الآية ١٩ من سورة النور

الإسلام > القرآن > سور > سورة 24 النور > الآية ١٩ من سورة النور

إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلْفَـٰحِشَةُ فِى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ ۚ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ١٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 73 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٩ من سورة النور: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٩ من سورة النور عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وهذا تأديب ثالث لمن سمع شيئا من الكلام السيئ ، فقام بذهنه منه شيء ، وتكلم به ، فلا يكثر منه ويشيعه ويذيعه ، فقد قال تعالى : ( إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا ) أي : يختارون ظهور الكلام عنهم بالقبيح ، ( لهم عذاب أليم في الدنيا ) أي : بالحد ، وفي الآخرة بالعذاب ، ( والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) أي : فردوا الأمور إليه ترشدوا .

وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن بكر ، حدثنا ميمون بن أبي محمد المرئي ، حدثنا محمد بن عباد المخزومي ، عن ثوبان ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا تؤذوا عباد الله ولا تعيروهم ، ولا تطلبوا عوراتهم ، فإنه من طلب عورة أخيه المسلم ، طلب الله عورته ، حتى يفضحه في بيته " .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: إن الذين يحبون أن يذيع الزنا في الذين صدّقوا بالله ورسوله ويظهر ذلك فيهم، ( لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) يقول: لهم عذاب وجيع في الدنيا، بالحدّ الذي جعله الله حدّا لرامي المحصَناتِ والمحصنين إذا رموهم بذلك، وفي الآخرة عذاب جهنم إن مات مصرّا على ذلك غير تائب.

كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قوله: ( يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ ) قال: تظهر في شأن عائشة.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) قال: الخبيث عبد الله بن أُبي ابن سلول، المنافق، الذي أشاع على عائشة ما أشاع عليها من الفرية، ( لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ).

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ( أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ ) قال: تظهر; يتحدّث عن شأن عائشة.

وقوله: ( وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) يقول تعالى ذكره: والله يعلم كذب الذين جاءوا بالإفك من صدقهم، وأنتم أيها الناس لا تعلمون ذلك، لأنكم لا تعلمون الغيب، وإنما يعلم ذلك علام الغيوب.

يقول: فلا تَرْووا ما لا علم لكم به من الإفك على أهل الإيمان بالله، ولا سيما على حلائل رسول الله صلى الله عليه وسلم فتهلكوا.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة أي تفشو ؛ يقال : شاع الشيء شيوعا وشيعا وشيعانا وشيعوعة ؛ أي ظهر وتفرق .

في الذين آمنوا أي في المحصنين والمحصنات .

والمراد بهذا اللفظ العام عائشة ، وصفوان - رضي الله عنهما - .

والفاحشة : الفعل القبيح المفرط القبح .

وقيل : الفاحشة في هذه الآية القول السيئ .

لهم عذاب أليم في الدنيا أي الحد .

وفي الآخرة عذاب النار ؛ أي للمنافقين ، فهو مخصوص .

وقد بينا أن الحد للمؤمنين كفارة .

وقال الطبري : معناه إن مات مصرا غير تائب .قوله تعالى : والله يعلم أي يعلم مقدار عظم هذا الذنب والمجازاة عليه ويعلم كل شيء .

وأنتم لا تعلمون روي من حديث أبي الدرداء أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( أيما رجل شد عضد امرئ من الناس في خصومة لا علم له بها فهو في سخط الله حتى ينزع عنها .

وأيما رجل قال بشفاعته دون حد من حدود الله أن يقام فقد عاند الله حقا وأقدم على سخطه وعليه لعنة الله تتابع إلى يوم القيامة .

وأيما رجل أشاع على رجل مسلم كلمة وهو منها بريء يرى أن يشينه بها في الدنيا كان حقا على الله تعالى أن يرميه بها في النار - ثم تلا مصداقه من كتاب الله تعالى : إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا الآية .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ } أي: الأمور الشنيعة المستقبحة المستعظمة، فيحبون أن تشتهر الفاحشة { فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } أي: موجع للقلب والبدن، وذلك لغشه لإخوانه المسلمين، ومحبة الشر لهم، وجراءته على أعراضهم، فإذا كان هذا الوعيد، لمجرد محبة أن تشيع الفاحشة، واستحلاء ذلك بالقلب، فكيف بما هو أعظم من ذلك، من إظهاره، ونقله؟" وسواء كانت الفاحشة، صادرة أو غير صادرة.

وكل هذا من رحمة الله بعباده المؤمنين، وصيانة أعراضهم، كما صان دماءهم وأموالهم، وأمرهم بما يقتضي المصافاة، وأن يحب أحدهم لأخيه ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه.

{ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } فلذلك علمكم، وبين لكم ما تجهلونه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله - عز وجل - : ( إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة ) يعني : تظهر ، ويذيع الزنا ، ( في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة ) يعني عبد الله بن أبي وأصحابه المنافقين ، والعذاب في الدنيا الحد ، وفي الآخرة النار ، ( والله يعلم ) كذبهم وبراءة عائشة وما خاضوا فيه من سخط الله ( وأنتم لا تعلمون )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة» باللسان «في الذين آمنوا» بنسبتها إليهم وهم العصبة «لهم عذاب أليم في الدنيا» بحد القذف «والآخرة» بالنار لحق الله «والله يعلم» انتفاءها عنهم «وأنتم» أيها العصبة بما قلتم من الإفك «لا تعلمون» وجودها فيهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إن الذين يحبون شيوع الفاحشة في المسلمين من قَذْف بالزنى أو أي قول سيِّئ لهم عذاب أليم في الدنيا بإقامة الحد عليهم، وغيره من البلايا الدنيوية، ولهم في الآخرة عذاب النار إن لم يتوبوا، والله- وحده- يعلم كذبهم، ويعلم مصالح عباده، وعواقب الأمور، وأنتم لا تعلمون ذلك.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم يواصل القرآن الكريم توجيهاته الحكيمة للمؤمنين ، فيهدد الذين يحبون أن تشيع الفاحشة فى الذين آمنوا بالعذاب الأليم ، وينهى المؤمنين عن اتباع خطوات الشيطان ، قال تعالى : ( إِنَّ الذين يُحِبُّونَ .

.

.

) .قال الإمام الرازى : " اعلم أنه - سبحانه - بعد أن بين ما على أهل الإفك ، وما على من سمع منهم ، وما ينبغى أن يتمسك به المؤمنون من آداب ، أتبعه بقوله : ( إِنَّ الذين يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الفاحشة فِي الذين آمَنُواْ .

.

.

) ليعلم أن من أحب ذلك فقد شارك فى هذا الذم ، كما شارك فيه من فعله ومن لم ينكره ، وليعلم أهل الإفك كما أن عليهم العقوبة فيما أظهروه ، فكذلك يستحقون العقوبة بما أسروه ، من محبة إشاعة الفاحشة فى المؤمنين .ومعنى " تشيع " تنتشر وتكثر ، ومنه قولهم : شاع الحديث .

إذا ظهر بين الناس .والفاحشة : هى الصفة البالغة أقصى دركات القبح ، كالرمى بالزنا وما يشبه ذلك .وهى صفة لموصوف محذوف .

أى : الخصلة الفاحشة ، والمقصود بمحبة شيوعها : محبة شيوع خبرها بين عامة الناس .والمعنى : إن الذين يحبون أن تنتشر قالة السوء بين صفوف المؤمنين ، وفى شأنهم ، لكى يلحقوا الأذى بهم ، هؤلاء الذين يحبون ذلك " لهم " بسبب نواياهم السيئة " عذاب أليم فى الدنيا " كإقامة الحد عليهم ، وازدراء الأخيار لهم ، ولهم - أيضا - عذاب أليم " فى الآخرة " وهو أشد وأبقى من عذاب الدنيا ." والله " تعالى وحده " يعلم " ما ظهر وما خفى من الأمور والأحوال " وأنتم " أيها الناس - " لا تعلمون " إلا ما كان ظاهرا منها ، فعاملوا الناس على حسب ظواهرهم ، واتركوا بواطنهم لخالقهم ، فهو - سبحانه - الذى يتولى محاسبتهم عليها .فالآية الكريمة يؤخذ منها : أن العزم على ارتكاب القبيح ، منكر يعاقب عليه صاحبه ، وأن محبة الفجور وشيوع الفواحش فى صفوف المؤمنين ، ذنب عظيم يؤدى إلى العذاب الأليم فى الدنيا والآخرة ، لأن الله - تعالى - علق الوعيد الشديد فى الدارين على محبة انتشار الفاحشة فى الذين آمنوا .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

النوع السابع: اعلم أنه سبحانه لما بين ما على أهل الإفك وما على من سمع منهم، وما ينبغي أن يتمسكوا به من آداب الدين أتبعه بقوله: ﴿ إِنَّ الذين يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الفاحشة ﴾ ليعلم أن من أحب ذلك فقد شارك في هذا الذم كما شارك فيه من فعله ومن لم ينكره، وليعلم أن أهل الأفك كما عليهم العقوبة فيما أظهروه، فكذلك يستحقون العقاب بما أسروه من محبة إشاعة الفاحشة في المؤمنين، وذلك يدل على وجوب سلامة القلب للمؤمنين كوجوب كف الجوارح والقول عما يضربهم، وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: معنى الإشاعة الانتشار يقال في هذا العقار سهم شائع إذا كان في الجميع ولم يكن منفصلاً، وشاع الحديث إذا ظهر في العامة.

المسألة الثانية: لا شك أن ظاهر قوله: ﴿ إِنَّ الذين يُحِبُّونَ ﴾ يفيد العموم وأنه يتناول كل من كان بهذه الصفة، ولا شك أن هذه الآية نزلت في قذف عائشة إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فوجب إجراؤها على ظاهرها في العموم، ومما يدل على أنه لا يجوز تخصيصها بقذفة عائشة قوله تعالى في: ﴿ الذين آمَنُواْ ﴾ فإنه صيغة جمع ولو أراد عائشة وحدها لم يجز ذلك، والذين خصصوه بقذفة عائشة منهم من حمله على عبدالله بن أبي، لأنه هو الذي سعى في إشاعة الفاحشة قالوا معنى الآية: ﴿ إِنَّ الذين يُحِبُّونَ ﴾ والمراد عبدالله أن تشيع الفاحشة أي الزنا في الذين آمنوا أي في عائشة وصفوان.

المسألة الثالثة: روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إني لأعرف قوماً يضربون صدورهم ضرباً يسمعه أهل النار، وهم الهمازون اللمازون الذين يلتمسون عورات المسلمين ويهتكون ستورهم ويشيعون فيهم من الفواحش ما ليس فيهم».

وعنه عليه الصلاة والسلام: «لا يستر عبد مؤمن عورة عبد مؤمن إلا ستره الله يوم القيامة ومن أقال مسلماً صفقته أقال الله عثرته يوم القيامة ومن ستر عورته ستر الله عورته يوم القيامة».

وعنه عليه الصلاة والسلام: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه».

وعن عبدالله بن عمر عنه عليه الصلاة والسلام قال: «من سره أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويحب أن يؤتى إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه».

وعن أنس قال: قال عليه الصلاة والسلام: «لا يؤمن العبد حتى يجب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير».

المسألة الرابعة: اختلفوا في عذاب الدنيا، فقال بعضهم إقامة الحد عليهم، وقال بعضهم هو الحد واللعن والعداوة من الله والمؤمنين، ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدالله بن أبي وحسان ومسطح، وقعد صفوان لحسان فضربه ضربة بالسيف فكف بصره، وقال الحسن عنى به المنافقين لأنهم قصدوا أن يغموا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أراد غم رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كافر، وعذابهم في الدنيا هو ما كانوا يتعبون فيه وينفقون لمقاتلة أوليائهم مع أعدائهم، وقال أبو مسلم: الذين يحبون هم المنافقون يحبون ذلك فأوعدهم الله تعالى العذاب في الدنيا على يد الرسول صلى الله عليه وسلم بالمجاهدة لقوله: ﴿ جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عَلَيْهِمْ  ﴾ والأقرب أن المراد بهذا العذاب ما استحقوه بإفكهم وهو الحد واللعن والذم.

فأما عذاب الآخرة فلا شك أنه في القبر عذابه، وفي القيامة عذاب النار.

أما قوله: ﴿ والله يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ فهو حسن الموقع بهذا الموضع لأن محبة القلب كامنة ونحن لا نعلمها إلا بالأمارات، أما الله سبحانه فهو لا يخفى عليه شيء، فصار هذا الذكر نهاية في الزجر لأن من أحب إشاعة الفاحشة وإن بالغ في إخفاء تلك المحبة فهو يعلم أن الله تعالى يعلم ذلك منه وإن علمه سبحانه بذلك الذي أخفاه كعلمه بالذي أظهره ويعلم قدر الجزاء عليه.

المسألة الخامسة: الآية تدل على أن العزم على الذنب العظيم عظيم، وأن إرادة الفسق فسق، لأنه تعالى علق الوعيد بمحبة إشاعة الفاحشة.

المسألة السادسة: قال الجبائي دلت الآية على أن كل قاذف لم يتب من قذفه فلا ثواب له من حيث استحق هذا العذاب الدائم، وذلك يمنع من استحقاق ضده الذي هو الثواب، فمن هذا الوجه تدل على ما نقوله في الوعيد، واعلم أن حاصله يرجع إلى مسألة المحابطة وقد تقدم الكلام عليه.

المسألة السابعة: قالت المعتزلة: إن الله تعالى بالغ في ذم من أحب إشاعة الفاحشة، فلو كان تعالى هو الخالق لأفعال العباد لما كان مشيع الفاحشة إلا هو، فكان يجب أن لا يستحق الذم على إشاعة الفاحشة إلا هو، لأنه هو الذي فعل تلك الإشاعة وغيره لم يفعل شيئاً منها، والكلام عليه أيضاً قد تقدم.

المسألة الثامنة: قال أبو حنيفة رحمه الله: المصابة بالفجور لا تستنطق، لأن استنطاقها إشاعة للفاحشة وذلك ممنوع منه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

المعنى: يشيعون الفاحشة عن قصد إلى الإشاعة، وإرادة ومحبة لها، وعذاب الدنيا الحدّ، ولقد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبيّ وحساناً ومسطحاً، وقعد صفوان لحسان فضربه ضربة بالسيف، وكفّ بصره.

وقيل: هو المراد بقوله: ﴿ والذى تولى كِبْرَهُ مِنْهُمْ ﴾ [النور: 11] ﴿ والله يَعْلَمُ ﴾ ما في القلوب من الأسرار والضمائر ﴿ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ يعني أنه قد علم محبة من أحب الإشاعة، وهو معاقبه عليها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ ﴾ يُرِيدُونَ ﴿ أنْ تَشِيعَ ﴾ أنْ تُنْشَرَ ﴿ الفاحِشَةُ في الَّذِينَ آمَنُوا لَهم عَذابٌ ألِيمٌ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴾ بِالحَدِّ والسَّعِيرِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.

﴿ واللَّهُ يَعْلَمُ ﴾ ما في الضَّمائِرِ.

﴿ وَأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ فَعاقِبُوا في الدُّنْيا عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ الظّاهِرُ واللَّهُ سُبْحانَهُ يُعاقِبُ عَلى ما في القُلُوبِ مِن حُبِّ الإشاعَةِ.

﴿ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ ﴾ تَكْرِيرٌ لِلْمِنَّةِ بِتَرْكِ المُعاجَلَةِ بِالعِقابِ لِلدَّلالَةِ عَلى عِظَمِ الجَرِيمَةِ ولِذا عَطَفَ قَوْلَهُ: ﴿ وَأنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ عَلى حُصُولِ فَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ عَلَيْهِمْ وحُذِفَ الجَوابُ وهو مُسْتَغْنى عَنْهُ بِذِكْرِهِ مَرَّةً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إِنَّ الذين يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الفاحشة فِى الذين آمنوا} أي ما قبح جداً والمعنى يشيعون الفاحشة عن قصد الإشاعة ومحبة لها {لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِى الدنيا} بالحد ولقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم ابن أبى وحسافا ومسطحاً الحد {والآخرة} بالنار وعدها إن لم يتوبوا {والله يَعْلَمُ} بواطن الأمور وسرائر الصدور {وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} أي أنه قد علم محبة من أحب الإشاعة وهو معاقبه عليها

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ ﴾ أيْ يُرِيدُونَ ويَقْصِدُونَ ﴿ أنْ تَشِيعَ ﴾ أنْ تَنْتَشِرَ ( الفاحِشَةُ ) أيِ الخَصْلَةِ المُفْرِطَةِ في القُبْحِ وهي الفِرْيَةُ والرَّمْيُ بِالزِّنا أوْ نَفْسُ الزِّنا كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، والمُرادُ بِشُيُوعِها شُيُوعُ خَبَرِها ﴿ فِي الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِتَشَيُّعٍ أيْ تَشَيُّعٍ فِيما بَيْنَ النّاسِ.

وذَكَرَ المُؤْمِنِينَ لِأنَّهُمُ العُمْدَةُ فِيهِمْ أوْ بِمُضْمَرٍ هو حالٌ مِنَ الفاحِشَةِ أيْ كائِنَةٍ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ وفي شَأْنِهِمْ والمُرادُ بِهِمُ المُحْصَنُونَ والمُحْصَناتُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ لَهُمْ ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿ عَذابٌ ألِيمٌ في الدُّنْيا ﴾ مِمّا يُصِيبُهُ مِنَ البَلاءِ كالشَّلَلِ والعَمى ( وفي الآخِرَةِ ) مِن عَذابِ النّارِ ونَحْوِهِ، وتَرَتَّبَ ذَلِكَ عَلى المَحَبَّةِ ظاهِرٌ عَلى ما نُقِلَ عَنِ الكَرْمانِيِّ مِن أنَّ أعْمالَ القَلْبِ السَّيِّئَةَ كالحِقْدِ والحَسَدِ ومَحَبَّةِ شُيُوعِ الفاحِشَةِ يُؤاخِذُ العَبْدَ إذا وطَّنَ نَفْسَهُ عَلَيْها، ويَعْلَمُ مِنَ الآيَةِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ سُوءَ حالِ مَن نَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ كابْنِ أبِيّ ومَن وافَقَهُ قَلْبًا وقالِبًا.

وأنَّ لَهُمُ الحَظَّ الأوْفَرَ مِنَ العَذابَيْنِ حَيْثُ أحَبُّوا الشُّيُوعَ وأشاعُوا.

وقالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ مِن مَحَبَّةِ الشُّيُوعِ الإشاعَةُ بِقَرِينَةٍ تَرَتَّبَ العَذابُ عَلَيْها فَإنَّهُ لا يَتَرَتَّبُ إلّا عَلى الإشاعَةِ دُونَ المَحَبَّةِ الَّتِي لا اخْتِيارَ فِيها، وإنْ سَلَّمَ أنَّ المُرادَ بِها مُحِبَّةٌ تَدْخُلُ تَحْتَ الِاخْتِيارِ وهي مِمّا يَتَرَتَّبُ عَلَيْها العَذابُ قُلْنا: إنَّ ذَلِكَ هو العَذابُ الأُخْرَوِيُّ دُونَ العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ مِثْلَ الحَدِّ، وقَدْ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ العَذابَ الألِيمَ في الدُّنْيا هُنا بِالحَدِّ وهو لا يَتَرَتَّبُ عَلى المَحَبَّةِ مُطْلَقًا بِالِاتِّفاقِ، ومِن هُنا قِيلَ أيْضًا: إنَّ ذِكْرَ المُحِبَّةِ مِن قُبَيْلِ الِاكْتِفاءِ عَنْ ذِكْرِ الشَّيْءِ وهو الإشاعَةُ بِذِكْرِ مُقْتَضِيهِ تَنْبِيهًا عَلى قُوَّةِ المُقْتَضى، وقِيلَ: إنَّ الكَلامَ عَلى التَّضْمِينِ أيْ يُشِيعُونَ الفاحِشَةَ مُحِبِّينَ شُيُوعَها لِأنَّ كِلا مَعْنى المَحَبَّةِ والإشاعَةِ مَقْصُودانِ.واسْتَشْكَلَ تَفْسِيرُ العَذابِ الألِيمِ في الدُّنْيا بِالحَدِّ بِأنَّهُ لا يَضُمُّ إلَيْهِ العَذابَ الألِيمَ في الآخِرَةِ لِأنَّ الحُدُودَ مُكَفِّرَةٌ.

وأُجِيبُ بِأنَّ حُكْمَ الآيَةِ مَخْصُوصٌ بِمَن أشاعَ ذَلِكَ في حَقِّ أُمِّ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: الحَدُّ لِمَن نُقِلَ الإفْكُ مِنَ المُسْلِمِينَ والعَذابِ الأُخْرَوِيِّ لِأبِي عُذْرَتِهِ ابْنُ أبِيّ والمَوْصُولُ عامٌّ لَهُما، عَلى أنَّ في كَوْنِ الحُدُودِ مُطْلَقًا مُكَفِّرَةً خِلافًا فَبَعْضُهم قالَ بِهِ فِيما عَدا الرِّدَّةِ وبَعْضُهم أنْكَرَهُ وبَعْضُهم تَوَقَّفَ فِيهِ لِحَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ««لا أدْرِي الحُدُودَ كَفارّاتٍ لِأهْلِها أمْ لا»» ولَعَلَّ الأنْسَبَ بِمَساقِ النَّظْمِ الكَرِيمِ مِن تَقْبِيحِ الخائِضِينَ في الإفْكِ المُشَيِّعِينَ لَهُ هو ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ إمّا هم عَلى أنْ يَكُونَ لِلْعَهْدِ الخارِجِيِّ كَما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ وابْنِ زَيْدٍ والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ في الصِّلَةِ لِلْإشارَةِ إلى زِيادَةِ تَقْبِيحِهِمْ بِأنَّهُ قَدْ صارَتْ مَحَبَّتُهم لِشُيُوعِ الفاحِشَةِ عادَةً مُسْتَمِرَّةً، وإمّا ما يَعُمُّهم وغَيْرَهم مِن كُلِّ مَن يَتَّصِفُ بِمَضْمُونِ الصِّلَةِ عَلى إرادَةِ الجِنْسِ ويَدْخُلُ أُولَئِكَ المُشَيِّعُونَ دُخُولًا أوَّلِيًّا كَما قِيلَ: ﴿ واللَّهُ يَعْلَمُ ﴾ جَمِيعُ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما في الضَّمائِرِ مِنَ المَحَبَّةِ المَذْكُورَةِ وكَذا وجْهُ الحِكْمَةِ في تَغْلِيظِ الوَعِيدِ ﴿ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ ما يَعْلَمُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى.

والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ جِيءَ بِهِ تَقْرِيرًا لِثُبُوتِ العَذابِ لَهم وتَعْلِيلًا لَهُ، قِيلَ: المَعْنى واللَّهُ يَعْلَمُ ما في ضَمائِرِهِمْ فَيُعاقِبُهم عَلَيْهِ في الآخِرَةِ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ذَلِكَ بَلْ تَعْلَمُونَ ما يَظْهَرُ لَكم مِن أقْوالِهِمْ فَعاقَبُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَلَوْلا يعني: فهلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ أي: إذ سمعتم القذف.

قُلْتُمْ مَّا يَكُونُ لَنا يعني: لا ينبغي لنا ولا يجوز لنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ وفي هذا بيان فضل عائشة  ا حيث نزهها باللفظ الذي نزه به نفسه، وهو لفظ سبحان الله، ويقال: سبحان الله أن تكون امرأة النبي  زانية، ما كانت امرأة نبي زانية قط.

ثم وعظ الذين يخوضون في أمر عائشة، فقال عز وجل: يَعِظُكُمُ اللَّهُ يعني: ينهاكم الله عز وجل: أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً يعني: القذف إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ يعني: مصدقين بالله وبرسوله  وباليوم الآخر.

وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ يعني: الأمر والنهي وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ونزل في عبد الله بن أبيّ وأصحابه.

إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ يعني: يظهر الزنى ويفشو ويقال: يحبّون ما شاع لعائشة من الثناء السيئ فِي الَّذِينَ آمَنُوا يعني: عائشة وصفوان  ما.

لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا الحد وَالْآخِرَةِ النار إن لم يتوبوا.

وَاللَّهُ يَعْلَمُ أنهما لم يزنيا وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ذلك منهما.

ثم قال عز وجل: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ، وجوابه مضمر، يعني: لولا منُّ الله عليكم ونعمته لعاقبكم فيما قلتم في أمر عائشة وصفوان.

وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ، حيث لم يجعل بالعقوبة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

نُصْرَتَهُ» ، انتهى «١» ، ثم ذكر تعالى أَنَّه يزكى مَنْ شاء مِمَّنْ سبقت له السعادة، وكان عمله الصالح أمارة على سبق السعادة له.

وقوله تعالى: وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ ...

الآية: المشهورُ من الروايات أَنَّ هذه الآية نزلت في قصة أبي بكر رضي الله عنه ومِسْطَحِ بْنِ أُثَاثَةَ، وكان من قرابة أبي بكر، وكان أبو بكر ينفق عليه، لمسكَنَتِهِ، فلما وقع أمر الإفك بلغ أبا بكر أَنَّه: وقع مِسْطَحٌ مع مَنْ وقع فحلف أبو بكر: لا ينفق عليه، ولا ينفعه بنافعة أبدا، فجاء مسطح معتذرا/ ٣٦ ب وقال: إنَّما كُنْتُ أسمع ولا أقول، فنزلتِ الآية، والفضل: الزيادة في الدِّينِ، والسعة هنا:

هي المال، ثم قال تعالى: أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ...

الآية، أي: كما تحبون عفوَ الله لكم عن ذنوبكم فكذلك اغفروا لمن دونكم، فيروى أنَّ أبا بكر قال: بلى، إنِّي أُحِبُّ أَنْ يغفر الله لي، ورَجَّعَ إلى مِسْطَحٍ ما كان يُجْرِي عليه من النفقة والإحسان «٢» .

قال ابن العربيِّ في «أحكامه» : وفي هذه الآيةِ دليلٌ على أَنَّ الحنث إذا رآه الإنسان خيراً هو أولى من البر، ولقول النّبيّ صلى الله عليه وسلّم: «فَرَأَى غَيْرُهَا خَيْراً مِنْها، فلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرُ، وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ» انتهى «٣» .

وقال بعض الناس: هذه أرجى آيةٌ في كتاب الله عز وجل من

حيث لطفه سبحانه بالقَذَفَةِ العُصَاةِ بهذا اللفظ.

قال ع «١» : وإنَّما تعطى الآية تفضلاً من الله تعالى في الدنيا، وإنَّما الرجاءُ في الآخرة، أما أنَّ الرجاءَ في هذه الآية بقياسٍ، أي: إذا أُمِرَ أُولِي الفضل والسعة بالعفو، فطرد هذا التفضل بسعة رحمته سبحانه لا رَبَّ غيره، وإنَّما آيات الرجاء: قوله تعالى: قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ [الزمر: ٥٣] .

وقوله تعالى: اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ جاءُوا بِالإفْكِ ﴾ أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ؛ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ وما يَتَعَلَّقُ بِها بَعْدَها نَزَلَتْ في قِصَّةِ عائِشَةَ.

وفي حَدِيثِ الإفْكِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إلى عَشْرِ آياتٍ نَزَلَتْ في قِصَّةِ عائِشَة.

وقَدْ ذَكَرْنا حَدِيثَ الإفْكِ في كِتابِ " الحَدائِقِ " وفي كِتابِ " المُغَنِي في التَّفْسِيرِ " فَلَمْ نُطِلْ بِذِكْرِهِ، لِأنَّ غَرَضَنا اخْتِصارُ هَذا الكِتابِ لِيُحْفَظَ.

فَأمّا الإفْكُ، فَهو الكَذِبُ، والعُصْبَةُ: الجَماعَةُ.

وَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ مِنكُمْ ﴾ أيْ: مِنَ المُؤْمِنِينَ.

ورَوى عُرْوَةُ عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ هم أرْبَعَةٌ: حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبِيِّ [بْنِ سَلُولٍ]، ومِسْطَحُ بْنُ أثاثَةٍ، وحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ، وكَذَلِكَ عَدَّهم مُقاتِلُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا خِطابٌ لِعائِشَةَ وصَفْوانَ بْنِ المُعَطَّلِ، وقِيلَ: لِرَسُولِ اللَّهِ  وأبِي بَكْرٍ وعائِشَةَ؛ والمَعْنى: إنَّكم تُؤَجَرُونَ فِيهِ، ﴿ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهُمْ ﴾ يَعْنِي: مِنَ العُصْبَةِ الكاذِبَةِ ﴿ ما اكْتَسَبَ مِنَ الإثْمِ ﴾ أيْ: جَزاءُ ما اجْتَرَحَ مِنَ الذَّنْبِ عَلى قَدْرِ خَوْضِهِ فِيهِ، ﴿ والَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنهُمْ ﴾ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، والحَسَنُ، ومَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو، ويَعْقُوبَ: " كُبْرَهُ " بِضَمِّ الكافِ.

قالَ الكِسائِيُّ: وهُما لُغَتانِ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كِبْرُ الشَّيْءَ: مُعْظَمُهُ، ومِنهُ هَذِهِ الآيَةُ.

قالَ قَيْسُ بْنُ الخَطِيمِ يَذْكُرُ امْرَأةً: تَنامُ عَنْ كِبَرِ شَأْنِها فَإذا قامَتْ رُوَيْدًا تَكادُ تَنْعَرِفُ وَفِي المُتَوَلِّي لِذَلِكَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعُرْوَةُ عَنْ عائِشَةَ، وبِهِ قالَ مُجاهِدُ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: هو الَّذِي أشاعَ الحَدِيثَ، فَلَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ بِالنّارِ.

وقالَ الضَّحّاكُ هو الَّذِي بَدَأ بِذَلِكَ.

والثّانِي: أنَّهُ حَسّانٌ؛ رَوى الشَّعْبِيُّ أنَّ عائِشَةَ قالَتْ: ما سَمِعَتُ أحْسَنَ مِن شِعْرِ حَسّانٍ، وما تَمَثَّلْتُ بِهِ إلّا رَجَوْتُ لَهُ الجَنَّةَ؛ فَقِيلَ: يا أُمَّ المُؤْمِنِينَ، ألَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: ﴿ والَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنهم لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ فَقالَتْ: ألَيْسَ قَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ؟

ورَوى عَنْها مَسْرُوقُ أنَّها قالَتْ: وأيُّ عَذابٍ أشَدُّ مِنَ العَمى، ولَعَلَّ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ العَذابَ العَظِيمَ ذَهابَ بَصَرِهِ، تَعْنِي حَسّانَ بْنَ ثابِتٍ.

ثُمَّ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أنْكَرَ عَلى الخائِضِينَ في الإفْكِ بِقَوْلِهِ: ﴿ لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ﴾ أيْ: هَلّا إذْ سَمِعْتُمْ أيَّتُها العُصْبَةُ الكاذِبَةُ قَذْفَ عائِشَةَ ﴿ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ ﴾ مِنَ العُصْبَةِ الكاذِبَةِ، وهم حَسّانُ ومِسْطَحٌ ﴿ والمُؤْمِناتُ ﴾ وهِيَ: حَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ ﴿ بِأنْفُسِهِمْ ﴾ وفِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: بِأُمَّهاتِهِمْ.

والثّانِي: بِأخَواتِهِمْ.

والثّالِثُ: بِأهْلِ دِينِهِمْ، لِأنَّ المُؤْمِنِينَ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ، ﴿ وَقالُوا هَذا إفْكٌ مُبِينٌ ﴾ أيْ: كَذِبٌ بَيِّنٌ.

وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ أبا أيُّوبٍ الأنْصارِيَّ قالَتْ لَهُ أُمُّهُ: ألا تَسْمَعُ ما يَقُولُ النّاسُ في أمْرِ عائِشَةَ؟!

فَقالَ: هَذا إفْكٌ مُبِينٌ، أكُنْتِ يا أُمّاهُ فاعِلَتَهُ؟

قالَتْ: مَعاذَ اللَّهِ، قالَ: فَعائِشَةُ واللَّهِ خَيْرٌ مِنكِ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْلا جاءُوا ﴾ أيْ: هَلّا جاءَتِ العُصْبَةُ الكاذِبَةُ عَلى قَذْفِهِمْ [عائِشَةَ] ﴿ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ ﴾ وقَرَأ الضَّحّاكُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: " بِأرْبَعَةٍ " مُنَوَّنَةٍ؛ والمَعْنى: يَشْهَدُونَ بِأنَّهم عايَنُوا ما رَمَوْها بِهِ ﴿ فَإذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ أيْ: في حُكْمِهِ ﴿ هُمُ الكاذِبُونَ ﴾ .

ثُمَّ ذَكَرَ القاذِفِينَ فَقالَ: ﴿ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ ﴾ أيْ: لَوْلا ما مَنَّ [اللَّهُ] بِهِ عَلَيْكُمْ، ﴿ لَمَسَّكُمْ ﴾ أيْ: لَأصابَكم ﴿ فِي ما أفَضْتُمْ ﴾ أيْ: أخَذْتُمْ وخُضْتُمْ ﴿ فِيهِ ﴾ مِنَ الكَذِبِ والقَذْفِ ﴿ عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.

ثُمَّ ذَكَرَ الوَقْتَ الَّذِي لَوْلا فَضْلُهُ لَأصابَهم فِيهِ العَذابُ فَقالَ: ﴿ إذْ تَلَقَّوْنَهُ ﴾ وكانَ الرَّجُلُ مِنهم يَلْقى الرَّجُلَ فَيَقُولُ: بَلَغَنِي كَذا، فَيَتَلَقّاهُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ.

وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: " إذْ تُلْقُونَهُ " بِتاءٍ واحِدَةٍ خَفِيفَةٍ مَرْفُوعَةٍ وإسْكانِ اللّامِ وقافٍ مَنقُوطَةٍ بِنُقْطَتَيْنِ مَرْفُوعَةٍ خَفِيفَةٍ؛ وقَرَأ مُعاوِيَةُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ مِثْلَهُ، إلّا أنَّهُما فَتَحا التّاءَ والقافَ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: " تَتَلَقَّوْنَهُ " بِتاءَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ مَعَ نَصْبِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعائِشَةُ، ومُجاهِدُ، وأبُو حَيْوَةَ: " تَلِقُونَهُ " بِتاءٍ واحِدَةٍ خَفِيفَةٍ مَفْتُوحَةٍ وكَسْرِ اللّامِ ورَفْعِ القافِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: " تُلْقُونَهُ ": يُلْقِيهِ بَعْضُكم إلى بَعْضٍ وتُلْقُونَهُ؛ ومَعْناهُ: إذْ تُسْرِعُونَ بِالكَذِبِ، يُقالُ: ولَقَ يَلْقَ: إذا أسْرَعَ في الكَذِبِ وغَيْرِهِ، قالَ الشّاعِرُ: جاءَتْ بِهِ عَنْسٌ مِنَ الشّامِ تَلِقُّ أيْ: تُسْرِعُ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " تُلْقُونَهُ " أيْ: تَقْبَلُونَهُ، ومَن قَرَأ: " تُلْقُونَهُ " أخَذَهُ مِنَ الوَلْقِ، وهو الكَذِبُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَقُولُونَ بِأفْواهِكم ما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ ﴾ أيْ: مِن غَيْرِ أنْ تَعْلَمُوا أنَّهُ حَقٌّ ﴿ وَتَحْسَبُونَهُ ﴾ يَعْنِي: ذَلِكَ القَذْفَ ﴿ هَيِّنًا ﴾ أيْ: سَهْلًا لا إثْمَ فِيهِ ﴿ وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ ﴾ في الوِزْرِ.

ثُمَّ زادَ عَلَيْهِمْ في الإنْكارِ فَقالَ: ﴿ وَلَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا ﴾ أيْ: ما يَحِلُّ وما يَنْبَغِي لَنا ﴿ أنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذا سُبْحانَكَ ﴾ وهو يَحْتَمِلُ التَّنْزِيهَ والتَّعَجُّبَ.

ورَوَتْ عائِشَةُ أنَّ امْرَأةَ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ قالَتْ لَهُ: ألَمْ تَسْمَعْ ما يَتَحَدَّثُ النّاسُ؟!

فَقالَ: ﴿ ما يَكُونُ لَنا أنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذا ﴾ ...

الآيَةُ، فَنَزَلَتْ الآيَةُ.

وقَدْ رَوَيْنا آنِفًا أنَّ أُمَّهُ ذَكَرَتْ لَهُ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ الآيَةُ المُتَقَدِّمَةُ.

ورُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ سَعْدَ بْنَ مُعاذٍ لَمّا سَمِعَ ذَلِكَ قالَ: سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ، فَقِيلَ لِلنّاسِ: هَلّا قُلْتُمْ كَما قالَ سَعْدٌ؟!

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَعِظُكُمُ اللَّهُ ﴾ أيْ: يَنْهاكُمُ اللَّهُ ﴿ أنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ ﴾ أيْ: إلى مِثْلِهِ ﴿ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ لِأنَّ مِن شَرْطِ الإيمانِ تَرْكَ قَذْفِ المُحْصَنَةِ.

﴿ وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ ﴾ في الأمْرِ والنَّهْىِ.

ثُمَّ هَدَّدَ القاذِفِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ ﴾ أيْ يُحِبُّونَ أنْ يَفْشُوَ القَذْفُ بِالفاحِشَةِ، وهي الزِّنا ﴿ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهم عَذابٌ ألِيمٌ في الدُّنْيا ﴾ يَعْنِي: الجَلْدَ ﴿ والآخِرَةِ ﴾ عَذابَ النّارِ.

ورَوَتْ عُمْرَةُ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «لَمّا نَزَلَ عُذْرِي قامَ رَسُولُ اللَّهِ  عَلى المِنبَرِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ، وتَلا القُرْآنَ، فَلَمّا نَزَلَ أُمِرَ بِرَجُلَيْنِ وامْرَأةٍ، فَضُرِبُوا حَدَّهم.» ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  جَلَدَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ، ومِسْطَحَ بْنَ أُثاثَةَ، وحَسّانَ بْنَ ثابِتٍ، وحَمْنَةَ بِنْتَ جَحْشٍ، فَأمّا الثَّلاثَةُ فَتابُوا، وأمّا عَبْدُ اللَّهِ فَماتَ مُنافِقًا،» وبَعْضُ العُلَماءِ يُنْكِرُ صِحَّةَ هَذا، ويَقُولُ: لَمْ يَضْرِبْ أحَدًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ يَعْلَمُ ﴾ شَرَّ ما خُضْتُمْ فِيهِ وما يَتَضَمَّنُ مِن سَخَطِ اللَّهِ ﴿ وَأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ ذَلِكَ، ﴿ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ جَوابُهُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: لَعاقَبَكم فِيما قُلْتُمْ لِعائِشَةَ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: مِسْطَحًا، وحَسّانَ، وحَمْنَةَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ في الَّذِينَ آمَنُوا لَهم عَذابٌ ألِيمٌ في الدُنْيا والآخِرَةِ واللهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ وأنَّ اللهِ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: الإشارَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ إلى المُنافِقِينَ، عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ ومَن أشْبَهَهُ، وهي خاصَّةٌ في أمْرِ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَحُبُّهم شَياعُ الفاحِشَةِ في المُؤْمِنِينَ مُتَمَكِّنٌ عَلى وجْهِهِ لِعَداوَتِهِمْ في أهْلِ الإيمانِ، وعَذابُهُمُ الألِيمُ في الدُنْيا الحُدُودُ، وفي الآخِرَةِ النارُ.

وقالَتْ فُرْقَةٌ -وَقَوْلُها هو الأظْهَرُ-: الآيَةُ عامَّةٌ في كُلِّ قاذِفٍ مُنافِقًا كانَ أو مُؤْمِنًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والقاذِفُ المُؤْمِنُ لا يَتَّصِفُ بِحُبِّ شَياعِ الفاحِشَةِ في المُؤْمِنِينَ جُمْلَةً، لَكِنَّهُ يُحِبُّها لِمَقْذُوفِهِ، وكَذَلِكَ آخَرُ لِمَقْذُوفِهِ، وآخَرُ حَتّى تَشِيعَ الفاحِشَةُ مِن مَجْمُوعِ فِعْلِهِمْ، فَهم لَها مُحِبُّونَ بِهَذا الوَجْهِ مِن حَيْثُ أحَبَّ كُلُّ واحِدٍ جُزْءًا مِن شَياعِها، والعَذابُ الألِيمُ في الدُنْيا الحُدُودُ، وفي الآخِرَةِ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ القاذِفُ مُتَوَعَّدًا مِن بَيْنِ العُصاةِ بِعَذابٍ في الآخِرَةِ لا يُزِيلُهُ الحَدُّ حَسْبَ مُقْتَضى حَدِيثِ عُبادَةَ بْنِ الصامِتِ، ويَكُونُ أمْرُهُ كَأمْرِ المُحارِبِينَ إذا صُلِبُوا، خِزْيٌ في الدُنْيا ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ.

والوَجْهُ الثانِي أنْ يُحْكَمَ بِأنَّ الحَدَّ مُسْقِطٌ عَذابَ الآخِرَةِ حَسْبَ حَدِيثِ عُبادَةَ، وأنَّ قَوْلَهُ: "والآخِرَةِ" لا يُرِيدُ بِهِ عُمُومَ القَذْفَةِ، بَلْ يُرِيدُ إمّا المُنافِقِينَ وإمّا مَن لَمْ يَجِدْ، وقالَ الطَبَرِيُّ: مَعْناهُ: إنْ ماتَ مُصِرًّا غَيْرَ تائِبٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ يَعْلَمُ ﴾ مَعْناهُ: البَرِيءُ مِنَ المُذْنِبِ، وسائِرُ الأُمُورِ، ووَجْهُ الحِكْمَةِ في سَتْرِكم والتَغْلِيظِ في الوَعِيدِ والعَذابِ عَلى قاذِفِيكم.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ ﴾ الآيَةُ.

جَوابُ "لَوْلا" مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، تَقْدِيرُهُ: لَفَضَحَكم بِذُنُوبِكم ولَمْ يَسْتُرْكُمْ، ولَعَذَّبَكم فِيما أفَضْتُمْ فِيهِ مِن قَوْلِ الباطِلِ والبُهْتانِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما حذر الله المؤمنين من العود إلى مثل ما خاضوا به من الإفك على جميع أزمنة المستقبل أعقب تحذيرهم بالوعيد على ما عسى أن يصدر منهم في المستقبل بالوعيد على محبة شيوع الفاحشة في المؤمنين؛ فالجملة استئناف ابتدائي، واسم الموصول يعم كل من يتصف بمضمون الصلة فيعم المؤمنين والمنافقين والمشركين، فهو تحذير للمؤمنين وإخبار عن المنافقين والمشركين.

وجُعل الوعيد على المحبة لشيوع الفاحشة في المؤمنين تنبيهاً على أن محبة ذلك تستحق العقوبة لأن محبة ذلك دالة على خبث النية نحو المؤمنين.

ومن شأن تلك الطوية أن لا يلبث صاحبها إلا يسيراً حتى يصدر عنه ما هو محب له أو يُسَر بصدور ذلك من غيره، فالمحبة هنا كناية عن التهيؤ لإبراز ما يحب وقوعه.

وجيء بصيغة الفعل المضارع للدلالة على الاستمرار.

وأصل الكناية أن تجمع بين المعنى الصريح ولازمه فلا جرم أن ينشأ عن تلك المحبة عذاب الدنيا وهو حد القذف وعذاب الآخرة وهو أظهر لأنه مما تستحقه النوايا الخبيثة.

وتلك المحبة شيء غير الهمّ بالسيئة وغير حديث النفس لأنهما خاطران يمكن أن ينكف عنهما صاحبهما، وأما المحبة المستمرة فهي رغبة في حصول المحبوب.

وهذا نظير الكناية في قوله تعالى: ﴿ ولا يحض على طعام المسكين ﴾ [الماعون: 3] كناية عن انتفاء وقوع طعام المسكين.

فالوعيد هنا على محبة وقوع ذلك في المستقبل كما هو مقتضى قوله: ﴿ أن تشيع ﴾ لأن (أن) تخلص المضارع للمستقبل.

وأما المحبة الماضية فقد عفا الله عنها بقوله: ﴿ ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم ﴾ [النور: 14].

ومعنى: ﴿ أن تشيع الفاحشة ﴾ أن يشيع خبرها، لأن الشيوع من صفات الأخبار والأحاديث كالفشو وهو: اشتهار التحدث بها.

فتعين تقدير مضاف، أي أن يشيع خبرها إذ الفاحشة هي الفعلة البالغة حداً عظيماً في الشناعة.

وشاع إطلاق الفاحشة على الزنى ونحوه وتقدم في قوله تعالى: ﴿ واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم ﴾ في سورة النساء (15).

وتقدم ذكر الفاحشة بمعنى الأمر المنكر في قوله: ﴿ وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا ﴾ في سورة الأعراف (28).

وتقدم الفحشاء في قوله تعالى: ﴿ إنما يأمركم بالسوء والفحشاء ﴾ في سورة البقرة (169).

ومن أدب هذه الآية أن شأن المؤمن أن لا يحب لإخوانه المؤمنين إلا ما يحب لنفسه، فكما أنه لا يحب أن يشيع عن نفسه خبر سوء كذلك يجب عليه أن لا يحب إشاعة السوء عن إخوانه المؤمنين.

ولشيوع أخبار الفواحش بين المؤمنين بالصدق أو بالكذب مفسدة أخلاقية فإن مما يزع الناس عن المفاسد تهيبهم وقوعها وتجهمهم وكراهتهم سوء سمعتها وذلك مما يصرف تفكيرهم عن تذكرها بله الإقدام عليها رويداً رويداً حتى تنسى وتنمحي صورها من النفوس، فإذا انتشر بين الأمة الحديث بوقوع شيء من الفواحش تذكرتها الخواطر وخف وقع خبرها على الأسماع فدب بذلك إلى النفوس التهاون بوقوعها وخفة وقعها على الأسماع فلا تلبث النفوس الخبيثة أن تقدم على اقترافها وبمقدار تكرر وقوعها وتكرر الحديث عنها تصير متداولة.

هذا إلى ما في إشاعة الفاحشة من لحاق الأذى والضر بالناس ضراً متفاوت المقدار على تفاوت الأخبار في الصدق والكذب.

ولهذا ذيل هذا الأدب الجليل بقوله: ﴿ والله يعلم وأنتم لا تعلمون ﴾ أي يعلم ما في ذلك من المفاسد فيعظكم لتجتنبوا وأنتم لا تعلمون فتحسبون التحدث بذلك لا يترتب عليه ضر وهذا كقوله: ﴿ وتحسبونه هيّناً وهو عند الله عظيم ﴾ [النور: 15].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ وعِيدًا بِما لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ العِقابِ.

الثّانِي: أُرِيدَ بِهِ تَكْذِيبُ المُؤْمِنِينَ الَّذِي يُصَدِّقُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ.

واخْتُلِفَ هَلْ حَدَّ النَّبِيُّ  أصْحابَ الإفْكِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمْ يَحِدَّ أحَدًا مِنهم لِأنَّ الحُدُودَ إنَّما تُقامُ بِإقْرارٍ أوْ بَيِّنَةٍ ولِمَ يَتَعَبَّدْنا اللَّهُ أنْ نُقِيمَها بِإخْبارِهِ عَنْها كَما لَمْ يَتَعَبَّدْنا بِقَتْلِ المُنافِقِينَ وإنْ أخْبَرَ بِكُفْرِهِمْ.

والقَوْلُ الثّانِي: «أنَّ النَّبِيَّ  حَدَّ في الإفْكِ حَسّانَ بْنَ ثابِتٍ وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ومِسْطَحَ بْنَ أثاثَةَ وحَمْنَةَ بِنْتَ جَحْشٍ وكانُوا مِمَّنْ أفْصَحَ بِالفاحِشَةِ،» رَواهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وابْنُ المُسَيِّبِ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فَقالَ بَعْضُ شُعَراءِ المُسْلِمِينَ: لَقَدْ ذاقَ حَسّانُ الَّذِي كانَ أهْلُهُ وحَمْنَةُ إذْ قالا هَجِيرًا ومِسْطَحُ ؎ وابْنُ سَلُولَ ذاقَ في الحَدِّ خِزْيَهُ ∗∗∗ كَما خاضَ في إفْكٍ مِنَ القَوْلِ يَفْصَحُ ∗∗∗ تَعاطَوْا بِرَجْمِ الغَيْبِ زَوْجَ نَبِيِّهِمْ ∗∗∗ وسَخْطَةَ ذِي العَرْشِ العَظِيمِ فَأُبْرِحُوا ∗∗∗ وآذَوْا رَسُولَ اللَّهِ فِيها فَجُلِّلُوا ∗∗∗ مَخازِيَ تَبْقى عُمِّمُوها وفُضِّحُوا ∗∗∗ فَصُبَّتْ عَلَيْهِمْ مُحْصَداتٌ كَأنَّها ∗∗∗ شَآبِيبُ قَطْرٍ مِن ذُرى المُزْنِ تُسْفَحُ حَكى مَسْرُوقٌ أنَّ حَسّانَ اسْتَأْذَنَ عَلى عائِشَةَ فَقُلْتُ أتَأْذَنِينَ لَهُ فَقالَتْ: أوَلَيْسَ قَدْ أصابَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ.

فَمِن ذَهَبَ إلى أنَّهم حُدُّوا زَعَمَ أنَّها أرادَتْ بِالعَذابِ بِالعَظِيمِ الحَدَّ، ومَن ذَهَبَ إلى أنَّهم لَمْ يُحَدُّوا زَعَمَ أنَّها أرادَتْ بِالعَذابِ العَظِيمِ ذَهابَ بَصَرِهِ، قالَهُ سُفْيانُ.

قالَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ يَعْتَذِرُ مِنَ الإفْكِ: حَصانٌ رَزانٌ ما تُزَنُّ بِرِيبَةٍ ∗∗∗ وتُصْبِحُ غَرْثى مِن لُحُومِ الغَوافِلِ ∗∗∗ فَإنْ كُنْتُ قَدْ قُلْتُ الَّذِي بُلِّغْتُمْ ∗∗∗ فَلا رَفَعَتْ سَوْطِي إلَيَّ أنامِلِي ∗∗∗ فَكَيْفَ ووُدِّي ما حَيِيتُ ونُصْرَتِي ∗∗∗ لِآلِ رَسُولِ اللَّهِ زَيْنِ المَحافِلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ تَلَقَّوْنَهُ بِألْسِنَتِكُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: هو أنْ تَتَحَدَّثَ بِهِ وتُلْقِيَهُ بَيْنَ النّاسِ حَتّى يَنْتَشِرَ.

الثّانِي: أنْ يَتَلَقّاهُ بِالقَبُولِ إذا حَدَّثَ بِهِ ولا يُنْكِرُهُ.

وَحَكى ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ أنَّهُ سَمِعَ عائِشَةَ تَقْرَأُ إذْ تَلِقُونَهُ بِكَسْرِ اللّامِ مُخَفَّفَةً وفي تَأْوِيلِ هَذِهِ القِراءَةِ وجْهانِ: أحَدُهُما: تُرَدِّدُونَهُ، قالَهُ اليَزِيدِيُّ.

الثّانِي: تُسْرِعُونَ في الكَذِبِ وغَيْرِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ .

.

.

.

.

.

.

.

.

∗∗∗ جاءَتْ بِهِ عَنْسٌ مِنَ الشَّأْمِ تَلِقْ أيْ تُسْرِعُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني عن مجاهد ﴿ إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة ﴾ قال: تظهر.

يحدث عن شأن عائشة.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة ﴾ قال: يحبون أن يظهر الزنا.

وأخرج ابن أبي حاتم عن خالد بن معدان قال: من حدث بما أبصرت عيناه، وسمعت أذناه، فهو من الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء قال: من أشاع الفاحشة فعليه النكال، وإن كان صادقاً.

وأخرج البخاري في الأدب والبيهقي في الشعب عن علي بن أبي طالب قال: العامل الفاحشة، والذي يشيع بها، في الإِثم سواء.

وأخرج البخاري في الأدب عن شبل بن عون قال: كان يقال من سمع بفاحشة فأفشاها فهو فيها كالذي أبداها.

وأخرج أحمد عن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تؤذوا عباد الله، ولا تعيروهم، ولا تطلبوا عوراتهم.

فإنه من طلب عورة أخيه المسلم طلب الله عورته حتى يفضحه في بيته» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ ﴾ أي: تفشو (١) يقال: شاع الشيء شيُوعًا وشيعًا وشيعانًا وشيعوعة، إذا ظهر وتفرّق.

والدم يقطر في الماء فيشيع فيه، أي: يتفرّق (٢) قال مقاتل: يعني أن يظهر الزنا، أحبّوا ما شاع لعائشة من الثناء السيىءّ (٣) قوله ﴿ فِي الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ قال ابن عباس: يريد المحصنين والمحصنات (٤) والمعنى: يحبون أن تشيع الفاحشة فيهم بأن ينسبوها إليهم ويقذفوهم بها، ويشيعوا فيما بين الناس أنهم أتوها.

وقال مقاتل: ﴿ فِي الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ في صفوان وعائشة (٥) ويحتمل أن يكون ﴿ فِي الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ أي فيما بين المؤمنين بأن يذكروها في مجالسهم حتى تفشو فيما بينهم.

وعلى هذا لا يكون المراد بالذين آمنوا المقذوفين والمقذوفات كما كان في القول الأول.

﴿ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا ﴾ يعني الجلد ﴿ وَالْآخِرَةِ ﴾ عذاب النار.

﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ﴾ قال ابن عباس: يعلم شر ما دخلتم فيه وما فيه من شدة سخط الله -عز وجل- ﴿ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ (٦) (١) الثعلبي 3 ل/ 74 ب.

(٢) "تهذيب اللغة" للأزهري 3/ 60 - 61 (شاع) عن الليث وغيره.

قال الزبيدي في "تاج العروس" 21/ 301 "شيع": شيعا بالفتح وشيوعًا بالضم.

وقال الفيروزآبادي في "القاموس المحيط" 3/ 47 "شاع": وشيعوعة كديمومة، وشيعانًا محرّكة وانظر: "الصحاح" للجوهري 3/ 1240 (شيع)، "لسان العرب" 8/ 191 (شيع).

(٣) "تفسير مقاتل" 2/ 36 أ.

(٤) رواه الطبراني في "الكبير" 23/ 146 وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 151 ونسبه للطبراني.

(٥) "تفسير مقاتل" 2/ 36 أ.

(٦) رواه الطبراني في "الكبير" 23/ 146 وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 151 ونسبه للطبراني.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّ الذين يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الفاحشة ﴾ الإشارة بذلك إلى المنافقين الذين أحبوا أن يشيع حديث الإفك، ثم هو عام في غيرهم ممن اتصف بصفتهم، والعذاب في الدنيا الحد، وأما عذاب الآخرة فقد ورد في الحديث: أن من عوقب في الدنيا على ذنب لم يعاقب عليه في الآخرة فأشكل اجتماع الحدّ مع عذاب الآخرة في هذا الموضع، فيحتمل أن يكون القاذف يعذب في الآخرة ولا يسقط الحدّ عنه عذاب الآخرة بخلاف سائر الحدود، أون يكون هذا مختصاً بمن قذف عائشة، فإنه روى عن ابن عباس أنه قال: من أذنب ذنباً ثم تاب منه قبلت توبته إلا من خاض في أمر عائشة، أو يكون لمن مات مصراً غير تائب، أو يكون للمنافقين.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ كبره ﴾ بضم الكاف: يعقوب.

﴿ إذ سمعتموه ﴾ وبابه مدغماً: أبو عمرو وعلي وهشام وحمزة غير خلف ورجاء والعجلي ﴿ إذ تلقونه ﴾ بالإظهار وتشديد التاء: البزي وابن فليح ﴿ ولا يتأل ﴾ من التألي: يزيد ﴿ ما زكى ﴾ بالتشديد والإمالة: روح وقرأ قتيبة ممالة مخففة.

﴿ يوم يشهد ﴾ على التذكير: حمزة وعلي وخلف.

والباقون بتاء التأنيث.

الوقوف: ﴿ عصبة منكم ﴾ ط ﴿ شراً لكم ﴾ ط ﴿ خير لكم ﴾ ط ﴿ من الإثم ﴾ ج لنوع عدول من إجمال حكم الكل إلى بيان حكم البعض مع اتفاق الجملتين ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ خيراً ﴾ لا للعطف ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ شهداء ﴾ ج للشرط معنى مع الفاء ﴿ الكاذبون ﴾ ه ﴿ عظيم ﴾ ج لاحتمال أن يكون "إذ" ظرف قوله ﴿ لمسكم ﴾ أو ﴿ أفضتم ﴾ واحتمال كونه منصوباً باذكر وبهذا قد قيل: الوصل ألزم لأن قوله {  } من جملة مفعول ﴿ قلتم ﴾ ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ مؤمنين ﴾ ه ج لاتفاق الجملتين مع تكرار اسم الله دون الاكتفاء بالضمير وأنها آية ﴿ الايات ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ أليم ﴾ ه لا لتعلق الظرف ﴿ والآخرة ﴾ ط ﴿ لا تعلمون ﴾ ه ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ خطوات الشيطان ﴾ ط ﴿ والمنكر ﴾ ط ﴿ ابداً ﴾ لا لتعلق لكن ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ في سبيل الله ﴾ ط والوصل أولى للعطف ﴿ وليصفحوا ﴾ ط ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ والآخرة ﴾ ص ﴿ عظيم ﴾ ه لا لتعلق الظرف ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ للخبيثات ﴾ ج للعطف مع التضاد ﴿ للطيبات ﴾ ه ج لاتحاد المعنى مع فقدان العاطف ﴿ يقولون ﴾ ط ﴿ كريم ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما ذكر من أحكام القذف ما ذكر أتبعها حديث إفك عائشة الصدّيقة وما قذفها به أهل النفاق.

روى الزهري عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة بن ابي وقاص وكلهم رووا عن عائشة قالت: كان رسول الله  إذا اراد سفراً أقرع بين نسائه فأيتهن خرج اسمها خرج بها معه فأقرع بيننا في غزوة.

قال الزهري: هي غزوة المريسيع.

وذكره البخاري في غزوة بني المصطلق من خزاعة.

قال: وهي غزوة المريسيع أيضاً.

فخرج اسمي فخرجت مع رسول الله  ، فلما انصرف وقرب من المدينة نزل منزلاً ثم أذن بالرحيل فقمت حين أذنوا بالرحيل ومشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني وأقبلت إلى رحلي لمست صدري فإذا عقد لي من حزع أظفار قد انقطع، فرجعت والتمست عقدي وحبسني طلبه.

وأقبل الرهط الذين كانوا يحملون فحملوا هودجي وهم يحسبون أني فيه لخفتي فإني كنت جارية حديثة السن وذهبوا بالبعير، فلما رجعت إلى مكاني وليس به أحد جلست وقلت: يعودون في طلبي فنمت.

وقد كان صفوان بن المعطل يمكث في المعسكر يتتبع أمتعته فيحمله إلى المنزل الآخر لئلا يذهب منهم شيء، فلما رآني عرفني وقال: ما خلفك عن الناس؟

فأخبرته الخبر فنزل وتنحى حتى ركبت، ثم قاد البعير وافتقدني الناس حين نزلوا وخاض الناس في ذكري.

فبيناهم في ذلك هجمت عليهم فتكلم القوم فيّ وقدم رسول الله  المدينة ومكثت شهراً أشتكي ولا يرقأ لي دمع أقول كما يقول العبد الصالح أبو يوسف ﴿ فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون  ﴾ إلى أن نزل فيّ ﴿ إن الذين جاؤا بالإفك ﴾ إلى آخر الآيات.

وفي الحديث طول هذا حاصل سبب النزول.

وأما التفسير فالإفك أبلغ ما يكون من الكذب والافتراء.

وقيل: هو البهتان.

والعصبة الجماعة من العشرة إلى الأربعين.

والتركيب يدل على الاجتماع ومنه العصابة.

قال المفسرون.

هم عبد الله بن أبي رأس النفاق، وزيد بن رفاعة، وحسان بن ثابت، ومسطح ابن أثاثة، وحمنة بنت جحش ومن ساعدهم.

ومعنى ﴿ منكم ﴾ أنهم كانوا من جملة من حكم لهم بالإيمان ظاهراً.

أما الخطاب في قوله ﴿ لا تحسبوه شراً لكم ﴾ فالصحيح أنه لمن ساءه ذلك من المؤمنين وخاصة رسول الله  وأبا بكر وعائشة وصفوان.

ومعنى كونه خيراً لهم أنهم اكتسبوا فيه الثواب العظيم على قدر عظم البلاء، وأنه نزلت فيه بضع عشرة آية فيها تعظيم شأن الرسول  وتسلية له وتنزيه لأم المؤمنين وتطهير لأهل البيت وتهويل للطاعنين فيهم إلى غير ذلك من الأحكام الشرعية والآداب العقلية.

وقيل: الخطاب لعائشة وحدها والجمع لتعظيمها.

وقيل: الخطاب للقاذفين وبيان الخيرية صرفهم عن الاستمرار على حديث الإفك إلى التوبة عن ذلك، ولعل في هذا الذكر عقوبة معجلة لهم فيكون في هذا القول الكفارة.

وضعف هذا القول بأنه لا يناسب تسلية الرسول والمؤمنين ولا يطابق قوله ﴿ لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم ﴾ أي يصيب كل خائض في حديث الإفك ما يصيبه من عقاب ما اكتسب من إثم الخوض.

﴿ والذي تولى كبره ﴾ أي معظم الإفك وهو في قول الضحاك حسان ومسطح ولهذا جلدهما رسول الله  مع امرأة من قريش، والشهر أنه عبد الله راس النفاق.

ويحكى أن صفوان مر بهودجها وهو في ملأ من قومه فقال: من هذه؟

فقالوا: عائشة.

فقال: والله ما نجت منه ولا نجا منها وقال: امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت ثم جاء يقودها.

ويروى أن عائشة ذكرت حساناً وقالت: أرجو له الجنة.

فقيل: أليس هو الذي تولى كبره؟

فقالت: إذا سمعت شعره في مدح الرسول  رجوت له الجنة.

وفي رواية أخرى قالت: واي عذاب أشد من العمى.

ثم علم أدباً حسناً في مثل هذه الواقعة فقال ﴿ لولا إذ سمعتموه ظن ﴾ فصل بين "لولا" التحضيضية وبين فعلها بالظرف لأنه يتسع في الظرف مالا يتسع في غيره تنزيلاً للظرف منزلة المظروف نفسه، ولأن الممكنات لا تنفك عن الظروف.

والفائدة فيه أن يعلم أن ظن الخير كان يجب عليهم أول ما سمعوه بالإفك، فلما كان ذكر الوقت أهم وجب التقديم ومثله ﴿ ولولا إذ سمعتموه قلتم  ﴾ ثم لا يخفى أن أصل المعنى أن يقال: لولا إذ سمعتموه ظننتم بأنفسكم خيراً وقلتم هذا إفك.

ومعنى بأنفسكم بالذين منكم من المؤمنين والمؤمنات، فعدل عن الخطاب إلى الغيبة، وعن الضمير إلى الظاهر ليبالغ في التوبيخ بطريقة الالتفات، ولينبه لفظ الإيمان على أن الاشتراك فيه يقتضي أن لا يصدّق مؤمن على أخيه ولا مؤمنة على أختها قول عائب ولا عاتب بل يقول بملء فيه بناء على ظن الخير مصرحاً ببراءة ساحته ﴿ هذا إفك مبين ﴾ وذلك أن المؤمن معه من العقل والدين ما يهديه إلى الاصلح ويؤخره عن الأقبح، ولم يوجد هذا الداعي والصارف معارض بتساويهما كما قيل: كلام العدى ضرب من الهذيان.

فوجب أن لا يلتفت المؤمن إلى قول الطاعن في حق أخيه ويبقى على حسن ظنه به وهذا أدب حسن قل العامل به، وليتك تجد من يسمع فيسكت ولا يزيد فيه.

روي أن أبا أيوب الأنصاري قال لأم أيوب: أما ترين ما يقال؟

فقالت: لو كنت بدل صفوان أكنت تظن بحرمة رسول الله سوءاً؟

قال: لا.

قلت: لو كنت أنا بدل عائشة ما خنت رسول الله  فعائشة خير مني وصفوان خير منك.

وفي الآية دلالة على قول أبي حنيفة أن المسلمين عدول بعضهم على بعض ما لم يظهر منهم ريبة لأنا مأمورون بحسن الظن وذلك يوجب قبول الشهادة.

ومن هنا قال أيضاً: إذ باع درهماً وديناراً بدرهمين ودينارين إنا نخالف بينهما لأنا قد أمرنا بظن الخير فوجب حمله على ما يجوز.

ومثله إذا باع سيفاً محلى فيه مائة درهم بمائتي درهم نجعل المائة بالمائة والفضل بالسيف.

وإذا وجدنا امرأة أجنبية مع رجل فاعترفا بالتزويج تصدقهما حملاً لعقود المسلمين وتصرفاتهم على الجواز والصحة.

وزعم مالك أنهما يحدان إن لم يقيما بينة على النكاح.

وقيل: إن الآية مختصة بعائشة لأن كونها زوجة النبي كالدليل القاطع على أن الذي قيل فيها إفك صريح.

قال العلماء: يجوز أن تكون زوجة النبي كافرة كامرأة نوح ولوط، ولا يجوز أن تكون فاجرة لأن الأنبياء معصومون عن المنفرات ألبتة فإن حصول المنفر معه ينافي بعثته لكن الكفر غير منفر للكفرة.

قال: وأما الكشخنة فمن أعظم المنفرات.

قيل: في تفسيره الكشخان الذي تحبب امرأته الرجال إلى نفسها.

ويقال: كشخنته أي قلت له ياكشخان.

ثم بالغ في زجرهم عن حديث الإفك بقوله ﴿ لولا جاؤا ﴾ وهي أيضاً تحضيضية والمراد التفصيل بين الرمي الصادق والكاذب بثبوت شهادة الشهود الأربعة وانتفائها ولكن هذا العدد وكل فرد منه منتفٍ في حق عائشة فهم في حكم الله وشريعته كاذبون.

وهذا القدر كافٍ في إلزام أولئك الطاعنين وإلا فهم في نفس الأمر بالنسبة إلى هذه الواقعة كاذبون كما مر تقريره آنفاً.

ثم زاد في التهديد والزجر بقوله ﴿ ولولا فضل الله ﴾ هي "لولا" الامتناعية.

قال جمهور المفسرين: لولا أني قضيت أن أتفضل عليكم في هذه الدنيا بضروب النعم التي من جملتها الإمهال للتوبة، وأن أترحم عليكم في الآخرة بالعفو والمغفرة، لعاجلتكم بالعقاب على ما خضتم فيه من حديث الإفك.

وعن مقاتل أن في الآية تقديماً وتأخيراً والمعنى: ولولا فضل الله عليكم ورحمته بالحلم عنكم والحكم عليكم بالتوبة ﴿ لمسكم في ما ﴾ انفعتم ﴿ فيه عذاب عظيم ﴾ في الدنيا والآخرة معاً.

وتلقي الإفك أخذه من أفواه القالة وقوله، والأصل تتلقونه بتاءين وقد قرئ به.

كان الرجل يلقى الرجل فيقول له: ما وراءك؟

فيحدثه بحديث الإفك حتى طار وانتشر.

وفي زيادة قوله ﴿ بأفواهكم ﴾ إشارة إلى أنه قول لا وجود له إلا في العبارة ولا حقيقة لمؤداه في الواقع.

والقذف كبيرة من الكبائر كما سبق لا سيما قذف زوجة النبي وخاصة نبينا  فلهذا قال ﴿ وهو عند الله عظيم ﴾ عن بعضكم أنه جزع عند الموت فقيل له فقال: أخاف ذنباً لم يكن مني على بال وهو عند الله عظيم.

وفي النصائح الكبار لا تقولن لشيء من سيئاتك حقير فلعله عند الله نخلة وهو عندك نقير.

وصفهم في الاية بارتكاب ثلاثة آثام: تلقي الإفك والتكلم بما لا حقيقة له ولا علم به واستهانة عظيمة من العظائم، وفيه أن عظم المعصية لا يتعلق بظن فاعله بل جهله بعظمه ربما يصير مؤكداً لعظمه.

وفيه أن الواجب على المكلف أن يستعظم الإقدام على كل محرم إذ لا يأمن أن يكون عند الله من الكبائر.

ثم علمهم أدباً آخر ومعنى ﴿ ما يكون لنا ﴾ لا ينبغي ولا يصح لنا.

ومعنى ﴿ سبحانك ﴾ تنزيه الله من أن تكون زوجة نبينا الذي هو أحب خلقه إليه فاجرة، أو تنزيهه من أن يرضى بقذف هؤلاء المقربين ولا يعاقبهم، أو هو للتعجب من عظم الأمر وذلك أنه يسبح الله عند رؤية كل أمر عجيب من صنائعه فكثر حتى استعمل في كل متعجب منه.

والفرق بين هذه الآية وبين قوله ﴿ لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون ﴾ هو أن تلك تميل إلى العموم وهذه إلى الخصوص فكأنه بين أن هذا القذف خاصة مما ليس لهم أن يتفوهوا به لما فيه من إيذاء نبيه وإيذاء زوجته التي هي حبيبته ﴿ يعظكم الله ﴾ بهذه المواعظ التي بها تعرفون عظم هذا الذنب كراهة ﴿ أن تعودوا ﴾ أو في شأن أن تعودوا ﴿ لمثله ابداً ﴾ أي مدة حياتكم.

ولا دلالة للمعتزلة في قوله ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ على أن ترك القذف من الإيمان لاحتمال أنه للتهيج والانزجار ﴿ ويبين الله لكم ﴾ أي لانتفاعكم ﴿ الآيات ﴾ الدالات على علمه وحكمته وما ينبغي أن يتمسك المكلف به في أبواب صلاح معاشه ومعاده ﴿ والله عليم حكيم ﴾ هما صفتان مختلفتان عند المعتزلة ثانيتهما أخص من الأولى، وعند الأشاعرة الثانية للتأكيد المحض.

والمراد أنه يجب قبول تكاليفه وبياناته لأنه عالم بما أمر وبما يستحقه كل مأمور، وليس في تكليفه عيب ولا عبث.

ومن كان هذه صفته وجب طاعته ليثبت ولا يعاقب.

استدلت المعتزلة بالآية في أنه يريد الإيمان من الكل وإلا لم يكن واعظاً ولا مبيناً آياته لانتفاعهم ولا حكيماً لا يفعل القبائح.

ولا جواب للاشاعرة إلا أنه يشاء ما يشاء ولا اعتراض عليه.

ثم بين بقوله ﴿ إن الذين يحبون ﴾ أن أهل الإفك يشاركهم في عذاب الدارين من رضي بقولهم، وأنهم كما هم مؤاخذون بما أظهروه فهم معاقبون على ما أضمروه من محبة إشاعة الفاحشة والفحشاء في المؤمنين، لأنها تدل على الدغل والنفاق وعدم سلامة القلب.

والفاحشة والفحشاء ما أفرط قبحه، وشيوعها انتشارها وظهورها بحيث يطلع عليها كل أحد وخصوص السبب لا يقتضي خصوص الحكم، فهذا الوعيد شامل لكل من أراد بواحد من المؤمنين أو المؤمنات شيئاً من المضار والأذيات.وبعضهم حمل الفاحشة على الزنا وخصص ما يحب شيوع الفاحشة بعبد الله بن أبي.

وخصص الذين آمنوا بعائشة وصفوان، ولا يخفى ما فيه من ضيق العطن إلا أن يساعده نقل صحيح.

وعذاب الدنيا الحد واللعن والذم وما على أهل النفاق من صنوف البلاء، ولقد ضرب رسول الله  عبد الله بن ابي وحساناً ومسطحاً، وقعد صفوان لحسان فضربه ضربة بالسيف وكف بصره.

وعذاب الآخرة في القبر وفي القيامة هو النار.

عن رسول الله  "إني لأعرف قوماً يضربون صدورهم ضرباً يسمعه أهل النار وهم الهمازون اللمازون الذين يلتمسون عورات المسلمين ويهتكون ستورهم ويشيعون عليهم من الفواحش ما ليس فيهم" وعن أنس أن النبي  قال " لا يؤمن العبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" من الخير وأما قوله ﴿ والله يعلم وأنتم لا تعلمون ﴾ ففي نهاية حسن الموقع لأن الأعمال القلبية محبة الشر أو الخير لا يطلع عليها أحد كما هي إلا الله  .

وإنما نعرف نحن شيئاً منها بالقرائن والإمارات وفيه زجر عظيم لمن لا يجتهد في أن يكون قلبه سليماً من النفاق والغل، وحصول هذا الغل في القلب غير العزم على الذنب فإن الأول ملكة والثاني حال، ولا يلزم من ترتب العقاب على الملكات ترتبه على الأحوال فافهم.

قال أبو حنيفة: المغتابة بالفجور لا تستنطق لأن استنطاقها إشاعة للفاحشة وإنها ممنوع عنها.

وقالت المعتزلة: في الآية دليل على أنه  غير خالق للكفر ولا مريد وإلا كان ممن يحب أن تشيع الفاحشة.

ولقائل أن يقول: قياس الغائب على الشاهد فاسد.

ثم كرر المنة بترك المعاجلة بالعقاب والتميكن من التلافي وبالغ فيها بذكر الرؤوف والرحيم.

وجواب "لولا" محذوف على نسق ما مر.

وقيل: جوابه ما يدل على ذلك في قوله ﴿ ما زكى منكم ﴾ وهو بعيد.

عن ابن عباس أن الخطاب لحسان ومسطح وحمنة والأقرب العموم.

ثم نهى عن اتباع آثار الشيطان وسلوك مسالكه والاقتداء به في الإصغاء إلى الإفك وإشاعة الفحشاء وارتكاب مال تنكره العقول وتأباه.

وقوله ﴿ فإنه يأمر بالفحشاء ﴾ من وضع السبب مقام المسبب والمراد ضل.

قالت الاشاعرة: في قوله ﴿ ما زكى ﴾ بالتشديد والضمير لله وكذا في قوله ﴿ ولكن الله يزكي ﴾ دلالة على أن الزكاء وهو الطهارة من دنس الآثام لا يحصل إلا بالله، وهو دليل على أنه خالق الأفعال والآثار.

وحمله المعتزلة على منح الألطاف أو على الحكم بالطهارة، وضعف بأنه خلاف الظاهر وبأنه يجب انتهاء الكل إليه، وبأن قوله ﴿ من يشاء ﴾ ينافي قولكم إن خلق الألطاف واجب عيه.

ثم علم أدباً آخر جميلاً بقوله ﴿ ولا يأتل ﴾ وهو افتعل من الألية أي لا يحلف على عدم الإحسان، وحرف النفي يحذف من جواب القسم كثيراً فهي كقراءة من قرأ ﴿ ولا يأتل ﴾ وقيل: هو من قولهم "ما ألوت جهداً" إذا لم يدخر من الاجتهاد شيئاً اي لا يقصر في الإحسان إلى المستحقين.

قالوا: نزلت في شأن مسطح وكان ابن خالة ابي بكر الصديق فقيراً من فقراء المهاجرين، وكان أبو بكر ينفق عليه.

فلما فرط منه ما فرط آلى أن لا ينفق عليه فنزلت فقرأها رسول الله  على أبي بكر، فلما وصل إلى قوله ﴿ ألا تحبون أن يغفر الله لكم ﴾ قال أبو بكر: بلى أحب أن يغفر الله لي فعفا عن مسطح ورجع إلى الإنفاق عليه وقال: والله لا أنزعها أبداً.

قال الإمام فخر الدين الرازي: هذه الاية تدل على أفضلية أبي بكر الصديق من وجوه، وذلك أن الفضل المذكور في الاية لا يراد به السعة في المال والإلزام التكرار فهو الفضل في الدين ولكنه مطلق غير مقيد فثبت له الفضل على الإطلاق.

تركنا العمل به في حق النبي  بالاتفاق فيبقى في الغير معمولاً به.

وأيضاً ذكره الله  في الآية بلفظ الجمع وإنه مشعر بالتعظيم.

وأيضاً قد قيل: وظلم ذوي القربى أشد مضاضة *** على المرء من وقع الحسام المهند فهذا الظلم من مسطح كان في غاية العظم وقد امره الله  بالصفح عنه، وامتثل هو فكان فيه نهاية جهاد النفس فيكون ثوابه على حسن ذلك.

وأيضاً في تسميته أولي الفضل والسعة شرف تام فكأنه قيل له: أنت أفضل من أن تقابل إنساناً بسوء وأنت أوسع قلباً من أن تقيم للدنيا وزناً فلا يليق بفضلك وسعة قلبك أن يقطع برك عمن اساء إليك.

وأيضاً أمره الله تعالى بالعفو والصفح وقال لنبيه ﴿ فاعف عنهم واصفح  ﴾ فهو من هذه الجهة ثاني اثنين له في الأخلاق.

وأيضاً علق المغفرة بالعفو وقد حصل العفو فتحصل المغفرة ألبتة في الحال وفي الاستقبال لقوله ﴿ أن يغفر ﴾ فهو للاستقبال فيكون كما قال لنبيه ﴿ ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر  ﴾ وفيه دليل على حقية خلافته وإلا كان عاصياً والعاصي في النار.

وليس النهي في قوله ﴿ ولا يأتل ﴾ نهي زجر عن المعصية ولكنه ندب إلى الأولى والأفضل وهو العفو.

عن النبي  "أفضل أخلاق المسلمين العفو" وعنه  "لا يكون العبد ذا فضل حتى يصل من قطعه ويعفو عمن ظلمه ويعطي من حرمه" واعلم أن العلماء أجمعوا على أن مسطحاً كان مذنباً لأنه أتى بالقذف أو رضي به على الروايتين عن ابن عباس، ولهذا حده رسول الله  .

وأجمعوا ايضاً على أنه من البدريين وقد ورد فيهم الخبر الصحيح "لعل الله نظر إلى أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" فكيف الجمع بين الأمرين؟

أجابوا أنه ليس المراد من قوله "اعملوا ما شئتم" أنهم خارجون عن حد التكليف وإنما المراد اعملوا من النوافل ما شئتم قليلاً أو كثيراً فقد أعطيتكم الدرجات العليات في الجنة، أو اراد حسن حالهم في العاقبة أنهم يوافون بالطاعة فكأنه قال: قد غفرت لكم لعلمي بأنكم تموتون على التوبة والإنابة.

قالت الأشاعرة: في وصف مسطح ومدحه بكونه من المهاجرين دليل على أن ثواب كونه مهاجراً لم ينحبط بإقدامه على القذف فيكون القول بالمحابطة باطلاً.

استدل جمهور الفقهاء بالاية في قول من فسر الائتلاء بالحلف على أن اليمين على الامتناع من الخير غير جائزة وإنما يجوز إذا جعلت داعية للخير لا صارفة عنه.

ثم قالوا: من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فينبغي له أن يأتي بالذي هو خير ثم يكفر عن يمينه كما جاء في الحديث ولقوله  ﴿ ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان  ﴾ وهو عام في جانب الخير وفي غيره.

ومثله ما ورد في قصة أيوب { ﴿ وخذ بيدك ضغثاً فاضرب به  ﴾ ولو كان الحنث كفارة لو يؤمر بضرب الضغث عيها.

وقال بعض العلماء: إنه يأتي بالذي هو خير وذلك كفارته لقوله  في حديث آخر "من حلف عليّ يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت بالذي هو خير وذلك كفارته" ولأنه تعالى أمر أبا بكر في هذه الآية بالحنث ولو يوجب عليه كفارة.

وأجيب بأن معنى الكفارة في الحديث تكفير الذنب لا الكفارة الشرعية التي هي إحدى الخصال، وإنما ذهبنا إلى هذا ليكون مطابقاً للحديث الآخر "من حلف عليّ يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه" وأما هذه الآية فإنما لم يذكر فيها الكفارة لأنها معلومة من آية المائدة.

قوله ﴿ أن الذين يرمون المحصنات ﴾ قد مر تفسير المحصنة.

وأما الغافلات فهن السليمات الصدور النقيات القلوب اللاتي ليس فيهن دهاء ولا مكر بحسب الغريزة أو لقلة التجارب، وقد يعين على ذلك صغر السن وغير ذلك من الأحوال.

قال الأصوليون: خصوص السبب لا يمنع العموم فيدخل في الآية قذفة عائشة وقذفة غيرها، وخصصه بعض المفسرين فمنهم من قال: المراد عائشة وحدها والجمع للتعظيم.

ومنهم من قال: عائشة مع سائر أزواج النبي  .

ومنهم من قال: هي أم المؤمنين فجمعت إرادة لها ولبناتها من نساء الأمة المشاكلة لها في الإحصان والغفلة والإيمان.

وذكروا في سبب التخصيص أن قاذف سائر المحصنات تقبل توبته لقوله ﴿ إلاّ الذين تابوا ﴾ وأما القذف المذكور في هذه الآية فوعيده مطلق من غير استثناء.

وأجيب بأنه طوى ذكر التوبة في هذه الآية لكونها معلومة.

وقد يحتج للمخصص بما روي عن ابن عباس أن كان بالبصرة يوم عرفة فسئل عن تفسير هذه الآية فقال: من أذنب ذنباً ثم تاب قبلت توبته إلا من خاض في أمر عائشة.

ومنهم من قال: نزلت الآية في مشركي مكة حين كان بينهم وبين رسول الله  عهد، وكانت المرأة إذا خرجت إلى المدينة مهاجرة قذفها المشركون من أهل مكة وقالوا: إنما خرجت لتفجر.

أما شهادة الجوارح فلا إشكال فيها عند الأشاعرة لأنهم يقولون: البنية ليست شرطاً في الحياة فيجوز أن يخلق الله  في الجوهر الفرد علماً وقدرة وكلاماً.

وقالت المعتزلة: المتكلم هو فاعل الكلام فيكون الكلام المضاف إلى الجوارح هو في الحقيقة من الله  .

ويجوز أن يبني الله هذه الجوارح على خلاف ما هي عليه ويلجئها إلى أن تشهد على الإنسان وتخبر عن أعماله.

ومعنى ﴿ دينهم الحق ﴾ الجزاء المستحق.

وقال في الكشاف: معنى قوله ﴿ هو الحق المبين ﴾ العادل الظاهر العدل.

وقال غيره: سمي حقاً لأنه حق عبادته أو لأنه الموجود بالحقيقة وما سواه فوجوده مستعار زائل.

والمبين ذو البيان الصحيح أو المظهر للموجودات.

فالحصال أنه واجب الوجود لذاته مفيد الوجود لغيره.

ثم ختم الآيات الواردة في أهل الإفك بكلمة جامعة وهي قوله ﴿ الخبيثات ﴾ يعني الكلمنات التي تخبث مواردها ويستقذرها من يخاطب بها ويمجها سمعه ككلمات أهل الإفك، ويجوز أن يراد بالخبيثات مضمون الآيات الواردة في وعيد القذفة لأن مضمونها ذم ولعن وهو يستكره طبعاً وإن كان نفس الكلمة التي هي من قبل الله  طيباً.

وعلى الوجهين يراد بالخبيثين الرجال والنساء جميعاً إلا أنه غلب الرجال.

والحاصل أن الخبيثات من القول تقال أو تعد للخبيثين من الرجال والنساء، والخبيثون من الصنفين للخبيثات من القول وكذلك الطيبات والطيبون ﴿ أولئك ﴾ الطيبون ﴿ مبرؤن مما ﴾ يقول الخبيثون من خبيثات الكلم.

قال جار الله: هو كلام جارٍ مجرى المثل لعائشة وما رميت به من قول لا يطابق حالها في النزاهة والطيب، وجوز بقرينة الحال أن يكون ﴿ أولئك ﴾ إشارة إلى أهل البيت عليهم السلام وأنهم مبرؤون مما يقول أهل الإفك.

وفي الآية قول آخر وهو أن يراد بالخبيثات النساء الخبائث، وبالخبيثين الرجال الذين هم أشكال لهن فيكون أول الآية نظير قوله ﴿ الزاني لا ينكح إلا زانية ﴾ وكذلك الكلام في أهل الطيب ولا أطيب من رسول الله  فيكون أزواجه مثله فلذلك أخبر عن حالهن بقوله ﴿ لهم مغفرة ورزق كريم ﴾ وقد مر تفسير الرزق الكريم في "الحج" نظيره قوله في الأحزاب ﴿ وأَعتدنا لها رزقاً كريماً  ﴾ وفي الآية دلالة على أن عائشة من أهل الجنة.

وقال بعض الشيعة: هذا الوعد مشروط باجتناب الكبائر وقد فعلت عائشة من البغي يوم الجمل ما فعلت، والصحيح عند العلماء إنها رجعت عن ذلك الاجتهاد وتابت.

عن عائشة: لقد أعطيت تسعاً من أعطيتهن امرأة: لقد نزل جبريل  بصورتي في راحته حين أمر النبي أن يتزوجني، ولقد تزوجني بكراً وما تزوج بكراً غيري، ولقد توفي وإن رأسه لفي حجري، ولقد قبر في بيتي، ولقد حفته الملائكة في بيتي، وإن الوحي لينزل عليه في أهله فيتفرقون عنه وإن كان لينزل عليه وأنا معه في لحافه، وإني لابنة خليفته وصدّيقه، ولقد نزل عذري من السماء، ولقد خلقت طيبة عند طيب، ولقد وعدت مغفرة ورزقاً كريماً.

وعن بعضهم: برأ الله أربعة بأربعة: برأ يوسف بلسان الشاهد ﴿ وشهد شاهد من أهلها  ﴾ وبرأ موسى من قول اليهود فيه بالحجر الذي ذهب بثوبه، وبرأ مريم بإنطاق ولدها حين نادى من حجرها إلى عبد الله، وبرأ عائشة بهذه الآيات العظام في كتابه المتلو على وجه الدهر مثل هذه التبرئة بهذه المبالغات، فانظر كم بينها وبين تبرئة أولئك وما ذاك إلا لإظهار علو منزلة سيد الأولين والآخرين وحجة الله على العالمين.

التأويل: إذا حصل لأهل الله مسألة إلى غيره قيض الله له ما يرده إليه، وأن النبي  لما قيل له: أي الناس أحب إليك؟

قال: عائشة فساكنها وقال: يا عائشة حبك في قلبي كالعقدة.

وقالت عائشة: إني أحبك وأحب قربك فالله  حل عقدة الحب عن قلبه لحديث الإفك ورد قلب عائشة إلى حضرته حتى قالت حين ظهرت براءة ساحتها "بحمد الله لا بحمدك".

وقيل: الملامة مفتاح باب حبس الوجود بها يذوب الوجود ذوبان الثلج بالشمس ﴿ يوم تشهد عليهم ﴾ شهادة الأعضاء في القيامة مؤجلة وبالحقيقة هي في الدنيا معجلة كقوله { ﴿ تعرفهم بسيماهم  ﴾ من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار وقال الشاعر: عيناك قد حكتا مبيتك *** كيف كنت وكيف كانا ولرب عين قد أرتك *** مبيت صاحبها عياناً وإذا كانت الإمارة في الدنيا ظاهرة فهي في القيامة أولى فاللسان يشهد بالإقرار بقراءة القرآن، واليد تشهد بأخذ المصحف، والرجل تشهد بالمشي إلى المسجد، والعين تشهد بالبكاء، والأذن تشهد باستماع كلام الله.

وعند الحكماء تظهر أنوار الملكات الحميدة على النفس من البدن وبالعكس كما تتعاكس أنوار المرايا المتقابلة، ويعلمون أهل الوصول والوصال أن الله هو الحق المبين لا شيء في الوجود غيره لا في الدنيا ولا في الآخرة، وحينئذ يحق أن يقال: ﴿ الخبيثات ﴾ وهن الملوثات بلوث الوجود المجازي ﴿ للخبيثين ﴾ وهم أمثالهن ﴿ والطيبات ﴾ من لوث الحدوث ﴿ للطيبين ﴾ وهم أشكالهن ولا طيب إلا الله وحده.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُوا بِٱلإِفْكِ ﴾ .

أي: بالكذب.

﴿ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ ﴾ .

أي: جماعة منكم.

ثم اختلف في قوله: ﴿ مِّنْكُمْ ﴾ .

قال قائلون: كانوا من أصحاب عائشة رموها بما ذكر في الآية.

وقال بعضهم: كانوا منافقين، من نحو: عبد الله بن أبي رأس المنافقين، وحسان ابن ثابت، وغيرهما.

وقال بعضهم: كان ذلك من الفريقين جميعاً: من أصحاب أبي بكر وأقربائه، والمنافقين أيضاً.

فإن كان ذلك من أصحاب عائشة -  ا - وقراباتها فذلك يخرج منهن على الغفلة والعثرة، ليس على الانتقام والحقد؛ لأن القرابات والمتصلين بالرحم لا يقصد بعضهم ببعض الانتقام والحقد بمثله؛ فإذا كان كذلك فيخرج ذلك منهم إن كان مخرج الغفلة والزلة لا مخرج الانتقام.

وإن كان ذلك من المنافقين فهو على الانتقام وطلب الشين منهم لها، وكأن في ظاهر الآية دلالة افتراء الإفك من المنافقين، ثم تسامع المؤمنون بعد ذلك، ويتلقى بعضهم من بعض؛ حيث قال: ﴿ لَّوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً ﴾ ؛ فإن كان ذلك فهو على ما وصفنا: أن ذلك من المؤمنين غفلة وزلّة وعثرة، ومن المنافقين انتقام وطلب شين، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ .

قال بعضهم: لا تحسبوه شرّاً لكم؛ لأنكم تؤجرون وتثابون على ما قيل فيكم من الفحش والقذف بما قرفوا به؛ بل هو خير لكم في الآخرة؛ على ما ذكرنا من الأجر.

ويحتمل قوله: ﴿ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ في الدنيا؛ لما برأه الله مما قرفوا به، ودفع عنهم تمكين ما قرفوا به، ووعد لهم الجنة بقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ  ﴾ ، وكان قبل نزول هذه الآية موهوم عند الناس فيها متمكن احتمال ذلك الفعل؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: ﴿ يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ  ﴾ ، وقال: ﴿ وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للَّهِ وَرَسُولِهِ...

﴾ الآية [الأحزاب: 31] كانت كالمؤمنات جميعاً موهوم عنهن عند الناس، محتمل ذلك؛ فلما قرفت - رفع الله ما كان موهوماً عند الناس قبل ذلك، ووعد لهم الأجر الكريم والرزق الحسن بقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ : فلا شك أن ذلك خير لهم في الدنيا وشر لأولئك الذين رموها حتى لم يتجاسر أحد بعد ذلك، ولا اجترأ أن يظن فيها ظن السوء، فضلا عن أن يقول فيها سوءاً، وقصّة عائشة -  ا - طويلة، لكنا نذكر ما كان بنا إلى ذلك حاجة.

أو أن يقال: بل هو خير لكم لما أنزل الله -  - فيهم آيات فيها براءتهم عما قرفوا به تتلى تلك الآيات إلى يوم القيامة، وذلك خير لهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ مَّا ٱكْتَسَبَ مِنَ ٱلإِثْمِ ﴾ .

إثمه: ما قرفها به.

﴿ وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ .

هو ذلك المنافق الذي ألقى ذلك في الناس، ﴿ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ : فيه دلالة أنه يموت على نفاقه، وكذلك مات على نفاقه؛ فلحقه ذلك الوعيد، قيل: هو عبد الله بن أبي ابن سلول، والله أعلم.

وقال بعضهم: ﴿ وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ ﴾ ، أي عظمه من المعصية، يعني: عبد الله بن أبي ابن سلول ﴿ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ ؛ لأنه كان منافقاً.

وقوله: ﴿ لَّوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً ﴾ .

قال بعضهم: هلا إذ سمعتموه قذف عائشة -  ا - بصفوان كذبتم أنتم أولئك القذفة، يقول: ألا ظن بعضهم ببعض خيرا، وهلا قالوا: ﴿ هَـٰذَآ إِفْكٌ مُّبِينٌ ﴾ ، يقول الله: هلا قالوا: القذف كذب مبين، وعلى هذا يخرج - أيضاً - قوله: ﴿ لَّوْلاَ جَآءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ ﴾ ، أي: هلا قالوا لهم: جيئوا بأربعة شهداء على قذفكم إياهم؛ فإذا هم ﴿ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَآءِ فَأُوْلَـٰئِكَ عِندَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ ﴾ .

ويحتمل أن يكون قوله: لولا إذ سمعتموه ظننتم بهم ظنا: ما يظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا دون أن قالوا: إفك مبين.

أو أن يكون التأويل: إن لم يظن أحد منكم بنفسه إذا كان مع أزواج رسول الله  [ذلك]، فكيف ظن بصفوان ذلك إذا كان هو مع أزواجه؟!

أو أن يقال: إذا لم يكن يظن أحد منكم بأمهاته ومحارمه ذلك، فكيف ظنّ بأزواج رسول الله  وهن أمّهاتكم وأمّهات جميع المؤمنين؟!

والله أعلم.

وقوله: ﴿ لَّوْلاَ جَآءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ ﴾ .

أي: لم يكن لهم بما قذفوا شهداء، ولا يجدون على ذلك شهداء.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ لَّوْلاَ ﴾ ، أي: لم يكن؛ كقوله: ﴿ فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ  ﴾ ، أي: لم يكن من القرون من قبلكم أولو بقية ﴿ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْفَسَادِ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً  ﴾ .

وإلا على تأويل (هَلا) يبعد؛ لأنّه لم يكن لهم شهداء على ذلك؛ فكيف يأتون؟!

وقوله: ﴿ فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَآءِ فَأُوْلَـٰئِكَ عِندَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ ﴾ .

وإن أتوا بالشهداء على أمر عائشة كانوا كاذبين أيضا؛ فدل أن تأويل قوله: ﴿ لَّوْلاَ جَآءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ ﴾ ، أي: لم يكن شهداء؛ فكيف قذفوها؟!

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: [أحدهما]: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ﴾ : حيث أنزل في قذفكم عائشة بصفوان آيات في براءتهما حتى تبتم عن ذلك، وإلا لمسّكم العذاب في الآخرة بذلك.

والثاني: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ﴾ لمسكم العذاب، ولعاقبكم بما قلتم في عائشة في الدنيا؛ على هذا التأويل: العذاب الموعود: في الدنيا، وعلى التأويل الأول: الوعيد في الآخرة، لكن بفضله ورحمته دفع عنكم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فِي مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ ﴾ ، أي: خضتم فيه.

وقال بعضهم في قوله: ﴿ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً ﴾ ، أي: بأمثالهم خيراً، تأويله: لولا ظن المؤمنون بأمثالهم خيرا دون أن يظنوا بهم شرا.

وفيما عظم الله - عز وجل - أمر القذف وشدد فيه ما لم يشدد في غيره ولم يعظم وجوه: أحدها: قطع طمع أهل الفجور والريبة فيهن، لئلا يطمع أحد منهم في المحصنات وأولاد الكرام ذلك الفضل، فقطع طمعهم بما شدّد فيه؛ لئلا يقرفن بذلك، ولا يطمع فيهن ذلك.

والثاني: بترك الناس الرغبة في مناكحة المحصنات وأولاد الكرام، ويرغبون فيمن دونهن، ويحدث أيضاً الضغائن والعداوة بين القذفة وبين المتصلين بالمقذوفات.

وقوله: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ﴾ لكان كذا: هذا من الله على الإيجاب، أي: قد كان منه ذلك، وإذا كان مضافاً إلى الخلق فهو على أنه لم يكن ذلك؛ ولذلك تأولوه: هلا.

وعن ابن عباس أنّه قال في قوله: ﴿ لَّوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ ﴾ ، يقول: قال للمؤمنين: ﴿ لَّوْلاۤ ﴾ : هلا إذ بلغكم عن عائشة وصفوان ﴿ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً ﴾ ، يقول: فظننتم بعائشة ظنكم بأنفسكم، وعلمتم أن أمكم لا تفعل ذلك، وكذلك المؤمنة لا تفعل ذلك، وقلتم: هذا إفك مبين.

﴿ لَّوْلاۤ ﴾ : هلا جاءوا عليه بأربعة شهداء على قولهم، ويصدّقوهم على مقالتهم، فإذا لم يأتوا بالشهداء كذبتموهم؛ فأولئك عند الله هم الكاذبون، وهو قريب مما ذكرنا فيما تقدم.

وقوله: ﴿ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ ﴾ بالتشديد، أي: تقبلونه، وتلقونه - بالتخفيف - أي: تأخذونه من الولق، وهو الكذب، وكذلك قرأت عائشة.

وقال أبو عوسجة: ﴿ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ ﴾ ، أي: تقولونه، قال: تلقيت الكلام، ولقنت وتلقنت: واحد.

وقوله: ﴿ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ ﴾ من غيركم.

﴿ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ ﴾ فيما بينكم.

وجائز أن يكونا جميعاً واحداً، أي: تتكلمون بألسنتكم، وتقولون بأفواهكم ﴿ مَّا لَّيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ ﴾ أي: من غير أن تعلموا أن الّذي قلتم من القذف قد كان، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً ﴾ قال بعضهم: تحسبون القذف ذنباً هيناً.

﴿ وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٌ ﴾ في الوزر.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً ﴾ : في الّدين؛ لأن القذف يحدث نقصاناً في الدين، والنقصان في الدين عظيم عند الله وتحسبونه أنتم هيناً.

ثم وعظ الذين خاضوا في أمر عائشة فقال: ﴿ وَلَوْلاَ ﴾ يقول: [هلا] ﴿ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ﴾ أي: القذف، ﴿ قُلْتُمْ مَّا يَكُونُ لَنَآ ﴾ أي: ما ينبغي لنا أن نتكلم بهذا الأمر، وهلا قلتم: ﴿ سُبْحَانَكَ هَـٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ﴾ لعظم ما قالوا فيها، والبهتان: الذي يبهت، فيقول: ما لم يكن من قذف أو غيره.

وقال أبو عوسجة: البهتان: الكذب، يقال: بهت أي: كذب.

﴿ يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَداً ﴾ أي: القذف أبداً.

﴿ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ * وَيُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَاتِ ﴾ في بيان ذلك وبراءتهم، أو يبين أوامره ونواهيه.

﴿ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ أي: عليم بكل شيء من قول أو فعل، حكيم يضع كل شيء موضعه.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلْفَاحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ كان أصل النفاق هم الذين أحبوا أن تشيع الفاحشة، وإلا أهل الإسلام لا يحبون ذلك في المؤمنين ﴿ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ في الآخرة؛ لنفاقهم وقرف عائشة.

وأما في المؤمنين فهو ما قال: ﴿ يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَداً إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ ﴾ .

وروي عن عمرة عن عائشة قالت: "لما نزل عذري قام رسول الله على المنبر، فذكر ذلك، وتلا القرآن، فلما نزل أمر برجلين وامرأة فضربوا حدَّهم" .

وعن ابن عباس أن رسول الله  ضرب عبد الله بن أبي، وحسان، ومسطح بن أثاثة الحد، وفي بعض الأخبار: وامرأة أيضاً، وقيل: خمسة، لكل واحد ثمانين جلدة.

ثم ما ذكر من قذف عائشة أنه بهتان عظيم وقوله: ﴿ وَتَحْسَبُونَهُ ﴾ ﴿ وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ ونحوه فجائز أن يكون في قذف كل محصنة بريئة دون أن يكون ذلك خصوصا لعائشة، وهو كما ذكر في قذف المحصنات ﴿ وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ﴾ .

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلْفَاحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ هذا يحتمل وجهين: أحدهما: يشيعون الفاحشة ويذيعونها في الذين آمنوا هم الذين تولوا إشاعتها وإذاعتها فيهم لهم ما ذكر من العذاب الأليم.

والثاني: يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا؛ ليكون ذلك ذريعة لهم في المؤمنين فيقولون: إن دينكم لم يمنعكم عن الفواحش والمنكر.

﴿ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ ﴾ ؛ لأنهم كانوا منافقين [و] منهم كان أول بدء القذف، وبهم شاع؛ لذلك كان لهم هذا الوعيد.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ أي: والله يعلم حقائق الأشياء وأنتم لا تعلمون حقائقها.

وفيه دلالة تعليق الحكم بالظواهر دون تعليقه بالحقائق.

وقوله: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ ٱللَّهَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ لم يذكر جواب قوله: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ﴾ ، فجوابه ما ذكر في قوله: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً ﴾ بفضله يزكو من زكا، وبرحمته يصلح من صلح، لا يصنع من نفسه.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إن الذين يحبون أن تنتشر المنكرات -ومنها القذف بالزنى- في المؤمنين، لهم عذاب موجع في الدنيا بإقامة حد القذف عليهم، ولهم في الآخرة عذاب النار، والله يعلم كذبهم، وما يؤول إليه أمر عباده، ويعلم مصالحهم، وأنتم لا تعلمون ذلك.

<div class="verse-tafsir" id="91.APJYn"

مزيد من التفاسير لسورة النور

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.6 / 29.5
الإضاءة 22%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده