تفسير الآية ٧٣ من سورة الحج

الإسلام > القرآن > سور > سورة 22 الحج > الآية ٧٣ من سورة الحج

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌۭ فَٱسْتَمِعُوا۟ لَهُۥٓ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخْلُقُوا۟ ذُبَابًۭا وَلَوِ ٱجْتَمَعُوا۟ لَهُۥ ۖ وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْـًۭٔا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ ٧٣

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 110 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٧٣ من سورة الحج من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٧٣ من سورة الحج عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى منبها على حقارة الأصنام وسخافة عقول عابديها : ( يا أيها الناس ضرب مثل ) أي : لما يعبده الجاهلون بالله المشركون به ، ( فاستمعوا له ) أي : أنصتوا وتفهموا ، ( إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له ) أي : لو اجتمع جميع ما تعبدون من الأصنام والأنداد على أن يقدروا على خلق ذباب واحد ما قدروا على ذلك .

كما قال الإمام أحمد .

حدثنا أسود بن عامر ، حدثنا شريك ، عن عمارة بن القعقاع ، عن أبي زرعة ، عن أبي هريرة رفع الحديث قال : " ومن أظلم ممن خلق [ خلقا ] كخلقي؟

فليخلقوا مثل خلقي ذرة ، أو ذبابة ، أو حبة " .

وأخرجه صاحبا الصحيح ، من طريق عمارة ، عن أبي زرعة ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : قال الله عز وجل : " ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي؟

فليخلقوا ذرة ، فليخلقوا شعيرة " .

ثم قال تعالى أيضا : ( وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ) أي : هم عاجزون عن خلق ذباب واحد ، بل أبلغ من ذلك عاجزون عن مقاومته والانتصار منه ، لو سلبها شيئا من الذي عليها من الطيب ، ثم أرادت أن تستنقذه منه لما قدرت على ذلك .

هذا والذباب من أضعف مخلوقات الله وأحقرها ولهذا [ قال : ( ضعف الطالب والمطلوب ) ] .

قال ابن عباس : الطالب : الصنم ، والمطلوب : الذباب .

واختاره ابن جرير ، وهو ظاهر السياق .

وقال السدي وغيره : الطالب : العابد ، والمطلوب : الصنم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: يا أيها الناس جعل لله مثل وذكر.

ومعنى ضرب في هذا الموضع: جعل من قولهم: ضرب السلطان على الناس البعث, بمعنى: جعل عليهم.

وضرب الجزية على النصارى, بمعنى جعل ذلك عليهم; والمَثَل: الشَّبَه, يقول جلّ ثناؤه: جعل لي شبه أيها الناس, يعني بالشَّبَه والمَثَل: الآلهة, يقول: جعل لي المشركون والأصنام شبها, فعبدوها معي، وأشركوها في عبادتي.

فاستمعوا له: يقول: فاستمعوا حال ما مثلوه وجعلوه لي في عبادتهم إياه شبها وصفته ( إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا ) يقول: إن جميع ما تعبدون من دون الله من الآلهة والأصنام لو جمعت لم يخلقوا ذبابا في صغره وقلته, لأنها لا تقدر على ذلك ولا تطيقه, ولو اجتمع لخلقه جميعها.والذباب واحد, وجمعه في القلة أذبة وفي الكثير ذِبَّان غُراب، يجمع في القلة أَغْربة، وفي الكثرة غِرْبان.

وقوله: ( وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا ) يقول: وإن يسلب الآلهة والأوثان الذبابُ شيئا مما عليها من طيب وما أشبهه من شيء لا يستنقذوه منه: يقول: لا تقدر الآلهة أن تستنقذ ذلك منه.

واختلف في معنى قوله: ( ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ) فقال بعضهم: عني بالطالب: الآلهة, وبالمطلوب: الذباب.

*ذكر من قال ذلك:حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: حجاج, عن ابن جُرَيج, قال ابن عباس, في قوله: ( ضَعُفَ الطَّالِبُ ) قال: آلهتهم ( وَالْمَطْلُوبُ ) : الذباب.

وكان بعضهم يقول: معنى ذلك: ( ضَعُفَ الطَّالِبُ ) من بني آدم إلى الصنم حاجته, ( وَالْمَطْلُوبُ ) إليه الصنم أن يعطي سائله من بني آدم ما سأله, يقول: ضعف عن ذلك وعجز.

والصواب من القول في ذلك عندنا ما ذكرته عن ابن عباس من أن معناه: وعجز الطالب وهو الآلهة أن تستنقذ من الذباب ما سلبها إياه, وهو الطيب وما أشبهه; والمطلوب: الذباب.

وإنما قلت هذا القول أولى بتأويل ذلك, لأن ذلك في سياق الخبر عن الآلهة والذباب، فأن يكون ذلك خبرا عما هو به متصل أشبه من أن يكون خبرا، عما هو عنه منقطع، وإنما أخبر جلّ ثناؤه عن الآلهة بما أخبر به عنها في هذه الآية من ضعفها ومهانتها, تقريعا منه بذلك عَبَدتها من مشركي قريش, يقول تعالى ذكره: كيف يجعل مثل في العبادة ويشرك فيها معي ما لا قدرة له على خلق ذباب, وإن أخذ له الذباب فسلبه شيئا عليه لم يقدر أن يمتنع منه ولا ينتصر, وأنا الخالق ما في السماوات والأرض ومالكٌ جميع ذلك والمحيي من أردت، والمميت ما أردت ومن أردت، إن فاعل ذلك لا شك أنه في غاية الجهل.

وقوله ( مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ) يقول: ما عظم هؤلاء الذين جعلوا الآلهة لله شريكا في العبادة حق عظمته حين أشركوا به غيره, فلم يخلصوا له العبادة ولا عرفوه حق معرفته من قولهم: ما عرفت لفلان قدره إذا خاطبوا بذلك من قَصَّر بحقه، وهم يريدون تعظيمه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في قوله ( يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا ) ...

إلى آخر الآية.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ياأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب[ ص: 90 ] يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا هذا متصل بقوله : ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا .

وإنما قال ضرب مثل لأن حجج الله تعالى عليهم بضرب الأمثال أقرب إلى أفهامهم .

فإن قيل : فأين المثل المضروب ؛ ففيه وجهان : الأول : قال الأخفش : ليس ثم مثل ، وإنما المعنى ضربوا لي مثلا فاستمعوا قولهم ؛ يعني أن الكفار جعلوا لله مثلا بعبادتهم غيره ؛ فكأنه قال جعلوا لي شبيها في عبادتي فاستمعوا خبر هذا الشبه .

الثاني : قول القتبي : وأن المعنى يا أيها الناس ، مثل من عبد آلهة لم تستطع أن تخلق ذبابا وإن سلبها الذباب شيئا لم تستطع أن تستنقذه منه .

وقال النحاس : المعنى ضرب الله - عز وجل - ما يعبد من دونه مثلا ، قال : وهذا من أحسن ما قيل فيه ؛ أي بين الله لكم شبها ولمعبودكم .إن الذين تدعون من دون الله قراءة العامة تدعون بالتاء .

وقرأ السلمي ، وأبو العالية ، ويعقوب ( يدعون ) بالياء على الخبر .

والمراد الأوثان الذين عبدوهم من دون الله ، وكانت حول الكعبة ، وهي ثلاثمائة وستون صنما .

وقيل : السادة الذين صرفوهم عن طاعة الله - عز وجل - .

وقيل : الشياطين الذين حملوهم على معصية الله تعالى ؛ والأول أصوب .

لن يخلقوا ذبابا الذباب اسم واحد للذكر والأنثى ، والجمع القليل أذبة والكثير ذبان ؛ على مثل غراب وأغربة وغربان ؛ وسمي به لكثرة حركته .

الجوهري : والذباب معروف الواحدة ذبابة ، ولا تقل ذبانة .

والمذبة ما يذب به الذباب .

وذباب أسنان الإبل حدها .

وذباب السيف طرفه الذي يضرب به .

وذباب العين إنسانها .

والذبابة البقية من الدين .

وذبب النهار إذا لم يبق منه إلا بقية .

والتذبذب التحرك .

والذبذبة نوس الشيء المعلق في الهواء .

والذبذب الذكر لتردده .

وفي الحديث من وقي شر ذبذبه .

وهذا مما لم يذكره - أعني - قوله : وفي الحديث .

وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه الاستنقاذ والإنقاذ التخليص .

قال ابن عباس : ( كانوا يطلون أصنامهم بالزعفران فتجف فيأتي فيختلسه ) .

وقال السدي : كانوا يجعلون للأصنام طعاما فيقع عليه الذباب فيأكله .

ضعف الطالب والمطلوب قيل : الطالب الآلهة والمطلوب الذباب .

وقيل بالعكس .

وقيل : الطالب عابد الصنم والمطلوب الصنم ؛ فالطالب يطلب إلى هذا الصنم بالتقرب إليه ، والصنم المطلوب إليه .

وقد قيل : وإن يسلبهم الذباب شيئا راجع إلى ألمه في قرص أبدانهم حتى يسلبهم الصبر لها والوقار معها .

وخص الذباب لأربعة أمور تخصه : لمهانته ، وضعفه ، ولاستقذاره ، وكثرته ؛ فإذا كان هذا الذي هو أضعف الحيوان وأحقره لا يقدر من عبدوه من دون الله - عز وجل - على خلق مثله ودفع أذيته فكيف يجوز أن يكونوا آلهة معبودين وأربابا مطاعين .

وهذا من أقوى حجة وأوضح برهان .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذا مثل ضربه الله لقبح عبادة الأوثان، وبيان نقصان عقول من عبدها، وضعف الجميع، فقال: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ } هذا خطاب للمؤمنين والكفار، المؤمنون يزدادون علما وبصيرة، والكافرون تقوم عليهم الحجة، { ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ } أي: ألقوا إليه أسماعكم، وتفهموا ما احتوى عليه، ولا يصادف منكم قلوبا لاهية، وأسماعا معرضة، بل ألقوا إليه القلوب والأسماع، وهو هذا: { إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ } شمل كل ما يدعى من دون الله، { لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا } الذي هو من أحقر المخلوقات وأخسها، فليس في قدرتهم خلق هذا المخلوق الضعيف، فما فوقه من باب أولى، { وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ } بل أبلغ من ذلك لو { يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ } وهذا غاية ما يصير من العجز.{ضَعُفَ الطَّالِبُ} الذي هو المعبود من دون الله {وَالْمَطْلُوبُ} الذي هو الذباب، فكل منهما ضعيف

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( يا أيها الناس ضرب مثل ) معنى ضرب : جعل ، كقولهم : ضرب السلطان البعث على الناس ، وضرب الجزية على أهل الذمة ، أي : جعل ذلك عليهم .

ومعنى الآية : جعل لي شبه ، وشبه بي الأوثان ، أي : جعل المشركون الأصنام شركائي فعبدوها ومعنى ( فاستمعوا له ) أي : فاستمعوا حالها وصفتها .

ثم بين ذلك فقال : ( إن الذين تدعون من دون الله ) يعني : الأصنام ، قرأ يعقوب بالياء والباقون بالتاء ( لن يخلقوا ذبابا ) واحدا في صغره وقلته لأنها لا تقدر عليه .

والذباب : واحد وجمعه القليل : أذبة ، والكثير : ذبان ، مثل غراب وأغربة ، وغربان ، ( ولو اجتمعوا له ) أي : لخلقه ، ( وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ) قال ابن عباس : كانوا يطلون الأصنام بالزعفران ، فإذا جف جاء الذباب فاستلب منه .

وقال السدي : كانوا يضعون الطعام بين يدي الأصنام فتقع الذباب عليه فيأكلن منه .

وقال ابن زيد : كانوا يحلون الأصنام باليواقيت واللآلئ وأنواع الجواهر ، ويطيبونها بألوان الطيب فربما تسقط منها واحدة فيأخذها طائر أو ذباب فلا تقدر الآلهة على استردادها ، فذلك قوله : ( وإن يسلبهم الذباب شيئا ) أي : وإن يسلب الذباب الأصنام شيئا مما عليها لا يقدرون أن يستنقذوه منه ، ( ضعف الطالب والمطلوب ) قال ابن عباس : " الطالب " : الذباب يطلب ما يسلب من الطيب من الصنم ، و " المطلوب " : الصنم يطلب الذباب منه السلب .

وقيل : على العكس : " الطالب " : الصنم و " المطلوب " : الذباب .

وقال الضحاك : " الطالب " : العابد و " المطلوب " : المعبود .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يا أيها الناس» أي أهل مكة «ضُرب مثل فاستمعوا له» وهو «إن الذين تدعون» تعبدون «من دون الله» أي غيره وهم الأصنام «لن يخلقوا ذباباً» اسم جنس، واحده ذبابة يقع على المذكر والمؤنث «ولو اجتمعوا له» لخلقه «وإن يسلبهم الذباب شيئا» مما عليهم من الطيب والزعفران الملطخين به «لا يستنقذوه» لا يستردوه «منه» لعجزهم، فكيف يعبدون شركاء لله تعالى؟

هذا أمر مستغرب عبر عنه بضرب مثل «ضعف الطالب» العابد «والمطلوب» المعبود.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا أيها الناس ضُرِب مثل فاستمعوا له وتدبروه: إن الأصنام والأنداد التي تعبدونها من دون الله لن تقدر مجتمعة على خَلْق ذبابة واحدة، فكيف بخلق ما هو أكبر؟

ولا تقدر أن تستخلص ما يسلبه الذباب منها، فهل بعد ذلك مِن عَجْز؟

فهما ضعيفان معًا: ضَعُفَ الطالب الذي هو المعبود من دون الله أن يستنقذ ما أخذه الذباب منه، وضَعُفَ المطلوب الذي هو الذباب، فكيف تُتَّخذ هذه الأصنام والأنداد آلهة، وهي بهذا الهوان؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم وجه - سبحانه - نداء إلى الناس .

بين فيه أن كل آلهة تعبد من دونه - عز وجل - فهى باطلة وهى أعجز من أن تدافع عن نفسها ، وأن كل عابد لها هو جاهل ظالم .

فقال - تعالى - : ( ياأيها الناس .

.

.

) .المثل : الشبيه والنظير ، ثم أطلق على القول السائر المعروف ، لمماثلة مضربه - وهو الذى يضرب - فيه - بمورده - وهو الذى ورد فيه أولا - ولا يكون إلا لما فيه غرابة .وإنما تضرب الأمثال لإيضاح المعنى الخفى ، وتقريب الشىء المعقول من الشىء المحسوس ، وعرض الغائب فى صورة المشاهد ، فيكون المعنى الذى ضرب له المثل أوقع فى القلوب ، وأثبت فى النفوس .وسمى الله - تعالى - ما ساقه فى هذه الآية الكريمة مثلا ، لأن ما يفعله المشركون من عبادتهم لآلهة عاجزة ، يشبه المثل فى غرابته وفى التعجب من فعله .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : الذى جاء به - سبحانه - ليس بمثل فكيف سماه مثلا؟قلت : قد سميت الصفة أو القصة الرائعة الملتقاة بالاستغراب مثلا ، تشبيها لها ببعض الأمثال المسيرة ، لكونها مستحسنة مستغربة عندهم .والمعنى : يأيها الناس لقد بينا لكم قصة مستغربة وحالا عجيبة .

لما يعبد من دون الله - تعالى - فاستمعوا إليها بتدبر وتعقل .وقوله : ( إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ اجتمعوا لَهُ .

.

) بيان للمثل وتفسير له .والذباب : اسم جنس واحدة ذبابة - وهى حشرة معروفة بطيشها وضعفها وقذارتها .أى : إن المعبودات الباطلة التى تعبدونها أيها المشركون ، لن تستطيع أن تخلق ذبابة واحدة ، حتى لو اشتركت جميعها فى محاولة خلق هذه الذبابة .قال صاحب الكشاف : وهذا من أبلغ ما أنزله الله فى تجهيل قريش ، واستركاك عقولهم .

والشهادة على أن الشيطان قد خزمهم بخزائمه - أى قد ربطهم برباطه ، حيث وصفوا بالإلهية - التى تقتضى الاقتدار على المقدورات كلها - صوروا وتماثيل ، يستحيل منها أن تقدر على أقل ما خلقه وأذله وأصغره وأحقره ، ولو اجتمعوا لذلك وتساندوا .

.

.وقوله - سبحانه - ( وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذباب شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ) بيان لعجز تلك الآلهة الباطلة من أمر آخر سوى الخلق .أى : وفضلا عن عجز تلك الأصنام مجتمعة عن خلق ذبابة ، فإنها إذا اختطف الذباب منها شيئا من الأشياء لا تستطيع استرداده منه لعجزها عن ذلك .قال القرطبى : وخص الذباب لأربعة أمور تخصه : لمهانته وضعفه ، ولاستقذاره وكثرته ، فإذا كان هذا الذى هو أضعف الحيوان وأحقره ، لا يقدر من عبدوه من دون الله - تعالى - على خلق مثله ، ودفع أذيته ، فكيف يجوز أن يكونوا آلهة معبودين ، وأربابا مطاعين ، وهذا من أقوى حجة وأوضح برهان .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يدل على عجز الخاطف والمخطوف منه فقال : ( ضَعُفَ الطالب والمطلوب ) .قال الآلوسى : والطالب : عابد غير الله - تعالى - والمطلوب : الالهة ، وكون عابد ذلك طالب لدعائه إياه ، واعتقاده نفعه ، وضعفه لطلبه النفع من غير جهته ، وكون الآخر مطلوبا ظاهرا كضعفه .وقيل : " الطالب الذباب يطلب ما يسلبه من الآلهة ، والمطلوب : الآلهة على معنى المطلوب منه ما يسلب .

.

" .وعلى آية حال فإن هذا التعليل يدل دلالة واضحة على عجز كل معبود باطل ، وأنه قد تساوى فى عجزه مع أضعف مخلوقات الله وأحقرها .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما قال من قبل ﴿ الله يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ القيامة  ﴾ أتبعه بما به يعلم أنه سبحانه عالم بما يستحقه كل أحد منهم، فيقع الحكم منه بينهم بالعدل لا بالجور فقال لرسوله: ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِي السماء والأرض ﴾ وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ ﴾ هو على لفظ الاستفهام لكن معناه تقوية قلب الرسول صلى الله عليه وسلم والوعد له وإيعاد الكافرين بأن كل فعلهم محفوظ عند الله لا يضل عنه ولا ينسى.

المسألة الثانية: الخطاب مع الرسول صلى الله عليه وسلم والمراد سائر العباد ولأن الرسالة لا تثبت إلا بعد العلم بكونه تعالى عالماً بكل المعلومات إذ لو لم يثبت ذلك لجاز أن يشتبه عليه الكاذب بالصادق، فحينئذ لا يكون إظهار المعجز دليلاً على الصدق، وإذا كان كذلك استحال أن لا يكون الرسول عالماً بذلك.

فثبت أن المراد أن يكون خطاباً مع الغير.

أما قوله: ﴿ إِنَّ ذلك فِي كتاب ﴾ ففيه قولان: أحدهما: وهو قول أبي مسلم أن معنى الكتاب الحفظ والضبط والشد يقال كتبت المزادة أكتبها إذا خرزتها فحفظت بذلك ما فيها، ومعناه ومعنى الكتاب بين الناس حفظ ما يتعاملون به، فالمراد من قوله: ﴿ إِنَّ ذلك فِي كتاب ﴾ أنه محفوظ عنده والتالي وهو قول الجمهور أن كل ما يحدثه الله في السموات والأرض فقد كتبه في اللوح المحفوظ قالوا وهذا أولى، لأن القول الأول وإن كان صحيحاً نظراً إلى الاشتقاق لكن الواجب حمل اللفظ على المتعارف، ومعلوم أن الكتاب هو ما تكتب فيه الأمور فكان حمله عليه أولى.

فإن قيل فقد يوهم ذلك أن علمه مستفاد من الكتاب وأيضاً فأي فائدة في ذلك الكتاب والجواب عن الأول: أن كتبه تلك الأشياء في ذلك الكتاب مع كونها مطابقة للموجودات من أدل الدلائل على أنه سبحانه غني في علمه عن ذلك الكتاب وعن الثاني: أن الملائكة ينظرون فيه ثم يرون الحوادث داخلة في الوجود على وفقه فصار ذلك دليلاً لهم زائداً على كونه سبحانه عالماً بكل المعلومات.

أما قوله: ﴿ إِنَّ ذلك عَلَى الله يَسِيرٌ ﴾ فمعناه أن كتبه جملة الحوادث مع أنها من الغيب مما يتعذر على الخلق لكنها بحيث متى أرادها الله تعالى كانت فعبر عن ذلك بأنه يسير، وإن كان هذا الوصف لا يستعمل إلا فينا من حيث تسهل وتصعب علينا الأمور، وتعالى الله عن ذلك ثم بين سبحانه ما يقدم الكفار عليه مع عظيم نعمه، ووضوح دلائله.

فقال: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سلطانا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ ﴾ فبين أن عبادتهم لغير الله تعالى ليست مأخوذة عن دليل سمعي وهو المراد من قوله: ﴿ مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سلطانا ﴾ ولا عن دليل عقلي وهو المراد من قوله: ﴿ وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ ﴾ وإذا لم يكن كذلك فهو عن تقليد أو جهل أو شبهة، فوجب في كل قول هذا شأنه أن يكون باطلاً، فمن هذا الوجه يدل على أن الكافر قد يكون كافراً، وإن لم يعلم كونه كافراً، ويدل أيضاً على فساد التقليد.

أما قوله: ﴿ وَمَا للظالمين مِن نَّصِيرٍ ﴾ ففيه وجهان: أحدهما: أنهم ليس لهم أحد ينتصر لهم من الله كما قد تتفق النصرة في الدنيا والثاني: ما لهم في كفرهم ناصر بالحجة فإن الحجة ليست إلا للحق، واحتجت المعتزلة بهذه الآية في نفي الشفاعة والكلام عليه معلوم.

أما قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ ءاياتنا بَيّنَاتٍ ﴾ يعني من تقدم ذكره وهذه الآيات هي القرآن، ووصفها بأنها بينات لكونها متضمنة للدلائل العقلية وبيان الأحكام، فبين أنهم مع جهلهم إذا نبهوا على الأدلة وعرضت عليهم المعجزة ظهر في وجوههم المنكر والمراد دلالة الغيظ والغضب، قال صاحب الكشاف المنكر الفظيع من التهجم والفجور والنشوز والإنكار، كالمكرم بمعنى الإكرام وقرئ تعرف على ما لم يسم فاعله، وللمفسرين في المنكر عبارات: أحدها: قال الكلبي تعرف في وجوههم الكراهية للقرآن ثانيها: قال ابن عباس رضي الله عنهما: التجبر والترفع.

وثالثها: قال مقاتل أنكروا أن يكون من الله تعالى.

أما قوله تعالى: ﴿ يكادون يَسْطُونَ ﴾ فقال الخليل والفراء والزجاج: السطو شدة البطش والوثوب، والمعنى يهمون بالبطش والوثوب تعظيماً لإنكار ما خوطبوا، به فحكى تعالى عظيم تمردهم على الأنبياء والمؤمنين ثم أمر رسوله بأن يقابلهم بالوعيد فقال: ﴿ قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرّ مِّن ذلكم النار ﴾ قال صاحب الكشاف قوله: ﴿ مِّن ذلكم ﴾ أي من غيظكم على الناس وسطوكم عليهم أو مما أصابكم من الكراهة والضجر بسبب ما تلى عليكم، فقوله: ﴿ مِّن ذلكم ﴾ فيه وجهان: أحدهما: المراد أن الذي ينالكم من النار التي تكادون تقتحمونها بسوء فعالكم أعظم مما ينالكم عند تلاوة هذه الآيات من الغضب ومن هذا الغم والثاني: أن يكون المراد بشر من ذلكم ما تهمون به فيمن يحاجكم فإن أكبر ما يمكنكم فيه الإهلاك ثم بعده مصيرهم إلى الجنة وأنتم تصيرون إلى النار الدائمة التي لا فرج لكم عنها، وأما ﴿ النار ﴾ فقال صاحب الكشاف قرئ ﴿ النار ﴾ بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف كأن قائلاً يقول ما شر من ذلك؟

فقيل النار أي هو النار.

وبالنصب على الاختصاص وبالجر على البدل من شر.

ثم بين سبحانه أنه وعدها الذين كفروا إذا ماتوا على كفرهم وهو بئس المصير، قال صاحب الكشاف ﴿ وَعَدَهَا الله ﴾ استئناف كلام ويحتمل أن تكون النار مبتدأ ووَعَدَهَا خبراً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

فإن قلت: الذي جاء به ليس بمثل، فكيف سماه مثلاً؟

قلت: قد سميت الصفة أو القصة الرائعة الملتقاة بالاستحسان والاستغراب: مثلاً، تشبيهاً لها ببعض الأمثال المسيرة، لكونها مستحسنة مستغربة عندهم.

قرئ: ﴿ تدعون ﴾ بالتاء والياء ويدعون: مبنياً للمفعول ﴿ لَن ﴾ أخت (لا) في نفي المستقبل، إلا أن (لن) تنفيه نفياً مؤكداً، وتأكيده هاهنا الدلالة على أن خلق الذباب منهم مستحيل مناف لأحوالهم، كأنه قال: محال أن يخلقوا، فإن قلت: ما محل.

﴿ وَلَوِ اجتمعوا لَهُ ﴾ ؟

قلت: النصب على الحال، كأنه قال: مستحيل أن يخلقوا الذباب مشروطاً عليهم اجتماعهم جميعاً لخلقه وتعاونهم عليه، وهذا من أبلغ ما أنزله الله في تجهيل قريش واستركاك عقولهم، والشهادة على أن الشيطان قد خزمهم بخزائمه حيث وصفوا بالإلهية- التي تقتضي الاقتدار على المقدورات كلها، والإحاطة بالمعلومات عن آخرها- صوراً وتماثيل يستحيل منها أن تقدر على أقلّ ما خلقه الله وأذله وأصغره وأحقره، ولو اجتمعوا لذلك وتساندوا.

وأدلّ من ذلك على عجزهم وانتفاء قدرتهم: أن هذا الخلق الأقل الأذل لو اختطف منهم شيئاً فاجتمعوا على أن يستخلصوه منه لم يقدروا.

وقوله: ﴿ ضَعُفَ الطالب والمطلوب ﴾ كالتسوية بينهم وبين الذباب في الضعف.

ولو حققت وجدت الطالب أضعف وأضعف، لأن الذباب حيوان، وهو جماد، وهو غالب وذاك مغلوب.

وعن ابن عباس: أنهم كانوا يطلونها بالزعفران، ورؤوسها بالعسل ويغلقون عليها الأبواب، فيدخل الذباب من الكوي فيأكله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا أيُّها النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ ﴾ بَيَّنَ لَكم حالٌ مُسْتَغْرِبَةٌ أوْ قِصَّةٌ رائِعَةٌ ولِذَلِكَ سَمّاها مَثَلًا، أوْ جُعِلَ لِلَّهِ مَثَلٌ أيْ مَثَلٌ في اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ.

﴿ فاسْتَمِعُوا لَهُ ﴾ لِلْمَثَلِ أوْ لِشَأْنِهِ اسْتِماعَ تَدَبُّرٍ وتَفَكُّرٍ.

﴿ إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي الأصْنامَ، وقَرَأ يَعْقُوبُ بِالياءِ وقُرِئَ بِهِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ والرّاجِعُ إلى المَوْصُولِ مَحْذُوفٌ عَلى الأوَّلَيْنِ.

﴿ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ﴾ لا يَقْدِرُونَ عَلى خَلْقِهِ مَعَ صِغَرِهِ لِأنَّ ( لَنْ ) بِما فِيها مِن تَأْكِيدِ النَّفْيِ دالَّةٌ عَلى مُنافاةِ ما بَيْنَ المَنفِيِّ والمَنفِيِّ عَنْهُ، والذُّبابُ مِنَ الذَّبِّ لِأنَّهُ يُذَبُّ وجَمْعُهُ أذِبَّةٌ وذِبّانٌ.

﴿ وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ﴾ أيْ لِلْخَلْقِ هو بِجَوابِهِ المُقَدَّرِ في مَوْضِعِ حالٍ جِيءَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ، أيْ لا يَقْدِرُونَ عَلى خَلْقِهِ مُجْتَمِعِينَ لَهُ مُتَعاوِنِينَ عَلَيْهِ فَكَيْفَ إذا كانُوا مُنْفَرِدِينَ.

﴿ وَإنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنهُ ﴾ جَهَّلَهم غايَةَ التَّجْهِيلِ بِأنْ أشْرَكُوا إلَهًا قَدَرَ عَلى المَقْدُوراتِ كُلِّها وتَفَرَّدَ بِإيجادِ المَوْجُوداتِ بِأسْرِها- تَماثِيلَ هي أعْجَزُ الأشْياءِ، وبَيَّنَ ذَلِكَ بِأنَّها لا تَقْدِرُ عَلى خَلْقِ أقَلِّ الأحْياءِ وأذَلِّها ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ، بَلْ لا تَقْوى عَلى مُقاوَمَةِ هَذا الأقَلِّ الأذَلِّ وتَعْجَزُ عَنْ ذَبِّهِ عَنْ نَفْسِها واسْتِنْقاذِ ما يَخْتَطِفُهُ مِن عِنْدِها.

قِيلَ كانُوا يَطْلُونَها بِالطِّيبِ والعَسَلِ ويُغْلِقُونَ عَلَيْها الأبْوابَ فَيَدْخُلُ الذُّبابُ مِنَ الكُوى فَيَأْكُلُهُ.

﴿ ضَعُفَ الطّالِبُ والمَطْلُوبُ ﴾ عابِدُ الصَّنَمِ ومَعْبُودُهُ، أوِ الذُّبابُ يَطْلُبُ ما يُسْلَبُ عَنِ الصَّنَمِ مِنَ الطِّيبِ والصَّنَمُ يَطْلُبُ الذُّبابُ مِنهُ السَّلْبَ، أوِ الصَّنَمُ والذُّبابُ كَأنَّهُ يَطْلُبُهُ لِيَسْتَنْقِذَ مِنهُ ما يَسْلُبُهُ ولَوْ حَقَّقْتَ وجَدْتَ الصَّنَمَ أضْعَفَ بِدَرَجاتٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

ولما كانت دعواهم بأن الله تعالى شريكاً جارية في الغرابة والشهرة مجرى الامثال المسيرى قال الله تعالى {يا أيها الناس ضُرِبَ} بين {مَثَلٌ فاستمعوا لَهُ} لضرب هذا المثل {أَنَّ الذين تَدْعُونَ} يَدَّعُونَ سهل ويعقوب {مِن دُونِ الله} آلهة باطلة {لَن يخلقوا ذبابا} لن لتأكيد نفي المستقبل وتأكيده هنا للدلالة على أن خلق الذباب منهم مستحيل كأنه قال محال أن يخلقوا وتخصيص الذباب لمهانته وذعفه واستقداره وسمي ذباباً لأنه كلما ذب

لاستقذاره آب لاستكباره {وَلَوِ اجتمعوا لَهُ} لخلق الذباب ومحله النصب على الحال كأنه قيل مستحيل منهم أن يخلقوا الذباب مشروطاً عليهم اجتماعهم جميعاً لخلقه وتعاونهم عليه وهذا من أبلغ ما أنزل فى تجهيل قريش حيث وصفوا بالإلهية التي تقتضي الاقتدار على المقدورات كلها والإحاطة بالمعلومات عن آخرها صوراً وتماثيل يستحيل منها أن تقدر على أقل ما خلقه الله تعالى واذله

الحج (٧٧ - ٧٣)

ولو اجتمعوا لذلك {وإن يسلبهم الذباب شَيْئاً} ثاني مفعولي يَسْلُبْهُمُ {لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ} أي هذا الخلق الأقل الأذل لو اختطف منهم شيئاً فاجتمعوا على أن يستخلصوه منه لم يقدروا عن ابن عباس رضى الله عنهما انهم كانوا يطلونها بالزعفران ورءوسها بالعسل فإذا سلبه الذباب عجز الأصنام عن أخذه {ضَعُفَ الطالب} أي الصنم بطلب ما سلب منه {والمطلوب} الذباب بما سلب وهذا كالتسوية بينهم وبين الذباب في الضعف ولو حققت وجدت الطالب أضعف وأضعف فإن الذباب حيوان وهو جماد وهو غالب وذاك مغلوب

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يا أيُّها النّاسُ ﴾ لِجَمِيعِ المُكَلَّفِينَ لَكِنَّ الخِطابَ في ( تَدْعُونَ ) لِلْكُفّارِ.

واسْتَظْهَرَ بَعْضُهم كَوْنَ الخِطابِ في المَوْضِعَيْنِ لِلْكُفّارِ والدَّلِيلُ عَلى خُصُوصِ الأوَّلِ الثّانِي، وقِيلَ هو في الأوَّلِ لِلْمُؤْمِنِينَ ناداهم سُبْحانَهُ لِيُبَيِّنَ لَهم خَطَأ الكافِرِينَ وقِيلَ هو في المَوْضِعَيْنِ عامٌّ وأنَّهُ في الثّانِي كَما في قَوْلِكَ: أنْتُمْ يا بَنِي تَمِيمٍ قَتَلْتُمْ فُلانًا وفِيهِ بَحْثٌ.

وقَرَأ الحَسَنُ ويَعْقُوبُ وهارُونُ والخَفّافُ ومَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرٍ و «يَدْعُونَ» بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ كَما في قِراءَةِ الجُمْهُورِ قَرَأ اليَمانِيُّ ومُوسى الأسْوارِيُّ «يُدْعَوْنَ» بِالياءِ مِن تَحْتُ أيْضًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والرّاجِعُ لِلْمَوْصُولِ عَلى القِراءَتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ مَحْذُوفٌ ﴿ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ﴾ أيْ لا يَقْدِرُونَ عَلى خَلْقِهِ مَعَ صِغَرِهِ وحَقارَتِهِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ نَفْيُ القُدْرَةِ السِّياقُ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ﴾ أيْ لِخَلْقِهِ فَإنَّ العُرْفَ قاضٍ بِأنَّهُ لا يُقالُ: لَنْ يَحْمِلَ الزَّيْدُونَ كَذا ولَوِ اجْتَمَعُوا لِحَمْلِهِ إلّا إذا أُرِيدَ نَفْيُ القُدْرَةِ عَلى الحَمْلِ، وقِيلَ جاءَ ذَلِكَ مِنَ النَّفْيِ بِلَنْ فَإنَّها مُفِيدَةٌ لِنَفْيٍ مُؤَكِّدٍ فَتَدُلُّ عَلى مُنافاةٍ بَيْنَ المَنفِيِّ وهو الخَلْقُ والمَنفِيِّ عَنْهُ وهو المَعْبُوداتُ الباطِلَةُ فَتُفِيدُ عَدَمَ قُدْرَتِها عَلَيْهِ، والظّاهِرُ أنْ لا يُسْتَغْنى عَنْ مَعُونَةِ المَقامِ أيْضًا، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ في إفادَةِ لَنِ النَّفْيَ المُؤَكِّدَ خِلافًا فَذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى إفادَتِها ذَلِكَ وأنَّ تَأْكِيدَ النَّفْيِ هُنا لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ خَلْقَ الذُّبابِ مِنهم مُسْتَحِيلٌ وقالَ في أُنْمُوذَجِهِ بِإفادَتِها التَّأْبِيدَ.

وذَهَبَ الجُمْهُورُ وقالَ أبُو حَيّانَ: هو الصَّحِيحُ إلى عَدَمِ إفادَتِها ذَلِكَ وهي عِنْدَهم أُخْتُ لا لِنَفْيِ المُسْتَقْبَلِ عِنْدَ الإطْلاقِ بِدُونِ دَلالَةٍ عَلى تَأْكِيدٍ أوْ تَأْيِيدٍ وأنَّهُ إذا فُهِمَ فَهو مِن خارِجٍ وبِواسِطَةِ القَرائِنِ وقَدْ يُفْهَمُ كَذَلِكَ مَعَ كَوْنِ النَّفْيِ بِلا فَلَوْ قِيلَ هُنا لا يَخْلُقُونَ ذُبابًا ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ لِفُهِمَ ذَلِكَ، ويَقُولُونَ في كُلِّ ما يَسْتَدِلُّ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ لِمَدْعاةِ: إنَّ الإفادَةَ فِيهِ مِن خارِجٍ ولا يُسَلِّمُونَ أنَّها مِنها ولَنْ يَسْتَطِيعَ إثْباتَهُ أبَدًا، والِانْتِصارُ لَهُ بِأنْ سَيَفْعَلُ في قُوَّةٍ مُطْلَقَةٍ عامَّةٍ ولَنْ يَفْعَلَ نَقِيضَهُ فَيَكُونُ في قُوَّةِ الدّائِمَةِ المُطْلَقَةِ ولا يَتَأتّى ذَلِكَ إلّا بِإفادَةِ لَنِ التَّأْيِيدَ لَيْسَ بِشَيْءٍ أصْلًا كَما لا يَخْفى، وكَأنَّ الَّذِي أوْقَعَ الزَّمَخْشَرِيَّ في الغَفْلَةِ فَقالَ ما قالَ اعْتِمادًا عَلى ما لا يَنْتَهِضُ دَلِيلًا شِدَّةُ التَّعَصُّبِ لِمَذْهَبِهِ الباطِلِ واعْتِقادِهِ العاطِلِ نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَحْفَظَنا مِنَ الخِذْلانِ، والذُّبابُ اسْمُ جِنْسٍ ويُجْمَعُ عَلى أذِبَّةٍ وذِبّانٍ بِكَسْرِ الذّالِ فِيهِما وحُكِيَ في البَحْرِ ضَمُّها في ذُبّانٍ أيْضًا، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الذَّبِّ أيِ الطَّرْدِ والدَّفْعِ أوْ مِنَ الذَّبِّ بِمَعْنى الِاخْتِلافِ أيِ الذَّهابِ والعَوْدِ وهو أنْسَبُ بِحالِ الذُّبابِ لِما فِيهِ مِنَ الِاخْتِلافِ حَتّى قِيلَ: إنَّهُ مَنحُوتٌ مِن ذَبَّ آبَ أيْ طُرِدَ فَرَجَعَ، وجَوابُ ( لَوِ ) مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى شَرْطِيَّةٍ أُخْرى مَحْذُوفَةٍ ثِقَةً بِدَلالَةِ هَذِهِ عَلَيْها أيْ لَوْ لَمْ يَجْتَمِعُوا لَهُ ويَتَعاوَنُوا عَلَيْهِ لَنْ يَخْلُقُوهُ ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وتَعاوَنُوا عَلَيْهِ لَنْ يَخْلُقُوا وهُما في مَوْضِعِ الحالِ كَأنَّهُ قِيلَ: لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا عَلى كُلِّ حالٍ.

وقالَ بَعْضُهُمُ: الواوُ لِلْحالِ ﴿ ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ﴾ بِجَوابِهِ حالٌ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّ ( لَوِ ) هُنا لا تَحْتاجُ إلى جَوابٍ لِأنَّها انْسَلَخَتْ عَنْ مَعْنى الشَّرْطِيَّةُ وتَمَحَّضَتْ لِلدَّلالَةِ عَلى الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ، والمَعْنى لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا مَفْرُوضًا اجْتِماعُهم ﴿ وإنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا ﴾ بَيانٌ لِعَجْزِهِ عَنْ أمْرٍ آخَرَ دُونَ الخَلْقِ أيْ وإنْ يَأْخُذِ الذُّبابُ مِنها شَيْئًا لا ﴿ يَسْتَنْقِذُوهُ مِنهُ ﴾ أيْ لا يَقْدِرُوا عَلى اسْتِنْقاذِهِ مِنهُ مَعَ غايَةِ ضَعْفِهِ.

والظّاهِرُ أنَّ اسْتَنْقَذَ بِمَعْنى نَقَذَ، وفي الآيَةِ مِن تَجْهِيلِهِمْ في إشْراكِهِمْ بِاللَّهِ تَعالى القادِرِ عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ المُتَفَرِّدِ بِإيجادِ كافَّةِ المَوْجُوداتِ عَجْزٌ لا تَقْدِرُ عَلى خَلْقِ أقَلِّ الأحْياءِ وأذَلِّها ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ولا عَلى اسْتِنْقاذِ ما يَخْتَطِفُهُ مِنهم ما لا يَخْفى، والآيَةُ وإنْ كانَتْ نازِلَةً في الأصْنامِ فَقَدْ كانُوا كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما يَطْلُونَها بِالزَّعْفَرانِ ورُؤُوسَها بِالعَسَلِ ويُغْلِقُونَ عَلَيْها فَيَدْخُلُ الذُّبابُ مِنَ الكُوى فَيَأْكُلُهُ، وقِيلَ: كانُوا يُضَمِّخُونَها بِأنْواعِ الطِّيبِ فَكانَ الذُّبابُ يَذْهَبُ بِذَلِكَ إلّا أنَّ الحُكْمَ عامٌّ لِسائِرِ المَعْبُوداتِ الباطِلَةِ.

﴿ ضَعُفَ الطّالِبُ والمَطْلُوبُ ﴾ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلُ إخْبارٌ أوْ تَعَجُّبٌ والطّالِبُ عابِدُ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى والمَطْلُوبُ الآلِهَةُ كَما رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ والضَّحّاكِ وكَوْنُ عابِدِ ذَلِكَ طالِبًا لِدُعائِهِ إيّاهُ واعْتِقادِهِ نَفْعَهُ، وضَعْفُهُ لِطَلَبِهِ النَّفْعُ مِن غَيْرِ جِهَتِهِ، وكَوْنُ الآخَرِ مَطْلُوبًا ظاهِرًا كَضَعْفِهِ، وقِيلَ الطّالِبُ الذُّبابُ يَطْلُبُ ما يَسْلُبُهُ عَنِ الآلِهَةِ والمَطْلُوبُ الآلِهَةُ عَلى مَعْنى المَطْلُوبِ مِنهُ ما يَسْلُبُ.

ورَوى ابْنُ مَرْدُوَيْهِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما واخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ الطّالِبَ الأصْنامُ والمَطْلُوبَ الذُّبابُ، وفي هَذا التَّذْيِيلِ حِينَئِذٍ إيهامُ التَّسْوِيَةِ وتَحْقِيقُ أنَّ الطّالِبَ أضْعَفُ لِأنَّهُ قَدَّمَ عَلَيْهِ أنَّ هَذا الخَلْقَ الأقَلَّ هو السّالِبُ وذَلِكَ طالِبٌ خابَ عَنْ طِلْبَتِهِ ولَمّا جَعَلَ السَّلْبَ المَسْلُوبَ لَهم وأجَراهم مَجْرى العُقَلاءِ أثْبَتَ لَهم طَلَبًا ولَمّا بَيَّنَ أنَّهم أضْعَفُ مَن أذَلِّ الحَيَواناتِ نَبَّهَ بِهِ عَلى مَكانِ التَّهَكُّمِ بِذَلِكَ، ومِنَ النّاسِ مَنِ اخْتارَ الأوَّلَ لِأنَّهُ أنْسَبُ بِالسِّياقِ إذْ هو لِتَجْهِيلِهِمْ وتَحْقِيرِ آلِهَتِهِمْ فَناسَبَ إرادَتَهم وآلِهَتَهم مِن هَذا التَّذْيِيلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ، يعني: يعرض عليهم القرآن.

تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ، يعني: الغم والحزن والكراهية.

يَكادُونَ يَسْطُونَ، يعني: هموا لو قدروا يضربون ويبطشون أشد البطش بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا، يعني: يقرءون عليهم القرآن.

وقال القتبي: يَسْطُونَ يعني: يتناولونهم بالمكروه من الضرب والشتم.

ويقال: يَسْطُونَ يعني: يفرضون عليهم، والسطوة العقوبة.

قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النَّارُ، يعني: بأشد وأسوأ من ضربكم وبطشكم ويقال: إنهم كانوا يسخرون من أصحاب النبيّ  ورثاثة حالهم.

قال الله تعالى: قل لهم يا محمد: أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ يعني: مما قلتم للمؤمنين؟

قالوا: ما هي؟

قال: النَّارُ.

وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: للكافرين.

قوله: وَبِئْسَ الْمَصِيرُ الذي صاروا إليه.

قوله عز وجل: يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ يعني: بين ووصف شبه به لآلهتكم، أي أجيبوا عنه.

وقال بعضهم: ليس هاهنا مثل، وإنما أراد به قطع الشغب لأنهم كانوا يقولون: لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ [فصلت: 26] ، فقال: يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ، فاصغوا إليه استماعاً للمثل.

فأوقع في أسماعهم عيب آلهتهم، فقال: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، ويقال: معناه مثلكم مثل من عبد آلهة، لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً، لن يقدروا على خلق الذباب.

ويقال: المثل في الآية لا غير، وهو قوله: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً، أي لن يقدروا أن يخلقوا ذباباً من الذباب في المثل.

وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ، يعني: على تخليقه.

ثم ذكر من أمرها ما هو أضعف من خلق الذباب، فقال: وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً، وذلك أنَّهم كانوا يلطخون العسل على فم الأصنام، فيجيء الذباب فيسلب منها ما لطخوا عليها.

لاَّ يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ، أي لا يقدرون أن يستنقذوا من الذباب ما أخذ منهم.

ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ، يعني: الذباب والصنم، ويقال: ضعف العابد والمعبود.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الأشهر الحُرْم فأبى المؤمنون من قتالهم، وأبى المشركون إلاَّ القتال، فلمَّا اقتتلوا، جَدَّ المؤمنون ونصرهم الله تعالى فنزلت الآية فيهم «١» ، وجَعَلَ تقصيرَ الليلِ وزيادَة النهار وعكسهما إيلاجاً تجوُّزاً وتشبيها، وباقي الآية بيّن.

وقوله سبحانه: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاء فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ قوله:

فَتُصْبِحُ عبارة عن استعجالها إثر نزول الماء وروي عن عكرمة أنه قال: هذا لا يكون إلّا ب «مكّة» «٢» و «تهامة» .

[قال ع «٣» : ومعنى هذا أنه أخذ قوله: فَتُصْبِحُ مقصوداً به صباحُ ليلة المطر، وذهب إلى أَنَّ ذلك الاخضرار في سائر البلاد يتأخر] «٤» .

قال ع «٥» : وقد شاهدتُ هذا في السُّوسِ الأقصى، نزل المطرُ ليلاً بعد قَحْطٍ، وأصبحت تلك الأرض الرملة التي تسفيها الرياح قد اخضَرَّت بنبات ضعيف دقيق.

قلت: وقد شاهدتُ أنا ذلك بصحراء سواكن بالمشرق، وهي في حكمُ مكةَ إلاَّ أَنَّ البحر قد حال بينهما وذلك أَنَّ التعدية من جده إلى «سواكنَ» مقدار يومين في البحر أو أقلَّ بالريح المعتدلة، وكان ذلك في أَوَّلِ الخريف، وأجرى الله العادة أَنَّ أَمطارَ تلك البلاد تكونُ بالخريف فقط، هذا هو الغالب، ولَمَّا شاهدتُ ذلك تذكرتُ هذه الآية/ الكريمة، ٢٨ أفسبحان الله ما أعظم قدرته!

واللطيف: المُحَكَّمُ للأمور برفق.

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٦٥) وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ (٦٦) لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ (٦٧)

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَعْبُدُونَ ﴾ يَعْنِي: كُفّارَ مَكَّةَ، ﴿ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا ﴾ ؛ أيْ: حُجَّةً.

﴿ وَما لَيْسَ لَهم بِهِ عِلْمٌ ﴾ أنَّهُ إلَهٌ، ﴿ وَما لِلظّالِمِينَ ﴾ يَعْنِي: المُشْرِكِينَ، ﴿ مِن نَصِيرٍ ﴾ ؛ أيْ: مانِعٍ مِنَ العَذابِ.

﴿ وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا ﴾ يَعْنِي: القُرْآنَ، والمُنْكَرُ هاهُنا بِمَعْنى الإنْكارِ، فالمَعْنى: أثَرُ الإنْكارِ مِنَ الكَراهَةِ وتَعْبِيسِ الوُجُوهِ مَعْرُوفٌ عِنْدَهم.

﴿ يَكادُونَ يَسْطُونَ ﴾ ؛ أيْ: يَبْطِشُونَ ويُوقِعُونَ بِمَن يَتْلُو عَلَيْهِمُ القُرْآنَ مِن شِدَّةِ الغَيْظِ، يُقالُ: سَطا عَلَيْهِ، وسَطا بِهِ: إذا تَناوَلَهُ بِالعُنْفِ والشِّدَّةِ.

﴿ قُلْ ﴾ لَهم يا مُحَمَّدُ: ﴿ أفَأُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكُمُ ﴾ ؛ أيْ: بِأشَدَّ عَلَيْكم وأكْرَهَ إلَيْكم مِن سَماعِ القُرْآنِ، ثُمَّ ذَكَرَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿ النّارُ ﴾ ؛ أيْ: هو النّارُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما في السَماءِ والأرْضِ إنَّ ذَلِكَ في كِتابٍ إنَّ ذَلِكَ عَلى اللهَ يَسِيرٌ ﴾ ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وما لَيْسَ لَهم بِهِ عِلْمٌ وما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ ﴾ ﴿ وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ في وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا المُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتُنا قُلْ أفَأُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكُمُ النارُ وعَدَها اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وبِئْسَ المَصِيرُ ﴾ لَمّا أخْبَرَ اللهُ -تَعالى- في الآيَةِ قَبْلَها أنَّهُ يَحْكم بَيْنَ الناسِ يَوْمَ القِيامَةِ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ؛ أتْبَعَ ذَلِكَ الخَبَرَ بِأنَّ عِنْدَهُ عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ لِيَقَعَ الحُكْمُ في مَعْلُومٍ، فَخَرَجَتِ العِبارَةُ عَلى طَرِيقِ التَشْبِيهِ عَلى عِلْمِ اللهِ -تَعالى- وإحاطَتِهِ، وأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ في كِتابٍ وهو اللَوْحُ المَحْفُوظُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ ذَلِكَ عَلى اللهِ يَسِيرٌ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى كَوْنِ ذَلِكَ فِي كِتابٍ وكَوْنِهِ مَعْلُومًا، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى الحُكْمِ في الِاخْتِلافِ.

ثُمْ ذَكَرَ تَعالى -عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ- فِعْلَ الكَفَرَةِ في أنَّهم يَعْبُدُونَ مِنَ الأصْنامِ مِن دُونِ اللهِ ما لَمْ يُنَزِلِ اللهُ فِيهِ حُجَّةً ولا بُرْهانًا، و"السُلْطانُ": الحُجَّةُ حَيْثُ وقَعَ في القُرْآنِ الكَرِيمِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ ﴾ تَوَعُّدٌ.

والضَمِيرُ في "عَلَيْهِمْ" عائِدٌ عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ، والمَعْنى أنَّهم كانُوا إذا سَمِعُوا القُرْآنَ مِنَ النَبِيِّ -  - أو مِن أحَدِ أصْحابِهِ، وسَمِعُوا ما فِيهِ مِن رَفَضِ آلِهَتِهِمْ والدُعاءِ إلى التَوْحِيدِ، عُرِفَتِ المَساءَةُ في وُجُوهِهِمْ، و"المُنْكَرُ" مِن مُعْتَقَدِهِمْ وعَداوَتِهِمْ وأنَّهم يُدَبِّرُونَ ويُسْرِعُونَ إلى السَطْوَةِ بِالتالِي، والمَعْنى أنَّهم يَكادُونَ يَسْطُونَ دَهْرَهم أجْمَعَ، وأمّا في الشاذِّ مِنَ الأوقاتِ فَقَدْ يُسْطى بِالتالِّينَ نَحْوَ ما فُعِلَ بِعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ وبِالنَبِيِّ -  - حِينَ أغاثَهُ وحَلَّ الأمْرَ أبُو بَكْرٍ الصَدِيقُ -رَضِيَ اللهُ عنهُ- وبِعُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عنهُ- حِينَ أجارَهُ العاصِي بْنُ وائِلٍ، وأبِي ذَرٍّ -رَضِيَ اللهُ عنهُ- وغَيْرَ ذَلِكَ.و"السَطْوُ" إيقاعٌ بِمُباطَشَةٍ أو أمْرٍ بِها.

ثُمْ أمَرَ اللهُ -تَعالى- نَبِيَّهُ -  - أنْ يَقُولَ لَهم عَلى جِهَةِ التَوَعُّدِ والتَقْرِيعِ: أأُنَبِّئُكُمْ، أيْ: أُخْبِرُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكُمْ، والإشارَةُ بِ "ذَلِكُمْ" إلى السَطْوِ، ثُمُ ابْتَدَأ يُنْبِئُ، كَأنَّ قائِلًا قالَ لَهُ: وما هُوَ؟

قالَ النارُ، أيْ: نارُ جَهَنَّمَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَدَها اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أرادَ أنَّ اللهَ وعَدَهم بِالنارِ، فَيَكُونَ الوَعْدُ بِالشَرِّ ونَحْوِ ذَلِكَ لِما نَصَّ عَلَيْهِ، ولِمْ يَجِئْ مُطْلَقًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أرادَ أنَّ اللهَ تَعالى وعَدَ النارَ بِأنْ يُطْعِمَها الكُفّارَ، فَيَكُونَ الوَعْدُ عَلى بابِهِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ تَسَرُّعُها إلى الكُفّارِ وقَوْلُها: ﴿ هَلْ مِن مَزِيدٍ  ﴾ [ق: ٣٠] ونَحْوِ ذَلِكَ مِن مَساوِئِها، و"المَصِيرُ" مَفْعِلٌ مَن "صارَ" عَلى تَحَوُّلٍ مِن حالٍ إلى حالٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: ويَقْتَضِي كَلامُ الطَبَرِيِّ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الإشارَةَ بـِ "ذَلِكُمْ" هي إلى أصْحابِ مُحَمَّدٍ -  - التالِينَ، ثُمْ قالَ: ألا أُخْبِرُكم بِأكْرِهِ إلَيْكم مِن هَؤُلاءِ أنْتُمُ الَّذِينَ وُعُدِّتُمُ النارَ، وأُسْنِدَ نَحْوُ هَذا القَوْلِ إلى قائِلٍ لَمْ يُسَمِّهِ، وهَذا كُلُّهُ ضَعِيفٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

أعقبت تضاعيف الحجج والمواعظ والإنذارات التي اشتملت عليها السورة مما فيه مقنع للعلم بأن إله الناس واحد وأن ما يُعبد من دونه باطل، أعقبت تلك كلها بمثَل جامع لوصف حال تلك المعبودات وعابديها.

والخطاب ب ﴿ يا أيها الناس ﴾ للمشركين لأنهم المقصود بالردّ والزجر وبقرينة قوله: ﴿ إن الذين تدعون ﴾ على قراءة الجمهور ﴿ تدعون ﴾ بتاء الخطاب.

فالمراد ب ﴿ الناس ﴾ هنا المشركون على ما هو المصطلح الغالب في القرآن.

ويجوز أن يكون المراد ب ﴿ الناس ﴾ جميعَ الناس من مسلمين ومشركين.

وفي افتتاح السورة ب ﴿ يا أيها الناس ﴾ وتنهيتها بمثل ذلك شبه بردّ العجز على الصدر.

ومما يزيده حسناً أن يكون العجز جامعاً لما في الصدر وما بَعده، حتى يكون كالنتيجة للاستدلال والخلاصةِ للخطبة والحَوصلة للدرس.

وضرب المثل: ذِكرهُ وبيانُه؛ استعير الضرب للقول والذكر تشبيهاً بوضع الشيء بشدّة، أي ألقي إليكم مثَل.

وتقدم بيانه عند قوله تعالى: ﴿ أن يضرب مثلاً ما ﴾ في [سورة البقرة: 26].

وبني فعل ﴿ ضُرب ﴾ بصيغة النائب فلم يذكر له فاعل بعكس ما في المواضع الأخرى التي صُرّح فيها بفاعل ضَرْب المثل نحو قوله تعالى: ﴿ إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما ﴾ في [سورة البقرة: 26] و ﴿ ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً ﴾ في [سورة النحل: 75] و ﴿ ضرب الله مثلاً رجلاً ﴾ في [سورة الزمر: 29] و ﴿ ضرب الله مثلاً رجلين ﴾ في [سورة النحل: 76].

إذ أسند في تلك المواضع وغيرها ضَرب المثل إلى الله، ونحو قوله: ﴿ فلا تضربوا لله الأمثال ﴾ في [سورة النحل: 74].

و ﴿ ضرب لنا مثلاً ونسي خلقه ﴾ في [سورة يس: 78]، إذ أسند الضرب إلى المشركين، لأنّ المقصود هنا نسج التركيب على إيجاز صالح لإفادة احتمالين: أحدهما: أن يقدّر الفاعل الله تعالى وأن يكون المثَل تشبيهاً تمثيلياً، أي أوضح الله تمثيلاً يوضح حال الأصنام في فرط العجز عن إيجاد أضعف المخلوقات كما هو مشاهد لكلّ أحد.

والثاني: أن يقدّر الفاعل المشركين ويكون المثَل بمعنى المُماثل، أي جعلوا أصنامهم مُماثلة لله تعالى في الإلهية.

وصيغة الماضي في قوله ﴿ ضُرب ﴾ مستعملة في تقريب زَمن الماضي من الحال على الاحتمال الأول، نحو قوله تعالى: ﴿ لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً ﴾ [النساء: 9]، أي لو شارفوا أن يَتركوا، أي بعد الموت.

وجملة ﴿ إن الذين تدعون من دون الله ﴾ إلى آخرها يجوز أن تكون بياناً لفعل ﴿ ضُرب ﴾ على الاحتمال الأول في التقدير، أي بين تمثيل عجيب.

ويجوز أن تكون بياناً للفظ ﴿ مثَل ﴾ لما فيها من قوله: ﴿ تدعون من دون الله ﴾ على الاحتمال الثاني.

وفرع على ذلك المعنى من الإيجاز قوله: ﴿ فاستمعوا له ﴾ لاسترعاء الأسماع إلى مُفاد هذا المثَل مما يبطل دعوى الشركة لله في الإلهية، أي استمعوا استماع تَدبّر.

فصيغة الأمر في ﴿ استمعوا له ﴾ مستعملة في التحريض على الاحتمال الأول، وفي التعجيب على الاحتمال الثاني.

وضمير ﴿ له ﴾ عائد على المثَل على الاحتمال الأول لأنّ المثل على ذلك الوجه من قبيل الألفاظ المسموعة، وعائدٌ على الضّرب المأخوذ من فعل ﴿ ضُرب ﴾ على الاحتمال الثاني على طريقة ﴿ اعدلوا هو أقرب للتقوى ﴾ [المائدة: 8]، أي استمعوا للضرب، أي لما يدلّ على الضرب من الألفاظ، فيقدر مُضاف بقرينة ﴿ استمعوا ﴾ لأن المسموع لا يكون إلاّ ألفاظاً، أي استمعوا لما يدلّ على ضرب المثل المتعجّب منه في حماقة ضاربيه.

واستعملت صيغة الماضي في ﴿ ضُرب ﴾ مع أنه لمَّا يُقَلْ لتقريب زمن الماضي من الحال كقوله: ﴿ لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً ﴾ [النساء: 9]، أي لو قاربوا أن يتركوا، وذلك تنبيه للسامعين بأن يتهيأوا لتلقي هذا المثل، لما هو معروف لدى البلغاء من استشرافهم للأمثال ومواقعها.

والمَثل: شاع في تشبيه حالة بحالة، كما تقدّم في قوله ﴿ مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً ﴾ في [سورة البقرة: 17]، فالتشبيه في هذه الآية ضمني خفيّ ينبئ عنه قوله: ﴿ ولو اجتمعوا له ﴾ وقوله ﴿ لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ﴾ .

فشُبهت الأصنام المتعددة المتفرقة في قبائل العرب وفي مكّة بالخصوص بعظماء، أي عند عابديها.

وشبهت هيئتها في العجز بهيئة ناس تعذّر عليهم خلق أضعف المخلوقات، وهو الذباب، بلْهَ المخلوقات العظيمة كالسماوات والأرض.

وقد دلّ إسناد نفي الخلق إليهم على تشبيههم بذوي الإرادة لأنّ نفي الخلق يقتضي محاولة إيجاده، وذلك كقوله تعالى: ﴿ أموات غير أحياء ﴾ كما تقدم في [سورة النحل: 21].

ولو فرض أن الذباب سلبهم شيئاً لم يستطيعوا أخذه منه، ودليل ذلك مشاهدة عدم تحركهم، فكما عجزت عن إيجاد أضعف الخلق وعن دفع أضعف المخلوقات عنها فكيف تُوسم بالإلهية، ورمز إلى الهيئة المشبه بها بذكر لوازم أركان التشبيه من قوله ﴿ لن يخلقوا ﴾ وقوله ﴿ وإن يسلبهم الذباب شيئاً ﴾ إلى آخره، لا جرم حصل تشبيه هيئة الأصنام في عجزها بما دون هيئة أضعف المخلوقات فكانت تمثيلية مكنية.

وفسر صاحب «الكشاف» المثل هنا بالصفة الغريبة تشبيهاً لما ببعض الأمثال السائرة.

وهو تفسير بما لا نظير له ولا استعمال يعضده اقتصاداً منه في الغوص عن المعنى لا ضُعفاً عن استخراج حقيقة المثل فيها وهو جُذَيعُها المحكّك وعُذيقها المرجب ولكن أحسبه صادف منه وقت سرعة في التفسير أو شغلاً بأمر خطير، وكم ترك الأول للأخير.

وفرع على التهيئة لتلقي هذا المثل الأمر بالاستماع له وإلقاء الشراشر لوعيه وترقب بيان إجماله توخيّاً للتفطّن لما يتلى بعد.

وجملة ﴿ إن الذين تدعون ﴾ الخ بيان ل ﴿ مثل ﴾ على كلا الاحتمالين السابقين في معنى ﴿ ضرِب مَثل ﴾ ، فإن المثَل في معنى القول فصحّ بيانه بهذا الكلام.

وأكد إثبات الخبر بحرف توكيد الإثبات وهو (إن)، وأكد ما فيه من النفي بحرف توكيد النفي (لَن) لتنزيل المخاطبين منزلة المنكرين لمضمون الخبر، لأنّ جعلهم الأصنام آلهة يقتضي إثباتهم الخلق إليها وقد نفي عنها الخلق في المستقبل لأنه أظهر في إقحام الذين ادعوا لها الإلهية لأنّ نفي أن تخلق في المستقبل يقتضي نفي ذلك في الماضي بالأحرى لأن الذي يفعل شيئاً يكون فعله من بعد أيسر عليه.

وقرأ الجمهور ﴿ تَدْعُون ﴾ بتاء الخطاب على أن المراد بالنّاس في قوله: ﴿ يا أيها الناس ﴾ خصوصَ المشركين.

وقرأه يعقوب بياء الغيبة على أن يقصد ب ﴿ يا أيها الناس ﴾ جميع الناس وأنّهم عُلِموا بحال فريق منهم وهم أهل الشرك.

والتقدير: إن الذين يدعون هم فريق منكم.

والذّباب: اسم جمععِ ذبابة، وهي حشرة طائرة معروفة، وتجمع على ذِبّان بكسر الذال وتشديد النون ولا يُقال في العربية للواحدة ذِبّانة.

وذكر الذّباب لأنه من أحقر المخلوقات التي فيها الحياة المشاهدة.

وأما ما في الحديث في المصورين قال الله تعالى: «فليخلقوا حبة وليخلقوا ذرة» فهو في سياق التعجيز لأنّ الحبّة لا حياة فيها والذرة فيها حياة ضعيفة.

وموقع ﴿ لو اجتمعوا له ﴾ موقع الحال، والواو واو الحال، و(لو) فيه وصلية.

وقد تقدّم بيان حقيقتها عند قوله: ﴿ فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً ولو افتدى به ﴾ في [سورة آل عمران: 91].

أي لن يستطيعوا ذلك الخلق وهم مفترقون، بل ولو اجتمعوا من مفترق القبائل وتعاونوا على خلق الذباب لن يخلقوه.

والاستنقاذ: مبالغة في الإنقاذ مثل الاستحياء والاستجابة.

وجملة ﴿ ضعف الطالب والمطلوب ﴾ تذييل وفذلكة للغرض من التمثيل، أي ضعف الداعي والمدعو، إشارة إلى قوله: ﴿ إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ﴾ الخ، أي ضعفتم أنتم في دعوتهم آلهة وضعفت الأصنام عن صفات الإله.

وهذه الجملة كلام أرسل مثلاً، وذلك من بلاغة الكلام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَنسَكًا هم ناسِكُوهُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ العِيدُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

الثّانِي: أنَّها المَواضِعُ المُعْتادَةُ لِمَناسِكِ الحَجِّ والعُمْرَةِ، قالَهُ الفَرّاءُ.

الثّالِثُ: المَذْبَحُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الرّابِعُ: المَنسَكُ المُتَعَبَّدُ والنُّسُكُ العِبادَةُ ومِنهُ سُمِّيَ العابِدُ ناسِكًا، قالَهُ الحَسَنُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ يكادون يسطون ﴾ قال: يبطشون.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ يكادون يسطون ﴾ قال: يبطشون.

كفار قريش، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ﴾ قال أبو إسحاق: لما عبدوا من دون الله ما لا يسمع ولا يبصر وما لم ينزل به حجة، أعلمهم الله الجواب فيما جعلوه له مثلاً، فقال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ﴾ يعني الأصنام (١) قال ابن عباس، والكلبي، ومقاتل (٢) ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ﴾ وهو يعني كفار مكة ﴿ ضُرِبَ مَثَلٌ ﴾ يعني ذكر شبه الصنم ﴿ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ﴾ .

ثم أخبر عنه فقال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ يعني: تعبدون من دون الله من الأصنام، وكانت ثلاثمائة وستين صنمًا حول الكعبة ﴿ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا ﴾ لن يستطيعوا أن يخلقوا ذبابًا في صغره وقلته.

وقال الأخفش في هذه الآية: إن قيل فأين (٣) ﴿ ضُرِبَ مَثَلٌ ﴾ ؟

قلت: ليس هاهنا مثل؛ لأن المعنى أن الله تعالى قال: ضرب لي مثل، أي: شبه بي الأوثان، ثم قال: فاستمعوا لهذا المثل الذي جعلوه مثلي في قولهم، إنهم لن يقدروا على خلق ذباب ولو اجتمعوا له، أي: فكيف تُضرب هذه الآلهة في ضعفها وعجزها مثلاً لله وهو رب كل شيء ليس له شبه ولا مثل (٤) وتأويل الآية: جعل المشركون الأصنام شركائي فعبدوها معي، فاستمعوا حالها وصفتها، ثم بين ذلك فقال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ .

الآية.

والذُّبَاب اسم واحد للذكر والأنثى، وجمعه القليل: أذِبَّة، والكثير: ذِبَّان مثل غُراب وأغْرِبَة وغِرْبان (٥) قال الزجاجي (٦) (٧) وأصل (ذب ب) (٨) (٩) (١٠) (١١) قوله: ﴿ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ﴾ أي: إن سلبهم الذباب شيئًا مما عليهم لا يقدرون أن يستردوا وينزعوا ذلك من الذباب.

ومعنى الاستنقاذ والإنقاذ: التخليص (١٢) ﴿ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا  ﴾ .

قال ابن عباس: كانوا يطلون أصنامهم الزعفران فيجف، ويأتي الذباب فيختلسه (١٣) ﴿ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا ﴾ يريد من العطر ﴿ لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ﴾ يريد الذباب.

وقال السدي عن أصحابه: كانوا يجعلون للأصنام طعامًا فيقع عليه الذباب فيأكل، فلا يستطيع أن يستنقذه منه (١٤) وقال مقاتل: أي فكيف (١٥) (١٦) وقال أبو إسحاق: أعلم الله أن الذين عُبدوا من دونه لا يقدرون على خلق واحد قليل ضعيف من خلقه ولا على استنقاذ تافه حقير منه (١٧) قوله: ﴿ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ﴾ قال ابن عباس: ﴿ الطَّالِبُ ﴾ : الصنم، ﴿ وَالْمَطْلُوبُ ﴾ : الذباب.

هذا قوله في رواية عطاء (١٨) وهو قول الكلبي، وابن زيد (١٩) (٢٠) ﴿ الطَّالِبُ ﴾ هو (٢١) ﴿ وَالْمَطْلُوبُ ﴾ هو الذباب.

وعلى هذا معنى الآية: ضعف ﴿ الطَّالِبُ ﴾ الذي هو الصنم فلم يطلب ما سلب منه، وضعف المطلوب منه وهو الذباب السالب.

وهذا القول اختيار الفراء، فقال: ﴿ الطَّالِبُ ﴾ : الآلهة، ﴿ وَالْمَطْلُوبُ ﴾ الذباب، وفيه معنى المثل (٢٢) وروى عن ابن عباس: ﴿ الطَّالِبُ ﴾ : الذباب، ﴿ وَالْمَطْلُوبُ ﴾ : الصنم (٢٣) وقال الضحاك: يعني العابد والمعبود (٢٤) (٢٥) (٢٦) (١) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 438.

(٢) "تفسير مقاتل" 2/ 28 ب.

(٣) في (ظ)، (د)، (ع): (أين).

(٤) "معاني القرآن" للأخفش 2/ 637 مع تصرف.

وقول الأخفش هذا محل نظر، فإن == الظاهر المتبادر أن في الآية مثلا، والضارب للمثل هو الله -عز وجل- ضرب مثلا لما يعبد من دونه.

انظر "البحر المحيط" لأبي حيان 6/ 390، والألوسي 17/ 200.

وانظر: شرح الإمام ابن القيم لهذا المثل في كتابه "إعلام الموقعين" 1/ 181 فقد بين -رحمه الله- أنه حقيق على كل عبد أن يستمع قلبه لهذا المثل، ويتدبره حق تدبره، فإنه يقطع مواد الشرك من قبله، ثم شرع في بيان المثل.

(٥) هذا كلام الطبري 17/ 203 والثعلبي 3/ 56 ب لكن ليس عندهما للذكر والأنثى.

وانظر: "تهذيب اللغة" للأزهري 451/ 14 (ذب)، "الصحاح" للجوهري 1/ 126 (ذبب)، "لسان العرب" 1/ 382 (ذبب).

(٦) في (أ): (الزجاج)، والأظهر ما في باقي النسخ لأن هذا الكلام ليس موجودًا في كتاب "معاني القرآن".

والزجاجي هو: عبد الرحمن بن إسحاق، أبو القاسم الزجاجي، أحد أئمة العربية.

لزم أبا إسحاق الزجاج -وإليه ينسب- حتى برع في النحو، وأخذ عن أبي بكر بن السراج وعلي بن سليمان الأخفش وغيرهما.

صنف "الجمل في النحو" الكتاب المشهور -وبه يعرف- وغيره من المصنفات.

توفي سنة 339 هـ وقيل 340 هـ.

"طبقات النحويين واللغويين" ص 129، "نزهة الألباء" ص 306، "إنباه الرواة" 2/ 160، "سير أعلام النبلاء" 15/ 475، "بغية الوعاة" 2/ 77.

(٧) لم أجده.

(٨) في (أ): (ذب).

(٩) في (أ): (موضع)، وهو ساقط من (ظ).

(١٠) (في): ساقطة من (أ).

(١١) انظر (ذبب) في: "تهذيب اللغة" للأزهري 14/ 414، "الصحاح" للجوهري 1/ 126 - 127، "مقاييس اللغة" لابن فارس 2/ 348 - 349 (ذب)، "لسان العرب" 1/ 384 (ذبب).

(١٢) انظر (نقذ) في "تهذيب اللغة" للأزهري 9/ 74، "الصحاح" للجوهري 2/ 572، "لسان العرب" 3/ 516.

(١٣) ذكره عنه البغوي 5/ 400، وابن الجوزي 5/ 452، والقرطبي 12/ 97.

(١٤) رواه ابن أبي حاتم عنه كما في "الدر المنثور" 6/ 75.

وذكره عنه البغوي 5/ 400، وابن الجوزي 5/ 452، والقرطبي 12/ 97.

(١٥) في (أ): (كيف).

(١٦) "تفسيرمقاتل" 2/ 28 ب.

(١٧) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 438.

(١٨) ذكره ابن الجوزي 5/ 452 عن عطاء، عن ابن عباس.

ورواه الطبري 17/ 203 هذا القول عن ابن عباس من طريق ابن جريج قال: قال ابن عباس.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 75 وعزاه لابن جرير وابن المنذر.

(١٩) ذكره عنه الثعلبي 3/ 56 ب.

(٢٠) "تفسير مقاتل" 2/ 28 ب.

(٢١) (هو): ساقطة من (ظ).

(٢٢) "معاني القرآن" للفراء 2/ 230.

(٢٣) ذكره عنه الثعلبي 3/ 56 ب.

(٢٤) ذكره عنه الثعلبي 3/ 56 أ.

(٢٥) (إليه): ساقطة من (ظ).

(٢٦) رواه ابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" 6/ 75.

قال الإمام ابن القيم في "إعلام الموقعين" 1/ 182 - بعد ذكره للأقوال المتقدمة في معنى الطالب والمطلوب-: والصحيح أن اللفظ يتناول الجميع فضعف العابد والمعبود والمُستلِب والمُستلَب.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِن جَادَلُوكَ ﴾ الآية: تقتضي موادعة منسوخة بالقتال ﴿ إِنَّ ذلك فِي كِتَابٍ ﴾ يعني اللوح المحفوظ، والإشارة بذلك إلى معلومات الله ﴿ إِنَّ ذلك عَلَى الله يَسِيرٌ ﴾ يحتمل أن تكون الإشارة بذلك إلى كتب المعلومات في الكتاب، أو إلى الحكم في الاختلاف والأول أظهر ﴿ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً ﴾ يعني الأصنام؛ والسلطان هنا: الحجة والبرهان، وما ليس لهم به علم: قيل: إنه يعني ما ليس لهم به علم ضروري، فنفى أولاً البرهان النظري، ثم العلم الضروري، وليس اللفظ بظاهر في هذا المعنى، بل الأحسن نفي العلم الضروري والنظري معاً ﴿ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الذين كَفَرُواْ المنكر ﴾ أي الإنكار لما يسمعون فالمنكر مصدر: كالمكرم بمعنى الإكرام ويعرف ذلك في وجوههم بعبوسها وإعراضها ﴿ يَسْطُونَ ﴾ من السطوة وهي سرعة البطش ﴿ النار وَعَدَهَا الله ﴾ يحتمل أن تكون ﴿ النار ﴾ مبتدأ، و ﴿ وَعَدَهَا الله ﴾ خبراً أو يكون النار خبر ابتداء مضمر كأنّ قائلاً قال: ما هو، فقيل: هو النار، ويكون وعدها الله استئنافاً وهذا أظهر ﴿ ضُرِبَ مَثَلٌ ﴾ أي ضربه الله لإقامة الحجة على المشركين ﴿ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً ﴾ تنبيه بالأصغر على الأكبر من باب أولى وأحرى: والمعنى أن الأصنام التي تعبدونها لا تقدر على خلق الذباب ولا غيره، فكيف تُعبد من دون الله الذي خلق كل شيء، ثم أوضح عجزهم بقوله: ﴿ وَلَوِ اجتمعوا لَهُ ﴾ أي لو تعاونوا على خلق الذباب لم يقدروا عليه ﴿ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذباب شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ﴾ بيان أيضاً لعجز الأصنام بحيث لو اختطف الذباب منهم شيئاً لم يقدروا على استنقاذه منه على حال ضعفه، وقد قيل: إن المراد بما يسلب الذباب منهم الطيب الذي كانت تجعله العرب على الأصنام واللفظ أعم من ذلك ﴿ ضَعُفَ الطالب والمطلوب ﴾ المراد بالطالب الأصنام وبالمطلوب الذباب، لأن الأصنام تطلب من الذباب ما سلبته منها.

وقيل: الطالب الكفار والمطلوب الأصنام.

لأن الكفار يطلبون الخير منهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراآت: ﴿ نكيري ﴾ بإثبات الياء حيث كان في الحالين: يعقوب.

وافق ورش وسهل وعباس في الوصل.

﴿ أهلكتها ﴾ على التوحيد: أبو عمرو وسهل ويعقوب الآخرون ﴿ أهلكناها ﴾ ﴿ وبير ﴾ بالياء: أبو عمرو غير شجاع وأوقية ويزيد والأعمش وورش وربيعة وابن فليح وحمزة في الوقف.

﴿ يعدون ﴾ على الغيبة: ابن كثير وحمزة وعلي وخلف ﴿ معجزين ﴾ بالتشديد: حيث كان: ابن كثير وأبو عمرو.

ثم ﴿ قتلوا ﴾ بالتشديد ابن عامر ﴿ وأن ما يدعون ﴾ بياء الغيبة وكذلك في سورة لقمان: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف وحفص.

الوقوف: ﴿ وثمود ﴾ ه ﴿ ولوط ﴾ ه ﴿ مدين ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد المعنى ﴿ أخذتهم ﴾ ج لابتداء التهديد مع فاء التعقيب ﴿ نكير ﴾ ه ﴿ مشيد ﴾ ه ﴿ يسمعون بها ﴾ ه للابتداء بأن مع الفاء ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ وعده ﴾ ط ﴿ تعدون ﴾ ه ﴿ أخذتها ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ج للابتداء مع الفاء ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ أمنيته ﴾ ج لانقطاع النظم مع إتحاد المعنى ﴿ آياته ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه لا لتعلق اللام ﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ بعيد ﴾ ه لا ﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ عقيم ﴾ ه ﴿ لله ﴾ ط ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ النعيم ﴾ ه ﴿ مهين ﴾ ه ﴿ حسناً ﴾ ط ﴿ الرازقين ﴾ ه ﴿ يرضونه ﴾ ط ﴿ حليم ﴾ ه ﴿ ذلك ﴾ ج ﴿ لينصرنه الله ﴾ ط ﴿ غفور ﴾ ه ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ الكبير ﴾ ه ﴿ ماء ﴾ ز لنوع عدول مع العطف ﴿ مخضرة ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ الحميد ﴾ ه.

التفسير: إنه  بعد ضمان النصر لنبيه  والدفع عن أمته ذكر ما فيه تسليته وهو أنه ليس بأوحدي في التكذيب له والقصص معلومة مما سلف.

قال جار لله.

إنما لم يقل "وقوم موسى" لأن موسى كذبه غير بني إسرائيل وهم القبط، أو المراد وكذب موسى أيضاً مع وضوح آياته وعظم معجزاته فما ظنك بغيره؟

والنكير بمعنى الإنكار عبر به عن الهلاك المعجل لأنه يستلزمه أو لأن الهلاك رادع لغيرهم فكأنه أنكر به عليهم حتى ارتدعوا، أو هو بمعنى التغيير لأنه أبدلهم بالنعمة محنة وبالحياة هلاكاً وبالعمارة خراباً.

قوله ﴿ وهي ظالمة فهي خاوية ﴾ الأولى في محل النصب على أنها حال، والثانية لا محل لها لأنها معطوفة على ﴿ أهلكناها ﴾ وهذه ليس لها محل.

قال أبو مسلم: اراد هي كانت ظالمة فهي الآن خاوية على عروشها وقد مر تفسيرها في البقرة في قوله ﴿ أو كالذي مر على قرية وهي خاوية  ﴾ قوله ﴿ وبئر معطلة ﴾ عطف على ﴿ قرية ﴾ أي وكم بئر عطلناها عن سقائها مع أنها عامرة فيها الماء ومعها آلات الاستقاء، وكم قصر مشيد مجصص أو مرتفع أخليناه عن ساكنيه؟

فحذف هذه الجملة لدلالة معطلة عليها.

وقد يغلب على لاظن من هاتين القرينتين أن "على" في قوله ﴿ على عروشها ﴾ بمعنى "مع" كأنه قيل: هي خاوية أي ساقطة أو خالية مع بقاء عروشها قاله في الكشاف.

وأقول: إذا كانت القرى المهلكة غير البئر والقصر فهذا الظن مرجوح أو مساوٍ لا غالب.

يروى أنها بئر نزل عليها صالح مع اربعة آلاف نفر ممن آمن به ونجاهم وسميت بلدة عند البئر اسمها حاضوراء بناها قوم صالح واقاموا بها زماناً ثم كفروا وعبدوا صنماً وأرسل الله إليهم حنظلة بن صفوان نبياً فقتلوه فأهلكهم الله وعطل بئرهم وخرب قصورهم.

يحكى أن الإمام أبا القاسم الأنصاري قال: هذا عجيب لأني زرت قبر صالح بالشام ببلدة يقال لها عكة فكيف قيل: إنه بحضرموت؟

قلت: لا غرو أن يتفق الموت بأرض والدفن بأرض أخرى.

ثم أنكر على أهل مكة عدم اعتبارهم بهذه الاثار قائلاً ﴿ أفلم يسيروا ﴾ حثهم على السفر ليروا مصارع تلك الأمم فيعتبروا.

ويحتمل أن يكونوا قد سافروا ولم يعتبروا فلهذا جاء الإنكار كقوله ﴿ وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون  ﴾ والمراد بالسماع سماع تدبر وانتفاع وإلا كان كلا سماع كما أن المراد بالإبصار إبصار الاعتبار ولهذا قال ﴿ فإنها ﴾ أي إن القصة ﴿ لا تعمى الأبصار ﴾ أي أبصارهم ﴿ ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ﴾ وفي هذا التصوير زيادة التمكين والتقرير لغرابة نسبة العمى إلى القلب، وجوز في الكشاف أن يكون الضمير في ﴿ فإنها ﴾ ضميراً مبهماً يفسره الأبصار وفاعل ﴿ تعمى ﴾ ضمير عائد إلى الضمير الأول المبهم.

والمعنى على الوجهين أن أبصارهم صحيحة سالمة لا عمى بها وإنما العمى بقلوبهم، أو لا تعتدوا بعمى الأبصار وإن فرض لأنه ليس بعمى بالإضافة إلى عمى القلوب.

وزعم بعضهم أن في الآية إبطالاً لقول من جعل محل الكفر الدماغ وليس بقوي فقد يتشاركان في ذلك، أو يكون سلطانه في القلب والدماغ كالآلة.

ثم حكى من عظيم ما هم عليه من التكذيب أنهم يستهزؤن باستعجال العذاب العاجل والآجل كأنهم جوزوا الفوت فلهذا قال ﴿ ولن يخلف الله وعده ﴾ أو لعلهم طلبوا عذاب الآخرة فذكر أن استعجاله في الدنيا كالخلف لأن موعده الآخرة ﴿ وإن يوماً عند ربك كألف سنة ﴾ قال أبو مسلم: أراد أن العاقل لا ينبغي أن يستعجل عذاب الآخرة لأن يوماً واحداً من أيام عذاب الله في الشدة كألف سنة من سنينكم لأن أيام الشدائد مستطالة، أو كالف سنة من سني العذاب إذا عدها العاد وذلك لشدة العذاب ايضاً.

وقيل: أراد أن اليوم الواحد وألف سنة بالنسبة إليه على السواء لأنه القادر الذي لا يعجزه شيء، فإذا لم يستبعدوا إمهال يوم فلا يستبعدوا أيضاً إمهال ألف سنة.

وقد يدور في الخلد أن هذا إشارة إلى لا تناهي طرف الأبد المستتبع لازدياد امتداد الآحاد الاعتبارية لأجل سهولة الضبط، والغرض أن من كانت أيامه في الطول إلى هذا الحد لا يفيد الاستعجال بالنسبة إليه شيئاً فالأولى بل الواجب تفويض الأمور إلى أوقاتها المقدرة لها من غير تقدم ولا تأخر ثم كرر قوله ﴿ وكأين من قرية ﴾ وليس بتكرار في الحقيقة لأن الأول سيق لبيان الإهلاك مناسباً لقوله ﴿ فكيف كان نكير ﴾ ولهذا عطف بالفاء بدلاً عتن ذلك، والثاني سيق لبيان الإملاء مناسباً لقوله ﴿ ولن يخلف الله وعده وإن يوماً عند ربك كألف سنة ﴾ فكأنه قيل: وكم من أهل قرية كانوا مثلكم ظالمين قد أنظرتهم حيناً ثم أخذتهم بالعذاب والمرجع للكل إلى حكمي.

ثم أمر رسوله بأن يتلو عليهم جملة حاله في الرسالة وهي أنه نذير مبين وجملة حالهم في باب التكليف مآلا، وإنما اقتصر على النذارة لأنها تتضمن البشارة فإن كلام الحيكم لا يخلو عن ترغيب وإن كان مبنياً على الترهيب بدليل ﴿ يا ايها الناس ﴾ وهو نداء الكفرة في قول ابن عباس.

قال في الكشاف: هم الذين قيل فيهم ﴿ أفلم يسيروا ﴾ ووصفوا بالاستعجال، وإنما أقحم المؤمنون وثوابهم ليغاظوا.

قالت الأشاعرة: المغفرة إما للصغائر أو للكبائر بعد التوبة أو قبلها.

والأولان واجبان عند الخصم وأداء الواجب لا يسمى غفراناً فبقي الثالث ويلزم منه عفو صاحب الكبيرة من أهل القبلة، أما الرزق فلا شك أنه الثواب، وأما الكريم فإما أن يكون أمراً سلبياً وهو أن يكون الإنسان معه بحيث يستغنى عن المكاسب وتحمل المتاعب والذل والدناءة وما ينجر إلى المآثم والمظالم، وإما أن يكون ثبوتياً وهو أن يكون رزقاً كثيراً دائماً خالصاً عن شوائب الضرر مقروناً بالتعظيم والإجلال ﴿ والذين سعوا في آياتنا ﴾ أي بذلوا جهدهم في تكذيبها وإرادة إبطالها كمن يسعى سعياً أي يمشي سريعاً.

قال أهل اللغة: عاجزه سابقه لأن كل واحد منهما في طلب إعجاز الآخر عن اللحاق به، فإذا سبقه قيل أعجزه وعجزه.

والمراد معاجزين الله ورسوله أي مقدرين ذلك ظنا منهم أن كيدهم للإسلام يتم لهم، وأن طعنهم في القرآن وتثبيطهم الناس عن التصديق يبلغ بهم غرضهم.

ثم بين أن له أسوة بالأنبياء السالفة والرسل السابقة في كل ما يأتي ويذر فقال ﴿ وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ﴾ خصص أولاً ثم عمم، فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولاً، فقد لا يكون معه كتاب بل يؤمر بأن يدعو إلى شريعة من قبله، وقد لا ينزل عليه الملك ظاهراً وإنما يرى الوحي في المنام أو يخبره بذلك رسول في عصره، ولا بد للكل من المعجزة.

"عن النبي  أنه سئل عن الأنبياء فقال: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً قيل: فكم الرسل منهم؟

قال: ثلثمائة وثلاثة عشر جماً غفيراً" .

قال عامة المفسرين في سبب نزول الآية: أنه  لما شق عليه إعراض قومه عنه تمنى في نفسه أن لا ينزل عليه شيء ينفرهم عنه لحرصه على إيمانهم.

وكان ذات يوم جالساً في نادٍ من أنديتهم وقد نزل عليه سورة { ﴿ والنجم إذا هوى  ﴾ فأخذ يقرؤها عليهم حتى بلغ قوله ﴿ أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى  ﴾ وكان ذلك التمني في نفسه فجرى على لسانه "تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى" فلما سمعت قريش ذلك فرحوا ومضى رسول الله  في قراءته حتى ختم السورة، فلما سجد في آخرها سجد معه جميع من في النادي من المسلمين والمشركين، فتفرقت قريش مسرورين وقالوا: قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر فأتاه جبرائيل وقال: ما صنعت تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله، فحزن رسول الله  وخاف خوفاً شديداً فأنزل الله  هذه الآية.

واعترض المحققون على هذه الرواية بالقرآن والسنة وبالمعقول.

أما القرآن فكقوله ﴿ ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين  ﴾ وقوله ﴿ وما ينطق عن الهوى  ﴾ وقوله { ﴿ ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن  ﴾ نفى القرب من الركون فكيف به؟

وأما السنة فهي ما روي عن ابن خزيمة أنه سئل عن هذه القصة فقال: هذا وضع من الزنادقة، وقد صنف فيه كتاباً وقال الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي.

هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل، ثم أخذ يتكلم أن رواة هذه القصة مطعون فيهم.

وقد روى البخاري في صحيحه أنه  قرأ سورة النجم وسجد فيها المسلمون والمشركون الإنس والجن وليس فيه حديث الغرانيق.

وأما المعقول فهو أن النبي  بعث لنفي الأوثان فكيف يثبتها؟

وأيضاً إنه بمكة لم يتمكن من القراءة والصلاة عند الكعبة ولا سيما في محفل غاص.

وايضاً إن معاداتهم إياه كانت أكثر من أن يغتروا بهذا القدر فيخروا سجداً قبل أن يقفوا على حقيقة الأمر.

وأيضاً منع الشيطان من اصله أولى من تمكنه من الإلقاء ثم نسخه.

وايضاً لوجوزنا ذلك لارتفع الأمان من الشرع، ولناقض قوله ﴿ بلغ ما أنزل إليك  ﴾ وحال الزيادة في الوحي كحال النقصان منه.

إذا عرفت هذا فللأئمة في تأويل الآية قولان: الأول أن التمني بمعنى القراءة كما سلف في البقرة في قوله ﴿ ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني  ﴾ وما المراد بهذه القراءة فيه وجهان: أحدهما أنه يجوز أن يسهو النبي فيه ويشتبه على القارئ دون ما رووه من قوله "تلك الغرانيق العلى".

وثانيهما أنه قراءة هذه الكلمة وإنها قد وقعت بعينها.

وكيف وقعت؟

ذهبت جماعة إلى أنه لما قرأ سورة والنجم اشتبه على الكفار فتوهموا بعض ألفاظه ذلك، وزيف بأن هذا التوهم من الجم الغفير بعيد.

وقيل: إن شيطان الجن ألقاها في البين فظنها الحاضرون من قول الرسول.

وضعف بأن هذا يفضي إلى ارتفاع الوثوق عن كل ما يتكلم به النبي.

قلت: الإنصاف أنه غير ضعيف ولا يفضي إلى ارتفاع الوثوق لقوله  ﴿ فينسخ الله ما يلقي الشيطان ﴾ وقيل: إن المتكلم به شيطان الإنس وهم الكفرة كانوا يقربون منه في حال صلاته ويسمعون قراءته ويلقون فيها في إثناء وقفاته.

وقيل: إن المتكلم به الرسول قاله سهواً كما روي عن قتادة ومقاتل أنه  كان يصلي عند المقام فنعس وجرى على لسانه هاتان الكلمتان، ولا ريب أنه يكون بإلقاء الشيطان.

وضعف باستلزامه زوال الأمان عن الشرع وقد عرفت جوابه، وبأن مثل هذا الكلام المطابق لفواصل السورة يستبعد وقوعها في النعاس.

وزعم قوم أن الشيطان أجبره على ذلك ورد بنحو قوله  ﴿ إِنه ليس له سلطان على الذين آمنوا  ﴾ وذهب جماعة إلى أنه قال ذلك اختياراً.

ثم إنها باطلة أم لا فيه وجهان: أما اول ففيه طريقان: أحدهما قول ابن عباس في رواية أن "شيطاناً" يقال له الأبيض أتاه على صورة جبريل وألقاها إليه فقرأها فلما سمع المشركون ذلك أعجبهم فجاء جبريل واستعرضه فقرأها، فلما بلغ إلى تلك الكلمة أنكر عليه جبريل فقال: إنه أتاني آتٍ على صورتك فألقاها على لساني.

وثانيهما أنه لشدة حرصه على إيمان القوم أدخل هذه الكلمة من تلقاء نفسه ثم رجع عنها.

والطريقان منحرفان عند المحققين، لأن الأول يقتضي أن النبي لا يفرق بين الملك والمعصوم والشيطان الخبيث.

والثاني أنه يؤدي إلى كونه خائناً في الوحي.

وأما الوجه الثاني فتصحيحه أنه اراد بالغرانيق الملائكة، وقد كان قرآناً منزلاً في وصف الملائكة فلما توهم المشركون أنه يريد آلهتهم نسخ الله تلاوته.

أو هو في تقدير الاستفهام بمعنى الإنكار، أو المراد بالإِثبات ههنا النفي كقوله ﴿ يبين الله لكم أن تضلوا  ﴾ قال الجوهري: الغرنيق بضم الغين وفتح النون من طير الماء طويل العنق، وإذا وصف به الرجال فواحدهم غرنيق وغرنوق بكسر الغين وفتح النون، وغرنوق وغرانق بالضم وهو الشاب السيد والجمع غرانق بالفتح والغرانيق.

القول الثاني أن التمني هو تمني القلب ومعنى الآية ما من نبي إلا وهو بحيث إذا تمنى أمراً من الأمور وسوس الشيطان إليه بالباطل ويدعوه إلى مالا ينبغي، ثم إن الله  ينسخ ذلك ويبطله ويهديه إلى ما هو الحق.

وما تلك الوسوسة؟

قيل: هي أن يتمنى ما يتقرب به إلى المشركين من ذكر آلهتهم بالخير وقد مر فساده.

وقال مجاهد: إنه كان يتمنى إنزال الوحي بسرعة دون تأخير فعرفه الله تعالى أن ذلك خاطر غير رحماني، وإنما المصلحة هي إنزال الوحي على وفق الحوادث.

وقيل: كان يتفكر في تأويل المجمل فيلقي الشيطان إلى جملته ما هو غير مراد، وكان رد الله  إلى المعنى المراد بإنزال المحكمات.

وقيل: معناه إذا أراد فعلاً يتقرب به إلى الله حال الشيطان بينه وبين مقصوده والله  يثبته على ذلك نظيره ﴿ إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون  ﴾ ﴿ وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله  ﴾ واعترض على هذا القول بأن تمني القلب كيف يكون فتنة للذين في قلوبهم مرض وهم المنافقون، وللقاسية قلوبهم وهم المشركون؟

وأجيب بأنه إذا قوي التمني اشتغل الخاطر به فحصل السهو في الأفعال الظاهرة بسبه فيصير ذلك فتنة لمن ضعفت عقيدته في النبي.

والحاصل أن الرسل لا ينفكون عن السهو وإن كانوا معصومين عن العمد فعليهم أن لا يتبعوا إلا ما يقطعون به لصدوره عن علم وذلك هو المحكم.

وذهب أبو مسلم إلى أن حاصل الآية هو أن كل نبي من جنس البشر الذين هم بصدد الخطأ والنسيان من قبل وساوس الشيطان.

ووجه النظم بين هذه الآية والتي قبلها أنه أمر بأن يقول إني لكم نذير لكني من البشر لا من الملائكة ولم يرسل الله قبلي ملكاً بل أرسل رجالا يوسوس الشيطان إليهم، وعلى هذا فالملائكة لعدم إمكان استيلاء الشيطان عليهم أعظم درجة من الأنبياء وأقوى حالاً منهم.

وقال صاحب الكشاف: المعنى أن الرسل والأنبياء من قبلك كانت هجيراهم كذلك إذا تمنوا مثل ما تمنيت وهو أن لا ينزل ما ينفر أمتة ولا يوافق هواهم، مكن الله الشيطان ليلقي في أمانيهم مثل ما ألقي في أمنيتك حتى سبق لسانك.

فقلت "تلك الغرانيق" الخ.

وسبب التمكين إرادة امتحان من حولهم والله  له أن يمتحن عباده بما شاء من صنوف المحن وأنواع الفتن ليضاعف ثواب الثابتين ويزيد في عقاب المذبذبين.

فهذه جملة أقوال المفسرين في الآية.

وأما قوله ﴿ فينسخ الله ﴾ فالمراد إزالة تأثير ما يلقي الشيطان وهو النسخ اللغوي لا النسخ الشرعي المستعمل في الأحكام وقوله ﴿ ثم يحكم الله آياته ﴾ فالمراد بالآيات هي آيات القرآن أي يجعلها بحيث لا يختلط بها شيء من كلام غيره فتكون ثابتة في مظانها، أو يجعلها بحيث لا يتطرق إليها تأويل فاسد معمول به عند الأمة.

ويحتمل أن يكون المراد بأحكام الآيات الإرشاد إلى أدلة الأحكام الشرعية.

وقوله ﴿ وإن الظالمين ﴾ أراد المنافقين والمشركين المذكورين إلا أنه وضع الظاهر موضع الضمير قضاء عليهم بالظلم والشقاق البعيد والمعاداة الكاملة.

وأعلم أنه  ذكر لتمكين الشيطان من الإلقاء في الأمنية أثرين: أحدهما في حق غير أهل الإيمان وهم أهل النفاق والشرك وذلك قوله ﴿ وليجعل ﴾ الآية.

وثانيهما في حق المؤمنين العارفين بالله وصفاته وهو قوله ﴿ وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق ﴾ قال مقاتل: يعني القرآن.

وعن الكلبي: أي النسخ.

قال جار الله: أي تمكين الشيطان من الإلقاء قلت: أما عند الأشاعرة فلأن المالك له أن يتصرف في ملكه كيف يشاء، وأما عند المعتزلة فلأن أفعاله جارية على وفق الحكمة والتدبير.

﴿ فتخبت ﴾ تخضع وتطمئن ﴿ له قلوبهم ﴾ بناء على أصلي الفريقين.

والصراط المستقيم ههنا فسروه بالتأويلات الصحيحة والبيانات المطابقة للأصول.

قلت: وتفسيره بمعنى أعم من ذلك غير ضائر.

ثم بين أن الأعصار إلى قيام الساعة لا تخلو ممن يكون في شك من القرآن والرسول واليوم العقيم.

قيل: يوم بدر لأنه لا مثل له في عظم أمره لقتال الملائكة فيه، أو لأنه لا خير فيه للكفار من قولهم "ريح عقيم" إذا لم تنشئ مطراً ولم تلقح شجراً، أو لأن يوم الحرب يقال له "العقيم" من حيث أن أولاد النساء يقتلون فيه فيصرون كأنهن عقم لم يلدن، أو من حيث إن المقاتلين يقال لهم "أبناء الحرب" فإذا قتلوا بقي الحرب بلا أبناء.

وعن الضحاك أنه يوم القيامة لأنهم لا يرون فيه خيراً، أو لأن كل ذات حمل تضع فيه حملها، أو لأنه لا ليل فيه فيستمر كاستمرار المرأة على عدم الولادة.

ولا تكرار على هذا القول لأن المراد بالساعة مقدماته، أو المراد حتى تأتيهم الساعة بغتة أو يأتيهم عذابها، فوضع يوم عقيم مقام الضمير.

واستحسن بعض الأئمة قول الضحاك ورجحه لأن الأول يلزم منه أن الكفار ينتهي شكهم في يوم بدر وليس كذلك فإنهم في مرية بعد يوم بدر أيضاً.

ويمكن أن يقال: "أو" للعطف على أول الآية فيكون المراد بالذين كفروا في الأول الجنس، وفي الثاني العهد.

سلمنا أنه للعطف على ﴿ تأتيهم ﴾ إلا أن اللام في ﴿ الذين كفروا ﴾ للجنس فيقع على الذين ما انتهى شكهم إلى يوم القيامة ويحتمل أن يراد بالساعة وقت موت كل واحد وبعذاب يوم عقيم القيامة.

ثم بين أنه لا مالك يوم تأتي الساعة إلا الله وأنه يحكم بين الناس فيميز بين أهل الجنة وأهل النار.

ثم أفرد المهاجرين بالذكر تخصيصاً لهم بمزيد التشريف.

يروى أن طوائف من أصحاب رسول الله  قالوا: يا نبي الله، هؤلاء الذين قتلوا قد علمنا ما أعطاهم الله من الخير ونحن نجاهد معك كما جاهدوا فما لنا إن متنا معك؟

فأنزل الله عز وجل ﴿ والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ﴾ قال بعض المفسرين هم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة.

وقال بعضهم: هم الذين خرجوا من الأوطان في سرية أو عسكر.

ولا يبعد حمل الآية على الفريقين.

والرزق الحسن نعيم الجنة.

وعن الكلبي: هو الغنيمة لأنها حلال.

وقال الأصم: العلم والفهم كقول شعيب ﴿ ورزقني منه رزقاً حسناً  ﴾ وضعف الوجهان بأنهما ممتنعان بعد القتل أو الموت.

قال العلماء: وإنما تظهر هذه الفضيلة للمهاجرين في مزيد الدرجات وإلا فلا بد من شرط اجتناب الكبائر كما في حق غيرهم.

﴿ وإن الله لهو خير الرازقين ﴾ لأن رزق غيره ينتهي إليه وغيره لا يقدر على مثل رزقه، ولأن رزقه لا يختلط بالمن والأذى ولا بغرض من الأغراض الفاسدة، ولأنه يرزق ويعطي ما به يتم الانتفاع بالرزق من القوى والحواس وغير ذلك من الشرائط الوجودية والعدمية.

قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن غير الله يقدر على الفعل وهو الرزق.

ويمكن أن يجاب بأنه مجاز أو على سبيل الفرض والتقدير.

وليس في الآية دليل ظاهر على أن المهاجر المقتول والمهاجر الميت على فراشه هل يستويان في الأجر أم لا بل المعلوم منها هو الجمع بينهما في الوعد.

وقد يستدل على التسوية بما روي عن أنس أن رسول الله  قال "المقتول في سبيل الله والمتوفي في سبيل الله بغير قتل هما في الأجر شريكان" فإن لفظ الشركة مشعر بالتسوية.

وحين بين رزقهم شرع في ذكر مسكنهم.

قيل: في المدخل الذي يرضونه خيمة من درة بيضاء لا فصم فيها ولا وصم، لها سبعون ألف صراع.

وقال أبو القاسم القشيري: هو أن يدخلهم الجنة من غير مكروه تقدم.

وقال ابن عباس: يرون في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فيرضونه ولا يبغون عنها حولاً ﴿ وإن الله لعليم ﴾ بدرجات العاملين ومراتب استحقاقهم ﴿ حليم ﴾ عن تفريط المفرط منهم فيمهله حتى يتوب فيدخل الجنة.

ثم بين أنه مع إكرامه لهم في الآخرة لا يدع نصرهم في الدنيا قبل أن يقتلوا أو يموتوا فقال ﴿ ذلك ﴾ قال الزجاج: أي الأمر ما قصصنا عليكم من إنجاز الوعد للمهاجرين خاصةً إذا قتلوا أو ماتوا.

عن مقاتل: أن قوماً من المشركين لقوا قوماً من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرم فقالوا: إن أصحاب محمد يكرهون القتال في الشهر الحرام فاحملوا عليهم، فناشدهم المسلمون أن يكفوا عن قتالهم لحرمة الشهر فأبوا وقاتلوهم فذلك بغيهم عليهم وثبت لهم المسلمون فنصروا، فوقع في أنفس المسلمين شيء من القتال في الشهر الحرام فنزل ﴿ ومن عاقب ﴾ أي قاتل ﴿ بمثل ما عوقب به ﴾ أي كما ابتدئ بقتاله سمى الابتداء باسم الجزاء للطباق وللمبلابسة من حيث إن ذلك سبب وهذا مسبب عنه ﴿ ثم بغي عليه ﴾ أي ثم كان المجازي مبغياً عليه أي مظلوماً.

ومعنى "ثم" تفاوت الرتبة لأن كونه مبدوأ بالقتال معه نوع ظلم كما قيل "البادي أظلم" وهو موجب لتنصرته ظاهراً إلا أن كونه في نفس الأمر مظلوماً هو السبب الأصلي في النصرة.

وعن الضحاك أن الآية مدنية وهي في القصاص والجراحات.

واستدل الشافعي بها في وجوب رعاية المماثلة في القصاص فقال: من حرق حرقناه ومن غرق غرقناه.

وفي ختم الآية بذكر العفو والمغفرة وجوه منها: أن المندوب للمجني عليه هو أن يعفو عن الجاني كقوله ﴿ فمن عفا وأصلح فأجره على الله  ﴾ وكأنه قال: أنا ضامن لنصرته إن ترك الانتقام وطلب إكثار ما هو أولى به فإِني عفوّ غفور.

ومنها أنه ضمن النصر على الباغي ولوح بذكر هاتين الصفتين بما هو أولى بالمجني عليه وهو العفو والصفح.

ومنها أن دل بذكرهما على أنه قادر على العقوبة لأن العفو عند المقدرة.

ثم بين أن ذلك النصر بسبب أنه قادر ومن كمال قدرته إيلاج الليل في النهار والنهار في الليل، وذلك أن زيادة أحدهما تستلزم نقصان الآخر، أو أراد تحصيل أحد العرضين الظلام والضياء في مكان الآخر وقد مر في أوائل آل عمران.

وفيه أن خالق الليل والنهار ومصرف الأدوار والأكوار لا يخفى عليه شيء من الزمانيات خيراً أو شراً إنصافاً أو بغياً وأكد هذا المعنى بقوله ﴿ إن الله سميع بصير ﴾ يسمع أقوال الخلائق ويبصر أفعالهم.

ثم بين أن كمال القدرة والعلم هو يقتضي وجوب الوجود فقال ﴿ ذلك ﴾ أي الوصف بخلق الملوين وبالإحاطة بما يجري فيهما بسبب أن الحقية منحصرة في ذاته وأن وجود غيره ولا سيما الأوثان موسوم بالبطلان فلا نقص كالإمكان.

ويعلم مما ذكر أنه لا شيء أعلى منه شاناً وأكبر سلطاناً.

وإنما قال ههنا ﴿ من دونه هو الباطل ﴾ بزيادة هو وفي "لقمان" ﴿ من دونه الباطل  ﴾ لأن هذا وقع بين عشر آيات كل آية مؤكدة مرة أو مرتين ولهذا أيضاً زيدت اللام في قوله ﴿ وإن الله لهو الغني الحميد ﴾ بخلاف ما في "لقمان" وأيضاً يمكن أن يقال: تقدم في هذه السورة ذكر الشيطان فلهذا ذكرت هذه المؤكدات بخلاف "لقمان" فإنه لم يتقدم ذكر الشيطان هناك بنحو ما ذكر ههنا.

ثم ذكر أنواعاً أخر من دلائل قدرته ونعمته فقال ﴿ الم تر ﴾ قيل: هي رؤية البصر لأن نزول الماء من جهة السماء أو اخضرار النبات من المبصرات.

وقيل: بمعنى العلم لأن الرؤية إذا لم يقترن بها العلم لم يعتد بها.

وفي قوله ﴿ فتصبح ﴾ دون أن يقول فأصبحت مناسباً لـ ﴿ أنزل ﴾ إشارة إلى بقاء أثر المطر زماناً طويلاً وإن كان ابتداء الإصباح عقيب النزول نظيره قول القائل: "أنعم فلان عليّ عام كذا فأروح وأغدو شاكراً له".

ولو قال: "فرحت وغدوت" لم يقع ذلك الموقع.

وإنما لم ينصب ﴿ فتصبح ﴾ جواباً للاستفهام لإيهام عكس ما هو المقصود لأنه يوهم نفي الاخضرار كما لو قلت لصاحبك: الم تراني أنعمت عليك فتشكر.

إن نصبته أو همت أنك نافٍ لشكره شاكٍ تفريطه فيه، وإن رفعته فأنت مثبت لشكره بطريق الاستمرار ولا يبعد أن تكون هذه الآية إشارة إلى دليل الإعادة كما في أول السورة وهذا قول أبي مسلم: ﴿ إن الله لطيف خبير ﴾ قال الكلبي: لطيف في أفعاله خبير بأعمال خلقه، وقال مقاتل: لطيف باستخراج النبت خبير بكيفية خلقه.

وقال ابن عباس: لطيف بأرزاق عباده خبير بما في قلوبهم من القنوط وقد مر مثل هذه في أواسط "الأنعام".

ثم بين أن كل ما في السموات والأرض ملكه وملكه لاي متنع شيء منها من تصرفاته، وهو غني عن كل ذلك وإنما خلقها لحاجة المكلفين إليها ومن جملتها المطر والنبات خلقها رحمة للحيوانات وإنعاماً عليها.

وإذا كان إنعامه خالياً عن غرض عائد إليه كان مستحقاً للحمد بل هو حميد في ذاته وإن لم يحمده الحامدون.

التأويل: ﴿ وكأين من قرية ﴾ قالب ﴿ أهلكناها ﴾ بضيق الصدر وسوء الخلق واستيلاء الغفلة.

﴿ وبئر معطلة ﴾ هي القلب الفارغ عن أعمال القوى الروحانية في طلب المعارف والحقائق ﴿ وقصر مشيد ﴾ وهو الرأس الخالي عن نتائج الفكر الصافي والحواس السليمة ﴿ أفلم يسيروا ﴾ في أرض البشرية عابرين على منازل السالكين إلى أن يصلوا إلى مقام القلب ﴿ فتكون لهم قلوب يعقلون بها ﴾ الرحمن بذاته ﴿ أو آذان ﴾ قلوب ﴿ يسمعون بها ﴾ أقواله أو أبصار بصائر يبصرون بها أفعاله.

وإذا صح وصف القلب بالسمع والبصر صح وصفه بسائر وجوه الإدراكات، فقد يدرك نسيم الإقبال بمشام السر كقوله "إني لأجد نفس الرحمن من جانب اليمن" وكقول يعقوب ﴿ إني لأجد ريح يوسف  ﴾ ﴿ ولن يخلف الله وعده ﴾ ليس خلفه في وعيد المؤمنين بخلف في الحقيقة لأنه تصديق قوله "سبقت رحمتي غضبي" ﴿ وإن يوماً عند ربك كألف سنة ﴾ قيل: لأنه موجد الزمان وليس عنده صباح ولا مساء فوجود الزمان وعدمه وكثرته وقلته سواء عنده والاستعجال وضده إنما يتصور في المتزمنات قلت: ففيه أن الكل بإرادته وإن ما أراد الله فأسبابه متهيئة يحصل في يوم بإرادته مالا يحصل في ألف سنة بحسب فرضنا وتقديرنا ومن هنا قيل: جذبة من جذبات الرحمن توازي عمل الثقلين ﴿ أمليت لها ﴾ فيه انه  يمهل ولنه لا يهمل ﴿ لهم مغفرة ﴾ أي ستر فمنهم من يستر زلته، ومنهم من يستر عليه أعماله الصالحة صيانة له عن الملاحظة، ومنهم من يستر عليه حاله لئلا يصيبه من الشهوة فتنة كما قيل: لا تنكرن جحدي هواك فإنما *** ذاك الجحود عليك ستر مسبل ومنهم من يستره بين أوليائه في باب العزة كما قال "أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري" ومنهم من يستر أنانيته بهويته فيقول أنا الحق وسبحاني.

والرزق الكريم هو الخالي عن شوائب الحدوث لأنه من القديم الكريم ﴿ إلا إذا تمنى ﴾ فيه أن النبي  بل الولي لا يليق به التمني بل ما على الرسول إلا البلاغ ولا على الولي إلا الرضا والتسليم، فلو بقي في أحدهم أدنى ملاحظة لغير الله كالحرص على إيمان القوم فوق ما أمر به ابتلاه ببلاء مجال الشيطان في أمنيته بقول أو بعمل، فتدركه العناية الأولية ويزيل الخاطر الشيطاني ويثبته على الخاطر الرحماني، ولا يكون لدخان الفتنة تاثير في نور يقينه كما لا تأثير للضباب في شعاع الشمس بخلاف من في قلبه ظلم الشبهات فإن ذلك الدخان يزيدها كدورة وريناً حتى تأتيه ساعة سلب الاستعداد بالكلية، ﴿ أو يأتيهم عذاب يوم عقيم ﴾ هو الأبد لأنه لا ليل له وهو عذاب قطيعة لا وصلى بعدها ﴿ والذين هاجروا ﴾ عن أوطان الطبيعة في طلب الحقيقة ﴿ ثم قتلوا ﴾ بسيف الصدق والرياضة حتى تزكوا أنفسهم ﴿ أو ماتوا ﴾ عن أوصاف البشرية ﴿ ليرزقهم الله رزقاً حسناً ﴾ فرزق القلوب حلاوة العرفان.

ورزق الأسرار مشاهدات الجمال، ورزق الأرواح مكاشفات الجلال.

﴿ وإن الله لهو خير الرازقين ﴾ لأنه يرزق من أوصاف ربوبيته كما قال  "ابيت عند ربي يطعمني ويسقيني" ﴿ ومن عاقب ﴾ بالمجاهدة نفسه ﴿ بمثل ﴾ ما عاقبت النفس بالمخالفة قلبه ﴿ ثم بغي عليه ﴾ أي غلبت النفس على القلب باستيلاء صفاتها ﴿ لينصرنه الله ﴾ باستئصال النفس وتمحيق صفاتها ﴿ إن الله لعفوّ ﴾ لما سلف ﴿ غفور ﴾ لما بقي في نفوس الطالبين من الأنانية.

﴿ يولج ﴾ ليل السر في نهار التجلي وبالعكس، أو يولج ليل القبض في نهار البسط، أو ليل الهيبة في نهار الأنس ﴿ أنزل من ﴾ سماء القلب ماء الحكمة ﴿ فتصبح ﴾ أرض البشرية ﴿ مخضرة ﴾ بالشريعة وأرض القلوب والأرواح والأسرار بالعلوم والكشوف والأنوار والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً ﴾ .

اختلف في المنسك: قال بعضهم: ﴿ مَنسَكاً ﴾ ، أي: جعلنا لكل أمّة دينا يدعون إليه، أي: كل أمة تُدْعْى إلى دين واحد وهو دين الإسلام، وهو قول الحسن.

وقال بعضهم: ﴿ لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً ﴾ ، أي: شريعة، فهذا على الاختلاف، أي: جعلنا لكل أمّة شريعة على حدة.

﴿ هُمْ نَاسِكُوهُ ﴾ ذلك كقوله: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً  ﴾ .

وقال عامة أهل التأويل: ﴿ مَنسَكاً ﴾ : أي ذبائح وعيداً، قالوا: ذكر هذا - والله أعلم - لأن من الناس من ينكر أن يكون الذبح شريعة الله، فأخبر أن الذبح سنة الله وشريعته في الأمم كلها، ليس على ما قالت الثنوية.

وقوله: ﴿ فَلاَ يُنَازِعُنَّكَ فِي ٱلأَمْرِ ﴾ على تأويل من يقول: إن المنسك هو الدين، أي: لا يخالجنك في نفسك أن الذي أنت عليه هو دين الله وادعُ الناس إليه.

وعلى تأويل من يقول: هو الذبح، يقول: ﴿ فَلاَ يُنَازِعُنَّكَ ﴾ ، أي: لا يصدّنك عن الذبح من ينكر ذلك، كقوله: ﴿ وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ ٱللَّهِ  ﴾ .

﴿ وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ ﴾ أي: ادع إلى توحيد ربك.

أو أن يكون قوله: ﴿ وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ ﴾ : إلى عبادة ربك، وانههم عن عبادة من دونه.

وقوله: ﴿ إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدًى مُّسْتَقِيمٍ ﴾ هذا يدل أن التأويل الذي ذكرنا في المنسك - وهو الدّين - أشبه وأقرب؛ لأنه ذكر ﴿ إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدًى مُّسْتَقِيمٍ ﴾ فلا يتخالجن في نفسك شك في ذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَإِن جَادَلُوكَ ﴾ في أمر الذبيحة، أو في الدين، وقد جادلوه في الدّين كثيرا، لكن قال ذلك - والله أعلم - عند إياسه عن توحيدهم وإسلامهم، يقول - والله أعلم -: ﴿ وَإِن جَادَلُوكَ ﴾ في الدّين والتوحيد فقل: ﴿ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ ، وهو كقوله: ﴿ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ٱللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ  ﴾ فعلى ذلك قوله: ﴿ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ من الدّين.

قال بعض أهل التأويل: هذه الآية منسوخة، نسختها آية القتال؛ لأن فيها حظراً عن القتال، والترك على ما هم عليه، وتسليم الأمر إلى الله يحكم بينهم يوم القيامة.

لكن جائز ما ذكرنا أنه إنما قال ذلك عند الإياس منهم عن توحيدهم.

وقوله: ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ ﴾ قد ذكرنا في غير موضع أن حرف ﴿ أَلَمْ ﴾ حرف يتوجه إلى وجوه: إلى التعجب مرة، وإلى التنبيه والإيقاظ ثانياً، وإلى إيضاح الحجج والبراهين ثالثاً.

وقوله: ﴿ إِنَّ ذٰلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ .

وقوله: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً ﴾ : حججا وبراهين، ﴿ وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ ﴾ يخبر عن سفههم أنهم يعبدون غير الله ولا سلطان ولا حجة لهم، ولا لهم بذلك علم؛ لأنهم كانوا لا يؤمنون برسول يخبرهم، ولا كان لهم كتاب فيعلمون به، فيقول: إنهم يقولون: الله أمرهم بذلك، ولا حجة لهم في ذلك ولا علم.

وفيه أنّه إنما بعث الرسل إليهم على علم منهم أنهم يكذبون الرسل؛ لأن من الناس من ينكر بعث الرسل إلى من يعلم أنه يكذبهم ويترك إجابتهم كمن لا يبعث في الشاهد رسولا إلى من يعلم أنه يكذبه ولا يجيبه، فعلى ذلك يقولون: لا يجوز أن يكون الله يبعث الرسول إلى من يعلم أنه يكذبه ولا يجيبه، لكن الله أخبر أنه على علم منهم بالتكذيب وترك الإجابة بعثهم، حيث قال: ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .

وأما قولهم: إن من علم في الشاهد تكذيب المرسل إليه رسوله فإنه لا يبعثه إليه؛ لأن المرسل إنما يبعثه لحاجة نفسه ومنافعه، فإذا علم منه تكذيبه وترك الإجابة لم يبعثه، فأمّا الله -  وتعالى - إنّما يرسل الرسول لحاجة المرسل إليه ومنافعه، لا لحاجة نفسه ومنفعته، فلا ضرر يلحقه في تكذيبه وجحوده، فجائز أرسله على علم منه بالتكذيب.

وقوله: ﴿ إِنَّ ذٰلِكَ فِي كِتَابٍ ﴾ قال بعضهم: إن ذلك العلم في الكتاب الذي عنده.

﴿ إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ يقول: حفظه يسير على الله بغير كتاب، لا يصعب عليه حفظ شيء؛ لأنه عالم بذاته، لا بسبب ولا تعليم، وإنما يصعب حفظه على من كان علمه بالشيء بسبب وتعليم.

وقوله: ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ إِنَّ ذٰلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ فيه دلالة رد قول القدرية، حيث قالوا: يكذب من كذب الرسل لا بإرادة الله، فذكر أنه على علم منه ذلك منهم، وكذلك روي عن رسول الله  أنه قال: "سيكُون في آخر الزمَانِ ناسٌ من أمتي يُكذبون بالقدَرِ سَيكفيكم من الردّ عليهم أن تقولوا: ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ ﴾ " وتأويل هذا - والله أعلم -: أن يُسألوا، فيقال لهم: أراد الله أن يصدق خبره الذي أخبر أو يكذب؟

فإن قالوا: أراد أن يصدق في خبره، لزمهم أن يقولوا: أراد جميع ما كان منهم.

وإن قالوا: أراد أن يكذب خبره، فيكون كفراً محضاً.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يا أيها الناس، ضُرِب مثل فاستمعوا له، واعتبروا به، إن ما تعبدون من أصنام وغيرها من دون الله لن يخلقوا ذبابًا على صغره لعجزهم، ولو اجتمعوا كلهم على أن يخلقوه ما خلقوه، وإذا أخذ الذباب شيئًا مما عليهم من طيب وما أشبهه لم يقدروا على إنقاذه منه، وبعجزهم عن خلق الذباب، وإنقاذ أشيائهم منه؛ تبين عجزهم عما هو أكبر من ذلك، فكيف تعبدونها -مع عجزها- من دون الله؟!

ضَعُفَ هذا الطالب وهو الصنم المعبود الذي لا يستطيع إنقاذ ما استلبه الذباب منه، وضَعُفَ هذا المطلوب الذي هو الذباب.

<div class="verse-tafsir" id="91.eEvYG"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

قد يجد الباطل أنصارًا، فيتبوأ من أنفسهم دارًا، ويتخذ له منها قرارًا، وتذهب على ذلك الأيام بعد الأيام، وتمضي عليه الأعوام إثر الأعوام، وهو يلعب بأهله، ويغلب أهواءهم بحيله، حتى يقصروا نظرهم عليه، ولا يجدوا ملجأ منه إلا إليه، فإذا أتوا من ناحيته رضوا، وإذا عرض لهم الحق أعرضوا، ولا يزالون كذلك إلى أن تنحل به عراهم، وتفسد بعلله قواهم، والحق لا يزال يعرض نفسه، يستخدم مرة لينه وأخرى بأسه، وهو الشباب الذي لا يهرم، والعامل الصبور الذي لا يسأم، وإنما يعرض بوجه عن الأغبياء، ويولي ظهره الأشقياء، ثم لا ينفك يرحمهم ولا يبرح يتعهدهم، يسفر عليهم محياه، ويرسل إليهم أشعة من سناه، فإذا وافهم وقد وهنت منهم ومرهت عيونهم وحللت ليلهم، واشتد خبلهم، صاح بهم منه صائح ورمحهم من جنده رامح، فقلق بالباطل مكانه وزلزلت من حوله أركانه، وفزع يطلب النصير، وثار يلتمس المجير، فلا يجد إلا أسبابًا تقطعت به، وأعضادًا فت فيها بسبب، وقد رَنَّقَ قومه، وعبس يومه، فيحملق إلى الحق ويأخذ ببصره، ويستنزله بنظره، ولكن خاب الظن، وبطل الفن، ثم لا يلبث، وهو الباطل، أن يتحول عنده اليأس أملًا، ويجد من اليبس بللًا، فيظن، وهو هو، أن الحق ناصره، وأنْ ستقوى به أواصره، فيستنصر بجنده، ويطلب النجدة من عنده، وأقرب ما يكون خصم إلى الهلكة إذا اطمأن إلى عدوه، وأمل الخير في دنوه، هذا شأن الباطل وأهله، معه تقلبه في ملله ونِحَلِه.

يعلم كل ناظر في كتابنا الإلهي، (القرآن)، ما رفع الإسلام من شأن الأنبياء والمرسلين، والمنزلة التي أحلهم من حيث هم حملة الوحي، وقدوة البشر في الفضائل وصالح الأعمال، وتنزيهه إياهم عما رماهم به أعداؤهم وما نسبه إليهم المعتقدون بأديانهم.

ولا يخفى على أحد من أهل النظر في هذا الدين القويم أنه قد قرر عصمة الرسل كافة من الزلل في التبليغ، والزيغ عن الوجهة التي وجه الله وجوههم نحوها من قول أو عمل، وخص خاتمهم محمدًا  فوق ذلك بمزايا فصلت في ثنايا الكتاب العزيز.

عصمة الرسل في التبليغ عن الله أصل من أصول الإسلام، شهد به الكتاب، وأيدته السنة، وأجمعت عليه الأمة، وما خالف منه بعض الفرق فإنما هو في غير الإخبار عن الله وإبلاغ وحيه في خلقه، ذلك الأصل الذي اعتمدت عليه الأديان حتى لا يرتاب فيه ملِّيٌّ يفهم ما معنى الدين.

مع ذلك لم يعدم الباطل فيه أعوانًا يعملون على هدمه، وتوهين كنهه، أولئك عشاق الروايات وعبدة النقل.

نظروا نظرة في قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ  ﴾ - الآية.

وفيما روي عن ابن عباس، رضي الله عنهما، من أن "تَمَنَّي" بمعنى قرأ، والأمنية القراءة، فعمي عليهم وجه التأويل الحق، على فرض صحة الرواية عن ابن عباس، فذهبوا يطلبون ما به يصح التأويل في زعمهم، فقُيِّض لهم من يروي في ذلك أحاديث تختلف طرقها، وتتباين ألفاظها وتتفق في أن النبي  ، عندما بلغ منه أذى المشركين ما بلغ، وأعرضوا عنه، وجفاه قومه وعشيرته، لعيبه أصنامهم، وزرايته على آلهتم، أخذه الضجر من إعراضهم، ولحرصه على إسلامهم وتهالكه عليه، تمنى أن لا ينزل عليه ما ينفرهم، لعله يتخذ ذلك طريقًا إلى استمالتهم واستنزالهم عن غيهم وعنادهم، فاستمر به ما تمناه حتى نزلت عليه سورة ﴿ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى  ﴾ وهو في نادي قومه، وروي أنه كان في الصلاة، وذلك التمني أخذ بنفسه فطفق يقرؤها فلما بلغ قوله: ﴿ وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى  ﴾ ألقى الشيطان في أمنيته التي تمناها بأن وسوس له بما شيعها به فسبق لسانه على سبيل السهو والغلط فمدح تلك الأصنام، وذكر أن شفاعتهن تُرْتَجى، فمنهم من قال إنه عندما بلغ ﴿ وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى  ﴾ سها فقال: تلك الغرانيق العلى، إن شفاعتهن لَتُرْتَجى، ومنهم من روى (الغرانقة العلى)، ومنهم من روى إن شفاعتهن ترتجى، بدون ذكر الغرانقة والغرانيق، ومنهم من قال إنه قال: وأنها لمع الغرانيق العلى ومنهم من روى وإنهن لهن الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لهي التي تُرْتَجى، ففرح المشركون بذلك وعندما سجد في آخر السورة سجدوا معه جميعًا.

قال ابن حجر العسقلاني وتعدد الطرق وصحة ثلاثة منها وإن كانت مرسلة يدل على أن للواقعة أصلًا صحيحًا، وهذه الأسانيد الصحيحة -في رأيه- وإن كانت مراسيل يحتج بها من يرى الاحتجاج بالحديث المرسل، بل ومن لا يراه كذلك، لأنها متعددة يعضد بعضها بعضًا..

ولولا خوف التطويل لأتيت بجميع تلك الروايات، ما صح عنده منها وما لم يصح، ولكن لا أرى حاجة إليه في مقالي هذا.

روى ذلك ابن جرير الطبري، وشايعه عليه كثير من المفسرين، وفي طباع الناس إلْفُ الغريب، والتهافت على العجيب، فولعوا بهذه التفاسير واتخذوها عقدة إيمانهم، حتى ظنوا -وبعض الظن إثم- أنْ لا معدل عنها، ولا سبيل في فهم الآية سواها، ونسوا ما رآه جمهور المحققين في تأويلها وذهب إليه الأئمة في بيانها، حتى ثارت ثائرة الشبه هذه الأيام في نفوس كثيرة منهم وهم يزعمون أنهم مسلمون، وأحسوا أن ذلك الضرب من التفسير لا يتفق مع أصل العصمة في التبليغ، وأن فيه من الحجة للعدو ما لا سبيل إلى دفعه، فلجأوا إلى أهل العلم الصحيح يلتمسون منهم بيان المخرج مما سقطوا فيه، وتوهموا أنهم يقررون لهم ما ألفوا، ثم ينقذونهم من الحيرة مع ثباتهم على ما حرفوا، ولكن ضل رأيهم، وخاب ظنهم، وسيقامون على المنهج، ويرون الحق ناصعًا أبلج.

في صحيح البخاري: وقال ابن عباس في ﴿ ِإذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ  ﴾ ، إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه، فيبطل الله ما يلقي الشيطان، ويحكم الله آياته، ويقال أُمنيته قراءته ﴿ إِلَّا أَمَانِيَّ  ﴾ يقرؤون ولا يكتبون.

اهـ.

فتراه حكى تفسير الأمنية بالقراءة بلفظ (يقال) بعدها فسرها بالحديث، رواية عن ابن عباس، وهذا يدل على المغايرة بين التفسيرين فيما يدعيه الشراح أن الحديث في رأي ابن عباس بمعنى التلاوة يخالف ظاهرة العبارة، ثم حكايته تفسير الأمنية بمعنى القراءة بلفظ (يقال) يفيد أنه غير معتبر عنده (وسيأتي أن المراد بالحديث حديث النفس ).

وقال صاحب الإبريز: إن تفسير تمنى بمعنى قرأ، والأمنية بمعنى القراءة مروي عن ابن عباس في نسخة علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، ورواها علي بن صالح كاتب الليث عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وقد علم ما للناس في ابن أبي صالح كاتب الليث وأن المحققين على تضعيفه..

-هذا ما في الرواية عن ابن عباس، وهي أصل هذه الفتنة وقد رأيت أن المحققين يضعفون راويها.

وأما قصة الغرانيق فمع ما فيها من الاختلاف الذي سبق ذكره جاء في تتميمها أن النبي  لم يفطن لما ورد على لسانه، وأن جبريل جاءه بعد ذلك فعرض عليه السورة فلما بلغ المتكلمين قال له: ما جئتك بهاتين، فحزن لذلك فأنزل الله عليه ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا  ﴾ الآيات -تسلية له كما أنزل لذلك قوله: ﴿ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا  وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا  إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا  ﴾ وفي بعض الروايات: إن حديث الغرانيق فشا في الناس حتى بلغ أرض الحبشة فساء ذلك المسلمين والنبي  ، فنزلت ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا  ﴾ الآية.

قال العسقلاني في شرح البخاري: وقد طعن في هذه القصة وسندها غير واحد من الأئمة حتى قال ابن إسحاق وقد سئل عنها: هي من وضع الزنادقة اهـ.

وكفى في إنكار حديث أن يقول فيه ابن إسحاق: إنه من وضع الزنادقة، مع حال ابن إسحاق المعروفة عند المحدثين.

وقال القاضي عياض: إن هذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه أحد بسند متصل سليم، وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب، المتلفقون من الصحف كل صحيح وسقيم، ثم نقل عن أبي بكر بن العلاء ما يدل على سقم الرواية واضطرب الرواة فيها وما يقضي عليها بالوهن والسقوط عن درجة الاعتبار.

وقال الإمام أبو بكر بن العربي -وكفى به حجة في الرواية والتفسير- إن جميع ما ورد في هذه القصة لا أصل له.

قال القاضي عياض: والذي ورد في الصحيح أن النبي  قرأ: ﴿ وَالنَّجْمِ  ﴾ وهو بمكة فسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس..

وقد يكون ذلك لبلاغة السورة، وشدة قرعها، وعظم وقعها، ثم قال القاضي: قد قامت الحجة وأجمعت الأمة على عصمته  ونزاهته عن هذه الرزيلة، أما من تمنيه أن ينزل عليه مثل هذا من مدح آلهة غير الله وهو كفر، أو أن يتسود عليه الشيطان ويشبه عليه القرآن حتى يجعل فيه ما ليس منه ويعتقد النبي  أن من القرآن ما ليس منه حتى يفهمه جبريل  ، وذلك كله ممتنع في حقه  ، أو يقول ذلك النبي  من قبل نفسه عمدًا -وذلك كفر- أو سهوًا وهو معصوم من هذا كله، وقد قررنا بالبراهين والإجماع عصمته  من جريان الكفر على لسانه أو قلبه لا عمدًا ولا سهوًا، أو أن يشبّه عليه ما يلقيه الملك بما يلقي الشيطان، أو يكون للشيطان عليه سبيل، أو أن يتقول على الله -لا عمدًا ولا سهوًا- ما ل يُنزل عليه وقد قال الله تعالى: ﴿ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ  لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ  ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ  ﴾ .

وقال: ﴿ ِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا  ﴾ .

(ووجه ثان): وهو استحالة هذه القصة نظرًا وعرفًا، وذلك أن هذا الكلام لو كان كما روي لكان بعيد الالتئام، متناقض الأقسام، ممتزج المدح بالذم، متخاذل التأليف والنظم، ولَما كان النبي  ومن بحضرته من المسلمين، وصناديد المشركين، ممن يخفى عليه ذلك، وهذا لا يخفى على أدنى متأمل فكيف بمن رجح حلمه، واتسع في باب البيان ومعرفة فصيح الكلام علمه.

(ووجه ثالث): أنه علم من عادة المنافقين، ومعاندة المشركين، وضعفة القلوب والجهلة من المسلمين، نفورهم لأول وهلة، وتخليط العدو على النبي  لأقل فتنة، وتعييرهم المسلمين والشماتة بهم الفينة بعد الفينة، وارتداد من في قلبه مرض ممن أظهر الإسلام لأدنى شبهة، ولم يحك أحد في هذه القصة شيئًا سوى هذه الرواية الضعيفة الأصل، ولو كان كذلك لوجدت قريش بها على المسلمين الصولة، ولأقامت بها اليهود عليهم الحجة، كما فعلوا مكابرة في قصة الإسراء، قال: ولا فتنة أعظم من هذه البلية لو وجدت، ولا تشغيب للمعادي حينئذ أشد من هذه الحادثة لو أمكنت، وما ورد عن معاند فيها كلمة، ولا عن مسلم بسببها بنت شفة، فدل على بطلها، واجتثاث أصلها، ولاشك في إدخال بعض شياطين الإنس والجن هذا الحديث على بعض مغفلي المُحَدِّثين، ليلبس به على ضعفاء المسلمين.

(ووجه رابع): ذكر الرواة لهذه القصة أن فيها نزلت ﴿ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا  ﴾ الآيتان -هاتان الآيتان تردان الخبر الذي رووه-، لأن الله تعالى ذكر أنهم كادوا يفتنونه حتى يفتري، ولولا أن ثبته لكاد يركن إليهم شيئًا قليلًا، فمضمون هذا ومفهومه أن الله عصمه من أن يفتري، وثبته حتى لم يركن إليهم قليلًا، فكيف كثيرًا.

وهم يروون في أخبارهم الواهية أنه زاد على الركون والافتراء بمدح آلهتهم، وأنه  قال: افتريت على الله وقلت ما لم يقل، وهي تضعف الحديث لو صح، فكيف ولا صحة له؟!

وهذا مثل قوله تعالى في الآية الأخرى ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ  ﴾ قال القشيري ولقد طالبه قريش وثقيف إذ مر بآلهتهم أن يُقْبِلَ بوجهه إليها، ووعدوه الإيمان به إن فعل، فما فعل ولا كان ليفعل.

قال ابن الأنباري ما قارب الرسول ولا ركن.

انتهى المطلوب من كلام القاضي رحمه الله، وقد أورد بعد ذلك كثيرًا من القول في توهين الرواية وتكذيبها.

أما ما ذكره ابن حجر من أن القصة رويت مرسلة من ثلاث طرق على شرط الصحيح، وأنه يحتج بها...

إلخ، ما سبق فقد ذهبت عليه -كما قال في الإبريز- أن العصمة في العقائد التي يطلب فيها اليقين، فالحديث الذي يفيد خرمها ونقضها لا يقبل على أي وجه جاء، وقد عد الأصوليون الخبر الذي يكون على تلك الصفة من الأخبار التي يجب القطع بكذبها.

هذا لو فرض اتصال الحديث، فما ظنك بالمراسيل، وإنما الخلاف في الاحتجاج بالمرسل وعدم الاحتجاج به فيما هو من قبيل الأعمال وفروع الأحكام لا في أصول العقائد ومعاقد الإيمان بالرسل وما جاءوا به، فهي هفوة من ابن حجر يغفرها الله له.

هذا ما قاله الأئمة جزاهم الله خيرًا في بيان فساد هذه القصة، وأنها لا أصل لها، ولا عبرة برأي من خالفهم فلا يعتد بذكرها في بعض كتب التفسير، وأن بلغ أربابها من الشهرة ما بلغوا، وشهرة المبطل في بطله لا تنفخ في قوله، ولا تحمل على الأخذ برأيه.

تفسير الآيات والآن أرجع إلى تفسير الآيات على الوجه الذي تحتمله ألفاظها، وتدل عليه عباراتها والله أعلم.

ولا يخفى على كل من يفهم اللغة العربية وقرأ شيئًا من القرآن أن قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ  ﴾ الآيات -يحكي قَدَرًا قُدِّرّ للمرسلين كافة لا يعدونه، ولا يقفون دونه، ويصف شنشنة عرفت فيهم وفي أممهم.

فلو صح ما قال أولئك المفسرون لكان المعنى أن جميع الأنبياء والمرسلين قدس سلط الشيطان عليهم، فخلط في الوحي المنزل إليهم، ولكنه بعد هذا الخلط ينسخ الله كلام الشيطان ويحكم الله آياته إلخ.

وهذا من أقبح ما يتصور متصور في اختصاص الله تعالى لأنبيائه، واختياراته من خاصة أوليائه، فلندع هذا الهذيان ولنعد إلى ما نحن بصدده.

ذكر الله لنبيه حالًا من أحوال الأنبياء والمرسلين قبله، ليبين له سنته فيهم، وذلك بعد أن قال: ﴿ وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ  وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ  وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ  ﴾ .

إلى آخر الآيات.

ثم قال: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ  فَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ  وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آَيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ  وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ  ﴾ إلخ، فالقصص السابق كان في تكذيب الأمم لأنبيائهم ثم تبعه الأمر الإلهي بأن يقول النبي  لقومه: إنني لم أرسل إليكم إلا لإنذاركم بعاقبة ما أنتم عليه ولأبشر المؤمنين بالنعيم، وأما الذين يسعون في الآيات والأدلة التي أقيمها على الهدى وطرق السعادة ليحولوا عنها الأنظار، ويحجبوها عن الأبصار، ويفسدوا أثرها الذي أقيمت لأجله، ويعاجز بذلك النبي  والمؤمنين -أي- يسابقونهم ليعجزوهم ويسكتوهم عن القول وذلك بلعبهم بالألفاظ وتحويلها عن مقصد قائلها -كما يقع عادة من أهل الجدل والمماحكة- هؤلاء الضالون المضلون هم أصحاب الجحيم، وأعقب ذلك بما يفيد أن ما ابتلى به النبي  من المعاجزة في الآيات قد ابتلى به الأنبياء السابقون فلم يبعث نبي في أمة إلا كان له خصوم يؤذونه بالتأويل والتحريف ويضادون أمانيه، ويحولون بينه وبين ما يبتغي بما يلقون في سبيله من العثرات.

فعلى هذا المعنى الذي يتفق مع ما لقيه الانبياء جميعًا يجب أن تفسر الآية وذلك على وجهين: (الأول): أن يكون تمنى بمعنى قرأ، والأمنية بمعنى القراءة وهو معنى قد يصح وقد ورد استعمال اللفظ فيه، قال حسان بن ثابت في عثمان  : تمنى كتاب الله اول ليله وآخره لاقى حمام المقادر وقال آخر: تمنى كتاب الله أول ليله تَمَنِّيَ داود الزبور على رسل غير أن الإلقاء لا يكون على المعنى الذي ذكروه بل على المعنى المفهوم من قولك: "ألقيت في حديث فلان" إذا أدخلت فيه ما ربما يحتمله لفظه ولا يكون قد أراده، أو نسبت إليه ما لم يقله، تعللًا بأن ذلك الحديث يؤدي إليه، وذلك من عمل المعاجزين الذين ينصبون أنفسهم لمحاربة الحق يتبعون الشبهة، ويسعون وراء الريبة فالإلقاء بهذا بدسائسه، وكل ما يصدر من أهل الضلال يصح أن ينسب إليه ويكون المعنى: وما أرسلنا قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا أحدَّث قومه عليهم عن ربه، أو تلا وحيًا أنزل إليه فيه هدى لهم قام في وجهه شاغبون يحولون ما يتلوه عليهم عن المراد منه، ويتقولون عليه ما لم يقله، وينشرون ذلك بين الناس ليبعدوهم عنه، ويعدلوا بهم عن سبيله، ثم يحق الله الحق ويبطل الباطل، ولا زال الأنبياء يصبرون على ما كذبوا وأوذوا، ويجاهدون في الحق ولا يعتدون بتعجيز المعجزين ولا بهزء المستهزئين، إلى أن يظهر الحق بالمجاهدة وينتصر على الباطل بالمجالدة، فينسخ الله تلك الشبه ويجتثها من أصولها، ويثبت آياته ويقررها.

وقد وضع الله هذه السنة في الناس ليتميز الخبيث من الطيب، فيفتتن الذين في قلوبهم مرض، وهم ضعفاء العقول، بتلك الشبه والوساوس، فينطلقون وراءها، ويفتتن بها القاسية قلوبهم من أهل العناد والمجاحدة، فيتخذونها سندًا يعتمدون عليها في جلدهم، ثم يتمحص الحق عند الذين أوتو العلم، ويخلص لهم ورود كل شبهة عليه فيعلمون أن الحق من ربك فيصدقون به فتخبت وتطمئن له قلوبهم.

والذين أوتوا العلم هم الذين رزقوا قوة التمييز بين البرهان القاطع الذي يستقر بالعقل في قرارة اليقين، وبين المغالطات وضروب السفسطة التي تطيش بالفهم، وتطير به مع الوهم، وتأخذ بالعقل تارة ذات الشمال وأخرى ذات اليمين، وسواء أرجعت الضمير في "أنه الحق" إلى ما جاءت به الآيات المحكمة من الهدي الإلهي أو إلى القرآن، وهو أجلها، فالمعنى من الصحة على ما يراه أهل التمكين.

هؤلاء الذين أوتوا العلم هم الذين آمنوا وهم الذين هداهم الله إلى الصراط المستقيم، ولم يجعل للوهم عليهم سلطانًا فيحيد بهم عن ذلك النهج القويم، وأما الذين كفروا وهم ضعفاء العقول ومرضى القلوب، أو أهل العناد وزعماء الباطل، وقساة الطباع الذين لا تلين أفئدتهم، ولا تبش للحق قلوبهم، فأولئك لا يزالون في ريب من الحق أو الكتاب، لا تستقر عقولهم عليه، ولا يرجعون في متصرفات شؤونهم إليه، حتى تأتي ساعة هلاكهم بغتة فيلاقون حسابهم عند ربهم، أو إن أمتد بهم الزمن، ومادهم الأجل، فيصيبهم ﴿ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ  ﴾ يوم حرب يسامون فيه سوء عذاب القتل أو الأسر، ويقذفون إلى مطارح الذل وقرارات الشر، فلا ينتج لهم من ذلك اليوم خير ولا بركة، بل يسلبون ما كان لديهم ويساقون ما كان لديهم ويساقون إلى مصارع الهلكة، وهذا هو العقم في أتم معانيه وأشأم درجاته.

ما أقرب هذه الآيات في معانيها إلى قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ  ﴾ ، وقد قال بعد ذلك: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ  ﴾ ،ثم قال: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ  ﴾ إلخ الآيات.

وكأن إحدى الطائفتين من القرآن شرح للأخرى، فالذين في قلوبهم زيغ هم الذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم، والراسخون في العلم هم الذين أوتوا العلم، وهؤلاء هم الذين يعلمون أنه الحق من ربهم فيقولون آمنا به كل من عند ربنا فتخبت له قلوبهم وإن الله ليهديهم إلى صراط مستقيم، وأولئك هم الذين يفتتنون بالتأويل، ويشتغلون بقال وقيل، بما يلقي إليهم الشيطان، ويصرفهم عن مرامي البيان، ويميل بهم عن محجة الفرقان، وما يتكئون عليه من الأموال والأولاد لن يغني عنهم من الله شيئًا فستوافيهم آجالهم، وتستقبلهم أعمالهم، فإن لم يوافهم الأجل على فراشهم، فيسغلبون في هراشهم، وهذه سنة جميع الأنبياء مع أممهم، وسبيل الحق مع الباطل من يوم رفع الله الانسان إلى منزلة يميز فيها بين سعادته وشقائه، وبين ما يحفظه وما يذهب ببقائه، وكما لا مدخل لقصة الغرانيق في آيات آل عمران لا مدخل لها في آيات سورة الحج، هذا هو الوجه الأول في تفسير آيات: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا  ﴾ إلى آخرها على تقدير أن تمنى قرأ وأن الأمنية بمعنى القراءة.

والله أعلم.

(الوجه الثاني في تفسير الآيات): أن التمني على معناه المعروف، وكذلك الأمنية، وهي أفعولة بمعنى المنية وجمعها أماني كما هو مشهور.

قال أبو العباس أحمد بن يحيي: التمني حديث النفس بما يكون وبما لا يكون، قال: والتمني سؤال الرب وفي الحديث: "إذا تمنى أحدكم فليتكثر فإنما يسأل ربه" وفي رواية "فليكثر" وقال ابن الأثيرالتمني تشهي حصول الأمر المرغوب فيه وحديث النفس بما يكون وما لا يكون، وقال أبو بكر: تمنيت الشيء إذ قدرته وأحببت أن يصير إلى.

وكل ما قيل في معنى التمني على هذا الوجه فهو يرجع إلى ما ذكرنا ويتبعه معنى الأمنية.

ما أرسل الله من رسول ولا نبي ليدعو قومًا إلى هدى جديد أو شرع سابق شرعه لهم، ويحملهم على التصديق بكتاب جاء به نفسه إن كان رسولًا أو جاء به غيره إن كان نبيًا بعث ليحمل الناس على اتباع من سبقه إلا وله أمنية في قومه وهي أن يتبعوه وينحازوا على ما يدعوهم إليه، ويستشفوا من دائهم بدوائه، ويعصوا أهواءهم بإجابة ندائه، وما من رسول أرسل إلا وقد كان أحرص على إيمان أمته، وتصديقهم برسالته، منه على طعامه الذي يطعم وشرابه الذي يشرب، وسكنه الذي يسكن إليه، ويغدو عنه ويروح عليه، وقد كان نبينا  من ذلك في المقام الأعلى، والمكان الأسمى، قال الله تعالى: ﴿ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا  ﴾ ، وقال: ﴿ وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ  ﴾ وقال: ﴿ أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ  ﴾ ، وفي الآيات ما يطول سرده مما يدل على أمانيه  المتعلقة بهداية قومه وإخراجهم من ظلمات ما كانوا فيه إلى نور ما جاء به.

وما من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى هذه الأمنية السامية ألقى الشيطان في سبيله العثرات، وأقام بينه وبين مقصده العقبات، ووسوس في صدور الناس، وسلبهم الانتفاع بما وهبوا من قوة العقل والاحساس، فثاروا في وجهه، وصدوه عن قصده، وعاجزوه حتى لقد يعجزونه، وجادلوه بالسلاح والقوة حتى لقد يقهرونه، فإذا ظهروا عليه والدعوة في بدايتها وسهل عليهم إيذاؤه وهو قليل الاتباع، ضعيف الأنصار، ظنوا الحق من جانبهم، وكان فيما القوة من العوائق بينه وبين ما عمد إليه فتنة لهم.

غلبت سنة الله في أن يكون الرسل من أوسط قومهم أو من المستضعفين فيهم، ليكون العامل في الإذعان بالحق محض الدليل وقوة البرهان، وليكون الاختيار المطلق هو الحامل لمن يدعى إليه على قبوله ولكيلا يشارك الحق الباطل في وسائله، أو يشاركه في نصب شراكه وحبائله، أنصار الباطل في كل زمان هم أهل الانفة والقوة والجاه والاعتزاز بالأموال والأولاد والعشيرة والأعوان والغرور بالزخارف، والزهو بكثرة المعارف، وتلك الخصال إنما تجتمع كلها أو بعضها في الرؤساء وذوي المكانة من الناس فتذهلهم عن أنفسهم، وتصرف نظرهم عن سبيل رشدهم، فإذا دعا إلى الحق داع عرفته القلوب النقية من أوضار هذه الفواتن، وفزعت إليه النفوس الصافية والعقول المستعدة لقبوله بخلوصها من هذه الشواغل، وقلما توجد إلا عند الضعفاء وأهل المسكنة فإذا التف هؤلاء حول الداعي وظاهروه على دعوته قام أولئك المغرورون يقولون: ﴿ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ  ﴾ ، فإذا استدرجهم الله على سنته وجعل الجدال بينهم وبين المؤمنين سجالًا افتتن الذين في قلوبهم مرض من أشياعهم، وافتتنوا بما أصابوا من الظفر في دفاعهم، ولكن الله غالب على أمره فيمحق ما ألقاه الشيطان من هذه الشبهات ويرفع هذه الموانع وتلك العقبات، ويهب السلطان لآياته فيحكمها، ويثبت دعائمها، وينشئ من ضعف أنصارها قوة، ويخلف لهم في ذاتهم عزة، وتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الشيطان هي السفلى، ﴿ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ  ﴾ .

وفي حكاية هذه السنة الإلهية التي أقام عليها الأنبياء والمرسلين، تسلية لنبينا  عما كان يلاقي من قومه ووعد له بأن سيكمل له دينه، ويتم عليه وعلى المؤمنين نعمته، مع التفاتهم إلى سيرة من سبقهم، ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ  وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ  ﴾ - ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ  ﴾ ، هذا هو التأويل الثاني في معنى الآية ويدل عليه ما سبق من الآيات ويرشد إليه سياق القصص السابق في قوله: ﴿ وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ  ﴾ إلخ، وأنت ترى أن قصة الغرانيق لا تتفق مع هذا المعنى الصحيح.

وهناك تأويل ثالث ذكره صاحب الإبريز وإني أنقله بحروفه، وما هو بالبعيد عن هذا بكثير، بعد ذكر أماني الأنبياء في أممهم، وطعمهم في إيمانهم، وشأن نبينا  في ذلك على نحو يقرب مما ذكرنا في الوجه الثاني: "ثم الأمة تختلف كما قال تعالى: ﴿ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ كَفَرَ  ﴾ ، فأما من كفر فقد ألقى إليه الشيطان الوساوس القادحة له في الرسالة الموجبة لكفره، وكذا المؤمن أيضًا لا يخلو أيضًا من وساوس لأنها لازمة للإيمان بالغيب في الغالب وإن كانت تختلف في الناس بالقلة والكثرة وبحسب المتعلقات.

إذا تقرر هذا فمعنى تمنى أنه يتمنى لهم الإيمان ويحب لهم الخير والرشد والصلاح والنجاح، فهذه أمنية كل رسول ونبي، وإلقاء الشيطان فيها يكون بما يلقيه في قلوب أمة الدعوة من الوساوس الموجبة لكفر بعضهم، ويرحم الله المؤمنين فينسخ ذلك من قلوبهم ويحكم فيها الآيات الدالة على الوحدانية والرسالة، ويبقي ذلك  في قلوب المنافقين والكافرين ليفتتنوا به، فخرج من هذا: أن الوساوس تلقى أولًا في قلوب الفريقين معًا، غير أنها لا تدوم على المؤمنين، وتدوم على الكافرين.

وأنت إذا نظرت بين هذا التفسير وبين ما سبقه تتبين الأحق بالترجيح.

لو صح ما قاله نقله قصة الغرانيق لارتفعت الثقة بالوحي وانتفض الاعتماد عليه، كما قال القاضي البيضاوي وغيره، ولكان الكلام في الناسخ كالكلام في المنسوخ يجوز أن يلقي فيه الشيطان ما يشاء، ولا نهدم أعظم ركن للشرائع الإلهية وهو العصمة، وما يقال في المخرج عن ذلك ينفر منه الذوق ولا ينظر إليه العقل، على أن وصف العرب لآلهتهم بأنها الغرانيق العلى لم يرد لا في نظمهم ولا في خطبهم، ولم ينقل عن أحد أن ذلك الوصف كان جاريًا على ألسنتهم إلا ما جاء في معجم ياقوت غير مسند ولا معروف بطريق صحيح وهذا يدل على أن القصة من اختراع الزنادقة كما قال ابن اسحق، وربما كانت منشأ ما أورده ياقوت، ولا يخفى أن الغرنوق والغرنيق لم يعرف في اللغة إلا اسمًا لطائر مائي أسود أو أبيض، أو هو اسم الكركي أو طائر يشبهه.

والغرنيق (بالضم وكزنبور وقنديل وسموأل وفردوس وقرطاس وعلابط) معناه الشاب الأبيض الجميل وتسمى الخصلة من الشعر المفتلة "الغرنوق" كما يسمى به ضرب من الشجر.

ويطلق الغرنوق والغرانق على ما يكون في أصل العوسج اللين النبات ويقال لمة غرانقة وغرانقية أي ناعمة تفيئها الريح، أو الغرنوق الناعم المستتر من النبات إلخ ولا شيء في هذه المعاني يلائم الآلهة والأصنام حتى يطلق عليها في فصيح القول الذي يعرض على ملوك البلاغة وأمراء الكلام.

فلا أظنك تعتقد إلا أنها من مفتريات الأعاجم ومختلفات الملبسين ممن لا يميز بين حر الكلام، وما استبعد من الضعفاء الأحلام، فراج ذلك على من يذهله الولوع بالرواية، عما تقضيه الدراية ﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ  ﴾ .

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله