الآية ١٦ من سورة النور

الإسلام > القرآن > سور > سورة 24 النور > الآية ١٦ من سورة النور

وَلَوْلَآ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَـٰذَا سُبْحَـٰنَكَ هَـٰذَا بُهْتَـٰنٌ عَظِيمٌۭ ١٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 80 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٦ من سورة النور: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٦ من سورة النور عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

هذا تأديب آخر بعد الأول : الأمر بالظن خيرا أي : إذا ذكر ما لا يليق من القول في شأن الخيرة فأولى ينبغي الظن بهم خيرا ، وألا يشعر نفسه سوى ذلك ، ثم إن علق بنفسه شيء من ذلك - وسوسة أو خيالا - فلا ينبغي أن يتكلم به ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تقل أو تعمل " أخرجاه في الصحيحين .

وقال الله تعالى : ( ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا ) أي : ما ينبغي لنا أن نتفوه بهذا الكلام ولا نذكره لأحد ( سبحانك هذا بهتان عظيم ) أي : سبحان الله أن يقال هذا الكلام على زوجة [ نبيه و ] رسوله وحليلة خليله .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: ( وَلَوْلا ) أيها الخائضون في الإفك الذي جاءت به عصبة منكم، ( إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ) ممن جاء به ( قُلْتُمْ ) ما يحلّ لنا أن نتكلم بهذا، وما ينبغي لنا أن نتفوّه به ( سُبْحَانَكَ ) تنـزيها لك يا ربّ وبراءة إليك مما جاء به هؤلاء ( هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ) يقول: هذا القول بهتان عظيم.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

الرابعة عشرة : قوله تعالى : ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم [ ص: 189 ] عتاب لجميع المؤمنين ؛ أي كان ينبغي عليكم أن تنكروه ولا يتعاطاه بعضكم من بعض على جهة الحكاية والنقل ، وأن تنزهوا الله تعالى عن أن يقع هذا من زوج نبيه - عليه الصلاة والسلام - .

وأن تحكموا على هذه المقالة بأنها بهتان ؛ وحقيقة البهتان أن يقال في الإنسان ما ليس فيه ، والغيبة أن يقال في الإنسان ما فيه .

وهذا المعنى قد جاء في صحيح الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ ولَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ } أي: وهلا إذ سمعتم -أيها المؤمنون- كلام أهل الإفك { قُلْتُمْ } منكرين لذلك، معظمين لأمره: { مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا } أي: ما ينبغي لنا، وما يليق بنا الكلام، بهذا الإفك المبين، لأن المؤمن يمنعه إيمانه من ارتكاب القبائح { هَذَا بُهْتَانٌ } أي: كذب عظيم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك ) هذا اللفظ هاهنا معناه التعجب ( هذا بهتان عظيم ) أي : كذب عظيم يبهت ويتحير من عظمته .

وفي بعض الأخبار أن أم أيوب قالت لأبي أيوب الأنصاري : أما بلغك ما يقول الناس في عائشة ؟

فقال أبو أيوب : سبحانك هذا بهتان عظيم فنزلت الآية على وفق قوله .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولولا» هلا «إذ» حين «سمعتموه قلتم ما يكون» ما ينبغي «لنا أن نتكلم بهذا سبحانك» هو للتعجيب هنا «هذا بهتان» كذب «عظيم».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وهلا قلتم عند سماعكم إياه: ما يَحِلُّ لنا الكلام بهذا الكذب، تنزيهًا لك - يارب - مِن قول ذلك على زوجة رسولك محمد صلى الله عليه وسلم، فهو كذب عظيم في الوزر واستحقاق الذنب.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم يوجههم - سبحانه - مرة أخرى إلى ما كان يجب عليهم أن يفعلوه فى مثل هذه الأحوال فيقول : ( ولولا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بهذا سُبْحَانَكَ هذا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ) .وأصل معنى " سبحانك " تنزيه الله - تعالى - عن كل نقص .

ثم شاع استعماله فى كل أمر بتعجب منه .

وهذا المعنى هو المراد هنا .والبهتان : هو الكذب الذى يبهت ويحير سامعه لشناعته وفظاعته ، يقال : بهت فلان فلانا إذا قال عليه مالم يقله وما لم يفعله .أى : وهلا وقت أن سمعتم - أيها المؤمنون - حديث الإفك ممن افتراه واخترعه ، قلتم له على سبيل الزجر والردع والإفحام : ما يكون لنا أن نتكلم بهذا .

أى : ما يصح منا إطلاقا أن نتكلم بهذا الحديث البالغ أقصى الدركات فى الكذب والافتراء .وقلتم له أيضا - على سبيل التعجب من شناعة هذا الخبر : " سبحانك " ، أى : نتعجب يا ربنا من شناعة ما سمعناه ، فإن ما سمعناه عن أم المؤمنين عائشة كذب يبهت ويدهش من يسمعه ، وهو فى الشناعة لا تحيط بوصفه عبارة .وهكذا يؤدب الله - تعالى - عباده المؤمنين بالأدب السامى ، حيث يأمرهم فى مثل هذه الأحوال ، أن ينزهوا أسماعهم عن مجرد الاستماع إلى ما يسىء إلى المؤمنين ، وأن يتحرجوا من مجرد النطق بمثل حديث الإفك ، وأن يستنكروا ذلك على من يتلفظ به .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

النوع الخامس: وهذا من باب الآداب، أي هلا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا، وإنما وجب عليهم الامتناع منه لوجوه: أحدها: أن المقتضى لكونهم تاركين لهذا الفعل قائم وهو العقل والدين، ولم يوجد ما يعارضه فوجب أن يكون ظن كونهم تاركين للمعصية أقوى من ظن كونهم فاعلين لها، فلو أنه أخبر عن صدور المعصية لكان قد رجح المرجوح على الراجح وهو غير جائز.

وثانيها: وهو أنه يتضمن إيذاء الرسول وذلك سبب للعن لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين يُؤْذُونَ الله وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ الله فِي الدنيا والآخرة  ﴾ .

وثالثها: أنه سبب لإيذاء عائشة وإيذاء أبويها ومن يتصل بهم من غير سبب عرف إقدامهم عليه، ولا جناية عرف صدورها عنهم، وذلك حرام.

ورابعها: أنه إقدام على ما يجوز أن يكون سبباً للضرر مع الاستغناء عنه، والعقل يقتضي التباعد عنه لأن القاذف بتقدير كونه صادقاً لا يستحق الثواب على صدقه بل يستحق العقاب لأنه أشاع الفاحشة، وبتقدير كونه كاذباً فإنه يستحق العقاب العظيم، ومثل ذلك مما يقتضي صريح العقل الاحتراز عنه.

وخامسها: أنه تضييع للوقت بما لا فائدة فيه، وقال عليه الصلاة والسلام: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه».

وسادسها: أن في إظهار محاسن الناس وستر مقابحهم تخلقاً بأخلاق الله تعالى، وقال عليه السلام: «تخلقوا بأخلاق الله» فهذه الوجوه توجب على العاقل أنه إذا سمع القذف أن يسكت عنه وأن يجتهد في الاحتراز عن الوقوع فيه، فإن قيل كيف جاز الفصل بين لولا وبين قلتم بالظرف؟

قلنا الفائدة فيه أنه كان الواجب عليهم أن يحترزوا أول ما سمعوا بالإفك عن التكلم به.

أما قوله: ﴿ سبحانك هذا بهتان عَظِيمٌ ﴾ ففيه سؤالان: السؤال الأول: كيف يليق سبحانك بهذا الموضع؟

الجواب: من وجوه: الأول: المراد منه التعجب من عظم الأمر، وإنما استعمل في معنى التعجب لأنه يسبح الله عند رؤية العجيب من صانعه ثم كثر حتى استعمل في كل متعجب منه الثاني: المراد تنزيه الله تعالى عن أن تكون زوجة نبيه فاجرة الثالث: أنه منزه عن أن يرضى بظلم هؤلاء الفرقة المفترين الرابع: أنه منزه عن أن لا يعاقب هؤلاء القذفة الظلمة.

السؤال الثاني: لم أوجب عليهم أن يقولوا هذا بهتان عظيم مع أنهم ما كانوا عالمين بكونه كذباً قطعاً؟

والجواب: من وجهين: الأول: أنهم كانوا متمكنين من العلم بكونه بهتاناً، لأن زوجة الرسول لا يجوز أن تكون فاجرة الثاني: أنهم لما جزموا أنهم ما كانوا ظانين له بالقلب كان إخبارهم عن ذلك الجزم كذباً، ونظيره قوله: ﴿ والله يَشْهَدُ إِنَّ المنافقين لكاذبون  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

فإن قلت: كيف جاز الفصل بين لولا وقلتم؟

قلت: للظروف شأن وهو تنزلها من الأشياء منزلة أنفسها لوقوعها فيها وأنها لا تنفك عنها، فلذلك يتسع فيها ما لا يتسع في غيرها.

فإن قلت: فأيّ فائدة في تقديم الظرف حتى أوقع فاصلاً؟

قلت: الفائدة فيه بيان أنه كان الواجب عليهم أن يتفادوا أوّل ما سمعوا بالإفك عن التكلم به، فلما كان ذكر الوقت أهمّ وجب التقديم.

فإن قلت: فما معنى يكون، والكلام بدونه متلئب لو قيل: ما لنا أن نتكلم بهذا؟

قلت: معناه معنى ينبغي ويصحّ، أي: ما ينبغي لنا أن نتكلم بهذا، وما يصحّ لنا.

ونحوه: ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق.

و ﴿ سبحانك ﴾ للتعحب من عظم الأمر.

فإن قلت: ما معنى التعجب في كلمة التسبيح؟

قلت: الأصل في ذلك أن يسبح الله عند رؤية العجيب من صنائعه، ثم كثر حتى استعمل في كل متعجب منه أو لتنزيه الله تعالى من أن تكون حرمة نبيه عليه السلام فاجرة.

فإن قلت: كيف جاز أن تكون امرأة النبي كافرة كامرأة نوح ولوط عليهما الصلاة والسلام، ولم يجز أن تكون فاجرة؟

قلت: لأنّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مبعوثون إلى الكفار ليدعوهم ويستعطفوهم، فيجب أن لا يكون معهم ما ينفرهم عنهم، ولم يكن الكفر عندهم مما ينفر.

وأما الكشخنة فمن أعظم المنفرات.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا ﴾ ما يَنْبَغِي وما يَصِحُّ لَنا.

﴿ أنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذا ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى القَوْلِ المَخْصُوصِ وأنْ تَكُونَ إلى نَوْعِهِ، فَإنَّ قَذْفَ آحادِ النّاسِ مُحَرَّمٌ شَرْعًا فَضْلًا عَنْ تَعَرُّضِ الصِّدِّيقَةِ ابْنَةِ الصِّدِّيقِ حُرْمَةِ رَسُولِ اللَّهِ  .

﴿ سُبْحانَكَ ﴾ تَعَجُّبٌ مِن ذَلِكَ الإفْكِ أوْ مِمَّنْ يَقُولُ ذَلِكَ، وأصْلُهُ أنْ يُذْكَرَ عِنْدَ كُلِّ مُتَعَجَّبٍ تَنْزِيهًا لِلَّهِ تَعالى مِن أنْ يَصْعُبَ عَلَيْهِ مَثَلُهُ ثُمَّ كَثُرَ فاسْتُعْمِلَ لِكُلِّ مُتَعَجَّبٍ، أوْ تَنْزِيهٌ لِلَّهِ تَعالى مِن أنْ تَكُونَ حُرْمَةُ نَبِيِّهِ فاجِرَةً فَإنَّ فُجُورَها يُنَفِّرُ عَنْهُ ويُخِلُّ بِمَقْصُودِ الزَّواجِ بِخِلافِ كُفْرِها فَيَكُونُ تَقْرِيرًا لِما قَبْلَهُ وتَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ: ﴿ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ ﴾ لِعَظَمَةِ المَبْهُوتِ عَلَيْهِ فَإنَّ حَقارَةَ الذُّنُوبِ وعِظَمَها بِاعْتِبارِ مُتَعَلِّقاتِها.

﴿ يَعِظُكُمُ اللَّهُ أنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ ﴾ كَراهَةَ أنْ تَعُودُوا أوْ في أنْ تَعُودُوا.

﴿ أبَدًا ﴾ ما دُمْتُمْ أحْياءً مُكَلَّفِينَ.

﴿ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ فَإنَّ الإيمانَ يَمْنَعُ عَنْهُ وفِيهِ تَهْيِيجٌ وتَقْرِيعٌ.

﴿ وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ ﴾ الدّالَّةَ عَلى الشَّرائِعِ ومَحاسِنِ الآدابِ كَيْ تَتَّعِظُوا وتَتَأدَّبُوا.

﴿ واللَّهُ عَلِيمٌ ﴾ بِالأحْوالِ كُلِّها.

﴿ حَكِيمٌ ﴾ في تَدابِيرِهِ ولا يَجُوزُ الكَشْخَنَةُ عَلى نَبِيِّهِ ولا يُقَرِّرُهُ عَلَيْها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَلَوْلاَ} وهلا {إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بهذا} فصل بين لولا وقلتم الظرف لأن للظروف شأناً وهو تنزلها من الأشياء منزلة أنفسها لوقوعها فيها وأنها لا تنفك عنها فلذا يتسع فيها ما لا يتسع في غيرها وفائدة تقديم الظرف أنه كان الواجب عليهم أن يتفادوا أول ما سمعوا بالإفك عن التكلم به فلما كان ذكر الوقت أهم قدم والمعنى

النور (٢١ - ١٦)

{سبحانك هذا بهتان عظيم يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين}

هلا قلتم إذ سمعتم الإفك ما يصح لنا أن نتكلم بهذا {سبحانك} للتعجب من عظم الأمر ومعنى التعجب في كلمة التسبيح أن الأصل ان يسبح الله عند رؤبة العجيب من صنائعه ثم كثر حتى استعمل في كل متعجب منه أو لتنزيه الله من أن تكون حرمة نبيه فاجرة وإنما جاز أن تكون امرأة النبي كافرة كامرأة نوح ولوط ولم يجز أن تكون فاجرة لأن النبي مبعوث إلى الكفار ليدعوهم فيجب أن لا يكون معه ما ينفرهم عنه والكفر غير منفر عندهم وأما الكشخنة فمن أعظم المنفرات {هذا بهتان} زوريبهت من يسمع {عظِيمٌ} وذكر فيما تقدم هذا إفك مبين ويجوز أن يكونوا أمروا بهما مبالغة في التبري

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ﴾ مِمَّنِ اخْتَرَعَهُ أوِ المُتابِعِ لَهُ ﴿ قُلْتُمْ ﴾ تَكْذِيبًا لَهُ وتَهْوِيلًا لِما ارْتَكَبَهُ ﴿ ما يَكُونُ لَنا أنْ نَتَكَلَّمَ ﴾ أيْ ما يُمَكِّنُنا وما يَصْدُرُ عَنّا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ التَّكَلُّمُ ﴿ بِهَذا ﴾ إشارَةٌ إلى القَوْلِ الَّذِي سَمِعُوهُ بِاعْتِبارِ شَخْصِهِ.

وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى نَوْعِهِ فَإنَّ قَذْفَ آحادِ النّاسِ المُتَّصِفِينَ بِالإحْصانِ مُحَرَّمٌ شَرْعًا، وجاءَ عَنْ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا «أنَّهُ يَهْدِمُ عَمَلَ مِائَةِ سَنَةٍ» فَضْلًا عَنْ تَعَرُّضِ الصَّدِيقَةِ حُرْمَةَ رَسُولِ اللَّهِ  ، والكَلامُ في تَوْسِيطِ الظَّرْفِ عَلى نَحْوِ ما مَرَّ ﴿ سُبْحانَكَ ﴾ تَعَجُّبٌ مِمَّنْ تَفَوَّهَ بِهِ، وأصْلُهُ أنْ يَذْكُرَ عِنْدَ مُعايَنَةِ العَجِيبِ مِن صَنائِعِهِ تَعالى شَأْنُهُ تَنْزِيهًا لَهُ سُبْحانَهُ مِن أنْ يَصْعُبَ عَلَيْهِ أمْثالُهُ ثُمَّ كَثُرَ حَتّى اسْتُعْمِلَ في كُلِّ مُتَعَجِّبٍ مِنهُ واسْتِعْمالُهُ فِيما ذُكِرَ مَجازٌ مُتَفَرِّعٌ عَلى الكِنايَةِ، ومِثْلُهُ في اسْتِعْمالِهِ لِلتَّعَجُّبِ لا إلَهَ إلّا اللَّهَ، والعَوامُ يَسْتَعْمِلُونَ الصَّلاةَ عَلى النَّبِيِّ  في ذَلِكَ المَقامِ أيْضًا ولَمْ يَسْمَعْ في لِسانِ الشَّرْعِ بَلْ قَدْ صَرَّحَ بَعْضُ الفُقَهاءِ بِالمَنعِ مِنهُ.

وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ ﴿ سُبْحانَكَ ﴾ هُنا مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَتِهِ والمُرادُ تَنْزِيهُ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ مِن أنْ يَصُمَّ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ويَشِينَهُ فَإنَّ فُجُورَ الزَّوْجَةِ وصْمَةٌ في الزَّوْجِ تَنْفِرُ عَنْهُ القُلُوبُ وتَمْنَعُ عَنِ اتِّباعِهِ النُّفُوسُ ولِذا صانَ اللَّهُ تَعالى أزْواجَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَنْ ذَلِكَ، وهَذا بِخِلافِ الكُفْرِ فَإنَّ كُفْرَ الزَّوْجَةِ لَيْسَ وصْمَةً في الزَّوْجِ، وقَدْ ثَبَتَ كُفْرُ زَوْجَتَيْ نُوحٍ ولُوطَ عَلَيْهِما السَّلامُ كَذا قِيلَ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قَرِيبًا ما يَتَعَلَّقُ بِهِ، وعَلى هَذا يَكُونُ ﴿ سُبْحانَكَ ﴾ تَقْرِيرًا لِما قَبْلَهُ وتَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: هَذا ﴿ بُهْتانٌ ﴾ أيْ كَذِبٍ يَبْهَتُ ويُحَيِّرُ سامِعَهُ لِفَظاعَتِهِ ﴿ عَظِيمٌ ﴾ لا يَقْدِرُ قَدْرَهُ لِعَظَمَةِ المَبْهُوتِ عَلَيْهِ فَإنَّ حَقارَةَ الذُّنُوبِ وعِظَمَها كَثِيرًا ما يَكُونانِ بِاعْتِبارِ مُتَعَلِّقاتِها، والظّاهِرُ أنَّ التَّوْبِيخَ لِلسّامِعِينَ الخائِضِينَ لا لِلسّامِعِينَ مُطْلَقًا، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ سَعْدَ بْنَ مُعاذٍ لَمّا سَمِعَ ما قِيلَ في أمْرِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالَ: سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ.

وعَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ أنَّهُ قالَ: كانَ رَجُلانِ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ  إذا سَمِعا شَيْئًا مِن ذَلِكَ قالا ما ذَكَرَ أُسامَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ وأبُو أيُّوبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما.

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهٍ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أنَّها قالَتْ: إنَّ امْرَأةَ أبِي أيُّوبٍ الأنْصارِيِّ قالَتْ لَهُ: يا أبا أيُّوبٍ ألا تَسْمَعُ ما يَتَحَدَّثُ بِهِ النّاسُ؟

فَقالَ: ما يَكُونُ لَنا أنَّ نَتَكَلَّمَ بِهَذا سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ، ومُنْشَأُ هَذا الجَزْمِ عَلى ما قالَهُ الإمامُ الرّازِيُّ العِلْمُ بِأنَّ زَوْجَةَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ فاجِرَةً، وعَلَّلَ بِأنَّ ذَلِكَ يَنْفِرُ عَنِ الِاتِّباعِ فَيُخِلُّ بِحِكْمَةِ البَعْثَةِ كَدَناءَةِ الآباءِ وعِهْرِ الأُمَّهاتِ، وقَدْ نَصَّ العَلّامَةُ الثّانِي عَلى أنَّ مِن شُرُوطِ النُّبُوَّةِ السَّلامَةُ عَنْ ذَلِكَ بَلْ عَنْ كُلِّ ما يَنْفِرُ عَنِ الِاتِّباعِ.

واسْتَشْكَلَ ذَلِكَ بِأنَّهُ إذا كانَ ما ذَكَرَ شَرْطًا فَكَيْفَ عَلِمَهُ مَن سَمِعَتْ حَتّى قالُوا ما قالُوا وخُفِيَ الأمْرُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  حَتّى قالَ كَما في صَحِيحِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ: ««يا عائِشَةُ إنَّهُ بَلَغَنِي عَنْكَ كَذا وكَذا فَإنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللَّهُ تَعالى وإنْ كُنْتِ ألْمَمْتِ بِذَنْبٍ فاسْتَغْفِرِي اللَّهَ تَعالى وتُوبِي إلَيْهِ»».

وجاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ ««يا عائِشَةُ إنْ كُنْتِ فَعَلْتِ هَذا الأمْرَ فَقُولِي لِي حَتّى أسْتَغْفِرَ اللَّهَ تَعالى لَكِ»» وكَذا خُفِيَ عَلى صاحِبِهِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، فَقَدْ أخْرَجَ البَزّارُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أنَّهُ لَمّا نَزَلَ عُذْرُها قَبَّلَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ رَأْسَها فَقالَتْ: ألا عَذَرَتْنِي فَقالَ: أيُّ سَماءٍ تُظِلُّنِي وأيُّ أرْضٍ تُقِلُّنِي إنْ قُلْتُ ما لا أعْلَمُ؟

وأُجِيبُ بِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الشُّرُوطِ العَقْلِيَّةِ لِلنُّبُوَّةِ كالأمانَةِ والصِّدْقِ بَلْ هو مِنَ الشُّرُوطِ الشَّرْعِيَّةِ والعادِيَّةِ، كَما قالَ اللَّقانِيُّ فَيَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا قَبْلُ وإنَّما عُلِمَ بَعْدَ نُزُولِ آياتِ بَراءَةِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها، وعَدَمُ العِلْمِ بِمِثْلِ ذَلِكَ لا يَقْدَحُ في مَنصِبِ النُّبُوَّةِ، وأمّا دَعْوى عُلِمَ مَن ذُكِّرَ بِهِ فَلا دَلِيلَ عَلَيْها، وقَوْلُهم ذَلِكَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ناشِئًا عَنْ حُسْنِ الظَّنِّ لا عَنْ عِلْمٍ بِكَوْنِ السَّلامَةِ مِنَ المُنَفِّرِ عَنِ الِاتِّباعِ مِن شُرُوطِ النُّبُوَّةِ، ويَشْهَدُ لِهَذا نَظَرًا إلى بَعْضِ القائِلِينَ والظّاهِرُ تُساوِيهِمْ ما أخْرَجَهُ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدُويَهٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ بَعْضِ الأنْصارِ أنَّ امْرَأةَ أبِي أيُّوبٍ قالَتْ لَهُ حِينَ قالَ أهْلُ الإفْكِ ما قالُوا: ألا تَسْمَعُ ما يَقُولُ النّاسُ في عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها؟

قالَ: بَلى وذَلِكَ الكَذِبُ أكُنْتِ أنْتَ فاعِلَةٌ يا أمَّ أيُّوبٍ؟

قالَتْ: لا واللَّهِ فَقالَ: فَعائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها واللَّهُ خَيْرٌ مِنكِ وأطْيَبُ إنَّما هَذا كَذِبٌ وإفْكٌ باطِلٌ، ورَوى قَرِيبًا مِنهُ الحاكِمُ وابْنُ عَساكِرَ أيْضًا عَنْ أفْلَحَ مَوْلى أبِي أيُّوبٍ، ولَعَلَّهُ المَعْنِيُّ بِبَعْضِ الأنْصارِ في الخَبَرِ السّابِقِ، ولَمْ يُقُلْ  نَحْوَ ذَلِكَ لِحُسْنِ الظَّنِّ لِشِدَّةِ غِيرَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والغَيُّورُ لا يَكادُ يَعُولُ في مِثْلِ ذَلِكَ عَلى حُسْنِ الظَّنِّ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهم ذَلِكَ ناشِئًا عَنِ العِلْمِ بِكَوْنِ السَّلامَةِ مِنَ المُنَفِّرِ عَنِ الِاتِّباعِ مِن شُرُوطِ النُّبُوَّةِ بِأنْ يَكُونُوا قَدْ تَفْطَنُوا لِكَوْنِ حِكْمَةِ البِعْثَةِ تَقْتَضِي تِلْكَ السَّلامَةَ وقَدْ يَتَفَطَّنُ العالِمُ لِما لا يَتَفَطَّنُ لَهُ مَن هو أعْلَمُ مِنهُ.

وجَوَّزَ أنْ يُدْعى أنَّ النَّبِيَّ  كانَ عالِمًا بِعَدَمِ جَوازِ فُجُورِ نِساءِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِما فِيهِ مِنَ النَّفْرَةِ المُخِلَّةِ بِحِكْمَةِ البَعْثَةِ لَكِنْ أرادَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يُظْهِرَ أمْرَ بَراءَةِ الصِّدِّيقَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها ظُهُورَ الشَّمْسِ في رابِعَةِ النَّهارِ بِحَيْثُ لا يَبْقى فِيهِ خَفاءٌ عِنْدَ أحَدٍ مِنَ الصَّحابَةِ الكِرامِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، وما عَرّاهُ مِنَ الهَمِّ إنَّما هو أمْرٌ طَبِيعِيٌّ حَصَلَ بِسَبَبِ خَوْضِ المُنافِقِينَ ومَن تَبِعَهم وشُيُوعِ ما لا أصِلَ لَهُ مِنَ الباطِلِ بَيْنَ النّاسِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ  كانَ عالِمًا بِأنَّ السَّلامَةَ مِنَ المُنَفِّرِ مِن شُرُوطِ النُّبُوَّةِ لَكِنْ خَشِيَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ الَّذِي لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ أنْ لا يَجْعَلُ ما خاضَ المُنافِقُونَ وأتْباعُهم فِيهِ مِنَ المُنَفِّرِ بِأنْ لا يُرَتِّبَ سُبْحانَهُ خَلْقَ النَّفْرَةِ في القُلُوبِ عَلَيْهِ لِيَمْنَعَ مِنَ الِاتِّباعِ فَتَخْتَلُّ حِكْمَةُ البَعْثَةِ فَداخَلَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الهَمِّ ما داخَلَهُ وجَعَلَ يَتَتَبَّعُ الأمْرَ عَلى أتَمِّ وجْهٍ وما ذَلِكَ إلّا مِن مَزِيدِ العِلْمِ ونِهايَةِ الحَزْمِ، ونَظِيرُهُ مِن وجْهِ خَوْفِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن قِيامِ السّاعَةِ عِنْدَ اشْتِدادِ الرِّيحِ بِحَيْثُ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَنامَ ما دامَ الأمْرُ كَذَلِكَ حَتّى تُمْطِرَ السَّماءُ.

وقِيلَ يَجُوزُ أنْ لا يُعَدَّ فُجُورُ الزَّوْجَةِ مُنَفِّرًا إلّا إذا أمْسَكَتْ بَعْدَ العِلْمِ بِهِ فَلِمَ لا يَجُوزُ أنَّ يَقَعَ فَيَجِبُ طَلاقُها وإذا طَلَّقَتْ لا يَتَحَقَّقُ المُنَفِّرُ المُخِلُّ بِالحِكْمَةِ، هَذا ولا يَخْفى عَلَيْكَ ما في بَعْضِ الِاحْتِمالاتِ مِنَ البَحْثِ بَلْ بَعْضُها في غايَةِ البُعْدِ عَنْ ساحَةِ القَبُولِ، ولَعَلَّ الحَقَّ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ أُخْفِيَ عَلَيْهِ أمْرُ الشُّرْطِيَّةِ إلى أنِ اتَّضَحَ أمْرُ البَراءَةِ ونَزَلَتِ الآياتُ فِيها لِحِكْمَةِ الِابْتِلاءِ وغَيْرِهِ مِمّا اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِهِ.

وإنَّ قَوْلَ أُولَئِكَ الأصْحابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ: ﴿ سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ ﴾ لَمْ يَكُنْ ناشِئًا إلّا عَنْ حُسْنِ الظَّنِّ، ولَمْ يَتَمَسَّكْ بِهِ  لِأنَّهُ لا يَحْسِمُ القالَ والقِيلَ ولا يَرُدُّ بِهِ شَيْءٌ مِنَ الأباطِيلِ، ولا يَنْبَغِي لِمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ  أنْ يُخالِجَ قَلْبَهُ بَعْدَ الوُقُوفِ عَلى الآياتِ والأخْبارِ شَكٌّ في طَهارَةِ نِساءِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنِ الفُجُورِ في حَياةِ أزْواجِهِنَّ وبَعْدَ وفاتِهِمْ عَنْهُنَّ، ونَسَبَ لِلشِّيعَةِ قَذْفَ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها بِما بَرَّأها اللَّهُ تَعالى مِنهُ وهم يُنْكِرُونَ ذَلِكَ أشَدَّ الإنْكارِ ولَيْسَ في كُتُبِهِمُ المُعَوَّلِ عَلَيْها عِنْدَهم عَيْنٌ مِنهُ ولا أثَرٌ أصْلًا، وكَذَلِكَ يُنْكِرُونَ ما نُسِبَ إلَيْهِمْ مِنَ القَوْلِ بِوُقُوعِ ذَلِكَ مِنها بَعْدَ وفاتِهِ  ولَيْسَ لَهُ أيْضًا في كُتُبِهِمْ عَيْنٌ ولا أثَرٌ.

والظّاهِرُ أنَّهُ لَيْسَ في الفِرَقِ الإسْلامِيَّةِ مَن يَخْتَلِجُ في قَلْبِهِ ذَلِكَ فَضْلًا عَنِ الإفْكِ الَّذِي بَرَّأها اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مِنهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَلَوْلا يعني: فهلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ أي: إذ سمعتم القذف.

قُلْتُمْ مَّا يَكُونُ لَنا يعني: لا ينبغي لنا ولا يجوز لنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ وفي هذا بيان فضل عائشة  ا حيث نزهها باللفظ الذي نزه به نفسه، وهو لفظ سبحان الله، ويقال: سبحان الله أن تكون امرأة النبي  زانية، ما كانت امرأة نبي زانية قط.

ثم وعظ الذين يخوضون في أمر عائشة، فقال عز وجل: يَعِظُكُمُ اللَّهُ يعني: ينهاكم الله عز وجل: أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً يعني: القذف إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ يعني: مصدقين بالله وبرسوله  وباليوم الآخر.

وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ يعني: الأمر والنهي وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ونزل في عبد الله بن أبيّ وأصحابه.

إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ يعني: يظهر الزنى ويفشو ويقال: يحبّون ما شاع لعائشة من الثناء السيئ فِي الَّذِينَ آمَنُوا يعني: عائشة وصفوان  ما.

لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا الحد وَالْآخِرَةِ النار إن لم يتوبوا.

وَاللَّهُ يَعْلَمُ أنهما لم يزنيا وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ذلك منهما.

ثم قال عز وجل: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ، وجوابه مضمر، يعني: لولا منُّ الله عليكم ونعمته لعاقبكم فيما قلتم في أمر عائشة وصفوان.

وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ، حيث لم يجعل بالعقوبة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

تفعلين ذلك؟

قالت: لا، والله، قال: فعائشة- والله- أفضلُ منك، قالتْ أُمُّ أيوب:

نعم» «١» فهذا الفعل ونحوه هو الذي عاتب الله فيه المؤمنين إذ لم يفعله جميعهم، والضمير في قوله: لَوْلا جاؤُ للذين تولوا كبره.

وقوله تعالى: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ هذا عتاب من الله تعالى، بليغ في تعاطيهم هذا الحديثَ وإنْ لم يكن المُخْبِرُ والمُخْبَرُ مُصَدِّقِينَ، ولكنَّ نفس التعاطي والتلقي من لسانَ إلى لسان والإفاضة في الحديث- هو الذي وقع العتابُ فيه، وقرأ ابن يعمر «٢» وعائشة (رضي الله عنها) وهي أعلم الناس بهذا الأمر: «إذْ تَلِقُونَهُ» /- بفتح التاء، وكسر اللام، وضم القاف-، ومعنى ٣٦ أهذه القراءة من قول العرب: وَلَقَ الرجُل وَلْقاً إذا كَذِبَ، وحكى «٣» الطبريُّ: أن هذه اللفظة مأخوذةٌ من: الوَلْقِ الذي هو إسراعك بالشيء بعد الشيء يقال: ولق في سيره إذا أسرع، والضمير في: تَحْسَبُونَهُ للحديث والخوضِ فيه والإذاعةِ له.

وقوله تعالى: سُبْحانَكَ أي: تنزيهاً للَّه أَنْ يقع هذا من زوج نَبِيِّه صلّى الله عليه وسلّم وحقيقة البُهْتَانِ: أَنْ يقال في الإنسان ما ليس فيه، والغيبة: أَنْ يقال في الإنسان ما فيه، ثم وعظهم تعالى في العودة إلى مثل هذه الحالة.

إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (١٩) وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (٢٠) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١)

وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا ...

الآية: قال مجاهد وغيره: الإشارة بهذه الآية إلى المنافقين، وعذابهم الأليم في الدنيا: الحدودُ، وفي الآخرة: النار «١» ، وقالت فرقة: الآية عامَّةٌ في كلّ قاذف، و [هذا] «٢» هو الأظهر.

وقوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْلَمُ معناه: يعلم البريءَ من المُذْنِبِ، ويعلم سائر الأمور، وجواب لَوْلا أيضاً محذوف تقديره: لَفَضَحَكُم بذنوبكم، أو لعذّبكم ونحوه.

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ ...

الآية: خطوات جمع خُطْوَة، وهي ما بين القدمين في المشي، فكأنَّ المعنى: لا تمشوا في سُبُلِهِ وطُرُقِهِ.

قلت: وفي قوله سبحانه: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً: ما يردع العاقلَ عن الاشتغال بغيره، ويُوجِبُ له الاهتمامَ بإصلاح نفسه قبل هجوم مَنِيَّتِهِ وحُلُولِ رَمْسِهِ، وحَدَّثَ أَبو عمر في «التمهيد» بسنده عن إسماعيل بن كثير قال:

سمعت مجاهداً يقول: «إنَّ الملائكة مع ابن آدم، فإذا ذكر أخاه المسلم بخير، قالت الملائكة: ولك مِثْلُهُ، وإذا ذكره بشرٍّ، قالتِ الملائكةُ: ابنَ آدمَ المستور عورته، أَرْبِعْ على نفسك، واحْمَدِ الله الذي يستر عورتك» انتهى، ورُوِّينَا في «سنن أبي داودَ» عن سهل بن مُعَاذِ بن أنس الجهني عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: «مَنْ حَمَى مُؤْمِناً مِنْ مُنَافِقٍ- أَرَاهُ قالَ:

بَعَثَ اللهُ مَلَكاً يَحْمِي لَحْمَةُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ، وَمَنْ رَمَى مُسْلِماً بشيء يريد به شينه، حبسه الله- عز وجل- عَلَى جِسْرِ جَهَنَّمِ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ» «٣» ، وروينا أيضاً عن أَبي داودَ بسنده عن جابرِ بن عبد الله وأبي طلحةَ بن سهل الأنصارِيَّين أنَّهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «ما من امرئ يخذل أمرا مُسْلِماً في مَوْضِعٌ تُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ، وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ- إلاَّ خَذَلَهُ اللهُ في موطن يحبّ فيه نصرته، وما من امرئ يَنْصُرُ مُسْلِماً في مَوْضِع يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ، وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ- إلاَّ نَصَرَهُ الله في موضع يحبّ فيه

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ جاءُوا بِالإفْكِ ﴾ أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ؛ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ وما يَتَعَلَّقُ بِها بَعْدَها نَزَلَتْ في قِصَّةِ عائِشَةَ.

وفي حَدِيثِ الإفْكِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إلى عَشْرِ آياتٍ نَزَلَتْ في قِصَّةِ عائِشَة.

وقَدْ ذَكَرْنا حَدِيثَ الإفْكِ في كِتابِ " الحَدائِقِ " وفي كِتابِ " المُغَنِي في التَّفْسِيرِ " فَلَمْ نُطِلْ بِذِكْرِهِ، لِأنَّ غَرَضَنا اخْتِصارُ هَذا الكِتابِ لِيُحْفَظَ.

فَأمّا الإفْكُ، فَهو الكَذِبُ، والعُصْبَةُ: الجَماعَةُ.

وَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ مِنكُمْ ﴾ أيْ: مِنَ المُؤْمِنِينَ.

ورَوى عُرْوَةُ عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ هم أرْبَعَةٌ: حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبِيِّ [بْنِ سَلُولٍ]، ومِسْطَحُ بْنُ أثاثَةٍ، وحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ، وكَذَلِكَ عَدَّهم مُقاتِلُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا خِطابٌ لِعائِشَةَ وصَفْوانَ بْنِ المُعَطَّلِ، وقِيلَ: لِرَسُولِ اللَّهِ  وأبِي بَكْرٍ وعائِشَةَ؛ والمَعْنى: إنَّكم تُؤَجَرُونَ فِيهِ، ﴿ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهُمْ ﴾ يَعْنِي: مِنَ العُصْبَةِ الكاذِبَةِ ﴿ ما اكْتَسَبَ مِنَ الإثْمِ ﴾ أيْ: جَزاءُ ما اجْتَرَحَ مِنَ الذَّنْبِ عَلى قَدْرِ خَوْضِهِ فِيهِ، ﴿ والَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنهُمْ ﴾ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، والحَسَنُ، ومَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو، ويَعْقُوبَ: " كُبْرَهُ " بِضَمِّ الكافِ.

قالَ الكِسائِيُّ: وهُما لُغَتانِ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كِبْرُ الشَّيْءَ: مُعْظَمُهُ، ومِنهُ هَذِهِ الآيَةُ.

قالَ قَيْسُ بْنُ الخَطِيمِ يَذْكُرُ امْرَأةً: تَنامُ عَنْ كِبَرِ شَأْنِها فَإذا قامَتْ رُوَيْدًا تَكادُ تَنْعَرِفُ وَفِي المُتَوَلِّي لِذَلِكَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعُرْوَةُ عَنْ عائِشَةَ، وبِهِ قالَ مُجاهِدُ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: هو الَّذِي أشاعَ الحَدِيثَ، فَلَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ بِالنّارِ.

وقالَ الضَّحّاكُ هو الَّذِي بَدَأ بِذَلِكَ.

والثّانِي: أنَّهُ حَسّانٌ؛ رَوى الشَّعْبِيُّ أنَّ عائِشَةَ قالَتْ: ما سَمِعَتُ أحْسَنَ مِن شِعْرِ حَسّانٍ، وما تَمَثَّلْتُ بِهِ إلّا رَجَوْتُ لَهُ الجَنَّةَ؛ فَقِيلَ: يا أُمَّ المُؤْمِنِينَ، ألَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: ﴿ والَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنهم لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ فَقالَتْ: ألَيْسَ قَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ؟

ورَوى عَنْها مَسْرُوقُ أنَّها قالَتْ: وأيُّ عَذابٍ أشَدُّ مِنَ العَمى، ولَعَلَّ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ العَذابَ العَظِيمَ ذَهابَ بَصَرِهِ، تَعْنِي حَسّانَ بْنَ ثابِتٍ.

ثُمَّ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أنْكَرَ عَلى الخائِضِينَ في الإفْكِ بِقَوْلِهِ: ﴿ لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ﴾ أيْ: هَلّا إذْ سَمِعْتُمْ أيَّتُها العُصْبَةُ الكاذِبَةُ قَذْفَ عائِشَةَ ﴿ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ ﴾ مِنَ العُصْبَةِ الكاذِبَةِ، وهم حَسّانُ ومِسْطَحٌ ﴿ والمُؤْمِناتُ ﴾ وهِيَ: حَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ ﴿ بِأنْفُسِهِمْ ﴾ وفِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: بِأُمَّهاتِهِمْ.

والثّانِي: بِأخَواتِهِمْ.

والثّالِثُ: بِأهْلِ دِينِهِمْ، لِأنَّ المُؤْمِنِينَ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ، ﴿ وَقالُوا هَذا إفْكٌ مُبِينٌ ﴾ أيْ: كَذِبٌ بَيِّنٌ.

وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ أبا أيُّوبٍ الأنْصارِيَّ قالَتْ لَهُ أُمُّهُ: ألا تَسْمَعُ ما يَقُولُ النّاسُ في أمْرِ عائِشَةَ؟!

فَقالَ: هَذا إفْكٌ مُبِينٌ، أكُنْتِ يا أُمّاهُ فاعِلَتَهُ؟

قالَتْ: مَعاذَ اللَّهِ، قالَ: فَعائِشَةُ واللَّهِ خَيْرٌ مِنكِ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْلا جاءُوا ﴾ أيْ: هَلّا جاءَتِ العُصْبَةُ الكاذِبَةُ عَلى قَذْفِهِمْ [عائِشَةَ] ﴿ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ ﴾ وقَرَأ الضَّحّاكُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: " بِأرْبَعَةٍ " مُنَوَّنَةٍ؛ والمَعْنى: يَشْهَدُونَ بِأنَّهم عايَنُوا ما رَمَوْها بِهِ ﴿ فَإذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ أيْ: في حُكْمِهِ ﴿ هُمُ الكاذِبُونَ ﴾ .

ثُمَّ ذَكَرَ القاذِفِينَ فَقالَ: ﴿ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ ﴾ أيْ: لَوْلا ما مَنَّ [اللَّهُ] بِهِ عَلَيْكُمْ، ﴿ لَمَسَّكُمْ ﴾ أيْ: لَأصابَكم ﴿ فِي ما أفَضْتُمْ ﴾ أيْ: أخَذْتُمْ وخُضْتُمْ ﴿ فِيهِ ﴾ مِنَ الكَذِبِ والقَذْفِ ﴿ عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.

ثُمَّ ذَكَرَ الوَقْتَ الَّذِي لَوْلا فَضْلُهُ لَأصابَهم فِيهِ العَذابُ فَقالَ: ﴿ إذْ تَلَقَّوْنَهُ ﴾ وكانَ الرَّجُلُ مِنهم يَلْقى الرَّجُلَ فَيَقُولُ: بَلَغَنِي كَذا، فَيَتَلَقّاهُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ.

وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: " إذْ تُلْقُونَهُ " بِتاءٍ واحِدَةٍ خَفِيفَةٍ مَرْفُوعَةٍ وإسْكانِ اللّامِ وقافٍ مَنقُوطَةٍ بِنُقْطَتَيْنِ مَرْفُوعَةٍ خَفِيفَةٍ؛ وقَرَأ مُعاوِيَةُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ مِثْلَهُ، إلّا أنَّهُما فَتَحا التّاءَ والقافَ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: " تَتَلَقَّوْنَهُ " بِتاءَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ مَعَ نَصْبِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعائِشَةُ، ومُجاهِدُ، وأبُو حَيْوَةَ: " تَلِقُونَهُ " بِتاءٍ واحِدَةٍ خَفِيفَةٍ مَفْتُوحَةٍ وكَسْرِ اللّامِ ورَفْعِ القافِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: " تُلْقُونَهُ ": يُلْقِيهِ بَعْضُكم إلى بَعْضٍ وتُلْقُونَهُ؛ ومَعْناهُ: إذْ تُسْرِعُونَ بِالكَذِبِ، يُقالُ: ولَقَ يَلْقَ: إذا أسْرَعَ في الكَذِبِ وغَيْرِهِ، قالَ الشّاعِرُ: جاءَتْ بِهِ عَنْسٌ مِنَ الشّامِ تَلِقُّ أيْ: تُسْرِعُ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " تُلْقُونَهُ " أيْ: تَقْبَلُونَهُ، ومَن قَرَأ: " تُلْقُونَهُ " أخَذَهُ مِنَ الوَلْقِ، وهو الكَذِبُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَقُولُونَ بِأفْواهِكم ما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ ﴾ أيْ: مِن غَيْرِ أنْ تَعْلَمُوا أنَّهُ حَقٌّ ﴿ وَتَحْسَبُونَهُ ﴾ يَعْنِي: ذَلِكَ القَذْفَ ﴿ هَيِّنًا ﴾ أيْ: سَهْلًا لا إثْمَ فِيهِ ﴿ وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ ﴾ في الوِزْرِ.

ثُمَّ زادَ عَلَيْهِمْ في الإنْكارِ فَقالَ: ﴿ وَلَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا ﴾ أيْ: ما يَحِلُّ وما يَنْبَغِي لَنا ﴿ أنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذا سُبْحانَكَ ﴾ وهو يَحْتَمِلُ التَّنْزِيهَ والتَّعَجُّبَ.

ورَوَتْ عائِشَةُ أنَّ امْرَأةَ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ قالَتْ لَهُ: ألَمْ تَسْمَعْ ما يَتَحَدَّثُ النّاسُ؟!

فَقالَ: ﴿ ما يَكُونُ لَنا أنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذا ﴾ ...

الآيَةُ، فَنَزَلَتْ الآيَةُ.

وقَدْ رَوَيْنا آنِفًا أنَّ أُمَّهُ ذَكَرَتْ لَهُ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ الآيَةُ المُتَقَدِّمَةُ.

ورُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ سَعْدَ بْنَ مُعاذٍ لَمّا سَمِعَ ذَلِكَ قالَ: سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ، فَقِيلَ لِلنّاسِ: هَلّا قُلْتُمْ كَما قالَ سَعْدٌ؟!

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَعِظُكُمُ اللَّهُ ﴾ أيْ: يَنْهاكُمُ اللَّهُ ﴿ أنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ ﴾ أيْ: إلى مِثْلِهِ ﴿ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ لِأنَّ مِن شَرْطِ الإيمانِ تَرْكَ قَذْفِ المُحْصَنَةِ.

﴿ وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ ﴾ في الأمْرِ والنَّهْىِ.

ثُمَّ هَدَّدَ القاذِفِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ ﴾ أيْ يُحِبُّونَ أنْ يَفْشُوَ القَذْفُ بِالفاحِشَةِ، وهي الزِّنا ﴿ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهم عَذابٌ ألِيمٌ في الدُّنْيا ﴾ يَعْنِي: الجَلْدَ ﴿ والآخِرَةِ ﴾ عَذابَ النّارِ.

ورَوَتْ عُمْرَةُ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «لَمّا نَزَلَ عُذْرِي قامَ رَسُولُ اللَّهِ  عَلى المِنبَرِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ، وتَلا القُرْآنَ، فَلَمّا نَزَلَ أُمِرَ بِرَجُلَيْنِ وامْرَأةٍ، فَضُرِبُوا حَدَّهم.» ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  جَلَدَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ، ومِسْطَحَ بْنَ أُثاثَةَ، وحَسّانَ بْنَ ثابِتٍ، وحَمْنَةَ بِنْتَ جَحْشٍ، فَأمّا الثَّلاثَةُ فَتابُوا، وأمّا عَبْدُ اللَّهِ فَماتَ مُنافِقًا،» وبَعْضُ العُلَماءِ يُنْكِرُ صِحَّةَ هَذا، ويَقُولُ: لَمْ يَضْرِبْ أحَدًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ يَعْلَمُ ﴾ شَرَّ ما خُضْتُمْ فِيهِ وما يَتَضَمَّنُ مِن سَخَطِ اللَّهِ ﴿ وَأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ ذَلِكَ، ﴿ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ جَوابُهُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: لَعاقَبَكم فِيما قُلْتُمْ لِعائِشَةَ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: مِسْطَحًا، وحَسّانَ، وحَمْنَةَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ في الدُنْيا والآخِرَةِ لَمَسَّكم في ما أفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ ﴿ إذْ تَلَقَّوْنَهُ بِألْسِنَتِكم وتَقُولُونَ بِأفْواهِكم ما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ وتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وهو عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ ﴾ ﴿ وَلَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذا سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ ﴾ ﴿ يَعِظُكُمُ اللهُ أنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أبَدًا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَيُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآياتِ واللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ هَذا عِتابٌ مِنَ اللهِ تَعالى بَلِيغٌ، ذَكَرَ أنَّ حالَتَهُمُ الَّتِي وقَعَ فِيها جَمِيعُهم مِن تَعاطِيهِمُ الحَدِيثَ وإنْ لَمْ يَكُنِ المُخْبِرُ ولا المُخْبَرُ مُصَدِّقَيْنَ، ولَكِنَّ نَفْسَ التَعاطِي والتَلَقِّي مِن لِسانٍ إلى لِسانٍ والإفاضَةَ في الحَدِيثِ هو الَّذِي وقَعَ العِتابُ فِيهِ.

وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السَمَيْفَعِ: "إذْ تُلْقُونَهُ" بِضَمِّ التاءِ وسُكُونِ اللامِ وضَمِّ القافِ، ومِنَ الإلْقاءِ، وهَذِهِ قِراءَةٌ بَيِّنَةٌ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ: "إذْ تَتَلَقَّوْنَهُ" مِنَ التَلَقِّي بِتاءَيْنِ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "إذْ تَلَقَّوْنَهُ" بِحَذْفِ التاءِ الواحِدَةِ وإظْهارِ الذالِ دُونَ إدْغامٍ، وهو أيْضًا مِنَ التَلَقِّي، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "إذْ تَلَقَّوْنَهُ" بِإدْغامِ الذالِ في التاءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "إذْ تَلَقَّوْنَهُ" بِإظْهارِ الذالِ وإدْغامِ التاءِ في التاءِ، وهَذِهِ قِراءَةٌ قَلِقَةٌ لَأنَّها تَقْتَضِي اجْتِماعَ ساكِنِينَ، ولَيْسَ كالإدْغامِ في قِراءَةِ مَن قَرَأ: "فَلا تَناجَوْا" "وَلا تَنابَزُوا" لَأنَّ لُدُونَةَ الألِفِ الساكِنَةِ وكَوْنَها حَرْفَ لِينٍ حَسُنَتْ هُنالِكَ ما لا يَحْسُنُ مَعَ سُكُونِ الذالِ، وقَرَأ ابْنُ يَعْمُرٍ وعائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها -وَهِيَ أعْلَمُ الناسِ بِهَذا الأمْرِ-: "إذْ تَلِقُونَهُ" بِفَتْحِ التاءِ وكَسْرِ اللامِ وضَمِّ القافِ، ومَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ مِن قَوْلِ العَرَبِ: "وَلِقَ الرَجُلُ ولَقًا" إذا كَذَبَ، قالَ ابْنُ سِيدَهْ في "المُحْكَمِ": قُرِئَ: "إذْ تَلَقَّوْنَهُ"، وحَكى أهْلُ اللُغَةِ أنَّها مِن ولِقَ إذا كَذَبَ، فَجاؤُوا بِالمُتَعَدِّي شاهِدًا عَلى غَيْرِ المُتَعَدِّي، وعِنْدِي أنَّهُ أرادَ: إذْ تُلْقُونَ فِيهِ، فَحَذَفَ حَرْفَ الجَرِّ ووَصَلَ بِالضَمِيرِ، وَحَكى الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ أنَّ هَذِهِ اللَفْظَةَ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الوَلْقِ الَّذِي هو إسْراعُكَ بِالشَيْءِ بَعْدَ الشَيْءِ، كَعَدُوٍّ في إثْرِ عَدُوٍّ، وكَلامٍ في إثْرِ كَلامٍ، يُقالُ: ولِقَ في سَيْرِهِ إذا أسْرَعَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: جاءَتْ بِهِ عنسٌ مِنَ الشَأْمِ تَلِقْ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَقُولُونَ بِأفْواهِكُمْ ﴾ مُبالَغَةٌ وإلْزامٌ وتَأْكِيدٌ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "وَتَحْسَبُونَهُ" لِلْحَدِيثِ والخَوْضِ فِيهِ والإذاعَةِ لَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ﴾ إلى ﴿ واللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ عِتابٌ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ، أيْ: كانَ يَنْبَغِي عَلَيْكم أنْ تُنْكِرُوهُ ولا يَتَعاطاهُ بَعْضُكم مِن بَعْضٍ عَلى جِهَةِ الحِكايَةِ والنَقْلِ، وأنْ تَنَزَّهُوا اللهَ تَعالى عن أنْ يَقَعَ هَذا مِن زَوْجِ نَبِيِّهِ  ، وأنْ تَحْكُمُوا عَلى هَذِهِ المَقالَةِ بِأنَّها بُهْتانٌ، وحَقِيقَةُ البُهْتانِ أنْ يُقالَ في الإنْسانِ ما لَيْسَ فِيهِ، والغَيْبَةُ أنْ يُقالَ في الإنْسانِ ما فِيهِ.

ثُمْ وعَظَهم تَعالى في العَوْدَةِ إلى مِثْلِ هَذِهِ الحالَةِ، و"أنْ" مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ بِتَقْدِيرِ: "كَراهِيَةَ أنْ" ونَحْوَهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ تَوْقِيفٌ وتَأْكِيدٌ، كَما تَقُولُ: يَنْبَغِي لَكَ أنْ تَفْعَلَ كَذا وكَذا إنْ كُنْتَ رَجُلًا.

وسائِرُ الآيَةِ بَيِّنٌ، و" عَلِيمٌ حَكِيمٌ " صِفَتانِ تَقْتَضِيهِما الآيَةُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة: ﴿ لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون ﴾ [النور: 12] إلخ.

وأعيدت (لولا) وشرطها وجوابها لزيادة الاهتمام بالجملة فلذلك لم يعطف ﴿ قلتم ﴾ الذي في هذه الجملة على ﴿ قلتم ﴾ الذي في الجملة قبلها لقصد أن يكون صريحاً في عطف الجمل.

وتقديم الظرف وهو ﴿ إذ سمعتموه ﴾ على عامله وهو ﴿ قلتم ما يكون لنا ﴾ كتقديم نظيره في قوله: ﴿ لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون ﴾ [النور: 12] إلخ وهو الاهتمام بمدلول الظرف.

وضمير ﴿ سمعتموه ﴾ عائد إلى الإفك مثل الضمائر المماثلة له في الآيات السابقة.

واسم الإشارة عائد إلى الإفك بما يشتمل عليه من الاختلاق الذي يتحدث به المنافقون والضعفاء، فالإشارة إلى ما هو حاضر في كل مجلس من مجالس سماع الإفك.

ومعنى ﴿ قلتم ما يكون لنا ﴾ أن يقولوا للذين أخبروهم بهذا الخبر الآفك.

أي قلتم لهم زجراً وموعظة.

وضمير ﴿ لنا ﴾ مراد به القائلون والمخاطبون.

فأما المخاطبون فلأنهم تكلموا به حين حدثوهم بخبر الإفك.

والمعنى: ما يكون لكم أن تتكلموا بهذا، وأما المتكلمون فلتنزههم من أن يجري ذلك البهتان على ألسنتهم.

وإنما قال: ﴿ ما يكون لنا أن نتكلم بهذا ﴾ دون أن يقول: ليس لنا أن نتكلم بهذا، للتنبيه على أن الكلام في هذا وكينونة الخوض فيه حقيق بالانتفاء.

وذلك أن قولك: ما يكون لي أن أفعل، أشد في نفي الفعل عنك من قولك: ليس لي أن أفعل.

ومنه قوله تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام ﴿ قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق ﴾ [المائدة: 116].

وهذا مسوق للتوبيخ على تناقلهم الخبر الكاذب وكان الشأن أن يقول القائل في نفسه: ما يكون لنا أن نتكلم بهذا، ويقول ذلك لمن يجالسه ويسمعه منه.

فهذا زيادة على التوبيخ على السكوت عليه في قوله تعالى: ﴿ وقالوا هذا إفك مبين ﴾ [النور: 12].

و ﴿ سبحانك ﴾ جملة إنشاء وقعت معترضة بين جملة: ﴿ ما يكون لنا أن نتكلم بهذا ﴾ وجملة: ﴿ هذا بهتان عظيم ﴾ .

و ﴿ سبحانك ﴾ مصدر وقع بدلاً من فعله، أي نسبح سبحاناً لك.

وإضافته إلى ضمير الخطاب من إضافة المصدر إلى مفعوله، وهو هنا مستعار للتعجب كما تقدم عند قوله تعالى: ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً ﴾ [الإسراء: 1] وقوله: ﴿ وسبحان الله وما أنا من المشركين ﴾ في سورة يوسف (108).

والأحسن أن يكون هنا لإعلان المتكلم البراءة من شيء بتمثيل حال نفسه بحال من يشهد الله على ما يقول فيبتدئ بخطاب الله بتعظيمه ثم بقول: ﴿ هذا بهتان عظيم ﴾ تبرّئاً من لازم ذلك وهو مبالغة في إنكار الشيء والتعجب من وقوعه.

وتوجيه الخطاب إلى الله في قوله: ﴿ سبحانك ﴾ للإشعار بأن الله غاضب على من يخوض في ذلك فعليهم أن يتوجهوا لله بالتوبة منه لمن خاضوا فيه وبالاحتراز من المشاركة فيه لمن لم يخوضوا فيه.

وجملة: ﴿ هذا بهتان عظيم ﴾ تعليل لجملة: ﴿ ما يكون لنا أن نتكلم بهذا ﴾ فهي داخلة في توبيخ المقول لهم.

ووصف البهتان بأنه ﴿ عظيم ﴾ معناه أنه عظيم في وقوعه، أي بالغ في كنه البهتان مبلغاً قوياً.

وإنما كان عظيماً لأنه مشتمل على منكرات كثيرة وهي: الكذب، وكون الكذب يطعن في سلامة العرض، وكونه يسبب إحناً عظيمة بين المفترين والمفترى عليهم بدون عذر، وكون المفترى عليهم من خيرة الناس وانتمائهم إلى أخير الناس من أزواج وآباء وقرابات، وأعظم من ذلك أنه اجتراء على مقام النبي صلى الله عليه وسلم ومقام أم المؤمنين رضي الله عنها.

والبهتان مصدر مثل الكفران والغفران.

والبهتان: الخبر الكذب الذي يُبهت السامع لأنه لا شبهة فيه.

وقد مضى عند قوله تعالى: ﴿ وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً ﴾ في سورة النساء (156).

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ وعِيدًا بِما لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ العِقابِ.

الثّانِي: أُرِيدَ بِهِ تَكْذِيبُ المُؤْمِنِينَ الَّذِي يُصَدِّقُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ.

واخْتُلِفَ هَلْ حَدَّ النَّبِيُّ  أصْحابَ الإفْكِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمْ يَحِدَّ أحَدًا مِنهم لِأنَّ الحُدُودَ إنَّما تُقامُ بِإقْرارٍ أوْ بَيِّنَةٍ ولِمَ يَتَعَبَّدْنا اللَّهُ أنْ نُقِيمَها بِإخْبارِهِ عَنْها كَما لَمْ يَتَعَبَّدْنا بِقَتْلِ المُنافِقِينَ وإنْ أخْبَرَ بِكُفْرِهِمْ.

والقَوْلُ الثّانِي: «أنَّ النَّبِيَّ  حَدَّ في الإفْكِ حَسّانَ بْنَ ثابِتٍ وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ومِسْطَحَ بْنَ أثاثَةَ وحَمْنَةَ بِنْتَ جَحْشٍ وكانُوا مِمَّنْ أفْصَحَ بِالفاحِشَةِ،» رَواهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وابْنُ المُسَيِّبِ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فَقالَ بَعْضُ شُعَراءِ المُسْلِمِينَ: لَقَدْ ذاقَ حَسّانُ الَّذِي كانَ أهْلُهُ وحَمْنَةُ إذْ قالا هَجِيرًا ومِسْطَحُ ؎ وابْنُ سَلُولَ ذاقَ في الحَدِّ خِزْيَهُ ∗∗∗ كَما خاضَ في إفْكٍ مِنَ القَوْلِ يَفْصَحُ ∗∗∗ تَعاطَوْا بِرَجْمِ الغَيْبِ زَوْجَ نَبِيِّهِمْ ∗∗∗ وسَخْطَةَ ذِي العَرْشِ العَظِيمِ فَأُبْرِحُوا ∗∗∗ وآذَوْا رَسُولَ اللَّهِ فِيها فَجُلِّلُوا ∗∗∗ مَخازِيَ تَبْقى عُمِّمُوها وفُضِّحُوا ∗∗∗ فَصُبَّتْ عَلَيْهِمْ مُحْصَداتٌ كَأنَّها ∗∗∗ شَآبِيبُ قَطْرٍ مِن ذُرى المُزْنِ تُسْفَحُ حَكى مَسْرُوقٌ أنَّ حَسّانَ اسْتَأْذَنَ عَلى عائِشَةَ فَقُلْتُ أتَأْذَنِينَ لَهُ فَقالَتْ: أوَلَيْسَ قَدْ أصابَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ.

فَمِن ذَهَبَ إلى أنَّهم حُدُّوا زَعَمَ أنَّها أرادَتْ بِالعَذابِ بِالعَظِيمِ الحَدَّ، ومَن ذَهَبَ إلى أنَّهم لَمْ يُحَدُّوا زَعَمَ أنَّها أرادَتْ بِالعَذابِ العَظِيمِ ذَهابَ بَصَرِهِ، قالَهُ سُفْيانُ.

قالَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ يَعْتَذِرُ مِنَ الإفْكِ: حَصانٌ رَزانٌ ما تُزَنُّ بِرِيبَةٍ ∗∗∗ وتُصْبِحُ غَرْثى مِن لُحُومِ الغَوافِلِ ∗∗∗ فَإنْ كُنْتُ قَدْ قُلْتُ الَّذِي بُلِّغْتُمْ ∗∗∗ فَلا رَفَعَتْ سَوْطِي إلَيَّ أنامِلِي ∗∗∗ فَكَيْفَ ووُدِّي ما حَيِيتُ ونُصْرَتِي ∗∗∗ لِآلِ رَسُولِ اللَّهِ زَيْنِ المَحافِلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ تَلَقَّوْنَهُ بِألْسِنَتِكُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: هو أنْ تَتَحَدَّثَ بِهِ وتُلْقِيَهُ بَيْنَ النّاسِ حَتّى يَنْتَشِرَ.

الثّانِي: أنْ يَتَلَقّاهُ بِالقَبُولِ إذا حَدَّثَ بِهِ ولا يُنْكِرُهُ.

وَحَكى ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ أنَّهُ سَمِعَ عائِشَةَ تَقْرَأُ إذْ تَلِقُونَهُ بِكَسْرِ اللّامِ مُخَفَّفَةً وفي تَأْوِيلِ هَذِهِ القِراءَةِ وجْهانِ: أحَدُهُما: تُرَدِّدُونَهُ، قالَهُ اليَزِيدِيُّ.

الثّانِي: تُسْرِعُونَ في الكَذِبِ وغَيْرِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ .

.

.

.

.

.

.

.

.

∗∗∗ جاءَتْ بِهِ عَنْسٌ مِنَ الشَّأْمِ تَلِقْ أيْ تُسْرِعُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: كان أبو أيوب الأنصاري حين أخبرته امرأته قالت: يا أبا أيوب ألا تسمع ما يتحدث الناس؟

فقال: ﴿ ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم ﴾ .

وأخرج سنيد في تفسيره عن سعيد بن جبير أن سعد بن معاذ لما سمع ما قيل في أمر عائشة قال: سبحانك!

هذا بهتان عظيم.

وأخرج ابن أبي سمي في فوائده عن سعيد بن المسيب قال: كان رجلان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا سمعا شيئاً من ذلك قالا: سبحانك!

هذا بهتان عظيم، زيد بن حارثة، وأبو أيوب.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

ثم زاد في الإنكار عليهم وقال: ﴿ وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ﴾ وهلّا إذ سمعتم (١)  ا ﴿ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا ﴾ ما يحل وما ينبغي لنا ﴿ أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا ﴾ .

﴿ سُبْحَانَكَ ﴾ قال مقاتل: ألا نزّهتم الربّ عن أن يُعصَى (٢) وقال غيره (٣) ﴿ سُبْحَانَكَ ﴾ (٤) (٥) سبحان من علقمة الفاخر (٦) (٧) ﴿ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ﴾ قال ابن عباس: افتراء عظيم (٨) (٩) ثم وعظ الذين خاضوا في الإفك: (١) في (ع): (سمعتموه).

(٢) "تفسير مقاتل" 2/ 36 أ.

قال الطبري 18/ 99: (سبحانك) تنزيهًا لك يا رب، وبراءة إليك مما جاء به هؤلاء.

(٣) ذكر الثعلبي 3/ 74 ب هذا القول مختصرًا.

ولم ينسبه لأحد.

وذكره البغوي 6/ 25 مقتصرًا عليه.

(٤) في (أ): سبحانه.

(٥) (هاهنا) ساقطة من (ظ).

(٦) في (ع): (الفاجر)، وهو خطأ.

(٧) هذا عجز بيت للأعشى، وصدره: أقولُ لما جاءني فخره وهو في "ديوانه" ص 143، "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 36، "الكتاب" لسيبويه 1/ 135، "معاني القرآن" للأخفش 1/ 220، "معاني القرآن" للزَّجَّاج 3/ 190، "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 8.

وهو من قصيدة قالها الأعشى يفضل فيها عامر بن الطُّفيل على علقمة بن علاثة في المفاخرة التي جرت بينهما في الجاهلية.

وعلقمة المذكور في البيت هو علقمة بن علاثة صحابي، قدم على رسول الله -  - وهو شيخ فأسلم، وقد استعمله عمر بن الخطاب على حوران ومات بها.

وكان حصل بين علقمة وعامر بن الطفيل في الجاهلية مفاخرة، فخرج مع عامر لبيدُ والأعشى، ومع علقمة الحطيئةُ، واحتكما إلى غير واحد، فلم يحكم بينهما، حتى احتكما إلى هرم بن قطبة الفزاري، فقضى بينهما بعد سنة، وقال: أنتما كركبتي البعير يقعان معًا، ولم يفضّل، فانصرفا على ذلك، لكن الأعشى مدح عامرًا == وفضله على علقمة بأبيات منها هذا البيت.

انظر: "شرح ديوان الأعشى" لثعلب ص 165، "بلوغ الأرب" للنويري 1/ 287، "الإصابة" لابن حجر 2/ 496.

(٨) رواه الطبراني في "الكبير" 23/ 144 من رواية عطاء.

(٩) انظر: "البسيط" عند قوله تعالى ﴿ أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ ولولا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بهذا ﴾ أي كان الواجب أن يبادروا إلى إنكار هذا الحديث أول سماعهم له، ولولا أيضاً في هذه الآية عرض، وكان حقها أن يليها الفعل من غير فاصل بينهما، بقوله: ﴿ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ﴾ لأن الظروف يجوز فيها ما لا يجوز في غيرها، والقصد بتقديم هذا الظرف الاعتناء به، وبيان أنه كان الواجب المبادرة إلى إنكار الكلام في أول وقت سمعتموه، ومعنى ﴿ مَّا يَكُونُ لَنَآ ﴾ : ما ينبغي لنا ولا يحل لنا أن نتكلم بهذا.

﴿ سُبْحَانَكَ ﴾ تنزيه لله عن أن تكون زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما قال أهل الإفك، وقال الزمخشري: هو بمعنى التعجب من عظيم الأمر، والاستبعاد له، والأصل في ذلك أن يسبح الله عند رؤية العجائب ﴿ بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ﴾ البهتان أن يقال في الإنسان ما ليس فيه، والغيبة أن يقال ما فيه.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ كبره ﴾ بضم الكاف: يعقوب.

﴿ إذ سمعتموه ﴾ وبابه مدغماً: أبو عمرو وعلي وهشام وحمزة غير خلف ورجاء والعجلي ﴿ إذ تلقونه ﴾ بالإظهار وتشديد التاء: البزي وابن فليح ﴿ ولا يتأل ﴾ من التألي: يزيد ﴿ ما زكى ﴾ بالتشديد والإمالة: روح وقرأ قتيبة ممالة مخففة.

﴿ يوم يشهد ﴾ على التذكير: حمزة وعلي وخلف.

والباقون بتاء التأنيث.

الوقوف: ﴿ عصبة منكم ﴾ ط ﴿ شراً لكم ﴾ ط ﴿ خير لكم ﴾ ط ﴿ من الإثم ﴾ ج لنوع عدول من إجمال حكم الكل إلى بيان حكم البعض مع اتفاق الجملتين ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ خيراً ﴾ لا للعطف ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ شهداء ﴾ ج للشرط معنى مع الفاء ﴿ الكاذبون ﴾ ه ﴿ عظيم ﴾ ج لاحتمال أن يكون "إذ" ظرف قوله ﴿ لمسكم ﴾ أو ﴿ أفضتم ﴾ واحتمال كونه منصوباً باذكر وبهذا قد قيل: الوصل ألزم لأن قوله {  } من جملة مفعول ﴿ قلتم ﴾ ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ مؤمنين ﴾ ه ج لاتفاق الجملتين مع تكرار اسم الله دون الاكتفاء بالضمير وأنها آية ﴿ الايات ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ أليم ﴾ ه لا لتعلق الظرف ﴿ والآخرة ﴾ ط ﴿ لا تعلمون ﴾ ه ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ خطوات الشيطان ﴾ ط ﴿ والمنكر ﴾ ط ﴿ ابداً ﴾ لا لتعلق لكن ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ في سبيل الله ﴾ ط والوصل أولى للعطف ﴿ وليصفحوا ﴾ ط ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ والآخرة ﴾ ص ﴿ عظيم ﴾ ه لا لتعلق الظرف ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ للخبيثات ﴾ ج للعطف مع التضاد ﴿ للطيبات ﴾ ه ج لاتحاد المعنى مع فقدان العاطف ﴿ يقولون ﴾ ط ﴿ كريم ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما ذكر من أحكام القذف ما ذكر أتبعها حديث إفك عائشة الصدّيقة وما قذفها به أهل النفاق.

روى الزهري عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة بن ابي وقاص وكلهم رووا عن عائشة قالت: كان رسول الله  إذا اراد سفراً أقرع بين نسائه فأيتهن خرج اسمها خرج بها معه فأقرع بيننا في غزوة.

قال الزهري: هي غزوة المريسيع.

وذكره البخاري في غزوة بني المصطلق من خزاعة.

قال: وهي غزوة المريسيع أيضاً.

فخرج اسمي فخرجت مع رسول الله  ، فلما انصرف وقرب من المدينة نزل منزلاً ثم أذن بالرحيل فقمت حين أذنوا بالرحيل ومشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني وأقبلت إلى رحلي لمست صدري فإذا عقد لي من حزع أظفار قد انقطع، فرجعت والتمست عقدي وحبسني طلبه.

وأقبل الرهط الذين كانوا يحملون فحملوا هودجي وهم يحسبون أني فيه لخفتي فإني كنت جارية حديثة السن وذهبوا بالبعير، فلما رجعت إلى مكاني وليس به أحد جلست وقلت: يعودون في طلبي فنمت.

وقد كان صفوان بن المعطل يمكث في المعسكر يتتبع أمتعته فيحمله إلى المنزل الآخر لئلا يذهب منهم شيء، فلما رآني عرفني وقال: ما خلفك عن الناس؟

فأخبرته الخبر فنزل وتنحى حتى ركبت، ثم قاد البعير وافتقدني الناس حين نزلوا وخاض الناس في ذكري.

فبيناهم في ذلك هجمت عليهم فتكلم القوم فيّ وقدم رسول الله  المدينة ومكثت شهراً أشتكي ولا يرقأ لي دمع أقول كما يقول العبد الصالح أبو يوسف ﴿ فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون  ﴾ إلى أن نزل فيّ ﴿ إن الذين جاؤا بالإفك ﴾ إلى آخر الآيات.

وفي الحديث طول هذا حاصل سبب النزول.

وأما التفسير فالإفك أبلغ ما يكون من الكذب والافتراء.

وقيل: هو البهتان.

والعصبة الجماعة من العشرة إلى الأربعين.

والتركيب يدل على الاجتماع ومنه العصابة.

قال المفسرون.

هم عبد الله بن أبي رأس النفاق، وزيد بن رفاعة، وحسان بن ثابت، ومسطح ابن أثاثة، وحمنة بنت جحش ومن ساعدهم.

ومعنى ﴿ منكم ﴾ أنهم كانوا من جملة من حكم لهم بالإيمان ظاهراً.

أما الخطاب في قوله ﴿ لا تحسبوه شراً لكم ﴾ فالصحيح أنه لمن ساءه ذلك من المؤمنين وخاصة رسول الله  وأبا بكر وعائشة وصفوان.

ومعنى كونه خيراً لهم أنهم اكتسبوا فيه الثواب العظيم على قدر عظم البلاء، وأنه نزلت فيه بضع عشرة آية فيها تعظيم شأن الرسول  وتسلية له وتنزيه لأم المؤمنين وتطهير لأهل البيت وتهويل للطاعنين فيهم إلى غير ذلك من الأحكام الشرعية والآداب العقلية.

وقيل: الخطاب لعائشة وحدها والجمع لتعظيمها.

وقيل: الخطاب للقاذفين وبيان الخيرية صرفهم عن الاستمرار على حديث الإفك إلى التوبة عن ذلك، ولعل في هذا الذكر عقوبة معجلة لهم فيكون في هذا القول الكفارة.

وضعف هذا القول بأنه لا يناسب تسلية الرسول والمؤمنين ولا يطابق قوله ﴿ لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم ﴾ أي يصيب كل خائض في حديث الإفك ما يصيبه من عقاب ما اكتسب من إثم الخوض.

﴿ والذي تولى كبره ﴾ أي معظم الإفك وهو في قول الضحاك حسان ومسطح ولهذا جلدهما رسول الله  مع امرأة من قريش، والشهر أنه عبد الله راس النفاق.

ويحكى أن صفوان مر بهودجها وهو في ملأ من قومه فقال: من هذه؟

فقالوا: عائشة.

فقال: والله ما نجت منه ولا نجا منها وقال: امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت ثم جاء يقودها.

ويروى أن عائشة ذكرت حساناً وقالت: أرجو له الجنة.

فقيل: أليس هو الذي تولى كبره؟

فقالت: إذا سمعت شعره في مدح الرسول  رجوت له الجنة.

وفي رواية أخرى قالت: واي عذاب أشد من العمى.

ثم علم أدباً حسناً في مثل هذه الواقعة فقال ﴿ لولا إذ سمعتموه ظن ﴾ فصل بين "لولا" التحضيضية وبين فعلها بالظرف لأنه يتسع في الظرف مالا يتسع في غيره تنزيلاً للظرف منزلة المظروف نفسه، ولأن الممكنات لا تنفك عن الظروف.

والفائدة فيه أن يعلم أن ظن الخير كان يجب عليهم أول ما سمعوه بالإفك، فلما كان ذكر الوقت أهم وجب التقديم ومثله ﴿ ولولا إذ سمعتموه قلتم  ﴾ ثم لا يخفى أن أصل المعنى أن يقال: لولا إذ سمعتموه ظننتم بأنفسكم خيراً وقلتم هذا إفك.

ومعنى بأنفسكم بالذين منكم من المؤمنين والمؤمنات، فعدل عن الخطاب إلى الغيبة، وعن الضمير إلى الظاهر ليبالغ في التوبيخ بطريقة الالتفات، ولينبه لفظ الإيمان على أن الاشتراك فيه يقتضي أن لا يصدّق مؤمن على أخيه ولا مؤمنة على أختها قول عائب ولا عاتب بل يقول بملء فيه بناء على ظن الخير مصرحاً ببراءة ساحته ﴿ هذا إفك مبين ﴾ وذلك أن المؤمن معه من العقل والدين ما يهديه إلى الاصلح ويؤخره عن الأقبح، ولم يوجد هذا الداعي والصارف معارض بتساويهما كما قيل: كلام العدى ضرب من الهذيان.

فوجب أن لا يلتفت المؤمن إلى قول الطاعن في حق أخيه ويبقى على حسن ظنه به وهذا أدب حسن قل العامل به، وليتك تجد من يسمع فيسكت ولا يزيد فيه.

روي أن أبا أيوب الأنصاري قال لأم أيوب: أما ترين ما يقال؟

فقالت: لو كنت بدل صفوان أكنت تظن بحرمة رسول الله سوءاً؟

قال: لا.

قلت: لو كنت أنا بدل عائشة ما خنت رسول الله  فعائشة خير مني وصفوان خير منك.

وفي الآية دلالة على قول أبي حنيفة أن المسلمين عدول بعضهم على بعض ما لم يظهر منهم ريبة لأنا مأمورون بحسن الظن وذلك يوجب قبول الشهادة.

ومن هنا قال أيضاً: إذ باع درهماً وديناراً بدرهمين ودينارين إنا نخالف بينهما لأنا قد أمرنا بظن الخير فوجب حمله على ما يجوز.

ومثله إذا باع سيفاً محلى فيه مائة درهم بمائتي درهم نجعل المائة بالمائة والفضل بالسيف.

وإذا وجدنا امرأة أجنبية مع رجل فاعترفا بالتزويج تصدقهما حملاً لعقود المسلمين وتصرفاتهم على الجواز والصحة.

وزعم مالك أنهما يحدان إن لم يقيما بينة على النكاح.

وقيل: إن الآية مختصة بعائشة لأن كونها زوجة النبي كالدليل القاطع على أن الذي قيل فيها إفك صريح.

قال العلماء: يجوز أن تكون زوجة النبي كافرة كامرأة نوح ولوط، ولا يجوز أن تكون فاجرة لأن الأنبياء معصومون عن المنفرات ألبتة فإن حصول المنفر معه ينافي بعثته لكن الكفر غير منفر للكفرة.

قال: وأما الكشخنة فمن أعظم المنفرات.

قيل: في تفسيره الكشخان الذي تحبب امرأته الرجال إلى نفسها.

ويقال: كشخنته أي قلت له ياكشخان.

ثم بالغ في زجرهم عن حديث الإفك بقوله ﴿ لولا جاؤا ﴾ وهي أيضاً تحضيضية والمراد التفصيل بين الرمي الصادق والكاذب بثبوت شهادة الشهود الأربعة وانتفائها ولكن هذا العدد وكل فرد منه منتفٍ في حق عائشة فهم في حكم الله وشريعته كاذبون.

وهذا القدر كافٍ في إلزام أولئك الطاعنين وإلا فهم في نفس الأمر بالنسبة إلى هذه الواقعة كاذبون كما مر تقريره آنفاً.

ثم زاد في التهديد والزجر بقوله ﴿ ولولا فضل الله ﴾ هي "لولا" الامتناعية.

قال جمهور المفسرين: لولا أني قضيت أن أتفضل عليكم في هذه الدنيا بضروب النعم التي من جملتها الإمهال للتوبة، وأن أترحم عليكم في الآخرة بالعفو والمغفرة، لعاجلتكم بالعقاب على ما خضتم فيه من حديث الإفك.

وعن مقاتل أن في الآية تقديماً وتأخيراً والمعنى: ولولا فضل الله عليكم ورحمته بالحلم عنكم والحكم عليكم بالتوبة ﴿ لمسكم في ما ﴾ انفعتم ﴿ فيه عذاب عظيم ﴾ في الدنيا والآخرة معاً.

وتلقي الإفك أخذه من أفواه القالة وقوله، والأصل تتلقونه بتاءين وقد قرئ به.

كان الرجل يلقى الرجل فيقول له: ما وراءك؟

فيحدثه بحديث الإفك حتى طار وانتشر.

وفي زيادة قوله ﴿ بأفواهكم ﴾ إشارة إلى أنه قول لا وجود له إلا في العبارة ولا حقيقة لمؤداه في الواقع.

والقذف كبيرة من الكبائر كما سبق لا سيما قذف زوجة النبي وخاصة نبينا  فلهذا قال ﴿ وهو عند الله عظيم ﴾ عن بعضكم أنه جزع عند الموت فقيل له فقال: أخاف ذنباً لم يكن مني على بال وهو عند الله عظيم.

وفي النصائح الكبار لا تقولن لشيء من سيئاتك حقير فلعله عند الله نخلة وهو عندك نقير.

وصفهم في الاية بارتكاب ثلاثة آثام: تلقي الإفك والتكلم بما لا حقيقة له ولا علم به واستهانة عظيمة من العظائم، وفيه أن عظم المعصية لا يتعلق بظن فاعله بل جهله بعظمه ربما يصير مؤكداً لعظمه.

وفيه أن الواجب على المكلف أن يستعظم الإقدام على كل محرم إذ لا يأمن أن يكون عند الله من الكبائر.

ثم علمهم أدباً آخر ومعنى ﴿ ما يكون لنا ﴾ لا ينبغي ولا يصح لنا.

ومعنى ﴿ سبحانك ﴾ تنزيه الله من أن تكون زوجة نبينا الذي هو أحب خلقه إليه فاجرة، أو تنزيهه من أن يرضى بقذف هؤلاء المقربين ولا يعاقبهم، أو هو للتعجب من عظم الأمر وذلك أنه يسبح الله عند رؤية كل أمر عجيب من صنائعه فكثر حتى استعمل في كل متعجب منه.

والفرق بين هذه الآية وبين قوله ﴿ لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون ﴾ هو أن تلك تميل إلى العموم وهذه إلى الخصوص فكأنه بين أن هذا القذف خاصة مما ليس لهم أن يتفوهوا به لما فيه من إيذاء نبيه وإيذاء زوجته التي هي حبيبته ﴿ يعظكم الله ﴾ بهذه المواعظ التي بها تعرفون عظم هذا الذنب كراهة ﴿ أن تعودوا ﴾ أو في شأن أن تعودوا ﴿ لمثله ابداً ﴾ أي مدة حياتكم.

ولا دلالة للمعتزلة في قوله ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ على أن ترك القذف من الإيمان لاحتمال أنه للتهيج والانزجار ﴿ ويبين الله لكم ﴾ أي لانتفاعكم ﴿ الآيات ﴾ الدالات على علمه وحكمته وما ينبغي أن يتمسك المكلف به في أبواب صلاح معاشه ومعاده ﴿ والله عليم حكيم ﴾ هما صفتان مختلفتان عند المعتزلة ثانيتهما أخص من الأولى، وعند الأشاعرة الثانية للتأكيد المحض.

والمراد أنه يجب قبول تكاليفه وبياناته لأنه عالم بما أمر وبما يستحقه كل مأمور، وليس في تكليفه عيب ولا عبث.

ومن كان هذه صفته وجب طاعته ليثبت ولا يعاقب.

استدلت المعتزلة بالآية في أنه يريد الإيمان من الكل وإلا لم يكن واعظاً ولا مبيناً آياته لانتفاعهم ولا حكيماً لا يفعل القبائح.

ولا جواب للاشاعرة إلا أنه يشاء ما يشاء ولا اعتراض عليه.

ثم بين بقوله ﴿ إن الذين يحبون ﴾ أن أهل الإفك يشاركهم في عذاب الدارين من رضي بقولهم، وأنهم كما هم مؤاخذون بما أظهروه فهم معاقبون على ما أضمروه من محبة إشاعة الفاحشة والفحشاء في المؤمنين، لأنها تدل على الدغل والنفاق وعدم سلامة القلب.

والفاحشة والفحشاء ما أفرط قبحه، وشيوعها انتشارها وظهورها بحيث يطلع عليها كل أحد وخصوص السبب لا يقتضي خصوص الحكم، فهذا الوعيد شامل لكل من أراد بواحد من المؤمنين أو المؤمنات شيئاً من المضار والأذيات.وبعضهم حمل الفاحشة على الزنا وخصص ما يحب شيوع الفاحشة بعبد الله بن أبي.

وخصص الذين آمنوا بعائشة وصفوان، ولا يخفى ما فيه من ضيق العطن إلا أن يساعده نقل صحيح.

وعذاب الدنيا الحد واللعن والذم وما على أهل النفاق من صنوف البلاء، ولقد ضرب رسول الله  عبد الله بن ابي وحساناً ومسطحاً، وقعد صفوان لحسان فضربه ضربة بالسيف وكف بصره.

وعذاب الآخرة في القبر وفي القيامة هو النار.

عن رسول الله  "إني لأعرف قوماً يضربون صدورهم ضرباً يسمعه أهل النار وهم الهمازون اللمازون الذين يلتمسون عورات المسلمين ويهتكون ستورهم ويشيعون عليهم من الفواحش ما ليس فيهم" وعن أنس أن النبي  قال " لا يؤمن العبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" من الخير وأما قوله ﴿ والله يعلم وأنتم لا تعلمون ﴾ ففي نهاية حسن الموقع لأن الأعمال القلبية محبة الشر أو الخير لا يطلع عليها أحد كما هي إلا الله  .

وإنما نعرف نحن شيئاً منها بالقرائن والإمارات وفيه زجر عظيم لمن لا يجتهد في أن يكون قلبه سليماً من النفاق والغل، وحصول هذا الغل في القلب غير العزم على الذنب فإن الأول ملكة والثاني حال، ولا يلزم من ترتب العقاب على الملكات ترتبه على الأحوال فافهم.

قال أبو حنيفة: المغتابة بالفجور لا تستنطق لأن استنطاقها إشاعة للفاحشة وإنها ممنوع عنها.

وقالت المعتزلة: في الآية دليل على أنه  غير خالق للكفر ولا مريد وإلا كان ممن يحب أن تشيع الفاحشة.

ولقائل أن يقول: قياس الغائب على الشاهد فاسد.

ثم كرر المنة بترك المعاجلة بالعقاب والتميكن من التلافي وبالغ فيها بذكر الرؤوف والرحيم.

وجواب "لولا" محذوف على نسق ما مر.

وقيل: جوابه ما يدل على ذلك في قوله ﴿ ما زكى منكم ﴾ وهو بعيد.

عن ابن عباس أن الخطاب لحسان ومسطح وحمنة والأقرب العموم.

ثم نهى عن اتباع آثار الشيطان وسلوك مسالكه والاقتداء به في الإصغاء إلى الإفك وإشاعة الفحشاء وارتكاب مال تنكره العقول وتأباه.

وقوله ﴿ فإنه يأمر بالفحشاء ﴾ من وضع السبب مقام المسبب والمراد ضل.

قالت الاشاعرة: في قوله ﴿ ما زكى ﴾ بالتشديد والضمير لله وكذا في قوله ﴿ ولكن الله يزكي ﴾ دلالة على أن الزكاء وهو الطهارة من دنس الآثام لا يحصل إلا بالله، وهو دليل على أنه خالق الأفعال والآثار.

وحمله المعتزلة على منح الألطاف أو على الحكم بالطهارة، وضعف بأنه خلاف الظاهر وبأنه يجب انتهاء الكل إليه، وبأن قوله ﴿ من يشاء ﴾ ينافي قولكم إن خلق الألطاف واجب عيه.

ثم علم أدباً آخر جميلاً بقوله ﴿ ولا يأتل ﴾ وهو افتعل من الألية أي لا يحلف على عدم الإحسان، وحرف النفي يحذف من جواب القسم كثيراً فهي كقراءة من قرأ ﴿ ولا يأتل ﴾ وقيل: هو من قولهم "ما ألوت جهداً" إذا لم يدخر من الاجتهاد شيئاً اي لا يقصر في الإحسان إلى المستحقين.

قالوا: نزلت في شأن مسطح وكان ابن خالة ابي بكر الصديق فقيراً من فقراء المهاجرين، وكان أبو بكر ينفق عليه.

فلما فرط منه ما فرط آلى أن لا ينفق عليه فنزلت فقرأها رسول الله  على أبي بكر، فلما وصل إلى قوله ﴿ ألا تحبون أن يغفر الله لكم ﴾ قال أبو بكر: بلى أحب أن يغفر الله لي فعفا عن مسطح ورجع إلى الإنفاق عليه وقال: والله لا أنزعها أبداً.

قال الإمام فخر الدين الرازي: هذه الاية تدل على أفضلية أبي بكر الصديق من وجوه، وذلك أن الفضل المذكور في الاية لا يراد به السعة في المال والإلزام التكرار فهو الفضل في الدين ولكنه مطلق غير مقيد فثبت له الفضل على الإطلاق.

تركنا العمل به في حق النبي  بالاتفاق فيبقى في الغير معمولاً به.

وأيضاً ذكره الله  في الآية بلفظ الجمع وإنه مشعر بالتعظيم.

وأيضاً قد قيل: وظلم ذوي القربى أشد مضاضة *** على المرء من وقع الحسام المهند فهذا الظلم من مسطح كان في غاية العظم وقد امره الله  بالصفح عنه، وامتثل هو فكان فيه نهاية جهاد النفس فيكون ثوابه على حسن ذلك.

وأيضاً في تسميته أولي الفضل والسعة شرف تام فكأنه قيل له: أنت أفضل من أن تقابل إنساناً بسوء وأنت أوسع قلباً من أن تقيم للدنيا وزناً فلا يليق بفضلك وسعة قلبك أن يقطع برك عمن اساء إليك.

وأيضاً أمره الله تعالى بالعفو والصفح وقال لنبيه ﴿ فاعف عنهم واصفح  ﴾ فهو من هذه الجهة ثاني اثنين له في الأخلاق.

وأيضاً علق المغفرة بالعفو وقد حصل العفو فتحصل المغفرة ألبتة في الحال وفي الاستقبال لقوله ﴿ أن يغفر ﴾ فهو للاستقبال فيكون كما قال لنبيه ﴿ ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر  ﴾ وفيه دليل على حقية خلافته وإلا كان عاصياً والعاصي في النار.

وليس النهي في قوله ﴿ ولا يأتل ﴾ نهي زجر عن المعصية ولكنه ندب إلى الأولى والأفضل وهو العفو.

عن النبي  "أفضل أخلاق المسلمين العفو" وعنه  "لا يكون العبد ذا فضل حتى يصل من قطعه ويعفو عمن ظلمه ويعطي من حرمه" واعلم أن العلماء أجمعوا على أن مسطحاً كان مذنباً لأنه أتى بالقذف أو رضي به على الروايتين عن ابن عباس، ولهذا حده رسول الله  .

وأجمعوا ايضاً على أنه من البدريين وقد ورد فيهم الخبر الصحيح "لعل الله نظر إلى أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" فكيف الجمع بين الأمرين؟

أجابوا أنه ليس المراد من قوله "اعملوا ما شئتم" أنهم خارجون عن حد التكليف وإنما المراد اعملوا من النوافل ما شئتم قليلاً أو كثيراً فقد أعطيتكم الدرجات العليات في الجنة، أو اراد حسن حالهم في العاقبة أنهم يوافون بالطاعة فكأنه قال: قد غفرت لكم لعلمي بأنكم تموتون على التوبة والإنابة.

قالت الأشاعرة: في وصف مسطح ومدحه بكونه من المهاجرين دليل على أن ثواب كونه مهاجراً لم ينحبط بإقدامه على القذف فيكون القول بالمحابطة باطلاً.

استدل جمهور الفقهاء بالاية في قول من فسر الائتلاء بالحلف على أن اليمين على الامتناع من الخير غير جائزة وإنما يجوز إذا جعلت داعية للخير لا صارفة عنه.

ثم قالوا: من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فينبغي له أن يأتي بالذي هو خير ثم يكفر عن يمينه كما جاء في الحديث ولقوله  ﴿ ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان  ﴾ وهو عام في جانب الخير وفي غيره.

ومثله ما ورد في قصة أيوب { ﴿ وخذ بيدك ضغثاً فاضرب به  ﴾ ولو كان الحنث كفارة لو يؤمر بضرب الضغث عيها.

وقال بعض العلماء: إنه يأتي بالذي هو خير وذلك كفارته لقوله  في حديث آخر "من حلف عليّ يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت بالذي هو خير وذلك كفارته" ولأنه تعالى أمر أبا بكر في هذه الآية بالحنث ولو يوجب عليه كفارة.

وأجيب بأن معنى الكفارة في الحديث تكفير الذنب لا الكفارة الشرعية التي هي إحدى الخصال، وإنما ذهبنا إلى هذا ليكون مطابقاً للحديث الآخر "من حلف عليّ يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه" وأما هذه الآية فإنما لم يذكر فيها الكفارة لأنها معلومة من آية المائدة.

قوله ﴿ أن الذين يرمون المحصنات ﴾ قد مر تفسير المحصنة.

وأما الغافلات فهن السليمات الصدور النقيات القلوب اللاتي ليس فيهن دهاء ولا مكر بحسب الغريزة أو لقلة التجارب، وقد يعين على ذلك صغر السن وغير ذلك من الأحوال.

قال الأصوليون: خصوص السبب لا يمنع العموم فيدخل في الآية قذفة عائشة وقذفة غيرها، وخصصه بعض المفسرين فمنهم من قال: المراد عائشة وحدها والجمع للتعظيم.

ومنهم من قال: عائشة مع سائر أزواج النبي  .

ومنهم من قال: هي أم المؤمنين فجمعت إرادة لها ولبناتها من نساء الأمة المشاكلة لها في الإحصان والغفلة والإيمان.

وذكروا في سبب التخصيص أن قاذف سائر المحصنات تقبل توبته لقوله ﴿ إلاّ الذين تابوا ﴾ وأما القذف المذكور في هذه الآية فوعيده مطلق من غير استثناء.

وأجيب بأنه طوى ذكر التوبة في هذه الآية لكونها معلومة.

وقد يحتج للمخصص بما روي عن ابن عباس أن كان بالبصرة يوم عرفة فسئل عن تفسير هذه الآية فقال: من أذنب ذنباً ثم تاب قبلت توبته إلا من خاض في أمر عائشة.

ومنهم من قال: نزلت الآية في مشركي مكة حين كان بينهم وبين رسول الله  عهد، وكانت المرأة إذا خرجت إلى المدينة مهاجرة قذفها المشركون من أهل مكة وقالوا: إنما خرجت لتفجر.

أما شهادة الجوارح فلا إشكال فيها عند الأشاعرة لأنهم يقولون: البنية ليست شرطاً في الحياة فيجوز أن يخلق الله  في الجوهر الفرد علماً وقدرة وكلاماً.

وقالت المعتزلة: المتكلم هو فاعل الكلام فيكون الكلام المضاف إلى الجوارح هو في الحقيقة من الله  .

ويجوز أن يبني الله هذه الجوارح على خلاف ما هي عليه ويلجئها إلى أن تشهد على الإنسان وتخبر عن أعماله.

ومعنى ﴿ دينهم الحق ﴾ الجزاء المستحق.

وقال في الكشاف: معنى قوله ﴿ هو الحق المبين ﴾ العادل الظاهر العدل.

وقال غيره: سمي حقاً لأنه حق عبادته أو لأنه الموجود بالحقيقة وما سواه فوجوده مستعار زائل.

والمبين ذو البيان الصحيح أو المظهر للموجودات.

فالحصال أنه واجب الوجود لذاته مفيد الوجود لغيره.

ثم ختم الآيات الواردة في أهل الإفك بكلمة جامعة وهي قوله ﴿ الخبيثات ﴾ يعني الكلمنات التي تخبث مواردها ويستقذرها من يخاطب بها ويمجها سمعه ككلمات أهل الإفك، ويجوز أن يراد بالخبيثات مضمون الآيات الواردة في وعيد القذفة لأن مضمونها ذم ولعن وهو يستكره طبعاً وإن كان نفس الكلمة التي هي من قبل الله  طيباً.

وعلى الوجهين يراد بالخبيثين الرجال والنساء جميعاً إلا أنه غلب الرجال.

والحاصل أن الخبيثات من القول تقال أو تعد للخبيثين من الرجال والنساء، والخبيثون من الصنفين للخبيثات من القول وكذلك الطيبات والطيبون ﴿ أولئك ﴾ الطيبون ﴿ مبرؤن مما ﴾ يقول الخبيثون من خبيثات الكلم.

قال جار الله: هو كلام جارٍ مجرى المثل لعائشة وما رميت به من قول لا يطابق حالها في النزاهة والطيب، وجوز بقرينة الحال أن يكون ﴿ أولئك ﴾ إشارة إلى أهل البيت عليهم السلام وأنهم مبرؤون مما يقول أهل الإفك.

وفي الآية قول آخر وهو أن يراد بالخبيثات النساء الخبائث، وبالخبيثين الرجال الذين هم أشكال لهن فيكون أول الآية نظير قوله ﴿ الزاني لا ينكح إلا زانية ﴾ وكذلك الكلام في أهل الطيب ولا أطيب من رسول الله  فيكون أزواجه مثله فلذلك أخبر عن حالهن بقوله ﴿ لهم مغفرة ورزق كريم ﴾ وقد مر تفسير الرزق الكريم في "الحج" نظيره قوله في الأحزاب ﴿ وأَعتدنا لها رزقاً كريماً  ﴾ وفي الآية دلالة على أن عائشة من أهل الجنة.

وقال بعض الشيعة: هذا الوعد مشروط باجتناب الكبائر وقد فعلت عائشة من البغي يوم الجمل ما فعلت، والصحيح عند العلماء إنها رجعت عن ذلك الاجتهاد وتابت.

عن عائشة: لقد أعطيت تسعاً من أعطيتهن امرأة: لقد نزل جبريل  بصورتي في راحته حين أمر النبي أن يتزوجني، ولقد تزوجني بكراً وما تزوج بكراً غيري، ولقد توفي وإن رأسه لفي حجري، ولقد قبر في بيتي، ولقد حفته الملائكة في بيتي، وإن الوحي لينزل عليه في أهله فيتفرقون عنه وإن كان لينزل عليه وأنا معه في لحافه، وإني لابنة خليفته وصدّيقه، ولقد نزل عذري من السماء، ولقد خلقت طيبة عند طيب، ولقد وعدت مغفرة ورزقاً كريماً.

وعن بعضهم: برأ الله أربعة بأربعة: برأ يوسف بلسان الشاهد ﴿ وشهد شاهد من أهلها  ﴾ وبرأ موسى من قول اليهود فيه بالحجر الذي ذهب بثوبه، وبرأ مريم بإنطاق ولدها حين نادى من حجرها إلى عبد الله، وبرأ عائشة بهذه الآيات العظام في كتابه المتلو على وجه الدهر مثل هذه التبرئة بهذه المبالغات، فانظر كم بينها وبين تبرئة أولئك وما ذاك إلا لإظهار علو منزلة سيد الأولين والآخرين وحجة الله على العالمين.

التأويل: إذا حصل لأهل الله مسألة إلى غيره قيض الله له ما يرده إليه، وأن النبي  لما قيل له: أي الناس أحب إليك؟

قال: عائشة فساكنها وقال: يا عائشة حبك في قلبي كالعقدة.

وقالت عائشة: إني أحبك وأحب قربك فالله  حل عقدة الحب عن قلبه لحديث الإفك ورد قلب عائشة إلى حضرته حتى قالت حين ظهرت براءة ساحتها "بحمد الله لا بحمدك".

وقيل: الملامة مفتاح باب حبس الوجود بها يذوب الوجود ذوبان الثلج بالشمس ﴿ يوم تشهد عليهم ﴾ شهادة الأعضاء في القيامة مؤجلة وبالحقيقة هي في الدنيا معجلة كقوله { ﴿ تعرفهم بسيماهم  ﴾ من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار وقال الشاعر: عيناك قد حكتا مبيتك *** كيف كنت وكيف كانا ولرب عين قد أرتك *** مبيت صاحبها عياناً وإذا كانت الإمارة في الدنيا ظاهرة فهي في القيامة أولى فاللسان يشهد بالإقرار بقراءة القرآن، واليد تشهد بأخذ المصحف، والرجل تشهد بالمشي إلى المسجد، والعين تشهد بالبكاء، والأذن تشهد باستماع كلام الله.

وعند الحكماء تظهر أنوار الملكات الحميدة على النفس من البدن وبالعكس كما تتعاكس أنوار المرايا المتقابلة، ويعلمون أهل الوصول والوصال أن الله هو الحق المبين لا شيء في الوجود غيره لا في الدنيا ولا في الآخرة، وحينئذ يحق أن يقال: ﴿ الخبيثات ﴾ وهن الملوثات بلوث الوجود المجازي ﴿ للخبيثين ﴾ وهم أمثالهن ﴿ والطيبات ﴾ من لوث الحدوث ﴿ للطيبين ﴾ وهم أشكالهن ولا طيب إلا الله وحده.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُوا بِٱلإِفْكِ ﴾ .

أي: بالكذب.

﴿ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ ﴾ .

أي: جماعة منكم.

ثم اختلف في قوله: ﴿ مِّنْكُمْ ﴾ .

قال قائلون: كانوا من أصحاب عائشة رموها بما ذكر في الآية.

وقال بعضهم: كانوا منافقين، من نحو: عبد الله بن أبي رأس المنافقين، وحسان ابن ثابت، وغيرهما.

وقال بعضهم: كان ذلك من الفريقين جميعاً: من أصحاب أبي بكر وأقربائه، والمنافقين أيضاً.

فإن كان ذلك من أصحاب عائشة -  ا - وقراباتها فذلك يخرج منهن على الغفلة والعثرة، ليس على الانتقام والحقد؛ لأن القرابات والمتصلين بالرحم لا يقصد بعضهم ببعض الانتقام والحقد بمثله؛ فإذا كان كذلك فيخرج ذلك منهم إن كان مخرج الغفلة والزلة لا مخرج الانتقام.

وإن كان ذلك من المنافقين فهو على الانتقام وطلب الشين منهم لها، وكأن في ظاهر الآية دلالة افتراء الإفك من المنافقين، ثم تسامع المؤمنون بعد ذلك، ويتلقى بعضهم من بعض؛ حيث قال: ﴿ لَّوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً ﴾ ؛ فإن كان ذلك فهو على ما وصفنا: أن ذلك من المؤمنين غفلة وزلّة وعثرة، ومن المنافقين انتقام وطلب شين، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ .

قال بعضهم: لا تحسبوه شرّاً لكم؛ لأنكم تؤجرون وتثابون على ما قيل فيكم من الفحش والقذف بما قرفوا به؛ بل هو خير لكم في الآخرة؛ على ما ذكرنا من الأجر.

ويحتمل قوله: ﴿ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ في الدنيا؛ لما برأه الله مما قرفوا به، ودفع عنهم تمكين ما قرفوا به، ووعد لهم الجنة بقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ  ﴾ ، وكان قبل نزول هذه الآية موهوم عند الناس فيها متمكن احتمال ذلك الفعل؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: ﴿ يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ  ﴾ ، وقال: ﴿ وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للَّهِ وَرَسُولِهِ...

﴾ الآية [الأحزاب: 31] كانت كالمؤمنات جميعاً موهوم عنهن عند الناس، محتمل ذلك؛ فلما قرفت - رفع الله ما كان موهوماً عند الناس قبل ذلك، ووعد لهم الأجر الكريم والرزق الحسن بقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ : فلا شك أن ذلك خير لهم في الدنيا وشر لأولئك الذين رموها حتى لم يتجاسر أحد بعد ذلك، ولا اجترأ أن يظن فيها ظن السوء، فضلا عن أن يقول فيها سوءاً، وقصّة عائشة -  ا - طويلة، لكنا نذكر ما كان بنا إلى ذلك حاجة.

أو أن يقال: بل هو خير لكم لما أنزل الله -  - فيهم آيات فيها براءتهم عما قرفوا به تتلى تلك الآيات إلى يوم القيامة، وذلك خير لهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ مَّا ٱكْتَسَبَ مِنَ ٱلإِثْمِ ﴾ .

إثمه: ما قرفها به.

﴿ وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ .

هو ذلك المنافق الذي ألقى ذلك في الناس، ﴿ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ : فيه دلالة أنه يموت على نفاقه، وكذلك مات على نفاقه؛ فلحقه ذلك الوعيد، قيل: هو عبد الله بن أبي ابن سلول، والله أعلم.

وقال بعضهم: ﴿ وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ ﴾ ، أي عظمه من المعصية، يعني: عبد الله بن أبي ابن سلول ﴿ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ ؛ لأنه كان منافقاً.

وقوله: ﴿ لَّوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً ﴾ .

قال بعضهم: هلا إذ سمعتموه قذف عائشة -  ا - بصفوان كذبتم أنتم أولئك القذفة، يقول: ألا ظن بعضهم ببعض خيرا، وهلا قالوا: ﴿ هَـٰذَآ إِفْكٌ مُّبِينٌ ﴾ ، يقول الله: هلا قالوا: القذف كذب مبين، وعلى هذا يخرج - أيضاً - قوله: ﴿ لَّوْلاَ جَآءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ ﴾ ، أي: هلا قالوا لهم: جيئوا بأربعة شهداء على قذفكم إياهم؛ فإذا هم ﴿ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَآءِ فَأُوْلَـٰئِكَ عِندَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ ﴾ .

ويحتمل أن يكون قوله: لولا إذ سمعتموه ظننتم بهم ظنا: ما يظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا دون أن قالوا: إفك مبين.

أو أن يكون التأويل: إن لم يظن أحد منكم بنفسه إذا كان مع أزواج رسول الله  [ذلك]، فكيف ظن بصفوان ذلك إذا كان هو مع أزواجه؟!

أو أن يقال: إذا لم يكن يظن أحد منكم بأمهاته ومحارمه ذلك، فكيف ظنّ بأزواج رسول الله  وهن أمّهاتكم وأمّهات جميع المؤمنين؟!

والله أعلم.

وقوله: ﴿ لَّوْلاَ جَآءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ ﴾ .

أي: لم يكن لهم بما قذفوا شهداء، ولا يجدون على ذلك شهداء.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ لَّوْلاَ ﴾ ، أي: لم يكن؛ كقوله: ﴿ فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ  ﴾ ، أي: لم يكن من القرون من قبلكم أولو بقية ﴿ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْفَسَادِ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً  ﴾ .

وإلا على تأويل (هَلا) يبعد؛ لأنّه لم يكن لهم شهداء على ذلك؛ فكيف يأتون؟!

وقوله: ﴿ فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَآءِ فَأُوْلَـٰئِكَ عِندَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ ﴾ .

وإن أتوا بالشهداء على أمر عائشة كانوا كاذبين أيضا؛ فدل أن تأويل قوله: ﴿ لَّوْلاَ جَآءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ ﴾ ، أي: لم يكن شهداء؛ فكيف قذفوها؟!

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: [أحدهما]: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ﴾ : حيث أنزل في قذفكم عائشة بصفوان آيات في براءتهما حتى تبتم عن ذلك، وإلا لمسّكم العذاب في الآخرة بذلك.

والثاني: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ﴾ لمسكم العذاب، ولعاقبكم بما قلتم في عائشة في الدنيا؛ على هذا التأويل: العذاب الموعود: في الدنيا، وعلى التأويل الأول: الوعيد في الآخرة، لكن بفضله ورحمته دفع عنكم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فِي مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ ﴾ ، أي: خضتم فيه.

وقال بعضهم في قوله: ﴿ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً ﴾ ، أي: بأمثالهم خيراً، تأويله: لولا ظن المؤمنون بأمثالهم خيرا دون أن يظنوا بهم شرا.

وفيما عظم الله - عز وجل - أمر القذف وشدد فيه ما لم يشدد في غيره ولم يعظم وجوه: أحدها: قطع طمع أهل الفجور والريبة فيهن، لئلا يطمع أحد منهم في المحصنات وأولاد الكرام ذلك الفضل، فقطع طمعهم بما شدّد فيه؛ لئلا يقرفن بذلك، ولا يطمع فيهن ذلك.

والثاني: بترك الناس الرغبة في مناكحة المحصنات وأولاد الكرام، ويرغبون فيمن دونهن، ويحدث أيضاً الضغائن والعداوة بين القذفة وبين المتصلين بالمقذوفات.

وقوله: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ﴾ لكان كذا: هذا من الله على الإيجاب، أي: قد كان منه ذلك، وإذا كان مضافاً إلى الخلق فهو على أنه لم يكن ذلك؛ ولذلك تأولوه: هلا.

وعن ابن عباس أنّه قال في قوله: ﴿ لَّوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ ﴾ ، يقول: قال للمؤمنين: ﴿ لَّوْلاۤ ﴾ : هلا إذ بلغكم عن عائشة وصفوان ﴿ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً ﴾ ، يقول: فظننتم بعائشة ظنكم بأنفسكم، وعلمتم أن أمكم لا تفعل ذلك، وكذلك المؤمنة لا تفعل ذلك، وقلتم: هذا إفك مبين.

﴿ لَّوْلاۤ ﴾ : هلا جاءوا عليه بأربعة شهداء على قولهم، ويصدّقوهم على مقالتهم، فإذا لم يأتوا بالشهداء كذبتموهم؛ فأولئك عند الله هم الكاذبون، وهو قريب مما ذكرنا فيما تقدم.

وقوله: ﴿ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ ﴾ بالتشديد، أي: تقبلونه، وتلقونه - بالتخفيف - أي: تأخذونه من الولق، وهو الكذب، وكذلك قرأت عائشة.

وقال أبو عوسجة: ﴿ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ ﴾ ، أي: تقولونه، قال: تلقيت الكلام، ولقنت وتلقنت: واحد.

وقوله: ﴿ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ ﴾ من غيركم.

﴿ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ ﴾ فيما بينكم.

وجائز أن يكونا جميعاً واحداً، أي: تتكلمون بألسنتكم، وتقولون بأفواهكم ﴿ مَّا لَّيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ ﴾ أي: من غير أن تعلموا أن الّذي قلتم من القذف قد كان، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً ﴾ قال بعضهم: تحسبون القذف ذنباً هيناً.

﴿ وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٌ ﴾ في الوزر.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً ﴾ : في الّدين؛ لأن القذف يحدث نقصاناً في الدين، والنقصان في الدين عظيم عند الله وتحسبونه أنتم هيناً.

ثم وعظ الذين خاضوا في أمر عائشة فقال: ﴿ وَلَوْلاَ ﴾ يقول: [هلا] ﴿ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ﴾ أي: القذف، ﴿ قُلْتُمْ مَّا يَكُونُ لَنَآ ﴾ أي: ما ينبغي لنا أن نتكلم بهذا الأمر، وهلا قلتم: ﴿ سُبْحَانَكَ هَـٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ﴾ لعظم ما قالوا فيها، والبهتان: الذي يبهت، فيقول: ما لم يكن من قذف أو غيره.

وقال أبو عوسجة: البهتان: الكذب، يقال: بهت أي: كذب.

﴿ يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَداً ﴾ أي: القذف أبداً.

﴿ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ * وَيُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَاتِ ﴾ في بيان ذلك وبراءتهم، أو يبين أوامره ونواهيه.

﴿ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ أي: عليم بكل شيء من قول أو فعل، حكيم يضع كل شيء موضعه.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلْفَاحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ كان أصل النفاق هم الذين أحبوا أن تشيع الفاحشة، وإلا أهل الإسلام لا يحبون ذلك في المؤمنين ﴿ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ في الآخرة؛ لنفاقهم وقرف عائشة.

وأما في المؤمنين فهو ما قال: ﴿ يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَداً إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ ﴾ .

وروي عن عمرة عن عائشة قالت: "لما نزل عذري قام رسول الله على المنبر، فذكر ذلك، وتلا القرآن، فلما نزل أمر برجلين وامرأة فضربوا حدَّهم" .

وعن ابن عباس أن رسول الله  ضرب عبد الله بن أبي، وحسان، ومسطح بن أثاثة الحد، وفي بعض الأخبار: وامرأة أيضاً، وقيل: خمسة، لكل واحد ثمانين جلدة.

ثم ما ذكر من قذف عائشة أنه بهتان عظيم وقوله: ﴿ وَتَحْسَبُونَهُ ﴾ ﴿ وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ ونحوه فجائز أن يكون في قذف كل محصنة بريئة دون أن يكون ذلك خصوصا لعائشة، وهو كما ذكر في قذف المحصنات ﴿ وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ﴾ .

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلْفَاحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ هذا يحتمل وجهين: أحدهما: يشيعون الفاحشة ويذيعونها في الذين آمنوا هم الذين تولوا إشاعتها وإذاعتها فيهم لهم ما ذكر من العذاب الأليم.

والثاني: يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا؛ ليكون ذلك ذريعة لهم في المؤمنين فيقولون: إن دينكم لم يمنعكم عن الفواحش والمنكر.

﴿ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ ﴾ ؛ لأنهم كانوا منافقين [و] منهم كان أول بدء القذف، وبهم شاع؛ لذلك كان لهم هذا الوعيد.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ أي: والله يعلم حقائق الأشياء وأنتم لا تعلمون حقائقها.

وفيه دلالة تعليق الحكم بالظواهر دون تعليقه بالحقائق.

وقوله: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ ٱللَّهَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ لم يذكر جواب قوله: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ﴾ ، فجوابه ما ذكر في قوله: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً ﴾ بفضله يزكو من زكا، وبرحمته يصلح من صلح، لا يصنع من نفسه.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وهلَّا إذ سمعتم هذا الإفك قلتم: ما يصح لنا أن نتكلم بهذا الأمر الشنيع، تنزيهًا لك ربنا، هذا الَّذي رموا به أم المؤمنين كذب عظيم.

<div class="verse-tafsir" id="91.3oMAy"

مزيد من التفاسير لسورة النور

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.6 / 29.5
الإضاءة 22%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله