ﴿ يا أيها الناس ضرب مثل ﴾ إنما قال بلفظ الماضي لأنه معلوم من قبل لكل ذي عقل.

والمثل بمعنى المثل استعاروه لجملة من الكلام مستغربة مستفصحة متلقاة بالرضا والقبول أهل للتسيير والإرسال وذلك أنهم جعلوا مضربها مثلاً لموردها، ثم استعاروا هذا المستعار للقصة أو الحالة أو الصفة المستغربة لتماثلها في الغرابة وهذا هو الذي قصد في الآية: ﴿ فاستمعوا له ﴾ أي تدبروه وحق له ذلك فإن السماع المجرد لا نفع له.

قال جار الله: محل ﴿ ولو اجتمعوا له ﴾ نصب على الحال كأنه قال مستحيل أن يخلقوا الذباب مشروطاً عليهم اجتماعهم جميعاً فكيف لو انفردوا؟

وأقول: الظاهر أن "لو" هذه للمبالغة وجوابه محذوف لدلالة ما تقدم عليه تقديره، ولو اجتمعوا لخلق الذباب لن يخلقوه ايضاً، وليس من شرط كل جملة أن يكون لها محل.

ثم زاد لعجزهم وضعفهم تأكيداً بقوله ﴿ وإن يسلبهم الذباب ﴾ الاية.

بمعنى أترك أمر الحلق والإيجاد وتكلم فيما هو أسهل من ذلك، إن هذا الحيوان الضعيف الذي لا قدرة لهم على خلقه لو سلب منهم شيئاً لم يقدروا أيضاً على استخلاص ذلك الشيء منه.

عن ابن عباس أنهم كانوا يطلون الأصنام بالزعفران ورؤوسها بالعسل ويغلقون عليها الأبواب فيدخل الذباب من الكوى فيأكله.

وقيل: سمي الذباب ذباباً كلما ذب آب.

ثم عجب من ضعف الأصنام والذباب بقوله ﴿ ضعف الطالب والمطلوب ﴾ فالصنم كالطالب من حيث إنه يطلب خلق الذباب أو يطلب استنفاذ ما سلبه منه.

وقيل: الطالب عابد الصنم والمطلوب هو الصنم أو عبادته، ويجوز أن يكون الطالب هو السالب والمطلوب المسلوب منه.

ثم بين أن المشركين الذين عبدوا من دون الله آلهة بهذه المثابة ﴿ ما قدروا الله حق قدره ﴾ أي ما عرفوه حق معرفته وقد مر مثله في "الأنعام".

﴿ إن الله لقوي عزيز ﴾ قادر غالب فكيف يسوِّي بينه وبين العاجز المغلوب في العبادة وهي نهاية التعظيم.

وذلك أنهم لو إعتقدوا كون تلك الأصنام طلسمات موضوعة على الكواكب فإذا لم تنفع نفسها في المقدار المذكور فلأن لا تنفع غيرها أولى، وإن اعتقدوا أنها تماثيل الملائكة أو الأنبياء فلا يليق بها غاية الخضوع التي يستحقها خالق الكل.

وحين رد على أهل الشرك معتقدهم في الإلهيات أراد أن يرد عليهم عقيدتهم في النبوَّات وهي أن الرسول لا يكون بشراً فقال ﴿ الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس ﴾ فالملك رسول إلى النبي والنبي رسول إلى سائر البشر قاله مقاتل.

ههنا سؤالات: الأول أن "من" للتبعيض فتفيد الآية أن بعض الملائكة رسل فيكون مناقضاً لقوله ﴿ جاعل الملائكة رسلاً  ﴾ والجواب أن الموجبة الجزئية لا تناقض الموجبة الكلية، أو أراد بهذا البعض من هو رسول إلى نبي آدم وهو أكابر الملائكة ولا يبعد أن يكون بعض الملائكة رسلاً إلى بعض آخر منهم.

وثانيهما أنه قال في موضع آخر ﴿ لو اراد الله أن يتخذ ولداً لاصطفى مما يخلق ما يشاء  ﴾ وقد نص في هذه الآية أن بعض الناس مصطفى فيلزم من مجموع الآيتين أنه قد اصطفى ولداً.

والجواب أن تلك الآية دلت على أن كل ولد مصطفى ولكن لا يلزم من هذه الآية أن كل مصطفى ولد فمن أين يحصل ما ادعيت؟

والتحقيق أن الموجبتين في الشكل الثاني لا ينتجان هذا، ويحتمل أن تكون هذه الآية مسوقة للرد على عبدة الملائكة كما كانت الآية المتقدمة للرد على عبدة الأصنام إذ يعلم من هذا أن علو درجة الملائكة ليس لكونهم آلهة بل لأن الله اصطفاهم للرسالة حين كانوا أمناء على وحيه لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.

ثم بين علو شأنه وكمال علمه وإحاطته بأحوال المكلفين ما مضى منها وما غبر، وأن مرجع الأمور كلها إليه، وفي كل زجر عن الإقدام على المعصية وبعث الجد في الطاعة فلا جرم صرح بالمقصود قائلاً ﴿ يا ايها الذين آمنوا ﴾ والظاهر أنه خطاب مختص بالمؤمنين ويؤكده قوله بعد ذلك ﴿ هو اجتباكم ﴾ ﴿ هو سماكم المسلمين ﴾ وقيل: عام لكل المكلفين لأن المأمورات بعده لا تختص ببعض الناس دون بعض والتخصيص بالذكر للتشريف فإنهم الذين قبلوا الخطاب.

ودل بالركوع والسجود على الصلاة لأنهما ركنان معتبران.

وقيل: كان الناس أول ما اسلموا يسجدون بلا ركوع ويركعون بلا سجود، فأمروا أن تكون صلاتهم بركوع وسجود ذكره ابن عباس.

قال جار الله: عن عقبة بن عامر قال: قلت: يا رسول الله في سورة الحج سجدتان؟

قال: نعم أن لم تسجدهما فلا تقرأهما.

وعن عبد الله بن عمر: فضلت سورة الحج بسجدتين.

وهو مذهب الشافعي.

وأما أبو حنيفة فلا يرى هذه سجدة لأنه قرن الركوع بالسجود قال: فدل ذلك على أنها سجدة صلاة لا سجدة تلاوة، قدم الصلاة لأنها أشرف العبادات ثم عمم فأمر بالعبادة مطلقاً، ثم جعل الأمر أعم وهو فعل الخيرات الشامل للنوعين التعظيم لأمر الله والشفعة على خلق الله كأنه قال: كلفتكم الصلاة بل كلفتكم ما هو أعم منها وهو العبادة، بل كلفتكم أعم وهو فعل الخيرات على الإطلاق.

وقيل: معناه واعبدوا ربكم اقصدوا بركوعكم وسجودكم وجه الله عز وجل.

وعن ابن عباس أن فعل الخير صلة الأرحام ومكارم الأخلاق.

ومعنى ﴿ لعلكم تفلحون ﴾ افعلوا كل ذلك راجين الفلاح وهو الظفر بنعيم الآخرة لا متيقنين ذلك فإن الإنسان قلما يخلو في أداء فرائضه من تقصير والعواقب أيضاً مستورة.

ثم أمر بخلاف النفس والهوى في جميع ما ذكر وهو الجهاد الأكبر فقال ﴿ وجاهدوا في الله ﴾ اي في ذاته ومن أجله ﴿ حق جهاده ﴾ اي حق الجهاد فيه أو حق جهادكم فيه فإضافة الجهاد إلى الله من قبيل التوسعة ولأدنى ملابسة من حيث إن الجهاد فعل لوجهه.

وقيل: هو امر بالغزو، أمروا أن يجاهدوا آخرا كما جاهدوا أولاً فقد كان جهادهم في الأول أقوى وكانوا فيه أثبت نحو صنيعهم يوم بدر.

وعن عمر أنه قال لعبد الرحمن بن عوف: أما علمت أنا كنا نقرأ ﴿ وجاهدوا في الله حق جهاده ﴾ في آخر الزمان كما جاهدتم في أوله؟

فقال عبد الرحمن: ومتى ذلك يا أمير المؤمنين؟

قال: إذا كانت بنو أمية الأمراء وبنو المغيرة الوزراء.

قال العلماء: لو صحت هذه الرواية فلعل هذه الزيادة من تفسير الرسول  ليست من نفس القرآن وإلا لتواترت.

وإما عبارات المفسرين فعن ابن عباس: حق جهاده أي لا تخافوا في الله لومة لائم.

وقال الضحاك: اعملوا لله حق عمله.

وقال آخرون: استفرغوا ما في وسعكم في إحياء دين الله وإقامة حدوده باليد واللسان وجميع ما يمكن، وردوا أنفسكم عن الهوى والميل.

وعن مقاتل والكلبي: أن الآية منسوخة بقوله ﴿ فاتقوا الله ما استطعتم  ﴾ كما أن قوله ﴿ اتقوا الله حق تقاته  ﴾ منسوخ بذلك.

وضعف بأن التكليف مشروط بالقدرة فلا حاجة إلى التزام النسخ.

ثم عظم شأن المكلفين بقوله ﴿ هو اجتباكم ﴾ أي اختاركم لدينه ونصرته وفيه تشريف كقوله ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً  ﴾ ثم كان لقائل أن يقول: التكليف وإن كان تشريفاً إلا أن فيه مشقة على النس فقال ﴿ وما جعل عليكم في الدين من حرج ﴾ اي ضيق وشدة وذلك أنه فتح باب التوبة ووسع على المكلفين بأنواع الرخص والكفارات والديات والأروش.

يروى أن أبا هريرة قال: كيف قال  ﴿ وما جعل عليكم في الدين من حرج ﴾ مع أنا منعنا عن الزنا والسرقة؟

فقال ابن عباس: بلى ولكن الإصر الذي كان علي بني إسرائيل وضع عنكم.

قالت المعتزلة: لو خلق الله فيه الكفر ثم نهاه عنه كان ذلك من أعظم الحرج.

وعورض بأنه نهاه عن الكفر مع أنه علم ذلك منه، وكأنه أمره بقلب علم الله جهلاً وهو أعظم الحرج.

ثم أثنى على هذه الأمة بقوله ﴿ ملة أبيكم ﴾ أي أعني ملة أبيكم، ويجوز أن ينتصب بمضمون ما تقدم كأنه قيل: وسع دينكم توسعة ملة ابيكم فأقام المضاف إليه مقام المضاف، وإنما كان إبراهيم أبا هذه الأمة لأنه أبو الرسول  وكل نبي أبو أمته.

والمراد أن التوحيد والحنيفية هي مما شرعه إبراهيم.

﴿ هو ﴾ أي الله أو إبراهيم ﴿ سماكم المسلمين من قبل ﴾ اي في سائر الكتب أو في قوله ﴿ ومن ذريتنا أمة مسلمة لك  ﴾ ﴿ وفي هذا ﴾ القرآن أما إن كان المسمى هو الله فظاهر، وأما إن كان هو إبراهيم فلعله أراد أن حكاية دعائه مذكورة في القرآن.

وقوله ﴿ ليكون الرسول ﴾ متعلق بقوله ﴿ هو اجتباكم ﴾ اي فضلكم على الأمم لهذا الغرض نظيره قوله في البقرة ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا  ﴾ والأصل تقديم الأمة كما في "البقرة" لأن الخطاب معهم وليقع الختم على شهادة الرسول كما هو الواقع إلا أنه عكس الترتيب في هذه السورة ليناط به قوله ﴿ فأقيموا الصلاة ﴾ والمراد إذ خصكم بهذه الكرامة فاعبدوه واعتصموا بدلائله العقلية والسمعية أو بألطافه وعنايته.

قال ابن عباس: سلوا الله العصمة عن كل المحرمات.

وقال آخرون: اجعلوه عصمة لكم مما تحذرون فهو خير مولى وناصر.

استدلت المعتزلة بالآية في قولهم إنه يريد الإيمان من الكل من وجوه: الأول أنه أراد أن يكونوا شهداء ولن يكونوا كذلك إلا إذا آمنوا، الثاني أنه لا يمكن الاعتصام به إلا إذا لم يوجد منه الشر ألبتة.

الثالث أنه لو خلق في عبادة الكفر والمعاصي لم يكن نعم المولى.

وأجيب بعد تسليم إرادة الإيمان من الكل أن إرادة الشيء إن كانت مستلزمة لإرادة لوازمه فإرادة الإيمان من الكفار تستلزم أن يكون الله  مريداً لجهل نفسه.

وإن لم تستلزم فقد سقط السؤال وايضاً الاعتصام به إنما يكون منه كقوله"أعوذ بك منه" وايضاً إنه خلق الشهوة في قلب الفاسق وخلق المشتهي وقربه منه ودفع المانع وسلط عليه شياطين الإنس والجن، فلو لم تكن كل هذه مقتضية لكونه بئس المولى لم يكن خلق الكفر أيضاً مقتضياً لذلك.

التأويل: ﴿ سخر لكم ما ﴾ في أرض البشرية من الصفات الحيوانية والشيطانية، وسخر فلك الواردات المغيبة تجري في بحر القلب، ويمسك القلب أن تقع على ارض النفس بأن تتصف بصفاتها ﴿ إلا بإذنه ﴾ بقدر ما أباحه الشرع من ضروريات المأكول والملبوس وغيرهما ﴿ وهو الذي أحياكم ﴾ بازدواج الروح إلى القالب ﴿ ثم يميتكم ﴾ عن صفات البشرية ﴿ ثم يحييكم ﴾ بنور الصفات الرحمانية ﴿ فلا ينازعنك ﴾ في أمرك فإن لك مع الله وقتاً لا يسعك فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل ولكل قوم رتبة لا يتجاوزونها ﴿ إن الذين يدعون من دون الله ﴾ كالأصنام الظاهرة والباطنة لن يطلعوا على كيفية خلق الذباب، وإن يسلبهم ذباب هواجس النفس شيئاً من صفاء القلب وجمعية الوقت ﴿ ضعف الطالب ﴾ وهو القلب غير المؤيد بنور الإيمان ﴿ والمطلوب ﴾ وهو النفس والشيطان ﴿ اركعوا ﴾ بالنزول عن مرتبة الإنسانية إلى خضوع الحيوانية: ﴿ ومنهم من يمشي على أربع  ﴾ ﴿ واسجدوا ﴾ بالنزول إلى مرتبة الحيواينة ﴿ والنجم والشجر يسجدان  ﴾ ﴿ واعبدوا ربكم ﴾ بجعل الطاعة خالصة له ﴿ وافعلوا الخير ﴾ بمراقبة الله في جميع أحوالكم ﴿ لعلكم تفلحون ﴾ بالوصال.

﴿ وجاهدوا في الله حق جهاده ﴾ فجهاد النفس بتزكيتها بأداء الحقوق وترك الحظوظ، وجهاد القلب بتصفيته وقطع تعلقه عن الكونين، وجهاد الروح بتحليته بإفناء الوجود في وجوده ﴿ هو اجتباكم ﴾ لهذه الكرامات من بين سائر البريات ولولا أنه اجتباكم ما اهتديتم إليه كما قيل: فلولاكم ما عرفنا الهوى *** وما جعل عليكم في دين العشاق.

وهو السير إلى الله من ضيق "من تقرَّب إلي شبراً تقرَّبت إليه ذراعاً" والسير إلى الله من سنة إبراهيم ﴿ إني ذاهب إلى ربي سيهدين  ﴾ ﴿ هو سماكم المسلمين ﴾ في الأزل وهو في هذا الطور.

وإنما قدم الرسول لأن روحه في طرف الأزل مقدم "أول ما خلق الله روحي" فهو مشرف وقتئذ على أرواح أمته وبعد ذلك خلقت أرواح أمته مشرفين على أرواح غيرهم.

وفي سورة البقرة اعتبر طرف الأبد فوقع الختم على الرسول وعلى شهادته ﴿ فأقيموا الصلاة ﴾ بدوام السير والعروج إلى الله والتعظيم لأمره ﴿ وآتوا الزكاة ﴾ بدعوة الخلق إلى الله والشفقة عليهم ﴿ واعتصموا بحبل الله ﴾ حتى تصلوا إليه هو متولي أفنائكم عنكم ﴿ فنعم المولى ﴾ في إفناء وجودكم ﴿ ونعم النصير ﴾ في إبقائكم بربكم والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وأصحابه الطيبين الطاهرين وذرياته وسلم تسليماً كثيراً دائماً ابداً إلى يوم الدين.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً ﴾ هو ما ذكرنا أنه يسفههم بعبادتهم دون الله بلا حجة، ولا برهان، ولا علم، وتركهم عبادة الله مع الحجج، والبراهين، والعلم أنه إله، وأنه ربهم مستوجب للعبادة.

وقوله: ﴿ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ ﴾ ينصرهم ويمنعهم من عذاب الله، ففيه دلالة إثبات رسالته؛ لأنه إنما قال ذلك للرؤساء منهم والقادة فلم يتهيأ لهم نصرة شيء، ولا رد ما قال بشيء دل أنه بالله كان ذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ ﴾ يحتمل الآيات: الحجج والبراهين، ويحتمل: القرآن المنزل عليه.

﴿ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمُنْكَرَ ﴾ : الإنكار، آثروا العناد، والردّ لآياته، والكراهية والبغض له.

﴿ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِٱلَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَٰتِنَا ﴾ يخبر عن سفههم وشدة تعنتهم وعتوهم عند تلاوة الآيات عليهم، وإقامة الحجج عليهم، حيث قال: ﴿ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِٱلَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ ﴾ ﴿ يَسْطُونَ ﴾ ، قيل: يأخذون أخذا، وقيل: يبطشون بطشاً.

وقال القتبي: ﴿ يَسْطُونَ ﴾ ، أي: يتناولونهم بالمكروه من الشتم والضرب.

وقال أبو عوسجة: ﴿ يَكَادُونَ يَسْطُونَ ﴾ أي: يقعون بهم، يقال: سطا يسطو سطوة، ورجل ذو سطوة وبطشة، أي: ذو قوة وقدرة، قال: ويقال: سطوت بفلان، أي: أخذته أخذاً شديداً، أو بطشت به كذلك.

ثم قال: ﴿ قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكُمُ ٱلنَّارُ ﴾ ظاهر الآية ليس بجواب لما تقدم، ولا صلته، وليس على الابتداء، ولكن على نازلة وأمر كان منهم، لم يذكر لنا ذلك.

فأمّا ابن عباس وغيره من أهل التأويل قالوا: إنما أنزلت جوابا لما قالوا لرسول الله  ولأصحابه، حيث قالوا: ما نعلم قوما أشقى منكم حيث رأوهم قد حظر الدنيا عليهم، لم يعطوا من الدنيا شيئاً، فنزل جواباً لهم: ﴿ قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكُمُ ٱلنَّارُ...

﴾ الآية.

وقال بعضهم: هو جواب قوله: ﴿ كَادُونَ يَسْطُونَ بِٱلَّذِينَ يَتْلُونَ ﴾ ﴿ قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكُمُ ٱلنَّارُ ﴾ ؛ كقوله: ﴿ قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ...

﴾ الآية [المائدة: 60].

وقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ ﴾ قد ذكر معنى ضرب الأمثال والحاجة إليها، وذلك أن العقول يجوز أن يعترض ما يستر عليها سبيل الحق وإلا لم يجز ألا تدرك العقول لما جعلت العقول له من درك الحق، لكن يمنع عن درك الحق وسبيله ما ذكرنا من اعتراض السواتر والحجب فيستكشف ذلك بما ذكرنا من الأمثال، ثم في هذا المثل وجهان: أحدهما: يخبر عن تسفيه أحلامهم في عبادتهم من لا يقدر على خلق أضعف خلق، وهو ما ذكر: ﴿ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ ٱجْتَمَعُواْ لَهُ ﴾ وتركهم عبادة من هو خالقهم وخالق جميع الخلائق.

والثاني: يخبر عن قطع ما يأملون ويطمعون من عبادتهم الأصنام، حيث قال: ﴿ وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ﴾ ويتركون عبادة من يؤمل منه ويطمع كل خير، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ ﴾ قال بعضهم: أجيبوا له.

وقال بعضهم: استمعوا استماع من نظر وتأمل الحق ويقبله، إذا أظهر الاستماع من لا ينظر إلى الحق، ومعناه: إذا أظهر له الاستماع من لا ينظر إلى الحق ولا يقبله، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ قال بعضهم: ﴿ تَدْعُونَ ﴾ ، أي: تعبدون من دون الله، وقال: ﴿ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ على الدعاء، أي: تسمونهم: آلهة من دون الله، وقد كان منهم الأمران جميعاً: العبادة للأصنام من دون الله، وتسميتهم إياها: آلهة من دون الله.

وقوله: ﴿ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ ٱجْتَمَعُواْ لَهُ ﴾ فيه ما ذكرنا من الوجهين: من تسفيه أحلامهم في عبادتهم من لا يملك خلق أضعف خلق الله، وعجزهم عما يأملون من النفع، وعن دفع من يروم بهم الضرر وسلب ما ذكر منهم.

ثم اختلف في قوله: ﴿ ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ ٱلطَّالِبُ ﴾ : الصنم، ﴿ وَٱلْمَطْلُوبُ ﴾ : هو الذباب، لكن على التأويل يضمر فيه: (لو)، أي: ضعف الصنم لو كان طالبا.

قال بعضهم: ﴿ ٱلطَّالِبُ ﴾ هو الذباب، ﴿ وَٱلْمَطْلُوبُ ﴾ : هو الصنم.

فإن قيل: وصفهما جميعاً بالضعف: الذباب والصنم جميعا، على تأويلهم - أعني: هؤلاء - فالصنم ضعيف، عاجز، على ما وصف، وأمّا الذباب فهو ليس بضعيف؛ لأنه غلب ذلك الصنم إن كان طالبا أو مطلوبا، فكيف وصفه بالضعف، وهو الغالب عليه في الحالين؟

لكنه كأنه رجع قوله: ﴿ ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ ﴾ إلى العابد والمعبود، كأنه قال: ضعف العابد عمّا يأمل ويطمع من عبادته إياه، وضعف المعبود عن إيفاء ما يؤمل ويطمع منه، فهذا كأنه أشبه وأقرب إلى التأويل من الأول، والله أعلم.

وقوله: ﴿ مَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: ﴿ مَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ أي: ما عرفوا [الله] حق معرفته، قالوا له بالشريك والولد والصاحبة، وما قالوا فيه مما لا يليق به؛ لأنهم لو عرفوه حق معرفته، لم ينسبوا إليه، ولا وصفوه، وعرفوا بذاته وتعاليه عن ذلك، لكن حيث لم يعرفوه حق معرفته شبهوه بواحد من خلقه، على ما ذكرنا.

وقال بعضهم: ﴿ مَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ أي: ما عظموا الله حق عظمته، حيث صرفوا العبادة والشكر إلى غيره؛ إذ لو عظموه حق تعظيمه، ما صرفوا عبادتهم وشكرهم إلى غير الذي أنعم عليهم، وما أشركوا غيره في ذلك، على علم منهم أنه إنما وصلت إليهم تلك النعم من الله، لا ممن عبدوه، وبالله العصمة والصواب.

ثم يكون تعظيمه ومعرفته على الحقيقة بتعظيم أموره، وقبولها، والقيام بها، لا في قوله: يا عظيم، يا كبير، ونحوه، ولكن على ما ذكرت من تعظيم أموره، وقيامه بها، وكذلك المحبة لله إنما تكون في القيام بأموره وإقباله نحوها، والانتهاء عن مناهيه، لا في قوله: أنا حبيبك، أو تصوير شيء في قلبه، ولكن على ما ذكرت، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ لنصر أوليائه، وجعل العاقبة لهم ﴿ عَزِيزٌ ﴾ أي: منتقم من أعدائه.

أو يقول: ﴿ لَقَوِيٌّ ﴾ ؛ لأنه تضعف جميع القوى عند قوته ﴿ عَزِيزٌ ﴾ : يذل جميع الأعزة عند عزته.

أو يقول: ﴿ لَقَوِيٌّ ﴾ ؛ لأنه به يقوى من قوي، ومنه يستفيد ذلك ﴿ عَزِيزٌ ﴾ ؛ لأنه به يعز من عز به، ومنه كان ذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ٱللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ ٱلنَّاسِ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ يَصْطَفِي مِنَ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً ﴾ ، أي: اختار رسلا من الملائكة في بعض ما امتحنهم [به] من أنواع العبادات له والطاعات، بعث منهم إليهم رسلا بتبليغ ذلك على ما اختار من الناس رسلا إليهم فيما امتحنهم.

ويحتمل: اصطفى رسلا من الملائكة إلى الرسل من الإنس، أي: اختار منهم - أعني: من الناس - رسلا من الإنس، والله أعلم، كقوله: ﴿ ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ  ﴾ .

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴾ جائز أن يكون قوله: ﴿ بَصِيرٌ ﴾ لمن يصلح للرسالة ومن لا يصلح، ويصبر لمن اختار لها ومن لم يختر، سميع لما يتلقى المرسل إليه الرسول من الإجابة والقبول، والردّ والتكذيب، وأنه على علم منه بالرد والتكذيب أرسل [رسله].

وفيه دلالة أنه إنما اصطفاهم للرسالة، لا بشيء يستوجبون منه ذلك ولكن إفضالا منه.

قوله: ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ﴾ أي: يعلم ما كان قبل أن يخلقهم ﴿ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ : بعدما خلقهم.

وقال الحسن: يعلم بأوائل أمورهم وبأواخرها.

وقال بعضهم: ﴿ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ﴾ : من الدنيا، ﴿ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ : من الآخرة.

وقال بعضهم: ﴿ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ﴾ : من الآخرة، ﴿ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ : من الدنيا.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ﴾ : ما عملوا بأنفسهم في حياتهم ﴿ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ ما سنوا لغيرهم من بعدهم، كقوله: ﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ  ﴾ ما عملوا هم، وما أخرت: ما سنوا لغيرهم من بعدهم.

وجائز أن يكون لا على حقيقة بين الأيدي ولا خلف، ولكن [معناه]: لا يخفى عليه شيء من أفعالهم وأقوالهم.

﴿ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ ﴾ قد ذكرنا معناه فيما تقدم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ويعبد المشركون من دون الله أصنامًا لم ينزل الله حجة على عبادتها في كتبه، وليس لهم عليها دليل من علم، وإنما مستندهم التقليد الأعمى لآبائهم، وليس للظالمين من نصير يمنعهم مما يحلّ بهم من عذاب الله.

<div class="verse-tafsir" id="91.yAKre"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

قد يجد الباطل أنصارًا، فيتبوأ من أنفسهم دارًا، ويتخذ له منها قرارًا، وتذهب على ذلك الأيام بعد الأيام، وتمضي عليه الأعوام إثر الأعوام، وهو يلعب بأهله، ويغلب أهواءهم بحيله، حتى يقصروا نظرهم عليه، ولا يجدوا ملجأ منه إلا إليه، فإذا أتوا من ناحيته رضوا، وإذا عرض لهم الحق أعرضوا، ولا يزالون كذلك إلى أن تنحل به عراهم، وتفسد بعلله قواهم، والحق لا يزال يعرض نفسه، يستخدم مرة لينه وأخرى بأسه، وهو الشباب الذي لا يهرم، والعامل الصبور الذي لا يسأم، وإنما يعرض بوجه عن الأغبياء، ويولي ظهره الأشقياء، ثم لا ينفك يرحمهم ولا يبرح يتعهدهم، يسفر عليهم محياه، ويرسل إليهم أشعة من سناه، فإذا وافهم وقد وهنت منهم ومرهت عيونهم وحللت ليلهم، واشتد خبلهم، صاح بهم منه صائح ورمحهم من جنده رامح، فقلق بالباطل مكانه وزلزلت من حوله أركانه، وفزع يطلب النصير، وثار يلتمس المجير، فلا يجد إلا أسبابًا تقطعت به، وأعضادًا فت فيها بسبب، وقد رَنَّقَ قومه، وعبس يومه، فيحملق إلى الحق ويأخذ ببصره، ويستنزله بنظره، ولكن خاب الظن، وبطل الفن، ثم لا يلبث، وهو الباطل، أن يتحول عنده اليأس أملًا، ويجد من اليبس بللًا، فيظن، وهو هو، أن الحق ناصره، وأنْ ستقوى به أواصره، فيستنصر بجنده، ويطلب النجدة من عنده، وأقرب ما يكون خصم إلى الهلكة إذا اطمأن إلى عدوه، وأمل الخير في دنوه، هذا شأن الباطل وأهله، معه تقلبه في ملله ونِحَلِه.

يعلم كل ناظر في كتابنا الإلهي، (القرآن)، ما رفع الإسلام من شأن الأنبياء والمرسلين، والمنزلة التي أحلهم من حيث هم حملة الوحي، وقدوة البشر في الفضائل وصالح الأعمال، وتنزيهه إياهم عما رماهم به أعداؤهم وما نسبه إليهم المعتقدون بأديانهم.

ولا يخفى على أحد من أهل النظر في هذا الدين القويم أنه قد قرر عصمة الرسل كافة من الزلل في التبليغ، والزيغ عن الوجهة التي وجه الله وجوههم نحوها من قول أو عمل، وخص خاتمهم محمدًا  فوق ذلك بمزايا فصلت في ثنايا الكتاب العزيز.

عصمة الرسل في التبليغ عن الله أصل من أصول الإسلام، شهد به الكتاب، وأيدته السنة، وأجمعت عليه الأمة، وما خالف منه بعض الفرق فإنما هو في غير الإخبار عن الله وإبلاغ وحيه في خلقه، ذلك الأصل الذي اعتمدت عليه الأديان حتى لا يرتاب فيه ملِّيٌّ يفهم ما معنى الدين.

مع ذلك لم يعدم الباطل فيه أعوانًا يعملون على هدمه، وتوهين كنهه، أولئك عشاق الروايات وعبدة النقل.

نظروا نظرة في قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ  ﴾ - الآية.

وفيما روي عن ابن عباس، رضي الله عنهما، من أن "تَمَنَّي" بمعنى قرأ، والأمنية القراءة، فعمي عليهم وجه التأويل الحق، على فرض صحة الرواية عن ابن عباس، فذهبوا يطلبون ما به يصح التأويل في زعمهم، فقُيِّض لهم من يروي في ذلك أحاديث تختلف طرقها، وتتباين ألفاظها وتتفق في أن النبي  ، عندما بلغ منه أذى المشركين ما بلغ، وأعرضوا عنه، وجفاه قومه وعشيرته، لعيبه أصنامهم، وزرايته على آلهتم، أخذه الضجر من إعراضهم، ولحرصه على إسلامهم وتهالكه عليه، تمنى أن لا ينزل عليه ما ينفرهم، لعله يتخذ ذلك طريقًا إلى استمالتهم واستنزالهم عن غيهم وعنادهم، فاستمر به ما تمناه حتى نزلت عليه سورة ﴿ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى  ﴾ وهو في نادي قومه، وروي أنه كان في الصلاة، وذلك التمني أخذ بنفسه فطفق يقرؤها فلما بلغ قوله: ﴿ وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى  ﴾ ألقى الشيطان في أمنيته التي تمناها بأن وسوس له بما شيعها به فسبق لسانه على سبيل السهو والغلط فمدح تلك الأصنام، وذكر أن شفاعتهن تُرْتَجى، فمنهم من قال إنه عندما بلغ ﴿ وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى  ﴾ سها فقال: تلك الغرانيق العلى، إن شفاعتهن لَتُرْتَجى، ومنهم من روى (الغرانقة العلى)، ومنهم من روى إن شفاعتهن ترتجى، بدون ذكر الغرانقة والغرانيق، ومنهم من قال إنه قال: وأنها لمع الغرانيق العلى ومنهم من روى وإنهن لهن الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لهي التي تُرْتَجى، ففرح المشركون بذلك وعندما سجد في آخر السورة سجدوا معه جميعًا.

قال ابن حجر العسقلاني وتعدد الطرق وصحة ثلاثة منها وإن كانت مرسلة يدل على أن للواقعة أصلًا صحيحًا، وهذه الأسانيد الصحيحة -في رأيه- وإن كانت مراسيل يحتج بها من يرى الاحتجاج بالحديث المرسل، بل ومن لا يراه كذلك، لأنها متعددة يعضد بعضها بعضًا..

ولولا خوف التطويل لأتيت بجميع تلك الروايات، ما صح عنده منها وما لم يصح، ولكن لا أرى حاجة إليه في مقالي هذا.

روى ذلك ابن جرير الطبري، وشايعه عليه كثير من المفسرين، وفي طباع الناس إلْفُ الغريب، والتهافت على العجيب، فولعوا بهذه التفاسير واتخذوها عقدة إيمانهم، حتى ظنوا -وبعض الظن إثم- أنْ لا معدل عنها، ولا سبيل في فهم الآية سواها، ونسوا ما رآه جمهور المحققين في تأويلها وذهب إليه الأئمة في بيانها، حتى ثارت ثائرة الشبه هذه الأيام في نفوس كثيرة منهم وهم يزعمون أنهم مسلمون، وأحسوا أن ذلك الضرب من التفسير لا يتفق مع أصل العصمة في التبليغ، وأن فيه من الحجة للعدو ما لا سبيل إلى دفعه، فلجأوا إلى أهل العلم الصحيح يلتمسون منهم بيان المخرج مما سقطوا فيه، وتوهموا أنهم يقررون لهم ما ألفوا، ثم ينقذونهم من الحيرة مع ثباتهم على ما حرفوا، ولكن ضل رأيهم، وخاب ظنهم، وسيقامون على المنهج، ويرون الحق ناصعًا أبلج.

في صحيح البخاري: وقال ابن عباس في ﴿ ِإذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ  ﴾ ، إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه، فيبطل الله ما يلقي الشيطان، ويحكم الله آياته، ويقال أُمنيته قراءته ﴿ إِلَّا أَمَانِيَّ  ﴾ يقرؤون ولا يكتبون.

اهـ.

فتراه حكى تفسير الأمنية بالقراءة بلفظ (يقال) بعدها فسرها بالحديث، رواية عن ابن عباس، وهذا يدل على المغايرة بين التفسيرين فيما يدعيه الشراح أن الحديث في رأي ابن عباس بمعنى التلاوة يخالف ظاهرة العبارة، ثم حكايته تفسير الأمنية بمعنى القراءة بلفظ (يقال) يفيد أنه غير معتبر عنده (وسيأتي أن المراد بالحديث حديث النفس ).

وقال صاحب الإبريز: إن تفسير تمنى بمعنى قرأ، والأمنية بمعنى القراءة مروي عن ابن عباس في نسخة علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، ورواها علي بن صالح كاتب الليث عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وقد علم ما للناس في ابن أبي صالح كاتب الليث وأن المحققين على تضعيفه..

-هذا ما في الرواية عن ابن عباس، وهي أصل هذه الفتنة وقد رأيت أن المحققين يضعفون راويها.

وأما قصة الغرانيق فمع ما فيها من الاختلاف الذي سبق ذكره جاء في تتميمها أن النبي  لم يفطن لما ورد على لسانه، وأن جبريل جاءه بعد ذلك فعرض عليه السورة فلما بلغ المتكلمين قال له: ما جئتك بهاتين، فحزن لذلك فأنزل الله عليه ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا  ﴾ الآيات -تسلية له كما أنزل لذلك قوله: ﴿ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا  وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا  إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا  ﴾ وفي بعض الروايات: إن حديث الغرانيق فشا في الناس حتى بلغ أرض الحبشة فساء ذلك المسلمين والنبي  ، فنزلت ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا  ﴾ الآية.

قال العسقلاني في شرح البخاري: وقد طعن في هذه القصة وسندها غير واحد من الأئمة حتى قال ابن إسحاق وقد سئل عنها: هي من وضع الزنادقة اهـ.

وكفى في إنكار حديث أن يقول فيه ابن إسحاق: إنه من وضع الزنادقة، مع حال ابن إسحاق المعروفة عند المحدثين.

وقال القاضي عياض: إن هذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه أحد بسند متصل سليم، وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب، المتلفقون من الصحف كل صحيح وسقيم، ثم نقل عن أبي بكر بن العلاء ما يدل على سقم الرواية واضطرب الرواة فيها وما يقضي عليها بالوهن والسقوط عن درجة الاعتبار.

وقال الإمام أبو بكر بن العربي -وكفى به حجة في الرواية والتفسير- إن جميع ما ورد في هذه القصة لا أصل له.

قال القاضي عياض: والذي ورد في الصحيح أن النبي  قرأ: ﴿ وَالنَّجْمِ  ﴾ وهو بمكة فسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس..

وقد يكون ذلك لبلاغة السورة، وشدة قرعها، وعظم وقعها، ثم قال القاضي: قد قامت الحجة وأجمعت الأمة على عصمته  ونزاهته عن هذه الرزيلة، أما من تمنيه أن ينزل عليه مثل هذا من مدح آلهة غير الله وهو كفر، أو أن يتسود عليه الشيطان ويشبه عليه القرآن حتى يجعل فيه ما ليس منه ويعتقد النبي  أن من القرآن ما ليس منه حتى يفهمه جبريل  ، وذلك كله ممتنع في حقه  ، أو يقول ذلك النبي  من قبل نفسه عمدًا -وذلك كفر- أو سهوًا وهو معصوم من هذا كله، وقد قررنا بالبراهين والإجماع عصمته  من جريان الكفر على لسانه أو قلبه لا عمدًا ولا سهوًا، أو أن يشبّه عليه ما يلقيه الملك بما يلقي الشيطان، أو يكون للشيطان عليه سبيل، أو أن يتقول على الله -لا عمدًا ولا سهوًا- ما ل يُنزل عليه وقد قال الله تعالى: ﴿ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ  لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ  ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ  ﴾ .

وقال: ﴿ ِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا  ﴾ .

(ووجه ثان): وهو استحالة هذه القصة نظرًا وعرفًا، وذلك أن هذا الكلام لو كان كما روي لكان بعيد الالتئام، متناقض الأقسام، ممتزج المدح بالذم، متخاذل التأليف والنظم، ولَما كان النبي  ومن بحضرته من المسلمين، وصناديد المشركين، ممن يخفى عليه ذلك، وهذا لا يخفى على أدنى متأمل فكيف بمن رجح حلمه، واتسع في باب البيان ومعرفة فصيح الكلام علمه.

(ووجه ثالث): أنه علم من عادة المنافقين، ومعاندة المشركين، وضعفة القلوب والجهلة من المسلمين، نفورهم لأول وهلة، وتخليط العدو على النبي  لأقل فتنة، وتعييرهم المسلمين والشماتة بهم الفينة بعد الفينة، وارتداد من في قلبه مرض ممن أظهر الإسلام لأدنى شبهة، ولم يحك أحد في هذه القصة شيئًا سوى هذه الرواية الضعيفة الأصل، ولو كان كذلك لوجدت قريش بها على المسلمين الصولة، ولأقامت بها اليهود عليهم الحجة، كما فعلوا مكابرة في قصة الإسراء، قال: ولا فتنة أعظم من هذه البلية لو وجدت، ولا تشغيب للمعادي حينئذ أشد من هذه الحادثة لو أمكنت، وما ورد عن معاند فيها كلمة، ولا عن مسلم بسببها بنت شفة، فدل على بطلها، واجتثاث أصلها، ولاشك في إدخال بعض شياطين الإنس والجن هذا الحديث على بعض مغفلي المُحَدِّثين، ليلبس به على ضعفاء المسلمين.

(ووجه رابع): ذكر الرواة لهذه القصة أن فيها نزلت ﴿ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا  ﴾ الآيتان -هاتان الآيتان تردان الخبر الذي رووه-، لأن الله تعالى ذكر أنهم كادوا يفتنونه حتى يفتري، ولولا أن ثبته لكاد يركن إليهم شيئًا قليلًا، فمضمون هذا ومفهومه أن الله عصمه من أن يفتري، وثبته حتى لم يركن إليهم قليلًا، فكيف كثيرًا.

وهم يروون في أخبارهم الواهية أنه زاد على الركون والافتراء بمدح آلهتهم، وأنه  قال: افتريت على الله وقلت ما لم يقل، وهي تضعف الحديث لو صح، فكيف ولا صحة له؟!

وهذا مثل قوله تعالى في الآية الأخرى ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ  ﴾ قال القشيري ولقد طالبه قريش وثقيف إذ مر بآلهتهم أن يُقْبِلَ بوجهه إليها، ووعدوه الإيمان به إن فعل، فما فعل ولا كان ليفعل.

قال ابن الأنباري ما قارب الرسول ولا ركن.

انتهى المطلوب من كلام القاضي رحمه الله، وقد أورد بعد ذلك كثيرًا من القول في توهين الرواية وتكذيبها.

أما ما ذكره ابن حجر من أن القصة رويت مرسلة من ثلاث طرق على شرط الصحيح، وأنه يحتج بها...

إلخ، ما سبق فقد ذهبت عليه -كما قال في الإبريز- أن العصمة في العقائد التي يطلب فيها اليقين، فالحديث الذي يفيد خرمها ونقضها لا يقبل على أي وجه جاء، وقد عد الأصوليون الخبر الذي يكون على تلك الصفة من الأخبار التي يجب القطع بكذبها.

هذا لو فرض اتصال الحديث، فما ظنك بالمراسيل، وإنما الخلاف في الاحتجاج بالمرسل وعدم الاحتجاج به فيما هو من قبيل الأعمال وفروع الأحكام لا في أصول العقائد ومعاقد الإيمان بالرسل وما جاءوا به، فهي هفوة من ابن حجر يغفرها الله له.

هذا ما قاله الأئمة جزاهم الله خيرًا في بيان فساد هذه القصة، وأنها لا أصل لها، ولا عبرة برأي من خالفهم فلا يعتد بذكرها في بعض كتب التفسير، وأن بلغ أربابها من الشهرة ما بلغوا، وشهرة المبطل في بطله لا تنفخ في قوله، ولا تحمل على الأخذ برأيه.

تفسير الآيات والآن أرجع إلى تفسير الآيات على الوجه الذي تحتمله ألفاظها، وتدل عليه عباراتها والله أعلم.

ولا يخفى على كل من يفهم اللغة العربية وقرأ شيئًا من القرآن أن قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ  ﴾ الآيات -يحكي قَدَرًا قُدِّرّ للمرسلين كافة لا يعدونه، ولا يقفون دونه، ويصف شنشنة عرفت فيهم وفي أممهم.

فلو صح ما قال أولئك المفسرون لكان المعنى أن جميع الأنبياء والمرسلين قدس سلط الشيطان عليهم، فخلط في الوحي المنزل إليهم، ولكنه بعد هذا الخلط ينسخ الله كلام الشيطان ويحكم الله آياته إلخ.

وهذا من أقبح ما يتصور متصور في اختصاص الله تعالى لأنبيائه، واختياراته من خاصة أوليائه، فلندع هذا الهذيان ولنعد إلى ما نحن بصدده.

ذكر الله لنبيه حالًا من أحوال الأنبياء والمرسلين قبله، ليبين له سنته فيهم، وذلك بعد أن قال: ﴿ وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ  وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ  وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ  ﴾ .

إلى آخر الآيات.

ثم قال: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ  فَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ  وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آَيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ  وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ  ﴾ إلخ، فالقصص السابق كان في تكذيب الأمم لأنبيائهم ثم تبعه الأمر الإلهي بأن يقول النبي  لقومه: إنني لم أرسل إليكم إلا لإنذاركم بعاقبة ما أنتم عليه ولأبشر المؤمنين بالنعيم، وأما الذين يسعون في الآيات والأدلة التي أقيمها على الهدى وطرق السعادة ليحولوا عنها الأنظار، ويحجبوها عن الأبصار، ويفسدوا أثرها الذي أقيمت لأجله، ويعاجز بذلك النبي  والمؤمنين -أي- يسابقونهم ليعجزوهم ويسكتوهم عن القول وذلك بلعبهم بالألفاظ وتحويلها عن مقصد قائلها -كما يقع عادة من أهل الجدل والمماحكة- هؤلاء الضالون المضلون هم أصحاب الجحيم، وأعقب ذلك بما يفيد أن ما ابتلى به النبي  من المعاجزة في الآيات قد ابتلى به الأنبياء السابقون فلم يبعث نبي في أمة إلا كان له خصوم يؤذونه بالتأويل والتحريف ويضادون أمانيه، ويحولون بينه وبين ما يبتغي بما يلقون في سبيله من العثرات.

فعلى هذا المعنى الذي يتفق مع ما لقيه الانبياء جميعًا يجب أن تفسر الآية وذلك على وجهين: (الأول): أن يكون تمنى بمعنى قرأ، والأمنية بمعنى القراءة وهو معنى قد يصح وقد ورد استعمال اللفظ فيه، قال حسان بن ثابت في عثمان  : تمنى كتاب الله اول ليله وآخره لاقى حمام المقادر وقال آخر: تمنى كتاب الله أول ليله تَمَنِّيَ داود الزبور على رسل غير أن الإلقاء لا يكون على المعنى الذي ذكروه بل على المعنى المفهوم من قولك: "ألقيت في حديث فلان" إذا أدخلت فيه ما ربما يحتمله لفظه ولا يكون قد أراده، أو نسبت إليه ما لم يقله، تعللًا بأن ذلك الحديث يؤدي إليه، وذلك من عمل المعاجزين الذين ينصبون أنفسهم لمحاربة الحق يتبعون الشبهة، ويسعون وراء الريبة فالإلقاء بهذا بدسائسه، وكل ما يصدر من أهل الضلال يصح أن ينسب إليه ويكون المعنى: وما أرسلنا قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا أحدَّث قومه عليهم عن ربه، أو تلا وحيًا أنزل إليه فيه هدى لهم قام في وجهه شاغبون يحولون ما يتلوه عليهم عن المراد منه، ويتقولون عليه ما لم يقله، وينشرون ذلك بين الناس ليبعدوهم عنه، ويعدلوا بهم عن سبيله، ثم يحق الله الحق ويبطل الباطل، ولا زال الأنبياء يصبرون على ما كذبوا وأوذوا، ويجاهدون في الحق ولا يعتدون بتعجيز المعجزين ولا بهزء المستهزئين، إلى أن يظهر الحق بالمجاهدة وينتصر على الباطل بالمجالدة، فينسخ الله تلك الشبه ويجتثها من أصولها، ويثبت آياته ويقررها.

وقد وضع الله هذه السنة في الناس ليتميز الخبيث من الطيب، فيفتتن الذين في قلوبهم مرض، وهم ضعفاء العقول، بتلك الشبه والوساوس، فينطلقون وراءها، ويفتتن بها القاسية قلوبهم من أهل العناد والمجاحدة، فيتخذونها سندًا يعتمدون عليها في جلدهم، ثم يتمحص الحق عند الذين أوتو العلم، ويخلص لهم ورود كل شبهة عليه فيعلمون أن الحق من ربك فيصدقون به فتخبت وتطمئن له قلوبهم.

والذين أوتوا العلم هم الذين رزقوا قوة التمييز بين البرهان القاطع الذي يستقر بالعقل في قرارة اليقين، وبين المغالطات وضروب السفسطة التي تطيش بالفهم، وتطير به مع الوهم، وتأخذ بالعقل تارة ذات الشمال وأخرى ذات اليمين، وسواء أرجعت الضمير في "أنه الحق" إلى ما جاءت به الآيات المحكمة من الهدي الإلهي أو إلى القرآن، وهو أجلها، فالمعنى من الصحة على ما يراه أهل التمكين.

هؤلاء الذين أوتوا العلم هم الذين آمنوا وهم الذين هداهم الله إلى الصراط المستقيم، ولم يجعل للوهم عليهم سلطانًا فيحيد بهم عن ذلك النهج القويم، وأما الذين كفروا وهم ضعفاء العقول ومرضى القلوب، أو أهل العناد وزعماء الباطل، وقساة الطباع الذين لا تلين أفئدتهم، ولا تبش للحق قلوبهم، فأولئك لا يزالون في ريب من الحق أو الكتاب، لا تستقر عقولهم عليه، ولا يرجعون في متصرفات شؤونهم إليه، حتى تأتي ساعة هلاكهم بغتة فيلاقون حسابهم عند ربهم، أو إن أمتد بهم الزمن، ومادهم الأجل، فيصيبهم ﴿ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ  ﴾ يوم حرب يسامون فيه سوء عذاب القتل أو الأسر، ويقذفون إلى مطارح الذل وقرارات الشر، فلا ينتج لهم من ذلك اليوم خير ولا بركة، بل يسلبون ما كان لديهم ويساقون ما كان لديهم ويساقون إلى مصارع الهلكة، وهذا هو العقم في أتم معانيه وأشأم درجاته.

ما أقرب هذه الآيات في معانيها إلى قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ  ﴾ ، وقد قال بعد ذلك: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ  ﴾ ،ثم قال: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ  ﴾ إلخ الآيات.

وكأن إحدى الطائفتين من القرآن شرح للأخرى، فالذين في قلوبهم زيغ هم الذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم، والراسخون في العلم هم الذين أوتوا العلم، وهؤلاء هم الذين يعلمون أنه الحق من ربهم فيقولون آمنا به كل من عند ربنا فتخبت له قلوبهم وإن الله ليهديهم إلى صراط مستقيم، وأولئك هم الذين يفتتنون بالتأويل، ويشتغلون بقال وقيل، بما يلقي إليهم الشيطان، ويصرفهم عن مرامي البيان، ويميل بهم عن محجة الفرقان، وما يتكئون عليه من الأموال والأولاد لن يغني عنهم من الله شيئًا فستوافيهم آجالهم، وتستقبلهم أعمالهم، فإن لم يوافهم الأجل على فراشهم، فيسغلبون في هراشهم، وهذه سنة جميع الأنبياء مع أممهم، وسبيل الحق مع الباطل من يوم رفع الله الانسان إلى منزلة يميز فيها بين سعادته وشقائه، وبين ما يحفظه وما يذهب ببقائه، وكما لا مدخل لقصة الغرانيق في آيات آل عمران لا مدخل لها في آيات سورة الحج، هذا هو الوجه الأول في تفسير آيات: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا  ﴾ إلى آخرها على تقدير أن تمنى قرأ وأن الأمنية بمعنى القراءة.

والله أعلم.

(الوجه الثاني في تفسير الآيات): أن التمني على معناه المعروف، وكذلك الأمنية، وهي أفعولة بمعنى المنية وجمعها أماني كما هو مشهور.

قال أبو العباس أحمد بن يحيي: التمني حديث النفس بما يكون وبما لا يكون، قال: والتمني سؤال الرب وفي الحديث: "إذا تمنى أحدكم فليتكثر فإنما يسأل ربه" وفي رواية "فليكثر" وقال ابن الأثيرالتمني تشهي حصول الأمر المرغوب فيه وحديث النفس بما يكون وما لا يكون، وقال أبو بكر: تمنيت الشيء إذ قدرته وأحببت أن يصير إلى.

وكل ما قيل في معنى التمني على هذا الوجه فهو يرجع إلى ما ذكرنا ويتبعه معنى الأمنية.

ما أرسل الله من رسول ولا نبي ليدعو قومًا إلى هدى جديد أو شرع سابق شرعه لهم، ويحملهم على التصديق بكتاب جاء به نفسه إن كان رسولًا أو جاء به غيره إن كان نبيًا بعث ليحمل الناس على اتباع من سبقه إلا وله أمنية في قومه وهي أن يتبعوه وينحازوا على ما يدعوهم إليه، ويستشفوا من دائهم بدوائه، ويعصوا أهواءهم بإجابة ندائه، وما من رسول أرسل إلا وقد كان أحرص على إيمان أمته، وتصديقهم برسالته، منه على طعامه الذي يطعم وشرابه الذي يشرب، وسكنه الذي يسكن إليه، ويغدو عنه ويروح عليه، وقد كان نبينا  من ذلك في المقام الأعلى، والمكان الأسمى، قال الله تعالى: ﴿ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا  ﴾ ، وقال: ﴿ وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ  ﴾ وقال: ﴿ أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ  ﴾ ، وفي الآيات ما يطول سرده مما يدل على أمانيه  المتعلقة بهداية قومه وإخراجهم من ظلمات ما كانوا فيه إلى نور ما جاء به.

وما من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى هذه الأمنية السامية ألقى الشيطان في سبيله العثرات، وأقام بينه وبين مقصده العقبات، ووسوس في صدور الناس، وسلبهم الانتفاع بما وهبوا من قوة العقل والاحساس، فثاروا في وجهه، وصدوه عن قصده، وعاجزوه حتى لقد يعجزونه، وجادلوه بالسلاح والقوة حتى لقد يقهرونه، فإذا ظهروا عليه والدعوة في بدايتها وسهل عليهم إيذاؤه وهو قليل الاتباع، ضعيف الأنصار، ظنوا الحق من جانبهم، وكان فيما القوة من العوائق بينه وبين ما عمد إليه فتنة لهم.

غلبت سنة الله في أن يكون الرسل من أوسط قومهم أو من المستضعفين فيهم، ليكون العامل في الإذعان بالحق محض الدليل وقوة البرهان، وليكون الاختيار المطلق هو الحامل لمن يدعى إليه على قبوله ولكيلا يشارك الحق الباطل في وسائله، أو يشاركه في نصب شراكه وحبائله، أنصار الباطل في كل زمان هم أهل الانفة والقوة والجاه والاعتزاز بالأموال والأولاد والعشيرة والأعوان والغرور بالزخارف، والزهو بكثرة المعارف، وتلك الخصال إنما تجتمع كلها أو بعضها في الرؤساء وذوي المكانة من الناس فتذهلهم عن أنفسهم، وتصرف نظرهم عن سبيل رشدهم، فإذا دعا إلى الحق داع عرفته القلوب النقية من أوضار هذه الفواتن، وفزعت إليه النفوس الصافية والعقول المستعدة لقبوله بخلوصها من هذه الشواغل، وقلما توجد إلا عند الضعفاء وأهل المسكنة فإذا التف هؤلاء حول الداعي وظاهروه على دعوته قام أولئك المغرورون يقولون: ﴿ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ  ﴾ ، فإذا استدرجهم الله على سنته وجعل الجدال بينهم وبين المؤمنين سجالًا افتتن الذين في قلوبهم مرض من أشياعهم، وافتتنوا بما أصابوا من الظفر في دفاعهم، ولكن الله غالب على أمره فيمحق ما ألقاه الشيطان من هذه الشبهات ويرفع هذه الموانع وتلك العقبات، ويهب السلطان لآياته فيحكمها، ويثبت دعائمها، وينشئ من ضعف أنصارها قوة، ويخلف لهم في ذاتهم عزة، وتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الشيطان هي السفلى، ﴿ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ  ﴾ .

وفي حكاية هذه السنة الإلهية التي أقام عليها الأنبياء والمرسلين، تسلية لنبينا  عما كان يلاقي من قومه ووعد له بأن سيكمل له دينه، ويتم عليه وعلى المؤمنين نعمته، مع التفاتهم إلى سيرة من سبقهم، ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ  وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ  ﴾ - ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ  ﴾ ، هذا هو التأويل الثاني في معنى الآية ويدل عليه ما سبق من الآيات ويرشد إليه سياق القصص السابق في قوله: ﴿ وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ  ﴾ إلخ، وأنت ترى أن قصة الغرانيق لا تتفق مع هذا المعنى الصحيح.

وهناك تأويل ثالث ذكره صاحب الإبريز وإني أنقله بحروفه، وما هو بالبعيد عن هذا بكثير، بعد ذكر أماني الأنبياء في أممهم، وطعمهم في إيمانهم، وشأن نبينا  في ذلك على نحو يقرب مما ذكرنا في الوجه الثاني: "ثم الأمة تختلف كما قال تعالى: ﴿ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ كَفَرَ  ﴾ ، فأما من كفر فقد ألقى إليه الشيطان الوساوس القادحة له في الرسالة الموجبة لكفره، وكذا المؤمن أيضًا لا يخلو أيضًا من وساوس لأنها لازمة للإيمان بالغيب في الغالب وإن كانت تختلف في الناس بالقلة والكثرة وبحسب المتعلقات.

إذا تقرر هذا فمعنى تمنى أنه يتمنى لهم الإيمان ويحب لهم الخير والرشد والصلاح والنجاح، فهذه أمنية كل رسول ونبي، وإلقاء الشيطان فيها يكون بما يلقيه في قلوب أمة الدعوة من الوساوس الموجبة لكفر بعضهم، ويرحم الله المؤمنين فينسخ ذلك من قلوبهم ويحكم فيها الآيات الدالة على الوحدانية والرسالة، ويبقي ذلك  في قلوب المنافقين والكافرين ليفتتنوا به، فخرج من هذا: أن الوساوس تلقى أولًا في قلوب الفريقين معًا، غير أنها لا تدوم على المؤمنين، وتدوم على الكافرين.

وأنت إذا نظرت بين هذا التفسير وبين ما سبقه تتبين الأحق بالترجيح.

لو صح ما قاله نقله قصة الغرانيق لارتفعت الثقة بالوحي وانتفض الاعتماد عليه، كما قال القاضي البيضاوي وغيره، ولكان الكلام في الناسخ كالكلام في المنسوخ يجوز أن يلقي فيه الشيطان ما يشاء، ولا نهدم أعظم ركن للشرائع الإلهية وهو العصمة، وما يقال في المخرج عن ذلك ينفر منه الذوق ولا ينظر إليه العقل، على أن وصف العرب لآلهتهم بأنها الغرانيق العلى لم يرد لا في نظمهم ولا في خطبهم، ولم ينقل عن أحد أن ذلك الوصف كان جاريًا على ألسنتهم إلا ما جاء في معجم ياقوت غير مسند ولا معروف بطريق صحيح وهذا يدل على أن القصة من اختراع الزنادقة كما قال ابن اسحق، وربما كانت منشأ ما أورده ياقوت، ولا يخفى أن الغرنوق والغرنيق لم يعرف في اللغة إلا اسمًا لطائر مائي أسود أو أبيض، أو هو اسم الكركي أو طائر يشبهه.

والغرنيق (بالضم وكزنبور وقنديل وسموأل وفردوس وقرطاس وعلابط) معناه الشاب الأبيض الجميل وتسمى الخصلة من الشعر المفتلة "الغرنوق" كما يسمى به ضرب من الشجر.

ويطلق الغرنوق والغرانق على ما يكون في أصل العوسج اللين النبات ويقال لمة غرانقة وغرانقية أي ناعمة تفيئها الريح، أو الغرنوق الناعم المستتر من النبات إلخ ولا شيء في هذه المعاني يلائم الآلهة والأصنام حتى يطلق عليها في فصيح القول الذي يعرض على ملوك البلاغة وأمراء الكلام.

فلا أظنك تعتقد إلا أنها من مفتريات الأعاجم ومختلفات الملبسين ممن لا يميز بين حر الكلام، وما استبعد من الضعفاء الأحلام، فراج ذلك على من يذهله الولوع بالرواية، عما تقضيه الدراية ﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ  ﴾ .

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.3 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 0 يوم
أستغفر الله